Полный текст (3 122 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
عَلَيْهِ إتْمَامُ الْعِدَّةِ الْأُولَى بِالِاتِّفَاقِ وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْوَطْءِ الْفَاسِدِ فَلَا يُجْعَلُ وَاطِئًا حُكْمًا لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ حَقِيقَةً وَلِهَذَا لَا يُجْعَلُ وَاطِئًا بِالْخَلْوَةِ فِي الْفَاسِدِ حَتَّى لَا تَجِبُ الْعِدَّةُ بِهَا وَلَا عَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَثَالِثُهَا أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ بِهَا فِي الصِّحَّةِ وَطَلَّقَهَا بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْمَرَضِ فِي عِدَّتِهَا وَطَلَّقَهَا بَائِنًا قَبْلَ الدُّخُولِ هَلْ يَكُونُ فَارًّا أَمْ لَا وَرَابِعُهَا لَوْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ كُفْءٍ وَدَخَلَ بِهَا فَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِطَلَبِ الْوَلِيِّ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا هَذَا الرَّجُلُ فِي الْعِدَّةِ بِمَهْرٍ وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ الثَّانِي كَامِلًا وَعِدَّةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ عِنْدَهُمَا اسْتِحْسَانًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ نِصْفُ الْمَهْرِ الثَّانِي وَعَلَيْهَا تَمَامُ الْعِدَّةِ الْأُولَى وَخَامِسُهَا تَزَوَّجَهَا صَغِيرَةً وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ ارْتَدَّتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ أَسْلَمَتْ فَتَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ هَكَذَا ذُكِرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِتَكْرَارِ التَّزَوُّجِ ثَلَاثًا وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي التَّصْوِيرِ وَيَكْفِي فِيهِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَنَّ الرِّدَّةَ حَصَلَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَسَابِعُهَا: تَزَوَّجَهَا وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ ارْتَدَّتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ فَتَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَثَامِنُهَا: تَزَوَّجَهَا وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَتَاسِعُهَا: تَزَوَّجَ أَمَةً وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ أُعْتِقَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَعَاشِرُهَا تَزَوَّجَ أَمَةً وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ فَأُعْتِقَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْمِعْرَاجِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ طَلَّقَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً لَمْ تَعْتَدَّ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا عَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَهَا أَمَّا إذَا اعْتَقَدُوهَا فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ اتِّفَاقًا وَفِيمَا إذَا كَانَتْ حَائِلًا أَمَّا الْحَامِلُ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ اتِّفَاقًا وَقَيَّدَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ وَغَيْرُهُ بِمَا إذَا كَانُوا يَدِينُونَهَا وَأَطْلَقَهُ فِي الْهِدَايَةِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا ثَابِتَ النَّسَبِ وَعَنْ الْإِمَامِ يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا وَلَا يَطَؤُهَا كَالْحَامِلِ مِنْ الزِّنَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اهـ.
وَفِي الْمِعْرَاجِ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ التَّقْيِيدُ، وَفِي بَعْضِهَا يُمْنَعُ مِنْ التَّزَوُّجِ وَلَمْ يَذْكُرْ الزِّيَادَةَ اهـ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْمَوْتِ فَلَوْ تَزَوَّجَهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ فِي فَوْرِ طَلَاقِهَا جَازَ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقُيِّدَ بِالذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا طَلَّقَ الذِّمِّيَّةَ أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُ وَمُعْتَقَدُهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمُهَاجِرَةُ إذَا خَرَجَتْ إلَيْنَا مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً أَوْ مُسْتَأْمَنَةً ثُمَّ أَسْلَمَتْ أَوْ صَارَتْ ذِمِّيَّةً فَعِنْدَهُ إنْ تَزَوَّجَتْ جَازَ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا وَعَنْهُ لَا يَطَؤُهَا الزَّوْجُ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ وَعَنْهُ لَا يَتَزَوَّجُهَا إلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ وَقَالَا عَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَأَمَّا إذَا هَاجَرَ الزَّوْجُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا ثُمَّ صَارَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا فَإِنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا حَتَّى جَازَ لَهُ التَّزَوُّجُ بِأُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا كَمَا دَخَلَ دَارَنَا لِعَدَمِ تَبْلِيغِ أَحْكَامِنَا إلَيْهَا لَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُخَاطَبَةٍ بِالْعِدَّةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[فَصْلٌ فِي الْإِحْدَادِ]
(فَصْلٌ) فِي الْإِحْدَادِ فِيهِ لُغَتَانِ: أَحَدَّتْ إحْدَادًا فَهِيَ مُحِدٌّ وَمُحِدَّةٌ إذَا تَرَكَتْ الزِّينَةَ لِمَوْتِهِ، وَحَّدَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا تَحُدُّ وَتَحِدُّ حِدَادًا بِالْكَسْرِ فَهِيَ حَادٌّ بِغَيْرِهَا وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ الثُّلَاثِيَّ وَاقْتَصَرَ عَلَى الرُّبَاعِيِّ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَفِي الْقَامُوسِ وَالْحَادُّ وَالْمُحِدُّ تَارِكَةُ الزِّينَةِ لِلْعِدَّةِ حَدَّتْ تَحُدُّ وَتَحِدُّ حِدَادًا وَأَحَدَّتْ اهـ.
وَفِي الشَّرِيعَةِ تَرْكُ الزِّينَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ مُعْتَدَّةٍ بِطَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ مَوْتٍ (قَوْلُهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَخَامِسُهَا تَزَوَّجَهَا صَغِيرَةً وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ) يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ هَذَا مَا نَصُّهُ فَبَلَغَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ سَادِسُهَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ وَفِي بَعْضِهَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ بَلْ وُجِدَ ثُمَّ ارْتَدَّتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ إلَخْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ إسْقَاطٌ مِنْ النُّسَّاخِ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ وَسَابِعُهَا فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ سَادِسَةٍ لَكِنْ فِي السَّادِسَةِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ بِعَيْنِهَا فَهِيَ مُكَرَّرَةٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي عِبَارَةِ الْفَتْحِ بَلْ الْمَوْجُودُ فِيهَا غَيْرُهَا وَنَصُّهَا وَسَادِسُهَا تَزَوَّجَهَا صَغِيرَةً فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَبَلَغَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ انْتَهَتْ وَفِيهِ أَنَّهَا إذَا اخْتَارَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ مِنْ أَيْنَ تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ.
وَلَعَلَّ الْمُؤَلِّفَ لِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهَا ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّتَارْخَانِيَّة مَا يُعَيِّنُ أَنَّ مَا فِي الْفَتْحِ تَحْرِيفٌ حَيْثُ قَالَ الثَّالِثَةُ تَزَوَّجَ صَغِيرَةً وَدَخَلَ بِهَا فَبَلَغَتْ إلَخْ فَقَوْلُ الْفَتْحِ فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا صَوَابُهُ وَدَخَلَ بِهَا.
(قَوْلُهُ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي التَّصْوِيرِ إلَخْ) إذَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ تَصِيرُ عَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الثَّامِنَةِ فَتُكَرَّرُ وَحِينَئِذٍ فَالسَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ فَالصُّوَرُ ثَمَانِيَةٌ كَمَا ذَكَرَهَا فِي النَّهْرِ ثُمَّ إنَّ الَّذِي فِي الْفَتْحِ فِي آخِرِ السَّابِعَةِ ثُمَّ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بَدَلَ قَوْلِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ اقْتَصَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَلَى تِسْعِ مَسَائِلَ وَذَكَرَ مِنْهَا الثَّامِنَةَ الْمَذْكُورَةَ هُنَا وَذَكَرَ بَدَلَ السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ الْمَذْكُورَتَيْنِ هُنَا مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ الْخَامِسَةُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ ارْتَدَّتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَوَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَسْلَمَتْ فَتَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ ارْتَدَّتْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا
(فَصْلٌ فِي الْإِحْدَادِ) .
стр. 1332
تُحِدُّ مُعْتَدَّةُ الْبَتِّ وَالْمَوْتِ بِتَرْكِ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ وَالْكُحْلِ وَالدُّهْنِ إلَّا بِعُذْرٍ وَالْحِنَّاءِ وَلُبْسِ الْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ إنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً بَالِغَةً) أَيْ: تُحِدُّ الْمُبَانَةُ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِتَرْكِ مَا ذُكِرَ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الطَّلَاقَ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ وَالْفُرْقَةَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَعَبَّرَ بِالْإِخْبَارِ عَنْ فِعْلِهَا لِإِفَادَةِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْإِيجَابِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ نَفْيِ الْحِلِّ فَيُفِيدُ ثُبُوتَ الْحِلِّ وَلَا كَلَامَ فِيهِ فَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى «إلَّا عَلَى زَوْجِهَا فَإِنَّهَا تُحِدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ وَلَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَمَسُّ طِيبًا» فَصُرِّحَ بِالنَّهْيِ فِي تَفْصِيلِ مَعْنَى تَرْكِ الْإِحْدَادِ وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ بِسَبَبِ غَيْرِ الزَّوْجِ مِنْ الْأَقَارِبِ وَهَلْ يُبَاحُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ فِي النَّوَادِرِ لَا يَحِلُّ الْإِحْدَادُ لِمَنْ مَاتَ أَبُوهَا أَوْ ابْنُهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ أُمُّهَا وَإِنَّمَا هُوَ فِي الزَّوْجِ خَاصَّةً قِيلَ: أَرَادَ بِذَلِكَ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ إبَاحَتِهِ لِلْمُسْلِمَاتِ عَلَى غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة سُئِلَ أَبُو الْفَضْلِ عَنْ الْمَرْأَةِ يَمُوتُ زَوْجُهَا أَوْ أَبُوهَا أَوْ غَيْرُهُمَا مِنْ الْأَقَارِبِ فَتَصْبُغُ ثَوْبَهَا أَسْوَدَ فَتَلْبَسُهُ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً تَأَسُّفًا عَلَى الْمَيِّتِ أَتُعْذَرُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَا وَسُئِلَ عَنْهَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ فَقَالَ لَا تُعْذَرُ وَهِيَ آثِمَةٌ إلَّا الزَّوْجَةَ فِي حَقِّ زَوْجِهَا فَإِنَّهَا تُعْذَرُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ اهـ.
وَظَاهِرُهُ مَنْعُهَا مِنْ لُبْسِ السَّوَادِ تَأَسُّفًا عَلَى مَوْتِ زَوْجِهَا أَكْثَرَ مِنْ الثَّلَاثِ وَقُيِّدَ بِالْبَتِّ؛ لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ رَجْعِيًّا لَا حِدَادَ عَلَيْهَا وَيَنْبَغِي أَنَّهَا لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَحِدَّ عَلَى قَرَابَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَهَا زَوْجٌ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا؛ لِأَنَّ الزِّينَةَ حَقُّهُ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا عَلَى تَرْكِهَا إذَا امْتَنَعَتْ وَهُوَ يُرِيدُهَا، وَهَذَا الْإِحْدَادُ مُبَاحٌ لَهَا لَا وَاجِبٌ وَبِهِ يَفُوتُ حَقُّهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَيُسْتَحَبُّ لَهَا تَرْكُهُ وَلَمَّا وَجَبَ فِي الْمَوْتِ إظْهَارًا لِلتَّأَسُّفِ عَلَى فَوَاتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ فَوَجَبَ عَلَى الْمَبْتُوتَةِ إلْحَاقًا لَهَا بِالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ أَقْطَعُ مِنْ الْإِبَانَةِ وَلِهَذَا تُغَسِّلُهُ مَيِّتًا قَبْلَ الْإِبَانَةِ لَا بَعْدَهَا وَأُطْلِقَ فِي تَرْكِ الطِّيبِ فَلَا تَحْضُرُ عَمَلَهُ وَلَا تَتَّجِرُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ إلَّا فِيهِ وَدَخَلَ فِي الزِّينَةِ الِامْتِشَاطُ بِمِشْطٍ أَسْنَانُهُ ضَيِّقَةٌ لَا الْوَاسِعَةُ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَشَمِلَ لُبْسَ الْحَرِيرِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ وَأَلْوَانِهِ، وَلَوْ أَسْوَدَ وَجَمِيعَ أَنْوَاعِ الْحُلِيِّ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَجَوَاهِرَ زَادَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة الْقَصَبَ.
وَقَوْلُهُ: " إلَّا بِعُذْرٍ " مُتَعَلِّقٌ بِالْجَمِيعِ لَا بِالدُّهْنِ وَحْدَهُ فَلَهَا لُبْسُ الْحَرِيرِ لِلْحَكَّةِ وَالْقَمْلِ وَلَهَا الِاكْتِحَالُ لِلضَّرُورَةِ، وَلَوْ أُخِّرَ الِاسْتِثْنَاءُ عَنْ الْجَمِيعِ لَكَانَ أَوْلَى لِجَوَازِ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُزَعْفَرِ إذَا لَمْ تَجِدْ غَيْرَهُ لِوُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَذَكَرَ الدُّهْنَ بَعْدَ الطِّيبِ لِيُفِيدَ حُرْمَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَيَّبًا كَالزَّيْتِ الْخَالِصِ مِنْهُ وَالشَّيْرَجِ وَالسَّمْنِ، وَفِي الْمُجْتَبَى، وَلَوْ اعْتَادَتْ الدُّهْنَ فَخَافَتْ وَجَعًا، فَإِنْ كَانَ أَمْرًا ظَاهِرًا يُبَاحُ لَهَا اهـ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُزَعْفَرِ الْخَلَقُ الَّذِي لَا رَائِحَةَ لَهُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَقُيِّدَ بِإِسْلَامِهَا مَعَ بُلُوغِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حِدَادَ عَلَى كَافِرَةٍ وَلَا صَغِيرَةٍ وَقَدَّمْنَا مَعْنَى وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يُقَيَّدْ بِالْعَقْلِ مَعَ أَنَّهُ لَا حِدَادَ عَلَى مَجْنُونَةٍ لِلِاكْتِفَاءِ بِمَا يُخْرِجُ الصَّغِيرَةَ؛ لِأَنَّ عَدَمَهُ عَلَيْهَا لَيْسَ إلَّا لِعَدَمِ تَكْلِيفِهَا وَالْمَجْنُونَةُ مِثْلُهَا فِي ذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مُعْتَدَّةٍ مُخَاطَبَةٍ فَارَقَتْ فِرَاشَ زَوْجٍ حَلَالٍ يَجِبُ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ وَإِلَّا فَلَا اهـ.
وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْحُرِّيَّةِ لِوُجُوبِهِ عَلَى الْأَمَةِ الْمَنْكُوحَةِ لِكَوْنِهَا مُكَلَّفَةً بِحُقُوقِ الشَّرْعِ مَا لَمْ يَفُتْ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ وَلِهَذَا لَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ إلَّا إذَا كَانَتْ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ وَقْتَ الطَّلَاقِ وَلَمْ يُخْرِجْهَا الْمَوْلَى وَيَحِلُّ إنْ أَخْرَجَهَا وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْمُسْتَسْعَاةُ كَالْقِنَّةِ، وَلَوْ أَسْلَمَتْ الْكَافِرَةُ فِي الْعِدَّةِ لَزِمَهَا الْإِحْدَادُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْعِدَّةِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ قِيلَ: أَرَادَ بِذَلِكَ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَأَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ عَدَمُ حِلِّ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ بِمَا إذَا لَمْ يَرْضَ الزَّوْجُ بِذَلِكَ، فَإِنْ رَضِيَ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهَا أَمَّا غَيْرُ ذَاتِ الزَّوْجِ إذَا لَمْ تَكُنْ مُعْتَدَّةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَحِلَّ لَهَا ذَلِكَ بَقِيَ هَلْ لَهُ مَنْعُهَا فِي الثَّلَاثِ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَقَوَاعِدُنَا لَا تَأْبَاهُ وَحِينَئِذٍ فَيُحْمَلُ الْحِلُّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ مَنْعِهِ اهـ.
وَهَذَا الْأَخِيرُ يَأْتِي قَرِيبًا عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ حَلَّ لَهَا ذَلِكَ لَكِنَّ فِيهِ فَوَاتَ حَقِّهِ مِنْ الزِّينَةِ فَلَهُ مَنْعُهَا كَمَا أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْ أَكْلِ ذِي رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ بَقِيَ أَنْ قَوْلَهُ أَوَّلًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ إلَخْ، فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِنَصِّ الْحَدِيثِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ أُخِّرَ الِاسْتِثْنَاءُ عَنْ الْجَمِيعِ لَكَانَ أَوْلَى) قَالَ فِي النَّهْرِ مَدْفُوعٌ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ بِتَرْكِ الزِّينَةِ شَامِلٌ لِلْكُلِّ وَالْمَذْكُورُ بَعْدَهُ تَفْصِيلٌ لِذَلِكَ الْإِجْمَالِ.
(قَوْلُهُ لِوُجُوبِ سُتْرَةِ الْعَوْرَةِ) يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِقَدْرِ مَا تَسْتَحْدِثُ ثَوْبًا غَيْرَهُ إمَّا بِبَيْعِهِ وَالِاسْتِخْلَافِ بِثَمَنِهِ أَوْ مِنْ مَالِهَا إنْ كَانَ لَهَا
стр. 1333
وَيَنْبَغِي كَذَلِكَ لَوْ بَلَغَتْ الصَّغِيرَةُ أَوْ أَفَاقَتْ الْمَجْنُونَةُ؛ إذْ لَا فَرْقَ وَاقْتِصَارُهُ عَلَى تَرْكِ مَا ذُكِرَ يُفِيدُ جَوَازَ دُخُولِ الْحَمَّامِ لَهَا وَنُقِلَ فِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ عِنْدَهُمْ لَهَا أَنْ تَدْخُلَ الْحَمَّامَ وَتَغْسِلَ رَأْسَهَا بِالْخِطْمِيِّ وَالسِّدْرِ وَفِيهِ أَنَّ الْحِدَادَ حَقُّ الشَّرْعِ حَتَّى لَوْ أَمَرَهَا الزَّوْجُ بِتَرْكِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهَا.
(قَوْلُهُ لَا مُعْتَدَّةُ الْعِتْقِ وَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ) أَيْ: لَا حِدَادَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ إذَا أُعْتِقَتْ بِإِعْتَاقِ سَيِّدِهَا أَوْ مَوْتِهِ وَلَا عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْبَتِّ وَالْمَوْتِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً وَمَلَكَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَقَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ فَسَدَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا وَلَا حِدَادَ عَلَيْهَا وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَتَيْنِ، فَإِنْ أَعْتَقَهَا كَانَ عَلَيْهَا عِدَّتَانِ عِدَّةُ فَسَادِ النِّكَاحِ وَفِيهَا الْحِدَادُ وَعِدَّةُ الْعِتْقِ وَلَا حِدَادَ فِيهَا فَتُحِدُّ فِي حَيْضَتَيْنِ دُونَ الثَّالِثَةِ، وَلَوْ أَعْتَقَهَا بَعْدَ حَيْضَتَيْنِ كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثٍ اهـ.
وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ النِّكَاحَ إذَا فَسَدَ بَعْدَ صِحَّتِهِ يُوجِبُ الْحِدَادَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فَاسِدًا مِنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ إظْهَارًا لِلتَّأَسُّفِ عَلَى فَوَاتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ وَسَبَبُهُ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ فَلَا يُتَأَسَّفُ عَلَى الْفَاسِدِ وَاسْتُفِيدَ عَدَمُ وُجُوبِهِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ بِالْأَوْلَى كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ فَالْحَاصِلُ لَا إحْدَادَ عَلَى كَافِرَةٍ وَلَا صَغِيرَةٍ وَلَا مَجْنُونَةٍ وَلَا مُعْتَدَّةٍ عَنْ عِتْقٍ وَلَا مُعْتَدَّةٍ عَنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَلَا عَلَى مُعْتَدَّةٍ عَنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ وَلَا مُعْتَدَّةٍ عَنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ فَهُنَّ سَبْعٌ لَا حِدَادَ عَلَيْهِنَّ، فَإِنْ قُلْت إنَّ الْعِلَّةَ لِوُجُوبِهِ أَعْنِي إظْهَارَ التَّأَسُّفِ عَلَى فَوَاتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ وَإِنْ فَاتَتْ فِي مَسْأَلَتَيْ الْكِتَابِ بَقِيَتْ أُخْرَى أَعْنِي عَدَمَ إظْهَارِ الرَّغْبَةِ فِيمَا هُوَ مَمْنُوعٌ فِيهَا وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لِلرَّغْبَةِ أُجِيبَ بِأَنَّ هَذِهِ حِكْمَةٌ فَلَا تَطَّرِدُ وَتِلْكَ عِلَّةٌ يَزُولُ الْحُكْمُ بِزَوَالِهَا كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ.
(قَوْلُهُ وَلَا تُخْطَبُ مُعْتَدَّةٌ) أَيْ: تَحْرُمُ خِطْبَتُهَا وَهِيَ بِكَسْرِ الْخَاءِ مَصْدَرٌ بِمَنْزِلَةِ الْخَطْبِ مِثْلَ قَوْلِك إنَّهُ لَحَسَنُ الْقِعْدَةِ وَالْجِلْسَةِ تُرِيدُ الْقُعُودَ وَالْجُلُوسَ وَفِي اشْتِقَاقِهِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ أَنَّ الْخَطْبَ هُوَ الْأَمْرُ وَالشَّأْنُ يُقَالُ مَا خَطْبُك أَيْ: مَا شَأْنُك فَقَوْلُهُمْ خَطَبَ فُلَانٌ فُلَانَةَ أَيْ: سَأَلَهَا أَمْرًا وَشَأْنًا فِي نَفْسِهَا وَالثَّانِي أَنَّ أَصْلَ الْخِطْبَةِ مِنْ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ يُقَالُ خَطَبَ الْمَرْأَةَ خِطْبَةً؛ لِأَنَّهُ خَاطِبٌ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَخَطَبَ خُطْبَةً أَيْ: خَاطَبَ بِالزَّجْرِ وَالْوَعْظِ وَالْخَطْبُ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى خِطَابٍ كَثِيرٍ كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ أَطْلَقَهَا فَشَمِلَ الْمُعْتَدَّةَ عَنْ طَلَاقٍ بِنَوْعَيْهِ وَعَنْ وَفَاةٍ وَعَنْ عِتْقٍ وَعَنْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَعُلِمَ مِنْهُ حُرْمَةُ خِطْبَةِ الْمَنْكُوحَةِ بِالْأَوْلَى وَتَحْرُمُ تَصْرِيحًا وَتَعْرِيضًا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَقُيِّدَ بِالْمُعْتَدَّةِ؛ لِأَنَّ الْخَالِيَةَ عَنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ تَحِلُّ خِطْبَتُهَا تَصْرِيحًا وَتَعْرِيضًا لِجَوَازِ نِكَاحِهَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخْطُبَهَا غَيْرُهُ قَبْلَهُ، فَإِنْ خَطَبَهَا فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
إمَّا أَنْ تُصَرِّحَ بِالرِّضَا فَتَحْرُمَ أَوْ بِالرَّدِّ فَتَحِلَّ أَوْ تَسْكُتَ فَقَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ وَلَمْ أَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ لِأَصْحَابِنَا وَأَصْلُهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ «لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» وَقَيَّدُوهُ بِأَنْ لَا يَأْذَنَ لَهُ وَاسْتُفِيدَ مِنْ حُرْمَةِ خِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ حُرْمَةُ نِكَاحِهَا عَلَى غَيْرِ الْمُطَلِّقِ بِالْأَوْلَى وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَكِنْ جَعَلُوا دَلِيلَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا تَعْقِدُوا وَعُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَزْمِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ مُبَالَغَةٌ فِي الْمَنْعِ عَنْهُ، وَقِيلَ هُوَ بَاقٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِيجَابُ يُقَالُ عَزَمْت عَلَيْك أَيْ أَوْجَبْت عَلَيْك وَالْإِيجَابُ سَبَبٌ لِلْوُجُودِ ظَاهِرًا فَكَانَ مَجَازًا عَنْهُ أَيْ: لَا تُوجِدُوا عَقْدَ النِّكَاحِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ، وَفِي الْكِتَابِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْمَكْتُوبُ وَالْمَعْنَى حَتَّى تَبْلُغَ الْعِدَّةُ الْمَفْرُوضَةُ آخِرَهَا.
الثَّانِي: أَنَّ الْكِتَابَ بِمَعْنَى الْفَرْضِ أَيْ: حَتَّى يَبْلُغَ هَذَا الْكِتَابُ آخِرَهُ وَنِهَايَتَهُ وَتَمَامُهُ فِي التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ.
(قَوْلُهُ وَصَحَّ التَّعْرِيضُ) وَهُوَ لُغَةً خِلَافُ التَّصْرِيحِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِنَايَةِ أَنَّ التَّعْرِيضَ تَضْمِينُ الْكَلَامِ دَلَالَةً لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ كَقَوْلِك مَا أَقْبَحَ الْبُخْلَ تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُ بَخِيلٌ وَالْكِنَايَةُ ذِكْرُ الرَّدِيفِ وَإِرَادَةُ الْمَرْدُوفِ كَقَوْلِك فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ وَكَثِيرُ رَمَادِ الْقِدْرِ يَعْنِي أَنَّهُ طَوِيلُ الْقَامَةِ وَمِضْيَافٌ كَذَا فِي
ــ
[منحة الخالق]
مَالٌ كَذَا فِي النَّهْرِ عَنْ الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَنُقِلَ فِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ عِنْدَهُمْ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمِعْرَاجِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ يَجُوزُ الِامْتِشَاطُ مُطْلَقًا ثُمَّ قَالَ وَعِنْدَهُمْ لَهَا أَنْ تَدْخُلَ الْحَمَّامَ وَتَغْسِلَ رَأْسَهَا بِالْخِطْمِيِّ وَالسِّدْرِ اهـ.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّ عِنْدَنَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَكَتَ عَنْ حُكْمِهِ عِنْدَنَا لِعَدَمِ نَصٍّ فِيهِ (قَوْلُهُ وَفِيهِ) أَيْ: فِي الْمِعْرَاجِ.
(قَوْلُهُ فَقَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ تَرْجِيحُ الْجَوَازِ (قَوْلُهُ وَأَصْلُهُ الْحَدِيثُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي الذَّخِيرَةِ كَمَا «نَهَى ﷺ عَنْ الِاسْتِيَامِ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ نَهَى عَنْ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ الْغَيْرِ» وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَرْكَنَ قَلْبُ الْمَرْأَةِ إلَى خَاطِبِهَا الْأَوَّلِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فِي بَابِ الْكَرَاهِيَةِ (قَوْلُهُ وَقَيَّدُوهُ بِأَنْ لَا يَأْذَنَ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ: الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ
стр. 1334
الْمُغْرِبِ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَذْكُرْهُ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ أَمْرِهَا كَذَا أَوْ مِنْ أَمْرِهَا كَذَا كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَمَا قِيلَ: إنَّ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ لَهَا إنَّك لَجَمِيلَةٌ وَإِنِّي فِيك لَرَاغِبٌ وَإِنَّك لَتُعْجِبِينِي أَوْ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَجْتَمِعَ أَنَا وَإِيَّاكَ وَإِنَّك لَدَيِّنَةٌ فَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُشَافِهَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا لِلْحَالِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا صَرِيحٌ فِي الْخِطْبَةِ وَبَعْضَهَا صَرِيحٌ فِي إظْهَارِ الرَّغْبَةِ فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّعْرِيضَ جَائِزٌ لِكُلِّ مُعْتَدَّةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا يَجُوزُ إلَّا لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ.
وَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ فَغَيْرُ جَائِزٍ لِمَا فِيهِ مِنْ إيرَاثِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْمُطَلِّقِ وَالْخَاطِبِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ فَإِنَّ النِّكَاحَ قَدْ انْقَطَعَ فَلَا عَدَاوَةَ مِنْ الْمَيِّتِ وَلَا وَرَثَتِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥] قَالَ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيرِهِ أَرَادَ بِهِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْآيَةِ وَالْمَعْنَى لَا إثْمَ عَلَيْكُمْ فِيمَا ذَكَرْتُمْ لَهُنَّ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُوهِمَةِ لِإِرَادَةِ نِكَاحِهِنَّ أَوْ أَضْمَرْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ فَلَمْ تَنْطِقُوا بِهِ تَعْرِيضًا وَلَا تَصْرِيحًا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ فَاذْكُرُوهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ نِكَاحًا وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ الْمَعْرُوفَ لَيْسَ دَاخِلًا فِي السِّرِّ وَالِاسْتِدْرَاكُ مِمَّا قَدَّرْنَاهُ وَتَمَامُهُ فِي التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ.
(قَوْلُهُ وَلَا تَخْرُجُ مُعْتَدَّةُ الطَّلَاقِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] أَيْ: لَا تُخْرِجُوا الْمُعْتَدَّاتِ مِنْ الْمَسَاكِنِ الَّتِي كُنْتُمْ تَسْكُنُونَ فِيهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَسَاكِنُ عَارِيَّةً فَارْتُجِعَتْ مِنْ السَّاكِنِ كَانَ عَلَى الْأَزْوَاجِ أَنْ يُعَيِّنُوا مَسَاكِنَ أُخْرَى بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ أَوْ الْكِرَاءِ وَعَلَى الزَّوْجَاتِ أَيْضًا أَنْ لَا يَخْرُجْنَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى إلَّا لِضَرُورَةٍ ظَاهِرَةٍ، فَإِنْ خَرَجْنَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا كَانَ حَرَامًا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ الْفَاحِشَةُ الزِّنَا فَيَخْرُجْنَ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ خُرُوجُهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعِصْيَانُ الظَّاهِرُ وَهُوَ النُّشُوزُ عَنْ الْمُجَاوَرَةِ وَجَمَعَ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ الْإِخْرَاجِ وَالْخُرُوجِ؛ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ إخْرَاجُ الزَّوْجِ لَهَا غَصْبًا وَكَرَاهَةً أَوْ حَاجَةً إلَى الْمَسْكَنِ وَأَنْ لَا يَأْذَنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ إذَا طَلَبَتْ وَالْخُرُوجَ خُرُوجُهُنَّ بِأَنْفُسِهِنَّ إذَا أَرَدْنَ ذَلِكَ وَقُرِئَ ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ وَتَمَامُهُ فِي التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ بِتَفْسِيرِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَذُكِرَ فِي الْجَوْهَرَةِ أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: الصَّحِيحُ تَفْسِيرُهَا بِالزِّنَا كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الرَّجْعِيَّ وَالْبَائِنَ بِنَوْعَيْهِ وَالْمُرَادُ مُعْتَدَّةُ الْفُرْقَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِطَلَاقٍ أَوْ بِغَيْرِهِ وَلَوْ كَانَتْ بِمَعْصِيَةٍ كَتَقْبِيلِهَا ابْنَ الزَّوْجِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَمَا إذَا خَرَجَتْ بِإِذْنِ الْمُطَلِّقِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ حَتَّى إنَّ الْمُطَلَّقَةَ رَجْعِيًّا وَإِنْ كَانَتْ مَنْكُوحَةً حُكْمًا لَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِ الْعِدَّةِ، وَلَوْ أَذِنَ الزَّوْجُ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ بَعْدَهُ لِلْعِدَّةِ وَهِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَمْلِكَانِ إبْطَالَهُ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لِحَقِّ الزَّوْجِ فَيَمْلِكُ إبْطَالَهُ بِالْإِذْنِ.
وَسَيَأْتِي أَنَّهَا تَخْرُجُ حَالَةَ الضَّرُورَةِ كَمَا إذَا أُخْرِجَتْ أَوْ انْهَدَمَ الْبَيْتُ فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِحَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهَا بِالْحُرِّيَّةِ وَالتَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ وَالْمُدَبَّرَةَ وَأُمَّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبَةَ وَالْمُسْتَسْعَاةَ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَالْوَفَاةِ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْعِدَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حَالِ النِّكَاحِ وَلَا يَلْزَمُهَا الْمُقَامُ فِي مَنْزِلِ زَوْجِهَا حَالَ النِّكَاحِ فَكَذَا بَعْدَهُ وَلِأَنَّ الْخِدْمَةَ حَقُّ الْمَوْلَى فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ إلَّا إذَا بَوَّأَهَا مَنْزِلًا فَحِينَئِذٍ لَا تَخْرُجُ وَلَهُ الرُّجُوعُ، وَلَوْ بَوَّأَهَا فِي النِّكَاحِ ثُمَّ طَلُقَتْ فَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ حَتَّى يَطْلُبَهَا الْمَوْلَى، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ وَالْمَجْنُونَةُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْحِدَادِ وَلَكِنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَ الْمَجْنُونَةَ تَحْصِينًا لِمَائِهِ مِنْ الْخُرُوجِ وَيَمْنَعَ الصَّغِيرَةَ إذَا كَانَتْ مُطَلَّقَةً رَجْعِيًّا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَفِي
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَمَا قِيلَ: إنَّ مِنْهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥] يَقُولُ إنِّي فِيك لَرَاغِبٌ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ نَجْتَمِعَ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَنَحْوِهِ إنَّك لَجَمِيلَةٌ أَوْ صَالِحَةٌ فَلَا يُصَرِّحُ بِنِكَاحِهَا وَلَمْ يُعَوَّلْ عَلَى مَا فِي الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ بِتَفْسِيرِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -) عَزَاهُ فِي الْفَتْحِ إلَى النَّخَعِيّ ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْ: مِنْ تَفْسِيرِهَا بِالزِّنَا أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ وَضْعِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ ﴿إِلا أَنْ﴾ [الطلاق: ١] غَايَةٌ وَالشَّيْءُ لَا يَكُونُ غَايَةً لِنَفْسِهِ وَمَا قَالَهُ النَّخَعِيّ أَبْدَعُ وَأَعْذَبُ فِي الْكَلَامِ كَمَا يُقَالُ فِي الْخَطَابِيَّاتِ لَا تَزْنِ إلَّا أَنْ تَكُونَ فَاسِقًا وَلَا تَشْتُمْ أُمَّك إلَّا أَنْ تَكُونَ قَاطِعَ رَحِمٍ وَنَحْوَهُ وَهُوَ بَدِيعٌ بَلِيغٌ جِدًّا.
(قَوْلُهُ كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ فِي الْفَتْحِ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ لَكِنْ قَالَ بَعْدَهُ وَقَالَ
стр. 1335
الْمِعْرَاجِ وَشَرْحِ النُّقَايَةِ الْمُرَاهِقَةُ كَالْبَالِغَةِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْخُرُوجِ وَكَالْكِتَابِيَّةِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْإِحْدَادِ، وَأَمَّا الْكِتَابِيَّةُ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُخَاطَبَةٍ بِحَقِّ الشَّرْعِ إلَّا إنْ مَنَعَهَا الزَّوْجُ صِيَانَةً لِمَائِهِ، وَكَذَا إذَا أَسْلَمَ زَوْجُ الْمَجْنُونَةِ وَأَبَتْ الْإِسْلَامَ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ الْكِتَابِيَّةُ لَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمَةِ فَإِنَّهَا لَا تَخْرُجُ لَا بِإِذْنِ الزَّوْجِ وَلَا بِعَدَمِ الْإِذْنِ اهـ.
وَبَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ فَرْقٌ لِلْمُتَأَمِّلِ وَقُيِّدَ بِمُعْتَدَّةِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ مُعْتَدَّةَ الْوَطْءِ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ كَالْمُعْتَدَّةِ عَنْ عِتْقٍ كَأُمِّ الْوَلَدِ إذَا أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا وَالْمُعْتَدَّةِ عَنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْمَنْعَ عَنْ الْخُرُوجِ قَبْلَ التَّفْرِيقِ فَكَذَا فِي عِدَّتِهِ إلَّا إنْ مَنَعَهَا الزَّوْجُ لِتَحْصِينِ مَائِهِ فَلَهُ ذَلِكَ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهِ أُمُّ الْوَلَدِ إذَا أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا فَلَهُ مَنْعُهَا لِتَحْصِينِ مَائِهِ، فَإِنْ أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ فِي الْعِدَّةِ أَوْ أَسْلَمَتْ الْكِتَابِيَّةُ حَرُمَ الْخُرُوجُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي الصَّغِيرَةِ إذَا بَلَغَتْ وَالْمَجْنُونَةِ إذَا أَفَاقَتْ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَسَائِرُ وُجُوهِ الْفَرْقِ الَّتِي تُوجِبُ الْعِدَّةَ مِنْ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ سَوَاءٌ يَعْنِي فِي حَقِّ حُرْمَةِ الْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهَا فِي الْعِدَّةِ فَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ نِكَاحًا فَاسِدًا تَعْتَدُّ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ وَحُكِيَ فَتْوَى شَمْسِ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيِّ أَنَّهَا لَا تَعْتَدُّ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ عَلَيْهَا اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى لَا تُمْنَعُ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ مِنْ الْخُرُوجِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا قَبَّلَتْ ابْنَ زَوْجِهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَهَا السُّكْنَى، وَالنَّصْرَانِيُّ إذَا طَلَّقَ النَّصْرَانِيَّةَ فَلَهَا النَّفَقَةُ لَا السُّكْنَى وَشَمِلَ أَيْضًا الْمَنْزِلَ الْمَمْلُوكَ لِلزَّوْجِ وَغَيْرِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ غَائِبًا وَهِيَ فِي دَارٍ بِأُجْرَةٍ قَادِرَةٌ عَلَى دَفْعِهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ بَلْ تَدْفَعُ وَتَرْجِعُ إنْ كَانَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ وَشَمِلَ خُرُوجَهَا إلَى صَحْنِ دَارٍ فِيهَا مَنَازِلُ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْمَنَازِلُ لَهُ وَشَمِلَ أَيْضًا الْمُخْتَلِعَةَ عَلَى نَفَقَةِ عِدَّتِهَا فَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ وَبِهِ أَفْتَى الصَّدْرُ الشَّهِيدُ كَمَا لَوْ اخْتَلَعَتْ عَلَى أَنْ لَا سُكْنَى لَهَا وَيَلْزَمُهَا أَنْ تَكْتَرِيَ بَيْتَ الزَّوْجِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَلَوْ زَارَتْ أَهْلَهَا وَالزَّوْجُ مَعَهَا أَوْ لَا فَطَلَّقَهَا كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَعُودَ إلَى مَنْزِلِهَا ذَلِكَ فَتَعْتَدَّ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ طَلُقَتْ فِي غَيْرِ مَسْكَنِهَا تَعُودُ إلَى مَسْكَنِهَا بِغَيْرِ تَأْخِيرٍ.
(قَوْلُهُ وَمُعْتَدَّةُ الْمَوْتِ تَخْرُجُ يَوْمًا وَبَعْضَ اللَّيْلِ) لِتَكْتَسِبَ لِأَجْلِ قِيَامِ الْمَعِيشَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا حَتَّى لَوْ كَانَ عِنْدَهَا كِفَايَتُهَا صَارَتْ كَالْمُطَلَّقَةِ فَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ لِزِيَارَةٍ وَلَا لِغَيْرِهَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَدَارَ الْحِلِّ كَوْنُ خُرُوجِهَا بِسَبَبِ قِيَامِ شُغْلِ الْمَعِيشَةِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ فَمَتَى انْقَضَتْ حَاجَتُهَا لَا يَحِلُّ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ صَرْفُ الزَّمَانِ خَارِجَ بَيْتِهَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَقُولُ: لَوْ صَحَّ هَذَا عَمَّمَ أَصْحَابُنَا الْحُكْمَ فَقَالُوا لَا تَخْرُجُ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ طَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ تَخْرُجُ لِلضَّرُورَةِ بِحَسْبِهَا لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا وَالْمُعْتَدَّةُ عَنْ مَوْتٍ كَذَلِكَ فَأَيْنَ الْفَرْقُ؟ فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ جَوَازُ خُرُوجِ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ وَفَاةٍ نَهَارًا، وَلَوْ كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى النَّفَقَةِ وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ «فُرَيْعَةَ بِنْتِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ زَوْجَهَا لَمَّا قُتِلَ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي الِانْتِقَالِ إلَى بَنِي خُدْرَةَ
ــ
[منحة الخالق]
ابْنُ عَبَّاسٍ الْفَاحِشَةُ نُشُوزُهَا وَأَنْ تَكُونَ بَذِيَّةَ اللِّسَانِ عَلَى أَحْمَائِهَا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا أَسْلَمَ زَوْجُ الْمَجْنُونَةِ) كَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَفِي نُسْخَةٍ زَوْجُ الْمَجُوسِيَّةِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ كَمَا لَوْ اخْتَلَعَتْ عَلَى أَنْ لَا سُكْنَى لَهَا) لِمَا مَرَّ فِي الْخُلْعِ أَنَّهُ لَا يُسْقِطُ السُّكْنَى وَإِنْ نُصَّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا حَقُّ الشَّرْعِ نَعَمْ إذَا أَبْرَأَتْهُ عَنْ مُؤْنَةِ السُّكْنَى يَصِحُّ كَمَا فِي الْفَتْحِ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْفَتْحِ هُنَا مَا نَصُّهُ كَمَا لَوْ اخْتَلَعَتْ عَلَى أَنْ لَا سُكْنَى لَهَا فَإِنَّ مُؤْنَةَ السُّكْنَى تَبْطُلُ عَنْ الزَّوْجِ وَيَلْزَمُهَا أَنْ تَكْتَرِيَ بَيْتَ الزَّوْجِ.
(قَوْلُهُ وَأَقُولُ: لَوْ صَحَّ هَذَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إنَّمَا أُبِيحَ لَهَا الْخُرُوجُ لِضَرُورَةِ اكْتِسَابِ النَّفَقَةِ، فَإِذَا قَدَرَتْ عَلَيْهَا فَلَا ضَرُورَةَ تَلْحَقُهَا بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ فَإِنَّ نَفَقَتَهَا عَلَيْهِ وَبِهَذَا اتَّضَحَ الْفَرْقُ وَقَدْ رَجَعَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي آخِرِ كَلَامِهِ إلَى هَذَا اهـ.
قُلْت وَعِبَارَةُ الْمُجْتَبَى شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ وَنَصُّهَا وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَخْرُجُ نَهَارًا وَبَعْضَ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا فَتَحْتَاجُ إلَى الْخُرُوجِ نَهَارًا لِطَلَبِ الْمَعَاشِ وَقَدْ يَهْجُمُ عَلَيْهَا اللَّيْلُ وَلَا كَذَلِكَ الْمُطَلَّقَةُ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ دَارَّةٌ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ الزَّوْجِ اهـ.
وَهَكَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُ الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ فِي الْكَافِي وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ لِحَاجَتِهَا وَلَا تَبِيتُ بِغَيْرِ مَنْزِلِهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا فَقَوْلُهُ لِحَاجَتِهَا أَوْضَحَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا حَاجَةُ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ، وَأَمَّا الْحَاجَةُ لِغَيْرِهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِيهَا كَمَا إذَا أُخْرِجَتْ مِنْ الْمَنْزِلِ أَوْ انْهَدَمَ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ لَا يَجُوزُ التَّعْرِيضُ لَهَا بِالْخِطْبَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ مِنْ مَنْزِلِهَا أَصْلًا فَلَا يُتَمَكَّنُ مِنْ التَّعْرِيضِ، وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ أَنَّ بِنَاءَ التَّعْرِيضِ عَلَى الْخُرُوجِ اهـ.
