← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 12227

البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري

زين الدين ابن نجيم

Полный текст (3 122 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا لَا عَنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ عَنْ بَوْلٍ وَغَائِطٍ» وَرُوِيَ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ وَرُوِيَ بِحَرْفِ النَّفْيِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ رِوَايَةُ إلَّا الِاسْتِثْنَائِيَّة وَوَقَعَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَلَكِنْ عَنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ نَوْمٍ بِأَوْ وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ بِالْوَاوِ كَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُجْتَبَى سَأَلْت أُسْتَاذِي نَجْمَ الْأَئِمَّةِ الْبُخَارِيَّ عَنْ صُورَتِهِ فَقَالَ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَجْنَبَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشُدَّ خُفَّيْهِ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يَغْتَسِلَ وَيَمْسَحَ وَمَا ذَكَرُوا مِنْ الصُّوَرِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَعُودُ عَلَى الْأَصَحِّ اهـ. وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَنْتَقِضُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ جُنُبًا وَتَيَمَّمَ عَادَتْ الْجَنَابَةُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا عَادَ الْحَدَثُ وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى أَنَّ الصُّورَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ تَكَلُّفٌ أَنَّهَا لَا تُنَاسِبُ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ إذْ وَضْعُهَا عَدَمُ جَوَازِ الْمَسْحِ لِلْجُنُبِ فِي الْغُسْلِ وَمَا ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ عَدَمُ جَوَازِهِ فِي الْوُضُوءِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي قَوْلُهُ مِنْ كُلِّ حَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ احْتِرَازًا مِنْ الْجَنَابَةِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا يُوجِبُ الْغُسْلَ كَالْحَيْضِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ مُسَافِرَةً؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ عِنْدَهُ يَوْمَانِ وَلَيْلَتَانِ وَأَكْثَرُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَالنِّفَاسُ، فَإِنَّهُ لَا يَنُوبُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي هَذِهِ الْأَحْدَاثِ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ لِعَدَمِ جَعْلِ الْخُفِّ مَانِعًا مِنْ سِرَايَتِهَا إلَى الرِّجْلِ شَرْعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْجَنَابَةِ حَدِيثُ صَفْوَانَ الْمُتَقَدِّمُ وَيُقَاسُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ فِي ذَلِكَ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إجْمَاعٌ اهـ. وَإِنَّمَا جُعِلَ الْحَيْضُ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى عَلَى أَصْلِهِمَا، فَإِنَّهَا إذَا تَوَضَّأَتْ وَلَبِسَتْ الْخُفَّيْنِ ثُمَّ أَحْدَثَتْ وَتَوَضَّأَتْ وَمَسَحَتْ ثُمَّ حَاضَتْ كَانَ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ لِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ انْتَقَضَ الْمَسْحُ قَبْلَهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُمْنَعَ الْمَسْحُ لِأَجْلِ غُسْلِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ لِانْتِقَاضِهِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَإِنْ لَبِسْتهمَا فِي الْحَيْضِ فَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَاجِبٌ لِفَوَاتِ شَرْطِ الْمَسْحِ، وَهُوَ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ وَالْمَقْصُودُ تَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ مَانِعٌ مِنْ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ سِوَى وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ وَصُورَةُ عَدَمِ مَسْحِ النُّفَسَاءِ أَنَّهَا لَبِسَتْ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ نَفِسَتْ وَانْقَطَعَ قَبْلَ ثَلَاثَةٍ، وَهِيَ مُسَافِرَةٌ أَوْ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَهِيَ مُقِيمَةٌ. (قَوْلُهُ: إنْ لَبِسَهُمَا عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ وَقْتَ الْحَدَثِ) يَعْنِي الْمَسْحَ جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ اللُّبْسُ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَقْتَ الْحَدَثِ وَذِكْرُهُ التَّمَامَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ النُّقْصَانِ الذَّاتِيِّ لَهُ كَمَا إذَا بَقِيَ لُمْعَةٌ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ لَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ طَهَارَةِ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا بَعْدَ الْوَقْتِ إذَا تَوَضَّئُوا وَلَبِسُوا مَعَ وُجُودِ الْحَدَثِ الَّذِي اُبْتُلُوا بِهِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَشَايِخِ وَعَنْ طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ وَبِنَبِيذِ التَّمْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِتَعَيُّنِ الْوُضُوءِ بِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ وَفَقْدِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الطَّهُورِ، فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لَا نَقْصَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الطَّهَارَاتِ بَلْ هِيَ مَا بَقِيَ شَرْطُهَا كَالَّتِي بِالْمَاءِ ــ [منحة الخالق] تِلْكَ الْجَنَابَةِ كَمَا لَوْ غَسَلَهُمَا أَوَّلًا ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ أَكْمَلَ الْغَسْلَ، وَإِنَّمَا حَلَّ بِهِمَا بَعْدَ الْغَسْلِ حَدَثٌ وَالْمَسْحُ لِأَجْلِ الْحَدَثِ جَائِزٌ وَصَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا اغْتَسَلَ وَبَقِيَ عَلَى جَسَدِهِ لُمْعَةٌ فَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ غَسَلَ اللُّمْعَةَ ثُمَّ أَحْدَثَ يَمْسَحُ اهـ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَقَاءِ لُمْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فِي بَقَاءِ الْجَنَابَةِ وَقَدْ لَبِسَ الْخُفَّ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ بِبَقَاءِ اللُّمْعَةِ وَجَوَّزَ لَهُ الْمَسْحَ فَكَذَا يَجُوزُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ. [الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغَسْلُ] (قَوْلُهُ: وَرُوِيَ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ) قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ تَقْرِيرُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ وَالِاسْتِدْرَاكِ الْحَاصِلَيْنِ بِإِلَّا وَلَكِنْ هُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّزْعِ؛ لِأَنَّهُ أَرْخَصَ لَهُمْ الْمَسْحَ مَعَ تَرْكِ النَّزْعِ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ الْجَنَابَةَ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا تَنْزِعُوهَا إلَّا عِنْدَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ ثُمَّ قَالَ مُسْتَدْرِكًا لَكِنْ عَنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ نَوْمٍ فَلَا تَنْزِعُوهَا وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ تَقْدِيرُهُ أُمِرْنَا أَنْ نَنْزِعَهَا مِنْ جَنَابَةٍ وَهَذِهِ جُمْلَةٌ إيجَابِيَّةٌ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَسْتَدْرِكَ جَاءَ بِجُمْلَةٍ فَقَالَ لَكِنْ لَا تَنْزِعْهَا مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ وَفَائِدَةُ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ تَبْيِينُ الْحَالَاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا الرُّخْصَةُ وَأَنَّهَا إنَّمَا جَاءَتْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْدَاثِ خَاصَّةً لَا فِي الْجَنَابَةِ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ، وَإِنْ كَانَ مُرَادًا، فَإِنَّهُ فِي حَالَةِ الْإِيجَابِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْجُمْلَةِ بِتَمَامِهَا، وَإِنَّمَا جَازَ حَذْفُهَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ قَوْلَهُ أُمِرْنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْإِيجَابَ إلَّا أَنَّهُ عَلَى نَفْيٍ وَالِاسْتِدْرَاكُ مِنْ النَّفْيِ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْجُمْلَةِ بَعْدَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ غَائِطٍ يَسْتَدْعِي عَامِلًا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَرْفُ الْجَرِّ وَأَقْرَبُ مَا يُضْمَرُ لَهُ مِنْ الْعَوَامِلِ فِعْلٌ دَلَّ الْفِعْلُ الظَّاهِرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ النَّزْعُ فَكَانَ التَّقْدِيرُ لَكِنْ لَا نَنْزِعُهَا مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ وَهَذِهِ مَعَانٍ دَقِيقَةٌ لَا يُدْرِكُهَا كَثِيرٌ مِنْ الْأَفْهَامِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ مَعْنَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَعُودُ أَيْ جَنَابَةُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ الْمَغْسُولَةِ لَا تَعُودُ بِمَعْنَى أَنَّهُ سَقَطَ عَنْهَا فَرْضُ الْغَسْلِ فَلَا يَجِبُ غَسْلُهَا ثَانِيًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَعُودُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ الْمَارِّ إذَا أَحْدَثَ وَعِنْدَهُ مَاءٌ لِلْوُضُوءِ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ جُنُبًا وَقَوْلُهُمْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ سَرَتْ إلَى الْقَدَمَيْنِ وَحَاصِلُ الرَّدِّ أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَاءٌ لِلْوُضُوءِ فَقَطْ لَا يَعُودُ الْجَنَابَةُ إذْ لَيْسَ قَادِرًا عَلَى الْمَاءِ الْكَافِي لِلْجَنَابَةِ وَلَا تَعُودُ جَنَابَةُ أَعْضَاءِ

стр. 177

الْمُطْلَقِ الطَّهُورِ فِي حَقِّ الْأَصِحَّاءِ وَتَحْرِيرُ الْمَسْحِ لِأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْعُذْرُ غَيْرَ مَوْجُودٍ وَقْتَ الْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ كَالْأَصِحَّاءِ حَتَّى إذَا كَانَ مُقِيمًا فَيَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ الْعَارِضِ لَهُ عَلَى الطَّهَارَةِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ اللُّبْسِ، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ الْمَذْكُورَ صَادَفَ لُبْسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ مُطْلَقًا فَجَازَ لَهُ الْمَسْحُ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَبِسَ بِطَهَارَةِ الْعُذْرِ بِأَنْ وُجِدَ الْعُذْرُ مُقَارِنًا لِلْوُضُوءِ أَوْ لِلُّبْسِ أَوْ لِكِلَيْهِمَا أَوْ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَبِسَ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ إنَّمَا يَمْسَحُ فِي الْوَقْتِ كُلَّمَا تَوَضَّأَ الْحَدَثَ غَيْرَ مَا ابْتَلَى بِهِ وَلَا يَمْسَحُ خَارِجَ الْوَقْتِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ اللُّبْسِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ صَادَفَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَقْتِ لُبْسًا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّارِعَ أَلْحَقَ ذَلِكَ الْحَدَثَ الَّذِي ابْتَلَى بِهِ بِالْعَدَمِ فِيهِ حَتَّى جَوَّزَ لَهُ أَدَاءَ الصَّلَاةِ مَعَهُ فِيهِ وَصَادَفَ بِالنِّسْبَةِ إلَى خَارِجِ الْوَقْتِ لُبْسًا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُجَوِّزْ لَهُ أَدَاءَ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ حَدَثٌ آخَرُ، فَإِنَّ هَذِهِ آيَةٌ عَمِلَ الْحَدَثُ السَّابِقُ عَمَلَهُ إذْ خُرُوجُ الْوَقْتِ لَيْسَ بِحَدَثٍ حَقِيقَةً بِالْإِجْمَاعِ فَبَانَ أَنَّ اللُّبْسَ فِي حَقِّهِ حَصَلَ لَا عَلَى طَهَارَةٍ فَلَا جَرَمَ إنْ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ فِي الْوَقْتِ لَا خَارِجَهُ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ وَيَمْسَحُ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ وَأَمَّا فِي الْوَقْتِ فَيَمْسَحُ مُطْلَقًا كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا وَشَمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ صُوَرًا مِنْهَا أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ رِجْلَيْهِ ثُمَّ يَلْبَسُهُمَا ثُمَّ يُكْمِلُ الْوُضُوءَ وَمِنْهَا أَنْ يَتَوَضَّأَ إلَّا رِجْلَيْهِ ثُمَّ يَغْسِلُ وَاحِدَةً وَيَلْبَسُ خُفَّهَا ثُمَّ يَغْسِلُ الْأُخْرَى وَيَلْبَسُهُ وَمِنْهَا أَنْ يَبْدَأَ بِلُبْسِ الْخُفَّيْنِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ إلَّا رِجْلَيْهِ ثُمَّ يَخُوضُ فِي الْمَاءِ فَتَبَتُّلُ رِجْلَاهُ مَعَ الْكَعْبَيْنِ أَوْ عَكْسُهُ بِأَنْ ابْتَلَّ رِجْلَاهُ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ إذَا أَحْدَثَ لِتَمَامِ الطَّهَارَةِ وَقْتَ الْحَدَثِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ وَقْتُ اللُّبْسِ فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ وَقْتُ الْحَدَثِ قَيْدٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذُكِرَ فِي التَّبْيِينِ مِنْ أَنَّهُ زِيَادَةٌ بِلَا فَائِدَةٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنَّ لُبْسَهُمَا عَلَى وُضُوءٍ يُغْنِي عَنْهُ؛ لِأَنَّ اللُّبْسَ يُطْلَقُ عَلَى ابْتِدَاءِ اللُّبْسِ وَعَلَى الدَّوَامِ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا يَحْنَثُ بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ فِي يَمِينِهِ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ، وَهُوَ لَابِسُهُ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إنْ وُجِدَ لُبْسُهُمَا عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ اللُّبْسُ ابْتِدَاءً أَوْ بِالدَّوَامِ عِيهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ اهـ. وَوَجْهُ دَفْعِهِ أَنَّ الْفِعْلَ دَالٌّ عَلَى الْحَدَثِ وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ قَالَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي أَوَّلِ الْمُطَوَّلِ الِاسْمُ يَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ وَالْفِعْلُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ دُونَ الِاسْتِغْرَاقِ اهـ. فَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّرْطَ حُصُولُ اللُّبْسِ عَلَى طُهْرٍ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ اللُّبْسِ بِشَرْطِ أَنْ تَتِمَّ تِلْكَ الطَّهَارَةُ عِنْدَ الْحَدَثِ وَلَوْ لَمْ يُقَيِّدْ التَّامَّ بِوَقْتِ الْحَدَثِ لِتَبَادُرِ تَقْيِيدِهِ بِوَقْتِ اللُّبْسِ وَحُصُولِ الطُّهْرِ التَّامِّ قَبْلَهُ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى لَفْظَةِ عَلَى وَبَعْدَمَا قَيَّدَ بِوَقْتِ الْحَدَثِ لَمْ يَبْقَ احْتِمَالُ تَقْيِيدِهِ بِوَقْتِ اللُّبْسِ وَكَوْنُ الْفِعْلِ أُطْلِقَ عَلَى الدَّوَامِ فِي مَسْأَلَةِ الْيَمِينِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَالْكَلَامُ فِي تَبَادُرِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فَلَوْلَا التَّقْيِيدُ بِوَقْتِ الْحَدَثِ لَتَبَادَرَ الْفَهْمُ إلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، فَإِنْ قِيلَ الْمَفْهُومُ مِنْ الْكِتَابِ عَدَمُ الْجَوَازِ عِنْدَ كَوْنِ اللُّبْسِ عَلَى طُهْرٍ تَامٍّ وَقْتَ اللُّبْسِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ قُلْنَا التَّامُّ وَقْتَ الْحَدَثِ أَعَمُّ مِنْ التَّامِّ فِيهِ فَقَطْ وَالتَّامُّ فِيهِ وَقَبْلَهُ أَيْضًا وَالتَّامُّ وَقْتَ اللُّبْسِ يَكُونُ تَامًّا وَقْتَ الْحَدَثِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ لُبْسِهِمَا عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ ابْتِدَاءً لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْمُغِيرَةِ «كُنْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَهْوَيْت لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتهمَا طَاهِرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا» وَأَهْوَيْت بِمَعْنَى قَصَدْت وَلِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا» وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ إسْنَادَهُ صَحِيحٌ وَالْبُخَارِيُّ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَى أَدْخَلْتهمَا أَدْخَلْت كُلَّ وَاحِدَةٍ الْخُفَّ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ ــ [منحة الخالق] الْوُضُوءِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَتَجَزَّأُ زَوَالًا وَلَا ثُبُوتًا، وَإِنَّمَا حَلَّ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ فَيَكُونُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الصُّورَةِ مِنْ قَبِيلِ الْمَسْحِ لِلْحَدَثِ وَالْكَلَامُ فِي الْمَسْحِ لِلْجُنُبِ فَلِذَا كَانَ مَا صَوَّرُوهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. (قَوْلُهُ: فَلَوْلَا التَّقْيِيدُ بِوَقْتِ الْحَدَثِ إلَخْ) وَفَائِدَتُهُ أَيْضًا كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ التَّنْصِيصُ عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَذَلِكَ شَائِعٌ ذَائِعٌ فَالْقَيْدُ لَيْسَ بِضَائِعٍ

стр. 178

لَا أَنَّهُمَا اقْتَرَنَا فِي الطَّهَارَةِ وَالْإِدْخَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ عَادَةً، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ دَخَلْنَا الْبَلَدَ وَنَحْنُ رُكْبَانٌ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ رَاكِبًا عِنْدَ دُخُولِهَا وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُمْ رُكْبَانًا عِنْدَ دُخُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَا اقْتِرَانُهُمْ فِي الدُّخُولِ كَذَا أَجَابَ فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ لَا يَصْدُقُ عَلَى الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَهِيَ مَا إذَا بَدَأَ بِلُبْسِهِمَا ثُمَّ تَوَضَّأَ إلَى آخِرِهِ نَظَرًا إلَى ابْتِدَاءِ اللُّبْسِ لَا إلَى مَا بَعْدَ الْوُضُوءِ الْكَامِلِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى غَسْلِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ لَكِنَّ أَهْلَ الْمَذْهَبِ لَيْسُوا بِمُعْتَدِّينَ بِابْتِدَاءِ هَذَا اللُّبْسِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بَلْ إنَّمَا هُمْ مُعْتَدُّونَ بِاسْتِمْرَارِهِ لَهُمَا بَعْدَ الْوُضُوءِ الْكَامِلِ تَنْزِيلًا لِاسْتِمْرَارِ اللُّبْسِ مِنْ وَقْتِهِ إلَى حِينِ الْحَدَثِ بَعْدَهُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ لُبْسٍ جَدِيدٍ وُجِدَ الْحَدَثُ بَعْدَهُ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ لِعَقْلِيَّةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ وُقُوعُ الْمَسْحِ عَلَى خُفٍّ يَكُونُ مَلْبُوسًا عِنْدَ أَوَّلِ حَدَثٍ يَحْدُثُ بَعْدَ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَهَذَا الْمَقْصُودُ مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا فِي الصُّوَرِ الْأُخَرِ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ فِيهِ الْوُضُوءَ بِتَمَامِهِ مُرَتَّبًا لَوْ نَزَعَ رِجْلَيْهِ مِنْ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَعَادَهُمَا إلَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ غَسْلِهِمَا أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِعَدَمِ الْإِكْمَالِ قَبْلَ ابْتِدَاءِ اللُّبْسِ فِي الْمَنْعِ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ إذَا وُجِدَ الْإِكْمَالُ بَعْدَ ابْتِدَاءِ اللُّبْسِ قَبْلَ الْحَدَثِ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَيْسَ بِمُتَعَرِّضٍ لِعَدَمِ الْجَوَازِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ اللَّهُمَّ إلَّا إنْ كَانَ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، وَهُوَ طَرِيقٌ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَمَا ضَاهَاهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْبَيَانِ لِمَا هُوَ الْأَكْمَلُ فِي ذَلِكَ وَالْأَحْسَنُ وَأَهْلُ الْمَذْهَبِ قَائِلُونَ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي عَيَّنَهُ مُخَالِفُوهُمْ مَحَلًّا لِلْجَوَازِ نَظَرًا إلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ هُوَ الْوَجْهُ الْأَكْمَلُ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِهِ وَقْتَ الْحَدَثِ تَوَسُّعًا وَالْمُرَادُ قُبَيْلَ الْحَدَثِ أَيْ مُتَّصِلًا بِهِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْحَدَثِ لَا يُجَامِعُ الطَّهَارَةَ فَكَيْفَ يَكُونُ ظَرْفًا لَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي اتِّصَالِ الْوُضُوءِ التَّامِّ بِالْحَدَثِ حَتَّى كَأَنَّهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَذَا ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ فِي شَرْحِهِ وَقَدْ أَفْصَحَ الْمُصَنِّفُ عَنْ مُرَادِهِ فِي الْكَافِي فَقَالَ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الْحَدَثُ بَعْدَ اللُّبْسِ طَارِئًا عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ وَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّوْشِيحِ أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ لِلْفَجْرِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ وَصَلَّى ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ لِلظُّهْرِ وَصَلَّى ثُمَّ لِلْعَصْرِ كَذَلِكَ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ فِي الْفَجْرِ يَنْزِعُ خُفَّيْهِ وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ اللُّبْسَ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ فِي الظُّهْرِ فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الظُّهْرِ خَاصَّةً لِتَيَقُّنِهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ فِي الْعَصْرِ تَامَّةٍ فَتَكُونُ طَهَارَتُهُ لِلْعَصْرِ تَامَّةً وَلَا تَرْتِيبَ عَلَيْهِ لِلنِّسْيَانِ وَذَكَرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الْفَتَاوَى رَجُلٌ لَيْسَتْ لَهُ إلَّا رِجْلٌ وَاحِدَةٌ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى جَبَائِرَ قَدَمَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَوْ كَانَتْ إحْدَى رِجْلَيْهِ صَحِيحَةً فَغَسَلَهَا وَمَسَحَ عَلَى جَبَائِرَ الْأُخْرَى وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَحْدَثَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَرِئَ الْجُرْحُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ لَغَسَلَ لِمَا تَحْتَهُ فَحَصَلَ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ كَمَا لَوْ أَدْخَلَهُمَا مَغْسُولَتَيْنِ حَقِيقَةً فِي الْخُفِّ، وَإِنْ كَانَ بَرِئَ الْجُرْحُ نَزَعَ خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُحْدِثًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ فَظَهَرَ أَنَّ اللُّبْسَ حَصَلَ لَا عَلَى طَهَارَةٍ اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ، وَإِنْ لَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ ثُمَّ بَرِئَ يُكْمِلُ مُدَّتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا بَرِئَ بِحَدَثٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْ اللُّبْسِ، وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ حَتَّى بَرِئَ فَغَسَلَ مَوْضِعَهُ ثُمَّ أَحْدَثَ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ لِأَنَّهُ لَمَّا غَسَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَقَدْ كَمُلَتْ الطَّهَارَةُ فَيَكُونُ الْحَدَثُ طَارِئًا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، وَإِنْ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ مَوْضِعَ الْجِرَاحَةِ بَعْدَ الْبُرْءِ لَا يَمْسَحُ بَلْ يَنْزِعُ الْخُفَّ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ طَرَأَ عَلَى طَهَارَةٍ نَاقِصَةٍ اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّا قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ عَدَمَ مَسْحِ الْمُتَيَمِّمِ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنْ اشْتِرَاطِ اللُّبْسِ عَلَى الْوُضُوءِ التَّامِّ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ تَامَّةٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهَا كَالَّتِي بِالْمَاءِ مَا بَقِيَ الشَّرْطُ بَلْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ الْمَسْحُ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ لَكَانَ الْخُفُّ رَافِعًا لِلْحَدَثِ الَّذِي حَلَّ بِالْقَدَمِ؛ لِأَنَّ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَفِي الْمُحِيطِ، وَإِنْ لَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ ثُمَّ بَرِئَ يُكْمِلُ مُدَّتَهُ) أَيْ بَرِئَ بَعْدَمَا أَحْدَثَ، فَإِنَّهُ يُكْمِلُ مُدَّةَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ بَعْدَ هَذَا الْحَدَثِ ثُمَّ بَرِئَ صَارَ مُحْدِثًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ وَالْحَدَثُ السَّابِقُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ اللُّبْسِ فَيَكُونُ اللُّبْسُ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ وَكَذَا السَّابِقَةُ، فَإِنَّ الْحَدَثَ الَّذِي ظَهَرَ كَانَ قَبْلَ اللُّبْسِ فَلَا يَكُونُ لَبِسَ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَيَجِبُ نَزْعُ الْخُفِّ وَانْظُرْ مَا فَائِدَةُ تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْمَسْحَ بَعْدَ اللُّبْسِ.

стр. 179

الْحَدَثَ الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ هُوَ الَّذِي قَدْ كَانَ حَلَّ بِهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ لَكِنَّ الْمَسْحَ إنَّمَا يُزِيلُ مَا حَلَّ بِالْمَمْسُوحِ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الْخُفِّ مَانِعًا شَرْعًا سِرَايَةَ الْحَدَثِ الَّذِي يَطْرَأُ بَعْدَهُ إلَى الْقَدَمَيْنِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مِنْ جَعْلِهِ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ نَاقِصَةً كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُتَيَمِّمِ وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثًا) هَذَا بَيَانٌ لِمُدَّةِ الْمَسْحِ أَيْ صَحَّ الْمَسْحُ يَوْمًا وَلَيْلَة إلَخْ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحُجَّةُ لَهُمْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَرِيحَةٌ يَطُولُ سَرْدُهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْقَوْلُ عَنْ مَالِكٍ فِي جَوَازِهِ لِلْمُقِيمِ وَمَشَى أَبُو زَيْدٍ فِي رِسَالَتِهِ عَلَى جَوَازِهِ لِلْمُقِيمِ. (قَوْلُهُ: مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ) بَيَانٌ لِأَوَّلِ وَقْتِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ الْمَسْحِ الْأَوَّلِ كَمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ النَّوَوِيُّ وَقَالَ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى أَحَادِيثِ الْبَابِ الصَّحِيحَةِ وَلَا مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ كَمَا هُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ جَوَازِ الرُّخْصَةِ وَالْحُجَّةُ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ كُلَّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْخُفَّ جُعِلَ مَانِعًا مِنْ سِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الرِّجْلِ شَرْعًا فَتُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتِ الْمَنْعِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ طَهَارَةُ الْغَسْلِ وَلَا تَقْدِيرَ فِيهَا، فَإِذَنْ التَّقْدِيرُ فِي التَّحْقِيقِ إنَّمَا هُوَ لِمُدَّةِ مَنْعِهِ شَرْعًا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ التَّقْدِيرَ لِلْمَسْحِ أَوْ اللُّبْسِ وَالْخُفُّ إنَّمَا مَنَعَ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَابْتِدَاؤُهَا عَقِيبَ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ اللُّبْسِ حَتَّى يَمُرَّ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُ الْخُفِّ وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ مِنْ وَقْتِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْدَثَ وَلَمْ يَمْسَحْ وَلَمْ يُصَلِّ أَيَّامًا لَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ الْعَدْلُ فِي الِاعْتِبَارِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ اهـ. وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ مُضِيَّ الْمُدَّةِ رَافِعٌ لِجَوَازِ الْمَسْحِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ مَسْحٌ أَوْ لَا فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُجْعَلَ مُضِيُّ الْمُدَّةِ نَاقِضًا لِلْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَسْحٌ فَلَا أَثَرَ لِمُضِيِّهَا كَمَا لَا يَخْفَى وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَنْ تَوَضَّأَ بَعْدَمَا انْفَجَرَ الصُّبْحُ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ وَصَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ يَمْسَحُ إلَى مَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي إنْ كَانَ مُقِيمًا وَمِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا وَعَلَى قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ مِنْ وَقْتِ الْمَسْحِ يَمْسَحُ إلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي إنْ كَانَ مُقِيمًا وَمِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا وَعَلَى قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ يَمْسَحُ إلَى مَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي إنْ كَانَ مُقِيمًا وَمِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُجْتَبَى وَالْمُقِيمُ فِي مُدَّةِ مَسْحِهِ قَدْ لَا يَتَمَكَّنُ إلَّا مِنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ وَقْتِيَّةٍ بِالْمَسْحِ كَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ طَلَعَ الْفَجْرُ وَصَلَّاهَا وَقَعَدَ قَدْرًا لِتَشَهُّدٍ فَأَحْدَثَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ مِنْ الْغَدِ عَلَى هَيْئَةِ الْأُولَى لِاعْتِرَاضِ ظُهُورِ الْحَدَثِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ وَقَدْ يُصَلِّي خَمْسًا وَقَدْ يُصَلِّي سِتًّا كَمَنْ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ وَصَلَّى الظُّهْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهِ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ مِنْ الْغَدِ وَقَدْ يُصَلِّي بِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَبْعًا عَلَى الِاخْتِلَافِ اهـ. (قَوْلُهُ: عَلَى ظَاهِرِهِمَا مَرَّةً) بَيَانٌ لِمَحَلِّ الْمَسْحِ حَتَّى لَا يَجُوزَ مَسْحُ بَاطِنِهِ أَوْ عَقِبِهِ أَوْ سَاقَيْهِ أَوْ جَوَانِبِهِ أَوْ كَعْبِهِ وَفِي الْمُبْتَغَى بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَظَهْرُ الْقَدَمِ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى مَعْقِدِ الشِّرَاكِ اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ وَلَا يُسَنُّ مَسْحُ بَاطِنِ الْخُفِّ مَعَ ظَاهِرِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ شُرِعَتْ مُكَمِّلَةً لِلْفَرَائِضِ وَالْإِكْمَالُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ لَا فِي غَيْرِهِ اهـ. وَفِي غَيْرِهِ نَفْيُ الِاسْتِحْبَابِ، وَهُوَ الْمُرَادُ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ «وَضَّأْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ــ [منحة الخالق] [بَيَان مُدَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ] (قَوْلُهُ: فَتُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتِ الْمَنْعِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُدَّةَ تُعْتَبَرُ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ الْحَدَثِ لَا مِنْ آخِرِهِ كَمَا هُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَا قُلْنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ عَمَلِ الْخُفِّ وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُصَلَّى بِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَبْعًا عَلَى الِاخْتِلَافِ) أَيْ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَيُصَلَّى فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الظُّهْرُ بَعْدَ الْمِثْلِ وَالْعَصْرُ بَعْدَ الْمِثْلَيْنِ وَفِي الْمِثْلَيْنِ وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَلَى قَوْلِهِمَا يُصَلِّي الظُّهْرَ قَبْلَ الْمِثْلِ. [بَيَان مَحَلّ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ] (قَوْلُهُ: وَفِي غَيْرِهِ نَفْيُ الِاسْتِحْبَابِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمُحِيطِ نَفْيُ اسْتِحْبَابِ مَسْحِ بَاطِنِ الْخُفِّ مَعَ ظَاهِرِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ الْمُحِيطِ وَلَا يُسَنُّ لَكِنْ فِي النَّهْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ يُسْتَحَبُّ عِنْدَنَا الْجَمْعُ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي الْمَسْحِ إلَّا إذَا كَانَ عَلَى بَاطِنِهِ نَجَاسَةٌ اهـ. أَقُولُ: وَهَكَذَا رَأَيْته فِي شَرْحِ الْغَزْنَوِيَّةِ وَكَذَا فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْعَيْنِيِّ مَعْزِيًّا لِلْبَدَائِعِ أَيْضًا لَكِنَّ الَّذِي رَأَيْته فِي نُسْخَتَيْ الْبَدَائِعِ عَزْوُهُ إلَى الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَاطِنِ لَا يَجُوزُ وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَهُ الْجَمْعُ إلَخْ وَهَكَذَا رَأَيْته فِي التَّتَارْخَانِيَّة حَيْثُ قَالَ مَحَلُّ الْمَسْحِ ظَاهِرُ الْخُفِّ دُونَ بَاطِنِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ فَرْضٌ وَعَلَى بَاطِنِهِ سُنَّةٌ وَالْأَوْلَى عِنْدَهُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى بَاطِنِ الْخُفِّ وَيَمْسَحَ بِهِمَا كُلَّ رِجْلِهِ اهـ. فَضَمِيرُ عِنْدِهِ لِلشَّافِعِيِّ كَمَا لَا يَخْفَى نَعَمْ ذَكَرَ فِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ الِاسْتِحْبَابَ قَوْلٌ لِبَعْضِ مَشَايِخِنَا أَيْضًا

стр. 180

فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَمَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَنَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ وَقَدْ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ» أَرَادَ أَنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ لَمْ تَثْبُتْ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا طَرِيقُهَا التَّوْقِيفُ وَغَيْرُ جَائِزٍ اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ فِي رَدِّ التَّوْقِيفِ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ يُلَاقِي الْأَرْضَ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ طِينٍ وَتُرَابٍ وَقَذِرٍ وَلَا يُلَاقِيهَا ظَاهِرُهُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ الْقِيَاسَ؛ لِأَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ ظَاهِرَ الْخُفِّ دُونَ بَاطِنِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ كَانَ نَفْيَ الْقِيَاسِ مَعَ النَّصِّ كَذَا ذَكَرَهُ الْجَصَّاصُ فِي أُصُولِهِ اهـ. كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَهَذَا يُفِيدُ كَظَاهِرِ مَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاطِنِ عِنْدَهُمْ مَحَلُّ الْوَطْءِ لَا مَا يُلَاقِي الْبَشَرَةَ وَتَعَقَّبَهُمْ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِهِ لَا تَظْهَرُ أَوْلَوِيَّةُ مَسْحِ بَاطِنِهِ لَوْ كَانَ بِالرَّأْيِ بَلْ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ ذَلِكَ مَا يُلَاقِي الْبَشَرَةَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ غَسْلِ الرِّجْلِ فِي الْوُضُوءِ لَيْسَ لِإِزَالَةِ الْخَبَثِ بَلْ الْحَدَثِ وَمَحَلُّ الْوَطْءِ مِنْ بَاطِنِ الرِّجْلِ فِيهِ كَظَاهِرِهِ وَكَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِيهِ بِلَفْظٍ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ يَجِبُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَسْفَلِ الْوَجْهُ الَّذِي يُلَاقِي الْبَشَرَةَ؛ لِأَنَّهُ أَسْفَلُ مِنْ الْوَجْهِ الْأَعْلَى الْمُحَاذِي لِلسَّمَاءِ كَمَا ذَكَرْنَا اهـ. وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ مَسَحَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلَهُ فَقَدْ ضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا وَلَوْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ مَا يَلِي السَّاقَ وَمَا يَلِي الْأَصَابِعَ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَلِيٍّ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَأَوْرَدَ أَنَّهُ يَنْبَغِي جَوَازُ مَسْحِ الْأَسْفَلِ وَالْعَقِبِ؛ لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْ الْغَسْلِ فَيَجُوزُ فِي جَمِيعِ مَحَلِّ الْغَسْلِ كَمَسْحِ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي جَمِيعِ الرَّأْسِ، وَإِنْ ثَبَتَ مَسْحُهُ ﵇ عَلَى النَّاصِيَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِعْلَهُ هُنَا ابْتِدَاءً غَيْرُ مَعْقُولٍ فَيُعْتَبَرُ جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مِنْ رِعَايَةِ الْفِعْلِ وَالْمَحَلِّ بِخِلَافِ مَسْحِهِ عَلَى النَّاصِيَةِ، فَإِنَّهُ بَيَانُ مَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ لَا نَصْبِ الشَّرْعِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْبَيَانُ، وَهُوَ الْمِقْدَارُ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَعْلُومٌ بِالنَّصِّ فَلَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِ فِعْلِهِ بَيَانًا لَهُ وَتَعَقَّبَ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْمَسْحُ إلَى السَّاقِ رِعَايَةً لِجَمِيعِ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ إلَّا بِنَصٍّ وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَبِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ بَدَأَ مِنْ السَّاقِ لَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا فَأَجَابَ عَنْ الثَّانِي فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ مُرَاعَاةُ جَمِيعِ مَا وَرَدَ بِهِ فِي مَحَلِّ الِابْتِدَاءِ أَوْ الِانْتِهَاءِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيقَاعُ الْبِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَأَجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَدٍّ إلَى السَّاقِ كَمَا رُوِيَ الْمَدُّ فَجُعِلَ الْمَفْرُوضُ أَصْلَ الْمَسْحِ وَالْمَدُّ سُنَّةٌ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَتَعَقَّبَ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ هُنَا لِوُرُودِهِمَا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَتَسَاوَيَانِ فِي الشُّهْرَةِ بَلْ الْمُطْلَقُ هُوَ الْمَشْهُورُ دُونَ الْمُقَيَّدِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا تَسَاوِيهِمَا لَا يَجِبُ الْحَمْلُ أَيْضًا لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ، فَإِنَّ مَسْحَهُ ﵇ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَكُونُ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ فِي مُتَعَدِّدٍ فِي نَفْسِهِ فَيَثْبُتُ أَصْلُ الْمَسْحِ وَسُنِّيَّةُ الْمَدِّ وَتَعَقَّبَ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحَبَّ الْجَمْعُ بَيْنَ مَسْحِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ لِكَوْنِهِمَا مَرْوِيَّيْنِ وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ فَيُثْبِتُ فَرْضِيَّةَ أَصْلِ الْمَسْحِ وَسُنِّيَّةَ الْمَسْحِ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ احْتِمَالًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَلَا تَثْبُتُ السُّنِّيَّةُ بِالشَّكِّ، وَقَدْ يُقَالُ كَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ مُطْلَقُ الصَّوْمِ وَاجِبٌ وَالتَّتَابُعُ سَنَةٌ وَيَكُونُ هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ؛ وَلِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَمْ يَرْتَضِ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِمَا أَجَابَ بِهِ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي الْبَدَائِعِ مَا يَصْلُحُ جَوَابًا عَمَّا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، فَإِنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى فَرْضِيَّةِ ثَلَاثِ أَصَابِعَ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ ﵊ «مَسَحَ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ» قَالَ: وَهَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ التَّفْسِيرِ لِلْمَسْحِ وَالْأَصَابِعُ اسْمُ جَمْعٍ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ الصَّحِيحِ ثَلَاثَةٌ فَكَانَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: فَمَعْنَاهُ مَا يَلِي السَّاقَ إلَخْ) أَيْ الْمُرَادُ بِأَعْلَاهُ فِي الْحَدِيثِ مَا ارْتَفَعَ مِنْهُ أَيْ مِنْ جِهَةِ السَّاقِ وَالْمُرَادُ بِأَسْفَلِهِ مَا نَزَلَ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ الْأَصَابِعِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ مَسَحَ مِنْ أَسْفَلِهِ إلَى أَعْلَى سَاقِهِ.

