← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 122258

جهود علماء المسلمين في نقد الكتاب المقدس من القرن الثامن الهجري إلى العصر الحاضر "عرض ونقد"

رمضان الدسوقي

Полный текст (438 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وحول هذا النص الذي يثبت بشرية المسيح ﵇ ويبطل ما زعمه النصارى عن التثليث يقول الشيخ عبد الله الترجمان بعد أن استدل بالنص السابق (مرقس ١٣/ ٣٢) هذا إقرار من عيسى ﵇ بأنّه ناقص علم حتى عن الملائكة وأن الله تعالى هو المنفرد بعلم الساعة وقيامتها، وأن عيسى ﵇ لا يعلم إلا ما علمه الله تعالى (١). وغير ذلك من الأدلة التي ذكروها وتدل دلالة واضحة على التوحيد الحقيقى ونفي التثليث وأنه ممتنع ومستحيل في ذات الله (٢). والإمام ابن تيميه في محاوراته العقلية التي يبطل بها دعوى التثليث يرد على النصارى فيقول: إنهم يجمعون بين النقيضين عندما يقولون نحن نلعن من قال إنه الأب والأب هو الخالق ونلعن من قال هو الأب الخالق ومن قال ليس هو الخالق فيقول لهم إنكم بذلك تجمعون بين النقيضين: فتلعنون من جرد التوحيد بلا شرك ولا تثليث ومن أثبت التثليث مع انفصال كل واحد عن الآخر؛ وتجمعون بذلك بين متناقضين أحدهما حق والآخر باطل وكل قول يتضمن جمع النقيضين (إثبات الشيء ونفيه) أو رفع النقيضين (الإثبات والنفي) فهو باطل (٣). ومن مظاهر تناقضهم أيضًا: "زعمهم أن كلمة (الله) التي يفسرونها بعلمه أو حكمته وروح القدس التي يفسرونها بحياته وقدرته هي صفة له قديمة أزلية لم يزل ولا يزال موصوفًا بها ويقولون مع ذلك: إن الكلمة هى مولودة منه فيجعلون علمه القديم الأزلي متولدًا عنه، ولا يجعلون حياته القديمة الأزلية متولدة عنه، وقد أصابوا في أنهم لم يجعلوا حياته متولدة عنه لكن ظهر بذلك بعض مناقضاتهم وضلالهم بأنّه أنواع كثيرة فإنه إن كانت صفة الموصوف القديمة اللازمة لذاته يقال: إنها ابنه وولده ومتولد عنه، ونحو ذلك فتكون حياته أيضًا ابنه وولده ومتولدًا عنه وإن لم يكن كذلك فلا يكون علمه ابنه ولا ولده ولا متولدًا عنه ... فعلم أن القوم في غاية التناقض في المعاني والألفاظ وأنهم مخالفون للكتب الإلهية كلها ولما فطر الله عليه عباده من المعقولات التي يسمونها نواميس عقلية ومخالفون لجميع لغات الآدميين وهذا مما يظهر به فساد تمثيلهم" (٤).

стр. 352

رابعًا: نقد عقيدة التثليث بالأدلة والبراهين العقلية: الدليل العقلي أحد الأدلة التي استخدمها علماء المسلمين في نقد الكتاب المقدس بقسميه، إذ أن إعمال العقل في فحص القضايا المتنازع فيها بين المسلمين والنصارى أمر من الأهمية بمكان ولأن النصارى لا يؤمنون بالقرآن وإذا استخدم العلماء القرآن الكريم في الرد عليهم فذلك منهج غير موضوعي لذا اتبع علماء المسلمين في إبطالهم لعقائد النصارى الدليل العقلي وذلك بعرض مفردات تلك العقائد على العقل وإثبات أنها تتعارض مع المسلمات البديهية وتتناقض مع الحقائق العلمية الثابتة. وقد أبطل هذه العقيدة شيخ الإِسلام بأدلة عقلية أوردها في كتابه الجواب الصحيح وقد أورد العلامة رحمة الله الهندي أيضًا كثيرًا من الأدلة والبراهين العقلية على بطلان عقيدة التثليث عند النصارى ووافقه عليها أيضًا العلامة الألوسي .. من هذه الأدلة ما يلي: ١ - لما كان التثليث والتوحيد حقيقيين عند المسيحيين ... وإذا وجد التثليث الحقيقى لا بد من أن توجد الكثرة الحقيقية أيضًا ولا يمكن بعد ثبوتها التوحيد الحقيقى وإلا يلزم اجتماع الضدين الحقيقيين وهو محال فلزم تعدد الوجباء (أي تعدد واجب الوجود) وفات التوحيد يقينًا، فقائل التثليث لا يمكن أن يكون موحدًا لله تعالى بالتوحيد الحقيقى والقول بأن التثليث الحقيقى والتوحيد الحقيقى وإن كانا ضدين حقيقيين في غير الواجب لكنهما غير ذلك فيه سفسطة محضة لأنه إذا ثبت أن الشيئين بالنظر إلى ذاتيتهما ضدان حقيقيان أو نقيضان في نفس الأمر فلا يمكن اجتماعهما في أمر واحد شخصى في زمان واحد من جهة واحدة واجبًا كان ذلك الأمر أو غير واجب كيف وإن الواحد الحقيقى ليس له ثلث صحيح والثلاثة لها ثلث صحيح وهو واحد وأن الثلاثة مجموع آحاد ثلاثة، والواحد الحقيقي ليس مجموع آحاد رأسًا، وأن الواحد الحقيقي جزء الثلاثة فلو اجتمعا في محلّ واحد يلزم كون الجزء كلًا والكل جزءًا وأن هذا الاجتماع يستلزم كون الله مركبًا من أجزاء غير متناهية بالفعل لاتحاد حقيقة الكل والجزء على هذا التقدير، والكل مركب فكل جزء من أجزائه أيضًا مركب من الأجزاء التي تكون عين هذا الجزء وهلم جرا، وكون الشيء مركبًا من أجزاء متناهية بالفعل باطل قطعًا (١). ٢ - الاتحاد بين الجوهر اللاهوتي والناسوتي إذا كان حقيقيًا لكان أقنوم الابن محدودًا متناهيًا وكل ما كان كذلك كان قبوله للزيادة والنقصان ممكنًا وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر وكل ما كان كذلك فهو محدث فيلزم أن يكون أقنوم الابن محدثًا ويستلزم حدوثه حدوث الله، وهذا محال (٢).

стр. 353

٣ - فرقة البروتستانت ترد على فرقة الكاثوليك في استحالة الخبز إلى المسيح في العشاء الرباني شهادة الحس وتستهزئ بها. فهذا الرد والهزء يرجعان إليهما أيضًا؛ لأنّ الذي رأى المسيح ما رأى منه إلا شخصًا واحدًا إنسانًا وتكذيب أصدق الحواس الذي هو البصر يفتح باب السفسطة في الضروريات فيكون القول باطلًا كالقول باستحالة الخبز إلى المسيح والخمر إلى دمه (١). وقد ذكر العلامة الهندي، ما يؤكد بطلان عقيدة التثليث بأبسط البراهين العقلية فنقل أنه تنصر ثلاثة أشخاص وعلمهم بعض القساوسة العقائد الضرورية سيما عقيدة التثليث أيضًا، وكانوا في خدمته فجاء محب من أحباء القسيس وسأله عمن تنصر؟ فقال ثلاثة أشخاص تنصروا. فسأل هذا المحب هل تعلموا شيئًا من العقائد الضرورية؟ فقال نعم وطلب واحدًا منهم ليرى محبه فسأله عن عقيدة التثليث فقال إنك علمتني أن الآلهة ثلاثة أحدهم الذي هو في السماء والثاني تولد من بطن مريم العذراء والثالث الذي نزل في صورة الحمام على الإله الثاني بعد ما صار ابن ثلاثين سنة فغضب القسيس وطرده، ثم طلب الآخر منهم وسأله فقال: إنك علمتني أن الآلهة كانوا ثلاثة وصُلب واحد منهم فالباقى إلهان فغضب عليه القسيس أيضًا وطرده، ثم طلب الثالث وكان ذكيًا بالنسبة إلى الأوليين وحريصًا في حفظ العقائد فسأله فقال يا مولاي حفظت ما علمتني حفظًا جيدًا وفهمت فهمًا كاملًا بفضل الرب المسيح أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد وصلب واحد منهم ومات فمات الكل لأجل الاتحاد ولا إله الآن وإلا يلزم نفي الاتحاد (٢). ثم يعلق على هذه القصة العلامة رحمة الله الهندي فيقول: لا تقصير للمسئولين فإن هذه العقيدة يخبط فيها الجهلاء هكذا ويتحير علماؤهم ويعترفون بأنهم يعتقدون ولا يفهمون ويعجزون عن تصويرها وبيانها ومن غير تصور يصدقون (٣).

стр. 354

وغير ذلك من الأدلة والبراهين العقلية التي ساقها كل من العلامة الهندي والألوسى (١) والتي أثبتوا من خلالها ما يلي: ١ - أن هذه العقيدة تتناقض مع الحقائق العلمية الثابتة. ٢ - استحالة ما يدعيه النصارى من كون الثلاثة واحدًا والواحد ثلاثة. ٣ - أن هذه العقيدة تتعارض مع العقل في أبسط تصوراته. ٤ - تخبط النصارى في هذه العقيدة وتحير رؤساؤهم أيضًا في تناقضها وعدم فهمهم لها ويدعون أنها فوق العقل. ٥ - بطلان عقيدة التثليث بناء على ما سبق بيانه من الأدلة العقلية إلى ساقها علماؤنا الأجلاء. ٦ - استحالة وجود التوحيد الحقيقي والتثليث الحقيقي في نفس الوقت. ٧ - وإذا بطل التثليث من خلال ما تقدم ذكره فقد ثبت أن الله واحد لا شريك له ولكن النصارى يؤولون النصوص تأويلًا فاسدًا لتأييد دعواهم ويحملون النصوص على حقيقتها دون مراعاة للمعنى المجازي لها. ٨ - ولقد أبطل الله ما ذهب إليه النصارى من التثليث، وبين كفر هؤلاء الذين يجعلون الآلهة ثلاثة بدلًا من أن ينزهوه عن الشريك والولد، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)

стр. 355

المبحث الخامس جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقد عقيدة الحلول (١) والاتحاد (٢) اختلف النصارى اختلافًا كبيرًا حول شخصية المسيح ﵇ بين مؤمن معترف به كنبي ورسول وبين مغالٍ فيه فتارة يعتقدون بألوهيته وبنوته وتارة يقولون إنه إله تام وإنسان تام وتارة أخرى يقولون بحلول الله في جسد المسيح واتحاده به .. إلى غير ذلك من الشطط والانحراف. ولقد اجتهد علماؤنا الأجلاء -فترة البحث- في إبطال هذه المزاعم المفتراة بالأدلة العقلية تارة وبالأدلة النقلية تارة أخرى. وفي هذا المبحث أبين بعون الله وتوفيقه كيف نقد علماء المسلمين عقيدة الحلول والاتحاد .. ولذلك يمكن حصر ما قاموا به في النقاط التالية: ١ - آراء الطوائف النصرانية في الحلول والاتحاد وجهود العلماء في الرد عليها. ٢ - الأدلة التي يستندون عليها في الحلول والاتحاد وجهود العلماء في الرد عليها ونقدها.

