Полный текст (3 122 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
لِي بِالْغَزْلِ فَأْتِنِي بِغَزْلٍ اشْتَرِيهِ فَأَتَى رَجُلٌ بِغَزْلٍ لِهَذَا الْغَزَّالِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُشْتَرِي فَجَعَلَ نَفْسَهُ دَلَّالًا بَيْنَهُمَا، وَاشْتَرَى ذَلِكَ الْغَزْلَ لَهُ بِأَزْيَدَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَصَرَفَ الْمُشْتَرِي بَعْضَهُ إلَى حَاجَتِهِ ثُمَّ عَلِمَ بِالْغَبْنِ وَبِمَا صَنَعَ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالصَّوَابُ أَنْ يَرُدَّ الْبَاقِيَ وَمِثْلَ مَا صَرَفَ إلَى حَاجَتِهِ، وَلْيَسْتَرِدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ كَمَنْ اشْتَرَى بَيْتًا مَمْلُوءًا مِنْ بُرٍّ فَإِذَا فِيهِ دُكَّانٌ عَظِيمٌ فَلَهُ الرَّدُّ وَأَخْذُ جَمِيعِ الثَّمَنِ قَبْلَ إنْفَاقِ شَيْءٍ مِنْ عَيْنِهِ، وَبَعْدَهُ يَرُدُّ الْبَاقِيَ وَمِثْلَ مَا أَنْفَقَ، وَيَسْتَرِدُّ الثَّمَنَ كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ. اهـ.
فَقَدْ تَحَرَّرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ الرَّدِّ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ، وَلَكِنَّ بَعْضَ مَشَايِخِنَا أَفْتَى بِالرَّدِّ بِهِ، وَفِي خِزَانَة الْفَتَاوَى خُدِعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فَالْمَذْهَبُ لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الزَّرَنْجَرِيُّ يُفْتَى بِالرَّدِّ. اهـ.
وَبَعْضُهُمْ أَفْتَى بِهِ إنْ غَرَّهُ الْآخَرُ، وَبَعْضُهُمْ أَفْتَى بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ عَدَمِ الرَّدِّ مُطْلَقًا، وَفِي الصَّيْرَفِيَّةِ اخْتَارَ عِمَادُ الدِّينِ الرَّدَّ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُشْتَرِي، وَكَذَا فِي وَاقِعَاتِ الْجَصَّاصِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ رِوَايَاتِ الْمُضَارَبَةِ، وَبِهِ يُفْتِي، وَاخْتَارَهُ النَّسَفِيُّ وَأَبُو الْيُسْرِ الْبَزْدَوِيُّ، وَقَالَ الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ جَدِّيّ إنْ غَرَّهُ فَلَهُ الرَّدُّ، وَإِلَّا فَلَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَيَسِيرٌ، وَمَا لَا فَفَاحِشٌ. اهـ.
وَكَمَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي مَغْبُوبًا مَغْرُورًا يَكُونُ الْبَائِعُ كَذَلِكَ كَمَا فِي فَتَاوَى قَارِئ الْهِدَايَةِ.
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَالزِّيَادَةِ وَالْحَطِّ فِيهِمَا وَتَأْجِيلِ الدُّيُونِ
قَوْلُهُ (صَحَّ بَيْعُ الْعَقَارِ قَبْلَ قَبْضِهِ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَقِيَاسًا عَلَى الْمَنْقُول وَعَلَى الْإِجَارَةِ، وَلَهُمَا أَنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ وَلَا غَرَرَ فِيهِ لِأَنَّ الْهَلَاكَ فِي الْعَقَارِ نَادِرٌ بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ، وَالْغَرَرُ الْمَنْهِيُّ غَرَرُ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ، وَالْحَدِيثُ مَعْلُولٌ بِهِ عَمَلًا بِدَلَائِل الْجَوَازِ، وَالْإِجَارَةُ قِيلَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ الْمَنَافِعُ، وَهَلَاكُهَا غَيْرُ نَادِرٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي الْكَافِي، وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا زَرْعُ بَقْلٍ، وَدَفَعَهَا إلَى الْبَائِعِ مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ آجَرَ الْأَرْضَ فَإِنْ دَفَعَ الْأَرْضَ مُعَامَلَةً يَكُونُ اسْتِئْجَارًا لِلْعَامِلِ، وَلَا يَكُونُ إجَارَةً، وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ لِكَوْنِهِ بَاعَ نِصْفَ الزَّرْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَطْلَقَهُ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ لَا يُخْشَى إهْلَاكُهُ أَمَّا فِي مَوْضِعٍ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَالْمَنْقُولِ ذَكَرَهُ الْمَحْبُوبِيُّ، وَفِي الِاخْتِيَارِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ أَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عُلْوًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ. اهـ.
وَفِي الْبِنَايَةِ إذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَصِيرَ بَحْرًا أَوْ تَغْلِبَ عَلَيْهِ الرِّمَالُ لَمْ يَجُزْ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالصِّحَّةِ دُونَ النَّفَاذِ أَوْ اللُّزُومِ لِأَنَّ النَّفَاذَ، وَاللُّزُومَ مَوْقُوفَانِ عَلَى نَقْدِ الثَّمَنِ أَوْ رِضَا الْبَائِعِ، وَإِلَّا فَلِلْبَائِعِ إبْطَالُهُ، وَكَذَا كُلُّ تَصَرُّفٍ يَقْبَلُ النَّقْضَ إذَا فَعَلَهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ فَلِلْبَائِعِ إبْطَالُهُ بِخِلَافِ مَا لَا يَقْبَلُ النَّقْضَ كَالْعِتْقِ، وَالتَّدْبِيرِ، وَالِاسْتِيلَادِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَيِّدَ بِالْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى عَقَارًا فَوَهَبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ يَجُوزُ عِنْدَ الْكُلِّ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ.
قَوْلُهُ (لَا بَيْعُ الْمَنْقُولِ) أَيْ لَا يَصِحُّ لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرَ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ عَلَى اعْتِبَارِ الْهَلَاكِ، قَيِّدَ بِالْبَيْعِ لِأَنَّ هِبَتَهُ وَالتَّصَدُّقَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَمِثْلُ مَا صَرَفَ إلَى حَاجَتِهِ) مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْغَزْلَ مِثْلِيٌّ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ لَا قِيَمِيٌّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي فِي الرِّبَا حَيْثُ عَدُّوهُ مِنْ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ، وَرَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ مَشَايِخِ مَشَايِخِنَا مَا نَصُّهُ: كُلُّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ وَلَيْسَ فِي تَبْعِيضِهِ مَضَرَّةٌ يَعْنِي غَيْرَ الْمَصْنُوعِ فَهُوَ مِثْلِيٌّ، وَكَذَا الْعَدَدِيُّ الْمُتَقَارِبُ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ وَالْفُلُوسِ وَنَحْوِهَا، وَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ كِتَابِ الْغَصْبِ لَيْسَ كُلُّ مَكِيلٍ مِثْلِيًّا وَلَا كُلُّ مَوْزُونٍ إنَّمَا الْمِثْلِيُّ مِنْ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ مَا هِيَ مُتَقَارِبَةٌ أَمَّا مَا هُوَ مُتَفَاوِتٌ فَلَيْسَ بِمِثْلِيٍّ فَكَانَتْ الْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ وَالْعَدَدِيَّاتُ سَوَاءٌ عِمَادِيَّةً مِنْ أَنْوَاعِ الضَّمَانَاتِ اهـ.
قُلْتُ: وَرَأَيْت فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ بِرَمْزِ (فر) الْخَلُّ وَالْعَصِيرُ وَالدَّقِيقُ وَالنُّخَالَةُ وَالْجِصُّ وَالنُّورَةُ وَالْقُطْنُ وَالصُّوفُ وَغَزْلُهُ وَالتِّبْنُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ مِثْلِيٌّ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ بِنَحْوِ كُرَّاسَةٍ وَنِصْفٍ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي ضَمَانِ النَّسَّاجِ دَفَعَ إلَيْهِ غَزْلًا لِيَنْسِجَ فَجَحَدَ الْحَائِكُ الْغَزْلَ وَحَلَفَ ثُمَّ أَقَرَّ، وَجَاءَ بِهِ مَنْسُوجًا فَلَوْ نَسَجَهُ قَبْلَ جُحُودِهِ فَلَهُ أَجْرَهُ، وَلَوْ نَسَجَهُ بَعْدَ جُحُودِهِ ضَمِنَ غَزْلًا مِثْلَهُ لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ، وَلَا أَجْرَ لَهُ إلَخْ فَهَذَا صَرِيحُ النَّقْلِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فَانْدَفَعَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهُ قِيَمِيٌّ فَتَنَبَّهْ.
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِهِ]
(فَصْلٌ فِي بَيَانِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ)
(قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ آجَرَ الْأَرْضَ) الظَّاهِرُ أَنْ لَا سَاقِطَةٌ مِنْ النُّسَخِ قَبْلَ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ (قَوْلُهُ أَوْ بَعْدَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ) الضَّمِيرُ عَائِدٌ إلَى الْقَبْضِ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أَوْ بِمَحْذُوفٍ حَالٌ مِنْهُ أَيْ أَنَّ الْقَبْضَ الْوَاقِعَ بِلَا إذْنِ الْبَائِعِ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِ الْقَبْضِ لِأَنَّ لِلْبَائِعِ اسْتِرْدَادَهُ لِيَحْبِسَهُ عَلَى الثَّمَنِ.
стр. 2032
بِهِ، وَإِقْرَاضَهُ مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ جَائِزٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَأَمَّا كِتَابَةُ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ مَوْقُوفَةٌ، وَلِلْبَائِعِ حَبْسُهُ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ نَقَدَهُ نَفَذَتْ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لَهَا بَلْ كُلُّ عَقْدٍ يَقْبَلُ النَّقْضَ فَهُوَ مَوْقُوفٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا تَزْوِيجُ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا فَجَائِزٌ لِأَنَّ الْغَرَرَ لَا يَمْنَعُ جَوَازَهُ بِدَلِيلِ صِحَّةِ تَزْوِيجِ الْآبِقِ، وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَصَحِيحَةٌ اتِّفَاقًا لِأَنَّهَا أُخْتُ الْمِيرَاثِ، وَلَوْ زَوَّجَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ فُسِخَ الْبَيْعُ انْفَسَخَ النِّكَاحُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَأَطْلَقَ الْبَيْعَ فَشَمِلَ الْإِجَارَةَ لِأَنَّهَا بَيْعُ الْمَنَافِعِ، وَالصُّلْحَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ قَالُوا مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأُجْرَةِ الْعَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَبِيعِ، وَأَرَادَ بِالْمَنْقُولِ الْمَبِيعَ الْمَنْقُولَ فَجَازَ بَيْعُ غَيْرِهِ كَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَلَى دَمِ الْعَمْدِ وَالْأَصْلُ كَمَا فِي الْإِيضَاحِ أَنَّ كُلَّ عِوَضٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَالتَّصَرُّفُ فِيهِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَمَا لَا فَجَائِزٌ.
وَأَطْلَقَ فِي مَنْعِ الْبَيْعِ فَشَمِلَ مَا إذَا بَاعَهُ مِنْ بَائِعِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَصِحَّ وَلَا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ بِخِلَافِ مَا إذَا وَهَبَهُ مِنْهُ وَقَبِلَهَا فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ لِأَنَّ الْهِبَةَ مَجَازٌ عَنْ الْإِقَالَةِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ اشْتَرَى عَبْدًا وَقَبَضَهُ ثُمَّ تَقَايَلَا الْبَيْعَ، وَلَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى اشْتَرَاهُ مِنْ الْبَائِعِ جَازَ شِرَاؤُهُ، وَلَوْ بَاعَهُ الْبَائِعُ بَعْدَ الْإِقَالَةِ مِنْ غَيْرِ الْمُشْتَرِي لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. اهـ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِهِ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِأَمْرِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ اشْتَرَى عَبْدًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَهَبَهُ مِنْ فُلَانٍ فَفَعَلَ الْبَائِعُ ذَلِكَ، وَدَفَعَهُ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ الْمُشْتَرِي قَابِضًا، وَكَذَا لَوْ أَمَرَ الْبَائِعُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ فُلَانًا مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَفَعَلَ جَازَ وَصَارَ الْمُسْتَأْجِرُ قَابِضًا لِلْمُشْتَرِي أَوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُ قَابِضًا لِنَفْسِهِ، وَالْأَجْرُ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْبَائِعُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ يَحْسِبهُ مِنْ الثَّمَنِ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، وَكَذَا لَوْ أَعَارَ الْعَبْدَ الْبَائِعُ مِنْ رَجُلٍ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُشْتَرِي أَوْ وَهَبَ أَوْ رَهَنَ فَأَجَازَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ جَازَ، وَيَصِيرُ قَابِضًا اهـ.
ثُمَّ قَالَ اشْتَرَى ثَوْبًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ وَلَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ ثُمَّ قَالَ لِلْبَائِعٍ لَا أَئْتَمِنُكَ عَلَيْهِ ادْفَعْهُ إلَى فُلَانٍ يَكُونُ عِنْدَهُ حَتَّى أَدْفَعَ إلَيْك الثَّمَنَ فَدَفَعَهُ الْبَائِعُ إلَى فُلَانٍ فَهَلَكَ مِنْ يَدِهِ كَانَ الْهَلَاكُ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ يُمْسِكُهُ لِلثَّمَنِ لِأَجْلِ الْبَائِعِ فَتَكُونُ يَدُهُ كَيَدِ الْبَائِعِ، وَلَوْ أَمَرَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِوَطْءِ الْجَارِيَةِ أَوْ بِأَكْلِ الطَّعَامِ فَفَعَلَ كَانَ فَسْخًا لِلْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ نَائِبًا عَنْ الْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ فَكَانَ مَجَازًا عَنْ الْفَسْخِ لِيَكُونَ وَاطِئًا وَآكِلًا مَالَ نَفْسِهِ، وَأَمَّا الْآمِرُ بِالْبَيْعِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ قَالَ الْبَائِعُ بِعْهُ لِنَفْسِك فَبَاعَهُ كَانَ فَسْخًا، وَإِنْ قَالَ بِعْهُ لِي لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ، وَلَا يَكُونُ فَسْخًا، وَلَوْ قَالَ بِعْهُ أَوْ بِعْهُ مِمَّنْ شِئْت فَبَاعَهُ كَانَ فَسْخًا، وَجَازَ الْبَيْعُ الثَّانِي لِلْمَأْمُورِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَكُون فَسْخًا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ بِعْهُ لِي، وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا أَوْ حِنْطَةً فَقَالَ لِلْبَائِعِ بِعْهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي وَقَبْلَ الرُّؤْيَةِ يَكُونُ فَسْخًا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ الْبَائِعُ نَعَمْ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَنْفَرِدُ بِالْفَسْخِ فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَإِنْ قَالَ بِعْهُ لِي أَيْ كُنْ وَكِيلًا فِي الْفَسْخِ فَمَا لَمْ يَقْبَلْ الْبَائِعُ وَلَمْ يَقُلْ نَعَمْ لَا يَكُونُ فَسْخًا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ وَالرُّؤْيَةِ لَا يَكُونُ فَسْخًا، وَيَكُونُ وَكِيلًا بِالْبَيْعِ سَوَاءٌ قَالَ بِعْهُ أَوْ بِعْهُ لِي. اهـ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَلَمْ يَلْحَقْهُ إجَازَةٌ فَذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ اشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفٍ وَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى رَهَنَهُ الْبَائِعُ أَوْ آجَرَهُ أَوْ أَوْدَعَهُ فَمَاتَ انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَلَا يُضَمِّنُ الْمُشْتَرِي أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ لِأَنَّهُ إنْ ضَمَّنَهُمْ رَجَعُوا عَلَى الْبَائِعِ، وَلَوْ أَعَارَهُ أَوْ وَهَبَهُ فَمَاتَ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ أَوْدَعَهُ فَاسْتَعْمَلَهُ الْمُودَعُ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَمْضَى الْبَيْعَ وَضَمَّنَ الْمُسْتَعِيرَ وَالْمُودَعَ، وَالْمَوْهُوبَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ لِأَنَّهُ لَوْ ضَمَّنَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ لِلضَّامِنِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ.
وَلَوْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَالصُّلْحُ لِأَنَّهُ بَيْعٌ) أَيْ الصُّلْحُ عَنْ الدَّيْنِ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَتَعْبِيرُ النَّهْرِ بِالْخُلْعِ سَبْقُ قَلَمٍ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ تَحْرِيفِ النُّسَّاخِ
стр. 2033
بَاعَهُ الْبَائِعُ فَمَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي مِنْ عَمَلِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ عَمَلِهِ كَانَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ إنْ كَانَ نَقَدَهُ الثَّمَنَ، وَإِلَّا لَمْ يَرْجِعْ، وَلَوْ أَمَرَ الْبَائِعُ رَجُلًا فَقَتَلَهُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُضَمِّنَ الْقَاتِلَ قِيمَتَهُ لِأَنَّهُ إذَا ضَمِنَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ أَمَرَ الْبَائِعُ رَجُلًا بِذَبْحِ شَاةٍ فَذَبَحَهَا إنْ كَانَ الذَّابِحُ يَعْلَمُ بِالْبَيْعِ فَلِلْمُشْتَرِي تَضْمِينُهُ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ اهـ.
قَوْلُهُ (وَلَوْ اشْتَرَى مَكِيلًا كَيْلًا حَرُمَ بَيْعُهُ، وَأَكْلُهُ حَتَّى يَكِيلَهُ) أَيْ حَتَّى يُعِيدَ كَيْلَهُ لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ صَاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ وَصَاعُ الْمُشْتَرِي، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَذَلِكَ لِلْبَائِعِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْغَيْرِ حَرَامٌ فَيَجِبُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، قَيَّدَ بِقَوْلِهِ كَيْلًا أَيْ بِشَرْطِ الْكَيْلِ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ مُجَازَفَةً لَا يَحْرُمُ الْبَيْعُ، وَالْأَكْلُ قَبْلَ الْكَيْلِ لِأَنَّ الْكُلَّ لَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ فَسَادَ الْبَيْعِ، وَنَصَّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى فَسَادِهِ لِأَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ أَمْرٌ رَاجِعٌ إلَى الْمَبِيعِ، وَلَكِنَّ النَّصَّ إنَّمَا هُوَ فِي الْبَيْعِ فَأَلْحَقُوا بِهِ مَنْعَ الْأَكْلِ قَبْلَ الْكَيْلِ وَكُلَّ تَصَرُّفٍ يُبْنَى عَلَى الْمِلْكِ كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَأَلْحَقُوا بِالْمَكِيلِ الْمَوْزُونَ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَيَنْبَغِي إلْحَاقُ الْمَعْدُودِ الَّذِي لَا يَتَفَاوَتُ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ إذَا اُشْتُرِيَ بِالْعَدَدِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ فَأَفْسَدَ الْبَيْعَ قَبْلَ الْعَدِّ. اهـ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَةِ أَكْلِهِ قَبْلَ الْإِعَادَةِ كَوْنُ الطَّعَامِ حَرَامًا فَقَدْ نَصَّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ لَوْ أَكَلَهُ وَقَدْ قَبَضَهُ بِلَا كَيْلٍ لَا يُقَالُ إنَّهُ أَكَلَ حَرَامًا لِأَنَّهُ أَكَلَ مِلْكَ نَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ يَأْثَمُ لِتَرْكِهِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الْكَيْلِ فَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ أَصْلًا فِي سَائِرِ الْمَبِيعَاتِ بَيْعًا فَاسِدًا إذَا قَبَضَهَا فَمَلَكهَا فَأَكَلَهَا.
وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا اشْتَرَاهُ فَاسِدًا، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنْ لَيْسَ كُلُّ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إذَا أَكَلَهُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ أَكَلَ حَرَامًا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ لَيْسَ يُقَالُ هَذَا كَأَكْلِ الْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الْمَبِيعِ، وَوُجُوبِ فَسْخِهِ، وَأَمَّا هُنَا فَلَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ الْفَسْخَ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الْبَائِعِ إلَّا بِالزِّيَادَةِ الْمَوْهُومَةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْمَبِيعِ فَاسِدًا أَكَلَ حَرَامًا، وَلَكِنْ رَأَيْت فِي الْخُلَاصَةِ فِي الْأَيْمَانِ مِنْ الثَّانِي عَشَرَ فِي الْأَكْلِ قَالَ وَفِي فَوَائِدِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ لَوْ أَكَلَ مِنْ الْكَرْمِ الَّذِي دَفَعَ مُعَامَلَةً، وَهُوَ قَدْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حَرَامًا لَا يَحْنَثُ أَمَّا عِنْدَهُمَا لَا يُشْكِلُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ عَقْدٌ فَاسِدٌ عِنْدَهُ فَقَدْ أَكَلَ مِلْكَ نَفْسِهِ اهـ.
فَالْحَقُّ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ كَيْلَ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ دُونَ كَيْلِ الْبَائِعِ مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ اشْتَرَطَ الصَّاعَيْنِ لِأَنَّ صَاعَ الْبَائِعِ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِكُلِّ بَيْعٍ لِأَنَّ الْبَائِعَ إذَا مَلَكَهُ بِالْإِرْثِ أَوْ الْمُزَارَعَةِ أَوْ كَانَ شِرَاؤُهُ مُجَازَفَةً أَوْ اسْتَقْرَضَ حِنْطَةً عَلَى أَنَّهَا كُرٌّ ثُمَّ بَاعَهَا فَالْحَاجَةُ إلَى كَيْلِ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِقْرَاضُ تَمْلِيكًا بِعِوَضٍ كَالشِّرَاءِ لَكِنَّهُ شِرَاءٌ صُورَةً عَارِيَّةٌ حُكْمًا لِأَنَّ مَا يَرُدُّهُ عَيْنُ الْمَقْبُوضِ حُكْمًا، وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ قَبْضُ بَدَلِهِ فِي مَالِ الصَّرْفِ فَكَانَ تَمْلِيكًا بِلَا عِوَضٍ حُكْمًا.
