← История

История · id 12226

أخبار الدولة العباسية

مؤلف أخبار الدولة العباسية

Полный текст (408 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أشفع لك بها يوم القيامة، ولم [١] يكن رسول الله ﷺ ليقول إلّا ما يكون منه على علم، وليس ذلك لأحد من الناس لأن الله يقول وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ، وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ٤: ١٨ [٢] ... إلى آخر الآية، ثمّ سكت، فقال نواس [؟] [٣] بن شبيب الفزاري وكان من وجوه قيس عيلان: معاوي قد منيت بذي مطال ... عظيم القدر يحمل ما يقول رمى فأصاب مقتلك ابن هند ... ومرميّ ابن عبّاس قتيل ويثني بعد أسهمه بوطء ... منافيّ ووطؤهم ثقيل جهلت جوابه فيكون عذرا ... يقال له من الجهل الجهول ألم تعلم بأنّ له جوابا ... ثقيلا لا ينوء به الفيول [٣١ ب] وعلما تقصر العلياء عنه ... يخال به- إذا فاض- السيول فلو خفت الجواب كففت عنه ... وهذا ما تضمّنه العقول نجوت ولم يكن [٤] بين المخازي ... وبين ظهورها إلّا قليل فأولى ثم أولى ثم أولى ... ثلاثا إنّ أمركم جليل فلا تهج ابن عباس مجيبا ... فإن لسانه سيف صقيل [٥] قال: وفد معاوية [٦] بن عبد الله بن جعفر وعبد الله بن العبّاس على

стр. 72

معاوية ابن أبي سفيان، وكان معاوية بن عبد الله حدثا، فلما دخلا عليه رحّب بهما، وقرّب مجلسهما، فأقاما عنده، وهذا بعد وفاة الحسن بن علي. قال: فدخلا عليه ذات يوم وعنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم وعبد الرحمن ابن أبي الحكم، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، ورجالات من بني أمية ووجوه أهل الشام. فلما أخذا مجلسهما، وقد كان معاوية قال لهم: دونكم هذا الغلام فهجّنوه فإنّه حدث وليس يعرف عيوبكم ومساوئكم، وابن عباس فإنّه سينصر ابن عمه، ولكنكم إذا خجّلتم صاحبه انكسر [١] عنكم. فجمع لهم الناس رجاء أن يكون أشدّ لانكساره وأسرع لخجله، فلمّا أخذ القوم مجالسهم، قال عمرو: من الفتى [٣٢ أ] يا أمير المؤمنين؟ قال: معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيّار. فقال عمرو: تناسلت والله بنو عبد المطلب بعد ما ظنّنا أن قد أفنيناهم بصفّين والمواطن، علونا والله عليكم يا معاوية بن عبد الله بالأفعال السنية، والأكف السخيّة، والأنفس الأبية عند الوغى، فليس لكم كفخرنا نحن السادة وأبناؤها. ثم قال مروان: أنعم يا أمير المؤمنين إذا قدرت، واعف إذا مننت، وأجزل إذا أعطيت، فقد قعدوا بين يديك قعود العبيد بين يدي مواليها، ما ظننتك يا ابن عبد الله تجسر على زيارة أمير المؤمنين، وقد علمت ما لقي قومك منّا، والغلبة لهم عند المخاطبة، والقهر عند المبارزة، ولكن حداثتك حملتك على ذلك فنحن نعذرك. ثم قال الوليد بن عقبة: لم تزل لنا الغلبة والرئاسة، وفينا الحماة والقادة، نصول في الحرب ونفتدي الأسرى من القتل، لا ينكر ذلك منكركم، وإن كنت تعرف غير ذلك فتكلم يا ابن عبد الله، وما أظنك تفعل لأنّه لا يقوم باطلك لحقّنا. فأراد ابن عباس أن يتكلم،

стр. 73

فأقسم عليه معاوية أن يخلّي بينه وبين القوم، فكفّ، وبدره ابن عبد الله فقال: يا ابن عم: إذا اجتمعوا عليّ فخلّ عنهم ... وعن ليث مخالبه دوامي [٣٢ ب] ثم قال: أنا معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيّار في الجنة، الصحيح الأديم، الواضح البرهان، آبائي من العرب مصاصها، وفي الحروب لهامها، ومن الدين كاهلها وسنامها، نحن أهل بيت الرحمة ومعدن الحكمة. زعمت يا عمرو أنكم أفنيتمونا بصفّين والمواطن، كذبت. لقد ورد عمّي بلادكم فقتل مقاتلكم، فلما همّ بالسبي رفعتم المصاحف، فمنّ عليكم بالعفو، وما كان ينبغي يا عمرو أن تنطق وقد شغرت [١] برجليك وسط العجاجة كالعاهرة تطلب فحلها، ثمّ تنطق في قريش فينبغي لك، هبلتك الهوابل، ألّا تفاخرنا بعد ذلك. أطمعت في حداثة سنّي فظننت ألّا أبصر عيوبكم! لأنا أحفظ لها منّي للقرآن. ثمّ التفت إلى مروان فقال: ما ظننت الرخمة تنطق في محافل العقبان. هيهات يا مروان! قصر خطوك، وضاق باعك عن مثل الشرف الأعلى، والمراتب الأولى، والنجباء الذين نطقوا بتأويل القرآن وتنزيله، فتقاوم فروعهم، وتفاخر آباءهم، أنت أذلّ حسبا وأوتح [٢] نسبا، قد أطلقك عمّي بعد ما أتي بك تقاد كما يقاد الجمل المخشوش [٣] ، فمنّ عليك سيّد الأوصياء وأمير النقباء، ووصيّ الأتقياء بالعفو، وأنّى لك مثل رجالنا الذين كانوا جبال العزّ وأطواد [٣٣ أ] الفخر، يسطع نورهم فلا يخمد، ويقبل قولهم فلا ينفذ. نطحنكم في الحروب، ونذروكم فيها ذرو الريح يابس الهشيم، نورد فلا تصدرون، ونصدر فلا توردون، علونا عليكم

стр. 74

بالنّبوّة، وبالمقال في الجاهلية، وآباؤنا القدماء [١] القراسية، فزعمت أنّا قد قعدنا قعود العبيد بين أيدي مواليها وكيف يكون ويلك الذنب [٢] رأسا، ضربكم عمّي رسول الله ﷺ ، ورجال قومي، على حقيقة هذا الدين والإقرار باليقين، ضربا أزال الهام عن مقيله وأثكل الأمهات أولادها، فأدخلكم في الدين كرها، فلما قيض رسول الله ﷺ ، كنّا ورثة علمه وخزانة كتبه، فأمرنا الناس بالبيعة فبايعوا، ومنهم أبوك [٣] ، لولا ذلك ضاقت به الأرض ولم تنجه البحار [٤] ، وكانت حاله حالك يوم الجمل، حيث ولّيت غدرا [٥] وجبنا، فضاق عليك الفضاء الواسع. فأنّى أنت من آبائي القراسية الكبار، أطلب مذودا وكن راعيا، فلست من رجالات بني أمية، ولم تبلغ فخر بني عبد المطلب. ثم التفت إلى الوليد فقال: ما أنت يا وليد والكلام في قريش، ادّعيت والدا أنت أكبر سنا منه، وأبوك رجل من أهل صفورة [٦] يقال له [٣٣ ب] فروخ، فأثبت نسبك في العرب، فلمّا استمكنت ممّا أردت صرت لا ترضى حتى تجاري أبناء الأنبياء، وتذرع [٧] في منطقك وتقول بالإفك والخنا، ما لك في العرب أسّ فتبني عليه، ولا بنيت على أصل ثابت، فأنت كالمذبذب بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، تبّت يداك، عبت قوما لا يحلّ بساحتهم العار، ولا تجزي بفنائهم الدناءة والذل، نجب بها ليل، سراة مذاويد، يا لها وجوها عفّرت بالثرى، ما أكرم فعالها

