أنصفا رسول الله ﷺ [١] إذ مدّا على بناتهما ونسائهما السجوف، وأبرزا زوج رسول الله ﷺ للحتوف ومقارعة السيوف [٢] .
وأمّا قتالنا إيّاكم فإن زبيرا لقيناه بالبصرة فقاتل فقتل [٣] ، فإن كنّا لقيناكم زحفا كفّارا [٤] فقد كفرتم بفراركم من الزحف، وإن كنّا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم المؤمنين [٥] ، فلا أراني أجد لأبيك مخرجا [٦] ، وأيم الله لولا مكان خديجة فينا وصفيّة فيكم ما تركت فيكم مهموزا إلّا هشمته [٧] .
فلمّا نزل ابن الزبير عن منبره أتى أمّه فسألها عن بردي عوسجة، وعمّا قاله ابن عباس فقالت: ألم أنهك عن ابن عباس وعن بني هاشم [٥٠ أ] وأنّهم كعم الجواب إذا بدهوا، قال: بلى، فعصيتك، قالت [٨] : يا بني احذر هذا الأعمى الّذي ما أطاقته الجن ولا الأنس، واعلم أنّ عنده فضائح قريش كلّها وقومك، وصدق والله إنّك لمن متعة. وفي ذلك يقول ابن خريم بن فاتك الأسدي:
يا ابن الزبير لقد لاقيت بائقة ... من البوائق [٩] فالطف لطف محتال
لقيته هاشميّا طاب مغرسه ... في منبتيه كريم العمّ والخال [١٠]
стр. 107
ما زال يقرع منك العظم مقتدرا ... على الجواب بصوت مسمع عال
حتى رأيتك مثل الكلب [١] منجحرا ... خلف الغبيط [٢] وكنت البادئ العالي [٣]
إنّ ابن عبّاس المحمول [٤] حكمته ... خير الأنام له حال من الحال
عيّرته المتعة المتبوع سنتها ... وبالقتال وقد عيّرت بالمال
لمّا رماك على رسل بأسهمه ... جرت [٥] عليك كسوف الحال والبال
فاحتزّ مفصلك الأعلى بشفرته ... حزّا وحيّا بلا قيل ولا قال
واعلم بأنك إن حاولت نقصته ... عادت عليك مخاز [٦] ذات أذيال
ينبشن والدك الأعلى ووالده ... والهاشميون حيّ غير أنذال [٧]
أبو المنذر: عن أبي مخنف والشرقي وعوانة: أنّ معاوية بينا هو جالس على سريره [٥٠ ب] وعنده الناس إذ استأذن عليه ابن عبّاس وابن الزبير، فدخلا وسلّما ثم جلسا على كرسيّين أحدهما تلقاء صاحبه. فأقبل معاوية على ابن الزبير فقال له: عليك بابن [٨] عبّاس تجده لك قرنا [٩] ودعني من منازعتك إياي فربّما آذيتني [١٠] . فقال ابن الزبير: أقول يا ابن عباس؟ فقال: قل ما بدا لك. قال: أيّهما أولى بالمرء: اللبّ أم الأدب؟ قال ابن عبّاس: اللبّ حباء من الربّ، والأدب تكلّف من القلب، فاللبيب من نظر في العواقب
стр. 108
وأحكمته التجارب، والأديب من قبل من المرء الأريب. قال: صدقت، فأيّهما أضرّ بالمرء: الحسد أم النكد؟ قال ابن عباس: الحسد داعية النكد ودليلك على ذلك أنّ إبليس حسد آدم فكان حسده نكدا على نفسه فصار لعينا بعد أن كان مكينا. قال: صدقت، فأيّهما أضرّ: الجهل أم قلة العقل؟ قال: لم ير جاهل [١] إلّا من قلّة العقل، وإنّما يدور الجهل على قلّة العقل. قال: فأيّهما أشين بذي الشرف: أجبنه أم بخلة؟ قال: البخل شقاء والجبن بلاء، فالشقاء أدوم ضرورة على البدن من البلاء، بخل غير البخيل، ولم تر بخيلا أنال جزيلا، ولم يبخل من أدّى حقّ الله في ماله.
قال: فأيّهما أزين به: شجاعته في الحروب أم سخاؤه في الجدوب [٢] ؟ قال:
السخاء إذا كان في حقّ الله أجمل والشجاعة في [٥١ أ] سبيل الله أفضل، ولم يسخ من وضع سخاءه في غير موضعه، ولم يشجع من قاتل في غير تقوى ربّه. قال: فأيّهما أشدّ على البدن: الغمّ أم الغضب؟ قال: مخرجهما واحد واللفظ مختلف، فمن نازع من يقوى عليه أظهره فكان غضبا، وإذا نازع من لا يقوى عليه كتمه فكان غمّا. قال: فأيّهما أقبح: الكذب أم النميمة؟
قال: الكذب ذلّ والنميمة لؤم [٣] ، فمن كذب فجر، ومن نمّ سحر. قال:
فأيّهما أعظم: السرقة أم الخيانة؟ قال: السرقة محاربة والخيانة مواربة، فالسارق لئيم والخائن ذميم. قال: فأيّهما أشين: الإسراف أم الإقتار؟
قال: الإسراف من طينة السخاء غير أنه جاز الحقّ، وماذا بعد الحقّ إلا الضلال، والإقتار من طينة البخل، والبخل أقبحهما. قال: فأيّهما أفضل:
الحلم أم العلم؟ قال: الحلم من الكرم وحسن الخلق، والعلم من الدين،
стр. 109
فمن حلم ظفر، ومن علم حذر، فالحذر منجح، والحلم مفلح. قال:
صدقت في كلّ ما وصفت، وقد انقضت مسائلي. قال ابن عبّاس: فأسألك؟
قال: لا. قال: وأبيك ما أنصفتني. قال: إني أخاف أن يشمت بي أو بك معاوية. قال معاوية: لا وأبيك، ما بك الشماتة يا ابن الزبير، ولكن خشيت على نفسك إذ همز بك غلام أبطحيّ هاشميّ منافيّ لم تقعد به أعراقه ولم تشنه أخلاقه فهمزك همز القناة [٥١ ب] لثقافها حتى اعتدل صعرك، واستقام له ميلك. قال ابن الزبير: الحمد للَّه الّذي لم [١] يمتني حتى رأيتك تفخر عليّ بفخر غيرك، أمّا ابن عباس فجماله جمالي، وهو ابن خالي، وأيم الله لو كنت أنت المتكلّم لأفحمنّك ولألجمنّك لجاما تمج لشكيمه دما ثم تستمرّه علقما. فقال معاوية: قاتلك الله يا ابن الزبير! ما أجرأك علينا، وأجبنك عن غيرنا، وإنك لكما قيل [٢] :
جهلا علينا وجبنا عن عدوّكم ... لبئست الخلّتان: الجهل والجبن
قال ابن الزبير عند ذلك:
إذا رأوا خلّة طاروا بها فرحا ... منّي وما علموا من صالح دفنوا [٣]
قال ابن عبّاس: يا أمير المؤمنين إنّما كلمت ابن عمّي ولم أرد به بأسا، ولم يرد بي، فأعفنا أنت مما تقول فإنك لا تدري إلى ما نؤول.
أبو المنذر عن أبي مسكين عن ابن إسحاق قال: لما أخرج [٤] ابن الزبير،
стр. 110
ابن الحنفية إلى الطائف وطرده إليها، قام ابن عباس خطيبا فقال: أمّا بعد فإن تعجّبي لا ينقضي من انتزائك [١] على بني عبد المطّلب تخرجهم من حرم الله وأمنه، وهم أولى به منك وأوفر منه نصيبا، وهم القوم الذين علوت بنسبهم ولولاهم لكنت كبعض من هو ملقى بالأبطح، أما والله يا ابن الزبير، إنّ عواقب الظلم لتردّ [٢] إلى فساد وندم. [٥٢ أ] فقال ابن الزبير:
ما منك عجب [٣] يا ابن عباس ولكن منّي [٤] حيث أتركك تنطق عندي ملء فيك.