стр. 181

هَذَا تَقْدِيرًا لِلْمَسْحِ بِثَلَاثِ أَصَابِعِ الْيَدِ اهـ. وَهَكَذَا ذَكَرَ الْأَقْطَعُ وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى بِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَغْسِلُ خُفَّيْهِ فَقَالَ ﷺ أَمَا يَكْفِيك مَسْحُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ» . اهـ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ وَفِي قَوْلِهِ مَرَّةً إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُسَنُّ تَكْرَارُهُ كَمَسْحِ الرَّأْسِ عَمَلًا بِمَا وَرَدَ «أَنَّهُ ﵇ مَسْحٌ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ» بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ إذْ الْخُطُوطُ إنَّمَا تَكُونُ إذَا مَسَحَ مَرَّةً كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْخُطُوطَ لِلْإِشَارَةِ إلَى الرَّدِّ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهَا فَرْضٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُجْتَبَى، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ إظْهَارَ الْخُطُوطِ فِي الْمَسْحِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ نَعَمْ إظْهَارُ الْخُطُوطِ شَرْطُ السُّنِّيَّةِ. (قَوْلُهُ: بِثَلَاثِ أَصَابِعَ) بَيَانٌ لِمِقْدَارِ آلَةِ الْمَسْحِ بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ وَلِبَيَانِ قَدْرِ الْمَمْسُوحِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ وَأَرَادَ أَصَابِعَ الْيَدِ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَصْفَى كَذَا أَطْلَقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ وَعَزَاهُ فِي الْخُلَاصَةِ إلَى أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ وَفِي الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ إلَى مُحَمَّدٍ ﵀ وَقَيَّدَهَا قَاضِي خَانْ بِكَوْنِهَا مِنْ أَصْغَرِ أَصَابِعِ الْيَدِ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ ثَلَاثُ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ آلَةُ الْمَسْحِ وَالثَّلَاثَةُ أَكْثَرُ أَصَابِعِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُهُ مِنْ السُّنَّةِ مِنْ الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ أَنَّ الثَّلَاثَ فَرْضُ الْمَسْحِ وَنَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَمُرَادُهُمْ بِهِ الْوَاجِبُ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْفَرْضِ التَّقْدِيرَ دُونَ الْفَرْضِ الِاصْطِلَاحِيِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ؛ وَلِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَذَا فِي التَّوْشِيحِ لَكِنْ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا؛ لِأَنَّ مَشَايِخَنَا يُطْلِقُونَ أَصْلَ الْفَرْضِ عَلَى مَا ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ إذَا كَانَ الْجَوَازُ يَفُوتُ بِفَوْتِهِ كَغَسْلِ الْمَرَافِقِ وَالْكَعْبَيْنِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ هُنَاكَ وَفِي تَقْدِيرِ الْفَرْضِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَوْ قُطِعَتْ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَبَقِيَ مِنْهَا أَقَلُّ مِنْهُ أَوْ بَقِيَ ثَلَاثُ أَصَابِعَ لَكِنْ مِنْ الْعَقِبِ لَا مِنْ مَوْضِعِ الْمَسْحِ فَلَبِسَ عَلَى الصَّحِيحَةِ أَوْ الْمَقْطُوعَةِ لَا يَمْسَحُ لِوُجُوبِ غَسْلِ ذَلِكَ الْبَاقِي كَمَا لَوْ قُطِعَتْ مِنْ الْكَعْبِ حَيْثُ يَجِبُ غَسْلُ الْجَمِيعِ وَلَا يَمْسَحُ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي كُلِّ رِجْلٍ فَلَوْ مَسَحَ عَلَى رِجْلِ أُصْبُعَيْنِ، وَعَلَى الْأُخْرَى قَدْرَ خَمْسَةٍ لَمْ يَجُزْ وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ وَمَدَّهَا حَتَّى بَلَغَ مِقْدَارَ الثَّلَاثِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْخُذَ مَاءً جَدِيدًا لَا يَجُوزُ وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَخَذَ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَازَ إنْ مَسَحَ كُلَّ مَرَّةٍ غَيْرَ الْمَوْضِعِ الَّذِي مَسَحَهُ كَأَنَّهُ مَسَحَ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ كَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَلَوْ مَسَحَ بِالْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ إنْ كَانَتَا مَفْتُوحَتَيْنِ جَازَ؛ لِأَنَّ مَا بَيْنَهُمَا مِقْدَارُ أُصْبُعٍ وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ بِجَوَانِبِهَا الْأَرْبَعِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ مَسْحِ الرَّأْسِ، فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا فَصَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ الْجَوَازَ بِنَاءً عَلَى التَّقْدِيرِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَصَحَّحَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ عَدَمَ الْجَوَازِ بِنَاءً عَلَى التَّقْدِيرِ بِالرُّبْعِ وَهُنَا لَمَّا اتَّفَقُوا فِي الْأَصَحِّ عَلَى الثَّلَاثِ كَانَ الْإِجْزَاءُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الِاتِّفَاقَ بِالْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ فِي الْكَافِي قَالَ وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ فَمَنْ شَرَطَ ثَمَّةَ الرُّبْعِ شَرَطَ الرُّبْعَ هُنَا وَمَنْ شَرَطَ الْأَدْنَى شَرَطَهُ هُنَا اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الرَّاجِحُ الرُّبْعُ وَهُنَا الرَّاجِحُ الثَّلَاثُ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَلَوْ مَسَحَ بِرُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَجَافَى أُصُولَ الْأَصَابِعِ الْكَفَّ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُتَقَاطِرًا وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ مَسَحَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ مُتَقَاطِرًا أَوْ لَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَمَا فِي الْمُنْيَةِ أَوْلَى مِمَّا فِي الْخُلَاصَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي الْبَدَائِعِ وَلَوْ مَسَحَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مَنْصُوبَةٍ غَيْرَ مَوْضُوعَةٍ وَلَا مَمْدُودَةٍ لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَلَوْ أَصَابَ مَوْضِعَ الْمَسْحِ مَاءٌ أَوْ مَطَرٌ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ جَازَ وَكَذَا لَوْ مَشَى فِي حَشِيشٍ مُبْتَلٍّ بِالْمَطَرِ وَلَوْ كَانَ مُبْتَلًّا بِالطَّلِّ وَأَصَابَ الْخُفَّ طَلٌّ قَدْرَ الْوَاجِبِ قِيلَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ نَفْسُ دَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ يَجْذِبُهُ الْهَوَاءُ ــ [منحة الخالق] [بَيَان مِقْدَارِ آلَةِ الْمَسْحِ عَلَيَّ الْخُفَّيْنِ] (قَوْلُهُ: وَأَرَادَ أَصَابِعَ الْيَدِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَمْ يُضِفْهَا إلَى اللَّابِسِ إيمَاءً إلَى أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ مَنْ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ فَفَعَلَ صَحَّ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ مَسَحَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ إلَخْ) رَأَيْت فِي هَامِشِ نُسْخَةٍ مِنْ الْبَحْرِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي مَسَائِلِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَوْ مَسَحَ بِرُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَجَافَى أُصُولَ الْأَصَابِعِ وَالْكَفِّ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ مَا ابْتَلَّ مِنْ الْخُفِّ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ. اهـ. وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْهَا فَمَذْكُورٌ فِي مَسَائِلِ مَسْحِ الرَّأْسِ لَكِنْ لَمْ يُتِمَّ الْعِبَارَةَ وَالْعِبَارَةُ بِتَمَامِهَا وَلَوْ مَسَحَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ مُتَقَاطِرًا أَوْ لَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ بُرْهَانُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَاءُ مُتَقَاطِرًا جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا يَجُوزُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ. فَلْيُرَاجَعْ.

стр. 182

وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ مَسَحَ بِظَاهِرِ كَفِّهِ جَازَ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ بِبَاطِنِ كَفِّهِ. اهـ. وَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ بَاطِنَ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعَ وَلَوْ قَالَ بِبَاطِنِ الْيَدِ لَكَانَ أَوْلَى كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْخُلَاصَةِ نَقَلَ أَنَّهُ إنْ وَضَعَ الْكَفَّ وَمَدَّهَا أَوْ وَضَعَ الْكَفَّ مَعَ الْأَصَابِعِ وَمَدَّهَا كِلَاهُمَا حَسَنٌ وَالْأَحْسَنُ الثَّانِي اهـ. فَوَضْعُ الْكَفِّ وَحْدَهَا دُونَ الْأَصَابِعِ مُسْتَحَبٌّ حَسَنٌ، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ الْأَصَابِعِ أَحْسَنَ، وَلَوْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بِبِلَّةٍ بَقِيَتْ عَلَى كَفَّيْهِ بَعْدَ الْغَسْلِ يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْبِلَّةُ قَاطِرَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهَا وَصَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّهُ الصَّحِيحُ وَلَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ مَسَحَ خُفَّيْهِ بِبِلَّةٍ بَقِيَتْ عَلَى كَفَّيْهِ لَا يَجُوزُ وَكَذَا بِمَاءٍ أَخَذَهُ مِنْ لِحْيَتِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَلَلَ إذَا بَقِيَ فِي كَفَّيْهِ بَعْدَ غَسْلِ عُضْوٍ مِنْ الْمَغْسُولَاتِ جَازَ الْمَسْحُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ الْإِنَاءِ، وَإِذَا بَقِيَ فِي يَدِهِ بَعْدَ مَسْحِ عُضْوٍ مَمْسُوحٍ أَوْ أَخَذَهُ مِنْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ بِهِ مَغْسُولًا كَانَ ذَلِكَ الْعُضْوُ أَوْ مَمْسُوحًا؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ بِبِلَّةٍ مُسْتَعْمَلَةٍ وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِبِلَّةٍ بَقِيَتْ بَعْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ بَلْ سُنَّةٌ عِنْدَنَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَالْأُصْبُعُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ كَذَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ. (قَوْلُهُ: يَبْدَأُ مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ) بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ حَتَّى لَوْ بَدَأَ مِنْ السَّاقِ إلَى الْأَصَابِعِ أَوْ مَسَحَ عَلَيْهِ عَرْضًا جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ إلَّا أَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ وَكَيْفِيَّتُهُ كَمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنْ يَضَعَ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ الْأَيْمَنِ وَأَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ الْأَيْسَرِ مِنْ قِبَلِ الْأَصَابِعِ فَإِذَا تَمَكَّنَتْ الْأَصَابِعُ يَمُدُّهَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى أَصْلِ السَّاقِ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ؛ لِأَنَّ الْكَعْبَيْنِ يَلْحَقُهُمَا فَرْضُ الْغَسْلِ وَيَلْحَقُهُمَا سُنَّةُ الْمَسْحِ، وَإِنْ وَضَعَ الْكَفَّ مَعَ الْأَصَابِعِ كَانَ أَحْسَنَ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ اهـ. وَيَدُلُّ لِلْأَحْسَنِيَّةِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْمَنِ وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ مَسَحَ أَعْلَاهُمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً الْحَدِيثُ وَلَمْ يَقُلْ وَضَعَ كَفَّهُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَغَيْرِهِمَا: وَتَفْسِيرُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ مَا بَيْنَ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ وَيُفَرِّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ قَلِيلًا. اهـ. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْأَصَابِعَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْمَحَلِّيَّةِ وَمَا فِي الْكِتَابِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ يُفِيدُ دُخُولَهَا وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ يَدَهُ عَلَى أَصَابِعِ كُلِّ رِجْلٍ دُونَ الْقَدَمِ فَعَلَى مَا فِي الْكِتَابِ يَجُوزُ لِوُجُودِ الْمَحَلِّيَّةِ وَعَلَى مَا فِي أَكْثَرِ الْفَتَاوَى لَا يَجُوزُ لِعَدَمِهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ فَقَالَ رَجُلٌ لَهُ خُفٌّ وَاسِعُ السَّاقِ إنْ بَقِيَ مِنْ قَدَمِهِ خَارِجَ السَّاقِ فِي الْخُفِّ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ سِوَى أَصَابِعِ الرِّجْلِ جَازَ مَسْحُهُ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ قَدَمِهِ خَارِجَ السَّاقِ فِي الْخُفِّ مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ بَعْضُهُ مِنْ الْقَدَمِ وَبَعْضُهُ مِنْ الْأَصَابِعِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ كُلِّهَا مِنْ الْقَدَمِ وَلَا اعْتِبَارَ لِلْأَصَابِعِ اهـ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ (قَوْلُهُ: وَالْخَرْقُ الْكَبِيرُ يَمْنَعُهُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى يَجُوزُ بِالْبَاءِ بِنُقْطَةٍ مِنْ تَحْتُ وَالثَّاءُ بِثَلَاثٍ مِنْ فَوْقُ وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْكَمْيَّةِ الْمُتَّصِلَةِ وَالثَّانِي فِي الْمُنْفَصِلَةِ وَالثَّانِي مَنْقُولٌ عَنْ الْعَالِمِ الْكَبِيرِ بَدْرِ الدِّينِ اهـ. وَفِي الْمُغْرِبِ أَنَّ الْكَثْرَةَ خِلَافُ الْقِلَّةِ وَتُجْعَلُ عِبَارَةً عَنْ السَّعَةِ وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ الْخَرْقُ الْكَثِيرُ اهـ. فَأَفَادَ أَنَّ الْكَثِيرَ يُسْتَعْمَلُ لِلْكَمْيَّةِ الْمُنْفَصِلَةِ أَيْضًا وَصَحَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ رِوَايَةَ الْمُثَلَّثَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي عَنْ خُوَاهَرْ زَادَهْ الصَّحِيحُ الرِّوَايَةُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْكَمِّ الْمُنْفَصِلِ تُسْتَعْمَلُ الْكَثْرَةُ وَالْقِلَّةُ وَفِي الْكَمِّ الْمُتَّصِلِ يُسْتَعْمَلُ الْكِبَرُ وَالصِّغَرُ وَالْخُفُّ كَمٌّ مُتَّصِلٌ فَلَا يُذْكَرُ إلَّا الْكَبِيرُ لَا الْكَثِيرُ اهـ. وَقَدْ عَلِمْت عَنْ الْمُغْرِبِ اسْتِعْمَالُ الْكَثِيرِ لَهُمَا وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: الْكَلَامُ فِي الْأَحْسَنِ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْأَصَابِعَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْمَحَلِّيَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا وَهْمٌ إذْ مَا فِي الْخُلَاصَةِ إنَّمَا يُفِيدُ دُخُولَهَا فِي الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ أَطْرَافَهَا أَوْ آخِرَهَا يُوَافِقُ مَا مَرَّ عَنْ الْمُبْتَغَى أَيْ مِنْ قَوْلِهِ ظَهْرُ الْقَدَمِ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى مَعْقِدِ الشِّرَاكِ وَقَوْلُهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَمَوْضِعُ الْمَسْحِ ظَهْرُ الْقَدَمِ إنَّمَا يُحْتَرَزُ بِذَلِكَ عَنْ بَاطِنِهِ وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ لَا يَدُلُّ لِمَا ذَكَرَهُ بَلْ إنَّمَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لِمَا أَنَّ خُرُوجَ أَكْثَرِ الْقَدَمِ نَزْعٌ، وَهَذَا فَوْقَهُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ مَقَالَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ وَالْمَذْهَبُ اعْتِبَارُ الْأَكْثَرِ فِي الْخُرُوجِ كَمَا سَتَرَاهُ اهـ. أَقُولُ: مَا حُمِلَ عَلَيْهِ كَلَامُ الْخُلَاصَةِ مُحْتَمَلٌ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَأَمَّا مَا حُمِلَ عَلَيْهِ كَلَامُ الْخَانِيَّةِ فَلَا إذْ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ خُرُوجَ أَكْثَرِ الْقَدَمِ لَمْ يَبْقَ فَرْقٌ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْخَانِيَّةِ إذْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وُجِدَ خُرُوجُ أَكْثَرِ الْقَدَمِ كَمَا لَا يَخْفَى وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ الْحُكْمِ مَا فِي السِّرَاجِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ أَسْفَلَ الْكَعْبِ إنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ أَوْ أَكْثَرَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِثْلُ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ اهـ فَتَدَبَّرْ.

стр. 183

الْخَرْقَ وَاحِدٌ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِالْكَثْرَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اسْمُ مَصْدَرٍ، وَهُوَ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ثُمَّ كَوْنُ الْخَرْقِ الْكَبِيرِ مَانِعًا دُونَ الْقَلِيلِ قَوْلُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ يُمْنَعَ الْقَلِيلُ أَيْضًا، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ الْقَدَمِ، وَإِنْ قَلَّ ظَهَرَ غَسْلُهُ لِحُلُولِ الْحَدَثِ بِهِ وَالرِّجْلُ فِي حَقِّ الْغَسْلِ غَيْرُ مُتَجَزِّئَةٍ فَوَجَبَ غَسْلُهَا كُلُّهَا وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْخِفَافَ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ الْخَرْقِ عَادَةً وَالشَّرْعُ عَلَّقَ الْمَسْحَ بِمُسَمَّى الْخُفِّ، وَهُوَ السَّاتِرُ الْمَخْصُوصُ الَّذِي يَقْطَعُ بِهِ الْمَسَافَةَ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيهِ وَالِاسْمُ مُطْلَقًا يُطْلَقُ عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ اعْتِبَارًا لِلْخَرْقِ عَدَمًا بِخِلَافِ الْخُفِّ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْكَثِيرِ، فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِيهِ وَإِنْ تَرَكَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِاسْمِ الْخُفِّ تَقْيِيدَهُ بِمَخْرُوقٍ فَهُوَ مُرَادٌ لِلْمُطْلَقِ مَعْنًى فَلَيْسَ بِخُفٍّ مُطْلَقٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تُقْطَعُ الْمَسَافَةُ بِهِ إذْ لَا يُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ فِيهِ وَالْخُفُّ مُطْلَقًا مَا تُقْطَعُ بِهِ فَلَيْسَ بِهِ وَأَيْضًا الْحَرَجُ لَازِمٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَوَّلِ إذْ غَالِبُ الْخِفَافِ لَا تَخْلُو عَنْهُ عَادَةً وَالْحَرَجُ مُنْتَفٍ شَرْعًا بَقِيَ الْأَمْرُ مُحْتَاجًا إلَى الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعِ الْقَدَمِ أَصْغَرُهَا) أَيْ الْخَرْقُ الْكَبِيرُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ إذَا انْكَشَفَ مَنَعَ مِنْ قَطْعِ الْمَسَافَةِ؛ وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْأَصَابِعِ وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُهَا مِنْ الْيَدِ ثُمَّ فِي اعْتِبَارِهَا مَضْمُومَةً أَوْ مُنْفَرِجَةً اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ ذَكَرَهُ فِي الْأَجْنَاسِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: فِي الزِّيَادَاتِ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ أَصْغَرُهَا وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ كَغَيْرِهِ وَاعْتُبِرَ الْأَصْغَرُ لِلِاحْتِيَاطِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ عَلَى هَذَا أَصَابِعُ الرِّجْلِ فِي الْخَرْقِ وَأَصَابِعُ الْيَدِ فِي الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ الْخَرْقَ يَمْنَعُ قَطْعَ السَّفَرِ وَتَتَابُعَ الْمَشْيِ وَأَنَّهُ فِعْلُ الرِّجْلِ فَأَمَّا فِعْلُ الْمَسْحِ، فَإِنَّهُ يَتَأَدَّى بِالْيَدِ وَالرِّجْلِ مَحَلُّهُ وَإِضَافَةُ الْفِعْلِ إلَى الْفَاعِلِ دُونَ الْمَحَلِّ هِيَ الْأَصْلُ وَلَا عُدُولَ عَنْ الْأَصْلِ بِلَا مُوجِبٍ وَلَا مُوجِبَ هُنَا وَفِي مَقْطُوعِ الْأَصَابِعِ يُعْتَبَرُ الْخَرْقُ بِأَصَابِعِ غَيْرِهِ وَقِيلَ بِأَصَابِعِ نَفْسِهِ لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَالْأَوْجَهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ مِنْ الْأَصَابِعِ مَا يَكُونُ طَوِيلًا وَيَكُونُ قَصِيرًا فَلَا يُعْتَبَرُ بِأَصَابِعِ غَيْرِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَكِبَرُ الْقَدَمِ دَلِيلٌ عَلَى كِبَرِهَا وَصِغَرُهُ دَلِيلٌ عَلَى صِغَرِهَا فَيُعْرَفُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. اهـ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْأَصْغَرُ إذَا انْكَشَفَ مَوْضِعٌ غَيْرَ مَوْضِعِ الْأَصَابِعِ، وَأَمَّا إذَا انْكَشَفَ الْأَصَابِعُ نَفْسُهَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَنْكَشِفَ الثَّلَاثُ أَيَّتُهَا كَانَتْ وَلَا يُعْتَبَرُ الْأَصْغَرُ؛ لِأَنَّ كُلَّ أُصْبُعٍ أَصْلٌ بِنَفْسِهَا فَلَا يُعْتَبَرُ بِغَيْرِهَا حَتَّى لَوْ انْكَشَفَ الْإِبْهَامُ مَعَ جَارَتِهَا وَهُمَا قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصْغَرِهَا يَجُوزُ الْمَسْحُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ جَارَتِهَا لَا يَجُوزُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَحَكَى الْقُدُورِيُّ عَنْ الْحَاكِمِ أَنَّهُ جَعَلَ الْإِبْهَامَ كَأُصْبُعَيْنِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَالْخَرْقُ الْمَانِعُ هُوَ الْمُنْفَرِجُ الَّذِي يُرَى مَا تَحْتَهُ مِنْ الرِّجْلِ أَوْ يَكُونُ مُنْضَمًّا لَكِنْ يَنْفَرِجُ عِنْدَ الْمَشْيِ أَوْ يَظْهَرُ الْقَدَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْوَضْعِ بِأَنْ كَانَ الْخَرْقُ عَرْضًا، وَإِنْ كَانَ طُولًا يَدْخُلُ فِيهِ ثَلَاثُ أَصَابِعَ وَأَكْثَرُ لَكِنْ لَا يُرَى شَيْئًا مِنْ الْقَدَمِ وَلَا يَنْفَرِجُ عِنْدَ الْمَشْيِ لِصَلَابَتِهِ لَا يَمْنَعُ الْمَسْحَ وَلَوْ انْكَشَفَتْ الظِّهَارَةُ وَفِي دَاخِلِهَا بِطَانَةٌ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خِرْقَةٍ مَخْرُوزَةٍ بِالْخُفِّ لَا يَمْنَعُ وَالْخَرْقُ أَعْلَى الْكَعْبِ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِلُبْسِهِ وَالْخَرْقُ فِي الْكَعْبِ وَمَا تَحْتَهُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْمَنْعِ وَلَوْ كَانَ الْخَرْقُ تَحْتَ الْقَدَمِ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ الْقَدَمِ مَنَعَهُ كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ وَذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْغَايَةِ بِلَفْظِ قِيلَ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ مَوَاضِعَ الْأَصَابِعِ يُعْتَبَرُ بِأَكْثَرِهَا فَكَذَا الْقَدَمُ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ هَذَا التَّعْلِيلُ لَزِمَ أَنْ لَا يَعْتَبِرَ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ أَصْغَرُهَا إلَّا إذَا كَانَ عِنْدَ أَصْغَرِهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ حِينَئِذٍ ــ [منحة الخالق] [مَا يَمْنَع الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ] (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ الثَّانِي) قَالَ فِي النَّهْرِ تَقْدِيمُ الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرُهُ لِلْأَوَّلِ يُفِيدُ أَنَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ وَيُرَادُ بِالْغَيْرِ مَنْ لَهُ أَصَابِعُ تُنَاسِبُ قَدَمَهُ صَغُرَ أَوْ كَبُرَ إلَّا مُطْلَقَهُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْمَوْجُودِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ عَلَى هَذَا لَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ حَتَّى يَكُونَ الْمُعَوَّلُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلِقَائِلٍ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصَابِعَ اُعْتُبِرَتْ عُضْوًا عَلَى حِدَةٍ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الدِّيَةِ بِقَطْعِهِمَا، وَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ تَكُونَ تَبَعًا لِلْقَدَمِ لَكِنْ لِاعْتِبَارِهَا عَلَى حِدَةٍ اعْتَبَرُوا فِيهَا الثَّلَاثَ وَاعْتِبَارُ ذَلِكَ فِي الْعَقِبِ عَلَى الْأَصْلِ وَلَيْسَ فِي غَيْرِهَا هَذَا الْمَعْنَى اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنَّمَا اُعْتُبِرَ خُرُوجُ أَكْثَرِ الْأَصَابِعِ؛ لِأَنَّهُمْ اعْتَبَرُوهَا عُضْوًا عَلَى حِدَةٍ وَاعْتَبَرُوا خُرُوجَ أَكْثَرِ الْقَدَمِ؛ لِأَنَّ الْأَصَابِعَ فِي الْأَصْلِ تَابِعَةٌ لَهُ فَاعْتَبَرُوا أَكْثَرَهُ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْقَدَمِ فَيُعْتَبَرُ بِالْأَصَابِعِ إذْ لَيْسَتْ تَابِعَةً لَهُ كَمَا فِي الْقَدَمِ فَانْدَفَعَ اللُّزُومُ أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى عَلَيْك عَدَمُ صِحَّةِ هَذَا الْمَنْعِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُحَقَّقَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ذُكِرَ أَوَّلًا أَنَّ الْخَرْقَ فِي الْعَقِبِ يَمْنَعُ بِظُهُورِ أَكْثَرِهِ وَأَنَّ اعْتِبَارَ أَصْغَرِ الْأَصَابِعِ فِيمَا إذَا كَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ثُمَّ نَقَلَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَحْتَ الْقَدَمِ يُعْتَبَرُ أَكْثَرُهُ فَإِذَا اُعْتُبِرَ أَكْثَرُ الْعَقِبِ وَأَكْثَرُ الْقَدَمِ لَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ غَيْرَ جِهَةِ الْأَصَابِعِ يُعْتَبَرُ فِيهِ أَصْغَرُ الْأَصَابِعِ فَلَزِمَ أَنْ لَا تُعْتَبَرَ إلَّا إذَا كَانَ الْخَرْقُ عِنْدَهَا

стр. 184

إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِأَكْثَرِهِ اهـ. وَظَاهِرُهُ اخْتِيَارُ اعْتِبَارِ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُتُونِ كَمَا لَا يَخْفَى حَتَّى فِي الْعَقِبِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ السَّرَخْسِيِّ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ هَذَا إذَا كَانَ الْخَرْقُ فِي مُقَدَّمِ الْخُفِّ أَوْ فِي أَعْلَى الْقَدَمِ أَوْ أَسْفَلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ فِي مَوْضِعِ الْعَقِبِ إنْ كَانَ يَخْرُجُ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الْعَقِبِ جَازَ عَلَيْهِ الْمَسْحُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ لَا يَجُوزُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَمْسَحُ حَتَّى يَبْدُوَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْعَقِبِ اهـ. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَشَى فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ مِنْ مُؤَخَّرِ الْخُفِّ بِإِزَاءِ الْعَقِبِ، فَإِنْ كَانَ يَبْدُو مِنْهُ أَكْثَرُ الْعَقِبِ مُنِعَ الْمَسْحُ، وَإِلَّا فَلَا اهـ. وَفِي اعْتِبَارِ الْمُصَنِّفِ الْأَصَابِعَ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ رَدًّا لِمَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ، فَإِنَّهُمَا قَالَا وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِيمَا إذَا كَانَ يَبْدُو ثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَنَامِلِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ اهـ. وَصَحَّحَ مَا فِي الْكِتَابِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَالْمُحِيطِ وَالْأَنَامِلُ أَطْرَافُ الْأَصَابِعِ وَالْقَدَمُ مِنْ الرِّجْلِ مَا يَطَأُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنْ لَدُنْ الرُّسْغِ إلَى مَا دُونَ ذَلِكَ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَالْعَقِبُ بِكَسْرِ الْقَافِ مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ. (قَوْلُهُ: وَيَجْمَعُ فِي خُفٍّ لَا فِيهِمَا) أَيْ وَيَجْمَعُ الْخُرُوقَ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ لَا فِي خُفَّيْنِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْخَرْقُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ قَدْرَ أُصْبُعَيْنِ فِي مَوْضِعٍ أَوْ مَوْضِعَيْنِ وَفِي الْآخَرِ قَدْرُ أُصْبُعٍ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا بَعْدَ أَنْ يَقَعَ الْمِقْدَارُ الْوَاجِبُ عَلَى الْخُفِّ نَفْسِهِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصْغَرِ أَصَابِعِ الْيَدِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهُ وَعَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ الْخَرْقِ الْيَسِيرِ كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ الْخَرْقِ لَيْسَ بِمَسْحٍ عَلَى الْخُفِّ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا حُكْمًا؛ فَلِأَنَّ الْخَرْقَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا جُعِلَ عَفْوًا فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى خُفٍّ هُوَ فِيهِ لَكِنْ لَا بِحَيْثُ يَكُونُ مَا يَقَعُ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْهُ مَحْسُوبًا مِنْ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا اُعْتُبِرَ عَفْوًا فِيهِ؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ مَانِعًا مِنْ الْمَسْحِ حَرَجًا لَازِمًا لِمَا ذَكَرْنَا وَلَا حَرَجَ فِي عَدَمِ احْتِسَابِ مَا يَقَعُ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْهُ مِنْ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ لِعَدَمِ الْعُسْرِ فِي فِعْلِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَظَهَرَ أَنَّ عَدَمَ اعْتِبَارِهِ مَانِعًا مِنْ الْمَسْحِ عَلَى خُفٍّ هُوَ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ وَأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لِاحْتِسَابِ مَا يَقَعُ إلَيْهِ مِنْ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ الْمَسْحِ وَمَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَإِذْ امْتَنَعَ الْمَسْحُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِجَمْعِ الْخُرُوقِ الْمُتَفَرِّقَةِ امْتَنَعَ الْمَسْحُ عَلَى الْآخَرِ لِمَا عُرِفَ حَتَّى يَلْبَسَ مَكَانَ الْمُتَخَرِّقِ مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَهَذَا الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَقَدْ بَحَثَ الْمُحَقِّقُ كَمَالُ الدِّينِ بَحْثًا عَلَيْهِ فَقَالَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا دَاعِيَ إلَى جَمْعِ الْخُرُوقِ، وَهُوَ اعْتِبَارُهَا كَأَنَّهَا فِي مَكَان وَاحِدٍ لِمَنْعِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ فِيمَا إذَا اتَّحَدَ الْمَكَانُ حَقِيقَةً لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْخُفِّ بِامْتِنَاعِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ الْمُعْتَادَةِ بِهِ لَا لِذَاتِهِ وَلَا لِذَاتِ الِانْكِشَافِ مِنْ حَيْثُ هُوَ انْكِشَافٌ، وَإِلَّا لَوَجَبَ الْغَسْلُ فِي الْخَرْقِ الصَّغِيرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ عِنْدَ تَفَرُّقِهَا صَغِيرَةً كَقَدْرِ الْحِمَّصَةِ وَالْفُولَةِ لِإِمْكَانِ قَطْعِهَا مَعَ ذَلِكَ وَعَدَمِ وُجُوبِ غَسْلِ الْبَادِي اهـ. وَقَدْ قَوَّاهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ بِأَنَّ هَذِهِ الدِّرَايَةَ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مَذْكُورَةٍ فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ الْمَجْمَعِ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ الْخَرْقَ سَوَاءٌ كَانَ فِي خُفٍّ أَوْ خُفَّيْنِ اهـ. وَقَدْ رَأَيْت فِي التَّوْشِيحِ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَجَعَلَ الْجَمْعَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ اهـ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الدِّرَايَةَ أَوْلَى مِمَّا فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ الْخُرُوقَ الْمُتَعَدِّدَةَ فِي الْخُفِّ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ تَمْنَعُ مِنْ تَتَابُعِ الْمَشْيِ فِيهِ إذْ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْمَنْعِ الظَّاهِرِ وَمِمَّا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ الْخَرْقَ إنَّمَا مَنَعَ جَوَازَ الْمَسْحِ لِظُهُورِ مِقْدَارِ فَرْضِ الْمَسْحِ فَإِذَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فِي الْخُفَّيْنِ لَمْ يَظْهَرْ مِقْدَارُ فَرْضِ الْمَسْحِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنَّ ظُهُورَ مِقْدَارِ فَرْضِ الْمَسْحِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ فِي الْمَنْعِ بَعْدَ إمْكَانِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ بِهِ وَتَتَابُعُ الْمَشْيِ فِيهِ وَبَقَاءُ شَيْءٍ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ يَقَعُ فِيهِ مِقْدَارُ الْوَاجِبِ مِنْ الْمَسْحِ فَكَانَ الظَّاهِرُ مَا بَحَثَهُ الْمُحَقِّقُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَقَلُّ الْخَرْقِ الَّذِي يُجْمَعُ ــ [منحة الخالق] ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ حِينَئِذٍ اُعْتُبِرَ بِأَكْثَرِهِ وَاَلَّذِي حَمَلَ صَاحِبَ النَّهْرِ عَلَى مَا قَالَ اشْتِبَاهُ الْعَقِبِ بِالْقَدَمِ وَظَنُّهُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعَقِبِ كَمَا يَتَّضِحُ لِمَنْ رَاجَعَ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ: رَدٌّ لِمَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ إلَخْ) أَيْ مِنْ الْمَنْعِ بِظُهُورِ الْأَنَامِلِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَفِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ رَكَاكَةٌ وَالْمُرَادُ مَا ذَكَرْنَا. (قَوْلُهُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الدِّرَايَةَ أَوْلَى مِمَّا فِي الْمُحِيطِ) قَالَ فِي النَّهْرِ إطْبَاقُ عَامَّةِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ عَلَى الْجَمْعِ مُؤْذِنٌ بِتَرْجِيحِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْخَرْقَ مَانِعٌ مُطْلَقًا إذْ الْمَاسِحُ عَلَيْهِ لَيْسَ مَاسِحًا عَلَى الْخُفِّ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْخِفَافُ قَدْ لَا تَخْلُو عَنْ خَرْقٍ لَا سِيَّمَا خِفَافُ الْفُقَرَاءِ قُلْنَا إنَّ الصَّغِيرَ عَفْوٌ وَجَمَعْنَاهُ فِي وَاحِدٍ لِعَدَمِ الْحَرَجِ بِخِلَافِ الِاثْنَيْنِ

стр. 185

مَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمِسَلَّةُ وَأَمَّا مَا دُونَهُ فَلَا يُعْتَبَرُ إلْحَاقًا بِمَوَاضِعِ الْخَرْزِ ذَكَرَهُ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ وَالِانْكِشَافِ) أَيْ بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ حَيْثُ تُجْمَعُ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي خُفَّيْهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ مَكَان أَوْ فِي الْمَجْمُوعِ وَبِخِلَافِ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ الْمُتَفَرِّقِ كَانْكِشَافِ شَيْءٍ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَشَيْءٍ مِنْ ظَهْرِهَا وَشَيْءٍ مِنْ فَخِذِهَا وَشَيْءٍ مِنْ سَاقِهَا حَيْثُ يُجْمَعُ لِمَنْعِ جَوَازِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ فِي الْعَوْرَةِ انْكِشَافُ الْقَدْرِ الْمَانِعِ وَفِي النَّجَاسَةِ هُوَ كَوْنُهُ حَامِلًا لِذَلِكَ الْقَدْرِ الْمَانِعِ وَقَدْ وُجِدَ فِيهِمَا، وَأَمَّا الْخُرُوقُ فِي الْخُفِّ، فَإِنَّمَا مُنِعَ لِامْتِنَاعِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ مَعَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي كُلِّ خُفٍّ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ إلَيْهِ أَشَارَ فِي الْهِدَايَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ كَيْفِيَّةُ الْجَمْعِ وَمَا فِيهِ هَذَا وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَوْ كَانَتْ فِي ثَوْبِ الْمُصَلِّي أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَتَحْتَ قَدَمَيْهِ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَلَكِنْ لَوْ جُمِعَ بَلَغَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا يُجْمَعُ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ وَفِي الْخُلَاصَةِ أَيْضًا وَالْخَرْقُ فِي أُذْنَيْ الْأُضْحِيَّةِ هَلْ يُجْمَعُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَأَعْلَامُ الثَّوْبِ تُجْمَعُ اهـ. يَعْنِي: إذَا كَانَ فِي الثَّوْبِ أَعْلَامٌ مِنْ الْحَرِيرِ، وَكَانَتْ إذَا جُمِعَتْ بَلَغَتْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، فَإِنَّهَا تُجْمَعُ وَلَا يَجُوزُ لُبْسُهُ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: وَيَنْقُضُهُ نَاقِضُ الْوُضُوءِ) أَيْ وَيَنْقُضُ الْمَسْحَ كُلُّ شَيْءٍ نَقَضَ الْوُضُوءَ حَقِيقِيًّا أَوْ حُكْمِيًّا؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ بَعْضُ الْوُضُوءِ فَمَا نَقَضَ الْكُلَّ نَقَضَ الْبَعْضَ وَعَلَّلَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ بِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ فَيَنْقُضُهُ نَاقِضُ أَصْلِهِ كَالتَّيَمُّمِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ لَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَالْمَسْحُ يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ بَلْ التَّحْقِيقُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ وَالْمَسْحَ خَلَفٌ (قَوْلُهُ: وَنَزْعُ خُفٍّ) أَيْ وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا نَزْعُ خُفٍّ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ سَرَى إلَى الْقَدَمَيْنِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ الرَّأْسَ ثُمَّ حَلَقَ الشَّعْرَ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ مِنْ الرَّأْسِ خِلْقَةً فَالْمَسْحُ عَلَيْهِ مَسْحٌ عَلَى الرَّأْسِ كَمَا لَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ ثُمَّ حَكَّهُ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ: وَمُضِيُّ الْمُدَّةِ) أَيْ وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا مُضِيُّ الْمُدَّةِ لِلْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّأْقِيتِ وَاعْلَمْ أَنَّ نَزْعَ الْخُفِّ وَمُضِيَّ الْمُدَّةِ غَيْرُ نَاقِضٍ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا النَّاقِضُ لَهُ الْحَدَثُ السَّابِقُ لَكِنَّ الْحَدَثَ يَظْهَرُ عِنْدَ وُجُودِهِمَا فَأُضِيفَ النَّقْضُ إلَيْهِمَا مَجَازًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّيَمُّمِ، فَإِنْ قِيلَ لَا حَدَثَ لِيَسْرِيَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ حَلَّ بِالْخُفِّ ثُمَّ زَالَ بِالْمَسْحِ فَلَا يَعُودُ إلَّا بِسَبَبِهِ مِنْ الْخَارِجِ النَّجَسِ وَنَحْوِهِ قُلْنَا جَازَ أَنْ يَعْتَبِرَ الشَّرْعُ ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ بِمَسْحِ الْخُفِّ مُقَيَّدًا بِمُدَّةِ مَنْعِهِ ثُمَّ عَلِمْنَا وُقُوعَ مِثْلِهِ فِي التَّيَمُّمِ حَيْثُ اُعْتُبِرَ فِي ارْتِفَاعِهِ بِاسْتِعْمَالِهِ الصَّعِيدَ تَقْيِيدَهُ بِمُدَّةِ اعْتِبَارِهِ عَامِلًا أَعْنِي مُدَّةَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ وَيُنَاسِبُ ذَلِكَ لِوَصْفِ الْبَدَلِيَّةِ، وَهُوَ فِي الْمَسْحِ ثَابِتٌ بَلْ هُوَ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَإِنَّ الْمَسْحَ، وَإِنْ كَانَ بِالْمَاءِ لَكِنَّهُ يَدُلُّ عَنْ وَظِيفَةِ الْغَسْلِ وَالْخُفِّ عَنْ الرِّجْلِ فَوَجَبَ تَقْيِيدُ الِارْتِفَاعِ فِيهِ بِمُدَّةٍ اعْتِبَارُهُ بَدَلًا يُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ الْأَصْلُ كَمَا تَقَيَّدَ فِي التَّيَمُّمِ بِمُدَّةِ كَوْنِهِ بَدَلًا يُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ الْأَصْلُ مَعَ أَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ الِاحْتِيَاطِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَخَفْ ذَهَابَ رِجْلِهِ مِنْ الْبَرْدِ) أَيْ يَنْقُضُهُ مُضِيُّ الْمُدَّةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخَافَ عَلَى رِجْلِهِ الْعَطَبَ بِالنَّزْعِ وَمَفْهُومٌ أَنَّهُ إذَا خَافَ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ بِمُدَّةٍ إلَى أَنْ يَزُولَ هَذَا الْخَوْفُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ عِنْدَ الْخَوْفِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ خَوْفَ الْبَرْدِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي مَنْعِ السِّرَايَةِ كَمَا أَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ لَا يَمْنَعُهَا فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَا يَنْزِعُ لَكِنْ لَا يَمْسَحُ بَلْ يَتَيَمَّمُ لِخَوْفِ الْبَرْدِ وَعَنْ هَذَا نَقَلَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ تَأْوِيلَ الْمَسْحِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ مَسْحُ جَبِيرَةٍ لَا كَمَسْحِ الْخُفِّ فَعَلَى هَذَا يَسْتَوْعِبُ الْخُفَّ عَلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى أَوْ أَكْثَرُهُ، وَهُوَ غَيْرُ الْمَفْهُومِ مِنْ اللَّفْظِ الْمُؤَوَّلِ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يُتِمُّ إذَا كَانَ مُسَمَّى الْجَبِيرَةِ يَصْدُقُ عَلَى سَاتِرٍ لَيْسَ تَحْتَهُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ) قَالَ فِي الْمِنَحِ قُلْت يَنْبَغِي تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِالْجَمْعِ احْتِيَاطًا فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ. [مَا يَنْقُضُ الْمَسْحَ عَلَيَّ الْخُفَّيْنِ] (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ) سَيَأْتِي قَرِيبًا تَقْرِيرُهُ لِخِلَافِهِ وَكَذَا يَأْتِي مَا يُخَالِفُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ بَانِيًا عَلَيْهِ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ (قَوْلُهُ: حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْمَسْحِ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ إعَادَةُ الشَّعْرِ وَالصَّوَابُ الْمَسْحُ (قَوْلُهُ: لِوَصْفِ الْبَدَلِيَّةِ) مُنَافٍ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ (قَوْلُهُ: وَهُوَ غَيْرُ الْمَفْهُومِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ

стр. 186

مَحَلُّ وَجَعٍ بَلْ عُضْوٌ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّهُ يَخَافُ مِنْ كَشْفِهِ حُدُوثُ الْمَرَضِ لِلْبَرْدِ وَيَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ كُلِّيَّةِ مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ لِخَوْفِ الْبَرْدِ عَلَى عُضْوٍ أَوْ اسْوِدَادِهِ وَيَقْتَضِي أَيْضًا عَلَى ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازَ تَرْكِهِ رَأْسًا، وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفِيدُهُ إعْطَاؤُهُمْ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ اهـ. وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَلَوْ مَضَتْ، وَهُوَ يَخَافُ الْبَرْدَ عَلَى رِجْلِهِ بِالنَّزْعِ يَسْتَوْعِبُ بِالْمَسْحِ كَالْجَبَائِرِ اهـ فَأَفَادَ الِاسْتِيعَابَ وَأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْجَبَائِرِ لَا جَبِيرَةً حَقِيقَةً وَأَمَّا كُلِّيَّةُ مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ فَمَخْصُوصَةٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَبِيرَةٌ أَوْ مَا هُوَ مُلْحَقٌ بِهَا، وَأَمَّا جَوَازُ تَرْكِهِ رَأْسًا فَالْمُفْتَى بِهِ عَدَمُهُ فِي الْجَبِيرَةِ كَمَا سَيَأْتِي فَكَذَا فِي الْمُلْحَقِ بِهَا وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ لَوْ تَمَّتْ الْمُدَّةُ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا مَاءَ يَمْضِي عَلَى الْأَصَحِّ فِي صَلَاتِهِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي النَّزْعِ؛ لِأَنَّهُ لِلْغَسْلِ وَلَا مَاءَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ الْمَشَايِخِ تَفْسُدُ اهـ. وَفِي التَّبْيِينِ الْقَوْلُ بِالْفَسَادِ أَشْبَهُ لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ لَا يَمْنَعُ السِّرَايَةَ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لَهُ وَيُصَلِّي كَمَا لَوْ بَقِيَ مِنْ أَعْضَائِهِ لُمْعَةٌ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً يَغْسِلُهَا بِهِ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ فَكَذَا هَذَا اهـ. وَتَبِعَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: وَبَعْدَهُمَا غَسْلُ رِجْلَيْهِ فَقَطْ) أَيْ بَعْدَ النَّزْعِ وَمُضِيِّ الْمُدَّةِ غَسْلُ رِجْلَيْهِ فَقَطْ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ إذَا كَانَ عَلَى وُضُوءٍ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ هُوَ الَّذِي حَلَّ بِقَدَمِهِ وَقَدْ غَسَلَ بَعْدَهُ سَائِرَ الْأَعْضَاءِ وَبَقِيَتْ الْقَدَمَانِ فَقَطْ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا غَسْلُهُمَا وَلَا مَعْنَى لِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ الْفَائِتَ الْمُوَالَاةُ، وَهِيَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْوُضُوءِ عِنْدَنَا وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمَاسِحَ عَلَى الْخُفِّ إذَا أَحْدَثَ فَانْصَرَفَ لِيَتَوَضَّأَ فَانْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ: وَخُرُوجُ أَكْثَرِ الْقَدَمِ نَزْعٌ) ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْهُ بِخُرُوجِ نِصْفِهِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ الْبَاقِي قَدْرَ مَحَلِّ الْفَرْضِ أَعْنِي ثَلَاثَةَ أَصَابِعِ الْيَدِ طُولًا لَا يَنْتَقِضُ، وَإِلَّا اُنْتُقِضَ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ كَذَا فِي الْكَافِي وَالْمِعْرَاجِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي النِّصَابِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ خَرَجَ أَكْثَرُ الْعَقِبِ يَعْنِي إذَا أَخْرَجَهُ قَاصِدًا إخْرَاجَ الرِّجْلِ بَطَلَ الْمَسْحُ حَتَّى لَوْ بَدَا لَهُ إعَادَتُهَا فَأَعَادَهَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ وَكَذَا لَوْ كَانَ أَعْرَجَ يَمْشِي عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ وَقَدْ ارْتَفَعَ عَقِبُهُ عَنْ مَوْضِعِ عَقِبِ الْخُفِّ إلَى السَّاقِ لَا يَمْسَحُ أَمَّا لَوْ كَانَ الْخُفُّ وَاسِعًا يَرْتَفِعُ الْعَقِبُ بِرَفْعِ الرِّجْلِ إلَى السَّاقِ وَيَعُودُ بِوَضْعِهَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَيَّدَهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّهُ يَبْقَى فِيهِ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَفِي الْبَدَائِعِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: فَأَفَادَ الِاسْتِيعَابَ وَأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْجَبَائِرِ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ صَاحِبِ الْفَتْحِ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ إلَخْ وَقَوْلُهُ وَإِمَّا كُلِّيَّةً إلَخْ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَيَسْتَلْزِمُ إلَخْ وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا جَوَازُ تَرْكِهِ رَأْسًا إلَخْ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَيَقْتَضِي إلَخْ قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ مِنْ التَّكَلُّفِ. اهـ. (وَأَجَابَ) بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ مَسْأَلَةِ كُلِّيَّةِ التَّيَمُّمِ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ التَّيَمُّمِ لِخَوْفِ الْبَرْدِ مُقَيَّدَةٌ بِالْجُنُبِ، وَأَمَّا الْمُحْدِثُ الْخَائِفُ مِنْ الْبَرْدِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ خَوْفِ الْبَرْدِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا فَهِيَ فِي الْمُحْدِثِ إذْ الْجُنُبُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَفِي التَّبْيِينِ الْقَوْلُ بِالْفَسَادِ أَشْبَهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الْقَوْلُ بِالْفَسَادِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا حَظَّ لِلرِّجْلَيْنِ فِيهِ بَلْ هُوَ طَهَارَةٌ لِجَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَحَلُّهُ عُضْوَيْنِ كَمَا أَنَّ الْوُضُوءَ طَهَارَةٌ لِجَمِيعِهَا، وَإِنْ كَانَ مَحَلُّهُ أَرْبَعَةَ أَعْضَاءٍ وَكَذَا لَوْ خَافَ إنْ نَزَعَهُمَا ذَهَابُ رِجْلَيْهِ مِنْ الْبَرْدِ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ، وَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الشَّرْحِ اهـ. أَيْ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لَهَا وَأَقُولُ: ظَاهِرُ الْمُتُونِ كَالْكَنْزِ وَالْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمَا الْمَسْحُ لَا التَّيَمُّمُ فِي مَسْأَلَةِ خَوْفِ ذَهَابِ رِجْلَيْهِ وَلَيْسَ التَّرْجِيحُ بِالْهَيِّنِ فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ وَازْدَدْ نَقْلًا فِي كَلَامِهِمْ يَظْهَرُ لَك الرَّاجِحُ مِنْ الْمَرْجُوحِ اهـ كَلَامُ الرَّمْلِيِّ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ نَعَمْ ظَاهِرُ الْمُتُونِ الْمَسْحُ لَكِنْ يُرَادُ بِالْمَسْحِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى جَمِيعِهِ كَالْجَبِيرَةِ وَلَا يَتَوَقَّتُ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ فِي غَيْرِ كِتَابٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ قَالَ فِي الْمُجْتَبَى، فَإِنْ مَضَتْ، وَهُوَ يَخَافُ الْبَرْدَ عَلَى رِجْلَيْهِ بِالنَّزْعِ يَسْتَوْعِبُ الْمَسْحَ كَالْجَبَائِرِ وَيُصَلِّي وَكَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَالْإِيضَاحِ وَالْحَاوِي وَمُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ اهـ. قُلْت وَكَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَإِمْدَادِ الْفَتَّاحِ وَشَرْحَيْ الْعَلَّامَةِ الْحَصْكَفِيِّ عَلَى الْمُلْتَقَى وَالتَّنْوِيرِ فَعُلِمَ بِهَذِهِ النُّقُولِ أَنَّ الرَّاجِحَ الْمَسْحُ لَا التَّيَمُّمُ وَنَقَلَهُ فِي السِّرَاجِ عَنْ الْمُشْكِلِ وَمُنْلَا خُسْرو وَعَنْ الْكَافِي وَعُيُونِ الْمَذَاهِبِ وَالْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَفِي الْفَتْحِ عَنْ جَوَامِعِ الْفِقْهِ وَالْمُحِيطِ وَلَمْ يَذْكُرُوا التَّيَمُّمَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْفَائِتَ الْمُوَالَاةُ، وَهِيَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْوُضُوءِ) قَالَ بَعْضُ مُحَشِّي صَدْرِ الشَّرِيعَةِ. اعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَنَّ غَسْلُ الْبَاقِي أَيْضًا مُرَاعَاةً لِلسُّنَّةِ أَعْنِي الْوَلَاءَ وَلَكِنَّ عِبَارَتَهُ لَا تُفِيدُ ذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى فَتَدَبَّرْ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ كَمَا هُوَ عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ يُشِيرُ إلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ ثَانِيًا بِقَوْلِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا غَسْلُهُمَا، وَهُوَ صَادِقٌ بِسُنِّيَّةِ غَسْلِ الْبَاقِي مُرَاعَاةً لِسُنِّيَّةِ الْمُوَالَاةِ بِاسْتِحْبَابِهِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَالِكٍ تَأَمَّلْ

стр. 187

وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: يَسْتَمْشِي، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْمَشْيُ الْمُعْتَادُ يَبْقَى الْمَسْحُ، وَإِلَّا يَنْتَقِضُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ اعْتِبَارُ أَكْثَرِ الْقَدَمِ وَلَا بَأْسَ بِالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ لُبْسِ الْخُفِّ هُوَ الْمَشْيُ فَإِذَا تَعَذَّرَ الْمَشْيُ عُدِمَ اللُّبْسُ فِيمَا قُصِدَ لَهُ؛ وَلِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ. اهـ. وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِتَرْجِيحِ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ بِهِ جَدِيرٌ، فَإِنَّ الْحُكْمَ إذَا كَانَ دَائِرًا مَعَ الْأَصْلِ وُجُودًا وَعَدَمًا كَانَ الِاعْتِبَارُ لَهُ وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أَنَّ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ صَحِيحٌ مُتَّجَهٌ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْعَقِبِ أَوْ أَكْثَرِهَا فِي السَّاقِ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ مِقْدَارُ مَا يَقْطَعُ بِهِ الْمَسَافَةَ بِوَاسِطَةِ مَا فِيهِ مِنْ الدَّوْسِ عَلَى نَفْسِ السَّاقِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ بِنَزْعِ أَحَدِهِمَا يَجِبُ نَزْعُ الْآخَرِ لِئَلَّا يَكُونَ جِمَاعًا بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْخَلَفِ كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَهَلْ يَنْتَقِضُ أَيْضًا بِغَسْلِ الرِّجْلِ أَوْ أَكْثَرِهَا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِغَسْلِ الْأَكْثَرِ وَذَكَرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ الْمَسْحُ بِغَسْلِ الرِّجْلِ أَصْلًا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. اهـ. وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْبَحْثِ فَارْجِعْ إلَيْهِ وَإِلَى هُنَا صَارَ نَوَاقِضُ الْمَسْحِ أَرْبَعَةً وَزَادَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ خَامِسًا، وَهُوَ خُرُوجُ الْوَقْتِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْعُذْرِ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَسَحَ مُقِيمٌ فَسَافَرَ قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَسَحَ ثَلَاثًا) سَوَاءٌ سَافَرَ قَبْلَ انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ أَوْ بَعْدَهَا قَبْلَ كَمَالِ مُدَّةِ الْمُقِيمِ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مُدَّتَهُ تَتَحَوَّلُ إلَى مُدَّةِ الْمُسَافِرِ فِي الْأَوَّلِ وَفِي الثَّانِي خِلَافُ الشَّافِعِيِّ لَنَا الْعَمَلُ بِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﷺ يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ الْحَدِيثُ، وَهَذَا مُسَافِرٌ فَيَمْسَحُهَا بِخِلَافِ مَا بَعْدَ كَمَالِ مُدَّةِ الْمُقِيمِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ قَدْ سَرَى إلَى الْقَدَمِ، وَإِنَّمَا يَمْسَحُ عَلَى خُفِّ رَجُلٍ لَا حَدَثَ فِيهَا إجْمَاعًا. وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ ابْتَدَأَتْ حَالَةَ الْإِقَامَةِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا حَالَةُ الِابْتِدَاءِ كَصَلَاةٍ ابْتَدَأَهَا مُقِيمًا فِي سَفِينَةٍ فَسَافَرَتْ وَصَوْمٍ شَرَعَ فِيهِ مُقِيمًا فَسَافَرَ حَيْثُ يُعْتَبَرُ فِيهِ حُكْمُ الْإِقَامَةِ فَغَنِيَ عَنْ تَكَلُّفِ الْفَرْقِ لِعَدَمِ ظُهُورِ وَجْهِ الْجَمْعِ بِالْمُشْتَرَكِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْحُكْمِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَبَيَانُهُ أَنَّ أَئِمَّتَنَا لَا يَرَوْنَ الْعِبَادَةَ وَصْفًا لَازِمًا لِلْمَسْحِ بَلْ إذَا كَانَ الْوُضُوءُ مَنْوِيًّا وَالنِّيَّةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهِ عِنْدَ هُمْ؛ وَلِأَنَّ الْمَسَحَاتِ فِي الْمُدَّةِ بِمَنْزِلَةِ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ لَا بِمَنْزِلَةِ صَوْمِ الْيَوْمِ بِدَلَالَةِ أَنَّ فَسَادَ بَعْضِ الْمَسَحَاتِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْبَعْضِ الْآخَرِ كَمَا فِي صِيَامِ أَيَّامِ رَمَضَانَ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ سَافَرَ فِي أَوَاخِرِ رَمَضَانَ يَسْقُطُ عَنْهُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فِيمَا بَقِيَ مَا دَامَ مُسَافِرًا وَلَا يَمْنَعُ كَوْنُهُ مُقِيمًا فِي أَوَّلِهِ مِنْ تَرَخُّصِهِ بِتَرْكِ أَدَاءِ الصَّوْمِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَكَذَا كَوْنُ الْمَاسِحِ مُقِيمًا فِي أَوَّلِ الْمُدَّةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَرَخُّصِهِ رُخْصَةَ الْمُسَافِرِ بِالْمَسْحِ إذَا كَانَ فِي آخِرِهَا مُسَافِرًا قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ فَلَوْ أَنَّهُ لَمَّا جَاوَزَ الْعُمْرَانَ قَبْلَ مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِيهَا وَعَادَ إلَى مِصْرِهِ لِيَتَوَضَّأَ فَمَضَى يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إلَى مُصَلَّاهُ فَالْقِيَاسُ أَنْ تَفْسُدَ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَادَ إلَى مِصْرِهِ فَقَدْ صَارَ مُقِيمًا وَقَدْ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَفَسَدَتْ إلَّا أَنَّ الصَّدْرَ الشَّهِيدَ ذَكَرَ فِي الْوَاقِعَاتِ أَنَّ الْمَاسِحَ إذَا انْقَضَتْ مُدَّتُهُ، وَهُوَ فِي حَالِ انْصِرَافِهِ مَعَ الْحَدَثِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ اسْتِحْسَانًا وَلَوْ عَادَ إلَى مُصَلَّاهُ فِي مَسْأَلَتِنَا قَبْلَ مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ انْتَقَلَتْ مُدَّتُهُ إلَى السَّفَرِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ فِي هَذِهِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ) حَيْثُ قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ الْبَاقِي بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ فِيهِ كَذَلِكَ لَا يَنْتَقِضُ، وَهَذَا فِي التَّحْقِيقِ هُوَ مَرْمِيٌّ نَظَرًا لِكُلٍّ فَمَنْ نَقَضَ بِخُرُوجِ الْعَقِبِ لَيْسَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ أَنَّهُ مَعَ حُلُولِ الْعَقِبِ فِي السَّاقِ لَا يُمْكِنُهُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ وَقَطْعُ الْمَسَافَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ تَعُودُ إلَى مَحَلِّهَا عِنْدَ الْوَضْعِ وَمَنْ قَالَ الْأَكْثَرُ فَلِظَنِّهِ أَنَّ الِامْتِنَاعَ مَنُوطٌ بِهِ وَكَذَا مَنْ قَالَ يَكُونُ الْبَاقِي قَدْرَ الْفَرْضِ وَهَذِهِ الْأُمُورُ إنَّمَا تُبْنَى عَلَى الْمُشَاهَدَةِ وَيَظْهَرُ أَنَّ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَوْلَى؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْعَقِبِ فِي السَّاقِ يُعِيقُ عَنْ مُدَاوَمَةِ الْمَشْيِ دَوْسًا عَلَى السَّاقِ نَفْسِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَزَادَ فِي السِّرَاجِ خَامِسًا إلَخْ) قَالَ الْعَارِفُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ رُبَّمَا يُقَالُ خُرُوجُ الْوَقْتِ عَلَى الْمَعْذُورِ نَاقِضٌ لِوُضُوئِهِ كُلِّهِ لَا لِمَسْحِ الْخُفِّ فَقَطْ فَيَدْخُلُ ذَلِكَ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ سَافَرَ قَبْلَ انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ إلَخْ) تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْتَرَضَهُمَا فِي النَّهْرِ بِأَنَّ قَوْلَهُ مَسَحَ لَا يَشْمَلُ مَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ مَسْحِهِ سَبْقُ حَدَثٍ لِجَوَازِ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءًا عَلَى وُضُوءٍ وَيَمْسَحُ فِي الثَّانِي قُلْت هَذَا مَعَ بُعْدِهِ مُفَوِّتٌ لِتَقْيِيدِ مَحَلِّ الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْقُدُورِيِّ وَمَنْ ابْتَدَأَ مُدَّةَ الْمَسْحِ فَسَافَرَ يَدْفَعُ هَذَا لِمَا أَنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ. (قَوْلُهُ: وَفِي الثَّانِي خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قُلْت خِلَافُ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا سَافَرَ بَعْدَ الْحَدَثِ وَالْمَسْحُ قَبْلَ كَمَالِ مُدَّةِ الْمُقِيمِ، وَأَمَّا إذَا سَافَرَ بَعْدَ الْحَدَثِ وَمَسَحَ فِي السَّفَرِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَ خُرُوجِهِ فِي الصَّحِيحِ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ مِنْ حِينِ أَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالْعِبَادَةِ فِي السَّفَرِ فَثَبَتَ لَهُ رُخْصَةُ السَّفَرِ كَذَا فِي الْمُهَذَّبِ وَشَرْحِهِ لِلنَّوَوِيِّ اهـ. قُلْت: وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ لِلْقَاضِي زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيِّ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ أَيْضًا مِنْ تَقْيِيدِ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ مَسْحَ مُقِيمٍ فَسَافَرَ قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.

стр. 188

الصَّلَاةِ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ عَجِيبَةٌ، وَهُوَ أَنَّهُ مُسَافِرٌ فِي حَقِّ الْمَسْحِ مُقِيمٌ فِي حَقِّ إتْمَامِ الصَّلَاةِ كَذَا فِي إيضَاحِ الصَّيْرَفِيِّ. اهـ. وَقَدْ عَلِمْت فِيمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الصَّحِيحَ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ وَمَسْأَلَةُ الْإِتْمَامِ الْمَذْكُورَةِ مَذْكُورَةٌ فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ بَابِ الْمُسَافِرِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَقَامَ الْمُسَافِرُ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ نَزَعَ، وَإِلَّا يُتِمَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً) ؛ لِأَنَّ رُخْصَةَ السَّفَرِ لَا تَبْقَى بِدُونِهِ وَالشَّافِعِيُّ يُوَافِقُنَا فِي هَذِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَصَحَّ عَلَى الْجُرْمُوقِ) أَيْ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ شَرَعَ فِي الْجُرْمُوقِ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِمَا فَنَقُولُ ذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ ثُمَّ الْخُفُّ الَّذِي يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ مَا يَكُونُ صَالِحًا لِقَطْعِ الْمَسَافَةِ وَالْمَشْيِ الْمُتَتَابِعِ عَادَةً وَيَسْتُرُ الْكَعْبَيْنِ وَمَا تَحْتَهُمَا وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الَّذِي يَكُونُ مِنْ اللِّبْدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَعَّلًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ بِهِ وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى الْخِفَافِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ اللُّبُودِ التُّرْكِيَّةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ حَتَّى يَكُونَ الْأَدِيمُ عَلَى أَصَابِعِ الرِّجْلِ وَظَاهِرُ الْقَدَمَيْنِ اهـ. فَلَوْ اتَّخَذَ خُفًّا مِنْ زُجَاجٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ حَدِيدٍ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ بِغَيْرِ عَصَا، وَأَمَّا الْجُرْمُوقُ فَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ مَا يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ وَسَاقُهُ أَقْصَرُ مِنْ الْخُفِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْخُفَّ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ فَلَوْ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ لَصَارَ بَدَلًا عَنْ الْخُفِّ وَالْخُفُّ لَا بَدَلَ لَهُ وَلَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْمُوقَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ وَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْخُفِّ اسْتِعْمَالًا مِنْ حَيْثُ الْمَشْيُ وَالْقِيَامُ وَالْقُعُودُ وَغَرَضًا، فَإِنَّ الْخُفَّ وِقَايَةٌ لِلرِّجْلِ فَكَذَا الْجُرْمُوقُ وِقَايَةٌ لِلْخُفِّ تَبَعًا لَهُ وَكِلَاهُمَا تَبَعٌ لِلرِّجْلِ فَصَارَ كَخُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ، وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ لَا عَنْ الْخُفِّ لَا يُقَالُ كَيْفَ بَطَلَ الْمَسْحُ بِنَزْعِ الْجُرْمُوقِ وَلَمْ يَبْطُلْ بِنَزْعِ أَحَدِ طَاقَيْ الْخُفِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِالْمَسْحِ ظَهَرَتْ أَصَالَةُ الْجُرْمُوقِ فَصَارَ نَزْعُهُ كَنَزْعِ الْخُفِّ بِخِلَافِ نَزْعِ أَحَدِ طَاقَيْ فِي الْخُفِّ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْخُفِّ لَمْ يَأْخُذْ الْأَصَالَةَ أَصْلًا كَمَا إذَا غَسَلَ رِجْلَهُ ثُمَّ أَزَالَ جِلْدَهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غَسْلُهَا ثَانِيًا وَلَا يُقَالُ أَيْضًا لَوْ كَانَ بَدَلًا عَنْ الرِّجْلِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ بِنَزْعِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْخُفُّ لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِلْمَسْحِ حَالَ قِيَامِ الْجُرْمُوقِ فَإِذَا زَالَ صَارَ مَحَلًّا لِلْمَسْحِ وَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّ الْجُرْمُوقَ هُوَ الْخُفُّ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ كَالْجَوْهَرِيِّ وَالْمُطَرِّزِيِّ، فَإِنَّهُمَا قَالَا إنَّ الْجُرْمُوقَ وَالْمُوقَ يُلْبَسَانِ فَوْقَ الْخُفِّ فَعُلِمَ أَنَّهُمَا غَيْرُ الْخُفِّ وَقَوْلُهُمْ إنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَيْهِ مَمْنُوعٌ وَمُنَاقِضٌ لِمَذْهَبِهِمْ فِي الْخُفِّ مِنْ الزُّجَاجِ أَوْ الْحَدِيدِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ ــ [منحة الخالق] [الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ] (قَوْلُهُ: مَا يَكُونُ صَالِحًا لِقَطْعِ الْمَسَافَةِ وَالْمَشْيِ الْمُتَتَابِعِ عَادَةً) أَقُولُ: لِيُنْظَرَ مَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ هَلْ الْمُعْتَبَرُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ بِالْخُفِّ نَفْسِهِ أَيْ بِأَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِذَلِكَ بِدُونِ لُبْسِهِ فِي الْمُكَعَّبِ أَوْ مَا هُوَ الْمُعْتَادُ لَنَا مِنْ لُبْسِهِ فِي الْمُكَعَّبِ تَوَقَّفْنَا مِنْ قَدِيمٍ فِي ذَلِكَ وَلَمْ نَجِدْ فِيهِ نَقْلًا مَعَ التَّفْتِيشِ وَالتَّنْقِيرِ لَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا الَّذِي يَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي تَعَالِيلِهِمْ وَأَدِلَّتِهِمْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا يَصْلُحُ لِقَطْعِ الْمَسَافَةِ فِيهِ نَفْسُهُ فَعَلَى هَذَا فَالْوَاجِبُ عَلَى الشَّخْصِ أَنْ يَتَفَقَّدَ خُفَّهُ، فَإِنَّهُ قَدْ يَرِقُّ أَسْفَلُهُ وَيَمْشِي عَلَيْهِ بِالْمُكَعَّبِ أَيَّامًا كَثِيرَةً وَلَا يُنْقَبُ وَلَوْ فَرَضَ أَنَّهُ لَوْ مَشَى بِهِ وَحْدَهُ يَتَخَرَّقُ فِي دُونِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ، فَإِنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ يَمْسَحُونَ حَتَّى يَتَخَرَّقَ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مَعَ أَنَّهُ قَبْلَ هَذَا قَدْ لَا يُمْكِنُ الْمَشْيُ عَلَيْهِ فِي الْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ فَعَلَى الشَّخْصِ أَنْ يَعْتَبِرَ ذَلِكَ قَبْلَ الْخَرْقِ وَبَعْدَهُ لِئَلَّا يُصَلِّيَ بِلَا طَهَارَةٍ فَلْيُحْفَظْ. (قَوْلُهُ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ عَلَى الْخُفِّ الْمُتَّخَذِ مِنْ اللُّبُودِ التُّرْكِيَّةِ وَتَمَامُ عِبَارَةِ الْخُلَاصَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ وَيَمْسَحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ فَوْقَ الْخُفِّ عِنْدَنَا، فَإِنْ لَبِسَهُمَا وَحْدَهُ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا وَلَا يَجُوزُ اهـ. وَقَوْلُهُ: فَإِنْ لَبِسَهُمَا أَيْ الْخُفَّيْنِ الْمُتَّخَذَيْنِ مِنْ اللُّبُودِ التُّرْكِيَّةِ وَعَلَيْك أَنْ تَتَأَمَّلَ فِي عِبَارَةِ الْخُلَاصَةِ اهـ. أَقُولُ: فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ سَقْطٌ أَوْ إيجَازُ مَحَلٍّ، فَإِنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخِفَافِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ اللُّبُودِ التُّرْكِيَّةِ جَائِزٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُنْيَةِ مُعَلِّلًا بِإِمْكَانِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ بِهَا قَالَ شَارِحُهَا الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ حَتَّى قَالُوا لَوْ شَاهَدَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ صَلَابَتَهَا لَأَفْتَى بِالْجَوَازِ لِشِدَّةِ دَلْكِهَا وَتَدَاخُلِ أَجْزَائِهَا بِذَلِكَ حَتَّى صَارَتْ كَالْجِلْدِ الْغَلِيظِ وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ اهـ. فَقَوْلُ الْخُلَاصَةِ عَلَى الصَّحِيحِ إشَارَةٌ إلَى خِلَافِ الْإِمَامِ فِي اشْتِرَاطِ النَّعْلِ وَقَوْلُ الْحَلَبِيِّ وَأَجْمَعُوا إلَخْ بِنَاءً عَلَى رُجُوعِهِ إلَى قَوْلِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي وَحِينَئِذٍ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْأَدِيمُ عَلَى أَصَابِعِ الرِّجْلِ وَظَاهِرِ الْقَدَمِ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَ الْخُلَاصَةِ، فَإِنْ لَبِسَهُمَا أَيْ الْجُرْمُوقَيْنِ لَا كَمَا قَالَ الرَّمْلِيُّ وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ حَتَّى يَكُونَ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهَا لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا كَمَا يَظْهَرُ مِنْ مُرَاجَعَةِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ فَالصَّوَابُ حَذْفُ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إلَخْ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا قَبْلَهُ. (قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ إلَخْ) قَالَ فِي السِّرَاجِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ إنَّمَا يَجُوزُ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَتَخَلَّلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخُفِّ حَدَثٌ

стр. 189

أَنْ لَا يُحْدِثَ قَبْلَ لُبْسِهِمَا حَتَّى لَوْ لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ لُبْسِ الْجُرْمُوقِ ثُمَّ لَبِسَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ لَبِسَهُ قَبْلَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَدَثِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ لِحُلُولِ الْحَدَثِ بِهِ فَلَا يُزَالُ بِمَسْحِ غَيْرِهِ وَكَذَا لَوْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ قَبْلَ الْحَدَثِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ خُفَّيْهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَدَثِ وَلَوْ نَزَعَ أَحَدَ مُوقَيْهِ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا وَجَبَ مَسْحُ الْخُفِّ الْبَادِي وَإِعَادَةُ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقِ لِانْتِقَاضِ وَظِيفَتِهِمَا كَنَزْعِ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ انْتِقَاضَ الْمَسْحِ لَا يَتَجَزَّأُ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْأَصْلِ يَنْزِعُ الْآخَرَ وَيَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ لَوْ لَبِسَ عَلَى أَحَدِهِمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْخُفِّ الْآخَرِ فَكَذَا هَذَا وَالْخُفُّ عَلَى الْخُفِّ كَالْجُرْمُوقِ عِنْدَنَا فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَكَذَا الْخُفُّ فَوْقَ اللِّفَافَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ مَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّجْلِ حَائِلٌ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ كَخُفٍّ إذَا كَانَ تَحْتَهُ خُفٌّ أَوْ لِفَافَةٌ اهـ. فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ اللِّفَافَةَ عَلَى الرِّجْلِ لَا تَمْنَعُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ فَوْقَهَا وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ الْمَلَكِ عَنْ الْكَافِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ خُفَّاهُ صَالِحَيْنِ لِلْمَسْحِ لِخَرْقِهِمَا يَجُوزُ عَلَى الْمُوقَيْنِ اتِّفَاقًا وَنَقَلَ مِنْ فَتَاوَى الشَّاذِيِّ أَنَّ مَا يُلْبَسُ مِنْ الْكِرْبَاسِ الْمُجَرَّدِ تَحْتَ الْخُفِّ يَمْنَعُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ لِكَوْنِهِ فَاصِلًا ــ [منحة الخالق] كَمَا إذَا لَبِسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ وَلَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِضَ الطَّهَارَةُ الَّتِي لَبِسَ عَلَيْهَا الْخُفَّيْنِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ، وَأَمَّا إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ أَوْ مَسَحَ عَلَيْهِمَا ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَسْحِ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَى الْخُفِّ وَكَذَا لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفِّ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفِّ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ مُدَّةِ الْمَسْحِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ وَقَدْ انْعَقَدَ ذَلِكَ فِي الْخُفِّ فَلَا يَتَحَوَّلُ عَنْهُ إلَى الْجُرْمُوقِ بَعْدَ ذَلِكَ وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي أَقُولُ: قَوْلُهُ وَأَمَّا إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ أَوْ مَسَحَ عَلَيْهِمَا إلَخْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ وَلَوْ قَبْلَ الْحَدَثِ كَمَا لَوْ جَدَّدَ الْوُضُوءَ وَمَسَحَ عَلَى خُفِّهِ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ لَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُفِيدُ أَنَّ لُبْسَ الْجُرْمُوقِ قَبْلَ الْمَسْحِ شَرْطٌ آخَرُ كَمَا أَنَّ لُبْسَهُ قَبْلَ الْحَدَثِ شَرْطٌ، وَهَذَا بَعِيدٌ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ الشُّرُوطُ ثَلَاثَةً مَعَ أَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا إنَّمَا يَجُوزُ بِشَرْطَيْنِ وَأَيْضًا، فَإِنَّ حُكْمَ الْمَسْحِ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى الْخُفِّ إلَّا بَعْدَ الْحَدَثِ أَمَّا قَبْلَهُ، فَإِنَّ وُجُودَ الْخُفِّ كَعَدَمِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَوْ فِي قَوْلِهِ أَوْ مَسَحَ عَلَيْهِمَا بِمَعْنَى الْوَاوِ إنْ لَمْ تَكُنْ الْهَمْزَةُ مِنْ زِيَادَةِ النُّسَّاخِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَكَذَا لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفِّ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفِّ فَيَكُونُ كَلَامُهُ الْأَوَّلُ فِيمَا إذَا لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ بَعْدَ الْحَدَثِ وَبَعْدَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَكَلَامُهُ الثَّانِي فِيمَا إذَا لَبِسَهُمَا بَعْدَ الْحَدَثِ وَقَبْلَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي لُبْسِ الْجُرْمُوقَيْنِ بَعْدَ الْحَدَثِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ أَوْ قَبْلَهُ فَفِي الصُّورَتَيْنِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ لِلْعِلَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَهَذَا مَا فَهِمَهُ الْمُؤَلِّفُ حَيْثُ قَالَ سَوَاءٌ لَبِسَهُ قَبْلَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُعَيِّنُ أَنَّ عَدَمَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ شَرْطٌ آخَرُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ السِّرَاجِ فَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِهِمَا ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْمَوْقَ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِلْخُفِّ اهـ. وَكَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِمُصَنَّفِهِ وَنَصُّهُ وَنُجِيزُهُ عَلَى الْمُوقَيْنِ إذَا لَبِسَ الْمُوقَيْنِ فَوْقَ الْخُفَّيْنِ وَلَمْ يَكُنْ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ حَتَّى لَبِسَهُمَا وَلَا أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنَا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ خِلَافَ الشَّافِعِيِّ وَالْجَوَابُ عَنْ دَلِيلِهِ هَذَا إذَا ابْتَدَأَ مَسْحَهُمَا أَمَّا إذَا كَانَ قَدْ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثُمَّ لَبِسَهُمَا لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا حَيْثُ ظَهَرَ التَّغَايُرُ بَيْنَهُمَا صُورَةً وَمَعْنًى اهـ. وَكَذَا قَالَ فِي مَتْنِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَمَنْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ فَوْقَ الْخُفِّ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفِّ مَسَحَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ لَا يَمْسَحُ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ اهـ. قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِهِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ أَيْضًا وَقَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ (قَوْلُهُ: وَنَقَلَ مِنْ فَتَاوَى الشَّاذِيِّ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ شَارِحُ الْمُنْيَةِ ثُمَّ تَعْلِيلُ أَئِمَّتِنَا هَاهُنَا بِأَنَّ الْجُرْمُوقَ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ إلَخْ يُعْلَمُ مِنْهُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى خُفٍّ لُبِسَ فَوْقَ مَخِيطٍ مِنْ كِرْبَاسَ أَوْ جُوخٍ أَوْ نَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الْجُرْمُوقَ إذَا كَانَ بَدَلًا عَنْ الرِّجْلِ وَجُعِلَ الْخُفُّ مَعَ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ فَلَأَنْ يَكُونَ الْخُفُّ بَدَلًا عَنْ الرِّجْلِ وَيُجْعَلُ مَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ أَوْلَى كَمَا فِي اللِّفَافَةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْإِمَامَ الْغَزَالِيَّ فِي الْوَجِيزِ وَالرَّافِعِيِّ فِي شَرْحِهِ لَهُ مَعَ الْتِزَامِهِمَا ذَكَرَ خِلَافَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْرَدَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي صُورَةِ الِاتِّفَاقِ، وَكَانَ مَشَايِخُنَا إنَّمَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ فِيمَا اُشْتُهِرَ مِنْ كُتُبِهِمْ اكْتِفَاءً بِمَا قَالُوا فِي مَسْأَلَةِ الْجُرْمُوقِ مِنْ كَوْنِهِ خَلَفًا عَنْ الرَّجُلِ كَذَا أَفَادَهُ الْمَوْلَى خُسْرو فِي الدُّرَرِ شَرْحُ الْغَرَرِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا نُقِلَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ عَنْ فَتَاوَى الشَّاذِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَقْطَعَ ذَلِكَ الْمَلْبُوسَ تَحْتَ الْخُفِّ؛ لِأَنَّهُ نُقِلَ عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ الْفِقْهِ خَارِجٌ عَنْ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُ إنْ كَانَ لِيَصِيرَ كَالْخُفِّ الْمَخْرُوقِ فِي عَدَمِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ بِدُونِ خَرْقٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ

стр. 190

وَقِطْعَةُ كِرْبَاسٍ تُلَفُّ عَلَى الرِّجْلِ لَا يَمْنَعُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِاللُّبْسِ لَكِنْ يُفْهَمُ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْكَافِي أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ الْغَيْرَ الصَّالِحَ لِلْمَسْحِ إذَا لَمْ يَكُنْ فَاصِلًا فَلَأَنْ لَا يَكُونَ الْكِرْبَاسُ فَاصِلًا أَوْلَى اهـ. وَقَدْ وَقَعَ فِي عَصْرِنَا بَيْنَ فُقَهَاءِ الرُّومِ بِالرُّومِ كَلَامٌ كَثِيرٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ تَمَسَّكَ بِمَا فِي فَتَاوَى الشَّاذِيِّ وَأَفْتَى بِمَنْعِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ الَّذِي تَحْتَهُ الْكِرْبَاسُ وَرَدَّ عَلَى ابْنِ الْمَلَكِ فِي عَزْوِهِ لِلْكَافِي إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَافِي النَّسَفِيِّ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِالْجَوَازِ، وَهُوَ الْحَقُّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ يَعْقُوبُ بَاشَا: إنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ فِي مَسْأَلَةِ نَزْعِ الْخُفِّ فِي الْكَلَامِ مَعَ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ إنَّهُ إذَا أَعَادَهُمَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ مِنْ غَيْرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ فَقَالُوا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ يُشْكِلُ بِمَا لَوْ أَخْرَجَ الْخُفَّيْنِ عَنْ رِجْلَيْهِ وَعَلَى الرِّجْلَيْنِ لِفَافَةٌ، فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الْمَسْحَ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ اهـ. فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي صِحَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ فَوْقَ اللِّفَافَةِ وَفِي الْمُبْتَغَى بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْجُرْمُوقِ وَمَسَحَ عَلَى ظَهْرِ الْخُفِّ لَمْ يَجُزْ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْخَرْقُ الْمَانِعُ ظَاهِرَ الْجُرْمُوقِ وَقَدْ ظَهَرَ الْخُفُّ فَلَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ أَوْ عَلَى الْجُرْمُوقِ؛ لِأَنَّهُمَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ يَسِيرًا فَمَسَحَ عَلَى بَعْضِ الصَّحِيحِ وَعَلَى بَعْضِ الْخَرْقِ، وَهُوَ كُلُّهُ ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ لَمْ يُجْزِهِ اهـ. وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ الْمُتَخَرِّقِ، وَإِنْ كَانَ خُفَّاهُ غَيْرَ مُتَخَرِّقٍ اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الْخَرْقُ فِي الْجُرْمُوقِ مَانِعًا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ لَا غَيْرُ لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْمُتَخَرِّقَ خَرْقًا مَانِعًا وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فَكَانَتْ الْوَظِيفَةُ لِلْخُفِّ فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ. فَقَالَ وَالشَّرْطُ الثَّانِي لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقِ أَنْ يَكُونَ الْجُرْمُوقُ لَوْ انْفَرَدَ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ كَانَ بِهِ خَرْقٌ كَثِيرٌ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ إذَا كَانَ مِنْ كِرْبَاسٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَطْعُ السَّفَرِ وَتَتَابُعُ الْمَشْيِ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوْ لَبِسَهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَقِيقَيْنِ يَصِلُ الْبَلَلُ إلَى مَا تَحْتَهُمَا مِنْ الْخُفِّ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ وَيَكُونُ مَسْحًا عَلَى الْخُفِّ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَ الْجُرْمُوقَانِ وَاسِعَيْنِ يَفْضُلُ الْجُرْمُوقُ مِنْ الْخُفِّ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ فَمَسَحَ عَلَى تِلْكَ الْفَضْلَةِ لَمْ يَجُزْ إلَّا إذَا مَسَحَ عَلَى الْفَضْلَةِ بَعْدَ أَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَيْهِ عَلَى تِلْكَ الْفَضْلَةِ فَحِينَئِذٍ جَازَ وَلَوْ أَزَالَ رِجْلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَعَادَ الْمَسْحَ اهـ. وَفِي التَّجْنِيسِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ هَذَا عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهَهُ وَفِي الْقُنْيَةِ جَعَلَ الْخُفَّ كَالْجُرْمُوقِ فِي هَذَا مِنْ أَنَّهُ إذَا فَضَلَ مِنْ الْجُرْمُوقِ أَوْ الْخُفِّ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا. (قَوْلُهُ: وَالْجَوْرَبُ الْمُجَلَّدُ وَالْمُنَعَّلُ وَالثَّخِينُ) أَيْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ إذَا كَانَ مُجَلَّدًا أَوْ مُنَعَّلًا أَوْ ثَخِينًا يُقَالُ جَوْرَبٌ مُجَلَّدٌ إذَا وُضِعَ الْجِلْدُ عَلَى أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ وَجَوْرَبٌ مُنَعَّلٌ وَمُنَعَّلُ الَّذِي وُضِعَ عَلَى أَسْفَلِهِ جِلْدَةٌ كَالنَّعْلِ لِلْقَدَمِ وَفِي الْمُسْتَصْفَى أَنْعَلَ الْخُفَّ وَنَعَلَهُ جَعَلَ لَهُ نَعْلًا وَهَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ فَيَجُوزُ فِي الْمُنَعَّلِ تَشْدِيدُ الْعَيْنِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ كَمَا يَجُوزُ تَسْكِينُ النُّونِ وَتَخْفِيفُ الْعَيْنِ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَالْمُنْعَلُ بِالتَّخْفِيفِ وَسُكُونِ النُّونِ وَالظَّاهِرُ مَا قَدَّمْنَاهُ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ ثُمَّ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النَّعْلُ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إذَا بَلَغَ النَّعْلُ إلَى ــ [منحة الخالق] وَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ أَنْ يَتَّصِلَ جُزْءٌ مِنْ الرِّجْلِ بِالْخُفِّ فَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِلَّا لَمَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ وَنَحْوِهِ مَعَ حَيْلُولَةِ الْخُفِّ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ مَنْعًا لِلِاتِّصَالِ بِالرِّجْلِ وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ أَيَّدَهُ مِنْ الْجُهَّالِ بِأَنَّ جَوَازَ مَسْحِ الْخُفِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ، فَإِنَّ هَذَا كَمَا تَرَى بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ الرَّاجِحَةِ لَا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَإِلَّا لَمَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْمُكَعَّبِ وَاللُّبُودِ التُّرْكِيَّةِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا ثُمَّ يُقَالُ بَلْ قَطْعُ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ قَصْدُ إحْرَامٍ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَهِيَ مَنْهِيٌّ عَلَيْهَا اهـ كَلَام الْحَلَبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ إنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ لَا يَرِدُ عَلَى الشَّاذِيِّ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْمَانِعِ مَا يُلْبَسُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مِخْيَطًا كَمَا فِي الدُّرَرِ وَكَلَامُ الشَّارِحِينَ فِي اللِّفَافَةِ وَلَمْ يَقُلْ بِمَنْعِهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَقِطْعَةُ كِرْبَاسَ إلَخْ إذْ أَنْ يُقَالَ إنَّ لَفْظَ اللِّفَافَةِ يَشْمَلُ الْمِخْيَطَ أَيْضًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إلَخْ) مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُبْتَغَى إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَحْثًا عَلَى عِبَارَةِ الْمُبْتَغَى لَا عَلَى عِبَارَةِ الْمُنْيَةِ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِهَا لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ ذَلِكَ الْبَحْثُ عَلَى مَا فِي الْمُبْتَغَى. (قَوْلُهُ: قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهَهُ) ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِقَوْلِهِ إنَّهُمْ اعْتَبَرُوا خُرُوجَ أَكْثَرِ الْقَدَمِ مِنْ مَوْضِعٍ مَسَحَ عَلَيْهِ وَهَاهُنَا، وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ مَوْضِعٍ مَسَحَ عَلَيْهِ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مَوْضِعٍ يُمْكِنُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. [الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ] (قَوْلُهُ: وَفِي الْمُسْتَصْفَى فِي نَعْلِ الْخُفِّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا شَاهِدَ فِيهِ؛ لِأَنَّ نَعْلَهُ لَيْسَ مُشَدَّدًا بَلْ مُخَفَّفًا وَالْمُرَادُ أَنَّ اسْمَ الْمَفْعُولِ جَاءَ مِنْ الْمَزِيدِ وَالْمُجَرَّدِ اهـ. أَقُولُ: صَرَّحَ فِي الْقَامُوسِ بِمَجِيئِهِ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُشَدَّدَ لَا الْمُخَفَّفَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ

стр. 191

أَسْفَلِ الْقَدَمِ جَازَ وَالثَّخِينُ أَنْ يَقُومَ عَلَى السَّاقِ مِنْ غَيْرِ شَدٍّ وَلَا يَسْقُطُ وَلَا يَشِفُّ اهـ. وَفِي التَّبْيِينِ وَلَا يُرَى مَا تَحْتَهُ ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ إذَا كَانَ مُنَعَّلًا جَائِزٌ اتِّفَاقًا، وَإِذَا كَانَ لَمْ يَكُنْ مُنَعَّلًا، وَكَانَ رَقِيقًا غَيْرُ جَائِزٍ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ ثَخِينًا فَهُوَ غَيْرُ جَائِزِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا يَجُوزُ لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ «تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ» وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا؛ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ إذَا كَانَ ثَخِينًا وَلَهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْخُفِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُوَاظَبَةُ الْمَشْيِ فِيهِ إلَّا إذَا كَانَ مُنَعَّلًا، وَهُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ وَعَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَأَكْثَرِ الْكُتُبِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْخُفِّ فَالتَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ لِلْحَدِيثِ قَصَّرَ لِدَلَالَتِهِ عَنْ مُقْتَضَاهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ فَلَا يُسْمَعُ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ لَنَصَّ عَلَيْهِ الرَّاوِي، وَهَذَا بِخِلَافِ الرَّقِيقِ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ يُفِيدُ إخْرَاجَهُ مِنْ الْإِطْلَاقِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْخُفِّ وَمَا نُقِلَ مِنْ تَضْعِيفِهِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ مَهْدِيٍّ وَمُسْلِمٌ حَتَّى قَالَ النَّوَوِيُّ: كُلٌّ مِنْهُمْ لَوْ انْفَرَدَ قُدِّمَ عَلَى التِّرْمِذِيِّ مَعَ أَنَّ الْجَرْحَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ فَلَا يَضُرُّ لِكَوْنِهِ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ ذَكَرَهَا الزَّيْلَعِيُّ الْمُخَرِّجُ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ كُلَّهَا ضَعِيفَةً اعْتَضَدَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَالضَّعِيفُ إذَا رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ صَارَ حَسَنًا مَعَ مَا ظَهَرَ مِنْ مَسْحٍ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْهُمْ عَلَى فَاعِلِهِ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ ثُمَّ مَعَ هَذَا كُلِّهِ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمَعْنَى مَا يَقْوَى عَلَى الِاسْتِقْلَالِ بِالْمَنْعِ فَلَا جَرَمَ إنْ كَانَ الْفَتْوَى عَلَى الْجَوَازِ وَمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّهَا حِكَايَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا فَمُسَلَّمٌ لَوْ لَمْ يَرِدْ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ بِلَالٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ» وَفِي الْخُلَاصَةِ، فَإِنْ كَانَ الْجَوْرَبُ مِنْ مِرْعِزَّى وَصُوفٍ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ الْمِرْعَزُ بِمِيمٍ مَكْسُورَةٍ وَقَدْ تُفْتَحُ فَرَاءٍ سَاكِنَةٍ فَمُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ فَزَايٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَأَلِفٌ مَقْصُورَةٍ وَقَدْ تُمَدُّ مَعَ تَخْفِيفِ الزَّايِ وَقَدْ تُحْذَفُ مَعَ بَقَاءِ التَّشْدِيدِ الزَّغَبُ الَّذِي تَحْتَ شَعْرِ الْعَنْزِ كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ وَفِي الْمُجْتَبَى لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ الرَّقِيقِ مِنْ غَزْلٍ أَوْ شَعْرٍ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ كَانَ ثَخِينًا يَمْشِي مَعَهُ فَرْسَخًا فَصَاعِدًا كَجَوْرَبِ أَهْلِ مَرْوَ فَعَلَى الْخِلَافِ وَكَذَا الْجَوْرَبُ مِنْ جِلْدٍ رَقِيقٍ عَلَى الْخِلَافِ وَيَجُوزُ عَلَى الْجَوَارِبِ اللِّبْدِيَّةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ قَالُوا وَلَوْ شَاهَدَ أَبُو حَنِيفَةَ صَلَابَتَهَا لَأَفْتَى بِالْجَوَازِ وَيَجُوزُ عَلَى الْجُرْمُوقِ الْمَشْقُوقِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ وَلَهُ أَزْرَارٌ يَشُدُّهُ عَلَيْهِ يَسُدُّهُ؛ لِأَنَّهُ كَغَيْرِ الْمَشْقُوقِ، وَإِنْ ظَهَرَ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ شَيْءٌ فَهُوَ كَخُرُوقِ الْخُفِّ قُلْتُ: وَأَمَّا الْخُفُّ الدَّوْرَانِيُّ الَّذِي يَعْتَادُهُ فُقَهَاءُ زَمَانِنَا، فَإِنْ كَانَ مُجَلَّدًا يَسْتُرُ جِلْدَةَ الْكَعْبِ يَجُوزُ، وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ الْمَسْحُ عَلَى الْجُارَمُوقِ إنْ كَانَ يَسْتُرُ الْقَدَمَ وَلَا يُرَى مِنْ الْكَعْبِ وَلَا مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ إلَّا قَدْرُ أُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَلَكِنْ سَتَرَ الْقَدَمَ بِالْجِلْدِ إنْ كَانَ الْجِلْدُ مُتَّصِلًا بِالْجُرْمُوقِ بِالْخَرْزِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَإِنْ شُدَّ بِشَيْءٍ لَا وَلَوْ سَتَرَ الْقَدَمَ بِاللِّفَافَةِ جَوَّزَهُ مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ وَلَمْ يُجَوِّزْهُ مَشَايِخُ بُخَارَى اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ لِلْجَوْرَقِ عَنْ الْمُجْتَبَى فِي الْجَوْرَبِ مِنْ الشَّعْرِ وَفِيهَا أَيْضًا وَتَفْسِيرُ النَّعْلِ أَنْ يَكُونَ الْجَوْرَبُ الْمُنَعَّلُ كَجَوَارِبِ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَيْهَا فِي ثُخُونَةِ الْجَوْرَبِ وَغِلَظِ النَّعْلِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَنَّ الْجَوْرَقَ اسْمٌ فَارِسِيٌّ لِخُفٍّ ــ [منحة الخالق] فِي الصِّحَاحِ قَالَ وَلَا تَقُولُ نَعَلَهُ (قَوْلُهُ: وَالثَّخِينُ أَنْ يَقُومَ عَلَى السَّاقِ إلَخْ) الَّذِي اسْتَصْوَبَهُ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ حَدَّهُ بِمَا تَضَمَّنَهُ وَجْهُ الدَّلِيلِ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُ فِيهِ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ وَقَوَّاهُ بِكَلَامِ الزَّاهِدِيِّ (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ إلَخْ) كَذَا فِي السِّرَاجِ عَنْ الْخُجَنْدِيِّ وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ تَقْسِيمًا فِي الْجَوْرَبِ فَقَالَ ذَكَرَ نَجْمُ الدِّينِ الزَّاهِدِيُّ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّ الْجَوْرَبَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ مِنْ الْمِرْعِزَّى وَالْغَزْلِ وَالشَّعْرِ وَالْجِلْدِ الرَّقِيقِ وَالْكِرْبَاسِ قَالَ وَذَكَرَ التَّفَاصِيلَ فِي الْأَرْبَعَةِ مِنْ الثَّخِينِ وَالرَّقِيقِ وَالْمُنَعَّلِ وَغَيْرِ الْمُنَعَّلِ وَالْمُبَطَّنِ وَغَيْرِ الْمُبَطَّنِ، وَأَمَّا الْخَامِسُ فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَيْفَمَا كَانَ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْهُ وَالْمُرَادُ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الْأَرْبَعَةِ أَنَّ مَا كَانَ رَقِيقًا مِنْهَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُجَلَّدًا أَوْ مُنَعَّلًا أَوْ مُبَطَّنًا وَمَا كَانَ ثَخِينًا مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجَلَّدًا أَوْ مُنَعَّلًا أَوْ مُبَطَّنًا فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ وَمَا كَانَ فَلَا خِلَافَ فِيهِ. اهـ. وَالْمِرْعِزَّى كَمَا سَيَأْتِي مَضْبُوطًا الزَّغَبُ الَّذِي تَحْتَ شَعْرِ الْعَنْزِ وَالْغَزْلُ مَا غُزِلَ مِنْ الصُّوفِ وَالْكِرْبَاسُ مَا نُسِجَ مِنْ مَغْزُولِ الْقُطْنِ قَالَ الْحَلَبِيُّ وَيُلْحَقُ بِالْكِرْبَاسِ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ نَوْعِ الْخَيْطِ كَالْكَتَّانِ وَالْإِبْرَيْسَمِ أَيْ الْحَرِيرِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا يُعْمَلُ مِنْ الْجُوخِ إذَا جُلِّدَ أَوْ نُعِّلَ أَوْ بُطِّنَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ وَلَيْسَ مِنْ الْكِرْبَاسِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ ثَخِينًا بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ فَرْسَخٌ مِنْ غَيْرِ تَجْلِيدٍ وَلَا تَنْعِيلٍ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا فَمَعَ التَّجْلِيدِ أَوْ التَّنْعِيلِ لَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْجِلْدُ جَمِيعَ مَا يَسْتُرُ الْقَدَمَ إلَى السَّاقِ لِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِرْبَاسِ فَرْقٌ ثُمَّ أَطَالَ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ وَبَيَانُهُ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ تَقْرِيرِهِ ثُمَّ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَلَوْ احْتَاطَ وَلَمْ يَمْسَحْ إلَّا عَلَى مَا يَسْتَوْعِبُ تَجْلِيدَهُ ظَاهِرَ الْقَدَمِ

стр. 192

مَعْرُوفٍ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ يَظْهَرُ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ لَا يَجُوزُ بَعْضُهُمْ جَوَّزُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَوَامَّ النَّاسِ يُسَافِرُونَ بِهِ خُصُوصًا فِي بِلَادِ الْمَشْرِقِ أَمَّا إذَا كَانَ يَظْهَرُ مِنْهُ قَدْرُ أُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي قَوْلِهِمْ. (قَوْلُهُ: لَا عَلَى عِمَامَةٍ وَقَلَنْسُوَةٍ وَبُرْقُعٍ وَقُفَّازَيْنِ) أَيْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ السِّينِ مَعْرُوفَتَانِ وَالْبُرْقُعُ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِهَا خَرِيقَةٌ تُثْقَبُ لِلْعَيْنَيْنِ تَلْبَسُهَا الدَّوَابُّ وَنِسَاءُ الْعَرَبِ عَلَى وُجُوهِهِنَّ وَالْقُفَّازُ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ شَيْءٌ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ يُحْشَى بِقُطْنٍ وَيَكُونُ لَهُ أَزْرَارٌ تَزِرُّ عَلَى السَّاعِدَيْنِ مِنْ الْبَرْدِ تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ فِي يَدَيْهَا وَهُمَا قُفَّازَانِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَقَدْ تَكُونُ مِنْ الْحُلِيِّ تَتَّخِذُهُ الْمَرْأَةُ لِيَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا وَمِنْ ذَلِكَ يُقَالُ تَقَفَّزَتْ الْمَرْأَةُ بِالْحِنَّاءِ إذَا نَقَشَتْ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا كَمَا فِي الْجَمْهَرَةِ لِابْنِ دُرَيْدٍ وَقَدْ يَتَّخِذُهُ الصَّائِدُ مِنْ جِلْدٍ وَلِبْدٍ لِيُغَطِّيَ الْأَصَابِعَ وَالْكَفَّ ثُمَّ عَدَمُ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى هَذِهِ مَا عَدَا الْعِمَامَةَ لَا يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ ثَابِتٌ عَمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَلَوْ مَسَحَتْ عَلَى خِمَارِهَا وَنَفَذَتْ الْبِلَّةُ إلَى رَأْسِهَا حَتَّى ابْتَلَّ قَدْرُ الرُّبْعِ مِنْهُ يَجُوزُ قَالَ مَشَايِخُنَا إذَا كَانَ الْخِمَارُ جَدِيدًا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ ثُقُوبَ الْجَدِيدِ لَمْ تُسَدَّ بِالِاسْتِعْمَالِ فَتَنْفُذُ الْبِلَّةُ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ جَدِيدٌ لَا يَجُوزُ لِانْسِدَادِ ثُقُوبِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْعِمَامَةِ فَاجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ إلَّا أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ أَجَازَهُ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأْسِ إلَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ وَأَنْ يَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ سَوَاءٌ كَانَتْ لَهَا ذُؤَابَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَأَنْ لَا تَكُونَ عِمَامَةٌ مُحَرَّمَةٌ فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ الْمَغْصُوبَةِ وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ إذَا لَبِسَتْ عِمَامَةَ الرَّجُلِ أَنْ تَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا ظَهَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ وُجُوبُ اسْتِيعَابِهَا وَالتَّوْقِيتُ فِيهَا كَالْخُفِّ وَيَبْطُلُ بِالنَّزْعِ وَالِانْكِشَافِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا مِثْلَ أَنْ يَحُكَّ رَأْسَهُ أَوْ يَرْفَعَهَا لِأَجْلِ الْوُضُوءِ وَفِي اشْتِرَاطِ لُبْسِهَا عَلَى طَهَارَةٍ رِوَايَتَانِ وَاسْتَدَلَّ بِمَا وَرَدَ مِنْ مَسْحِهِ ﷺ عَلَى الْعِمَامَةِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ وَالْحُجَّةُ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ وَرَدَ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ فَلَا يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِ بِخَبَرٍ شَاذٍّ بِخِلَافِ الْخُفِّ، فَإِنَّ الْأَخْبَارَ فِيهِ مُسْتَفِيضَةٌ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِمِثْلِهَا عَلَى الْكِتَابِ وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ سَأَلْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ السُّنَّةُ يَا أَخِي وَسَأَلْته عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقَالَ أَمَسُّ الشَّعْرَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي مُوَطَّئِهِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ قَالَ بَلَغَنِي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقَالَ لَا حَتَّى يَمَسَّ الشَّعْرَ الْمَاءُ قَالَ مُحَمَّدٌ وَبِهَذَا نَأْخُذُ ثُمَّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعٌ قَالَ رَأَيْت صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ تَتَوَضَّأُ وَتَنْزِعُ خِمَارَهَا ثُمَّ تَمْسَحُ بِرَأْسِهَا قَالَ نَافِعٌ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ قَالَ مُحَمَّدٌ وَبِهَذَا نَأْخُذُ لَا يَمْسَحُ عَلَى خِمَارٍ وَلَا عِمَامَةٍ بَلَغَنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَانَ ثُمَّ تَرَكَهُ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَأْوِيلَهُ بِأَنَّ بِلَالًا كَانَ بَعِيدًا فَمَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يَضَعْ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ فَظَنَّ بِلَالٌ أَنَّهُ ﵊ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ أَوْ أَرَادَ بِلَالٌ الْمَجَازَ إطْلَاقًا لِاسْمِ الْحَالِّ عَلَى الْمَحَلِّ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّ التَّأْوِيلَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَلْزَمُهُ غَيْرُ الرَّأْيِ وَالصَّوَابُ أَنْ نَقُولَ إذَا ثَبَتَ رِوَايَةً سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ ثَبَتَ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ اهـ يَعْنِي: وَلَمْ تَسْلَمْ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مُعَارَضَةِ الْكِتَابِ لَهَا [الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَخِرْقَةُ الْقُرْحَةِ] (قَوْلُهُ: وَالْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَخِرْقَةُ الْقُرْحَةِ كَالْغَسْلِ) أَيْ لِمَا تَحْتَهَا وَلَيْسَ بِبَدَلٍ وَالْجَبِيرَةُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّلَبَةِ عِيدَانٌ تُرْبَطُ عَلَى الْجُرْحِ وَيُجْبَرُ بِهَا الْعِظَامُ وَفِي الْمُغْرِبِ جَبَرَ الْكَسْرَ جَبْرًا وَجَبَرَ بِنَفْسِهِ جُبُورًا وَالْجُبْرَانُ فِي مَصَادِرِهِ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ وَالْجَبْرُ غَيْرُ فَصِيحٍ وَجَبَرَهُ بِمَعْنَى أَجْبَرَهُ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَإِنْ قَلَّ اسْتِعْمَالُ الْمَجْبُورِ بِمَعْنَى الْمُجْبَرِ وَقَرَحَهُ قُرْحًا جَرَحَهُ، وَهُوَ قَرِيحٌ وَمَقْرُوحٌ ذُو قُرْحٍ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ الْقُرْحَةُ قَدْ يُرَادُ بِهَا الْجِرَاحَةُ وَقَدْ يُرَادُ بِهَا مَا يَخْرُجُ فِي الْبَدَنِ مِنْ بُثُورٍ. اهـ. وَأَيَّامًا كَانَ الْمُرَادُ هُنَا فَالْحُكْمُ الْمَذْكُورُ ــ [منحة الخالق] إلَى السَّاقِ كَانَ أَوْلَى وَلَكِنَّ هَذَا حُكْمُ التَّقَوِّي، وَهُوَ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ الَّذِي هُوَ حُكْمُ الْفَتْوَى وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.

стр. 193

لَا يَخْتَلِفُ ثُمَّ الْأَصْلُ فِي شَرْعِيَّتِهِ عَلَى مَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مَشَايِخِنَا مَا عَنْ «عَلِيٍّ ﵁ قَالَ انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيْ فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِي إسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ مَتْرُوكٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ وَفِي الْمُغْرِبِ انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيْ عَلِيٍّ صَوَابُهُ كُسِرَ أَحَدُ زَنْدَيْهِ؛ لِأَنَّ الزَّنْدَ مُذَكَّرٌ وَالزَّنْدَانِ عَظْمَا السَّاعِدِ وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى خِلَافًا فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ الْكَسْرُ يَوْمَ أُحُدٍ أَوْ يَوْمَ خَيْبَرَ وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ الْمُخَرِّجَ أَحَادِيثَ دَالَّةً عَلَى الْجَوَازِ وَضَعَّفَهَا وَيَكْفِي فِي هَذَا الْبَابِ مَا صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْعِصَابَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَوْقُوفَ فِي هَذَا كَالْمَرْفُوعِ، فَإِنَّ الْأَبْدَالَ لَا تَنْصِبُ بِالرَّأْيِ وَالْبَاقِي اسْتِئْنَاسٌ لَا يَضُرُّهُ التَّضْعِيفُ إنْ تَمَّ إذَا لَمْ يُقَوِّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ أَمَّا إذَا قَوِيَ فَلْيُسْتَدَلَّ بِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ﵀ صِفَةَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَالْمُلْحَقَ بِهَا لِوُجُودِ الِاخْتِلَافِ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ يَضُرُّهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ فَالْمَسْحُ أَوْلَى، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَ لَا يَضُرُّهُ فَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ تَرَكَ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ وَالْمَسْحُ يَضُرُّهُ جَازَ، فَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ لَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلَمْ يَحْكِ فِي الْأَصْلِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيلَ عِنْدَهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّ عِنْدَهُ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ حَتَّى يَجُوزَ بِدُونِهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَأَوْجَبَ الْعَمَلَ بِهِ دُونَ الْعِلْمِ فَحَكَمْنَا بِوُجُوبِ الْمَسْحِ عَمَلًا وَلَمْ نَحْكُمْ بِفَسَادِ الصَّلَاةِ حَالَ عَدَمِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْفَسَادِ يَرْجِعُ إلَى الْعِلْمِ، وَهَذَا الدَّلِيلُ لَا يُوجِبُهُ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالزِّيَادَاتِ وَالذَّخِيرَةِ بِأَنَّ الْمَسْحَ لَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَهُ وَكَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي تَجْرِيدِهِ أَنَّهُ الصَّحِيحُ وَكَذَا صَحَّحَ فِي الْغَايَةِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي التَّجْنِيسِ الِاعْتِمَادُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَهُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا بِعَدَمِ جَوَازِ التَّرْكِ اهـ. وَيُوَافِقُهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ فِي شَرْحِهِ مِنْ قَوْلِهِ وَقِيلَ الْوُجُوبُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَصَحُّ وَعَلَيْهِ ــ [منحة الخالق] [الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْبُرْقُعُ وَالْقُفَّازُ] (قَوْلُهُ: وَيُوَافِقُهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ فِي شَرْحِهِ إلَخْ) أَقُولُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ حَمْلُ عِبَارَةِ الْمَجْمَعِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوبِ الْفَرْضِيَّةُ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ أَيَّاهَا بَعْدَ نَقْلِ الْقَوْلِ بِرُجُوعِ الْإِمَامِ إلَى قَوْلِهِمَا أَيْ وَهُمَا يَقُولَانِ بِالْفَرْضِيَّةِ لَكِنَّ صَاحِبَ الْمَجْمَعِ ذَكَرَ فِي شَرْحِهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فَقَالَ ثُمَّ الْمَسْحُ مُسْتَحَبٌّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَوَاجِبٌ عِنْدَ هُمَا وَقِيلَ إنَّ الْوُجُوبَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقِيلَ الْمَسْحُ وَاجِبٌ عِنْدَهُ فَرْضٌ عِنْدَهُمَا اهـ. وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ لَهُمَا قَوْلَيْنِ قَوْلًا بِالْوُجُوبِ وَقَوْلًا بِالْفَرْضِيَّةِ كَمَا أَنَّ لَهُ قَوْلًا بِالِاسْتِحْبَابِ وَقَوْلًا بِالْوُجُوبِ فَعَلَى هَذَا فَرُجُوعُهُ إلَى قَوْلِهِمَا رُجُوعٌ عَنْ الِاسْتِحْبَابِ إلَى الْوُجُوبِ بِدَلِيلِ جَعْلِهِ الْأَصَحَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى هُوَ أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالزِّيَادَاتِ وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ قَائِلٌ بِالْوُجُوبِ فَحَمْلُ الْوُجُوبِ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ بَعِيدٌ لِمَا قُلْنَا؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ الظَّاهِرِ مِنْ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا وَوَاجِبٌ عِنْدَهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَاجِبِ غَيْرُ الْفَرْضِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ قَوْلُهُمَا بِالِافْتِرَاضِ آخَرَ فَقَوْلُهُ إنَّ الْوُجُوبَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْوُجُوبَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كَانَتْ عَيْنَ الْأَوَّلِ غَالِبًا وَلَا يُقَالُ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ إلَخْ يُوهِمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوبِ هُنَا الِافْتِرَاضُ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ مَسْحِ الْجَبِيرَةِ مِنْ الْآحَادِ فَغَايَةُ مَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ كَمَا قَرَّرَهُ الْمُحَقِّقُ وَلَمَّا كَانَ دَلِيلُ التَّيَمُّمِ قَطْعِيًّا كَانَ الثَّابِتُ بِهِ الْفَرْضِيَّةَ فَالتَّشْبِيهُ بِالتَّيَمُّمِ مِنْ حَيْثُ إنَّ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ قَائِمٌ مَقَامَ غَسْلِ الْعُضْوِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ وَكَمَا لَا يُقَالُ إلَخْ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُعْطِيَ الْمُشَبَّهَ مَا لِلْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ الْحَمْلِ الْمَذْكُورِ قَوْلُ الْإِمَامِ الزَّيْلَعِيِّ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَاجِبٌ عِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَيْسَ بِوَاجِبٍ حَتَّى يَجُوزَ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَقَالَ فِي الْغَايَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَهُ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ حَتَّى تَجُوزَ صَلَاتُهُ بِدُونِهِ اهـ. وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُثْبَتَ أَوَّلًا وَالْمَنْفِيَّ ثَانِيًا هُوَ الْوُجُوبُ الِاصْطِلَاحِيُّ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الْغَايَةِ وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمَسْحِ هَلْ هُوَ فَرْضٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ فَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَهُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَعِنْدَهُمَا وَاجِبٌ وَقِيلَ فِي التَّوْفِيقِ الْوُجُوبُ الْمَنْفِيُّ عِنْدَهُ بِمَعْنَى الْفَرْضِ وَعِنْدَهُمَا الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ وُجُوبُ الْعَمَلِ دُونَ الْعِلْمِ وَنُقِلَ عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الِاسْتِحْبَابُ وَالْوُجُوبُ وَالْجَوَازُ وَقِيلَ هُوَ فَرْضٌ عِنْدَهُمَا وَاجِبٌ عِنْدَهُ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ الْمُثْبَتَ عِنْدَهُمَا فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ الثَّالِثِ، وَأَمَّا الْمَنْفِيُّ عِنْدَهُ فَفِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ الْأَخِيرَيْنِ ثُمَّ الْمُرَادُ عَلَى الْأَوَّلِ الِاسْتِحْبَابُ فَقَطْ وَعَلَى الثَّالِثِ الْوُجُوبُ فَقَطْ وَعَلَى الثَّانِي أَحَدُ هَذَيْنِ أَوْ الْوُجُوبُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قِيلَ وَاجِبٌ عِنْدَهُمَا مُسْتَحَبٌّ عِنْدَهُ وَقِيلَ وَاجِبٌ عِنْدَهُ فَرْضٌ عِنْدَهُمَا اهـ. وَمِثْلُهُ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ فَانْظُرْ كَيْفَ نَسَبُوا إلَيْهَا تَارَةً الْقَوْلَ بِالْفَرْضِيَّةِ وَتَارَةً

стр. 194

الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا وَوَظِيفَةُ هَذَا الْعُضْوِ الْغَسْلُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَالْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ عِنْدَ عَدَمِهِ كَالتَّيَمُّمِ وَكَمَا لَا يُقَالُ إنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ فَلَا يَجِبُ التَّيَمُّمُ كَذَلِكَ لَا يُقَالُ إنَّ غَسْلَ مَا تَحْتَهَا سَاقِطٌ فَسَقَطَ الْمَسْحُ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ بِدَلِيلِهِ كَمَا وَجَبَ التَّيَمُّمُ بِدَلِيلِهِ اهـ. فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي افْتِرَاضِهِ أَوْ وُجُوبِهِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَحَّحَ اسْتِحْبَابَهُ عَلَى قَوْلٍ وَقَدْ جَنَحَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَى تَقْوِيَةِ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ حَيْثُ قَالَ مَا مَعْنَاهُ وَغَايَةُ مَا يُفِيدُ الْوَارِدُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ الْوُجُوبُ فَعَدَمُ الْفَسَادِ بِتَرْكِهِ أَقْعَدُ بِالْأُصُولِ وَحُكِمَ عَلَى قَوْلِ الْخُلَاصَةِ الْمَاضِي بِأَنَّهُ اُشْتُهِرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ شُهْرَةُ نَقِيضِهِ عَنْهُ وَلَعَلَّ ذَلِكَ مَعْنَى مَا قِيلَ إنَّ عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ. اهـ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ حَكَمَ بِالْفَسَادِ يَرْجِعُ إلَى الْعِلْمِ فَلَا يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ وَفِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ مُفْسِدٌ لَهَا مَعَ أَنَّ تَرْكَ الْكَلَامِ فِيهَا ثَابِتٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» فَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِالْفَسَادِ مِنْ بَابِ الْعِلْمِ فَيَجُوزُ ثُبُوتُهُ بِظَنِّيٍّ كَذَا فِي التَّوْشِيحِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْحُكْمَ بِالْفَسَادِ بِسَبَبِ الْكَلَامِ لَيْسَ ثَابِتًا بِالْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَفَادَ كَوْنَهُ مَحْظُورًا فِيهَا وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ حَظْرٌ يَرْتَفِعُ إلَى الْإِفْسَادِ، فَهُوَ إنَّمَا ثَبَتَ بِالِاتِّفَاقِ لَا بِالْحَدِيثِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ لَا الْفَسَادُ بِتَرْكِهِ إذَا لَمْ يَمْسَحْ وَصَلَّى، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ تِلْكَ الصَّلَاةِ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ تَرْكِ وَاجِبٍ وَجَبَتْ إعَادَتُهَا هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ تَفْصِيلًا عَلَى قَوْلِ ــ [منحة الخالق] الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ الْمُقَابِلِ لِلْمُسْتَحَبِّ وَلِلْفَرْضِ وَلَمْ يَنْسُبُوا إلَيْهِ الْقَوْلَ بِالْفَرْضِيَّةِ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ أَوْ جَائِزٌ وَعَلَى قَوْلِهِمَا إمَّا وَاجِبٌ أَوْ فَرْضٌ وَالصَّحِيحُ مِنْ الثَّلَاثَةِ عِنْدَهُ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ غَيْرِ مَا كِتَابٍ، وَإِذَا حَمَلْنَا مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ رُجُوعِهِ إلَى قَوْلِهِمَا عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ الِاسْتِحْبَابِ أَوْ الْجَوَازِ إلَى الْوُجُوبِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ تَعْبِيرُهَا بِعَدَمِ جَوَازِ التَّرْكِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هَذَا شَأْنُهُ بِخِلَافِ الْمُسْتَحَبِّ وَالْجَائِزِ تَتَّفِقُ كَلِمَتُهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فَلَا يَكُونُ مَا فِيهَا غَيْرَ مَا صَحَّحُوهُ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ مَا نَقَلْنَاهُ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ مِنْ التَّوْفِيقِ السَّابِقِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمَجْمَعِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ لَك فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ قَوْلٌ بِالْفَرْضِيَّةِ إذْ لَمْ يُصَرِّحْ أَحَدٌ بِهِ بَلْ صَرَّحُوا بِنَفْيِهِ قَوْلًا لَهُ فَضْلًا عَنْ تَصْحِيحِهِ وَبِهَذَا ظَهَرَ لَك مَا فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَكَلَامِ أَخِيهِ فِي النَّهْرِ حَيْثُ وَافَقَهُ بَلْ زَادَ عَلَيْهِ وَمَشَى عَلَى الْفَرْضِيَّةِ وَتَابَعَهُ أَيْضًا صَاحِبُ الْمِنَحِ فَقَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي افْتِرَاضِهِ أَوْ وُجُوبِهِ أَقُولُ: يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْمَجْمَعِ وَشَرْحِهِ مِنْ أَنَّ الْوُجُوبَ بِمَعْنَى الِافْتِرَاضِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِلَفْظِ الْفَتْوَى، وَهَذَا آكَدُ فِي التَّصْحِيحِ مِنْ لَفْظِ الْأَصَحِّ أَوْ الصَّحِيحِ أَوْ الْمُخْتَارِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ وَلِمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ مِنْ رُجُوعِ الْإِمَامِ قَدَّسَ سِرَّهُ إلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ وَمِنْ ثَمَّ عَوَّلْنَا عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ حَيْثُ قُلْنَا، وَإِلَّا لَا يُتْرَكُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَفِي شُرُوحِ الْوِقَايَةِ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ إنْ ضَرَّ جَازَ تَرْكُهُ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ فَقَدْ اخْتَلَفَ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي جَوَازِ تَرْكِهِ وَالْمَأْخُوذُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ اهـ. وَبِهِ جَزَمَ مُنْلَا خُسْرو اهـ كَلَامُ الْمِنَحِ وَتَابَعَهُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ. وَأَقُولُ: أَمَّا مَا نَسَبَهُ إلَى الْمَجْمَعِ مِنْ أَنَّ الْوُجُوبَ بِمَعْنَى الِافْتِرَاضِ فَلَيْسَ الْمَوْجُودُ فِيهِ كَذَلِكَ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ خِلَافَهُ كَمَا عَلِمْت، وَأَمَّا عِبَارَةُ الْخُلَاصَةِ فَقَدْ عَمِلْت تَأْوِيلَهَا، وَأَمَّا مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ مِنْ كَلَامِ شُرُوحِ الْوِقَايَةِ وَمُنْلَا خُسْرو مِنْ عَدَمِ جَوَازِ التَّرْكِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْفَرْضِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يَحِلُّ تَرْكُهُ وَالْوَاجِبُ كَذَلِكَ لِمَا مَرَّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمَ الصِّحَّةِ لِإِسْنَادِهِمْ إيَّاهُ إلَى التَّرْكِ وَلَا يُقَالُ لَا يَصِحُّ تَرْكُهُ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عَدَمُ الْحِلِّ؛ وَلِذَا عَطَفَ فِي الْمُحِيطِ قَوْلَهُ وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ عَلَى قَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمَا بِالْفَرْضِيَّةِ ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ عِنْدَهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ أَيْ يَحِلُّ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ بِالِاسْتِحْبَابِ أَوْ الْجَوَازِ؛ وَلِذَا قَالَ بَعْدَهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عِنْدَهُ وَاجِبٌ أَيْ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ فَقَوْلُ شُرَّاحِ الْوِقَايَةِ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ هُوَ مَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ بِقَوْلِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ فَظَهَرَ أَنَّ مُرَادَهُمْ تَصْحِيحُ الْوُجُوبِ لَا الْفَرْضِيَّةِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْمَسْحَ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ اتِّفَاقًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْفُرُوقِ مِنْ كِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِفَهْمِي الْقَاصِرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَلَا تَقْتَصِرْ عَلَيْهِ بَلْ ارْجِعْ أَيْضًا إلَى رَأْيِك مُنْصِفًا وَابْحَثْ مَعَ ذَوِي الْأَفْهَامِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ جَنَحَ الْمُحَقِّقُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ اخْتِيَارِ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ إلَخْ فَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْفَرَائِضُ الْعَمَلِيَّةُ تَثْبُتُ بِالظَّنِّ وَالِاشْتِهَارُ فِي الرُّجُوعِ بَعْدَ ثُبُوتِ أَصْلِهِ غَيْرُ لَازِمِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الْفَرْضَ الْعَمَلِيَّ يَثْبُتُ بِالظَّنِّ الْقَوِيِّ لَا مُطْلَقًا لَمَّا قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْكَلَامِ عَلَى فَرَائِضِ الْوُضُوءِ أَنَّ الْمَفْرُوضَ عَلَى نَوْعَيْنِ قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ هُوَ فِي قُوَّةِ الْقَطْعِيِّ فِي الْعَمَلِ بِحَيْثُ يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَوَّلِ لِكَمَالِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الظَّنِّيِّ الْقَوِيِّ الْمُثْبِتِ لِلْفَرْضِ وَبَيْنَ الظَّنِّيِّ الْمُثْبِتِ لِلْوَاجِبِ اصْطِلَاحًا خُصُوصُ الْمَقَامِ اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية وَيَتَعَيَّنُ

стр. 195

أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ إنْ كَانَ مَا تَحْتَ الْجَبِيرَةِ لَوْ ظَهَرَ أَمْكَنَ غَسْلُهُ فَالْمَسْحُ وَاجِبٌ بِالْأَصْلِ لِيَتَعَلَّقَ بِمَا قَامَ مَقَامُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ وَإِنْ كَانَ مَا تَحْتَهَا لَوْ ظَهَرَ لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ فَالْمَسْحُ عَلَيْهَا غَيْرُ وَاجِبٍ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْأَصْلِ قَدْ سَقَطَ فَلَا يَلْزَمُ مَا قَامَ مَقَامَهُ كَالْمَقْطُوعِ الْقَدَمِ إذَا لَبِسَ الْخُفَّ قَالَ الصَّرِيفِنِيُّ، وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُصَفَّى أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَجْرُوحِ أَمَّا الْمَكْسُورُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ بِالِاتِّفَاقِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ فَمَبْنَى مَا فِي الْمُصَفَّى عَلَى تَفْصِيلِ الرَّازِيّ لَا كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْمَسْحِ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْمَكْسُورِ. اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ بِإِطْلَاقَةِ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَتْ الْجِرَاحَةُ بِالرَّأْسِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ فَقَالَ وَلَوْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ عَلَى رَأْسِهِ وَبَعْضُهُ صَحِيحٌ، فَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ قَدْرَ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ، وَهُوَ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ هَذَا الْقَدْرُ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ الرَّأْسِ صَحِيحٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَمْسَحْ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَيَمْسَحُ عَلَى الْجَبَائِرِ اهـ. وَفِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَمَنْ كَانَ جَمِيعُ رَأْسِهِ مَجْرُوحًا لَا يَجِبُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ وَلَا بَدَلَ لَهُ وَقِيلَ يَجِبُ اهـ. وَالصَّوَابُ هُوَ الْوُجُوبُ وَقَوْلُهُ الْمَسْحُ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الرَّأْسِ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ لَا بَدَلٌ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ وَالْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ عَلَى وُجُوهٍ إنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ يَلْزَمُهُ الْغَسْلُ وَإِنْ كَانَ يَضُرُّهُ الْغَسْلُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ وَلَا يَضُرُّهُ الْغَسْلُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ يَلْزَمُهُ الْغَسْلُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّهُ الْغَسْلُ وَلَا يَضُرُّهُ الْمَسْحُ يَمْسَحُ مَا تَحْتَ الْجَبِيرَةِ وَلَا يَمْسَحُ فَوْقَهَا اهـ. قَالُوا يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ هَذَا، فَإِنَّ النَّاسَ عَنْهُ غَافِلُونَ وَلَكِنْ قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ: وَلَوْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ غَسْلُ الْجِرَاحَةِ إلَّا بِالْمَاءِ الْحَارِّ خَاصَّةً وَلَا يُمْكِنُهُ بِمَا سِوَاهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَكَلُّفُ الْغَسْلِ الْحَارِّ وَيُجْزِئُهُ الْمَسْحُ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَمَا لَا يَخْفَى؛ وَلِهَذَا اقْتَصَرَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْقُلْ غَيْرَهُ وَقَيَّدَهُ بِأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ لَيْسَ بِبَدَلٍ بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ وَلِهَذَا لَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ فِي أَحَدِ الرِّجْلَيْنِ وَيَغْسِلُ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ وَلَوْ كَانَتْ الْجَبِيرَةُ عَلَى إحْدَى رِجْلَيْهِ وَمَسَحَ عَلَيْهَا وَغَسَلَ الْأُخْرَى لَا يَكُونُ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ؛ وَلِهَذَا أَيْضًا لَوْ مَسَحَ عَلَى خِرْقَةِ الْمَجْرُوحَةِ وَغَسَلَ الصَّحِيحَةَ وَلَبِسَ الْخُفَّ عَلَيْهَا ثُمَّ أَحْدَثَ، فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَنْزِعُ الْخُفَّ؛ لِأَنَّ الْمَجْرُوحَةَ مَغْسُولَةٌ حُكْمًا وَلَا يَجْتَمِعُ الْوَظِيفَتَانِ فِي الرِّجْلِ وَعَلَى قِيَاسِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ تَرَكَ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ، وَهُوَ لَا يَضُرُّهُ يَجُوزُ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ غَسْلُ الْمَجْرُوحَةِ صَارَتْ كَالذَّاهِبَةِ هَذَا إذَا لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى الصَّحِيحَةِ لَا غَيْرُ، فَإِنْ لَبِسَ عَلَى الْجَرِيحَةِ أَيْضًا بَعْدَمَا مَسَحَ عَلَى جَبِيرَتِهَا، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ هَذَا الْمَسْحَ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الْغَسْلِ وَظَاهِرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ بَدَلٌ وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْحِ الْخُفِّ فَكَانَ أَصْلًا لَا بَدَلًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ بَدَلٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْغَسْلِ لَكِنْ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْأَصْلِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَكَانَ كَالْأَصْلِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعْطِ لَهُ حُكْمَ الْغَسْلِ بَلْ هُوَ بَدَلٌ مَحْضٌ؛ وَلِهَذَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَسْلِ أَوْ بَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا (قَوْلُهُ: فَلَا يَتَوَقَّتُ) أَيْ لَا يَتَوَقَّتُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِالْبُرْءِ كَمَا سَيَجِيءُ وَهَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُخَالِفُ فِيهَا مَسْحُ الْجَبِيرَةِ مَسْحَ الْخُفِّ [الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ مَعَ الْغَسْلِ] (قَوْلُهُ: وَيَجْمَعُ مَعَ الْغَسْلِ) أَيْ يَجْمَعُ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ مَعَ الْغَسْلِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ وَهَذِهِ هِيَ الثَّانِيَةُ مِنْ الْمَسَائِلِ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ، وَإِنْ شَدَّهَا بِلَا وُضُوءٍ) ؛ لِأَنَّ ــ [منحة الخالق] حَمْلُ قَوْلِهِ لَوْ ظَهَرَ أُمْكِنَ غَسْلُهُ إلَخْ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى حَلِّ الْجَبِيرَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ عَنْ قَاضِي خَانْ، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا (قَوْلُهُ: لَا كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ التَّفْصِيلَ مَبْنِيٌّ أَيْضًا عَلَى أَثَرِ عَلِيٍّ ﵁ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَكْسُورَ لَا يَضُرُّهُ الْغَسْلُ فَمَا فِي الْفَتْحِ أَوْجَهُ (قَوْلُهُ: وَالصَّوَابُ هُوَ الْوُجُوبُ) مُفَادُهُ أَنَّ خِلَافَهُ خَطَأٌ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ فِي التَّعْبِيرَانِ يَقُولُ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْوُجُوبُ وَفِي قَوْلِهِ وَقَوْلُهُ الْمَسْحُ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ غَيْرُ صَحِيحٍ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الْمُبْتَغَى الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ أَيْ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ وَالْمَسْحُ لَا بَدَلَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الرَّأْسِ إنَّمَا هُوَ الْمَسْحُ فَإِذَا كَانَ عَلَى الرَّأْسِ جَبِيرَةٌ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا بَدَلًا عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الرَّأْسِ وَالْمَسْحُ لَا بَدَلَ لَهُ.