стр. 356

آراء الطوائف النصرانية في الحلول والاتحاد وجهود العلماء في نقدها والرد عليها: ذكر الشيخ المسعودى، مقالات الفرق الثلاث من النصارى اليعاقبة والروم والنسطورية في دعوى اتحاد اللاهوت بالناسوت. وقال إن عقائدهم في الإله مختلفة وآراؤهم فيه غير مؤتلفة وسبب خبطهم وخلطهم أن كلامهم قد تفرع عن أصل فاسد (١) ثم ناقش قول كل فرقة على حده وأبطل ما ذهبت إليه من آراء باطلة والملاحظ لمناقشته لهذه العقيدة أنه استخدم الأدلة العقلية في رؤيته النقدية وأكد ما يقول بأدلة من الأناجيل ذكر بعضها والبعض الآخر ذكرها باختصار شديد واكتفي بذكر محتوى الدليل. وقد بين أ. د/ بكر زكي عوض، مواضع هذه الأدلة في الكتاب المقدس مع ذكر طرفًا منها وإحالته على آيات أخرى فيذكر السفر ورقمها فيه. رأى الفرقة الأولى: فرقة اليعاقبة: هذه الفرقة منسوبة إلى يعقوب السروجى ويسمى البرادعى أيضًا وقد ادعت أن المسيح صيره الاتحاد طبيعة واحدة وأقنومًا واحدًا قالوا: لأنّ طبيعة اللاهوت تركبت مع طبيعة الناسوت، فالمسيح عندهم إله كله وإنسان كله فهو يفعل أفعال الله وما يشبه أفعال الإنسان وهو أقنوم واحد والأقنوم الشخص والأقانيم الأشخاص (٢). ففى نقد الشيخ المسعودى لرأى هذه الفرقة في الاتحاد يستخدم الافتراضات الجدلية في محاورته العقلية لأصحاب هذا المذهب استدراجًا لإبطال ما يدعون من الاتحاد فيقول: حكايته هذا المذهب تكفى بالرد عليه إذ محصلته أن الإله هو الإنسان والإنسان هو الإله فيقال لهم أخبرونا عن هاتين الطبيعتين اللتين صارتا طبيعة واحدة، هل تغيرت كل واحدة عما كانت عليه قبل التركيب أم لا؟ فإن زعمت فرقة (اليعاقبة) أنها لم يتغيرا فقد نقضوا مذهبهم ورجعوا عن قولهم إلى قول من يقول إن المسيح بعد الاتحاد كهو قبله، وإن زعمت أن الطبيعتين صارتا طبيعة واحدة تركبت من الأوليتين فهذا تصريح بأن هذه الطبيعة لا إله ولا إنسان فلا يوصف المسيح بواحد منهما بل هو شيء آخر عجيب غريب فإن زعموا أنها كانتا قبل التركيب كاملتين لم يخرجهما عن الكمال، بل بقى المسيح إلهًا كاملًا وهو بعينه إنسان فقد تحامقوا أو زعموا أن القديم صار بعينه الحادث وأن الزمني صار بعينه الأزلي بمثابة قول القائل: "الحركة هى السكون والسواد هو البياض وذلك مردود بوجوه منها:

стр. 357

الوجه الأول: جاء في الإنجيل: "أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم وإلهى وإلهكم" يوحنا: (٢٠/ ١٨) ففرق بين الذاهب والذي يذهب إليه فبطل اتحادهما. اتحد الذاهب والمذهوب إليه والداعى والمدعو له ودعاء المسيح نفسه محال. الوجه الثاني: أن طبع الإله والإنسان صارا واحدًا والإله خالق والإنسان مخلوق فطبع الخالق هو طبع المخلوق وطبع العلة هو طبع المعلول وذلك محال. الوجه الثالث: الأناجيل الأربعة تذكر أن المسيح بكي على صديقه العازر وفرح بتوبة التائب وأكل في دعوات أصحابه وشرب وركب الأتان وتعب من وعر الطريق وحزن من نزول الموت وقال: إلهي اصرف عني هذا الكأس، وهذه النقائص قبيح إضافتها إلى الأزلي فبطلا أن يكونا شيئًا واحدًا (١). ويقول العلامة الألوسي: وأما الاتحاد: فإن المتحد والمتحد به إن كانا موجودين بعد الاتحاد فلا اتحاد لبقاء الكثرة على حالها وإن كانا معدومين فلم يكن ذلك اتحادًا بل إعدامًا، ويلزم ألا يكون المسيح إلهًا ولا إنسانًا فضلًا عن أن يكون إلهًا وإنسانًا، وإن كان أحدهما موجودًا والآخر معدومًا، فالمعدوم لا يكون نفس الموجود وبالعكس، وأيضًا فالموجود إن كان هو الإنسان فالمسيح إنسان فقط، وإن كان هو الإله فهو إله فقط ويبطل أن يكون إلهًا وإنسانًا فالقول بالاتحاد باطل (٢). الفرقة الثانية: فرقه الملكانية: ومذهبها أن المسيح بعد الاتحاد جوهران وهو أقنوم واحد وقد تقدم أن الأقنوم هو الشخص قالوا: فله بطبيعة اللاهوت مشيئة كمشيئة الأب وبطبيعة الناسوت مشيئة كمشيئة داود وإبراهيم غير أنه أقنوم واحد فردوا الاتحاد إلى الأقنوم إذ رأوه مستحيلًا بالنسبة إلى الجوهر (٣). وللشيخ المسعودى جهد طيب في الرد على هذا المذهب فحاورهم محاورة عقلية من واقع كلامهم وسلم لهم ما يدعون ثم تدرج في الاقناع إلى أن أبطل ادعاءاتهم وقد رد عليهم بوجوه كثيرة منها ما يلي:

стр. 358

الوجه الأوّل: يُقال لهم إذا قلتم إن المسيح بعد الاتحاد باق على طبيعته ومشيئته كما كان قبل الاتحاد فقد أبطلتم الاتحاد إذ الاتحاد عبارة عن صيرورة الأكثر من الواحد واحدًا فإذا كان جوهر الأزلي باقيًا بحاله وجوهر الإنسان باقيًا بحاله فقد آل الاتحاد إلى مجرد تسمية فارغة عن المعني خالية من الفائدة. الوجه الثاني: يُقال لهم أتقولون أن اللاهوت اتحد بالناسوت حقيقة أو مجازًا فإن قالوا إن ذلك تجوزًا وتوسعًا أبطلوا الاتحاد وتجوزوا بإطلاق ما لا يجوز إطلاقه على القدير سبحانه، وإن قالوا إنه اتحد حقيقة لزمهم أن يكون مشيئتهما واحدة؛ لأنّ الواحد لا يكون له إلا مشيئة واحدة إذ لو كان للواحد مشيئتان للزما أن يكونا متماثلتين أو مختلفتين فإن كانتا متماثلتين فإحداهما معنية عن الأخرى وإن كانتا مختلفتين تناقضت أحكامهما وامتنع حصول مرادهما فثبت أنه لا بد من إبطال إحدى المشيئتين إن كان الاتحاد حقيقة، أو إبطال الاتحاد جملة إن ثبتت المشيئتان (١). الفرقة الثالثة: فرقة النسطور: وهم نصارى المشرق أصحاب نسطورس (٢) أخذوا الأمانة عن المسيح ساعدوا نسطورس على رأيه فنسبوا إليه، ومذهبها: أن المسيح بعد الاتحاد جوهران وأقنومان باقيان على طباعهما كما كانا قبل الاتحاد وردوا الاتحاد إلى خاص البنوة وهو علم الباري قالوا: هذا الشخص المأخوذ من السيد شارك الله في هذه الخاصة فصار بها ابنًا وشريكًا ومسيحًا (٣). وقد رد عليهم الشيخ المسعودى بطرق عقلية كثيرة وأدلة نقلية من الكتاب المقدس أظهرها ما يلي: ١ - أن يُقال: إذا قلتم إن الجوهرين باقيان والأقنومين باقيان فلا موقع للاتحاد وصار اسمًا ساذجًا لا ثمرة له ولا فائدة. ٢ - أن يُقال: كون المسيح أقنومين مكذب بالحس وذلك أن الذي يراه كل ذى بصر صحيح من المسيح إنما هو شخص واحد، وتكذيب أصدق الحواس وهو البصر لا سبيل إليه.

стр. 359

٣ - قول بولس: "واحد هو الله هو المتوسط بين الله والناس (١) " فشهد بأن المسيح شيء واحد وأنه غير الله الواحد. وقال أيضًا: "إن رب الشعوب واحد غني متسع لكل من يدعوه، وكل من يدعوه باسم الرب يحيا ولكن كيف يدعوه من لم يؤمن به؟ " (٢). ثانيًا: الأدلة التي يستند عليها النصارى في عقيدة الحلول والاتحاد وجهود العلماء في الرد عليها: ذكر الإمام ابن تيميه بعضًا من هذه الأدلة وفندها ورد عليها وكذلك صاحب كتاب الجوهر الفريد رد تلك الأدلة التي استند عليها صاحب كتاب القول الصريح في تثليث الأقانيم وتجسد المسيح. وقد قام علماؤنا الأجلاء بإثبات زيف هذه الأدلة وتحريفها ومن ثم لا يصح الاستشهاد بها في باب العقائد وأما بيان عدم دلالتها على ما يعتقدونه إذا فهمت على وجهها الصحيح -وذلك على فرض صحتها ولو جدلًا- وبيان أنهم يحملون ألفاظها من الدلالات مالا تحتمله (٣). من هذه الأدلة التي فندها الإمام ابن تيميه في كتابه الجواب الصحيح ما يلي: احتجاج النصارى على حلول اللاهوت في المسيح بقول النبي حبقوق: "إن الله في الأرض يترآى ويختلط مع الناس ويمشي معهم" (٤). كما يحتجون بقول أرمياء النبي أيضًا في ذلك: "الله بعد هذا في الأرض يظهر ويتقلب مع البشر فيقول أنا الله رب الأرباب" (٥).

стр. 360

ومعنى هذا أن الذي ترآى للناس ومشي، بينهم وتقلب بين ظهرانيهم باسم المسيح ليس جسدًا مجردًا من اللاهوتية بل إنما الذي فعل ذلك هو الله بعد حلوله -في زعمهم- في شخص المسيح، ولهذا أسندت إليه كل الأفعال التي قام بها المسيح بهذا الاعتبار (١). ويجيب الإمام ابن تيميه على ذلك بأن هذا يحتاج إلى تثبيت بنوة هذين النبيين وإلى ثبوت النقل عنهما، وثبوت الترجمة الصحيحة المطابقة وبعد هذا يكون حكم هذا الكلام حكم نظائره، ففي، التوراة ما هو من هذا الجنس ولم يدل ذلك باتفاق المسلمين واليهود والنصارى على أن الله حلّ في موسى، ولا في غيره من أنبياء بني إسرائيل بل قوله يترآى هو بمنزلة يتجلى ويظهر، وقد ذكر في التوراة أنه تجلي وترآى لإبراهيم وغيره من الأنبياء ﵈ من غير أن تكون ذاته قد حلت بأحد منهم (٢). تفسير معنى الحلول عند النصارى ورد ابن تيمية على ذلك: يستشهد النصارى بما ينقلونه عن النبي زكريا من قوله: "افرحي يا بنت صهيون لأني آتيك وأحل فيك وأترايا، قال الله: ويؤمن بالله في ذلك اليوم الأمم الكثيرة ويكونون له شعبًا واحدًا ويحل هو وهم فيك، وتعرفين أني أنا الله القوي الساكن فيك، ويأخذ الله في ذلك اليوم الملك من يهوذا ويملك عليهم إلى الأبد" (٣). فهم يرون في هذا نصًا صريحًا على إتيان الرب لمريم، وحلوله فيها وترائيه في شخص المسيح، وأنه هو الذي سكن فيها أي أن هذا الكلام نص صريح في عقيدة حلول الله في عيسي وظهوره في صورته كما يزعمون (٤). ويرد الإمام ابن تيميه عليهم بقوله: مثل هذا قد ذكر عندهم عن إبراهيم وغيره من الأنبياء أن الله تجلي له واستعلن له وتريا له ونحو هذه العبارات ولم يدلّ ذلك على حلوله فيه، وكذلك إتيانه وهو لم يقل إني أحل في المسيح وأتحد به وإنما قال عن بنت صهيون: "آتيك وأحل فيك". كما قال مثل ذلك عندهم في غير هذا ولم يدل على حلوله في بشر وكذا قوله: "وتعرفين أني أنا الله القوى الساكن فيك" ولم يرد بهذا اللفظ حلوله في المسيح فإن المسيح لم يسكن بيت المقدس وهو قوي بل كان يدخله وهو مغلوب مقهور حتى أخذ وصلب -حسبما يعتقدون- أو شبهه والله إذا حصلت معرفته والإيمان به في القلوب اطمأنت وسكنت، وكان بيت المقدس لما ظهر فيه دين المسيح ﵇ بعد رفعه حصل فيه من الإيمان بالله ومعرفته ما لم يكن قبل ذلك (٥).