فقال: والله ما نطقت عند وال قطّ من الولاة أخسّ عندي ولا أصغر حظّا منك، قد والله نطقت غلاما عند رسول الله ﷺ ، وعند أبي بكر وهو يتعجّب لتوفيق الله إياي، ثم نطقت رجلا عند عمر وعثمان وعليّ وهم يتعجّبون مني، وكلّ هؤلاء خير منك ومن أبيك وأبرّ وأزكى وأتقى وأنقى [٥] . فقال ابن الزبير: إنّك لهاهنا، أما والله إن كنت لي ولأهل بيتي مبغضا، لقد كتمت بغضك وبغض أهل بيتك مذ أربعون سنة.
فقال ابن عباس: أما والله ليبلغنّ ذاك بك إلى الخروج من الإيمان، ولقد ضرّك والله بغضي وآثمك، وكانت عواقب الضرّ فيه لك وعليك، إذ دعاك ذلك إلى ترك الصلاة على النبي ﷺ في خطبتك [٦] ، زعمت كيلا
стр. 111
تطاولك [١] أعناق أهل بيتي، وتعاتب على ذلك فتقول: إنّ له أهل سوء.
فقال ابن الزبير: اخرج عنّي فلا أراك تمرّ بي، فقال: أنا والله فيك أزهد من أن تراني أقربك.
ولد عبد الله بن العباس
عليّ بن عبد الله، كنيته أبو محمد، ولد ليلة قتل عليّ بن أبي طالب في شهر رمضان [٥٢ ب] سنة أربعين فسمّي باسمه [٢] ، وكان أصغر ولد عبد الله سنّا، وكان أجمل قرشي وأوسمه وأمرأه، وكان يقال له السجّاد.
وسنفرد أخباره بعد انقضاء أخبار عبد الله بن عباس إن شاء الله.
والعباس بن عبد الله كان أكبر ولده وبه كان يكنى، وكان يقال له الأعنق، وكان من أجمل ولده، وقد روى عنه ولا عقب له. ومحمد والفضل وعبد الرحمن ولبابة وأمهم زرعة بنت مشرح بن معديكرب بن وليعة بن شرحبيل بن معاوية بن حجر القرد [٣] بن الحارث الولادة بن عمرو بن ثور ابن مرتّع، واسمه عمرو بن ثور وهو كندة [٤] . ومشرح بن معديكرب أحد
стр. 112
الملوك الأربعة وهم أربعة: مخوس وجمد ومشرح وأبضعة [١] ، ويقال سمّي الحارث بن عمرو الولادة لكثرة ولده. وللملوك الأربعة يقول صاحب [٢] عكاظ:
أنشد باللَّه ملوكا أربعة ... من مشرح وجمد وأبضعه
وأسماء بنت عبد الله وأمّها أمّ ولد. وكانت لبابة بنت عبد الله عند علي ابن عبد الله بن جعفر، فولدت له محمدا وإسحاق وإبراهيم ويعقوب وإسماعيل وزينب بني علي، ثم خلف عليها إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله، فولدت له أمّ يعقوب، ثم فارقها فتزوّجها محمد [٣] بن عبيد الله بن العباس. وكانت أسماء بنت عبد الله عند [٥٣ أ] عبد الله بن عبيد الله بن العباس فولدت له حسنا وحسينا [٤] .
стр. 113
ومن أخبار عبد الله بن العباس المنثورة
قال: ذكر عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه عند عبد الله بن العبّاس فقال: عقم النساء أن يأتين [١] مثله، باللَّه ما رأيت رئيسا مجرّبا قط يوزن موزنه [٢] . لقد رأيته بصفّين وهو على فرس له كأنّ عينيه سراجا سليط [٣] ، عليه عمامة بيضاء مصقولة، وهو يقف على شرذمة شرذمة، يحمشهم ويحضّهم، قال: فوقف عليّ وهو [٤] في كثف [٥] من المسلمين فقال:
معاشر [٦] المسلمين! استشعروا الخشية، وتجلببوا السكينة، واخفضوا الأصوات، وأقلقوا [٧] السيوف في الأغماد قبل السلّة [٨] ، والحظوا الخزر، واطعنوا الشزر، ونافحوا بالظبا، وصلوا السيوف بالخطا، والنبل بالقنا [٩] ، واطووا عن الحياة كشحا [١٠] ، وامشوا إلى الموت مشية [١١] سجحا، وإياكم والفرار فإنّه عار في الأعقاب ونار يوم الحساب، واعلموا أنكم بعين الله
стр. 114
مع ابن عمّ رسول الله، وعليكم بهذا السواد الأعظم والرواق المطنّب فاضربوا ثبجه فإن الشيطان في كسره [١] نافج [٢] خصييه [٣] مفترش [ذراعيه] [٤] قد قدّم للوثبة يدا وأخر للنكوص رجلا، فصمدا صمدا حتى يتجلّى [٥] لكم الحقّ وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم.
[٥٣ ب] مصعب بن عبد الله قال: قال العبّاس لعبد الله: إنّي أرى هذا الرجل- يعني عمر- قد أدناك وأكرمك فاحفظ عنّي ثلاثا: لا يجربنّ عليك كذبا، ولا تفشينّ له سرّا، ولا تغتابنّ عنده أحدا.
محمد بن سلام عن محمد بن القاسم الهاشميّ قال: قال العبّاس لابنه عبد الله: يا بنيّ أنت أعلم منّي وأنا أفقه منك، إنّ هذا الرجل يدنيك- يعني عمر بن الخطاب- فاحفظ عنّي ثلاثا: لا تفشينّ له سرّا، ولا تغتابنّ عنده أحدا، ولا يطّلعنّ منك على كذبة [٦] .
محمد بن سلام قال: سعى ساع إلى ابن عباس برجل فقال: إن شئت نظرنا فيما قلت، فإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن كنت صادقا مقتناك، وإن أحببت أقلناك، قال: هذه.
أحمد بن محمد بن حرب قال: قال عبد الله بن عبّاس لرجل من جلسائه: دع ما لا يعنيك فإنّه فضل، ولا تكلّم بما يعنيك في غير موضعه،
стр. 115
فربّ متكلّم بما يعنيه في غير موضعه قد عنت، ولا تمار سفيها ولا حليما فإنّ الحليم يغلبك، وإنّ السفيه يؤذيك [١] ، واذكر أخاك بما تحبّ أن يذكرك به، ودعه ممّا تحبّ أن يدعك منه [٢] ، واعمل عمل من يرى أنّه مجزيّ بالإحسان مأخوذ بالإجرام.
سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عبّاس يقول:
كنت [٥٤ أ] أنا وأمّي من المستضعفين، كانت أمّي من النساء وكنت أنا من الصبيان.
