← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 122258

جهود علماء المسلمين في نقد الكتاب المقدس من القرن الثامن الهجري إلى العصر الحاضر "عرض ونقد"

رمضان الدسوقي

Полный текст (438 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

مرقس - لوقا - متى - يوحنا مرقس: شهود زور: قوم. لوقا: لا يوجد شهود ويوجد استنطاق. متى: شهود زور: شاهدان. يوحنا: لا يوجد شهود زور ويوجد استنطاق. = مرقس: أأنت المسيح ابن المبارك (١٤ - ٦١) سأله رئيس الكهنة. لوقا: أفأنت ابن الله (من الجميع) (٢٢ - ٧٠). متى: أنت المسيح ابن الله (٢٦ - ٦٣) سأله رئيس الكهنة مستحلفًا إياه بالله. يوحنا: فسأل رئيس الكهنة يسوع عن تلاميذه وعن تعليمه (١٨ - ١٩). = مرقس: أنكر بطرس المسيح بعد محاكمته. لوقا: أنكره قبل محاكمته. متى: أنكره بعد محاكمته. يوحنا: أنكره قبل محاكمته. = مرقس: قالت الجارية لبطرس: وأنت كنت مع يسوع الناصري (١٤ - ٦٧). لوقا: وقالت: وهذا كان معه (٢٢ - ٥٦). متى: وقالت: وأنت كنت مع يسوع الجليلي (٢٦ - ٦٩). يوحنا: فقالت الجارية البوابة: ألست أنت أيضًا من تلاميذ هذا الإنسان؟ (١٨ - ١٧). = مرقس: فمزق رئيس الكهنة ثيابه وقال ما حاجتنا بعد إلى شهود (١٤ - ٦٣). لوقا: لم يمزق ثيابه. متى: مزق رئيس الكهنة ثيابه قائلاً: لقد جدف، ما حاجتنا بعد إلى شهود (٢٦ - ٦٥). يوحنا: لم يمزق ثيابه. ويعلق أ/علاء أبو بكر، على ما ورد في الأناجيل الأربعة حول المحاكمة الأولي فيقول: (الاختلاف بين الأناجيل الأربعة يبين لنا عدم اتفاق هؤلاء الإنجيليين ليدل على عدم كونهم ملهمين، وإن قالوا بأن هذه الكتب كانت بمنزلة التاريخ لضبط أحوال هذا الرجل المصلوب، فمن الواجب أن يتفقوا في الحكاية إثباتًا ونفيًا وتقريرًا لأنهم لا بد أن يكونوا قد رأوا الحادث رأى العين ولم يرووا عن غيرهم، وإن قالوا بإلهامهم لوجب أنه لا يختلفوا ولا في حرف واحد ولو جاز تطرق الاختلاف في أخبار الوحى لبطلت الشرائع) (١). وقد انتقد العلامة أحمد ديدات هذه المحاكمة ووصفها بأنها مهزلة فاليهود أرادوا إدانة يسوع وانتهاء أمره، وفي منتصف الليل جهزوا شهود زور ليشهدوا ضد يسوع وانعقاد المحكمة بعد منتصف الليل كان ضد معتقدات اليهود لكن هذا الخروج عن الإجراءات لا يهم رغم تشجيع وتعاطف المحققين والمحلفين للشهود فإن شهود الزور لم يستطيعوا أن يتفقوا في القرائن والوقائع التي يشهدون بها ... من الناحية القانونية لم يستطيعوا أن يجرموه، الاختلاف المباشر كان ضروريًا. يتدخل الكاهن الأكبر في المحاكمة قائلًا: خبرنا إذن أأنت المسيح ابن المبارك "فقال يسوع أنا هو" مرقس (١٤/ ٦١ - ٦٢) تقول إنك ابن الله كفى تجديفًا ... وكان الحكم سريعًا وبالإجماع ... لكن اليهود لم يستطيعوا .. أن يشنقوه أخذوا ضحيتهم في الصباح إلى بيلاطس لأنهم حسب قولهم: "لا يحق لنا قانونًا أن نقتل أحدًا" يوحنا (١٨/ ٣١) (٢).

стр. 387

أما العلامة رحمة الله الهندي، فقد وضع يده على ما في هذه المحاكمة من غلط متعمد من كتبة الأناجيل وقال: إنه يوجد في إنجيّل يوحنا غلط في هذه المحاكمة والنص يقول: "فقال لهم واحد منهم هو قيافا كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة أنتم لستم تعرفون شيئًا ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها ولم يقل هذا من نفسه بل كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة تنبأ أن يسوع منتظر أن يموت عن الأمة، وليس عن الأمة فقط؛ بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد (١) وقال: وهذا غلط من وجوه منها: ١ - أن مقتضى هذا الكلام أن رئيس كتبة اليهود لا بد من أن يكون نبيًا وهو فاسد يقينًا. ٢ - أن قوله هذا لو كان بالنبوة يلزم أن يكون موت عيسى ﵇ كفارة عن قوم اليهود فقط لا عن العالم وهو خلاف ما يزعمه أهل التثليث، ويلزم أن يكون قول الإنجيلي وليس عن الأمة فقط ... الخ لغوًا مخالفًا للنبوة. والعلامة البغدادي في نقده للمحاكمة الأولي أخذ عليها مآخذ عدة وقال إنها مليئة بالمتناقضات: التناقض الأوّل: فقد ذكر متي: أن يسوع مضوا به إلى دار رئيس الكهنة قيافا، ومرقس وافقه على ذلك إلا أنه خالفه بعدم ذكره اسم قيافا، ولوقا من حيث أنه ذكر في روايته أن القابضين عليه هم رؤساء الكتبة وشيوخ الشعب لم يوافق صاحبيه هنا على ذلك؛ بل المفهوم من كلامه: أن الرؤساء سلمته إلى الخدام ومكث الليل بطوله معذبًا بأيدي الخدام إلى الصباح، وبعد اجتماع مشيخة الشعب أصعدوه إلى مجمعهم وانفرد يوحنا بقوله: "أخذوه أولًا إلى دار حنَّان، ثم إلى دار قيافا رئيس الكهنة" (٢). التناقض الثاني: وهو اضطراب الأناجيل في تقديم الشهود عليه، فعبارة مترجم متى خبيصة أطفال إذ لا معني لقوله: "طلبوا شهادة زور ليقتلوه، فلم يجدوا مع أنه جاء شهود زور كثيرون لم يجدوا، ولكن أخيرًا تقدم شاهد زور" ومرقس تخلص من هذا التشويش في العبارة وقال: "ثم قام قوم وشهدوا عليه زورًا قائلين: نحن سمعناه يقول: إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي في ثلاثة أيام أبي آخر غير مصنوع بأياد" وقد سمى شهادتهم هذه شهادة زور، وليست كذلك، بل هي حق كما سموا منه في الهيكل كما في إنجيل يوحنا (٢٠/ ١٩) ونصه: "فقال لهم: انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه" .. الخ فهل يُقال لهؤلاء الشهود أنهم زوروا وكذبوا، وهم شهدوا كما سمعوا منه وتشهد الأناجيل بصدقهم (٣).

стр. 388

وخلاصة هذه المحاكمة: وجود الاختلاف والاضطرابات في رواية المحاكمة في الأناجيل الأربعة فإذا اتفقوا على أمر اختلفوا في آخر وإذا اتفق بعضهم على أمر اختلف البعض الآخر وهذه ليست من سمات الوحى الإلهي وبالتالي تُرفع القداسة عن هذه الأناجيل ويتبين أنها من وضع بشر. ب. المحاكمة الثانية أمام بيلاطس: ونص المحاكمة جاء فيه: وللوقت في الصباح تشاور رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة والمجمع كله، فأوثقوا يسوع ومضوا به وسلموه إلى بيلاطس، فسأله بيلاطس أنت ملك اليهود فأجاب وقال له: أنت تقول ... فمضي به العسكر إلى داخل الدار التي هي دار الولاية وجمعوا كل الكتيبة وألبسوه أرجوانًا وضفروا إكليلًا من شوك ووضعوه عليه، وابتدأوا يسلمون عليه قائلين: "السلام يا ملك اليهود، وكانوا يضربونه على رأسه بقصبة ويبصقون عليه .. ثم خرجوا به ليصلبوه" مرقس: (١٥/ ١ - ٢٠). مرقس - لوقا - متى - يوحنا مرقس: - لوقا: - متى: نهاية يهوذا + حلم زوجة بيلاطس. يوحنا:- = مرقس: - لوقا: - متى: استخدم متى الفترة ما بين قرار مجلس الكهنة والمحاكمة أمام بيلاطس في ذكر نهاية يهوذا. يوحنا:- = مرقس: - لوقا: اقتنى حقلًا من أجرة الظلم (أعمال الرسل ١ - ١٨). متى: رجع يهوذا إلى المجلس وطرح النقود في الهيكي (٢٧ - ٥). يوحنا:- = مرقس: - لوقا: مات ميتة دموية انشق فيها وسطه وانسكبت جميع أحشؤه كلها (أعمال الرسل ١٨ - ١٩). متى: مضى ليخنق نفسه (٢٧ - ٥٤). يوحنا:- = مرقس: - لوقا: سمي الحقل حقل دم نتيجة الميتة الدموية التي لقيها يهوذا (أعمال الرسل ١ - ١٩). متى: سمي حقل دم لأنه اشتُري بنقود كانت ممن بيع دمك بريء (٢٧/ ٦ - ٨). يوحنا:- = مرقس: قال لهم بيلاطس: أتريد أن أطلق لكم ملك اليهود (١٥ - ٩). لوقا: - متى: مَنْ مِنْ الاثنين تريدون أن أُطلق لكم؟ (٢٧ - ٢١). يوحنا: أتريد أن أُطلق لكم ملك اليهود؟ (١٨ - ٣٩). = مرقس: بارباس يُحدث فتنة (قاتل) (١٥ - ٧). لوقا: مُحدث فتن وقاتل (٢٣ - ١٩). متى: أسير مشهور (٢٧ - ١٦). يوحنا: بارباس لص (١٨ - ٤٠). = مرقس: كان الشيوخ والكهنة والكتبة والمجمع كله عند محاكمته. لوقا: رؤساء الكهنة والعظماء والشعب (٢٣ - ١٣). متى: رؤساء الكهنة والشيوخ والشعب والجموع. يوحنا: المحاكمة في دار الولاية والكهنة والشعب لم يدخلوا دار الولاية.