стр. 361

وقد احتج النصارى أيضًا على عقيدة الحلول والاتحاد بما جاء في سفر الملوك: "والآن يا رب إله إسرائيل ليتحقق كلامك لداود لأنه حق أن يكون أنه سيسكن الله مع الناس على الأرض وكل من فيها فيكون الرب عليها شاهدًا من بيته القدوس ويخرج من موضعه وينزل ويطأ على مشاريق الأرض في شأن خطيئة بني يعقوب" (١). تقول د/مريم زامل: (إذا كان المسيح هو الذي وطئ أطراف الأرض وساكن الناس فيها فإن هذا النص قد عبر عن ذلك بأن الله هو الذي فعل ذلك، فالمسيح إذًا -كما يزعمون- إنما فعل ذلك باعتباره ربًا لحلول الرب فيه واتحاده به) (٢). ويجيب الإمام ابن تيميه على هذا الدليل بأن هذا السفر "الملوك" يحتاج إلى أن يثبت أن الذي تكلم به نبي وأن ألفاظه ضبطت وتُرجمت إلى العربية ترجمة مطابقة ثم بعد ذلك يُقال فيه ما يقال في أمثاله من الألفاظ الموجودة عندهم، وليس فيها ما يدل على اتحاده بالمسيح فإن قوله: "إن الله سيسكن مع الناس في الأرض" لا يدلّ على المسيح، إذا كان المسيح لم يسكن مع الناس في الأرض، بل لما أظهر الدعوة لم يبق في الأرض إلا مدة قليلة ولم يكن ساكنًا في موضع معين، وقبل ذلك لم يظهر منه شيء من دعوى البنوة فضلًا عن الإلهية ثم إنه بعد ذلك رُفع إلى السماء فلم يكن يسكن مع الناس في الأرض، وأيضًا إذا قالوا سكونه هو ظهوره في المسيح ﵇ قيل لهم: أما الظهور الممكن المعقول كظهور معرفته ومحبته ونوره وذكره وعبادته فهذا لا فرق فيه بين المسيح وغيره. وأما قوله: "فيكون الرب عليها شاهدًا" فيقال شهود الله على عباده لا يستلزم حلوله أو اتحاده ببعض مخلوقاته، بل هو شهيد على العباد بأعمالهم كما قال: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٣)﴾ (٤). إلى غير ذلك من الردود التي رد بها الإمام ابن تيميه على النصارى وأثبت من خلال التفسير الصحيح للنصوص أن الله لم يحل بالمسيح ﵇ وقد بين أيضًا أنه مجرد الشك في نبوة حبقوق وأرميا وغيرهم كفيل برد النصوص الواردة التي استدل بها النصارى ونسبوها إليهم .. وهذا كله يُثبت بُطلان عقيدة الاتحاد والحلول.

стр. 362

أما صاحب كتاب الجوهر الفريد فقد أدلى بدلوه في قضية الحلول والاتحاد وأسهم في إبطالها والرد على مزاعم النصارى الباطلة، وكان منهجه في مناقشة هذه القضية قائم على ما يلي: ١ - الاستدلال بنصوص من الكتاب المقدس تدل على بطلان القول بالحلول والاتحاد وتعارض ما يدعيه النصارى. ٢ - رد التفسير الخاطئ لرؤية الله في الدنيا وأنه ليس على الحقيقة إلى ضرورة استخدام المعني المجازى في مثل هذه الأمور وبيان أن الأخذ بالظاهر وحمل اللفظ على حقيقته لا يجوز. وقال: يستدل النصارى على اتحاد المسيح بالله وحلول الله فيه اتحادًا وحلولًا حقيقيًا بقول جبرائيل الملك للسيدة مريم الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك (١) وبقول السيد المسيح: "الذي رآني فقد رأى الأب (٢) " وقوله: "إن إني أنا في الأب والأب فىّ" (٣) وغير ذلك من الأقوال (٤). وفي رده عليهم يقول: إن الاستدلال بمثل هذه الألفاظ على الاتحاد والحلول الحقيقى مردود بجملة وجوه منها: أن لفظ الحلول يطلق على كثير من الخلق غير المسيح بل وعلى الجمادات ففى مواضع متعددة من الكتاب المقدس منها: "حل روح الرب على داود" (٥)، حل روح الله على شاول (٦)، وفي سفر القضاة: "ولبس روح الرب جدعون" (٧). وغير ذلك من النصوص.

стр. 363

٣ - إقرار المسيح ﵇ نفسه وأنه قد صرح مرارًا بأن الله تعالى واحد لا يُري ولا يُسمع صوته وأنه شيء آخر غيره وأنه إلهه وإله العالمين ونادى عن نفسه بأنّه إنسان وابن إنسان وقوله: "الله بالحقيقة فيكم" (١) .. وغير ذلك من الأقوال التي تنافي الحلول والاتحاد الحقيقي وقول بولس: "الله بالحقيقة فيكم" أظهر من قوله: "يحل عليك" وقول المسيح: "أنا في الأب والأب فىّ". ٤ - إن رؤية الله تعالى في الدنيا ممتنعة واعتراف المسيح نفسه بأنّه تعالى لا يُري وذلك يعارض الأخذ بظاهر قول الإنجيل: "من رآنى فقد رأى الأب" وهذا يتضح معناه هو أن من رأى صنع الله تعالى على يديه من الآيات كإحياء الميت وإبراء المرضي فكأنه رأى الله كما يؤيد ذلك بقوله: "لو عرفتموني لعرفتم أبى (٢) " (٣). ثم يضيف العلامة أحمد ديدات حول هذا الاتحاد المزعوم قائلا: (لو كان عيسى يكون مع الله شيئًا واحدًا، ولو كان هذا التوحد معه، يجعل منه إلهًا، لكان لنا أن نعتبر: "يهوذا الخائن وتوما وبطرس" إلى جانب التسعة الآخرين الذين تخلوا عنه عندما كان في شدة الحاجة إليهم، آلهه) (٤).

стр. 364

المبحث السادس جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقض عقيدة الصلب والفداء ويشتمل على ما يلي: * مقولة النصارى في صلب المسيح: أ- بداية ظهور هذه العقيدة. ب- المجامع تقر هذه العقيدة. ج- أدلة النصارى عليها. النقض الإجمالي لعقيدة الصلب: أ- عند بعض القدامى. ب- عند بعض المحدثين. النقض التفصيلي لعقيدة الصلب: - أحداث الصلب وتضارب الأناجيل فيها.

стр. 365

مقولة النصارى في صلب المسيح: أ- موقف النصرانية الأولى من عقيدة الصلب. ب- بداية ظهور هذه العقيدة. ج- إقرار المجامع لهذه العقيدة. د- أدلة النصارى عليها. مقولة النصارى في صلب المسيح وأدلتهم عليها: صلب المسيح للتكفير عن خطيئة البشر ركن أساسى من أركان العقيدة النصرانية وقد ذكر أكثر علماء -فترة البحث- الأساس الفكري لتلك العقيدة الباطلة فقالوا: (يعبر عن الصلب في لغة المسيحيين بظهور الله في الجسد، حيث جاء بالشكل المنسوب للمسيح، وأساسه عندهم: أن من صفات الله العدل والرحمة فبمقتضى صفة العدل كان على الله أن يعاقب ذرية آدم بسبب الخطيئة إلى ارتكبها أبوهم وطُرد بها من الجنة، واستحق هو وأبناؤه البعد عن الله بسببها. وبمقتضى صفة الرحمة كان على الله أن يغفر سيئات البشر، ولم يكن هناك طريق للجمع بين العدل والرحمة إلا بتوسط ابن الله ووحيده وقبوله أن يظهر في شكل إنسان وأن يعيش كما يعيش الإنسان ثم يُصلب ظلمًا ليكفر عن خطيئة البشر، وهذا ما عبر عنه النصارى بالخلاص وهنا تمت المصالحة بين الله والناس) (١). ١ - موقف النصرانية الأولي من عقيدة الصلب والفداء: بينت د/ مريم زامل في دراستها للنصرانية: أن النصرانية الأولى قد خلت من عقيدة الصلب والفداء، وأنها فكرة دخيلة على المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح ﵇ فتقول: إن عيسى ﵇ ابتدأ دعوته في قومه بني إسرائيل؛ ليردهم عن غيهم وتماديهم في البعد عن الله، وعما جاء به موسى ﵇، وإفراطهم في الماديات حيث لم يرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة وكانت دعوته تدعو إلى الوحدانية وأنه بشر رسول ... لكن المتتبع لروايات الأناجيل وما جاء في كتاب الله الكريم يرى رفض بني إسرائيل لدعوته وإنكارهم لرسالته والنيل منه ومحاولة قتلة إلا أن الله نجاه من كيدهم ... والمسيحيون الأوائل لم يكونوا على علم ودراية بما سيؤول إليه أمر المسيح ومن ثم فلم يكن لديهم فكرة عن صلب المسيح كفارة لخطيئة آدم الموروثة في البشر، وإنما هذه العقيدة قد تبنتها الكنيسة بعد حادث الصلب المزعوم (٢).

стр. 366

ولذلك يقول د/ عبد الأحد داود في كتابه: (إن هذا السر اللاهوتي الذي كان مكتومًا عن كل الأنبياء والصالحين السابقين قد خيل أو كأنما كُشف للكنيسة بواقعة صلب المسيح، وإن هوية الأقانيم الثلاثة وأسرارها التي كان يجهلها أكابر الأنبياء كإبراهيم وموسى وداود وعيسي ﵈ قد صار من مبادئ معلومات كل غلام مسيحى فضلًا عن القسيسين والرهبان. الصليب كاشف الأسرار اللاهوتية ما أغربه من نموذج لتجليات الأديان) (١). ثم تؤكد د/ مريم زامل، من خلال دراستها على ما كتبه أهل الكتاب حول هذا الموضوع أن الحواريين في بدء دعوتم لم يجدوا في النصوص المقدسة، ولا في كتب الأحبار ما يشير من قريب أو بعيد إلى صلب المسيح، وتعذيبه على خشبة الصلب كما يزعم بولس أن المسيح مات من أجل خطايا البشر (٢). ٢ - بداية ظهور عقيدة الصلب والفداء وأدله النصارى عليها: أما عن بداية ظهور هذه العقيدة في النصرانية يؤكد البيروتي (٣) في كتابه: أن الذي يحمل وزر هذه العقيدة هو بولس اليهودي الذي تأثر بالفلسفة الإغريقية، وبعقائد الهنود التي تنص على صلب كرشنا المولود البكر الذي هو نفس الإله فشنو الذي لا ابتداء له ولا انتهاء على رأيهم قد تحرك شفقة وحنوًا -كي يخلص الأرض من ثقل حملها فأتاها وخلَّص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه وقد تأثر بها تأثيرًا كبيرًا انعكس على تعاليم المسيح التي أخذ يبشر بها عندما اختلق قصة دخوله المسيحية (٤). وكذلك يرى م/ الطهطاوي أن فكرة صلب المسيح دخلت النصرانية على يد بولس وهو الذي ابتدعها فيقول نقلًا عن "ولز" من كبار كُتاب المسيحية في أوروبا: إن بولس هو الذي أسس المسيحية الحديثة، وهو لم ير المسيح ولا سمعه، وكان اسمه في الأصل "شاول" وكان من مضطهدي المسيحيين ثم اعتنق المسيحية فجأة، وغير اسمه إلى بولس، وكان شديد الاهتمام بعقائد زمانه، فنقل إلى المسيحية كثيرًا من أفكارهم ومن ذلك قوله: "إن المسيح ابن الله، نزل ليصلب، ويفدي البشرية، وذلك مثل الضحايا القديمة أيام الحضارات البدائية (٥).

стр. 367

أما م/ أحمد عبد الوهاب في رؤيته النقدية لهذه الفكرة الدخيلة على النصرانية يقول: تبنى بولس فكرة سفك دم المسيح كفارة عن خطايا البشر، وروج لها في رسائله .. تلك الرسائل التي لم يُكتب أقدمها إلا بعد رفع المسيح بأكثر من عشرين عامًا (١). أما عن الأدلة التي يستند عليها النصارى في إثبات هذه العقيدة كثيرة قد رصدها جميع من تكلم في الصلب من علمائنا الأجلاء منها: ١ - قول بولس: "المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا؛ لأنه مكتوب: ملعون كل من علق على خشبة" (٢). ٢ - قول مرقس: "لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلص به العالم" (٣). ٣ - قول بولس: "متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الفصح عن الخطايا السالفة بإمهال إلى الله" (٤).

стр. 368

٣ - المجامع تقرر الإيمان بصلب المسيح وسر تقديس الصليب: ومن الأمور التي تؤكد على أن فكرة الصلب نشأت بعد المسيح ﵇ بزمن طويل ما قررته المجامع إسهامًا منها في تقنين العقائد الباطلة إذ أنها السلطة التشريعية العليا في المسيحية ومن ضمن العقائد التي قررتها المجامع عقيدة الصلب والفداء. هذا ما رصدته د/ مريم زامل في دراستها حيث تقول: (وأيًا ما كان الأمر فقد دخلت عقيدة الصلب والفداء في المسيحية على يد بولس، ثم انتشرت بين الناس وظهرت في الأناجيل التي كُتبت فيما بعد، وإذا كان الخلاف حولها ظل باقيًا خلال القرون الأولى، إلا أنها تقررت فيما بعد في المجامع حتى أصبحت هى العقيدة التي يعتقدها معظم المسيحيين، والتي تدين بها الفرق الثلاث الكبرى على اختلاف ما بينها في تصورها لهذه العقيدة) (١). حيث يقول د/ عبد الأحد داود عن هذا الاختلاف بين الطوائف: إن الكنيسة التي تُعلن الحرب على الأصنام، هى بذاتها تعبد صليبًا مصنوعًا من معدن أو خشب، بدعوى أنه كشف سر التثليث ومثله وكل النصارى -فيما عدا البروتستانت- يرسمون الصليب بأصابعهم الثلاثة الأولى الأمامية على وجوههم وصدورهم، ويسجدون للثالوث الشريف ويمجدونه قائلين: "باسم الأب والابن والروح القدس" وإذا كان أحد العيسويين لا يرسم الصليب على وجهه أو لا يُقبل الصليب المصنوع من الخشب أو المعدن، لا تُقبل عبادته ويُعد رافضًا ومرتدًا لدى كل الكنائس، وأما البروتستانت فإنهم وإن لم يعبدوا الصليب فإنهم على كل حال معتقدون وقائلون إنه بواسطته انكشف التثليث وألوهية المسيح لنوع البشر" (٢). هذا وقد جاء في الأمانة التي انبثقت عن مجمع نيقية عام ٣٢٥ م ما يدلّ على اعتقاد المسيحيين بصلب المسيح كركن أساسي من أركان عقيدتم ونصها: "نؤمن بإله واحد، وأب ضابط الكل خالق السموات والأرض كل ما يرى وما لا يرى وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد ... الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس ومن مريم العذراء وتأنس "صار إنسانًا" وصُلب على عهد بيلاطس البنطي" (٣).