(قَوْلُهُ بِنْتِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) الَّذِي فِي الْفَتْحِ وَالْمِعْرَاجِ أُخْتُهُ لَا بِنْتُهُ
стр. 1336
فَقَالَ لَهَا: اُمْكُثِي فِي بَيْتِك حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» فَدَلَّ عَلَى حُكْمَيْنِ إبَاحَةِ الْخُرُوجِ بِالنَّهَارِ وَحُرْمَةِ الِانْتِقَالِ حَيْثُ لَمْ يُنْكِرْ خُرُوجَهَا وَمَنَعَهَا مِنْ الِانْتِقَالِ وَرَوَى عَلْقَمَةُ أَنَّ نِسْوَةً مِنْ هَمْدَانَ نُعِيَ إلَيْهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ فَسَأَلْنَ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ فَقُلْنَ إنَّا نَسْتَوْحِشُ فَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَجْتَمِعْنَ بِالنَّهَارِ، فَإِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ فَلْتَرْجِعْ كُلُّ امْرَأَةٍ إلَى بَيْتِهَا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَفِي الْمُحِيطِ عَزَاءُ الثَّانِي إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَفِي الْجَوْهَرَةِ يَعْنِي بِبَعْضِ اللَّيْلِ مِقْدَارَ مَا تَسْتَكْمِلُ بِهِ حَوَائِجَهَا، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا بَأْسَ بِأَنْ تَتَغَيَّبَ عَنْ بَيْتِهَا أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ صَحِيحَةٌ اهـ.
وَلَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ لِحَاجَتِهَا إلَى نَفَقَتِهَا وَلَا تَبِيتُ إلَّا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا اهـ.
فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُحْتَاجَةً إلَى النَّفَقَةِ لَا يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ نَهَارًا كَمَا فَهِمَهُ الْمُحَقِّقُ.
(قَوْلُهُ وَتَعْتَدَّانِ فِي بَيْتٍ وَجَبَتْ فِيهِ إلَّا أَنْ تُخْرَجَ أَوْ يَنْهَدِمَ) أَيْ مُعْتَدَّةُ الطَّلَاقِ وَالْمَوْتِ يَعْتَدَّانِ فِي الْمَنْزِلِ الْمُضَافِ إلَيْهِمَا بِالسُّكْنَى وَقْتَ الطَّلَاقِ وَالْمَوْتِ وَلَا يُخْرَجَانِ مِنْهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ لِمَا تَلَوْنَاهُ مِنْ الْآيَةِ وَالْبَيْتُ الْمُضَافُ إلَيْهَا فِي الْآيَةِ مَا تَسْكُنُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ سَاكِنًا مَعَهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَلِهَذَا قَدَّمْنَا أَنَّهَا لَوْ زَارَتْ أَهْلَهَا فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَعُودَ إلَى مَنْزِلِهَا فَتَعْتَدَّ فِيهِ وَاسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ أَجْرَ الْمَنْزِلِ بَعْدَ وَفَاةِ الزَّوْجِ مِنْ مَالِهَا إنْ كَانَ لَهَا مَالٌ وَبَعْدَ الطَّلَاقِ عَلَى الزَّوْجِ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا فَطُولِبَتْ بِالْكِرَاءِ فَعَلَيْهَا إعْطَاؤُهُ مِنْ مَالِهَا حَيْثُ كَانَتْ قَادِرَةً وَتَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ إنْ دَفَعَتْ بِإِذْنِ الْقَاضِي هَكَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا هَكَذَا أَطْلَقَهُ الشَّيْخَانِ خواهر زاده وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ مِنْهَا قَبْلَ الْعِدَّةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَأْجِرَةً وَلَا زَوْجُهَا مُسْتَأْجِرًا.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّ الْمَنْزِلَ إذَا كَانَ بِإِجَارَةٍ يُنْظَرُ إنْ كَانَتْ مُشَاهَرَةً فَلَهَا التَّحَوُّلُ وَإِنْ كَانَتْ إجَارَةٌ إلَى مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَلَيْسَ لَهَا التَّحَوُّلُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَاسْتُفِيدَ أَيْضًا أَنْ الْمُطَلِّقَ لَوْ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يُسَكِّنَهَا بِجِوَارِهِ لَا يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا تَعْتَدُّ فِي مَسْكَنٍ كَانَتْ تَسْكُنُهُ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَأُطْلِقَ فِي الْإِخْرَاجِ فَشَمِلَ مَا إذَا أَخْرَجَهَا الْمُطَلِّقُ ظُلْمًا وَتَعَدِّيًا وَمَا إذَا أَخْرَجَهَا صَاحِبُ الدَّارِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمَا عَلَى الْكِرَاءِ وَوَجَدَتْ مَنْزِلًا بِغَيْرِ كِرَاءٍ وَمَا إذَا أَخْرَجَهَا الْوَارِثُ وَكَانَ نَصِيبُهَا مِنْ الْبَيْتِ لَا يَكْفِيهَا وَفِي الْمُجْتَبَى كَانَ نَصِيبُهَا مِنْ دَارِ الْمَيِّتِ لَا يَكْفِيهَا اشْتَرَتْ مِنْ الْأَجَانِبِ وَأَوْلَادِهِ الْكِبَارِ، وَكَذَا فِي الطَّلَاق الْبَائِنِ اهـ.
وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ الشِّرَاءِ عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ قَادِرَةً وَيُقَالُ يَجِبُ الْكِرَاءُ وَالشِّرَاءُ إنْ أَمْكَنَ وَحُكْمُ مَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ حُكْمُ الْمَسْكَنِ الْأَصْلِيِّ فَلَا تَخْرُجُ مِنْهُ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ وَتَعْيِينُ الْمَنْزِلِ الثَّانِي لِلزَّوْجِ فِي مُعْتَدَّةِ الطَّلَاقِ وَلَهَا فِي الْوَفَاةِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَكَذَا إذَا كَانَ زَوْجُهَا غَائِبًا وَطَلَّقَهَا فَالتَّعْيِينُ لَهَا كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَفِي الْمِعْرَاجِ أَيْضًا عُيِّنَ انْتِقَالُهَا إلَى أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِمَّا انْهَدَمَ فِي الْوَفَاةِ وَإِلَى حَيْثُ شَاءَتْ فِي الطَّلَاقِ وَالْمُرَادُ بِالِانْهِدَامِ خَوْفُهُ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ فَلَهَا الْخُرُوجُ إذَا خَافَتْ الِانْهِدَامَ عَلَيْهَا وَالْمُرَادُ إذَا خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ مَتَاعِهَا مِنْ اللُّصُوصِ فَلَهَا التَّحَوُّلُ لِلضَّرُورَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَصْرَ الْأَعْذَارِ فِيمَا ذُكِرَ فَمِنْهَا مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ وَهِيَ تَخَافُ بِاللَّيْلِ بِالْقَلْبِ مِنْ أَمْرِ الْمَيِّتِ وَالْمَوْتِ إنْ كَانَ الْخَوْفُ شَدِيدًا كَانَ لَهَا التَّحَوُّلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَدِيدًا فَلَيْسَ لَهَا التَّحَوُّلُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَفِي الْقُنْيَةِ خَرَجَتْ الْمُعْتَدَّةُ لِإِصْلَاحِ مَا لَا بُدَّ لَهَا كَالزِّرَاعَةِ وَطَلَبِ النَّفَقَةِ وَإِخْرَاجِ الْكَرْمِ وَلَا وَكِيلَ لَهَا فَلَهَا ذَلِكَ اهـ.
وَمِنْهَا طَلَّقَهَا بِالْبَادِيَةِ وَهِيَ مَعَهُ فِي مِحَفَّةٍ أَوْ خَيْمَةٍ وَالزَّوْجُ يَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ لِلْكَلَأِ وَالْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا ضَرَرٌ بَيِّنٌ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِتَرْكِهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ بِهَا وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَيْضًا وَلَيْسَ مِنْهَا سَفَرُهَا لِلْحَجِّ أَوْ لِلْعُمْرَةِ فَلَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ حَيْثُ لَمْ يُنْكِرْ خُرُوجَهَا) أَيْ: خُرُوجَهَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا سَأَلَتْهُ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا سُؤَالٌ عَنْ أَمْرٍ دِينِيٍّ فَهُوَ خُرُوجٌ لِحَاجَةٍ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْعِنَايَةِ قَالَ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى حُكْمَيْنِ عَلَى أَنَّهَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ وَعَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ بِبَعْضِ النَّهَارِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا جَائِزٌ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا خُرُوجَهَا لِلِاسْتِفْتَاءِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الطَّلَاقُ الْبَائِنُ) قَالَ فِي النَّهْرِ يَعْنِي فِيمَا إذَا اخْتَلَعَتْ عَلَى السُّكْنَى
стр. 1337
تَخْرُجُ الْمُعْتَدَّةُ لِسَفَرِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ الْمُسَافَرَةُ بِالْمُعْتَدَّةِ، وَلَوْ عَنْ رَجْعِيٍّ وَقَدَّمْنَاهُ فِي بَابِهَا وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ إقَامَتِهِ مَعَهَا فِي مَنْزِلِ الطَّلَاقِ قَالَ فِي الْمُجْتَبَى وَإِذَا وَجَبَ الِاعْتِدَادُ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْكُنَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ إذَا كَانَ عَدْلًا سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا أَوْ ثَلَاثًا وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْتُوتَةِ بِسِتْرٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ فَاسِقًا فَيُحَالَ بِامْرَأَةٍ ثِقَةٍ تَقْدِرُ عَلَى الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ تَعَذَّرَ فَلْتَخْرُجْ هِيَ وَتَعْتَدَّ فِي مَنْزِلٍ آخَرَ، وَكَذَا لَوْ ضَاقَ الْبَيْتُ وَإِنْ خَرَجَ هُوَ كَانَ أَوْلَى وَلَهُمَا أَنْ يَسْكُنَا بَعْدَ الثَّلَاثِ فِي بَيْتٍ إذَا لَمْ يَلْتَقِيَا الْتِقَاءَ الْأَزْوَاجِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ خَوْفُ فِتْنَةٍ اهـ.
وَهَكَذَا صُرِّحَ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ خُرُوجَهُ أَوْلَى مِنْ خُرُوجِهَا عِنْدَ الْعُذْرِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ أَرْجَحُ فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهِ كَمَا يُقَالُ إذَا تَعَارَضَ مُحَرِّمٌ وَمُبِيحٌ تَرَجَّحَ الْمُحَرِّمُ أَوْ فَالْمُحَرِّمُ أَوْلَى وَيُرَادُ مَا قُلْنَا فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ عَلَّلُوا أَوْلَوِيَّةَ خُرُوجِهِ بِأَنَّ مُكْثَهَا وَاجِبٌ لَا مُكْثَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْحَائِلَ يَمْنَعُ الْخَلْوَةَ الْمُحَرَّمَةَ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ: يُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ خَلْوَةٌ وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِالْحَائِلِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ مُعْتَرِفٌ بِالْحُرْمَةِ اهـ.
فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَدَّتَهُ إلَّا أَنْ يُوجَدَ نَقْلٌ بِخِلَافِهِ، وَكَذَا حُكْمُ السُّتْرَةِ إذَا مَاتَ زَوْجُهَا وَلَهُ أَوْلَادٌ كِبَارٌ أَجَانِبُ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَأَمَّا نَفَقَةُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الْحَائِلَةِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ مِنْ بَابِ مَا يُوضَعُ عِنْدَ الْعَدْلِ شَهِدَا أَوْ وَاحِدٌ عَدْلٌ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَقَدْ دَخَلَ يُمْنَعُ مِنْ الْخَلْوَةِ بِهَا مُدَّةَ الْمَسْأَلَةِ بِأَمِينَةٍ نَفَقَتُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَقَدُ الْحِلُّ وَالْعَدْلُ كَغَيْرِهِ وَبِخِلَافِ الْمُعْتَدَّةِ، فَإِنْ طَلَبَتْ النَّفَقَةَ تُفْرَضُ نَفَقَةُ الْعِدَّةِ مُدَّتَهَا؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ أَوْ مُعْتَدَّةٌ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ اهـ. وَتَمَامُ مَسَائِلِ الْحَيْلُولَةِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ مِنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
(قَوْلُهُ بَانَتْ أَوْ مَاتَ عَنْهَا فِي سَفَرٍ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مِصْرِهَا أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ رَجَعَتْ إلَيْهِ) أَيْ إلَى مِصْرِهَا مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْمِصْرِ أَوْ غَيْرِهِ هَذَا إذَا كَانَ الْمَقْصِدُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَمَّا إذَا كَانَ الْمَقْصِدُ أَقَلَّ فَهِيَ مُخَيَّرَةٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ رَجَعَتْ أَوْ مَضَتْ) أَيْ: لَوْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مِصْرِهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ خُيِّرَتْ إذَا كَانَ الْمَقْصِدُ كَذَلِكَ وَهِيَ فِي الْمَفَازَةِ وَلَكِنَّ الرُّجُوعَ أَوْلَى أَمَّا إذَا كَانَ الْمَقْصِدُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تَخْتَارُ الْأَدْنَى.
(قَوْلُهُ مَعَهَا وَلِيٌّ أَوْ لَا) مُتَعَلِّقٌ بِالصُّورَتَيْنِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَتْ فِي مِصْرَ تَعْتَدُّ ثَمَّةَ فَتَخْرُجُ بِمَحْرَمٍ) فَلَا تَخْرُجُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ لَهَا مَحْرَمٌ أَوْ لَا قُيِّدَ بِالْبَائِنِ؛ لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ رَجْعِيًّا تَابِعَةٌ لِلزَّوْجِ وَلَا تُفَارِقُهُ وَحَاصِلُ الْوُجُوهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مِصْرِهَا وَمَقْصِدِهَا أَقَلُّ مِنْ السَّفَرِ فَتَتَخَيَّرُ وَالْأَوْلَى الرُّجُوعُ عَلَى مَا فِي الْكَافِي وَعَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا يَتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا سَفَرًا وَالْآخَرُ دُونَهُ فَتَخْتَارُ مَا دُونَهُ، فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا سَفَرًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَفَازَةٍ أَوْ مِصْرٍ، فَإِنْ كَانَتْ فِي مَفَازَةٍ تَخَيَّرَتْ وَالْأَوْلَى الرُّجُوعُ وَإِنْ كَانَتْ فِي مِصْرٍ لَمْ تَخْرُجْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ كَانَتْ الْجِهَتَانِ مُدَّةَ سَفَرٍ فَمَضَتْ أَوْ رَجَعَتْ وَبَلَغَتْ أَدْنَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْإِقَامَةِ أَقَامَتْ فِيهِ وَاعْتَدَّتْ إنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَا إنْ وَجَدَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمِثْلُهُ فِي الْمُحِيطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
(بَابُ ثُبُوتِ النَّسَبِ)
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَلَا وَكِيلَ لَهَا فَلَهَا ذَلِكَ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ تَبِيتَ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا (قَوْلُهُ وَلَهُ أَوْلَادٌ كِبَارٌ أَجَانِبُ) عِبَارَةُ الْمِعْرَاجِ، وَكَذَا فِي الْوَفَاةِ إنْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ كِبَارٌ مِنْ غَيْرِهَا غَيْرُ مَحْرَمٍ لَهَا وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ أَوْلَادَهُ الْكِبَارَ أَجَانِبُ لَهَا وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ امْرَأَةَ الْأَبِ تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَقَدْ مَرَّ فِي الْمُحَرَّمَاتِ أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْآيَةِ لِلْعَقْدِ إجْمَاعًا وَعِبَارَةُ الْفَتْحِ سَالِمَةٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ إذَا كَانَ مِنْ وَرَثَتِهِ مَنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهَا وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهَا لَا تَسْتَتِرُ مِنْ أَوْلَادِهِ الْكِبَارِ لَكِنْ رَأَيْت فِي كَافِي الْحَاكِمِ مَا نَصُّهُ وَإِذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَلَيْسَ لَهَا إلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حِجَابًا وَكَذَلِكَ فِي الْوَفَاةِ إذَا كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ رِجَالٌ مِنْ غَيْرِهَا فَجَعَلُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا سِتْرًا أَقَامَتْ وَإِلَّا انْتَقَلَتْ اهـ.
وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ شَابَّةً يُخْشَى عَلَيْهَا الْفِتْنَةُ مِنْ الْخَلْوَةِ مَعَهُمْ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا مَحَارِمَ لَهَا لَكِنْ قَدْ يُمْنَعُ الْمَحْرَمُ كَمَا قَالُوا بِكَرَاهَةِ الْخَلْوَةِ بِالصِّهْرَةِ الشَّابَّةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَعَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا يَتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ) ذُكِرَ فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَأَنَّهُ الْأَوْجَهُ؛ لِأَنَّهَا كَمَا رَجَعَتْ تَصِيرُ مُقِيمَةً وَإِذَا مَضَتْ تَكُونُ مُسَافِرَةً مَا لَمْ تَصِلْ إلَى الْمَقْصِدِ، فَإِذَا قَدَرَتْ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنْ اسْتِدَامَةِ السَّفَرِ فِي الْعِدَّةِ تَعَيَّنَ عَلَيْهَا ذَلِكَ.
[بَابُ ثُبُوتِ النَّسَبِ]
стр. 1338
لَمَّا كَانَ مِنْ آثَارِ الْحَمْلِ ذَكَرَهُ عَقِيبَ الْعِدَّةِ (قَوْلُهُ وَمَنْ قَالَ إنْ نَكَحْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ نَكَحَهَا لَزِمَهُ نَسَبُهُ وَمَهْرُهَا) أَمَّا النَّسَبُ فَلِأَنَّهَا فِرَاشُهُ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ فَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْهَا مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ فَكَانَ الْعُلُوقُ قَبْلَهُ فِي حَالَةِ النِّكَاحِ وَالتَّصَوُّرُ ثَابِتٌ بِأَنْ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُخَالِطُهَا فَوَافَقَ الْإِنْزَالُ النِّكَاحَ وَالنَّسَبُ مِمَّا يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِهِ وَالتَّزَوُّجُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إمَّا بِتَكَلُّمِهِمَا وَسَمَاعِ الشُّهُودِ أَوْ بِأَنَّهُمَا وَكَّلَا فِي التَّزْوِيجِ فَزَوَّجَهُمَا الْوَكِيلُ وَهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالثَّانِي أَحْسَنُ كَمَا لَا يَخْفَى وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْحَمْلَ عَلَى مَا إذَا تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُخَالِطٌ لَهَا حَمْلُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحَرَامِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ وَلِذَا فَرَّ بَعْضُ الْمَشَايِخِ عَنْ إثْبَاتِ هَذَا التَّصَوُّرِ، وَقَالَ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ بَلْ قِيَامُ الْفِرَاشِ كَافٍ وَلَا يُعْتَبَرُ إمْكَانُ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَائِمٌ مَقَامَهُ كَمَا فِي تَزَوُّجِ الْمَشْرِقِيِّ بِمَغْرِبِيَّةٍ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ سَنَةٍ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ تَزَوُّجِهَا لَكِنْ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْحَقُّ أَنَّ التَّصَوُّرَ شَرْطٌ وَلِذَا لَوْ جَاءَتْ امْرَأَةُ الصَّبِيِّ بِوَلَدٍ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَالتَّصْوِيرُ ثَابِتٌ فِي الْمَغْرِبِيَّةِ لِثُبُوتِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَالِاسْتِخْدَامَات فَيَكُونُ صَاحِبَ خُطْوَةٍ أَوْ جِنِّيٍّ اهـ.
وَلَمْ يُجِبْ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ قُيِّدَ بِأَنْ تَلِدَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ؛ لِأَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْهَا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ حِينَئِذٍ مِنْ زَوْجٍ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَلَوْ وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْهَا لَمْ يَثْبُتْ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ حُدُوثِهِ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَقَدْ حَكَمْنَا بِهِ حَيْثُ حَكَمْنَا بِعَدَمِ وُجُوبِ الْعِدَّةِ لِكَوْنِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْخَلْوَةِ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ بُطْلَانُ هَذَا الْحُكْمِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ نَفْيَهُمْ النَّسَبَ هُنَا فِي مُدَّةٍ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ وَهُوَ سَنَتَانِ يُنَافِي الِاحْتِيَاطَ فِي إثْبَاتِهِ وَالِاحْتِمَالُ الْمَذْكُورُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ فَإِنَّ الْعَادَةَ الْمُسْتَمِرَّةَ كَوْنُ الْحَمْلِ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَرُبَّمَا يَمْضِي دُهُورٌ لَمْ تُسْمَعْ فِيهَا الْوِلَادَةُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَكَانَ الظَّاهِرُ عَدَمَ حُدُوثِهِ وَحُدُوثُهُ احْتِمَالٌ فَأَيُّ احْتِيَاطٍ فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ إذَا نَفَيْنَاهُ لِاحْتِمَالٍ ضَعِيفٍ يَقْتَضِي نَفْيَهُ وَتَرَكْنَا ظَاهِرًا يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ وَلَيْتَ شِعْرِي أَيُّ الِاحْتِمَالَيْنِ أَبْعَدُ الِاحْتِمَالُ الَّذِي فَرَضُوهُ لِتَصَوُّرِ الْعُلُوقِ مِنْهُ لِيُثْبِتُوا النَّسَبَ وَهُوَ كَوْنُهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ يَطَؤُهَا وَسَمِعَ كَلَامَهُمَا النَّاسُ وَهُمَا عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ ثُمَّ وَافَقَ الْإِنْزَالُ الْعَقْدَ أَوْ احْتِمَالُ كَوْنِ الْحَمْلِ إذَا زَادَ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِيَوْمٍ يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ اهـ.
وَأَمَّا الْمَهْرُ فَلِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْهُ جُعِلَ وَاطِئًا حُكْمًا فَتَأَكَّدَ الْمَهْرُ بِهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ الْقِيَاسُ أَنَّهُ يَجِبُ مَهْرٌ وَنِصْفٌ بِالْوَطْءِ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَقَبْلَهُ وَالْجَوَابُ أَنَّا إذَا قَدَّرْنَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا حَالَةَ الْمُوَاقَعَةِ لَمْ تَكُنْ الْمُوَاقَعَةُ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ ذَكَرَهُ ابْنُ بُنْدَارٍ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا قِيلَ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْهُ وَطْؤُهُ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ قَدْ يَكُونُ بِإِدْخَالِ الْمَاءِ الْفَرْجَ بِدُونِ جِمَاعٍ مَعَ أَنَّهُ نَادِرٌ وَالْوَجْهُ الظَّاهِرُ هُوَ الْمُعْتَادُ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَصَحُّ فِي ثُبُوتِ هَذَا النَّسَبِ إمْكَانَ الدُّخُولِ وَتَصَوُّرُهُ لَيْسَ إلَّا بِمَا ذُكِرَ مِنْ تَزْوِيجِهَا حَالَ وَطْئِهَا الْمُبْتَدَأِ بِهِ قَبْلَ التَّزَوُّجِ وَقَدْ حُكِمَ فِيهِ بِمَهْرٍ وَاحِدٍ فِي صَرِيحِ الرِّوَايَةِ يَلْزَمُ كَوْنُ مَا ذُكِرَ مُطْلَقًا وَمَنْسُوبًا وَقَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ الْمَهْرِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا فِي حَالِ مَا يَطَؤُهَا كَانَ عَلَيْهِ مَهْرَانِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَعِبَارَةُ أَبِي يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي عَلَى مَا نَقَلَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَجِبَ عَلَى الزَّوْجِ مَهْرٌ وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا فَوَجَبَ نِصْفُ الْمَهْرِ وَمَهْرٌ آخَرُ بِالدُّخُولِ، قَالَ: إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اسْتَحْسَنَ وَقَالَ لَا يَجِبُ إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَاهُ بِمَنْزِلَةِ الدُّخُولِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ فَتَأَكَّدَ ذَلِكَ الصَّدَاقُ وَاشْتُبِهَ وُجُوبُ الزِّيَادَةِ اهـ.
وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ لِلْمُتَأَمِّلِ لَا تُوجِبُ قَوْلَهُ بِلُزُومِ مَهْرٍ وَنِصْفٍ بَلْ ظَاهِرَةٌ فِي نَفْيِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ فَلَا يُسَوِّغُ الرِّوَايَةَ عَنْهُ بِذَلِكَ اهـ.
(قَوْلُهُ مَعَ أَنَّهُ نَادِرٌ وَالْوَجْهُ الظَّاهِرُ هُوَ الْمُعْتَادُ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ: أَقُولُ: لَيْسَ هُوَ بِأَنْدَرَ مِنْ تَزَوُّجِ الْمَغْرِبِيِّ الْمَشْرِقِيَّةَ وَإِلْحَاقِ نَسَبِهَا بِهِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ وَيَنْجُو بِهِ مِنْ حَمْلِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْفَسَادِ وَهُوَ الْمُوَاقَعَةُ وَالْعَقْدُ مَعَهَا.
(قَوْلُهُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَصَحُّ) رَدٌّ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ حَيْثُ قَالَ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ مَهْرَانِ مَهْرٌ بِالْوَطْءِ وَمَهْرٌ بِالنِّكَاحِ كَمَا إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي حَالِ مَا يَطَؤُهَا كَانَ عَلَيْهِ مَهْرَانِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ يَلْزَمُ كَوْنُ مَا ذُكِرَ مُطْلَقًا وَمَنْسُوبًا) كَوْنُ بِالرَّفْعِ فَاعِلُ يَلْزَمُ مُضَافٌ إلَى اسْمِهِ وَهُوَ مَا الْمَوْصُولَةُ، وَقَوْلُهُ مُطْلَقًا وَمَنْسُوبًا حَالَانِ مِنْ مَا وَالْمُرَادُ ذُكِرَ تَارَةً غَيْرَ مَعْزُوٍّ لِأَحَدٍ وَتَارَةً ذُكِرَ مَعْزُوًّا وَقَوْلُهُ وَقَدَّمْنَاهُ الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مَا وَالْوَاوُ لِلْحَالِ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اسْمِ الْكَوْنِ وَبَيْنَ خَبَرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ مُشْكِلًا وَقَوْلُهُ لِمُخَالَفَتِهِ تَعْلِيلٌ لِلُزُومِ إشْكَالِ الْمَذْكُورِ هَذَا وَأَجَابَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ الْإِشْكَالِ فَقَالَ الصَّوَابُ فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا: تَزَوَّجْتُك ثُمَّ أَوْلَجَ وَأَمْنَى، وَقَالَتْ: قَبِلْتُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَكَانَ الْوَطْءُ حَاصِلًا
стр. 1339
مَهْرٌ بِالزِّنَا لِسُقُوطِ الْحَدِّ بِالتَّزَوُّجِ قَبْلَ تَمَامِهِ وَمَهْرٌ بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ الْخَلْوَةِ مُشْكِلًا لِمُخَالَفَتِهِ لِصَرِيحِ الْمَذْهَبِ وَأَيْضًا الْفِعْلُ وَاحِدٌ وَقَدْ اتَّصَفَ بِشُبْهَةِ الْحِلِّ فَيَجِبُ مَهْرٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَنَسِيَ فَتَزَوَّجَهَا وَوَطِئَهَا حَيْثُ يَجِبُ مَهْرٌ وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الْوَطْءِ أَمَّا هُنَا الطَّلَاقُ مَعَ الْوَطْءِ الْحَلَالِ فِي فِعْلٍ مُتَّحِدٍ فَصَارَ الْفِعْلُ كُلُّهُ لَهُ شُبْهَةُ الْحِلِّ وَقَدْ وَجَبَ الْمَهْرُ فَلَا يَجِبُ مَهْرٌ آخَرُ اهـ.
وَقَدْ دَلَّ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ طَلَّقَهَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ لِتَيَقُّنِنَا بِالْعُلُوقِ حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ لَا يَلْزَمُهُ لِعَدَمِ التَّيَقُّنِ بِذَلِكَ وَيَسْتَوِي فِي هَذَا الْحُكْمِ ذَوَاتُ الْأَقْرَاءِ وَذَوَاتُ الْأَشْهُرِ ثَانِيهِمَا أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَسَتَأْتِي صَرِيحَةً وَذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا بِالْوَطْءِ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ.
(قَوْلُهُ وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ مُعْتَدَّةِ الرَّجْعِيِّ وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مَا لَمْ تُقِرَّ بِمُضِيِّ الْعِدَّةِ وَكَانَتْ رَجْعَةٌ فِي الْأَكْثَرِ مِنْهُمَا لَا فِي الْأَقَلِّ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ السَّنَتَيْنِ لِاحْتِمَالِ الْعُلُوقِ فِي حَالَةِ الْعِدَّةِ لِجَوَازِ أَنَّهَا تَكُونُ مُمْتَدَّةَ الطُّهْرِ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَثَبَتَ نَسَبُهُ لِوُجُودِ الْعُلُوقِ فِي النِّكَاحِ أَوْ فِي الْعِدَّةِ وَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ الْعُلُوقُ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَيُحْتَمَلُ بَعْدَهُ فَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالشَّكِّ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ كَانَتْ رَجْعَةٌ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْهُ لِانْتِفَاءِ الزِّنَا مِنْهَا فَيَصِيرُ بِالْوَطْءِ مُرَاجِعًا وَالْأَصْلُ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَأَكْثَرَهَا سَنَتَانِ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُبَاحُ الْوَطْءُ فِيهِ فَهِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالْأَقَلِّ وَهُوَ أَقْرَبُ الْأَوْقَاتِ إلَّا أَنْ يَلْزَمَ إثْبَاتُ رَجْعَةٍ بِالشَّكِّ أَوْ إيقَاعُ طَلَاقٍ بِالشَّكِّ أَوْ اسْتِحْقَاقُ مَالٍ بِالشَّكِّ فَحِينَئِذٍ يَسْتَنِدُ الْعُلُوقُ إلَى أَبْعَدِ الْأَوْقَاتِ وَهُوَ مَا قَبْلَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَثْبُتُ بِالشَّكِّ.
وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يُبَاحُ الْوَطْءُ فِيهِ فَمُدَّةُ الْحَمْلِ سَنَتَانِ وَيَكُونُ الْعُلُوقُ مُسْتَنِدًا إلَى أَبْعَدِ الْأَوْقَاتِ لِلْحَاجَةِ إلَى إثْبَاتِ النَّسَبِ وَأَمْرُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أُطْلِقَ فِي الْأَكْثَرِ مِنْهُمَا فَشَمِلَ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ وَقَيَّدَ بِعَدَمِ إقْرَارِهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَائِهَا وَالْمُدَّةُ مُحْتَمَلَةٌ بِأَنْ يَكُونَ سِتِّينَ يَوْمًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَتِسْعَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا عَلَى قَوْلِهِمَا ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إلَّا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ لِلتَّيَقُّنِ بِقِيَامِ الْحَمْلِ وَقْتَ الْإِقْرَارِ فَيَظْهَرُ كَذِبُهَا وَإِنَّمَا نَفَى الْأَقَلَّ بِقَوْلِهِ لَا فِي الْأَقَلِّ مِنْهُمَا مَعَ فَهْمِهِ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْأَكْثَرِ لِبَيَانِ أَنَّ حُكْمَ السَّنَتَيْنِ حُكْمُ الْأَكْثَرِ وَلِذَا قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَإِذَا جَاءَتْ بِهِ لِسَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ كَانَ رَجْعَةً اهـ.
وَأُطْلِقَ فِي الْمُعْتَدَّةِ فَشَمِلَ الْمُعْتَدَّةَ بِالْحَيْضِ أَوْ بِالْأَشْهُرِ لِيَأْسِهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ إلَّا إذَا أَقَرَّتْ بِانْقِضَائِهَا بِالْأَشْهُرِ لِإِيَاسِهَا مُفَسَّرًا بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ بَائِنًا كَانَ أَوْ رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّهَا لَمَّا وَلَدَتْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ آيِسَةً فَتَبَيَّنَ أَنَّ عِدَّتَهَا لَمْ تَكُنْ بِالْأَشْهُرِ فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهَا بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْأَشْهُرِ فَصَارَ كَأَنَّهَا لَمْ تُقِرَّ أَصْلًا (قَوْلُهُ وَالْبَتُّ لِأَقَلَّ مِنْهُمَا) أَيْ: وَيَثْبُتُ
ــ
[منحة الخالق]
فِي صُلْبِ الْعَقْدِ غَيْرَ مُتَقَدِّمٍ عَلَيْهِ وَلَا مُتَأَخِّرٍ عَنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ اهـ.
أَيْ: بِخِلَافِ مَا إذَا وَطِئَ أَوَّلًا حَرَامًا ثُمَّ أَجْرَى الْعَقْدَ قَبْلَ النَّزْعِ فَإِنَّهُ لَمَّا سَقَطَ الْحَدُّ بِالْعَقْدِ وَجَبَ مَهْرُ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ وَالْمَهْرُ الثَّانِي وَجَبَ بِالْعَقْدِ الْجَارِي حَالَ وَطْئِهِ وَلَيْسَ فِي تِلْكَ إلَّا الْمَهْرُ الَّذِي حَصَلَ بِالْعَقْدِ فَلَا وَجْهَ لِكَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَلَا يُقَاسُ أَحَدُ الْفَرْعَيْنِ عَلَى الْآخَرِ.
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَلْزَمَ إثْبَاتُ رَجْعَةٍ بِالشَّكِّ إلَخْ) سَنَذْكُرُ عَنْ الْفَتْحِ تَوْضِيحَ هَذَا عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَلَوْ نَكَحَ أَمَةً فَطَلَّقَهَا.
(قَوْلُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ إلَّا إذَا أَقَرَّتْ إلَخْ) أَقُولُ: عِبَارَةُ الْبَدَائِعِ هَكَذَا، فَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا وَإِذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ إلَى سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا وَلَدَتْ عُلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِآيِسَةٍ بَلْ هِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ وَإِنْ كَانَتْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَإِنْ كَانَتْ أَقَرَّتْ بِهِ مُفَسَّرًا بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِآيِسَةٍ تَبَيَّنَ أَنَّ عِدَّتَهَا لَمْ تَكُنْ بِالْأَشْهُرِ فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهَا بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْأَشْهُرِ فَالْتَحَقَ إقْرَارُهَا بِالْعَدَمِ وَجُعِلَ كَأَنَّهَا لَمْ تُقِرَّ أَصْلًا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَرَّتْ بِهِ مُطْلَقًا فِي مُدَّةٍ تَصْلُحُ لِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ، فَإِنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ أَقَرَّتْ ثَبَتَ النَّسَبُ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَطَلَ الْيَأْسُ تَعَذَّرَ حَمْلُ إقْرَارِهَا عَلَى الْإِقْرَارِ بِالِانْقِضَاءِ بِالْأَشْهُرِ لِبُطْلَانِ الِاعْتِدَادِ بِالْأَشْهُرِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالِانْقِضَاءِ بِالْأَقْرَاءِ حَمْلًا لِكَلَامِ الْعَاقِلَةِ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الصِّحَّةِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ اهـ.
стр. 1340
نَسَبُ وَلَدِ مُعْتَدَّةِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ إذَا وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ قَائِمًا وَقْتَ الطَّلَاقِ فَلَا يُتَيَقَّنُ بِزَوَالِ الْفِرَاشِ فَيَثْبُتُ النَّسَبُ احْتِيَاطًا (قَوْلُهُ وَإِلَّا لَا) صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ بِمَا إذَا أَتَتْ بِهِ لِسَنَتَيْنِ فَقَطْ وَبِمَا إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْهُمَا وَاقْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى الثَّانِي وَصَرَّحَ فِي الْمُجْتَبَى وَالنُّقَايَةِ بِأَنَّ حُكْمَ السَّنَتَيْنِ كَالْأَكْثَرِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ أَمَّا إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْهُمَا فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ حَادِثٌ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَلَا يَكُونُ مِنْهُ لِحُرْمَةِ وَطْئِهَا فِي الْعِدَّةِ بِخِلَافِ الرَّجْعِيِّ.
وَأَمَّا إذَا أَتَتْ بِهِ لِتَمَامِ السَّنَتَيْنِ فَمُشْكِلٌ فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ سَنَتَانِ وَأَلْحَقُوا السَّنَتَيْنِ بِالْأَقَلِّ مِنْهُمَا حَتَّى أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا النَّسَبَ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِتَمَامِ سَنَتَيْنِ وَجَوَابُهُ بِالْفَرْقِ فَإِنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْتُوتَةِ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِسَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ لَوْ أَثْبَتْنَا النَّسَبَ مِنْهُ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْعُلُوقُ سَابِقًا عَلَى الطَّلَاقِ حَتَّى يَحِلَّ الْوَطْءُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ كَوْنُ الْوَلَدِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ، وَفِي الْحَدِيثِ لَا يَمْكُثُ الْوَلَدُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَبْتُوتَةِ لِحِلِّ الْوَطْءِ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَبْتُوتَةِ الْقَيْدَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الرَّجْعِيَّةِ وَهُوَ عَدَمُ الْإِقْرَارِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مَعَ أَنَّهُ قَيْدٌ فِيهِمَا كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ وَقَوْلُهُ وَإِلَّا لَا مُقَيِّدَ بِمَا إذَا لَمْ تَلِدْ وَلَدًا قَبْلَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حَتَّى لَوْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ أَحَدُهُمَا لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ وَالْآخَرُ لِأَكْثَرَ مِنْهُمَا ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ كَالْجَارِيَةِ إذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ بَعْدَ بَيْعِهَا ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ الْأَوَّلَ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ مِنْ عُلُوقٍ حَادِثٍ فَمِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ عَلِقَ بِهِ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ لِعَدَمِ الِاسْتِحَالَةِ حَتَّى لَوْ وَلَدَتْ أَحَدَهُمَا لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ وَالْآخَرَ لِأَكْثَرَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ أَوْ نَقُولُ يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْبَائِعَ الْتَزَمَهُ قَصْدًا بِالدَّعْوَةِ وَالزَّوْجَ لَمْ يَدَّعِ حَتَّى لَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ الْأَوَّلَ كَانَ مِثْلَهُ، وَلَوْ خَرَجَ بَعْضُهُ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ وَبَاقِيهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ لَا يَلْزَمُهُ حَتَّى يَكُونَ الْخَارِجُ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ نِصْفَ بَدَنِهِ أَوْ يَخْرُجُ مِنْ قِبَلِ الرِّجْلَيْنِ أَكْثَرُ الْبَدَنِ لِأَقَلَّ وَالْبَاقِي لِأَكْثَرَ ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ﵀ أَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ أَوْ قَبْلَهُ قَالُوا فِيمَا إذَا وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ يُحْكَمُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا قَبْلَ وِلَادَتِهَا بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَيَجِبُ أَنْ تَرُدَّ نَفَقَةَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَقَدْ أَخَذَتْ مَالًا لَا تَسْتَحِقُّهُ فِي هَذِهِ السِّتَّةِ أَشْهُرٍ فَتَرُدُّهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا تَنْقَضِي إلَّا بِوَضْعِ الْحَمْلِ بِدَلِيلِ جَوَازِ عَدَمِ تَزَوُّجِهَا بِالْغَيْرِ قَبْلَ وَضْعِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ وَكَذَلِكَ إذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي حَالِ الْمَرَضِ فَامْتَدَّ مَرَضُهُ إلَى سَنَتَيْنِ وَامْتَدَّتْ عِدَّتُهَا إلَى سَنَتَيْنِ ثُمَّ مَاتَ ثُمَّ وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِشَهْرٍ وَقَدْ كَانَ أَعْطَاهَا النَّفَقَةَ إلَى وَقْتِ الْوَفَاةِ فَإِنَّهَا لَا تَرِثُهُ وَيَسْتَرِدُّ مِنْهَا نَفَقَةَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ قَالَهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تَرِثُ وَلَا يَسْتَرِدُّ مِنْهَا شَيْئًا اهـ.
وَأُطْلِقَ فِي الْبَتِّ فَشَمِلَ الْوَاحِدَةَ وَالثَّلَاثَ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَشَمِلَ الْحُرَّةَ وَالْأَمَةَ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمْلِكَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ فَلَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ مَلَكَهَا يَلْزَمُهُ وَلَدُهَا إنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْمِلْكِ وَلَا يَلْزَمُهُ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ مُفَصَّلًا، وَاعْلَمْ أَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ وَلَدِ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنَةِ مُقَيَّدٌ بِمَا سَيَأْتِي مِنْ الشَّهَادَةِ بِالْوِلَادَةِ أَوْ اعْتِرَافٍ مِنْ الزَّوْجِ بِالْحَبَلِ أَوْ حَبَلٍ ظَاهِرٍ، وَفِي الْخَانِيَّةِ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ إذَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ فِي الْعِدَّةِ وَوَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ طَلَاقِ الْأَوَّلِ وَلِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ نِكَاحِ الثَّانِي كَانَ الْوَلَدُ لِلْأَوَّلِ وَإِنْ وَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ طَلَاقِ الْأَوَّلِ لَا يَلْزَمُ الْأَوَّلَ ثُمَّ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا أَتَتْ بِهِ لِتَمَامِ السَّنَتَيْنِ فَمُشْكِلٌ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَأَمَّا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِتَمَامِ سَنَتَيْنِ فَعَدَمُ ثُبُوتِهِ مِنْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ مُخَالِفٌ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ سَنَتَانِ وَلِرِوَايَةِ الْإِيضَاحِ والإسبيجابي وَالْأَقْطَعِ مِنْ أَنَّهُ يَثْبُتُ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِسَنَتَيْنِ وَمِنْ ثَمَّ جَزَمَ الشَّارِحُ بِحَمْلِ كَلَامِهِ عَلَى الْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ كَوْنُ الْوَلَدِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَمْنُوعٌ بِالْحَمْلِ عَلَى جَعْلِ الْعُلُوقِ فِي حَالِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ قَبْلَ زَوَالِ الْفِرَاشِ كَمَا قَرَّرَهُ قَاضِي خَانْ وَهُوَ حَسَنٌ، وَفِي الْجَوْهَرَةِ أَنَّ قَوْلَ الْقُدُورِيِّ بِعَدَمِ ثُبُوتِ النَّسَبِ فِيمَا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِسَنَتَيْنِ سَهْوٌ وَالْمَذْكُورُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّهُ يَثْبُتُ وَالْحَقُّ حَمْلُهُ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ لِتَوَارُدِ الْمُتُونِ عَلَى عَدَمِ ثُبُوتِهِ كَمَا قَالَ الْقُدُورِيُّ؛ إذْ قَدْ جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَفِي الْوَافِي وَهَكَذَا صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَصَاحِبُ الْمَجْمَعِ وَهُمْ بِالرِّوَايَةِ أَدْرَى (قَوْلُهُ بِدَلِيلِ جَوَازِ عَدَمِ تَزَوُّجِهَا) الْعِبَارَةُ مَقْلُوبَةٌ
стр. 1341
يُنْظَرُ إنْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ نِكَاحِ الثَّانِي فَالْوَلَدُ لِلثَّانِي وَإِلَّا فَلَا اهـ.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ شَامِلٌ لِمَا إذَا تَزَوَّجَتْ الْمَبْتُوتَةُ فِي الْعِدَّةِ أَوْ لَمْ تَتَزَوَّجْ وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الْخَانِيَّةِ فِيمَا إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ وَقْتِ طَلَاقِ الْأَوَّلِ وَلِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ نِكَاحِ الثَّانِي، وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لِلثَّانِي وَالنِّكَاحُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ إقْدَامَهَا عَلَى التَّزَوُّجِ دَلِيلُ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ وَكَذَلِكَ إذَا أَتَتْ بِهِ لِلْأَكْثَرِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ وَلِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْ الْأَوَّلِ وَلَا مِنْ الثَّانِي فَإِنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ بِنَاءً عَلَى تَزَوُّجِ الْحَامِلِ مِنْ الزِّنَا هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً وَقْتَ النِّكَاحِ، فَإِنْ عَلِمَ وَقَعَ الثَّانِي فَاسِدًا، فَإِنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَإِنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ مِنْ الْأَوَّلِ إنْ أَمْكَنَ إثْبَاتُهُ مِنْهُ بِأَنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مُنْذُ طَلَّقَهَا الْأَوَّلُ أَوْ مَاتَ وَلِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا الثَّانِي، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ وَلِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ التَّزَوُّجِ فَهُوَ لِلثَّانِي كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ النَّفْيِ يَعْنِي إذَا جَاءَتْ بِهِ الْمَبْتُوتَةُ لِأَكْثَرَ وَادِّعَاءُ الزَّوْجِ يُثْبِتُ نَسَبَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ وَلَهُ وَجْهٌ بِأَنْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ فِي الْعِدَّةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَتَعَقَّبَهُ فِي التَّبْيِينِ بِأَنَّ الْمَبْتُوتَةَ بِالثَّلَاثِ إذَا وَطِئَهَا الزَّوْجُ بِشُبْهَةٍ كَانَتْ شُبْهَةً فِي الْفِعْلِ وَفِيهَا لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَإِنْ ادَّعَاهُ نُصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ فَكَيْفَ أَثْبَتَ بِهِ النَّسَبَ هُنَا اهـ.