стр. 196

فِي اعْتِبَارِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ حَرَجًا؛ وَلِأَنَّ غَسْلَ مَا تَحْتَهَا سَقَطَ وَانْتَقَلَ إلَى الْجَبِيرَةِ بِخِلَافِ الْخُفِّ وَهَذِهِ هِيَ الثَّالِثَةُ، وَفِي تَعْبِيرِهِ بِيَجُوزُ دُونَ يَجِبُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ (قَوْلُهُ: وَيَمْسَحُ عَلَى كُلِّ الْعِصَابَةِ كَانَ تَحْتَهَا جِرَاحَةٌ أَوْ لَا) وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى أَنَّ اسْتِيعَابَ مَسْحِ الْعِصَابَةِ وَاجِبٌ، وَكَذَا الْجَبِيرَةُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَذَكَرَ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ فِي رِوَايَةِ الِاسْتِيعَابِ شَرْطٌ وَفِي رِوَايَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْأَكْثَرِ يَجُوزُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي: وَيَكْتَفِي بِالْمَسْحِ عَلَى أَكْثَرِهَا فِي الصَّحِيحِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى إفْسَادِ الْجِرَاحَةِ اهـ. فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي الْمَتْنِ وَيَمْسَحُ عَلَى أَكْثَرِ الْعِصَابَةِ كَمَا لَا يَخْفَى الثَّانِيَةُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى جَمِيعِ الْعِصَابَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ تَحْتَ جَمِيعِهَا بَلْ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ تَحْتَ بَعْضِهَا جِرَاحَةٌ، وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي الْمُحِيطِ فَقَالَ إذَا زَادَتْ الْجَبِيرَةُ عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ إنْ كَانَ حَلُّ الْخِرْقَةِ وَغَسْلُ مَا تَحْتَهَا يَضُرُّ بِالْجِرَاحَةِ يَمْسَحُ عَلَى الْكُلِّ تَبَعًا، وَإِنْ كَانَ الْحَلُّ وَالْمَسْحُ لَا يَضُرُّ بِالْجُرْحِ لَا يُجْزِئُهُ مَسْحُ الْخِرْقَةِ بَلْ يَغْسِلُ مَا حَوْلَ الْجِرَاحَةِ وَيَمْسَحُ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْخِرْقَةِ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّهُ الْمَسْحُ وَلَا يَضُرُّهُ الْحَلُّ يَمْسَحُ عَلَى الْخِرْقَةِ الَّتِي عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ وَيَغْسِلُ حَوَالَيْهَا وَتَحْتَ الْخِرْقَةِ الزَّائِدَةِ إذْ الثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا اهـ. قَالَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ مَا إذَا ضَرَّهُ الْحَلُّ لَا الْمَسْحُ لِظُهُورِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَمْسَحُ عَلَى الْكُلِّ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُحِيطِ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ضَرَرَ الْحَلِّ مُطْلَقًا سَوَاءٌ ضَرَّهُ الْمَسْحُ مَعَهُ أَوْ لَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجِرَاحَةِ وَغَيْرِهَا كَالْكَيِّ وَالْكَسْرِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَشْمَلُ الْكُلَّ وَمِنْ ضَرَرِ الْحَلِّ أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ فِي مَوْضِعٍ لَوْ زَالَ عَنْهُ الْجَبِيرَةُ أَوْ الرِّبَاطُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَشُدَّ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَالرِّبَاطُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجِرَاحَةِ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ وَلَا يَعْرَى إطْلَاقُهُ عَنْ بَحْثٍ، فَإِنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِغَيْرِهِ فِي شَدِّهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى ثُمَّ قَدْ عُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ وَيَمْسَحُ عَلَى أَكْثَرِ الْعِصَابَةِ وَنَحْوِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ بَعْضِهَا جِرَاحَةٌ إنْ ضَرَّهُ الْحَلُّ وَشَمَلَ كَلَامُهُ عِصَابَةَ الْمُفْتَصِدِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي لَمْ تَسْتُرْهُ الْعِصَابَةُ بَيْنَ الْعِصَابَةِ فَرْضٌ؛ لِأَنَّهَا بَادِيَةٌ اهـ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا وَيَكْفِيهِ الْمَسْحُ وَعَلَيْهِ مَشَى فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ غَسْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ رُبَّمَا تَبْتَلُّ جَمِيعُ الْعِصَابَةِ وَتَنْفُذُ الْبِلَّةُ إلَى مَوْضِعِ الْفَصْدِ فَيَتَضَرَّرُ وَفِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى، وَإِذَا عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ مَوْضِعَ الْفَصْدِ قَدْ انْسَدَّ يَلْزَمُهُ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ اهـ. وَفِي إمَامَةِ الْمُفْتَصِدِ بِغَيْرِهِ أَقْوَالٌ ثَالِثُهَا أَنَّهُ لَا يَؤُمُّ عَلَى الْفَوْرِ وَيَؤُمُّ بَعْدَ زَمَانٍ وَظَاهِرُ مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ اخْتِيَارُ الْجَوَازِ مُطْلَقًا وَلَوْ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَجَعَلَ عَلَيْهِ دَوَاءً ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَفِي تَعْبِيرِهِ بِيَجُوزُ دُونَ يَجِبُ إشَارَةٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا دَاعِيَ إلَى حَمْلِ الْجَوَازِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَتَخْرِيجُهُ عَلَى قَوْلٍ لَمْ يُرَجِّحْهُ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْت مَعَ أَنَّهُ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ كَالْغَسْلِ عَلَى مَا مَرَّ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ قَالَ فِي الْمُنْيَةِ، وَإِنْ تَرَكَ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَالْمَسْحُ لَا يَضُرُّهُ جَازَ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، فَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْمُنْيَةِ بِالْجَوَازِ الْحِلَّ وَعَدَمَ الْإِثْمِ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا وَلَا فَرْضًا فَهُوَ قَدْ صَحَّحَهُ كَمَا تُشْعِرُ بِهِ عِبَارَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِهِ الصِّحَّةَ وَتَفْرِيغَ الذِّمَّةِ فِي الدُّنْيَا الصَّادِقِ بِكَوْنِهِ وَاجِبًا فَقَدْ صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ كَمَا مَرَّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُؤَلِّفِ هَذَا حَيْثُ جَعَلَ الْإِشَارَةَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ أَيْ عَبَّرَ بِالْجَوَازِ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَوْ عَبَّرَ بِالْوُجُوبِ لَاحْتَمَلَ التَّأْوِيلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْفَرْضُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمَا وَلَا نُسَلِّمُ مُنَافَاتِهِ لِقَوْلِهِ كَالْغَسْلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّ الْغَسْلَ فَرْضٌ قَطْعًا بِخِلَافِ الْمَسْحِ فَتَشْبِيهُهُ بِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا كَمَا حَمَلَهُ هُوَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِهِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُحِيطِ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: هَذَا الْعُمْرِيُّ غَرِيبٌ إذْ صَاحِبُ الْمُحِيطِ كَمَا تَرَى اعْتَبَرَ الضَّرَرَ فِي الْحَلِّ وَالْغَسْلِ لَا فِي الْحَلِّ فَقَطْ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ جَوَازَ الْمَسْحِ دَائِرٌ مَعَ الضَّرَرِ وَعَدَمُهُ مَعَ عَدَمِهِ وَعَلَيْهِ تَتَخَرَّجُ الْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ اهـ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى مَا فِيهِ بَلْ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُحِيطِ أَنَّ الْمُرَادَ إنْ كَانَ الْحَلُّ وَالْعُدُولُ إلَى الْغَسْلِ يَضُرُّ يَمْسَحُ وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّ الضَّرَرَ فِي كُلٍّ مِنْ الْحَلِّ وَالْغَسْلِ لَقَالَ يَضُرَّانِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولَ يَضُرُّ بِالْإِفْرَادِ كَمَا تَقُولُ إنْ كَانَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو يَضْرِبَانِ ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ إسْمَاعِيلَ النَّابُلُسِيَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الدُّرَرِ قَالَ مَا نَصُّهُ التَّحْقِيقُ مَا فِي الْبَحْرِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إفْرَادُهُ الضَّمِيرَ فِي يَضُرُّ وَلَوْ اُعْتُبِرَ الضَّرَرُ فِيهِمَا لَثَنَّى وَإِطْلَاقُهُ عَنْ اعْتِبَارٍ وَعَدَمُهُ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ فِيهِ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ. وَهَذَا عَيْنُ مَا قُلْنَا وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ لَوْ اُعْتُبِرَ الضَّرَرُ فِي الْحِلِّ وَالْمَسْحِ لَكَانَ غَرِيبًا كَمَا ذُكِرَ، وَأَمَّا قِرَانُ الْغَسْلِ مَعَهُ فَلَا يُنَافِيهِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ قَوْلِ الْفَتْحِ لَا الْمَسْحِ فَتَدَبَّرْهُ (قَوْلُهُ: يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ ذَلِكَ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَمِنْ ضَرَرِ الْحَلِّ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَان لَا يَقْدِرُ عَلَى رَبْطِهَا بِنَفْسِهِ وَلَا يَجِدُ مَنْ يَرْبِطُهَا اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ وَكَأَنَّ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى هَذَا فَقَالَ يَنْبَغِي إلَخْ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ الَّذِي يَظْهَرُ

стр. 197

أَوْ عِلْكًا أَوْ أَدْخَلَ جِلْدَهُ مَرَارَةً أَوْ مَرْهَمًا، فَإِنْ كَانَ يَضُرُّ نَزْعُهُ مَسَحَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ضَرَّهُ الْمَسْحُ تَرَكَهُ، وَإِنْ كَانَ بِأَعْضَائِهِ شُقُوقٌ أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَيْهَا إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا تَرَكَهُ وَغَسَلَ مَا حَوْلَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ وَفِي الْمُغْرِبِ الشُّقَاقُ بِالضَّمِّ تَشْقِيقُ الْجِلْدِ وَمِنْهُ طَلَى شِقَاقَ رِجْلِهِ، وَهُوَ خَاصٌّ وَأَمَّا الشَّقُّ لِوَاحِدِ الشُّقُوقِ فَعَامٌّ. (قَوْلُهُ:، وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ، وَإِلَّا لَا) أَيْ إنْ سَقَطَتْ الْجَبِيرَةُ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ الْمَسْحُ لِزَوَالِ الْعُذْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السُّقُوطُ عَنْ بُرْءٍ لَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ لِقِيَامِ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ لِلْمَسْحِ وَالْبُرْءُ خِلَافُ السُّقُمِ، وَهُوَ الصِّحَّةُ وَتَمَامُ الْجَوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّ الْجَبِيرَةَ إنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ، فَإِنْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ غَسَلَ مَوْضِعَ الْجَبِيرَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ بَاقِي الْأَعْضَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَهِيَ إحْدَى الْمَسَائِلِ الْاِثْنَي عَشْرَ الْآتِيَةِ فِي مَوْضِعِهَا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقُعُودِ غَسَلَ مَوْضِعَهَا وَاسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ السَّابِقِ عَلَى الشُّرُوعِ فَصَارَ كَأَنَّهُ شَرَعَ مِنْ غَيْرِ غَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَمْ يَبْطُلْ الْمَسْحُ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا حَتَّى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ مَضَى عَلَيْهَا وَلَا يَسْتَقْبِلُ؛ وَلِهَذَا إذَا أَعَادَهَا أَوْ غَيْرَهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُعِيدَ الْمَسْحَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ والْوَلْوَالِجِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْأُولَى كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْغَسْلِ فَعَلَى هَذَا مَا فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ يَضُرُّهُ إمْسَاسُ الْمَاءِ فَعَصَبَهُ بِعِصَابَتَيْنِ وَمَسَحَ عَلَى الْعُلْيَا ثُمَّ رَفَعَهَا قَالَ يَمْسَحُ عَلَى الْعِصَابَةِ الْبَاقِيَةِ بِمَنْزِلَةِ الْخُفَّيْنِ وَالْجُرْمُوقَيْنِ وَلَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَمْسَحَ اهـ. لَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ الظَّاهِرُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْإِعَادَةَ مُسْتَحَبَّةٌ لَا وَاجِبَةٌ وَمِنْ الْغَرِيبِ مَا نَقَلَهُ الزَّاهِدِيُّ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّهَا إذَا سَقَطَتْ مِنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَبْطُلُ عِنْدَهُمَا اهـ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِمَا إذَا بَرِئَ مَوْضِعُ الْجَبِيرَةِ وَلَمْ تَسْقُطْ قَالَ الزَّاهِدِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي عَامَّةِ كُتُبِ الْفِقْهِ إذَا بَرَأَ مَوْضِعُ الْجَبَائِرِ وَلَمْ تَسْقُطْ وَذَكَرَ فِي الصَّلَاةِ لِلتَّقِيِّ الْكَرَابِيسِيِّ أَنَّهُ بَطَلَ الْمَسْحُ اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هَذَا إذَا كَانَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ إزَالَتُهَا أَمَّا إذَا كَانَ يَضُرُّهُ لِشِدَّةِ لُصُوقِهَا بِهِ وَنَحْوِهِ فَلَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَالدَّوَاءُ كَالْجَبِيرَةِ إذَا أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ ثُمَّ سَقَطَ كَانَ عَلَى التَّفْصِيلِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ يُخَالِفُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ الْجَبِيرَةَ لَا يُشْتَرَطُ شَدُّهَا عَلَى وُضُوءٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ. الثَّانِي: أَنَّ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ. الثَّالِثِ: أَنَّ الْجَبِيرَةَ إذَا سَقَطَتْ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَا يَنْتَقِضُ الْمَسْحُ بِخِلَافِ الْخُفِّ. الرَّابِعِ: إذَا سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ لَا يَجِبُ إلَّا غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إذَا كَانَ عَلَى وُضُوءٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ. الْخَامِسِ: أَنَّ الْجَبِيرَةَ يَسْتَوِي فِيهَا الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ وَالْأَصْغَرُ بِخِلَافِ الْخُفِّ. سَادِسُهَا: أَنَّ الْجَبِيرَةَ يَجِبُ اسْتِيعَابُهَا فِي الْمَسْحِ فِي رِوَايَةٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ هَكَذَا ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ، وَقَدْ يُزَادُ عَلَيْهَا أَيْضًا فَنَقُولُ. السَّابِعُ: إنَّ الصَّحِيحَ وُجُوبُ مَسْحِ أَكْثَرِ الْجَبِيرَةِ بِخِلَافِ الْخُفِّ. الثَّامِنُ: أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا هَلْ يُشْتَرَطُ تَكْرَارُ مَسْحِ الْجَبِيرَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ الْمَسْحَ ثَلَاثًا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ فِي الرَّأْسِ فَلَا يَلْزَمُهُ تَكْرَارُ الْمَسْحِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ التَّكْرَارُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْخُفَّيْنِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ عُلَمَائِنَا كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ بِخِلَافِ مَسْحِ الْخُفِّ لَمْ يَشْتَرِطْ تَكْرَارَهُ اتِّفَاقًا. التَّاسِعُ: أَنَّهُ إذَا مَسَحَ عَلَيْهَا ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهَا أُخْرَى أَوْ عِصَابَةٌ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْفَوْقَانِيِّ بِخِلَافِ الْخُفِّ إذَا مَسَحَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْفَوْقَانِيِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. الْعَاشِرُ: إذَا دَخَلَ الْمَاءُ تَحْتَ الْجَبَائِرِ لَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ بِخِلَافِ الْخُفِّ ذَكَرَهُ الزَّاهِدِيُّ. الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ النِّيَّةَ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ كَمَا سَيَأْتِي. الثَّانِيَ عَشَرَ: إذَا زَالَتْ الْعِصَابَةُ الْفَوْقَانِيَّةُ الَّتِي مَسَحَ عَلَيْهَا لَا يُعِيدُ الْمَسْحُ عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ بِخِلَافِ الْخُفِّ. الثَّالِثَ عَشَرَ: إذَا كَانَ الْبَاقِي مِنْ الْعُضْوِ الْمَعْصُوبِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ ــ [منحة الخالق] أَنَّ كَلَامَ قَاضِي خَانْ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ إنَّ وُسْعَ الْغَيْرِ لَا يُعَدُّ وُسْعًا كَمَا نَقَلَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي التَّأْسِيسِ، وَقَدَّمْنَاهُ عَنْ غَيْرِهِ وَمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ هُوَ قَوْلُهُمَا اهـ. (قَوْلُهُ: فَعَلَى هَذَا مَا فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إلَخْ) حَمَلَهُ فِي النَّهْرِ عَلَى أَنَّهُ قَوْلٌ لِأَبِي يُوسُفَ لَا الْإِمَامِ وَأَيَّدَهُ بِمَا يَأْتِي عَنْ الْقُنْيَةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ إذْ لَا شَيْءَ مِمَّا مَرَّ يُنَافِيهِ (قَوْلُهُ: السَّابِعُ أَنَّ الصَّحِيحَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَنْبَغِي ذِكْرُ هَذَا مَعَ عَدِّ الشَّارِحِ أَنَّ الْجَبِيرَةَ يَجِبُ اسْتِيعَابُهَا بِالْمَسْحِ فِي رِوَايَةٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ؛ لِأَنَّ عَدَّ ذَلِكَ يُسْقِطُ هَذَا اهـ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ لَا يُسْقِطُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ نَفْيُ وُجُوبِ الْأَكْثَرِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: الْعَاشِرُ إذَا دَخَلَ الْمَاءُ تَحْتَ الْجَبَائِرِ لَا يَبْطُلُ) قَالَ فِي النَّهْرِ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَا يَبْطُلُ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ الْخُفِّ لِمَا مَرَّ

стр. 198

أَصَابِعَ كَالْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ وَالرِّجْلِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. الرَّابِعَ: عَشَرَ أَنَّ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ لَيْسَ ثَابِتًا بِالْكِتَابِ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ مَسْحِ الْخُفِّ، فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ. الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ يَجُوزُ تَرْكُهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ مَعَ إرَادَةِ عَدَمِ الْغَسْلِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَالرَّأْسِ) عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِعِبَادَةٍ عَلَى أَصْلِنَا؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُشْتَرَطُ إلَّا فِيمَا هُوَ عِبَادَةٌ أَوْ وَسِيلَةٌ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِيهَا كَالتَّيَمُّمِ وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ الْحَيْضِ] اخْتَلَفَ الشَّارِحُونَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِأَنَّهُمَا مِنْ الْأَحْدَاثِ أَوْ الْأَنْجَاسِ فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى الثَّانِي وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَنْسَبُ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ يَقُولُ بَعْدَ هَذَا بَابُ الْأَنْجَاسِ وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْأَحْدَاثِ الَّتِي يَكْثُرُ وُقُوعُهَا ذَكَرَ مَا هُوَ أَقَلُّ وُقُوعًا مِنْهُ، وَلَقَّبَ الْبَابَ بِالْحَيْضِ دُونَ النِّفَاسِ لِكَثْرَتِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ حَالَةً مَعْهُودَةً فِي بَنَاتِ آدَمَ دُونَ النِّفَاسِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ لَكِنْ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مِنْ الْأَنْجَاسِ بِدَلِيلِ التَّعْرِيفِ، وَأَفْرَدَهُ لِاخْتِصَاصِهِ بِأَحْكَامٍ عَلَى حِدَةٍ، وَقَدَّمَهُ لِكَثْرَةِ مُنَاسَبَتِهِ بِالْأَحْدَاثِ حَتَّى كَانَتْ الْأَحْكَامُ الْمُخْتَصَّةُ بِالْأَحْدَاثِ ثَابِتَةً لَهُ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِصَاصُ نَوْعٍ مِنْ النَّجَسِ بِأَحْكَامٍ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي النِّهَايَةِ كَمَا لَا يَخْفَى وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا ثَمَرَةَ لِهَذَا الِاخْتِلَافِ. وَاعْلَمْ أَنَّ بَابَ الْحَيْضِ مِنْ غَوَامِضِ الْأَبْوَابِ خُصُوصًا مِنْ الْمُتَحَيِّرَةِ وَتَفَارِيعِهَا وَلِهَذَا اعْتَنَى بِهِ الْمُحَقِّقُونَ وَأَفْرَدَهُ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابٍ مُسْتَقِلٍّ. وَمَعْرِفَةُ مَسَائِلِ الْحَيْضِ مِنْ أَعْظَمِ الْمُهِمَّاتِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَا لَا يُحْصَى مِنْ الْأَحْكَامِ كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْحَجِّ وَالْبُلُوغِ وَالْوَطْءِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَكَانَ مِنْ أَعْظَمَ الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّ عِظَمَ مَنْزِلَةِ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ بِحَسَبِ مَنْزِلَةِ ضَرَرِ الْجَهْلِ بِهِ وَضَرَرُ الْجَهْلِ بِمَسَائِلِ الْحَيْضِ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ الْجَهْلِ بِغَيْرِهَا فَيَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِمَعْرِفَتِهَا وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ فِيهَا طَوِيلًا فَإِنَّ الْمُحَصِّلَ يَتَشَوَّفُ إلَى ذَلِكَ وَلَا الْتِفَاتَ إلَى كَرَاهَةِ أَهْلِ الْبَطَالَةِ، ثُمَّ الْكَلَامُ فِيهِ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ فِي تَفْسِيرِهِ لُغَةً وَشَرْعًا وَسَبَبِهِ وَرُكْنِهِ وَشَرْطِهِ وَقَدْرِهِ وَأَلْوَانِهِ وَأَوَانِهِ وَوَقْتِ ثُبُوتِهِ وَالْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، أَمَّا تَفْسِيرُهُ لُغَةً فَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَصْلُهُ السَّيَلَانُ يُقَالُ حَاضَ الْوَادِي أَيْ سَالَ فَسُمِّيَ حَيْضًا لِسِيلَانِهِ فِي أَوْقَاتِهِ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ الْحَيْضُ دَمٌ يُرْخِيهِ رَحِمُ الْمَرْأَةِ بَعْدَ بُلُوغِهَا فِي أَوْقَاتٍ مُعْتَادَةٍ، وَيُقَالُ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ حَيْضًا وَمَحِيضًا وَمُحَاضًا فَهِيَ حَائِضٌ بِحَذْفِ التَّاءِ؛ لِأَنَّهُ صِفَةُ الْمُؤَنَّثِ خَاصَّةً فَلَا تَحْتَاجُ إلَى عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ بِخِلَافِ قَائِمَةٍ وَمُسْلِمَةٍ هَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ. وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ عَنْ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: الْخَامِسَ عَشَرَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَزِدْت السَّادِسَ عَشَرَ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ لَيْسَ خَلَفًا وَلَا بَدَلًا عَنْ الْغَسْلِ بِخِلَافِ الْخُفِّ اهـ. وَقَدْ يُزَادُ غَيْرُهَا كَمَا فِي التَّنْوِيرِ وَغَيْرِهِ فَنَقُولُ السَّابِعَ عَشَرَ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ يُتْرَكُ إنْ ضَرَّ، وَإِلَّا لَا بِخِلَافِ الْخُفِّ الثَّامِنَ عَشَرَ أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالْعَجْزِ عَنْ مَسْحِ نَفْسِ الْمَوْضِعِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى مَسْحِهِ فَلَا مَسْحَ عَلَيْهَا التَّاسِعَ عَشَرَ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِبُرْءِ مَوْضِعِهَا، وَإِنْ لَمْ تَسْقُطْ الْعِشْرُونَ أَنَّهُ يَبْطُلُ سُقُوطُهَا عَنْ بُرْءٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ بِسُقُوطِهِ بِلَا شَرْطٍ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ إنْ مَسَحَ جَبِيرَةَ رَجُلٍ يَجْمَعُ مَعَ غَسْلِ الْأُخْرَى بِخِلَافِ الْخُفِّ. الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالْعَجْزِ عَنْ مَسْحِ الْمَوْضِعِ بِخِلَافِ الْخُفِّ. الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ يَجُوزُ وَلَوْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الرِّجْلَيْنِ بِخِلَافِ الْخُفِّ. الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: إذَا غَمَسَ الْجَبِيرَةَ فِي إنَاءٍ يُرِيدُ بِهِ الْمَسْحَ عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ وَأَفْسَدَ الْمَاءَ بِخِلَافِ الْخُفِّ وَكَذَا الرَّأْسُ فَلَا يَفْسُدُ وَيَجُوزُ عِنْدَ الثَّانِي خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَمَا فِي الْمَنْظُومَةِ وَشَرْحِهَا الْحَقَائِقِ وَالْفِرَقِ لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَسْحَ يَتَأَدَّى بِالْبِلَّةِ فَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَيَجُوزُ الْمَسْحُ أَمَّا مَسْحُ الْجَبِيرَةِ فَكَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهُ قَالَ فِي الْحَقَائِقِ ذَكَرَهُ فِي الْخِزَانَةِ وَأَحَالَهُ إلَى الْمُنْتَقَى اهـ. قُلْت وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ لَوْ كَانَتْ عَلَى رِجْلِهِ وَسَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ وَيَخَافُ إنْ غَسَلَهَا أَنْ تَسْقُطَ مِنْ الْبَرْدِ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِخِلَافِ الْخُفِّ عَلَى مَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (بَابُ الْحَيْضِ) . (قَوْلُهُ: وَضَرَرُ الْجَهْلِ إلَخْ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ تَعْلَمْ مَسَائِلَ الْحَيْضِ رُبَّمَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَقْتَ الْوُجُوبِ وَتَأْتِي بِهِمَا فِي وَقْتِ وُجُوبِ التَّرْكِ وَكِلَاهُمَا أَمْرٌ حَرَامٌ وَضَرَرٌ عَظِيمٌ وَلِأَنَّ ضَرَرَ هَذَا الْجَهْلِ يَخْتَصُّ وَيَتَعَدَّى بِخِلَافِ الْجَهْلِ فِيمَا سِوَاهُ، أَمَّا الْمُخْتَصُّ فَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُتَعَدِّي فَهُوَ غَشَيَانُ الرَّجُلِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ وَذَلِكَ حَرَامٌ بِالنَّصِّ وَالِاعْتِقَادُ بِحِلِّهِ كُفْرٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ الْحَائِضَ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» أَيْ مُسْتَحِلًّا وَحُكِيَ أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ وَبِهَا مِنْ الْجِهَازِ الْعَظِيمِ مَا لَا يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى فَلِمَا زُفَّتْ إلَيْهِ وَدَخَلَ هُوَ مَعَهَا فِي الْفِرَاشِ وَهَمَّ بِهَا دَمِيَتْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، فَقَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ فَقَالَ الْخَلِيفَةُ وَاَللَّهِ مَا سَمِعْت مِنْك خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. اهـ. فَوَائِدُ

стр. 199

الْفَرَّاءِ أَنَّهُ يُقَالُ أَيْضًا حَائِضَةٌ وَلَهُ عَشَرَةُ أَسْمَاءٍ حَيْضٌ وَطَمْثٌ بِالْمُثَلَّثَةِ وَضَحِكٌ وَإِكْبَارٌ وَإِعْصَارٌ وَدِرَاسٌ وَعِرَاكٌ وَفِرَاك بِالْفَاءِ وَطَمْسٌ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَنِفَاسٌ وَزَادَ بَعْضُهُمْ " طَمْتٌ " بِالْمُثَنَّاةِ وَطَمْءٌ بِالْهَمْزَةِ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ شَرْعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْأَنْجَاسِ فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ دَمٌ يَنْفُضُهُ رَحِمُ امْرَأَةٍ سَلِيمَةٍ عَنْ دَاءٍ وَصِغَرٍ) فَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ دَمٌ غَيْرُ الْمُعَرَّفِ وَشَمَلَ الدَّمَ الْحَقِيقِيَّ وَالْحُكْمِيَّ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ يَنْفُضُهُ رَحِمُ امْرَأَةٍ دَمُ الرُّعَافِ وَالْجِرَاحَاتِ وَمَا يَكُونُ مِنْهُ لَا مِنْ آدَمِيَّةٍ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ مِنْ الدَّمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عَنْ انْقِطَاعِ الدَّمِ، فَإِنْ أَمْسَكَ زَوْجُهَا عَنْ الْإِتْيَانِ أَحَبُّ إلَيَّ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَمْ تَخْرُجْ الِاسْتِحَاضَةُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّحِمِ هُنَا الْفَرْجُ، وَإِنَّمَا خَرَجَ بِقَوْلِهِ " سَلِيمَةٍ " عَنْ دَاءٍ أَيْ دَاءٍ بِرَحِمِهَا، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِهِ؛ لِأَنَّ مَرَضَ الْمَرْأَةِ السَّلِيمَةِ الرَّحِمِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَ مَا تَرَاهُ فِي عَادَتِهَا مَثَلًا حَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى وَخَرَجَ بِهِ النِّفَاسُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ بِالرَّحِمِ دَاءً بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا قَالُوا: إنَّ النِّفَاسَ خَرَجَ بِهِ؛ لِأَنَّ النُّفَسَاءَ فِي حُكْمِ الْمَرِيضَةِ حَتَّى اُعْتُبِرَ تَبَرُّعَاتُهَا مِنْ الثُّلُثِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ مَرَضَ الْمَرْأَةِ يَمْنَعُ كَوْنَهَا حَائِضًا، وَقَدْ عَلِمْت خِلَافَهُ، وَقَدْ خَرَجَ بِهِ أَيْضًا مَا تَرَاهُ الصَّغِيرَةُ فَإِنَّهُ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ مَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ تِسْعِ سِنِينَ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ وَلَا يُقَالُ لَهُ اسْتِحَاضَةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى صِفَةٍ لَا تَكُونُ حَيْضًا، وَلِهَذَا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ الِاسْتِحَاضَةُ سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهِ الْمُعْتَادَةِ؛ فَلِهَذَا ذَكَرَ مَا يُخْرِجُ مَا تَرَاهُ الصَّغِيرَةُ بِقَوْلِهِ وَصِغَرٍ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لَا يَخْلُو عَنْ تَكْرَارٍ وَاسْتِدْرَاكٍ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الصِّغَرِ مُسْتَدْرَكٌ، وَالِاسْتِحَاضَةُ تَكَرَّرَ إخْرَاجُهَا لِخُرُوجِهَا بِذِكْرِ الرَّحِمِ وَسَلِيمَةٍ عَنْ دَاءٍ وَتَعْرِيفُهُ بِلَا اسْتِدْرَاكٍ وَلَا تَكَرُّرٍ دَمٌ مِنْ الرَّحِمِ لَا لِوِلَادَةٍ. اهـ. وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى هَذَا التَّعْرِيفِ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْخُنْثَى إذَا خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ وَالدَّمُ فَالْعِبْرَةُ لِلْمَنِيِّ دُونَ الدَّمِ، ثُمَّ هَذَا التَّعْرِيفُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُسَمَّى الْحَيْضِ خَبَثٌ، أَمَّا إذَا كَانَ مُسَمَّاهُ الْحَدَثَ الْكَائِنَ عَنْ الدَّمِ الْمُحَرِّمِ لِلتِّلَاوَةِ وَالْمَسِّ كَاسْمِ الْجَنَابَةِ لِلْحَدَثِ الْخَاصِّ لَا لِلْمَاءِ الْخَاصِّ فَتَعْرِيفُهُ مَانِعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ بِسَبَبِ الدَّمِ الْمَذْكُورِ عَمَّا اُشْتُرِطَ فِيهِ الطَّهَارَةُ وَعَنْ الصَّوْمِ وَالْمَسْجِدِ وَالْقُرْبَانِ، وَقَدْ جَزَمَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بِأَنَّهُ مِنْ الْأَحْدَاثِ لَا الْأَنْجَاسِ وَعَرَّفَهُ بِمَا فِي الْكِتَابِ فَكَانَ تَنَاقُضًا مِنْهُ. وَأَمَّا سَبَبُهُ فَقَدْ قِيلَ إنَّ أُمَّنَا حَوَّاءَ ﵍ حِينَ تَنَاوَلَتْ مِنْ شَجَرَةِ الْخُلْدِ فَابْتَلَاهَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ وَبَقِيَ هُوَ فِي بَنَاتِهَا إلَى يَوْمِ التَّنَادِي بِذَلِكَ السَّبَبِ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَيْضِ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الْحَيْضُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أَكْبَرُ، قَالَ النَّوَوِيُّ يَعْنِي أَنَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ بَنِي آدَمَ، وَأَمَّا رُكْنُهُ فَهُوَ بُرُوزُ الدَّمِ مِنْ مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ حَتَّى تَثْبُتَ الْأَحْكَامُ بِهِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ بِالْإِحْسَاسِ بِهِ وَثَمَرَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَا لَوْ تَوَضَّأَتْ وَوَضَعَتْ الْكُرْسُفَ ثُمَّ أَحَسَّتْ بِنُزُولِ الدَّمِ إلَيْهِ قَبْلَ الْغُرُوبِ ثُمَّ رَفَعَتْهُ بَعْدَهُ تَقْضِي الصَّوْمَ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا يَعْنِي إذَا لَمْ يُحَاذِ حَرْفَ الْفَرْجِ الدَّاخِلَ، فَإِنْ حَاذَتْهُ الْبِلَّةُ مِنْ الْكُرْسُفِ كَانَ حَيْضًا وَنِفَاسًا اتِّفَاقًا، وَكَذَا الْحَدَثُ بِالْبَوْلِ وَلَوْ وَضَعَتْهُ لَيْلًا فَلَمَّا أَصْبَحَتْ رَأَتْ الطُّهْرَ تَقْضِي الْعِشَاءَ فَلَوْ كَانَتْ طَاهِرَةً فَرَأَتْ الْبِلَّةَ حِينَ أَصْبَحَتْ تَقْضِيهَا أَيْضًا إنْ لَمْ تَكُنْ صَلَّتْهَا قَبْلَ الْوَضْعِ إنْزَالًا لَهَا طَاهِرَةً فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مِنْ حِينِ وَضَعَتْهُ وَحَائِضًا فِي الثَّانِيَةِ حِينَ رَفَعَتْهُ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ رُكْنَهُ امْتِدَادُ دَوْرِ الدَّمِ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ رُكْنَ الشَّيْءِ مَا يَقُومُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَالْحَيْضُ لَا يَقُومُ بِهِ؛ لِأَنَّ الِامْتِدَادَ الْخَاصَّ مُعَرِّفٌ لَهُ لَا أَنَّهُ رُكْنٌ؛ لِأَنَّ الِامْتِدَادَ لَوْ كَانَ رُكْنُهُ لِمَا ثَبَتَ حُكْمُهُ قَبْلَهُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ حُكْمَهُ ثَبَتَ بِمُجَرَّدِ الْبُرُوزِ وَأَمَّا شَرْطُهُ فَتَقَدَّمَ نِصَابُ الطُّهْرِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَعَدَمُ نُقْصَانِهِ عَنْ الْأَقَلِّ وَعَدَمُ الصِّغَرِ وَفَرَاغُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُخْرِجْ الِاسْتِحَاضَةَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّحِمِ الْفَرْجُ إذْ قَوْلُهُ يَنْفُضُهُ يَدْفَعُهُ لِمَا اسْتَقَرَّ أَنَّ النَّفْضَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الرَّحِمِ فَمَا فِي الشَّرْحِ مِنْ خُرُوجِ الِاسْتِحَاضَةِ أَوْلَى إلَّا أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَهُ وَصِغَرٍ مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّ مَا تَرَاهُ الصَّغِيرَةُ اسْتِحَاضَةٌ وَالْجَوَابُ مَنْعُ تَسْمِيَتِهِ اسْتِحَاضَةً بَلْ هُوَ دَمُ فَسَادٍ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ. (قَوْلُهُ: لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ إلَخْ) أَيْ فَلَا يَكُونُ خَارِجًا بِقَوْلِهِ سَلِيمَةً عَنْ دَاءٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ أَنَّ دَمَ الْفَسَادِ لَيْسَ عَنْ دَاءٍ وَلَكِنْ ظَاهِرُ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ عَنْ دَاءٍ فَيَخْرُجُ بِقَوْلِهِ سَلِيمَةٍ عَلَى أَنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِدَمِ الصَّغِيرَةِ اسْتِحَاضَةٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَلَى صِفَةٍ لَا تَكُونُ حَيْضًا (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ إلَخْ) لَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا التَّقْرِيرِ مِنْ الْبُعْدِ وَالتَّكَلُّفِ كَمَا عَلِمْت مِمَّا سَبَقَ فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُ وَفِي النَّهْرِ بَقِيَ أَنَّهُ

стр. 200

الرَّحِمِ عَنْ الْحَبَلِ الَّذِي تَنْفَسُ بِوَضْعِهِ؛ لِأَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا تَنْفَسُ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَسْتَبِنْ خَلْقُهُ فَمَا رَأَتْ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ حَبَلٌ بَلْ لَحْمٌ مِنْ الْبَطْنِ فَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ بِالشَّكِّ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ لَهُ الشَّرْطَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَأَمَّا مَا تَرَاهُ الْحَامِلُ وَالصَّغِيرَةُ فَلَيْسَ مِنْ الرَّحِمِ فَلَمْ يُوجَدْ الرُّكْنُ وَعَدَمُ الصِّغَرِ يُعْرَفُ بِتَقْدِيرِ أَدْنَى مُدَّةٍ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا فِيمَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ وَاخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَقْوَالٍ الْمُخْتَارُ مِنْهَا تِسْعٌ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَإِذَا رَأَتْ الْمُبْتَدَأَةُ فِي سِنٍّ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا فِيهِ تَرَكَتْ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَعِنْدَ أَكْثَرِ مَشَايِخِ بُخَارَى وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَتْرُكُ حَتَّى تَسْتَمِرَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ الْأَصَحُّ أَنَّ الْحَيْضَ مُوَقَّتٌ إلَى سِنِّ الْإِيَاسِ وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ قَدَّرُوهُ بِسِتِّينَ سَنَةً وَمَشَايِخُ بُخَارَى وَخُوَارِزْمَ بِخَمْسٍ وَخَمْسِينَ فَمَا رَأَتْ بَعْدَهَا لَا يَكُونُ حَيْضًا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَفِي الْمُجْتَبَى وَالْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا أَنْ يُحْكَمَ بِالْإِيَاسِ عَنْ الْخَمْسِينَ وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا إنْ رَأَتْ دَمًا قَوِيًّا كَالْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ الْقَانِي كَانَ حَيْضًا وَيَبْطُلُ الِاعْتِدَادُ بِالْأَشْهُرِ قَبْلَ التَّمَامِ وَبَعْدَهُ لَا، وَإِنْ رَأَتْ صُفْرَةً أَوْ خُضْرَةً أَوْ تُرْبِيَّةً فَهِيَ اسْتِحَاضَةٌ اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ثُمَّ إنَّمَا يُنْتَقَضُ الْحُكْمُ بِالْإِيَاسِ بِالدَّمِ الْخَالِصِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ لَا فِيمَا مَضَى حَتَّى لَا تَفْسُدَ الْأَنْكِحَةُ الْمُبَاشِرَةُ قَبْلَ الْمُعَاوَدَةِ، وَفِي الْقُنْيَةِ قَضَاءُ الْقَاضِي لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلْحُكْمِ بِالْإِيَاسِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ حَتَّى إذَا بَلَغَتْ مُدَّةَ الْإِيَاسِ تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ وَلَا يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى الْقَضَاءِ. اهـ. وَقَدْ عُلِمَ أَوَانُهُ وَوَقْتُ ثُبُوتِهِ وَسَيَأْتِي مِقْدَارُهُ وَأَلْوَانُهُ وَأَحْكَامُهُ. (قَوْلُهُ: وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ) أَيْ أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، أَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى كَوْنِهَا خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ وَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ الْإِضْمَارِ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الدَّمِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَالتَّقْدِيرُ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَيْضِ، وَأَمَّا النَّصْبُ فَعَلَى الظَّرْفِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ مُمْتَدًّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِحَيْثُ لَا يَنْقَطِعُ سَاعَةً حَتَّى يَكُونَ حَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا نَادِرًا بَلْ انْقِطَاعُ الدَّمِ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ فَصَاعِدًا غَيْرُ مُبْطِلٍ لِلْحَيْضِ، كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَالْمُرَادُ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّتِهِ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا وَأَكْثَرُهَا قَدْرُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَافِي، وَإِنَّمَا حَذَفَهُ هُنَا؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْأَيَّامِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ يَتَنَاوَلُ مِثْلَهَا مِنْ اللَّيَالِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] وَالْقَصَّةُ وَاحِدَةٌ وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ حَتَّى لَوْ رَأَتْ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ السَّبْتِ وَانْقَطَعَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لَا يَكُونُ حَيْضًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ إنَّهُ مُقَدَّرٌ بِيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرِ الثَّالِثِ وَهُوَ سَبْعٌ وَسِتُّونَ سَاعَةً عَلَى مَا فِي الْعِنَايَةِ عَنْ النَّوَادِرِ. الثَّانِيَةُ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيْلَتَيْنِ عَلَى مَا فِي التَّجْنِيسِ وَفِي غَيْرِهِ أَنَّهُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْبَدَائِعِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ ضَعِيفَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عَدَدِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقَصَ عَنْهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ أَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا «لِقَوْلِهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْش دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَامْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذِهِ الصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ» هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَخَرَّجَهُ الزَّيْلَعِيُّ الْمُخَرَّجُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَوَائِلَةَ وَمُعَاذٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَائِشَةَ بِطُرُقٍ ضَعِيفَةٍ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَعْدَ سَرْدِهَا فَهَذِهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُتَعَدِّدَةِ الطُّرُقِ وَذَلِكَ يَرْفَعُ الضَّعِيفَ إلَى الْحَسَنِ، وَالْمُقَدَّرَاتُ الشَّرْعِيَّةُ مِمَّا لَا تُدْرَكُ بِالرَّأْيِ فَالْمَوْقُوفُ فِيهَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ بَلْ تَسْكُنُ النَّفْسُ بِكَثْرَةِ مَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إلَى أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِمَّا أَجَادَ فِيهِ ذَلِكَ الرَّاوِي الضَّعِيفُ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ أَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ نَعْلَمْ فِيهِ حَدِيثًا حَسَنًا وَلَا ضَعِيفًا ــ [منحة الخالق] لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ وَإِيَاسٍ؛ لِأَنَّ مَا تَرَاهُ الْآيِسَةُ أَيْ الَّتِي بَلَغَتْ خَمْسًا وَخَمْسِينَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لَيْسَ حَيْضًا وَأَجَابَ مُنْلَا خُسْرو بِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَا وَجْهَ لِإِدْخَالِهِ فِي الْحَدِّ