يحيى بن محمد عن إسحاق بن محمد المسيّبي [٣] عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن الأعرج عن عبد الرحمن بن حسان عن أبيه حسّان بن ثابت قال: بدت لنا معشر الأنصار إلى الوالي حاجة، وكان الّذي طلبنا أمرا صعبا، فمشينا إليه برجال من قريش وغيرهم فكلّموه وذكروا له وصية رسول الله ﷺ بنا فذكر صعوبة الأمر، فعاوده القوم وخرجوا وألحّ عليه ابن عباس فو الله ما وجد بدّا من قضاء حاجتنا. فخرجنا حتى دخلنا المسجد فإذا القوم فيه أندية، فقال حسّان: فصحت وأنا أسمعهم: إنّه والله أولاكم بها، إنها والله صبابة النبوّة، ووراثة أحمد ﷺ ، وتهذيب أعراقه، وانتزاع شبه طبائعه، فقال القوم: أجمل يا حسّان، فقال ابن عباس: صدقوا أجمل، فأنشأ حسّان يمدح ابن عباس:
إذا ما ابن عبّاس بدا لك وجهه ... رأيت له في كلّ مجمعة فضلا
إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا يرى بينها فصلا
стр. 116
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي رأيه في القول جدا ولا هزلا
سموت إلى العليا بغير مشقّة ... فنلت ذراها لا جبانا ولا وغلا
[٥٤ ب] فقال الوالي: والله ما أراد بالجبان والوغل غيري، والله بيني وبينه.
وقال عبد الله بن عبّاس: لا يزهدنّك [١] في المعروف كفر من كفره فإنّه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه.
وقال ابن عبّاس: ألعب ابنك سبعا، واستكفه سبعا، وأصحبه نفسك سبعا، يتبيّن لك أثقة هو في المحيا والممات أم لا.
أبو عبد الله محمد بن يحيى الأزدي قال: حدّثنا الحسين بن محمد المروزي قال: حدّثنا سليمان بن عمر عن رشدين بن كريب عن ابن عبّاس قال:
ثلاثة لا أكافئهم: رجل ضاق بي مجلس فأوسع لي، ورجل ظمآن فسقاني، ورجل اغبرّت قدماه في الاختلاف إليّ، ورابع لا أقدر على مكافأته فإنّه رجل حزبه [٢] أمر فبات ساهرا فلما أصبح لم يجد لحاجته غيري [٣] .
وقال ابن عباس: إنّي لأستحي من الرجل يطأ بساطي ثلاث مرات لا يرى عليه أثر من أثري.
أحمد بن عبد الرحمن بن الفضل قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن أعين الحدّاني قال: حدّثني محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مروان قال: قال عامر ابن مسعود: كنّا جلوسا في مجلس عند الكعبة إذ مرّ بنا بريد ينعى معاوية
стр. 117
[فقلت لأصحابي: قوموا إلى ابن عباس، وهو يومئذ بمكة وقد كفّ بصره، فنكون أوّل من يخبره هذا الخبر فنسمع ما يقول. فقمنا واستأذنا عليه، ودخلنا وإذا بين يديه خوان ولمّا يوضع الخبز، فسلّمنا وقلنا: هل أتاك الخبر يا أبا العبّاس؟ قال: وما هو؟ قلنا: بريد نعى معاوية] [١] ، قال [٢] :
ارفع خوانك يا غلام، ثم ظلّ واجما، مطأطئ الرأس لا يتكلم طويلا، ثم [٥٥ أ] رفع رأسه فقال:
جبل تزعزع ثم مال بركنه ... في البحر لارتقت عليه الأبحر
اللَّهمّ فإنك أوسع لمعاوية، أما والله ما كان مثل من كان قبله، وما بعده مثله، وإنّ ابنه هذا لمن صالحي أهل بيته لقومه، ما نحن وبنو عمّنا إلّا كعضوي [٣] لقمان، قتل صاحبنا غيرهم فأغرينا بهم وقتل صاحبهم غيرنا فأغروا بنا. أما والله ما أغراهم بنا إلّا أنّهم لم يجدوا مثلنا، وقد قال الأول: ألطمك أنّي لا أجد مثلك، فاتّقوا الله يا معشر فتيان قريش، ولا تقولوا: جدّ بني أمية، ذهب لعمر الله جدّهم، وبقيت بقية هي أطول مما مضى، الزموا منازلكم، وأدّوا بيعتكم، قرّب خوانك يا غلام.
فإنّا لنتغدّى [٤] إذ جاء رسول أمير مكّة فقال: إنّ الأمير يدعوك إلى البيعة، فقال: ما تصنعون برجل قد ذهب منه ما تخافون؟ قل له: افرغ ممّا عندك، فإذا سهل المشي إليك أتيتك فصنعت ما تريد. فلما خرج الرسول قلنا:
يا أبا العبّاس! أتبايع يزيد وهو يشرب الخمر؟ قال: أين ما قلت لكم
стр. 118
آنفا؟ أنكم تستمعون [١] ولا تعون، كم من شارب الخمر [٢] وشرّ منه لم يشربها، ستبايعونه على ما أراد حتى يصلب مصلوب قريش. فرجع الرسول فقال [٣] :
لا بدّ من أن تأتيه، فقال: يا نوار [٥٥ ب] هاتي ثيابي إلّا بدّ، وما تصنعون برجل قد ذهب منه ما تخافون؟ امتنعوا مما قد أظلكم، صبّحكم أو مسّاكم يذلّكم. ثمّ قام وقمنا معه حتى أتى الأمير فبايعه وبايعنا [٤] .
قال: قدم ركب من بني عبد الله بن بلال بن عامر البصرة، فبلغ ذلك عبد الله بن العبّاس وهو يومئذ عامل عليّ بن أبي طالب على البصرة، فأرسل إليهم فأتوه فقال: ما منعكم من النزول على ابن أختكم- وكانوا أخواله-؟
فقالوا: نزلنا في بني هلال، وكرهنا جماعة الناس وغمّ الأزقّة، وأحببنا، فسحة هذا الظهر نسرح فيه. قال: إذن لا تبعدوا من أن يأتيكم القرى، فكانت الجفان تغدو عليهم وتروح بألوان الطعام، فقال ابن المنتخب الهلالي:
إنّ ابن عبّاس وجود يمينه ... كفى كلّ معتلّ قرانا وباخل
وأرحلنا عنه ولم ينأ خيره ... ولا غاله عن برّنا أمّ غائل
تروح وتغدو كلّ يوم جفانه ... بكلّ سديف الّتي للجوع قاتل
الحسن بن علي العنزي قال: حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس الشاميّ قال:
حدّثنا أبو عمر العمري حفص بن عمر- مولى لبني عامر من قريش بصري- قال: حدثني هشيم قال: حدثني خالد بن معدان عن زيد [٥] بن علي بن الحسين
стр. 119
ابن [٥٦ أ] علي قال: قال طلحة بن عبيد الله: يا ابن عباس هل لك في المناحبة على أن تعدل [١] عنّا النبيّ ﷺ . فتحاكما إلى كعب الأحبار فقال كعب: أنتم معشر قريش أعرف بأنسابكم، إلّا أنّا نجد في الكتب أنّ الله ﵎ لم يبعث نبيا قطّ إلّا من خير من هو منه، فقضى لابن عبّاس على طلحة. قال أبو عمرو فقلت لهشيم: ما المناحبة؟ قال:
المفاخرة.
قال: لمّا عمي عبد الله بن عباس عزّاه الناس عن عينيه فقال: لو هنئت بثواب الله عليهما لكفّ وجدي عليهما ولقام الصبر لي مقام العزاء للذي أرجو من ثواب من أخذهما. وقال: لما فرغ عليّ رحمة الله عليه ورضوانه من قتال أهل البصرة بعث [٢] ابن عباس إلى عائشة ﵂ وهي في ذكر شيء خلف الستر [٣] فأتاها ابن عباس فاستأذن في الدخول فلم تأذن له، فدخل من غير إذن فلم تطرح له شيئا يقعد عليه، فأخذ وسادة فجلس عليها.