стр. 389

مرقس - لوقا - متى (٢٧/ ١ - ٢٠) -يوحنا حتى لا يتنجسوا (١٨ - ٢٨). مرقس: جنود بيلاطس ألبسوا أروجوانًا وضفروا إكليلًا من شوك ووضعوه عليه (١٥/ ١٦ - ١٧). لوقا: احتقره هيردوس مع عسكره واستهزأ به وألبسه لباسًا لامعًا ورده إلى بيلاطس (٢٣ - ١١). متى: جنود بيلاطس عرُّوه وألبسوه رداءًا قرمزيًا وضفروا إكليلاً من شوط ووضعوه على رأسه (٢٧/ ٢٧ - ٢٩). يوحنا: جنود بيلاطس ألبسوه ثوب أرجوان وإكليلاً من الشوك ووضعوه على رأسه (١٩/ ١ - ٢). = مرقس: ألبسوه أرجوانًا (فوق ملابسه) ولم يعروه كما ذكر متى (١٥ - ١٧). لوقا: ألبسوه رداءًا ولم يعروه ولم يلبسوه إكليل الشوك (٢٣ - ١١). متى: عروه وألبسوه رداءً قرمزيًا (٢٧ - ٢٨). يوحنا: ألبسوه ثوبًا أرجوانيًا ولم يعروه (١٩ - ٢). = مرقس: لم يعطوه قصبة في يمينه بل ضربوه بها (١٥ - ١٩). لوقا: لم يعصوه قصبة. متى: وقصبة في يمينه (٢٧ - ٢٩). يوحنا: لم يُعطوه قصبة. = مرقس: ثم يسجدون له (١٥ - ١٩). لوقا: لم يسجدوا أمامه. متى: كانوا يجثون قُدامه (٢٧ - ٢٩). يوحنا: لم يسجدوا أمامه. = مرقس: نزعوا عنه الأرجوان وألبسوه ثيابه ثم خرجوا به ليصلبوه (١٥ - ٢٠). لوقا: لم ينزعوا من عليه (١٣ - ١١). متى: نزعوا عنه الرداء وألبسوه ثيابه ومضوا به للصلب (٢٧ - ٣١). يوحنا: لم ينزعوا ردائه عنه (١٩ - ٥). = مرقس: شفاعة بيلاطس عند اليهود في المسيح مرة واحدة. لوقا: شفاعته في المسيح ثلاث مرات. متى: شفاعته في المسيح مرة واحدة. يوحنا: شفاعته في المسيح ثلاث مرات. = مرقس: هيج رؤساء الكهنة الجميع لكي يُطلق لهم بارباس (١٥ - ١١). لوقا: صرخوا (من أنفسهم) بجملتهم قائلين: خذ هذا وأطلق لنا باراباس (٢٣ - ١٨). متى: لكن رؤساء الكهنة والشيوخ حرضوا الجموع على أن يطلبوا بارباس (٢٧ - ٢٠). يوحنا: فصرخوا جميعهم قائلين: ليس هذا بل بارباس (أيضًا هنا من أنفسهم دون تحريض). = مرقس: - لوقا: - متى: غسل يديه أمام الجميع قائلاً: إني بريء من دمه (٢٧ - ٢٤). يوحنا:- = مرقس: - لوقا: - متى: وقالوا: إن دمه علينا وعلى أولادنا (٢٧ - ٢٥). يوحنا:- = مرقس: أسلم يسوع بعد ما جلده ليصلب (١٥ - ١٥). لوقا: أسلم يسوع لمشيئتهم (٢٣ - ٢٥). متى: جلد بيلاطس يسوع وأسلمه ليصلب (٢٧ - ٢٦). يوحنا: أخذ بيلاطس يسوع وجلده (١٩ - ١). = مرقس: - لوقا: فأنا أؤدبه وأطلقه (٢٣ - ٢٢). متى:- يوحنا:- = مرقس: - لوقا: سأله بيلاطس: هل الرجل جليلي؟ (٢٣ - ٦). متى:- يوحنا:- = مرقس: - لوقا: حوكم أيضًا أما هيرودس. متى:- يوحنا:- = مرقس: - لوقا: وتبدو هنا شخصية هيردوس غريبة جدًا فهو يفرح للقاء نبي العدل والرحمة والخلاص الذي تمنى لقاءه من زمان طويل، متى:- يوحنا:-

стр. 390

مرقس - لوقا - متى - يوحنا مرقس: - لوقا: وفجأة يراه ويحتقره بناءً على شكوى كيدية مع علمه أنه حوكم من قبل أمام بيلاطس ولم يجد فيه علة. متى:- يوحنا:- = مرقس: - لوقا: - متى:- يوحنا: فقال لهم بيلاطس: خذوه أنتم احكموا عليه حسب ناموسكم فقال لهم: لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا (١٨ - ٣١). وينتقد د/ سعد الدين صالح، هذه المحاكمة فيقول وهو يبين الاختلاف الواقع بين الأناجيل في روايتها: اختلفت رواية متي عن رواية لوقا في محاكمته، فبينما يذكر متى أن بيلاطس والي بيت المقدس لم يرسل عيسى إلى هيروديس مساعده ويذكر لوقا أنه أرسله إليه، أيضًا لم يذكر مرقس شيئًا عن إرساله إلى هيروديس فمن أين أتى لوقا بهذه الزيادة ولم تركها الباقون؟ (١). ثم يخبرنا العلامة أحمد ديدات أن بيلاطس في هذه المحاكمة يرى أن يسوع ليس مذنبًا لكن أعداء يسوع يتساومون مع بيلاطس فيقولون: "إن أطلقت هذا فلست بمحبًا لقيصر، كل من يجعل نفسه ملكًا يقاوم قيصر" يوحنا (١٩/ ١٢) وأثناء إجراء المحاكمة ترسل زوجة بيلاطس إليه رسالة تقول: "إياك وذلك البار لأني تألمت اليوم كثيرًا في حلم من أجله" (متي: ٢٧/ ١٩) ومع أن بيلاطس كان يحاذر أن يصدق على حكم الإعدام على أحد الرعايا الأبرياء غير الضارين، ورغم توسل زوجته العزيزة، فإنه لم يستطع أن يتغلب على ضغط اليهود، وأُجبر أن يستسلم لصياح اليهود خارج القصر صارخين: "ليصلب ... أخذ ماءً وغسل يديه قدام الجميع قائلًا إني برئ من لم هذا البار" (متى: ٢٧/ ٢٤) وقال لهم أنتم أبصرتم بهذا الاتهام الظالم، وأسلم إليهم يسوع لكي يصلب (٢).

стр. 391

٥ - الصلب: اختلفت الأناجيل أيضًا في طريقة الصلب ووقته ومن هو حامل الصليب وفي الشراب الذي ناولوه للمصلوب وثياب المصلوب ومن الذي صُلب معه؟ وغير ذلك من أمور .. ومما جاء في رواية الصلب ما ذكره مرقس: "وبعد ما استهزأوا به نزعوا عنه الأرجوان وألبسوه ثيابه ثم خرجوا به ليصلبوه فسخروا رجلًا مجتازًا كان آتيًا من الحقل وهو سمعان القيرواني ليحمل صليبه ... وأعطوه خمرًا ممزوجة بمر ليشرب فلم يقبل، ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها ماذا يأخذ كل واحد وكانت الساعة الثالثة فصلبوه وكان عنوان علته مكتوبًا، ملك اليهود وصلبوا معه لصين واحدًا عن يمينه وآخر عن يساره ... ولما كانت الساعة السادسة كانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت قائلًا: "إلوى إلوى لما شبقتني" الذي تفسيره: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح ... وكانت أيضًا نساء ينظرن من بعيد بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير وبوس وسالومة، اللواتي أيضًا تبعنه" مرقس: (١٥/ ٢٠ - ٤١). وقد عرض أ/ علاء أبو بكر، الجدول هنا أيضًا ليبين مواطن الاختلاف بين الروايات في الأناجيل الأربعة: مرقس - لوقا - متى - يوحنا = مرقس: حامل الصليب سمعان القيرواني (١٥ - ٢١). لوقا: سمعان القيرواني (٢٣ - ٢٦). متى: سمعان القيرواني (٢٧ - ٣٢). يوحنا: عيسى ﵇ نفسه (١٩ - ١٧). = مرقس: شراب المصلوب: أعطوه خمرًا ممزوجة بمر ليشرب فلم يقبل (١٥ - ٢٣) وكان هذا قبل الصلب ليخفف الألم. لوقا: لم يعطوه ليشرب قبل الصلب. متى: أعطوه خلاً ممزوجًا بمرارة ليشرب، فلما ذاق لم يرد أن يشرب (٢٧ - ٣٤). يوحنا: لم يعطوه ليشرب قبل الصلب. = مرقس: علة المصلوب: وكان عنوان علته مكتوبًا: ملك اليهود (١٥ - ٢٦). لوقا: وكان عنوان مكتوب فوقه بأحرف يونانية ورومانية وعبرانية: هذا هو ملك اليهود (٢٣ - ٣٨). متى: وجعلوا فوق رأسه علّته مكتوبة: هذا هو يسوع ملك اليهود (٢٧ - ٣٧). يوحنا: يسوع الناصري ملك اليهود بالعبرانية واليونانية واللاتينية (١٩/ ١٩ - ٢٠). = مرقس: اللصان والمصلوب: واللذان صلبا معه كانا يُعَيِّرانه (١٥ - ٣٢). لوقا: وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلاً: إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا، فأجاب الآخر وانتهره قائلاً أو لا أنت تخاف الله ... فقال له يسوع: الحق أقول إنك اليوم تكون معي في الفردوس (٢٣/ ٣٩ - ٤٣). متى: وبذلك أيضًا كان اللصان اللذان صلبا معه يعيرانه (٢٧ - ٤٤). يوحنا: لم يذكر أن اللصين استهزءا به.

стр. 392

مرقس - لوقا - متى - يوحنا = مرقس: وقت الصلب: وكانت الساعة الثالثة فصلبوه (١٥ - ٢٥). لوقا: لم يحدد الوقت. متى: لم يحدد الوقت. يوحنا: وكان استعداد الفصح ونحو الساعة السادسة (١٩ - ١٤) (أي مساءً). = مرقس: صلاة المصلوب: لا توجد صلاة. لوقا: يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون (٢٣ - ٣٤). متى: لا توجد صلاة. يوحنا: لا توجد صلاة. = مرقس: شرابه على الصليب: فركض واحد وملأ إسفنجة خلاً وجعلها على قصبة وسقاه قائلاً: اتركوه، لنر هل يأتي إيليا لينزله؟ (١٥ - ٣٦). لوقا: (لم يقل أنا عطشان) والجند أيضًا استهزءوا وهم يأتون ويقدمون له خلاً (٢٣ - ٣٦). متى: وللوقت ركض واحد منهم وأخذ إسفنجة وملأها خلاً وجعلها على قصبة وسقاه وأما الباقون فقالوا: اترك لنرى هل يأتي إلياء يخلصه (٢٧ - ٤٨ - ٤٩). يوحنا: قال: أنا عطشان ... فملأوا إسفنجة من الخل ووضعوها على زوفا وقدموها إلى فمه (١٩/ ٢٨ - ٢٩). = مرقس: (لم يطلب ليشرب). لوقا: (لم يطلب ليشرب). متى: (لم يطلب ليشرب). يوحنا: (قال: أنا عطشان). = مرقس: صرخة اليأس على الصليب: إلوي إلوي لما سبقتني، الذي تفسيره إلهي إلهي لما تركتني (١٥ - ٣٤). لوقا: يا أبته في يديك أستودع روحي (٢٣ - ٤٦). متى: إيلي إيلي لما شبقتني، أي إلهي إلهي لماذا تركتني (٢٧ - ٤٦). يوحنا: فلما أخذ يسوع الخل قال: قد أكمل، ونكس رأسه وأسلم الروح (١٩ - ٣٠). = مرقس: موت المصلوب: فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح (١٥ - ٣٧). لوقا: يا أبتاه في يديك أستودع روحي (٢٣ - ٤٦). متى: فصرخ يسوع أيضًا بصوت عظيم وأسلم الروح (٢٧ - ٥٠). يوحنا: فلما أخذ يسوع الخل قال: قد أكمل، ونكس رأسه وأسلم الروح (١٩ - ٣٠). = مرقس: طعنه بحربة بعد موته: لم يطعن بحربة. لوقا: لم يُطعن بحربة. متى: لم يُطعن بحربة. يوحنا: وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ساقيه لأنهم رأوه قد مات، لكن واحدًا من العسكر طعن جنبه بحربة، وللوقت خرج دم وماء (١٩/ ٣٣ - ٣٤). = مرقس: في أعقاب الصلب: انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل، ولما رأي قائد المائة الواقف مقابله أنه صرخ هكذا وأسلم الروح قال: حقًا كان هذا الإنسان ابن الله (١٥/ ٣٨ - ٣٩). لوقا: أظلمت الشمس وانشق حجاب الهيكل من وسطه ... فلما رأى قائد المائة ما كان، مجد الله قائلاً/ بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًا (٢٣/ ٤٤ - ٤٧). متى: وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين، وأما قائد المائة والذين معه يحرسون يسوع فلا رأوا الزلزلة. يوحنا: (لم يعلم شيء عن ذلك).