стр. 75

في الدين، أنت بحرث الأرض وزجر الثيران أعرف وأبصر منك بنسبة بني هاشم وبذكر [١] فعالهم، فلا تجر في ميادين مضمارهم فيهلك غبارهم فلست منهم. فقال عبد الله بن عباس: حسبتموه أقطا فوجدتموه سمّا ناقعا، يرمي سوادكم بالحق فيبهتكم، وترمونه فلا تنفذ سهامكم، إنّ بني هاشم صغيرهم ككبيركم، فتزخر بحورهم، وتجمد بحوركم، لهم الرئاسة وإليهم السياسة، لهم النّبوة، فخروا بها عليكم آخر الأبد. فقال معاوية: إيها أبا العباس: فقد كفاك ابن عمّك، فسكت. وقاما فرجعا، فلما مضيا قال ابن عباس له: قد كنت حسبت أن تبقي [٢] ، فيلحقنا منك عار أن تكون بنو [٣] أمية ناطقونا فضعفنا عن جوابهم. وقال معاوية: فكيف [٣٤ أ] وجدتني ورأيتني؟ قال: رأيتك أسدا باسلا، وسمّا ناقعا، وصاعقة مبيرة، أرسلك الله عليهم. فلما خرجا [٤] من عنده، قال لهم معاوية: ما صنعتم شيئا، لقد قال فأفحمكم، ورماكم فلم يخطكم، فما دفعتم ضيما، ولا أدليتم بحجة، يستنّ عليكم ويبذخ. فقال عمرو: والله ما بذخ علينا إلّا مثل الّذي بذخ عليك، وما قال فينا إلّا مثل الّذي قال فيك، عاب أمية وأنت من ذراها، ورفع رجال قومه حتى ألحقهم بالسماء. فقال معاوية: هم أهل بيت أعطوا الفخر واللسان ولا يقام لمفاخرهم. قال: قدم عبد الله بن عباس على معاوية فقال له: يا ابن عباس! إنّ لك عندي قدرا لعظيم خطرك وشرفك، مع كريم منزلتك وعظيم حلمك، قد أردت مساءلتك ومناظرتك في أمور قد أهمّتني. قال: ما ذاك، لا يسؤك

стр. 76

الله؟ قال: تخلّف ابن عمّك عن البيعة ليزيد- يعني الحسين بن علي ﵉ فأمّا ابن الزبير فكأنّي به قد هوي، وأمّا الحسين فإن له قرابة قريبة، ونفسا حيية، وأحبّ ما سرّه وأبغض ما ضرّه. قال ابن عباس: أمّا ابن الزبير فلا أدخل فيما بينكما، وأمّا الحسين فإنه قال وصدق وخفقت النعال خلفه، وهو رجل لا يملأ جنانه شيء [٣٤ ب] ، وإنك لتعلم أنّه أتى أبا بكر وهو على منبر رسول الله ﷺ ، فأخذ بردائه [١] فنتره نترا [٢] عنيفا ثمّ قال له: تنحّ عن مقام أبي. فقال أبو بكر: مقام أبيك لا مقام ابن أبي قحافة. فلم يمنعه من ذلك صغر سنّه، واجتماع الناس عليه وهيبتهم له، فكيف يهابك اليوم، وقد اشتدّ عضده وأزره، وكبر زنده، ولكن سأقول له ولا آلوه نفسي خيرا إن شاء الله. قال مروان: يا أمير المؤمنين! إني لأنهاك كثيرا عن هذه الاستكانة، ابعث إليهما فإن بايعا وإلّا فاضرب أعناقهما. فقال ابن عباس: لو كنت في موضع معاوية ما أوصيت نفسك بما أشرت به على معاوية، ولضاقت عليك إذن الأرض بما رحبت، ولو احتاج مع ذلك إلى نصرتك ما كانت نصرتك إيّاه إلّا نصرة أمة وكعاء، فهلّا أوصيت بذلك نفسك غداة قدمت البصرة ورأيت الحسرة وكانت عليك الدبرة، فعمدت إلى رجل من قريش بيعته في عنقك فرميته بمشقصك فقتلته [٣] ثمّ ولّيت هاربا غادرا، فأنت في كل ذلك تابع غير متبوع، لا ترى نفسك للرئاسة موضعا، ولا يرونك لها أهلا، فإن كنت إنّما أبغضت عليّا لقتله الوليد فقد قتله بأمر رسول الله ﷺ ، وقتله رسول الله ﷺ

стр. 77

[٣٥ أ] بأمر الله ويرغم الله أنف من كان راغما، ورأس من لم يدفع ذلك والحجر. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين: مروان شيخ من مشايخنا، يستقبله غلام من بني هاشم بما استقبله، لا يرى لمجلسك وقارا، ولا يخاف منه حذارا. فالتفت إليه ابن عباس فقال: يا عمرو عذر القراد فما بال الحلم [١] ، والله إن رجلا في قريش ما كان [٢] إلّا سهما [٣] جال بأيدي الرجال لحقيق بالذلة، وإنك لمن لفقه [٤] وممن ختم بغير السنة. فقال معاوية، اعتديت على جليسي يا ابن عباس! قال: إنهما أسمعاني في ابن عمّي ما كرهت، وهذا مجلس يحكى عنّا، وكرهت أن يحكى عني ما لا يجمل بمثلي. قال: لما قدم المأمون العراق، كتب إلى الكوفة وإلى البصرة يسأل عمن يروي له هذه الأربعة الأحاديث لجده عبد الله بن عباس ومعاوية بن أبي سفيان، فلم يكن أحد يعرفها غير عبد الله بن صالح الأسدي الكوفي، فحمل إليه، فحدّثه بها، فولّاه قضاء فارس حتى توفّي بها. فأحدها: خبره الّذي دخل إليه فنعى الحسن بن علي وأسامة بن زيد، وقد كتب. والثاني: خبره مع ابن الزبير في مجلس معاوية، وقد كتب. والثالث: عبد الله بن صالح يرفعه إلى ابن عباس قال: قدمت على معاوية وعنده [٣٥ ب] وفود العرب، فأذن للوفود فدخلوا عليه ودخلت معهم، فتكلّم معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا رسول الله ﷺ فإنه لم يخلق للدنيا ولم تخلق له، وأما أبو بكر فلم يردها ولم ترده، وأمّا عمر فأرادته ولم يردها، وأمّا عثمان فأخذ منها وترك، وأما أنا فمالت بي وملت بها، فأي امرئ إن [٥] يكن المصير إلى النار، قل

стр. 78

يا ابن عباس! قال ابن عبّاس: أقول خيرا، إن كنت تريد الدنيا فقد أمكنتك ففي يديك ضرعها، وإن كنت تريد الآخرة فقد أمكنتك ففي يديك أسبابها، فإن أردت الدنيا فارتضع وإن أردت الآخرة فارتدع، واعلم أنّه ما نقصك من دنياك وزادك في آخرتك خير لك مما نقصك من آخرتك وزادك في دنياك، فلا يغرّنك من آخرتك غارّ، ولا يسرنّك من دنياك سارّ، ولعمري لقد حلبت الدنيا أشطرها وأرضعتها مرة بعد مرة، وشربت صفوها، فانظر أي امرئ تكون غدا، فبكى معاوية وأنشأ عبد الرحمن بن حسان [١] يقول: قال ابن حرب مقالا مشفقا حذرا ... أرى الخروج من الدنيا إلى النار [٣٦ أ] واقتصّ [زهد] [٢] أبي بكر وحقّ له ... الصدّيق ثاني رسول الله في الغار واقتصّ زهد أبي حفص وقد عرضت ... دنيا يقسّم منها ألف قنطار واقتصّ زهد أبي عمرو وقد سحبت ... له الذيول من الدّنيا بآثار وقال: مالت بي الدّنيا وملت بها ... بئس المميل فيا للَّه من عار قال ابن عبّاس المحمول حكمته ... قولا يعيه [٣] ذوو [٤] سمع وأبصار قد أمكنتك فأمّا ما أردت فخذ ... والغبّ يعرف وردا بعد إصدار

стр. 79

ومن أخباره مع يزيد بن معاوية جعفر بن عبد الله بن العباس العلويّ عن أبيه عن الحارث بن كعب عن مجاهد، قال: بلغ يزيد بن معاوية أنّ ابن الزبير أخذ ابن عباس في أول أمر ابن الزبير، فكتب يزيد إلى ابن عبّاس: أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير، دعاك إلى نفسه [١] ، وعرض عليك الدخول في طاعته، لتكون على الباطل ظهيرا، وفي المأثم شريكا، وأنك امتنعت هنالك من طاعته، واعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا، وإقامتك بها طاعة الله وتثبيت ما عرّفك الله من حقّنا، فجزاك الله من ذي رحم ما جزى الواصلين لأرحامهم، الموفين بعهدهم، ما أنس من الأشياء فلست أنسى برّك وتعجيل صلتك بما أنت أهله منّي للطاعة [٣٦ ب] والشرف والقرابة برسول الله ﷺ ، فانظر من يطلّ عليك من سحرة الملحد ابن الزبير بلسانه وزخرف مقاله، فأعلمهم حسن رأيك في طاعتي وتمسك ببيعتي فإنّهم لك أطوع، ومنك أسمع منهم للمحل الملحد [٢] والسلام. فأجابه ابن عباس: بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإن كتابك أتاني تذكر فيه دعاء [٣] ابن الزبير إياي إلى نفسه، وامتناعي عليه للذي [٤] دعاني إليه، فإن يك كذلك فلست أنوي حباءك ولا كيدك ولا ودّك، ولكنّ الله بالذي أنوي أعلم. ذكرت أنك لست ناسيا برّي وتعجيل صلتي، فاحبس عنّي أيها الإنسان