стр. 201

وَإِنَّمَا تَمَسَّكُوا فِيهِ بِمَا رَوَوْهُ عَنْهُ ﵊ قَالَ فِي صِفَةِ النِّسَاءِ «تَمْكُثُ إحْدَاكُنَّ شَطْرَ عُمْرِهَا لَا تُصَلِّي» وَهُوَ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ هَذَا حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ. اهـ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «تَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي» اهـ. وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِلْمَذْهَبِ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «إذْ سَأَلَتْ عَنْ الْمَرْأَةِ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ فَقَالَ ﵇ لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ فَلْتَتْرُكْ قَدْرَ ذَلِكَ مِنْ الشَّهْرِ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي» فَأَجَابَهَا بِذِكْرِ عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَهَا عَنْ مِقْدَارِ حَيْضِهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْأَيَّامُ عَشَرَةٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ. اهـ. وَأَمَّا مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَقَلِّهِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مَوْجُودَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ جَازَ وُجُودُهَا فِيمَا دُونَهُ فَلِمَ لَمْ يَجْعَلْهُ حَيْضًا. (قَوْلُهُ: فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ زَادَ اسْتِحَاضَةٌ) أَيْ مَا نَقَصَ مِنْ الْأَقَلِّ أَوْ زَادَ عَلَى الْأَكْثَرِ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الدَّمَ إمَّا أَنْ يَكُونَ دَمَ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ اسْتِحَاضَةٍ فَانْتَفَى الْأَوَّلَانِ فَتَعَيَّنَ الثَّالِثُ وَلِأَنَّ تَقْدِيرَ الشَّرْعِ يَمْنَعُ إلْحَاقَ غَيْرِهِ بِهِ (قَوْلُهُ: وَمَا سِوَى الْبَيَاضِ الْخَالِصِ حَيْضٌ) . [كَيْفِيَّة الْحَيْض] لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ كَمِّيَّتِهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ كَيْفِيَّتِهِ اعْلَمْ أَنَّ أَلْوَانَ الدِّمَاءِ سِتَّةٌ: السَّوَادُ وَالْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ وَالْخُضْرَةُ وَالتُّرَبِيَّةُ وَهِيَ الَّتِي عَلَى لَوْنِ التُّرَابِ نَوْعٌ مِنْ الْكُدْرَةِ وَهِيَ نِسْبَةٌ إلَى التُّرْبِ بِمَعْنَى التُّرَابِ، وَيُقَالُ تُرَبِيَّةٌ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ وَتَرِيبَةٌ مِثْلُ تَرِيعَةٍ وَتَرْبِيَةٌ بِوَزْنِ تَرْعِيَةٍ وَقِيلَ هِيَ مِنْ الرِّئَةِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى لَوْنِهَا، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَيُقَالُ أَيْضًا التُّرَابِيَّةُ وَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْوَانُ حَيْضٌ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ إلَى أَنْ تَرَى الْبَيَاضَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَكُونُ الْكُدْرَةُ حَيْضًا إذَا رَأَتْهَا فِي أَوَّلِ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَإِذَا رَأَتْهَا فِي آخِرِهَا تَكُونُ حَيْضًا؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ دَمَ رَحِمٍ لَتَأَخَّرَتْ عَنْ الصَّافِي، وَلَهُمَا مَا رُوِيَ عَنْ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ الَّتِي فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ لِتَنْظُرَ إلَيْهِ فَتَقُولُ لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضِ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَالْقَصَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ فَصَحَّ بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ عَائِشَةَ. وَذَكَرَ فِي الصَّحِيحِ وَالسُّنَنِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ؛ لِأَنَّهَا قَيَّدَتْ بِمَا بَعْدَ الطُّهْرِ وَفِي التَّجْنِيسِ امْرَأَةٌ رَأَتْ بَيَاضًا خَالِصًا عَلَى الْخِرْقَةِ مَا دَامَ رَطْبًا فَإِذَا يَبِسَ اصْفَرَّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَيَاضِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالُ الرُّؤْيَةِ لَا حَالَةُ التَّغَيُّرِ بَعْدَ ذَلِكَ. اهـ. وَكَذَا لَوْ رَأَتْ حُمْرَةً أَوْ صُفْرَةً فَإِذَا يَبِسَتْ أَبْيَضَّتْ يُعْتَبَرُ حَالَةُ الرُّؤْيَةِ لَا حَالَةُ التَّغَيُّرِ بَعْدَ ذَلِكَ. اهـ. وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ أَنْكَرَ الْخُضْرَةَ فَقَالَ لَعَلَّهَا أَكَلَتْ قَصِيلًا اسْتِبْعَادًا لَهَا قُلْنَا هِيَ نَوْعٌ مِنْ الْكُدْرَةِ وَلَعَلَّهَا أَكَلَتْ نَوْعًا مِنْ الْبُقُولِ وَفِي الْهِدَايَةِ، وَأَمَّا الْخُضْرَةُ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ يَكُونُ حَيْضًا وَيَحْمِلُ عَلَى فَسَادِ الْغِذَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً لَا تَرَى غَيْرَ الْخُضْرَةِ يَحْمِلُ عَلَى فَسَادِ الْمَنْبَتِ فَلَا يَكُونُ حَيْضًا. اهـ. وَفِي الْبَدَائِعِ قَالَ بَعْضُهُمْ الْكُدْرَةُ وَالتُّرْبَةُ وَالصُّفْرَةُ وَالْخُضْرَةُ إنَّمَا تَكُونُ حَيْضًا عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ الْعَجَائِزِ، أَمَّا فِي الْعَجَائِزِ فَيُنْظَرُ إنْ وَجَدَتْهَا عَلَى الْكُرْسُفِ وَمُدَّةُ الْوَضْعِ قَرِيبَةٌ فَهِيَ حَيْضٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْوَضْعِ طَوِيلَةً لَمْ تَكُنْ حَيْضًا؛ لِأَنَّ رَحِمَ الْعَجُوزِ يَكُونُ مُنْتِنًا فَيَتَغَيَّرُ الْمَاءُ فِيهِ لِطُولِ الْمُكْثِ وَمَا عَرَفْت الْجَوَابَ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ مِنْ الْحَيْضِ فَهُوَ الْجَوَابُ فِيهَا فِي النِّفَاسِ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُ الْحَيْضِ. اهـ. وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى فَخْرِ الْأَئِمَّةِ لَوْ أَفْتَى مُفْتٍ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ طَلَبًا لِلتَّيْسِيرِ كَانَ حَسَنًا اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمُقْتَضَى الْمَرْوِيِّ فِي الْمُوَطَّإِ وَالْبُخَارِيِّ أَنَّ مُجَرَّدَ الِانْقِطَاعِ دُونَ رُؤْيَةِ الْقَصَّةِ لَا يَجِبُ مَعَهُ أَحْكَامُ الطَّاهِرَاتِ وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِيمَا يَأْتِي كُلُّهُ بِلَفْظِ الِانْقِطَاعِ حَيْثُ يَقُولُونَ ــ [منحة الخالق] [أَقَلُّ الْحَيْضِ] (قَوْلُهُ: أَكَلَتْ قَصِيلًا إلَخْ) الْقَصِيلُ زَرْعٌ أَخْضَرُ مَقْطُوعٌ قَبْلَ أَوَانِهِ يُقَالُ قَصَلْت الدَّابَّةَ أَيْ عَلَفْتهَا الْقَصِيلَ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً لَا تُرَى غَيْرَ الْخَضِرَةِ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ كَوْنُهَا لَا تَرَى غَيْرَهَا لَيْسَ بِقَيْدٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ حُسَامُ الدِّينِ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ أَوَّلَ الْبَابِ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ فِي نَفْيِ كَوْنِ مَا تَرَاهُ حَيْضًا أَنْ لَا تَرَى الدَّمَ الْخَالِصَ.

стр. 202

وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فَكَذَا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ انْقِطَاعٌ بِجَفَافٍ مِنْ وَقْتٍ إلَى وَقْتٍ ثُمَّ تَرَى الْقَصَّةَ، فَإِنْ كَانَتْ الْغَايَةُ الْقَصَّةَ لَمْ تَجِبْ تِلْكَ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ الِانْقِطَاعُ عَلَى سَائِرِ الْأَلْوَانِ وَجَبَتْ وَأَنَا مُتَرَدِّدٌ فِيمَا هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ بِالنَّظَرِ إلَى دَلِيلِهِمْ وَعِبَارَاتُهُمْ فِي إعْطَاءِ الْأَحْكَامِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَأَيْت فِي مَرْوِيِّ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ رَيْطَةَ مَوْلَاةِ عَمْرَةَ عَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ لِلنِّسَاءِ إذَا أَدْخَلَتْ إحْدَاكُنَّ الْكُرْسُفَ فَخَرَجَتْ مُتَغَيِّرَةً فَلَا تُصَلِّي حَتَّى لَا تَرَى شَيْئًا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْغَايَةَ الِانْقِطَاعُ. اهـ. ، وَقَدْ يُقَالُ هَذَا التَّرَدُّدُ لَا يَتِمُّ إلَّا إذَا فُسِّرَتْ الْقَصَّةُ بِأَنَّهَا بَيَاضٌ مُمْتَدٌّ كَالْخَيْطِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ ضَعْفُ هَذَا التَّفْسِيرِ فَقَدْ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْنَاهُ أَنْ تَخْرُجَ الْقُطْنَةُ أَوْ الْخِرْقَةُ الَّتِي تَحْتَشِي بِهَا الْمَرْأَةُ كَأَنَّهَا قَصَّةٌ لَا تُخَالِطُهَا صُفْرَةٌ وَلَا تُرَبِيَّةٌ، وَيُقَالُ: إنَّ الْقَصَّةُ شَيْءٌ كَالْخَيْطِ الْأَبْيَضِ يَخْرُجُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ كُلِّهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ انْتِفَاءُ اللَّوْنِ وَأَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ أَثَرٌ أَلْبَتَّةَ فَضُرِبَ رُؤْيَةُ الْقَصَّةِ مَثَلًا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَائِيَ الْقَصَّةَ غَيْرُ رَائِي شَيْءٍ مِنْ سَائِرِ أَلْوَانِ الْحَائِضِ. اهـ. فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْقَصَّةَ مَجَازٌ عَنْ الِانْقِطَاعِ وَأَنَّ تَفْسِيرَهَا بِأَنَّهَا شَيْءٌ كَالْخَيْطِ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ يُقَالُ الدَّالَّةُ عَلَى التَّمْرِيضِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الِانْقِطَاعُ آخِرُ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضِ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ دَلِيلَهُمْ مُوَافِقٌ لِعِبَارَاتِهِمْ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ ثُمَّ وَضْعُ الْكُرْسُفِ مُسْتَحَبٌّ لِلْبِكْرِ فِي الْحَيْضِ وَلِلثَّيِّبِ فِي كُلِّ حَالٍ وَمَوْضِعُهُ مَوْضِعُ الْبَكَارَةِ وَيُكْرَهُ فِي الْفَرْجِ الدَّاخِلِ. اهـ. وَفِي غَيْرِهِ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِلثَّيِّبِ حَالَةَ الْحَيْضِ مُسْتَحَبَّةٌ حَالَةَ الطُّهْرِ وَلَوْ صَلَّتَا بِغَيْرِ كُرْسُفٍ جَازَ. (قَوْلُهُ: يَمْنَعُ صَلَاةً وَصَوْمًا) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِهِ فَذَكَرَ بَعْضَهَا وَلَا بَأْسَ بِبَيَانِهَا، فَنَقُولُ: إنَّ الْحَيْضَ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ: أَحَدُهَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ، وَأَمَّا أَغْسَالُ الْحَجِّ فَإِنَّهَا تَأْتِي بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا التَّنْظِيفُ لَا الطَّهَارَةُ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ الطَّهَارَةِ عَلَيْهَا فَمَنْقُولٌ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِلنَّوَوِيِّ، وَأَمَّا أَئِمَّتُنَا فَقَالُوا: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَتَقْعُدَ عَلَى مُصَلَّاهَا تُسَبِّحُ وَتُهَلِّلُ وَتُكَبِّرُ وَفِي رِوَايَةٍ يُكْتَبُ لَهَا ثَوَابُ أَحْسَنِ صَلَاةٍ كَانَتْ تُصَلِّي وَصَحَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهَا تَجْلِسُ مِقْدَارَ أَدَاءِ فَرْضِ الصَّلَاةِ كَيْ لَا تَنْسَى الْعَادَةَ. الثَّانِي: يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْكِتَابِ وَظَاهِرُ مَا فِي الْقُدُورِيِّ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْحَيْضُ يُسْقِطُ. فَأَفَادَ ظَاهِرًا عَدَمَ تَعَلُّقِ أَصْلِ الْوُجُوبِ بِهَا وَهَذَا لِأَنَّ تَعَلُّقَهُ يَسْتَتْبِعُ فَائِدَتَهُ، وَهِيَ إمَّا الْأَدَاءُ أَوْ الْقَضَاءُ وَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ لِقِيَامِ الْحَدَثِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ رَفْعِهِ وَالثَّانِي كَذَلِكَ فَضْلًا مِنْهُ تَعَالَى دَفْعًا لِلْحَرَجِ اللَّازِمِ بِإِلْزَامِ الْقَضَاءِ لِتَضَاعُفِ الْوَاجِبَاتِ خُصُوصًا فِيمَنْ عَادَتُهَا أَكْثَرُهُ فَانْتَفَى الْوُجُوبُ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ لَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهَا لِلْخِطَابِ، وَلِذَا تَعَلَّقَ بِهَا خِطَابُ الصَّوْمِ لِعَدَمِ الْحَرَجِ إذْ غَايَةُ مَا تَقْضِي فِي السَّنَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا إذَا كَانَ حَيْضُهَا عَشَرَةً، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ يُسْقِطُ يَقْتَضِي سَابِقَةَ الْوُجُوبِ عَلَيْهَا وَيَقُولُونَ ــ [منحة الخالق] [مَا يَمْنَعهُ الْحَيْض] (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ يُفِيدُ ظَاهِرٌ إلَخْ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ مُقْتَضَاهُ سَبْقُ تَكْلِيفٍ بِهِ وَلَوْ قَالَ الْمُرَادُ بِالتَّكْلِيفِ السَّابِقِ الَّذِي سَقَطَ هُوَ مَا كَانَ قَبْلَ وُجُودِ الْعُذْرِ لَكَانَ وَجْهُهُ ظَاهِرًا وَعَلَيْهِ يَتَسَاوَى الْمَنْعُ مَعَ السُّقُوطِ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَأَمَّا حِكَايَةُ النَّوَوِيِّ الْإِجْمَاعَ فَلَا تَرِدُ عَلَى أَبِي زَيْدٍ فَإِنَّهُ سَابِقٌ عَلَى النَّوَوِيِّ فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ٤٣٥ وَالنَّوَوِيُّ مَوْلِدُهُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ٦٣١ بَلْ اخْتِيَارُهُ وَالْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ وَارِدٌ عَلَى الْإِجْمَاعِ إنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْمَذْهَبِيَّ. اهـ. كَذَا نَقَلَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَقَالَ بَعْدَهُ قُلْت الَّذِي حَكَاهُ النَّوَوِيُّ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِيِّ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ يُحَرِّمُ عَلَيْهَا الصَّلَاةَ فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهَا فَرْضُ الصَّلَاةِ فَلَا تَقْضِي إذَا طَهُرَتْ. اهـ. أَقُولُ: ثُمَّ قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ الْمُرَادُ بِالتَّكْلِيفِ السَّابِقِ إلَخْ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ لَمَا شَمَلَ الْمُبْتَدِأَةَ بِالْحَيْضِ إذْ لَا وُجُوبَ عَلَيْهَا قَبْلَهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى الْغَالِبِ وَلَعَلَّهُ لَمَّا قُلْنَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ هَذَا، وَقَدْ دَفَعَ فِي النَّهْرِ الْمُنَافَاةَ مِنْ أَصْلِهَا فَقَالَ وَكَوْنُ عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ ظَاهِرَةً فِيمَا قَالَ تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْفَتْحِ وَلِقَائِلٍ مَنْعُهُ إذْ سُقُوطُ الشَّيْءِ فَرْعُ وُجُودِهِ، وَحِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ لَا تُنَافِي مَا قَالَهُ الدَّبُوسِيُّ فِي أُصُولِهِ إذْ السُّقُوطُ قَدْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنْ هَلْ بَعْدَ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ أَمْ لَا فَظَاهِرٌ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْتَلَفَ فِي سُقُوطِ الْوُجُوبِ فِيمَا لَوْ طَرَأَ عَلَيْهَا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ. اهـ. وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اخْتَلَفَ فِيهَا الْأُصُولِيُّونَ وَهِيَ أَنَّ الْأَحْكَامَ هَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْحَائِضِ أَمْ لَا؟ اخْتَارَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ وَالسُّقُوطُ بِعُذْرِ الْحَرَجِ قَالَ: لِأَنَّ الْآدَمِيَّ أَهْلٌ لِإِيجَابِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ وَكَلَامُ الشَّيْخِ يَعْنِي الْقُدُورِيَّ بِنَاءً عَلَى هَذَا، وَقَالَ الْبَزْدَوِيُّ كُنَّا عَلَى هَذَا مُدَّةً ثُمَّ تَرَكْنَاهُ وَقُلْنَا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ. اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِ النَّهْرِ إبْقَاءُ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ عَلَى مَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ فِي السِّرَاجِ وَغَيْرِهِ وَأَنَّهُ مَعَ هَذَا لَا يُنَافِي الْإِجْمَاعَ الَّذِي نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ قَالَ: إنَّ سُقُوطَ الشَّيْءِ فَرْعُ وُجُودِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ السُّقُوطَ فِي عِبَارَةِ النَّوَوِيِّ بِالِانْتِفَاءِ كَمَا

стр. 203

أَنَّهُ قَوْلُ أَبِي زَيْدٍ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ لَا يَجِبُ، وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى سُقُوطِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَنْهَا. الثَّالِثُ: يُحَرِّمُهَا. الرَّابِعُ: يَمْنَعُ صِحَّتَهَا. الْخَامِسُ: يُحَرِّمُ الصَّوْمَ. السَّادِسُ - يَمْنَعُ صِحَّتَهُ. وَأَمَّا أَنَّهُ يَمْنَعُ وُجُوبَهُ فَلَا لِمَا قَدَّمْنَا وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ. السَّابِعُ: يُحَرِّمُ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلَهُ. الثَّامِنُ: يُحَرِّمُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ. التَّاسِعُ: يُحَرِّمُ دُخُولَ الْمَسْجِدِ. الْعَاشِرُ: يُحَرِّمُ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَيَمْنَعُ صِحَّتَهُ. الْحَادِيَ عَشَرَ: يُحَرِّمُ الِاعْتِكَافَ. الثَّانِيَ عَشَرَ: يَمْنَعُ صِحَّتَهُ. الثَّالِثَ عَشَرَ: يُفْسِدُهُ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ. الرَّابِعَ عَشَرَ: يُحَرِّمُ الطَّوَافَ مِنْ جِهَتَيْنِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَتَرْكِ الطَّهَارَةِ لَهُ. لَكِنْ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا فَانْدَفَعَ بِهِ مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ طَوَافِهَا مُطْلَقًا. الْخَامِسَ عَشَرَ: يَمْنَعُ وُجُوبَ طَوَافِ الصَّدْرِ. السَّادِسَ عَشَرَ: يُحَرِّمُ الْوَطْءَ وَمَا هُوَ فِي حُكْمِهِ. السَّابِعَ عَشَرَ: يُحَرِّمُ الطَّلَاقَ. الثَّامِنَ عَشَرَ: تَبْلُغُ بِهِ الصَّبِيَّةُ. التَّاسِعَ عَشَرَ: يَتَعَلَّقُ بِهِ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ. الْعِشْرُونَ: يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ. الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: يُوجِبُ الْغُسْلَ بِشَرْطِ الِانْقِطَاعِ عَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ. الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالْفِطْرِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَنَحْوِهَا حَيْثُ تُقْطَعُ عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْإِمَامُ الدَّبُوسِيُّ فِي التَّقْوِيمِ وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالنِّفَاسِ إلَّا خَمْسَةً: وَهِيَ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءُ وَالْحُكْمُ بِبُلُوغِهَا وَالْفَصْلُ بَيْنَ طَلَاقَيْ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ وَعَدَمُ قَطْعِ التَّتَابُعِ فِي الصَّوْمِ فَإِنَّ هَذِهِ مُخْتَصَّةٌ بِالْحَيْضِ فَظَهَرَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ مَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنَّ أَحْكَامَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ اثْنَا عَشَرَ ثَمَانِيَةٌ مُشْتَرَكَةٌ وَأَرْبَعَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالْحَيْضِ لَيْسَ بِجَامِعٍ. ثُمَّ هَذِهِ الْأَحْكَامُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِبُرُوزِ الدَّمِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِالْإِحْسَاسِ وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِنِصَابِ الْحَيْضِ لَكِنْ يَسْتَنِدُ إلَى ابْتِدَائِهِ وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِانْقِضَائِهِ فَالثَّانِي هُوَ الْحُكْمُ بِبُلُوغِهَا وَوُجُوبُ الْغُسْلِ وَالثَّالِثُ هُوَ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءُ وَبَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: فَتَقْضِيهِ دُونَهَا) أَيْ فَتَقْضِي الصَّوْمَ لُزُومًا دُونَ الصَّلَاةِ لِمَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ «عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ سَأَلْت عَائِشَةَ فَقُلْت مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ قُلْت لَسْت بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ قَالَتْ كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ وَلِأَنَّ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ حَرَجًا بِتَكَرُّرِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَتَكَرُّرِ الْحَيْضِ فِي كُلِّ شَهْرٍ بِخِلَافِ الصَّوْمِ حَيْثُ يَجِبُ فِي السَّنَةِ شَهْرًا وَاحِدًا وَالْمَرْأَةُ لَا تَحِيضُ عَادَةً فِي الشَّهْرِ إلَّا مَرَّةً فَلَا حَرَجَ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ، وَإِنْ نَفِسَتْ رَمَضَانَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ فِي رَمَضَانَ كُلَّهُ نَادِرٌ فَلَا يُعْتَبَرُ. وَذَكَرَ فِي آخِرِ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ حِكْمَتَهُ أَنَّ حَوَّاءَ لَمَّا رَأَتْ الدَّمَ أَوَّلَ مَرَّةٍ سَأَلَتْ آدَمَ فَقَالَ لَا أَعْلَمُ فَأُوحِيَ إلَيْهِ أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ فَلَمَّا طَهُرَتْ سَأَلَتْهُ فَقَالَ لَا أَعْلَمُ فَأُوحِيَ إلَيْهِ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَأَتْهُ فِي وَقْتِ الصَّوْمِ فَسَأَلَتْهُ فَأَمَرَهَا بِتَرْكِ الصَّوْمِ وَعَدَمِ قَضَائِهِ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ فَأَمَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِقَضَاءِ الصَّوْمِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ آدَمَ أَمَرَهَا بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّ سَبَبَ قَضَائِهِ تَرْكُ حَوَّاءَ السُّؤَالَ لَهُ وَقِيَاسُهَا الصَّوْمَ عَلَى الصَّلَاةِ فَجُوزِيَتْ بِقَضَائِهِ بِسَبَبِ تَرْكِ السُّؤَالِ، فَإِنْ قِيلَ إنَّهَا غَيْرُ مُخَاطَبَةٍ بِالصَّوْمِ حَالَ حَيْضِهَا لِحُرْمَتِهِ عَلَيْهَا فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْأَدَاءُ قُلْنَا: أَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ مَشَايِخِنَا وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فَلَا إشْكَالَ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ مِنْ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْأَدَاءُ فَانْعِقَادُ السَّبَبِ يَكْفِي لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ تُخَاطَبْ بِالْأَدَاءِ وَهَلْ يُكْرَهُ لَهَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِلَافَ الْأَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى. وَالْحَرُورِيَّةُ فِرْقَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ ــ [منحة الخالق] فَعَلَهُ الْمُؤَلِّفُ لِيَصِحَّ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ وَإِلَّا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ كَقَوْلِ الدَّبُوسِيِّ فَقَوْلُهُ إذْ السُّقُوطُ قَدْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إلَخْ إنْ لَمْ يُؤَوَّلْ بِالِانْتِفَاءِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ قَطْعًا فَظَهَرَ أَنَّ السُّقُوطَ مَعْنَاهُ الِانْتِفَاءُ فِي عِبَارَتَيْ الْقُدُورِيِّ وَالنَّوَوِيِّ وَأَنَّهُ لَا دَاعِيَ إلَى حَمْلِ عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ عَلَى قَوْلِ أَبِي زَيْدٍ إذْ هُوَ قَوْلٌ رَدَّهُ الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّ فِيهِ إخْلَالًا لِإِيجَابِ الشَّرْعِ عَنْ الْفَائِدَةِ فِي الدُّنْيَا وَهِيَ تَحَقُّقُ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ وَفِي الْآخِرَةِ وَهِيَ الْجَزَاءُ وَبِأَنَّ الصَّبِيَّ لَوْ كَانَ ثَابِتًا عَلَيْهِ ثُمَّ سَقَطَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ لَكَانَ يَنْبَغِي إذَا أَدَّى أَنْ يَكُونَ مُؤَدِّيًا لِلْوَاجِبِ كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ وَحَيْثُ لَمْ يَقَعْ الْمُؤَدَّى عَنْ الْوَاجِبِ بِالِاتِّفَاقِ دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ أَصْلًا، وَقَوْلُهُ فَظَاهِرٌ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ تَبِعَ فِيهِ الْإِمَامَ السُّبْكِيَّ لَكِنَّهُ قَالَهُ فِي الصَّوْمِ قَالَ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ حَالَةَ الْعُذْرِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا وَالْقَضَاءُ بَعْدَ زَوَالِهِ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا. اهـ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ لَكِنْ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فَائِدَةُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الذَّخَائِرِ فِيمَا إذَا قُلْنَا: يَجِبُ التَّعَرُّضُ لِلْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ فِي النِّيَّةِ، فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا نَوَتْ الْقَضَاءَ وَإِلَّا نَوَتْ الْأَدَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتُ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ نَعَمْ يَبْقَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إيهَامُ أَنَّ الصَّوْمَ حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، وَلِذَا قَالَ فِي النَّهْرِ يَمْنَعُ صَلَاةً أَيْ حِلَّهَا لِتَنَاسُبِ الْمَعْطُوفَاتِ فَالْأَوْلَى مَا فِي الْقُدُورِيِّ وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِلَافَ الْأَوْلَى) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ لَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ

стр. 204

مَنْسُوبَةٌ إلَى حَرُورَاءَ قَرْيَةٍ بِالْكُوفَةِ كَانَ بِهَا أَوَّلُ تَحَكُّمِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ وَالْمُرَادُ أَنَّهَا فِي التَّعَمُّقِ فِي سُؤَالِهَا كَأَنَّهَا خَارِجِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُمْ تَعَمَّقُوا فِي أَمْرِ الدِّينِ حَتَّى خَرَجُوا، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ. (قَوْلُهُ: وَدُخُولُ مَسْجِدٍ) أَيْ يَمْنَعُ الْحَيْضَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ وَكَذَا الْجَبَّانَةُ وَخَرَجَ بِالْمَسْجِدِ غَيْرُهُ كَمُصَلَّى الْعِيدِ وَالْجَنَائِزِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالرِّبَاطِ فَلَا يَمْنَعَانِ مِنْ دُخُولِهَا، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ الْمُتَّخَذُ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، وَاخْتَارَ فِي الْقُنْيَةِ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ أَنَّ الْمَدْرَسَةَ إذَا كَانَ لَا يَمْنَعُ أَهْلُهَا النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهَا فَهِيَ مَسْجِدٌ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الْجَبَّانَةُ وَمُصَلَّى الْجِنَازَةِ لَهُمَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً وَلَيْسَ لَهُمَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ الْمُرُورِ وَحُرْمَةِ الدُّخُولِ لِلْجُنُبِ وَفِنَاءُ الْمَسْجِدِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً وَلَا الْمَسْجِدُ مَلْآنَ. اهـ. وَأَمَّا فِي جَوَازِ دُخُولِ الْحَائِضِ فَلَيْسَ لِلْفِنَاءِ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِيهِ، وَأَمَّا مَا فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ مِنْ أَنَّ سَطْحَ الْمَسْجِدِ وَظُلَّةَ بَابِهِ فِي حُكْمِهِ فَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مُقَيَّدٌ فِي الظُّلَّةِ بِأَنَّهَا حُكْمُهُ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ لَا فِي حُرْمَةِ الدُّخُولِ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ كَمَا لَا يَخْفَى وَقَيَّدَ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ الْمَنْعَ مِنْ دُخُولِهِمَا الْمَسْجِدَ بِأَنْ لَا يَكُونَ عَنْ ضَرُورَةٍ فَقَالَ وَحَرُمَ عَلَى الْجُنُبِ دُخُولُ الْمَسْجِدِ وَلَوْ لِلْعُبُورِ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَأَنْ يَكُونَ بَابُ بَيْتِهِ إلَى الْمَسْجِدِ اهـ وَهُوَ حَسَنٌ، وَإِنْ خَالَفَ إطْلَاقَ الْمَشَايِخِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُهُ تَحْوِيلُ بَابِهِ إلَى غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ قَادِرًا عَلَى السُّكْنَى فِي غَيْرِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَإِلَّا لَمْ تَتَحَقَّقْ الضَّرُورَةُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا عَنْ أَفْلَتَ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يَصْنَعْ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ أَنْ تَنْزِلَ فِيهِمْ رُخْصَةٌ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقَالَ وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ، وَقَدْ نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ تَضْعِيفَهُ بِسَبَبِ جَهَالَةِ أَفْلَتَ وَرَدَّ عَلَيْهِ وَدَجَاجَةُ بِكَسْرِ الدَّالِ بِخِلَافِ وَاحِدَةِ الدَّجَاجِ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي إبَاحَتِهِ الدُّخُولَ عَلَى وَجْهِ الْعُبُورِ وَعَلَيَّ أَبِي الْيُسْرِ مِنْ أَصْحَابِنَا كَمَا فِي إبَاحَةِ الدُّخُولَ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] بِنَاءً مِنْهُ عَلَى إرَادَةِ مَكَانِ الصَّلَاةِ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ مَجَازًا فَيَكُونُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ قُرْبَانَ مَكَانِ الصَّلَاةِ لِلْجُنُبِ لَا حَالَ الْعُبُورِ أَوْ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الصَّلَاةِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ فَيَكُونُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ قُرْبَانُ الصَّلَاةِ وَمَوْضِعِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنْهُ عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرِ وَلَا مُوجِبَ لَهُ إلَّا تَوَهُّمُ لُزُومِ جَوَازِ الصَّلَاة جُنُبًا حَالَ كَوْنِهِ عَابِرَ سَبِيلٍ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمَنْعِ الْمُغَيَّا بِالِاغْتِسَالِ وَهَذَا التَّوَهُّمُ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِوُجُوبِ الْحُكْمِ بِأَنَّ الْمُرَادَ جَوَازُهَا حَالَ كَوْنِهِ عَابِرَ سَبِيلٍ أَيْ مُسَافِرًا بِالتَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ مُؤَدَّى التَّرْكِيبِ لَا تَقْرَبُوهَا جُنُبًا حَتَّى تَغْتَسِلُوا لَا حَالَ عُبُورِ السَّبِيلِ فَلَكُمْ أَنْ تَقْرَبُوهَا بِغَيْرِ اغْتِسَالٍ، وَبِالتَّيَمُّمِ يَصْدُقُ أَنَّهُ بِغَيْرِ اغْتِسَالٍ نَعَمْ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الِاسْتِثْنَاءِ إطْلَاقُ الْقُرْبَانِ حَالَ الْعُبُورِ لَكِنْ يَثْبُتُ اشْتِرَاطُ التَّيَمُّمِ فِيهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَلَيْسَ هَذَا بِبِدْعٍ فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِعَابِرِي السَّبِيلِ الْمُسَافِرُونَ كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَعَلَى هَذَا فَالْآيَةُ دَلِيلُهُمَا عَلَى مَنْعِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ الْمُقِيمِ فِي الْمِصْرِ ظَاهِرًا، فَإِنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ الْمَنْعِ الْمُسَافِرِينَ فَكَانَ الْمُقِيمُ دَاخِلًا فِي الْمَنْعِ وَجَوَابُهُ مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ خَصَّ حَالَةَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ فِي الْمِصْرِ مِنْ الْمَنْعِ فِي الْآيَةِ كَمَا أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ فِي الْمَرِيضِ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَخْصِيصِ حَالَةِ الْقُدْرَةِ حَتَّى لَا يَتَيَمَّمُ الْمَرِيضُ الْقَادِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَإِجْمَاعُهُمْ إنَّمَا كَانَ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ شَرْعِيَّتَهُ لِلْحَاجَةِ إلَى الطَّهَارَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ فَإِذَا ــ [منحة الخالق] بَدَلَ الْمَسْحِ كُرِهَ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ إلَخْ) قِيلَ: يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ تُجْعَلْ الظُّلَّةُ جُزْءًا مِنْ الْمَسْجِدِ ابْتِدَاءً أَوْ لَمْ تُلْحَقْ بِهِ كَذَلِكَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا كَوْنُ ظُلَّةِ بَابِهِ فِي حُكْمِهِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِ الْكَلَامِ فِيهِ فَإِنَّمَا يَتِمُّ إذَا جُعِلَتْ جُزْءًا مِنْ الْمَسْجِدِ ابْتِدَاءً أَوْ أُلْحِقَتْ بِهِ كَذَلِكَ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ مَعَ فَرْضِ أَنَّ الْبُقْعَةَ الْخَارِجَةَ عَنْ جُدْرَانِ الْمَسْجِدِ لَيْسَتْ مِنْهُ لِيَكُونَ مَا فِي هَوَائِهَا لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ كَمَا هُوَ الْعُرْفُ الْعَمَلِيُّ الْمُسْتَمِرُّ فِي إنْشَاءِ الْمَسْجِدِ فَلَا يَكُونُ لِهَذِهِ الظُّلَّةِ هَذَا الْحُكْمُ الَّذِي لِلْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَتْ فِي حُكْمِهِ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مَا فِيهِ اهـ. (قَوْلُهُ: كَمَا فِي إبَاحَةِ الدُّخُولِ) أَيْ قَالَهُ قِيَاسًا عَلَى إبَاحَةِ الدُّخُولِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ

стр. 205

تَحَقَّقَ فِي الْمِصْرِ جَازَ وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الْمَرِيضِ لَا يَجُوزُ، فَإِنْ قِيلَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَأَنْتُمْ تَأْبَوْنَهُ قُلْنَا: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مُحَصَّلَهَا لَا تَقْرَبُوهَا جُنُبًا حَتَّى تَغْتَسِلُوا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ فَاقْرَبُوهَا بِلَا اغْتِسَالٍ بِالتَّيَمُّمِ؛ لَا أَنَّ الْمَعْنَى فَاقْرَبُوهَا جُنُبًا بِلَا اغْتِسَالٍ بِالتَّيَمُّمِ، فَالرَّفْعُ وَعَدَمُهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، ثُمَّ اُسْتُفِيدَ كَوْنُهُ رَافِعًا مِنْ خَارِجٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ. وَيَدُلُّ لِلْمَذْهَبِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا عَلِيُّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُجْنِبُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرَك» وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُنْذِرِ قُلْت لِضِرَارِ بْنِ صُرَدٍ مَا مَعْنَاهُ قَالَ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُهُ جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرَك نَعَمْ تُعُقِّبَ تَحْسِينُ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ سَالِمَ بْنَ أَبِي حَفْصَةَ وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيَّ وَهُمَا ضَعِيفَانِ شِيعِيَّانِ مُتَّهَمَانِ لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ سِرَاجُ الدِّينِ الشَّهِيرُ بِابْنِ الْمُلَقِّنِ وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي أَكْبَرِ مَعَاجِمِهِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ أَبِي سَلَمَةَ اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ بْنُ حَجَرٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ حَدِيثَ «سُدُّوا كُلَّ بَابٍ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا بَابَ عَلِيٍّ» جَاءَ مِنْ رِوَايَاتِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرْوُونَ إلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: فَإِنْ ثَبَتَتْ رِوَايَةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَالْمُرَادُ بِهَا هَذَا الْمَعْنَى، فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ قَالَ يَعْنِي الْبَزَّارَ عَلَى أَنَّ رِوَايَاتِ أَهْلِ الْكُوفَةِ جَاءَتْ مِنْ وُجُوهٍ بِأَسَانِيدَ حِسَانٍ. وَأَخْرَجَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ الْمَالِكِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ عَنْ الْمُطَّلِبِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَجْلِسَ فِيهِ وَهُوَ جُنُبٌ إلَّا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ» ؛ لِأَنَّ بَيْتَهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَهُوَ مُرْسَلٌ قَوِيٌّ اهـ. فَقَدْ مَنَعَهُمْ مِنْ الِاجْتِيَازِ وَالْقُعُودِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُمْ غَيْرَ عَلِيٍّ خُصُوصِيَّةً لَهُ كَمَا خَصَّ الزُّبَيْرَ بِإِبَاحَةِ لُبْسِ الْحَرِيرِ لَمَّا شَكَا مِنْ أَذَى الْقَمْلِ وَخَصَّ غَيْرَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي خُصُوصِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَقَدْ أَخْرَجَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ «كَانَ لِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبْوَابٌ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ فَقَالَ يَوْمًا سُدُّوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ إلَّا بَابَ عَلِيٍّ قَالَ فَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ أُنَاسٌ قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَمَرْت بِسَدِّ هَذِهِ الْأَبْوَابِ غَيْرَ بَابِ عَلِيٍّ فَقَالَ فِيهِ قَائِلُكُمْ وَإِنِّي وَاَللَّهِ مَا سَدَدْت شَيْئًا وَلَا فَتَحْته وَلَكِنِّي أُمِرْت بِشَيْءٍ فَاتَّبَعْته» وَاعْلَمْ أَنَّ فِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَيَسْتَوِي فِي الْمَنْعِ الْمُكْثُ أَوْ عُبُورُ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَغَيْرِهِ خِلَافَ مَا قَالَهُ أَهْلُ الشِّيعَةِ إنَّهُ رَخَّصَ لِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ الدُّخُولَ فِي الْمَسْجِدِ لِمُكْثٍ أَوْ عُبُورٍ، وَإِنْ كَانَ جُنُبًا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ أَنْ يَمْكُثُوا فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانُوا جُنُبًا، وَكَذَا رَخَّصَ لَهُمْ لُبْسَ الْحَرِيرِ» إلَّا أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ شَاذٌّ لَا نَأْخُذُ بِهِ اهـ. قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشِّيعَةُ لِأَهْلِ عَلِيٍّ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَلُبْسِ الْحَرِيرِ اخْتِلَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّا الْحُكْمُ بِالشُّذُوذِ عَلَى التَّرْخِيصِ لِعَلِيٍّ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ جُنُبًا فَفِيهِ نَظَرٌ نَعَمْ قَضَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مَوْضُوعَاتِهِ عَلَى حَدِيثِ «سُدُّوا الْأَبْوَابَ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ إلَّا بَابَ عَلِيٍّ» بِأَنَّهُ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ وَهُوَ مِنْ وَضْعِ الرَّافِضَةِ، وَقَدْ دَفَعَ ذَلِكَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْقَوْلِ الْمُسَدَّدِ فِي الذَّبِّ عَنْ مُسْنَدٍ أَحْمَدَ وَأَفَادَ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ مُتَظَافِرَةٍ مِنْ رِوَايَاتِ الثِّقَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ مِنْهَا مَا ذَكَرْنَا آنِفًا وَبَيَّنَ عَدَمَ مُعَارَضَتِهِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «سُدُّوا الْأَبْوَابَ الشَّارِعَةَ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ» فَلْيُرَاجِعْ ذَلِكَ مَنْ رَامَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ. اهـ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ دُخُولَهُ ﷺ الْمَسْجِدَ جُنُبًا وَمُكْثَهُ فِيهِ مِنْ خَوَاصِّهِ وَذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَقَوَّاهُ وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، وَإِنْ احْتَلَمَ فِي الْمَسْجِدِ تَيَمَّمَ لِلْخُرُوجِ إذَا لَمْ يَخَفْ، وَإِنْ خَافَ يَجْلِسُ مَعَ التَّيَمُّمِ وَلَا يُصَلِّي وَلَا يَقْرَأُ اهـ. وَصَرَّحَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فَاقْرَبُوهَا جُنُبًا) كَذَا فِي النُّسَخِ وَصَوَابُهُ لَا أَنَّ بِلَا النَّافِيَةِ وَأَنَّ وَكَأَنَّ الْأَلِفُ بَعْدَ لَا سَاقِطَةٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ الْأَوَّلِ