وَلَوْ اشْتَرَى مُكَايَلَةً ثُمَّ بَاعَ مُجَازَفَةً قَبْلَ الْكَيْلِ، وَبَعْدَ الْقَبْضِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَجُوزُ لِاحْتِمَالِ اخْتِلَاطِ مِلْكِ الْبَائِعِ بِمِلْكِ بَائِعِهِ، وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ يَجُوزُ، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى كَيْلِ الْبَائِعِ إذَا كَانَ الْبَائِعُ اشْتَرَاهُ مُكَايَلَةً، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَيْلَ الْبَائِعِ لَا يَكْفِي عَنْ كَيْلِ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَالَهُ الْبَائِعُ قَبْلَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ كَمَا فِي الْإِيضَاحِ إلَخْ) هَذَا الْأَصْلُ لَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَبِي يُوسُفَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ قِيمَتَهُ) أَيْ قِيمَتَهُ يَوْمَ قَبْضِهِ، وَكَذَا فِي الْهِبَةِ وَالْعَارِيَّةِ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ، وَفِيهَا اشْتَرَى دَارًا أَوْ عَبِيدًا أَوْ عُرُوضًا، وَتَرَكَهَا فِي يَدِ الْبَائِعِ فَبَاعَهَا وَرَبِحَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ فَإِنْ أَجَازَهُ الْمُشْتَرِي فَفَاسِدٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَيَجِبُ فَسْخُهُ اهـ.
قُلْتُ: لَكِنَّ قَوْلَهُ اشْتَرَى دَارًا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ بِفَسَادِ بَيْعِ الْعَقَارِ قَبْلَ قَبْضِهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ فَسَادَ الْبَيْعِ) أَيْ بَيْعَ الْمُشْتَرِي لِمَا قَالَهُ نُوحٌ أَفَنْدِي أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بَيْعُهُ وَأَكْلُهُ حَتَّى يَكِيلَهُ أَوْ حَتَّى يُعِيدَ الْكَيْلَ فَلَوْ بَاعَهُ بِلَا إعَادَةِ الْكَيْلِ يَكُونُ الْبَيْعُ فَاسِدًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَالَ بِقَوْلِنَا هَذَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ. اهـ.
وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ انْعَقَدَ صَحِيحًا، وَلَكِنْ حِلُّ التَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْ أَكْلٍ أَوْ بَيْعٍ مَوْقُوفٌ عَلَى الْكَيْلِ، وَكَذَا صِحَّةُ الْبَيْعِ الثَّانِي مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْكَيْلِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْفَرْعُ الْآتِي آخِرًا عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ صِحَّةَ الْقَبْضِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْكَيْلِ، وَلَوْ قَبَضَهُ بِيَدِهِ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ فَإِذَا بَاعَهُ قَبْلَ كَيْلِهِ فَكَأَنَّهُ بَاعَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي الْمَنْقُولِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا يَصِحُّ كَمَا مَرَّ فَكَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَلِذَا أَعْقَبَهَا بِهَا قَبْلَ ذِكْرِ التَّصَرُّفِ فِي الثَّمَنِ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي إلْحَاقُ الْمَعْدُودِ إلَخْ) لَيْسَ هَذَا بَحْثًا فِيمَا لَا نَقْلَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ لَنَا فَإِنَّهُ لِقَوْلِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلِأَنَّهُ سَيَأْتِي مَتْنًا، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِظْهَارٌ لِوَجْهِ الْحَلْقَةِ
стр. 2034
الْبَيْعَ مُطْلَقًا أَوْ بَعْدَهُ فِي غَيْبَةِ الْمُشْتَرِي أَمَّا إذَا كَالَهُ فِي حَضْرَتِهِ فَإِنَّهُ يُغْنِي عَنْ كَيْلِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْمَبِيعَ صَارَ مَعْلُومًا بِكَيْلٍ وَاحِدٍ، وَتَحَقَّقَ مَعْنَى التَّسْلِيمِ، وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ اجْتِمَاعُ الصَّفْقَتَيْنِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فِي السَّلَمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَمِنْ هُنَا يَنْشَأُ فَرْعٌ، وَهُوَ مَا لَوْ كِيلَ طَعَامٌ بِحَضْرَةِ رَجُلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ بَاعَهُ مُكَايَلَةً قَبْلَ أَنْ يَكْتَالَهُ بَعْدَ شِرَائِهِ لَا يَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ سَوَاءٌ اكْتَالَهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ أَوْ لَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكْتَلْ بَعْدَ شِرَائِهِ هُوَ لَمْ يَكُنْ قَابِضًا فَبَيْعُهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَوْلُهُ (وَمِثْلُهُ الْمَوْزُونُ وَالْمَعْدُودُ) أَيْ مِثْلُ الْمَكِيلِ شِرَاءُ الْمَوْزُونِ وَزْنًا، وَالْمَعْدُودِ عَدَدًا فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَالْأَكْلُ حَتَّى يُعِيدَ الْوَزْنَ وَالْعَدَّ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ أَمَّا هُمَا فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِمَا بَعْدَ الْقَبْضِ قَبْلَ الْوَزْنِ كَذَا فِي الْإِيضَاحِ، وَقُيِّدَ بِالْمَبِيعِ لِمَا فِي الْمُحِيطِ لَوْ كَانَ الْمَكِيلُ أَوْ الْمَوْزُونُ ثَمَنًا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْكَيْلِ، وَالْوَزْنِ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَبْلَ الْكَيْلِ أَوْلَى، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ بَيْعِ التَّعَاطِي أَمَّا هُوَ فَقَالَ فِي الْقُنْيَةِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي بَيْعِ التَّعَاطِي فِي الْمَوْزُونَاتِ إلَى وَزْنِ الْمُشْتَرِي ثَانِيًا لِأَنَّهُ صَارَ بَيْعًا بِالْقَبْضِ بَعْدَ الْوَزْنِ. اهـ. وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى
قَوْلُهُ (لَا الْمَذْرُوعُ) أَيْ لَا يَحْرُمُ بَيْعُهُ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ إعَادَةِ الذَّرْعِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الذَّرْعِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَهُ إذْ الذَّرْعُ وَصْفٌ فِي الثَّوْبِ، وَاحْتِمَالُ النَّقْصِ إنَّمَا يُوجِبُ خِيَارَهُ، وَقَدْ أَسْقَطَهُ بِبَيْعِهِ بِخِلَافِ الْقَدْرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ أَفْرَدَ لِكُلِّ ذِرَاعٍ ثَمَنًا صَارَ كَالْمَوْزُونِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ.
قَوْلُهُ (وَصَحَّ التَّصَرُّفُ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِهِ) لِقِيَامِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ الْمِلْكُ، وَلَيْسَ فِيهِ غَرَرُ الِانْفِسَاخِ بِالْهَلَاكِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا بِالتَّعْيِينِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا لَا يَتَعَيَّنُ، وَالْحُكْمُ أَعَمُّ مِنْهُ، وَلِذَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَتَعَيَّنُ أَوْ لَا سِوَى بَدَلِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ لِأَنَّ لِلْمَقْبُوضِ حُكْمَ عَيْنِ الْمَبِيعِ فِي السَّلَمِ، وَالِاسْتِبْدَالُ بِالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا فِي الصَّرْفِ، وَأَيَّدَهُ السَّمْعُ إلَى آخِرِهِ، وَأَطْلَقَ التَّصَرُّفَ قَبْلَ قَبْضِهِ لِقِيَامِ الْمُطْلَقِ فَشَمِلَ الْبَيْعَ، وَالْهِبَةَ، وَالْإِجَارَةَ، وَالْوَصِيَّةَ، وَتَمْلِيكَهُ مِمَّنْ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ إلَّا تَمْلِيكَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِالثَّمَنِ إلَى كُلِّ دَيْنٍ فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الدُّيُونِ كُلِّهَا قَبْلَ قَبْضِهَا مِنْ الْمَهْرِ، وَالْإِجَارَةِ، وَضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ سِوَى الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا التَّصَرُّفُ فِي الْمَوْرُوثِ، وَالْمُوصَى بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَدَّمْنَا جَوَازَهُ.
قَوْلُهُ (وَالزِّيَادَةُ فِيهِ) أَيْ صَحَّتْ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ (وَالْحَطُّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الثَّمَنِ، وَيَلْتَحِقَانِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَلْتَحِقَانِ، وَإِنَّمَا يَصِحَّانِ عَلَى اعْتِبَارِ ابْتِدَاءِ الصِّلَةِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الزِّيَادَةِ ثَمَنًا لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِلْكُهُ عِوَضَ مِلْكِهِ فَلَا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ، وَكَذَا الْحَطُّ لِأَنَّ كُلَّ الثَّمَنِ صَارَ مُقَابَلًا بِكُلِّ الْمَبِيعِ فَلَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ فَصَارَ بِرًّا مُبْتَدَأً، وَلَنَا أَنَّهُمَا بِالْحَطِّ وَالزِّيَادَةِ يُغَيِّرَانِ الْعَقْدَ مِنْ وَصْفٍ مَشْرُوعٍ إلَى وَصْفٍ مَشْرُوعٍ، وَهُوَ كَوْنُهُ رَابِحًا أَوْ خَاسِرًا أَوْ عِدْلًا، وَلَهُمَا وِلَايَةُ الرَّفْعِ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُمَا وِلَايَةُ التَّغْيِيرِ فَصَارَ
ــ
[منحة الخالق]
بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ كَمَا هُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ أَمَّا إذَا كَانَ فِي حَضْرَتِهِ فَإِنَّهُ يُغْنِي عَنْ كَيْلِهِ) أَيْ عَنْ كَيْلِ الْمُشْتَرِي فِيمَا يَظْهَرُ، وَعَلَيْهِ فَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ اشْتَرَاهُ مُكَايَلَةً وَكَالَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ بَاعَهُ كَذَلِكَ، وَكَالَهُ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ أَغْنَى ذَلِكَ الْمُشْتَرِيَ عَنْ كَيْلِهِ، وَيَحْتَمِلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى الْبَائِعِ، وَصُورَتُهُ اشْتَرَاهُ مُكَايَلَةً، وَلَمْ يَكِلْهُ لِنَفْسِهِ حَتَّى بَاعَهُ مِنْ آخَرَ، وَكَالَهُ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ فَإِنَّهُ يُغْنِي عَنْ كَيْلِهِ أَيْ كَيْلِ الْبَائِعِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَبِيعَ صَارَ مَعْلُومًا بِكَيْلٍ وَاحِدٍ هَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلَامِ الْهِدَايَةِ فَرَاجِعْهُ لَكِنْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ وَمِنْ هُنَا يَنْشَأُ فَرْعٌ إلَخْ فَإِنَّ قَوْلَهُ سَوَاءٌ اكْتَالَهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ أَوْ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَيْلَهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ قَبْلَ كَيْلِهِ لِنَفْسِهِ لَا يُغْنِي عَنْ كَيْلِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ كَيْلَهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ وَقَعَ فِي غَيْبَةِ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي أَوْ يُقَالَ إنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ زَائِدَةٌ مِنْ تَحْرِيفِ النُّسَّاخِ، وَأَصْلُهَا هَمْزَةُ الْوَصْلِ، وَأَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْحَضْرَةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَرَاهُ أَوْ لَا قَالَ فِي الْقُنْيَةِ بَعْدَ مَا رَقَّمَ (مح) يَشْتَرِي مِنْ الْخَبَّازِ خُبْزًا كَذَا مَنًّا فَيَزِنُهُ، وَكِفَّةُ سَنْجَاتِ مِيزَانِهِ فِي دَرَبَنْدِهِ فَلَا يَرَاهُ الْمُشْتَرِي أَوْ مِنْ الْبَائِعِ كَذَا مَنًّا فَيَزِنُهُ فِي حَانُوتِهِ ثُمَّ يُخْرِجُهُ إلَيْهِ مَوْزُونًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوَزْنِ، وَكَذَا إذَا لَمْ يَعْرِفْ عَدَدَ سَنْجَاتِهِ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّهُ إذَا عَرَفَ الْمُشْتَرِي وَزْنَ السَّنْجَاتِ وَرَآهَا أَنْ يَكْتَفِيَ بِذَلِكَ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ «نَهْيِ النَّبِيِّ ﵇ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ صَاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ، وَصَاعُ الْمُشْتَرِي» اهـ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا الْحَطُّ) أَيْ لَا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ، وَقَوْلُهُ فَلَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ أَيْ إخْرَاجُ كُلِّ الثَّمَنِ عَنْ الْمُقَابَلَةِ بِكُلِّ الْمَبِيعِ كَذَا فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ
стр. 2035
كَمَا إذَا أَسْقَطَا الْخِيَارَ أَوْ شَرَطَاهُ بَعْد الْعَقْدِ، وَإِذَا صَحَّ يَلْتَحِقُ بِالْعَقْدِ لِأَنَّ وَصْفَ الشَّيْءِ يَقُومُ بِهِ لَا بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ حَطِّ الْكُلِّ لِأَنَّهُ تَبْدِيلٌ لِأَصْلِهِ لَا تَغْيِيرٌ لِوَصْفِهِ، وَلِذَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ مِنْهُ لِإِخْرَاجِ حَطِّ الْكُلِّ، وَفَائِدَةُ الِالْتِحَاقِ تَظْهَرُ فِي مَسَائِلَ الْأُولَى التَّوْلِيَةُ الثَّانِيَةُ الْمُرَابَحَةُ فَيَجُوزُ عَلَى الْكُلِّ فِي الزِّيَادَةِ، وَعَلَى الْبَاقِي بَعْدَ الْمَحْطُوطِ، الثَّالِثَةُ الشُّفْعَةُ حَتَّى يَأْخُذُ، الشَّفِيعُ بِمَا بَقِيَ فِي الْحَطِّ، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ إبْطَالِ حَقِّهِ الثَّابِتِ فَلَا يَمْلِكَانِهِ، الرَّابِعَةُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ حَتَّى يَتَعَلَّقُ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْجَمِيعِ فَيَرْجِعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالْكُلِّ، وَلَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ الْبَيْعَ أَخَذَ الْكُلَّ، الْخَامِسَةُ فِي حَبْسِ الْمَبِيعِ فَلَهُ حَبْسُهُ حَتَّى يَقْبِضَ الزِّيَادَةَ.
السَّادِسَةُ فِي فَسَادِ الصَّرْفِ بِالْحَطِّ أَوْ الزِّيَادَةِ لِلرِّبَا كَأَنَّهُمَا عَقَدَاهُ مُتَفَاضِلًا ابْتِدَاءً، وَمَنَعَ أَبُو يُوسُفَ صِحَّةَ الزِّيَادَةِ فِيهِ وَالْحَطِّ، وَلَمْ يُبْطِلْ الْبَيْعَ، وَوَافَقَهُ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَةِ، وَجَوَّزَ الْحَطَّ عَلَى أَنَّهُ هِبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ شَرْطَ صِحَّةِ الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ وَشَرَطَ لَهَا فِي الْهِدَايَةِ بَقَاءَ الْمَبِيعِ فَلَا يَصِحُّ بَعْدَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يَبْقَ عَلَى حَالَةٍ يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَالشَّيْءُ يَثْبُتُ ثُمَّ يَسْتَنِدُ بِخِلَافِ الْحَطِّ لِأَنَّهُ بِحَالٍ يُمْكِنُ إخْرَاجُ الْبَدَلِ عَمَّا يُقَابِلُهُ فَيَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ اسْتِنَادًا اهـ.
بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ فِي الْمَبِيعِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ بَعْدَ هَلَاكِهِ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِمُقَابَلَةِ الثَّمَنِ، وَهُوَ قَائِمٌ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ أَيْضًا، وَشَرْطُهَا فِي الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِينَ بَقَاءُ الْمَبِيعِ، وَكَوْنُهُ مَحِلًّا لِلْمُقَابِلَةِ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي حَقِيقَةً، وَلَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَأَعْتَقَهَا أَوْ دَبَّرَهَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا أَوْ كَاتَبَهَا أَوْ بَاعَهَا مِنْ غَيْرِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ ثُمَّ زَادَ فِي الثَّمَنِ لَا يَجُوزُ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ قَوْلُهُمَا، وَهُمَا رَوَيَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَلَوْ أَجَرَهَا أَوْ رَهَنَهَا أَوْ اشْتَرَى شَاةً فَذَبَحَهَا ثُمَّ زَادَ فِي الثَّمَنِ جَازَ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَتْ الشَّاةُ ثُمَّ زَادَ فِي الثَّمَنِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْقَ مَحِلًّا لِلْبَيْعِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ حَيْثُ قَامَ الِاسْمُ، وَالصُّورَةُ، وَبَعْضُ الْمَنَافِعِ.
وَجُمْلَةُ هَذَا فِي كِتَابِ نَظْمِ الزَّنْدَوَسْتِيِّ قَالَ أَحَدَ عَشَرَ شَيْئًا إذَا فَعَلَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ زَادَ فِي الثَّمَنِ لَا يَصِحُّ أَوَّلُهَا إذَا كَانَتْ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا أَوْ دَقِيقًا فَخَبَزَهُ أَوْ لَحْمًا فَجَعَلَهُ قَلِيَّةً أَوْ سِكْبَاجَةً أَوْ جَعَلَهُ إرْبًا إرْبًا أَوْ كَانَ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ اسْتَوْلَدَ الْجَارِيَةَ أَوْ قُطْنًا فَغَزَلَهُ أَوْ غَزْلًا فَنَسَجَهُ الْحَادِيَ عَشَرَ أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَمَاتَتْ، وَلَوْ فَعَلَ اثْنَتَيْ عَشَرَ ثُمَّ زَادَ يَجُوزُ أَوَّلُهَا الْمَبِيعُ لَوْ كَانَتْ شَاةً فَذَبَحَهَا، وَإِنْ كَانَ قُطْنًا مَحْلُوجًا فَنَدَفَهُ أَوْ غَيْرَ مَحْلُوجٍ فَحَلَجَهُ أَوْ كِرْبَاسًا فَخَاطَهُ خَرِيطَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَهُ أَوْ حَدِيدًا فَجَعَلَهُ سَيْفًا أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَرَهَنَهَا أَوْ أَجَرَهَا أَوْ كَانَتْ خَرَابَةً فَبَنَاهَا أَوْ آجَرّهَا أَوْ أَجَرَ الْأَرْضَ ثُمَّ زَادَ فِي الثَّمَنِ، وَمِنْهَا إذَا بَاعَهَا ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ لَقِيَ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ فَزَادَ فِي الثَّمَنِ جَازَ، وَمِنْهَا الْمَزَارِعُ إذَا زَادَ رَبَّ الْأَرْضِ السُّدُسَ فِي نَصِيبِهِ، وَالْبَذْرُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحْصِدَهُ جَازَ، وَبَعْدَهُ لَا الْكُلُّ فِي النَّظْمِ. اهـ.
وَفِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ مِنْ بَابِ مَا يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ فِي الثَّمَنِ تَلْحَقُ الْعَقْدَ مُغَيِّرًا وَصْفَهُ لَا أَصْلَهُ حَذَارِ اللَّغْوَ كَالْخِيَارِ بَعْدَمَا زَادَ الْأَصْلُ وَلَدًا وَارِ.
وَكَذَا قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِيهِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِاللُّزُومِ بَدَلَ الصِّحَّةِ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ حَتَّى لَوْ نَدِمَ الْمُشْتَرِي بَعْدَمَا زَادَ يُجْبَرُ إذَا امْتَنَعَ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَأَطْلَقَهَا فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الثَّمَن أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَمَا إذَا كَانَتْ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَتَرَكَ قَيْدًا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ قَبُولُ الْبَائِعِ فِي الْمَجْلِسِ حَتَّى لَوْ زَادَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ حَتَّى تَفَرَّقَا بَطَلَتْ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَأَطْلَقَ فِيمَنْ زَادَ فَشَمِلَ الْمُشْتَرِيَ وَوَارِثَهُ فَتَصِحُّ الزِّيَادَةُ مِنْ الْوَرَثَةِ كَمَا تَصِحُّ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلزِّيَادَةِ فِي الْمَبِيعِ أَيْضًا لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، وَحَاصِلُهَا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لَوْ زَادَ الْأَجْنَبِيُّ فَإِنْ زَادَ بِأَمْرِ الْمُشْتَرِي يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا عَلَى الْأَجْنَبِيِّ كَالصُّلْحِ، وَإِنْ زَادَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنْ أَجَازَهُ الْمُشْتَرِي لَزِمَتْهُ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ بَطَلَتْ الزِّيَادَةُ، وَلَوْ كَانَ حِينَ زَادَ ضَمِنَ عَنْ الْمُشْتَرِي أَوْ أَضَافَهَا إلَى مَالِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ لِأَنَّ وَصْفَ الشَّيْءِ يَقُومُ بِهِ) يَعْنِي أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الثَّمَنِ وَالْحَطِّ مِنْهُ وَصْفٌ لَهُ فَتَلْتَحِقُ بِالْعَقْدِ لِأَنَّ وَصْفَ الشَّيْءِ إلَخْ، وَفِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ أَقُولُ: الزِّيَادَةُ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ وَالْمَعْدُودَاتِ لَيْسَتْ بِوَصْفٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ الِالْتِحَاقُ فِيمَا إذَا كَانَتْ مَبِيعَةً (قَوْلُهُ بِخِلَافِ حَطِّ الْكُلِّ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ قَالَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ يَعْنِي بِطَرِيقِ الِالْتِحَاقِ، وَإِلَّا فَحَطُّ الْكُلِّ صَحِيحٌ بِطَرِيقِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ بِالِاتِّفَاقِ (قَوْلُهُ وَتَرَكَ قَيْدًا لَا بُدَّ مِنْهُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي حَوَاشِي الْمِنَحِ هَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَحْرِ فَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ ظُهُورِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ إذْ الزِّيَادَةُ تَمْلِيكٌ لِلْبَائِعِ فَلَا تَدَخُّلَ فِي مِلْكِهِ بِدُونِ قَبُولِهِ بِخِلَافِ الْحَطِّ فَإِنَّهُ إبْرَاءٌ، وَهُوَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ، وَلَوْ رَدَّهُ ارْتَدَّ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ فِي هَذَا الْمَحِلِّ تَأَمَّلْ.