стр. 393

مرقس - لوقا - متى - يوحنا مرقس: - لوقا:- متى: وما كان خافوا جدًا وقالوا: حقًا كان هذا ابن الله (٢٧/ ٥١ - ٥٤). يوحنا:- = مرقس: انشقاق حجاب الهيكل بعد موته. لوقا: انشقاق قبل موته. متى: انشق بعد موته. يوحنا: (لم يعلم شيء عن ذلك). = مرقس: شهود الصلب: وكانت أيضًا نساء ينظرون من بعيد بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغيرة ويوسي وسالومة (١٥ - ٤٠). لوقا: وكان جميع ماعرفه ونساء كن قد تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظرون ذلك (٢٣ - ٤٩). متى: وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعد وهن كن قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه وبينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وأم ابني زبدي (٢٧/ ٥٥ - ٥٦). يوحنا: وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا، ومريم المجدلية (١٩ - ٢٥). والجدول السابق ملئ بالاختلافات التي رصدها أ/ علاء أبو بكر والعلامة البغدادي وغيرهما من العلماء. من هذه الاختلافات ما يلي: ١ - الاختلاف في حامل الصليب: اتفق متى ومرقس ولوقا على أن حامله هو سمعان القيرواني وقد أدرأ مرقس عنه أية شبهه فوصفه بأنّه: "أبو الكسندرس وروفس" كما قال إنه كان آتيًا من الحقل "واتفق معه لوقا في النقطة الأخيرة ولم يتفق معهم يوحنا في النقطة الأولي. حيث جاءت روايته مكذبه للثلاثة فقال: "إن حامل الصليب نفس المصلوب" (١). ٢ - الاختلاف الثاني: في شراب المصلوب حيث اختلفوا في وقت الشراب ومكانه وسبب وقوعه: فقد اختلف مرقس ومتى في نوع الشراب قبل الصلب فهو "خمر" عند مرقس و"خل" عند متى. واختلفوا في رد فعل يسوع -على زعمهم- فقد قال مرقس أنه رفض "لم يقبل" أما متى فقد أوحى إليه أن عيسى ﵇ في زعمهم- ذاقها ثم "لم يرد أن يشرب" ولم يبلغ الوحى هذا إلى لوقا أو يوحنا فلم يذكرا الواقعة، أما وهو على الصليب فقد اتفقت الأناجيل الأربعة على أنهم ناولوه "إسفنجة مملوءة بالخل ووضعوها على قصبة" ولم يذكر لوقا كيفية تقدم هذا النحل، وذكر يوحنا أنهم "قدموا إسفنجة الخل على زوفًا" (٢).

стр. 394

٣ - الاختلاف الثالث: في الاقتراع على ثياب المصلوب: فظاهر رواية متى أنهم اقتسموا الثياب واقترعوا عليها واستشهد بقوله: "اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي ألقوا قرعة" وكذا مرقس ولوقا إلا أنهما لم يستشهدا بالكلام السابق، والثلاتة لم يعينوا مقدار الحصص وعدد المقسوم عليهم، وأما يوحنا فذكر أن المقسوم عليهم أربعة وجعل القرعة على القميص فقط؛ لأنه منسوج كله من دون خياطة (١). ويذكر العلامة رحمة الله الهندي، أنه قد وقعت زيادة في التحريف الحاصل في هذه الرواية من إنجيل متى ونصها: "ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها. لكي يتم ما قيل بالنبي اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسى ألقوا قرعة" فهذه العبارة: "لكي يتم ما قيل للنبي ... ألقوا قرعة" محرفة واجبة الحذف عند محققيهم ... ولابد من تركها؛ لأنها ليست جزءًا من المتن وهي إلحاقية صريحة مأخوذة من يوحنا: (١٩/ ٢٤) (٢). ٤ - الاختلاف الرابع: في العنوان المكتوب فوق رأس المصلوب: واختلافهم عليه أشبه باختلافهم في سقاء المصلوب؛ بل أشد تناقضًا واختلافًا فإن مترجم متى قال: وجعلوا فوق رأسه علته مكتوبة: "هذا هو يسوع ملك اليهود" ولوقا ويوحنا تفننا في ذلك فقال الأوّل: "وكان عنوان مكتوب فوق رأسه بأحرف يونانية ورومانية وعبرانية: هذا هو ملك اليهود وقال الثاني: "باللاتينية" عوض الرومانية مع أن في ذكر الرومانية حكمة لكونها لسان الحكومة إذ ذاك ويدل كلام يوحنا على وقوع مجادلة بين اليهود وبيلاطس من جهة العنوان لم تذكرها الثلاثة (٣) وعد إظهار الحق هذا الاختلاف من الأغلاط الواقعة في العهد الجديد (٤). ٥ - الاختلاف الخامس: قال متى ومرقس: إنهما كانا لصين، وقال لوقا: إنهما كانا من المذنبين ويوحنا لم يذكر جريمتهما التي استحقا بها الصلب مع هذا الإله المهان -في زعمهم- (٥) وقد جعل أ/محمَّد رشيد رضا، مسألة اللصين من تعارض الأناجيل في قصة الصلب (٦).

стр. 395

٦ - الاختلاف السادس: في وقت الصلب: لقد تعرضت الأناجيل في وقت الصلب وقد ذكر ذلك علماؤنا الأفاضل فيقول العلامة البغدادي: والعجب لهؤلاء الرواة إذ فاتهم أن يذكروا ذلك إلا مرقس فإنه صرح بأن الساعة التي صلب فيها هى الساعة الثالثة، "وكانت الساعة الثالثة فصلبوه" ولم يحدد كلًا من لوقا ومتى الميعاد، ويُفهم من قول يوحنا أن الصلب كان بعد الساعة السادسة فقال: "وكان استعداد للفصح ونحو الساعة السادسة فقال لليهود: هو ذا ملككم، فصرخوا: خذه خذه اصلبه ... فحينئذ أسلمه إليهم ليصلب (١) " (٢) وغير ذلك من الاختلافات (٣). ٧ - الدفن: يواصل أ/ علاء أبو بكر، سرد الأحداث التفصيلية لعملية الصلب فيحكى رواية مرقس في قصة الدفن، فيقول مرقس: "ولما كان المساء إذ كان الاستعداد أي ما قبل السبت جاء يوسف الذي من الرامة مشير شريف ... ودخل إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع، فتعجب بيلاطس أنه مات كذا سريعًا ... وهب الجسد ليوسف فاشترى كتانًا فأنزله وكفنه بالكتان ووضعه في قبر كان منحوتًا في صخرة ودحرج حجرًا على باب القبر، وكانت مريم المجدلية ومريم أم يوسي تنظران أين وضع" (٤).

стр. 396

ولنر الاختلافات في الجدول التالي وسنلاحظ اعتماد يوحنا على لوقا في كتابته الإنجيلية، فقد اتفقا على أن القبر كان جديدًا لم يوضع فيه أحد قط، كما اتفقنا من قبل على أنه كان بين التلاميذ والاثنى عشر يهوذًا آخر غير الاسخريوطى الخائن الذي دلّ على المسيح نظير ثلاثين فضة (١) وأن الخيانة جاءت نتيجة لدخول الشيطان في يهوذا الاسخريوطي (٢). الاختلافات في أحداث الدفن كما تذكرها الأناجيل مرقس -لوقا - متى - يوحنا = مرقس: الذي دفن يسوع: يوسف الذي من الرامة مشير شريف (١٥ - ٤٣). لوقا: رجل اسمه يوسف وكان مشيرًا ورجلاً صالحًا بارًا (٢٣ - ٥٠). متى: رجل غني من الرامة اسمه يوسف كان تلميذًا ليسوع (٢٧ - ٥٧). يوحنا: دفن يسوع كلا من نيقوديموس ويوسف (١٩ - ٣٩). = مرقس: مريم المجدلية ومريم أم يوسي تنظرا، أين وضع (١٥ - ٤٧). لوقا: وتبعنه نساء كن أتين معه من الجليل ونظرن القبر وكيف وضع جسده (٢٣ - ٥٥). متى: مريم المجدلية ومريم الأخرى (٢٧ - ٦١). يوحنا: لم يذكر شهود الدفن. = مرقس: فتعجب بيلاطس أنه مات كذا سريعًا فدعا قائد المائة وسأله (١٥ - ٤٤). لوقا: لم يذكر هذه الواقعة. متى: لم يذكر هذه الواقعة. يوحنا: لم يذكر هذه الواقعة. = مرقس: وضعه في قبر كان منحوتًا في صخرة (١٥ - ٤٦). لوقا: وضعه في قبر منحوت حيث لم يكن أحد وضع قط (٢٣ - ٥٣). متى: وضعه في قبر جديد (٢٧ - ٦٠). يوحنا: وضعاه في قبر جديد لم يوضع فيه أحد قط (١٩ - ٤١). = مرقس: لم يشر إلى صاحب القبر. لوقا: لم يشر إلى صاحب القبر. متى: صاحب القبر هو يوسف الذي من الرامة (٢٧ - ٦٠). يوحنا: لم يشر إلى صاحب القبر. = مرقس: وكفنه بالكتان (١٥ - ٤٦). لوقا: ولفّه بكتان (٢٣ - ٥٣). متى: ولفه بكتان نقي (٢٧ - ٥٩). يوحنا: لفاه بأكفان (١٩ - ٤٠). = مرقس: لم يدهن الجثمان بالأطياب. لوقا: لم يدهن الجثمان بالأطياب. متى: لم يدهن الجثمان بالأطياب. يوحنا: دهنا الجثمان بالأطياب (١٩ - ٤٠). وبالتأمل في هذا الجدول الذي يوضح مدي الاختلاف بين الأناجيل نجد التالي: أ- اتفق كل من مرقس ولوقا على أن الدافن هو رجل واحد يُدعى يوسف الذي من الرامة وخالفهما يوحنا وقال إنهما اثنان هما يوسف الذي من الرامة ونيقوديموس واتفق متى ويوحنا على أنه كان تلميذًا للمسيح (٣).

стр. 397

ب- كذلك شهود الدفن عند مرقس ومتى وهم مريم المجدلية ومريم أم يوسي ومريم الأخرى، ولم يكن هناك شهود عند يوحنا، أما عند لوقا فقد كن نساء كثيرات كن قد تبعنه من الجليل (١). ج- كذلك اختلفت الأناجيل في صاحب القبر فلم يشر مرقس أو لوقا أو يوحنا إلى أن صاحب القبر هو يوسف الذي من الرامة. ولم يذكر ذلك إلا متى وكذلك اتفق مرقس ولوقا على أن القبر كان منحوتًا في الصخر (٢). ٧ - القيامة: ومازال أ/علاء أبو بكر، متفردًا من بين الباحثين المعاصرين في تفصيل أحداث الصلب فيقول: إذا كان ما تقوله الأناجيل عن قصة الصلب يمثل مشكلة كبيرة، فإنه بالتالى ما يترتب عليها من القول بقيامته وظهوره مرة أخرى يمثل مشكلة أخرى تُضاف إلي قائمة المشاكل إلى تُثقل كاهل الأناجيل (٣). وقد بدأت روايات قيامة المسيح من الأموات وظهوره بعد الموت تنتشر ببطء شديد وسط الجماعة النصرانية الأولي بسبب إنكار تلاميذ المسيح وحوارييه وعلى رأسهم بطرس - تلك الروايات وشكهم فيها، وعدم إيمانهم بوجود أدني صلة بين رسالة النصرانية الحقة التي تلقوها من معلمهم وبين فكرة القيامة من الأموات التي صارت واحدة من ركائز العقائد النصرانية فيما بعد (٤). ونجد أول شهادة عن القيامة لم تعطها الأناجيل، لكنها جاءت من رسائل بولس وعلى وجه الخصوص رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (١٥/ ٥ - ١٨) والتي كُتبت قبل أقدم الأناجيل بعشر سنوات على الأقل، وفي الوقت الذي نادى فيه بموت المسيح وقيامته فإن هناك من المؤمنين من عارضه على ذلك فيقول بولس: "ولكن إن كان المسيح يكرز به أنه قام من الأموات، فكيف يقول قوم بينكم إن ليس قيامة أموات فإن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام، وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل أيضًا إيمانكم (٥) " (٦).