стр. 369

النقض الإجمالي لعقيدة صلب المسيح: تنوعت الرؤى النقدية لعلمائنا الأجلاء عند مناقشتهم لعقيدة الصلب والفداء عند النصارى مبينين اعتراضاتهم على التحليل الخاطئ لفكرة الصلب مستخدمين في ردودهم على ذلك الأدلة العقلية في إبطال ما يدعيه النصارى وقد بينوا أيضًا أن الأسباب التي يتعلل بها النصارى على صلب المسيح أسباب واهية من نواح كثيرة منها: ١ - أن دعواهم تخالف العُرف العام السائد بين الناس. ٢ - أن العقل لا يقر بأى حال من الأحوال أن يُعاقب الأبناء على ذنب الآباء أو يعاقب الإنسان على ذنب لم يرتكبه. ٣ - أن دعواهم بصلب المسيح تُبطل كثرًا من عقائدهم الأخرى مشل ألوهية المسيح والمعمودية وسيأتي بيان ذلك في ثنايا نقد العلماء. جهود علماء المسلمين في نقض عقيدة الصلب والفداء نقضًا إجماليًا: أ- الرؤى النقدية الإجمالية حول عقيدة الصلب والفداء لبعض القدامى -فترة البحث -: تنوعت الرؤى النقدية لعلمائنا الأجلاء حول هذه العقيدة يبرز في مقدمة هذه الجهود ما قام به شيخ الإِسلام وتلميذه ابن القيم والشيخ المسعودي وأكدوا من خلال رؤيتهم النقدية بطلان هذه العقيدة وتناقضها مع غيرها من عقائدهم في المسيح مثل ألوهية المسيح فكيف يتم الجمع بين قولهم بأن المسيح إله حق وبين القول بأن الإله الحق صلب وقُتل وأهين .. فيقول الإمام ابن تيميه موجهًا نقده للنصارى: إنكم قلتم في أمانتكم عن المسيح: أنه إله حق من إله حق، ومن جوهر أبيه الذي هو مساو الأب في الجوهر الذي نزل وتجسد من روح القدس ومن مريم العذراء وتأنس وصلب وتألم اقتضى ذلك أن يكون الإله الحق المساو للأب في الجوهر صُلب وتألم، فيكون اللاهوت مصلوبًا متألمًا وهذا ما تقر به طوائف منكم وطوائف تنكره، لكن بمقتضى أمانتكم هو الأوّل أن اللاهوت صُلب وتألم، وهذا لا يمكن أن يُقال (١). ويتساءل الإمام ابن القيم متعجبًا ومستنكرًا في نفس الوقت لما يقوله النصارى فيقول لهم: (أخبرونا من كان الممسك للسموات والأرض حين كان ربها وخالقها مربوطًا على خشبة الصليب وقد شُدت يداه ورجلاه بالحبال وسُمّرت اليد التي أتقنت العوالم، فهل بقيت السموات والأرض خلوًا من إلهها وفاطرها وقد جرى عليه هذا الأمر العظيم؟) (٢).

стр. 370

وتتجلى رؤية الشيخ المسعودى في ثوبها العلمي القشيب الذي ينم عن درايته بقواعد نقد السند طارحًا في أثناء رده عليهم الافتراضات التي ربما تعن لسائل منهم أن يسأل أو لمدع أن يلتمس عذرًا لما يقولون .. وتتلخص رؤيته النقدية فيما يلي: يقال للنصارى ما ادعيتموه من قتل المسيح وصلبه أتنقلونه تواترًا أم آحادًا؟ فإن زعموا أنه آحاد لم يقم بذلك حُجة ولم يثبت العلم الضروري، إذ الآحاد لا يؤمن عليهم السهو والغفلة والتواطؤ على الكذب، وإذا كان الآحاد يعرض ذلك لهم فلا يحتج بهم في القطعيات (١). وإن عزو ذلك إلى التواتر، قلنا لهم شرط التواتر استواء الطرفين فيه والواسطة، وهو أن ينقل الجم الغفير عن الجم الغفير عن الذين شاهدوا المشهود به وهو المصلوب -وعلموا به ضرورة فإن اختل شيء من ذلك فلا تواتر، فإن زعموا أن خبرهم في قتل المسيح وصلبه هذه الصفة كذبتهم الأناجيل إذ قالت: إن المأخوذ للقتل كان في شرذمة يسيرة من تلاميذه فلما قُبض عليه هربوا بأسرهم ولم يتبعه أحد سوى بطرس من بعيد، فلما دخل الدار حيث اجتمعوا نظرت جارية منهم إلى بطرس فعرفته، فقالت هذا كان مع يسوع فحلف أنه لا يعرف يسوع ... وخادعهم حتى تركوه وذهب (٢) وأن شابًا آخر تبعه وعليه إزار فتعلقوا به "فترك إزاره في أيديهم وذهب عريانًا" (٣). فهؤلاء أصحابه وأتباعه لم يحضر منهم ولا رجل واحد بشهادة الأناجيل، وأما أعداؤه من اليهود الذين يزعم النصارى أنهم حضروا الأمر لم يبلغوا حد التواتر؛ بل كانوا آحادًا وأفرادًا، وهم أعداؤه ويُحتمل تواطؤهم على الكذب على عدوهم إيهامًا أنهم ظفروا به (٤). ب- الرؤية النقدية حول عقيدة الصلب لبعض المحدثين: ولكثرة الردود الإجمالية على عقيدة الصلب أذكر منها ما يلي: يعرض م / الطهطاوي؛ أ/ محمَّد رشيد رضا (٥)، وغيرهما من العلماء مختصرًا لفكرة الصلب قبل مناقشتها ثم يعقبون عليها بالردود الشافية الكافية في إبطالها، ويعترضون عليها بافتراضات عقلية تبين فسادها وفي عرضهم للفكرة يقولون:

стр. 371

(يقول المسيحيون أن أساس هذا الصلب هو صفة العدل، إذ كان على الله بمقتضى هذه الصفة أن يعاقب ذرية آدم بسبب الخطيئة التي ارتكبها أبوهم، ولكن بمقتضى صفة الرحمة كان على الله أن يغفر سيئات البشر (١). بعض الاعتراضات على هذه الفكرة كما يعرضها م/ الطهطاوي وهي نقد في نفس الوقت: ١ - أين كان عدل الله ورحمته منذ طرد آدم من الجنة حتى صلب المسيح فهل كان الله حائرًا بين العدل والرحمة آلاف السنين حتى قبل المسيح منذ ألفى عام أن يصلب للتكفير عن خطيئة البشر؟ ٢ - والمبدأ العام المعترف به في الديانات جميعًا وفي القوانين الوضعية وعُرف جميع الناس أنه لا يورث عن الآباء سوى ثرواتهم، أما جرائمهم فلا تورث عنهم ولا تؤاخذ بها ذرياتهم، ويترتب على ذلك ما يلي: أ- أنه لا علاقة لذرية آدم بخطيئة آدم طبقًا لما أوردته عقيدة الفداء عن النصارى بأن المسيح قُتل وصلب كفارة عن خطيئة آدم وذريته إذ لا شأن لذرية آدم بما ارتكبه آدم تطبيقًا لما ورد في سفر التثنية: "لا يُقتل الآباء عن الأولاد ولا يُقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يُقتل" (٢). وما ورد في حزقيال: "النفس التي تخطئ هى تموت، الابن لا يحمل من إثم أبيه والأب لا يحمل من إثم الابن بر البار عليه وشر الشرير عليه يكون" (٣) ب- فساد القول بالمعمودية التى يقول عنها النصارى أنها تطهير المصطبغ بها من خطيئة آدم. ٣ - إذا كانت الكلمة قد تجسدت لمحو الخطيئة الأصلية، فما العمل في الخطايا التي تجد بعد ذلك؟ ومنها ما هو أقسى من عصيان آدم. ٤ - إذا كان المسيح ابن الله فأين كانت عاطفة الأبوة؟ وأين كانت الرحمة حينما كان الابن الوحيد يلاقى دون ذنب ألوان التعذيب والسخرية ثم الصلب مع دق المسامير في يديه (٤). أما أ/محمَّد رشيد رضا في نقده الاجمالي لهذه العقيدة يقول: ١ - لا يمكن أن يقبل هذه القصة من يؤمن بالدليل العقلي أن خالق العالم لا بد أن يكون بكل شيء عليمًا، وفي كل صنعة حكيمًا؛ لأنها تستلزم الجهل والبداء على الباري ، كأنه حين خلق آدم ما كان يعلم ما يكون عليه أمره وحين عصى آدم ما كان يعلم ما يقتضيه العدل والرحمة في شأنه حتى اهتدي إلى ذلك بعد آلاف السنين مرت على خلقه.

стр. 372

٢ - يلزم من يقبل هذه القصة أن يسلم ما يحيله كل عقل مستقل من أن خالق الكون يمكن أن يحل في رحم امرأة في هذه الأرض التي نسبتها إلى سائر ملكه أقل من نسبة الذرة إليها وإلى سماواتها التي تُري منها ثم يكون بشرًا يأكل ويشرب ويتعب ويعتريه غير ذلك مما يعتري البشر ثم يأخذه أعداؤه بالقهر والإهانة فيصلبوه مع اللصوص ويجعلونه ملعونًا. ٣ - يلزم من هذه القصة شيء أعظم من عجز الخالق (تعالى وتقدس) عن إتمام مراده بالجمع بين عدله ورحمته، وهو انتفاء كل من العدل والرحمة في صلب المسيح؛ لأنه عذبه من حيث هو بشر وهو لا يستحق العذاب لأنه لم يذنب قط فتعذيبه بالصلب والطعن بالحراب (على ما زعموا) لا يصدر من عادل ولا من رحيم بالأحرى، فكيف يُعقل أن يكون الخالق غير عادل ولا رحيم؟ أو أن يكون عادلًا رحيمًا فيخلق خلقًا يوقعه في ورطة الوقوع في انتفاء إحدى هاتين الصفتين، فيحاول الجمع بينهما فيفقدهما معًا (١). وخلاصة جهود العلماء في النقض الإجمالي لعقيدة الصلب: ١ - برع علماء المسلمين في تفنيد عقيدة الصلب والفداء من خلال المحاورات العقلية للنصارى في عقيدتهم هذه، والجدال بالتي هي أحسن. ٢ - أن ما قاموا به من نقد ليس خارجًا عن عقيدة الصلب وإنما نقدوها من داخلها وعلى أساس مفرداتها ومكوناتها على طريقة من فمك أدينك حتى تكون الردود من الأمور التي يعرفونها وبالتالى الوصول إلى طرق الإقناع للمخالف أسهل وأيسر. ٣ - تعارض عقيدة الصلب مع ما يعتقدون في الإله وفي التعميد. ٤ - تأثر المحدثون من العلماء بما سبقهم من قدامى العلماء في تأسيس الرؤية النقدية لعقيدة الصلب، ولكن لكل منهم رؤيته الخاصة به والتي ربما تزيد في الإيضاح أو تقل قليلًا عمن سبقوه إلا أن هذه الرؤى متقاربة في التحليل والمحاورة العقلية والأسئلة الاستفهامية والذي يؤدى كل ذلك إلى بُطلان ما يزعم النصارى.

стр. 373

النقض التفصيلي لأحداث الصلب والفداء أحداث الصلب وتضارب الأناجيل فيها ونقدها فيما يلي: - مقدمة الأحداث. - العشاء الأخير. - الليلة الأخيرة. - المحاكمة. -الصلب. - الدفن. - القيامة. - الظهور.