وَجَوَابُهُ تَسْلِيمُ أَنَّ شُبْهَةَ الْفِعْلِ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ فِيهَا وَإِنْ ادَّعَاهُ إذَا كَانَتْ مُتَمَحِّضَةً وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَوْ عَلَى مَالٍ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ فِيهِمَا بِالدَّعْوَةِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ فِيهِمَا لَمْ تَتَمَحَّضْ لِلْفِعْلِ بَلْ هِيَ شُبْهَةُ عَقْدٍ أَيْضًا فَلَا يَكُونُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ تَنَاقُضٌ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِ بَعْضِهِمْ الْمَذْكُورَ هُنَا عَلَى الْمُبَانَةِ بِالْكِنَايَاتِ فَإِنَّ الشُّبْهَةَ فِيهَا شُبْهَةُ الْمَحَلِّ، وَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا أَوْ عَلَى مَالٍ فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا النَّسَبُ بِالدَّعْوَةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ هُنَا أَعَمُّ مِنْ الْمَبْتُوتَةِ بِالْكِنَايَاتِ أَوْ بِالثَّلَاثِ أَوْ عَلَى مَالٍ وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ أَنَّ مَنْ وَطِئَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً زُفَّتْ إلَيْهِ وَقِيلَ لَهُ إنَّهَا امْرَأَتُك فَهِيَ شُبْهَةٌ فِي الْفِعْلِ وَأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ إذَا ادَّعَاهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ شُبْهَةٍ فِي الْفِعْلِ تَمْنَعُ دَعْوَى النَّسَبِ وَأَطْلَقَ فِي الْمُخْتَصَرِ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُ الْمَرْأَةِ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ مِنْهُ وَقَدْ ادَّعَاهُ وَلَا مُعَارِضَ وَلِذَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ السَّرَخْسِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فَدَلَّ عَلَى ضَعْفِ رِوَايَةِ الِاشْتِرَاطِ وَغَرَابَتِهَا كَغَرَابَةِ مَا نَقَلَهُ فِي الْمُجْتَبَى أَنَّ تَوَقُّفَ ثُبُوتِ النَّسَبِ فِيمَا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِلْأَكْثَرِ عَلَى الدَّعْوَى إنَّمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَيَثْبُتُ النَّسَبُ بِلَا دَعْوَةٍ لِاحْتِمَالِ الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ فِي الْعِدَّةِ اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ وَكُلُّ جَوَابٍ عَرَفْته فِي الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلَاقٍ فَهُوَ الْجَوَابُ فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ مِنْ أَسْبَابِ الْفُرْقَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْمُرَاهِقَةِ لِأَقَلَّ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَإِلَّا لَا) أَيْ: وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمُطَلَّقَةِ الْمُرَاهِقَةِ إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَقَدْ كَانَ دَخَلَ بِهَا وَلَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَلَمْ تَدَّعِ حَبَلًا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ لَا يَثْبُتُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا كَمَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَثْبُتُ النَّسَبُ إلَى سَنَتَيْنِ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ كَالْكَبِيرَةِ وَإِلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يُجْعَلُ وَاطِئًا فِي آخِرِ الْعِدَّةِ وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الْأَشْهُرِ ثُمَّ تَأْتِي بِهِ لِأَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَهِيَ سَنَتَانِ وَلَهُمَا أَنَّ لِانْقِضَاءِ عِدَّةِ الصَّغِيرَةِ جِهَةً مُتَعَيِّنَةً وَهِيَ الْأَشْهُرُ فَبِمُضِيِّهَا يَحْكُمُ الشَّرْعُ بِالِانْقِضَاءِ وَهُوَ فِي الدَّلَالَةِ فَوْقَ إقْرَارِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْخِلَافَ وَالْإِقْرَارُ يَحْتَمِلُهُ، فَإِذَا وَلَدَتْ قَبْلَ مُضِيِّ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَمْلَ كَانَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَهُوَ حَمْلٌ حَادِثٌ بَعْدَ انْقِضَاءِ
ــ
[منحة الخالق]
وَحَقُّهَا بِدَلِيلِ عَدَمِ جَوَازِ تَزَوُّجِهَا.
(قَوْلُهُ وَجَوَابُهُ تَسْلِيمُ أَنَّ شُبْهَةَ الْفِعْلِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ ذِكْرِهِ هَذَا الْجَوَابَ وَاَلَّذِي فِي الْفَتْحِ أَنَّ الْمَذْكُورَ هُنَاكَ إذَا لَمْ يَدَّعِ شُبْهَةً، وَالْمَذْكُورُ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى كَوْنِهِ وَطْئًا بِشُبْهَةٍ وَالْأَجْنَبِيَّةُ يَثْبُتُ النَّسَبُ بِوَطْئِهَا بِشُبْهَةٍ فَكَيْفَ بِالْمُعْتَدَّةِ فَيَجِبُ الْجَمْعُ مَثَلًا بِأَنْ يُقَالَ يَنْبَغِي أَنْ يُصَرِّحَ بِدَعْوَى الشُّبْهَةِ الْمَقْبُولَةِ غَيْرَ مُجَرَّدِ شُبْهَةِ الْفِعْلِ ثُمَّ قَالَ وَالْوَجْهُ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ غَيْرُ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْكِتَابِ سِوَاهُ ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى مُجَرَّدِ الشُّبْهَةِ الَّتِي هِيَ مُجَرَّدُ ظَنِّ الْحِلِّ.
(قَوْلُهُ كَغَرَابَةِ مَا نَقَلَهُ فِي الْمُجْتَبَى إلَخْ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِتَمَامِ السَّنَتَيْنِ لِلُزُومِ أَنْ يَكُونَ الْعُلُوقُ سَابِقًا عَلَى الطَّلَاقِ فَيَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ مُكْثُ الْوَلَدِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ عِنْدَهُمَا بِلَا دَعْوَةٍ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِلْأَكْثَرِ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَهُ بِالْغَرَابَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ فُهِمَ مِنْ الْأَكْثَرِ أَكْثَرُ مِنْ السَّنَتَيْنِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ أَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَهِيَ السَّنَتَانِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ اخْتِلَافُ عِبَارَاتِهِمْ مَبْنِيًّا عَلَى اخْتِلَافِ أَبِي يُوسُفَ مَعَ صَاحِبَيْهِ وَيَرْتَفِعُ التَّنَاقُضُ فَتَأَمَّلْ اهـ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ عَنْ النَّهْرِ مِنْ أَنَّ الْحَقَّ حَمْلُهُ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ
стр. 1342
عِدَّتِهَا بِالْأَشْهُرِ وَقَدْ وَقَعَ فِي الْبَدَائِعِ هَذَا غَلَطٌ فَاجْتَنِبْهُ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ لِأَكْثَرَ لَا يَثْبُتُ وَصَوَابُهُ إبْدَالُ السِّتَّةِ بِالتِّسْعَةِ كَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ أَوْ إبْدَالُ قَوْلِهِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ مِنْ وَقْتِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِالْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ وَالْعِبَارَتَانِ سَوَاءٌ قَيَّدَ الْمُصَنِّفِ بِكَوْنِهَا مُطَلَّقَةً؛ لِأَنَّهَا لَوْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَمْ تُقِرَّ بِالْحَبَلِ وَلَا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَعِنْدَهُمَا إنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ عَشْرَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرَةِ أَيَّامٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ مُضِيِّ عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَإِلَّا لَمْ يَثْبُتْ؛ لِأَنَّهُ حَادِثٌ بَعْدَ مُضِيِّهَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَثْبُتُ إلَى سَنَتَيْنِ كَالْكَبِيرَةِ.
وَإِنْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ثُمَّ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ مِنْهُ، وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ دَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ، فَإِنْ كَانَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْهَا لَا يَثْبُتُ لِحُصُولِ الْعُلُوقِ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَائِهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَلَمْ تَدَّعِ حَبَلًا ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ، فَإِنْ كَانَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَمَجِيءِ الْوَلَدِ لِمُدَّةِ حَبَلٍ تَامٍّ بَعْدَهُ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهَا لَمْ تَدَّعِ حَبَلًا؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِالْحَبَلِ فَهُوَ إقْرَارٌ مِنْهَا بِالْبُلُوغِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا فَصَارَتْ كَالْكَبِيرَةِ فِي حَقِّ ثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَا يَقْتَصِرُ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا عَلَى أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةٍ، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لَا مُطْلَقًا فَإِنَّ الْكَبِيرَةَ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَإِنْ طَالَ إلَى سِنِّ الْإِيَاسِ لِجَوَازِ امْتِدَادِ طُهْرِهَا وَوَطْئِهِ إيَّاهَا فِي آخِرِ الطُّهْرِ وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِالْمُرَاهَقَةِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ كَثِيرٍ بِالصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَاهِقَةَ هِيَ الَّتِي تَلِدُ لَا مَا دُونَهَا وَمِنْ تَعْبِيرِ الْهِدَايَةِ بِالصَّغِيرَةِ الَّتِي يُجَامَعُ مِثْلُهَا كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ وَالْمَوْتِ لِأَقَلَّ مِنْهُمَا) مَعْطُوفٌ عَلَى الرَّجْعِيِّ أَيْ: وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ مُعْتَدَّةِ الْمَوْتِ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ وَقَالَ زُفَرُ إذَا جَاءَتْ بِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ حَكَمَ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالشُّهُورِ لِتَعَيُّنِ الْجِهَةِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَرَّتْ بِالِانْقِضَاءِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الصَّغِيرَةِ إلَّا أَنَّا نَقُولُ لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا جِهَةٌ أُخْرَى وَهُوَ وَضْعُ الْحَمْلِ بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا عَدَمُ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لَهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَفِيهِ شَكٌّ أُطْلِقَ فِي مُعْتَدَّةِ الْمَوْتِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْكَبِيرَةِ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَقَدَّمْنَا حُكْمَهَا وَمُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَأَمَّا إذَا أَقَرَّتْ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ عَقِيبَ هَذِهِ وَشَمِلَ كَلَامُهُ الْمَدْخُولَ بِهَا وَغَيْرَهَا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ أَوْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَشْهُرِ لَكِنْ قَيَّدَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ. قَالَ: وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَشْهُرِ، فَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ صَغِيرَةً فَحُكْمُهَا فِي الْوَفَاةِ مَا هُوَ حُكْمُهَا فِي الطَّلَاقِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ اهـ.
وَقُيِّدَ بِالْأَقَلِّ؛ لِأَنَّهَا لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِالسَّنَتَيْنِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْأَكْثَرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظِيرِهِ.
(قَوْلُهُ وَالْمُقِرَّةِ بِمُضِيِّهَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ وَإِلَّا لَا) أَيْ: وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمُعْتَدَّةِ الْمُقِرَّةِ بِمُضِيِّهَا إذَا جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ لَكِنْ قَيَّدَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنْ تَكُونَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا لَمْ أَجِدْهُ فِي الْبَدَائِعِ أَقُولُ: كَأَنَّهُ سَاقِطٌ مِنْ نُسْخَتِهِ فَقَدْ وَجَدْته فِي النُّسْخَةِ الَّتِي عِنْدِي أَيْضًا. (قَوْلُهُ فَحُكْمُهَا فِي الْوَفَاةِ مَا هُوَ حُكْمُهَا فِي الطَّلَاقِ) وَهُوَ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ آيِسَةً وَلَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ إلَى سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَإِمَّا أَنْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أَوْ لَا تُقِرُّ، فَإِنْ لَمْ تُقِرَّ فَإِمَّا أَنْ تَسْكُتَ أَوْ تُقِرَّ بِالْحَبَلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ آنِفًا وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَدَّعِ الِانْقِضَاءَ وَلَا الْحَبَلَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ هُنَا إلَّا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ كَمَا فِي الطَّلَاقِ.
وَيُخَالِفُهُ مَا قَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِكَوْنِهَا مُطَلَّقَةً إلَخْ، وَكَذَا قَالَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ الصَّغِيرَةُ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَإِنْ أَقَرَّتْ بِالْحَبَلِ فَهِيَ كَالْكَبِيرَةِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ إلَى سَنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا فِي ذَلِكَ وَإِنْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ثُمَّ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَدَّعِ حَبَلًا وَلَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَعِنْدَهُمَا إنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ عَشْرَةِ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَثْبُتُ إلَى سَنَتَيْنِ ثُمَّ ذُكِرَ بَعْدَهُ حُكْمُ الْآيِسَةِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً عَنْ وَفَاةٍ فَهِيَ وَاَلَّتِي مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ تَكُونُ بِالْأَشْهُرِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا
стр. 1343
الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهَا بِيَقِينٍ فَيَبْطُلُ الْإِقْرَارُ، وَلَوْ جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ لَمْ يَثْبُتْ؛ لِأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ بُطْلَانَ الْإِقْرَارِ لِاحْتِمَالِ الْحُدُوثِ بَعْدَهُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَإِلَّا لَا وَذُكِرَ فِي التَّبْيِينِ أَنَّ هَذَا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْفِرَاقِ بِالْمَوْتِ أَوْ بِالطَّلَاقِ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْهُمَا لَا يَثْبُتُ وَإِنْ كَانَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ كَمَا إذَا أَقَرَّتْ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا سَنَتَانِ إلَّا شَهْرَيْنِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ ثُبُوتِهِ أَنْ يَكُونَ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْفِرَاقِ بِالْمَوْتِ أَوْ بِالطَّلَاقِ وَبَعْدَهُ لَا يَثْبُتُ وَإِنْ لَمْ تُقِرَّ بِالِانْقِضَاءِ فَمَعَ الْإِقْرَارِ أَوْلَى إلَّا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ وَيَكُونُ مُرَاجِعًا عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ.
بَقِيَ فِيهِ إشْكَالٌ وَهُوَ مَا إذَا أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ وَلِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْفِرَاقِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ نَسَبُهُ إذَا كَانَتْ الْمُدَّةُ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ بِأَنْ أَقَرَّتْ بَعْدَ مَا مَضَى سَنَةٌ مَثَلًا ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ فِي شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ أَقَرَّتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إقْرَارِهَا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَنْ تَنْقَضِيَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهَا بِيَقِينٍ إلَّا إذَا قَالَتْ انْقَضَتْ عِدَّتِي السَّاعَةَ ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ اهـ.
وَهَذَا الْإِشْكَالُ ظَاهِرٌ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُمْ مَحْمُولًا عَلَى مَا إذَا أَقَرَّتْ بِالِانْقِضَاءِ السَّاعَةَ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ غَايَةِ الْبَيَانِ أَطْلَقَ الْمُعْتَدَّةَ فَشَمِلَ الْمُعْتَدَّةَ عَنْ طَلَاقٍ بِنَوْعَيْهِ وَعَنْ وَفَاةٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْآيِسَةُ تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ، فَإِذَا وَلَدَتْ ثَبَتَ نَسَبُ وَلَدِهَا فِي الطَّلَاقِ إلَى سَنَتَيْنِ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْ لَمْ تُقِرَّ اهـ. وَقَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ فَارْجِعْ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ وَالْمُعْتَدَّةُ إنْ جُحِدَتْ وِلَادَتُهَا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ حَبَلٍ ظَاهِرٍ أَوْ إقْرَارٍ بِهِ أَوْ تَصْدِيقِ الْوَرَثَةِ) أَيْ: وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمُعْتَدَّةِ إنْ جُحِدَتْ وِلَادَتُهَا بِأَحَدِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ فَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ قَائِمٌ بِقِيَامِ الْعِدَّةِ وَهُوَ مُلْزِمٌ لِلنَّسَبِ وَالْحَاجَةِ إلَى تَعْيِينِ الْوَلَدِ فِيهِ فَيَتَعَيَّنُ بِشَهَادَتِهَا وَلَهُ أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِإِقْرَارِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَالْمُنْقَضِي لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَمَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِ النَّسَبِ ابْتِدَاءً فَيُشْتَرَطُ كَمَالُ الْحُجَّةِ وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِظُهُورِ الْحَبَلِ أَوْ الِاعْتِرَافِ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ ثَابِتٌ قَبْلَ الْوِلَادَةِ وَالتَّعْيِينُ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهَا وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِتَصْدِيقِ الْوَرَثَةِ إذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً عَنْ وَفَاةٍ فَصَدَّقَهَا الْوَرَثَةُ فِي الْوِلَادَةِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ خَالِصُ حَقِّهِمْ فَيُقْبَلُ فِيهِ تَصْدِيقُهُمْ.
وَأَمَّا فِي النَّسَبِ فَظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ تَبَعٌ لِلثُّبُوتِ فِي حَقِّهِمْ وَلِذَا كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَصْدِيقِهِمْ لَفْظُ الشَّهَادَةِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَلِذَا عُبِّرَ فِي الْمُخْتَصَرِ بِلَفْظِ التَّصْدِيقِ دُونَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ تَبَعًا لَا تُرَاعَى فِيهِ الشَّرَائِطُ وَقِيلَ يُشْتَرَطُ لِيَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمُصَدِّقِ وَقُيِّدَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُصَدِّقُ جَمْعًا مِنْ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْمُصَدِّقَ لَوْ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً لَمْ يُشَارِكْ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ وَلَوْ صَدَّقَهَا رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِنْهُمْ شَارَكَ الْمُصَدِّقِينَ وَالْمُكَذِّبِينَ فَكَانَ ذَلِكَ كَشَهَادَةِ غَيْرِهِمْ إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوا لَفْظَ الشَّهَادَةِ وَالْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْإِقْرَارَ؛ لِأَنَّهُ يُشَارِكُهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُشْبِهُ الشَّهَادَةَ اُعْتُبِرَ الْعَدَدُ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُشْبِهُ الْإِقْرَارَ مَا اعْتَبَرْنَا الْخُصُومَةَ وَإِتْيَانَ لَفْظِ الشَّهَادَةِ تَوْفِيرًا عَلَى الشَّبَهَيْنِ حَظَّهُمَا كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِابْنِ بُنْدَارٍ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَحَدُ شَرْطَيْ الشَّهَادَةِ فِي تَصْدِيقِهِمْ وَهُوَ الْعَدَدُ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ شَهَادَةٌ وَلَمْ يُشْتَرَطْ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُشْتَرَطَ الْعَدَالَةُ أَيْضًا وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَتَصْدِيقِ وَرَثَةٍ بِالتَّنْكِيرِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ أَبْطَلَتْ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ لَا أَشْتَرِي الْعَبِيدَ وَلَا أَتَزَوَّجُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُشْتَرَطَ الْعَدَالَةُ أَيْضًا) قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ مَا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ الْعَدَالَةِ ثُمَّ قَالَ فَقَوْلُ شَيْخِنَا يَعْنِي صَاحِبَ الْبَحْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُشْتَرَطَ الْعَدَالَةُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي.
قُلْت وَفِيهِ أَنَّهُ كَيْفَ يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي الْمُقِرِّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ لِأَجْلِ السِّرَايَةِ فَتَأَمَّلْ وَرَاجِعْ. اهـ.
كَلَامُ الدُّرِّ أَيْ: لِأَجْلِ سِرَايَةِ ثُبُوتِ النَّسَبِ إلَى غَيْرِ الْمُقِرِّ، وَهَذَا الْجَوَابُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّأَمُّلِ وَالْمُرَاجَعَةِ قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ
стр. 1344
النِّسَاءَ لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ الْعَدَدَ إنَّمَا اشْتَرَطَهُ مَنْ جَعَلَهَا شَهَادَةً كَمَا اشْتَرَطَ لَفْظَهَا وَمَنْ جَعَلَ التَّصْدِيقَ إقْرَارًا فَلَمْ يَشْتَرِطْ لَفْظَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْعَدَدَ أَيْضًا وَعِبَارَةُ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ امْرَأَةٌ وَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَنَتَيْنِ إنْ صَدَّقَهَا الْوَرَثَةُ فِي الْوِلَادَةِ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْ الْمَيِّتِ فِي حَقِّ مَنْ صَدَّقَهَا وَهَلْ يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ إنْ كَانَ يَتِمُّ نِصَابُ الشَّهَادَةِ بِهِمْ يَثْبُتُ وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعَدَدَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِيَتَعَدَّى فِي حَقِّ الْكُلِّ عِنْدَ الْكُلِّ وَأُطْلِقَ فِي الْمُعْتَدَّةِ فَشَمِلَ الْمُعْتَدَّةَ عَنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ أَوْ بَائِنٍ وَالْمُعْتَدَّةَ عَنْ وَفَاةٍ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَقَيَّدَهَا الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ بِالطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ فِي الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ إنْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ فَكَالْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ لِانْقِضَاءِ فِرَاشِهَا بِالْوِلَادَةِ وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ شَيْءٍ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْمَنْكُوحَةِ؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ لَيْسَ بِمُنْتَقَضٍ فِي حَقِّهَا؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ رَجْعَةً كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَصُرِّحَ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجْعِيِّ وَالْبَائِنِ إلَّا أَنَّهُ عَلَّلَ بِمَا يَخُصُّ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَجْنَبِيَّةٌ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا.
وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ إنْ جُحِدَتْ وِلَادَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَرَفَ بِوِلَادَتِهَا وَأَنْكَرَ تَعْيِينَ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ تَعْيِينُهُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ إجْمَاعًا وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ إلَّا بِشَهَادَتِهَا إجْمَاعًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هُوَ غَيْرَ هَذَا الْمُعَيَّنِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ مَعَ ظُهُورِ الْحَبَلِ أَوْ اعْتِرَافِ الزَّوْجِ بِالْحَبَلِ وَقَدْ صُرِّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ قَدْ أَقَرَّ بِالْحَبَلِ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ ظَاهِرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي الْوِلَادَةِ وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ لَهَا قَابِلَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا تَثْبُتُ الْوِلَادَةُ بِدُونِ شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ.
وَهَكَذَا صَرَّحَ فِي الْغَايَةِ وَأَنْكَرَ عَلَى صَاحِبِ مُلْتَقَى الْبِحَارِ فِي اشْتِرَاطِهِ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ لِتَعْيِينِ الْوَلَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَدَّهُ فِي التَّبْيِينِ بِأَنَّهُ سَهْوٌ فَإِنَّ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ لَا بُدَّ مِنْهَا لِتَعْيِينِ الْوَلَدِ إجْمَاعًا فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي ثُبُوتِ نَفْسِ الْوِلَادَةِ، وَأَمَّا نَسَبُ الْوَلَدِ فَلَا يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هُوَ غَيْرَ هَذَا الْمُعَيَّنِ وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ لَا تَظْهَرُ إلَّا فِي حَقِّ حُكْمٍ آخَرَ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِأَنْ عَلَّقَهُمَا بِوِلَادَتِهَا حَتَّى يَقَعَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِقَوْلِهَا وَلَدْتُ؛ لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ لِاعْتِرَافِهِ بِالْحَبَلِ أَوْ لِظُهُورِهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا وَعِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ حَتَّى تَشْهَدَ قَابِلَةٌ اهـ.
وَذَكَرَ ابْنُ بُنْدَارٍ أَنَّهُ بَعْدَ الثُّبُوتِ بَقِيَتْ مُؤْتَمَنَةً فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا إلَّا أَنَّ الْقَابِلَةَ جُعِلَتْ شَرْطًا لِلْعَادَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَلِدُ إلَّا بِالْقَابِلَةِ وَإِنِّي أَقُولُ: إنَّ الْقَابِلَةَ شَرْطُ زَوَالِ التُّهْمَةِ كَالْيَمِينِ فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ وَالْيَمِينِ فِي دَعْوَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِذَا لَمْ تَشْهَدْ قَابِلَةٌ بَقِيَتْ مُتَّهَمَةً فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِيهِ اهـ.
كَلَامُهُ وَهُوَ يَصْلُحُ تَوْفِيقًا لِكَلَامِهِمْ فَمَنْ نَفَى اشْتِرَاطَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَكَالْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ) أَيْ: فَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ إلَّا بِأَحَدِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ الْمَارَّةِ وَلَا تَكْفِي شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ.
(قَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هُوَ غَيْرَ هَذَا الْمُعَيَّنِ) قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ إذَا كَانَ هُنَاكَ حَبَلٌ ظَاهِرٌ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ الْوِلَادَةَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ بِوِلَادَتِهَا الْقَابِلَةُ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتْ وَلَدًا مَيِّتًا وَأَرَادَتْ إلْزَامَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ يَصْلُحُ تَوْفِيقًا لِكَلَامِهِمْ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالٌ فَتَدَبَّرْهُ اهـ.
وَقَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ وَأَقُولُ: هَذَا التَّوْفِيقُ بَعِيدٌ عَنْ التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ إنَّمَا يَكُونُ لِتَرْتِيبِ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ أَمَّا مُجَرَّدُ زَوَالِ التُّهْمَةِ فَلَا ثَمَرَةَ لَهُ اهـ.
أَقُولُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ مُتَغَايِرَانِ وَاَلَّذِي قَالَهُ فِي التَّبْيِينِ هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْهِدَايَةِ آخِرًا، وَكَذَا كَلَامُ الِاخْتِيَارِ وَصُرِّحَ بِهِ فِي الْجَوْهَرَةِ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي عِنْدَ تَقْرِيرِ دَلِيلِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِالْحَبَلِ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ ظَاهِرًا فَإِنَّ النَّسَبَ ثَابِتٌ قَبْلَ الْوِلَادَةِ وَالْحَاجَةِ إلَى تَعْيِينِهِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ يَقُولُ لَعَلَّهُ هَلَكَ فَخَرَجَ مَيِّتًا أَوْ مَاتَ بَعْدَ الْخُرُوجِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَعْيِينِهِ وَالتَّعْيِينُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ اهـ.
فَقَوْلُهُ وَالتَّعْيِينُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ ظُهُورَهُ أَوْ الْإِقْرَارَ بِهِ لَا يُفِيدُ تَعْيِينَهُ بِدُونِ شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ وَعَلَى هَذَا مَشَى الْمُحَقِّقُ ابْنُ كَمَالٍ وَالْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ، وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ وَإِنْ جَحَدَتْ الْوَرَثَةُ أَنْ تَكُونَ هِيَ وَلَدَتْهُ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْوِلَادَةِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا لَمْ يَكُنْ حَبَلًا ظَاهِرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ أَقَرَّ بِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ إذَا كَانَتْ حُرَّةً مُسْلِمَةً وَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَلَهُ الْمِيرَاثُ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ أَقَرَّ بِالْحَبَلِ ثُمَّ جَاءَتْ بِهِ لِسَنَتَيْنِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَشَهِدَتْ عَلَى وِلَادَتِهَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ حُرَّةٌ جَازَتْ شَهَادَتُهَا وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ حَبَلًا ظَاهِرًا قَالَ أَبُو الْفَضْلِ مَعْنَى قَوْلِهِ ثُمَّ جَاءَتْ بِهِ لِسَنَتَيْنِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهَا جَاءَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ لِسَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ إخْبَارِهِ رَجُلٌ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَوْ طَلَاقًا بَائِنًا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ الطَّلَاقِ لِسَنَتَيْنِ أَوْ أَقَلَّ وَجَاءَتْ بِامْرَأَةٍ تَشْهَدُ عَلَى الْوِلَادَةِ وَالزَّوْجُ مُنْكِرٌ لِلْوَلَدِ وَالْحَبَلِ لَمْ يَلْزَمْهُ النَّسَبُ حَتَّى يَشْهَدَ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَلْزَمُهُ النَّسَبُ فِي قَوْلِهِمَا بِشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْمُعْتَدَّةُ حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً أَوْ أَمَةً فِي هَذَا الْحُكْمِ اهـ.
стр. 1345
شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ أَفَادَ أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا حَقِيقَةً لِثُبُوتِ النَّسَبِ وَمَنْ أَثْبَتَهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهَا شَرْطٌ لِزَوَالِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهَا وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ يَجِبُ قَبُولُهُ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ قَبُولَ شَهَادَةِ الرِّجَالِ عَلَى الْوِلَادَةِ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ وَأَنَّهُمْ لَا يَفْسُقُونَ بِالنَّظَرِ إلَى عَوْرَتِهَا إمَّا لِكَوْنِهِ قَدْ يَتَّفِقُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ نَظَرٍ وَلَا تَعَمُّدٍ أَوْ لِضَرُورَةٍ كَمَا فِي شُهُودِ الزِّنَا وَلَا يَخْفَى أَنَّهَا إذَا وَلَدَتْ وَجَحَدَ الزَّوْجُ وِلَادَتَهَا وَادَّعَتْ أَنَّ حَبَلَهَا كَانَ ظَاهِرًا وَأَنْكَرَ ظُهُورَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ إمَّا رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَظُهُورُ الْحَبَلِ عِنْدَ الْإِنْكَارِ إنَّمَا يَكُونُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْحَبَلَ وَقْتَ الْمُنَازَعَةِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حَتَّى يَكْفِيَ ظُهُورُهُ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ.
(قَوْلُهُ وَالْمَنْكُوحَةِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا إنْ سَكَتَ وَإِنْ جَحَدَ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ عَلَى الْوِلَادَةِ) أَيْ: يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمَنْكُوحَةِ حَقِيقَةً إذَا جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَقْتِ التَّزَوُّجِ بِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ إمَّا بِالسُّكُوتِ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَافٍ وَلَا نَفْيٍ لَهُ وَإِمَّا بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ عِنْدَ إنْكَارِ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ قَائِمٌ وَالْمُدَّةُ تَامَّةٌ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِثُبُوتِهِ اعْتَرَفَ بِهِ أَوْ سَكَتَ أَوْ أَنْكَرَ حَتَّى لَوْ نَفَاهُ لَا يَنْتَفِي إلَّا بِاللَّعَّانِ، وَفِي التَّحْقِيقِ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ لَمْ يَثْبُتْ بِهَا النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِقِيَامِ الْفِرَاشِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِهَا تَعْيِينُ الْوَلَدِ، قُيِّدَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْهَا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ سَابِقٌ عَلَى النِّكَاحِ فَلَا يَكُونُ مِنْهُ وَيَفْسُدُ النِّكَاحُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ بِشُبْهَةٍ وَأَفَادَ أَنَّهَا لَوْ جَاءَتْ بِهِ لِتَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِلَا زِيَادَةٍ أَنَّهَا كَالْأَكْثَرِ قَالُوا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَاطِئًا لَهَا فَوَافَقَ الْإِنْزَالُ النِّكَاحَ.
وَالنَّسَبُ يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِهِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَبْتُوتَةِ حَيْثُ نَفَى نَسَبَ مَا أَتَتْ بِهِ لِتَمَامِ سَنَتَيْنِ مَعَ تَصْحِيحِهِ بِأَنَّهُ طَلَّقَهَا حَالَ جِمَاعِهَا، وَصَادَفَ الْإِنْزَالُ الطَّلَاقَ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ هُنَا لِحَمْلِ أَمْرِهَا عَلَى الصَّلَاحِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ هُنَا لَزِمَ كَوْنُهُ مِنْ زِنًا أَوْ مِنْ زَوْجٍ فَتَزَوَّجَتْ بِهِ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، وَأَمَّا عَدَمُ الثُّبُوتِ هُنَاكَ لِلشَّكِّ فَلَا يَسْتَلْزِمُ نِسْبَةَ فَسَادٍ إلَيْهَا لِجَوَازِ كَوْنِ عِدَّتِهَا قَدْ انْقَضَتْ وَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ فَعَلِقَتْ مِنْهُ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَرْأَةِ هُنَا وَقَيَّدَهَا فِي الشَّهَادَاتِ بِالْعَدَالَةِ وَقَيَّدَهَا فِي الْمَبْسُوطِ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْعَدَالَةَ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ،.
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ رَجُلٌ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ فَجَاءَتْ بِسِقْطٍ قَدْ اسْتَبَانَ خَلْقُهُ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ جَازَ النِّكَاحُ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إلَّا يَوْمًا لَمْ يَجُزْ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْوَلَدُ لِلزَّوْجِ الثَّانِي، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ خَلْقَهُ لَا يَسْتَبِينُ إلَّا فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا فَيَكُونُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً وَأَرْبَعِينَ عَلَقَةً وَأَرْبَعِينَ مُضْغَةً اهـ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ وَلَدَتْ ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَتْ نَكَحْتَنِي مُنْذُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَادَّعَى الْأَقَلَّ فَالْقَوْلُ لَهَا وَهُوَ ابْنُهُ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا فَإِنَّهَا تَلِدُ ظَاهِرًا مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ وَلَا مِنْ زَوْجٍ تَزَوَّجَتْ بِهَذَا الزَّوْجِ فِي عِدَّتِهِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ وَهُوَ إضَافَةُ الْحَادِثِ وَهُوَ النِّكَاحُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ ظَاهِرَانِ فِي ثُبُوتِ نَسَبٍ قُدِّمَ الْمُثْبِتُ لَهُ لِوُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ فِيهِ حَتَّى إنَّهُ يَثْبُتُ بِالْإِيمَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ بِخِلَافِ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَهَا مُتَأَيِّدٌ بِظَاهِرِهِ وَهُوَ عَدَمُ مُبَاشَرَتِهِ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ إنْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ حَبَلٌ مِنْ الزِّنَا عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُرْمَتَهَا عَلَيْهِ بِهَذَا النَّفْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ تَزَوَّجَهَا حَامِلًا إثْبَاتُ النَّسَبِ فَيَكُونُ إقْرَارًا بِالْفَسَادِ كَمَا إذَا تَزَوَّجَهَا بِلَا شُهُودٍ لِجَوَازِهِ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ زِنًا فَإِنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَلِأَنَّ الشَّرْعَ كَذَّبَهُ حَيْثُ أَثْبَتَ النَّسَبَ وَالشَّرْعُ إذَا كَذَّبَ الْإِقْرَارَ يَبْطُلُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَذُكِرَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ مِنْ الْفَصْلِ الثَّالِثِ فِيمَنْ يَكُونُ خَصْمًا وَمَنْ لَا يَكُونُ أَنَّ الْإِقْرَارَ إنَّمَا يَبْطُلُ بِتَكْذِيبِ الشَّرْعِ إذَا كَانَ التَّكْذِيبُ بِالْبَيِّنَةِ، وَأَمَّا إذَا قُضِيَ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فَلَا يَبْطُلُ كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا وَأَقَرَّ أَنَّ الْبَائِعَ
ــ
[منحة الخالق]
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَكَذَا الْمَبْتُوتَةُ وَالْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا إذَا ادَّعَتْ الْوِلَادَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَثْبُتُ الْوِلَادَةُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ إلَّا إذَا كَانَ الْحَبَلُ ظَاهِرًا أَوْ كَانَ الزَّوْجُ أَقَرَّ بِالْحَبَلِ.
(قَوْلُهُ وَادَّعَتْ أَنَّ حَبَلَهَا كَانَ ظَاهِرًا) لَمْ يُبَيِّنْ مَا يَكُونُ بِهِ الْحَبَلُ ظَاهِرًا، وَفِي الشرنبلالية وَظُهُورُ الْحَبَلِ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَمَا فِي السِّرَاجِ، وَقَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ الْمُرَادُ بِظُهُورِ الْحَبَلِ أَنْ تَكُونَ أَمَارَاتُ حَمْلِهَا بَالِغَةً مَبْلَغًا يُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِكَوْنِهَا حَامِلًا لِكُلِّ مَنْ شَاهَدَهَا اهـ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ تَزَوَّجَهَا حَامِلًا إثْبَاتُ النَّسَبِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَزَوُّجُهَا حَامِلًا بِثَابِتِ النَّسَبِ لِيَكُونَ إقْرَارًا بِالْفَسَادِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ وَذُكِرَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ لِخُلَاصَةِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ فَالتَّوْجِيهُ الْأَوَّلُ أَسْلَمُ
стр. 1346
أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَكَذَّبَهُ الْبَائِعُ فَقَضَى الْقَاضِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي لَمْ يَبْطُلْ إقْرَارُ الْمُشْتَرِي بِالْعِتْقِ حَتَّى يَعْتِقَ عَلَيْهِ إلَى آخِرِ مَا فِيهَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ يَمِينَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَحْلِيفَ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الِاخْتِلَافِ فِي النَّسَبِ وَالنِّكَاحِ وَعِنْدَهُمَا يُسْتَحْلَفُ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِوِلَادَتِهَا وَشَهِدَتْ امْرَأَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ لَمْ تَطْلُقْ) يَعْنِي لَمْ يَقَعْ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهَا حُجَّةٌ فِي ذَلِكَ قَالَ ﵇ «شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ» وَلِأَنَّهَا لَمَّا قُبِلَتْ عَلَى الْوِلَادَةِ تَقْبَلُ فِيمَا يُبْتَنَى عَلَيْهَا وَهُوَ الطَّلَاقُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا ادَّعَتْ الْحِنْثَ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ ضَرُورِيَّةٌ فِي الْوِلَادَةِ فَلَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَكُّ عَنْهَا وَشُرِطَ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى قَوْلِهِمَا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ عَدْلَةٌ، قُيِّدَ بِالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهَا، وَكَذَا مَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ مِنْ أُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ لَوْ كَانَتْ أَمَةً وَثُبُوتِ اللِّعَانِ فِيمَا إذَا نَفَاهُ وَوُجُوبِ الْحَدِّ بِنَفْيِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلِّعَانِ وَلَيْسَ مُرَادُهُ خُصُوصَ الطَّلَاقِ بَلْ كُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ لَوَازِمِ الْوِلَادَةِ فَالْعَتَاقُ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ أَقَرَّ بِالْحَبَلِ طَلُقَتْ بِلَا شَهَادَةٍ) أَيْ: بِلَا شَهَادَةِ أَحَدٍ أَصْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا تُشْتَرَطُ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ لِدَعْوَاهَا الْحِنْثَ وَشَهَادَتُهَا حُجَّةٌ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَلَهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْحَبَلِ إقْرَارٌ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ وَهُوَ الْوِلَادَةُ وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِكَوْنِهَا مُؤْتَمَنَةً فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي رَدِّ الْأَمَانَةِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ كَانَ الْحَبَلُ ظَاهِرًا أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهَا مُدَّعِيَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَأَمَّا عِنْدَهُ فَإِنَّ الطَّلَاقَ تَعَلَّقَ بِأَمْرٍ كَائِنٍ لَا مَحَالَةَ فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا فِيهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّعْلِيقَ إنْ كَانَ بِمَا هُوَ مَعْلُومُ الْوُقُوعِ بَعْدَهُ وَعِلْمُهُ مِنْ جِهَتِهَا كَمَا بِحَيْضِهَا وَوِلَادَتِهَا بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِحَبَلِهَا أَوْ ظُهُورِ حَمْلِهَا كَانَ الْتِزَامًا لِتَصْدِيقِهَا عِنْدَ إخْبَارِهَا بِهِ وَاعْتِرَافًا بِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَهُوَ التَّعْلِيقُ بِوِلَادَتِهَا قَبْلَ الِاعْتِرَافِ بِحَبَلٍ سَابِقٍ وَلَا ظُهُورِ حَبَلٍ حَالَ التَّعْلِيقِ لَمْ يَلْتَزِمْ ذَلِكَ فَيَحْتَاجُ عِنْدَ إنْكَارِهِ إلَى الْحُجَّةِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
[أَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَمْلِ]
(قَوْلُهُ وَأَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَمْلِ سَنَتَانِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ الْوَلَدُ لَا يَبْقَى فِي الْبَطْنِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ، وَلَوْ بِظِلِّ مِغْزَلٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ لَا يُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا وَظِلُّ الْمِغْزَلِ مَثَلٌ لِقِلَّتِهِ؛ لِأَنَّ ظِلَّهُ حَالَةَ الدَّوَرَانِ أَسْرَعُ زَوَالًا مِنْ سَائِرِ الظِّلَالِ وَهُوَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ تَقْدِيرُهُ، وَلَوْ بِقَدْرِ ظِلِّ مِغْزَلٍ وَيُرْوَى وَلَوْ بِفَلْكَةِ مِغْزَلٍ أَيْ، وَلَوْ بِقَدْرِ دَوَرَانِ فَلْكَةِ مِغْزَلٍ.