стр. 398

وفيما يلي أعرض الجدول الذي ذكره أ/علاء أبو بكر، ويبين وجود الاختلافات في موضوع قيامة المسيح -على زعم النصارى- من بين الأموات: مرقس - لوقا - متى - يوحنا مرقس: يوم موته: الجمعة (١٥ - ٤٢). لوقا: الجمعة متى: الجمعة. يوحنا: الخميس. = مرقس: يوم دفنه: مساء الجمعة. لوقا: مساء الجمعة. متى: مساء الجمعة. يوحنا: مساء الخميس. = مرقس: من أتي إلى القبر: مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة (١٦ - ١). لوقا: حاملات الحنوط ومعهن أناس (٢٤ - ١). متى: مريم المجدلية ومريم أخرى (٢٨ - ١). يوحنا: مريم المجدلية ولاً بمفردها ثم أتت بسمعان بطرس ويوحنا (٢٠/ ١ - ٣). = مرقس: ميعاد زيارتهم للقبر: إذ طلعت الشمس في أول الأسبوع (١٦ - ٢). لوقا: أول الفجر في أول الأسبوع (٢٤ - ١). متى: عند فجر أول الأسبوع (٢٨ - ١). يوحنا: في أول الأسبوع باكرًا والظلام باق (٢٠ - ١). = مرقس: وضع الحجر عند باب القبر: رأين أن الحجر قد دُحرج (١٦ - ٤). لوقا: فوجدن الحجر مدحرجًا عن القبر (٢٤ - ٢). متى: ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه (٢٨ - ٢). يوحنا: فنظرت الحجر مرفوعًا عن القبر (٢٠ - ١). = مرقس: ما شاهده عند ذلك: سابًا جالسًا عن اليمين لابسًا حُله بيضاء (١٦ - ٥). لوقا: رجلان وقفا بهن بثياب براقة (٢٤ - ٤). متى: إذا زلزلة عظيمة حدثت لأن ملاك الرب نزل من السماء (٢٨ - ٢). يوحنا: فنظرت ملاكين بثياب بيض جالسين واحدًا عن الرأس والآخر عند الرجلين (٢٠ - ١٢). = مرقس: رد الفعل: اندهشن وأخذتهن الرعدة والحيرة (١٦/ ٥، ٨). لوقا: خائفات ومنكسات وجوههن إلى الأرض محتارات (٢٤/ ٥، ٤). متى: كانتا خائفتان ٢٨ - ٤. يوحنا: بكت (لماذا تبكين؟) (٢٠ - ١٣). = مرقس: ما قلنه للملاك: لم يقلن لأحد شيئًا لأنهن كن خائفات (١٦ - ٨). لوقا: - متى: - يوحنا: قالت لهما: إنهم أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه (٢٠ - ١٣). = مرقس: من كلم النساء: الشاب الذي رأينه (١٦ - ٦). لوقا: كلمهن الرجلان (٢٤ - ٥). متى: كلمهن الملاك (٢٨ - ٥). يوحنا: سأل الملاكان وبعد ذلك تكلم يسوع وقال لها نذهب لتخبر باقي التلاميذ (٢٠/ ١٣ - ١٨). = مرقس: ماذا قال المتكلم (الشاب): أنتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب؟ قد قام ليس هو ها هنا، هو ذا الموضع الذي وضعوه فيه (١٦ - ٦). لوقا: (الرجلان): لماذا تطلبن الحي بين الأموات، ليس هو ها هنا لكنه قام (٢٤/ ٥ - ٦). متى: (المَلَك) لا تخافا، فإني أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب (٢٨ - ٥). يوحنا: (الملاكان) قالا فقط: يا امرأة لماذا تبكين؟ (٢٠ - ١٣).

стр. 399

مرقس -لوقا -متى -يوحنا مرقس: موقف الحنوط: أتين به معهن. لوقا: أتين إلى القبر حاملات الحنوط (٢٤ - ١). متى: - يوحنا:- = مرقس: مكان الملاك: الحجر قد دحرج والملاك جالسًا داخل القبر (١٦/ ٤ - ٥). لوقا: الملاكان ظهرا داخل القبر (٢٤ - ٤). متى: جلس الملاك على الحجر خارج القبر (٢٨ - ٢). يوحنا: مكان أحدهما عند الرأس والآخر عند القدمين (٢٠ - ١٣). هذا الجدول يبين مدى التعارض والتناقض في موضوع قيامة المسيح والملاحظ من النصوص أنه يوجد فيها اختلافات كثيرة منها: الاختلاف الأوّل: أن المسيح قد دفن مساء الجمعة ويُفترض أنه بات هناك ويُفترض أيضًا أن يكون قد أمضي السبت كله هناك، ومع شروق شمس أول الأسبوع -الأحد- لم يجده أحد هناك أي يُفترض أن يكون قد أمضى في هذه المقبرة ليلتان ويومًا كاملًا وبذلك يكون قد قضى حوالي ٣٠ - ٣٦ ساعة (١). وهذا يكذب نبوءة متى التي تقول: "لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال. هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال" (٢) لأنه لو قضي ثلاثة أيام وثلاث ليال لكان قضى ٧٢ ساعة ولو كان المسيح قد قال هذه النبوءة لما دهش زوّار القبر أو شُلت ألسنتهم عن الكلام أو خافوا، ولما أتوا للمقبرة أصلًا بل تقابلوا في المكان المتفق عليه ولكان تلاميذه قد صدقوا قيامته دون شرط رؤيته (٣). ويعلل يوحنا هذه الدهشة قائلًا: "لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب؛ وأنه ينبغى أن يقوم من الأموات" (٤). ويطالعنا العلامة أحمد ديدات، في دراسته النقدية حول قضية من دحرج الحجر الذي وضع على قبر يسوع -في زعمهم- بإبراز التناقض والمغايرة بين يسوع ويونان، ومعالجة أوجه الشبه بينهما، وخرج من هذه الدراسة النقدية بأنّه لا يوجد وجه شبه بينهما، فإن يونان ظل حيًا في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، أما يسوع ظل ميتًا كما يدعون، وهذه مغايرة تامة (٥).

стр. 400

الاختلاف الثاني مسألة مجيء مريم للقبر فهو سبب الزيارة: فقد روى متى أن مريم المجدلية ومريم الأخرى جاءتا في صباح يوم الأحد لينظرا القبر وهذا يكذب ما جاء به متى: "وكانت هناك مريم المجدلية ومريم الأخرى جالستين تجاه القبر (١) " وإلا فلا معنى لمجيئهما ثانيًا لينظرا القبر، وعبارة مرقس مخالفة لمتى فقد جعل مرقس سبب الزيارة هو تحنيط المدفون، وأن وقت المجيء كان بكرة أحد السبوت -كما في نسخة لندن ١٨٤٨ م-، ووافق لوقا مرقس في سبب المجيء وأنه كان لتحنيط المدفون ولكنه خالفه في شراء الحنوط وأنه كان قبل يوم السبت لا بعده فعند مرقس: "وبعد ما مضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطًا" (٢) أي أنه كان بعد مضي يوم السبت، وعند لوقا: "ثم في أول الأسبوع أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه" (٣) أي أنهن أعددن هذا الحنوط في يوم السبت أو قبله وليس بعده كما في مرقس، وليس من الممكن أن يكون قد اشترينه يوم "السبت" حيث تكون الحوانيت مغلقة كما لم يكن الشراء يوم "الجمعة" أيضًا حيث حوكم وصلب ودفن عند منتصف الليل، كما لم يتم هذا فجر "الأحد" أيضًا فمتى قمن بشراء أو بتحضير هذه الحنوط؟ ولو قمن بتحضيره من قبل، فلماذا انزعجن وارتبكن عند علمهن بقيامته؟ ولم يذكر كل من متى أو يوحنا شيئًا عن هذا الحنوط (٤). الاختلاف الثالث عن وضع الحجر: فقد كان مدحرجًا -أي في غير موضعه- عند مرقس ولوقا ويوحنا إلا أن متى ذكر أن الحجر كان في مكانه ثم نزل ملاك الرب وحدثت الزلزلة وجاء الملاك ودحرج الحجر أمامهم (٥). وغير ذلك من الاختلافات في مسألة قيامة المسيح (٦).

стр. 401

٨ - الظهور: وتأتي نهاية الأحداث التفصيلية لتوضح ظهور المسيح - في زعمهم - على هيئته وما هو العدد الذي ظهر لهم ورأوه وهذا تنتهي أحداث الصلب كما صورتها الأناجيل الأربعة، وما زال أ/علاء أبو بكر، في تميزه لعرض عقيدة الصلب ينفرد بسرد الأحداث جملة وتفصيلًا ونقدًا وتحليلاً رائعًا أثبت من خلاله بُطلان هذه العقيدة بناءً على ما تحتويه من مخالفات ومغالطات كثيرة وبناءً على الاختلافات التي لا تُحصى بين الروايات الإنجيلية. والنص الذي يحمل معنى ظهور المسيح جاء في مرقس ما نصه: "وبعد ما قام باكرًا في أول الأسبوع ظهر أولاً لمريم المجدلية التي كان قد أخرج منها سبعة شياطين، فذهبت هذه وأخبرت الذين كانوا معه وهم ينوحون ويبكون فلما سمع أولئك أنه حي وقد نظرته لم يصدقوا وبعد ذلك ظهر بهيئة أخرى لاثنين منهم وهما يمشيان منطلقين إلى البرية وذهب هذان وأخبرا الباقين فلم يصدقوا أولاً هذين، وأخيرًا ظهر لأحد عشر وهم متكئون ووبخ عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم لأنهم لم يصدقوا الذين نظروه وقد قام. وقال لهم: إذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها ... ثم إن الرب بعد ما كلمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله" مرقس: (١٦/ ٩ - ٢٠). والجدول التالي يوضح مدى ما وقع بين الأناجيل من اختلاف في مسألة ظهور المسيح: مرقس - لوقا - متى - يوحنا مرقس: الظهور الأول: لمريم المجدلية (١٦ - ٩). لوقا: لاثنين كانا منطلقين إلى قرية عمواس (٢٤ - ١٣). متى: لمريم المجدلية ومريم الأخرى (٢٨ - ٩). يوحنا: لمريم المجدلية (٢٠ - ١٤). = مرقس: الظهور للتلاميذ: حدث مرة واحدة (١٦ - ١٤). لوقا: حدث مرة واحدة (٢٤ - ٣٦). متى: حدث مرة واحدة (٢٨ - ١٦). يوحنا: حدث ثلاث مرات (٢٠ - ١٩، ٢٦/ ٢١ - ١). = مرقس: الظهور للتلاميذ: في الجليل (١٦ - ٧). لوقا: في أورشليم (٢٤/ ٣٣ - ٣٦). متى: في الجليل (٢٨ - ١٠). يوحنا: في أورشليم (٢٠/ ١٩ - ٢٦) بحيرة طبرية (٢١ - ١) = مرقس: وقت صعود السماء: يوم نشوره. لوقا: يوم نشوره (بعد ٤٠ يوم في سفر الأعمال ١ - ٣). متى: يوم نشوره. يوحنا: بعد اليوم التاسع من نشوره (٢٠ - ٢٦، ٢١ - ١). = مرقس: من أعطى الأمر لمريم أن تخبر التلاميذ: (الملك الشاب) (١٦ - ٧). لوقا: يُفهم من تذكير الرجلين (المَلَكين) لهن (٢٤/ ٥ - ٩). متى: الملاك (٢٨ - ٧). يوحنا: عيسى نفسه (٢٠ - ١٧). = مرقس: رد فعل مريم عند رؤية عيسى ﵇: لم يكن هناك رد فعل غير طبيعي (١٦ - ١٠). لوقا: لم يلتق يسوع بمريم بالمرأة. متى: أمسكتا بقدميه وسجدتا له (٢٨ - ٩). يوحنا: وقالت له: ربوني - الذي تفسيره يا معلم - قال لها يسوع: لا تلمسيني (٢٠/ ١٦ - ١٧). = مرقس: مكان نقطة انطلاق المسيح: الجبل لوقا: من بيت عنيا (٢٤ - ٥٠). متى: (محل اجتماعهم) حيث العلية التي كانوا يجتمعون فيها في أورشليم. يوحنا: لم يذكر أنه صعد.