стр. 2036
نَفْسِهِ لَزِمَتْهُ الزِّيَادَةُ ثُمَّ إنْ كَانَ بِأَمْرِ الْمُشْتَرِي رَجَعَ، وَإِلَّا فَلَا، وَأَمَّا الْحَطُّ فَإِنَّهُ جَائِزٌ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ فِي مَوْضِعٍ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ، وَفِي مَوْضِعٍ لَا تَجُوزُ. اهـ.
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الْمَهْرِ فَشَرْطُهَا بَقَاءُ الْمَرْأَةِ فَلَوْ زَادَ فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهَا لَمْ تَصِحَّ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ بَعْدَ طَلَاقِهَا أَوْ عِتْقِهَا لَوْ كَانَتْ أَمَةً فَقَدَّمْنَا أَحْكَامَهَا فِي الْمَهْرِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الْأُجْرَةِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَغَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الْعَيْنِ، وَالْمُدَّةِ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ.
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ فَسَيَأْتِي أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فِي الرَّهْنِ لَا فِي الدَّيْنِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ لَوْ زَادَ أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِ الْآخَرِ إنْ كَانَ قَبْلَ إدْرَاكِ الزَّرْعِ جَازَ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ جَازَ مِنْ الَّذِي لَا بَذْرَ لَهُ لِأَنَّهُ حَطٌّ، وَلَا يَجُوزُ مِمَّنْ الْبَذْرُ مِنْهُ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ، وَشَرْطُهَا قِيَامُ السِّلْعَةِ اهـ.
قَوْلُهُ (وَالزِّيَادَةُ فِي الْمَبِيعِ) أَيْ وَصَحَّتْ، وَلَزِمَ الْبَائِعَ دَفْعُهَا بِشَرْطِ قَبُولِ الْمُشْتَرِي، وَتَلْتَحِقُ أَيْضًا بِالْعَقْدِ فَيَصِيرُ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ الزِّيَادَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ تَسْقُطُ حِصَّتُهَا مِنْ الثَّمَنِ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ الْمَبِيعِ حَيْثُ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ بِهَلَاكِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ، وَكَذَا إذَا زَادَ فِي الثَّمَنِ عَرْضًا كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِمِائَةٍ، وَتَقَابَضَا ثُمَّ زَادَهُ الْمُشْتَرِي عَرْضًا قِيمَتُهُ خَمْسُونَ، وَهَلَكَ الْعَرْضُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي ثَلَاثَةٍ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا قِيَامُ الْمَبِيعِ فَتَصِحُّ بَعْدَ هَلَاكِهِ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ، وَقَدْ ذَكَرَ الزِّيَادَةَ فِي الْمَبِيعِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَطَّ، وَذَكَرَهُمَا فِي الثَّمَنِ فَظَاهِرُهُ عَدَمِ صِحَّةِ الْحَطِّ مِنْ الْمَبِيعِ، وَصَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ الْمَبِيعَ إنْ كَانَ دَيْنًا يَصِحُّ الْحَطُّ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا لَمْ يَصِحَّ الْحَطُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ، وَإِسْقَاطُ الْعَيْنِ لَا يَصِحُّ اهـ.
قَيَّدَ بِالْمَبِيعِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الزَّوْجَةِ كَمَا إذَا زَوَّجَهُ أَمَةً فَزَادَهُ أُخْرَى لَمْ يَصِحَّ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ فِي الْمَهْرِ، وَأُطْلِقَ فِي الْحَطِّ مِنْ الثَّمَنِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِذَا حَطَّ عَنْهُ بَعْدَمَا أَوْفَاهُ الثَّمَنَ أَوْ أَبْرَأَهُ فَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ لَوْ ذَهَبَ بَعْضُ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الْقَبْضِ فَهُوَ حَطٌّ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ ثُمَّ حَطَّ الْبَعْضَ أَوْ وَهَبَهُ صَحَّ، وَوَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ مِثْلُ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي، وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الْبَعْضِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا يَصِحُّ، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ لَا تَصِحَّ الْهِبَةُ.
وَالْحَطُّ بَعْدَ الْقَبْضِ أَيْضًا كَالْإِبْرَاءِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ بَرِئَ مِنْ الثَّمَنِ بِالْإِيفَاءِ، وَالْهِبَةُ وَالْحَطُّ لَمْ يُصَادِفْ دَيْنًا قَائِمًا فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْضِ عَيْنَ الْوَاجِبِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الذِّمَّةِ إنَّمَا قَضَى مِثْلَهُ فَبَقِيَ مَا فِي ذِمَّتِهِ عَلَى حَالِهِ إلَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يُطَالَبُ بِهِ لِأَنَّ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ بِالْقَضَاءِ فَلَوْ طَالَبَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُطَالِبَ الْبَائِعَ أَيْضًا فَلَا تُفِيدُ مُطَالَبَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَعُلِمَ أَنَّ الثَّمَنَ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَالْهِبَةُ وَالْحَطُّ صَادَفَ دَيْنًا قَائِمًا فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَضَاء، وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ الْإِبْرَاءُ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ عَلَى نَوْعَيْنِ بَرَاءَةُ قَبْضٍ وَاسْتِيفَاءٍ، وَبَرَاءَةُ إسْقَاطٍ فَإِذَا أُطْلِقَ حُمِلَ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ كَأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبْرَأْتُك بَرَاءَةَ قَبْضٍ وَاسْتِيفَاءٍ، وَفِيهِ لَا يَرْجِعُ، وَلَوْ قَالَ أَبْرَأْتُك بَرَاءَةَ إسْقَاطٍ صَحَّ، وَوَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ رَدُّ مَا قَبَضَ مِنْ الْمُشْتَرِي بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالْحَطِّ لَا يَتَنَوَّعُ إلَى نَوْعَيْنِ، وَإِنَّمَا هِيَ إسْقَاطٌ، وَإِذَا وَهَبَ كُلَّ الدَّيْنِ أَوْ حَطَّ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا هَذَا جُمْلَةُ مَا أَوْرَدَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ كِتَابِ الشُّفْعَةِ، وَفِي شَرْحِ كِتَابِ الرَّهْنِ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْبَابِ الثَّانِي فِي شَرْحِ كِتَابِ الرَّهْنِ أَنَّ الْإِبْرَاءَ الْمُضَافَ إلَى الثَّمَنِ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ صَحِيحٌ حَتَّى يَجِبَ عَلَى الْبَائِعِ رَدُّ مَا قَبَضَ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَسَوَّى بَيْنَ الْإِبْرَاءِ وَالْهِبَةِ وَالْحَطِّ فَيُتَأَمَّلْ عِنْدَ الْفَتْوَى، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا أَبْرَأَهُ، وَلَمْ يُعَيِّنْ أَنَّهَا إسْقَاطٌ أَوْ اسْتِيفَاءٌ.
فَإِنْ قُلْتُ: هَلْ لِبَقَاءِ الدَّيْنِ بَعْدَ إيفَائِهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى. قُلْتُ: نَعَمْ لَوْ كَانَ بِالدَّيْنِ رَهْنٌ ثُمَّ قَضَاهُ الدَّيْنَ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ هَلَكَ بِالدَّيْنِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ الْمَقْبُوضِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَبْرَأَهُ ثُمَّ هَلَكَ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي بَابِهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِبْرَاءَ يَسْقُطُ بِهِ الدَّيْنُ أَصْلًا، وَبِالِاسْتِيفَاءِ لَا يَسْقُطُ لِقِيَامِ الْمُوجِبِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ أَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الْقَبْضِ كَذَا فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ أَيْضًا) قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَيْهَا هَكَذَا رَأَيْته فِي خَطِّهِ وَخَطِّ صَاحِبِ الْبَحْرِ، وَهُوَ سَبْقُ قَلَمٍ مِنْ صَاحِبِ الْبَحْرِ فَتَبِعَهُ الْمُؤَلِّفُ فِيهِ، وَالصَّوَابُ أَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الْبَعْضِ اهـ.
قُلْتُ: وَهَكَذَا عِبَارَةُ الذَّخِيرَةِ، وَنَصُّهَا أَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ بَعْضِ الثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ (قَوْلُهُ فَيُتَأَمَّلُ عِنْدَ الْفَتْوَى) هَذَا مِنْ عِبَارَةِ الذَّخِيرَةِ، وَقَوْلُهُ وَاخْتَلَفُوا إلَخْ الْأَوْلَى ذَكَرَهُ بِالْفَاءِ لِيَكُونَ بَيَانًا لِحَاصِلِ مَا قَدَّمَهُ، وَهُوَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي صُورَةِ عَدَمِ التَّعْيِينِ قَالَ فِي النَّهْرِ، وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي رُجُوعِ الدَّافِعِ بِمَا أَدَّاهُ إذَا أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ إسْقَاطٍ، وَفِي عَدَمِ رُجُوعِهِ إذَا أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ اسْتِيفَاءٍ، وَأَنَّ الْخِلَافَ مَعَ الْإِطْلَاقِ، وَعَلَى هَذَا تَفَرَّعَ مَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِإِبْرَائِهَا عَنْ الْمَهْرِ ثُمَّ دَفَعَهُ لَهَا لَا يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ فَإِذَا أَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةَ إسْقَاطٍ وَقَعَ، وَرَجَعَ عَلَيْهَا كَذَا فِي الْأَشْبَاهِ
стр. 2037
لِلدَّيْنِ، وَقَدْ كَتَبْنَا فِي الْفَوَائِدِ الْفِقْهِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْمُدَايَنَاتِ لَهُ فَائِدَتَيْنِ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَيَتَعَلَّقُ الِاسْتِحْقَاقُ بِكُلِّهِ) أَيْ بِكُلِّ مَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ، وَبِالزِّيَادَةِ فَلَا يُطَالِبُ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ حَتَّى يَدْفَعَ الزِّيَادَةَ، وَلِلْبَائِعِ حَبْسُهُ حَتَّى يَقْبِضَهَا، وَإِذَا اسْتَحَقَّ الْمَبِيعُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِالْكُلِّ، وَإِذَا أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ اسْتَحَقَّ الْكُلَّ، وَإِذَا رَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارِ شَرْطٍ أَوْ رُؤْيَةٍ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِالْكُلِّ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانَ مِنْ الشُّفْعَةِ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَ الدَّارَ بِأَلْفٍ ثُمَّ إنَّ الْوَكِيلَ حَطَّ عَنْ الْمُشْتَرِي مِائَةً مِنْ الثَّمَنِ صَحَّ حَطُّهُ، وَيَضْمَنُ قَدْرَ الْمَحْطُوطِ لِلْآمِرِ، وَيَبْرَأُ الْمُشْتَرِي عَنْ الْمِائَةِ، وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الدَّارَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لِأَنَّ حَطَّ الْوَكِيلِ لَا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَتَأْجِيلُ كُلِّ دَيْنٍ إلَّا الْقَرْضَ) أَيْ صَحَّ لِأَنَّ الدَّيْنَ حَقُّهُ فَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ سَوَاءٌ كَانَ ثَمَنَ مَبِيعٍ أَوْ غَيْرَهُ تَيْسِيرًا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَمْلِكُ إبْرَاءَهُ مُطْلَقًا فَكَذَا مُؤَقَّتًا، وَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ بَطَلَ التَّأْخِيرُ فَيَكُونُ حَالًّا كَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ التَّأْجِيلِ بِالشَّرْطِ فَلَوْ قَالَ رَبُّ الدَّيْنِ لِمَنْ عَلَيْهِ أَلْفٌ حَالَّةٌ إنْ دَفَعْت إلَيَّ غَدًا خَمْسَمِائَةٍ فَالْخَمْسُمِائَةِ الْأُخْرَى مُؤَخَّرَةٌ عَنْك إلَى سَنَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَإِنَّمَا لَا يُؤَجَّلُ الْقَرْضُ لِكَوْنِهِ إعَارَةً وَصِلَةً فِي الِابْتِدَاءِ حَتَّى يَصِحُّ بِلَفْظِ الْإِعَارَةِ، وَلَا يَمْلِكُهُ مَنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ كَالصَّبِيِّ وَالْوَصِيِّ، وَمُعَاوَضَةً فِي الِانْتِهَاءِ فَعَلَى اعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ لَا يَلْزَمُ التَّأْجِيلُ فِيهِ كَمَا فِي الْإِعَارَةِ إذْ لَا جَبْرَ فِي التَّبَرُّعِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الِانْتِهَاءِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعَ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ نَسِيئَةً، وَهُوَ رِبًا، وَمُرَادُهُمْ مِنْ الصِّحَّةِ اللُّزُومُ، وَمِنْ عَدَمِ صِحَّتِهِ فِي الْقَرْضِ عَدَمِ اللُّزُومِ، وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا أَجَّلَهُ بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ أَوْ قَبْلَهُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَيْسَ مِنْ تَأْجِيلِ الْقَرْضِ تَأْجِيلُ بَدَلِ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ الْمُسْتَهْلَكَةِ إذْ بِاسْتِهْلَاكِهَا لَا تَصِيرُ قَرْضًا.
وَالْحِيلَةُ فِي لُزُومِ تَأْجِيلِ الْقَرْضِ أَنْ يُحِيلَ الْمُسْتَقْرِضَ الْمُقْرِضَ عَلَى آخَرَ بِدَيْنِهِ فَيُؤَجِّلُ الْمُقْرِضُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَإِذَا لَزِمَ فَإِنْ كَانَ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَا إشْكَالَ، وَإِلَّا أَقَرَّ الْمُحِيلُ بِقَدْرِ الْمُحَالِ بِهِ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ مُؤَجَّلًا إلَيْهِ أَشَارَ فِي الْمُحِيطِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ الْقَرْضُ الْمَجْحُودُ يَجُوزُ تَأْجِيلُهُ، وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ كِتَابِ الْمُدَايَنَاتِ قَضَى الْقَاضِي بِلُزُومِ الْأَجَلِ فِي الْقَرْضِ بَعْدَمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ تَأْجِيلُ الْقَرْضِ مُعْتَمِدًا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى يَصِحُّ، وَيَلْزَمُ الْأَجَلُ، وَفِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ مِنْ كِتَابِ الْحَوَالَةِ لَوْ كَفَلَ بِالْحَالِّ مُؤَجَّلًا تَأَخَّرَ عَنْ الْأَصِيلِ، وَإِنْ كَانَ قَرْضًا لِأَنَّ الدَّيْنَ وَاحِدٌ، وَهِيَ حِيلَةُ تَأْجِيلِ الْقَرْضِ إذْ يَثْبُتُ ضِمْنًا مَا يَمْتَنِعُ قَصْدًا كَبَيْعِ الشِّرْبِ وَالطَّرِيقِ، وَلَا يَلْزَمُ مَا أُجِّلَ بَعْدَ الْكَفَالَةِ إذْ مَوْضُوعُهَا أَنْ يُضِيفَ إلَى اللَّازِمِ بِالْكَفَالَةِ لَا الدَّيْنِ حَتَّى لَوْ عُكِسَ تَأَخَّرَ عَنْ الْأَصِيلِ أَيْضًا حَذْوَ الْإِبْرَاءِ. اهـ.
وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ تَأْجِيلِ الْقَرْضِ شَيْئًا، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْهِدَايَةِ مَا إذَا أَوْصَى أَنْ يُقْرِضَ مِنْ مَالِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فُلَانًا إلَى سَنَةٍ حَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ ثُلُثِهِ أَنْ يُقْرِضُوهُ، وَلَا يُطَالِبُوهُ قَبْلَ الْمُدَّةِ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِالتَّبَرُّعِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِالْخِدْمَةِ وَالسُّكْنَى فَيَلْزَمُ حَقًّا لِلْمُوصِي اهـ.
وَلَا يَنْحَصِرُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بَلْ كَذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ قَرْضٌ عَلَى إنْسَانٍ فَأَوْصَى أَنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً صَحَّ، وَلَزِمَ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ، وَقَدْ كَتَبْنَا فِي الْفَوَائِدِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَا يَنْحَصِرُ فِي الْقَرْضِ بَلْ كَذَلِكَ لَا يَصِحُّ تَأْجِيلُ الدَّيْنِ فِي صُوَرِ الْأُولَى لَوْ مَاتَ الْمَدْيُون، وَحَلَّ الْمَالُ فَأَجَّلَ الدَّائِنُ وَارِثَهُ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ، وَفَائِدَةُ التَّأْجِيلِ أَنْ يَتَّجِرَ فَيُؤَدِّيَ الثَّمَنَ مِنْ نَمَاءِ الْمَالِ فَإِذَا مَاتَ مَنْ لَهُ الْأَجَلُ تَعَيَّنَ الْمَتْرُوكُ لِقَضَاءِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَلَا يُطَالِبُ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ إلَخْ) أَيْ لَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُطَالِبَ الْبَائِعَ بِالْمَبِيعِ حَتَّى يَدْفَعَ الْمُشْتَرِي لَهُ الزِّيَادَةَ، وَلِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ حَتَّى يَقْبِضَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي هَذَا مَعْنَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزِّيَادَةِ فِيهَا الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
وَالْكَلَامُ الْآنَ فِي الزِّيَادَةِ فِي الْمَبِيعِ (قَوْلُهُ وَهِيَ حِيلَةُ تَأْجِيلِ الْقَرْضِ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَكِنْ فِي السِّرَاجِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا أَقْرَضَ رَجُلٌ رَجُلًا مَالًا فَكَفَلَ بِهِ رَجُلٌ عَنْهُ إلَى وَقْتٍ كَانَ عَلَى الْكَفِيلِ إلَى وَقْتِهِ، وَعَلَى الْمُسْتَقْرِضِ حَالًّا. اهـ.
، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ ذِكْرُ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا، وَنَقَلَ الْمُؤَلِّفُ هُنَاكَ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة مَعْزِيَّا إلَى الذَّخِيرَةِ وَالْغِيَاثِيَّةِ مَا يُوَافِقُ مَا فِي السِّرَاجِ، وَذَكَرَ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ مِثْلَهُ عَنْ عِدَّةِ كُتُبٍ، وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ لَمْ يَقُلْ بِهَا أَحَدٌ غَيْرَ الْحَصِيرِيِّ فِي التَّحْرِيرِ، وَأَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ كَلَامُهُ وَحَدَهُ مَعَ كَلَامِ كُلِّ الْأَصْحَابِ لَا يُفْتَى بِهِ (قَوْلُهُ بَلْ كَذَلِكَ لَا يَصِحُّ تَأْجِيلُ الدَّيْنِ فِي صُوَرٍ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لَهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يُعْطِي أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَا يَصِحُّ التَّأْجِيلُ أَصْلًا لَا أَنَّهُ يَصِحُّ، وَلَا يَلْزَمُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْبَحْرِ إذْ جَعَلَهُ مُلْحَقًا بِالْقَرْضِ ثُمَّ قَالَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَأْجِيلَ الدُّيُونِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إلَخْ، وَقَدْ عَلِمْت مَا هُوَ الْوَاقِعُ اهـ.
قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاطِلِ هُنَا مَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ، وَالْمُضِيُّ وَبِالصَّحِيحِ مَا يَجُوزُ
стр. 2038
الدَّيْنِ فَلَا يُفِيدُ التَّأْجِيلُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي كُلِّ دَيْنٍ، وَذَكَرَهُ فِي الْقُنْيَةِ فِي الْقَرْضِ، الثَّانِيَةِ أَجَّلَ الْمُشْتَرِي الشَّفِيعَ فِي الثَّمَنِ لَمْ يَصِحَّ كَمَا سَيَأْتِي فِيهَا، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْقُنْيَةِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ بِمَوْتِ الْبَائِعِ لَا يَبْطُلُ الْأَجَلُ، وَيَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُشْتَرِي، الثَّالِثَةُ تَأْجِيلُ ثَمَنِ الْمَبِيعِ عِنْدَ الْإِقَالَةِ لَا يَصِحُّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْقُنْيَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَأْجِيلَ الدَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَوْجُهٍ بَاطِلٌ، وَهُوَ تَأْجِيلٌ بَدَلِيُّ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ، وَصَحِيحٌ غَيْرُ لَازِمٍ، وَهُوَ الْقَرْضُ وَالدَّيْنُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَتَأْجِيلُ الشَّفِيعِ وَثَمَنُ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْإِقَالَةِ، وَلَازِمٌ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ الْمَدْيُونُ إذَا قَالَ بَرِئْت مِنْ الْأَجَلِ أَوْ لَا حَاجَةَ لِي فِي الْأَجَلِ لِهَذَا الدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ إبْطَالًا لِلْأَجَلِ، وَلَوْ قَالَ أَبْطَلْت الْأَجَلَ أَوْ قَالَ تَرَكْته صَارَ حَالًّا، وَالْمَدْيُونُ إذَا قَضَى الدَّيْنَ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَاسْتَحَقَّ الْمَقْبُوضُ مِنْ الْقَابِضِ أَوْ وَجَدَهُ زُيُوفًا فَرَدَّهُ كَانَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ إلَى أَجَلِهِ، وَلَوْ اشْتَرَى مِنْ مَدْيُونِهِ شَيْئًا بِالدَّيْنِ، وَقَبَضَهُ ثُمَّ تَقَايَلَا الْبَيْعَ لَا يَعُودُ الْأَجَلُ، وَلَوْ وَجَدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا فَرَدَّهُ بِقَضَاءٍ عَادَ الْأَجَلُ، وَلَوْ كَانَ بِهَذَا الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ كَفِيلٌ لَا تَعُودُ الْكَفَالَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ. اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَإِبْطَالُ الْأَجَلِ يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَلَوْ قَالَ كُلَّمَا دَخَلَ نَجْمٌ، وَلَمْ يُؤَدَّ فَالْمَالُ حَالٌّ صَحَّ، وَالْمَالُ يَصِيرُ حَالًّا اهـ
(تَتِمَّةٌ) فِي مَسَائِلِ الْقَرْضِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ، وَيَجُوزُ الْقَرْضُ فِيمَا هُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ كَالْبَيْضِ، وَالْجَوْزِ لِأَنَّ الْقَرْضَ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ، وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، وَيَمْلِكُهُ الْمُسْتَقْرِضُ بِالْقَبْضِ كَالصَّحِيحِ، وَالْمَقْبُوضُ بِقَرْضٍ فَاسِدٍ يَتَعَيَّنُ لِلرَّدِّ، وَفِي الْقَرْضِ الْجَائِزِ لَا يَتَعَيَّنُ بَلْ يَرُدُّ الْمِثْلَ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ لَهُ إعْطَاءُ غَيْرِهِ إلَّا بِرِضَاهُ، وَعَارِيَّةُ مَا جَازَ قَرْضُهُ قَرْضٌ، وَمَا لَا يَجُوزُ قَرْضُهُ عَارِيَّةٌ، وَلَا يَجُوزُ قَرْضٌ جَرَّ نَفْعًا بِأَنْ أَقْرَضَهُ دَرَاهِمَ مُكَسَّرَةً بِشَرْطِ رَدِّ صَحِيحَةٍ أَوْ أَقْرَضَهُ طَعَامًا فِي مَكَان بِشَرْطِ رَدِّهِ فِي مَكَان آخَرَ فَإِنْ قَضَاهُ أَجْوَدَ بِلَا شَرْطٍ جَازَ، وَيُجْبَرُ الدَّائِنُ عَلَى قَبُولِ الْأَجْوَدِ، وَقِيلَ لَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ الْقَرْضُ بِالشَّرْطِ حَرَامٌ، وَالشَّرْطُ لَيْسَ بِلَازِمٍ بِأَنْ يُقْرَضَ عَلَى أَنْ يَكْتُبَ إلَى بَلَدِ كَذَا حَتَّى يُوَفِّيَ دَيْنَهُ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَا بَأْسَ بِهَدِيَّةِ مَنْ عَلَيْهِ الْقَرْضُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَوَرَّعَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا يُعْطِيهِ لِأَجْلِ الْقَرْضِ أَوْ أَشْكَلَ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُعْطِيهِ لَا لِأَجْلِ الْقَرْضِ بَلْ لِقَرَابَةٍ أَوْ صَدَاقَةٍ بَيْنَهُمَا لَا يَتَوَرَّعُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُسْتَقْرِضُ مَعْرُوفًا بِالْجُودِ، وَالسَّخَاءِ جَازَ، وَلَا يَجُوزُ قَرْضُ مَمْلُوكٍ أَوْ مُكَاتَبٍ دِرْهَمًا فَصَاعِدًا لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّبَرُّعِ، وَلَوْ اشْتَرَى بِقَرْضٍ لَهُ عَلَيْهِ فُلُوسًا جَازَ، وَيُشْتَرَطُ قَبْضُهَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَوْ أَمَرَ الْمُقْرِضُ الْمُسْتَقْرِضَ أَنْ يُصَارِفَ بِمَالِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ أَسْلِمْ مَالِي عَلَيْك، وَلَوْ دَفَعَ الْمُسْتَقْرِضُ إلَى الْمُقْرِضِ دَرَاهِمَ لِيَصْرِفَهَا بِدَنَانِيرَ، وَيَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهُ فَهُوَ وَكِيلٌ وَأَمِينٌ فَلَوْ تَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ لَا يَبْطُلَ دَيْنُهُ وَبَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ جَائِزٌ إذَا افْتَرَقَا عَنْ قَبْضِهِمَا فِي الصَّرْفِ أَوْ عَنْ قَبْضِ أَحَدِهِمَا فِي غَيْرِ الصَّرْفِ، وَلَوْ اشْتَرَى الْمُسْتَقْرِضُ الْكُرَّ الْقَرْضَ مِنْ الْمُقْرِضِ جَازَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَإِبْطَالُ الْأَجَلِ إلَخْ) أَيْ إبْطَالُ الْأَجَلِ عَنْ الْمَدْيُونِ يَبْطُلُ إذَا عُلِّقَ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ.
وَقَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ إلَخْ تَفْرِيعٌ عَلَى مَفْهُومِ هَذَا الْأَصْلِ فَإِنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ فَاسِدٍ فَلِذَا صَحَّ إبْطَالُ الْأَجَلِ، وَلَمْ أَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي هَذَا الْمَحِلِّ مِنْ الْخُلَاصَةِ، وَلَعَلَّ صُورَتَهُ أَنْ يَقُولَ الْمَدْيُونُ إنْ أَعْطَيْتنِي كَذَا فَقَدْ أَبْطَلْت الْأَجَلَ، وَانْظُرْ مَا يَأْتِي قُبَيْلَ قَوْلِهِ، وَمَا لَا يَبْطُلُ فَالشَّرْطُ آخِرُ الْمُتَفَرِّقَاتِ (قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ) أَيْ قَصْدًا قَالَ الْمُؤَلِّفُ أَوَائِلَ فَصْلِ الْفُضُولِيّ، وَاسْتِقْرَاضُ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ جَائِزٌ ضِمْنًا، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ قَصْدًا أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَبْدِ الْغَيْرِ صَحَّ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ. اهـ.
وَتَمَامُهُ فِي الزَّيْلَعِيِّ هُنَاكَ (قَوْلُهُ وَيُجْبَرُ الدَّائِنُ عَلَى قَبُولِ الْأَجْوَدِ، وَقِيلَ لَا) صَحَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ الثَّانِي فَقَالَ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَنْقَصَ مِمَّا عَلَيْهِ، وَإِنْ قَبِلَ جَازَ كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ خِلَافَ الْجِنْسِ، وَذَكَرَهُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّهُ إذَا أَعْطَاهُ أَجْوَدَ مِمَّا عَلَيْهِ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ اشْتَرَى بِقَرْضٍ لَهُ عَلَيْهِ فُلُوسًا جَازَ) فِي لِسَانِ الْحُكَّامِ، وَفِي الْمُحِيطِ رَجُلٌ لَهُ عَلَى آخَرَ فُلُوسٌ أَوْ طَعَامٌ فَاشْتَرَى مَا عَلَيْهِ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، وَتَفَرَّقَا قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ كَانَ الْعَقْدُ بَاطِلًا، وَقَالَ الْعِمَادِيُّ، وَهَذَا فَصْلٌ يَجِبُ حِفْظُهُ، وَكُلُّ النَّاسِ عَنْهُ غَافِلُونَ. اهـ. فَتَاوَى الطُّورِيِّ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ اشْتَرَى الْمُسْتَقْرِضُ الْكُرَّ الْقَرْضَ مِنْ الْمُقْرِضِ جَازَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الْمُرَادُ بِالْكُرِّ الْكُرُّ الدَّيْنُ الثَّابِتُ بِذِمَّةِ الْمُسْتَقْرِضِ لَا الْكُرُّ الْعَيْنُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ لَهُ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ كَمَا سَيَأْتِي اهـ. كَلَامُ الرَّمْلِيِّ.
وَأَقُولُ: فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ أَحْكَامِ الْمِلْكِ اخْتَلَفُوا فِي الْقَرْضِ هَلْ يَمْلِكُهُ الْمُسْتَقْرِضُ بِالْقَبْضِ أَوْ بِالتَّصَرُّفِ، وَفَائِدَتُهُ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ بَاعَ الْمُقْرِضُ مِنْ الْمُسْتَقْرِضِ الْكُرَّ الْمُسْتَقْرَضَ الَّذِي فِي يَدِ الْمُسْتَقْرِضِ قَبْلَ الِاسْتِهْلَاكِ يَجُوزُ لِأَنَّهُ صَارَ مِلْكًا لِلْمُسْتَقْرِضِ، وَعِنْدَ الثَّانِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمُسْتَقْرَضَ قَبْلَ الِاسْتِهْلَاكِ. اهـ. وَلْيُتَأَمَّلْ فِي مُنَاسَبَةِ التَّعْلِيلِ لِلْحُكْمِ اهـ.
قَالَ الْحَمَوِيُّ فَإِنَّ
стр. 2039
وَيُشْتَرَطُ قَبْضُ ثَمَنِهِ فِي الْمَجْلِسِ فَإِنْ أَدَّى الثَّمَنَ فَوَجَدَ بِالْكُرِّ عَيْبًا رَدَّهُ أَوْ رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ، وَلَوْ اشْتَرَى مَا عَلَيْهِ بِكُرٍّ مِثْلِهِ جَازَ إنْ كَانَ عَيْبًا، وَلَا يَجُوزُ إنْ كَانَ دَيْنًا فَلَوْ وَجَدَ بِالْمَقْرُوضِ عَيْبًا لَمْ يَرْجِعْ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ، وَلَوْ اشْتَرَى الْمُسْتَقْرِضُ كُرَّ الْمُقْرِضِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ بَاعَهُ مِنْ الْمُقْرِضِ جَازَ، وَلَا يَنْفَسِخُ الْقَرْضُ اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ بَابِ الْقُرُوضِ شِرَاءُ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ بِثَمَنٍ غَالٍ إذَا كَانَ لَهُ حَاجَةٌ إلَى الْقَرْضِ يَجُوزُ وَيُكْرَهُ، اسْتَقْرَضَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَأَرْسَلَ عَبْدَهُ لِيَأْخُذَهَا مِنْ الْمُقْرِضِ فَقَالَ الْمُقْرِضُ دَفَعْتُهَا إلَيْهِ، وَأَقَرَّ الْعَبْدُ بِهِ، وَقَالَ دَفَعْتهَا إلَى مَوْلَايَ، وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى قَبْضَ الْعَبْدِ الْعَشَرَةَ فَالْقَوْلُ لَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يَرْجِعُ الْمُقْرِضُ عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَهَا بِحَقٍّ، اسْتِقْرَاضُ
ــ
[منحة الخالق]
الْحُكْمَ بِالْعَكْسِ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَالْخَانِيَّةِ، وَغَيْرِهِمَا، وَسَبَبُ الْإِشْكَالِ أَنَّ " لَا " سَقَطَتْ مِنْ كَلَامِ النَّاسِخِ الْأَوَّلِ مِنْ قَوْلِهِ يَجُوزُ حَيْثُ قَالَ بَاعَ الْمُقْرِضُ مِنْ الْمُسْتَقْرِضِ قَبْلَ الِاسْتِهْلَاكِ يَجُوزُ، وَالصَّوَابُ لَا يَجُوزُ، وَزَادَ فِي قَوْلِهِ وَعِنْدَ الثَّانِي لَا يَجُوزُ، وَالصَّوَابُ يَجُوزُ، وَبَعْدَ إصْلَاحِ عِبَارَتِهَا بِإِثْبَاتٍ لَا فِي الْعِبَارَةِ الْأُولَى، وَإِسْقَاطُهَا مِنْ الثَّانِيَةِ بَقِيَ التَّعْلِيلُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ اهـ. كَلَامُ الْحَمَوِيِّ.
قُلْتُ: وَقَدْ رَأَيْت فِي نُسْخَتَيْنِ مِنْ الْبَزَّازِيَّةِ لَا يَجُوزُ فِي الْأَوَّلِ، وَيَجُوزُ فِي الثَّانِي فَلَا إشْكَالَ، هَذَا وَقَدْ نَبَّهَ الرَّمْلِيُّ فِي عِبَارَتِهِ السَّابِقَةِ عَلَى شَيْءٍ دَقِيقٍ مَنْ لَمْ يُلَاحِظْهُ يَقَعُ فِي الْخَبْطِ، وَهُوَ أَنَّ بَيْعَ الْمُقْرِضِ الْكُرَّ مِنْ الْمُسْتَقْرِضِ تَارَةً يَكُونُ لِلْكُرِّ الَّذِي اسْتَقْرَضَهُ بِعَيْنِهِ، وَتَارَةً يَكُونُ لِلَّذِي فِي ذِمَّتِهِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَحُكْمُهُ مَا مَرَّ، وَلِذَا قَيَّدَهُ الْبَزَّازِيُّ بِقَوْلِهِ الْكُرُّ الَّذِي فِي يَدِ الْمُسْتَقْرِضِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا كَانَ قَائِمًا عِنْدَهُمَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الْمُسْتَقْرَضُ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْمُسْتَقْرِضِ بِنَفْسِ الْقَرْضِ فَيَصِيرُ مُشْتَرِيًا مِلْكَ نَفْسِهِ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَالْكُرُّ الْمُسْتَقْرَضُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمُقْرِضِ فَيَصِيرُ الْمُسْتَقْرِضُ شَارِيًا مِلْكَ غَيْرِهِ فَيَصِحُّ قَالَ وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَقْرِضُ هُوَ الَّذِي بَاعَ الْكُرَّ مِنْ الْمُقْرِضِ جَازَ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ، وَأَنَّهُ ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ مَلَكَهُ بِنَفْسِ الْقَرْضِ عِنْدَهُمَا فَإِنَّمَا بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بَعْضُهُمْ قَالُوا يَجُوزُ لِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَقْرِضُ لَا يَمْلِكُهُ بِنَفْسِ الْقَرْضِ إلَّا أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بَيْعًا وَهِبَةً وَاسْتِهْلَاكًا فَيَصِيرُ مُتَمَلِّكًا لَهُ، وَبِالْبَيْعِ مِنْ الْمُقْرِضِ صَارَ مُتَصَرِّفًا فِيهِ، وَمُسْتَهْلِكًا عَلَى نَفْسِهِ مِلْكَهُ، وَزَالَ عَنْ مِلْكِ الْمُقْرِضِ فَصَحَّ الْبَيْعُ مِنْهُ اهـ. كَلَامُ الذَّخِيرَةِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَقَدْ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا قَالَ مُحَمَّدٌ رَجُلٌ أَقْرَضَ رَجُلًا كُرًّا مِنْ طَعَامٍ، وَقَبَضَهُ الْمُسْتَقْرِضُ ثُمَّ إنَّ الْمُسْتَقْرِضَ اشْتَرَى مِنْ الْمُقْرِضِ الْكُرَّ الطَّعَامَ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ جَازَ لِأَنَّ الْكُرَّ الْقَرْضَ دَيْنٌ وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ لَا بِعَقْدِ الصَّرْفِ، وَلَا بِعَقْدِ السَّلَمِ، وَبَيْعُهُ جَائِزٌ ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْكُرَّ الْمُسْتَقْرَضَ قَائِمٌ فِي يَدِ الْمُسْتَقْرِضِ وَقْتَ الشِّرَاءِ أَوْ مُسْتَهْلَكٌ لِجَوَازِهِ مُطْلَقًا فَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا وَقْتَ الشِّرَاءِ فَالْجَوَازُ قَوْلُ الْكُلِّ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْمُسْتَقْرِضِ بِالِاسْتِهْلَاكِ، وَيَجِبُ مِثْلُهُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ بِلَا خِلَافٍ فَإِذَا اشْتَرَى الْكُرَّ الَّذِي عَلَيْهِ لِلْمُقْرِضِ فَقَدْ أَضَافَ الشِّرَاءَ إلَى مَا هُوَ مَوْجُودٌ فَيَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ قَائِمًا فَالْجَوَابُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ﵀ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَمْلُوكًا بِنَفْسِ الْقَبْضِ بِحُكْمِ الْقَرْضِ عِنْدَهُمَا، وَيَجِبُ مِثْلُهُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِ لَا يَصِيرُ مِلْكًا لِلْمُسْتَقْرِضِ مَا لَمْ يَسْتَهْلِكْهُ، وَلَا يَجِبُ مِثْلُهُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ قِبَلَهُ، وَإِنْ أَضَافَ الشِّرَاءَ إلَى الْكُرِّ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا كُرَّ فِي ذِمَّتِهِ فَقَدْ أَضَافَهُ إلَى الْمَعْدُومِ فَلَا يَجُوزُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَيُشْتَرَطُ قَبْضُ بَدَلِهِ فِي الْمَجْلِسِ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فَإِنْ قَبَضَ الْمُقْرِضُ الثَّمَنَ مِنْ الْمُسْتَقْرِضِ قَبْلً أَنْ يَتَفَرَّقَا فَالشِّرَاءُ مَاضٍ عَلَى صِحَّتِهِ لِأَنَّ الِافْتِرَاقَ حَصَلَ بَعْدَ قَبْضِ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ حَقِيقَةً فِيمَا لَيْسَ بِصَرْفٍ، وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ الْقَبْضِ اُنْتُقِضَ الْبَيْعُ وَعَادَ الْكُرُّ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَقْرِضِ لِأَنَّ الِافْتِرَاقَ حَصَلَ عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْطُلَ الْعَقْدُ لِأَنَّ الْكُرَّ فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَقْرِضِ فِي حُكْمِ الْمَقْبُوضِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ فِي حُكْمِ الْمَقْبُوضِ إلَّا أَنَّهُ دَيْنٌ حَقِيقَةً فَالدَّرَاهِمُ إذَا لَمْ تُقْبَضْ فَهُوَ دَيْنٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَكَانَ الرُّجْحَانُ لِجَانِبِ الدَّيْنِيَّةِ، وَالْعِبْرَةُ لِلرَّاجِحِ. اهـ. وَتَمَامُهُ فِيهَا.