فقالت: أخطأت السنّة يا ابن عبّاس، دخلت علينا من غير إذن وجلست على مقرمتنا [٤] من غير أمرنا. فقال: ما أنت والسنّة نحن علّمناك وأباك السنّة، ونحن أولى بها منك، والله ما هو بيتك، وإنّما بيتك الّذي خلّفك فيه رسول الله ﷺ فخرجت منه ظالمة لنفسك فأوردت من بنيك ممن أطاعك [٥٦ ب] موارد الهلكة، ولو كنت في بيتك الّذي خلّفك فيه رسول الله ﷺ لم ندخله إلّا بإذنك، إنّ أمير المؤمنين
стр. 120
يأمرك بتعجيل الرحلة إلى المدينة وقلّة العرجة. قالت: أردت عمر بن الخطاب؟ قال: عليّ والله أمير المؤمنين وإن تربّدت [١] فيه وجوه، وأرغمت فيه أنوف [٢] ، والله إن كان إباؤك لعظيم الشؤم، ظاهر النكد، وما كان مقدار طاعتك إلّا مقدار حلب شاة، حتى صرت تأمرين فلا تطاعين، وتدعين فلا تجابين، وما مثلك إلّا كما قال أخو بني أسد:
ما زال يهدي [٣] والهواجر بيننا ... شتم الصديق وكثرة الألقاب
حتى تركت كأنّ صوتك فيهم ... في كلّ ناحية طنين ذباب [٤]
فانتحبت حتى سمع حنينها [٥] من وراء الستر، ثم قالت [٥] : والله ما في الأرض بلدة أبغض إليّ من بلدة أنتم بها معاشر بني هاشم. فقال: والله ما ذاك يدنا عندك وعند أبيك، لقد جعلنا أباك صدّيقا وهو ابن أبي قحافة، وجعلناك للمؤمنين أمّا وأنت ابنة أمّ رومان. قالت: أتمنّون عليّ برسول الله ﷺ ؟ قال: إي والله أمنّ [٦] عليك بما لو كان فيك قلامة منه مننت به على الخلق، وإنّما نحن دمه ولحمه وأنت حشيّة من تسع حشايا
стр. 121
خلّفهنّ [٥٧ أ] رسول الله ﷺ ، والله ما أنت بأطولهنّ طولا ولا أنضرهنّ عودا. فانصرف ابن عبّاس وأخبر عليا بالذي جرى فقال: أنا كنت سديد الرأي حيث أرسلتك إليها.
العبّاس بن محمد بن حاتم الدوري يقول: أفادني أبو بكر الأعين هذا الحديث، حدّثنا هشام بن زيد العسكري في قطعية الربيع، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مالك بن معول عن وائل بن داود عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: دخلت أنا وأبي علي النبيّ ﷺ فلما خرجنا من عنده قلت لأبي: أما رأيت أنت الرجل الّذي كان مع النبيّ ﷺ ؟
ما رأيت رجلا أحسن وجها منه، فقال لي: هو كان أحسن وجها أو النبيّ ﷺ ؟ قلت: هو. قال: فارجع بنا إليه، فرجعنا فدخلنا عليه، فقال أبي: يا رسول الله! أين الرجل الّذي كان معك؟ زعم عبد الله أنه كان أحسن وجها منك. قال: يا عبد الله! ورأيته؟ قلت: نعم.
قال [١] : أما إنّ ذلك جبريل، إنّه لمّا أقبلتما قال لي: يا محمد! من هذا الغلام؟ قلت: هذا ابن عمّي، هذا عبد الله بن عبّاس، قال: أما إنّه لمخيل للخير، قلت: يا روح الله! ادع له، قال: اللَّهمّ اجعل منه كثيرا طيبا [٢] . قال: كان عبد الله بن عبّاس إذا أقبل قلت من أجمل الناس، وإذا
стр. 122
تكلم قلت من أفصح الناس، وإذا أفتى قلت من أعلم الناس [١] . وقال ابن [٥٧ ب] عبّاس: لجليسي عليّ ثلاث: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأوسع له إذا جلس، وأصغي إليه إذا حدّث [٢] .
أبو المنذر عن أبيه عن سعيد [٣] بن جبير قال: قلت لابن عبّاس: إنّ الناس قد أكثروا عليك في المتعة، وعاتبك بنو أميّة وآل الزبير حتى قالت الشعراء. قال: وما قالت؟ قلت: قالت:-
أقول للشيخ لمّا طال مجلسه ... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
اقصد لها رخصة الأطراف ناعمة ... تكون مثواك حتى يصدر الناس [٤]
فشقّ ذلك عليه وأمر مناديه أن ينادي: ألا إنّ المتعة حرام كلحم الميتة ولحم الخنزير، ولا تحل إلّا لمضطرّ.
أبو المنذر عن أبي مسكين قال: قال ابن عبّاس: إني لأماشي عمر في سكّة من سكك المدينة فقال لي: يا ابن عبّاس! ما أظنّ صاحبك إلّا مظلوما.
فقلت في نفسي: والله لا يسبقني بها، فقلت له: فاردد [٥] ظلامته، فانتزع يده من يدي، ومضى وهو يهمهم ساعة، ثمّ وقف فلحقته فقال: يا ابن
стр. 123
عباس! ما أظنّهم منعهم من صاحبك إلّا أنهم استصغروه. فقلت في نفسي: هذه شرّ من الأخرى، فقلت: والله ما استصغره الله ورسوله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر.
وقال عمر لعبد الله بن عبّاس: أتدري ما منع الناس من ابن عمّك أن [٥٨ أ] يولّوه هذا الأمر؟ قال: ما أدري، قال عمر: لحداثة سنّه.
قال: فقد كان يوم بدر أحدثهم سنّا، يقدّمونه في المؤازرة ويؤخرونه في الإمامة.
حدّثنا أبو عمر، وأحمد بن عبد الله يرفعه، قال: مرّ عمر بعلي ﵇ وهو يحدّث الناس عن رسول الله ﷺ فقال: إلى أين يا أمير المؤمنين؟ فقال: أريد الحديقة- يعني بستانا له-. فقال: أأونسك بابن عبّاس؟ فقال عمر: إذن أوحشك منه. فقال عليّ ﵇:
إني أوثرك به على نفسي، قم يا ابن عبّاس فحدّثه. فقام إليه وسايره، فقال عمر: ما أكمل صاحبكم هذا لولا، فقال عبد الله لولا ماذا؟ فقال عمر: لولا حداثة سنّه وكلفه بأهل بيته وبغض قريش له. فقال عبد الله بن عبّاس: أتأذن لي في الجواب؟ فقال عمر: هات. فقال: أمّا حداثة سنّه فما استحدث من جعله الله لنبيه أخا وللمسلمين وليّا، وأمّا كلفه بأهل بيته فما ولي فآثر أهل بيته على رضاء الله، وأمّا بغض قريش له فعلى من تنقم؟ أعلى الله حين بعث فيهم نبيّا، أم على نبيّه حين أدّى فيهم الرسالة، أم على عليّ حين قاتلهم في سبيل الله؟ فقال عمر: يا ابن عبّاس! أنت تغرف من بحر وتنحت من صخر [١] .