стр. 80

صلتك، فإنّي حابس عنك ودّي ونصرتي، ولعمري، ما تؤتينا من حقّنا إلّا القليل، وإنّك لتحبس عنا منه العريض الطويل. وسألتني أن أحثّ الناس إلى طاعتك وأخذّلهم عن ابن الزبير، فلا، ولا سرور ولا كيد ولا كرامة ولا حبور. كيف تسألني نصرتك، وتحدوني على ودّك، وقد قتلت حسينا ﵇، بفيك الكثكث ولك الأثلب إذ تمنيك نفسك، العازب رأيك، وإنك لأنت الملعّن المثبور. أتحسبني لا أبا لك نسيت قتلك حسينا ﵇ وفتيان بني عبد المطلب [٣٧ أ] مصابيح الدجى، ونجوم الأعلام، غادرتهم جنودك بأمرك مصرّعين في صعيد واحد، في الدماء مرمّلين، بالعراء مسلّبين، لا مكفّنين ولا موسّدين، تسفي عليهم الرياح، وتغزوهم الذئاب والسباع، وتنتابهم جوّع [١] الضباع، حتى أتاح الله لهم قوما لم يشركوا في دمائهم، وكفنوهم وأجنّوهم [٢] ، وبي والله وبهم جلست مجلسك، وأعززت نفسك، وما أنس من الأشياء فلست أنسى تسلّطك عليهم، فلست أنسى الدعيّ [٣] ابن الدعيّ ابن العاهرة الفاجرة، البعيد رحما، اللئيم أبا وأمّا، الّذي في ادعائه أبوك كسب العار والشنار والخزي والمذلة في الآخرة والأولى، والممات والمحيا، إنّ رسول الله ﷺ قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر، فقال أبوك: الولد لغير الفراش والعاهر لا يضرّه العهر، ويلحق به ولده للبغي كما يلحق بالعفيف ولده للرشد، فقد أمات أبوك السنة جهلا، وأحيا البدع والأحداث المضلّة عمدا. وما أنس من الأشياء لست أنسى إطرادك الحسين بن علي رحمة الله عليهما ورضوانه من حرم رسول الله ﷺ إلى حرم الله، وتسريبك [٤] إليه الرجال ليغتالوه، ودسيسك

стр. 81

إليهم إن هو نذر بكم فبادروه، وقاتلوه، فما زلت بذلك وفي ذلك حتى أشخصته من مكة [٣٧ ب] إلى أرض العراق، فخرج منها خائفا يترقب، يزأر عليه [١] خيلك ورجلك زئير الأسد، عداة منك للَّه ولرسوله ولأهل بيته. لعمر الله لقد كان أعزّ أهل البطحاء قدما، وأعرف أهلها بها حديثا، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو نوى بهما مقاما، واستحلّ بهما قتالا، ولكنه كره أن يكون هو المرء تستحل [٢] به حرمة [٣] البيت أو حرمة رسول الله ﷺ . وكتبت إلى ابن مرجانة بالخيل والرجال والأسنّة والسيوف، وأمرته بمعاجلته وترك مطاولته بالإلحاح عليه حتى يقتله ومن معه من بني عبد المطلب أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، فنحن أولئك لسنا كآبائك الجفاة [٤] الأجلاف أكباد الحمر، فطلب إليكم الحسين ابن علي ﵇ الموادعة، وسألكم الرجعة فأبيتم، واغتنمتم قلة أنصاره، وأردتم استئصاله وأهل بيته، فعدوتم عليهم فقتلتموهم، كأنما قتلتم أهل بيت من ترك أو كابل، فلا شيء أعجب عندي من طلبك ودي وقد قتلت بني أبي، وسيفك يقطر من دمي، وأنت أخيذ [٥] ثأري، فإن يشأ الله لا يطلّ [٦] لديك دمي ولئن تطلّ [٧] دمي وتعجزني بثأري وتسبقني فيه في الدنيا، فقتلنا ما قتل به النبيون [٣٨ أ] وأبناء النبيين، وطلّت دماؤهم، وكان الله لهم الموعد، وكفى باللَّه للمظلوم ناصرا ومن الظالمين منتقما، فلا يعجبنّك إن ظفرت بنا اليوم، فو الله لنظفرنّ بك يوما إن شاء الله. ذكرت وفائي وما عرّفني الله من

стр. 82

حقّك، فإن يك ذلك كذلك، فعمدا والله بايعت أباك وبايعتك من بعد أبيك، وإني لأعلم أني وجميع ولد أبي أحقّ بهذا الأمر منكم، ولكنكم معشر قريش استأثرتم علينا بسلطاننا حتى دفعتمونا عن حقّنا، فبعدا لمن تحرّى ظلمنا، واستغوى السفهاء علينا حتى دفعنا عن [١] حقنا واستولى على الأمر دوننا، كما بعدت ثمود وقوم هود وأصحاب مدين، ألا ومن أعجب الأعجاب عندي، وما عسيت أن أرى في الدهر من عجب، حملك بنات عبد المطلب وأغيلمة صغارا من ولد أبيه إلى الشام، كالسبي المجلوبة، ترى الناس أنّك قد قهرتنا وأنك تمنّ علينا، ولعمري لئن كنت تمسي وتصبح آمنا من جراحة يديّ إني لأرجو أن أعظم جراحك من لساني ونقضي وإبرامي، وإني لأرجو الّا يمهلك الله بعد قتل أهل بيته ﷺ إلّا قليلا، حتى يأخذك أخذا وبيلا، ويخرجك من الدنيا مذموما مخذولا، فاعتبر لا أبا لك ما استطعت فقد والله [٣٨ ب] زادك الله بما اقترفت، والسلام على أهل طاعة الله. أخبار عبد الله بن العباس مع عمرو بن العاص ذكر [٢] خالد القرشي عن أبيه قال: قام عمرو بن العاص في موسم من المواسم فأطرى معاوية وتنقّص بني هاشم وذكر مشاهده بصفّين، فاجتمعت إليه قريش، وأقبل عبد الله بن العباس على عمرو فقال: يا عمرو، إنك بعت دينك ونفسك من معاوية بدنيا غيرك، فأعطيته ما في يديك ومنّاك ما في يد

стр. 83

عدوّه [١] ، وكان الّذي أخذ منك فوق ما أعطاك [٢] ، وكلّ راض بما أخذ وأعطى، حتى إذا كانت مصر في يدك عيّشك فيها بالعزل [٣] والتنغيص، حتى لو أن نفسك في يدك ألقيتها، وذكرت مشاهدك بصفين فو الله ما ثقلت علينا وطأتك، ولا نكتنا حزّتك [٤] ، وإن كنت [٥] لطويل اللسان قصير اليدين [٦] ، آخر الخيل إذا أقبلت وأوائلها [٧] إذا أدبرت، جبان الجنان قصير العنان [٨] ، لك يدان: يد لا تبسطها إلى خير وأخرى لا تكفّها [٩] عن شرّ، ولسانان: لسان شرّ ولسان غرور [١٠] ، ووجهان: وجه موحش ووجه مؤنس، ولعمري أنّ من باع دينه بدنيا غيره لحقيق أن يطول حزنه وندمه على ما باع واشترى [١١] . أبو مخنف وعوانه، قالا [١٢] : حجّ عمرو [٣٩ أ] بن العاص ذات مرّة، فمرّ بعبد الله بن عبّاس، فحسده مكانه، وما رأى من إجلال [١٣] الناس

стр. 84

إياه وموقعه من قلوبهم، فقال له: يا ابن عباس! ما لك إذا رأيتني ولّيتني القصرة، وكأنّ بين عينيك دبرة، وإذا كنت في ملأ من الناس كنت الهوهاة الهمزة. فقال ابن عبّاس: لأنك من اللئام الفجرة، وقريش هم الكرام البررة، لا ينطقون بباطل جهلوه، ولا يكتمون حقّا علموه، وهم أعظم الناس أحلاما، وأظهرهم [١] أعلاما. دخلت في قريش ولست منها، فأنت كالساقط من الفراشين [٢] ، لا في بني هاشم رحلك، ولا في [٣] عبد شمس راحلتك، فأنت الأثيم الزنيم، الضالّ المضلّ، حملك معاوية على رقاب الناس، فأنت تسطو بحلمه [٤] وتسمو بكرمه. فقال عمرو: أما والله يا ابن عبّاس، إني بك لمسرور فهل ينفعني ذلك عندك [٥] ؟ فقال ابن عباس: لا، حيث مال الحق ملنا وحيثما [٦] سلك قصدنا. ومن أخبار عبد الله بن عباس مع ابن الزبير ذكر أبو الحسن المدائني عن أبي عمرو بن المبارك قال: قام ابن الزبير ذات يوم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد فإنّ بني هاشم سوميت فأعنقت، وجوريت [٧] فسبقت، وأيم الله لولا أنها أبقت بالنفوس [٣٩ ب] قرحا