(قَوْلُهُ فَإِنْ أَدَّى الثَّمَنَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ إنَّمَا كَانَ لَهُ رَدُّهُ، وَالرُّجُوعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ لِأَنَّهُ شَرَى مَا فِي ذِمَّتِهِ، وَدَفَعَ لَهُ ثَمَنَهُ عَلَى أَنَّهُ سَلِيمٌ فَبَانَ مَعِيبًا فَيَرْجِعُ بِنُقْصَانِهِ، وَأَمَّا الْكُرُّ الْمَرْدُودُ فَلَيْسَ هُوَ الْمَبِيعَ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهُ بِكُرٍّ مِثْلِهِ حَيْثُ لَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ لِأَنَّهُ يَكُونُ رِبًا إذْ الرِّبَوِيُّ إذَا بِيعَ بِجِنْسِهِ فَالشَّرْطُ الْمُسَاوَاةُ، وَالزَّائِدُ رِبًا مُطْلَقًا سَلِيمًا كَانَ أَوْ مَعِيبًا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ يَجُوزُ وَيُكْرَهُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ ذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ إمَامِ بَلْخٍ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ سِلَعٌ، وَكَانَ إذَا اسْتَقْرَضَ إنْسَانٌ مِنْهُ شَيْئًا كَانَ يَبِيعُهُ أَوَّلًا سِلْعَةً بِثَمَنٍ غَالٍ ثُمَّ نَقَدَ مِنْهُ بَعْضَ الدَّنَانِيرِ إلَى تَمَامِ حَاجَتِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِ بَلْخٍ كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ هَذَا قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً، وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ إنْ كَانَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كُرِهَ، وَإِلَّا لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ يُفْتِي بِقَوْلِ الْخَصَّافِ
стр. 2040
الدَّقِيقِ وَزْنًا يَجُوزُ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يُبْرِئَ كُلٌّ صَاحِبَهُ، وَالْجَوَازُ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَرِوَايَةُ الْأَصْلِ بِخِلَافِهِ، اسْتِقْرَاضُ الْحِنْطَةِ وَزْنًا يَجُوزُ، وَعَنْهُمَا خِلَافُهُ، بُخَارِيٌّ اسْتَقْرَضَ مِنْ سَمَرْقَنْدِيٍّ حِنْطَةً بِسَمَرْقَنْدَ لِيَدْفَعَهَا بِبُخَارَى لَيْسَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ إلَّا بِسَمَرْقَنْدَ، وَفِي اسْتِقْرَاضِ السِّرْقِينِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِثْلِيٌّ أَوْ قِيَمِيٌّ، وَاسْتِقْرَاضُ الْعَجِينِ فِي بِلَادِنَا وَزْنًا يَجُوزُ لَا جُزَافًا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِاسْتِقْرَاضِ الْخَمِيرَةِ، وَيَنْبَغِي الْجَوَازُ مِنْ غَيْرِ وَزْنٍ «، وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ خَمِيرَةٍ يَتَعَاطَاهَا الْجِيرَانُ أَيَكُونُ رِبًا فَقَالَ مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ» أَنْفَقَ مِنْ قَصَّابٍ لُحُومًا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ قَرْضٌ أَوْ شِرَاءٌ فَذَلِكَ قَرْضٌ فَاسِدٌ يَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، الْقَرْضُ الْفَاسِدُ يُفِيدُ عِنْدَ الْقَبْضِ الْمِلْكَ، يُعْطِيهِ مَدْيُونَهُ حِنْطَةً يُنْفِقُهَا وَيَحْسِبَانِهَا فَلَهُ إنْفَاقُهَا وَتَكُونُ قَرْضًا، وَالدِّبْسُ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ اسْتِقْرَاضُهُ، عِشْرُونَ رَجُلًا جَاءُوا وَاسْتَقْرَضُوا مِنْ رَجُلٍ وَأَمَرُوهُ أَنْ يَدْفَعَ الدَّرَاهِمَ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَدَفَعَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ إلَّا حِصَّتَهُ، وَحَصَلَ بِهَذَا رِوَايَةُ مَسْأَلَةٍ أُخْرَى أَنَّ التَّوْكِيلَ بِقَبْضِ الْقَرْضِ يَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ بِالِاسْتِقْرَاضِ. اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ الرِّبَا)
وَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ لِلْمُرَابَحَةِ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا زِيَادَةً إلَّا أَنَّ تِلْكَ حَلَالٌ، وَهَذِهِ حَرَامٌ، وَالْحِلُّ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ فَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ، وَالرِّبَا بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَفَتْحُهَا خَطَأٌ، وَفِي الْمِصْبَاحِ الرِّبَا الْفَضْلُ، وَالزِّيَادَةُ، وَهُوَ مَقْصُورٌ عَلَى الْأَشْهُرِ، وَيُثَنَّى رِبَوَانِ بِالْوَاوِ عَلَى الْأَصْلِ، وَقَدْ يُقَالُ رِبَيَانِ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَيُنْسَبُ إلَيْهِ عَلَى لَفْظِهِ فَيُقَالُ رِبَوِيٌّ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَغَيْرُهُ، وَزَادَ الْمُطَرِّزِيُّ فَقَالَ الْفَتْحُ فِي النِّسْبَةِ خَطَأٌ. اهـ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ الْفَضْلِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّ فَتْحَ الْأَسْوَاقِ فِي سَائِرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ لِلِاسْتِفْضَالِ، وَالِاسْتِرْبَاحِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ فَضْلٌ مَخْصُوصٌ فَلِذَلِكَ عَرَّفَهُ شَرْعًا بِقَوْلِهِ (فَضْلُ مَالٍ بِلَا عِوَضٍ فِي مُعَاوَضَةِ مَالٍ بِمَالٍ) أَيْ فَضْلُ أَحَدِ الْمُتَجَانِسَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِالْعِيَارِ الشَّرْعِيِّ أَيْ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، فَفَضْلُ قَفِيزَيْ شَعِيرٍ عَلَى قَفِيزَيْ بُرٍّ لَا يَكُونُ رِبًا، وَكَذَا فَضْلُ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ ثَوْبٍ هَرَوِيٌّ عَلَى خَمْسَةٍ مِنْهُ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِلَا عِوَضٍ أَيْ خَالٍ عَنْهُ لِيَخْرُجَ بَيْعُ كُرِّ بُرٍّ وَكُرِّ شَعِيرٍ بِكُرَّيْ بُرٍّ وَكُرَّيْ شَعِيرٍ فَإِنَّ لِلثَّانِي فَضْلًا عَلَى الْأَوَّلِ لَكِنَّهُ غَيْرُ خَالٍ عَنْ الْعِوَضِ لِصَرْفِ الْجِنْسِ إلَى خِلَافِ جِنْسِهِ.
وَقَيَّدَ بِالْمُعَاوَضَةِ لِأَنَّ الْفَضْلَ الْخَالِيَ عَنْ الْعِوَضِ الَّذِي فِي الْهِبَةِ لَيْسَ بِرِبًا، وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ قَيْدًا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْفَضْلُ الْخَالِي مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَقَدْ قَيَّدَهُ بِهِ فِي الْوِقَايَةِ، وَقَالَ شَارِحُهَا إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ شُرِطَ لِغَيْرِهِمَا لَا يَكُونُ رِبًا، وَفِي الْبِنَايَةِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا هُوَ بَيْعٌ فِيهِ فَضْلٌ مُسْتَحِقٌّ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ خَالٍ عَمَّا يُقَابِلُهُ مِنْ عِوَضٍ شُرِطَ فِي هَذَا الْعَقْدِ، وَعَلَى هَذَا سَائِرُ أَنْوَاعِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مِنْ قَبِيلِ الرِّبَا، وَفِي الذَّخِيرَةِ مِنْ كِتَابِ الْمُدَايَنَاتِ مِنْ الْفَصْلِ الثَّانِي عَشَرَ فِي الْمُتَفَرِّقَاتِ قَالَ مُحَمَّدٌ إذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ
ــ
[منحة الخالق]
وَمُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، وَيَقُولُ هَذَا لَيْسَ بِقَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً هَذَا بَيْعٌ جَرَّ مَنْفَعَةً، وَهِيَ الْقَرْضُ اهـ. مُلَخَّصًا، وَسَيَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ قَبِيلَ قَوْلِهِ، وَعِلَّتُهُ الْقَدْرُ، وَالْجِنْسُ زِيَادَةً عَلَى مَا ذَكَرَهُ هُنَا.
[بَابُ الرِّبَا]
(قَوْلُهُ فَفَضْلُ قَفِيزَيْ شَعِيرٍ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ أَحَدُ الْمُتَجَانِسَيْنِ، وَقَوْلُهُ وَكَذَا فَضْلُ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْعِيَارِ الشَّرْعِيِّ فَإِنَّ الذَّرْعَ لَيْسَ مِنْهُ (قَوْلُهُ وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ قَيْدًا لَا بُدَّ مِنْهُ إلَخْ) عِبَارَةُ ابْنِ الْكَمَالِ خَالٍ عَنْ عِوَضِ شُرِطَ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ قَالَ فِي شَرْحِهِ فَلَوْ وُجِدَ الْفَضْلُ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ أَوْ كَانَ مَشْرُوطًا فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي لَا يَكُونُ رِبًا، وَإِنَّمَا قَالَ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ، وَلَمْ يَقُلْ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ لِأَنَّ الْعَاقِدَ قَدْ يَكُونُ وَكِيلًا، وَقَدْ يَكُونُ فُضُولِيًّا، وَالْمُعْتَبَرُ كَوْنُ الْفَضْلِ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي اهـ. تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا سَائِرُ أَنْوَاعِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مِنْ قَبِيلِ الرِّبَا) هَذَا التَّعْمِيمُ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ مِنْ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مَا سَكَتَ فِيهِ عَنْ الثَّمَنِ، وَبَيْعُ عَرْضٍ بِخَمْرٍ أَوْ بِأُمِّ وَلَدٍ فَتَجِبُ الْقِيمَةُ، وَيَمْلِكُ بِالْقَبْضِ، وَكَذَا بَيْعُ جِذْعٍ فِي سَقْفٍ وَذِرَاعٍ مِنْ ثَوْبٍ يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ وَبَيْعُ ثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ، وَالْبَيْعُ إلَى النَّيْرُوزِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا سَبَبُ الْفَسَادِ فِيهِ الْجَهَالَةُ أَوْ الضَّرَرُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ نَعَمْ يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِسَبَبِ شَرْطٍ فِيهِ نَفْعٌ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ مِمَّا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَلَا يُلَائِمُهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ قُبَيْلَ بَابِ الصَّرْفِ فِي بَحْثِ مَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ حَيْثُ قَالَ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مُبَادَلَةَ مَالٍ بِمَالٍ يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ لَا مَا كَانَ مُبَادَلَةَ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ أَوْ كَانَ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ لِأَنَّ الشُّرُوطَ الْفَاسِدَةَ مِنْ بَابِ الرِّبَا، وَهُوَ يَخْتَصُّ بِالْمُعَاوَضَةِ الْمَالِيَّةِ دُونَ
стр. 2041
آخَرَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِضَّةً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَزَادَ عَلَيْهَا دَانِقًا فَوَهَبَهُ دَانِقًا، وَلَمْ يُدْخِلْهُ فِي الْبَيْعِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الشِّرَاءِ لَا يَفْسُدُ الشِّرَاءُ لِأَنَّهُ إذَا وَهَبَ الدَّانِقَ مِنْهُ انْعَدَمَ الرِّبَا قَالُوا إنَّمَا تَصِحُّ هِبَةُ الدَّانِقِ إذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ بِحَيْثُ يَضُرُّهَا الْكَسْرُ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ هِبَةٌ مُشَاعٌ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ اهـ.
وَفِي جَمْعِ الْعُلُومِ الرِّبَا شَرْعًا عِبَارَةٌ عَنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ زِيَادَةٌ لِأَنَّ بَيْعَ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمِ نَسِيئَةً رِبًا، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ زِيَادَةٌ. اهـ.
وَلَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ مَا فِي جَمْعِ الْعُلُومِ مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ لِأَنَّ فِيهِ فَضْلًا حُكْمِيًّا، وَالْفَضْلُ فِي عِبَارَتِهِ أَعَمُّ مِنْهُ وَمِنْ الْحَقِيقِيِّ، وَظَاهِرُ مَا فِي جَمْعِ الْعُلُومِ، وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ الدِّرْهَمَ الزَّائِدَ إذَا قَبَضَهُ فِيمَا إذَا اشْتَرَى دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوهُ مِنْ قَبِيلِ الْفَاسِدِ، وَهَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأُصُولِيُّونَ فِي بَحْثِ النَّهْيِ فَقَالُوا إنَّ الرِّبَا وَسَائِرَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مِنْ قَبِيلِ مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ دُونَ وَصْفِهِ، وَفِي كِتَابِ الْمُدَايَنَاتِ مِنْ الْقُنْيَةِ قَالَ أُسْتَاذُنَا وَقَعَتْ وَاقِعَةٌ فِي زَمَانِنَا أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَشْتَرِي الذَّهَبَ الرَّدِيءَ زَمَانًا الدِّينَارُ بِخَمْسَةِ دَوَانِقَ ثُمَّ تَنَبَّهَ فَاسْتَحَلَّ مِنْهُمْ فَأَبْرَؤُهُ عَمَّا بَقِيَ لَهُمْ عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ مُسْتَهْلَكًا فَكَتَبْت أَنَا وَغَيْرِي أَنَّهُ يَبْرَأُ، وَكَتَبَ رُكْنُ الدِّينِ الرَّانْجَاوِيُّ الْإِبْرَاءُ لَا يُعْمَلُ فِي الرِّبَا لِأَنَّ رَدَّهُ لِحَقِّ الشَّرْعِ، وَقَالَ أَجَابَ بِهِ نَجْمُ الْأَئِمَّةِ الْحَكِيمِيُّ مُعَلِّلًا بِهَذَا التَّعْلِيلِ، وَقَالَ هَكَذَا سَمِعْته عَنْ ظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ قَالَ ﵁ فَقَرُبَ مِنْ ظَنِّي أَنَّ الْجَوَابَ كَذَلِكَ مَعَ تَرَدُّدٍ فَكُنْت أَطْلُبُ الْفَتْوَى لِأَمْحُوَ جَوَابِي عَنْهُ فَعَرَضْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى عَلَاءِ الدِّينِ الْحَنَّاطِيِّ فَأَجَابَ أَنَّهُ يَبْرَأُ إذَا كَانَ الْإِبْرَاءُ بَعْدَ الْهَلَاكِ، وَغَضِبَ مِنْ جَوَابِ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ فَازْدَادَ ظَنِّي بِصِحَّةِ جَوَابِي، وَلَمْ أَمْحُهُ.
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ مَا ذَكَرَهُ الْبَزْدَوِيُّ فِي غِنَاءِ الْفُقَهَاءِ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ جُمْلَةُ الْعُقُودِ الرِّبَوِيَّةِ يُمْلَكُ الْعِوَضُ فِيهَا بِالْقَبْضِ قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ فَضْلُ الرِّبَا مَمْلُوكًا لِلْقَابِضِ بِالْقَبْضِ فَإِذَا اسْتَهْلَكَهُ عَلَى مِلْكِهِ ضَمِنَ مِثْلَهُ فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ الْإِبْرَاءُ وَرَدَّ مِثْلَهُ يَكُونُ ذَلِكَ رَدَّ ضَمَانِ مَا اسْتَهْلَكَهُ لَا رَدَّ عَيْنِ مَا اُسْتُهْلِكَ، وَبِرَدِّ ضَمَانِ مَا اُسْتُهْلِكَ لَا يَرْتَفِعُ الْعَقْدُ السَّابِقُ بَلْ يَتَقَرَّرُ مُفِيدًا لِلْمِلْكِ فِي فَضْلِ الرِّبَا فَلَمْ يَكُنْ فِي رَدِّهِ فَائِدَةُ نَقْضِ عَقْدِ الرِّبَا فَيَجِبَ ذَلِكَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا الَّذِي يَجِبُ حَقًّا لِلشَّرْعِ رَدُّ عَيْنِ الرِّبَا إنْ كَانَ قَائِمًا لَا رَدُّ ضَمَانِهِ انْتَهَى مَا فِي الْقُنْيَةِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ أَمَّا الْكِتَابُ فَآيَاتٌ مِنْهَا ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَالْمُرَادُ بِهِ فِيهَا الْفَضْلُ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ لِيَتَعَلَّقَ التَّحْرِيمُ بِهِ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ
ــ
[منحة الخالق]
غَيْرِهَا مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ، وَالتَّبَرُّعَاتِ لِأَنَّ الرِّبَا هُوَ الْفَضْلُ الْخَالِي عَنْ الْعِوَضِ، وَحَقِيقَةُ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ هِيَ زِيَادَةُ مَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَلَا يُلَائِمُهُ فَيَكُونُ فِيهِ فَضْلٌ خَالٍ عَنْ الْعِوَضِ، وَهُوَ الرِّبَا بِعَيْنِهِ اهـ. مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ وَلَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ مَا فِي جَمْعِ الْعُلُومِ إلَخْ) هَاهُنَا كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَصْدُقُ عَلَى رِبَا النَّسِيئَةِ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ فِي صُورَةِ زِيَادَةِ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ الْغَيْرِ الْحَاضِرِ عَلَى الْآخَرِ الْحَاضِرِ فَضْلٌ لَكِنْ غَيْرُ خَالٍ عَنْ الْعِوَضِ لِأَنَّ نَقْدِيَّةَ الْحَاضِرِ عِوَضٌ لِفَضْلِ غَيْرِ الْحَاضِرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَعْتَبِرْهَا عِوَضًا، وَالْمُرَادُ الْعِوَضُ الشَّرْعِيُّ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ رِبَا النَّسِيئَةِ قَدْ يَتَحَقَّقُ مَعَ التَّسَاوِي بِالْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ عَلَى مَا سَيَجِيءُ آنِفًا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَقْصُودَ تَعْرِيفُ الرِّبَا الْحَقِيقِيِّ الْمُتَبَادَرِ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا هُوَ رِبَا الْفَضْلِ فَلَا بَأْسَ بِخُرُوجِ مَا ذَكَرَ عَنْ التَّعْرِيفِ كَمَا لَا يَخْفَى فَتَدَبَّرْ يَعْقُوبِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَرَدَّ مِثْلَهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَوْ لَمْ يَصِحَّ الْإِبْرَاءُ لَا عَلَى الْإِبْرَاءِ فَهُوَ فِعْلُ مَاضٍ، وَمِثْلَهُ مَفْعُولُهُ (قَوْلُهُ فَيَجِبَ ذَلِكَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى) بِنَصَبِ يَجِبُ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَ الْفَاءِ فِي جَوَابِ النَّفْيِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لِيَجِبَ بِاللَّامِ، وَفِي بَعْضِهَا فَكَيْفَ يَجِبُ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا الَّذِي يَجِبُ حَقًّا لِلشَّرْعِ إلَخْ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْعَقْدَ الْمَذْكُورَ تَعَلَّقَ بِسَبَبِهِ حَقَّانِ حَقُّ الْعَبْدِ، وَهُوَ رَدُّ عَيْنِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَرَدُّ ضَمَانِهِ إنْ مُسْتَهْلَكًا، وَحَقُّ الشَّرْعِ، وَهُوَ رَدُّ عَيْنِهِ بِنَقْضِ الْعَقْدِ السَّابِقِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا، وَإِبْرَاءُ الْعَبْدِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَمْلِكُهُ، وَهُوَ الدَّيْنُ الثَّابِتُ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا شَكَّ فِي بَرَاءَتِهِ عَنْهُ لِأَنَّ الْمَالِكَ قَدْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ، وَأَمَّا فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ، وَهُوَ حَقُّ الشَّرْعِ فَلَا عَمَلَ لِإِبْرَائِهِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَقًّا لَهُ.
وَقَدْ تَعَذَّرَ بِعَدَمِ التَّصَوُّرِ بَعْدَ الْهَلَاكِ، وَكَلَامُ رُكْنِ الدِّينِ مَفْرُوضٌ فِيهِ أَلَا تَرَاهُ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ رَدَّهُ لِحَقِّ الشَّرْعِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْبَزْدَوِيُّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الثَّابِتَ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ ضَمَانُهُ قَابِلٌ لِلْإِبْرَاءِ فَالْوَاجِبُ الْقَطْعُ بِأَنَّ الضَّمَانَ الثَّابِتَ بِالِاسْتِهْلَاكِ فِي الذِّمَّةِ يَقَعُ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ، وَأَمَّا حَقُّ الشَّرْعِ فَلِصَاحِبِهِ لَا دَخْلَ لِلْعَبْدِ فِيهِ فَكَيْفَ يَقُولُ بِإِبْرَائِهِ تَأَمَّلْ، وَقَدْ قَدَّمَ قَبْلَ هَذِهِ الْوَرَقَةِ بِسَبْعِ وَرَقَاتٍ الْإِبْرَاءَ الْعَامَّ فِي ضِمْنِ عَقْدٍ فَاسِدٍ لَا يَمْنَعُ الدَّعْوَى كَذَا فِي دَعْوَى الْبَزَّازِيَّةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْدَ هَذَا أَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ الرِّبَا لَا يَصِحُّ فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى بِهِ، وَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ اهـ كَلَامُ شَيْخِ شَيْخِنَا السَّيِّدِ الْحَمَوِيِّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ الْحَادِثَةَ كَانَتْ فِي الْإِبْرَاءِ بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ، وَلَيْسَ هَذَا إلَّا فِي حَقِّ الْعَبْدِ كَمَا قَرَّرَهُ فَحُمِلَ كَلَامُ رُكْنِ الدِّينِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِلْإِبْرَاءِ عَنْ الرِّبَا نَفْسِهِ، وَإِنْ صَحَّ فِي ذَاتِهِ لَكِنَّهُ لَا يُنَاسِبُ الْحَادِثَةَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا فَلَا يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ لَا رَدُّ ضَمَانِهِ) يَعْنِي حَقًّا لِلشَّرْعِ، وَأَمَّا رَدُّهُ حَقًّا لِلْعَبْدِ فَوَاجِبٌ سَيِّدٌ حَمَوِيٌّ.
стр. 2042
لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِينَ، وَمِنْهَا ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠] وَالْمُرَادُ مِنْهُ فِيهَا نَفْسُ الزَّائِدِ فِي بَيْعِ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ عِنْدَ بَيْعِ بَعْضِهَا بِجِنْسِهِ، وَفِي الْمِعْرَاجِ ذَكَرَ اللَّهُ لِآكِلِ الرِّبَا خَمْسَ عُقُوبَاتٍ أَحَدُهَا التَّخَبُّطُ قَالَ تَعَالَى ﴿لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
قِيلَ فِي مَعْنَاهُ تَنْتَفِخُ بَطْنُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَصِيرُ لَا تَحْمِلُهُ قَدَمَاهُ فَيَصِيرُ كُلَّمَا قَامَ سَقَطَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَصَابَهُ الْمَسُّ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ «يُمْلَأُ بَطْنُهُ نَارًا بِقَدْرِ مَا أَكَلَ مِنْ الرِّبَا» ، وَالْمُرَادُ بِهِ الِافْتِضَاحُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ كَمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ «يُنْصَبُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِآكِلِي الرِّبَا فَيَجْتَمِعُونَ تَحْتَهُ ثُمَّ يُسَاقُونَ إلَى النَّارِ» ، وَالثَّانِي الْمَحْقُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦] وَالْمُرَادُ الْهَلَاكُ، وَالِاسْتِئْصَالُ، وَقِيلَ ذَهَابُ الْبَرَكَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ حَتَّى لَا يَنْتَفِعَ هُوَ بِهِ وَلَا وَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَالثَّالِثُ الْحَرْبُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] الْمَعْنَى فِي الْقِرَاءَةِ بِالْمَدِّ أَعْلِمُوا النَّاسَ يَا أَكَلَةَ الرِّبَا إنَّكُمْ حَرْبُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِمَنْزِلَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَفِي قِرَاءَةٍ بِغَيْرِ الْمَدِّ أَيْ اعْلَمُوا أَنَّ أَكَلَةَ الرِّبَا حَرْبٌ لِلَّهِ، الرَّابِعُ الْكُفْرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] وَقَالَ ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] أَيْ كَفَّارٍ بِاسْتِحْلَالِ الرِّبَا، وَالْخَامِسُ الْخُلُودُ فِي النَّارِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ «كُلُّ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ مِنْ الرِّبَا أَشَدُّ مِنْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ زَنْيَةً يَزْنِيهَا الرَّجُلُ، وَمَنْ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنْ الْحَرَامِ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ» ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ بَيَانُ الْحَلَالِ الَّذِي هُوَ بَيْعٌ شَرْعًا، وَالْحَرَامِ الَّذِي هُوَ رِبًا، وَلِهَذَا قِيلَ لِمُحَمَّدٍ أَلَا تُصَنِّفُ فِي الزُّهْدِ شَيْئًا قَالَ صَنَّفْت كِتَابَ الْبُيُوعِ، وَلَيْسَ الزُّهْدُ إلَّا اجْتِنَابَ الْحَرَامِ وَالرَّغْبَةَ فِي الْحَلَالِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى قَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا أَنْكَرَ رِبَا النَّسَاءِ يَكْفُرُ، وَفِي رِبَا الْفَضْلِ فِي الْقَدْرِ اخْتِلَافٌ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَرَى الرِّبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ لِلْحَدِيثِ إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، وَكَلِمَةُ إنَّمَا لِلْحَصْرِ إلَّا أَنَّ عَامَّةَ الصَّحَابَةِ احْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ.