(قَوْلُهُ وَأَقَلُّهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ثُمَّ قَالَ ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] فَيَبْقَى لِلْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَقَدْ نُقِلَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ وَأُورِدَ عَلَى مَا فِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَرَّرَهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي الرَّضَاعِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ مَضْرُوبَةٌ بِتَمَامِهَا لِكُلٍّ مِنْ الْحَمْلِ وَالْفِصَالِ غَيْرَ أَنَّ الْمُنْقِصَ قَامَ فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْحَمْلُ وَهُوَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قُلْنَا قَدَّمْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ أَنَّهُ يُرَادُ بِلَفْظِ الثَّلَاثِينَ فِي إطْلَاقِ وَاحِدٍ حَقِيقَةُ ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ بِاعْتِبَارِ إضَافَتَيْنِ فَلَعَلَّهُ رَجَعَ إلَى الصَّحِيحِ.
(قَوْلُهُ فَلَوْ نَكَحَ أَمَةً فَطَلَّقَهَا فَاشْتَرَاهَا فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ (لَزِمَهُ وَإِلَّا لَا) أَيْ: وَإِنْ وَلَدَتْ لِتَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْهَا لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَلَدُ الْمُعْتَدَّةِ فَإِنَّ الْعُلُوقَ سَابِقٌ عَلَى الشِّرَاءِ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَلَدُ الْمَمْلُوكَةِ؛ لِأَنَّهُ يُضَافُ الْحَادِثُ إلَى أَقْرَبِ وَقْتِهِ حَيْثُ لَمْ يَتَضَمَّنْ إبْطَالَ مَا كَانَ ثَابِتًا بِالدَّلِيلِ أَوْ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالْمُقْتَضِي وَبِهِ انْدَفَعَ مَا أُورِدَ عَلَيْهِ كَمَا عُلِمَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَعْوَتِهِ وَاقْتِصَارُ الشَّارِحِ عَلَى الْأَكْثَرِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا أُورِدَ عَلَيْهِ) ، فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمْ يُنْتَقَضُ بِمَسَائِلَ:
أَحَدُهَا: مَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثَلَاثًا وَلَمْ يُبَيِّنْ حَتَّى وَلَدَتْ إحْدَاهُمَا لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِيجَابِ وَلِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْهُ فَالْإِيجَابُ عَلَى إبْهَامِهِ وَلَا تَتَعَيَّنُ ضَرَّتُهَا لِلطَّلَاقِ ذَكَرَهُ فِي الزِّيَادَاتِ.
وَثَانِيهَا: مَا لَوْ قَالَ لَهَا: إذَا حَبِلْتِ فَأَنْت طَالِقٌ فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ التَّعْلِيقِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ هَذَا فِي تَعْلِيقِ الْعَتَاقِ بِالْحَبَلِ.
وَثَالِثُهَا: الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ إذَا جَاءَتْ بِهِ لَأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ لَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا، وَلَوْ كَانَتْ الْحَوَادِثُ تُضَافُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ لَثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ أَعْنِي الْبَيَانَ وَالطَّلَاقَ وَالرَّجْعَةَ قُلْنَا الْحَوَادِثُ إنَّمَا تُضَافُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ إذَا لَمْ تَتَضَمَّنْ إبْطَالَ مَا كَانَ ثَابِتًا بِالدَّلِيلِ أَوْ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالْمُقْتَضَى، أَمَّا إذَا تَضَمَّنَ فَلَا فَمَتَى عَوَّلْتَ عَلَى مَا قُلْنَا، ثُمَّ اسْتَقْرَيْت الْمَسَائِلَ وَجَدْتَ الْأَمْرَ عَلَيْهِ فَفِي ثُبُوتِ الطَّلَاقِ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأَوَّلِيَّيْنِ إبْطَالُ مَا كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ فَلَا يُعَيَّنُ، وَفِي الرَّجْعَةِ كَذَلِكَ مَعَ الْعَمَلِ بِخِلَافِ الدَّلِيلِ
стр. 1347
فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا لَا لَا يَنْبَغِي وَقَدْ صُرِّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أُطْلِقَ فِي الْأَمَةِ فَشَمِلَ الْمَدْخُولَ بِهَا وَغَيْرَهَا كَمَا أُطْلِقَ فِي الطَّلَاقِ فَشَمِلَ الرَّجْعِيَّ وَالْبَائِنَ الْوَاحِدَةَ وَالثِّنْتَيْنِ وَكُلٌّ مِنْ الْإِطْلَاقَيْنِ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجْعِيِّ وَالْبَائِنِ إذَا كَانَ وَاحِدَةً وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْوَلَدُ إلَّا أَنْ تَجِيءَ بِالْوَلَدِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ إذَا وَلَدَتْ لِتَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَقْتِ التَّزَوُّجِ، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَلَنَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ بَائِنٌ وَالْحُكْمُ فِي الْمُبَانَةِ أَنَّ نَسَبَ وَلَدِهَا يَثْبُتُ إلَى سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ نَعَمْ إنَّ مُحَمَّدًا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا اهـ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا حُكْمُ الْمُبَانَةِ إذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً وَغَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ ثِنْتَيْنِ فَإِنَّهُ يَمْتَدُّ نَسَبُ الْوَلَدِ إلَى سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ وَإِنْ لَمْ يُدَّعَ، فَإِنْ وَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا إذَا ادَّعَاهُ لِحُرْمَتِهَا حُرْمَةً غَلِيظَةً فَيُضَافُ الْعُلُوقُ إلَى أَبْعَدِ الْأَوْقَاتِ وَهُوَ مَا قَبْلَ الطَّلَاقِ حَمْلًا لِأَمْرِهِمَا عَلَى الصَّلَاحِ وَذُكِرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ فِي التَّقْيِيدِ بِالثِّنْتَيْنِ لِهَذَا الْحُكْمِ إيهَامًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ الطَّلَاقَ إذَا كَانَ وَاحِدًا بَائِنًا لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ فِيهِ إلَى سَنَتَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ فِي الْبَائِنِ يَثْبُتُ إلَى سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ وَإِنْ لَمْ يُدَّعَ اهـ.
وَجَوَابُهُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْبَيْنُونَةِ الْخَفِيفَةِ وَبَيْنَ الْغَلِيظَةِ فَإِنَّ فِي الْخَفِيفَةِ يُعْتَبَرُ وَقْتُ الشِّرَاءِ أَيْضًا وَهُوَ أَنْ تَلِدَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ وَإِذَا كَانَ لِسَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ، وَفِي الْغَلِيظَةِ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ وَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ وَلِسَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِلَا دَعْوَةٍ فَظَهَرَ الْفَرْقُ وَالْإِيهَامُ فِي فَهْمِهِ لَا فِي كَلَامِ الْمَشَايِخِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُخْتَصَرِ الْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْمُبَانَةُ بِالثِّنْتَيْنِ فَإِنَّ فِيهِمَا لَا اعْتِبَارَ لِوَقْتِ الشِّرَاءِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ وَقْتُ الطَّلَاقِ فَفِي الْأُولَى يُشْتَرَطُ لِثُبُوتِ نَسَبِهِ وِلَادَتُهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ لِسَنَتَيْنِ فَأَقَلَّ.
وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ هَذِهِ الْأَمَةَ لَوْ كَانَ طَلَاقُهَا رَجْعِيًّا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِعَشْرِ سِنِينَ بَعْدَ الطَّلَاقِ أَوْ أَكْثَرَ وَإِنْ كَانَ بَائِنًا فَلَا بُدَّ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِتَمَامِ سَنَتَيْنِ أَوْ أَقَلَّ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا إذَا أَتَتْ بِهِ الْمَبْتُوتَةُ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ وَلِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي عِبَارَتِهِ هُنَا لِمَا قَدَّمَهُ سَابِقًا وَالتَّقْيِيدُ بِالطَّلَاقِ اتِّفَاقِيٌّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيمَا إذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا وَاشْتَرَاهَا كَذَلِكَ أَيْ: كَحُكْمِ الْمُطَلَّقَةِ، فَإِنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ لَا يَلْزَمُهُ وَإِلَّا لَزِمَهُ وَتَقْيِيدُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِالرَّجْعِيِّ لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّ الْبَائِنَ هُنَا كَالرَّجْعِيِّ إلَّا إذَا كَانَ غَلِيظًا.
وَالْمُرَادُ مِنْ الشِّرَاءِ الْمِلْكُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ لِلنِّكَاحِ الْمِلْكُ لَا خُصُوصُ سَبَبٍ لَهُ وَأَشَارَ بِاقْتِصَارِهِ عَلَى الشِّرَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ أَنْ يُعْتِقَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ أَوْ لَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ إلَى سَنَتَيْنِ بِلَا دَعْوَةٍ مِنْ يَوْمِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ بِالشِّرَاءِ بَطَلَ النِّكَاحُ وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ لَكِنَّهَا لَا تَظْهَرُ فِي حَقِّهِ لِلْمِلْكِ وَبِالْعِتْقِ ظَهَرَتْ وَحُكْمُ مُعْتَدَّةٍ لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا كَذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يُعْتِقْهَا وَلَكِنْ بَاعَهَا فَوَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ بَاعَهَا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَإِنْ ادَّعَاهُ إلَّا بِتَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي لِمَا مَرَّ أَنَّ النِّكَاحَ بَطَلَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَثْبُتُ بِلَا تَصْدِيقٍ كَمَا قَالَ فِي الْعِتْقِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِلَا دَعْوَةٍ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ ظَهَرَتْ ثَمَّ وَلَمْ تَظْهَرْ هُنَا وَقُيِّدَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُخْتَصَرِ بِمَا إذَا اشْتَرَاهَا قَبْلَ أَنْ تُقِرَّ
ــ
[منحة الخالق]
الدَّالِّ عَلَى اسْتِكْرَاهِ الرَّجْعَةِ بِغَيْرِ الْقَوْلِ (قَوْلُهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِلَا دَعْوَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ مُعْتَدَّتِهِ لَا مَمْلُوكَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَهَا لَا يُحِلُّهَا لَهُ بَعْدَ الْحُرْمَةِ الْغَلِيظَةِ حَتَّى تَنْكِحَ غَيْرَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ حُرْمَةٌ خَفِيفَةٌ بِأَنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَاحِدَةً بَائِنَةً، فَإِذَا شَرَاهَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ وَعِدَّتُهَا مِنْهُ لَا تُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ، فَإِذَا وَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ اُحْتُمِلَ كَوْنُهُ بَعْدَ الشِّرَاءِ فَيُضَافُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ وَالْحَادِثُ يُضَافُ إلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِهِ فَيَكُونُ وَلَدَ مَمْلُوكَتِهِ فَلَا يَثْبُتُ بِلَا دَعْوَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الثَّانِيَةِ لِسَنَتَيْنِ فَأَقَلَّ) مُخَالِفٌ لِمَا مُشِيَ عَلَيْهِ فِيمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ وَلَدَ مُعْتَدَّةِ الْبَتِّ لَا يَثْبُتُ إلَّا إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ النَّهْرِ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ وَأَنَّهُ مَحْمُولُ اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَا هُنَا مَحْمُولًا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ بَائِنًا فَلَا بُدَّ إلَخْ) أَيْ: بَيْنُونَةً خَفِيفَةً لِمَا قَدَّمَهُ أَنَّ الْغَلِيظَةَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا وَقْتُ الشِّرَاءِ.
(قَوْلُهُ لِمَا قَدَّمَهُ سَابِقًا) أَيْ: مِنْ قَوْلِهِ وَالْبَتُّ لِأَقَلَّ مِنْهُمَا وَإِلَّا لَا، فَإِنَّهُ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهَا لَوْ جَاءَتْ الْمَبْتُوتَةُ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ فَأَطْلَقَهُ هُنَا اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَدَّمَهُ.
(قَوْلُهُ وَحُكْمُ مُعْتَدَّةٍ لَمْ تُقِرَّ إلَخْ) عِبَارَةُ الْفَتْحِ وَحُكْمُ مُعْتَدَّةٍ عَنْ بَائِنٍ لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ذَلِكَ اهـ.
أَيْ: ثُبُوتُ النَّسَبِ إلَى سَنَتَيْنِ بِلَا دَعْوَةٍ
стр. 1348
بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَلَمْ يُبَيِّنْ مَفْهُومَهُ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ كَانَ فِي بَطْنِكِ وَلَدٌ فَهُوَ مِنِّي فَشَهِدَتْ امْرَأَةٌ بِالْوِلَادَةِ فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى تَعْيِينِ الْوَلَدِ وَيَثْبُتُ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمُخْتَصَرِ الْمَرْأَةُ دُونَ الْقَابِلَةِ وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُونَ الْقَابِلَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ كَوْنَهَا الْقَابِلَةَ لَيْسَ بِشَرْطٍ أَطْلَقَهُ وَقَيَّدُوهُ بِأَنْ تَلِدَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ لَا يَلْزَمُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا حَبِلَتْ بَعْدَ مَقَالَةِ الْمَوْلَى فَلَمْ يَكُنْ الْمَوْلَى مُدَّعِيًا هَذَا الْوَلَدَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِتَيَقُّنِنَا بِقِيَامِهِ فِي الْبَطْنِ وَقْتَ الْقَوْلِ فَتَيَقَّنَاهُ بِالدَّعْوَى وَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ هَذَا إذَا وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ سَبْقُ قَلَمٍ؛ إذْ لَا طَلَاقَ هُنَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ لِوَقْتِ الْإِقْرَارِ.
وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ: إنْ كَانَ فِي بَطْنِك وَلَدٌ فَهُوَ حُرٌّ فَوَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَعْتِقْ وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْهَا عَتَقَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُخْتَصَرِ إنْ كَانَ فِي بَطْنِك وَلَدٌ أَوْ إنْ كَانَ بِهَا حَبَلٌ فَهُوَ مِنِّي وَقُيِّدَ بِالتَّعْلِيقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ هَذِهِ حَامِلٌ مِنِّي يَلْزَمُهُ الْوَلَدُ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَى سَنَتَيْنِ حَتَّى يَنْفِيَهُ كَمَا فِي الْغَايَةِ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ قَالَ لِغُلَامٍ هُوَ ابْنِي وَمَاتَ فَقَالَتْ أُمُّهُ أَنَا امْرَأَتُهُ وَهُوَ ابْنُهُ يَرِثَانِهِ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا مِيرَاثَ لَهَا؛ لِأَنَّ النَّسَبَ كَمَا يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَبِالْوَطْءِ عَنْ شُبْهَتِهِ وَبِمِلْكِ الْيَمِينِ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ إقْرَارًا بِالنِّكَاحِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالْحُرِّيَّةِ وَبِكَوْنِهَا أُمَّ الْغُلَامِ وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِذَلِكَ وَضْعًا وَعَادَةً؛ لِأَنَّهُ الْمَوْضُوعُ لِحُصُولِ الْأَوْلَادِ دُونَ غَيْرِهِ فَهُمَا احْتِمَالَانِ لَا يُعْتَبَرَانِ فِي مُقَابَلَةِ الظَّاهِرِ الْقَوِيِّ، وَكَذَا احْتِمَالُ كَوْنِهِ طَلَّقَهَا فِي صِحَّتِهِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ النِّكَاحُ وَجَبَ الْحُكْمُ بِقِيَامِهِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ زَوَالُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ النِّكَاحَ يَثْبُتُ بِمُقْتَضَى ثُبُوتِ النَّسَبِ وَهُوَ لَا عُمُومَ لَهُ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ قُلْنَا النِّكَاحُ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ إلَى نِكَاحٍ مُوجِبٍ لِلْإِرْثِ وَالنَّسَبِ وَإِلَى غَيْرِ مُوجِبٍ لَهُمَا، فَإِذَا تَعَيَّنَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ لَزِمَ بِلَوَازِمِهِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الِاقْتِضَاءِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضَى وَهُوَ النَّسَبُ يَصِحُّ بِلَا ثُبُوتِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ النِّكَاحُ بِأَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ عَنْ شُبْهَةٍ أَوْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدِهِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ ثُبُوتُ النَّسَبِ إلَى النِّكَاحِ لَا مَحَالَةَ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ جُهِلَتْ حُرِّيَّتُهَا فَقَالَ وَارِثُهُ أَنْت أُمُّ وَلَدِ أَبِي فَلَا مِيرَاثَ لَهَا) ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْحُرِّيَّةِ بِاعْتِبَارِ الدَّارِ حُجَّةٌ فِي دَفْعِ الرِّقِّ لَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ وَتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِ الْوَارِثِ اتِّفَاقِيٌّ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِحُرِّيَّتِهَا كَافٍ لِعَدَمِ مِيرَاثِهَا قَالَ الْوَارِثُ أَنْتِ أُمُّ وَلَدِ أَبِي أَوْ لَمْ يَقُلْ كَمَا أَطْلَقَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مُعَلِّلًا أَنَّ لِلْوَارِثِ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ وَلَعَلَّ فَائِدَتَهُ أَنَّ الْوَارِثَ لَوْ كَانَ صَغِيرًا فَإِنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهَا أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ﵀ أَنَّ لَهَا مَهْرًا عِنْدَ إقْرَارِ الْوَارِثِ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِ أَبِيهِ وَذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُمْ أَقَرُّوا بِالدُّخُولِ وَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهَا أُمَّ وَلَدٍ بِقَوْلِهِمْ وَرَدَّهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ الدُّخُولَ إنَّمَا يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ فِي غَيْرِ صُورَةِ النِّكَاحِ إذَا كَانَ الْوَطْءُ عَنْ شُبْهَةٍ وَلَمْ يَثْبُتْ النِّكَاحُ هُنَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ الشُّبْهَةِ فَبِأَيِّ دَلِيلٍ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَأَيْضًا إنَّمَا لَمْ نُوجِبْ الْإِرْثَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِصْحَابَ لَا يَصْلُحُ لِلْإِثْبَاتِ فَلَوْ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ لَكَانَ صَالِحًا لِلْإِثْبَاتِ فَلَا يَجُوزُ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الْحَضَانَةِ]
بَيَانٌ لِمَنْ يَحْضُنُ الْوَلَدَ الَّذِي ثَبَتَ نَسَبُهُ وَهِيَ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا تَرْبِيَةُ الْوَلَدِ، وَالْحَاضِنَةُ الْمَرْأَةُ تُوَكَّلُ بِالصَّبِيِّ فَتَرْفَعُهُ وَتُرَبِّيهِ وَقَدْ حَضَنَتْ وَلَدَهَا حَضَانَةً مِنْ بَابِ طَلَبَ وَحَضَنَ الطَّائِرُ بَيْضَهُ حَضْنًا إذَا جَثَمَ عَلَيْهِ بِكَنَفِهِ يَحْضُنُهُ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ حَضَنَتْ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا حَضَانَةً وَحَضَنَتْ الْحَمَامَةُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَفْهُومَهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ إنَّمَا لَمْ يُبَيِّنْهُ اسْتِغْنَاءً بِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ مَعَ الْإِقْرَارِ يُشْتَرَطُ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ لَا مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ كَمَا قَالَ هُنَا
(بَابُ الْحَضَانَةِ) .
(قَوْلُهُ وَالْحَاضِنَةُ الْمَرْأَةُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَلَهَا شُرُوطٌ أَنْ تَكُونَ حُرَّةً بَالِغَةً عَاقِلَةً أَمِينَةً قَادِرَةً وَأَنْ تَخْلُوَ مِنْ زَوْجٍ أَجْنَبِيٍّ وَإِنْ كَانَ الْحَاضِنُ ذَكَرًا فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ مَا عَدَا الْأَخِيرَ، وَهَذَا قُلْته مُنْفَرِدًا بِهِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَ هَذِهِ الشُّرُوطَ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ عَلَى عِلْمِي الْآنَ وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُوَفِّقُ اهـ.
قُلْت وَيَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ بَعْدَ قَوْلِهِ حُرَّةً أَوْ مُكَاتَبَةً لَوْ وَلَدُهَا مِثْلَهَا؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ إذَا وَلَدَتْ فِي الْكِتَابَةِ فَحَضَانَتُهُ لَهَا كَمَا سَيَأْتِي وَأَنْ يَزِيدَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَأَنْ تَخْلُوَ مِنْ زَوْجٍ أَجْنَبِيٍّ أَوْ مُبْغِضٍ لِلْوَلَدِ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْقُنْيَةِ تَأَمَّلْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ فِي الشُّرُوطِ وَعَدَمَ رِدَّتِهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ قَادِرَةً؛ لِأَنَّهَا تُحْبَسُ وَتُضْرَبُ
стр. 1349
بَيْضَهَا حُضُونًا أَيْ: جَعَلَتْهُ فِي حِضْنِهَا وَحَضَنَهُ عَنْ حَاجَتِهِ أَيْ: حَبَسَهُ وَحَضَنَهُ عَنْ الْأَمْرِ إذَا نَحَّاهُ عَنْهُ وَالْحِضْنُ مَا دُونَ الْإِبْطِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْحَضَانَةَ حَقُّ الصَّغِيرِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى مَنْ يُمْسِكُهُ فَتَارَةً يَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَقُومُ بِمَنْفَعَةِ بَدَنِهِ فِي حَضَانَتِهِ وَتَارَةً إلَى مَنْ يَقُومُ بِمَالِهِ حَتَّى لَا يَلْحَقَهُ الضَّرَرُ وَجُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى مَنْ أَقْوَمُ بِهِ وَأَبْصَرُ فَالْوِلَايَةُ فِي الْمَالِ جُعِلَتْ إلَى الْأَبِ وَالْجَدِّ؛ لِأَنَّهُمْ أَبْصَرُ وَأَقْوَمُ فِي التِّجَارَةِ مِنْ النِّسَاءِ وَحَقُّ الْحَضَانَةِ جُعِلَ إلَى النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُنَّ أَبْصَرُ وَأَقْوَمُ عَلَى حِفْظِ الصَّبِيَّانِ مِنْ الرِّجَالِ لِزِيَادَةِ شَفَقَتِهِنَّ وَمُلَازَمَتِهِنَّ لِلْبُيُوتِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَبَ يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَتِهِ مُطْلَقًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُهُ وَحِفْظُهُ وَصِيَانَتُهُ إذَا اسْتَغْنَى عَنْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلصَّغِيرِ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ حَضَانَتِهِ عَلَى الْأُمِّ وَنَحْوِهَا مِنْ النِّسَاءِ، وَفِي جَبْرِهَا إذَا امْتَنَعَتْ فَصُرِّحَ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّهَا لَا تُجْبَرُ؛ لِأَنَّهَا عَسَتْ أَنْ تَعْجِزَ عَنْ الْحَضَانَةِ وَصَحَّحَهُ فِي التَّبْيِينِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي الْوَاقِعَاتِ، وَالْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ الْجَبْرِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا رُبَّمَا لَا تَقْدِرُ عَلَى الْحَضَانَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَضَانَةَ حَقُّ الْأُمِّ وَالْمَوْلَى وَلَا يُجْبَرُ عَلَى اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَقَالَ مَشَايِخنَا وَلَا تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ الْخَالَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا تَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ اهـ.
فَأَفَادَ أَنَّ غَيْرَ الْأُمِّ كَالْأُمِّ فِي عَدَمِ الْجَبْرِ بَلْ هُوَ بِالْأَوْلَى كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ الثَّلَاثَةُ أَبُو اللَّيْثِ وَالْهِنْدُوَانِي وَخُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى الْحَضَانَةِ وَتَمَسَّكَ لَهُمْ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِمَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ الَّذِي هُوَ جَمْعُ كَلَامِ مُحَمَّدٍ لَوْ اخْتَلَعَتْ عَلَى أَنْ تَتْرُكَ وَلَدَهَا عِنْدَ الزَّوْجِ فَالْخُلْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقُّ الْوَلَدِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أُمِّهِ مَا كَانَ إلَيْهَا مُحْتَاجًا زَادَ فِي الْمَبْسُوطِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُبْطِلَهُ بِالشَّرْطِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْفُقَهَاءِ الثَّلَاثَةِ هُوَ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْإِرْضَاعِ بَلْ فِي الْحَضَانَةِ قَالَ فِي التُّحْفَةِ ثُمَّ الْأُمُّ وَإِنْ كَانَتْ أَحَقَّ بِالْحَضَانَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الرَّضَاعَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ النَّفَقَةِ وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ تُرْضِعُهُ فَتُجْبَرُ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّرْجِيحَ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْأَوْلَى الْإِفْتَاءُ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ الثَّلَاثَةِ لَكِنْ قَيَّدَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِأَنْ لَا يَكُونَ لِلصَّغِيرِ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَحِينَئِذٍ تُجْبَرُ الْأُمُّ كَيْ لَا يَضِيعَ الْوَلَدُ أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ جَدَّةٌ مَثَلًا وَامْتَنَعَتْ الْأُمُّ مِنْ إمْسَاكِهِ وَرَضِيَتْ الْجَدَّةُ بِإِمْسَاكِهِ فَإِنَّهُ يُدْفَعُ إلَى الْجَدَّةِ؛ لِأَنَّ الْحَضَانَةَ كَانَتْ حَقًّا لَهَا، فَإِذَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا صَحَّ الْإِسْقَاطُ مِنْهَا وَعَزَا هَذَا التَّفْصِيلَ إلَى الْفُقَهَاءِ الثَّلَاثَةِ وَعَلَّلَهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ الْأُمَّ لَمَّا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا بَقِيَ حَقُّ الْوَلَدِ فَصَارَتْ الْأُمُّ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتَةِ أَوْ الْمُتَزَوِّجَةِ فَتَكُونُ الْجَدَّةُ أَوْلَى وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْأُمَّ إذَا امْتَنَعَتْ وَعُرِضَ عَلَى مَنْ دُونَهَا مِنْ الْحَاضِنَاتِ فَامْتَنَعَتْ أُجْبِرَتْ الْأُمُّ لَا مَنْ دُونَهَا وَلِذَا قَيَّدُوا جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ بِأَنْ رَضِيَتْ الْجَدَّةُ بِإِمْسَاكِهِ وَذُكِرَ فِي السِّرَاجِيَّةِ أَنَّ الْأُمَّ تَسْتَحِقُّ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْحَضَانَةَ حَقُّ الصَّغِيرِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَهَلْ هِيَ حَقُّ مَنْ تَثْبُتُ لَهَا الْحَضَانَةُ أَوْ حَقُّ الْوَلَدِ؟ خِلَافٌ، قِيلَ بِالْأَوَّلِ فَلَا تُجْبَرُ إنْ هِيَ امْتَنَعَتْ وَرَجَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَفِي الْوَاقِعَاتِ وَغَيْرِهَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي الْخُلَاصَةِ. قَالَ مَشَايِخُنَا: لَا تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ الْخَالَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجٌ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا تَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ وَقِيلَ بِالثَّانِي فَتُجْبَرُ وَاخْتَارَهُ أَبُو اللَّيْثِ وَخُوَاهَرْ زَادَهْ وَالْهِنْدُوَانِي وَأَيَّدَهُ فِي الْفَتْحِ بِمَا فِي الْحَاكِمِ لَوْ اخْتَلَعَتْ عَلَى أَنْ تَتْرُكَ وَلَدَهَا عِنْدَ الزَّوْجِ فَالْخُلْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْوَلَدِ فَأَفَادَ أَنَّ قَوْلَ الْفُقَهَاءِ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، ثُمَّ قَالَ فِي الْفَتْحِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا أُجْبِرَتْ بِلَا خِلَافٍ اهـ.
وَعَلَى هَذَا فَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَتْ الْأُمُّ لَا حَاجَةَ لِي بِهِ وَقَالَتْ الْجَدَّةُ أَنَا آخُذُهُ دُفِعَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْحَضَانَةَ حَقُّهَا، فَإِذَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا صَحَّ الْإِسْقَاطُ مِنْهَا لَكِنْ إنَّمَا يَكُونُ لَهَا ذَلِكَ إذَا كَانَ لِلْوَلَدِ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ كَمَا هُنَا أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ أُجْبِرَتْ عَلَى الْحَضَانَةِ كَيْ لَا يَضِيعُ الْوَلَدُ كَذَا اخْتَارَهُ الْفُقَهَاءُ الثَّلَاثَةُ اهـ.
لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَقَدْ اُغْتُرَّ بِهِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ مَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ الثَّلَاثَةُ قَيَّدَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ رَحِمٌ فَحِينَئِذٍ تُجْبَرُ الْأُمُّ كَيْ لَا يَضِيعَ الْوَلَدُ وَأَنْتَ قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ فَلَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ فِي شَيْءٍ اهـ.
(قَوْلُهُ لَكِنْ قَيَّدَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِأَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَاغْتُرَّ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِمَا فِي الْفَتْحِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا أُجْبِرَتْ بِلَا خِلَافٍ.
(قَوْلُهُ وَذُكِرَ فِي السِّرَاجِيَّةِ) قَالَ فِي الْمِنَحِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا فَتَاوَى سِرَاجِ الدِّينِ قَارِئِ الْهِدَايَةِ وَنَصُّهَا سُئِلَ: هَلْ تَسْتَحِقُّ الْمُطَلَّقَةُ أُجْرَةً بِسَبَبِ حَضَانَةِ وَلَدِهَا خَاصَّةً مِنْ غَيْرِ رَضَاعٍ لَهُ فَأَجَابَ نَعَمْ تَسْتَحِقُّ أُجْرَةً عَلَى الْحَضَانَةِ، وَكَذَا إذَا احْتَاجَ إلَى خَادِمٍ يُلْزَمُ بِهِ اهـ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الْفَتَاوَى السِّرَاجِيَّةَ الْمَشْهُورَةَ لَكِنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِهِ بِنُسْخَتِي وَالْعِلْمُ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِ الْعُلَمَاءِ اهـ.
وَأَقُولُ: بَلْ مُرَادُهُ فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ فَإِنَّهُ فِي النَّفَقَاتِ عَزَاهُ إلَيْهَا صَرِيحًا، وَفِي الشرنبلالية فَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَى الْأَبِ ثَلَاثَةٌ: أُجْرَةُ الرَّضَاعِ وَأُجْرَةُ الْحَضَانَةِ وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ اهـ.
وَقَالَ الرَّمْلِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ هَلْ أُجْرَةُ الْحَضَانَةِ عَلَى الْأَبِ أَمْ فِي مَالِ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ لَهُ
стр. 1350
أُجْرَةً عَلَى الْحَضَانَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مَنْكُوحَةً وَلَا مُعْتَدَّةً لِأَبِيهِ وَتِلْكَ الْأُجْرَةُ غَيْرُ أُجْرَةِ إرْضَاعِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي النَّفَقَاتِ.
(قَوْلُهُ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ أُمُّهُ قَبْلَ الْفُرْقَةِ وَبَعْدَهَا) أَيْ: فِي التَّرْبِيَةِ وَالْإِمْسَاكِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَلِمَا رُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً وَزَعَمَ أَبُوهُ أَنَّهُ يَنْزِعُهُ مِنِّي فَقَالَ ﵇ أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ» وَلِأَنَّ الْأُمَّ أَشْفَقُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الصِّدِّيقُ ﵁ بِقَوْلِهِ رِيقُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ شَهْدٍ وَعَسَلٍ عِنْدَك يَا عُمَرُ قَالَهُ حِينَ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَالصَّحَابَةُ ﵃ حَاضِرُونَ مُتَوَافِرُونَ أُطْلِقَ فِي الْأُمِّ وَقَيَّدُوهُ بِأَنْ تَكُونَ أَهْلًا لِلْحَضَانَةِ فَلَا حَضَانَةَ لِمُرْتَدَّةٍ سَوَاءٌ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهَا تُحْبَسُ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ تَابَتْ فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ وَلَا لِلْفَاسِقَةِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ، وَفِي الْقُنْيَةِ الْأُمُّ أَحَقُّ بِالصَّغِيرَةِ وَإِنْ كَانَتْ سَيِّئَةَ السِّيرَةِ مَعْرُوفَةً بِالْفُجُورِ مَا لَمْ تَعْقِلْ ذَلِكَ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِالْفِسْقِ فِي كَلَامِهِمْ هُنَا الزِّنَا الْمُقْتَضِي لِاشْتِغَالِ الْأُمِّ عَنْ
ــ
[منحة الخالق]
مَالٌ وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ إذَا طَلَبَتْ أُجْرَةَ الْحَضَانَةِ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ مِمَّنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ هَلْ تُجَابُ إلَى ذَلِكَ أَمْ لَا وَلَمْ أَرَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ صَرِيحًا لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْأُمَّ لَا تَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْحَضَانَةِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ لِوُجُوبِ التَّرْبِيَةِ عَلَيْهَا حَتَّى تُجْبَرَ إذَا امْتَنَعَتْ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْفُقَهَاءُ الثَّلَاثَةُ بِخِلَافِ الرَّضَاعِ حَيْثُ لَا تُجْبَرُ وَهُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ حَتَّى جَازَ أَنْ يُفْرَضَ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ لِأُمِّهِ عَلَى قَوْلٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي النَّفَقَاتِ.
وَلِذَا قَالَ فِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى سُئِلَ قَاضِي الْقُضَاةِ فَخْرُ الدِّينِ خَانْ عَنْ الْمَبْتُوتَةِ هَلْ لَهَا أُجْرَةُ الْحَضَانَةِ بَعْدَ الْفِطَامِ قَالَ: لَا لَكِنْ صَرَّحَ قَارِئُ الْهِدَايَةِ فِي فَتَاوَاهُ بِاسْتِحْقَاقِهَا ذَلِكَ إذَا لَمْ تَكُنْ مَنْكُوحَةً أَوْ مُعْتَدَّةً عَلَى الْأَبِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ عِلَّةَ الْأَوَّلِ الْوُجُوبُ عَلَيْهَا دِيَانَةً وَعِلَّةَ الثَّانِي أَنَّهَا إذَا حَضَنَتْهُ فَقَدْ حَبَسَتْ نَفْسَهَا فِي تَرْبِيَتِهِ فَيَجِبُ لَهَا عَلَى الْأَبِ مَا يَقُومُ مَقَامَ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا وَهُوَ أُجْرَةُ الْحَضَانَةِ وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا دِيَانَةٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ فَهِيَ الْأَحَقُّ بِتَرْبِيَتِهِ فَلَا تَطْلُبُ أُجْرَةً مِنْ مَالِهِ وَلَا مِمَّنْ هُوَ دُونَهَا فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ وَرَاجِعْ وَإِذَا كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ حَضَانَتِهِ فَيَسْتَأْجِرَ لَهُ حَاضِنَةً بِمَالِهِ غَيْرَهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْأَبُ مَوْجُودًا وَلِلصَّغِيرِ مَالٌ فَلِلْأَبِ أَنْ يَجْعَلَ أُجْرَةَ الْحَضَانَةِ مِنْ مَالِهِ فَيَرْجِعَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الصَّغِيرَ إذَا حَضَنَتْهُ أُمُّهُ فِي حَالِ النِّكَاحِ أَوْ فِي عِدَّةِ الرَّجْعِيِّ أَوْ الْبَائِنِ فِي قَوْلٍ لَا تَسْتَحِقُّ أُجْرَةً لَا مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ وَلَا عَلَى الْأَبِ، وَالثَّانِي مُصَرَّحٌ بِهِ وَالْأَوَّلُ تَفَقُّهٌ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّضَاعِ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّفَقَةِ وَهِيَ عَلَى الْأَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ مَالٌ وَإِلَّا فَفِي مَالِهِ بِخِلَافِهَا فَإِنَّ الْحَضَانَةَ حَقُّهَا وَلَا تَسْتَوْجِبُ عَلَى إقَامَةِ حَقِّهَا أُجْرَةً وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ وَلَهُ مَالٌ فَحَضَنَتْهُ وَطَلَبَتْ الْأُجْرَةَ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ أَرَهُ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْته أَوَّلًا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ وُجُوبُهَا فِي مَالِهِ وَإِنْ أَلْحَقْنَا الْحَضَانَةَ بِالرَّضَاعِ قُلْنَا بِاسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ وَبِجَوَازِهِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَلَا أَبٌ فَلَا كَلَامَ فِي جَبْرِهَا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَحْضُنُهُ غَيْرَهَا.
هَذَا وَقَدْ رَأَيْت فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ مُؤْنَةُ الْحَضَانَةِ فِي مَالِ الْمَحْضُونِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَعَلَى مَا أَجَابَ بِهِ قَارِئُ الْهِدَايَةِ مِنْ اسْتِحْقَاقِهَا الْأُجْرَةَ إذَا لَمْ تَكُنْ مَنْكُوحَةً وَلَا مُعْتَدَّةً لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُنَا كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَتَكُونُ كَالرَّضَاعِ هَذَا هُوَ السَّابِقُ لِلْأَفْهَامِ وَيَتَعَيَّنُ الْقَطْعُ بِهِ اهـ. مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ مَا لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ) أَيْ: مَا لَمْ يَثْبُتْ فِعْلُهُ عَنْهَا كَذَا فِي النَّهْرِ وَلَكِنْ الَّذِي فِي النُّسَخِ مَا لَمْ تَعْقِلْ بِالْعَيْنِ وَالْقَافِ، وَقَالَ الرَّمْلِيُّ قَدْ تَصَحَّفَ عَلَى صَاحِبِ النَّهْرِ قَوْلُهُ: تَعْقِلْ بِالْعَيْنِ وَالْقَافِ بِيَفْعِلْ بِالْفَاءِ وَالْعَيْنِ وَهُوَ مِمَّا يُفْسِدُ الْمَعْنَى فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِالْفِسْقِ فِي كَلَامِهِمْ هُنَا الزِّنَا) قَالَ فِي النَّهْرِ فِي قَصْرِهِ عَلَى الزِّنَا قُصُورٌ؛ إذْ لَوْ كَانَتْ سَارِقَةً أَوْ مُغَنِّيَةً أَوْ نَائِحَةً فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ فِسْقٌ يَضِيعُ الْوَلَدُ بِهِ اهـ.
وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ وَنَحْوِهِ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْخُرُوجِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلَى الزِّنَا فَيَئُولُ إلَى مَا فِي النَّهْرِ فَتَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْتَهُ فِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ قَالَ كَيْفَ الْقَصْرُ وَقَدْ قَالَ وَنَحْوِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ الْمُقْتَضِي لِاشْتِغَالِ الْأُمِّ عَنْ الْوَلَدِ اهـ.
وَفِي مِنَحِ الْغَفَّارِ وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي كَلَامِ الْمُحَقِّقِ الْكَمَالِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ وَلَا لِلْفَاسِقَةِ وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَنْتَظِمُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْفِسْقِ الصَّادِقِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ لَكِنْ حَمَلَهُ شَيْخُنَا فِي بَحْرِهِ عَلَى الْفِسْقِ بِالزِّنَا لِاشْتِغَالِ الْأُمِّ عَنْ الْوَلَدِ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ مُسْتَظْهِرًا عَلَيْهِ بِأَنَّ الذِّمِّيَّةَ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يَعْقِلْ الْأَدْيَانَ فَالْفَاسِقَةُ الْمُسْلِمَةُ بِالْأَوْلَى اهـ.
فَتَبِعْته لَكِنْ عِنْدِي فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّةَ إنَّمَا تَفْعَلُ مَا تَفْعَلُ مِمَّا يُوجِبُ الْفِسْقَ عِنْدَنَا عَلَى جِهَةِ اعْتِقَادِهِ دِينًا لَهَا فَكَيْفَ يُلْحَقُ بِهَا الْفَاسِقَةُ الْمُسْلِمَةُ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ إجْرَاءُ كَلَامِ الْكَمَالِ عَلَى إطْلَاقِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ أَنَّ الْفَاسِقَةَ، وَلَوْ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ لَا حَضَانَةَ لَهَا اهـ. كَلَامُ الْمِنَحِ
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَبَعْدَمَا عَلِمْت أَنَّ الْمَنَاطَ هُوَ الضَّيَاعُ حَقَّقْت أَنَّ بَحْثَ صَاحِبِ الْمِنَحِ لَا حَاصِلَ لَهُ
стр. 1351
الْوَلَدِ بِهِ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ وَنَحْوِهِ لَا مُطْلَقُهُ الصَّادِقُ بِتَرْكِ الصَّلَوَاتِ لِمَا يَأْتِي أَنَّ الذِّمِّيَّةَ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يَعْقِلْ الْأَدْيَانَ فَالْفَاسِقَةُ الْمُسْلِمَةُ بِالْأَوْلَى وَلَا لِمَنْ تَخْرُجُ كُلَّ وَقْتٍ وَتَتْرُكُ الْبِنْتَ ضَائِعَةً وَلَا لِلْأَمَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ إذَا وَلَدَتْ قَبْلَ الْكِتَابَةِ وَلَا لِلْمُتَزَوِّجَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْأَبُ مُعْسِرًا وَأَبَتْ الْأُمُّ أَنْ تُرَبِّيَ إلَّا بِأَجْرٍ وَقَالَتْ الْعَمَّةُ أَنَا أُرَبِّي بِغَيْرِ أَجْرِ فَإِنَّهُ لَا حَضَانَةَ لِلْأُمِّ وَتَكُونُ الْعَمَّةُ أَوْلَى فِي الصَّحِيحِ كَمَا سَيَأْتِي وَسَنَذْكُرُ أَنَّ الْكِتَابِيَّةَ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يَعْقِلْ الْأَدْيَانَ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ أُمُّ الْأُمِّ) يَعْنِي بَعْدَ الْأُمِّ الْأَحَقُّ أُمُّهَا وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَتْ الْأُمُّ مَيِّتَةً أَوْ لَيْسَتْ أَهْلًا لِلْحَضَانَةِ فَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا يَنْتَقِلُ الْحَقُّ إلَى أُمِّ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْوِلَايَةَ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ قِبَلِ الْأُمَّهَاتِ فَكَانَتْ الَّتِي هِيَ مِنْ قِبَلِهَا أَوْلَى وَإِنْ عَلَتْ فَالْجَدَّةُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ أَوْلَى مِنْ أُمِّ الْأَبِ وَمِنْ الْخَالَةِ وَصَحَّحَهُ الْوَلْوَالِجِيِّ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي النَّفَقَاتِ، فَإِنْ كَانَ لِلصَّغِيرِ جَدَّةُ الْأُمِّ مِنْ قِبَلِ أَبِيهَا وَهِيَ أُمُّ أَبِي أُمِّهِ فَهَذِهِ لَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَانَتْ مِنْ قَرَابَةِ الْأُمِّ مِنْ قِبَلِ أُمِّهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ أَبِي الْأُمِّ فَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ قَرَابَةِ الْأُمِّ مِنْ قِبَلِ أُمِّهَا اهـ.
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ جَدَّةُ الْأُمِّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَهِيَ أُمُّ أَبِي الْأُمِّ لَا تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَانَتْ مِنْ قَرَابَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَقَّ لِقَرَابَةِ الْأُمِّ اهـ.
وَظَاهِرُهُ تَأْخِيرُ أُمِّ أَبِي الْأُمِّ عَنْ أُمِّ الْأَبِ بَلْ عَنْ الْخَالَةِ أَيْضًا وَقَدْ صَارَتْ حَادِثَةٌ لِلْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا.