стр. 374

أ- النقض التفصيلي لأحداث الصلب والفداء: لعلماء المسلمين في نقض أحداث الصلب نقضًا تفصيليًا جهود متميزة، وعند تتبع مناقشاتهم لهذه العقيدة يتبين وجود تشابه كبير إلى حدّ ما بين الرؤى النقدية التي يراها هؤلاء الأفاضل .. ويمكن حصر هذه الرؤى فيما يلي: ١ - المقابلة بين الأناجيل الأربعة في الموقف الواحد من أحداث الصلب وذلك لبيان التناقض الواقع فيها والتعارض بين الروايات المتعددة في النص الواحد ولبيان الاختلافات والأغلاط الواردة في تفاصيل الأحداث ويتضح ذلك جيدًا في جهود العلامة رحمة الله الهندي في إظهار الحق، البغدادي في الفارق، علاء أبو بكر في المسيحية الحقه وأ/ محمَّد رشيد رضا في عقيدة الصلب والفداء. ٢ - بيان عدم الثقة في رواة الأناجيل، إذ أنه قد تبيّن فيما سبق من خلال نقد سند العهد الجديد أن الأناجيل الأربعة مفقودة السند إضافة إلى الجهل بحال كُتَّابها والاضطراب في زمن كتابتها .. كل ذلك يؤدى إلى ضعف الثقة فيمن نقلوا روايات الصلب وقد اشترك في التنبيه على ذلك الإمام ابن تيميه والبغدادي، فقد بين شيخ الإِسلام أن رواة الأناجيل لم يشهدوا عملية الصلب؛ بل إن الذين شهدوها هم اليهود (١). ٣ - إبطال عقيدة الصلب عن طريق الوثاثق التاريخية ومجادلة النصارى بالنصوص الموثقة عندهم بأسلوب إنشائى خطابي يهدف إلى التأثير في الجماهير وقد اتضحت هذه الرؤية جيدًا في أسلوب العلامة أحمد ديدات في مناظرته حول مسألة الصلب بين الحقيقة والافتراء (٢). ٤ - أما أ/علاء أبو بكر في كتابه المسيحية الحقه، وفي نقده لعقيدة الصلب والفداء إضافة إلى ما سبق قد اتبع في دراسته لها منهجًا علميًا متميزًا وجاء بحثه خلاصة استفادته من السابقين عليه في هذا المجال وخبرتهم في نقد الكتاب المقدس وجمع من كل بستان زهرة ورتبها ترتيبًا علميًا رائعًا يترتب عليه فهم القصة من خلال النصوص فهمًا جيدًا ومن خلال هذه الرؤية النقدية يضع الباحث يده بسهولة على الأخطاء التي وقع فيها كُتاب الأناجيل عن طريق الجداول التي سجل فيها أحداث الصلب التفصيلية. ٥ - اكتشاف ما وقع في قصة الصلب من أخطاء يؤكد استحالة صدور هذه القصة عن الوحى الإلهى، وبالتالى تنتفى صفة القداسة عن الأناجيل وأنها من وضع بشر ما عدا ما بقى فيها من حق إلا أنه تلبس بكثير من الباطل.

стр. 375

وفيما يلي أعرض لقصة الصلب والفداء كما روتها الأناجيل وكيف نقدها علماؤنا الأجلاء .. والجداول التي توضح أماكن الاختلاف والتعارض بين الروايات: ١ - مقدمة الأحداث . ٢ - العشاء الأخير. ٣ - الليلة الأخيرة. ٤ - المحاكمة: أ- المحاكمة الأولي: أمام مجمع اليهود. ب- المحاكمة الثانية: أمام بيلاطس. ٥ - الصلب. ٦ - الدفن. ٧ - القيامة. ٨ - الظهور. ١ - مقدمة الأحداث: قصة مسح جسد المسيح بالطيب: رصد العلامة رحمة الله الهندي، وأ/ علاء أبو بكر، أن الأناجيل اختلفت في تحديد المكان الذي حدثت فيه واقعة مسح جسد المسيح وفي المرأة إلى سكبت عليه العطر وفي الجزء المدهون بالعطر، وفي تحديد الزمن الذي تم فيه مسح جسده بالطيب وفي ثمن الطيب.

стр. 376

وقد عرض أ/ علاء أبو بكر مقارنة يتبين من خلالها أماكن الاختلاف بين الأناجيل في هذه القصة على النحو التالي: مرقس: (١٤/ ١ - ٥) - لوقا: (٧/ ٣٦ - ٣٩) - متى: (٢٦/ ٢ - ٩) - يوحنا: (١٢/ ١ - ٤) * حدث قصة سكب العطر في: مرقس: حدث قصة سكب العطر في منزل سمعان الأبرص في بيت عنيا (١٤ - ٣). لوقا: حدثت في بيت الفريسي (٧ - ٣٦). متى: حدثت في بيت سمعان الأبرص (٢٦ - ٦). يوحنا: حدثت في منزل مريم ومرثا والعازر في بيت عنيا (١٢/ ١ - ٢) * شخصية المرأة التي قامت بسكب العطر: مرقس: شخصية المرأة التي قامت بسكب العطر هنا مجهولة (١٤ - ٣). لوقا: امرأة خاطئة (٧ - ٣٧). متى: شخصية المرأة مجهولة (٢٦ - ٧). يوحنا: المرأة هي مريم أخت العازر (١٢ - ٣). * سكبت على رأس يسوع العطر بعد أن: مرقس: سكبت على رأس يسوع العطر بعد أن كسرت القارورة (١٤ - ٣). لوقا: دهنت رجليه بالطيب (٧ - ٣٨). متى: دهنت رأس يسوع بالطيب (٢٦ - ٧). يوحنا: دهنت رجليه بالطيب (١٢ - ٣). * اغتاظ القوم: مرقس: اغتاظ القوم لإسرافها وقالوا ... (١٤ - ٤). لوقا: تساؤل الفريسي مع نفسه حول معرفة يسوع بشخصية المرأة (٧ - ٣٩). متى: اغتاظ التلاميذ وقالوا: (٢٦ - ٨). يوحنا: اغتاظ يهوذا الاسخريوطي لإسرافها وقال (١٢ - ٤). * يمكن أن يباع: مرقس: يمكن أن يباع بأكثر من (٣٠٠ دينار) ويعطى للفقراء (١٤ - ٥). لوقا: سكت عن البحث في هذه المسألة. متى: يمكن أن يُباع بكثير ويعطى للفقراء (٢٦ - ٩)، (٢٣ - ٧). يوحنا: لماذا لم يبع هذا الطيب بثلاثمائة دينار ويعطى للفقراء (١٢ - ٥). * قارورة طيب: مارقس: قارورة طيب ناردين والإفطار بيومين (١٤ - ١). لوقا: لم يحدد التاريخ ولكنه ذكرها قبل إرسال المسيح لتلاميذه الإثنا عشر. متى: قبل الفصح بيومين (٢٦ - ٢). يوحنا: قبل الفصح بستة أيام (١٢ - ١). فعندما نتأمل أولًا: محلّ الواقعة: أي المكان الذي حدثت فيه نجد أن يوحنا جعل ذلك في بيت مريم وهي أخت مرثا وأخت العازر، وجعلها مرقس ومتى في بيت سمعان الأبرص وجعلها لوقا في بيت أحد الفريسيين (١). وثانيًا: من الذي سكبت العطر؟ الغموض في شخصية المرأة التي قامت بسكب العطر فلم يحدد هويتها إلا يوحنا الذي قال أيضًا إن الواقعة حدثت في بيتها.

стр. 377

وثالثًا: الجزء المدهون بالعطر: فقد قال مرقس ومتى إنها دهنت رأس المسيح بالطيب وخالفه لوقا ويوحنا فقالا أنها دهنت قدميه، فهل من شأن الوحي أن لا يفرق بين الرأس والقدم؟ (١). ورابعًا: تحديد زمن هذه الواقعة: فقد ذكرها مرقس ومتى قبل عيد الفصح والإفطار بيومين وسكت عنها لوقا، وحددها يوحنا قبل الفصح بستة أيام، فهل هذه الأخطاء من الوحى؟ وخامسًا: ثمن الطيب: فيوحنا بين ثمن الطيب ثلاثمائة دينار ومرقس قال بأكثر من ثلاثمائة دينار ومتي أبهم الثمن وقال بثمن كثير (٢). كل علامات الاستفهام هذه وكل هذه المتناقضات تجزم بأن هذا الكتاب ليس مقدسًا أي أنه ليس من وحى الله، بل إنه من صنع بشر، غير وبدل عن قصد (٣). والملاحظ على مقدمة الأحداث أنه يوجد اضطراب واضح في نصوص الأناجيل وعدم اتفاق ملحوظ بينها في مفردات قصة مسح جسد المسيح بالطيب فإذا كان هناك اختلاف واضطراب واضح في مقدمة الأحداث فما بالنا بالأحداث نفسها .. لا شك أنهاا أكثر اضطرابًا واختلافًا. ٢ - العشاء الأخير: ذكر جميع من تكلم في الصلب من علمائنا النص الذي يستدل به النصارى على العشاء الأخير أو الرباني كما يقولون وهو: "وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطي التلاميذ وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلًا اشربوا منها كلكم, لأنّ هذا هو دمى الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا" (٤).

стр. 378

وفيما يلي الجدول الذي أعده أ/ علاء أبو بكر، لبيان ما وقع في قصة العشاء الرباني من تناقضات واختلافات، وهذه العقيدة هي أساس القربان المقدس الذي يأتي بيانه في شرائع النصارى الفصل القادم: مرقص - لوقا - متى - يوحنا مرقس: العشاء الأخير: هو اليوم الأول من الفطير (١٤ - ١٢). لوقا: العشاء الأخير: هو يوم الفطير (٢٢/ ٨). متى: العشاء الأخير: هو يوم الفطير (٢٦ - ١٧). يوحنا: يكون بعد موت يسوع (١٨ - ٢٨). = مرقس: وعلى ذلك يكون ميعاد القبض عليه يوم الخميس. لوقا: يكون ميعاد القبض عليه يوم الخميس. متى: قُبض عليه مساء الخميس. يوحنا: حيث قُبض عليه مساء الأربعاء. = مرقس: ويكون الصلب إذن يوم الجمعة. لوقا: ويكون الصلب يوم الجمعة. متى: ويكون الصلب يوم الجمعة. يوحنا: يكون الصلب يوم الخميس. = مرقس: أعد العشاء اثنين فقط لم يذكر اسمهما (١٤ - ١٣). لوقا: أرسل بطرس ويوحنا (٢٢ - ٨) مع العلم أن يوحنا لم يذكر العشاء إلا بعد صلب يسوع. متى: شارك التلاميذ كلهم في إعداد العشاء (٢٦ - ١٨). يوحنا: لو يذكر هذه المعجزة. = مرقس: دخل الشيطان في يهوذا قبل مجيء يوم الفطر (١٤ - ١٠). لوقا: دخل الشيطان في يهوذا قبل يوم الفطر (٢٢ - ٣). متى: دخل الشيطان يهوذا قبل مجيء يوم الفطر (٢٦ - ١٤). يوحنا: دخل الشيطان فيه أثناء تناولهم الطعام بعد أن غمس لقمة وأعطاها يهوذا (١٣ - ٢٧). = مرقس: وعدوا يهوذا بفضة - لم يذكر الكم (١٤ - ١١). لوقا: أعطوه فضة (لم يذكر الكم) (٢٢ - ٥). متى: ثلاثين من الفضة أعطى مقدمًا (٢٦ - ١٥) انظر زكريا (١١ - ١٢). يوحنا: لا توجد مساومة. = مرقس: الذي يسلمني الآكل معي (١٤ - ١٨). لوقا: الذي يسلمني على المائدة (٢٢ - ٢١). متى: الذي يغمس يده معي في الصفحة هو يسلمني (٢٦ - ٢٣). يوحنا: الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه (١٣ - ٢٧). = مرقس: حامل الجرة يقودهم إلى مكان إقامة الفصح - أي لا يعرف التلاميذ صاحب البيت (١٤ - ١٣). لوقا: حامل الجرة يقودهم إلى مكان إقامة الفصح - أي لا يعرف التلاميذ صاحب البيت (٢٢ - ١٠). متى: لم يذكر حامل الجرة حيث كان يعرف التلاميذ هذا الفلان (٢٦ - ١٨). يوحنا: لم تذكر الواقعة عنده. = مرقس: السؤال أتى من التلاميذ بشأن الفصح (١٤ - ١٢). لوقا: المسيح أرسل بطرس ويوحنا من غير اقتراح وسؤال من التلاميذ (٢٢ - ٨). متى: السؤال أتى ابتداء من التلاميذ فأرسل كلهم إلى فلان (٢٦/ ١٧ - ١٨). يوحنا: أغمض يوحنا عن ذكر هذا. = مرقس: هذا هو دمي الذي يُسفك من أجل كثيرين (١٤ - ٢٤). لوقا: ومن الذي يسفك عنكم - عن التلاميذ (٢٢ - ٢٠). متى: يسفك من أجل كثيرين (٢٦ - ٢٨). يوحنا: يسفك عن كافة الناس (من أجل حياة العالم) (٦ - ٥١). = مرقس: المعلم يقول أين المنزل حيث آكل الفصح مع تلاميذي (١٤ - ١٤). لوقا: أين المنزل حيث آكل الفصح مع تلاميذي (٢٢ - ١١). متى: المعلم يقول: إن وقتي قريب عندك أصنع الفصح مع تلاميذ (٢٦ - ١١). يوحنا: لم توح إليه.