стр. 206

فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ هَذَا التَّيَمُّمَ مُسْتَحَبٌّ وَظَاهِرُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي التَّيَمُّمِ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهُ وَاجِبٌ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَوْفِ الْخَوْفُ مِنْ لُحُوقِ ضَرَرٍ بِهِ بَدَنًا أَوْ مَالًا كَأَنْ يَكُونَ لَيْلًا. (قَوْلُهُ: وَالطَّوَافَ) أَيْ وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَكَذَا الْجَنَابَةُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِعَائِشَةَ ﵂ لَمَّا حَاضَتْ بِسَرِفٍ اقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي» فَكَانَ طَوَافُهَا حَرَامًا وَلَوْ فَعَلَتْهُ كَانَتْ عَاصِيَةً مُعَاقَبَةً وَتَتَحَلَّلُ بِهِ مِنْ إحْرَامِهَا بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَعَلَيْهَا بَدَنَةٌ كَطَوَافِ الْجُنُبِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَّلَ لِلْمَنْعِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الطَّوَافَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ الْأَوْلَى عَدَمُ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ فَإِنَّ حُرْمَةَ الطَّوَافِ جُنُبًا لَيْسَ مَنْظُورًا فِيهِ إلَى دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِالذَّاتِ بَلْ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ وَاجِبَةٌ فِي الطَّوَافِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَسْجِدٌ حَرُمَ عَلَيْهَا الطَّوَافُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ حُرْمَةَ الطَّوَافِ عَلَيْهَا إنَّمَا هِيَ لِأَجْلِ كَوْنِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الطَّوَافُ فِي الْمَسْجِدِ بَلْ خَارِجَهُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ فَتَرْكُهَا يُوجِبُ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ وَلَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ إلَّا تَرْكُ الْفَرْضِ وَلَوْ حَاضَتْ بَعْدَمَا دَخَلَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَطُوفَ وَحَرُمَ مُكْثُهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. (قَوْلُهُ: وَقُرْبَانَ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ) أَيْ وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ قُرْبَانَ زَوْجِهَا مَا تَحْتَ إزَارِهَا، أَمَّا حُرْمَةُ وَطْئِهَا عَلَيْهِ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَوَطْؤُهَا فِي الْفَرْجِ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ عَامِدًا مُخْتَارًا كَبِيرَةٌ لَا جَاهِلًا وَلَا نَاسِيًا وَلَا مُكْرَهًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَهَلْ يَجِبُ التَّعْزِيرُ أَمْ لَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ وَقِيلَ بِدِينَارٍ إنْ كَانَ أَوَّلَ الْحَيْضِ وَنِصْفِهِ أَنْ وَطِئَ فِي آخِرِهِ كَأَنَّ قَائِلُهُ رَأَى أَنْ لَا مَعْنَى لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ وَمَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَقِيلَ: إنْ كَانَ الدَّمُ أَسْوَدَ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَبِنِصْفِ دِينَارٍ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ «إذَا وَاقَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وَهِيَ حَائِضٌ إنْ كَانَ دَمًا أَحْمَرَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَإِذَا أَخْبَرَتْهُ بِالْحَيْضِ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَتْ فَاسِقَةً لَا يَقْبَلُ قَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَتْ عَفِيفَةً يَقْبَلُ قَوْلَهَا وَتَرَكَ وَطْأَهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَ صِدْقُهَا مُمْكِنًا بِأَنْ كَانَتْ فِي أَوَانِ حَيْضِهَا قُبِلَتْ وَلَوْ كَانَتْ فَاسِقَةً كَمَا فِي الْعِدَّةِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْوَطُ وَأَقْرَبُ إلَى الْوَرَعِ. اهـ. فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ فَاسِقَةً وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا بِأَنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ أَوَانِ حَيْضِهَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا اتِّفَاقًا كَمَا قَالُوا فِي إخْبَارِ الْفَاسِقِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ، وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ بِإِخْبَارِهَا وَإِنْ كَذَّبَهَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ إذَا كَانَتْ عَفِيفَةً أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهَا بِخِلَافِ مَنْ عَلَّقَ بِهِ طَلَاقَهَا فَأَخْبَرَتْهُ بِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَذَّبَهَا مُطْلَقًا لِتَقْصِيرِهِ فِي تَعْلِيقِهِ بِمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا وَهَذَا إذَا وَطِئَهَا غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا لَهُ فَقَدْ جَزَمَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ وَالِاخْتِيَارِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِمْ بِكُفْرِهِ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ بِصِيغَةِ وَقِيلَ وَصَحَّحَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ وَيُوَافِقُهُ مَا نَقَلَهُ أَيْضًا مِنْ الْفَصْلِ الثَّانِي فِي أَلْفَاظِ الْكُفْرِ مَنْ اعْتَقَدَ الْحَرَامَ حَلَالًا أَوْ عَلَى الْقَلْبِ يَكْفُرُ إذَا كَانَ حَرَامًا لِعَيْنِهِ وَثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ حَرَامًا لِغَيْرِهِ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ أَوْ حَرَامًا لِعَيْنِهِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ لَا يَكْفُرُ إذَا اعْتَقَدَهُ حَلَالًا اهـ. فَعَلَى هَذَا لَا يُفْتَى بِتَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّهِ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إذَا كَانَ فِيهَا وُجُوهٌ تُوجِبُ التَّكْفِيرَ وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُ فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ إلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ. اهـ. وَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا بِغَيْرِ الْجِمَاعِ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْمُحِيطِ وَفَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَتَفْسِيرُ الْإِزَارِ عَلَى قَوْلِهِمَا قَالَ ــ [منحة الخالق] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 207

بَعْضُهُمْ الْإِزَارُ الْمَعْرُوفُ وَيَسْتَمْتِعُ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَلَا يَسْتَمْتِعُ بِمَا تَحْتَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الِاسْتِتَارُ فَإِذَا اسْتَتَرَتْ حَلَّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ. اهـ. وَالظَّاهِرُ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَحْمَدُ لَا يَحْرُمُ مَا سِوَى الْفَرْجِ وَاخْتَارَهُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَصْبَغُ وَمِنْ الشَّافِعِيَّةِ النَّوَوِيُّ لِمَا أَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ «أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبُيُوتِ؛ فَسَأَلَتْ الصَّحَابَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» وَفِي رِوَايَةٍ «إلَّا الْجِمَاعَ» . وَلِلْجَمَاعَةِ مَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّا يَحِلُّ لِي مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسَكَتَ عَلَيْهِ فَهُوَ حُجَّةٌ وَإِذَنْ فَالتَّرْجِيحُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ وَذَلِكَ مُبِيحٌ وَلِخَبَرِ «مَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» ، وَأَمَّا تَرْجِيحُ السُّرُوجِيِّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ بِأَنَّ دَلِيلَهُ مَنْطُوقٌ وَدَلِيلُنَا مَفْهُومٌ وَالْمَنْطُوقُ أَقْوَى فَكَانَ مُقَدَّمًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُنَا مَفْهُومًا بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْطُوقًا فَإِنَّ السَّائِلَ سَأَلَ عَنْ جَمِيعِ مَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ فَقَوْلُهُ لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ مَعْنَاهُ جَمِيعُ مَا يَحِلُّ لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ لِيُطَابِقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَوْ سَلِمَ أَنَّهُ مَفْهُومٌ كَانَ هَذَا الْمَفْهُومُ أَقْوَى مِنْ الْمَنْطُوقِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمَفْهُومِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ لِوُجُوبِ مُطَابَقَةِ جَوَابِهِ ﵇ لِسُؤَالِ السَّائِلِ وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمَفْهُومُ غَيْرَ مُرَادٍ لَمْ يُطَابِقْ فَكَانَ ثُبُوتُهُ وَاجِبًا مِنْ اللَّفْظِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْبَلُ تَخْصِيصًا وَلَا تَبْدِيلًا لِهَذَا الْعَارِضِ وَالْمَنْطُوقُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَنْطُوقٌ يَقْبَلُ ذَلِكَ فَلَمْ يَصِحَّ التَّرْجِيحُ فِي خُصُوصِ الْمَادَّةِ بالمنطوقية وَلَا الْمَرْجُوحِيَّةِ بِالْمَفْهُومِيَّةِ، وَقَدْ كَانَ فِعْلُهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ «فَكَانَ لَا يُبَاشِرُ إحْدَاهُنَّ وَهِيَ حَائِضٌ حَتَّى يَأْمُرَهَا أَنْ تَأْتَزِرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَإِنْ كَانَ نَهْيًا عَنْ الْجِمَاعِ عَيْنًا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ نُثْبِتَ حُرْمَةً أُخْرَى فِي مَحَلٍّ آخَرَ بِالسُّنَّةِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَظُنَّ أَنَّ هَذِهِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهَا تُقَيِّدُ مُطْلَقَ النَّصِّ فَتَكُونُ مُعَارِضَةً لَهُ فِي بَعْضِ مُتَنَاوِلَاتِهِ وَمَا أَثْبَتَتْهُ السُّنَّةُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ شَرْعٌ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ نَهْيًا عَمَّا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْجِمَاعِ مِنْ أَفْرَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِتَنَاوُلِهِ حُرْمَةَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا أَعْنِي مِنْ الْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعَاتِ، ثُمَّ يَظْهَرُ تَخْصِيصُ بَعْضِهَا بِالْحَدِيثِ الْمُفِيدِ لِحِلِّ مَا سِوَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَيَبْقَى مَا بَيْنَهُمَا دَاخِلًا فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ قُرْبَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ فِي ثُبُوتِ الْمَطْلُوبِ لِمَا بَيَّنَّا، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعَ بَعْضِ اخْتِصَارٍ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ يَحْرُمُ عَلَيْهَا التَّمْكِينُ مِنْهُ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ صَرِيحًا حُكْمُ مُبَاشَرَتِهَا لَهُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ تَمْكِينُهَا مِنْ اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا حَرُمَ فِعْلُهَا بِالْأَوْلَى وَلِقَائِلٍ أَنْ يُجَوِّزَهُ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا حَائِضًا وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي حَقِّهِ فَحَلَّ لَهَا الِاسْتِمْتَاعُ بِهِ وَلِأَنَّ غَايَةَ مَسِّهَا لِذَكَرِهِ أَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِكَفِّهَا وَهُوَ جَائِزٌ قَطْعًا. (تَنْبِيهَاتٌ) وَقَعَ فِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ لَفْظُ الِاسْتِمْتَاعِ وَهُوَ يَشْمَلُ النَّظَرَ وَاللَّمْسَ بِشَهْوَةٍ وَوَقَعَ فِي عِبَارَةِ كَثِيرٍ لَفْظُ الْمُبَاشَرَةِ وَالْقُرْبَانِ وَمُقْتَضَاهَا تَحْرِيمُ اللَّمْسِ بِلَا شَهْوَةٍ فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّحْرِيمَ مَنُوطٌ بِالْمُبَاشَرَةِ وَلَوْ بِلَا شَهْوَةٍ بِخِلَافِ النَّظَرِ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ وَلَيْسَ هُوَ أَعْظَمَ مِنْ تَقْبِيلِهَا ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يُجَوِّزَهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مُقْتَضَى النَّظَرِ أَنْ يُقَالَ بِحُرْمَةِ مُبَاشَرَتِهَا لَهُ حَيْثُ كَانَتْ بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا لَا بِمَا إذَا كَانَتْ بِمَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ كَمَا إذَا وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى فَرْجِهِ. اهـ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَهُوَ اعْتِرَاضٌ وَجِيهٌ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُفَاعَلَةٌ وَهِيَ تَكُونُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَكَمَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ يَحْرُمُ عَلَيْهَا فَقَوْلُ الْبَحْرِ وَهُوَ مَفْقُودٌ مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ لَا يُجْدِي؛ لِأَنَّا لَمْ نُرَاعِ ذَلِكَ بَلْ مَا دَامَتْ مُتَّصِفَةً بِالْحَيْضِ تَحْرُمُ الْمُبَاشَرَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْهَا أَوْ مِنْهُ. اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا قَالَهُ فِي النَّهْرِ حَسَنٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادُ صَاحِبِ الْبَحْرِ كَمَا يُفْهِمُهُ تَعْلِيلُهُ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالتَّعْلِيلُ الثَّانِي لِلْقَوْلِ الثَّانِي. (قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّظَرَ إلَى هَذَا الْخَاصِّ بِشَهْوَةٍ اسْتِمْتَاعٌ بِمَا لَا يَحِلُّ، بِخِلَافِ التَّقْبِيلِ فِي الْوَجْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْوَجْهِ اهـ. لَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ اسْتِمْتَاعٌ بِمَا لَا يَحِلُّ أَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِمَوْضِعٍ لَا تَحِلُّ مُبَاشَرَتُهُ فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْمُبَاشَرَةِ حُرْمَةُ النَّظَرِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِمَوْضِعٍ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ فَهُوَ عَيْنُ الْمُدَّعَى فَكَانَ مُصَادَرَةً هَذَا وَالدَّلِيلُ مُشْرِقٌ عَلَى مُدَّعِي الْبَحْرِ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا نَهَى عَنْ الْمُبَاشَرَةِ وَهِيَ أَنْ يَتَلَاقَى الْفَرْجَانِ بِلَا حَائِلٍ لَكِنْ لَمَّا كَانَ لِلْفَرْجِ حَرِيمٌ وَهُوَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مُنِعَ أَيْضًا خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِيمَا عَسَاهُ يَقَعُ فِيهِ بِاقْتِرَابِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّ مَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ أَوْ يُقَالُ: إنَّ الشَّارِعَ حَكِيمٌ وَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ لَا تَخْلُو عَنْ لَوْثِ نَجَاسَةٍ فَنَهَى عَنْ الْقُرْبِ خَشْيَةَ التَّلَوُّثِ فَبَقِيَ النَّظَرُ إلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ بِالزَّوْجِيَّةِ فَتَحْرِيمُهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. اهـ. قُلْت: وَقَدْ يُقَالُ إنَّ النَّظَرَ مِنْ الْحَوْمِ حَوْلَ الْحِمَى وَلِهَذَا حَرُمَ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ

стр. 208

فِي وَجْهِهَا بِشَهْوَةٍ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ أَنْ يَجُوزَ الِاسْتِمْتَاعُ بِالسُّرَّةِ وَمَا فَوْقَهَا وَبِالرُّكْبَةِ وَمَا تَحْتَهَا وَالْمُحَرَّمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا بَيْنَهُمَا وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ يَسْتَمْتِعُ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَمَا تَحْتَ الرُّكْبَةِ كَمَا لَا يَخْفَى فَيَجُوزُ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ فِيمَا عَدَا مَا ذُكِرَ بِوَطْءٍ وَغَيْرِهِ وَلَوْ بِلَا حَائِلٍ وَكَذَا بِمَا بَيْنَهُمَا بِحَائِلٍ بِغَيْرِ الْوَطْءِ وَلَوْ تَلَطَّخَ دَمًا، وَلَا يُكْرَهُ طَبْخُهَا وَلَا اسْتِعْمَالُ مَا مَسَّتْهُ مِنْ عَجِينٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِمَا إلَّا إذَا تَوَضَّأَتْ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ كَمَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَفِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْزِلَ عَنْ فِرَاشِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ فِعْلَ الْيَهُودِ وَفِي التَّجْنِيسِ وَغَيْرِهِ امْرَأَةٌ تَحِيضُ مِنْ دُبُرِهَا لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحَيْضٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، وَإِنْ أَمْسَكَ زَوْجُهَا عَنْ الْإِتْيَانِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ لِمَكَانِ الصُّورَةِ وَهُوَ الدَّمُ مِنْ الْفَرْجِ. اهـ. وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخُلَاصَةِ. (قَوْلُهُ: وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ) أَيْ يَمْنَعُ الْحَيْضُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَكَذَا الْجَنَابَةُ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَقْرَأْ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَحَسَّنَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ إنَّهُ يَقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى النَّفْيِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَنْ النَّهْيِ كَيْ لَا يَلْزَمَ الْخُلْفُ فِي الْوَعْدِ وَبِكَسْرِ الْهَمْزِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ عَلَى النَّهْيِ وَهُمَا صَحِيحَانِ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ إنَّهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ ثُمَّ كُلٌّ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ يَصْلُحُ مُخَصِّصًا لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» بَعْدَ الْقَوْلِ بِتَنَاوُلِ الذِّكْرِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَبِقَوْلِنَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَشَمَلَ إطْلَاقُهُ الْآيَةَ وَمَا دُونَهَا وَهُوَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ وَقَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ والْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى وَقَوَّاهُ فِي الْكَافِي وَنَسَبَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ إلَى عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَصَحَّحَهُ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ لَمْ تُفَصِّلْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لَكِنْ ذَكَرَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ مَكْرُوهَةٌ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّهَا حَرَامٌ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ يُبَاحُ لَهُمَا مَا دُونَ الْآيَةِ وَصَحَّحَهُ الْخُلَاصَةُ فِي الْفَصْلِ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي الْقِرَاءَةِ وَمَشَى عَلَيْهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَنَسَبَهُ الزَّاهِدِيُّ إلَى الْأَكْثَرِ وَوَجَّهَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ بِأَنَّ النَّظْمَ وَالْمَعْنَى يَقْصُرُ فِيمَا دُونَ الْآيَةِ وَيَجْرِي مِثْلُهُ فِي مُحَاوَرَاتِ النَّاسِ وَكَلَامِهِمْ فَتَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةُ عَدَمِ الْقُرْآنِ وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ. اهـ. فَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّصْحِيحَ قَدْ اخْتَلَفَ فِيمَا دُونَ الْآيَةِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْأَحَادِيثَ لَمْ تُفَصِّلْ وَالتَّعْلِيلَ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ شَيْئًا كَمَا فِي الْكَافِي نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ وَمَا دُونَ الْآيَةِ قُرْآنٌ فَيَمْتَنِعُ كَالْآيَةِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ أُجِيبَ أَيْضًا بِالْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا وَهُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ فِي الصَّلَاةِ وَالْمَنْعُ لِلْجُنُبِ وَمَنْ بِمَعْنَاهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يُصِبْ أَحَدَكُمْ جَنَابَةٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ فَلَا وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ عَلِيٍّ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا قَرَأَ عَلَى قَصْدِ أَنَّهُ قُرْآنٌ، أَمَّا إذَا قَرَأَهُ عَلَى قَصْدِ الثَّنَاءِ أَوْ افْتِتَاحِ أَمْرٍ لَا يُمْنَعُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ وَفِي التَّسْمِيَةِ اتِّفَاقٌ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ إذَا كَانَ عَلَى قَصْدِ الثَّنَاءِ أَوْ افْتِتَاحِ أَمْرٍ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي الْعُيُونِ لِأَبِي اللَّيْثِ وَلَوْ أَنَّهُ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ عَلَى سَبِيلِ الدُّعَاءِ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الدُّعَاءِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْقِرَاءَةَ فَلَا بَأْسَ بِهِ اهـ. وَاخْتَارَهُ الْحَلْوَانِيُّ وَذَكَرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ لَكِنْ قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ لَا أُفْتِي بِهَذَا، وَإِنْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ. وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي مِثْلِ الْفَاتِحَةِ فَإِنَّ الْمُبَاحَ إنَّمَا هُوَ لَيْسَ بِقُرْآنٍ ــ [منحة الخالق] خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الِاسْتِحْسَانِ مِنْ الْحَقَائِقِ عَنْ التُّحْفَةِ وَالْخَانِيَّةِ يَجْتَنِبُ الرَّجُلُ مِنْ الْحَائِضِ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ يَجْتَنِبُ شِعَارَ الدَّمِ يَعْنِي الْجِمَاعَ وَلَهُ مَا سِوَى ذَلِكَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُبَاحُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْ النَّظَرِ وَنَحْوِهِ بِمَا دُونَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ وَيُبَاحُ مَا وَرَاءَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُبَاحُ الِاسْتِمْتَاعُ مَعَ الْإِزَارِ. اهـ. وَمَعَ النَّقْلِ يَبْطُلُ الْبَحْثُ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ شَيْئًا كَمَا فِي الْكَافِي نَكِرَةٌ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ كَمَا فِي الْكَافِي مُؤَخَّرٌ عَنْ مَحَلِّهِ مِنْ النُّسَّاخِ وَمَحَلُّهُ قَبْلَ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ شَيْئًا أَيْ الْوَاقِعَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ الْمَارِّ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ؛ لِأَنَّ هَذَا كَمَا فِي الْكَافِي تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَيُرَدُّ؛ لِأَنَّ شَيْئًا نَكِرَةٌ إلَخْ. (قَوْلُهُ: لَا أُفْتِي بِهِ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الدُّرَرِ لَمْ يُرِدْ الْهِنْدُوَانِيُّ رَدَّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَلْ قَالَ ذَلِكَ لِمَا يَتَبَادَرُ إلَى ذِهْنِ مَنْ يَسْمَعُهُ مِنْ الْجَنْبِ مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعٍ عَلَى نِيَّةِ قَائِلِهِ مِنْ جَوَازِهِ مِنْهُ وَكَمْ مِنْ قَوْلٍ صَحِيحٍ لَا يُفْتَى بِهِ خَوْفًا مِنْ مَحْذُورٍ آخَرَ وَلَمْ يَقُلْ لَا أَعْمَلُ بِهِ كَيْفَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. اهـ. وَبِهِ يَظْهَرُ مَا فِي بَحْثِ الْمُؤَلِّفِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي مِثْلِ الْفَاتِحَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَوْنُهُ قُرْآنًا فِي الْأَصْلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ بِالْقَصْدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَصْدِ الثَّنَاءِ فَالتَّلَازُمُ مُنْفَكٌّ نَعَمْ ظَاهِرُ تَقْيِيدِ صَاحِبِ الْعُيُونِ بِالْآيَاتِ

стр. 209

وَهَذَا قُرْآنٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لَفْظًا وَمَعْنًى وَكَيْفَ لَا وَهُوَ مُعْجِزٌ يَقَعُ بِهِ التَّحَدِّي عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ وَالْعَجْزُ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ مَقْطُوعٌ بِهِ وَتَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ فِي مِثْلِهِ بِالْقَصْدِ الْمُجَرَّدِ مَرْدُودٌ عَلَى فَاعِلِهِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بِنِيَّةِ الثَّنَاءِ؛ لِأَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ الْقُرْآنِيَّةَ فِيهِ غَيْرُ لَازِمَةٍ وَإِلَّا لَانْتَفَى جَوَازُ التَّلَفُّظِ بِشَيْءٍ مِنْ الْكَلِمَاتِ الْعَرَبِيَّةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْحُرُوفِ الْوَاقِعَةِ فِي الْقُرْآنِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إجْمَاعًا بِخِلَافِ نَحْوِ الْفَاتِحَةِ فَإِنَّ الْخُصُوصِيَّةَ الْقُرْآنِيَّةَ فِيهِ لَازِمَةٌ قَطْعًا وَلَيْسَ فِي قُدْرَةِ الْمُتَكَلِّمِ إسْقَاطُهَا عَنْهُ مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ النَّظْمِ الْخَاصِّ كَمَا هُوَ فِي الْمَفْرُوضِ، وَقَدْ انْكَشَفَ بِهَذَا مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ عَدَمِ حُرْمَةِ مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ عِنْدَ الْكَلَامِ مِنْ آيَةٍ قَصِيرَةٍ مِنْ نَحْوِ ثُمَّ نَظَرَ أَوْ لَمْ يُولَدْ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُمْ قَالُوا هُنَا وَفِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ إنَّ الْقُرْآنَ يَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَتِهِ فَأَوْرَدَ الْإِمَامُ الْخَاصِّيُّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ فِي التَّوْشِيحِ بِأَنَّ الْعَزِيمَةَ لَوْ كَانَتْ مُغَيِّرَةً لِلْقِرَاءَةِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ لَا تَكُونُ مُجْزِئَةً، وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ. وَأَجَابَ بِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي مَحَلِّهَا لَا تَتَغَيَّرُ بِالْعَزِيمَةِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ فَقَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ لَا يُجْزِئُهُ. اهـ. وَالْمَنْقُولُ فِي التَّجْنِيسِ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ عَلَى قَصْدِ الثَّنَاءِ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَتْ الْقِرَاءَةُ فِي مَحَلِّهَا فَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهَا بِقَصْدٍ. اهـ. وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْأُولَيَيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُخْرَيَيْنِ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ الْمَفْرُوضَةِ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ فِي رَكْعَتَيْنِ غَيْرِ عَيْنٍ، وَإِنْ كَانَ تَعْيِينُهَا فِي الْأُولَيَيْنِ وَاجِبًا وَذَكَرَ فِي الْقُنْيَةِ خِلَافًا فِيمَا إذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ عَلَى قَصْدِ الدُّعَاءِ فَرَقَمَ لِشَرْحِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّهَا لَا تَنُوبُ عَنْ الْقِرَاءَةِ اهـ. وَأَمَّا الْأَذْكَارُ فَالْمَنْقُولُ إبَاحَتُهَا مُطْلَقًا وَيَدْخُلُ فِيهَا اللَّهُمَّ اهْدِنَا إلَى آخِرِهِ، وَأَمَّا اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك إلَى آخِرِهِ الَّذِي هُوَ دُعَاءُ الْقُنُوتِ عِنْدَنَا فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهُمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَعَنْ مُحَمَّدٍ يُكْرَهُ لِشُبْهَةِ كَوْنِهِ قُرْآنًا لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي كَوْنِهِ قُرْآنًا فَلَا يَقْرَأْهُ احْتِيَاطًا قُلْنَا حَصَلَ الْإِجْمَاعُ الْقَطْعِيُّ الْيَقِينِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ وَمَعَهُ لَا شُبْهَةَ تُوجِبُ الِاحْتِيَاطَ الْمَذْكُورَ نَعَمْ الْمَذْكُورُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا فِي بَابِ الْأَذَانِ اسْتِحْبَابُ الْوُضُوءِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ لَا يُوجِبُ الْكَرَاهَةَ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَا يَنْبَغِي لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ أَنْ يَقْرَأَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَالطَّحَاوِيُّ لَا يُسَلَّمُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ قَالَ ﵁ وَبِهِ يُفْتَى. اهـ. وَفِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا وَإِذَا حَاضَتْ الْمُعَلِّمَةُ فَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُعَلِّمَ الصِّبْيَانَ كَلِمَةً كَلِمَةً وَتَقْطَعَ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ وَعَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ تُعَلِّمُ نِصْفَ آيَةٍ اهـ. وَفِي التَّفْرِيعِ نَظَرٌ ــ [منحة الخالق] الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الدُّعَاءِ يُفْهِمُ أَنَّ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَسُورَةِ أَبِي لَهَبٍ لَا يُؤَثِّرُ قَصْدَ الْقُرْآنِيَّةِ فِي حِلِّهِ لَكِنِّي لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ. اهـ. قُلْت الْمَفْهُومُ مُعْتَبَرٌ مَا لَمْ يُصَرَّحْ بِخِلَافِهِ (قَوْلُهُ: وَكَيْفَ لَا وَهُوَ مُعْجِزٌ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُرِدْ بِهَا الْقُرْآنَ فَاتَ مَا بِهَا مِنْ الْمَزَايَا الَّتِي يَعْجِزُ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهَا جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ إذْ الْمُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَصْدُ إمَّا تَفْصِيلًا وَذَلِكَ مِنْ الْبَلِيغِ أَوْ إجْمَالًا وَذَلِكَ بِحِكَايَةِ كَلَامِهِ وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ حِينَئِذٍ كَمَا لَا يَخْفَى مَعَ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَإِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَكَيْفَ يُطْلَقُ أَنَّهُ مَرْدُودٌ. (قَوْلُهُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُخْرَيَيْنِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: مَا قَالَهُ الْخَاصِّيُّ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعْيِينِ الْأُولَيَيْنِ لِلْفَرْضِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِأَصْحَابِنَا كَمَا سَيَأْتِي وَمَا فِي التَّجْنِيسِ عَلَى عَدَمِهِ فَأَنَّى يُصَادِمُ مَحَلَّ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ. (قَوْلُهُ: وَتَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ لَا يُوجِبُ الْكَرَاهَةَ) اعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ تَرْكَهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَهُوَ مَرْجِعُ التَّنْزِيهِ فَكَوْنُهُ لَا يُوجِبُ كَرَاهَةً مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ. اهـ. قُلْت وَفِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي فِي مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قُبَيْلَ الْفَصْلِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْخُلَاصَةِ لَا يَنْبَغِي إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ قَوْلُ صَاحِبِ الْخُلَاصَةِ بِهِ يُفْتَى يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ يُفْتَى بِقَوْلِ الطَّحَاوِيِّ الْمُشِيرِ إلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ لَكِنْ الصَّحِيحُ الْكَرَاهَةُ؛ لِأَنَّ مَا بُدِّلَ مِنْهُ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَمَا لَمْ يُبَدَّلْ غَالِبٌ وَهُوَ وَاجِبُ التَّعْظِيمِ وَالصَّوْنِ وَإِذَا اجْتَمَعَ الْمُحَرِّمُ وَالْمُبِيحُ غُلِّبَ الْمُحَرِّمُ وَقَالَ ﵊ «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُ مُجَازَفَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُخْبِرْنَا بِأَنَّهُمْ بَدَّلُوهَا عَنْ آخِرِهَا وَكَوْنُهُ مَنْسُوخًا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى كَالْآيَةِ الْمَنْسُوخَةِ مِنْ الْقُرْآنِ. اهـ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَيُكْرَهُ لَهُمَا قِرَاءَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا مَا بُدِّلَ مِنْهَا وَمِثْلُهَا فِي النَّهْرِ وَكَذَا قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَا يَجُوزُ لَهُمَا قِرَاءَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: قَالَ ﵁ إلَخْ) أَيْ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ (قَوْلُهُ: وَفِي التَّفْرِيعِ نَظَرٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: بَلْ هُوَ صَحِيحٌ إذْ الْكَرْخِيُّ وَإِنْ مَنَعَ مَا دُونَ الْآيَةِ لَكِنْ بِمَا بِهِ يُسَمَّى قَارِئًا، وَلِذَا قَالُوا لَا يُكْرَهُ التَّهْجِيرُ بِالْقِرَاءَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بِالتَّعْلِيمِ كَلِمَةً لَا يُعَدُّ قَارِئًا فَتَنَبَّهْ لِهَذَا التَّقْيِيدِ الْمُفِيدِ. اهـ. وَنَقَلَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ الْمَوْلَى يَعْقُوبَ بَاشَا مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ مَا دُونَ الْآيَةِ أَيْ مِنْ الْمُرَكَّبَاتِ لَا الْمُفْرَدَاتِ؛ لِأَنَّهُ جَوَّزَ لِلْحَائِضِ الْمُعَلِّمَةِ تَعْلِيمَهُ كَلِمَةً كَلِمَةً. اهـ. وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا قَالَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ وَكَذَا يُؤَيِّدُهُ مَا فِي

стр. 210

عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ فَإِنَّهُ قَائِلٌ بِاسْتِوَاءِ الْآيَةِ وَمَا دُونَهَا فِي الْمَنْعِ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِقَصْدِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمَا دُونَ الْآيَةِ صَادِقٌ عَلَى الْكَلِمَةِ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى التَّعْلِيمِ دُونَ قَصْدِ الْقُرْآنِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْكَلِمَةِ ثُمَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ التَّقْيِيدُ بِالْحَائِضِ الْمُعَلِّمَةِ مُعَلَّلًا بِالضَّرُورَةِ مَعَ امْتِدَادِ الْحَيْضِ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْجَوَازِ لِلْجُنُبِ لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي تَعْلِيمِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إنْ كَانَ يُلَقِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَقْرَأَ آيَةً تَامَّةً. اهـ. وَالْأَوْلَى وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: وَمَسُّهُ إلَّا بِغِلَافِهِ) أَيْ تُمْنَعُ الْحَائِضُ مَسَّ الْقُرْآنِ لِمَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ «حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ لَمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْيَمَنِ قَالَ لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ» وَاسْتَدَلُّوا لَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] فَظَاهِرُ مَا فِي الْكَشَّافِ صِحَّةُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ هُنَا إنْ جَعَلْت الْجُمْلَةَ صِفَةً لِلْقُرْآنِ، وَلَفْظُهُ: فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ مَصُونٍ عَنْ غَيْرِ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَنْ سِوَاهُمْ وَهُمْ الْمُطَهَّرُونَ مِنْ جَمِيعِ الْأَدْنَاسِ أَدْنَاسِ الذُّنُوبِ وَمَا سِوَاهَا إنْ جَعَلْت الْجُمْلَةَ صِفَةً لِكِتَابٍ مَكْنُونٍ وَهُوَ اللَّوْحُ، وَإِنْ جَعَلْتهَا صِفَةً لِلْقُرْآنِ فَالْمَعْنَى لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمَسَّهُ إلَّا مَنْ هُوَ عَلَى الطَّهَارَةِ مِنْ النَّاسِ يَعْنِي مَسَّ الْمَكْتُوبِ مِنْهُ. اهـ. لَكِنْ الْإِمَامُ الطِّيبِيِّ فِي حَاشِيَتِهِ ذَكَرَ صِحَّةَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَيْضًا فَقَالَ فَالْمَعْنَى عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ كَرَمِهِ أَنَّهُ أَثْبَتَهُ عِنْدَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَعَظَّمَ شَأْنَهُ بِأَنْ حَكَمَ بِأَنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَصَانَهُ عَنْ غَيْرِ الْمُقَرَّبِينَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ عِنْدَ النَّاسِ كَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ مُشْعِرٌ بِالْعَلِيَّةِ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ الْقُرْآنِ وَعَنْ الدَّارِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْقُرْآنُ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ» . اهـ. وَذَكَرَ أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي إخْبَارٌ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] . اهـ. وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِمَسِّ الْقُرْآنِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ غَيْرِهِ بِمَسِّ الْمُصْحَفِ لِشُمُولِ كَلَامِهِ مَا إذَا مَسَّ لَوْحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ آيَةٌ، وَكَذَا الدِّرْهَمُ وَالْحَائِطُ وَتَقْيِيدُهُ بِالسُّورَةِ فِي الْهِدَايَةِ اتِّفَاقِيٌّ بَلْ الْمُرَادُ الْآيَةُ لَكِنْ لَا يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ كُلِّهِ الْمَكْتُوبِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ إلَّا مَسُّ الْمَكْتُوبِ كَذَا ذَكَرَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعَ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ اخْتِلَافًا فَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْمُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ الْمَكْتُوبِ حَتَّى إنْ مَسَّ الْجِلْدَ وَمَسَّ مَوَاضِعَ الْبَيَاضِ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّ الْقُرْآنَ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الْقِيَاسِ وَالْمَنْعُ أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ اهـ. وَفِي تَفْسِيرِ الْغِلَافِ اخْتِلَافٌ فَقِيلَ الْجِلْدُ الْمُشَرَّزُ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ مُصْحَفٌ مُشَرَّزٌ أَجْزَاؤُهُ مَشْدُودٌ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ مِنْ الشِّيرَازِةِ وَلَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ وَفِي الْكَافِي وَالْغِلَافُ الْجِلْدُ الَّذِي عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ هُوَ الْمُنْفَصِلُ كَالْخَرِيطَةِ وَنَحْوِهَا وَالْمُتَّصِلُ بِالْمُصْحَفِ مِنْهُ حَتَّى يَدْخُلَ فِي بَيْعِهِ بِلَا ذِكْرٍ. اهـ. وَصَحَّحَ هَذَا الْقَوْلَ فِي الْهِدَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَزَادَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ ــ [منحة الخالق] شَرْحِ الْمُنْيَةِ حَيْثُ حَمَلَ قَوْلَهَا وَلَا يُكْرَهُ التَّهَجِّي لِلْجُنُبِ بِالْقُرْآنِ وَالتَّعَلُّمُ لِلصِّبْيَانِ حَرْفًا حَرْفًا أَيْ كَلِمَةً كَلِمَةً مَعَ الْقَطْعِ بَيْنَ كُلِّ كَلِمَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ وَعَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ لَا يُكْرَهُ إذَا عَلَّمَ نِصْفَ آيَةٍ مَعَ الْقَطْعِ بَيْنَهُمَا وَقَالَ قَبْلَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ تُقَيَّدَ الْآيَةُ بِالْقَصِيرَةِ الَّتِي لَيْسَ مَا دُونَهَا مِقْدَارَ ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ فَإِنَّهُ إذَا قَرَأَ مِقْدَارَ سُورَةِ الْكَوْثَرِ يُعَدُّ قَارِئًا وَإِنْ كَانَ دُونَ آيَةٍ حَتَّى جَازَتْ بِهِ الصَّلَاةُ. اهـ. وَفِي السِّرَاجِ قَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ إذَا كَانَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ مُعَلِّمَةً جَازَ لَهَا أَنْ تُلَقِّنَ الصِّبْيَانَ كَلِمَةً كَلِمَةً وَتَقْطَعَ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ وَعَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ تُعَلِّمُهُمْ نِصْفَ آيَةٍ نِصْفَ آيَةٍ وَلَا تُلَقِّنُهُمْ آيَةً تَامَّةً. (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي اشْتِرَاطِ صَاحِبِ الْخُلَاصَةِ عَدَمَ قَصْدِ الْقِرَاءَةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْقِرَاءَةَ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْكَلِمَةِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْقُرْآنَ يَخْرُجُ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ بِالْقَصْدِ وَلَمْ يُذْكَرْ هَذَا الشَّرْطُ فِي النِّهَايَةِ وَالسَّرَّاجِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالذَّخِيرَةِ وَكَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَمَسُّهُ إلَّا بِغِلَافِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِهِمْ حُكْمَ مَسِّ بَاقِي الْكُتُبِ كَالتَّوْرَاةِ وَنَحْوِهَا فَظَاهِرُ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْآيَةِ اخْتِصَاصُ الْمَنْعِ بِالْقُرْآنِ. اهـ. وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ وَهَلْ يَجُوزُ فِي الْمَنْسُوخِ أَنْ يَمَسَّهُ الْمُحْدِثُ أَوْ يَتْلُوهُ الْجُنُبُ فِيهِ تَرَدُّدٌ وَالْأَشْبَهُ جَوَازُهُ فِيمَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ وَأُقِرَّ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ إجْمَاعًا كَمَا فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْأُصُولِ لِابْنِ الْحَاجِبِ لِلْعَضُدِ وَإِذَا كَانَ هَذَا فِيمَا أُقِرَّ حُكْمُهُ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى الْجَوَازُ فِيمَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ وَحُكْمُهُ. اهـ. أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى عَلَيْك بِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْعَلَّامَةِ الْحَلَبِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ تِلَاوَةِ الْمَنْسُوخِ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْلَى ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَالَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْعَلَّامَةَ الْعَضُدَ شَافِعِيٌّ فَلَا يَصْلُحُ مَا قَالَهُ دَلِيلًا لِمَذْهَبِنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ وَحُكْمُهُ كَالتَّوْرَاةِ وَنَحْوِهَا فَتِلَاوَتُهُ لِلْجُنُبِ وَمَنْ بِمَعْنَاهُ مَكْرُوهَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا اعْتَمَدَهُ الْحَلَبِيُّ؛ لِأَنَّ مَا بُدِّلَ مِنْهُ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَكَوْنُهُ مَنْسُوخًا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى كَالْآيَاتِ الْمَنْسُوخَةِ مِنْ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا مَسُّهُ فَقَدْ