стр. 85

يقرفها [١] التذكر، لا يدملها إلّا الجزاء كيلا بصاع وفاء، لما اتصل أحد بعجاج أقدامها، ولا عدّ مثل أيامها، ولكنها أخذت بأزمّة الفضائل وأبت أن تعلقها كف متناول، أو يضرب فيها بسهم مخاصل [٢] ، فجوذبت الأزمّة على كرهها، فتمطت بها تمطّي الراتع في لجامه، والبازل في خطامه، فلما نظر الله إلى أنوفها قد شمخت، وإلى شفاهها قد بذخت، استوقفها بإمرئ لو عرفوا لغيره فضله كان مع أيديهم لهم باقي الدهر حربا، فعركهم كعرك السقاء وذلّلهم بعد إباء، فذاقوا [٣] غبّ الخطأ وطاعة السفهاء، فرغمت معاطسها وترعبلت [٤] مجالسها، فبعدا لمن أكل فريسته وحده، وجحد الشريك شركته، وإنّ مثلنا ومثلهم لكما قال الأول: كنّا لأول ما خوّلته [٥] سببا ... فصرت رأسا ومن آتاكه ذنبا لا يبعد الله إلّا آنفا عطست ... على المراغم سيمت خطة عجبا لو أنها عرفت فضلا لذي رحم ... داني المحلة لم يبعد لها نسبا أضحى لها عضدا تغني بها ويدا ... تنفي بها الذلّ إما أغضبت غضبا فقام إليه ابن عبّاس فقال: مهلا يا ابن الزبير، لا تكن كالضبة [٦] صالت بحدها على ما لحقت من ولدها، لا تجعل ذرب [٧] لسانك [٤٠ أ] على من أنطقك، وبلاغة قولك على من سدّدك، ولا تجن على نفسك جناية العنز

стр. 86

الباحثة عن حتفها فيقلّ ناصرك، وتقطعك أواصرك، وتطيش سهامك، ويستوعر مرامك، وأقبل قبل السفه الّذي أنت متحيّر في دجنّة طخيائه، وسواد ظلمائه، ولا تظنّ بنفسك ظنّ الأحمق المرتاب، فإنما أنت غدا أو بعده أكيلة أضبع وذئاب، كأنّي بما أصبحت تثق بنفسك قد أسلمك، وبمن أصبح يعدك النصر قد خذلك، فصرت جزور أيسار، كلّ يضرب فيك بسهم فاز قدحه أو خاب، ولو رجع إليك عازب حلمك، ونظرت في الأمور بفهمك، لعلمت أنّه لا يبعدك من هاشم إلّا نفسك، إنّ عبد المطلب لجدّك، وإنّ العبّاس لخالك، وإنّ صفيّة لأمك، وما القرح المعروف إلّا ما أبقى الدواء من الداء، وأيم الله أن لو وكلتم إلى رأيكم، وتركتم وضلال أهوائكم، لقديما أبارتكم [١] الحتوف، وتلعّبت بكم السيوف، ولكنكم كفرتم نعمة من لطف بكم، وأنعلكم، ورفق في السياسة بكم، فاشكر الله يا ابن الزبير شكر من لم يعجل عليه عجلة المبادر، حتى بقيت لهذا الموقف الّذي أظهرت فيه حسكة صدرك وهتكت به الحجاب من سترك بذكرك إنكارنا فضلك، فهل دفعناك [٤٠ ب] عن حقّ أوجبه الكتاب لك. تصفّح كتاب الله واعرضه على قلبك فإن وجدت فيه لمهاجر في الفيء على غيره من أهل الإسلام فضلا، بفريضة من رسول الله ﷺ أو من أبي بكر بسيرة، فها نحن قد أنكرنا وجحدنا حقّك، وإلّا يكن [٢] ذلك، فما موضع الإنكار إذن؟ لا والله يا ابن الزبير! ولكن أردت أن تكون قيصرية كسروية، قبحا لرأيك وسفاهة لحلمك، أبعد الإسلام تستكثر من الدنيا وترغب فيها وتناضل عنها، كالحائن [٣] المثبور ما استبقى [٤] في الله؟ أما نائما

стр. 87

ذكّرت عند ما أنكر من أعمالنا، وكره من أفعالنا؟ فالعجب كل العجب لمن ينسبنا إلى ما أصبح فيه، ويدّعي علينا ما كان منه. كلّا ليس ذلك كذلك، نحن باللَّه أعرف، وله أخوف من أن نتعرّض لسخطه بالتعدّي عمّا أمر به، أو المقارفة لما [١] نهى عنه، ولكنه ﵎ أراد أن يعظم لنا الأجر بما يلهمنا من الصبر، ويوفقنا له من الشكر، ويحقّ القول على الظالمين، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون، ثمّ تمثل فقال: وهل هي إلّا مدّة سوف تنقضي ... ويرجع فينا الأمر والأنف راغم قال أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي [٢] : قال عيسى بن طلحة: حضرت [٤١ أ] من ابن عبّاس محضرا ما حضرته من قرشي قط، قال: كان مروان ابن الحكم يأذن للناس بعد العصر، وكان ابن عبّاس يجلس على منبر رسول الله ﷺ عند رأسه وابن [٣] الزبير فيأتي فيجلس على وسادة عند رجليه، فحضرنا عشية من ذلك، فإذا منبر عند رجل مروان مقابل الستر الّذي عند رأسه، فجاء ابن عباس فجلس مجلسه وجاء ابن الزبير فجلس، وأنصت مروان، وأنصت الناس، ونظرنا إلى يدي ابن الزبير ترعد، فعرفنا أنه يريد أن يتكلم، فقال: إنّ أناسا قالوا: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة على غير تواطؤ، وإنّ أمر أبي بكر كان أعظم من أن يقال له مثل هذا، ولعنة الله على من قاله، والله ما كان من أحد خيرا من أبي بكر ولا أفضل سابقة، فأين الذين يقولون مثل هذا حين حضرت أبا بكر الوفاة واستخلف عمر، فلم يكن إلّا ما قال أبو بكر، ثمّ حضرت عمر الوفاة فألقى حظّهم

стр. 88

في حظوظ وجدّهم في جدود فأسقط الله حظّهم وأدحض جدّهم، وأخذ علمهم من كان أولى بذلك منهم، حتى خرجوا عليه خروج اللصوص، فنالوا منه غرّة فقتلوه، ثمّ قتلهم الله بعد ذلك كلّ قتلة، وفرّقهم تحت بطون الكواكب. فقال ابن عباس: على رسلك أيها القائل في [٤١ ب] أبي بكر وعمر وعثمان، والله ما أنكرنا متقدّم من تقدّم منهم وان كانوا خيرا فما نألو أن نقول [١] ، ولو تقدّم متأخر لكان أهله. ولولا أنك تذكر حظّ غيرك وشرفه لعرفت كيف أجيبك، ولو أنّ من أولئك متكلما لأخبرته عني وعنه خبر حاضر عن حاضر، لا خبر غائب عن غائب، ولكن ما أنت وما لا عليك ولا لك؟ أقصر على حظّ نفسك فإنّه لك، وإن أحدا لن ينازعك، إنّي وإياك من الأوّلين بمنزلة، وإنّ الثالث لي دونك، فتيم لتيم، وعديّ لعدي، وأمية لأمية [٢] ، وإن يك في أسد [٣] شيء فهو لك، والله لأنا أقرب بك عهدا [وأبيض عندك يدا] [٤] ممن أمسيت تظن [٥] هذا عنده، وما أخلق ثوب صفية بعد [٦] . العنزي [٧] قال: حدثنا علي بن الحسين بن [٨] البراء قال: حدثني عمّي عبد الله ابن محمد بن مسروق قال: حدثني أبو عبد الله الجحدري حمدان بن بانة عن ابن

стр. 89

دأب قال: تزوج عبد الله بن الزبير فاطمة [١] بنت منظور الفزارية، وكان معها في سجف [٢] ، فقال لها: هل تدرين [٣] من معك في سجفك؟ قالت: نعم عبد الله ابن الزبير. قال: ليس إلّا [٤] ؟ قالت: فما تريد؟ قال: أصبح والله من معك الغداة في سجفك من هو [في] [٥] قريش بمنزلة الرأس من [٤٢ أ] الجسد، لا بل بمنزلة العين [٦] من الرأس. قالت: أما والله لو كان بعض بني هاشم [٧] هاهنا ما رضي بهذا. قال: فالطعام والشراب عليّ حرام إن أنا لم أحضرهم فنقول هذا الكلام بين أيديهم فلا يستطيعون له ردا، ولا له إنكارا. قالت: أما إنّك لو أطعتني لم تفعل، وأنت وشأنك [٨] أعلم. فخرج إلى المسجد فإذا هو بجماعة من بني هاشم فيهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر فسلّم عليهم، ثمّ قال: إني أحبّ أن تقوموا معي إلى المنزل، فلمّا دخل جاء بالطعام فأكلوا، فلما فرغوا قال: إني كنت قبيل [٩] مع صاحبة هذا السجف آنفا، فقلت لها كذا وكذا، فما تقول أنت يا ابن عباس؟ قال: أقول وأنا في منزلك، وقد تحرّمنا بطعامك، فإن تشأ أن نقول قلنا، وإن تشأ أن نمسك أمسكنا. قال: وما عسيت أن تقول يا ابن عباس؟ أليس أبي