стр. 124
وصية عبد الله بن عباس عند موته [٥٨ ب] رحمة الله عليه ورضوانه
قال عمارة بن حمزة: لمّا حضرت عبد الله بن عباس الوفاة أوصى عليّا ابنه فقال: يا بنيّ! إن أفضل ما أوصيك به تقوى الله الّذي هو دعامة الأمر وبه يقوم الدين والدنيا، ومن بعد ذلك فاعلم يا بنيّ أنّ الناس قد أصبحوا إلّا قليلا في عمى من أمرهم يضرب بعضهم بعضا على دنيا فانية قد نعاها الله إليهم، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول لجدّك: هذا الأمر كائن في ولدك عند زواله [١] عن بني أمية، فمن ولي منهم أمر الأمّة فليتّق الله، وليعمل بالحق، وليقتد برسول الله ﷺ فإنّ أحقّ الناس باتباع أثره أمسّهم به رحما، وليست الحجاز لكم بدار بعدي فإذا أنت واريتني فالمم شعث أهلك والحق بالشام فإنّ لبني أمية أكلا لا بدّ أن يستوفوه، وهم وإن كانوا على ضلالتهم وعتوّهم أرأف بك وبأهلك من آل الزبير للرحم التي بينك وبينهم، وتوقّ حركات [٢] بني عمّك من بني عليّ بن أبي طالب وأوص بذلك ولدك فإنّ لهم حركات [٢] يقتل الشاخص فيها.
وهلك عبد الله بن عبّاس ﵄ وصلى عليه محمد بن الحنفية فلما دفن قال: مات [٥٩ أ] ربّانيّ هذه الأمة [٣] .
стр. 125
محمد بن يوسف بن يعقوب الهاشمي قال: حدّثني عبد الله بن عبد الرحمن ابن عيسى قال: حدثني سليمان بن عيسى بن موسى عن عيسى بن موسى بن محمد بن علي عن أبي عبد الله محمد بن علي قال: لمّا حضرت عبد الله بن العبّاس الوفاة قال له أبو محمد عليّ بن عبد الله: بأيّ الرجلين تأمرني أن ألحق؟ - يعني عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير-. قال: يا بنيّ الحق بابن عمّك عبد الملك فإنّه أقرب وأخلق للإمارة [١] ، ودع ابن الزبير فإيّاك وإيّاه، فإنّي رأيته لا يعرف صديقه من عدوّه، ومن يكن كذلك لم يتمّ أمره ولم يصف له، إنّ عبد الملك مشى القدميّة [٢] وإن ابن الزبير مشى القهقرى، وتمثل:
بنونا: بنو أبنائنا، وبناتنا: ... بنوهنّ أبناء الرجال الأباعد
وقال:
يا بنيّ إذا أتيت الشام فخيّرك عبد الملك المنازل، فانزل الجبال بالشراة، فإن الملك إذا تحوّل عن بني أميّة تحوّل إلى رجل من أهل الشراة من أكبر أهل بيت في الناس، من أكثر حيّ في الناس- يعني أكثر في الشرف- وأنتم أولئك. فلما توفّي عبد الله افترق عليّ والعبّاس ابنا عبد الله فلحق العبّاس بمصعب بن الزبير، وانتهى عليّ في عبد الملك إلى قول أبيه [٥٩ ب] ، فلما قدم عليه خيّره المنازل، فاختار الشراة، وأكرمه، وعرف له حقّه، وسأله عن أخيه العبّاس فقال: أتى العباس [العراق] [٣] لحاجة له، فقال: لا بل اختار مصعبا، أما إني إن ظفرت به عرفت حقّه
стр. 126
ووصلت قرابته ولم اعتد عليه بذلك. وسأل مصعب العباس عن عليّ فقال: أتى الشام لحاجة، فقال: بل اختار عبد الملك أما إني إن ظفرت به عرفت حقّه ووصلت قرابته ولم أنسها له [١] .
موت عبد الله بن عباس ﵀
حدّث محمد بن الضحاك عن داود بن عطا مولى المزنيّين عن موسى ابن عقبة عن مجاهد أن عبد الله بن العبّاس مات بالطائف فصلّى عليه ابن الحنفية فأقبل طائر أبيض فدخل في أكفانه، فما خرج منها حتى دفن معه [٢] ، فلما سوّي عليه التراب قال محمد بن الحنفية: مات والله اليوم حبر هذه الأمّة.
سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: لمّا مات عبد الله بن العباس قال محمد بن علي: مات ربّانيّ هذه الأمة.
أبو المنذر عن أبيه عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه قال: حدّثني عبد الله بن عبّاس ﵄: أنّ النبيّ ﷺ أخبره أنّه إذا قبض سقى الله [٦٠ أ] قبره سحابة بيضاء قدر القبر، فتصبّ ماءها حتى ترويه ثلاثا ثم تقشّع. فلما دفن سمعوا صوتا:
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ٨٩: ٢٧- ٢٨ الآية [٣] ،
стр. 127
وأتى طائر أبيض فدخل قبره، وأصابه ذلك المطر كما جاء عنه ﷺ .
سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: توفّي عبد الله بن عباس بالطائف سنة ثمان وستين [١] وهو ابن إحدى وسبعين سنة، وكان يصفّر لحيته.
وحدّث علي بن المغيرة عن هشام بن محمد بن السائب قال: صلى محمد ابن علي على عبد الله بن عباس وكبّر عليه أربعا وضرب على قبره فسطاطا.
стр. 128
أخبار علي بن عبد الله بن العباس [١]
ولد علي بن عبد الله ليلة قتل عليّ بن أبي طالب في شهر رمضان سنة أربعين فسمّي باسمه، وكان أصغر ولد عبد الله سنّا، وكان أجمل قرشيّ وأوسمه، وكان يكنى أبا محمد، ويقال له: السجّاد. ويقال: سمّي باسم علي بن أبي طالب وكني بكنيته، أبا [٢] الحسن، فقال له عبد الملك بن مروان: لا والله ما أحتمل لك الاسم والكنية جميعا فغيّر أحدهما، فغيّر كنيته فصيرها أبا محمد، وكان أصغر ولد أبيه سنّا وكان جميلا وسيما.
وروي [٣] عن علي بن أبي طالب ﵁ أنّه افتقد عبد الله بن عباس في وقت صلاة الظهر فقال لأصحابه: ما بال [٦٠ ب] أبي العباس لم يحضر؟
فقالوا: ولد له مولود. فلما صلى قال: امضوا بنا إليه، فأتاه فهنّأه فقال:
شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، ما سمّيته؟ فقال: أو يجوز أن أسمّيه حتى تسمّيه؟ فأخرج إليه فأخذه فحنّكه ودعا له ثم ردّه إليه وقال:
خذ إليك أبا الأملاك، قد سمّيته عليّا، وكنّيته أبا الحسن. فلما قام [٤]
стр. 129
معاوية قال لابن عباس: ليس لكم اسمه وكنيته، قد كنّيته أبا محمد، فجرت عليه.
صفة علي بن عبد الله
معن بن عيسى قال: حدّثني عطّاف بن خالد الوابضيّ قال: رأيت عليّ بن عبد الله يصبغ بالسواد. الفضل بن دكين قال: حدثنا هشيم [١] بن هشام عن [٢] أبي ساسان [٣] عن أبي المغيرة قال: إن كنّا لنطلب لعلي ابن عبد الله الخفّ فما نجده حتى نصنعه له صنعة، والنعل فما نجدها حتى نصنعها له صنعة، وإن كان ليغضب فنعرف ذلك فيه بيّنا، وإن كان ليصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة.
أبو قلابة قال: حدّثني نصر بن قديد أبو صفوان القديدي قال: حدّثني إسحاق بن عيسى بن علي بن عبد الله عن أبيه قال: بينا نحن نطوف مع أبينا علي بن عبد الله، وهو فوقنا بنحو ذراع، إذ نظر إليه شيخ [٤] فقال:
من هذا؟ فقيل: عليّ بن عبد الله بن عبّاس. قال: سبحان الله [٦١ أ] لشدّ ما نقص الناس! لقد رأيت جدّ هذا وهو مثل القبّة، ولقد رأيت أباه عبد المطلب وهو مثل الخباء [٥] .