وَالْجَوَابُ عَنْ تَعَلُّقِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مُنْصَرِفٌ إلَى مَا لَيْسَ بِمَكِيلٍ، وَلَا مَوْزُونٍ لِقَوْلِهِ آخِرَهُ إلَّا مَا كِيلَ أَوْ وُزِنَ عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ رُجُوعُهُ فَإِجْمَاعُ التَّابِعِينَ بِهِ يَرْفَعُهُ اهـ.
مَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قُضِيَ بِجَوَازِ بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ بِأَعْيَانِهِمَا أَخْذًا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَنْفُذُ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ وَافَقَهُ فَكَانَ مَهْجُورًا. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ الْكَرَاهِيَةِ لَا بَأْسَ بِالْبُيُوعِ الَّتِي يَفْعَلُهَا النَّاسُ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الرِّبَا ثُمَّ رَقْمٌ آخَرُ هِيَ مَكْرُوهَةٌ ذَكَرَ الْبَقَّالِيُّ الْكَرَاهَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَهُمَا لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ الزَّرَنْجَرِيُّ خِلَافَ مُحَمَّدٍ فِي الْعَقْدِ بَعْدَ الْقَرْضِ أَمَّا إذَا بَاعَ ثُمَّ دَفَعَ الدَّرَاهِمَ لَا بَأْسَ بِالِاتِّفَاقِ. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ الْكَرَاهِيَةِ يَجُوزُ لِلْمُحْتَاجِ الِاسْتِقْرَاضُ بِالرِّبْحِ اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ مَعْزِيًّا إلَى النَّوَازِلِ رَجُلٌ لَهُ عَلَى آخَرَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَرَادَ أَنْ يُؤَجِّلَهَا إلَى سَنَةٍ، وَيَأْخُذَ مِنْهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ بِتِلْكَ الْعَشَرَةِ مَتَاعًا، وَيَقْبِضَ الْمَتَاعَ مِنْهُ، وَقِيمَةُ الْمَتَاعِ عَشَرَةٌ ثُمَّ يَبِيعَ الْمَتَاعَ مِنْهُ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ إلَى سَنَةٍ اهـ.
قَوْلُهُ (وَعِلَّتُهُ الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ) أَيْ عِلَّةُ الرِّبَا أَيْ وُجُوبُ الْمُسَاوَاةِ الَّتِي يَلْزَمُ عِنْدَ فَوْتِهَا الرِّبَا هَكَذَا فَسَّرَهُ السِّغْنَاقِيُّ فِي شَرْحِ الْأَخْسِيكَثِيِّ فِي الْأُصُولِ، وَذَكَرَهُ فِي الْكَافِي سُؤَالًا وَجَوَابًا، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَيْ عِلَّةُ تَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ. اهـ.
وَفِي الْمِعْرَاجِ أَيْ عِلَّةُ حُرْمَةِ الرِّبَا وَوُجُوبِ الْمُسَاوَاةِ وَالْعِلَّةُ فِي اللُّغَةِ الْمَرَضُ الشَّاغِلُ، وَالْجَمْعُ عِلَلٌ، وَأَعَلَّهُ اللَّهُ فَهُوَ مَعْلُولٌ، وَاعْتَلَّ إذَا مَرَض، وَاعْتَلَّ إذَا تَمَسَّكَ بِحُجَّةٍ، وَأَعَلَّهُ بِكَلِمَةٍ جَعَلَهُ ذَا عِلَّةٍ، وَمِنْهُ إعْلَالَاتُ الْفُقَهَاءِ، وَاعْتِلَالُهُمْ. اهـ.
وَأَمَّا فِي الْأُصُولِ فَقَالُوا إنَّهَا فِي اللُّغَةِ هِيَ الْمُغَيِّرُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمَرَضُ عِلَّةً لِأَنَّهُ بِحُلُولِهِ يَتَغَيَّرُ حَالُ الْمَحِلِّ عَنْ وَصْفِ الْقُوَّةِ إلَى وَصْفِ الضَّعْفِ، وَلِذَا سُمِّيَ الْجُرْحُ عِلَّةً لِأَنَّهُ بِحُلُولِهِ بِالْمَجْرُوحِ يَتَغَيَّرُ حُكْمُ الْحَالِ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ مَا يُضَافُ إلَيْهِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِلَا وَاسِطَةٍ فَخَرَجَ الشَّرْطُ لِأَنَّهُ لَا يُضَافُ إلَيْهِ ثُبُوتُهُ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2043
وَالسَّبَبُ، وَالْعَلَامَةُ، وَعِلَّةُ الْعِلَّةِ لِأَنَّهَا بِالْوَاسِطَةِ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ شَامِلٌ لِلْعِلَلِ الْمَوْضُوعَةِ كَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ. اهـ.
وَلِلْمُسْتَنْبِطَةِ كَالْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْقِيَاسَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَدْرِ الْكَيْلُ فِي الْمَكِيلِ، وَالْوَزْنُ فِي الْمَوْزُونِ فَانْحَصَرَ الْمُعَرَّفُ لِلْحُكْمِ فِيهِمَا، وَالتَّعْبِيرُ بِالْقَدْرِ أَخْصَرُ لَكِنَّهُ يَشْمَلُ مَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ يَشْمَلُ الذَّرْعَ وَالْعَدَّ، وَلَيْسَا مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَكِنْ بَعْدَمَا وَضَعُوا الْقَدْرَ بِإِزَاءِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ كَيْفَ يَشْمَلُ غَيْرَهُمَا.
وَالْجِنْسُ فِي اللُّغَةِ الضَّرْبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْجَمْعُ أَجْنَاسٌ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ النَّوْعِ فَالْحَيَوَانُ جِنْسٌ، وَالْإِنْسَانُ نَوْعٌ، وَحُكِيَ عَنْ الْخَلِيلِ هَذَا يُجَانِسُ هَذَا أَيْ يُشَاكِلُهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي التَّهْذِيبِ أَيْضًا، وَعَنْ بَعْضِهِمْ فُلَانٌ لَا يُجَانِسُ النَّاسَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَمْيِيزٌ وَلَا عَقْلٌ، وَالْأَصْمَعِيُّ يُنْكِرُ هَذَيْنِ الِاسْتِعْمَالَيْنِ، وَيَقُولُ هُوَ كَلَامُ الْمُوَلَّدِينَ، وَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَاخْتِلَافُ الْجِنْسِ يُعْرَفُ بِاخْتِلَافِ الِاسْمِ الْخَاصِّ وَاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ فَالْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ جِنْسَانِ عِنْدَنَا لِأَنَّ إفْرَادَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَالثَّوْبُ الْهَرَوِيُّ وَالْمَرْوِيُّ بِسُكُونِ الرَّاءِ جِنْسَانِ لِاخْتِلَافِ الصَّنْعَةِ وَقِيَامِ الثَّوْبِ بِهَا، وَكَذَا الْمَرْوِيُّ الْمَنْسُوجُ بِبَغْدَادَ، وَخُرَاسَانَ، وَاللَّبَدُ اللامتي وَالطَّالَقَانِيُّ، وَالتَّمْرُ كُلُّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَالْحَدِيدُ، وَالرَّصَاصُ، وَالشَّبَهُ أَجْنَاسٌ، وَكَذَا غَزْلُ الصُّوفِ وَالشَّعْرِ، وَاللَّحْمُ الضَّانِي وَالْمَعْزِيِّ، وَالْبَقَرِيُّ، وَالْأَلْيَةُ، وَاللَّحْمُ، وَشَحْمُ الْبَطْنِ أَجْنَاسٌ، وَدُهْنُ الْبَنَفْسَجِ، وَالْخَيْرِيُّ جِنْسَانِ، وَالْأَدْهَانُ الْمُخْتَلِفَةُ أُصُولُهَا أَجْنَاسٌ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رِطْلِ زَيْتٍ غَيْرِ مَطْبُوخٍ بِرِطْلٍ مَطْبُوخٍ مُطَيَّبٍ لِأَنَّ الطِّيبَ زِيَادَةٌ. اهـ.
وَفِي الْمِعْرَاجِ الْقَدْرُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعِيَارِ، وَالْجِنْسُ عِبَارَةٌ عَنْ مُشَاكَلَةِ الْمَعَانِي. اهـ.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ» ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ بِالرَّفْعِ الْحِنْطَةُ أَيْ بَيْعُ الْحِنْطَةِ مِثْلٌ، وَيُنْصَبُ عَلَى الْحَالِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ فِي يَدًا بِيَدٍ فَالرَّفْعُ عَطْفٌ عَلَى الْخَبَرِ أَيْ مِثْلٌ، وَمَقْبُوضَةٌ، وَالنَّصْبُ عَلَى الْحَالِ بِتَأْوِيلِهِ بِالْمُشْتَقِّ أَيْ مُتَنَاجِزَيْنِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ لِشُهْرَتِهِ ظَنَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَدُّهُ، وَقَالَ الْجَصَّاصُ إنَّهُ يَقْرُبُ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ لِكَثْرَةِ رُوَاتِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سِتَّةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا عُمَرَ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَسَارِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَبِلَالٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَمَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ، وَهِشَامُ بْنُ عَامِرٍ، وَالْبَرَاءُ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَخَالِدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبُو بَكْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي بَيَانِهِ فِي الْبِنَايَةِ ثُمَّ قَالَ آخِرًا، وَلَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ الْبُدَاءَةُ بِالْحِنْطَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ مَذْكُورَةٌ فِي أَثْنَائِهِ، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بَادِئًا بِالْحِنْطَةِ. اهـ.
وَالْحُكْمُ مَعْلُولٌ بِإِجْمَاعِ الْقَايِسِينَ لَكِنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الطَّعْمُ فِي الْمَطْعُومَاتِ، وَالثَّمَنِيَّةُ فِي الْأَثْمَانِ، وَالْجِنْسِيَّةُ شَرْطٌ، وَالْمُسَاوَاةُ مَخْلَصٌ.
وَالْأَصْلُ هُوَ الْحُرْمَةُ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى شَرْطَيْنِ التَّقَابُضِ، وَالْمُمَاثَلَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِالْعِزَّةِ وَالْخَطَرِ كَاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ فَيُعَلَّلُ بِعِلَّةٍ تُنَاسِبُ إظْهَارَ الْخَطَرِ وَالْعِزَّةِ، وَهُوَ الطُّعْمُ لِبَقَاءِ الْإِنْسَانِ، وَالثَّمَنِيَّةُ لِبَقَاءِ الْأَمْوَالِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْمَصَالِحِ بِهَا، وَلَا أَثَرَ لِلْجِنْسِيَّةِ فِي ذَلِكَ فَجَعَلْنَاهُ شَرْطًا، وَالْحُكْمُ قَدْ يَدُورُ مَعَ الشَّرْطِ، وَلَنَا أَنَّهُ أَوْجَبَ الْمُمَاثَلَةَ شَرْطًا فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِسَوْقِهِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْبَيْعِ إذْ هُوَ يُنْبِئُ عَنْ التَّقَابُلِ وَذَلِكَ بِالتَّمَاثُلِ أَوْ صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ عَنْ التَّوَى أَوْ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ بِاتِّصَالِ التَّسْلِيمِ بِهِ ثُمَّ يَلْزَمُ عِنْدَ فَوْتِهِ حُرْمَةُ الرِّبَا، وَالْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى، وَالْمِعْيَارُ يُسَوِّي الذَّاتَ، وَالْجِنْسِيَّةُ تُسَوِّي الْمَعْنَى فَيَظْهَرُ الْفَضْلُ عَلَى ذَلِكَ فَيَتَحَقَّقُ الرِّبَا لِأَنَّ الرِّبَا هُوَ الْفَضْلُ الْمُسْتَحَقُّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْوَصْفُ
ــ
[منحة الخالق]
[عِلَّةُ الرِّبَا]
(قَوْلُهُ وَلَكِنْ بَعْدَمَا وَضَعُوا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ أَرَادُوا هَذَا الْمَعْنَى مِنْ اللَّفْظِ، وَهَذَا لَا يُفِيدُ عَدَمَ شُمُولِهِ لِغَيْرِهِ وَضْعًا نَعَمْ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْقَدْرِ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ الْكَيْلُ، وَالْوَزْنُ.
стр. 2044
لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ تَفَاوُتًا عُرْفًا أَوْ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ سَدَّ بَابِ الْبِيَاعَاتِ أَوْ لِقَوْلِهِ ﵊ «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ» ، وَالطَّعْمُ، وَالثَّمَنِيَّةُ مِنْ أَعْظَمِ وُجُوهِ الْمَنَافِعِ، وَالسَّبِيلُ فِي مِثْلِهَا الْإِطْلَاقُ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ لِشِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا دُونَ التَّضْيِيقِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِمَا ذَكَرَهُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
قَوْلُهُ (وَحَرُمَ الْفَضْلُ وَالنَّسَاءُ بِهِمَا) أَيْ بِالْقَدْرِ وَالْجِنْسِ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ بِتَمَامِهَا، وَالْفَضْلُ الزِّيَادَةُ، وَالنَّسَاءُ بِالْمَدِّ التَّأْخِيرُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمِصْبَاح، وَإِنَّمَا ذَكَرَ النَّسِيءَ فَقَالَ وَالنَّسِيءُ مَهْمُوزٌ عَلَى فَعِيلٍ، وَيَجُوزُ الْإِدْغَامُ لِأَنَّهُ زَائِدٌ، وَهُوَ التَّأْخِيرُ، وَالنَّسِيئَةُ عَلَى فَعَيْلَةٍ مِثْلُهُ، وَهُمَا اسْمَانِ مِنْ نَسَأَ اللَّهُ أَجَلَهُ مِنْ بَابِ نَفَعَ، وَأَنْسَاهُ اللَّهُ بِأَلْفٍ إذَا أَخَّرَهُ. اهـ.
وَفِي الْبِنَايَةِ النَّسَاءُ بِفَتْحِ النُّونِ، وَالْمَدِّ الْبَيْعُ إلَى أَجَلٍ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ بِالْمَدِّ لَا غَيْرُ قَوْلُهُ (وَالنَّسَاءُ فَقَطْ بِأَحَدِهِمَا) أَيْ وَحَرُمَ التَّأْخِيرُ لَا الْفَضْلُ بِوُجُودِ الْقَدْرِ فَقَطْ، وَالْجِنْسِ فَقَطْ، وَلَهُ صُورَتَانِ إحْدَاهُمَا بَاعَ حِنْطَةً بِشَعِيرٍ مُتَفَاضِلًا صَحَّ لَا نَسِيئَةً، الثَّانِيَةُ بَاعَ ثَوْبًا مَرْوِيًّا بِمَرْوِيَّيْنِ جَازَ حَاضِرًا، وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا بِعَبْدٍ إلَى أَجَلٍ لَا يَجُوزُ لِوُجُودِ الْجِنْسِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْجِنْسُ بِانْفِرَادِهِ لَا يُحَرِّمُ النَّسَاءَ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالتَّأْخِيرِ إلَّا شُبْهَةُ الْفَضْلِ، وَحَقِيقَةُ الْفَضْلِ جَائِزٌ فَالشُّبْهَةُ أَوْلَى، وَلَنَا أَنَّهُ مَالُ الرِّبَا مِنْ وَجْهٍ نَظَرًا إلَى الْقَدْرِ أَوْ إلَى الْجِنْسِ، وَالنَّقْدِيَّةُ أَوْجَبَتْ فَضْلًا فِي الْمَالِيَّةِ فَيَتَحَقَّقُ شُبْهَةُ الرِّبَا، وَهِيَ مَانِعَةٌ عَنْ الْجَوَازِ كَالْحَقِيقَةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ قَالَ مَوْلَانَا الْأَكْمَلُ فِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا قِيلَ إنَّ كَوْنَهُ مِنْ مَالِ الرِّبَا مِنْ وَجْهِ شُبْهَةٍ، وَكَوْنُ الشُّبْهَةِ أَوْجَبَتْ فَضْلًا شُبْهَةً فَصَارَتْ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ فَالشُّبْهَةُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ دُونَ النَّازِلِ عَنْهَا، وَالثَّانِي أَنَّ كَوْنَهَا شُبْهَةَ الرِّبَا كَالْحَقِيقَةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا أَوْ فِي مَحِلِّ الْحَقِيقَةِ، وَالْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ لَكِنَّهَا كَانَتْ جَائِزَةً فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الشُّبْهَةُ كَذَلِكَ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الشُّبْهَةَ الْأُولَى فِي الْمَحِلِّ، وَالثَّانِيَةَ فِي الْحُكْمِ، وَثَمَّةَ شُبْهَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ الَّتِي فِي الْعِلَّةِ، وَلِشُبْهَةِ الْعِلَّةِ وَالْمَحِلِّ تَثْبُتُ شُبْهَةُ الْحُكْمِ لَا شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْقِسْمَةَ غَيْرُ حَاصِرَةٍ بَلْ الشُّبْهَةُ مَانِعَةٌ فِي مَحِلِّ الشُّبْهَةِ إذَا وُجِدَتْ الْعِلَّةُ بِكَمَالِهَا. اهـ.
وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ لِمَذْهَبِنَا «بِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ إنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالَ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبِنَايَةِ، وَأَوْرَدَ أَنَّهُ بَعْضُ الْعِلَّةِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ لِحُرْمَةِ النَّسَاءِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضَ عِلَّةٍ لِحُرْمَةِ الْفَضْلِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى تَوْزِيعِ أَجْزَاءِ الْحُكْمِ عَلَى أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَالنَّسَاءُ فَقَطْ بِأَحَدِهِمَا يَمْنَعُ جَوَازَ إسْلَامِ النُّقُودِ فِي الزَّعْفَرَانِ أَوْ الْقُطْنِ لِوُجُودِ الْقَدْرِ، وَهُوَ الْوَزْنُ مَعَ أَنَّهُ جَائِزٌ فَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّهُمَا لَا يَتَّفِقَانِ فِي صِفَةِ الْوَزْنِ أَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْمَعْنَى فَيَجُوزُ لِأَنَّ النُّقُودَ تُوزَنُ بِالصَّنَجَاتِ، وَالزَّعْفَرَانَ بِالْأَمْنَاءِ فَنَقُولُ الدَّرَاهِمُ مَعَ الزَّعْفَرَانِ وَإِنْ اتَّفَقَا فِي الْوَزْنِ صُورَةً فَقَدْ اخْتَلَفَا فِيمَا يُوزَنُ بِهِ صُورَةً وَمَعْنًى، وَحُكْمًا فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ أَمَّا الِاخْتِلَافُ الصُّورِيُّ فَمَا بَيَّنَّاهُ.
وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الْمَعْنَى فَلِأَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَالزَّعْفَرَانُ، وَنَحْوُهُ يَتَعَيَّنُ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الْأَحْكَامِ فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي النُّقُودِ قَبْلَ قَبْضِهَا بِخِلَافِ الْمُثَمَّنِ فَلَمْ يَجْمَعْهُمَا الْقَدْرُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَنَزَلَتْ الشُّبْهَةُ فِيهِ إلَى شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ فَإِنَّ الْمَوْزُونَيْنِ إذَا اتَّفَقَا كَانَ الْمَنْعُ لِلشُّبْهَةِ، وَإِذَا لَمْ يَتَّفِقَا كَانَ ذَلِكَ شُبْهَةَ الْوَزْنِ، وَالْوَزْنُ وَحْدَهُ شُبْهَةٌ فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وَالصَّنَجَاتُ بِتَحْرِيكِ النُّونِ جَمْعُ صَنْجَةٍ، وَعَنْ ابْنِ السِّكِّيتِ لَا يُقَالُ بِالسِّينِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ بِالصَّادِ، وَفِي الْمُغْرِبِ الصَّنَجَاتُ بِالتَّحْرِيكِ جَمْعُ صَنْجَةٍ بِالتَّسْكِينِ، وَعَنْ الْفَرَّاءِ بِالسِّينِ أَفْصَحُ، وَأَنْكَرَ الْقُتَبِيُّ السِّينَ أَصْلًا، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْوَجْهُ أَنْ يُضَافَ تَحْرِيمُ الْجِنْسِ بِانْفِرَادِهِ إلَى السَّمْعِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَيُلْحَقُ بِهِ تَأْثِيرُ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ بِانْفِرَادِهِ ثُمَّ يُسْتَثْنَى إسْلَامُ النُّقُودِ فِي الْمَوْزُونَاتِ بِالْإِجْمَاعِ كَيْ لَا يَنْسَدَّ أَكْثَرُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا بِعَبْدٍ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّ عِلَّةَ الْحُكْمِ هُنَا عَدَمُ قَبُولِ الْعَبْدِ التَّأْجِيلَ لَا وُجُودُ الْجِنْسِيَّةِ فَلَوْ مَثَّلَ بِبَيْعِ هَرَوِيٌّ بِمِثْلِهِ لَكَانَ أَوْلَى. اهـ.