стр. 90

حواريّ رسول الله ﷺ ؟ أو ليس [١] جدي أبو بكر الصديق صديق رسول الله ﷺ ؟ أو ليس خالتي حبيبة رسول الله ﷺ أمّ المؤمنين؟ فقال له ابن عباس: قد ذكرت شرفا شريفا، وفخرا فاخرا، غير أنّك إنما بلغت مداه ونلت سناه بنا. قال: وكيف ذاك؟ قال: لأني أولى بمن تفخر به منك. فقال له: وإن [٤٢ ب] شئت فاخرتك، إلى ما كان منك قبل أن يبعث الله محمدا ﷺ [٢] فقال ابن الزبير [٣] : قد أنصف القارة من راماها [٤] . فقال ابن عباس: تعلمون أن رسول الله ﷺ لم يفرق فرقان قط إلّا كان في خيرهما [٥] ، فقد فارقناكم من جدي قصيّ [٦] ، إن قلت لا كفرت وإن قلت نعم غلبت. فقال: لا، ولكن قد علم القوم أني سابق غير مسبوق، متبحبح [٧] في الشرف الأنيق، بين حواري وصدّيق، غير طليق ولا ابن طليق. فقال ابن عباس: دسعت بجرتك [٨] ، هاهنا كلام مردود من امرئ حسود، أما ما ذكرت من الأسرة فإن تكن الأسرة لك دوني فهي لك عليّ، وإن تكن لي دونك فهي لي عليك، والكثكث في يديك [٩] ، وأما ما ذكرت من طليق

стр. 91

فلعمري لقد ابتلي فصبر، وأنعم عليه فشكر، وما نكث بيعة بعد تأكيدها، ولا كان جبانا ولا فرّارا. فقال ابن الزبير: ويحك تعيّر الزبير بالجبن [١] . فقال ابن عباس: والله لقد فرّ وما كرّ، وبايع فما برّ، وحارب فما ضرّ، وما كان إلّا كالهجين أمامه ... جياد تجاري ناجيات فاجهدا فأدرك منها مثل ما كان أهله ... وقصر عن جري الكرام وبلّدا [٢] [٤٣ أ] أحمد بن السري البزّاز قال: حدّثنا الرياشي قال: وقع إلى الحرمازي [٣] قرطاس [٤] فيه أنّ ابن صفوان قال لابن الزبير: هذا عبد الله ابن عبّاس يعلّم الناس الفقه وهذا عبيد الله يطعم الناس فما تركا لك؟ فقال ابن عباس: ويحك يا ابن الزبير! ما يأتينا إلّا طالب دين أو طالب دنيا. وقال أبو الطفيل عامر بن وائلة [٥] : لا درّ درّ الليالي كيف تضحكنا ... منها أحاديث أيّام وتبكينا [٦] ومثل ما تحدث الأيّام من غير ... وابن الزبير عن الدنيا يلهّينا [٧] كنّا نجيء ابن عباس فيقبسنا ... علما ويكسبنا خيرا [٨] ويهدينا

стр. 92

ولا يزال عبيد الله مترعة ... جفانه مطعما [١] ضيفا ومسكينا فأصبح الدين والدنيا بدارهما ... ننال من ذاك [٢] ما شينا إذا شينا [٣] ولست فاعلمه بالأولى به نسبا ... يا ابن الزبير ومن أولى به دينا [٤] لن [٥] يعطي الله من أخزى ببغضهم ... في الدين عزّا ولا في الأرض تمكينا العنزي قال: حدّثنا الرياشي قال [٦] : دخل عبد الله بن صفوان الجمحيّ على عبد الله بن الزبير فقال: أنت والله كما قال الشاعر: [٤٣ ب] فإن تصبك من الأيام جائحة ... لا نبك منك على دنيا ولا دين فقال: وما ذاك ويحك؟ فقال: هذان [٧] ابنا عباس أحدهما يفتي الناس في دينهم، والآخر يطعم الطعام، فماذا أبقيا لك! فأرسل إليهما، فقال: إنكما تريدان أن ترفعا راية [قد وضعها الله] [٨] ففرّقا عنكما مرّاق العراق. فأرسل إليه عبد الله بن عبّاس: ويلك أيّ الرجلين نطرد عنّا، طالب

стр. 93

[دنيا] [١] أم طالب علم؟ فبلغ الخبر أبا [٢] الطفيل فقال أبياته. ولما قام [٣] عبد الله بن الزبير بمكة واشتدّ أمره فيها، وذلك لمّا هلك يزيد بن معاوية ووقعت الفتن، أقبل محمد بن علي بن الحنفية وعبد الله بن عبّاس بعد وقعة الحرّة حتى أتيا مكّة فعاذا بها، واعتزلا الفتنة. فدعاهما عبد الله بن الزبير إلى بيعته، فقال له محمد وعبد الله: إنّا لا نبايع إلّا من اجتمعت عليه الأمّة، فإذا اجتمعت عليك الأمّة بايعناك وكنّا أمّة من الناس. فأبى عبد الله بن الزبير أن يتركهما حتى يبايعا فأبيا أن يبايعا حتى تجتمع الأمة عليه بالبيعة، فأخذهما عبد الله فطرحهما في حجرة زمزم، ثم قال: والله لا خرجتما حتى تبايعا فأبيا فحلف لئن لم يبايعا إلى ذلك الأجل ليحرقنهما بالنار، فلما رأى عبد الله بن عباس ومحمد بن [٤٤ أ] علي ذلك كتبا إلى المختار بن أبي [٤] عبيد يستغيثان به ويخبرانه بالذي قد نكبهما ابن الزبير، وبعثا في ذلك أربعة نفر: الطفيل بن عامر ومحمد بن بشير [٥] وأبا المعتمر وهاني بن قيس الهمدانيّ، فقال لهم محمد بن علي: اكتموا الخبر، وأخفوا نفوسكم، وأجّلهم محمد بن علي ثلاثة عشر يوما ذاهبين وثلاثة عشر يوما جائين. وقد كان عبد الله بن الزبير بعث عليهما، وهما بزمزم، حرسا لا يدعون أحدا يدخل عليهما، ولا يدعون واحدا منهما يخرج، وأخذ ما وجد لمحمد بن علي من مال بالمدينة، ومنع الناس أن يكلموه، وأن يدخلوا عليه.

стр. 94

قال: فلما هدأت [١] العيون ونام ظالع الكلاب، دفع إليهم كتابا، وقال: إني قد رمقت هؤلاء الحرس حتى دار بهم النوم، فاخرجوا حتى تركبوا رواحلهم وتمضوا لوجوهكم، فإذا دخلتم مسجد الكوفة فادفعوا الكتاب إلى المختار بن أبي [٢] عبيد، فإن رأيتم منه ما تحبّون حمدتم الله على ذلك، وإن رأيتم منه تقصيرا فأعلموا الناس ما جاء بكم، والحال التي نحن عليها، فإنّه ممّا يحرك المؤمنين تقوية، وسينصرنا من لم نكن نطمع في نصرته. قال: فأقبلنا حتى دخلنا على المختار، فلما قرأ الكتاب، دعا أصحابه وقرأ عليهم الكتاب [٣] وكانت نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن علي إلى المختار بن أبي [٤٤ ب] عبيد ومن قبله [٤] من شيعتنا [٥] أهل البيت. سلام عليكم، فإنّي أحمد إليكم الله الّذي لا إله إلّا هو [٦] . أمّا بعد، فإنّي أسأل الله أن يدخلنا [٧] وإياكم الجنة، وأن يصرف عنّا وعنكم النار [٨] ، فإنّي كتبت إليكم [٩] وأنا وأهل بيتي وبضعة عشر رجلا [١٠]