стр. 130
أحمد بن السري البزّاز الرياشي قال: حدّثنا الأصمعي قال: كان علي ابن عبد الله يتخطّى البعير وهو بارك. قال: كان علي بن عبد الله سيدا شريفا بليغا [١] . ويقال: إنّ عليّ بن عبد الله كان إلى منكب أبيه عبد الله وكان عبد الله إلى منكب العبّاس، وكان العبّاس إلى منكب عبد المطلب [٢] . وقال عليّ ابن عبد الله: سادة [٣] الناس في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء.
محمد بن عبد الله العطّار قال: حدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال: حدّثني ابن عائشة عن أبيه قال: قدم طبيب من أطبّاء الرّوم على خليفة من الخلفاء من بني أميّة فلقيه عليّ بن عبد الله بن العبّاس فقال له:
إنّ أبي عبد الله بن عباس ذهب بصره وعبد المطلب ذهب بصره وأنا أجد في بصري سواء، قد خفت أن يصيبني ما أصابهم، فنظر إليه فقال: تجنب الملح وما غلب عليه الملح، فتقطّعت أشفاره، وفسدت أجفانه، وبقي بصره على حاله.
عبد الله بن الربيع قال: حدّثني الهيثم بن عدي قال: قال عليّ بن عبد الله بن عبّاس في وقعة الحرّة حيث وثب دونه الحصين [٤] بن نمير فمنعه من أن يبايع على أنه عبد قنّ، فقال له مسرف: [٦١ ب] يا حصين خلعت يدك من الطاعة؟ قال: أمّا في هذا فنعم، والله لا يبايعك [٥] إلّا على ما نريد.
فبايعه على كتاب الله وسنّة محمد نبيّه ﷺ ، ثمّ مدّ يده ليمسح بها يده فمنعه حصين ومسح حصين يده على يد عليّ ثم مسح حصين
стр. 131
يد مسرف فعند ذلك يقول عليّ بن عبد الله مفتخرا:
أبي العبّاس قرم [١] بني لؤيّ [٢] ... وأخوالي الكرام [٣] بنو [٤] وليعه
هم منعوا ذماري يوم جاءت ... كتائب مسرف [٥] وبنو اللكيعه
أراد [٦] بي التي لا عزّ [٧] فيها ... فحالت دونه أيد رفيعه [٨]
وبايع غيره على ما أرادوا غير عليّ بن عبد الله وعليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب فإنّه قال لمسرف: أبايع على ما بايع عليه ابن عمي، فقبل ذلك منه لوصية يزيد عند توجيهه مسرفا إلى المدينة.
فقال سالم بن عبد الله بن عمر لعبد الله: يا أبه! أما ترى ما يصنع هذا بمدينة رسول الله ﷺ وأصحابه؟ فقال: يا بنيّ! كلّ بمرأى من الله ومسمع، إن شاء أن يغيّر غيّر.
стр. 132
رؤيا علي بن عبد الله
رأى عليّ بن عبد الله بن العبّاس في النوم كأنّ بيتا مشحونا أفاعي وأنّ [٦٢ أ] ثعبانا أسود خرج من تحت أمّ عبد الله بن علي فأكلها، فخرجت نار من تحت أمّ أبي جعفر فأحرقت الثعبان. فلمّا أصبح قصّ رؤياه فقال:
تأويل رؤياي أنّ فلانة- يعني أمّ عبد الله- تلد منّي من يقتل بني أميّة، وتلد فلانة- أمّ أبي جعفر- من يملك السلطان فينازعه قاتل بني أميّة فيقتله.
ومن أخبار علي بن عبد الله مع الوليد بن عبد الملك
أنّه ضربه [١] بالسوط مرتين: مرة بسبب تزويج عليّ بن عبد الله لبابة بنت عبد الله بن جعفر، وكانت عند عبد الملك، فعضّ تفّاحة ثم رمى بها إليها، وكان أبخر، فدعت بسكّين، فقال: ما تصنعين بها؟ قالت: أميط عنها
стр. 133
الأذى، فطلّقها، فتزوّجها عليّ بن عبد الله فضربه الوليد، وقال: إنّما تتزوّج بأمّهات أولاد الخلفاء لتضع منهم [١] ، لأن مروان بن الحكم إنّما تزوّج بأمّ خالد بن يزيد بن معاوية ليضع منه. فقال عليّ بن عبد الله:
إنّما أرادت الخروج من هذا البلد، وأنا ابن عمّها، فتزوّجتها لأكون لها محرما [٢] .
وأما ضربه إيّاه في المرّة الثانية، فإنّه يروى أنّه ضربه بالسوط [٣] ، وحمل على بعير يدار به، ووجهه مما يلي الذنب، وصائح يصيح عليه:
هذا عليّ بن عبد الله الكذّاب. قال: فدنا منه رجل فقال: ما هذا الّذي نسبوك فيه إلى الكذب؟ قال بلغهم قولي: إنّ هذا [٦٢ ب] الأمر سيكون في ولدي، والله ليكوننّ فيهم حتى يملكهم عبيدهم الصغار العيون، العراض الوجوه [٤] الذين كأنّ وجوههم المجانّ المطرقة.
ومن أخباره مع سليمان بن عبد الملك وهشام
وروي أن عليّ بن عبد الله دخل على سليمان [٥] بن عبد الملك ومعه ابنا ابنه الخليفتان أبو العباس وأبو جعفر، ويقال إنّه دخل على هشام، فأوسع له على سريره وسأله عن حاجته فقال: ثلاثون ألف درهم عليّ دين فأمر
стр. 134
بقضائه، وقال له: تستوصي بابنيّ هذين، ففعل، فشكره وقال: وصلتك رحم. فلمّا ولّى عليّ قال الخليفة لأصحابه: إنّ هذا الشيخ قد اختلّ وأسنّ وخلّط فصار يقول: إنّ هذا الأمر سيصير إلى ولده، فسمع ذاك عليّ، فالتفت إليه فقال: والله ليكوننّ ذاك، وليملكنّ هذان [١] .
جلالة علي بن عبد الله
قال: إنّ عليّ بن عبد الله كان إذا قدم مكة حاجّا أو معتمرا، عطّلت قريش مجالسها في المسجد الحرام [٢] وهجرت مواضع حلقها [٣] ولزمت مجلس علي بن عبد الله في المسجد الحرام وحلقته إجلالا له وإعظاما وتبجيلا، فإن قعد قعدوا وإن نهض نهضوا وإن مشى مشوا أجمعون [٤] ، [٦٣ أ] ولم يكن يرى لقريش مجلس في المسجد يجتمع إليه فيه حتى يخرج علي بن عبد الله من الحرم [٥] .
وقال زرارة الحجبي: ما رأيت من بالحرم من قريش يعظّمون منافيّا إذا قدم عليهم الحرم إعظامهم عليّ بن عبد الله، وإني يوما في بطن الكعبة ونفر من ورائي يخلّقها [٦] ويخمّرها، وقد أغلقنا علينا بابها، إذ رفع باب
стр. 135
الكعبة، وخرجت حلقته، فبادرنا إلى الباب مستعظمين لذلك، منكرين له، ففتحنا الباب، فإذا قريش مزدحمة على درجة الكعبة، فقلت: سبحان الله تفعلون هذا بباب بيت الله؟ فقالوا: أبو الخلفاء من بني هاشم قائم على بابها، وأنت في بطنها، فإذا عليّ بن عبد الله بن عبّاس في وسطهم، وهم حوله، يريد دخوله الكعبة، ففتحت [١] له الباب فدخل ودخلوا، وإنّ والي بني أميّة ما يستترون منه بإعظام عليّ بن عبد الله وتبجيله، ولا أخفوا مقالتهم مخافة أن تبلغه [٢] .