وَهُوَ مُنَاقَشَةٌ فِي الْمِثَالِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّوْضِيحُ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِ الْجِنْسِيَّةِ فِيهِ عِلَّةً أَيْضًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِدْلَال لَهُ بِالْحَدِيثِ الْآتِي قَرِيبًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَحَقِيقَةُ الْفَضْلِ جَائِزٌ) كَمَا لَوْ بَاعَ مَرْوِيًّا بِمَرْوِيَّيْنِ حَاضِرًا
стр. 2045
أَبْوَابُ السَّلَمِ، وَسَائِرُ الْمَوْزُونَاتِ خِلَافُ النَّقْدِ لَا يَجُوزُ إسْلَامُهُ فِي الْمَوْزُونَاتِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا كَإِسْلَامِ الْحَدِيدِ فِي قُطْنٍ أَوْ زَيْتٍ فِي جُبْنٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ إلَّا إذَا خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَزْنِيًّا بِالصَّنْعَةِ إلَّا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلَوْ أَسْلَمَ سَيْفًا فِيمَا يُوزَنُ جَازَ إلَّا بِالْحَدِيدِ لِأَنَّ السَّيْفَ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْزُونًا، وَمَنْعُهُ فِي الْحَدِيدِ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَكَذَا يَجُوزُ بَيْعُ إنَاءٍ مِنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ بِمِثْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ يَدًا بِيَدٍ نُحَاسًا كَانَ أَوْ حَدِيدًا.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَثْقَلَ مِنْ الْآخَرِ بِخِلَافِهِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَإِنَّهُ يَجْرِي فِيهَا رِبَا الْفَضْلِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُبَاعُ وَزْنًا لِأَنَّ صُورَةَ الْوَزْنِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِيهِمَا فَلَا تَتَغَيَّرُ بِالصَّنْعَةِ فَلَا تَخْرُجُ عَنْ الْوَزْنِ بِالْعَادَةِ، وَأَوْرَدَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ حِينَئِذٍ إسْلَامُ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِاخْتِلَافِ طَرِيقَةِ الْوَزْنِ أُجِيبَ بِأَنَّ امْتِنَاعَهُ لِامْتِنَاعِ كَوْنِ النَّقْدِ مُسْلَمًا فِيهِ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ، وَهُمَا مُتَعَيِّنَانِ لِلثَّمَنِيَّةِ، وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعًا قَيْلَ أَنْ كَانَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ يَجُوزُ بَيْعًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ السَّلَمِ فَقَدْ قِيلَ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَنْعَقِدَ بَيْعًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ. اهـ.
وَأَمَّا إسْلَامُ الْفُلُوسِ فِي الْمَوْزُونِ فَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مُقْتَضَى مَا ذَكَرُوهُ أَنْ لَا يَجُوزَ فِي زَمَانِنَا لِأَنَّهَا، وَزْنِيَّةٌ. اهـ.
وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ جَوَازَهُ قَالَ لِأَنَّهَا عَدَدِيَّةٌ بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ فُلُوسًا فِي فُلُوسٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ. اهـ.
وَالْوَاقِعُ فِي زَمَانِنَا وَزْنُهَا بِدَارِ الضَّرْبِ فَقَطْ، وَأَمَّا التَّعَامُلُ فِي الْأَسْوَاقِ فَبِالْعَدِّ قَوْلُهُ (وَحِلَّا بِعَدَمِهِمَا) أَيْ حَلَّ الْفَضْلُ وَالنَّسَاءُ عِنْدَ انْعِدَامِ الْقَدْرِ وَالْجِنْسِ فَيَجُوزُ بَيْعُ ثَوْبٍ هَرَوِيٌّ بِمَرْوِيَّيْنِ نَسِيئَةً، وَالْجَوْزِ بِالْبَيْضِ نَسِيئَةً لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الْمُحَرِّمَةِ، وَعَدَمُ الْعِلَّةِ وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ عَدَمَ الْحُكْمِ لَكِنْ إذَا اتَّحَدَتْ الْعِلَّةُ لَزِمَ مِنْ عَدَمِهَا الْعَدَمُ لَا بِمَعْنَى أَنَّهَا تُؤَثِّرُ الْعَدَمَ بَلْ لَا تُثْبِتُ الْوُجُودَ لِعَدَمِ عِلَّةِ الْوُجُودِ فَيَبْقَى عَدَمُ الْحُكْمِ وَهُوَ عَدَمُ الْحُرْمَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى عَدَمِهِ الْأَصْلِيِّ، وَإِذَا عُدِمَ سَبَبُ الْحُرْمَةِ، وَالْأَصْلُ فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا الْإِبَاحَةُ كَانَ الثَّابِتُ الْحِلَّ.
قَوْلُهُ (وَصَحَّ بَيْعُ الْمَكِيلِ كَالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ، وَالْمَوْزُونِ كَالنَّقْدَيْنِ وَمَا يُنْسَبُ إلَى الرِّطْلِ بِجِنْسِهِ مُتَسَاوِيًا لَا مُتَفَاضِلًا) فَالْبُرُّ، وَالشَّعِيرُ، وَالتَّمْرُ، وَالْمِلْحُ مَكِيلَةً أَبَدًا لِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا فَلَا يَتَغَيَّرُ أَبَدًا فَيُشْتَرَطُ التَّسَاوِي بِالْكَيْلِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى التَّسَاوِي فِي الْوَزْنِ دُونَ الْكَيْلِ حَتَّى لَوْ بَاعَ حِنْطَةً بِحِنْطَةِ، وَزْنًا لَا كَيْلًا لَمْ يَجُزْ، وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ مَوْزُونَةٌ أَبَدًا لِلنَّصِّ عَلَى وَزْنِهِمَا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّسَاوِي فِي الْوَزْنِ حَتَّى لَوْ تَسَاوَى الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ كَيْلًا لَا وَزْنًا لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ لِأَنَّ طَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاجِبَةٌ عَلَيْنَا لِأَنَّ النَّصَّ أَقْوَى مِنْ الْعُرْفِ فَلَا يُتْرَكُ الْأَقْوَى بِالْأَدْنَى، وَمَا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَادَاتِ النَّاسِ لِأَنَّهَا دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْحُكْمِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ اعْتِبَارُهَا عَلَى خِلَافِ النَّصِّ لِأَنَّ النَّصَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إنَّمَا كَانَ لِلْعَادَةِ فَكَانَتْ هِيَ الْمَنْظُورَ إلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقَدْ تَبَدَّلَتْ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فِي الْحِنْطَةِ وَزْنًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالْفَتْوَى عَلَى الْجَوَازِ لِأَنَّ الشَّرْطَ كَوْنُهُ مَعْلُومًا، وَفِي الْكَافِي الْفَتْوَى عَلَى عَادَةِ النَّاسِ، وَالرِّطْلُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ إنَّهُ نِصْفٌ مَنٍّ، وَهُوَ مَا يُوزَنُ بِهِ
ــ
[منحة الخالق]
وَكَذَا يَجُوزُ بَيْعُ إنَاءٍ مِنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ إلَخْ) سَيَذْكُرُ عَنْ الْخَانِيَّةِ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَالْفَلْسُ بِالْفَلْسَيْنِ مَا يُفِيدُ تَقْيِيدَهُ بِمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْإِنَاءُ لَا يُبَاعُ وَزْنًا، وَإِلَّا تُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْوَزْنِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِهِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ) أَيْ بِخِلَافِ بَيْعِ الْإِنَاءِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ بِمِثْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ يَدًا بِيَدٍ وَأَحَدُهُمَا أَثْقَلُ (قَوْلُهُ وَأَمَّا إسْلَامُ الْفُلُوسِ فِي الْمَوْزُونِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَتْ كَاسِدَةً لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا وَزْنِيَّةٌ حِينَئِذٍ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي الْفَتْحِ، وَإِنْ كَانَتْ رَائِجَةً يَجُوزُ لِأَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَجْرَوْهَا مَجْرَى النُّقُودِ حَتَّى أَوْجَبُوا الزَّكَاةَ فِيهَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي الْإِسْبِيجَابِيِّ، وَهَذَا يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ.
[بَيْعُ الْمَكِيلِ كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ وَالْمَوْزُونِ كَالنَّقْدَيْنِ]
(قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ اعْتِبَارُهَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَالَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا فَاسْتِقْرَاضُ الدَّرَاهِمِ عَدَدًا، وَبَيْعُ الدَّقِيقِ وَزْنًا عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي زَمَانِنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ اهـ.
أَيْ بَيْعُهُ بِمِثْلِهِ وَزْنًا، وَظَاهِرُ مَا فِي الْفَتْحِ يُفِيدُ تَرْجِيحَهَا. اهـ.
وَقَوْلُهُ أَيْ بَيْعُهُ بِمِثْلِهِ تَقْيِيدٌ اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ بَيْعِهِ بِالدَّرَاهِمِ مِثْلًا فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَزْنًا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا ثَبَتَ كَيْلُهُ بِالنَّصِّ إذَا بِيعَ وَزْنًا بِالدَّرَاهِمِ يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ مَا ثَبَتَ وَزْنُهُ بِالنَّصِّ. اهـ.
وَقَوْلُهُ وَظَاهِرُ مَا فِي الْفَتْحِ إلَخْ أَيْ حَيْثُ انْتَصَرَ لِأَبِي يُوسُفَ وَرَدَّ مَا أَوْرَدَهُ عَلَى تَعْلِيلِهِ (قَوْلُهُ وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فِي الْحِنْطَةِ وَزْنًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ ثُمَّ مُقْتَضَى مَا قَالَا امْتِنَاعُ السَّلَمِ فِي الْحِنْطَةِ وَزْنًا، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ الْجَوَازَ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَعْلُومٌ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقَوْلُهُ فِي الْكَافِي الْفَتْوَى عَلَى عَادَةِ النَّاسِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَوْ اعْتَادُوا أَنْ يُسْلِمُوا فِيهَا كَيْلًا، وَأَسْلَمَ وَزْنًا لَا يَجُوزُ
стр. 2046
وَفِي النِّهَايَةِ إنَّهُ اثْنَا عَشَرَ أُوقِيَّةً.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ الرِّطْلُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَوَزْنُ سَبْعَةٍ، وَفِي الْمُغْرِبِ الرِّطْلُ مَا يُوزَنُ بِهِ أَوْ يُكَالُ بِهِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ثُمَّ الرِّطْلُ، وَالْأُوقِيَّةُ مُخْتَلِفٌ فِيهِمَا عُرْفُ الْأَمْصَارِ، وَيَخْتَلِفُ فِي الْمِصْرِ الْوَاحِدِ أَمْرُ الْمَبِيعَاتِ فَالرِّطْلُ الْآنَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ثَلَاثُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَاثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا كُلُّ عَشَرَةٍ، وَزْنُ سَبْعَةٍ، وَفِي مِصْرَ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ، وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَفِي الشَّامِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْثَالِهِ، وَفِي حَلَبَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَتَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ لَهُ تَفْسِيرٌ لِلرِّطْلِ الْعِرَاقِيِّ الَّذِي قَدَّرَ بِهِ الْفُقَهَاءُ كَيْلَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَغَيْرِهَا مِنْ الْكَفَّارَاتِ. اهـ.
وَفَسَّرَ فِي الْهِدَايَةِ مَا يُنْسَبُ إلَى الرِّطْلِ بِمَا يُبَاعُ بِالْأَوَاقِيِ، وَفَسَّرَهُ قَاضِي خَانْ أَيْضًا فَقَالَ وَتَفْسِيرُهُ أَنَّ مَا يُبَاعُ بِالْأَوَاقِيِ فَهُوَ وَزْنِيٌّ لِأَنَّهَا قُدِّرَتْ بِطَرِيقِ الْوَزْنِ، وَصَارَتْ وَزْنِيَّةً أَمَّا سَائِرُ الْمَكَايِيلِ مَا قُدِّرَتْ بِالْوَزْنِ فَلَا يَكُونُ وَزْنِيًّا اهـ.
حَتَّى يُحْسَبَ مَا يُبَاعُ وَزْنًا، وَهَذَا لِأَنَّهُ يَشُقُّ وَزْنُ الدُّهْنِ بِالْأَمْنَاءِ وَالصَّنَجَاتِ لِعَدَمِ الِاسْتِمْسَاكِ إلَّا فِي وِعَاءٍ، وَفِي وَزْنِ كُلِّ وِعَاءٍ نَوْعُ حَرَجٍ فَاتُّخِذَ الرِّطْلُ لِذَلِكَ، وَالْأَوَاقِي جَمْعُ أُوقِيَّةٍ بِالتَّشْدِيدِ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَوَاعِينُ مَعْلُومَاتُ الْوَزْنِ.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ فَإِذَا كَانَ مَوْزُونًا فَلَوْ بِيعَ بِمِكْيَالٍ لَا يُعْرَفُ وَزْنُهُ بِمِكْيَالٍ مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ كَانَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ لِتَوَهُّمِ الْفَضْلِ فِي الْوَزْنِ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَازَفَةِ، وَفِي التَّبْيِينِ، وَهَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّ الشَّيْئَيْنِ إذَا تَسَاوَيَا فِي كَيْلٍ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي كَيْلٍ آخَرَ، وَلَا تَأْثِيرَ لِكَوْنِ الْكَيْلِ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا فِي ذَلِكَ إذْ لَا يَخْتَلِفُ ثِقَلُهُ فِيهِمَا، وَفِي النِّهَايَةِ قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ فَائِدَةُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ بَاعَ مَا يُنْسَبُ إلَى الرِّطْلِ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا فِي الْكَيْلِ مُتَسَاوِيًا فِي الْوَزْنِ يَجُوزُ، وَهَذَا أَحْسَنُ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَوْزُونَاتِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إلَّا الْوَزْنُ غَيْرَ أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالْأَوَاقِيِ أَيْضًا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَيْلٍ وَكِيلٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَلَا يَنْدَفِعُ هَذَا الْإِشْكَالُ إلَّا إذَا مُنِعَ الْجَوَازُ فِي الْكَيْلِ اهـ.
قَوْلُهُ (وَجَيِّدُهُ كَرَدِيئِهِ) أَيْ جَيِّدُ مَا جُعِلَ فِيهِ الرِّبَا كَرَدِيئِهِ حَتَّى لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ مُتَفَاضِلًا لِقَوْلِهِ ﵇ جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ، وَفِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ غَرِيبٌ، وَمَعْنَاهُ يُؤْخَذُ مِنْ إطْلَاقِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَوْ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يُعَدُّ تَفَاوُتًا عُرْفًا، وَلِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ سَدَّ بَابِ الْبِيَاعَاتِ قُيِّدَ بِمَالِ الرِّبَا لِأَنَّ الْجَوْدَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ فَإِذَا أُتْلِفَ جَيِّدٌ أَلْزَمَهُ مِثْلَهُ قَدْرًا وَجَوْدَةً إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَقِيمَتَهُ جَيِّدًا إنْ كَانَ قِيَمِيًّا، وَلَكِنْ لَا تُسْتَحَقُّ بِإِطْلَاقِ عَقْدِ الْبَيْعِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً أَوْ شَيْئًا فَوَجَدَهُ رَدِيئًا بِلَا عَيْبٍ لَا يَرُدُّهُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ الصَّرْفِ، وَقَدَّمْنَاهُ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ، وَتُعْتَبَرُ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ فَلَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ بَيْعُ قَفِيزِ حِنْطَةٍ جَيِّدَةٍ بِقَفِيزٍ رَدِيءٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ فِي مَالِ الْوَقْفِ لِأَنَّهُ كَالْيَتِيمِ، وَقَدْ كَتَبْنَا فِي الْفَوَائِدِ أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ فِي أَرْبَعَةٍ هَذَانِ، وَفِي حَقِّ الْمَرِيضِ حَتَّى تَنْفُذَ مِنْ الثُّلُثِ، وَفِي الرَّهْنِ الْقَلْبُ إذَا انْكَسَرَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، وَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ ذَهَبًا، وَيَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ (وَيُعْتَبَرُ التَّعْيِينُ دُونَ التَّقَابُضِ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ مِنْ الرِّبَوِيَّاتِ) لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مُتَعَيِّنٌ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ كَغَيْرِ مَالِ الرِّبَا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ بِخِلَافِ الصَّرْفِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ إلَّا بِالْقَبْضِ فَاشْتُرِطَ فِيهِ لِيَتَعَيَّنَ، وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ فِي الْحَدِيثِ التَّعْيِينُ، وَهُوَ فِي النَّقْدَيْنِ بِالْقَبْضِ، وَفِي غَيْرِهِمَا بِالتَّعْيِينِ فَلَمْ يَلْزَمْ الْجَمْعُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ الْقَبْضُ فِي الْمَصُوغِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ خِلْقَتِهِ، وَبَيَانُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ بِقَوْلِهِ، وَإِذَا تَبَايَعَا كَيْلِيًّا أَوْ وَزْنِيًّا بِوَزْنِيٍّ كِلَاهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ كِلَاهُمَا عَيْنًا أُضِيفَ إلَيْهِ الْعَقْدُ، وَهُوَ حَاضِرٌ أَوْ غَائِبٌ بَعْد أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي مِلْكِهِ، وَالتَّقَابُضُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ بِالْأَبْدَانِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِهِ إلَّا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَيْنًا أُضِيفَ إلَيْهِ الْعَقْدُ، وَالْآخَرُ دَيْنًا مَوْصُوفًا فِي
ــ
[منحة الخالق]
وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ بَلْ إذَا اتَّفَقَا عَلَى مَعْرِفَةِ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لِوُجُودِ الْمُصَحَّحِ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَفَسَّرَ فِي الْهِدَايَةِ مَا يُنْسَبُ إلَى الرِّطْلِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فَعَلَى هَذَا الزَّيْتُ وَالسَّمْنُ وَالْعَسَلُ وَنَحْوُهَا مَوْزُونَاتٌ وَإِنْ كِيلَتْ بِالْمَوَاعِينِ لِاعْتِبَارِ الْوَزْنِ فِيهَا (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَوَاعِينُ إلَخْ) نَظِيرُهُ فِي عُرْفِنَا الْحِقَاقَ الَّتِي يُبَاعُ بِهَا الزَّيْتُ فَإِنَّ الْحِقَّ اسْمٌ لِمَا يَسَعُ وَزْنًا مَعْلُومًا فَيُكَالُ الزَّيْتُ بِالْحِقَاقِ وَيُحْسَبُ بِالْأَرْطَالِ، وَهَذَا مَعْنَى نِسْبَتِهِ إلَى الرِّطْلِ وَحِينَئِذٍ فَالْحِقُّ يُسَمَّى أُوقِيَّةً (قَوْلُهُ وَفِي التَّبْيِينِ، وَهَذَا مُشْكِلٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْفَتْحِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْفِضَّةَ بِجِنْسِهَا فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ جَازَ لِانْتِفَاءِ احْتِمَالِ التَّفَاضُلِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ادَّعَاهُ الشَّارِحُ، وَعَنْ الصَّيْرَفِيَّةِ أَيْضًا لَوْ تَبَايَعَا تِبْرًا بِذَهَبٍ مَضْرُوبٍ كِفَّةً بِكِفَّةٍ
стр. 2047
الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ جُعِلَ الدَّيْنُ مِنْهُمَا ثَمَنًا، وَالْعَيْنَ مَبِيعًا جَازَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ أَنْ يَتَعَيَّنَ الدَّيْنُ مِنْهُمَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ، وَإِنْ جُعِلَ الدَّيْنُ مِنْهُمَا مَبِيعًا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ أَحْضَرَهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَاَلَّذِي ذُكِرَ فِيهِ الْبَاءُ ثَمَنٌ، وَمَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْبَاءُ مَبِيعٌ، وَبَيَانُهُ إذَا قَالَ بِعْت هَذِهِ الْحِنْطَةَ عَلَى أَنَّهَا قَفِيزٌ بِقَفِيزٍ حِنْطَةً جَيِّدَةً أَوْ قَالَ بِعْت مِنْك هَذِهِ الْحِنْطَةَ عَلَى أَنَّهَا قَفِيزٌ بِقَفِيزٍ مِنْ شَعِيرٍ جَيِّدٍ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعَيْنَ مِنْهُمَا مَبِيعًا، وَالدَّيْنَ الْمَوْصُوفَ ثَمَنًا، وَلَكِنْ قَبْضُ الدَّيْنِ مِنْهُمَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ شَرْطٌ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ جَوَازِ هَذَا الْبَيْعِ أَنْ يَحْصُلَ الِافْتِرَاقُ عَنْ عَيْنٍ بِعَيْنٍ، وَمَا كَانَ دَيْنًا لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَلَوْ قَبَضَ الدَّيْنَ مِنْهُمَا ثُمَّ تَفَرَّقَا جَازَ الْبَيْعُ قَبَضَ الْعَيْنَ مِنْهُمَا أَوْ لَمْ يَقْبِضْ، وَلَوْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك قَفِيزَ حِنْطَةٍ جَيِّدَةٍ بِهَذَا الْقَفِيزِ مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك قَفِيزَيْ شَعِيرٍ جَيِّدٍ بِهَذَا الْقَفِيزِ مِنْ الْحِنْطَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ أَحْضَرَ الدَّيْنَ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الدَّيْنَ مَبِيعًا فَصَارَ بَائِعًا مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ اهـ.