стр. 379

وعند النظر في الجدول السابق الخاص بالعشاء الرباني نجد التناقض والتعارض بين الروايات واضحًا ويؤخذ على هذه القصة تناقضات كثيرة منها: ١ - اتفاق الأناجيل الثلاثة في وقت العشاء الأخير وخالفهم في تحديد هذا الوقت "يوحنا". ٢ - اتفاقهم في تحديد موعد القبض على يسوع وهو أنه يوم الخميس مسًاء وخالفهم في ذلك "يوحنا" وقال إنه مساء الأربعاء. ٣ - اتفقوا على أن الصلب كان يوم الجمعة وخالفهم "يوحنا" وقال إنه يوم الخميس وغير ذلك من المخالفات الموضحة في الجدول. وقد وقف العلامة رحمة الله الهندي والبغدادي، أ/ عبد الله الترجمان وأ/ علاء أبو بكر وغيرهم مع هذه القصة ونقدوها من وجوه متعددة أقواها الوجوه التي استخرجها العلامة رحمة الله الهندي يليه في القوة ما انتقده عليها العلامة البغدادي ثم الترجمان ثم علاء أبو بكر من هذه الوجوه ما يلي: ١ - أن الكنيسة الرومانية تزعم أن الخبز وحده يتحول إلى جسد المسيح ودمه ويصير مسيحًا كاملًا وللرد عليهم نجد العلامة الهندي يرد ردًا عقليًا منطقيًا علميًا فيقول: (إذا تحول مسيحًا كاملًا حيًّا بلاهوته وناسوته الذي أخذه من مريم ﵍ فلا بد أن يشاهد فيه عوارض الجسم الإنساني ويوجد فيه الجلد والعظام والدم وغيرها من الأعضاء لكنها لا توجد فيه؛ بل جميع عوارض الخبز باقية بعد نطق الكاهن كما كانت من قبل نطقه بكلمات التقديس، بدليل أنه إذا نظر أحد أو لمسه أو ذاقه لا يحس شيئًا غير الخبز، وإذا حفظه يطرأ عليه الفساد الذي يطرأ على الخبز لا الفساد الذي يطرأ على الجسم الإنساني) (١). ٢ - (لو كان العشاء الرباني الذي كان قبل صلبه يصير نفس الذبيحة التي حصلت على الصليب لزم أن يكون كافيًا لخلاص العالم، فلا حاجة إلى أن يصلب على الخشبة من أيدي اليهود مرة أخرى لأنّ المسيح ما جاء إلى العالم في زعمهم إلا ليخلص الناس بذبيحة مرة واحدة، وما أتى لكي يتألم مرارًا كما تدل عليه عبارة آخر الإصحاح التاسع من الرسالة العبرانية صراحة) (٢).

стр. 380

٣ - وفي نقد العلامة البغدادي لهذه القصة ذكر الروايات المتعددة لأصحاب الأناجيل ثم بين ما وقع بينها من تفاوت .. وأذكر مثالًا مما ذكر وهو ورودها في لوقا حيث يقول: "ثم تناول كأسًا وشكر وقال: خذوا هذه واقتسموها بينكم لأني أقول لكم: إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتي ملكوت الله ... وكذلك الكأس بعد العشاء قائلًا: هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يُسفك عنكم" (١). فقال في نقده: (ذكر الكأس ثانيًا من زيادات لوقا ويؤخذ عليه اعتراض في قوله: "الذي يُسفك عنكم" وذلك إما أن يكون المراد عموم النصارى أو التلاميذ المخاطبين خاصة. وأيًا ما كان فهو مناقض لقول يوحنا: أنه صلب نفسه عن كافة الناس ومخالف لقول مرقس ومتي، لأنهما قالا: "الذي يسفك من أجل كثيرين" أي لبعض النصارى وزاد المترجم من عندياته على مرقس "لمغفرة الخطايا" ومعلوم أن بين هذه العبارات الأربعة تفاوتًا بعيدًا، والنصارى اتخذوا هذه القصة أساس دينهم فقد أسس هذا الدين على شفا جرفٍ هارٍ) (٢).

стр. 381

٣ - الليلة الأخيرة: ذكر أ/علاء أبو بكر النص الذي يشتمل على تفاصيل الليلة الأخيرة من إنجيل مرقس: "وقال لهم يسوع: إن كلكم تشكون في هذه الليلة لأنه مكتوب أني أضرب الراعى فتتبدد الخراف، ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل، فقال له بطرس: وإن شك الجميع فأنا لا أشك، فقال يسوع: الحق أقول لك إنك اليوم في هذه الليلة قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات فقال بأكثر تشديد: ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك ... " (١). ثم عرض الجدول الذي يبين الاختلافات إلى شابت هذه القصة: مرقس - لوقا - متى - يوحنا مرقس: لم يظهر هذا الملاك. لوقا: ظهر ملاك يقويه أثناء الصلاة (٢٢ - ٤٣). متى: لم يظهر هذا الملاك. يوحنا: لم يظهر هذا الملاك. = مرقس: لم تذكر. لوقا: من ليس له ... ويشهر سيف (٢٢ - ٤٣). متى: لم تذكر. يوحنا: لم تذكر. = مرقس: لم يحدث هذا. لوقا: تصيب عرقًا ودمًا أثناء الصلاة (٢٢ - ٤٤). متى: لم يحدث هذا. يوحنا: لم يحدث هذا. = مرقس: إني أضرب الراعي فيتبدد الخراف (١٤ - ٢٧). لوقا: لم تذكر. متى: إني أضرب الراعي فتتبدد الخراف (٢٦ - ٣١). يوحنا: لم تذكر. = مرقس: حدثت في ضيعة جشيماني. لوقا: حدثت في جبل الزيتون. متى: حدثت في ضيعة جشيماني. يوحنا: حدثت هذه الواقعة في وادي قدرون (١٨ - ١). = مرقس: لم تذكر. لوقا: وكانت بينهم مشاجرة من منهم يظن أن يكون أكبر (٢٢ - ٢٤). متى: لم تذكر. يوحنا: لم تذكر. = مرقس: لم تذكر. لوقا: الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة (٢٢ - ٣١). متى: لم تذكر. يوحنا: لم تذكر. = مرقس: خر على الأرض (١٤ - ٣٥). لوقا: جثا على ركبتيه (٢٢ - ٤١). متى: خر على وجهه (٢٦ - ٣٩). يوحنا: لم تذكر. = مرقس: انفرد عن التلاميذ مع بطرس ويعقوب ويوحنا (١٤ - ٣٣). لوقا: لم يذكر بل أشار إلى أنه ذهب وحده (٢٢ - ٤١). متى: انفرد على التلاميذ مع ثلاثة وهم بطرس وابني زبدي (يعقوب ويوحنا) (٢٦ - ٣٧). يوحنا: لم تذكر. = مرقس: خرج المسيح وتلاميذه عقب العشاء والتسبيح مباشرة. لوقا: فصل بين العشاء وخروجهم بحكايات وقصص كثيرة. متى: خرج المسيح وتلاميذه عقب العشاء والتسبيح على الفور. يوحنا: استنفذت الفترة ما بين العشاء (خروج يهوذا) إلى تنفيذ المؤامرة ما يقرب من ٢٠% من حياة المسيح في إنجيله يوحنا (١٣، ١٤، ١٥، ١٦)

стр. 382

مرقس - لوقا - متى - يوحنا مرقس: وجه المسيح خطابه إلى بطرس حين وجد التلاميذ نيامًا (١٤ - ٣٧). لوقا: لم يوجه كلامه لهم ولكن لوقا اختلق عذرًا لنومهم (نيامًا من الحزن) (٢٢/ ٤٥ - ٤٦). متى: وجه المسيح خطابه إلى التلاميذ الثلاثة حين وجدهم نيامًا (٢٦ - ٤٠، ٤٥ - ٤٦). يوحنا: لم يوح بها إلى يوحنا. = مرقس: تنكرني ثلاث مرات قبل أن يصيح الديك مرتين (١٤ - ٣٠). لوقا: تنكرني ثلاث مرات قبل أن يصيح الديك مرة واحدة (٢٢ - ٣٤). متى: تنكرني ثلاث مرات قبل أن يصيح الديك (٢٦ - ٣٤). يوحنا: لم تذكر. = مرقس: شاب عريان هرب منهم وترك الإزار (١٤ - ٥١). لوقا: لم تذكر. متى: لم تذكر. يوحنا: لم تذكر. = مرقس: يهوذا قبل المسيح (١٤ - ٤٥). لوقا: أبقبلة تسليم ابن الإنسان - كان على وشك أن يقبله (٢٢ - ٤٨). متى: السلام يا سيدي وقبله (٢٦ - ٤٩). يوحنا: أرشدهم فقط عن المكان (١٨ - ٣). = مرقس: استل واحد من الحاضرين سيفه وقطع أذن عبد رئيس الكهنة (١٤ - ٤٧). لوقا: قطع أحدهم عبد رئيس الكهنة (٢٢ - ٥٠). متى: قطع أحدهم عبد رئيس الكهنة (٢٦ - ٥١). يوحنا: قطع سمعان بطرس الأذن اليمنى لعبد رئيس الكهنة ملخس (١٨ - ١٠). = مرقس: لا شيء عن جيش الملائكة. لوقا: لا شيء عن هذا الجيش. متى: اثنى عشر جيشًا من الملائكة. يوحنا: لا شيء عن الجيش. = مرقس: لم يذكر هذه العبارة. لوقا: لم يذكر هذه العبارة. متى: لم يذكر هذه العبارة. يوحنا: الكأس الذي أعطاني الأب ألا أشربها (١٨ - ١١). = مرقس: لم يأمر يسوع الشاب بإغماد سيفه. لوقا: قال (دعوا إليّ هذا) (٢٢ - ٥١). متى: أمر من استهل سيفه أن يغمده لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون (٢٦ - ٥٢). يوحنا: فقال يسوع لبطرس: اجعل سيفك في الغمد (١٨ - ١١). = مرقس: لم يبرأ أذنه. لوقا: أبرأ أذنه (٢٢/ ٥١). متى: لم يبرأ أذنه. يوحنا: لم يبرأ أذنه. = مرقس: جمع كثير بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ (١٤ - ٤٣). لوقا: رؤساء الكهنة وقواد جند الهيكل والشيوخ بسيوف وعصي (٢٢ - ٥٢). متى: جمع كثير بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب (٢٦ - ٤٧). يوحنا: فأخذ يهوذا الجند وخدمًا من عند رؤساء الكهنة والفريسيين بمشاعل ومصابيح وسلاح (١٨ - ٣). = مرقس: لم يحدث شيء غير عادي. لوقا: لم يحدث شيء غير عادي. متى: لم يحدث شيء غير عادي. يوحنا: حدث شيء غي عادي جعل أفراد القوة يرجعون إلى الوراء ويسقطون على الأرض (١٨ - ٦). = مرقس: كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي (١٤ - ٤٨). لوقا: كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي (٢٢ - ٥٢). متى: كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي (٢٦ - ٥٥). يوحنا: قال من تطلبون (١٨ - ٧).

стр. 383

وقد علق أ/ علاء أبو بكر على أحداث الليلة الأخيرة وانتقد وقائعها ببيان التزوير والتلفيق فيها .. من هذه الانتقادات ما يلي: ١ - تنبأت الأناجيل أن التلاميذ كلهم سيشكون فيه في هذه الليلة، إلا أن الأناجيل كلها تؤكد أن أحدًا من تلاميذه لم يشك فيه، وهذا يعني أنهم رأوا وتأكدوا من نجاة المسيح من القبض عليه، وإلا لكانوا شكوا فيه، ونفى الشك عن التلاميذ في تلك الليلة يترتب عليه أيضًا إلحاق الخطأ بنبوءات السيد المسيح ﵇ وهو الأمر الذي لا يمكن أن يصدر عنه (١). ٢ - أهمل كل من مرقس ومتى ويوحنا ذكر الملك الذي ظهر لعيسى ﵇ عند لوقا حين ضعف عن تحمل هذا الأمر وانحطت قوته .. أفما كان يقدر هذا الملك على مدافعة هذه الشرذمة الضعيفة وتخليص إلهه من أيادى مخلوقاته الباغين عليه؟ وأي حاجة للإله في معاونة الملك له؟ فالملك حينئذ كان أشد بأسًا وقوة من عيسى حتى يقوم بتقويته، ويظهر منه أن هذا الإله كان يخور عند الشدائد كما يخور العاجز من الآدميين (٢). ٣ - وفي مناقشة د/ سعد الدين صالح رواية الأناجيل لحادث الصلب يقول: اختلفت الأناجيل الأربعة في طريقة القبض عليه، فبينما يقرر متى في الإصحاح ٢٦ أن يهوذا جاء ومعه جموع من الشعب بسيوف وعصي وكانت علامته أن يقبل المسيح فتقدم إليه وقبله فعرفه الجند وقبضوا عليه، نجد يوحنا يقرر في الإصحاح ١٨ أن يهوذا أخذ الجند وذهب إلى يسوع فخرج لهم يسوع وسألهم ماذا تطلبون؟ فقالوا: يسوع الناصري فقال لهم أنا هو فقبضوا عليه، فالتناقض بين الإنجيلين واضح فمتى يقول: إن يهوذا هو الذي سلمه ويوحنا يقول: إن المسيح هو الذي قدم نفسه ولم يقبله يهوذا (٣).