(قَوْلُهُ ثُمَّ أُمُّ الْأَبِ وَإِنْ عَلَتْ) فَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأَخَوَاتِ وَالْخَالَاتِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْأُمَّهَاتِ وَلِهَذَا تُحْرِزُ مِنْ مِيرَاثِهِنَّ السُّدُسَ وَلِأَنَّهَا أَوْفَرُ شَفَقَةً لِلْأَوْلَادِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد «إنَّمَا الْخَالَةُ أُمٌّ» فَيُحْتَمَلُ كَوْنُهُ فِي ثُبُوتِ الْحَضَانَةِ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا أَنَّ السِّيَاقَ أَفَادَ إرَادَةَ الْأَوَّلِ فَيَبْقَى أَعَمَّ مِنْ كَوْنِهِ فِي ثُبُوتِ أَصْلِ الْحَضَانَةِ أَوْ كَوْنِهَا أَحَقَّ بِالْوَلَدِ مِنْ كُلِّ مَنْ سِوَاهَا وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الثَّانِي وَالْأَوَّلُ مُتَيَقَّنٌ فَيَثْبُتُ فَلَا يُفِيدُ الْحُكْمَ بِكَوْنِهَا أَحَقَّ مِنْ أَحَدٍ بِخُصُوصِهِ أَصْلًا مِمَّنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْحَضَانَةِ فَيَبْقَى الْمَعْنَى الَّذِي عَيَّنَّاهُ بِلَا مُعَارِضٍ مِنْ أَنَّ الْجَدَّةَ أُمٌّ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْقُنْيَةِ صَغِيرَةٌ عِنْدَ جَدَّةٍ تَخُونُ حَقَّهَا فَلِعَمِّهَا أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهَا إذَا ظَهَرَتْ خِيَانَتُهَا.
(قَوْلُهُ ثُمَّ الْأُخْتُ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ) يَعْنِي فَهُنَّ أَوْلَى مِنْ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ؛ لِأَنَّهُنَّ بَنَاتُ الْأَبَوَيْنِ وَلِهَذَا قُدِّمْنَ فِي الْمِيرَاثِ وَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ الشَّقِيقَةُ؛ لِأَنَّهَا أَشْفَقُ ثُمَّ يَلِيهَا الْأُخْتُ مِنْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُنَّ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، وَأَمَّا الْأُخْتُ لِأَبٍ فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْخَالَةِ اعْتِبَارًا لِقُرْبِ الْقَرَابَةِ وَتَقْدِيمُ الْمُدْلِي بِالْأُمِّ عَلَى الْمُدْلِي بِالْأَبِ عِنْدَ اتِّحَادِ مَرْتَبَتِهِمَا قُرْبًا وَهَذِهِ رِوَايَةُ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَفِي رِوَايَةِ كِتَابِ الطَّلَاقِ الْخَالَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا تُدْلِي بِالْأُمِّ وَتِلْكَ بِالْأَبِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَوْلَادَ الْأَخَوَاتِ؛ لِأَنَّ فِيهِمْ تَفْصِيلًا فَأَوْلَادُ الْأَخَوَاتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأُمٍّ أَحَقُّ مِنْ الْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ، وَأَمَّا أَوْلَادُ الْأَخَوَاتِ لِأَبٍ فَفِي أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ أَحَقُّ مِنْ الْخَالَاتِ اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخَالَاتِ أَوْلَى مِنْ أَوْلَادِ الْأَخَوَاتِ لِأَبٍ وَالْأُخْتَ لِأُمٍّ أَوْلَى مِنْ وَلَدِ الْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَبَنَاتَ الْأُخْتِ أَوْلَى مِنْ بَنَاتِ الْأَخِ؛ لِأَنَّ الْأُخْتَ لَهَا حَقٌّ فِي الْحَضَانَةِ دُونَ الْأَخِ فَكَانَ الْمُدْلِي بِهَا أَوْلَى وَإِذَا اجْتَمَعَ مَنْ لَهُ حَقُّ الْحَضَانَةِ فِي دَرَجَةٍ فَأَوْرَعُهُمْ أَوْلَى ثُمَّ أَكْبَرُهُمْ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ الْخَالَاتُ كَذَلِكَ) أَيْ: فَهُنَّ أَوْلَى مِنْ الْعَمَّاتِ تَرْجِيحًا لِقَرَابَةِ الْأُمِّ وَيَنْزِلْنَ كَمَا نَزَلَتْ الْأَخَوَاتُ فَتُرَجَّحُ الْخَالَاتُ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ كَذَلِكَ وَالْخَالَةُ هِيَ أُخْتُ أُمِّ الصَّغِيرِ لَا مُطْلَقُ الْخَالَةِ؛ لِأَنَّ خَالَةَ الْأُمِّ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ عَمَّةِ الصَّغِيرِ وَكَذَلِكَ خَالَةُ الْأَبِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ وَأَفَادَ كَلَامُهُ أَنَّ الْخَالَةَ أَوْلَى مِنْ بِنْتِ الْأَخِ؛ لِأَنَّهَا تُدْلَى بِالْأُمِّ وَتِلْكَ بِالْأَخِ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ الْعَمَّاتُ كَذَلِكَ) أَيْ تُقَدَّمُ الْعَمَّةُ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ الْعَمَّاتِ أَحَدًا مِنْ النِّسَاءِ وَالْمَذْكُورُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ بَعْدَ الْعَمَّاتِ خَالَةَ الْأُمِّ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ ثُمَّ بَعْدَهُنَّ خَالَةُ الْأَبِ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ ثُمَّ بَعْدَهُنَّ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ كَمَا سَيَأْتِي) أَيْ فِي الْبَابِ الْآتِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَهِيَ أَحَقُّ بَعْدَهَا مَا لَمْ تَطْلُبْ زِيَادَةً
стр. 1352
عَمَّاتُ الْأُمَّهَاتِ وَالْآبَاءِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ وَالتَّرْتِيبِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا بَنَاتَ الْأَخِ، وَفِي التَّبْيِينِ أَنَّ بَنَاتَ الْأَخِ أَوْلَى مِنْ الْعَمَّاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا أَوْلَادَ الْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ فِي الْحَضَانَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِبَنَاتِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ فِي الْحَضَانَةِ؛ لِأَنَّهُنَّ غَيْرُ مَحْرَمٍ وَكَذَلِكَ بَنَاتُ الْأَعْمَامِ وَالْأَخْوَالِ بِالْأَوْلَى كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْعَمَّةُ أَحَقُّ مِنْ وَلَدِ الْخَالَةِ وَهُوَ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِوَلَدِ الْخَالَةِ أَصْلًا كَمَا نَقَلْنَاهُ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ نَكَحَتْ غَيْرَ مَحْرَمٍ سَقَطَ حَقُّهَا) أَيْ: غَيْرَ مَحْرَمٍ مِنْ الصَّغِيرِ كَالْأُمِّ إذَا تَزَوَّجَتْ بِأَجْنَبِيٍّ مِنْهُ لِقَوْلِهِ «﵊ أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجِي» وَلِأَنَّ زَوْجَ الْأُمِّ إذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا يُعْطِيهِ نَزْرًا وَيَنْظُرُ إلَيْهِ شَزْرًا فَلَا نَظَرَ لَهُ وَالنَّزْرُ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ وَالشَّزْرُ نَظَرُ الْبُغْضِ وَلِذَا قَالَ فِي الْقُنْيَةِ الْأُمُّ إذَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ وَتُمْسِكُ الصَّغِيرَ مَعَهَا أُمُّ الْأُمِّ فِي بَيْتِ الرَّابِّ فَلِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهَا اهـ.
فَعَلَى هَذَا تَسْقُطُ الْحَضَانَةُ إمَّا بِتَزَوُّجِ غَيْرِ الْمَحْرَمِ أَوْ بِسُكْنَاهَا عِنْدَ الْمُبْغِضِ لَهُ لَكِنْ وَقَعَ لِي تَرَدُّدٌ فِي أَنَّ الْخَالَةَ وَنَحْوَهَا إذَا سَكَنَتْ عِنْدَ أَجْنَبِيٍّ مِنْ الصَّغِيرِ وَلَمْ تَكُنْ مُتَزَوِّجَةً هَلْ تَسْقُطُ حَضَانَتُهَا قِيَاسًا عَلَى الْجَدَّةِ إذَا سَكَنَتْ فِي بَيْتِ بِنْتِهَا الْمُتَزَوِّجَةِ أَوْ هَذَا خَاصٌّ بِبَيْتِ زَوْجِ الْأُمِّ بِاعْتِبَارِ بُغْضِهِ لَهُ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِالسُّكْنَى فِي بَيْتِ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ، وَكَذَا اُخْتُلِفَ فِي أُجْرَةِ الْمَسْكَنِ الَّذِي يُحْضَنُ فِيهِ الصَّبِيُّ فَقِيلَ يَجِبُ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَفِي التَّفَارِيقِ لَا تَجِبُ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى قُيِّدَ بِغَيْرِ الْمَحْرَمِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَوْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ لِلصَّغِيرِ كَالْجَدَّةِ إذَا كَانَ زَوْجُهَا الْجَدَّ أَوْ الْأُمِّ إذَا كَانَ زَوْجُهَا عَمَّ الصَّغِيرِ أَوْ الْخَالَةِ إذَا كَانَ زَوْجُهَا عَمَّهُ لَا يَسْقُطُ حَقُّهَا لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ عَنْ الصَّغِيرِ وَدَخَلَ تَحْتَ غَيْرِ الْمُحْرِمِ الرَّحِمُ الَّذِي لَيْسَ بِمَحْرَمٍ كَابْنِ الْعَمِّ فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ هُنَا وَلَوْ ادَّعَى أَنَّ الْأُمَّ تَزَوَّجَتْ وَأَنْكَرَتْ فَالْقَوْلُ لَهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَ الْيَمِينِ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ تَعُودُ بِالْفُرْقَةِ) أَيْ: تَعُودُ الْحَضَانَةُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ فَقَوْلُهُمْ سَقَطَ حَقُّهَا مَعْنَاهُ مَنَعَ مَانِعٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ زَوَالِ الْمَانِعِ لَا مِنْ عَوْدِ السَّاقِطِ كَالنَّاشِزَةِ لَا نَفَقَةَ لَهَا ثُمَّ تَعُودُ بِالْعَوْدِ إلَى مَنْزِلِ الزَّوْجِ وَأَرَادَ بِالْفُرْقَةِ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ وَأَمَّا الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ فَإِنَّهُ لَا يَعُودُ حَقُّهَا بِهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا لِقِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِالتَّزَوُّجِ وَادَّعَتْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَعَادَ حَقُّهَا فِيهَا، فَإِنْ أَبْهَمَتْ الزَّوْجَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا وَإِنْ عَيَّنَتْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي دَعْوَى الطَّلَاقِ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ الْعَصَبَاتُ بِتَرْتِيبِهِمْ) يَعْنِي إنْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ أَحَدٌ مِنْ مَحَارِمِهِ مِنْ النِّسَاءِ وَاخْتَصَمَ فِيهِ الرِّجَالُ فَأَوْلَاهُمْ بِهِ أَقْرَبُهُمْ تَعْصِيبًا؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لِلْأَقْرَبِ فَيُقَدَّمُ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ أَبُ الْأَبِ وَإِنْ عَلَا ثُمَّ الْأَخُ الشَّقِيقُ ثُمَّ الْأَخُ لِأَبٍ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ الشَّقِيقِ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِأَبٍ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ سَفُلَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ الْعَمُّ شَقِيقُ الْأَبِ ثُمَّ لِأَبٍ، وَأَمَّا أَوْلَادُ الْأَعْمَامِ فَإِنَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهِمْ الْغُلَامُ فَيُبْدَأُ بِابْنِ الْعَمِّ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ ابْنُ الْعَمِّ لِأَبٍ وَلَا تُدْفَعُ إلَيْهِمْ الصَّغِيرَةُ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَحَارِمَ، وَكَذَا لَا تُدْفَعُ إلَى الْأُمِّ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَأْمُونَةٍ وَلِلْعَصَبَةِ الْفَاسِقِ وَلَا إلَى مَوْلَى الْعَتَاقَةِ تَحَرُّزًا عَنْ الْفِتْنَةِ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ عَدَمِ الدَّفْعِ إلَى ابْنِ الْعَمِّ مَا إذَا كَانَتْ
ــ
[منحة الخالق]
قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ نَكَحَتْ غَيْرَ مَحْرَمٍ سَقَطَ حَقُّهَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ يَعْنِي مَحْرَمَهُ النَّسَبِيَّ لَا الرَّضَاعِيَّ فَإِنَّهُ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي سُقُوطِ حَضَانَتِهَا بِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ غَيْرَ مَحْرَمِهِ الرَّحِمِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ كَالْأُمِّ إذَا تَزَوَّجَتْ بِأَجْنَبِيٍّ عَنْهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ؛ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ اسْمٌ لِلْعَقْدِ وَلَا يَتَوَقَّفُ السُّقُوطُ عَلَى الدُّخُولِ.
(قَوْلُهُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الْأَوَّلُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ بَلْ الَّذِي يَظْهَرُ الثَّانِي لِقَوْلِهِمْ يُطْعِمُهُ نَزْرًا وَيَنْظُرُ إلَيْهِ شَزْرًا، وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي الْأَجْنَبِيِّ عَنْ الْحَاضِنَةِ وَالْحَدِيثُ قَدْ غَيَّاهُ بِغَايَةٍ وَهِيَ التَّزَوُّجُ فَيَسْتَمِرُّ الْحَقُّ إلَى وُجُودِهِ وَلَمْ يُوجَدْ تَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ النَّهْرِ قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ لِمَا فِي الْبَحْرِ أَقُولُ: الظَّاهِرُ عَدَمُ سُقُوطِهَا لِلْفَرْقِ الْبَيِّنِ بَيْنَ زَوْجِ الْأُمِّ وَالْأَجْنَبِيِّ اهـ.
(قَوْلُهُ يَعْنِي إنْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ أَحَدٌ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ مِنْ مَحَارِمِهِ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا أَنَّهُ سَاقِطُ الْحَضَانَةِ فَإِنَّهُ كَالْمَعْدُومِ.
(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهِمْ الْغُلَامُ) ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْمَحْرَمِيَّةِ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ لَا يُخَافُ مِنْهُ الْفِتْنَةُ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ تُدْفَعَ الْأُنْثَى إلَى بِنْتِ الْعَمِّ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ لَكِنَّهُ خِلَافُ إطْلَاقِهِ السَّابِقِ فِي ذَوَاتِ الْأَرْحَامِ فَتَأَمَّلْ. بَقِيَ هُنَا فَائِدَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْغُلَامِ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا زَوْجُ أُمِّهِ وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهُمْ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ حَقُّ الْأُمِّ وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا أَجْنَبِيًّا عَنْ الْغُلَامِ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْعَمِّ الْآخَرَ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا الْبَحْثُ مَرْدُودٌ لِتَعْلِيلِهِمْ بِأَنَّ أَوْلَادَ الْأَعْمَامِ غَيْرُ مَحَارِمَ لِلصَّغِيرِ وَأَنَّهُ لَا حَقَّ لِغَيْرِ الْمَحْرَمِ فِي حَضَانَتِهَا وَلَعَلَّ الْوَجْهَ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ كَانَتْ عِنْدَهُ إلَى أَنْ تُشْتَهَى فَتَقَعَ الْفِتْنَةُ فَحُسِمَ مِنْ أَصْلِهِ تَأَمَّلْ. هَذَا وَلَا شَاهِدَ لَهُ بِمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّ جَوَازَ ضَمِّهَا لِابْنِ الْعَمِّ لَا لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَضَانَةِ بَلْ لِأَصْلَحِيَّتِهِ لِضَمِّهَا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ الِاخْتِيَارُ
стр. 1353
الصَّغِيرَةُ تُشْتَهَى وَهُوَ غَيْرُ مَأْمُونٍ أَمَّا إذَا كَانَتْ لَا تُشْتَهَى كَبِنْتِ سَنَةٍ مَثَلًا فَلَا مَنْعَ؛ لِأَنَّهُ لَا فِتْنَةَ، وَكَذَا إذَا كَانَتْ تُشْتَهَى وَكَانَ مَأْمُونًا قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَارِيَةِ مِنْ عَصَبَاتِهَا غَيْرُ ابْنِ الْعَمِّ فَالِاخْتِيَارُ إلَى الْقَاضِي إنْ رَآهُ أَصْلَحَ تُضَمُّ إلَيْهِ وَإِلَّا تُوضَعُ عَلَى يَدٍ أَمِينَةٍ اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الدَّفْعَ إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ قَالُوا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ عَصَبَةٌ يُدْفَعُ إلَى الْأَخِ لِأُمٍّ ثُمَّ إلَى وَلَدِهِ ثُمَّ إلَى الْعَمِّ لِأُمٍّ ثُمَّ إلَى الْخَالِ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ ثُمَّ لِأُمٍّ؛ لِأَنَّ لِهَؤُلَاءِ وِلَايَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النِّكَاحِ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِذَوِي الْأَرْحَامِ هُنَا، وَفِي بَابِ وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ قَرَابَةٌ لَيْسَتْ بِعَصَبَةٍ لَا الْمَذْكُورُ فِي الْفَرَائِضِ أَنَّهُ قَرِيبٌ لَيْسَ بِذِي سَهْمٍ وَلَا عَصَبَةٍ؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَقَارِبِ الْفُرُوضِ دَاخِلٌ فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ هُنَا كَالْأَخِ لِأُمٍّ وَإِذَا اجْتَمَعَ مُسْتَحِقُّو الْحَضَانَةِ فِي دَرَجَةٍ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ فَأَصْلَحُهُمْ أَوْلَى، فَإِنْ تَسَاوَوْا فَأَوْرَعُهُمْ، فَإِنْ تَسَاوَوْا فَأَسَنُّهُمْ، وَفِي الْبَدَائِعِ لَا حَقَّ لِلرِّجَالِ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ مَنْ هُوَ مَوْجُودٌ.
(قَوْلُهُ وَالْأُمُّ وَالْجَدَّةُ أَحَقُّ بِالْغُلَامِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ وَقُدِّرَ بِسَبْعٍ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَغْنَى يَحْتَاجُ إلَى تَأْدِيبٍ وَالتَّخَلُّقِ بِآدَابِ الرِّجَالِ وَأَخْلَاقِهِمْ وَالْأَبُ أَقْدَرُ عَلَى التَّأْدِيبِ وَالتَّعْنِيفِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّقْدِيرِ بِسَبْعٍ قَوْلُ الْخَصَّافِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الصَّغِيرَ إذَا بَلَغَ السَّبْعَ يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ إلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللُّبْسِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَحْدَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْحَضَانَةِ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ تَقْدِيرِ الِاسْتِغْنَاءِ بِالسِّنِّ وَبَيْنَ أَنْ يُقَدِّرَهُ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَحْدَهُ كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْأَصْلِ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِنْجَاءَ فِي الْمَبْسُوطِ وَذَكَرَهُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَزَادَ فِي نَوَادِرِ ابْنِ رَشِيدٍ وَيَتَوَضَّأُ وَحْدَهُ ثُمَّ مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ تَمَامُ الطَّهَارَةِ بِأَنْ يُطَهِّرَ وَجْهَهُ وَحْدَهُ بِلَا مُعِينٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بَلْ مِنْ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَمَامِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِ الْخَصَّافِ.
وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالتَّبْيِينِ وَالْكَافِي أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الْخَصَّافِ مِنْ التَّقْدِيرِ بِالسَّبْعِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَأْمُرَهُ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغَهَا وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْوَلَدُ عِنْدَهُ وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ ابْنُ سَبْعٍ وَقَالَتْ ابْنُ سِتٍّ لَا يُحَلِّفُ الْقَاضِي أَحَدَهُمَا وَلَكِنْ يَنْظُرُ إنْ كَانَ يَأْكُلُ وَحْدَهُ وَيَلْبَسُ وَحْدَهُ وَيَسْتَنْجِي وَحْدَهُ دُفِعَ وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْأَكْلِ عَنْ الشُّرْبِ وَلِذَا ذَكَرَ الشُّرْبَ فِي الْخُلَاصَةِ وَجَمَعَ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ فِي التَّبْيِينِ، وَأَمَّا مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْخُلَاصَةِ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِ الِاسْتِنْجَاءِ فَسَهْوٌ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ ﵀ بِذِكْرِ الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ إلَى أَنَّ غَيْرَهُمَا أَوْلَى فَلَوْ قَالَ وَالْحَاضِنَةُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ لَكَانَ أَصْرَحَ.
(قَوْلُهُ وَبِهَا حَتَّى تَحِيضَ) أَيْ: الْأُمُّ وَالْجَدَّةُ أَحَقُّ بِالصَّغِيرَةِ حَتَّى تَحِيضَ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ تَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ آدَابِ النِّسَاءِ وَالْمَرْأَةُ عَلَى ذَلِكَ أَقْدَرُ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ تَحْتَاجُ إلَى التَّحْصِينِ وَالْحِفْظِ وَالْأَبُ فِيهِ أَقْوَى وَأَهْدَى وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ حَتَّى تَبْلُغَ لَكَانَ أَوْلَى وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا تُدْفَعُ إلَى الْأَبِ إذَا بَلَغَتْ حَدَّ الشَّهْوَةِ لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَى الصِّيَانَةِ قَالَ فِي النُّقَايَةِ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ لِفَسَادِ الزَّمَانِ، وَفِي نَفَقَاتِ الْخَصَّافِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلُهُ، وَفِي التَّبْيِينِ وَبِهِ يُفْتَى فِي زَمَانِنَا لِكَثْرَةِ الْفَسَادِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَغِيَاثِ الْمُفْتِي وَالِاعْتِمَادُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لِفَسَادِ الزَّمَانِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَقَدْ صُرِّحَ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تَحِيضَ وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الشَّهْوَةِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَلَيْسَ لَهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَرْأَةِ، وَفِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ وَبِنْتُ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً مُشْتَهَاةٌ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَقَدَّرَهُ أَبُو اللَّيْثِ بِتِسْعِ سِنِينَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهَا لَوْ زُوِّجَتْ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ لَا تَسْقُطُ حَضَانَتُهَا وَقَالَ فِي الْقُنْيَةِ الصَّغِيرَةُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُشْتَهَاةً وَلَهَا زَوْجٌ لَا يَسْقُطُ حَقُّ الْأُمِّ فِي حَضَانَتِهَا مَا دَامَتْ لَا تَصْلُحُ لِلرِّجَالِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَانَتْ يُسْتَأْنَسُ بِهَا اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إذَا صَلَحَتْ لِلرِّجَالِ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَقَدْ
ــ
[منحة الخالق]
لِلْقَاضِي وَالْكَلَامُ فِي اسْتِحْقَاقِهَا لَا فِي جَوَازِ الدَّفْعِ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا هَذَا وَيَجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُ التُّحْفَةِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ، أَمَّا إذَا كَانَ كَالْأَخِ لِأُمٍّ تُدْفَعُ إلَيْهِ لَا إلَى ابْنِ الْعَمِّ، وَلَوْ رَآهُ أَصْلَحَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْأَخُ لِأُمٍّ فَاسِقًا وَهِيَ حَادِثَةُ الْفَتْوَى وَيُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ فِيمَنْ يَحْضُنُ الْوَلَدَ؛ لِأَنَّ الْحَضَانَةَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مَلَكٍ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَغَيْرُهُ وَالصَّغِيرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ اهـ.
قُلْت: وَفِي الْبَدَائِعِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَ لِلْجَارِيَةِ ابْنُ عَمٍّ وَخَالٍ وَكِلَاهُمَا لَا بَأْسَ بِهِ فِي دِينِهِ جَعَلَهَا الْقَاضِي عِنْدَ الْخَالِ؛ لِأَنَّهُ مَحْرَمٌ فَكَانَ أَوْلَى وَالْأَخُ لِأَبٍ أَحَقُّ مِنْ الْخَالِ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ وَأَقْرَبُ.
(قَوْلُهُ يُدْفَعُ إلَى الْأَخِ لِأُمٍّ إلَخْ) ذُكِرَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ أَنَّ أَبَا الْأُمِّ أَوْلَى مِنْ الْأَخِ لِأُمٍّ وَالْخَالِ
стр. 1354
زَوَّجَهَا أَبُوهَا فَإِنَّهُ لَا حَضَانَةَ لِأُمِّهَا اتِّفَاقًا فَيَحْتَاجُ إطْلَاقُ الْمُخْتَصَرِ إلَى تَقْيِيدٍ نَعَمْ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ فَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا إذَا اخْتَلَفَ الْأَبُ وَالْأُمُّ فِي حَيْضِهَا فَقَالَتْ الْأُمُّ لَمْ تَحِضْ وَقَالَ الْأَبُ حَاضَتْ أَوْ فِي الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْأُمِّ كَمَا لَوْ ادَّعَى تَزَوُّجَهَا وَأَنْكَرَتْ بِجَامِعِ أَنَّهُ يَدَّعِي سُقُوطَ حَقِّهَا وَهِيَ تُنْكِرُ.
(قَوْلُهُ وَغَيْرُهُمَا أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تُشْتَهَى) أَيْ: غَيْرُ الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ أَحَقُّ بِالصَّغِيرَةِ حَتَّى تُشْتَهَى فَيَأْخُذَهَا الْأَبُ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَتَّى تَسْتَغْنِيَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى اسْتِخْدَامِهَا وَلِهَذَا لَا تُؤَجِّرُهَا لِلْخِدْمَةِ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِخِلَافِ الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ لِقُدْرَتِهِمَا عَلَيْهِ شَرْعًا وَأُطْلِقَ فِي الْجَدَّةِ فَشَمِلَ جَدَّتَهُ مِنْ أُمِّهِ وَمِنْ أَبِيهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ بِالصَّبِيِّ تَطْلُبُ النَّفَقَةَ مِنْ أَبِيهِ فَقَالَتْ هَذَا ابْنُ ابْنَتِي مِنْك وَقَدْ مَاتَتْ أُمُّهُ فَأَعْطِنِي نَفَقَتَهُ فَقَالَ الْأَبُ صَدَقْت هَذَا ابْنِي مِنْ ابْنَتِك فَأَمَّا أُمُّهُ فَلَمْ تَمُتْ وَهِيَ فِي مَنْزِلِي وَأَرَادَ أَخْذَ الصَّبِيِّ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَعْلَمَ الْقَاضِي أُمَّهُ وَتَحْضُرَ هِيَ فَتَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ أَنَّهَا جَدَّةُ الصَّبِيِّ فَقَدْ أَقَرَّ أَنَّ لَهَا حَقَّ الْحَضَانَةِ ثُمَّ يَدَّعِي قِيَامَ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهَا وَذَا مُحْتَمَلٌ، فَإِنْ أَحْضَرَ الْأَبُ امْرَأَةً فَقَالَ هَذِهِ ابْنَتُك، وَهَذَا ابْنِي مِنْهَا وَقَالَتْ الْجَدَّةُ مَا هَذِهِ ابْنَتِي وَقَدْ مَاتَتْ ابْنَتِي أُمُّ هَذَا الصَّبِيِّ فَالْقَوْلُ فِي هَذَا قَوْلُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الَّتِي مَعَهُ وَيُدْفَعُ الصَّبِيُّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ لَهُمَا فَيَكُونُ الْوَلَدُ لَهُمَا.
وَصَارَ هَذَا كَالزَّوْجَيْنِ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: هُوَ ابْنِي مِنْ زَوْجٍ آخَرَ وَقَالَ الرَّجُلُ: هُوَ ابْنِي مِنْ امْرَأَةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ ابْنًا لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ لَهُمَا فَيَكُونُ الْوَلَدُ لَهُمَا وَكَذَلِكَ الْجَدَّةُ لَوْ حَضَرَتْ وَقَالَتْ: هَذَا ابْنُ ابْنَتِي مِنْ هَذَا الرَّجُلِ وَقَدْ مَاتَتْ أُمُّهُ فَقَالَ الرَّجُلُ هَذَا ابْنِي مِنْ غَيْرِ ابْنَتِك مِنْ امْرَأَةٍ لِي فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَيَأْخُذُ الصَّبِيَّ مِنْهَا، وَلَوْ أَحْضَرَ الرَّجُلُ امْرَأَةً وَقَالَ هَذَا ابْنِي مِنْ هَذِهِ لَا مِنْ ابْنَتِك وَقَالَتْ الْجَدَّةُ مَا هَذِهِ أُمُّهُ بَلْ أُمُّهُ ابْنَتِي وَقَالَتْ الَّتِي أَحْضَرَهَا الرَّجُلُ صَدَقْتِ مَا أَنَا بِأُمِّهِ وَقَدْ كَذَبَ هَذَا الرَّجُلُ وَلَكِنِّي امْرَأَتُهُ فَإِنَّ الْأَبَ أَوْلَى بِهِ فَيَأْخُذُهُ، وَعَلَّلَ الْخَصَّافُ ﵀ فِي الْكِتَابِ فَقَالَ: لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ هَذَا ابْنِي مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فَقَدْ أَنْكَرَ كَوْنَهَا جَدَّةً لَهُ فَيَكُونُ مُنْكِرًا الْحَقَّ لَهَا فِي الْحَضَانَةِ أَصْلًا وَهِيَ أَقَرَّتْ لَهُ بِالْحَقِّ اهـ. .
(قَوْلُهُ وَلَا حَقَّ لِلْأَمَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ مَا لَمْ يُعْتَقَا) لِعَجْزِهِمَا عَنْ الْحَضَانَةِ بِالِاشْتِغَالِ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى وَإِذَا أُعْتِقَتَا صَارَتَا حُرَّتَيْنِ أَوَانَ ثُبُوتُ الْحَقِّ وَدَخَلَ تَحْتَ الْأَمَةِ الْمُدَبَّرَةُ لِوُجُودِ الرِّقِّ فِيهَا، وَكَذَا الْمُكَاتَبَةُ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْأَمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَلَدِ الْمَوْلُودِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ، وَأَمَّا إذَا وَلَدَتْهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ فَهِيَ أَوْلَى بِحَضَانَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ دَاخِلًا فِي كِتَابَتِهَا وَأَرَادَ بِالْحَقِّ الْمَنْفِيِّ حَقَّ الْحَضَانَةِ قَالُوا وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْحَقَّ فِي حَضَانَةِ وَلَدِ الْأَمَةِ لِلْمَوْلَى أَوْ لِغَيْرِهِ وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ كَانَ الصَّغِيرُ رَقِيقًا فَمَوْلَاهُ أَحَقُّ بِهِ حُرًّا كَانَ أَبُوهُ أَوْ عَبْدًا، وَكَذَا لَوْ عَتَقَتْ أُمُّهُ بَعْدَ وَضْعِهِ فَلَا حَقَّ لَهَا فِي حَضَانَتِهِ إنَّمَا الْحَقُّ لِلْمَوْلَى سَوَاءٌ كَانَتْ مَنْكُوحَةَ أَبِيهِ أَوْ فَارَقَهَا؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ حُرًّا فَالْحَضَانَةُ لِأَقْرِبَائِهِ الْأَحْرَارِ إنْ كَانَتْ أُمُّهُ أَمَةً لَا لِمَوْلَاهَا وَلَا لِمَوْلَاهُ الَّذِي أَعْتَقَهُ وَإِنْ أُعْتِقَتْ كَانَتْ الْحَضَانَةُ لَهَا.
(قَوْلُهُ وَالذِّمِّيَّةُ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يَعْقِلْ الْأَدْيَانَ) ؛ لِأَنَّ الْحَضَانَةَ تُبْتَنَى عَلَى الشَّفَقَةِ وَهِيَ أَشْفَقُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الدَّفْعُ إلَيْهَا أَنْظَرَ لَهُ، فَإِذَا عَقَلَ الْأَدْيَانَ يُنْزَعُ مِنْهَا لِاحْتِمَالِ الضَّرَرِ وَأَطْلَقَ الذِّمِّيَّةَ فَشَمِلَ الْكِتَابِيَّةَ وَالْمَجُوسِيَّةَ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ وَقُيِّدَ بِهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُرْتَدَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِيهَا؛ لِأَنَّهَا تُحْبَسُ وَتُضْرَبُ فَلَا تَتَفَرَّغُ لَهُ وَلَا فِي دَفْعِهِ إلَيْهَا نَظَرٌ، فَإِذَا أَسْلَمَتْ وَتَابَتْ يُسَلَّمُ الْوَلَدُ إلَيْهَا وَقَدْ جَمَعَ فِي الْهِدَايَةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَقَالَ: مَا لَمْ يَعْقِلْ الْأَدْيَانَ أَوْ يُخَفْ أَنْ يَأْلَفَ الْكُفْرَ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا خِيفَ أَنْ يَأْلَفَ الْكُفْرَ نُزِعَ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَعْقِلْ دِينًا وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْمُقْتَصِرِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لَوْ خِيفَ أَنْ تُغَذِّيَهُ بِلَحْمِ خِنْزِيرٍ أَوْ خَمْرٍ لَمْ يُنْزَعْ مِنْهَا بَلْ يُضَمُّ إلَى نَاسٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْأُمِّ اتِّفَاقِيٌّ؛ إذْ كُلُّ حَاضِنَةٍ ذِمِّيَّةٍ كَذَلِكَ كَمَا صُرِّحَ فِي
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ لَمْ يُنْزَعْ مِنْهَا بَلْ يُضَمَّ إلَى نَاسٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) لَيْسَ فِي الْفَتْحِ وَالنَّهْرِ قَوْلُهُ لَمْ يُنْزَعْ مِنْهَا وَأَيْضًا فَظَاهِرُ أَنَّهُ يُضَمُّ إلَى نَاسٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى يُضَمُّ إلَيْهِمْ عِنْدَهَا تَأَمَّلْ
стр. 1355
خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَأُمُّ الْأُمِّ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً أَوْ مَجُوسِيَّةً، وَكَذَا كُلُّ كَافِرَةٍ مِنْ نِسَاءِ الْقَرَابَةِ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ اهـ. .
(قَوْلُهُ وَلَا خِيَارَ لِلْوَلَدِ عِنْدَنَا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهُمَا الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ وَلَنَا أَنَّهُ لِقُصُورِ عَقْلِهِ يَخْتَارُ مَنْ عِنْدَهُ الدَّعَةُ وَالرَّاحَةُ لِتَخْلِيَتِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّعِبِ فَلَا يَتَحَقَّقُ النَّظَرُ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يُخَيِّرُوا، وَأَمَّا الْحَدِيثُ قُلْنَا قَدْ قَالَ ﵊ اللَّهُمَّ اهْدِهِ فَوُفِّقَ لِاخْتِيَارِ الْأَنْظَرِ بِدُعَائِهِ ﵇ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ بَالِغًا وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ تَخْيِيرِهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ إذَا بَلَغَ السِّنَّ الَّذِي يُنْزَعُ مِنْ الْأُمِّ يَأْخُذُهُ الْأَبُ وَلَا خِيَارَ لِلصَّغِيرِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْمَعْتُوهُ لَا يُخَيَّرُ وَيَكُونُ عِنْدَ الْأُمِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِتَخْيِيرِ الْوَلَدِ، وَأَمَّا عِنْدَنَا وَالْمَعْتُوهُ إذَا بَلَغَ السِّنَّ الْمَذْكُورَ يَكُونُ عِنْدَ الْأَبِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ﵀ حُكْمَ الْوَلَدِ إذَا بَلَغَ هَلْ يَنْفَرِدُ بِالسُّكْنَى أَوْ يَسْتَمِرُّ عِنْدَ الْأَبِ؟
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ فَإِذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ مَبْلَغَ النِّسَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا كَانَ لِلْأَبِ أَنْ يَضُمَّهَا إلَى نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا إذَا لَمْ تَكُنْ مَأْمُونَةً عَلَى نَفْسِهَا وَالْغُلَامُ إذَا عَقَلَ وَاجْتَمَعَ رَأْيُهُ وَاسْتَغْنَى عَنْ الْأَبِ لَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يَضُمَّهُ إلَى نَفْسِهِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا عَلَى نَفْسِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَضُمَّهُ إلَى نَفْسِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ إلَّا أَنْ يَتَبَرَّعَ، وَمَتَى كَانَتْ الْجَارِيَةُ بِكْرًا يَضُمُّهَا إلَى نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ عَلَيْهَا الْفَسَادَ إذَا كَانَتْ حَدِيثَةَ السِّنِّ أَمَّا إذَا دَخَلَتْ فِي السِّنِّ وَاجْتَمَعَ لَهَا رَأْيٌ وَعَقَلَتْ فَلَيْسَ لِلْأَوْلِيَاءِ حَقُّ الضَّمِّ وَلَهَا أَنْ تَنْزِلَ حَيْثُ أَحَبَّتْ حَيْثُ لَا يُتَخَوَّفُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا مَخُوفًا عَلَيْهَا وَلَيْسَ لَهَا أَبٌ وَلَا جَدُّ وَلَكِنْ لَهَا أَخٌ أَوْ عَمٌّ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الضَّمِّ إلَى نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْأَبِ وَالْجَدِّ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَبَ وَالْجَدَّ كَانَ لَهُمَا وِلَايَةُ الضَّمِّ فِي الِابْتِدَاءِ فَجَازَ أَنْ يُعِيدَاهَا إلَى حِجْرِهِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ مَأْمُونَةً أَمَّا غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةُ الضَّمِّ فِي الِابْتِدَاءِ فَلَا يَكُونُ لَهُ وِلَايَةُ الْإِعَادَةِ أَيْضًا اهـ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ وَلَا جَدٌّ وَلَا عَصَبَةٌ أَوْ كَانَ لَهَا عَصَبَةٌ مُفْسِدٌ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي حَالِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مَأْمُونَةً خَلَّاهَا تَنْفَرِدُ بِالسُّكْنَى سَوَاءٌ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا وَإِلَّا وَضَعَهَا عِنْدَ امْرَأَةٍ أَمِينَةٍ ثِقَةٍ تَقْدِرُ عَلَى الْحِفْظِ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُؤَدِّبَ وَلَدَهُ الْبَالِغَ إذَا وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ الِابْنُ إذَا بَلَغَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ، فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا يُخْشَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَالْأَبُ أَوْلَى مِنْ الْأُمِّ، وَفِي الْخُلَاصَةِ امْرَأَةٌ خَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِهَا وَتَرَكَتْ صَبِيًّا لَهَا فِي الْمَهْدِ فَسَقَطَ الْمَهْدُ وَمَاتَ الصَّغِيرُ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُضَيِّعْ فَلَا تَضْمَنُ كَمَا لَوْ خَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِهَا فَجَاءَ طَرَّارٌ فَطَرَّ فِي الْبَيْتِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ وَلَا تُسَافِرُ مُطَلَّقَةٌ بِوَلَدِهَا إلَّا إلَى وَطَنِهَا وَقَدْ نَكَحَهَا ثُمَّ) ؛ لِأَنَّ فِي السَّفَرِ بِهِ إضْرَارًا بِأَبِيهِ، فَإِذَا خَرَجَتْ بِهِ إلَى وَطَنِهَا وَقَدْ كَانَ تَزَوَّجَهَا الزَّوْجُ فِيهِ فَلَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمَقَامَ فِيهِ عُرْفًا وَشَرْعًا قَالَ ﵇ «مَنْ تَأَهَّلَ بِبَلْدَةٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» وَلِهَذَا يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ بِهِ ذِمِّيًّا كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَدَفَعَهُ فِي الْكَافِي بِأَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يَصِيرُ بِتَأَهُّلِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ذِمِّيًّا لِإِمْكَانِ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثُمَّ يَعُودَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْحَرْبِيَّةِ إذَا تَزَوَّجَتْ فَإِنَّهَا تَصِيرُ ذِمِّيَّةً وَمَا فِي التَّبْيِينِ مِنْ إبْدَالِ الْحَرْبِيِّ بِالْحَرْبِيَّةِ لَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الرَّجُلِ.