стр. 95

محصورون لدى البيت الحرام الّذي من دخله كان آمنا، وقد منعنا ليّن [١] الطعام، وعذب الماء، وكلام الناس، ونهدد بالقتل والتحريق بالنار [٢] ، وإني أنشدكم باللَّه الّذي يجزي بالإحسان إحسانا، ويتولّى ثواب البر الخيّر أن تخذلونا مرتين بين أظهركم من أهل بيت نبيّكم، فتندموا ألّا تكونوا نصرتموهم ومنعتموهم، كما قتل الحسين وآل الحسين إلى جانبكم بالأمس وأخواته وبناته ينظرن [٣] إليهم، ثم لم تمنعوهم ولم تدفعوا عنهم، وأصبحتم على ألّا تكونوا فعلتم ذلك نادمين، ثم يا غوثا باللَّه، ثم يا غوثا [٤] باللَّه، فإنّا لا ندعو إلى ظلم ولا إلى [٥] قتال أحد، إنّما نريد أن نسلم ويجتمع أمر الناس والسلام. قال: فوثب جميع من في القصر يبكون ويضجّون ويقولون للمختار: سرّحنا إليهم الساعة وعجّل بنا [٦] . قال: فو الله لو يأذن للناس كلّهم ما بقي معه منهم أحد. قال: فنادى في الناس بالصلاة جامعة، فاجتمع إليه الناس، فحمد الله [٤٥ أ] وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد فإنّ هذا كتاب مهديكم وصريح [٧] أهل [٨] بيت نبيّكم صلّى

стр. 96

الله عليه وسلّم [ومن معه من إخوانكم] [١] قد تركوا محظورا عليهم حظار كزرب الغنم، فينتظرون القتل والحريق [٢] بالنار في آناء الليل وأوقات [٣] النهار، ولست بأبي إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا، وإن لم أسرّب [٤] إليهم الخيل في آثار الخيل، كالسيل يتلوه السيل، حتى يحلّ بابن الكاهلية [٥] الويل- وكانت أم العوّام كاهلية [٦] . ثم قال المختار: تجهّز يا أبا عبد الله الجدلي ثم سر، فإن قدرت أن تطير فطر، وقال لأبي المعتمر: اخرج أنت فعسكر له. فخرج أبو عبد الله الجدلي فتبعه الناس يريدون أن يخرجوا معه، ونزل المختار فدخل القصر وقال لأبي عبد الله الجدلي: تعجّل في أهل القوّة الساعة الساعة، فخرج أبو عبد الله في نحو من سبعين راكبا. ودعا المختار الطفيل ابن عامر ومحمد بن بشير وبعث معهما كتابا هذه نسخته [٧] : بسم الله الرحمن الرحيم للمهدي محمد بن علي من المختار بن أبي عبيد. سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الّذي لا إله إلّا هو. أمّا بعد، فقد قرأت كتابك رحمك الله

стр. 97

وعفا عنك [١] ، وسيّرت إليك الشيعة أرسالا يتبع بعضهم بعضا [٢] وباللَّه أفتأ أبعثهم إليك حتى [٤٥ ب] املأ مكة على ابن الكاهلية خيلا ورجالا حتى يعلم ابن الكاهلية أنّك أعزّ منه وأكثر نفرا [٣] . وقد [٤] أتاك الغوث وجاءك الغيث، وقد بعثت إليك مع ظبيان [٥] بن عمارة أخي بني تميم بأربعمائة ألف درهم [٦] ، وسرّحت إليك معه رجالا ينصرونك [٧] ، ويحفظون المال حتى يؤدّوه إليك، وسرّحت إليك أبا عبد الله الجدلي، وأمرته بالنجاء، والإغذاذ [٨] حتى يأتيك، وحبست من رسلك أبا المعتمر وأخا همدان لنجهّز إليك معهما من شيعتك أنصارا يقاتلون [٩] عدوك، ويدفعون الظلم عنك [١٠] . فأبشر ثم ابشر

стр. 98

فقد أتاك الصمد [١] بفارس بهمة وسداد ثغر وفرّاج [٢] غمّ وأخ نصور [٣] ، وو الله الّذي لا إله إلّا هو لولا أعلم أنه أعزّ لك ولشيعتك أن أبعث إليك الخيل والرجال، وأقيم بهذه البلدة لسرت بنفسي حتى أقتل ابن الكاهلية، أو آتيك به سلما، فاكتب إلينا برأيك وأمرك في كلّ حال، ما بدا لك، فإنّما نحن شيعتك وأنصارك والسلام عليك ورحمة الله. قال: فخرج الناس بعضهم في آثار بعض، وقد بهذه الرسالة الطفيل بن عامر ومحمد بن بشير وأصحابه، ثم جاءهم أبو عبد الله الجدلي، فأقبل حتى نزل بذات عرق [٤] في سبعين راكبا فصلّى بهم الظهر والعصر حتى توافي الناس واستتم معه مائة وخمسون [٤٦ أ] رجلا، فلمّا اجتمعوا صلّى بهم أبو عبد الله، ثم دخل مكة ومع أصحابه الخشب وكان المختار أمرهم بذلك، فدخلوا الأبطح فسمّوا الخشبية من أجل ذلك. فدخل المسجد الحرام ومحمد بن علي وعبد الله بن عباس وأهل بيته بزمزم وأولئك النفر الذين معه قد أعدّ لهم عبد الله ابن الزبير الحطب ليحرقهم فيما يزعم بالنار، وقد قال بعض الناس إنّ ابن الزبير أظهر ذلك لهم، أراد أن يرعبهم لكيما يبايعوه. وكان ابن الزبير قد أعطى الله عهدا لئن مضت بهم الجمعة ولم يبايعوه أن ينفذ فيهم رأيه. فدخل أبو عبد الله وأصحابه مكة ولم يمض من الأجل غير يومئذ، فعقلوا رواحلهم بباب المسجد ثم شدّوا على الحرس الذين وكّلوا بهم فطردوهم، ثم وثبوا على أعواد زمزم فكسروها، ثم دخلوا على ابن الحنفية يفدّونه بآبائهم

стр. 99

وأمهاتهم وأهاليهم وأولادهم، ويقبلون رأسه ورجله ويقولون: خلّ بيننا وبين ابن الزبير، فقال لهم ابن الحنفية: ويحكم إني لا أستحلّ القتال في الحرم [١] . وخرج ابن الزبير في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: العجب [٢] كل العجب من هؤلاء الخشبية السبئية الذين اغترّوني يبغون حسينا كأنّي أنا قاتل الحسين، والله لوددت أني قدرت على قتلة الحسين فقتلتهم [٣] ، وأقبل على أبي عبد الله الجدلي [وأصحابه] [٤] فقال: تحسبون أني مخلّ [٤٦ ب] سبيل هذا المذمم- يعني ابن الحنفية- دون أن يبايع ويبايعوا! فقال له أبو عبد الله: أي ورب الكعبة، لتخلينّ سبيله فلينزلنّ من مكة حيث يشاء، ومن الأمصار حيث أحبّ [٥] أو لنجالدنّك بأسيافنا جلادا يرتاب فيه [٦] المبطلون. فنظر ابن الزبير وإذا أصحابه كثير قد كانوا يملئون المسجد، وإذا أولئك لا يتمون مائتي رجل وهم على ذلك معصوصبون [٧] مجتمعون، فعلم ابن الزبير أن لهم شوكة وأن جماعتهم خشنة. فقال ابن الزبير: وما هؤلاء والله، إن هم إلّا أكلة رأس، لو أذنت لأصحابي ما مكثوا ساعة حتى تقطف رءوسهم،

стр. 100

فقال صخر بن مالك المزني: إني لأرجو إن ذهب أولئك أن لا يوصل والله إليهم قبل أن ترى فينا ما تحب [١] . قال فمكث القوم ثلاثة أيام صافّا [٢] بعضهم لبعض في المسجد الحرام، والمعتمرون يمشون بينهم [٣] في الصلح، فلما كان اليوم الثالث قدم أبو المعتمر في مائة رجل، وهانئ بن قيس الهمدانيّ في مائة رجل، ونزل ظبيان [٤] بن عمارة الأبطح في مائتين ومعه المال [٥] ، ثم أقبلوا جميعا حتى دخلوا المسجد يكبّرون وينادون يا لثارات الحسين، يا لثارات الحسين. فلمّا رأى ذلك أصحاب ابن الزبير خافوهم، ورأى ابن الحنفية أنّه قد امتنع فقال لأصحابه: اخرجوا بنا إلى الشعب، فخرجوا، ولم يقدر ابن الزبير على حبسهم، فأقاموا [٤٧ أ] بالشعب [٦] . وبلغنا أنّ أبا عبد الله الجدلي لما نزل بذات عرق كتب إلى ابن الحنفية يعلمه قدومه، فبعث إليه ابن الحنفية: إنّي أكره أن تدخل الحرم بالسلاح، فإنّ رسول الله ﷺ قد نهى عنه، وأقبل أبو عبد الله في أصحابه معهم الخشب حتى دخلوا المسجد، وإنما سمّوا الخشبيّة لذلك، فأخرجوا محمدا وعبد الله بن العباس وأصحابه من حظيرة زمزم، وكانت بنو هاشم من أول النهار محصورين