стр. 402

مرقس -لوقا -متى -يوحنا مرقس: ماذا قال لهم: اذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها) (١٦ - ١٥). لوقا: فأقيموا في أورشليم إلى أن تلبسوا قوة في الأعالي (٢٤ - ٤٩) وفيما هو مجتمع معهم أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم، بل ينتظروا موعد الأب (أعمال الرسل ١ - ٤). متى: اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم (٢٨ - ١٩). يوحنا:- = مرقس: وأما هم فخرجوا وكرزوا في كل مكان (١٦ - ٢٠). لوقا: فسجدوا له ورجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم، وكانوا كل حين في الهيكل يسبحون ويباركون الله (٢٤/ ٥٢ - ٥٣). متى:- يوحنا:- ذكر د/سعد الدين صالح، جملة من الاختلافات بين الأناجيل في مكان ظهور المسيح بعد قيامته من بين الأموات هي ما يلي: - فمتي يذكر أنه ظهر في الجليل. - ولوقا يذكر أنه ظهر في أورشليم. - ومرقس يقول: إنه ظهر بين تلاميذه. - ويوحنا يذكر أنه ظهر في اليهودية والجليل معًا. فما أبعد اليقين عن أخبار فيها مثل هذا الاختلاف (١) ويتعجب أ/ محمَّد رشيد رضا من زعمهم بقيامة المسيح فيقول: ١ - إذا كان المسيح أخبر تلاميذه بأنّه بعد قيامته سيسبقهم إلى الجليل، وأمرهم بالذهاب إلى هناك لكي يروه فلماذا إذًا ظهر لهم في أورشليم كما يقول لوقا ويوحنا في نفس اليوم الذي قام فيه؟. ٢ - ما الحكمة في إرسالهم إلى الجليل ليروه هناك، مع أنه ظهر لهم مرارًا في أورشليم؟ وما الداعى لذلك؟ وهو الذي أمرهم أن لا يبرحوا أورشليم حتى يحل عليهم روح القدس.

стр. 403

٣ - هل ظهوره لهم في الجليل كان بعد ظهوره لهم في أورشليم أم قبله؟ فإن كان بعده فلماذا شكوا فيه؟، بعد أن كان أقنعهم بذلك في أورشليم، ..... ، وإن كان قبله فمتى ذهبوا إلى الجليل إذن؟ مع العلم بأن الجليل يبعد عن أورشليم مسيرة ثلاثة أيام على الأقل وقد نصت الأناجيل على أنهم رأوه في أورشليم في نفس يوم قيامته من القبر. فهل يُعقل أنهم ذهبوا إلى الجليل ورأوه هناك ثم رجعوا في نفس ذلك اليوم؟ وإن كان السبب في الشك أن هيئته كانت تتغير بعد القيامة مرارًا فلماذا كان ذلك؟ وما الحكمة في هذا التضليل؟ وإذا كانت هيئته قابله للتغيير والتبديل بعد القيامة وقبلها كما يُفهم من الأناجيل، وكان له القدرة على الاختفاء عن أعين الناس والمرور في وسطهم بدون أن يروه والإفلات من أيديهم، فكيف إذًا يجزمون بأن اليهود صلبوه وأنهم عرفوه حقيقة وأمسكوه؟ مع أن نفس التلاميذ كانوا يشكون فيه لكثرة تغير هيأته وتبدلها، وهم أعرف الناس به وأقربهم إليه وأكثرهم اختلاطًا به، فأية غرابة إذًا قلنا أن اليهود لم يعرفوه وأخطأوه كما أخطأته مريم المجدلية وظنته البستاني (١). ويناقش د/ سعد الدين صالح، مسألة قيامة المسيح مرة أخرى ويقول إنها أوهام وباطلة كما يلي: ٤ - فمن الباطل الذي أوردوه ادعاؤهم أنه قبر ثلاثة أيام وأنه استمر معهم أربعين يومًا، وأنه سوف يحاسب الخلق. فهذا كلام لا دليل عليه والأدلة الصادقة تُبطله وتدمغه فلم يقبر عيسى وإنما نجاه الله في ليلة الصلب ورفع إلى ربه. ٥ - وأما ادعاؤهم أنه هو الذي سيحاسب الخلق فهو ادعاء باطل يرفضه العقل الصريح لأول وهلة، فكيف يترك الله أمر الحساب لعيسى ويقف هو موقف المتفرج وما دوره حينئذ؟. ٦ - وأما حديثهم عن تعدد القيامات والمحاسبات فهو حديث يثير العجب. ٧ - وأما حديثهم عن ما بعد الموت فهو يتعارض تمامًا مع صميم العقيدة النصرانية في أن عيسي بصلبه قد تحمل عن الناس خطاياهم وطهرهم من الذنوب والآثام فما قيمة المطهر الذي يوضعون فيه بعد الموت؟ (٢).

стр. 404

٨ - أما الحق الوحيد الذي تحدث عنه النصارى ... فهو حديثهم عن المجيء الثاني لعيسى وإن كانوا قد اختلفوا وتباينوا في كيفيته وكيفية إقامته لملكوته هل هو ملكوت أرضي واقعي أو ملكوت سماوي، كما أنهم اختلفوا في موعده وزمانه ولم يصلوا إلى رأي قاطع حتى جاء رسول الله ﷺ وكشف لهم الحقائق فقد أخبر الرسول الكريم أن عيسى ﵇ سوف ينزل في آخر الزمان، وأنه سوف يكسر الصليب ويريق الخمر ويقتل المسيخ الدجال ويقيم الملة العوجاء وينزل بشريعة الإِسلام (١). فقد جاء في الحديث: (الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتي ودينهم واحد) (٢)، وفي حديث آخر: (والذي نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) (٣). وقد أورد العلامة البغدادي، عشرين دليلًا عقليًا أثبت من خلالها بُطلان دعوى صلب المسيح (٤) وقد تضمنها النقد التفصيلي السابق من خلال ردود علمائنا الأجلاء. وخلاصة القول في قضية صلب المسيح ما يلي: ١ - بُطلان الاستدلال من الأناجيل على هذه العقيدة التي جعلوها أساس دينهم وذلك لأنها كتب مشكوك في صحتها ولم يتم التحقق بعد ممن كتبوها وبالتالى فهي دعوى خالية عن الدليل. ٢ - بُعد الزمن الذي كُتبت فيه الأناجيل عن زمن الإنجيل الأصلي كما تقدم بيانه في نقد سند العهد الجديد يؤكد افتراء أصحاب الأناجيل هذه العقيدة من عند أنفسهم. ٣ - وعلى سبيل التسليم الجدلي لهم فيما يدعون من صلب المسيح فإنه من خلال مناقشة العلماء لهذه العقيدة ونقدهم لأحداثها تبيّن وجود التعارض بين الروايات وكثرة الاختلافات بين النصوص داخل تلك الروايات وكثرة التناقض بين ما حدث فيها من وقائع وبالتالي فإن أمرًا مثل هذا يحدث فيه كل هذه المخالفات والمغالطات كفيل برده وبُطلانه وبالتالي انتفاء القداسة عن تلك الأناجيل وأيضًا انتفاء صلب المسيح ﵇. ٤ - اتبع علماؤنا الأجلاء في أغلب نقدهم لهذه العقيدة طريقة الجدال بالتي هى أحسن لتلك النصوص التي يزعمون أنها مقدسة وتفنيدها وتفسيرها تفسيرًا صحيحًا بناءً على الأدلة النقلية والعقلية والشواهد التاريخية.

стр. 405

تتمة: قضية اليوم الآخر في العهد الجديد: ربما يدور تساؤل حول العقائد في العهد الجديد، ولماذا لم يتم تناولها مثلما تم دراستها في العهد القديم، فلم يذكر هنا الإيمان بالكتب المنزلة والرسل واليوم الآخر والقضاء والقدر. وللإجابة على هذا السؤال أقول: إن سيدنا عيسى ﵇ جاء مكملًا لشريعة سيدنا موسى ﵇، لذلك فإنه لم يكن في صدد تأسيس عقيدة جديدة أو تشريع جديد، وقد سبق بيان ذلك في التمهيد للرسالة. ويؤكد أ/عبد الكريم الخطيب، هذه القضية فيقول: إن الأناجيل لم تواجه قضية البعث والحساب والجزاء مواجهة صريحة ولم يحاول المسيح أن يجعل منها مجالًا للبحث والنظر، لأنه لم يكن من همه أن يقرر عقيدة، أو يشرح مذهبًا ... لأنّ اليهود كانوا بحاجة إلى رسالة تنزع القسوة التي تمكنت من قلوبهم فاغتالت منها عواطف الرحمة والحب وملأتهما ضغينة وحقدًا وأنانية، وذلك لما نزل بهم من ويلات وتشتت على يد أعدائهم من الآشوريين والبابليين وغيرهم (١). وكانت مهمة المسيح إذن أن يبعث في هذه القلوب الصلدة المتحجرة قطرات من عواطف الإخاء والحب والتراحم، أما الإله فإنهم يعرفونه وإن كانوا لا يتعاملون معه، أما البعث والجزاء والجنة والنار فإنهم على علم بها ولكن بلا عمل لها ولا إحساس بها ... من أجل هذا كان ما يذكر في الأناجيل عن البعث والجزاء تذكيرًا بهما وإعدادًا لهما وتخويفًا من المصير التعيس لمن لا يعملون (٢). وقد تناول د/ فرج الله عبد الباري، اليوم الآخر في العهد الجديد بالتفصيل وبين التصور النصرانى لعلامات الساعة والبرزخ والقيامة وغير ذلك من أمور تتعلق باليوم الآخر (٣). تؤكد رؤية أ/ عبد الكريم، لما ورد في العهد الجديد من نصوص تذكر باليوم الآخر فقط.

стр. 406

وخلاصة جهود العلماء في نقد العقائد في العهد الجديد: استوعب علماء المسلمين عقائد النصارى بالنقد والتحليل، وكان رائد الحركة النقدية لهذه العقائد، شيخ الإِسلام ابن تيمية، يليه في الاستيعاب العلامة رحمة الله الهندي، والعلامة البغدادي، وكذلك تميزت الرؤى النقدية للعلماء المعاصرين أمثال أ/محمَّد رشيد رضا، م/الطهطاوي، بقوة الحجة العقلية والردود المقنعة إلى تنم عن فهم عميق لمفردات العقائد النصرانية. وأ/ علاء أبو بكر، قد عالج هذا الموضوع معالجة شاملة موسعة، استفاد فيها من النقاد الغربيين كثيرًا، وتتميز طريقته النقدية بالإبداع والابتكار, وكذلك ل / أحمد عبد الوهاب.

стр. 407

الفصل الثاني نقد الشرائع والعبادات والأخلاق في العهد الجديد ويشتمل هذا الفصل على مبحثين: - المبحث الأوّل: نقد الشرائع والعبادات في العهد الجديد. - البحث الثاني: نقد الأخلاق في العهد الجديد.

стр. 408

المبحث الأول جهود علماء المسلمين - فترة البحث - في نقد الشرائع والعبادات في العهد الجديد ويشتمل على الأمور التالية: أولًا: هل يوجد في المسيحية تشريع مستقل. ثانيًا: الصلاة. ثالثًا: الصوم. رابعًا: التعميد. خامسًا: الرهبانية. سادسًا: الإقرار بالذنوب للقسيس. سابعًا: العشاء الرباني. ثامنًا: إثبات النسخ في العهد الجديد.

стр. 409

المبحث الأول نقد الشرائع والعبادات في العهد الجديد هل يوجد في العهد الجديد تشريع مستقل؟ تبيّن فيما سبق فساد العقيدة النصرانية، وكيف اجتهد علماؤنا الأجلاء في إبطالها، وبينوا ضلال النصارى فيما يعتقدون، وقد وقفوا وقفات نقدية متنوعة أمام هذه الانحرافات العقائدية متبعين في ذلك المنهج العلمى في دراستهم لها. وفي هذا الفصل أُبين من خلال جهودهم النقدية الأمور التالية: - هل يوجد في المسيحية تشريع؟ - وهل جاء سيدنا عيسى ﵇ بشريعة مستقلة وأحكام جديدة غير الأحكام التي وردت في التوراة أم لا؟ - ومن الذي أحدث وبدَّل وغير في أحكام التوراة وشرائع النصارى؟ وبالبحث وراء توضيح هذه التساؤلات ومن خلال القراءة المتأنية للإنتاج العلمى الذي أبدعته قرائح علمائنا الأجلاء وجدت ندرة ملحوظة في تناول هذا الجانب -وهو التشريع في النصرانية- إلا أن بعض الكتَّاب قد أسهم في بيان الشريعة التي يحتوي عليها العهد الجديد وأكد أن الشريعة التي جاء بها المسيح ﵇ هى شريعة مكملة لما جاء في التوراة من تشريعات ولم يأت المسيح ﵇ بشرع جديد ولم تكن هناك أحكام مستقلة في العهد الجديد، وأن الذي شرع للنصارى وخالف أقوال المسيح هو بولس إذ أنه قلب النصرانية رأسًا على عقب كما سبق بيانه. ويبرز في مقدمة هذه الجهود النقدية ما قام به الإمام ابن القيم وأكد اتباع النصارى لبولس ومخالفتهم تعاليم المسيح ﵇ حيث أثبت مخالفة النصارى للمسيح ﵇ في الشرائع فذكر ما يدلّ على ذلك بالمعنى دون أن يذكر النص وقام د/السقا، بذكر بعض هذه النصوص في الهامش فقد قام بجهد واضح في تحقيق كتاب هداية الحيارى فيقول الإمام ابن القيم: (وأما فروعه وشرائعه -أي دين النصارى- فهم -أي النصارى- مخالفون للمسيح في جميعها، وأكثر ذلك بشهاداتهم وإقرارهم ولكن يحيلون على البطاركة والأساقفة، فإن المسيح ﵇ كان يتدين بالطهارة ويغتسل من الجنابة ويوجب غسل الحائض، وطوائف النصارى عندهم أن ذلك كله غير واجب) (١).