وَشَرَطَ الْمُصَنِّفُ لِجَوَازِ سَفَرِهَا بِهِ أَمْرَيْنِ وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا السَّفَرُ بِهِ إلَى مِصْرٍ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا فِيهِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا أَرَادَتْ الْخُرُوجَ إلَى مِصْرٍ غَيْرِ وَطَنِهَا وَقَدْ كَانَ التَّزَوُّجُ فِيهِ أَشَارَ فِي الْكِتَابِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، وَهَذَا رِوَايَةُ كِتَابِ الطَّلَاقِ وَذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ لَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَتَى وُجِدَ فِي مَكَان يُوجِبُ أَحْكَامَهُ فِيهِ كَمَا يُوجِبُ الْبَيْعُ التَّسْلِيمَ فِي مَكَانِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ حَقُّ إمْسَاكِ الْأَوْلَادِ وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّزَوُّجَ فِي دَارِ الْغُرْبَةِ لَيْسَ الْتِزَامًا لِلْمُكْثِ فِيهِ عُرْفًا وَهَذَا أَصَحُّ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ وَإِنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ تُسَافِرُ دُونَ أَنْ تَخْرُجَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ تَقَارُبٌ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الْأَبُ مِنْ مُطَالَعَةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا مَخُوفًا عَلَيْهَا إلَخْ) عِبَارَةُ التَّنْوِيرِ وَشَرْحِهِ الدُّرُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ وَلَا جَدٌّ وَلَكِنْ لَهَا أَخٌ أَوْ عَمٌّ فَلَهُ ضَمُّهَا إنْ لَمْ يَكُنْ مُفْسِدًا وَإِنْ كَانَ مُفْسِدًا لَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ عَصَبَةٍ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ وَلَا جَدٌّ وَلَا غَيْرُهُمَا مِنْ الْعَصَبَاتِ أَوْ كَانَ لَهَا عَصَبَةٌ مُفْسِدٌ فَالنَّظَرُ فِيهَا إلَى الْحَاكِمِ، فَإِنْ كَانَتْ مَأْمُونَةً خَلَّاهَا تَنْفَرِدُ بِالسُّكْنَى وَإِلَّا وَضَعَهَا عِنْدَ امْرَأَةٍ أَمِينَةٍ قَادِرَةٍ عَلَى الْحِفْظِ بِلَا فَرْقٍ فِي ذَلِكَ بَيْنَ بِكْرٍ وَثَيِّبٍ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ انْتَهَتْ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الشَّارِحِ الزَّيْلَعِيِّ قَالَ الشَّلَبِيُّ وَيَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهِ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَنِ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ
стр. 1356
وَلَدِهِ وَالرُّجُوعِ إلَيْهِ فِي نَهَارِهِ جَازَ لَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ وَطَنًا لَهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ أَوْ لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ إلَى قَرِيبٍ بِمَنْزِلَةِ الِانْتِقَالِ مِنْ مَحَلَّةٍ إلَى مَحَلَّةٍ فِي بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ اهـ.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ عَدَمُ صِحَّةِ التَّعْبِيرِ بِالسَّفَرِ أَوْ بِالْخُرُوجِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الشَّرْعِيَّ لَمْ يَصِحَّ؛ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي مَنْعِهَا عَنْ الْخُرُوجِ بِهِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْوَطَنَيْنِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ السَّفَرَ اللُّغَوِيَّ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْنَ الْمَكَانَيْنِ تَقَارُبٌ لَا تُمْنَعُ مُطْلَقًا فَهُوَ كَالِانْتِقَالِ مِنْ مَحَلَّةٍ إلَى أُخْرَى، وَكَذَا التَّعْبِيرُ بِمُطْلَقِ الْخُرُوجِ لَا يَصِحُّ وَالْعِبَارَةُ الصَّحِيحَةُ لَيْسَ لَهَا الْخُرُوجُ بِالْوَلَدِ مِنْ بَلْدَةٍ إلَى أُخْرَى بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ إلَّا إذَا انْتَقَلَتْ مِنْ الْقَرْيَةِ إلَى الْمِصْرِ فَإِنَّ لَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ حَيْثُ يَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ الْمِصْرِ وَلَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ بِالْأَبِ وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَفِي عَكْسِهِ ضَرَرٌ بِالصَّغِيرِ لِتَخَلُّقِهِ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ السَّوَادِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ مُطْلَقًا.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ جَوَازِ نَقْلِهِ إذَا وُجِدَ الْأَمْرَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْقُلَهُ إلَيْهَا إذَا كَانَ وَطِئَهَا وَنَكَحَهَا فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْوَلَدِ وَالْوَالِدِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ حَتَّى لَوْ كَانَ الْوَالِدُ وَالْوَالِدَةُ حَرْبِيَّيْنِ لَهَا ذَلِكَ وَقُيِّدَ بِالْمُطَلَّقَةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْكُوحَةَ لَيْسَ لَهَا الْخُرُوجُ بِهِ مِنْ بَلَدٍ إلَى آخَرَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ حَقَّ السُّكْنَى لِلزَّوْجِ بَعْدَ إيفَاءِ الْمُعَجَّلِ خُصُوصًا بَعْدَمَا خَرَجَتْ مَعَهُ وَأَرَادَ بِالْمُطَلَّقَةِ الْمُبَانَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ رَجْعِيًّا حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَنْكُوحَةِ، وَمُعْتَدَّةُ الْبَائِنِ لَيْسَ لَهَا الْخُرُوجُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مُطْلَقًا وَقُيِّدَ بِالْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ لَوْ مَاتَتْ وَصَارَتْ الْحَضَانَةُ لِلْجَدَّةِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إلَى مِصْرِهَا بِالْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ، وَكَذَا أُمُّ الْوَلَدِ إذَا أُعْتِقَتْ لَا تُخْرِجُ الْوَلَدَ مِنْ الْمِصْرِ الَّذِي فِيهِ الْغُلَامُ؛ لِأَنَّهُ لَا عَقْدَ بَيْنَ الْأَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرُ الْجَدَّةِ كَالْجَدَّةِ بِالْأَوْلَى وَأُطْلِقَ فِي الْوَطَنِ فَشَمِلَ الْقَرْيَةَ فَلَهَا أَنْ تَنْقُلَهُ مِنْ مِصْرٍ إلَى قَرْيَةٍ وَقَعَ الْعَقْدُ بِهَا وَهِيَ قَرْيَتُهَا كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ فَمَا فِي شَرْحِ الْبَقَّالِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ ضَعِيفٌ وَقُيِّدَ بِالْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَيْسَ لَهُ إخْرَاجُ الْوَلَدِ مِنْ بَلَدِ أُمِّهِ حَيْثُ كَانَ لَهَا حَقٌّ فِي الْحَضَانَةِ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَفِي الْمُنْتَقَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِالْبَصْرَةِ فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا ثُمَّ إنَّ هَذَا الرَّجُلَ أَخْرَجَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ إلَى الْكُوفَةِ وَطَلَّقَهَا وَخَاصَمَتْهُ فِي وَلَدِهَا وَأَرَادَتْ رَدَّهُ عَلَيْهَا قَالَ إنْ كَانَ الزَّوْجُ أَخْرَجَهُ إلَيْهَا بِأَمْرِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ وَيُقَالَ لَهَا اذْهَبِي إلَيْهِ وَخُذِيهِ قَالَ وَإِنْ كَانَ إخْرَاجُهُ بِغَيْرِ أَمْرِهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَجِيءَ بِهِ إلَيْهَا ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي رَجُلٍ خَرَجَ مَعَ الْمَرْأَةِ وَوَلَدِهَا مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى الْكُوفَةِ ثُمَّ رَدَّ الْمَرْأَةَ إلَى الْبَصْرَةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ وَلَدَهَا فَيُؤْخَذَ بِذَلِكَ لَهَا اهـ.
وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَإِذَا تَزَوَّجَهَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ رُسْتَاقٍ لَهَا قُرَى قَرِيبَةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فَأَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ بِوَلَدِهَا مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ لَهَا ذَلِكَ مَا لَمْ تَقْطَعْهُ مِنْ أَبِيهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُبْصِرَ وَلَدَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَكَذَا الْأَبُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الْمِصْرِ إلَى الْقُرَى بِغَيْرِ رِضَا أُمِّهِ إذَا كَانَ صَغِيرًا اهـ.
وَفِي الْمَجْمَعِ وَلَا يَخْرُجُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ عَدَمُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّفَرِ هُنَا اللُّغَوِيُّ الَّذِي هُوَ قَطْعُ الْمَسَافَةِ لَا الشَّرْعِيُّ؛ إذْ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقْصِدَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ غَيْرَ أَنَّهَا لَوْ قَرُبَتْ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ مُطَالَعَةِ وَلَدِهِ وَيَرْجِعُ إلَى وَطَنِهِ فِي يَوْمِهِ جَازَ لَهَا النَّقْلُ.
(قَوْلُهُ وَالْعِبَارَةُ الصَّحِيحَةُ إلَى قَوْلِهِ وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَوْلُهُ إلَّا إذَا انْتَقَلَتْ إلَخْ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ الْمُتُونِ قَاطِبَةً وَفِيهِ إضْرَارٌ بِالْأَبِ فَيُمْنَعُ عَنْهُ وَلَمْ نَرَ هَذَا لِغَيْرِهِ بَلْ كَلَامُهُمْ مُصَرَّحٌ بِخِلَافِهِ اهـ.
قُلْت يُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَ الْمُؤَلِّفِ بِالْقَرْيَةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْمِصْرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَلَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ بِالْأَبِ نَعَمْ يَبْقَى الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ شَرَطَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمَتْنِ فَالْعِبَارَةُ الصَّحِيحَةُ لَهَا الْخُرُوجُ بِالْوَلَدِ مِنْ بَلَدِهِ إلَى بَلْدَةٍ هِيَ وَطَنُهَا وَقَدْ نَكَحَهَا فِيهَا وَمِنْ قَرْيَةٍ إلَى مِصْرٍ قَرِيبَةٍ مُطْلَقًا وَإِلَّا فَلَا كَإِخْرَاجِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إلَّا إذَا كَانَا حَرْبِيَّيْنِ.
(قَوْلُهُ وَقُيِّدَ بِالْمُطَلَّقَةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا كَالْمُطَلَّقَةِ فِي ذَلِكَ فَلَا تَمْلِكُ ذَلِكَ بِلَا إذْنِ الْأَوْلِيَاءِ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَ الْأَبِ وَمَا فِيهِ إضْرَارٌ بِالْوَلَدِ ظَاهِرُ الْمَنْعِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الْأَبُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ) أَيْ: إذَا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَقْطَعْهُ مِنْ أُمِّهِ إذَا أَرَادَتْ أَنْ تُبْصِرَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الْمِصْرِ إلَى الْقُرَى إلَخْ أَيْ: لِتَضَرُّرِهِ بِتَخَلُّقِهِ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ الْقُرَى نَظِيرُ مَا مَرَّ فِيمَا لَوْ أَرَادَتْ إخْرَاجَهُ إلَيْهَا بِدُونِ إذْنِ أَبِيهِ، وَفِي النَّهْرِ قُيِّدَ بِالْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَيْسَ لَهُ إخْرَاجُ الْوَلَدِ مِنْ بَلَدِ أُمِّهِ مَا بَقِيَ حَقُّ الْحَضَانَةِ لَهَا وَقَيَّدَهُ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ بِغَيْرِ الْقَرِيبِ أَمَّا الْمَكَانُ الْقَرِيبُ الَّذِي لَا يَقْطَعُهُ عَنْهَا إذَا أَرَادَتْ أَنْ تَنْظُرَ وَلَدَهَا كُلَّ يَوْمٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَمَا فِي جَانِبِهَا وَهُوَ حَسَنٌ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْحَاوِي لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِيمَا إذَا كَانَ حَقُّ الْحَضَانَةِ لَهَا وَإِذَا كَانَ حَقُّ الْحَضَانَةِ لَهَا لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْهَا وَهُوَ فِي بَلَدِهَا فَكَيْفَ إذَا أَرَادَ إخْرَاجَهُ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ إبْطَالَ حَقِّهَا فِيهَا كَمَا لَا يَخْفَى
стр. 1357
الْأَبُ بِوَلَدِهِ قَبْلَ الِاسْتِغْنَاءِ اهـ. وَعَلَّلَهُ فِي الشَّرْحِ بِأَنَّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْأُمِّ بِإِبْطَالِ حَقِّهَا فِي الْحَضَانَةِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَضَانَتَهَا إذَا سَقَطَتْ جَازَ لَهُ السَّفَرُ بِهِ، وَفِي الْفَتَاوَى السِّرَاجِيَّةِ سُئِلَ إذَا أَخَذَ الْمُطَلِّقُ وَلَدَهُ مِنْ حَاضِنَتِهِ لِزَوَاجِهَا هَلْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إلَى أَنْ يَعُودَ حَقُّ أُمِّهِ اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَا وَهِيَ حَادِثَةُ الْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابُ النَّفَقَةِ)
هِيَ فِي اللُّغَةِ مَا يُنْفِقُ الْإِنْسَانُ عَلَى عِيَالِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] ، وَيُقَالُ أَنْفَقَ الرَّجُلُ مِنْ النَّفَقَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] وَأَنْفَقَ الْقَوْمُ إذَا أَنْفَقَتْ سُوقُهُمْ وَأَنْفَقَ الرَّجُلُ إذَا ذَهَبَ مَالُهُ، وَيُقَالُ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠] أَيْ خَشْيَةَ الْفَقْرِ، وَيُقَالُ نَفَقَتْ السِّلْعَةُ نِفَاقًا نَقِيضُ كَسَدَتْ وَنَفَقَتْ الدَّابَّةُ نُفُوقًا إذَا مَاتَتْ كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ النَّفَقَةَ الْمُرَادَةَ هُنَا لَيْسَتْ مُشْتَقَّةً مِنْ النُّفُوقِ بِمَعْنَى الْهَلَاكِ وَلَا مِنْ النَّفَقِ وَلَا مِنْ النِّفَاقِ، بَلْ هِيَ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى عِيَالِهِ، وَأَمَّا فِي الشَّرِيعَةِ فَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ، قَالَ هِشَامٌ سَأَلْت مُحَمَّدًا عَنْ النَّفَقَةِ، قَالَ النَّفَقَةُ هِيَ الطَّعَامُ وَالْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى اهـ.
قَالُوا وَنَفَقَةُ الْغَيْرِ تَجِبُ عَلَى الْغَيْرِ بِأَسْبَابٍ ثَلَاثَةٍ بِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْقَرَابَةِ وَالْمِلْكِ فَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ لِمُنَاسَبَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ.
(قَوْلُهُ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَالْكِسْوَةُ بِقَدْرِ حَالِهِمَا) أَيْ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ بِقَرِينَةِ عَطْفِ الْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى عَلَيْهَا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، وَقَوْلُهُ ﵊ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ؛ وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ جَزَاءُ الِاحْتِبَاسِ فَكُلُّ مَنْ كَانَ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ مَقْصُودٍ لِغَيْرِهِ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ أَصْلُهُ الْقَاضِي وَالْعَامِلُ فِي الصَّدَقَاتِ وَالْمُفْتِي وَالْوَالِي وَالْمُضَارِبُ إذَا سَافَرَ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَالْمُقَاتَلَةُ إذَا أَقَامُوا لِدَفْعِ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الرَّهْنَ مَحْبُوسٌ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ الِاسْتِيفَاءُ؛ وَلِذَا كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ مَعَ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الرَّاهِنِ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِحَقِّ الرَّاهِنِ أَيْضًا وَهُوَ وَفَاءُ دَيْنِهِ عَنْهُ عِنْدَ الْهَلَاكِ مَعَ كَوْنِهِ مِلْكًا لَهُ أَطْلَقَ فِي الزَّوْجَةِ فَشَمِلَ الْمُسْلِمَةَ وَالْكَافِرَةَ الْغَنِيَّةَ وَالْفَقِيرَةَ وَأَطْلَقَ فِي الزَّوْجِ فَشَمِلَ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ وَالصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَى أَبِيهِ لَهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَهْرِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ طَرِيقَ إيصَالِ النَّفَقَةِ إلَيْهَا وَهُوَ نَوْعَانِ: تَمْكِينٌ، وَتَمْلِيكٌ فَالتَّمْكِينُ مُتَعَيَّنٌ فِيمَا إذَا كَانَ لَهُ طَعَامٌ كَثِيرٌ وَهُوَ صَاحِبُ مَائِدَةٍ فَتَمْكِينُ الْمَرْأَةِ مِنْ تَنَاوُلِ مِقْدَارِ كِفَايَتِهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِفَرْضِ النَّفَقَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنْ رَضِيَتْ أَنْ تَأْكُلَ مَعَهُ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَإِنْ
ــ
[منحة الخالق]
فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقُّ الْحَضَانَةِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْفَتَاوَى السِّرَاجِيَّةِ) أَيْ: الْمَنْسُوبَةِ إلَى الشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ قَارِئِ الْهِدَايَةِ شَيْخِ الْكَمَالِ ابْنُ الْهُمَامِ وَهَذِهِ غَيْرُ الْفَتَاوَى السِّرَاجِيَّةِ الَّتِي يُنْقَلُ عَنْهَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
[بَابُ النَّفَقَةِ]
[أَسْبَابٍ وُجُوب النَّفَقَة]
[الزَّوْجِيَّةِ]
(بَابُ النَّفَقَةِ)
(قَوْلُهُ بِالزَّوْجِيَّةِ وَالْقَرَابَةِ وَالْمِلْكِ) مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا أَسْبَابُ وُجُوبِ هَذِهِ النَّفَقَةِ أَيْ نَفَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا بِسَبَبِ وُجُوبِهَا اسْتِحْقَاقَ الْحَبْسِ الثَّابِتِ بِالنِّكَاحِ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ السَّبَبُ الزَّوْجِيَّةُ وَهِيَ كَوْنُهَا زَوْجَةً لَهُ وَيُبْتَنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ لِانْعِدَامِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ حَقُّ الْحَبْسِ الثَّابِتِ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا بِسَبَبِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ لَا يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَكَذَا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ حَقِيقَةً، وَكَذَا فِي عِدَّةٍ مِنْهُ وَإِنْ ثَبَتَ حَقُّ الْحَبْسِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِسَبَبِ النِّكَاحِ لِانْعِدَامِ حَقِيقَتِهِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِتَحْصِينِ الْمَاءِ؛ وَلِأَنَّ حَالَ الْعِدَّةِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ حَالِ النِّكَاحِ اهـ. مُلَخَّصًا وَسَيَأْتِي مِنْ الْمُؤَلِّفِ الْكَلَامُ عَلَى النِّكَاحِ الْفَاسِدِ فِي آخِرِ هَذِهِ الْمَقُولَةِ.
(قَوْلُهُ: أَطْلَقَ فِي الزَّوْجَةِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَيَأْتِي أَنَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَا تُوطَأُ لَا نَفَقَةَ لَهَا فَاسْتَغْنَى عَنْ اسْتِثْنَائِهَا بِهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ إلَخْ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ قَالَ قَاضِي خَانْ وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً وَلَيْسَ لِلصَّغِيرِ مَالًا تَجِبُ عَلَى الْأَبِ نَفَقَتُهَا وَيَسْتَدِينُ الْأَبُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الِابْنِ إذَا أَيْسَرَ أَقُولُ: هَذَا إذَا كَانَ فِي تَزْوِيجِ الصَّغِيرِ مَصْلَحَةٌ وَلَا مَصْلَحَةَ فِي تَزْوِيجِ قَاصِرٍ وَمُرْضِعٍ بَالِغَةٍ حَدَّ الشَّهْوَةِ وَطَاقَةَ الْوَطْءِ بِمَهْرٍ كَثِيرٍ وَلُزُومِ نَفَقَةٍ يُقَرِّرُهَا الْقَاضِي تَسْتَغْرِقُ مَالَهُ إنْ كَانَ أَوْ يَصِيرُ ذَا دَيْنٍ كَثِيرٍ، وَنَصُّ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا عُرِفَ الْأَبُ بِسُوءِ الِاخْتِيَارِ مَجَانَةً أَوْ فِسْقًا فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا، صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْوَلِيِّ اهـ
стр. 1358
خَاصَمَتْهُ فِي فَرْضِ النَّفَقَةِ يُفْرَضُ لَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ التَّمْلِيكُ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَظَاهِرُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِصَاحِبِ الطَّعَامِ الْكَثِيرِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فَحِينَئِذٍ هِيَ مُتَعَنِّتَةٌ فِي طَلَبِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُنْفِقُ عَلَى مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ إلَّا إذَا ظَهَرَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ يَضْرِبُهَا وَلَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا فَحِينَئِذٍ يَفْرِضُ لَهَا النَّفَقَةَ اهـ.
وَظَاهِرُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ النَّفَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ تَصِيرُ مِلْكًا لِلْمَرْأَةِ إذَا دَفَعَهَا إلَيْهَا فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهَا مِنْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَادِّخَارٍ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ سُرِقَتْ الْكِسْوَةُ أَوْ هَلَكَتْ النَّفَقَةُ لَا يُفْرَضُ لَهَا أُخْرَى بِخِلَافِ الْمَحَارِمِ، وَلَوْ فَرَضَ لَهَا دَرَاهِمَ وَبَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ يُفْرَضُ بِخِلَافِ الْمَحَارِمِ اهـ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ لَوْ فَرَضَ لَهَا الْقَاضِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ نَفَقَةَ شَهْرٍ فَمَضَى الشَّهْرُ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْعَشَرَةِ شَيْءٌ يَفْرِضُ لَهَا الْقَاضِي عَشَرَةً أُخْرَى وَفَرَّقَ بَيْنَ النَّفَقَةِ وَبَيْنَ الْكِسْوَةِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي الْكِسْوَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا فِيهَا أَنَّهُمَا لَوْ اصْطَلَحَا بَعْدَ فَرْضِ النَّفَقَةِ عَلَى شَيْءٍ لَا يَصْلُحُ تَقْدِيرًا لِلنَّفَقَةِ كَانَ مُعَاوَضَةً كَالْعَبْدِ فَلَوْلَا أَنَّهَا مَلَكَتْ النَّفَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ لَمَا كَانَ مُعَاوَضَةً، وَفِي الْقُنْيَةِ قَالَ لَهَا خُذِي هَذِهِ الدَّنَانِيرَ الْخَمْسَةَ لِنَفَقَتِكِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْوَقْتَ فَهُوَ تَمْلِيكٌ لَا إبَاحَةٌ اهـ.
فَيُفِيدُ أَنَّهَا تَمْلِكُ النَّفَقَةَ بِفَرْضِ الْقَاضِي أَوْ بِدَفْعِ شَيْءٍ بِالرِّضَا لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ وَالذَّخِيرَةِ إذَا فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ فَالزَّوْجُ هُوَ الَّذِي يَلِي الْإِنْفَاقَ إلَّا إذَا ظَهَرَ عِنْدَ الْقَاضِي مَطْلُهُ فَحِينَئِذٍ يَفْرِضُ النَّفَقَةَ وَيَأْمُرُهُ لِيُعْطِيَهَا لِتُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا نَظَرًا لَهَا فَإِنْ لَمْ يُعْطِ حَبَسَهُ وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ النَّفَقَةُ اهـ.
فَهِيَ وَإِنْ مَلَكَتْهَا بِالْفَرْضِ لَمْ تَتَصَرَّفْ فِيهَا بِالْإِنْفَاقِ وَتَفَرَّعَ عَلَى هَذَا مَا لَوْ قَرَّرَ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ مَثَلًا قَدْرًا مُعَيَّنًا مِنْ النَّفَقَةِ فَأَمَرَتْهُ بِإِنْفَاقِ الْبَعْضِ وَأَرَادَتْ أَنْ تُمْسِكَ الْبَاقِيَ فَمُقْتَضَى التَّمْلِيكِ أَنَّ لَهَا ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِهِ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَالذَّخِيرَةِ فِي نَفَقَةِ الشَّهْرِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ نَفَقَةِ شَهْرٍ أَوْ يَوْمٍ، فَلَيْسَ فَائِدَةً أَنَّهُ يَلِي الْإِنْفَاقَ مَعَ فَرْضِ الْقَاضِي إلَّا لِكَوْنِهِ قَوَّامًا عَلَيْهَا لَا لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مَا فَضَلَ وَعَلَى هَذَا لَوْ أَمَرَتْهُ امْرَأَتُهُ بِشِرَاءِ طَعَامٍ وَاشْتَرَى لَهَا فَأَكَلَتْ وَفَضَلَ شَيْءٌ وَاسْتَغْنَتْ عَنْهُ فِي يَوْمِهَا، فَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ إلَيْهَا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى التَّمْلِيكِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهَا لَوْ أَسْرَفَتْ فِي نَفَقَةِ الشَّهْرِ فَأَكَلَتْهَا قَبْلَ مُضِيِّهِ وَاحْتَاجَتْ لَا يَفْرِضُ لَهَا أُخْرَى كَمَا لَوْ هَلَكَتْ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَفْرُوضَةَ أَوْ الْمَدْفُوعَةَ إلَيْهَا مِلْكٌ لَهَا فَلَهَا الْإِطْعَامُ مِنْهَا وَالتَّصَدُّقُ وَفِي الْخَانِيَّةِ الْمَرْأَةُ إذَا فُرِضَتْ لَهَا النَّفَقَةُ فَأَكَلَتْ مِنْ مَالِ نَفْسِهَا أَوْ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ كَانَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ بِالْمَفْرُوضِ عَلَى زَوْجِهَا اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ وَإِذَا طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْقَاضِي فَرْضَ النَّفَقَةِ قَبْلَ النُّقْلَةِ وَهِيَ بِحَيْثُ لَا تَمْتَنِعُ مِنْ التَّسْلِيمِ لَوْ طَالَبَهَا بِالتَّسْلِيمِ أَوْ كَانَ امْتِنَاعُهَا لِحَقِّ فَرْضِ الْقَاضِي لَهَا إعَانَةً لَهَا عَلَى الْوُصُولِ إلَى حَقِّهَا الْوَاجِبِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَمَا حَوَّلَهَا إلَى مَنْزِلِهِ فَزَعَمَتْ عَدَمَ الْإِنْفَاقِ أَوْ التَّضْيِيقَ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَجِّلَ بِالْفَرْضِ، وَلَكِنْ يَأْمُرُهُ بِالنَّفَقَةِ وَالتَّوْسِيعِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ ظُلْمُهُ فَحِينَئِذٍ يَفْرِضُ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهَا لِتُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا، وَلَوْ طَلَبَتْ كَفِيلًا بِهَا خَوْفًا مِنْ غَيْبَتِهِ لَا يُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَاسْتَحْسَنَ أَبُو يُوسُفَ أَخْذَ كَفِيلٍ بِنَفَقَةِ شَهْرٍ وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْفَرْضِ عَلَى الْقَاضِي وَجَوَازِهِ مِنْهُ شَرْطَانِ، أَحَدُهُمَا طَلَبُ الْمَرْأَةِ، وَالثَّانِي حَضْرَةُ الزَّوْجِ حَتَّى لَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا فَطَلَبَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْقَاضِي فَرْضَ نَفَقَةٍ عَلَيْهِ لَمْ يَفْرِضْ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالزَّوْجِيَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ الْأَخِيرِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ مِنْ الْقَاضِي قَضَاءٌ، وَقَدْ صَحَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ.
، وَقَوْلُهُ ﵇ لِامْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ إنَّمَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْفَتْوَى
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ إلَخْ) أَقُولُ: عِبَارَةُ الذَّخِيرَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ وَإِنْ كَانَ يَعْنِي الزَّوْجَ حَاضِرًا أَوْ كَانَ صَاحِبَ مَائِدَةٍ فَالْقَاضِي لَا يَفْرِضُ لَهَا النَّفَقَةَ وَإِنْ طَلَبَتْ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَنِّتَةٌ فِي طَلَبِ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُنْفِقُ عَلَى مَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فَلَا يَفْرِضُ لَهَا الْقَاضِي إلَّا إذَا ظَهَرَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ يَضُرُّ بِهَا وَلَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا فَحِينَئِذٍ يَفْرِضُ لَهَا النَّفَقَةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ صَاحِبَ مَائِدَةٍ فَالْقَاضِي يَفْرِضُ لَهَا النَّفَقَةَ كُلَّ شَهْرٍ. اهـ.
وَهُوَ كَمَا تَرَى لَا يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَى وَاَلَّذِي يَدُلُّ كَلَامُهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ لِلْقَاضِي تَعَنُّتُهَا بِأَيِّ طَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ لَا يَفْرِضُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ إنْفَاقُهُ عَلَى مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إنْفَاقُهُ شَرْطًا وَذَلِكَ لَا يَتَوَهَّمُهُ ذُو فَهْمٍ مَعَ قَوْلِهِ إلَّا إذَا ظَهَرَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ يَضُرُّ بِهَا تَأَمَّلْ رَمْلِيٌّ.
(قَوْلُهُ: فَهِيَ وَإِنْ مَلَكَتْهَا بِالْفَرْضِ لَمْ تَتَصَرَّفْ) أَيْ لَيْسَ لَهَا التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْإِنْفَاقِ وَإِنَّمَا الْإِنْفَاقُ لَهُ. (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ ﵇ لِامْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ) لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ الْحَدِيثِ هُنَا وَذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ أَوَّلَ الْبَابِ وَهُوَ أَنَّهُ ﵊ «قَالَ لِهِنْدَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ: خُذِي مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» . وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعْزِيًّا إلَى الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ
стр. 1359
لَا عَلَى طَرِيقِ الْقَضَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْ لَهَا مَا تَأْخُذُهُ وَفَرْضُ النَّفَقَةِ مِنْ الْقَاضِي تَقْدِيرُهَا فَإِذَا لَمْ تُقَدَّرْ لَمْ تَكُنْ فَرْضًا فَلَمْ تَكُنْ قَضَاءً وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِيمَا إذَا غَابَ وَلَهُ مَالٌ عِنْدَ مُودَعِهِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي أَخْذِ الْكَفِيلِ بِنَفَقَةِ شَهْرٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ تَقْدِيرًا لِلنَّفَقَةِ لِمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي النَّفَقَةِ عِنْدَنَا تَقْدِيرٌ لَازِمٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النَّفَقَةِ الْكِفَايَةُ وَذَلِكَ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ طِبَاعُ النَّاسِ وَأَحْوَالُهُمْ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ أَيْضًا فَفِي التَّقْدِيرِ بِمِقْدَارٍ إضْرَارٌ بِأَحَدِهِمَا وَاَلَّذِي قَالَ فِي الْكِتَابِ إنْ كَانَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا فَرَضَ الْقَاضِي لَهَا النَّفَقَةَ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ فَهَذَا لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ، بَلْ إنَّمَا قَدَّرَهُ مُحَمَّدٌ لِمَا شَاهَدَ فِي زَمَانِهِ فَاَلَّذِي يَحِقُّ عَلَى الْقَاضِي فِي زَمَانِنَا اعْتِبَارُ الْكِفَايَةِ بِالْمَعْرُوفِ وَأَصْلُهُ حَدِيثُ هِنْدَ حَيْثُ اعْتَبَرَ الْكِفَايَةَ وَفِي الْبَدَائِعِ، وَإِذَا كَانَ وُجُوبُهَا عَلَى الْكِفَايَةِ فَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ مَا يَكْفِيهَا مِنْ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ وَالدُّهْنِ؛ لِأَنَّ الْخُبْزَ لَا يُؤْكَلُ عَادَةً إلَّا مَأْدُومًا، وَأَمَّا الدُّهْنُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ لِلنِّسَاءِ وَفِي الذَّخِيرَةِ قَالُوا وَاللَّحْمُ لَيْسَ مِنْ الْإِدَامِ خُصُوصًا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْيَمِينِ، فَيُنْظَرُ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُفْرِطَةَ الْيَسَارِ تَأْكُلُ الْحَلْوَاءَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَالزَّوْجُ كَذَلِكَ يَفْرِضُ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ فَعَلَى مَا يَأْتَدِمُونَ بِهِ فِي عَادَاتِهِمْ يَفْرِضُ عَلَى الزَّوْجِ اهـ.
وَفِي الْأَقْضِيَةِ يُفْرَضُ الْإِدَامُ أَيْضًا أَعْلَاهُ اللَّحْمُ وَأَدْنَاهُ الزَّيْتُ وَأَوْسَطُهُ اللَّبَنُ، وَقِيلَ فِي الْفَقِيرَةِ لَا يُفْرَضُ الْإِدَامُ إلَّا إذَا كَانَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْحَقُّ الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ إلَى عُرْفِهِمْ اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى وَالنَّفَقَةُ هِيَ الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ وَدُهْنُ الرَّأْسِ وَدُهْنُ السِّرَاجِ وَثَمَنُ الْمَاءِ، وَلَوْنٌ مِنْ الْفَاكِهَةِ وَعَلَى الْمُعْسِرِ مِنْ الطَّعَامِ خُبْزُ الشَّعِيرِ إذَا كَانَ ذَلِكَ طَعَامَ فُقَرَائِهِمْ وَعَشَرَةُ أَسَاتِيرَ مِنْ اللَّحْمِ وَخَمْسَةُ أَسَاتِيرَ مِنْ الشَّحْمِ وَالْأَلْيَةِ وَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الْفَاكِهَةِ اهـ.
فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا أَرَادَ فَرْضَ النَّفَقَةِ أَنْ يَنْظُرَ فِي سِعْرِ الْبَلَدِ وَيَنْظُرَ مَا يَكْفِيهَا بِحَسَبِ عُرْفِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَيُقَوِّمُ الْأَصْنَافَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ يُقَدِّرُ بِالدِّرْهَمِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ إمَّا بِاعْتِبَارِ حَالِهِ أَوْ بِاعْتِبَارِ حَالِهِمَا، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الثَّانِيَ وَهُوَ قَوْلُ الْخَصَّافِ وَفِي الْهِدَايَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ اعْتِبَارُ حَالِهِ فَقَطْ وَهُوَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ وَبِهِ قَالَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ وَنَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ، وَقَالَ فِي التُّحْفَةِ وَالْبَدَائِعِ إنَّهُ الصَّحِيحُ نَظَرًا إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] ، وَاسْتَدَلَّ فِي الْهِدَايَةِ لِاعْتِبَارِ حَالِهِمَا بِحَدِيثِ هِنْدَ فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ حَالَهُمَا، وَأَمَّا النَّصُّ فَنَقُولُ بِمُوجِبِهِ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِقَدْرِ وُسْعِهِ وَالْبَاقِي دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ عَمِلَ بِالْآيَةِ وَالْحَدِيثِ
وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْمُوسِرَيْنِ إذَا كَانَا مُوسِرَيْنِ وَعَلَى نَفَقَةِ الْمُعْسِرَيْنِ إذَا كَانَا مُعْسِرَيْنِ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا فَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الِاعْتِبَارُ لِحَالِ الرَّجُلِ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَهِيَ مُعْسِرَةٌ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُوسِرِينَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَهَا مِمَّا يَأْكُلُ، لَكِنْ قَالَ مَشَايِخُنَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُؤَاكِلَهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحُسْنِ الْعِشْرَةِ مَعَهَا وَذَا فِي أَنْ يُؤَاكِلَهَا لِتَكُونَ نَفَقَتُهَا وَنَفَقَتُهُ سَوَاءً وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَهِيَ مُوسِرَةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا تَزَوَّجَتْ مُعْسِرًا فَقَدْ رَضِيَتْ بِنَفَقَةِ الْمُعْسِرِينَ، وَأَمَّا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ فَتَجِبُ نَفَقَةُ الْوَسَطِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَهِيَ فَوْقَ نَفَقَةِ الْمُعْسِرَةِ وَدُونَ نَفَقَةِ الْمُوسِرَةِ فَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُفْرِطًا فِي الْيَسَارِ يَأْكُلُ الْحَلْوَاءَ وَاللَّحْمَ الْمَشْوِيَّ وَالْبَاجَّاتِ، وَالْمَرْأَةُ فَقِيرَةٌ تَأْكُلُ فِي بَيْتِهَا خُبْزَ الشَّعِيرِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَهَا مِمَّا يَأْكُلُ فِي بَيْتِهِ بِنَفْسِهِ وَلَا مَا كَانَتْ تَأْكُلُ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا، وَلَكِنْ يُطْعِمُهَا الْوَسَطَ وَهُوَ خُبْزُ الْبُرِّ وَبَاجَّةً أَوْ بَاجَّتَيْنِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا وَهِيَ مُوسِرَةٌ وَأَوْجَبْنَا الْوَسَطَ فَقَدْ كَلَّفْنَاهُ بِمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ فَلَا يَجُوزُ وَهُوَ غَفْلَةٌ عَمَّا فِي الْهِدَايَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ
ــ
[منحة الخالق]
إلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَقَالَ ﵇ خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ»
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَهِيَ مُوسِرَةٌ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فَلَوْ اخْتَلَفَا فَادَّعَى الْإِعْسَارَ وَهِيَ
стр. 1360
بِقَدْرِ وُسْعِهِ وَالْبَاقِي دَيْنٌ إلَى الْمَيْسَرَةِ، فَلَيْسَ تَكْلِيفًا بِمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ وَفِي الْمُجْتَبَى إنْ شَاءَ فَرَضَ لَهَا أَصْنَافًا وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا وَفَرَضَ لَهَا بِالْقِيمَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَدْفَعُ لَهَا النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ قَالُوا يُعْتَبَرُ فِي الْفَرْضِ الْأَصْلَحُ وَالْأَيْسَرُ فَفِي الْمُحْتَرِفِ يَوْمًا بِيَوْمٍ أَيْ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ نَفَقَةَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ نَفَقَةِ شَهْرٍ مَثَلًا دُفْعَةً، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنْ يُعْطِيَهَا مُعَجَّلًا وَيُعْطِيَهَا كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ الْمَسَاءِ عَنْ الْيَوْمِ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ الْمَسَاءَ لِتَتَمَكَّنَ مِنْ الصَّرْفِ فِي حَاجَتِهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا يُفْرَضُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ أَوْ مِنْ الدَّهَاقِينَ فَنَفَقَةُ سَنَةٍ بِسَنَةٍ أَوْ مِنْ الصُّنَّاعِ الَّذِينَ لَا يَنْقَضِي عَمَلُهُمْ إلَّا بِانْقِضَاءِ الْأُسْبُوعِ كَذَلِكَ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ مَا إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ وَإِلَّا لَوْ قَالَ التَّاجِرُ وَالدِّهْقَانُ أَوْ الصُّنَّاعُ أَنَا أَدْفَعُ نَفَقَةَ كُلِّ يَوْمٍ مُعَجَّلًا لَا يُجْبَرُ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اعْتَبَرَ مَا ذَكَرَ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ يَضُرُّهُ لَا يَفْعَلُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ كُلَّ مُدَّةٍ نَاسَبَتْ حَالَ الزَّوْجِ فَإِنَّهُ يُعَجِّلُ نَفَقَتَهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ الْيَوْمَ وَصَرَّحَ بِهِ فِي التَّجْنِيسِ فِي نَفَقَةِ الشَّهْرِ أَنَّهَا تُفْرَضُ عَلَيْهِ وَتُدْفَعُ لَهَا، ثُمَّ قَالَ لَوْ فُرِضَ لَهَا نَفَقَةٌ كُلَّ شَهْرٍ فَطَلَبَتْهَا كُلَّ يَوْمٍ كَانَ لَهَا أَنْ تَطْلُبَ عِنْدَ الْمَسَاءِ؛ لِأَنَّ حِصَّةَ كُلِّ يَوْمٍ مَعْلُومٌ فَيُمْكِنُهُمْ الْمُطَالَبَةُ وَلَا كَذَلِكَ مَا دُونَ الْيَوْمِ اهـ.
فَإِنْ قُلْتَ إذَا شَرَطَ عَلَيْهَا وَقْتَ الْعَقْدِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَمْوِينٌ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ وَالْكِسْوَةَ كِسْوَةُ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَهَلْ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ طَلَبُ التَّقْدِيرِ فِيهِمَا؟ قُلْتُ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَالْقَوَاعِدُ تَقْتَضِي أَنَّ لَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَيْسَ بِلَازِمٍ إذْ هُوَ شَرْطٌ فِيمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا
ــ
[منحة الخالق]
الْإِيسَارَ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ فِي بَابِ النَّفَقَةِ فَإِنْ قَالَ الرَّجُلُ أَنَا مُعْسِرٌ وَعَلَيَّ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إلَّا أَنْ تُقِيمَ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ.
(قَوْلُهُ: قَالُوا يُعْتَبَرُ فِي الْفَرْضِ الْأَصْلَحُ وَالْأَيْسَرُ إلَخْ) أَقُولُ: الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي الِاخْتِيَارِ وَالْمُلْتَقَى وَغَيْرِهِمَا التَّقْدِيرُ بِشَهْرٍ بِلَا تَفْصِيلٍ وَذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِهِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ إنَّ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ أَنَّ النَّفَقَةَ تُفْرَضُ لَهَا شَهْرًا فَشَهْرًا لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى عَادَتِهِمْ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا قَالُوا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ حَالُ الزَّوْجِ فَإِنْ كَانَ مُحْتَرِفًا إلَخْ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ كَانَ عَلَى الدَّهَاقِينِ إنَّمَا يَتَيَسَّرُ عِنْدَ إدْرَاكِ الْغَلَّةِ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَعَلَى التَّاجِرِ عِنْدَ اتِّخَاذِ غَلَّةِ الْحَوَانِيتِ وَغَيْرِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ وَعَلَى الْمُحْتَرِفِ بِالِاكْتِسَابِ كُلَّ يَوْمٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إلَخْ) هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الذَّخِيرَةِ مِنْ أَنَّ الْمُتَيَسِّرَ عَلَى الدَّهَاقِينِ عِنْدَ إدْرَاكِ الْغَلَّةِ فِي كُلِّ سَنَةٍ إلَخْ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يُمْهَلُ إلَى وَقْتِ إدْرَاكِ الْغَلَّةِ فِي آخِرِ السَّنَةِ، ثُمَّ يَدْفَعُ كُلَّ سَنَةٍ فِي آخِرِهَا كَمَا لَا يَخْفَى، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ التَّعْجِيلَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَى الدَّهَاقِينِ، بَلْ الْأَخَفُّ عَلَيْهِ كُلَّ شَهْرٍ أَوْ كُلَّ أُسْبُوعٍ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَصَرَّحَ بِهِ فِي التَّجْنِيسِ فِي نَفَقَةِ الشَّهْرِ إلَخْ) أَقُولُ: الْمُدَّعِي كَوْنَ الْخِيَارِ لِلزَّوْجِ وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ التَّجْنِيسِ مُفِيدٌ أَنَّ الْخِيَارَ لَهَا لَا لَهُ وَكَوْنُ الْخِيَارِ لَهَا يُنَافِي كَوْنَهُ لِلزَّوْجِ فَتَأَمَّلْ لَكِنَّ كَلَامَ التَّجْنِيسِ لَا يُنَافِي مَا مَرَّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَوْ اخْتَارَ نَفَقَةَ كُلِّ شَهْرٍ بِشَهْرِهِ لَا أَكْثَرَ فَالْخِيَارُ لَهُ حَيْثُ كَانَ فِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِ فَإِذَا رَضِيَتْ مِنْهُ بِأَخْذِ كُلِّ يَوْمٍ بِيَوْمِهِ فَلَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ عَلَيْهِ مِنْ الشَّهْرِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قُلْت إذَا شَرَطَ عَلَيْهَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَمْوِينٌ كَانَ الشَّرْطُ غَيْرَ لَازِمٍ، وَلَوْ حَكَمَ بِمُوجِبِ الْعَقْدِ حَاكِمٌ يَرَى ذَلِكَ عَرَفَ ذَلِكَ مَنْ مَارَسَ كُتُبَهُمْ بَقِيَ أَنَّهُ لَوْ حَكَمَ الْحَنَفِيُّ بِفَرْضِهَا دَرَاهِمَ وَاسْتَوْفَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ هَلْ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِالتَّمْوِينِ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي مُوجِبَاتِ الْأَحْكَامِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ صُورَةَ سِجِلِّ النَّفَقَةِ قُلْت هَذَا دَلِيلٌ لِمَا أَقُولُ: مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ وَالْقَرَابَةَ سَبَبٌ لِوُجُوبِهَا بِشَرْطِهَا وَإِنْ كَانَ يَوْمٌ سَبَبًا لِنَفَقَتِهِ أَيْضًا وَأَنَّ الْقَضَاءَ يَعْتَمِدُ السَّبَبَ الْأَوَّلَ وَتَبَدَّلَ الْحَالُ وَالسِّعْرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ يَعْتَمِدُ السَّبَبَ الثَّانِيَ اهـ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ حَكَمَ الشَّافِعِيُّ بِالتَّمْوِينِ لَيْسَ لِلْحَنَفِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِخِلَافِهِ، وَهَذَا مِنْ الْحَوَادِثِ الْمُهِمَّةِ فَلْيُحْفَظْ وَفِي الْبَحْرِ مِنْ الْقَضَاءِ فَإِنْ قُلْت هَلْ تَقْدِيرُ الْقَاضِي النَّفَقَةَ حُكْمٌ مِنْهُ قُلْت هُوَ حُكْمٌ وَطَلَبُ التَّقْدِيرِ بِشَرْطِهِ دَعْوَى فَقَدْ وُجِدَ بَعْدَ الدَّعْوَى وَالْحَادِثَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي نَفَقَاتِ خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ، وَإِذَا أَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يَفْرِضَ النَّفَقَةَ يَقُولُ فَرَضْتُ عَلَيْكَ نَفَقَةَ امْرَأَتِكَ كَذَا وَكَذَا أَوْ يَقُولُ فَرَضْتُ عَلَيْكَ النَّفَقَةَ مُدَّةَ كَذَا يَصِحُّ وَتَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ حَتَّى لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ تَصِيرُ وَاجِبَةً بِقَضَاءِ الْقَاضِي حَتَّى لَوْ أَبْرَأَتْ بَعْدَ الْفَرْضِ صَحَّ فَإِنْ قُلْت إذَا فَرَضَ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ أَوْ كُلَّ شَهْرٍ هَلْ يَكُونُ قَضَاءً بِالْجَمِيعِ مَا دَامَتْ فِي الْعِصْمَةِ قُلْتُ نَعَمْ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ بِدَلِيلِ مَا فِي الْخِزَانَةِ فَرَضَ كُلَّ شَهْرٍ عَشَرَةً فَأَبْرَأَتْهُ مِنْ نَفَقَتِهَا بَرِئَ مِنْ نَفَقَةِ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ فَإِذَا مَضَى شَهْرٌ فَأَبْرَأَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ مَا مَضَى وَمَا يَسْتَقْبِلُ بَرِئَ مِمَّا مَضَى وَمِنْ شَهْرٍ مِمَّا يَسْتَقْبِلُ وَتَمَامُهُ فِيهَا اهـ. قُلْتُ سَيَأْتِي هَذَا عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا تَجِبُ نَفَقَةٌ مَضَتْ إلَّا بِالْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا.