стр. 101

وآخره، ما منهم رجل إلّا وقد أخذ بحقويه [١] رهط من قريش، متعوذون بهم. قال ابن الحنفية: ما أمركم به صاحبكم، فأخرج إليه كتابين: في أحدهما أن اضرب عنق عبد الله بن الزبير وعنق عبد الله بن صفوان وأبعث إليّ برأسيهما، فقال ابن الحنفية: فإن أنا لم أفعل ذلك ولم أدعكم فمه؟ قال أبو عبد الله: أمرنا إن لم تفعل ذلك أن [٢] نضع الكتاب تحت أرجلنا ونسمع لك ونطيع. قال: وحجّ الناس في تلك السنة وهي سنة ست وستين على ثلاثة منازل: محمد بن علي في أصحابه على حدة، وعبد الله بن الزبير في أصحابه على حدة، ونجدة بن عامر الحروري في أصحابه على حدة. فلما أفاض الناس من عرفات نزل محمد بن علي شعب عليّ بن أبي طالب، فأقام معه أبو عبد الله الجدلي في الشعب مع أصحابه [٤٧ ب] حتى قتل المختار، فلما بلغه قتله، سار حتى نزل أيلة، فبعث ابن الزبير في طلبه ابنا للمنذر بن الزبير. قال: ولما قدم محمد بن الحنفية أيلة بعث إليه عبد الملك بن مروان: إن أحببت أن تقدم علينا فتدخل في أمرنا فلك ما لنا وعليك ما علينا، وإن كرهت ذلك فسر حيث شئت وأحببت، فأقام بأيلة حتى قتل ابن الزبير، وانصرف إلى مكة فأقام بشعب علي [٣] . ثم إنّه خرج وعبد الله بن عبّاس وجماعة من أهل بيتهما إلى الطائف، فأقاموا بها، ومات عبد الله بن عباس، ورأوا ذلّا وصغارا، فمشى بعضهم إلى بعض فتذاكروا وصية ابن عبّاس إياهم فمشى بعضهم إلى علي بن الحسين بن علي فذكروا ذلك له وأرادوه على الخروج من المدينة، فقال علي: يا سبحان الله تأمرونني بالخروج من دار الهجرة إلى دار الأعراب، فأصير أعرابيا بعد الهجرة، وتأمرونني بفراق قبر رسول

стр. 102

الله ﷺ ومسجده أغدو وأروح إليه والصلاة فيه تعدل بألف صلاة، فانصرف القوم عنه وانطلق علي بن عبد الله بن عباس يرتاد ويطلب حتى أتى رستاقا بين الشام والمدينة فاشترى فيه قرية يقال لها الحميمة [١] فنزلها ونزلها ولده فكانوا بها، وقلّ قدومهم المدينة. أبو المنذر عن عوانة والشعبي أن ابن [٤٨ أ] عبّاس دخل المسجد وقد سار الحسين بن علي ﵇ إلى العراق فإذا هو بابن الزبير في جماعة من قريش قد استعلاهم بالكلام، فجاء ابن عباس حتى ضرب بيده على عضد ابن الزبير ثم قال: أصبحت والله كما قال الأول: يا لك من حمّرة بمعمر ... خلا لك الجوّ فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري [٢] خلت الحجاز من الحسين بن علي وأقبلت تهدر في جوانبها. فغضب ابن الزبير فقال: والله إنّك لترى أنّك أحق بهذا الشأن من غيرك. فقال ابن عباس: إنّما يرى من كان في حال شكّ، وأنا من ذلك على اليقين. فقال ابن الزبير: وبأي شيء استحقّ عندك أنّكم أحقّ بهذا الشأن منّي؟ فقال ابن عبّاس: لأنا أحقّ بحقّ من تدل [٣] بحقّه أنت. يا ابن الزبير! وبأي شيء استحقّ عندك أنّك أحقّ بها من سائر العرب إلّا بنا؟ فقال ابن الزبير:

стр. 103

استحقّ عندي أني أحقّ بها منكم لشرفي عليكم قديما وحديثا. قال ابن عبّاس: أفأنت أشرف أم من شرفت به؟ قال ابن الزبير: إنّ من شرفت به زادني شرفا إلى شرف قد كان لي قديما. قال ابن عبّاس: فالزيادة أشرف أم المزيد عليه؟ فأطرق طويلا ثم قال: بل الزيادة أشرف وأعرف من المزيد عليه. قال [٤٨ ب] ابن عباس: فالزيادة منّي أو منك؟ قال: بل منك ولم أبعد. قال: صدقت فأيّها كان أول؟ فتكلم ابن أخي [١] ابن الزبير وفيه بعض الزهو فقال: ابن عباس [٢] ! دعني من لسانك هذا الّذي تقلبه كيف شئت، والله لا تحبوننا يا بني هاشم. قال ابن عباس: صدقت يا بنيّ نحن أهل بيت نبيّ الله ﷺ لا نحب من أبغضه الله أبدا. فأخذ ابن الزبير نعله فعلا بها رأس ابن أخيه، وقال: ما أنت والكلام لا أمّ لك، تنازع ابن عباس! فقال: لن يستحقّ الضرب من صدق، وإنّما يستحقّه من مذق ومرق. قال ابن الزبير: يا ابن عبّاس! أما ينبغي لك أن تصفح عن كلمة إلّا أعددت لها جوابا. قال ابن عبّاس: إنّما الصفح عمّن أقرّ، فأمّا من هرّ فلا. قال ابن الزبير: فأين الفضل إذن؟ قال: عندنا أهل البيت، لا نصرفه عن أهله فنظلم، ولا نضعه في غير أهله فنندم. قال ابن الزبير: أولست من أهله؟ قال: بلى إن نبذت الحسد ولزمت الجدد [٣] . فانقضى حديثهم وقام القوم فافترقوا. أبو المنذر عن أبي مخنف والشرقي [٤] وعوانة وأبي [٥] مسكين قال: قال عبد

стр. 104

الله ابن الزبير وهو على المنبر بمكة يخطب الناس إذ أقبل ابن عباس، وقد كفّ بصره: إنّ هاهنا رجلا قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، يزعم أنّ المتعة حلال من الله ورسوله وهي الزنا المحض [١] ، [٤٩ أ] ويفتي الناس في القملة والنملة، وقد حمل [٢] بيت مال البصرة، وتركهم [٣] يرضخون النوى، وكيف نلومه [٤] على ذلك، وقد قاتل أمّ المؤمنين، وحواري رسول الله ﷺ ومن وقاه بيديه [٥] . فقال ابن عبّاس: لقائده [٦] سعيد ابن جبير، وهو مولى لبني أسد بن خزيمة، وقال بعضهم بل كان عكرمة: استقبل بي ابن الزبير، وارفع من صدري [٧] ، ثم حسر عن ذراعيه فقال: يا ابن الزبير، إنّا إذا ما فئة نلقاها ... نردّ أولاها على أخراها بالمشرفيات إذا [٨] نغشاها ... ضربا إذا نحن تقلدناها حتى تكون صرعا [٩] دعواها ... قد أنصف القارة من راماها يا ابن الزبير! أمّا العمى فإنّ الله تعالى يقول فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ ٢٢: ٤٦

стр. 105

وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ ٢٢: ٤٦ [١] ، وإنّما كان يوم زوّجت صفية بنت عبد المطلب من العوّام بن خويلد [٢] . وأما فتياي في القملة والنملة فإن فيهما حكمين لا تعلمهما [٣] أنت ولا أصحابك. وأمّا قولك في المتعة فقد أحلّها الله في كتابه إذ قال جلّ ثناؤه: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ به مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ٤: ٢٤ [٤] ، ولقد عمل بها على عهد رسول الله صلى الله [٤٩ ب] عليه وسلّم، وما حدث نبيّ بعد رسول الله ﷺ يحلّل ويحرّم، وإنّك لمن متعة، فإذا نزلت عن منبرك فسل أمّك أسماء ابنة أبي بكر ذات النطاقين عن بردي عوسجة وهل أنت من متعة أم غير ذلك [٥] . وأمّا حملي مال البصرة فإنّه مال كنّا جبيناه فأعطينا كلّ ذي حقّ حقّه، وبقيت بقية هي دون حقّنا في كتاب [٦] الله فأخذناها بحقّنا. وأما قتال عائشة [٧] فبنا سمّيت أمّ المؤمنين لا بك ولا بآبائك، فانطلق أبوك وخالك طلحة [٨] إلى حجاب مدّه الله عليها فهتكاه عنها وانجداها [٩] يقاتلان دونها وصانا حلائلهما [١٠] ، فو الله ما