стр. 410

ويؤكد د/مصطفي شاهين أنه لا يوجد في المسيحية شريعة بالمعني التام، بل الموجود في كتب النصارى بعض الأحكام في العبادات والمعاملات مما يدخل تحت كلمة شريعة لكن هذا البعض قليل جدًا ولا يتناول فروع الشريعة كلها، إذ الشريعة هى الأحكام العملية المتصلة بالعمل لا بالاعتقاد؛ لأنّ ما يخص الجانب الاعتقادي هو المسمى بالإيمان وهو شيء في القلب أما ما يتصل بخارج القلب وهو العمل الذي بالجوارح وأحكام هذا العمل هو ما يسمى شريعة (١). وقد قدم د/المطعني رؤية توضيحية لهذا الجانب - التشريع في المسيحية - فيقول: المسيح ﵇ لم يأت برسالة منفصلة كل الانفصال عن رسالة موسى ﵇ وإنما جاء برسالة هي امتداد لشريعة موسى ﵇ بدليل قول الإنجيل: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقص بل لأكمل" (٢). ثم يقول للحواريين الاثنى عشر موضحًا لهم المهمة التي أرسل من أجلها: " ... إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة السامريين لا تدخلوا؛ بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة (٣) " (٤). ويؤكد ذلك أيضًا د/محمَّد طلعت أبو صير فيقول: (إن شريعة اليهود المقررة في العهد القديم هي نفسها المقررة في العهد الجديد فيما عدا ما ورد عن المسيح ﵇ ونص بنسخه (٥) أو تعديله، فقد أورد العهد الجديد نصوصًا قليلة ناسخة ومعدلة لبعض أحكام العهد القديم ومعظمها جاء في موعظة الجبل التي ألقاها وهو جالس على قمة الجبل وسمعها الحواريون والتلاميذ وجمهور كبير من الناس (٦) ومنها: - تقول التوراة: لا تزن أما أنا "المسيح" فأقول: لكل من نظر إلى امرأة وهو يشتهيها فإنه يزني بها في قلبه (٧).

стр. 411

- تقول التوراة: من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق، أما أنا فأقول: من طلق امرأته إلا لعلة الزنى فإنه يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني (١). إلى آخر ما تشتمل عليه موعظة الجبل من تعديلات تشريعية كالقصاص وحب الأعداء والمسالمة وإخفاء الصدقة ويحذرهم من الكذب وغير ذلك (٢). وقد أكد د/ مصطفى شاهين عدم وجود أحكام شرعية في العهد الجديد تمس هذه الموضوعات وإذا وجد بعضها فقليل وقد قسم العلماء الأمور التي تندرج تحت الشريعة إلى عبادات ومعاملات وأخلاق، فالعبادات تنظم العلاقة بين الإنسان وربه، والمعاملات تنظم العلاقة بين الناس ويدخل في ذلك البيع والشراء والتجارة والشفعة والرهن ... الخ المعاملات المالية، وكذلك يدخل فيها أيضًا شئون الأسرة مثل الزواج والطلاق والميراث (٣). هذا على سبيل الإجمال أما التفصيل: فقد أبطل علماؤنا الأجلاء ما يوجد في النصرانية من عبادات وشرائع وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم والبغدادي وغيرهم كما يلي: ثانيًا: الصلاة: بين الإمام ابن تيمية في نقده للعبادات والشرائع في العهد الجديد أن هذه الأمور لا تقوم على أساس ديني صحيح، ولم يشرعها المسيح ﵇ وإنما هى من المخالفات التي وقع فيها النصارى وشرعوها من عند أنفسهم فيقول: من ضلالات النصارى تعظيمهم الصليب واستحلالهم لحم الخنزير، وتعبدهم بالرهبانية، وامتناعهم من الختان، وتركهم طهارة الحدث والخبث، فلا يوجبون غسل جنابة ولا وضوء، ولا يوجبون اجتناب شيء من الخبائث في صلاتهم ... كلها شرائع أحدثوها وابتدعوها بعد المسيح ﵇ (٤).

стр. 412

والإمام ابن القيم ينتقد صلاة النصارى التي يقومون بها بدون طهارة مبينًا كيف تكون مثل هذه الصلاة وكيف يتقربون بها إلى الله وهم على هذه النجاسة لم يتطهروا فيقول: إن طوائف النصارى تقرر أن الطهارة غير واجبة وأن الإنسان يبول ويتغوط ولا يمس ماءً ولا يستجمر والبول والنجو ينحدر على ساقه وفخذه ويصلى كذلك وصلاته صحيحة تامة عنده، ولو تغوط وبال وهو يصلى لم يضره ... ويقولون: إن الصلاة بالجنابة والبول والغائط أفضل من الصلاة بالطهارة لأنها حينئذ أبعد عن صلاة المسلمين واليهود وأقرب إلى مخالفة الأمتين ويستفتح الصلاة بالتصليب بين عينيه وهذه الصلاة رب العالمين برئ منها، وكذلك المسيح وسائر النبيين، فإن هذه بالاستهزاء أشبه منها بالعبادة، وحاشا المسيح أن تكون هذه صلاته أو صلاة أحد من الحواريين (١). وقد أرجع الإمام ابن تيميه انحراف النصارى في العبادات والشرائع إلى سببين رئيسيين هما: ١ - إعطاء النصارى لعلمائهم الحق في أن يشرعوا لهم ويغيروا ما يرونه من شرائع (٢). ٢ - اتخاذ النصارى مواقف مضادة لليهود بعد أن صارت الدولة لهم في عهد قسطنطين ... فأحلوا ما يحرمه اليهود كالخنزير وغيره وصاروا يمتحنون من دخل في دينهم بأكل الخنزير، فإن أكله وإلا لم يجعلوه نصرانيًا (٣) وتركوا الختان وقالوا إن المعمودية عوض عنه وصلوا إلى قبلة غير قبلة اليهود وكان اليهود قد أسرفوا في المسيح، وزعموا أنه ولد زنا، وأنه كذاب، ساحر، فغالى هؤلاء في تعظيم المسيح وقالوا: إنه الله، وابن الله .. وغير ذلك (٤). ثالثًا: الصوم: معنى الصوم عند النصارى: الامتناع عن الطعام من الصباح حتى بعد منتصف النهار ثم تناول طعام خالى من الدسم (٥). ينتقد الأستاذ / محمَّد رشيد رضا، ذلك الصوم الذي يصومه النصارى رغم خلو الأناجيل من فريضة الصوم فيقول: إن الأناجيل تخلو من فريضة الصوم وكل الذي تحويه عن الصوم إنما هو ذكره ومدحه واعتباره عبادة، وتأمر الأناجيل الصائم بدهن الرأس وغسل الوجه حتى لا تظهر عليه أمارة الصوم فيكون مرائيًا كالفريسيين، وأشهر صومهم وأقدمه: الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح وهو الذي صامه موسى،

стр. 413

وكان يصومه عيسي ﵉ والحواريين ثم وضع رؤساء الكهنة ضروبًا أخرى من الصيام منها الصوم عن اللحم وعن البيض واللبن وكان الصوم المشروع عند الأولين منهم كصوم اليهود يأكلون في اليوم والليلة مرة واحدة فغيروه وصاروا يصومون من نصف الليل إلى نصف النهار (١). ويؤكد الإمام ابن القيم مخالفة النصارى لتعاليم المسيح ﵇ في هذه الفريضة فيقول: (والمسيح ما شرع لهم هذا الصوم الذي يصومونه قط ولا صامه في عمره مرة واحدة ولا أحد من أصحابه، لا صام صوم العذارى (٢) في عمره ولا أكل في الصوم ما يأكلونه ولا حرم فيه ما يحرمونه) (٣). ويقرر العلامة البغدادي أن الصوم بهذه الطريقة بدعه ابتدعها رؤساؤهم وأنه بهذا المفهوم لم يرد في التوراة ولا في الإنجيل فيقول: (اخترع رؤساء النصارى في مجامعهم "البهريز" وهو عبارة عن ترك أكل اللحوم إلا السمك بسائر أنواعه، وأكل الزيت مع كافة المأكولات وشرب الماء والدخان والقهوة والخمرة) (٤). (والبهريز محض تلاعب وعبث بالدين وخروج عن امتثال أوامر رب العالمين الصريحة بالتوراة -الأصلية-، ولم نر في الأناجيل الأربعة لا صراحة، ولا إشارة أن هذا الصوم بهذا المعنى الذي تعتادونه أيها المسيحيون" (٥). رابعًا: التعميد: بين م/ الطهطاوي، مفهوم التعميد ووقته والنصوص الدالة عليه وطريقته وناقش النصارى في هذه الشعيرة التي يتعبدون بها وبيّن من خلال مناقشته لها فساد القول بالمعمودية فيقول: (كان التعميد موجودًا عند اليهود، قبل المسيحية ولكنه كان بمفهوم آخر وهو غسل الجسد وكان النبي يحيى يعمد الناس في نهر الأردن أي يغسل أجسادهم ولذلك سُمّي يوحنا المعمدان أي (يحيى المغسل) وثابت في الأناجيل المتداولة أن يوحنا المعمدان قام بتعميد المسيح) (٦).

стр. 414

وقت التعميد: لم يتفق المسيحيون على وقت معين للتعميد: ١ - فبعضهم يعمد الشخص في طفولته حتى ينشأ الطفل المسيحي مبرأ من الذنوب وهذا هو الغالب. ٢ - وبعضهم يعمده في أي وقت من حياته. ٣ - والبعض الآخر يجرى التعميد والشخص على فراش الموت بحجة أن التعميد إزالة للسيئات وتطهير من الذنوب (١). أما النصوص التي يستدل بها النصارى على التعميد: ١ - " فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس" (٢). ٢ - وقول الإنجيل: "من تغطس دخل الجنة ومن لم يتغطس دخل جهنم خالدًا فيها أبدًا" (٣). طريقة التغطيس وصفته: يقول عبد الله الترجمان: إن في كل كنيسة حوضًا رخامًا وكيزانًا يملؤه القسيس بالماء ويقرأ عليه ما تيسر من الإنجيل ويرمي فيه ملحًا كثيرًا وشيئًا من دهن "البلسان" (٤) فإن أراد أحد أن يتغطس ممن تنصر وهو رجل كبير السن يجتمع له بعض أعيان النصارى مع القسيس ليشهدوا عليه -بزعمهم- بين يدي الله بالتغطيس ويقول له القسيس عند حوض الماء: يا هذا اعلم أن التنصر أن تعتقد أن الله ثالث ثلاثة وتعتقد أنك لا يمكن لك دخول الجنة إلا بالتغطيس، وأن ربنا عيسي ابن الله ... إلى أن يقول وأنا أغطسك باسم الأب والابن والروح القدس (٥). ويستخدم عبد الله الترجمان في نقده للتعميد محاججة النصارى بأسئلة تحمل في طياتها الاستفهام الإنكاري لما يفعلون ويبين عدم صحة ما يقوله النصارى بأنّه لا يمكن دخول الجنة إلا بالتغطيس فيقول: (ما تقولون في إبراهيم وموسى وإسحاق ويعقوب وجميع الأنبياء ﵈ هم في الجنة أم لا؟ فلا بد أن يقولوا: هم في الجنة، فيقال لهم: كيف دخلوها ولم يتغطسوا؟ وهم يجيبون عن هذا بأن الاختتان أجزأهم عن التغطيس فيقال لهم: ما تقولون في آدم ونوح ﵉ وذريته لصلبه فإنهم ما اختتنوا ولا تغطسوا قط وهم في الجنة بنص أناجيلكم وإجماع علمائكم، وليس لهم عن هذا جواب البتة) (٦).