стр. 1361
بَعْدُ وَلِهَذَا قَالُوا الْإِبْرَاءُ عَنْ النَّفَقَةِ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا وَجَبَتْ بِالْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا وَمَضَتْ مُدَّةٌ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ نَفَقَتِي مَا دُمْتُ امْرَأَتَكَ فَإِنْ لَمْ يَفْرِضْ الْقَاضِي النَّفَقَةَ فَالْإِبْرَاءُ بَاطِلٌ وَإِنْ فَرَضَ لَهَا الْقَاضِي النَّفَقَةَ كُلَّ شَهْرٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ صَحَّ الْإِبْرَاءُ مِنْ نَفَقَةِ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ دُونَ مَا سِوَاهَا اهـ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ فِي مِثْلِ هَذَا يَقَعُ عَلَى الشَّهْرِ الْأَوَّلِ دُونَ مَا عَدَاهُ فَإِنْ قُلْتَ إذَا حَكَمَ مَالِكِيٌّ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَفِي شُرُوطِهِ وَكَتَبَ وَحَكَمَ بِمُوجَبِهِ كَمَا يُفْعَلُ الْآنَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ شَكَتْ الْمَرْأَةُ وَطَلَبَتْ التَّقْرِيرَ عِنْدَ قَاضٍ حَنَفِيٍّ فَهَلْ لَهُ تَقْرِيرُهَا قُلْتُ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا أَيْضًا وَمَا نَقَلُوهُ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ كَمَا فِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ وَالْبَزَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ إلَّا إذَا كَانَ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ فِي حَادِثَةٍ مِنْ خَصْمٍ عَلَى خَصْمٍ وَمَا نَقَلَ الْكُلُّ مِنْ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْحُكْمِ تَقَدُّمُ الدَّعْوَى وَالْحَادِثَةِ يَقْتَضِي أَنَّ لِلْحَنَفِيِّ ذَلِكَ، وَقَدْ كَثُرَ وُقُوعُهَا فِي زَمَانِنَا خُصُوصًا أَنَّ النَّفَقَةَ تَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَمَا يَتَجَدَّدُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ حُكْمٌ، وَفِي الْقُنْيَةِ قَوْلُ الْقَاضِي اسْتَدِينِي عَلَيْهِ كُلَّ شَهْرٍ كَذَا فَرْضٌ مِنْهُ كَحَبْسِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَضَاءً بِهِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ إلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْطِ الزَّوْجُ لَهَا نَفَقَةً وَلَا كِسْوَةً فَلَهَا أَنْ تُنْفِقَ مِنْ طَعَامِهِ وَتَتَّخِذَ ثَوْبًا مِنْ كِرْبَاسِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالْقُنْيَةِ وَمِنْ النَّفَقَةِ الَّتِي عَلَى الزَّوْجِ الْحَطَبُ وَالصَّابُونُ وَالْأُشْنَانُ وَالدُّهْنُ لِلِاسْتِصْبَاحِ وَغَيْرِهِ وَثَمَنُ مَاءِ الِاغْتِسَالِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْجِمَاعِ وَفِي كِتَابِ رَزِينٍ جَعَلَهُ عَلَيْهَا وَفَصَلَ فِي مَاءِ الطُّهْرِ مِنْ الْحَيْضِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَعَلَيْهَا أَوْ أَقَلَّ فَعَلَيْهِ، وَأُجْرَةُ الْقَابِلَةِ عَلَى مَنْ اسْتَأْجَرَهَا مِنْ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ فَإِنْ جَاءَتْ بِغَيْرِ اسْتِئْجَارٍ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْجِمَاعِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَيْهَا كَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ، وَأَمَّا ثَمَنُ مَاءِ الْوُضُوءِ فَعَلَيْهَا فَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً تَسْتَأْجِرُ مَنْ يَنْقُلُهُ وَلَا تَنْقُلُهُ بِنَفْسِهَا وَإِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً فَإِمَّا أَنْ يَنْقُلَهُ الزَّوْجُ لَهَا أَوْ يَدَعَهَا تَنْقُلُهُ بِنَفْسِهَا، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ أُجْرَةَ الْحَمَّامِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنُ مَاءِ الِاغْتِسَالِ لَكِنْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْحَمَّامِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ نُفَسَاءَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَسَوَّى فِي الظَّهِيرِيَّةِ بَيْنَ ثَمَنِ مَاءِ الِاغْتِسَالِ وَمَاءِ الْوُضُوءِ فِي الْوُجُوبِ عَلَيْهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَفِي الْوَاقِعَاتِ مَاءُ وُضُوئِهَا عَلَيْهِ غَنِيَّةً كَانَتْ أَوْ فَقِيرَةً؛ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ فَصَارَ كَالشُّرْبِ اهـ.
فَظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي الذَّخِيرَةِ لَوْ طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْقَاضِي فَرْضَ النَّفَقَةِ وَكَانَ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا دَيْنٌ فَقَالَ اُحْسُبُوا لَهَا نَفَقَتَهَا مِنْهُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَتَقَعُ الْمُقَاصَّةُ كَمَا فِي سَائِرِ الدُّيُونِ إلَّا أَنَّ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ تَقَاصَّا أَوْ لَمْ يَتَقَاصَّا وَهُنَا يَحْتَاجُ إلَى رِضَا الزَّوْجِ لِوُقُوعِ الْمُقَاصَّةِ؛ لِأَنَّ دَيْنَ النَّفَقَةِ أَنْقَصُ مِنْ سَائِرِ الدُّيُونِ لِسُقُوطِهِ بِالْمَوْتِ بِخِلَافِ سَائِرِ الدُّيُونِ فَكَانَ دَيْنُ الزَّوْجِ أَقْوَى فَيُشْتَرَطُ رِضَاهُ بِالْمُقَاصَّةِ كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ جَيِّدًا وَالْآخَرُ رَدِيئًا اهـ.
وَفِي نَفَقَاتِ الْخَصَّافِ لَوْ كَفَلَ رَجُلٌ لَهَا بِالنَّفَقَةِ كُلَّ شَهْرٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ لَزِمَ شَهْرٌ وَاحِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقَعُ عَلَى الْأَبَدِ وَهُوَ أَرْفَقُ بِالنَّاسِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: كَفَلْتُ لَكِ بِنَفَقَتِكِ كُلَّ شَهْرٍ كَذَا أَبَدًا أَوْ مَا دُمْتُمَا زَوْجَيْنِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْأَبَدِ مَا دَامَا زَوْجَيْنِ، وَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَقَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ قَدَّرَ مُحَمَّدٌ الْكِسْوَةَ بِدِرْعَيْنِ وَخِمَارَيْنِ وَمِلْحَفَةٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْمِلْحَفَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ الْمُلَاءَةُ الَّتِي تَلْبَسُهَا الْمَرْأَةُ عِنْدَ الْخُرُوجِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ غِطَاءُ اللَّيْلِ تَلْبَسُهُ فِي اللَّيْلِ وَذَكَرَ دِرْعَيْنِ وَخِمَارَيْنِ أَرَادَ بِهِمَا صَيْفِيًّا وَشَتْوِيًّا وَلَمْ يَذْكُرْ السَّرَاوِيلَ فِي الصَّيْفِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ فِي الشِّتَاءِ، وَهَذَا فِي عُرْفِهِمْ أَمَّا فِي عُرْفِنَا فَتَجِبُ السَّرَاوِيلُ وَثِيَابٌ أُخَرُ كَالْجُبَّةِ وَالْفِرَاشِ الَّتِي تَنَامُ عَلَيْهِ وَاللِّحَافِ وَمَا تَدْفَعُ بِهِ أَذَى الْحَرِّ وَالْبَرْدِ فِي الشِّتَاءِ دِرْعُ خَزٍّ وَجُبَّةِ قَزٍّ وَخِمَارِ إبْرَيْسَمَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْخُفَّ وَالْمُكَعَّبَ فِي النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْخُرُوجِ وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ تَهْيِئَةُ أَسْبَابِ الْخُرُوجِ اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَفِي نَفَقَاتِ الْخَصَّافِ لَوْ كَفَلَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَيَأْتِي بَحْثُ الْكَفَالَةِ بِالنَّفَقَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَا تَجِبُ نَفَقَةٌ مَضَتْ إلَّا بِالْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَذْكُرْ الْخُفَّ وَالْمُكَعَّبَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَعَلَيْهِ خُفٌّ لِجَارِيَتِهَا أَوْ الْمُكَعَّبُ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الذَّخِيرَةِ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَهُنَا مَسْأَلَةٌ عَجِيبَةٌ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ خُفُّهَا وَيَجِبُ خُفُّ أَمَتِهَا؛ لِأَنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنْ الْخُرُوجِ لَا أَمَتُهَا اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَسَيُصَرِّحُ هَذَا الشَّارِحُ بِهَا فِي قَوْلِهِ وَلِخَادِمِ اهـ. مُلَخَّصًا. وَذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ يُعَيِّنُ كَوْنَ الْمُرَادِ بِالْمِلْحَفَةِ غِطَاءَ اللَّيْلِ
стр. 1362
وَالْعَادَاتِ فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي اعْتِبَارُ الْكِفَايَةِ بِالْمَعْرُوفِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَكَانٍ فَإِنْ شَاءَ الْقَاضِي فَرَضَهَا أَصْنَافًا وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا وَقَضَى بِالْقِيمَةِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَتُفْرَضُ الْكِسْوَةُ كُلَّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَّا إذَا تَزَوَّجَ وَبَنَى بِهَا وَلَمْ يَبْعَثْ إلَيْهَا الْكِسْوَةَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِالْكِسْوَةِ قَبْلَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَالْكِسْوَةُ كَالنَّفَقَةِ فِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مُضِيُّ الْمُدَّةِ وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَرْفَعَهَا إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَأْمُرَهَا بِلُبْسِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الزِّينَةَ حَقُّهُ اهـ.
وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ أَمْسَكَتْ النَّفَقَةَ وَأَكَلَتْ قَلِيلًا وَقَتَّرَتْ عَلَى نَفْسِهَا فَلَهُ أَنْ يَرْفَعَهَا إلَى الْقَاضِي لِتَأْكُلَ بِمَا فُرِضَ لَهَا خَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ الْهُزَالِ فَإِنَّهُ يَضُرُّهُ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى الْخَصَّافِ وَيَجْعَلُ لَهَا أَنْ تَنَامَ عَلَيْهِ مِثْلَ الْفِرَاشِ وَمُضَرَّبَةً وَمُرَقَّعَةً فِي الشِّتَاءِ وَلِحَافًا تَتَغَطَّى بِهِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ النَّفَقَاتِ ذَكَرَ لَهَا فِرَاشًا عَلَى حِدَةٍ وَلَمْ يَكْتَفِ بِفِرَاشٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا تَعْتَزِلُ عَنْهُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ أَوْ فِي زَمَانِ مَرَضِهَا اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ الدِّرْعَ مِنْ الْكِسْوَةِ وَالْخَصَّافُ ذَكَرَ الْقَمِيصَ وَهُمَا سَوَاءٌ إلَّا أَنَّ الْقَمِيصَ يَكُونُ مُجَيَّبًا مِنْ قِبَلِ الْكَتِفِ وَالدِّرْعُ مِنْ قِبَلِ الصَّدْرِ، وَفِي الْبَدَائِعِ الْكِسْوَةُ عَلَى الِاخْتِلَافِ كَالنَّفَقَةِ مِنْ اعْتِبَارِ حَالِهِ فَقَطْ أَوْ حَالِهِمَا عَلَى قَوْلِ الْخَصَّافِ وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا فَرَضَ لَهَا الْقَاضِي الْكِسْوَةَ فَهَلَكَتْ أَوْ سُرِقَتْ مِنْهَا أَوْ خَرَقَتْهَا قَبْلَ الْوَقْتِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْسُوَهَا حَتَّى يَمْضِيَ الْوَقْتُ الَّذِي لَا تَبْقَى إلَيْهِ الْكِسْوَةُ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْقَاضِيَ مَتَى ظَهَرَ لَهُ الْخَطَأُ فِي التَّقْدِيرِ يَرُدُّهُ فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ ذَلِكَ لَا يَرُدُّهُ فَإِنْ تَخَرَّقَتْ الْكِسْوَةُ بِالِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ مُضِيِّ الْوَقْتِ يَنْظُرُ فَإِنْ تَخَرَّقَتْ بِخَرْقِ اسْتِعْمَالِهَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْخَطَأُ فِي التَّقْدِيرِ فَلَا يَقْضِي بِكِسْوَةٍ أُخْرَى مَا لَمْ يَمْضِي ذَلِكَ الْوَقْتُ وَإِنْ تَخَرَّقَتْ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمُعْتَادِ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ فِي التَّقْدِيرِ فَيَقْضِي بِكِسْوَةٍ أُخْرَى، وَكَذَا الْجَوَابُ فِي النَّفَقَةِ إذَا ضَاعَتْ أَوْ سُرِقَتْ أَوْ أُكِلَتْ أَوْ أَسْرَفَتْ أَوْ لَمْ تُسْرِفْ وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ مُضِيِّ الْوَقْتِ فَهُوَ كَمَا قُلْنَا فِي الْكِسْوَةِ.
وَلَوْ مَضَتْ الْمُدَّةُ وَالْكِسْوَةُ بَاقِيَةٌ فَإِنْ لَمْ تَسْتَعْمِلْ تِلْكَ الْكِسْوَةَ أَصْلًا حَتَّى مَضَى الْوَقْتُ يَفْرِضُ الْقَاضِي لَهَا كِسْوَةً أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ خَطَأُ الْقَاضِي فِي التَّقْدِيرِ وَإِنْ اسْتَعْمَلَتْ تِلْكَ الْكِسْوَةَ فَإِنْ اسْتَعْمَلَتْ مَعَهَا كِسْوَةً أُخْرَى فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ يَفْرِضُ لَهَا الْقَاضِي كِسْوَةً أُخْرَى فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَإِنْ لَمْ تَسْتَعْمِلْ مَعَ هَذِهِ الْكِسْوَةِ كِسْوَةً أُخْرَى لَا يَفْرِضُ لَهَا أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ خَطَؤُهُ فِي التَّقْدِيرِ حَيْثُ وَقَّتَ وَقْتًا تَبْقَى الْكِسْوَةُ وَرَاءَ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا فَرَضَ لَهَا الْقَاضِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ نَفَقَةَ شَهْرٍ فَمَضَى الشَّهْرُ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْعَشَرَةِ شَيْءٌ حَيْثُ يَفْرِضُ لَهَا الْقَاضِي فِي النَّفَقَةِ عَشَرَةً أُخْرَى، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي بَابِ النَّفَقَةِ لَمْ يَظْهَرْ خَطَأُ الْقَاضِي فِي التَّقْدِيرِ بِيَقِينٍ لِجَوَازِ أَنَّهُ إنَّمَا بَقِيَ مِنْ الْعَشَرَةِ شَيْءٌ لِتَقْتِيرٍ وُجِدَ مِنْهَا فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهَا فَبَقِيَ التَّقْدِيرُ مُعْتَبَرًا فَيَقْضِي الْقَاضِي لَهَا بِعَشَرَةٍ أُخْرَى أَمَّا فِي بَابِ الْكِسْوَةِ إذَا لُبِسَتْ جَمِيعَ الْمُدَّةِ وَلَمْ تَتَخَرَّقْ فَقَدْ ظَهَرَ خَطَأُ الْقَاضِي فِي التَّقْدِيرِ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا التَّقْتِيرُ فِي اللُّبْسِ فَرْقٌ بَيْنَ نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَكِسْوَتِهِنَّ وَبَيْنَ نَفَقَةِ الْمَحَارِمِ وَكِسْوَتِهِمْ فَإِنَّ فِي الْأَقَارِبِ إذَا مَضَى الْوَقْتُ وَبَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الْكِسْوَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِأُخْرَى فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهَا بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ فِي حَقِّهِمْ وَفِي حَقِّ الْمَرْأَةِ مُعَاوَضَةٌ عَنْ الِاحْتِبَاسِ وَلِهَذَا إذَا ضَاعَتْ النَّفَقَةُ أَوْ الْكِسْوَةُ مِنْ أَيْدِيهِمْ يَفْرِضُ لَهُمْ أُخْرَى لِمَا ذَكَرْنَا اهـ.
وَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْمَنْقُولَاتِ أَشْيَاءُ مِنْهَا أَنَّ جَمِيعَ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَرْأَةُ مِنْ لِبَاسِ بَدَنِهَا وَفُرُشِ بَيْتِهَا مِمَّا تَنَامُ عَلَيْهِ وَتَتَغَطَّى بِهِ فَإِنَّهُ لَازِمٌ عَلَى الرَّجُلِ إمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِهِ وَإِمَّا أَنْ يَفْرِضَهُ الْقَاضِي عَلَيْهِ أَصْنَافًا أَوْ دَرَاهِمَ كُلَّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَيُعَجِّلَهَا لَهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَلِيَ الزَّوْجُ شِرَاءَ الْأَمْتِعَةِ لَهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْإِنْفَاقِ إلَّا إذَا ظَهَرَ مَطْلُهُ أَوْ خِيَانَتُهُ فِي الشِّرَاءِ لَهَا فَحِينَئِذٍ هِيَ الَّتِي تَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهَا أَوْ بِوَكِيلِهَا وَمِنْهَا أَنَّهَا لَوْ كَانَ لَهَا أَمْتِعَةٌ مِنْ فُرُشٍ وَنَحْوِهَا لَا يَسْقُطُ عَنْ الزَّوْجِ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1363
ذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كَانَ لَهَا أَمْتِعَةٌ فَلَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَلْبَسَ مَتَاعَهَا وَلَا أَنْ تَنَامَ عَلَى فِرَاشِهَا فَبِالْأَوْلَى أَنْ لَا يَلْزَمَهَا أَنْ تَفْرِشَ مَتَاعَهَا لِيَنَامَ عَلَيْهِ أَوْ يَجْلِسَ عَلَيْهِ وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا دَفَعَ لَهَا نَفَقَتَهَا وَأَنْفَقَتْ مِنْهَا قَلِيلًا وَأَمْسَكَتْ الْبَاقِيَ فَإِنَّ لَهَا ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَمِنْهَا أَنَّ أَدَوَاتِ الْبَيْتِ كَالْأَوَانِي وَنَحْوِهَا عَلَى الرَّجُلِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا فِي بَيْتِهِ وَعَلَيْهِ جَمِيعُ مَا يَكْفِيهَا بِحَسَبِ حَالِهِمَا مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلُبْسٍ وَفُرُشٍ وَلَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَسْتَمْتِعَ بِمَا هُوَ مِلْكُهَا وَلَا أَنْ تَفْرِشَ لَهُ شَيْئًا مِنْ فِرَاشِهَا وَإِنَّمَا أَكْثَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ تَنْبِيهًا لِلْأَزْوَاجِ لِمَا نَرَاهُ فِي زَمَانِنَا مِنْ تَقْصِيرِهِمْ فِي حُقُوقِهِنَّ حَتَّى أَنَّهُ يَأْمُرَهَا بِفَرْشِ أَمْتِعَتِهَا جَبْرًا عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ لِأَضْيَافِهِ وَبَعْضُهُمْ لَا يُعْطِي لَهَا كِسْوَةً حَتَّى كَانَتْ عِنْدَ الدُّخُولِ غَنِيَّةً صَارَتْ فَقِيرَةً، وَهَذَا كُلُّهُ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا
وَأَرَادَ بِالزَّوْجَةِ فِي قَوْلِهِ تَجِبُ لِلزَّوْجَةِ الزَّوْجَةَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ لَا قَبْلَ التَّفْرِيقِ وَلَا بَعْدَهُ وَلَا نَفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ ظَاهِرًا إلَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ: لَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَخَذَتْ نَفَقَتَهَا مِنْ زَوْجِهَا أَشْهُرًا، ثُمَّ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا الزَّوْجُ بِمَا أَخَذَتْ وَذَكَرَ قَبْلَهُ أُخْتَانِ ادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنَّ هَذَا زَوْجُهَا وَهُوَ يَجْحَدُ فَأَقَامَتَا الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّكَاحِ وَالدُّخُولِ فَلَهُمَا نَفَقَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مُدَّةِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ الشُّهُودِ نَصَّ عَلَيْهِ الْخَصَّافُ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مَانِعَةً نَفْسَهَا لِلْمَهْرِ) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَانِعَةً نَفْسَهَا بِحَقٍّ كَالْمَنْعِ لِقَبْضِ مَهْرِهَا وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْمُعَجَّلُ إمَّا نَصًّا أَوْ عُرْفًا كَمَا أَسْلَفْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ مَنْعٌ بِحَقٍّ فَكَانَ فَوْتُ الِاحْتِبَاسِ لِمَعْنًى مِنْ قِبَلِهِ فَيُجْعَلُ كَلَا فَائِتٍ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْمَنْعَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ، وَقَالَا لَا نَفَقَةَ لَهَا إلَّا إذَا كَانَتْ دُونَ الْبُلُوغِ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَسْلِيمِ الْأَبِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ قَيَّدْنَا الْمَهْرَ بِالْمُعَجَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلُّهُ مُؤَجَّلًا فَامْتَنَعَتْ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ نُشُوزٌ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ مِنْ أَنَّ لَهَا الْمَنْعَ فَعَلَى هَذَا لَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهُ بِحَقٍّ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ تَسْلِيمُ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا إلَى الزَّوْجِ وَقْتَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ وَنَعْنِي بِالتَّسْلِيمِ التَّخْلِيَةَ وَهِيَ أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا بِرَفْعِ الْمَانِعِ مِنْ وَطْئِهَا أَوْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا إذَا كَانَ الْمَانِعُ مِنْ قِبَلِهَا أَوْ مِنْ قِبَلِ غَيْرِ الزَّوْجِ فَلَوْ تَزَوَّجَ بَالِغَةً حُرَّةً صَحِيحَةً سَلِيمَةً وَنَقَلَهَا إلَى بَيْتِهِ فَلَهَا النَّفَقَةُ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يَنْقُلْهَا وَهِيَ بِحَيْثُ لَا تَمْنَعُ نَفْسَهَا وَطَلَبَتْ هِيَ النَّفَقَةَ وَلَمْ يُطَالِبْهَا هُوَ بِالنُّقْلَةِ فَلَهَا النَّفَقَةُ فَإِنْ طَالَبَهَا بِالنُّقْلَةِ وَامْتَنَعَتْ فَإِنْ كَانَ امْتِنَاعُهَا بِحَقٍّ بِأَنْ امْتَنَعَتْ لِاسْتِيفَاءِ مَهْرِهَا الْمُعَجَّلِ فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَكَذَا لَوْ طَالَبَهَا بِالنُّقْلَةِ بَعْدَمَا أَوْفَاهَا الْمَهْرَ إلَى دَارٍ مَغْصُوبَةٍ فَامْتَنَعَتْ فَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهُ بِحَقٍّ، وَلَوْ كَانَتْ سَاكِنَةً فِي مَنْزِلِهَا فَمَنَعَتْهُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا لَا عَلَى سَبِيلِ النُّشُوزِ، بَلْ قَالَتْ لَهُ حَوِّلْنِي إلَى مَنْزِلِكَ أَوْ اكْتَرِ لِي مَنْزِلًا أَنْزِلُهُ فَإِنِّي مُحْتَاجَةٌ إلَى مَنْزِلِي هَذَا آخُذُ كَرَاهُ فَلَهَا النَّفَقَةُ.
كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِي الذَّخِيرَةِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَئِمَّةِ بَلْخٍ لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ إذَا لَمْ تُزَفَّ إلَى بَيْتِ الزَّوْجِ وَالْفَتْوَى عَلَى جَوَابِ الْكِتَابِ وَهُوَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ إذَا لَمْ يُطَالِبْهَا بِالنُّقْلَةِ.
(قَوْلُهُ لَا نَاشِزَةٍ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الزَّوْجَةِ أَيْ لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلنَّاشِزَةِ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْعِصَابَةُ عَلَى الزَّوْجِ الْمُبْغِضَةُ لَهُ، يُقَالُ نَشَزَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا فَهِيَ نَاشِزَةٌ، وَعَنْ الزَّجَّاجِ النُّشُوزُ يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَهِيَ كَرَاهَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَبِالْأَوْلَى أَنْ لَا يَلْزَمَهَا أَنْ تَفْرِشَ مَتَاعَهَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَكِنْ قَدَّمْنَا عَنْهُ فِي بَابِ الْمَهْرِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُبْتَغَى أَنَّهَا لَوْ زُفَّتْ إلَيْهِ بِلَا جِهَازٍ يَلِيقُ بِهِ فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْأَبِ بِمَا دَفَعَهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ إلَّا إذَا سَكَتَ اهـ.
وَعَلَى هَذَا فَإِذَا زُفَّتْ إلَيْهِ بِهِ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَفِي عُرْفِنَا يَلْتَزِمُونَ كَثْرَةَ الْمَهْرِ لِكَثْرَةِ الْجِهَازِ وَقِلَّتَهُ لِقِلَّتِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ فَيَنْبَغِي الْعَمَلُ بِمَا مَرَّ. اهـ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قَالَ الْحَمَوِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْمُبْتَغَى ضَعِيفٌ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ هُوَ فِي بَابِ الْمَهْرِ وَالْعُرْفُ إنَّمَا يُعْمَلُ بِهِ إذَا كَانَ عَامًّا فَالْحَقُّ مَا فِي الْبَحْرِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَأَرَادَ بِالزَّوْجَةِ إلَخْ) فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ وَلَا نَفَقَةَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَلَا فِي الْعِدَّةِ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَرَضَ الْقَاضِي لَهَا النَّفَقَةَ وَأَخَذَتْ ذَلِكَ شَهْرًا، ثُمَّ ظَهَرَ فَسَادُ النِّكَاحِ بِأَنْ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِمَا أَخَذَتْ، وَأَمَّا إذَا أَنْفَقَ بِلَا فَرْضِ الْقَاضِي النَّفَقَةَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ كَذَا ذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَأَجْمَعُوا أَنَّ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ اهـ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّوَابَ لَا تَسْتَحِقُّ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ النِّكَاحَ بِلَا شُهُودٍ فَاسِدٌ وَالنَّفَقَةُ إنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِالِاحْتِبَاسِ وَلَا احْتِبَاسَ فِي الْفَاسِدِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ هَذَا الْبَابِ عَنْ الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ: وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ تَسْلِيمُ الْمَرْأَةِ إلَخْ) أَمَّا إذَا لَمْ تُسَلِّمْ نَفْسَهَا إلَيْهِ وَقْتَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ فَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ.
стр. 1364
صَاحِبَهُ، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَفِي الشَّرْعِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الْخَصَّافُ الْخَارِجَةُ عَنْ مَنْزِلِ زَوْجِهَا الْمَانِعَةُ نَفْسَهَا مِنْهُ وَالْمُرَادُ بِالْخُرُوجِ كَوْنُهَا فِي غَيْرِ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِيَشْمَلَ مَا إذَا امْتَنَعَتْ عَنْ الْمَجِيءِ إلَى مَنْزِلِهِ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ إيفَاءِ مُعَجَّلِ مَهْرِهَا وَمَا إذَا خَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ بَعْدَ الِانْتِقَالِ إلَيْهِ وَأَطْلَقَ الْخُرُوجَ فَشَمِلَ الْحَقِيقِيَّ وَالْحُكْمِيَّ وَهُوَ عَدَمُ تَمْكِينِهَا لَهُ مِنْ الدُّخُولِ فِي مَنْزِلِهَا الَّذِي يَسْكُنَانِ فِيهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُ النُّقْلَةَ؛ لِأَنَّهَا كَالْخَارِجَةِ، وَعَلَّلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِأَنَّهَا صَارَتْ كَأَنَّهَا نَشَزَتْ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَدَلَّ أَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ مَنْزِلِهِ حُكْمًا بِخِلَافِ مَا إذَا مَنَعَتْهُ بَعْدَ مَا سَأَلَتْهُ النُّقْلَةَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَخَرَجَ مَا إذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِ الْغَصْبِ أَوْ امْتَنَعَتْ مِنْ الِانْتِقَالِ إلَيْهِ فَإِنَّهَا تَكُونُ نَاشِزَةً كَمَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْزِلًا لَهُ أَصْلًا بِخِلَافِ الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ شُبْهَةٌ كَبَيْتِ السُّلْطَانِ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ وَتَصِيرَ نَاشِزَةً كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الشُّبْهَةِ فِي زَمَانِنَا كَمَا فِي التَّجْنِيسِ.
وَقَيَّدَ بِالْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُقِيمَةً مَعَهُ فِي مَنْزِلِهِ وَلَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ الْوَطْءِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ نَاشِزَةً؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الزَّوْجَ يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا بِدَلِيلِ أَنَّ الْبِكْرَ لَا تُوطَأُ إلَّا كُرْهًا، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْعِهَا نَفْسَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلِذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ كَانَ الزَّوْجُ بِسَمَرْقَنْدَ وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ بِنَسْفِ فَبَعَثَ إلَيْهَا أَجْنَبِيًّا لِيَحْمِلَهَا إلَى سَمَرْقَنْدَ وَلَمْ تَذْهَبْ مَعَهُ لِعَدَمِ الْمَحْرَمِ فَإِنَّ لَهَا النَّفَقَةَ وَشَمِلَ الْخُرُوجُ الْحُكْمِيُّ مَا إذَا طَلَبَ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا مِنْ بَلَدِهَا وَامْتَنَعَتْ فَإِنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّ لَهُ السَّفَرَ بِهَا، وَأَمَّا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ نَاشِزَةً كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ هُنَا وَأَطْلَقَ فِي عَدَمِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلنَّاشِزَةِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ مَفْرُوضَةً فَإِنَّ النُّشُوزَ يُسْقِطُهَا أَيْضًا إلَّا إذَا اسْتَدَانَتْ فَإِنَّ الْمُسْتَدَانَةَ لَا يُسْقِطُهَا النُّشُوزُ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ كَالْمَوْتِ لَا يُسْقِطُهَا أَيْضًا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَهُوَ مِمَّا يَنْبَغِي حِفْظُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا تَرَكَتْ النُّشُوزَ وَهُوَ بِعَوْدِهَا إلَى مَنْزِلِهِ لِظُهُورِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَعُودُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ زَوَالِ الْمَانِعِ وَفِي الْخُلَاصَةِ النَّاشِزَةُ إذَا عَادَتْ إلَى بَيْتِ الزَّوْجِ بَعْدَمَا سَافَرَ زَوْجُهَا أَجَابُوا أَنَّهَا خَرَجَتْ عَلَى أَنْ تَكُونَ نَاشِزَةً اهـ.
وَشَمِلَ تَعْرِيفُ النَّاشِزَةِ الْمُنْكِرَةَ لِلنِّكَاحِ فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهَا النِّكَاحَ فَجَحَدَتْ، ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا زَادَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُنْكِرُ، ثُمَّ قَالَ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مُكَذِّبَةً شَرْعًا، وَكَذَا الزَّوْجُ وَإِلَّا فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ وَفَتْحِ بَابِ الْفَسَادِ خُصُوصًا عِنْدَ اضْطِرَارِهَا لِلنَّفَقَةِ مَعَ حَبْسِهَا اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُمْ إنَّمَا نَفَوْا وُجُوبَ النَّفَقَةِ مَا دَامَتْ جَاحِدَةً أَمَّا إذَا عَادَتْ إلَى التَّصْدِيقِ وَطَلَبَتْ النَّفَقَةَ فَإِنَّ لَهَا النَّفَقَةَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُنْكِرُ فَإِنَّمَا نَفَوْا وُجُوبَ النَّفَقَةِ عَنْهُ فِي مُدَّةِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ الشُّهُودِ لَا مُطْلَقًا كَمَا سَنُبَيِّنُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَخَرَجَ عَنْهُ مَا إذَا أَجَّرَتْ نَفْسَهَا لِإِرْضَاعِ صَبِيٍّ وَزَوْجُهَا شَرِيفٌ وَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ التَّاجِيَّةِ نَقْلَيْنِ فِيهَا الثَّانِي مِنْهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا وَالْأَوَّلُ هُوَ نُشُوزٌ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ إنْ قَالَ الزَّوْجُ هِيَ نَاشِزَةٌ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيَّ فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَوْفَاهَا الْمُعَجَّلَ وَهِيَ لَمْ تَكُنْ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ سَقَطَتْ النَّفَقَةُ، وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي طَاعَةِ الزَّوْجِ لِلْجِمَاعِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا تَكُونُ فِي بَيْتِهِ وَلَا تَكُونُ فِي طَاعَتِهِ وَبِهِ لَا تَسْقُطُ النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَغْلِبُ عَلَيْهَا اهـ.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا ادَّعَى نُشُوزَهَا فِي مُدَّةٍ وَأَنْكَرَتْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا فَإِنْ حَلَفَتْ أَخَذَتْ النَّفَقَةَ وَإِنْ نَكَلَتْ سَقَطَتْ وَالْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي أَنَّ لَهَا الْخُرُوجَ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فِي مَوَاضِعَ حِينَئِذٍ لَا تَكُونُ نَاشِزَةً فَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ بِالْخُرُوجِ خُرُوجُهَا بِغَيْرِ حَقٍّ لَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَطْ لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمُجْتَبَى، وَإِذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ أَوْ عَلَى عَكْسِهِ لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ نَاقِصٌ قُلْت وَبِهَذَا عُرِفَ جَوَابُ وَاقِعَةٍ فِي زَمَانِنَا بِأَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ مِنْ الْمُحْتَرِفَاتِ الَّتِي تَكُونُ عَامَّةَ النَّهَارِ فِي الْكَرْخَانَةِ وَاللَّيْلِ مَعَ الزَّوْجِ لَا نَفَقَةَ لَهَا اهـ.
مَعَ أَنَّهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا اسْتَدَانَتْ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الْكَلَامُ فِي الْوُجُوبِ لَا فِي إسْقَاطِ مَا وَجَبَ وَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّ النَّاشِزَةَ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا مُطْلَقًا فَكَلَامُ الْمُخْتَصَرِ عَلَى إطْلَاقِهِ وَكَلَامُ هَذَا الشَّارِحِ فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: قُلْت وَبِهَذَا عُرِفَ جَوَابُ وَاقِعَةٍ إلَخْ) هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُجْتَبَى قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِيهِ نَظَرٌ سَيَأْتِي إيضَاحُهُ
стр. 1365
سَيَأْتِي أَنَّ الْقَابِلَةَ لَهَا الْخُرُوجُ.
(قَوْلُهُ وَصَغِيرَةٍ لَا تُوطَأُ) أَيْ لَا نَفَقَةَ لِلصَّغِيرَةِ إذَا كَانَتْ لَا تُطِيقُ الْجِمَاعَ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الِاسْتِمْتَاعِ لِمَعْنًى فِيهَا وَالِاحْتِبَاسُ الْمُوجِبُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى الْمَقْصُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالنِّكَاحِ وَلَمْ يُوجَدْ بِخِلَافِ الْمَرِيضَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ الْمِلْكِ عِنْدَهُ كَمَا فِي الْمَمْلُوكَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَلَنَا أَنَّ الْمَهْرَ عِوَضٌ عَنْ الْمِلْكِ وَلَا يَجْتَمِعُ الْعِوَضَانِ عَنْ مُعَوَّضٍ وَاحِدٍ فَلَهَا الْمَهْرُ دُونَ النَّفَقَةِ أَطْلَقَ فِي عَدَمِ وُجُوبِهَا لَهَا فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَتْ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ أَوْ فِي بَيْتِ أَبِيهَا وَقَيَّدَ بِالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ لِلْأَبِ مُطَالَبَةَ الزَّوْجِ بِمَهْرِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تُوطَأُ وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا وَيُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى دَفْعِ الْمَهْرِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ كُلُّهُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَحَقُّ الْقَبْضِ لِلْأَبِ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَقَيَّدَ بِالصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ كَالْمَهْرِ لِلْكَبِيرَةِ وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا جِدًّا فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ مِنْ قِبَلِهِ كَالْمَجْبُوبِ وَالْعِنِّينِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَا تَجِبُ عَلَى الْأَبِ نَفَقَةُ امْرَأَةِ وَلَدِهِ وَيَسْتَدِينُ الْأَبُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الِابْنِ إذَا أَيْسَرَ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ لَا يَجِبُ عَلَى أَبِيهِ إلَّا إذَا ضَمِنَهَا كَمَا فِي الْمَهْرِ اهـ.
فَلَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا أَبُوهُ، ثُمَّ وَلَدَتْ وَاعْتَرَفَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ مِنْ الزِّنَا فَإِنَّهَا لَا تَرُدُّ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ الْحَبَلَ مِنْ الزِّنَا وَإِنْ مَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ لَا يَمْنَعُ مِنْ دَوَاعِيهِ وَمَنْ وَطِئَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَهَذَا كَافٍ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّتْ أَنَّهَا حِينَ تَزَوَّجَتْ كَانَتْ حُبْلَى فَإِنَّهَا تَرُدُّ نَفَقَةَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ حَمْلًا لِأَمْرِهَا عَلَى أَنَّ الْحَبَلَ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ سَابِقٌ فَتُصَدَّقُ فِي حَقِّ نَفْسِهَا إلَّا فِي حَقِّ الزَّوْجِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَا تُوطَأُ لَا يَجِبُ لَهَا نَفَقَةٌ صَغِيرًا كَانَ الزَّوْجُ أَوْ كَبِيرًا وَالْمُطِيقَةُ لِلْوَطْءِ تَجِبُ نَفَقَتُهَا صَغِيرًا كَانَ الزَّوْجُ أَوْ كَبِيرًا وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْمُطِيقَةِ لَهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالسِّنِّ وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ لِلِاحْتِمَالِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْجِمَاعِ، فَإِنَّ السَّمِينَةَ الضَّخْمَةَ تَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةَ السِّنِّ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَذَكَرَ الْعَتَّابِيُّ أَنَّهَا بِنْتُ تِسْعٍ وَاخْتَارَهُ مَشَايِخُنَا اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي الَّتِي لَا تُطِيقُ الْجِمَاعَ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَتْ تَصْلُحُ لِلْخِدْمَةِ أَوْ الِاسْتِئْنَاسِ فَإِنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا أَسْكَنَهَا فِي بَيْتِهِ فَإِنَّ لَهَا النَّفَقَةَ وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْإِيضَاحِ وَالتُّحْفَةِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَقَيَّدَ بِالصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَاجِبَةٌ لِلْقَرْنَاءِ وَالرَّتْقَاءِ وَاَلَّتِي أَصَابَهَا مَرَضٌ يَمْنَعُ الْجِمَاعَ وَالْكَبِيرَةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا لِكِبَرِهَا سَوَاءٌ أَصَابَتْهَا هَذِهِ الْعَوَارِضُ بَعْدَمَا انْتَقَلَتْ إلَى بَيْتِ الزَّوْجِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَا احْتِبَاسَ لِلْوَطْءِ فِيهِنَّ كَالصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تُوطَأُ فَأَجَبْت بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي إيجَابِ النَّفَقَةِ احْتِبَاسٌ يَنْتَفِعُ بِهِ الزَّوْجُ انْتِفَاعًا مَقْصُودًا بِالنِّكَاحِ وَهُوَ الْجِمَاعُ أَوْ الدَّوَاعِي وَالِانْتِفَاعُ مِنْ حَيْثُ الدَّوَاعِي مَوْجُودٌ فِي هَؤُلَاءِ بِأَنْ يُجَامِعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ مُشْتَهَاةً أَصْلًا قَالُوا فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ إذَا كَانَتْ الصَّغِيرَةُ مُشْتَهَاةً يُمْكِنُ جِمَاعُهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ تَجِبُ النَّفَقَةُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ كَانَتْ بِحَيْثُ تُشْتَهَى لِلْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَهِيَ مُطِيقَةٌ لِلْجِمَاعِ فِي الْجُمْلَةِ إلَى آخِرِ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْخُلَاصَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْأَقْضِيَةِ أَبُو الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا نَفَقَةَ لَهَا إذَا طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي فَرْضَ النَّفَقَةِ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ وَظَنَّ الزَّوْجُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَفَرَضَ لَهَا النَّفَقَةَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ وَالْفَرْضُ بَاطِلٌ اهـ.
وَنَظِيرُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ فَرَضَ لَهَا الْقَاضِي النَّفَقَةَ فَأَخَذَتْهَا أَشْهُرًا، ثُمَّ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِمَا أَخَذَتْهُ مِنْ النَّفَقَةِ.
(قَوْلُهُ وَمَحْبُوسَةٍ بِدَيْنٍ وَمَغْصُوبَةٍ وَحَاجَّةٍ مَعَ غَيْرِ الزَّوْجِ وَمَرِيضَةٍ لَمْ تُزَفَّ) أَيْ لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ لِهَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ فَوَاتَ الِاحْتِبَاسِ لَيْسَ مِنْهُ أَمَّا فِي الْمَحْبُوسَةِ بِدَيْنٍ فَلِأَنَّ فَوَاتَ الِاحْتِبَاسِ مِنْهَا بِالْمُمَاطَلَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا بِأَنْ كَانَتْ عَاجِزَةً، فَلَيْسَ مِنْهُ؛ وَلِذَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ لِيَشْمَلَ مَا إذَا كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى أَدَائِهِ أَوْ لَا وَمَا إذَا حُبِسَتْ قَبْلَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّ الْقَابِلَةَ لَهَا الْخُرُوجُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَيَّدَهُ فِي الْخَانِيَّةِ بِإِذْنِ الزَّوْجِ، وَأَمَّا بِدُونِ إذْنِهِ فَلَا فَانْظُرْهُ فِي هَذَا الشَّرْحِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَهُمْ النَّظَرُ وَالْكَلَامُ مَعَهَا.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهَا النَّفَقَةُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ أَمَّا فِي الْجَدِيدِ فَمَذْهَبُهُ كَمَذْهَبِنَا فَاعْلَمْ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: وَالزَّيْلَعِيُّ وَكَثِيرٌ مِنْ الْكُتُبِ اهـ.