عبد الله بن هارون بن موسى قال: حدّثني أبي عن جدّي عن أبيه محمد ابن عبد الله قال: حضرت عند هشام بن عبد الملك، وفتح البابين، ووضع الغداء فدخل عليه آذنه فقال: يا أمير المؤمنين! بالباب رجل على برذون له، لا يدخل إلّا أن تأذن له. قال: ويلك ومن هو؟ ايذن له، فإذا عليّ ابن عبد الله بن عبّاس، فساعة دخل قام إليه ثم قال: يا معشر قريش قوموا إلى سيّدكم، هذا يرتفع من حيث يتّضع الناس، ثم سأله [٦٣ ب] حوائجه فقضى له أربع حوائج لها قيمة عظيمة، ثم أنشأ هشام [٣] يقول:
إن [٤] أبصرته قريش قال قائلهم ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
هذا ابن خير عباد الله كلّهم ... هذا التقيّ النقيّ الطاهر العلم
стр. 136
جود علي بن عبد الله
رجل [١] من كنانة عن أبيه عن جدّه أنّه خرج من الحجاز إلى سليمان بن عبد الملك بالشام في خلافته، قال: فلما انصرفت من عنده، نزلت بالشراة على عليّ بن عبد الله، فأقمت عنده أيّاما وليالي، في كلّ يوم ينزل عنده نفر من الحجاز وأهل الشام فيضيفهم، ويقريهم، ويزوّدهم، ويسأل أهل الحجاز عن أهل الحجاز، وأهل الشام عن أهل الشام، فإذا ارتحل أولئك من عنده نزل قوم آخرون، فذكرت ما يلزمه في ذلك من عظيم المئونة فتمثل قول عجير [٢] السلولي:
وماذا علينا أن تجيء ركائب ... كريموا المحيا شاحبوا المتحسّر [٣]
فتخبرنا عما نريد [٤] ولو خلت ... لنا [٥] القدر لم نخبر [٦] ولم نتخبّر [٧]
أحمد بن يحيى بن جابر قال: حدثني حفص بن عامر العمري عن الهيثم
стр. 137
[٦٤ أ] ابن عدي عن عوانة بن الحكم عن أبيه، قال: وحدّثني [١] عبّاس ابن هشام عن أبيه فسقت حديثهما قال: دخل عبد الملك بن عبد الله بن نذيره [٢] على الوليد بن عبد الملك فسأله حمالة لزمته فمنعه إيّاها وزبره وقال: أنت صهر لطيم الشيطان- يريد عمرو بن سعيد الأشدق- فقال: أنا صهر أبي أميّة، وكانت عند عمرو [أم] [٣] حبيب بنت حريث بن سليم العذري، فولدت له أميّة وسعيدا، فأنشأ عبد الملك بن عبد الله العذري يقول متمثلا بشعر يحيى بن الحكم [٤] :
فما [٥] كان عمرو عاجزا غير أنّه ... أتته المنايا بغتة وهو لا يدري
فلو أنّ عمرا كان بالشام زرته ... بإعوازها، أو كان يوما على مصر
فقالت أمّ البنين بنت عبد العزيز امرأة الوليد، وهي جالسة خلف الستر: يا أمير المؤمنين! من هذا الأحمق؟ فقال: العذري- يعرّض بأبيها- وكان عمرو ضربه في الخمر:
وددت وبيت الله أني فديته ... وعبد العزيز يوم يضرب بالخمر [٦]
فقالت: ما أجرأه عليك يا أمير المؤمنين! فقال: كفّي قبل أن يأتي بخيط باطل [وكان قد] [٧] قال في شعره هذا:
стр. 138
غدرتم بحي يا [بني] [١] خيط [باطل] [١] ... وكلّكم يبني البيوت على الغدر [٢]
[٦٤ ب] فأمر به الوليد فأخرج [٣] ، فصار إلى عليّ بن عبد الله فأخبره خبره، فقال عليّ: علينا المعوّل وعندنا المحتمل، فأعطاه حمالته وأجازه وكساه، فأنشأ العذري يقول في ذلك:
شهدت عليكم أنّكم خير قومكم ... وأنّكم رهط [٤] النبيّ محمّد
فنعم أبو الأضياف والطالب [٥] القرى ... عليّ حليف الجود في كلّ مشهد
فإنّ الّذي يرجو سواكم، وأنتم ... بنو الوارث الزاكي، لغير مسدّد
وإنّي لأرجو أن تكونوا أئمّة ... تسوسون من شئتم [٦] بملك مؤيّد
وإنّي لمن والاكم لألوقة [٧] ... وإني لمن عاداكم سمّ أسود
صلاة علي بن عبد الله
قال: كان لعليّ بن عبد الله خمسمائة أصل زيتون يصلّي كلّ يوم إلى كلّ أصل ركعتين، فكان يدعى ذا الثفنات [٨] . قال زرين مولى عليّ ابن عبد الله: كتب إليّ عليّ أن أرسل إليّ بلوح من المروة أسجد عليه،
стр. 139
فكان يصلّي كلّ يوم أربعمائة ركعة، ويقال: إنّه كان يصلّي ألف ركعة [١] كل يوم [٢] . وكانت قريش تسميه السجّاد، وإنّما عرفوا عدد ما يركع أنّه كان له خمسمائة أصل زيتونا، فكان يصلّي كلّ يوم تحت كل شجرة ركعتين.
[٦٥ أ] أحمد بن يحيى بن جابر [٣] قال: حدّثني أبو أيوب الرقي [٤] قال: حدّثني الحجاج الرصافيّ عن أبيه قال: كان علي بن عبد الله بالشراة من أرض دمشق لازما مسجده يصلّي كل يوم ألف سجدة [٥] على لوح أتي به من زمزم، وكان لا يمر به أحد يريد الشام من الحجاز أو يريد الحجاز من الشام إلّا أضافه ووصله إن كان ممن يلتمس صلته.
ومما كان يتمثل به علي بن عبد الله
شيخ من الأنصار عن عمّه أنّه قال: كنت ردف أبي على بغل بالشام وهو يساير عليّ بن عبد الله بن عبّاس إذ طلعت خيل الوليد بن عبد الملك، فلمّا رآها عليّ بن عبد الله خاص عنه، ثمّ تمثّل قول جذل [٦] الطعان:
стр. 140
فإن أعجل إليك [١] فأنت همي ... وإن ألبث فكيدك ما أكيد
فقلت لعمي: في أيّ سنة كان ذلك؟ قال: لا أدري لطول مقامنا كان بالشام.
زيد بن سعد الأنصاري عن أبيه عن نجدة قال: كنت عند عليّ بن عبد الله بن عبّاس فدخل شيخ من بني عبد المطلب بن عبد مناف فحادثه ثم قال:
يا أبا محمد، الوليد بن عبد الملك شديد العلّة، فتمثل عليّ بن عبد الله بقول يزيد [٢] بن الصعق الكلابي:
[٦٥ ب] أواردة غدوا عكاظا بفجرها ... ولم يوفها بالكيل [٣] بالصاع مترعا
فقال الشيخ: يا أبا محمد لئن هلك قبل أن تكيل له بالصاع الّذي كان به يكيل لتحتلبنّ بنو أميّة من بعده دما.