стр. 384

٤ - المحاكمة: أ- المحاكمة الأولي أمام مجمع اليهود: (١) يقول مرقس: "فمضوا بيسوع إلى رئيس الكهنة ... وكان بطرس قد تبعه من بعيد إلى داخل دار رئيس الكهنة وكان جالسًا بين الخدام يستدفئ عند النار، وكان رؤساء الكهنة والمجمع كله يطلبون شهادة على يسوع ليقتلوه فلم يجدوا؛ لأنّ كثيرين شهدوا عليه زورًا ولم تتفق شهادتهم، ثم قام قوم وشهدوا عليه زورًا قائلين: نحن سمعناه يقول: إنى أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي، وفي ثلاثة أيام أبنى آخر مصنوع بأياد ... فسأله رئيس الكهنة أأنت المسيح ابن المبارك؟ فقال يسوع: أنا هو ... فمزق رئيس الكهنة ثيابه وقال: ما حاجتنا بعد إلى شهود. قد سمعتم التجاديف ما رأيكم؟ فالجميع حكموا عليه أنه مستوجب الموت فابتدأ قوم يبصقون عليه ويغطون وجهه ويلكمونه ويقولون له: تنبأ، وكان الخدام يلطمونه" مرقس: (١٤/ ٥٣ - ٦٥). والجدول التالي يبين الاختلافات الموجودة في القصة في الأناجيل الأربعة: مرقس - لوقا - متى - يوحنا = مرقس: المحاكمة الأولى أمام مجمع اليهود كانت في منتصف الليل حيث أمضوا به مباشرة إلى رئيس الكهنة (١٤ - ٥٣). لوقا: ولما كان النهار اجتمعت مشيخة الشعب ورؤساء الكهنة والكتبة وأصعدوه إلى مجمعهم (٢٢ - ٦٦) (أني أجعلها في صباح اليوم التالي). متى: محاكمته في الليل عقب القبض عليه. يوحنا: محاكمته في الليل عقب القبض عليه. = مرقس: ذهبت القوة به إلى بيت رئيس الكهنة (١٤/ ٥٣ - ٥٤). لوقا: ذهبت القوة به إلى بيت رئيس الكهنة (٢٢/ ٥٤). متى: ذهبت القوة به إلى بيت رئيس الكهنة (٢٦ - ٥٧). يوحنا: ذهبت إلى به إلى حنان حما قيافا رئيس الكهنة (١٨ - ١٣). = مرقس: بطرس في أسفل الدار يستدفئ وجاءت إليه الجارية (١٤ - ٦٦ - ٦٧). لوقا: تبعه بطرس من بعيد، ولما أضرموا النار فقي وسط الدار وجلسوا معًا جلس بطرس بينهم (٢٢/ ٥٥ - ٥٦) وهناك رأته الجارية. متى: كان جالسًا خارج الدار فجاءت إليه الجارية (٢٦ - ٦٩) ولم يذكر أنه كان يستدفئ. يوحنا: وكلم البوابة فأدخل بطرس، فقالت الجارية البوابة لبطرس .. ثم وقف بطرس معهم ليصطلي (١٨/ ١٦ - ١٨). = مرقس: كان بطرس قد تبعه من بعيد (١٤ - ٥٤). لوقا: وأما بطرس فتبعه من بعيد (٢٢ - ٥٤). متى: وأما بطرس فتبعه من بعيد (٢٦ - ٥٨). يوحنا: وكان سمعان بطرس والتلميذ الآخر يتبعان يسوع (١٨ - ١٥). = مرقس: قام قوم وشهدوا عليه زورًا (١٤ - ٥٦). لوقا: لم تذكر. متى: ولكن أخيرًا تقدم شاهدًا زور (٢٦ - ٦٠). يوحنا: لم تذكر. = مرقس: وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة وآتيًا في سحاب السماء (١٤ - ٦٢). لوقا: فقال لهم: إن قلت لكم لا تصدقون وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني، منذ متى: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا على يمين القوة وآتيًا على سحاب السماء. يوحنا: لماذا تسألني أنا، أسأل الذين سمعوا ماذا كلمتهم ... إن كنت قد تكلمت رديًا فاشهد.

стр. 385

مرقس -لوقا - متى - يوحنا مرقس: (قال هذا في دار رئيس الكهنة) لوقا: الآن يكون ابن الإنسان جالسًا على يمين قوة الله (٢٢/ ٦٧ - ٦٩) (قال هذا في دار رئيس الكهنة). متى: (٢٦ - ٦٤) (قال هذا في دار رئيس الكهنة.) يوحنا: على الردى، وإن حسنًا فلماذا تضربني (١٨/ ٢١ - ٢٢) (هذا في دار رئيس الكهنة، أما قوله مملكتي ليست من هذا العالم فقد قالها في دار الولاية عند بيلاطس (١٨ - ٣٦). = مرقس: سأله رئيس الكهنة: أما تجيب بشيء .. ماذا يشهد به هؤلاء عليك؟ أأنت المسيح ابن المبارك (١٤/ ٦٠ - ٦١). لوقا: إن كنت أنت المسيح فقل لنا ... فقال الجميع أفأنت ابن الله (٢٢/ ٦٧ - /٧٠). متى: سأله رئيس الكهنة أما تجيب بشيء ماذا يشهد به هذان عليك ... أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله (٢٦/ ٦٢ - ٦٣). يوحنا: فسأل رئيس الكهنة يسوع عن تلاميذه وعن تعاليمه (١٨ - ١٩). = مرقس: فبتدأ قوم يبصقون عليه ويغطون وجهه ويلكمونه ويقولون له: تنبأ، وكان الخدم يلطمونه (١٤ - ٦٥). لوقا: كانوا يستهزئون به وهم يجلدونه وغطوه وكانوا يضربون وجهه ويسألونه قائلين تنبأ من الذي ضربك؟ (٢٢/ ٦٣ - ٦٤). متى: بصقوا في وجهه ولكموه وآخرون لطموه قائلين تنبأ أيها المسيح من ضربك (٢٦/ ٦٧ - ٦٨). يوحنا: ولما قال هذا لطم يسوع واحدًا من الخدم كان واقفًا قائلًا أهكذا تجاوب رئيس الكهنة (١٨ - ٢٢). = مرقس: السؤال الأول لبطرس: كان من جارية. لوقا: جارية متى: جارية. يوحنا: الجارية البوابة. = مرقس: وموقع بطرس: كان من أسفل الدار يستدفئ (١٤ - ٦٦، ٦٧ - ٧٢). لوقا: عند النار (في وسط الدار) (٢٢/ ٥٤ - ٥٥، ٦٢). متى: خارج الدار (٢٦/ ٦٩ - ٧٥). يوحنا: عند البوابة خارجًا (١٨ - ١٦) (١٨/ ٢٥ - ٢٧). = مرقس: السؤال الثاني له: من نفس الجارية. لوقا: من رجل. متى: من جارية أخرى. يوحنا: من أحد الواقفين مع رئيس الكهنة. = مرقس: موقعه: خارجًا في الدهليز. لوقا: نفس المكان السابق عند النار. متى: الدهليز. يوحنا: عند النار حيث يجتمعون. = مرقس: موقع بطرس: ربما نفس المكان السابق خارجًا في الدهليز. لوقا: رجل آخر. متى: ربما نفس المكان السابق في الدهليز. يوحنا: عند النار في مكانه حيث يجتمعون. = مرقس: أشهدت عليه الجميع في المرة الثانية. لوقا: لم تشهد عليه الجميع. متى: أشهدت عليه الجميع في المرة الثانية. يوحنا: لم تشهد عليه الجميع. = مرقس: سألته امرأة مرتين والحاضرين. لوقا: سألته جارية ورجلان. متى: سألته جاريتان والقيام. يوحنا: سألته جارية والواقفين مع رئيس الكهنة وشخص ثالث. = مرقس: بعد سؤاله للمرة الثالثة: فابتدأ يلعن ويحلف. لوقا: إنسان لست أعرف ما تقول. متى: فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف. يوحنا: فأنكر بطرس أيضًا. = مرقس: صاح الديك مرتين لوقا: صاح الديك مرة واحدة. متى: صاح الديك مرة واحدة. يوحنا: صاح الديك مرة واحدة.

стр. 386

مرقس - لوقا - متى - يوحنا مرقس: شهود زور: قوم. لوقا: لا يوجد شهود ويوجد استنطاق. متى: شهود زور: شاهدان. يوحنا: لا يوجد شهود زور ويوجد استنطاق. = مرقس: أأنت المسيح ابن المبارك (١٤ - ٦١) سأله رئيس الكهنة. لوقا: أفأنت ابن الله (من الجميع) (٢٢ - ٧٠). متى: أنت المسيح ابن الله (٢٦ - ٦٣) سأله رئيس الكهنة مستحلفًا إياه بالله. يوحنا: فسأل رئيس الكهنة يسوع عن تلاميذه وعن تعليمه (١٨ - ١٩). = مرقس: أنكر بطرس المسيح بعد محاكمته. لوقا: أنكره قبل محاكمته. متى: أنكره بعد محاكمته. يوحنا: أنكره قبل محاكمته. = مرقس: قالت الجارية لبطرس: وأنت كنت مع يسوع الناصري (١٤ - ٦٧). لوقا: وقالت: وهذا كان معه (٢٢ - ٥٦). متى: وقالت: وأنت كنت مع يسوع الجليلي (٢٦ - ٦٩). يوحنا: فقالت الجارية البوابة: ألست أنت أيضًا من تلاميذ هذا الإنسان؟ (١٨ - ١٧). = مرقس: فمزق رئيس الكهنة ثيابه وقال ما حاجتنا بعد إلى شهود (١٤ - ٦٣). لوقا: لم يمزق ثيابه. متى: مزق رئيس الكهنة ثيابه قائلاً: لقد جدف، ما حاجتنا بعد إلى شهود (٢٦ - ٦٥). يوحنا: لم يمزق ثيابه. ويعلق أ/علاء أبو بكر، على ما ورد في الأناجيل الأربعة حول المحاكمة الأولي فيقول: (الاختلاف بين الأناجيل الأربعة يبين لنا عدم اتفاق هؤلاء الإنجيليين ليدل على عدم كونهم ملهمين، وإن قالوا بأن هذه الكتب كانت بمنزلة التاريخ لضبط أحوال هذا الرجل المصلوب، فمن الواجب أن يتفقوا في الحكاية إثباتًا ونفيًا وتقريرًا لأنهم لا بد أن يكونوا قد رأوا الحادث رأى العين ولم يرووا عن غيرهم، وإن قالوا بإلهامهم لوجب أنه لا يختلفوا ولا في حرف واحد ولو جاز تطرق الاختلاف في أخبار الوحى لبطلت الشرائع) (١). وقد انتقد العلامة أحمد ديدات هذه المحاكمة ووصفها بأنها مهزلة فاليهود أرادوا إدانة يسوع وانتهاء أمره، وفي منتصف الليل جهزوا شهود زور ليشهدوا ضد يسوع وانعقاد المحكمة بعد منتصف الليل كان ضد معتقدات اليهود لكن هذا الخروج عن الإجراءات لا يهم رغم تشجيع وتعاطف المحققين والمحلفين للشهود فإن شهود الزور لم يستطيعوا أن يتفقوا في القرائن والوقائع التي يشهدون بها ... من الناحية القانونية لم يستطيعوا أن يجرموه، الاختلاف المباشر كان ضروريًا. يتدخل الكاهن الأكبر في المحاكمة قائلًا: خبرنا إذن أأنت المسيح ابن المبارك "فقال يسوع أنا هو" مرقس (١٤/ ٦١ - ٦٢) تقول إنك ابن الله كفى تجديفًا ... وكان الحكم سريعًا وبالإجماع ... لكن اليهود لم يستطيعوا .. أن يشنقوه أخذوا ضحيتهم في الصباح إلى بيلاطس لأنهم حسب قولهم: "لا يحق لنا قانونًا أن نقتل أحدًا" يوحنا (١٨/ ٣١) (٢).