وَانْظُرْ مَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ عَنْ الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ، وَكَذَا مَا سَيَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الْخُلَاصَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلِأَبَوَيْهِ وَأَجْدَادِهِ وَجَدَّاتِهِ.
(قَوْلُهُ: فَتُصَدَّقُ فِي حَقِّ نَفْسِهَا) أَيْ تُصَدَّقُ أَنَّهَا حُبْلَى فِي حَقِّ نَفْسِهَا مَعَ حَمْلِ أَمْرِهَا عَلَى الْأَصْلَحِ وَهُوَ كَوْنُهَا حُبْلَى مِنْ زَوْجٍ سَابِقٍ فَتَرُدُّ نَفَقَةَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَا تُصَدَّقُ فِي حَقِّ الزَّوْجِ فَلَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ.
стр. 1366
النُّقْلَةِ أَوْ بَعْدَهَا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَاسْتَشْهَدَ لَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ بِغَصْبِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مِنْ يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ حَيْثُ تَسْقُطُ الْأُجْرَةُ لِفَوَاتِ الِانْتِفَاعِ لَا مِنْ جِهَتِهِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ مُحَمَّدًا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي النَّفَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ؛ لِأَنَّهُ بِدُونِهِ لَا تُتَصَوَّرُ الْمَسْأَلَةُ لِسُقُوطِهَا، وَلَوْ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ بِدَيْنٍ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَحْبُوسَةَ ظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ لَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي سُقُوطِ نَفَقَتِهَا فَوَاتُ الِاحْتِبَاسِ لَا مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، وَقَدْ فَاتَ الِاحْتِبَاسُ هُنَا لَا مِنْ جِهَتِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْفَوَاتُ مِنْ جِهَتِهِ أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِبَقَائِهِ تَقْدِيرًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا مِنْ جِهَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ الِاحْتِبَاسُ بَاقِيًا تَقْدِيرًا وَبِدُونِهِ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ النَّفَقَةِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَقَيَّدَ بِحَبْسِهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَوْ حُبِسَ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ أَوْ لَا يَقْدِرُ أَوْ حُبِسَ ظُلْمًا أَوْ هَرَبَ أَوْ نَشَزَ كَانَتْ لَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ الِاحْتِبَاسَ هُنَا فَاتَ لِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَحْبِسَهُ هِيَ لِدَيْنٍ لَهَا عَلَيْهِ أَوْ يَحْبِسَهُ أَجْنَبِيٌّ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهَا إذَا حَبَسَتْهُ وَطَلَبَ أَنْ تُحْبَسَ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَا تُحْبَسُ، وَذَكَرَ فِي مَآلِ الْفَتَاوَى أَنَّهُ إذَا خِيفَ عَلَيْهَا الْفَسَادُ تُحْبَسُ مَعَهُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَمَّا إذَا غَصَبَهَا رَجُلٌ كُرْهًا وَذَهَبَ بِهَا فَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فَوْتَ الِاحْتِبَاسِ لَيْسَ مِنْهُ لِيُجْعَلَ بَاقِيًا تَقْدِيرًا، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَأَمَّا إذَا حَجَّتْ مَعَ غَيْرِ الزَّوْجِ فَلِأَنَّ فَوَاتَ الِاحْتِبَاسِ مِنْهَا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْفَرْضِ عُذْرٌ فَيَكُونُ لَهَا نَفَقَةُ الْحَضَرِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ يُؤْمَرُ الزَّوْجُ بِالْخُرُوجِ مَعَهَا وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا إذَا أَرَادَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ أَطْلَقَ الْحَجَّ فَشَمِلَ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ وَمَا إذَا حَجَّتْ قَبْلَ أَنْ تُسَلِّمَ نَفْسَهَا أَوْ بَعْدَهُ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ جِهَتِهَا فَأَوْجَبَ سُقُوطَهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ عَاصِيَةً فِي الْخُرُوجِ أَوْ طَائِعَةً بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لِوُجُودِ الِاحْتِبَاسِ فَلَا يَمْنَعُ اشْتِغَالُهَا بِهِمَا مِنْ وُجُوبِ النَّفَقَةِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْحَجِّ مَعَ غَيْرِ الزَّوْجِ الشَّامِلِ لِحَجِّهَا وَحْدَهَا أَوْ مَعَ مَحْرَمٍ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا حَجَّ مَعَهَا فَإِنَّ لَهَا النَّفَقَةَ اتِّفَاقًا وَهِيَ نَفَقَةُ الْحَضَرِ لَا السَّفَرِ فَيَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ الطَّعَامِ فِي الْحَضَرِ وَلَا يَنْظُرُ إلَى قِيمَتِهِ فِي السَّفَرِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ وَمُؤْنَةُ السَّفَرِ، وَأَمَّا الْمَرِيضَةُ الَّتِي لَمْ تُزَفَّ فَالْمُرَادُ بِهَا الْمَرِيضَةُ الَّتِي لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى بَيْتِ الزَّوْجِ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْكُتُبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ أَنَّهَا إذَا مَرِضَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَهِيَ فِي غَيْرِ بَيْتِ الزَّوْجِ فَإِنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ فِي بَيْتِهِ فَلَهَا النَّفَقَةُ وَعَلَى هَذَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّحِيحَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الصَّحِيحَةَ إذَا لَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا مِنْ الِانْتِقَالِ مَعَ الزَّوْجِ فَلَهَا النَّفَقَةُ طَلَبَهَا الزَّوْجُ أَوْ لَا بِخِلَافِ الْمَرِيضَةِ فَإِنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَهِيَ فِي بَيْتِهَا مُطْلَقًا وَفِي الْبَدَائِعِ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَرِيضَةً قَبْلَ النُّقْلَةِ مَرَضًا يَمْنَعُ مِنْ الْجِمَاعِ فَنُقِلَتْ وَهِيَ مَرِيضَةٌ فَلَهَا النَّفَقَةُ بَعْدَ النُّقْلَةِ وَقَبْلَهَا أَيْضًا إذَا طَلَبَتْ النَّفَقَةَ فَلَمْ يَنْقُلْهَا الزَّوْجُ وَهِيَ لَا تَمْتَنِعُ مِنْ النُّقْلَةِ لَوْ طَالَبَهَا الزَّوْجُ وَإِنْ كَانَتْ تَمْتَنِعُ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا كَالصَّحِيحَةِ كَذَا ذَكَرَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا قَبْلَ النُّقْلَةِ فَإِذَا نُقِلَتْ وَهِيَ مَرِيضَةٌ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا، وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ التَّسْلِيمَ فِي حَقِّ التَّمْكِينِ مِنْ الْوَطْءِ إنْ لَمْ يُوجَدْ فَقَدْ وُجِدَ فِي حَقِّ التَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَهَذَا يَكْفِي لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ كَمَا فِي الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالصَّائِمَةِ صَوْمَ رَمَضَانَ، وَإِذَا امْتَنَعَتْ لَمْ يُوجَدْ التَّسْلِيمُ شَرْعًا اهـ.
فَحَاصِلُهُ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمَرِيضَةَ كَالصَّحِيحَةِ فَلَا يَنْبَغِي إدْخَالُهَا فِي النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا نَفَقَةَ لَهُنَّ وَفِي التَّجْنِيسِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا إذَا مَرِضَتْ وَطَلَبَتْ النَّفَقَةَ يَفْرِضُ لَهَا النَّفَقَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَضُمَّهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مَا امْتَنَعَتْ مِنْ تَسْلِيمِ النَّفْسِ وَإِنْ امْتَنَعَتْ مِنْ ذَاكَ فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَرَضُهَا مَانِعًا مِنْ النُّقْلَةِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِنْ لَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا وَعَلَيْهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَذَكَرَ فِي مَآلِ الْفَتَاوَى أَنَّهُ إذَا خِيفَ إلَخْ) وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة فَإِنْ مَاطَلَهَا بِالنَّفَقَةِ وَسَأَلَتْ الْقَاضِيَ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا نَفَقَةً فَعَلَ ذَلِكَ وَيَكُونُ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ بَعْدَ الْفَرْضِ دَيْنًا مَعَ الصَّدَاقِ فَيَسْتَدِيمُ الْحَبْسَ إلَى أَنْ يُوَفِّيَ الْكُلَّ فَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ لِلْقَاضِي احْبِسْهَا مَعِي فَإِنَّ لِي مَوْضِعًا فِي الْحَبْسِ خَالِيًا فَالْقَاضِي لَا يَحْبِسُهَا مَعَهُ، وَلَكِنَّهَا تَصِيرُ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ وَيُحْبَسُ الزَّوْجُ هَكَذَا ذَكَرَ هُنَا وَذَكَرَ فِي الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ فِي قِسْمِ الْفَتَاوَى مِنْ أَدَبِ الْقَاضِي أَنْ يَحْبِسَهَا؛ لِأَنَّهَا إذَا حُبِسَ زَوْجُهَا وَلَمْ تُحْبَسْ تَذْهَبُ حَيْثُ تُرِيدُ، وَقِيلَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لَهَا إذَا أَرَادَتْ حَبْسَ الزَّوْجِ لَوْ حَبَسْتُ زَوْجَك حَبَسْتُكِ مَعَهُ وَإِلَّا فَلَا وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ جَمِيعًا يَقَعُ الْأَمْنُ مِنْ ذَهَابِهَا أَيْنَمَا تُرِيدُ. اهـ. وَانْظُرْ هَلْ ذَلِكَ خَاصٌّ فِيمَا إذَا حَبَسَتْهُ هِيَ أَوْ مِثْلُهُ مَا إذَا حَبَسَهُ غَيْرُهُ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ
стр. 1367
يُحْمَلُ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وُجُوبُ النَّفَقَةِ لِلْمَرِيضَةِ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ النُّقْلَةِ أَوْ بَعْدَهَا وَسَوَاءٌ كَانَ يُمْكِنُهُ جِمَاعُهَا أَوْ لَا كَانَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ لَا حَيْثُ لَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ وَالْخُلَاصَةِ وَالذَّخِيرَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى كَافِي الْحَاكِمِ وَالْمَبْسُوطِ وَالشَّامِلِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ وَصَحَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَالَ إنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِهِ فَرَّعُوهُ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّسْلِيمِ حَقِيقَةً وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَلَيْسَ هُوَ الْمُخْتَارُ وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمَشَايِخُ إنَّمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ إلَّا أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّ النَّفَقَةَ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً لِلْمَرِيضَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَبْلَ الِانْتِقَالِ حَيْثُ لَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُمْكِنَهَا الِانْتِقَالُ فَلَوْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهَا الِانْتِقَالُ أَصْلًا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِعَدَمِ التَّسْلِيمِ تَقْدِيرًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ فِي تَوْجِيهِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إنَّ التَّسْلِيمَ حَاصِلٌ فِي حَقِّ التَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ انْتِقَالُهَا فَاتَ التَّسْلِيمُ بِالْكُلِّيَّةِ فَهَذَا هُوَ مُرَادُ الْفَارِقِينَ بَيْنَ الْمَرِيضَةِ وَالصَّحِيحَةِ فَالْمَرِيضَةُ الَّتِي لَمْ تُزَفَّ لَا نَفَقَةَ لَهَا إنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَا تَقْدِرُ عَلَى الِانْتِقَالِ مَعَهُ سَوَاءٌ مَنَعَتْ نَفْسَهَا بِالْقَوْلِ أَوْ لَا وَقَيَّدَ بِكَوْنِهَا لَمْ تُزَفَّ؛ لِأَنَّهَا لَوْ مَرِضَتْ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ مَرَضًا لَا تَسْتَطِيعُ مَعَهُ الْجِمَاعُ لَمْ تَبْطُلْ نَفَقَتُهَا بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ الْمُطْلَقَ هُوَ التَّسْلِيمُ الْمُمَكِّنُ مِنْ الْوَطْءِ وَالِاسْتِمْتَاعِ، وَقَدْ حَصَلَ بِالِانْتِقَالِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ صَحِيحَةً، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ مَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ التَّفْصِيلِ لَا أَصْلَ لَهُ وَعِبَارَتُهَا إذَا زُفَّتْ الْمَرْأَةُ إلَى زَوْجِهَا وَهِيَ صَحِيحَةٌ فَمَرِضَتْ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ مَرَضًا لَا تَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ إنْ كَانَ بَنَى بِهَا كَانَ لَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَسْلَمُ عَنْ الْمَرَضِ فِي عُمُرِهَا وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَمَرِضَتْ مَرَضًا لَا تَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهَا إغْمَاءٌ كَثِيرٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرَضِ اهـ.
وَفِيهَا أَيْضًا لَوْ مَرِضَتْ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ بَعْدَ الدُّخُولِ فَانْتَقَلَتْ إلَى دَارِ أَبِيهَا قَالُوا إنْ كَانَتْ بِحَالٍ يُمْكِنُ النَّقْلُ إلَى مَنْزِلِ الزَّوْجِ بِمِحَفَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَلَمْ تَنْتَقِلْ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ اهـ.
وَقَيَّدَ بِالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ الْمُدَاوَاةَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ أَصْلًا، كَذَا فِي التَّبْيِينِ مِنْ بَابِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ سِتًّا مِنْ النِّسَاءِ لَا نَفَقَةَ لَهُنَّ وَفِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ لِأَبِي اللَّيْثِ عَشْرٌ مِنْ النِّسَاءِ لَا نَفَقَةَ لَهُنَّ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَرِيضَةَ وَذَكَرَ خَمْسَةً وَالْأَمَةَ إذَا لَمْ يُبَوِّئْهَا مَوْلَاهَا وَالْمَنْكُوحَةَ نِكَاحًا فَاسِدًا وَالْمُرْتَدَّةَ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَالْمَرْأَةَ إذَا قَبَّلَتْ ابْنَ زَوْجِهَا بِشَهْوَةٍ وَسَيَأْتِي حُكْمُ نَفَقَةِ الْأَمَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَالْمُقَبِّلَةُ وَالْمُرْتَدَّةُ فَلَمْ يَفُتْ الْمُصَنِّفَ إلَّا الْمَنْكُوحَةُ نِكَاحًا فَاسِدًا وَلَا حَاجَةَ إلَى بَيَانِهِ.
(قَوْلُهُ وَلِخَادِمٍ لَوْ مُوسِرًا) أَيْ تَجِبُ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ لِخَادِمِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ كِفَايَتَهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِهِ إذْ لَا بُدَّ مِنْهُ فَيَلْزَمُهُ لِلْخَادِمِ أَدْنَى الْكِفَايَةِ لَا تَبْلُغُ نَفَقَةَ الْمَرْأَةِ، وَكَذَا كِسْوَتُهُ بِأَرْخَصِ مَا يَكُونُ وَيُفْرَضُ لِلْخَادِمِ خُفٌّ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى الْخُرُوجِ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَفَسَّرَ فِي الْهِدَايَةِ نَفَقَةَ الْخَادِمِ بِمَا يَلْزَمُ الْمُعْسِرَ مِنْ نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ وَشَرَطَ فِي الْبَدَائِعِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ خَادِمِهَا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شُغُلٌ غَيْرُ خِدْمَتِهَا بِأَنْ يَكُونَ مُتَفَرِّغًا لَهَا وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْخَادِمِ وَلَمْ يُضِفْهُ إلَيْهَا لِلِاخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِهِ فَقِيلَ هُوَ كُلُّ مَنْ يَخْدُمُهَا حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا مِلْكًا لَهَا أَوْ لَهُ أَوْ لَهُمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ مَمْلُوكُهَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا خَادِمٌ لَا يُفْرَضُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ خَادِمٍ؛ لِأَنَّهَا بِسَبَبِ مِلْكِهَا لَهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهَا لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ كَالْقَاضِي إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ لَا يَسْتَحِقُّ نَفَقَةَ الْخَادِمِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ خَادِمَهَا هُوَ الْمَمْلُوكُ لَهَا سَوَاءٌ كَانَ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ الْخَادِمَ وَاحِدُ الْخُدَّامِ غُلَامًا كَانَ أَوْ جَارِيَةً وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ تَفْسِيرَ الزَّيْلَعِيِّ خَادِمَهَا بِالْجَارِيَةِ الْمَمْلُوكَةِ لَهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ
ــ
[منحة الخالق]
يُحْمَلُ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمَرِيضَةَ لَا نَفَقَةَ لَهَا حَيْثُ لَمْ تُزَفَّ إلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ يُمْكِنُهَا الِانْتِقَالُ إلَيْهِ أَوْ لَا، وَهَذَا بِرِوَايَةِ الثَّانِي أَلْيَقُ.
(قَوْلُهُ: إذْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهَا إذَا مَرِضَتْ وَجَبَ عَلَيْهِ إخْدَامُهَا وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَإِنْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ، ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، وَقَالَ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِنَا اهـ.
قُلْت هَذَا ظَاهِرٌ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْآتِي أَمَّا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْخَادِمِ مَمْلُوكًا لَهَا فَلَا فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهَا لَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَى الزَّوْجِ وَإِنْ كَانَتْ مُحْتَاجَةً إلَيْهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْخَادِمِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ إلَخْ) عِبَارَةُ الذَّخِيرَةِ هَكَذَا قَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأَةِ خَادِمٌ لَا يُفْرَضُ نَفَقَةُ الْخَادِمِ عَلَى الزَّوْجِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا نَفَقَةَ الْخَادِمِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِ الْخَادِمِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا خَادِمٌ كَيْفَ تَسْتَوْجِبُ نَفَقَةَ الْخَادِمِ وَهُوَ نَظِيرُ الْقَاضِي إلَخْ أَقُولُ: وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ لَيْسَتْ نَصًّا فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْخَادِمِ مِلْكًا لَهَا.
(قَوْلُهُ: فِيهِ نَظَرٌ) قَالَ الرَّمْلِيُّ لَوْ قَالَ فِيهِ قُصُورٌ لَكَانَ أَوْلَى عَلَى أَنَّهُ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ جَرَى عَلَى
стр. 1368
الْمُدَبَّرُ وَالْمُدَبَّرَةُ تَحْتَهُ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا خَادِمٌ مَمْلُوكٌ لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ كِرَاءُ غُلَامٍ يَخْدُمُهَا لَكِنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ السُّوقِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتَاوَى السِّرَاجِيَّةِ وَقَيَّدَ بِالْخَادِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ أَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ وَاحِدٍ لَهَا وَهَذَا عِنْدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَفْرِضُ لِخَادِمَيْنِ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى أَحَدِهِمَا لِمَصَالِحِ الدَّاخِلِ وَإِلَى الْآخَرِ لِمَصَالِحِ الْخَارِجِ وَلَهُمَا أَنَّ الْوَاحِدَ يَقُومُ بِالْأَمْرَيْنِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى اثْنَيْنِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَرَوَى صَاحِبُ الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ مِمَّنْ يَجِلُّ مِقْدَارُهَا عَنْ خِدْمَةِ خَادِمٍ وَاحِدٍ أَنْفَقَ عَلَى مَنْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ مِنْ الْخُدَّامِ مِمَّنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ الْخَادِمِ الْوَاحِدِ أَوْ الِاثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ وَبِهِ نَأْخُذُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ والولوالجية الْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ مِنْ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ وَلَهَا خَدَمٌ يُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى أُجْرَةِ خَادِمَيْنِ اهـ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ مُطْلَقًا وَالْمَأْخُوذُ بِهِ عِنْدَ الْمَشَايِخِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالذَّخِيرَةِ لَوْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ لَا يَكْفِيهِمْ خَادِمٌ وَاحِدٌ فُرِضَ عَلَيْهِ لِخَادِمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِقْدَارُ مَا يَكْفِيهِمْ اتِّفَاقًا وَفِي التَّجْنِيسِ امْرَأَةٌ لَهَا مَمَالِيكُ قَالَتْ لِزَوْجِهَا أَنْفِقْ عَلَيْهِ مِنْ مَهْرِي فَأَنْفَقَ فَقَالَتْ لَا أَجْعَلُهَا مِنْ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّك اسْتَخْدَمْتَهُمْ فَمَا أَنْفَقَ بِالْمَعْرُوفِ فَهُوَ مَحْسُوبٌ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ بِأَمْرِهَا اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْخَادِمِ فَشَمِلَ مَا إذَا أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يَخْدُمَهَا أَوْ يَخْدُمَهَا خَادِمُهُ وَلَا يُنْفِقُ عَلَى خَادِمِهَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ أَنَا أَخْدُمُكِ أَوْ تَخْدُمُكِ جَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِيَّ، الصَّحِيحُ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَمْلِكُ إخْرَاجَ خَادِمِ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِهِ وَعَلَّلَهُ الولوالجي بِأَنَّ الْمَرْأَةَ عَسَى لَا تَتَهَيَّأُ لَهَا الْخِدْمَةُ بِخَدَمِ الزَّوْجِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَمْلِكُ إخْرَاجَ مَا عَدَا خَادِمٍ وَاحِدٍ مِنْ بَيْتِهِ؛ لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى قَوْلِهِمَا وَأَطْلَقَ فِي الْمَرْأَةِ فَشَمِلَ الْأَمَةَ وَالْحُرَّةَ الشَّرِيفَةَ وَالْوَضِيعَةَ لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْفَتَاوَى الصُّغْرَى الْمَنْكُوحَةُ إذَا كَانَتْ أَمَةً لَا تَسْتَحِقُّ نَفَقَةَ الْخَادِمِ وَنَفَقَةُ الْخَادِمِ لِبَنَاتِ الْأَشْرَافِ اهـ.
وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ لِلْأَمَةِ خَادِمٌ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ الْمَمْلُوكُ لِلْمَرْأَةِ وَلَا مَالِكَ لِلْأَمَةِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْخَادِمَ بِكُلِّ خَادِمٍ مَمْلُوكًا لَهَا أَوْ لَا، وَقَدْ أَخَذَ بَعْضُهُمْ بِمَا فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مِنْ الْأَرْذَالِ لَا تَسْتَحِقُّ نَفَقَةَ الْخَادِمِ وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَهَا بِبَنَاتِ الْأَشْرَافِ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُوَافِقُهُ مَا قَيَّدَ بِهِ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ كَلَامَ الْخَصَّافِ حَيْثُ قَالَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي: لَوْ فُرِضَ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الدَّقِيقِ وَالدُّهْنِ وَاللَّحْمِ وَالْإِدَامِ فَقَالَتْ لَا أَعْجِنُ وَلَا أَخْبِزُ وَلَا أُعَالِجُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِمَنْ يَكْفِيَهَا عَمَلَ ذَلِكَ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ هَذَا إذَا كَانَ بِهَا عِلَّةٌ لَا تَقْدِرُ عَلَى الطَّبْخِ وَالْخَبْزِ أَوْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تُبَاشِرُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَخْدُمُ نَفْسَهَا وَتَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِمَنْ يَفْعَلُهُ وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ السَّرَخْسِيُّ لَا تُجْبَرُ، وَلَكِنْ إذَا لَمْ تَطْبُخْ لَا يُعْطِيهَا الْإِدَامَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَالُوا إنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا دِيَانَةً وَإِنْ كَانَ لَا يُجْبِرُهَا الْقَاضِي اهـ.
وَلِذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِلطَّبْخِ وَالْخَبْزِ لَمْ يَجُزْ وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَخَذَتْ لَأَخَذَتْ عَلَى عَمَلٍ وَاجِبٍ عَلَيْهَا فِي الْفَتْوَى فَكَانَ فِي مَعْنَى الرِّشْوَةِ فَلَا يَحِلُّ لَهَا الْأَخْذُ اهـ.
وَهُوَ شَامِلٌ لِبَنَاتِ الْأَشْرَافِ أَيْضًا؛ وَلِذَا اسْتَدَلَّ فِي الْبَدَائِعِ لِوُجُوبِهِ دِيَانَةً بِأَنَّهُ ﵇ «قَسَّمَ الْأَعْمَالَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ فَجَعَلَ أَعْمَالَ الْخَارِجِ عَلَى عَلِيٍّ وَأَعْمَالَ الدَّاخِلِ عَلَى فَاطِمَةَ» اهـ.
مَعَ أَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَأَبُوهَا ﷺ أَفْضَلُ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ وَقَيَّدَ بِيَسَارِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْخَادِمِ عِنْدَ إعْسَارِهِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُعْسِرِ أَدْنَى الْكِفَايَةِ وَهِيَ قَدْ تَكْتَفِي بِخِدْمَةِ نَفْسِهَا، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ لُزُومِ اعْتِبَارِ حَالِهِمَا وَأَنَّهُ عِنْدَ إعْسَارِهِ دُونَهَا يُنْفِقُ بِقَدْرِ حَالِهِ وَالْبَاقِي دَيْنٌ عَلَيْهِ وَقِيَاسُهُ أَنْ تَجِبَ النَّفَقَةُ
ــ
[منحة الخالق]
الْغَالِبِ فِي اتِّخَاذِ النِّسَاءِ الْخَادِمَ مِنْ جِنْسِ الْجَوَارِي لَا أَنَّهُ قَيْدٌ، تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَفْرِضُ لِخَادِمَيْنِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: م، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَعْنِي غَيْرَ رِوَايَةِ الْخَادِمَيْنِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ فَائِقَةً بِنْتَ فَائِقٍ زُفَّتْ إلَى بَيْتِ زَوْجِهَا مَعَ خَدَمٍ كَثِيرَةٍ اسْتَحَقَّتْ نَفَقَةَ الْخَدَمِ كُلِّهَا عَلَى الزَّوْجِ فَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ لِامْرَأَتِهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَدَمِكِ، وَلَكِنْ أُعْطِي خَادِمًا مِنْ خَدَمِي لِيَخْدُمكِ فَأَبَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ ذَلِكَ وَيُجْبَرُ عَلَى نَفَقَةِ خَادِمٍ وَاحِدٍ مِنْ خُدَّامِ الْمَرْأَةِ اهـ.
مِنْ التَّتَارْخَانِيَّة. أَقُولُ: فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ بِنْتَ فَائِقٍ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالُهَا فِي بَيْتِ أَبِيهَا لَا حَالُهَا الطَّارِئُ عَلَيْهَا فِي بَيْتِ الزَّوْجِ تَأَمَّلْ اهـ.
(قَوْلُهُ: قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ إلَخْ) فِي الْبَدَائِعِ وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ بِهَا عِلَّةٌ لَا تَقْدِرُ عَلَى الطَّبْخِ وَالْخَبْزِ أَوْ كَانَتْ مِنْ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ لَا تُجْبَرُ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ مِمَّنْ تَخْدُمُ نَفْسَهَا تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ
стр. 1369
لِلْخَادِمِ دَيْنًا عَلَيْهِ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا قِيلَ فِي نَفَقَتِهَا ذَلِكَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ الْآيَةِ وَحَدِيثِ هِنْدَ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْخَادِمِ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ اعْتِبَارِ حَالِهِ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَلَا تُقَدَّرُ نَفَقَةُ الْخَادِمِ بِالدَّرَاهِمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي نَفَقَةِ الْمَرْأَةِ، بَلْ يُفْرَضُ لَهَا مَا يَكْفِيهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَلَكِنْ لَا تَبْلُغُ نَفَقَةُ خَادِمِهَا نَفَقَتَهَا؛ لِأَنَّ الْخَادِمَ تَبَعٌ لِلْمَرْأَةِ فَتَنْقُصُ نَفَقَةُ الْخَادِمِ عَنْ نَفَقَتِهَا وَلَمْ يُرِدْ بِالنُّقْصَانِ النُّقْصَانَ فِي الْخُبْزِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ وَعَسَى أَنْ تَسْتَوْفِيَ الْخَادِمَ مِنْ الْخُبْزِ فِي الْأَكْلِ أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَوْفِي الْمَرْأَةُ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ النُّقْصَانَ فِي الْإِدَامِ اهـ.
وَفِيهِ أَيْضًا وَالْكِسْوَةُ لِلْخَادِمِ عَلَى الْمُعْسِرِ قَمِيصُ كِرْبَاسٍ فِي الشِّتَاءِ وَإِزَارٌ وَرِدَاءٌ كَأَرْخَصِ مَا يَكُونُ وَفِي الصَّيْفِ قَمِيصٌ مِثْلُ ذَلِكَ وَإِزَارٌ وَعَلَى الْمُوسِرِ فِي الشِّتَاءِ قَمِيصٌ وَطِيءٌ وَإِزَارُ كِرْبَاسٍ وَكِسَاءٌ رَخِيصٌ وَفِي الصَّيْفِ قَمِيصٌ مِثْلُ ذَلِكَ وَإِزَارٌ، ثُمَّ لَمْ يَفْرِضْ لِلْخَادِمَةِ الْخِمَارَ وَفَرَضَهَا لِلْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الْخِمَارَ لِسَتْرِ الرَّأْسِ، وَرَأْسُ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ وَرَأْسُ الْخَادِمِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَفَرَضَ لَهَا الْإِزَارَ؛ لِأَنَّ الْخَادِمَ تَحْتَاجُ إلَى الْخُرُوجِ قَالَ مَشَايِخُنَا مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ مِنْ ثِيَابِ الْخَادِمِ فَهُوَ بِنَاءً عَلَى عَادَاتِهِمْ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ بِاخْتِلَافِ الْعَادَاتِ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَعَلَى الْقَاضِي اعْتِبَارُ الْكِفَايَةِ فِي نَفَقَةِ الْخَادِمِ فِيمَا يُفْرَضُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَكَانٍ اهـ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كِسْوَةِ الْخَادِمِ عَلَى الْمُعْسِرِ إنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَالْيَسَارُ مُقَدَّرٌ بِنِصَابِ حِرْمَانِ الصَّدَقَةِ لَا بِنِصَابِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ اهـ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ تُقِيمَ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ وَيُشْتَرَطُ الْعَدَدُ وَالْعَدَالَةُ فِي هَذَا الْخَبَرِ وَلَا يُشْتَرَطُ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَبَيِّنَتُهَا أَوْلَى، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ نَفَقَةَ الْخَادِمِ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ بِإِزَاءِ الْخِدْمَةِ فَإِنْ امْتَنَعَتْ مِنْ الطَّبْخِ وَالْخَبْزِ وَأَعْمَالِ الْبَيْتِ لَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ بِمُقَابَلَتِهَا بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الِاحْتِبَاسِ فَإِذَا لَمْ تَعْمَلْ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
(قَوْلُهُ وَلَا يُفَرَّقُ بِعَجْزِهِ عَنْ النَّفَقَةِ وَتُؤْمَرُ بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لَبَطَلَ حَقُّهُ، وَلَوْ لَمْ يُفَرِّقْ لَتَأَخَّرَ حَقُّهَا وَالْأَوَّلُ أَقْوَى فِي الضَّرَرِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَصِيرُ دَيْنًا بِفَرْضِ الْقَاضِي فَيَسْتَوْفِي فِي الثَّانِي وَفَوْتُ الْمَالِ وَهُوَ تَابِعٌ فِي النِّكَاحِ فَلَا يُلْحَقُ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ التَّوَالُدُ فَلَا يُقَاسُ الْعَجْزُ عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْعَجْزِ عَنْ الْجِمَاعِ فِي الْمَجْبُوبِ وَالْعِنِّينِ وَأَطْلَقَ فِي النَّفَقَةِ فَشَمِلَ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ فَلَا يُفَرِّقُ بِعَجْزِهِ عَنْ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا وَقَيَّدَ بِالنَّفَقَةِ لِيَعْلَمَ حُكْمَ الْمَهْرِ بِالْأُولَى وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى الْفُصُولِ إذَا ثَبَتَ الْعَجْزُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا نَفَذَ قَضَاؤُهُ بِالتَّفْرِيقِ وَإِنْ كَانَ حَنَفِيًّا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِالتَّفْرِيقِ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ إلَّا إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا وَوَقَعَ اجْتِهَادُهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ قَضَى مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ، وَلَوْ لَمْ يَقْضِ وَلَكِنْ أَمَرَ شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ فَقَضَى بِالتَّفْرِيقِ نَفَذَ إذَا لَمْ يَرْتَشِ الْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا فَرَفَعَتْ الْمَرْأَةُ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي وَأَقَامَتْ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ زَوْجَهَا الْغَائِبَ عَاجِزٌ عَنْ النَّفَقَةِ وَطَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي حَنَفِيًّا فَقَدْ ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانَ شَافِعِيًّا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَالَ مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ جَازَ تَفْرِيعُهُ؛ لِأَنَّهُ قَضَى فِي فَصْلَيْنِ مُخْتَلَفٍ فِيهِمَا التَّفْرِيقُ بِسَبَبِ الْعَجْزِ عَنْ النَّفَقَةِ وَالْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُجْتَهَدٌ فِيهِ، وَقَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ لَا يَصِحُّ التَّفْرِيقُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ إنَّمَا يَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَيَنْفُذُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا ثَبَتَ الْمَشْهُودُ بِهِ وَهُنَا لَمْ يَثْبُتْ الْمَشْهُودُ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي وَهُوَ الْعَجْزُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ وَمِنْ الْجَائِزِ أَنَّ الْغَائِبَ صَارَ غَنِيًّا وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الشَّاهِدُ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمَسَافَةِ فَكَانَ الشَّاهِدُ مُجَازِفًا فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ اعْتِبَارِ حَالِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَوْ اعْتَبَرَ فِيهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ لَهَا إذَا كَانَ مُوسِرًا وَهِيَ فَقِيرَةٌ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهَا لَا تَجِبُ.
(قَوْلُهُ: فَشَمِلَ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ) أَيْ الْمَأْكُولَ وَالْكِسْوَةَ وَالسُّكْنَى
стр. 1370
لَا يُعْرَفُ حَالَةَ الْغَيْبَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا فَيَكُونَ هَذَا تَرْكَ الْإِنْفَاقِ لَا لِلْعَجْزِ عَنْ الْإِنْفَاقِ فَإِنْ رُفِعَ هَذَا الْقَضَاءُ إلَى قَاضٍ آخَرَ وَأَجَازَ قَضَاءَهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَضَاءَ لَيْسَ بِمُجْتَهَدٍ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَجْزَ لَمْ يَثْبُتْ اهـ.
وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِقَوْلِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَسْخَ إذَا غَابَ وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا نَفَقَةً يُمْكِنُ بِغَيْرِ طَرِيقِ إثْبَاتِ عَجْزِهِ بِمَعْنَى فَقْرِهِ وَهُوَ أَنْ تَتَعَذَّرَ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ إذَا تَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا بِغَيْبَتِهِ ثَبَتَ لَهَا الْفَسْخُ قَالَ فِي الْحِلْيَةِ وَلَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ فَلَا يَلْزَمُ مَجِيءُ مَا قَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ اهـ.
وَهَذَا لَا يَرُدُّ مَا قَالَهُ ظَهِيرُ الدِّينِ لِوَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَيْسَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَالثَّانِي أَنَّ كَلَامَهُ فِي التَّفْرِيقِ بِسَبَبِ الْعَجْزِ لَا فِي غَيْرِهِ وَفِي الذَّخِيرَةِ فَرَّقَ بَيْنَ النَّفَقَةِ وَبَيْنَ سَائِرِ الدُّيُونِ فِي الْأَمْرِ بِالِاسْتِدَانَةِ فَإِنَّ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إذَا عَجَزَ عَنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ لَا يُؤْمَرُ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ وَهُنَا بَعْدَمَا فَرَضَ الْقَاضِي لَهَا تُؤْمَرُ بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ لَمْ تُؤْمَرْ بِالِاسْتِدَانَةِ عَسَى تَمُوتُ جُوعًا أَوْ يَمُوتُ الزَّوْجُ فَتَسْقُطُ نَفَقَتُهَا فَكَانَ الْأَمْرُ بِهَا لِتَأْكِيدِ حَقِّهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ قَالَ مَشَايِخُنَا لَيْسَ فَائِدَةُ الْأَمْرِ بِالِاسْتِدَانَةِ بَعْدَ فَرْضِ الْقَاضِي النَّفَقَةَ إثْبَاتَ حَقٍّ لِلْمَرْأَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ رُجُوعِهَا ثَابِتٌ بِالْفَرْضِ سَوَاءٌ أَكَلَتْ مِنْ مَالِ نَفْسِهَا أَوْ اسْتَدَانَتْ بِأَمْرِ الْقَاضِي أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ فَائِدَتَهُ أَنْ يَرْجِعَ الْغَرِيمُ عَلَى الزَّوْجِ وَبِدُونِ الْأَمْرِ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ رَبُّ الدَّيْنِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ تَرْجِعُ بِالْمَفْرُوضِ عَلَى الزَّوْجِ وَفِي تَجْرِيدِ الْقُدُورِيِّ أَنَّ فَائِدَتَهُ أَنْ تُحِيلَ الْمَرْأَةُ الْغَرِيمَ عَلَى الزَّوْجِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الزَّوْجُ وَبِدُونِهِ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّ فَائِدَتَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الزَّوْجِ بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا وَبِدُونِهِ لَا رُجُوعَ اهـ.
أَمَّا فِي الذَّخِيرَةِ فَقَدْ ذَكَرُوا لِلْأَمْرِ بِالِاسْتِدَانَةِ ثَلَاثَةَ فَوَائِدَ لَكِنْ مَنْ جَعَلَ فَائِدَتَهَا إمْكَانَ الْإِحَالَةِ عَلَيْهِ بِدُونِ رِضَاهُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الدَّيْنِ الْأَخْذُ مِنْ الزَّوْجِ بِدُونِ الْحَوَالَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ الْوَجْهَ فِي أَمْرِهَا بِالِاسْتِدَانَةِ دُونَ أَمْرِهِ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ الْمَدْيُونُ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَهُ الْقَاضِي بِالِاسْتِدَانَةِ، وَقَدْ ظَهَرَ لِي وَجْهُهُ بِأَنَّهُ لَوْ أَمَرَ رُبَّمَا تَرَاخَى فِي ذَلِكَ فَيَحْصُلُ لَهَا الضَّرَرُ فَأُمِرَتْ هِيَ بِالِاسْتِدَانَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ؛ وَلِأَنَّ الْغَرِيمَ يَطْمَئِنُّ لِاسْتِدَانَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ اسْتِدَانَتِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَصِيرُ لَهُ الْمُطَالَبَةُ عَلَى شَخْصَيْنِ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ بِخِلَافِ اسْتِدَانَةِ الزَّوْجِ فَإِنَّهُ لَا يُطَالَبُ إلَّا الزَّوْجُ فَلَوْ أَمَرَهُ الْقَاضِي بِالِاسْتِدَانَةِ لِنَفَقَتِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الِاسْتِدَانَةِ فَذَكَرَ الْخَصَّافُ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُونَ أَنَّهَا الشِّرَاءُ بِالنَّسِيئَةِ لِتَقْضِيَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ وَفِي الْمُجْتَبَى مَعْزِيًّا إلَى رُكْنِ الْأَئِمَّةِ الصَّبَّاغِيِّ أَنَّهَا الِاسْتِقْرَاضُ فَإِذَا اسْتَدَانَتْ هَلْ تُصَرِّحُ بِأَنِّي أَسْتَدِينُ عَلَى زَوْجِي أَوْ تَنْوِي أَمَّا إذَا صَرَّحَتْ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا إذَا نَوَتْ، وَإِذَا لَمْ تُصَرِّحْ وَلَمْ تَنْوِ لَا يَكُونُ اسْتِدَانَةً عَلَيْهِ، وَلَوْ ادَّعَتْ أَنَّهَا نَوَتْ الِاسْتِدَانَةَ عَلَيْهِ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ فَالْقَوْلُ لَهُ اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي الِاسْتِدَانَةِ فَشَمِلَ قَرِيبَ الْمَرْأَةِ وَالْأَجْنَبِيَّ، وَلَكِنْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُعْسِرَةَ إذَا كَانَ زَوْجُهَا مُعْسِرًا وَلَهَا ابْنٌ مِنْ غَيْرِهِ مُوسِرٌ أَوْ أَخٌ مُوسِرٌ فَنَفَقَتُهَا عَلَى زَوْجِهَا وَيُؤْمَرُ الِابْنُ أَوْ الْأَخُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الزَّوْجِ إذَا أَيْسَرَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى فَقْرِهِ) الَّذِي فِي الْفَتْحِ فَقْدُهُ بِالدَّالِ لَا بِالرَّاءِ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
(قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَيْسَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ) قَالَ السَّيِّدُ أَبُو السُّعُودِ فِي حَاشِيَةِ مِسْكِينٍ نَقَلَ شَيْخُنَا عَنْ الرَّمْلِيِّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ أَنَّ وَالِدَهُ أَفْتَى بِعَدَمِ الْفَسْخِ فِيمَا إذَا تَعَذَّرَ تَحْصِيلُ النَّفَقَةِ لِغَيْبَتِهِ وَإِنْ طَالَتْ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ قَالَ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْأُمِّ بِأَنَّهُ لَا فَسْخَ مَا دَامَ مُوسِرًا وَإِنْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ وَتَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ مَالِهِ إلَخْ فَقَوْلُهُ مُوسِرًا ظَاهِرٌ فِي الْفَسْخِ عِنْدَ عَجْزِهِ وَحِينَئِذٍ يُتَّجَهُ مَا ذَكَرَهُ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ قَالَ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اُسْتُفِيدَ مِنْ شَرْحِ الْغَايَةِ الْقُصْوَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْفَسْخِ أَيْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَنَّ الْأَظْهَرَ عَدَمُهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا إذَا لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا حَالَ غَيْبَتِهِ وَالْحَالُ أَنَّ لَهُ قُدْرَةً عَلَى أَدَاءِ النَّفَقَةِ فَإِنْ عَجَزَ فَلَا اخْتِلَافَ فِي الْفَسْخِ حِينَئِذٍ وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ فِي الْفَسْخِ بِالْعَجْزِ بَيْنَ حُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ خِلَافًا لِمَا فَهِمَهُ فِي الدُّرَرِ مِنْ أَنَّ الْفَسْخَ حَالَ غَيْبَتِهِ غَيْرُ مَنُوطٍ بِالْعَجْزِ، بَلْ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ.
مَا فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّفْرِيقَ حَالَ حَضْرَتِهِ وَحَالَ غَيْبَتِهِ جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إذَا ثَبَتَ عَجْزُهُ وَالْأَوَّلُ اعْتَبَرَهُ مَشَايِخُنَا مُجْتَهَدًا فِيهِ دُونَ الثَّانِي وَيَصِحُّ الْقَضَاءُ بِالْأَوَّلِ وَتَنْفِيذُهُ دُونَ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ فَرْضِ الْقَاضِي) هَذَا الْقَيْدُ يَظْهَرُ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةِ الْمُعْسِرِ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ لَا يَفْرِضُ الْقَاضِي عَلَيْهِ نَفَقَةً مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ) كَذَا فِي النُّسَخِ وَصَوَابُ التَّعْبِيرِ يَأْمُرُهَا بِضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ. (قَوْلُهُ: لَكِنْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَكَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا وَلَا مَالَ لَهُ عِنْدَ مَنْ يُقِرُّ بِهِ وَتَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ تَأَمَّلْ
следующие страницы →