محمد بن عبد الرحمن الجمحيّ عن أبيه عن جدّه أنّه قال: قدمت الشام في خلافة الوليد بن عبد الملك فدخلت يوما مسجد دمشق فرأيت عليّ بن عبد الله جالسا فجلست إليه فقال: اسمع ما يقول هؤلاء المشيخة، فالتفتّ فإذا مشيخة من أهل الشام يقرظون بني أميّة ويقضئون [٤] بني هاشم، فاسترجعت، فأخذ بيدي، ثم نهض ونهضت معه، فلما خرج من المسجد تمثل قول نابغة بني جعدة [٥] :
стр. 141
فلا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... موارد تحمي صفوه أن يكدّرا [١]
رجل من الحجية [٢] عن جدّه أنّه نزل بالشراة على عليّ بن عبد الله، قال:
فركب يوما لحاجة وأنا معه ثم أقبل نحو المنزل فإذا بنوه يرمون بالنبل بين غرضين ويجزون، فقال: يا أخا قصي، أتراهم جديرين بطلب ثأرهم؟
قلت: كذاك الظن بهم، فتمثل قول زفر [٣] بن حارث الكلابي:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا
ولد علي بن عبد الله [٤]
[٦٦ أ] محمد بن علي أبو الخلفاء، أمّه العالية بنت عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وداود بن علي، وعيسى بن علي، وهما لأمّ ولد، وسليمان بن علي وصالح بن علي وهما لأمّ ولد [٥] ، وأحمد ومبشّر وبشر بنو علي لا عقب لهم، وإسماعيل وعبد الصمد وهما جميعا لأمّ ولد. ولأحمد بن إسماعيل يقول ابن الدّمينة الخثعميّ [٦] :
стр. 142
يا أحمد الخير بن إسماعيلا ... إليك أشكو الغلّ والكبولا
وغشم ظلم من بني سلولا ... إليك أزجي عنسا نسولا [١]
صائبة الرجل [٢] بها زجولا ... أظلّ فوق رحلها معدولا
وعبد الله الأكبر لا عقب له وأمّه أم أبيها [٣] بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن علي، لا عقب له، وأمّه من بني الحريش، وعبد الملك وعثمان وعبد الرحمن، وعبد الله الأصغر السفاح الّذي خرج بالشام، ويحيى وإسحاق ويعقوب وعبد العزيز وإسماعيل الأصغر وعبد الله الأوسط وهو الأحنف لا عقب لهم، وهم لأمّهات أولاد شتى، وفاطمة وأم عيسى الصغرى وآمنة [٤] ولبابة وبريهة الكبرى وبريهة الصغرى وميمونة وأمّ علي [٦٦ ب] والعالية بنات علي وهنّ [٥] لأمهات شتى، وأم حبيب بنت علي وأمّها أم أبيها [٦] بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
стр. 143
خبر [١] سليط بن عبد الله بن عباس مع علي بن عبد الله
قال: أخبرني أبي عن عيسى بن عبد الله قال: كان عبد الله بن عباس وطئ جارية له كان لا يثق بها، وكانت تدخل وتخرج، فجاءت بولد ذكر سمّاه سليطا، فكان في حياته يدعوه لأمّه [٢] فلما توفّي ادّعت أمّ سليط أنّه من عبد الله فخاصمت عليّ بن عبد الله إلى الوليد بن عبد الملك، فتعصّب عليه الوليد، فأراد أن يحكم لسليط، وكره علي بن عبد الله أن يدخل في نسبه من ليس منه، فأرسل إلى سليط: لا حاجة لك في حكم الوليد، فائتني فإنّي أقرّبك وأشهد لك. فزعم الناس أن سليطا قتل، ثم سكرت له ساقية في بستان كان في منزل علي بن عبد الله ثم دفن فأجري عليه الماء فسأله الوليد عنه فأنكر، فأرسل إلى منزله ففتّش وأخذ بعض غلمانه فأقروا وأروهم [٣] الساقية فنبشوها فأخرجوه وحملوه إلى الوليد فأمر بعلي بن عبد الله [فأقيم في الشمس] [٤] ، فاجتنبه من كان بحضرته من بني هاشم خشية للوليد فجاء إليه عبد الله [٥] بن عبد الله بن الحارث فألقى عليه مطرفه وحمله إلى
стр. 144
منزله وعالجه، فلم يزل في منزل عبد الله حتى عوفي، فلمّا عوفي أخرجه [٦٧ أ] الوليد إلى الحميمة، وقال: لا تجاورني بدمشق فاضطغن علي بن [١] عبد الله ما فعل به حتى كان من أمره ما كان.
ملتقطات أخبار علي بن عبد الله
رجل من بني مخزوم عن أبيه عن جدّه، أنّه خرج من مكّة إلى يزيد بن عبد الملك بالشام في خلافته، فلمّا انصرف من عنده نزل بالشراة على علي بن عبد الله، فصادفه في مسجده وبنوه حوله ومواليه، وفبهج عليّ برؤيته وجذل [٢] بقربة وسأله عن حاله وما صنع في مسيره. قال: ثم سألني عمّن رأيت من بني أميّة بالشام [٣] ومن خلفته منهم بالحجاز، فلمّا فرغ من مسألته عنهم شكاهم إليّ، ثم أقبل على بنيه فقال: يا فلان! اقرأ، يا فلان! حدّثنا عن رسول الله ﷺ ، يا فلان! أفرض، يا فلان! اخطب، يا فلان! أنشد. فانتهى كل واحد إلى ما أمره به ثم قال لهم: تذاكروا الحلال والحرام، وليسأل بعضكم بعضا عنه، ويحتج بعضكم على بعض فيه، ويروي بعضكم فيه الحديث لبعض، ففعلوا ذلك. وأقبل عليّ بوجهه فقال:
يا أخا مخزوم! كيف ترى فتيان بني [٤] هاشم؟ قلت: يا أبا محمد! أراهم
стр. 145
ملء عين الصديق ورغم العدوّ. فضرب بيده على فخذي ثم قال: يا أخا مخزوم! أما وربّ الكعبة لا ينامون عن طلب ثأرهم حتى يدركوه.
[٦٧ ب] حدّث بعض مشايخنا أن زرينا مولى عبد الله بن عباس قال: كان عليّ بن عبد الله جالسا في زمزم فأقبل إليه شيخ من كنانة فقبّل رأسه وأطرافه وتنشّقه بالقبل وترشّفه، وجعل يفدّيه بأبيه وأمّه، ويسأله عن حاله وولده وأهل بيته، ثمّ جلس يحادثه، وسمعته يقول: ابشر أبا محمد بالغنى من الله فقد أظلّك النصر وأتتك الدولة، لقد شهدت مقدم معاوية المدينة حاجّا بعد هلاك عليّ بن أبي طالب، فسمعت عمرو بن عثمان بن عفّان يقول لمعاوية: يا أمير المؤمنين! لو صعدت المنبر فنلت من عليّ، فقال معاوية: لست بفاعل، إني أقبل على الأمر إذا أقبل عليّ وأدبر عنه إذا أدبر عنّي، والله لقد لقيني عليّ فما فارقني حتى خفت أن يقتلني، والله لو قتلني ما أفلحتم بعدي، واعلموا يا بني أميّة أنّ لكم من بني هاشم يوما مرّا فاستعجلوا الإعاذة باللَّه من شرّه. فقال عليّ بن عبد الله: حسبنا الله ونعم الوكيل.
قيل لعليّ بن عبد الله بن عبّاس ﵃: بم صحّت سلامتك على الناس؟ قال: لأنّه صحّت سلامتهم عليّ. قال: ما رأيت أحدا قطّ أكبر منّي سنّا إلّا قلت: عبد الله قبلي، ولا أحدث منّي سنّا إلّا قلت:
عصيت الله قبله، ولا في مثل سنّي إلّا قلت: أعرف [٦٨ أ] من نفسي ما لا أعرف منه.
عليّ بن عبد الله القرشيّ- مولى لهم- قال: خرج الوليد [١] ليلة إضحيانة [٢]