стр. 106

أنصفا رسول الله ﷺ [١] إذ مدّا على بناتهما ونسائهما السجوف، وأبرزا زوج رسول الله ﷺ للحتوف ومقارعة السيوف [٢] . وأمّا قتالنا إيّاكم فإن زبيرا لقيناه بالبصرة فقاتل فقتل [٣] ، فإن كنّا لقيناكم زحفا كفّارا [٤] فقد كفرتم بفراركم من الزحف، وإن كنّا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم المؤمنين [٥] ، فلا أراني أجد لأبيك مخرجا [٦] ، وأيم الله لولا مكان خديجة فينا وصفيّة فيكم ما تركت فيكم مهموزا إلّا هشمته [٧] . فلمّا نزل ابن الزبير عن منبره أتى أمّه فسألها عن بردي عوسجة، وعمّا قاله ابن عباس فقالت: ألم أنهك عن ابن عباس وعن بني هاشم [٥٠ أ] وأنّهم كعم الجواب إذا بدهوا، قال: بلى، فعصيتك، قالت [٨] : يا بني احذر هذا الأعمى الّذي ما أطاقته الجن ولا الأنس، واعلم أنّ عنده فضائح قريش كلّها وقومك، وصدق والله إنّك لمن متعة. وفي ذلك يقول ابن خريم بن فاتك الأسدي: يا ابن الزبير لقد لاقيت بائقة ... من البوائق [٩] فالطف لطف محتال لقيته هاشميّا طاب مغرسه ... في منبتيه كريم العمّ والخال [١٠]

стр. 107

ما زال يقرع منك العظم مقتدرا ... على الجواب بصوت مسمع عال حتى رأيتك مثل الكلب [١] منجحرا ... خلف الغبيط [٢] وكنت البادئ العالي [٣] إنّ ابن عبّاس المحمول [٤] حكمته ... خير الأنام له حال من الحال عيّرته المتعة المتبوع سنتها ... وبالقتال وقد عيّرت بالمال لمّا رماك على رسل بأسهمه ... جرت [٥] عليك كسوف الحال والبال فاحتزّ مفصلك الأعلى بشفرته ... حزّا وحيّا بلا قيل ولا قال واعلم بأنك إن حاولت نقصته ... عادت عليك مخاز [٦] ذات أذيال ينبشن والدك الأعلى ووالده ... والهاشميون حيّ غير أنذال [٧] أبو المنذر: عن أبي مخنف والشرقي وعوانة: أنّ معاوية بينا هو جالس على سريره [٥٠ ب] وعنده الناس إذ استأذن عليه ابن عبّاس وابن الزبير، فدخلا وسلّما ثم جلسا على كرسيّين أحدهما تلقاء صاحبه. فأقبل معاوية على ابن الزبير فقال له: عليك بابن [٨] عبّاس تجده لك قرنا [٩] ودعني من منازعتك إياي فربّما آذيتني [١٠] . فقال ابن الزبير: أقول يا ابن عباس؟ فقال: قل ما بدا لك. قال: أيّهما أولى بالمرء: اللبّ أم الأدب؟ قال ابن عبّاس: اللبّ حباء من الربّ، والأدب تكلّف من القلب، فاللبيب من نظر في العواقب

стр. 108

وأحكمته التجارب، والأديب من قبل من المرء الأريب. قال: صدقت، فأيّهما أضرّ بالمرء: الحسد أم النكد؟ قال ابن عباس: الحسد داعية النكد ودليلك على ذلك أنّ إبليس حسد آدم فكان حسده نكدا على نفسه فصار لعينا بعد أن كان مكينا. قال: صدقت، فأيّهما أضرّ: الجهل أم قلة العقل؟ قال: لم ير جاهل [١] إلّا من قلّة العقل، وإنّما يدور الجهل على قلّة العقل. قال: فأيّهما أشين بذي الشرف: أجبنه أم بخلة؟ قال: البخل شقاء والجبن بلاء، فالشقاء أدوم ضرورة على البدن من البلاء، بخل غير البخيل، ولم تر بخيلا أنال جزيلا، ولم يبخل من أدّى حقّ الله في ماله. قال: فأيّهما أزين به: شجاعته في الحروب أم سخاؤه في الجدوب [٢] ؟ قال: السخاء إذا كان في حقّ الله أجمل والشجاعة في [٥١ أ] سبيل الله أفضل، ولم يسخ من وضع سخاءه في غير موضعه، ولم يشجع من قاتل في غير تقوى ربّه. قال: فأيّهما أشدّ على البدن: الغمّ أم الغضب؟ قال: مخرجهما واحد واللفظ مختلف، فمن نازع من يقوى عليه أظهره فكان غضبا، وإذا نازع من لا يقوى عليه كتمه فكان غمّا. قال: فأيّهما أقبح: الكذب أم النميمة؟ قال: الكذب ذلّ والنميمة لؤم [٣] ، فمن كذب فجر، ومن نمّ سحر. قال: فأيّهما أعظم: السرقة أم الخيانة؟ قال: السرقة محاربة والخيانة مواربة، فالسارق لئيم والخائن ذميم. قال: فأيّهما أشين: الإسراف أم الإقتار؟ قال: الإسراف من طينة السخاء غير أنه جاز الحقّ، وماذا بعد الحقّ إلا الضلال، والإقتار من طينة البخل، والبخل أقبحهما. قال: فأيّهما أفضل: الحلم أم العلم؟ قال: الحلم من الكرم وحسن الخلق، والعلم من الدين،

стр. 109

فمن حلم ظفر، ومن علم حذر، فالحذر منجح، والحلم مفلح. قال: صدقت في كلّ ما وصفت، وقد انقضت مسائلي. قال ابن عبّاس: فأسألك؟ قال: لا. قال: وأبيك ما أنصفتني. قال: إني أخاف أن يشمت بي أو بك معاوية. قال معاوية: لا وأبيك، ما بك الشماتة يا ابن الزبير، ولكن خشيت على نفسك إذ همز بك غلام أبطحيّ هاشميّ منافيّ لم تقعد به أعراقه ولم تشنه أخلاقه فهمزك همز القناة [٥١ ب] لثقافها حتى اعتدل صعرك، واستقام له ميلك. قال ابن الزبير: الحمد للَّه الّذي لم [١] يمتني حتى رأيتك تفخر عليّ بفخر غيرك، أمّا ابن عباس فجماله جمالي، وهو ابن خالي، وأيم الله لو كنت أنت المتكلّم لأفحمنّك ولألجمنّك لجاما تمج لشكيمه دما ثم تستمرّه علقما. فقال معاوية: قاتلك الله يا ابن الزبير! ما أجرأك علينا، وأجبنك عن غيرنا، وإنك لكما قيل [٢] : جهلا علينا وجبنا عن عدوّكم ... لبئست الخلّتان: الجهل والجبن قال ابن الزبير عند ذلك: إذا رأوا خلّة طاروا بها فرحا ... منّي وما علموا من صالح دفنوا [٣] قال ابن عبّاس: يا أمير المؤمنين إنّما كلمت ابن عمّي ولم أرد به بأسا، ولم يرد بي، فأعفنا أنت مما تقول فإنك لا تدري إلى ما نؤول. أبو المنذر عن أبي مسكين عن ابن إسحاق قال: لما أخرج [٤] ابن الزبير،

стр. 110

ابن الحنفية إلى الطائف وطرده إليها، قام ابن عباس خطيبا فقال: أمّا بعد فإن تعجّبي لا ينقضي من انتزائك [١] على بني عبد المطّلب تخرجهم من حرم الله وأمنه، وهم أولى به منك وأوفر منه نصيبا، وهم القوم الذين علوت بنسبهم ولولاهم لكنت كبعض من هو ملقى بالأبطح، أما والله يا ابن الزبير، إنّ عواقب الظلم لتردّ [٢] إلى فساد وندم. [٥٢ أ] فقال ابن الزبير: ما منك عجب [٣] يا ابن عباس ولكن منّي [٤] حيث أتركك تنطق عندي ملء فيك. فقال: والله ما نطقت عند وال قطّ من الولاة أخسّ عندي ولا أصغر حظّا منك، قد والله نطقت غلاما عند رسول الله ﷺ ، وعند أبي بكر وهو يتعجّب لتوفيق الله إياي، ثم نطقت رجلا عند عمر وعثمان وعليّ وهم يتعجّبون مني، وكلّ هؤلاء خير منك ومن أبيك وأبرّ وأزكى وأتقى وأنقى [٥] . فقال ابن الزبير: إنّك لهاهنا، أما والله إن كنت لي ولأهل بيتي مبغضا، لقد كتمت بغضك وبغض أهل بيتك مذ أربعون سنة. فقال ابن عباس: أما والله ليبلغنّ ذاك بك إلى الخروج من الإيمان، ولقد ضرّك والله بغضي وآثمك، وكانت عواقب الضرّ فيه لك وعليك، إذ دعاك ذلك إلى ترك الصلاة على النبي ﷺ في خطبتك [٦] ، زعمت كيلا
следующие страницы →