стр. 211

إنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ، وَالْخِلَافُ فِي الْغِلَافِ الْمُشَرَّزِ جَارٍ فِي الْكُمِّ فَفِي الْمُحِيطِ لَا يُكْرَهُ مَسُّهُ بِالْكُمِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْمَسَّ مُحَرَّمٌ وَهُوَ اسْمٌ لِلْمُبَاشَرَةِ بِالْيَدِ بِلَا حَائِلٍ اهـ. وَفِي الْهِدَايَةِ وَيُكْرَهُ مَسُّهُ بِالْكُمِّ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ اهـ. وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ فَصْلِ الْقُرْآنِ وَكَرِهَهُ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا اهـ. فَهُوَ مُعَارِضٌ لِمَا فِي الْمُحِيطِ فَكَانَ هُوَ الْأَوْلَى وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ وَلِهَذَا عَبَّرَ بِنَفْيِ الْجَوَازِ فِي الْفَتَاوَى وَقَالَ لِي بَعْضُ الْإِخْوَانِ هَلْ يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِمِنْدِيلٍ هُوَ لَابِسُهُ عَلَى عُنُقِهِ قُلْت لَا أَعْلَمُ فِيهِ مَنْقُولًا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِطَرَفِهِ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لِاعْتِبَارِهِمْ إيَّاهُ فِي الْأَوَّلِ تَابِعًا لَهُ كَبَدَنِهِ دُونَ الثَّانِي قَالُوا فِيمَنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ بِطَرَفِهَا نَجَاسَةٌ مَانِعَةٌ إنْ كَانَ أَلْقَاهُ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ لَا يَجُوزُ وَإِلَّا يَجُوزُ اعْتِبَارًا لَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. اهـ. وَفِي الْهِدَايَةِ بِخِلَافِ كُتُبِ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ يُرَخَّصُ لِأَهْلِهَا فِي مَسِّهَا بِالْكُمِّ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً. اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ بِلَا كُمٍّ قَالُوا: يُكْرَهُ مَسُّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَالسُّنَنِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَمْنَعُ مَسَّ شُرُوحِ النَّحْوِ أَيْضًا اهـ. وَفِي الْخُلَاصَةِ يُكْرَهُ مَسُّ كُتُبِ الْأَحَادِيثِ وَالْفِقْهِ لِلْمُحْدِثِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ذَكَرَهُ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي فَضْلِ الْقِرَاءَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَفِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ وَرَخَّصَ الْمَسَّ بِالْيَدِ فِي الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا التَّفْسِيرَ ذَكَرَهُ فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى وَغَيْرِهِ. اهـ. وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الْحَوَاشِي الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَأْخُذَ كُتُبَ الشَّرِيعَةِ بِالْكُمِّ أَيْضًا بَلْ يُجَدِّدُ الْوُضُوءَ كُلَّمَا أَحْدَثَ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ إنَّمَا نِلْت هَذَا الْعِلْمَ بِالتَّعْظِيمِ فَإِنِّي مَا أَخَذْت الْكَاغَدَ إلَّا بِطَهَارَةٍ وَالْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ كَانَ مَبْطُونًا فِي لَيْلَةٍ وَكَانَ يُكَرِّرُ دَرْسَ كِتَابِهِ فَتَوَضَّأَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً. (فُرُوعٌ) مِنْ التَّعْظِيمِ أَنْ لَا يَمُدَّ رِجْلَهُ إلَى الْكِتَابِ وَفِي التَّجْنِيسِ الْمُصْحَفُ إذَا صَارَ كُهْنًا أَيْ عَتِيقًا وَصَارَ بِحَالٍ لَا يُقْرَأُ فِيهِ وَخَافَ أَنْ يَضِيعَ يُجْعَلُ فِي خِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ وَيُدْفَنُ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا مَاتَ يُدْفَنُ فَالْمُصْحَفُ إذَا صَارَ كَذَلِكَ كَانَ دَفْنُهُ أَفْضَلَ مِنْ وَضْعِهِ مَوْضِعًا يُخَافُ أَنْ تَقَعَ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَالنَّصْرَانِيُّ إذَا تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ يُعَلَّمُ وَالْفِقْهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَسَى يَهْتَدِي لَكِنْ لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ، وَإِذَا اغْتَسَلَ ثُمَّ مَسَّ لَا بَأْسَ بِهِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَهُمَا يُمْنَعُ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ مَكْتُوبًا بِالْفَارِسِيَّةِ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ مَسُّهُ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرٌ وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ قُرْآنٌ عِنْدَهُمَا حَتَّى يَتَعَلَّقُ بِهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ اهـ. ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَفِي الْقُنْيَةِ اللُّغَةُ وَالنَّحْوُ نَوْعٌ وَاحِدٌ فَيُوضَعُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَالتَّعْبِيرُ فَوْقَهُمَا وَالْكَلَامُ فَوْقَ ذَلِكَ وَالْفِقْهُ فَوْقَ ذَلِكَ وَالْأَخْبَارُ وَالْمَوَاعِظُ وَالدَّعَوَاتُ الْمَرْوِيَّةُ فَوْقَ ذَلِكَ وَالتَّفْسِيرُ فَوْقَ ذَلِكَ وَالتَّفْسِيرُ الَّذِي فِيهِ آيَاتٌ مَكْتُوبَةٌ فَوْقَ كُتُبِ الْقِرَاءَةِ، بِسَاطٌ أَوْ غَيْرُهُ كُتِبَ عَلَيْهِ الْمُلْكُ لِلَّهِ يُكْرَهُ بَسْطُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ إلَّا إذَا عُلِّقَ لِلزِّينَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ كَلَامُ النَّاسِ مُطْلَقًا وَقِيلَ يُكْرَهُ حَتَّى الْحُرُوفُ الْمُفْرَدَةُ وَرَأَى بَعْضُ الْأَئِمَّةِ شُبَّانًا يَرْمُونَ إلَى هَدَفٍ كُتِبَ فِيهِ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فَنَهَاهُمْ عَنْهُ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ وَقَدْ قَطَعُوا الْحُرُوفَ فَنَهَاهُمْ أَيْضًا وَقَالَ إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ فِي الِابْتِدَاءِ لِأَجْلِ الْحُرُوفِ فَإِذًا يُكْرَهُ مُجَرَّدُ الْحُرُوفِ لَكِنْ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَأَوْسَعُ يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مِنْ الْمُصْحَفِ تَقْلِيبُ الْأَوْرَاقِ بِقَلَمٍ أَوْ عُودٍ أَوْ سِكِّينٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لِلصَّبِيِّ احْمِلْ إلَيَّ هَذَا الْمُصْحَفَ وَلَا يَجُوزُ لَفُّ شَيْءٍ فِي كَاغَدٍ فِيهِ مَكْتُوبٌ مِنْ الْفِقْهِ وَفِي الْكَلَامِ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ وَفِي كُتُبِ الطِّبِّ يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمُ النَّبِيِّ ﵇ فَيَجُوزُ مَحْوُهُ لِيُلَفَّ فِيهِ شَيْءٌ وَمَحْوُ بَعْضِ الْكِتَابَةِ ــ [منحة الخالق] عُلِمَ حُكْمُهُ مِمَّا نَقَلَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ الذَّخِيرَةِ وَهُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ حَتَّى لِلْمُحْدِثِ. (قَوْلُهُ: قُلْت لَا أَعْلَمُ فِيهِ مَنْقُولًا) قَدْ يُقَالُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الزَّيْلَعِيُّ وَلَا يَجُوزُ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِالثِّيَابِ الَّتِي يَلْبَسُهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَدَنِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَثِيَابُهُ حَائِلَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَهُوَ لَا بِسُهَا يَحْنَثُ، وَلَوْ قَامَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ أَوْ جَوْرَبَانِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ. اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ وَهَذَا يُفِيدُ أَنْ لَا يَجُوزَ حَمْلُهُ فِي جَيْبِهِ وَلَا وَضْعُهُ عَلَى رَأْسِهِ مَثَلًا بِدُونِ غِلَافٍ مُتَجَافٍ وَهَذَا مِمَّا يَغْفُلُ عَنْهُ كَثِيرٌ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ

стр. 212

بِالرِّيقِ يَجُوزُ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ فِي مَحْوِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْبُزَاقِ مَحَا لَوْحًا يَكْتُبُ فِيهِ الْقُرْآنَ وَاسْتَعْمَلَهُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا يَجُوزُ حَانُوتٌ أَوْ تَابُوتٌ فِيهِ كُتُبٌ فَالْأَدَبُ أَنْ لَا يَضَعَ الثِّيَابَ فَوْقَهُ، يَجُوزُ قُرْبَانُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتٍ فِيهِ مُصْحَفٌ مَسْتُورٌ يَجُوزُ رَمْيُ بُرَايَةِ الْقَلَمِ الْجَدِيدِ وَلَا يَرْمِي بُرَايَةَ الْقَلَمِ الْمُسْتَعْمَلِ لِاحْتِرَامِهِ كَحَشِيشِ الْمَسْجِدِ وَكُنَاسَتِهِ لَا تُلْقَى فِي مَوْضِعٍ يُخِلُّ بِالتَّعْظِيمِ اهـ. ذَكَرَهُ فِي الْكَرَاهِيَةِ وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الْمُخْرَجِ وَالْمُغْتَسَلِ وَالْحَمَّامِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا بَأْسَ فِي الْحَمَّامِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ عِنْدَهُ وَلَوْ كَانَتْ رُقْيَةٌ فِي غِلَافٍ مُتَجَافٍ لَمْ يُكْرَهْ دُخُولُ الْخَلَاءِ بِهِ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ مِثْلِهِ أَفْضَلُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ كَانَ عَلَى خَاتَمِهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى يُجْعَلُ الْفَصُّ إلَى بَاطِنِ الْكَفِّ اهـ. وَفِي التَّوْشِيحِ وَتُكْرَهُ الْمُسَافَرَةُ بِالْقُرْآنِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ صَوْنًا عَنْ وُقُوعِهِ فِي أَيْدِي الْكَفَرَةِ وَاسْتِخْفَافِهِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الدِّرْهَمُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ آيَةٌ يُكْرَهُ إذَابَتُهُ إلَّا إذَا كَسَرَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ حِينَئِذٍ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى فَخْرِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ غَسَلَ الْجُنُبُ فَمَه لِيَقْرَأَ أَوْ يَدَهُ لِيَمَسَّ أَوْ غَسَلَ الْمُحْدِثُ يَدَهُ لِيَمَسَّ لَمْ يُطْلَقْ لَهُ الْمَسُّ وَلَا الْقِرَاءَةُ لِلْجُنُبِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ وَالْحَدَثَ لَا يَتَجَزَّآنِ وُجُودًا وَلَا زَوَالًا وَفِي الْخُلَاصَةِ إنَّمَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الْحَمَّامِ إذَا قَرَأَ جَهْرًا، فَإِنْ قَرَأَ فِي نَفْسِهِ لَا بَأْسَ بِهِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَكَذَا التَّحْمِيدُ وَالتَّسْبِيحُ وَكَذَا لَا يَقْرَأُ إذَا كَانَتْ عَوْرَتُهُ مَكْشُوفَةً أَوْ امْرَأَتُهُ هُنَاكَ تَغْتَسِلُ مَكْشُوفَةً أَوْ فِي الْحَمَّامِ أَحَدٌ مَكْشُوفٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ. وَقَوْلُهُ (وَمَنَعَ الْحَدَثُ الْمَسَّ) أَيْ مَسَّ الْقُرْآنِ (وَمَنَعَهُمَا) أَيْ الْمَسَّ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ (الْجَنَابَةُ وَالنِّفَاسُ) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَحْكَامِ النِّفَاسِ. (قَوْلُهُ: وَتُوطَأُ بِلَا غُسْلٍ بِتَصَرُّمٍ لِأَكْثَرِهِ) أَيْ وَيَحِلُّ وَطْءُ الْحَائِضِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا الْعَشَرَةَ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى اغْتِسَالِهَا وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ تَصَرَّمَ الْقِتَالُ انْقَطَعَ وَسَكَنَ (قَوْلُهُ: وَلِأَقَلِّهِ لَا حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا أَدْنَى وَقْتِ صَلَاةٍ) . اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ لِأَنَّ الدَّمَ إمَّا يَنْقَطِعُ لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ أَوْ دُونَهَا لِتَمَامِ الْعَادَةِ أَوْ دُونَهُمَا فَفِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ يَحِلُّ وَطْؤُهَا بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَطَأَهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَفِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ دُونَ عَادَتِهَا لَا يَقْرَبُهَا وَإِنْ اغْتَسَلَتْ مَا لَمْ تَمْضِ عَادَتُهَا، وَفِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِلْأَقَلِّ لِتَمَامِ عَادَتِهَا إنْ اغْتَسَلَتْ أَوْ مَضَى عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ حَلَّ وَإِلَّا لَا وَكَذَا النِّفَاسُ إذَا انْقَطَعَ لِمَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ لِتَمَامِ عَادَتِهَا، فَإِنْ اغْتَسَلَتْ أَوْ مَضَى الْوَقْتُ حَلَّ وَإِلَّا لَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ مُطْلَقًا عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى " حَتَّى يَطَّهَّرْنَ " بِالتَّشْدِيدِ أَيْ يَغْتَسِلْنَ وَنَقَلَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ عَنْ زُفَرَ وَلَنَا أَنَّ فِي الْآيَةِ قِرَاءَتَيْنِ " يَطْهُرْنَ " بِالتَّخْفِيفِ " وَيَطَّهَّرْنَ " بِالتَّشْدِيدِ وَمُؤَدَّى الْأُولَى انْتِهَاءُ الْحُرْمَةِ الْعَارِضَةِ بِالِانْقِطَاعِ مُطْلَقًا وَإِذَا انْتَهَتْ الْحُرْمَةُ الْعَارِضَةُ عَلَى الْحِلِّ حَلَّتْ بِالضَّرُورَةِ وَمُؤَدَّى الثَّانِي عَدَمُ انْتِهَائِهَا عِنْدَهُ بَلْ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ فَوَجَبَ الْجَمْعُ مَا أَمْكَنَ فَحَمَلْنَا الْأُولَى عَلَى الِانْقِطَاعِ لِأَكْثَرِ الْمُدَّةِ وَالثَّانِيَةَ عَلَيْهِ لِتَمَامِ الْعَادَةِ الَّتِي لَيْسَتْ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ؛ لِأَنَّ فِي تَوْقِيفِ قُرْبَانِهَا فِي الِانْقِطَاعِ لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْغُسْلِ إنْزَالَهَا حَائِضًا حُكْمًا وَهُوَ مُنَافٍ لِحُكْمِ الشَّرْعِ عَلَيْهَا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ الْمُسْتَلْزِمِ إنْزَالَهُ إيَّاهَا طَاهِرَةً قَطْعًا بِخِلَافِ تَمَامِ الْعَادَةِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَقْطَعْ عَلَيْهَا بِالطُّهْرِ بَلْ يَجُوزُ الْحَيْضُ بَعْدَهُ وَلِذَا لَوْ زَادَتْ وَلَمْ تُجَاوِزْ الْعَشَرَةَ كَانَ الْكُلُّ حَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ، بَقِيَ أَنَّ مُقْتَضَى الثَّانِيَةِ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ قَبْلَ الْغُسْلِ فَرَفْعُ الْحُرْمَةِ قَبْلَهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ مُعَارَضَةٌ لِلنَّصِّ بِالْمَعْنَى وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الثَّانِيَةَ خُصَّ مِنْهَا صُورَةُ الِانْقِطَاعِ لِلْعَشَرَةِ بِقِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ فَجَازَ أَنْ تُخَصَّ ثَانِيًا بِالْمَعْنَى، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعِبَارَتُهُ فِي التَّحْرِيرِ فِي فَصْلِ التَّعَارُضِ وَقِرَاءَتَيْ التَّشْدِيدِ فِي يَطَّهَّرْنَ الْمَانِعَةَ إلَى الْغُسْلِ وَالتَّخْفِيفِ إلَى الطُّهْرِ فَيَحِلُّ الْقُرْبَانُ قَبْلَهُ بِالْحِلِّ الَّذِي انْتَهَتْ حُرْمَتُهُ الْعَارِضَةُ بِحَمْلِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَقِرَاءَتَيْ التَّشْدِيدِ) بِالْيَاءِ عَلَامَةِ الْجَرِّ لِعِطْفِهِ عَلَى الْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ فِي التَّحْرِيرِ وَمِنْهُ مَا بَيْنَ قِرَاءَتَيْ آيَةِ الْوُضُوءِ إلَخْ

стр. 213

تِلْكَ عَلَى مَا دُونَ الْأَكْثَرِ وَهَذِهِ عَلَيْهِ وَتَطَهَّرْنَ بِمَعْنَى طَهُرْنَ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ كَتَكَبَّرَ وَتَعَظَّمَ فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى مُحَافَظَةً عَلَى حَقِيقَةِ يَطْهُرْنَ بِالتَّخْفِيفِ وَكُلٌّ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ لَكِنْ هَذَا أَقْرَبُ إذْ لَا يُوجِبُ تَأَخُّرَ حَقِّ الزَّوْجِ بَعْدَ الْقَطْعِ بِارْتِفَاعِ الْمَانِعِ. اهـ. فَقَوْلُهُ وَتَطَهَّرْنَ بِمَعْنَى طَهُرْنَ إلَى آخِرِهِ جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ إنَّ هَذَا الْحَمْلَ يَرُدُّهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَإِنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ إلَّا بِالتَّشْدِيدِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَدْنَى وَقْتِ الصَّلَاةِ أَدْنَاهُ الْوَاقِعُ آخِرًا أَعْنِي أَنْ تَطْهُرَ فِي وَقْتٍ مِنْهُ إلَى خُرُوجِهِ قَدْرَ الِاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمُ لَا أَعَمُّ مِنْ هَذَا أَوْ مِنْ إنْ تَطَهَّرْنَ فِي أَوَّلِهِ وَيَمْضِي مِنْهُ هَذَا الْمِقْدَارُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُنْزِلُهَا طَاهِرَةً شَرْعًا كَمَا رَأَيْت بَعْضَهُمْ يَغْلَطُ فِيهِ، أَلَا تَرَى إلَى تَعْلِيلِهِمْ بِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا وَذَلِكَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ غَيْرُ وَاحِدٍ لَفْظَةَ أَدْنَى وَعِبَارَةُ الْكَافِي أَوْ تَصِيرُ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا بِمُضِيِّ أَدْنَى وَقْتِ صَلَاةٍ بِقَدْرِ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ بِأَنْ انْقَطَعَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَا قَالَهُ حَقٌّ فَقَدْ رَأَيْت أَيْضًا مَنْ يَغْلَطُ فِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مِنْ أَنَّ الِانْقِطَاعَ إذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَلَا يَجُوزُ قُرْبَانُهَا إلَّا بَعْدَ الِاغْتِسَالِ أَوْ بِمُضِيِّ جَمِيعِ الْوَقْتِ، وَإِذَا انْقَطَعَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ نَاقِصَةٍ كَصَلَاةِ الضُّحَى وَالْعِيدِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ. اهـ. وَإِنَّمَا عَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِالْأَدْنَى وَلَمْ يَقُلْ مَضَى وَقْتُ صَلَاةٍ نَفْيًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ مُضِيَّ الْوَقْتِ كُلِّهِ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ شَرْطٌ لِلْحِلِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الشَّارِحِينَ إنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الِانْقِطَاعُ آخِرَ الْوَقْتِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الِانْقِطَاعَ إنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ فَلَا بُدَّ لِلْحِلِّ مِنْ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ زَمَانٌ قَدْرُ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ وَخَرَجَ الْوَقْتُ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا، وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الِانْقِطَاعُ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ لِأَقَلَّ مِنْ الْعَادَةِ فَوْقَ الثَّلَاثِ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا، وَإِنْ اغْتَسَلَتْ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ فِي الْعَادَاتِ غَالِبٌ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الِاجْتِنَابِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَصِيغَةُ لَمْ يَقْرَبْهَا وَكَذَا التَّعْلِيلُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الِاجْتِنَابِ يَقْتَضِي حُرْمَةَ الْوَطْءِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي النِّهَايَةِ وَالْكَافِي لِلنَّسَفِيِّ كَرَاهَةُ الْوَطْءِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمُ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ وَإِلَّا فَالْمُنَافَاةُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرَةٌ وَفِي النِّهَايَةِ تَأْخِيرُ الْغُسْلِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ مُسْتَحَبٌّ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِتَمَامِ عَادَتِهَا وَفِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِأَقَلِّهَا وَاجِبٌ وَفِي الْمَبْسُوطِ إذَا انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ تَنْتَظِرُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ دُونَ الْمَكْرُوهِ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ قَالَ: إذَا انْقَطَعَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ تُؤَخِّرُ إلَى وَقْتٍ يُمْكِنُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فِيهِ وَتُصَلِّيَ قَبْلَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ وَمَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مَكْرُوهٌ اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إنَّ حُكْمَ الثَّالِثِ خِلَافُ إنْهَاءِ الْحُرْمَةِ بِالْغُسْلِ الثَّابِتِ بِقِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ فَهُوَ مُخَرَّجٌ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ. وَيُعَارِضُهُ مَا نَقَلَهُ فِي الْغَايَةِ عَنْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَلَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا كَمَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ وَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ بِالْكَرَاهَةِ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْحُرْمَةِ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ مَعَ خِلَافِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي التَّجْنِيسِ مُسَافِرَةٌ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ فَتَيَمَّمَتْ ثُمَّ وَجَدَتْ مَاءً جَازَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَقْرَبَهَا لَكِنْ لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا تَيَمَّمَتْ خَرَجَتْ مِنْ الْحَيْضِ فَلَمَّا وَجَدَتْ الْمَاءَ فَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ فَصَارَتْ كَالْجُنُبِ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ يُخْرِجُهَا مِنْ الْحَيْضِ فَيَجُوزُ قُرْبَانُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَلَمْ يَذْكُرْ يَعْنِي الْحَاكِمَ الشَّهِيدَ فِي الْكَافِي مَا إذَا تَيَمَّمَتْ وَلَمْ تُصَلِّ فَقِيلَ هُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ عِنْدَهُمَا لَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَقْرَبَهَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهُ ذَلِكَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَبَهَا عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا جَعَلَ التَّيَمُّمَ كَالِاغْتِسَالِ فِيمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَهُوَ قَطْعُ الرَّجْعَةِ وَالِاحْتِيَاطُ فِي الْوَطْءِ تَرْكُهُ فَلَمْ نَجْعَلْ التَّيَمُّمَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: فَقَوْلُهُ وَتَطَهَّرْنَ إلَخْ) بَيَانُهُ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا التَّخَلُّصُ إنْ لَوْ قُرِئَ فَإِذَا طَهُرْنَ بِالتَّخْفِيفِ كَمَا قُرِئَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ بِالتَّشْدِيدِ لِيَكُونَ التَّخْفِيفُ مُوَافِقًا لِلتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدُ مُوَافِقًا لِلتَّشْدِيدِ وَلَمْ يُقْرَأْ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ الْجَمْعُ بَيْنَ الطُّهْرِ وَالِاغْتِسَالِ بِالْقِرَاءَتَيْنِ وَالْجَوَابُ بِالْمَنْعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِيهِمَا لِمَا مَرَّ مِنْ اللَّازِمِ الْمَمْنُوعِ فَيُحْمَلُ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فِي حَتَّى يَطْهُرْنَ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى طَهُرْنَ بِالتَّخْفِيفِ أَيْضًا وَتَطَهَّرْنَ بِمَعْنَى طَهُرْنَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ فَإِنَّ تَفَعَّلَ يَجِيءُ بِمَعْنَى فَعُلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى صَنِيعٍ (قَوْلُهُ: وَفِي الْمَبْسُوطِ إذَا انْقَطَعَ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ انْقِطَاعِهِ لِأَقَلَّ مِنْ عَادَتِهَا أَوْ لِتَمَامِهَا، ثُمَّ قَوْلُهُ تَنْتَظِرُ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَقَلِّ الْعَادَةِ لِيُوَافِقَ مَا فِي النِّهَايَةِ وَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ تَأَخُّرُ الِاغْتِسَالِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ وَفِيمَا دُونَ عَادَتِهَا بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَكِنْ نَقَلَ فِي النَّهْرِ عَنْ النِّهَايَةِ مَا يُخَالِفُ نَقْلَ الْمُؤَلِّفِ عَنْهَا حَيْثُ قَالَ وَفِي النِّهَايَةِ وَتَأْخِيرُ الْغُسْلِ إلَى الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبُّ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِتَمَامِ عَادَتِهَا أَوْ لِأَقَلِّهَا وَاجِبٌ. اهـ. وَهَذَا يُوَافِقُ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمَبْسُوطِ لَكِنْ رَأَيْت عِبَارَةَ النِّهَايَةِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْهَا وَالظَّاهِرُ

стр. 214

فِيهِ قَبْلَ تَأَكُّدِهِ بِالصَّلَاةِ كَالِاغْتِسَالِ كَمَا لَا يَفْعَلُهُ فِي الْحِلِّ لِلْأَزْوَاجِ. اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يُوجِبُ حِلَّ وَطْئِهَا وَانْقِطَاعَ الرَّجْعَةِ وَحِلَّهَا لِلْأَزْوَاجِ إلَّا بِالصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا، وَإِنْ لَمْ تُصَلِّ وَلَا تَتَزَوَّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ مَا لَمْ تُصَلِّ وَفِي انْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ الْخِلَافُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا انْقَطَعَ دَمُ الْمَرْأَةِ دُونَ عَادَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ اغْتَسَلَتْ حِينَ تَخَافُ فَوْتَ الصَّلَاةِ وَصَلَّتْ وَاجْتَنَبَ زَوْجُهَا قُرْبَانَهَا احْتِيَاطًا حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى عَادَتِهَا لَكِنْ تَصُومُ رَمَضَانَ احْتِيَاطًا، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَيْضَةُ هِيَ الثَّالِثَةَ مِنْ الْعِدَّةِ انْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ احْتِيَاطًا وَلَا تَتَزَوَّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ احْتِيَاطًا، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ إنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا الدَّمُ جَازَ، وَإِنْ عَاوَدَهَا إنْ كَانَ فِي الْعَشَرَةِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْعَشَرَةِ فَسَدَ نِكَاحُ الثَّانِي وَكَذَا صَاحِبُ الِاسْتِبْرَاءِ يَجْتَنِبُهَا احْتِيَاطًا اهـ. قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَفْهُومُ التَّقْيِيدِ أَنَّهُ إذَا زَادَ لَا يَفْسُدُ وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ الْعَوْدُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعَادَةِ، أَمَّا قَبْلَهَا فَيَفْسُدُ وَإِنْ زَادَ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تُوجِبُ الرَّدَّ إلَى الْعَادَةِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ عَاوَدَهَا فِيهَا فَظَهَرَ أَنَّ النِّكَاحَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَيْضَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مُدَّةَ الِاغْتِسَالِ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ الْحَيْضِ فِي الِانْقِطَاعِ لِأَقَلَّ مِنْ الْعَشَرَةِ، وَإِنْ كَانَ تَمَامُ عَادَتِهَا بِخِلَافِ الِانْقِطَاعِ لِلْعَشَرَةِ حَتَّى لَوْ طَهُرَتْ فِي الْأُولَى وَالْبَاقِي قَدْرُ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ فَعَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَلَوْ طَهُرَتْ فِي الثَّانِيَةِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي قَدْرَ التَّحْرِيمَةِ فَقَطْ وَفِي الْمُجْتَبَى وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَعَ الْغُسْلِ لُبْسُ الثِّيَابِ وَهَكَذَا جَوَابُ صَوْمِهَا إذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ لَكِنْ الْأَصَحُّ أَنْ لَا تُعْتَبَرَ التَّحْرِيمَةُ فِي حَقِّ الصَّوْمِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ مَشَايِخُنَا زَمَانُ الْغُسْلِ مِنْ الطُّهْرِ فِي حَقِّ صَاحِبَةِ الْعَشَرَةِ وَمِنْ الْحَيْضِ فِيمَا دُونَهَا وَلَكِنْ مَا قَالُوا فِي حَقِّ الْقُرْبَانِ وَانْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ وَجَوَازِ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ لَا فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا إذَا طَهُرَتْ عَقِبَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ ثُمَّ اغْتَسَلَتْ عِنْدَ الْفَجْرِ الْكَاذِبِ ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ فِي اللَّيْلَةِ السَّادِسَةَ عَشَرَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّفَقِ فَهُوَ طُهْرٌ تَامٌّ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ وَقْتِ الِاغْتِسَالِ. اهـ. وَقَوْلُهُ الْأَصَحُّ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِي الصَّوْمِ التَّحْرِيمَةُ ظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِمُضِيِّ زَمَانِ الْغُسْلِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَلَوْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي بَعْضِ لَيَالِي رَمَضَانَ، فَإِنْ وَجَدَتْ فِي اللَّيْلِ مِقْدَارَ مَا تَغْتَسِلُ وَيَبْقَى سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الْعِشَاءِ وَيَجُوزُ صَوْمُهَا مِنْ الْغَدِ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ اللَّيْلِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الْعِشَاءِ وَلَا يَجُوزُ صَوْمُهَا مِنْ الْغَدِ، وَفِي التَّوْشِيحِ إنْ كَانَتْ أَيَّامُهَا دُونَ الْعَشَرَةِ لَا يُجْزِئُهَا صَوْمُ هَذَا الْيَوْمِ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ الِاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا إلَّا بِهَذَا، وَإِنْ بَقِيَ مِقْدَارُ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهَا صَوْمُهَا؛ لِأَنَّ الْعِشَاءَ صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهَا وَإِنَّهُ مِنْ حُكْمِ الطِّهَارَاتِ فَحُكِمَ بِطَهَارَتِهَا ضَرُورَةً. اهـ. وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ فِيمَا يَظْهَرُ وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ وَلَوْ كَانَتْ نَصْرَانِيَّةً تَحْتَ مُسْلِمٍ فَانْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَسِعَ الزَّوْجَ أَنْ يَطَأَهَا وَوَسِعَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ؛ لِأَنَّهُ لَا اغْتِسَالَ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الْخِطَابِ وَهِيَ مُخَرَّجَةٌ مِنْ حَمْلِ قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ عَلَى مَا دُونَ الْأَكْثَرِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَإِنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ لَا تَتَغَيَّرُ الْأَحْكَامُ؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِخُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ بِنَفْسِ الِانْقِطَاعِ فَلَا يَعُودُ بِالْإِسْلَامِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَاوَدَهَا الدَّمُ فَرُؤْيَةُ الدَّمِ مُؤَثِّرَةٌ فِي إثْبَاتِ الْحَيْضِ بِهِ ابْتِدَاءً فَكَذَلِكَ يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي الْبَقَاءِ بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي الْخُلَاصَةِ، فَإِنْ أَدْرَكَهَا الْحَيْضُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْوَقْتِ سَقَطَتْ الصَّلَاةُ عَنْهَا إنْ افْتَتَحَهَا وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا إذَا طَهُرَتْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ مَا لَا يَسَعُ فِيهِ التَّحْرِيمَةُ لَا يَلْزَمُهَا قَضَاءُ هَذِهِ الصَّلَاةِ وَإِذَا أَدْرَكَهَا الْحَيْضُ بَعْدَ شُرُوعِهَا فِي التَّطَوُّعِ كَانَ عَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ إذَا طَهُرَتْ اهـ. ــ [منحة الخالق] أَنَّ أَلْ مِنْ الْمُسْتَحَبِّ فِي كَلَامِ النَّهْرِ زَائِدَةٌ مِنْ النُّسَّاخِ وَبِدُونِهَا تَتَوَافَقُ الْعِبَارَتَانِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الِانْقِطَاعِ لِلْعَشَرَةِ) أَيْ فَإِنَّهُ فِيهِ يَكُونُ زَمَنُ الْغُسْلِ مِنْ الطُّهْرِ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِعَشَرَةٍ. (فَائِدَةٌ) حُكِيَ أَنَّ خَلَفَ بْنَ أَيُّوبَ أَرْسَلَ ابْنَهُ مِنْ بَلْخٍ إلَى بَغْدَادَ لِلتَّعَلُّمِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لَهُ مَا تَعَلَّمَتْ قَالَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَنَّ زَمَانَ الْغُسْلِ مِنْ الطُّهْرِ فِي حَقِّ صَاحِبَةِ الْعَشَرَةِ وَمِنْ الْحَيْضِ فِيمَا دُونَهَا قَالَ خَلَفٌ وَاَللَّهِ مَا ضَيَّعْت سَفَرَك، كَذَا فِي الْكِفَايَةِ. اهـ. زَادَهُ عَلَى الشِّرْعَةِ (قَوْلُهُ: وَهَكَذَا جَوَابُ صَوْمِهَا إذَا طَهُرَتْ إلَخْ) أَيْ إذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ وَالْبَاقِي قَدْرُ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ جَازَ لَهَا صَوْمُ الْيَوْمِ وَعَلَيْهَا قَضَاءُ الْعِشَاءِ وَإِلَّا فَلَا. (قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ فِيمَا يَظْهَرُ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ ظُهُورُ الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ مَا لَمْ تُدْرِكْ جُزْءًا مِنْ الْوَقْتِ يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِيهِ إنْشَاءُ النِّيَّةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَهِيَ حِينَ طُلُوعِ الْفَجْرِ كَانَتْ طَاهِرَةً فَتَصِحُّ نِيَّتُهَا وَيَسْقُطُ عَنْهَا بِلَا لُزُومِ قَضَاءٍ لَكِنْ فِي الزَّيْلَعِيِّ وَإِمْدَادِ الْفَتَّاحِ مَا يُؤَيِّدُ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ حَيْثُ قَالَا، وَلِذَا لَوْ طَهُرَتْ قَبْلَ الصُّبْحِ بِأَقَلَّ مِنْ وَقْتٍ يَسَعُ الْغُسْلَ مَعَ التَّحْرِيمَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَلَا يَصِحُّ صَوْمُهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ كَأَنَّهَا أَصْبَحَتْ وَهِيَ حَائِضٌ وَلَكِنْ عَلَيْهَا الْإِمْسَاكُ تَشَبُّهًا وَتَقْضِيهِ. اهـ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا جُعِلَتْ التَّحْرِيمَةُ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مِنْ الْحَيْضِ وَلَمْ تُدْرِكْ مَا يَسَعُهَا لَمْ يُحْكَمْ

стр. 215

وَكَذَا إذَا شَرَعَتْ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ ثُمَّ حَاضَتْ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا قَضَاؤُهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ الصَّوْمِ، وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ هُنَا فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ. (قَوْلُهُ وَالطُّهْرُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فِي الْمُدَّةِ حَيْضٌ وَنِفَاسٌ) يَعْنِي أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ دَمَيْنِ وَالدَّمَانِ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ أَوْ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ يَكُونُ حَيْضًا فِي الْأَوَّلِ وَنِفَاسًا فِي الثَّانِي. اعْلَمْ أَنَّ خَمْسَةً مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُمْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ وَابْنُ الْمُبَارَكِ رَوَى كُلٌّ مِنْهُمْ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَةً إلَّا مُحَمَّدًا فَإِنَّهُ رَوَى عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ وَأَخَذَ بِإِحْدَاهُمَا فَالْأَصْلُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرُ عَلَى مَا فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يَصِيرُ فَاصِلَا بَلْ يُجْعَلُ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ فَلَا يَصْلُحُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ، وَإِنْ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا يَكُونُ فَاصِلًا لَكِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إلَّا فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ، ثُمَّ إنْ كَانَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ مَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ حَيْضًا فَهُوَ حَيْضٌ وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْعَشَرَةِ فَهُوَ حَيْضٌ كُلُّهُ مَا رَأَتْ الدَّمَ فِيهِ وَمَا لَمْ تَرَهُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ لَا وَمَا سِوَاهُ فَدَمُ اسْتِحَاضَةٍ وَطُهْرُهُ طُهْرٌ وَوَافَقَ مُحَمَّدٌ أَبَا يُوسُفَ فِي الطُّهْرِ الْمُتَخَلِّلِ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ إنْ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فَيُجْعَلُ الْأَوَّلُ نِفَاسًا وَالثَّانِي حَيْضًا إنْ أَمْكَنَ بِأَنْ كَانَ ثَلَاثَةً بِلِيَالِهَا فَصَاعِدًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَأَكْثَرَ الثَّالِثِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَإِلَّا كَانَ اسْتِحَاضَةً وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُفْصَلُ وَيُجْعَلُ إحَاطَةُ الدَّمِ بِطَرَفَيْهِ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي فَلَوْ رَأَتْ بَعْدَ الْوِلَادَةِ يَوْمًا دَمًا وَثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْأَرْبَعُونَ نِفَاسٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا نِفَاسُهَا الدَّمُ الْأَوَّلُ وَمِنْ أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا أَنَّهُ يُجَوِّزُ بِدَايَةَ الْحَيْضِ بِالطُّهْرِ وَخَتْمَهُ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ دَمٌ وَيُجْعَلُ الطُّهْرُ بِإِحَاطَةِ الدَّمَيْنِ بِهِ حَيْضًا وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ دَمٌ وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ دَمٌ يَجُوزُ بِدَايَةُ الْحَيْضِ بِالطُّهْرِ وَلَا يَجُوزُ خَتْمُهُ بِهِ، وَعَلَى عَكْسِهِ بِأَنْ كَانَ بَعْدَهُ دَمٌ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ دَمٌ يَجُوزُ خَتْمُ الْحَيْضِ بِالطُّهْرِ وَلَا يَجُوزُ بِدَايَتُهُ بِهِ فَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ يَوْمًا وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ طُهْرًا أَوْ يَوْمًا دَمًا كَانَتْ الْعَشَرَةُ الْأُولَى حَيْضًا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا، وَلَوْ رَأَتْ الْمُعْتَادَةُ قَبْلَ عَادَتِهَا يَوْمًا دَمًا وَعَشَرَةً طُهْرًا أَوْ يَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ الَّتِي لَمْ تَرَ فِيهَا الدَّمَ حَيْضٌ إنْ كَانَتْ عَادَتُهَا الْعَشَرَةَ، فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ رُدَّتْ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا وَالْأَخْذُ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَيْسَرُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَفْتَوْا بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَى الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ تَفَاصِيلَ يُحْرَجُ النَّاسُ فِي ضَبْطِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا» وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ مُحِيطًا بِطَرَفَيْ الْعَشَرَةِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَإِلَّا كَانَ فَاصِلًا، فَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ يَوْمًا دَمًا وَثَمَانِيَةً ــ [منحة الخالق] عَلَيْهَا بِالطَّهَارَةِ، وَلَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الصَّوْمِ لَزِمَ الْحُكْمُ عَلَيْهَا بِالطَّهَارَةِ وَلَزِمَ مِنْهُ جَوَازُ وَطْئِهَا؛ لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ حُكْمًا (قَوْلُهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ إلَخْ) وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَالصَّائِمَةُ إذَا حَاضَتْ فِي النَّهَارِ، فَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ بَطَلَ صَوْمُهَا فَيَجِبُ قَضَاؤُهُ إنْ كَانَ وَاجِبًا وَإِنْ كَانَ نَفْلًا لَا بِخِلَافِ صَلَاةِ النَّفْلِ إذَا حَاضَتْ فِي خِلَالِهَا. اهـ. يَعْنِي: يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاؤُهَا إذَا حَاضَتْ فِيهَا فَفَرَّقَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إلَّا فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ يُتَصَوَّرُ فَصْلُهُ فِي الْحَيْضِ بِأَنْ يَجْعَلَ مَا قَبْلَهُ حَيْضًا وَمَا بَعْدَهُ كَذَلِكَ إنْ بَلَغَ أَقَلُّهُ وَلَمْ يُقَيِّدْ فَصْلَهُ بِمُدَّةِ الْحَيْضِ حَتَّى يُقَالَ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْحَيْضِ بَلْ الْكَلَامُ فِي تَخَلُّلِهِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَلِهَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ فِي الشرنبلالية بَعْدَ نَقْلِهِ لِعِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ فَرَاجِعْهُ مُتَأَمِّلًا وَلَعَلَّهُ قَالَ بِتَخْصِيصِهِ بِمُدَّةِ النِّفَاسِ لِيُمْكِنَ فِيهِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَشْتَرِطُ كَوْنَهُ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ كَانَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ) أَيْ طَرَفَيْ الطُّهْرِ الَّذِي هُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ كَانَ إلَخْ أَيْ الطُّهْرُ النَّاقِصُ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَخْ) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ فِي النِّفَاسِ لَا يُعْتَبَرُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَيُجْعَلُ إحَاطَةُ الدَّمَيْنِ بِطَرَفَيْهِ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَالَا لَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ فُصِلَ وَمُحَمَّدٌ يَجْعَلُ الطُّهْرَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ فَاصِلًا فِي الْحَيْضِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ لَا فِي الْأَرْبَعِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ الصُّورَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ ثُمَّ قَالَ وَلَوْ رَأَتْ مُبَتَدَأَةٌ بَلَغَتْ بِالْحَبَلِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ خَمْسَةً دَمًا ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ خَمْسَةً دَمًا ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ فَعِنْدَهُمَا نِفَاسُهَا الْخَمْسَةُ وَطُهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ وَحَيْضُهَا الْخَمْسَةُ الثَّانِيَةُ وَعِنْدَهُ نِفَاسُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَتَمَامُهُ فِيهَا فَرَاجِعْهَا. (قَوْلُهُ: وَيُجْعَلُ الطُّهْرُ) هَذَا أَصْلٌ آخَرُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّرْطَ إلَخْ) وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَجُوزُ بِدَايَةُ الْحَيْضِ وَلَا خَتْمُهُ بِالطُّهْرِ قَالَ؛ لِأَنَّ ضِدَّ الْحَيْضِ الطُّهْرُ وَلَا يَبْدَأُ الشَّيْءُ بِمَا يُضَادُّهُ وَلَا يُخْتَمُ بِهِ وَلَكِنْ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ يُجْعَلُ تَبَعًا لَهُمَا كَمَا فِي الزَّكَاةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ
следующие страницы →