стр. 415

خامسًا: الرهبانية: (١) بين د/أحمد طاهر وم/الطهطاوي، مغالاة المسيحيين في النظرة إلى المتع والملذات وعدم توازنهم واعتدالهم في الأمور الحياتية والتعبدية، وبينا أن المسيحية تُغلب الآخرة على الدنيا وتعطيها الاهتمام الأكبر، فقد فرضوا على أنفسهم الترهب وترك الدنيا والعزوف عن الزواج وتفضيل العزوبية، وهذه الرهبانية ابتدعوها من عند أنفسهم ولم يأمرهم بها الله فقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢). وقد بين د/أحمد شلبي أن فكرة الرهبانية دخيلة على النصرانية وقد أخذها المسيحيون عن الهندوكية والبوذية (٣). أما د/أحمد طاهر وم/ الطهطاوي، فقد ذكرا النصوص الإنجيلية التي يستنبط منها النصارى فكرة الرهبنة وعلق د/أحمد طاهر عليها تعليقًا سريعًا مجملًا، أما م/ الطهطاوي فقد استفاض في مناقشته حول هذه الأدلة ونقده لفكرة الرهبانية من هذه الأدلة التي ذكراها ما يلي: ١ - "وكل واحد فيكم لا يتزكى بماله لا يمكن أن يكون تلميذًا لي" (٤). ٢ - "يوجد خصيان ولدوا هكذا من بطون أمهاتهم، ويوجد خصيان خصاهم الناس، ويوجد خصيان خصوا أنفسهم، من أجل ملكوت السموات" (٥). ٣ - "لا تقدرون أن تخدموا الله والمال لذلك أقول لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون" (٦). وغير ذلك من الأدلة.

стр. 416

وفي تعليق د/أحمد طاهر عليها إجمالًا فيقول: (ونتيجة هذه الأقوال أو المواعظ هي خلق نوع من الجمود والتبلد والانصياع والنفاق في الناس بدلًا من مساعدتهم على أن يصبحوا بشرًا مكتملي النمو العقلي والبدني) (١). وفي انتقادات م/ الطهطاوي على هذه النصوص خرج بالنتائج التالية: ١ - أن المسيحية تحارب الأبدان كما في الدليل رقم (٣). ٢ - أن المسيحية تقضى بفناء الجنس البشرى كما في الدليل رقم (٢). ٣ - أن المسيحية تدفع للرهبنة والرهبنة تقتضى هجر الوالدين والأسرة والزهد في الدنيا وكراهية المال والنفور منه، ووليدة ذلك إرهاق الجسم وعدم العناية بطعامه أو شرابه أو لباسه، والميل للعزوبة والغض عن الزواج (٣). وقد أرجع صاحب الفارق فجور رؤساء النصارى وانحرافهم إلى تلك الرهبانية إلى ابتدعوها من عند أنفسهم وقال إنها السبب المباشر في انتشار الفواحش في أوروبا كلها مستدلًا على ما يقول بوقائع وجرائم قد حدثت من القساوسة والرهبان منافية للأخلاق (٤). سادسًا: الإقرار بالذنوب للقسيس: وهو أن المذنب يذهب إلى الكاهن فيبوح له بما اقترفه من ذنوب فيحصل منه على المغفرة بعد ذلك، وكان الاعتراف يتكرر عدة مرات مدى الحياة ولكنه منذ سنة ١٢١٥م أصبح لازمًا مرة واحدة على الأقل (٥). الدليل على هذه المسألة: يستدل النصارى على قضية الاعتراف بالذنوب أمام القسيس بالنص الإنجيلي التالي المنسوب إلى المسيح بعد قتله وصلبه في اعتقادهم ثم ظهوره لهم بعد ذلك يوصيهم بقوله -كما زعموا-: "ولما قال هذا نفخ وقال لهم: "اقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تغفر له ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت" (٦).

стр. 417

وقد انتقد م/ الطهطاوي هذا النص وبين أنه محض افتراء وكذب على المسيح ﵇ فلا يصلح أن يكون دليلًا وبالتالي بطل به الاستدلال على أمر ينسبونه إليه فيقول: هذه الوصية لم ترو عن المسيح في حياته التي لازم فيها تلاميذه؛ بل جاءت في الرؤيا عنه بعد ذلك، مما يدعو إلى الشك وعدم الاطمئنان إليها؛ لأنها من قبيل الرؤى والأحلام (١). ويذكر أ/عبد الله الترجمان صفة الإقرار أمام القسيس فيقول: يعتقد النصارى أنه لا يمكن دخول الجنة إلا بعد الإقرار بالذنوب للقسيس، وأن كل من يخفى ذنبًا فلا ينفعه إقراره فهم في كل سنة عند صيامهم يمشون إلى الكنائس، ويقرون بجميع ذنوبهم للقسيس الذي يقوم بكل كنيسة، وفي سائر أوقاتهم لا يقر أحد بذنب إلا إذا مرض وخاف الموت فإنه يبعث إلى القسيس فيصل إليه، ويقر له بجميع ذنوبه فيغفرها له وهم يعتقدون أن كل ذنب غفره القسيس فإنه مغفور عند الله تعالى، فمن أجل ذلك صار البابا الذي يكون بمدينة روما -فهو خليفة عيسى في الأرض بزعمهم- يعطى لمن يشاء براءة بغفران الذنوب والتسريح من النار، ودخول الجنة ويأخذ على ذلك الأموال الجليلة، وكذلك يفعل كل من ينوب عنه في جميع أرض النصارى من القسيسين (٢). ويقول فضيلة الشيخ أبو زهرة عن بداية ظهور صك الغفران وصيغته المختلقة والمفتراة: وفي المجمع الثاني عشر قررت الكنيسة امتلاكها لحق الغفران وصنع القائمون عليها صكًا يُباع ويُشترى وبذل العصاة في سبيل شرائه المال الكثير، وما كان عليهم من حرج في ارتكاب ما يشاءون من الموبقات وينالون ما تهوى الأنفس من معاصي، ما دام ذلك يُفتدى بمال قل أو جل (٣). ونص صك الغفران كما يلي: "ربنا يسوع المسيح يرحمك يا فلان ويحلك باستحقاقك آلامه الكلية القدسية وأنا بالسلطان الرسولي المعطى لي أحلك من جميع القصاصات والأحكام الطائلات الكنيسية التي استوجبتها، وأيضًا من جميع الإفراط والخطايا والذنوب التي ارتكبتها مهما كانت عظيمة وفظيعة" ... إلخ (٤).

стр. 418

وينتقد أ/ عبد الله الترجمان، هذا الأمر الذي يسهل الخطايا وارتكاب الذنوب بعرض صيغة ذلك الاعتراف على العقل ويحاججهم بنفس ما يفعلون ليصل إلى بطلانه فيقول: إن هذا لم يأمركم به عيسى ﵇ وتلاميذه لم يقروا له ذنبًا قط وهو أقرب على قولهم لمغفرة الذنوب من جميع القسيسين، والقسيس لا شك عندكم في أنه بشر مثلكم فمن الذي يغفر له ذنوبه فإن قلتم البابا يغفر له ذنوبه فمن الذي يغفر للبابا ذنوبه (١). وخلاصة هذه المسألة: أن القسيس بشر يخطئ ويصيب والبابا بشر يخطئ ويصيب وإن ادعوا العصمة وبالتالي فإن القائم بهذه المهمة والمخول له هذه السلطة يحتاج إلى من يغفر له ذنوبه فمن هو إذن الذي يغفر الذنوب لكل البشر؟ لا شك أنه رب البشر ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢). سابعًا: العشاء الربانى أو الإيمان بالقربان: وهو: استحالة الخبز إلى جسد المسيح واستحالة الخمر إلى دم المسيح ويوضح ذلك أ/عبد الله الترجمان فيقول: (إن دين النصارى في قربانهم كفر، وهو أن يعتقدوا على فطيرة من خبز إذا قرأ عليها القسيس بعض الكلمات أنها ترجع في تلك الساعة جسد عيسى وإذا قرأ بعض الكلمات على كأس خمر فإنه يصير في تلك السماعة دم عيسى، وكل كنيسة بها قسيس كبير يقوم بها فيجئ قسيس كل كنيسة في كل يوم بفطيرة صغيرة وزجاجة خمر ويقرأ عليها عند صلاته فيعتقد النصارى أن الفطيرة صارت جسد عيسى والخمر صار دمه) (٣). وعن طريق المقابلة بين النصوص في القضية الواحدة من الأناجيل الأربعة أثبت العلامة البغدادي، وأ/ عبد الله الترجمان وجود الاختلاف بين الأناجيل ووقوع التناقض في النصوص التي يستند عليها النصارى في مسألة العشاء الرباني وذكرا دليلهم عليها وهو: ١ - قول متى: "إن عيسى جمع الحواريين يومًا قبل موته وتناول خبزه وكسرها وناولهم كسرة لكل إنسان وقال لهم كلوا هذا جسمي ثم ناولهم خمرًا وقال لهم اشربوا هذا دمى" (٤).

стр. 419

٢ - وعبارة مرقس وإن كانت قريبة من عبارة متى لكن بينهما اختلاف وهي: "ولما كان المساء جاء مع الاثنى عشر، وفيما هم متكئون يأكلون، قال يسوع الحق أقول لكم: إن واحدًا منكم يسلمني: الآكل معى، فابتدأوا يحزنون ويقولون له واحدًا فواحدًا: هل أنا؟ وآخر: هل أنا؟ فأجاب وقال لهم: هو واحد من الاثنى عشر، الذي يغمس معى في الصحفة إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه، ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان، كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد وفيما هم يأكلون أخذ يسوع خبزًا وبارك وكسر وأعطاهم وقال: "خذوا كلوا هذا هو جسدى، ثم أخذ الكأس وشكر وأعطاهم فشربوا منها كلهم وقال لهم: "هذا هو دمى الذي للعهد الجديد. الذي يسفك من أجل كثيرين الحق أقول لكم: إنى لا أشرب بعد من نتاج المكرمة إلى ذلك اليوم حينما أشربه جديدًا في ملكوت الله" (١). ٣ - وحكاية لوقا في هذه القصة فيها تقديم وتأخير فإنه قال فيها: "ولما كانت الساعة واتكأ والاثنى عشر رسولًا معه وقال لهم" شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم لأني أقول لكم: إلى لا آكل منه بعد حتى يكمل في ملكوت الله ثم تناول كأسًا وشكر وقال: "خذوا هذه واقتسموها بينكم؛ لأنى أقول لكم: إني لا أشرب من نتاج المكرمة حتى يأتي ملكوت الله وأخذ خبزًا وشكر وكسر وأعطاهم قائلًا: هذا هو جسدي الذي يبذل عنكم" (٢). وقد انتقد العلامة صاحب الفارق، هذه القصة ببيان الاختلاف والتناقض فيها فيقول: (إن ما أدرجه لوقا هنا لم يذكره متى ومرقس فإما أن يكون أنفت شهامتهما أن يذكرا كلامًا لا معنى له أو قصرت أفهامهما عن سر هذا الوحى الذي ذكره لوقا وعلى كلا التقديرين لا مخلص للمسيحى الذي يدعى أن هذا الاختلاف والتناقض إلهامى) (٣). وقال أيضًا: "ذكر الكأس ثانيًا من زياداته -لوقا- ولا يضرنا ذلك ولكن لنا عليه اعتراض في قوله: "الذي يُسفك عنكم" وذلك إما أن يكون المراد عموم النصارى أو التلاميذ المخاطبين خاصة وأيًا ما كان فهو مناقض قول يوحنا: أنه صلب نفسه عن كافة الناس ومخالف لقول مرقس ومتى أيضًا: لأنهما قالا:

стр. 420

"الذي يسفك من أجل كثيرين" أي لبعض النصارى وزاد المترجم من عنده على مرقس: "لمغفرة الخطايا" ومعلوم أن بين هذه العبارات الأربعة تفاوتًا بعيدًا، والنصارى اتخذوا هذه القصة أساس دينهم فقد أسس هذا الدين على شفا جرف هار (١). ويؤكد أ/عبد الله الترجمان وجود هذا الاختلاف بين الأناجيل في هذه القصة فيقول: "إن يوحنا الذي كان حاضرًا لعيسى حتى رُفع لم يذكر شيئًا من خبر الخبز والخمر في إنجيله، وهذا من الاختلاف الذي يدلّ على كذب متى ونقله للمحال والبهتان" (٢). أضف إلى ذلك محاججة الترجماني للنصارى بالعقل في هذه المسألة وبين أن ما يدعونه من خبر الخبز والخمر في العشاء الرباني محال من ناحية العقل فيقول: (النصارى يعتقدون أن كل جزء من أجزاء فطيرة كل قسيس هو عيسي ﵇ بجميع جسده في طوله وعرضه، وعمقه هو هو ولو بلغت أجزاء الفطيرة مائة ألف جزء لكان كل جزء منها عيسى، فيقال لهم: إن جسد عيسى كان طوله عشرة أشبار مثلًا وعرضه شبرين وعمقه شبرًا، والفطيرة التي يقرأ عليها القسيس ما يمكن أنه تكون ثلاثة أشبار فكيف يكون جسد طوله عشرة أشبار وعرضه شبران وعمقه شبر في شيء طوله ثلث شبر، هذا محال في كل عقل سليم، وهم يجيبون عن هذا بأن المرآة تكون قدر الدرهم والإنسان يرى فيها أكبر الأبراج والمباني العالية إذا قابلها بذلك، وهي أكبر منها بأزيد من ألف مرة، فيقال لهم إن الذي يرى في المرآة عرض لا جوهر وأنتم تعتقدون أن جوهر عيسى وعرضه جميعًا في تلك الفطيرة، وهذا محال في العقل) (٣). ومن خلال ردود أ/ عبد الله الترجمان النقدية على هذه المسألة يتضح لدي الباحث أنه اتبع في جهوده النقدية للعشاء الرباني: ١ - محاورة النصارى حول ما يعتقدون بالأدلة العقلية. ٢ - طرح الافتراضات الجدلية والتسليم لهم فيما يدعون ثم الإجابة عليها بما ينقضها ويبطلها.

стр. 421

وخلاصة ما سبق: ١ - الاختلاف بين الأناجيل في القصة الواحدة. ٢ - وقوع الزيادات في أحد الأناجيل في هذه المسألة. ٣ - وقوع التناقض في هذه المسألة من خلال المقابلة بين النصوص. ٤ - تحويل الخبز إلى جسد المسيح والخمر إلى دم المسيح أمر لا يقبله عقل سليم. ٥ - وبناءً على ما سبق يتبين بُطلان دعوى أن الأناجيل كُتبت بإلهام.

стр. 422

المبحث الثاني نقد الأخلاق في العهد الجديد عند البحث فيما وقع تحت يدي من مؤلفات نقدية لعلماء المسلمين - فترة البحث- عن نقد الأخلاق في العهد الجديد وجدت أن من كتب حول هذا الموضوع قلة من الكتاب .. من هؤلاء الكتاب د/ أحمد طاهر، ود/ عمر عبد العزيز ويمكن عرض جهودهما في نقد الجانب الأخلاقى في العهد الجديد فيما يلي: (١) السلبية في مقابلة الشر . (٢) التحلل والإباحية. السلبية في مقابلة الشر: عرض د/ عمر عبد العزيز مبدأ التسامح من خلال الأناجيل بذكره للنصوص التي تدل على العفو والتسامح وغير ذلك من الأخلاق الكريمة (١) وكذلك د/ أحمد طاهر ذكر جملة من الأخلاق الفاضلة التي ورد ذكرها في العهد الجديد (٢). ثم وجه كل منهما سهام النقد لما يسمي بالأخلاق السلبية في العهد الجديد فيقول د/ أحمد طاهر: وعند استعراض بعض التعاليم المسيحية يتضح أنها تميل ميلًا كليًا إلى جانب دون جانب وبشكل مبالغ تنتفى معه الواقعية والدليل على ذلك من إنجيل متى: "ولكني أقول لكم لا تقاوموا الشر، ومن لطمك على خدك الأيمن فدر له خدك الآخر ليلطمك وإذا ما اختصمك إنسان طالبًا معطفك فدعه له أيضًا، ومن يجبرك على أن تسير ميلًا فسر ميلين" (٣).

стр. 423

وفي نقده لهذا النص يقول: (ولعل هذه الموعظة قد قصدت تلطيف الحكم القاسي القائم على الانتقام عين بعين وسن بسن، إذا ما نُفذ حرفيًا كما هو في الشريعة اليهودية، ولكن هل نعمل بالموعظة التي نُسبت إلى المسيح؟، والتي فيها تخاذل وخنوع والتي تقول من ضربك على خدك الأيمن در له خدك الأيسر؟ هل نعتبر هذه الموعظة حكمًا عامًا؟ وهل يمكن أن يكون هذا الحكم شرع أو وصية معنوية تصلح لكل الأحوال ولجميع الظروف، خاصة وأن مقابلتنا للشر بسلبية مطلقة وخنوع واستسلام لا يدلّ على شيء؛ بل على جبن وخور وإذعان للمستبدين والمعربدين ولا يأتي بنتيجة طيبة؛ بل يزيد هؤلاء المتغطرسين المغرورين طغيانًا على طغيانهم وشرًا على شرهم، ومن الناحية الأخرى تزيد هذه الموعظة من نكبات الإنسانية وويلاتها) (١). ويؤكد هذا الانحراف والميل د/عمر عبد العزيز فيقول: (إن المسيحية في صورتها المثالية مجافية لفطرة الإنسان، والمسيحى المثالى يتجسد في الراهب المعتزل للحياة المنقطع عن الدنيا المعرض عن الطيبات حتى عن الزواج، والأخلاق المسيحية أخلاق غير واقعية؛ لأنها فوق الطاقة المعتادة للبشر كما في قول الإنجيل: "أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم، من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ومن سرق قميصك فأعطه إزارك" (٢). وفي نقده لهذا النص يقول: إن هذا الأمر ليس في مقدور كل إنسان فهل يليق بمن سُرق منه القميص أن يعطي الإزار ثم يصبح عُريانًا (٣). فهل ظلت المسيحية على هذا التسامح؟ أم أنه حدث لها انحراف في السلوك وتحول في الأخلاق عبر الزمن، هذا ما رصده د/أحمد شلبي، عندما وقف وقفة نقدية مع سلطان الكنيسة المستبد وثورة الإصلاح الديني عليها وبين أنه تقرر في المجمع الذي عقد في سنة ١٢١٥م استئصال الخارجين على الكنيسة فاستعملت القتل والحرق وغير ذلك من الاضطهادات التي مارستها الكنيسة ضد المسيحيين (٤). ومع الزعم بأن المسيحية دين التسامح والمحبة فإن المنتسبين إليها ينوء كاهلهم بتاريخ شديد الظلمة حالك السواد، ملطخ بدماء العلماء والمفكرين الأحرار ... تاريخ وقفت فيه الكنيسة مع الجمود ضد الفكر المستنير ومع الخرافة ضد العلم ومع الاستبداد ضد الحرية ومع الظلام ضد النور وصنعت من المجازر البشرية مالا ينساه التاريخ، فأين هذا من التسامح المزعوم؟! وإن كان هذا من التسامح فما التعصب إذن؟! ... والدليل على ذلك ما حدث في أوروبا في العصور الوسطى من ثورة عارمة شعارها "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس" (٤).

стр. 424

وخلاصة ما سبق: ١ - ما قام به علماؤنا في معالجة هذا الخلق يتميز بالموضوعية والحيدة والإنصاف. ٢ - اتخذوا من التاريخ خير شاهدٍ على نقدهم للتسامح في المسيحية ونتيجة جهودهم هذه تتبين فيما يلي: أ- أن دعوى التسامح المزعومة تبطلها حوادث التاريخ من الحروب الصليبية التي شنها الإفرنج ضد الإِسلام والمسلمين تحت شعار الصليب. ب- أن ارتكاب القائمين على الكنيسة للمجازر الوحشية ضد الخارجين على سلطان الكنيسة والمتمردين عليها يتنافى تمامًا مع التسامح المزعوم. ج- أن التسامح المزعوم يؤدى بالمسيحية إلى السلبية والخذلان والضعف وبالتالي فالأخلاق المسيحية أخلاق غير واقعية لأنها تتسم بالمثالية المفرطة إلى لا يتحملها كثير من الناس. التحلل والإباحية: يقف د/أحمد طاهر مع العهد الجديد وقفة فاحصة ينتقده فيها إذ أنه لا يحرم أسباب الجريمة والخطيئة فيبيح الخمر والميسر والجنس فيقول: في الوقت الذي نجد فيه المسيحية تميل نحو الرهبانية لا نجدها في أي كتاب من الكتب المنسوبة إلى الرسل تحرم أسباب الجريمة والخطيئة أعني الخمر والجنس الحرام والميسر؛ بل هى لا تمنع عرض النسوة لمفاتنهن الجسمانية عرضًا لا تحشم فيه (١). أما عن الخمر فنجده عنصرًا أساسيًا في القربان المقدس؛ بل المعجزة الأولى التي جاء بها المسيح كما يدعون أنه قد حول الماء إلى خمر (٢). (ويرى بولس: أن المرأة مجرد متعة وفتنة؛ بل أنزل بها اللوم كله لسقوط الإنسان وتدهور الخليقة واقتراف المعصية كما في رسائل بولس: "لتتعلم المرأة بسكوت في كل خضوع ولكن لست آذن للمرأة أن تعلم ولا تتسلط على الرجل، بل تكون في سكوت ... وآدم لم يغو ولكن المرأة أغويت فحصلت في التعدي" (٣).

стр. 425

ويقول د/مصطفي شاهين عن الأخلاق في النصرانية: (في الإنجيل دعوة حارة إلى أن تقوم العلاقات بين الناس على أساس التسامح والعفو ودفع السيئة بالحسنة حتى لتكاد تجعل ذلك واجبًا من الواجبات، وتبدو هذه القواعد أوضح ما تكون في كثير من الفقرات الواردة في موعظة الجبل فمن ذلك قول الإنجيل في هذه الموعظة: "لقد كان يُقال لكم: أحبوا أبناء شعبكم وأبغضوا أعداءكم، وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم وباركوا الذين يعلنونكم وقدموا الخير لمن يكرهونكم، وادعوا بخير لهؤلاء الذين يضطهدونكم ويعذبونكم، حتى تستحقوا أن تكونوا أبناءً لأبيكم الذي في السماوات" (١). ثم يعلق على هذا النص بقوله: وغنى عن البيان أن تطبيق هذه المبادئ تطبيقًا حرفيًا يؤدى في النهاية إلى إلغاء العقوبات) (٢). وفي موضوع رجم الزاني ينص العهد الجديد على إلغاء حدّ الزنا مكتفيًا بأخذ العهد على مقترفه ألا يعود إليه مرة أخرى (٣). وخلاصة هذا المبحث: أن إلغاء العقوبات يعطى فرصة للخطاة والمذنبين أن يتمادوا في أخطائهم والتسامح الذي يصل إلى درجة الإفراط يؤدى إلى مزيد من ارتكاب الجرائم وهذا تخرج الأخلاق في النصرانية من الإيجابية إلى السلبية ومن الالتزام إلى الانحراف ومن الدعوة إلى السلام والتسامح إلى سفك الدماء والخراب والدمار وما حدث في البوسنة والهرسك وبلاد البلقان (٤) مؤخرًا خير دليل على ذلك، ولكم ذاق المسلمون هناك على أيدى النصارى ويلات القتل والتشريد تحت دعوى التطهير العرقي فأين التسامح الذي يدعون؟! هذا وقد أشار علماؤنا الأفاضل إلى تلك القيم الأخلاقية المفقودة في النصرانية ولم يهملوا القيم الأخلاقية التي ورد ذكرها في العهد الجديد. بموضوعية فائقة وحيدة تامة.
следующие страницы →