стр. 387

أما العلامة رحمة الله الهندي، فقد وضع يده على ما في هذه المحاكمة من غلط متعمد من كتبة الأناجيل وقال: إنه يوجد في إنجيّل يوحنا غلط في هذه المحاكمة والنص يقول: "فقال لهم واحد منهم هو قيافا كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة أنتم لستم تعرفون شيئًا ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها ولم يقل هذا من نفسه بل كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة تنبأ أن يسوع منتظر أن يموت عن الأمة، وليس عن الأمة فقط؛ بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد (١) وقال: وهذا غلط من وجوه منها: ١ - أن مقتضى هذا الكلام أن رئيس كتبة اليهود لا بد من أن يكون نبيًا وهو فاسد يقينًا. ٢ - أن قوله هذا لو كان بالنبوة يلزم أن يكون موت عيسى ﵇ كفارة عن قوم اليهود فقط لا عن العالم وهو خلاف ما يزعمه أهل التثليث، ويلزم أن يكون قول الإنجيلي وليس عن الأمة فقط ... الخ لغوًا مخالفًا للنبوة. والعلامة البغدادي في نقده للمحاكمة الأولي أخذ عليها مآخذ عدة وقال إنها مليئة بالمتناقضات: التناقض الأوّل: فقد ذكر متي: أن يسوع مضوا به إلى دار رئيس الكهنة قيافا، ومرقس وافقه على ذلك إلا أنه خالفه بعدم ذكره اسم قيافا، ولوقا من حيث أنه ذكر في روايته أن القابضين عليه هم رؤساء الكتبة وشيوخ الشعب لم يوافق صاحبيه هنا على ذلك؛ بل المفهوم من كلامه: أن الرؤساء سلمته إلى الخدام ومكث الليل بطوله معذبًا بأيدي الخدام إلى الصباح، وبعد اجتماع مشيخة الشعب أصعدوه إلى مجمعهم وانفرد يوحنا بقوله: "أخذوه أولًا إلى دار حنَّان، ثم إلى دار قيافا رئيس الكهنة" (٢). التناقض الثاني: وهو اضطراب الأناجيل في تقديم الشهود عليه، فعبارة مترجم متى خبيصة أطفال إذ لا معني لقوله: "طلبوا شهادة زور ليقتلوه، فلم يجدوا مع أنه جاء شهود زور كثيرون لم يجدوا، ولكن أخيرًا تقدم شاهد زور" ومرقس تخلص من هذا التشويش في العبارة وقال: "ثم قام قوم وشهدوا عليه زورًا قائلين: نحن سمعناه يقول: إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي في ثلاثة أيام أبي آخر غير مصنوع بأياد" وقد سمى شهادتهم هذه شهادة زور، وليست كذلك، بل هي حق كما سموا منه في الهيكل كما في إنجيل يوحنا (٢٠/ ١٩) ونصه: "فقال لهم: انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه" .. الخ فهل يُقال لهؤلاء الشهود أنهم زوروا وكذبوا، وهم شهدوا كما سمعوا منه وتشهد الأناجيل بصدقهم (٣).

стр. 388

وخلاصة هذه المحاكمة: وجود الاختلاف والاضطرابات في رواية المحاكمة في الأناجيل الأربعة فإذا اتفقوا على أمر اختلفوا في آخر وإذا اتفق بعضهم على أمر اختلف البعض الآخر وهذه ليست من سمات الوحى الإلهي وبالتالي تُرفع القداسة عن هذه الأناجيل ويتبين أنها من وضع بشر. ب. المحاكمة الثانية أمام بيلاطس: ونص المحاكمة جاء فيه: وللوقت في الصباح تشاور رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة والمجمع كله، فأوثقوا يسوع ومضوا به وسلموه إلى بيلاطس، فسأله بيلاطس أنت ملك اليهود فأجاب وقال له: أنت تقول ... فمضي به العسكر إلى داخل الدار التي هي دار الولاية وجمعوا كل الكتيبة وألبسوه أرجوانًا وضفروا إكليلًا من شوك ووضعوه عليه، وابتدأوا يسلمون عليه قائلين: "السلام يا ملك اليهود، وكانوا يضربونه على رأسه بقصبة ويبصقون عليه .. ثم خرجوا به ليصلبوه" مرقس: (١٥/ ١ - ٢٠). مرقس - لوقا - متى - يوحنا مرقس: - لوقا: - متى: نهاية يهوذا + حلم زوجة بيلاطس. يوحنا:- = مرقس: - لوقا: - متى: استخدم متى الفترة ما بين قرار مجلس الكهنة والمحاكمة أمام بيلاطس في ذكر نهاية يهوذا. يوحنا:- = مرقس: - لوقا: اقتنى حقلًا من أجرة الظلم (أعمال الرسل ١ - ١٨). متى: رجع يهوذا إلى المجلس وطرح النقود في الهيكي (٢٧ - ٥). يوحنا:- = مرقس: - لوقا: مات ميتة دموية انشق فيها وسطه وانسكبت جميع أحشؤه كلها (أعمال الرسل ١٨ - ١٩). متى: مضى ليخنق نفسه (٢٧ - ٥٤). يوحنا:- = مرقس: - لوقا: سمي الحقل حقل دم نتيجة الميتة الدموية التي لقيها يهوذا (أعمال الرسل ١ - ١٩). متى: سمي حقل دم لأنه اشتُري بنقود كانت ممن بيع دمك بريء (٢٧/ ٦ - ٨). يوحنا:- = مرقس: قال لهم بيلاطس: أتريد أن أطلق لكم ملك اليهود (١٥ - ٩). لوقا: - متى: مَنْ مِنْ الاثنين تريدون أن أُطلق لكم؟ (٢٧ - ٢١). يوحنا: أتريد أن أُطلق لكم ملك اليهود؟ (١٨ - ٣٩). = مرقس: بارباس يُحدث فتنة (قاتل) (١٥ - ٧). لوقا: مُحدث فتن وقاتل (٢٣ - ١٩). متى: أسير مشهور (٢٧ - ١٦). يوحنا: بارباس لص (١٨ - ٤٠). = مرقس: كان الشيوخ والكهنة والكتبة والمجمع كله عند محاكمته. لوقا: رؤساء الكهنة والعظماء والشعب (٢٣ - ١٣). متى: رؤساء الكهنة والشيوخ والشعب والجموع. يوحنا: المحاكمة في دار الولاية والكهنة والشعب لم يدخلوا دار الولاية.

стр. 389

مرقس - لوقا - متى (٢٧/ ١ - ٢٠) -يوحنا حتى لا يتنجسوا (١٨ - ٢٨). مرقس: جنود بيلاطس ألبسوا أروجوانًا وضفروا إكليلًا من شوك ووضعوه عليه (١٥/ ١٦ - ١٧). لوقا: احتقره هيردوس مع عسكره واستهزأ به وألبسه لباسًا لامعًا ورده إلى بيلاطس (٢٣ - ١١). متى: جنود بيلاطس عرُّوه وألبسوه رداءًا قرمزيًا وضفروا إكليلاً من شوط ووضعوه على رأسه (٢٧/ ٢٧ - ٢٩). يوحنا: جنود بيلاطس ألبسوه ثوب أرجوان وإكليلاً من الشوك ووضعوه على رأسه (١٩/ ١ - ٢). = مرقس: ألبسوه أرجوانًا (فوق ملابسه) ولم يعروه كما ذكر متى (١٥ - ١٧). لوقا: ألبسوه رداءًا ولم يعروه ولم يلبسوه إكليل الشوك (٢٣ - ١١). متى: عروه وألبسوه رداءً قرمزيًا (٢٧ - ٢٨). يوحنا: ألبسوه ثوبًا أرجوانيًا ولم يعروه (١٩ - ٢). = مرقس: لم يعطوه قصبة في يمينه بل ضربوه بها (١٥ - ١٩). لوقا: لم يعصوه قصبة. متى: وقصبة في يمينه (٢٧ - ٢٩). يوحنا: لم يُعطوه قصبة. = مرقس: ثم يسجدون له (١٥ - ١٩). لوقا: لم يسجدوا أمامه. متى: كانوا يجثون قُدامه (٢٧ - ٢٩). يوحنا: لم يسجدوا أمامه. = مرقس: نزعوا عنه الأرجوان وألبسوه ثيابه ثم خرجوا به ليصلبوه (١٥ - ٢٠). لوقا: لم ينزعوا من عليه (١٣ - ١١). متى: نزعوا عنه الرداء وألبسوه ثيابه ومضوا به للصلب (٢٧ - ٣١). يوحنا: لم ينزعوا ردائه عنه (١٩ - ٥). = مرقس: شفاعة بيلاطس عند اليهود في المسيح مرة واحدة. لوقا: شفاعته في المسيح ثلاث مرات. متى: شفاعته في المسيح مرة واحدة. يوحنا: شفاعته في المسيح ثلاث مرات. = مرقس: هيج رؤساء الكهنة الجميع لكي يُطلق لهم بارباس (١٥ - ١١). لوقا: صرخوا (من أنفسهم) بجملتهم قائلين: خذ هذا وأطلق لنا باراباس (٢٣ - ١٨). متى: لكن رؤساء الكهنة والشيوخ حرضوا الجموع على أن يطلبوا بارباس (٢٧ - ٢٠). يوحنا: فصرخوا جميعهم قائلين: ليس هذا بل بارباس (أيضًا هنا من أنفسهم دون تحريض). = مرقس: - لوقا: - متى: غسل يديه أمام الجميع قائلاً: إني بريء من دمه (٢٧ - ٢٤). يوحنا:- = مرقس: - لوقا: - متى: وقالوا: إن دمه علينا وعلى أولادنا (٢٧ - ٢٥). يوحنا:- = مرقس: أسلم يسوع بعد ما جلده ليصلب (١٥ - ١٥). لوقا: أسلم يسوع لمشيئتهم (٢٣ - ٢٥). متى: جلد بيلاطس يسوع وأسلمه ليصلب (٢٧ - ٢٦). يوحنا: أخذ بيلاطس يسوع وجلده (١٩ - ١). = مرقس: - لوقا: فأنا أؤدبه وأطلقه (٢٣ - ٢٢). متى:- يوحنا:- = مرقس: - لوقا: سأله بيلاطس: هل الرجل جليلي؟ (٢٣ - ٦). متى:- يوحنا:- = مرقس: - لوقا: حوكم أيضًا أما هيرودس. متى:- يوحنا:- = مرقس: - لوقا: وتبدو هنا شخصية هيردوس غريبة جدًا فهو يفرح للقاء نبي العدل والرحمة والخلاص الذي تمنى لقاءه من زمان طويل، متى:- يوحنا:-

стр. 390

مرقس - لوقا - متى - يوحنا مرقس: - لوقا: وفجأة يراه ويحتقره بناءً على شكوى كيدية مع علمه أنه حوكم من قبل أمام بيلاطس ولم يجد فيه علة. متى:- يوحنا:- = مرقس: - لوقا: - متى:- يوحنا: فقال لهم بيلاطس: خذوه أنتم احكموا عليه حسب ناموسكم فقال لهم: لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا (١٨ - ٣١). وينتقد د/ سعد الدين صالح، هذه المحاكمة فيقول وهو يبين الاختلاف الواقع بين الأناجيل في روايتها: اختلفت رواية متي عن رواية لوقا في محاكمته، فبينما يذكر متى أن بيلاطس والي بيت المقدس لم يرسل عيسى إلى هيروديس مساعده ويذكر لوقا أنه أرسله إليه، أيضًا لم يذكر مرقس شيئًا عن إرساله إلى هيروديس فمن أين أتى لوقا بهذه الزيادة ولم تركها الباقون؟ (١). ثم يخبرنا العلامة أحمد ديدات أن بيلاطس في هذه المحاكمة يرى أن يسوع ليس مذنبًا لكن أعداء يسوع يتساومون مع بيلاطس فيقولون: "إن أطلقت هذا فلست بمحبًا لقيصر، كل من يجعل نفسه ملكًا يقاوم قيصر" يوحنا (١٩/ ١٢) وأثناء إجراء المحاكمة ترسل زوجة بيلاطس إليه رسالة تقول: "إياك وذلك البار لأني تألمت اليوم كثيرًا في حلم من أجله" (متي: ٢٧/ ١٩) ومع أن بيلاطس كان يحاذر أن يصدق على حكم الإعدام على أحد الرعايا الأبرياء غير الضارين، ورغم توسل زوجته العزيزة، فإنه لم يستطع أن يتغلب على ضغط اليهود، وأُجبر أن يستسلم لصياح اليهود خارج القصر صارخين: "ليصلب ... أخذ ماءً وغسل يديه قدام الجميع قائلًا إني برئ من لم هذا البار" (متى: ٢٧/ ٢٤) وقال لهم أنتم أبصرتم بهذا الاتهام الظالم، وأسلم إليهم يسوع لكي يصلب (٢).
следующие страницы →