قَوْلُهُ (وَصَحَّ بَيْعُ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ وَالتُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَتَيْنِ، وَالْبَيْضَةِ بِالْبَيْضَتَيْنِ، وَالْجَوْزَةِ بِالْجَوْزَتَيْنِ، وَالتَّمْرَةِ بِالتَّمْرَتَيْنِ) لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَكِيلًا وَلَا مَوْزُونًا فَانْعَدَمَتْ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ، وَهِيَ الْقَدْرُ فَجَازَ التَّفَاضُلُ سَوَاءٌ كَانَ بِضِعْفِ الْآخَرِ أَوْ بِأَضْعَافِهِ حَيْثُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَمَّا التُّفَّاحَةُ وَالْبَيْضَةُ وَالْجَوْزَةُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْحَفْنَةُ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فَالْمُرَادُ بِهَا مَا دُونَ نِصْفِ صَاعٍ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِي الشَّرْعِ بِمَا دُونَهُ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَلَا بُدَّ أَنْ لَا يُوجَدَ نِصْفُ الصَّاعِ فَلَوْ بَاعَ مَا دُونَ نِصْفِ صَاعٍ بِنِصْفِ صَاعِ لَمْ يَجُزْ لِوُجُودِ الْعِيَارِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَتَحَقَّقَتْ الشُّبْهَةُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَزْنِ كَالذَّرَّةِ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ بِمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ جَائِزٌ لِعَدَمِ التَّقْدِيرِ شَرْعًا إذْ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَزْنِ، قَيَّدَ بِالتَّفَاضُلِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّسَاءُ لِوُجُودِ الْجِنْسِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَوْلُهُمْ لَا تَقْدِيرَ فِي الشَّرْعِ بِمَا دُونَ نِصْفِ الصَّاعِ يُعْرَفُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ وُضِعَتْ مَكَايِيلُ أَصْغَرُ مِنْ نِصْفِ الصَّاعِ لَا يُعْتَبَرُ التَّفَاضُلُ بِهَا، وَفِي جَمْعِ التَّفَارِيقِ لَا رِوَايَةَ فِي الْحَفْنَةِ بِالْقَفِيزِ، وَاللُّبِّ بِالْجَوْزِ، وَالصَّحِيحُ ثُبُوتُ الرِّبَا، وَلَا يَسْكُنُ الْخَاطِرُ إلَى هَذَا بَلْ يَجِبُ بَعْدَ التَّعْلِيلِ بِالْقَصْدِ إلَى صِيَانَةِ أَمْوَالِ النَّاسِ تَحْرِيمُ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَتَيْنِ، وَالْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ أَمَّا إنْ كَانَتْ مَكَايِيلَ أَصْغَرَ مِنْهَا كَمَا فِي دِيَارِنَا مِنْ وَضْعِ رُبُعِ الْقَدَحِ وَثُمُنِ الْقَدَحِ الْمِصْرِيِّ فَلَا شَكَّ، وَكَوْنُ الشَّرْعِ لَمْ يُقَدِّرْ بَعْضَ الْمُقَدَّرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالْكَفَّارَاتِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ بِأَقَلَّ مِنْهُ لَا يَسْتَلْزِمُ إهْدَارَ التَّفَاوُتِ الْمُتَيَقَّنِ بَلْ لَا يَحِلُّ بَعْدَ تَيَقُّنِ التَّفَاضُلِ مَعَ تَيَقُّنِ تَحْرِيمِ إهْدَارِهِ.
وَلَقَدْ أَعْجَبُ غَايَةَ الْعَجَبِ مِنْ كَلَامِهِمْ هَذَا، وَرَوَى الْمُعَلَّى عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَرِهَ التَّمْرَةَ بِالتَّمْرَتَيْنِ، وَقَالَ كُلُّ شَيْءٍ حَرُمَ فِي الْكَثِيرِ فَالْقَلِيلُ مِنْهُ حَرَامٌ. اهـ.
وَأَمَّا ضَمَانُ الْحَفْنَةِ فَبِالْقِيمَةِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ لَا بِالْمِثْلِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ أَمَّا فِيهِ كَالْجَوْزِ فَكَلَامُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْجَوْزَةَ مِثْلُ الْجَوْزَةِ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ، وَكَذَا التَّمْرَةُ بِالتَّمْرَةِ لَا فِي حُكْمِ الرِّبَا، وَمِنْ فُرُوعِ الضَّمَانِ لَوْ غَصَبَ حَفْنَةً فَعَفِنَتْ عِنْدَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهَا فَإِنْ أَبَى إلَّا أَنْ يَأْخُذَ عَيْنَهَا أَخَذَهَا، وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْفَسَادِ الَّذِي حَصَلَ لَهَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَلَا بَأْسَ بِالسَّمَكِ وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يُوزَنُ، وَإِنْ كَانَ جِنْسٌ مِنْهُ يُوزَنُ فَلَا خَيْرَ فِيمَا يُوزَنُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ اهـ.
ثُمَّ قَالَ فِيهَا بَاعَ إنَاءً مِنْ حَدِيدٍ بِحَدِيدٍ إنْ كَانَ الْإِنَاءُ يُبَاعُ وَزْنًا تُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْوَزْنِ، وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْإِنَاءُ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ صُفْرٍ بَاعَهُ بِصُفْرٍ اهـ.
قَوْلُهُ (وَالْفَلْسُ بِالْفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا) أَيْ وَصَحَّ بَيْعُ الْفَلْسِ الْمُعَيَّنِ بِفَلْسَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ عِنْدَهُمَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْفُلُوسَ الرَّائِجَةَ أَثْمَانٌ، وَهُوَ لَا يَتَعَيَّنُ، وَلِذَا لَا تَتَعَيَّنُ الْفُلُوسُ إذَا قُوبِلَتْ بِخِلَافِ جِنْسِهَا كَالنَّقْدَيْنِ، وَلَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ بِهَلَاكِهَا فَإِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا أَوْ يَحْتَمِلُهُ بِأَنْ يَأْخُذَ بَائِعُ الْفَلْسِ الْفَلْسَيْنِ أَوَّلًا
ــ
[منحة الخالق]
لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يَعْلَمَا وَزْنَ الذَّهَبِ لِأَنَّهُ وَزْنِيٌّ، وَهَذَا يَشْهَدُ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ مُتَقَابِلَانِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ ثُبُوتُ الرِّبَا) هَذَا مُشْكِلٌ فِي اللُّبِّ بِالْجَوْزِ فَإِنَّ اللُّبَّ مَوْزُونٌ بِخِلَافِ الْجَوْزِ، وَانْظُرْ لِمَ لَمْ يُجْعَلْ مِثْلَ الزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ، وَقَدْ يُقَالُ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَالصَّحِيحُ ثُبُوتُ الرِّبَا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ فَإِنَّ لِقِشْرِهِ قِيمَةً، وَسَيَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ أَنَّ بَيْعَ الْجَوْزِ بِدُهْنِهِ، وَالتَّمْرَ بِنَوَاهُ مِثْلُ الزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ أَيْ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِالِاعْتِبَارِ فَتَأَمَّلْ وَرَاجِعْ. (قَوْلُهُ وَرَوَى الْمُعَلَّى إلَخْ) عَلَى هَذَا لَيْسَ مَا بَحَثَهُ مُخَالِفًا لِلْمَنْقُولِ بَلْ هُوَ تَرْجِيحٌ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ.
стр. 2048
فَيَرُدُّ أَحَدَهُمَا قَضَاءً لِدَيْنِهِ، وَيَأْخُذُ الْآخَرَ بِلَا عِوَضٍ فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا، وَلَهُمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ أَثْمَانًا خِلْقَةً، وَإِنَّمَا كَانَتْ ثَمَنًا بِالِاصْطِلَاحِ، وَقَدْ اصْطَلَحَا عَلَى إبْطَالِ الثَّمَنِيَّةِ فَتَبْطُلُ، وَإِنْ كَانَتْ ثَمَنًا عِنْدَ غَيْرِهِمَا لِبَقَاءِ اصْطِلَاحِهِمْ عَلَى ثَمَنِيَّتِهَا إذْ لَا وِلَايَةَ لِلْغَيْرِ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ النَّقْدَيْنِ لِأَنَّ الثَّمَنِيَّةَ فِيهِمَا بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ فَلَا تَبْطُلُ بِالِاصْطِلَاحِ فَإِذَا بَطَلَتْ الثَّمَنِيَّةُ تَعَيَّنَتْ فَلَا يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَأَوْرَدَ أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ إذَا بَطَلَتْ وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ التَّفَاضُلُ لِأَنَّ النُّحَاسَ مَوْزُونٌ، وَإِنَّمَا صَارَ مَعْدُودًا بِالِاصْطِلَاحِ عَلَى الثَّمَنِيَّةِ فَإِذَا بَطَلَتْ عَادَ إلَى أَصْلِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ اصْطِلَاحَهُمَا عَلَى الْعَدِّ لَمْ يَبْطُلْ، وَلَا يُلَازِمُهُ فَكَمْ مِنْ مَعْدُودٍ لَا يَكُونُ ثَمَنًا، وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّ كَوْنَهَا ثَمَنًا بَعْدَ الْكَسَادِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاصْطِلَاحِ الْكُلِّ فَكَذَا بُطْلَانُ الثَّمَنِيَّةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ اصْطِلَاحَهُمَا عَلَى بُطْلَانِ ثَمَنِيَّتِهَا مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ لِكَوْنِهَا عُرُوضًا بِخِلَافِ اصْطِلَاحِهِمَا عَلَى كَوْنِهَا ثَمَنًا بَعْدَ الْكَسَادِ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ وَلِرَأْيِ الْجَمِيعِ فَلَمْ يَصِحَّ، وَقَيَّدَ بِالتَّعْيِينِ لِأَنَّ الْفَلْسَ لَوْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، وَالْفَلْسَانِ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ، وَصُوَرُهَا أَرْبَعٌ مَا إذَا كَانَ الْكُلُّ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَإِنْ تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَمَا إذَا كَانَ الْفَلْسُ مُعَيَّنًا فَقَطْ، وَمَا إذَا كَانَا غَيْرَ مُعَيَّنَيْنِ فَقَطْ فَفِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا لَكِنْ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ لَوْ قَبَضَ مَا كَانَ دَيْنًا فِي الْمَجْلِسِ جَازَ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَمَحِلُّ الْخِلَافِ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ، وَأَصْلُ الْخِلَافِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْفَلْسَ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَيَتَعَيَّنُ عِنْدَهُمَا فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ وَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهَا، قَيَّدَ بِحِلِّ التَّفَاضُلِ لِأَنَّ النَّسَاءَ حَرَامٌ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي صَرْفِ الْأَصْلِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ التَّقَابُضَ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ.
وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ لَمْ يُصَحِّحْ مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِأَنَّ التَّقَابُضَ مَعَ الْعَيْنِيَّةِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّرْفِ، وَلَيْسَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَهُ لِأَنَّ لَهَا حُكْمَ الْعُرُوضِ مِنْ وَجْهٍ، وَحُكْمَ الثَّمَنِ مِنْ وَجْهٍ فَجَازَ التَّفَاضُلُ لِلْأَوَّلِ، وَاشْتِرَاطُ التَّقَابُضِ لِلثَّانِي عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. اهـ.
وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ خُصُوصَ بَيْعِ الْفَلْسِ بِالْفَلْسَيْنِ بَلْ بَيَانَ حِلِّ التَّفَاضُلِ حَتَّى لَوْ بَاعَ فَلْسًا بِمِائَةٍ عَلَى التَّعْيِينِ جَازَ عِنْدَهُمَا
(تَتِمَّةٌ) فِي أَحْكَامِ الْفُلُوسِ فِي الْمُحِيطِ لَوْ بَاعَ الْفُلُوسَ بِالْفُلُوسِ أَوْ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ بِالدَّنَانِيرِ فَنَقَدَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ جَازَ، وَإِنْ افْتَرَقَا لَا عَنْ قَبْضِ أَحَدِهِمَا جَازَ، وَلَوْ اشْتَرَى مِائَةَ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ فَقَبَضَ الدِّرْهَمَ، وَلَمْ يَقْبِضْ الْفُلُوسَ حَتَّى كَسَدَتْ لَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ قِيَاسًا، وَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي إنْ شَاءَ قَبَضَهَا كَاسِدَةً، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ، وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ كَسَادَهَا بِمَنْزِلَةِ الْهَلَاكِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الرَّوَاجُ فَهُوَ لَهَا كَالْحَيَاةِ، وَلَوْ قَبَضَ مِنْهَا خَمْسِينَ ثُمَّ كَسَدَتْ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي النِّصْفِ وَرَدَّ نِصْفَ دِرْهَمٍ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ، وَلَوْ رَخُصَتْ لَمْ يَبْطُلْ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، وَلَوْ كَسَدَتْ الْفُلُوسُ الثَّمَنَ قَبْلَ قَبْضِهَا بَطَلَ الْبَيْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَفْسُدُ، وَيَجِبُ قِيمَتُهَا، وَلَوْ كَسَدَتْ أَفْلُسُ الْقَرْضِ فَعَلَيْهِ مِثْلُهَا عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا قِيمَتُهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَكَذَا لَوْ غَصَبَ، وَاسْتَهْلَكَ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَوْمَ الْكَسَادِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهَا يَوْمَ الِانْقِطَاعِ مِنْ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَلَوْ اشْتَرَى فُلُوسًا، وَتَقَابَضَا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، وَتَفَرَّقَا عَلَى ذَلِكَ فَسَدَ الْبَيْعُ لِأَنَّ الْخِيَارَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَبْضِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بِالْخِيَارِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ الْخِيَارَ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهُ فِي الْمَبِيعِ فَوُجِدَ الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ فِي أَحَدِهِمَا، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْخِيَارَ يُؤَثِّرُ فِي الْجَانِبَيْنِ فَيَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَبْضِ، وَإِنْ بَاعَ فَلْسًا بِعَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ يَجُوزُ اهـ. مَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ بَابِ بَيْعِ الْفُلُوسِ، وَاسْتِقْرَاضِهَا.
قَوْلُهُ (
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ اصْطِلَاحَهُمَا عَلَى بُطْلَانِ ثَمَنِيَّتِهَا إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ اصْطِلَاحَ الْبَعْضِ عَلَى شَيْءٍ مُوَافِقٍ لِلْأَصْلِ فِيهِ يُعْتَبَرُ، وَإِنْ خَالَفَ اصْطِلَاحِ الْجَمِيعِ (قَوْلُهُ تَتِمَّةٌ فِي أَحْكَامِ الْفُلُوسِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَحْثٍ فِي أَحْكَامِ الْفُلُوسِ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ (قَوْلُهُ وَإِنْ افْتَرَقَا لَا عَنْ قَبْضِ أَحَدِهِمَا جَازَ) قَالَ الرَّمْلِيُّ صَوَابُهُ لَا يَجُوزُ.
стр. 2049
وَاللَّحْمُ بِالْحَيَوَانِ) أَيْ وَصَحَّ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ إلَّا إذَا كَانَ اللَّحْمُ الْمُفْرَزُ أَكْثَرَ مِنْ اللَّحْمِ الَّذِي فِي الْحَيَوَانِ لِيَكُونَ اللَّحْمُ بِمُقَابَلَةِ مَا فِيهِ، وَالْبَاقِي مِنْ اللَّحْمِ بِمُقَابِلِهِ السَّقَطُ، وَهُوَ بِفَتْحَتَيْنِ مَا لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّحْمِ كَالْجِلْدِ، وَالْكِرْشِ، وَالْأَمْعَاءِ، وَالطِّحَالِ، وَصَارَ كَالْحَلِّ، وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ دُهْنُ السِّمْسِمِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ بَاعَ الْمَوْزُونَ بِمَا لَيْسَ بِمَوْزُونٍ فَصَارَ كَبَيْعِ السَّيْفِ بِالْحَدِيدِ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يُوزَنُ عَادَةً، وَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ثِقَلِهِ بِالْوَزْنِ بِخِلَافِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ الْوَزْنَ فِي الْحَلِّ يُعَرِّفُ قَدْرَ الدُّهْنِ إذَا مِيزَ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ، وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ نَسِيئَةً لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرَ مِنْهُمَا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ لَا لِأَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا بِيعَ بِغَيْرِهِ مِنْ خِلَافِ الْجِنْسِ أَيْضًا. اهـ.
وَلَوْ بَاعَ شَاةً مَذْبُوحَةً بِشَاةٍ حَيَّةٍ يَجُوزُ عِنْدَ الْكُلِّ، وَعَلَى هَذَا شَاتَانِ مَذْبُوحَتَانِ غَيْرُ مَسْلُوخَتَيْنِ بِشَاةٍ مَذْبُوحَةٍ لَمْ تُسْلَخْ يَجُوزُ، وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لَوْ كَانَتْ الشَّاةُ مَذْبُوحَةً غَيْرَ مَسْلُوخَةٍ فَاشْتَرَاهَا بِلَحْمِ الشَّاةِ فَالْجَوَابُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ، وَأَرَادَ بِغَيْرِ الْمَسْلُوخَةِ غَيْرَ الْمَفْصُولَةِ عَنْ السَّقَطِ، وَفِي الْحَاوِي لَوْ بَاعَ شَاةً فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ بِجِنْسِ لَبَنِهَا فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي فِي اللَّحْمِ.
قَوْلُهُ (وَالْكِرْبَاسُ بِالْقُطْنِ، وَكَذَا بِالْغَزْلِ كَيْفَمَا كَانَ) أَيْ صَحَّ لِاخْتِلَافِهِمَا جِنْسًا لِأَنَّ الثَّوْبَ لَا يُنْقَضُ لِيَعُودَ غَزْلًا أَوْ قُطْنًا، وَالْكِرْبَاسُ الثِّيَابُ مِنْ اللَّحْمِ، وَالْجَمْعُ كَرَابِيسُ، وَإِلَيْهَا يُنْسَبُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ بِاعْتِبَارِ بَيْعِهَا.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْقُطْنَ الْمَحْلُوجَ بِغَزْلٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجُوزُ إلَّا مُتَسَاوِيًا، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ أَظْهَرُ، وَفِي الْحَاوِي وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَلَوْ بَاعَ الْمَحْلُوجَ بِغَيْرِ الْمَحْلُوجِ جَازَ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْخَالِصَ أَكْثَرُ مِمَّا فِي الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي لَا يَجُوزُ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ الْقُطْنَ غَيْرَ الْمَحْلُوجِ بِحَبِّ الْقُطْنِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْحَبُّ الْخَالِصُ أَكْثَرَ مِنْ الْحَبِّ الَّذِي فِي الْقُطْنِ حَتَّى يَكُونَ قَدْرُهُ مُقَابِلًا بِهِ، وَالزَّائِدُ بِالْقُطْنِ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ شَاةً عَلَى ظَهْرِهَا صُوفٌ أَوْ فِي ضَرْعُهَا لَبَنٌ بِصُوفٍ أَوْ لَبَنٍ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الصُّوفُ أَوْ اللَّبَنُ أَكْثَرَ مِمَّا عَلَى الشَّاةِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى، وَهُوَ نَظِيرُ بَيْعِ الزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ.
قَوْلُهُ (وَالرُّطَبُ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ مُتَمَاثِلًا، وَالْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ) أَيْ مُتَمَاثِلًا أَيْضًا أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ الْبَاقُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا لَا يَجُوزُ، وَدَلِيلُ الْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ ﷺ «حِين سُئِلَ عَنْهُ أَيَنْقُصُ إذَا جَفَّ فَقِيلَ نَعَمْ فَقَالَ لَا إذَنْ» رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ، وَالْأَرْبَعَةُ فِي السُّنَنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَلَهُ أَنَّ الرُّطَبَ تَمْرٌ لِقَوْلِهِ ﵊ حِينَ أُهْدِيَ إلَيْهِ رُطَبٌ أَوَ كُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا سَمَّاهُ تَمْرًا، وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْهَدِيَّةَ كَانَتْ تَمْرًا، وَتَبِعَهُ فِي الْبِنَايَةِ بِأَنَّ الثَّابِتَ فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهَا تَمْرٌ، وَلِأَنَّ الرُّطَبَ لَوْ كَانَ تَمْرًا جَازَ الْبَيْعُ بِأَوَّلِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ تَمْرٍ فَبِآخِرِهِ، وَهُوَ «إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» هَكَذَا اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ حِينَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ بَغْدَادَ، وَكَانُوا أَشِدَّاءَ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْخَبَرَ، وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِهِمْ بِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى زَيْدِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ، وَفِي الْهِدَايَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ النَّقَلَةِ، وَتَعَقَّبَهُ فِي الْبِنَايَةِ بِأَنَّهُ ثِقَةٌ عِنْدَ النَّقَلَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَيَّاشٍ مَجْهُولٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ ابْنَ عَيَّاشٍ هَذَا مَوْلًى لِبَنِي زُهْرَةَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ، وَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ مَعَ شِدَّةِ تَحَرِّيهِ فِي الرِّجَالِ، وَنَقَدَهُ، وَتَتَبُّعِهِ لِأَحْوَالِهِمْ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ النَّقْلِ عَلَى أَمَانَةِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَأَنَّهُ مُحْكِمٌ لِمَا يَرْوِيهِ اهـ.
قَالَ الْحَاكِمُ قَالَ الْأَكْمَلُ سَلَّمْنَا قُوَّتَهُ فِي الْحَدِيثِ، وَلَكِنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ لَا يُعَارَضُ
ــ
[منحة الخالق]
[بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ]
(قَوْلُهُ وَفِي الْحَاوِي لَوْ بَاعَ شَاةً إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَالْمَذْكُورُ فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ شَاةً عَلَى ظَهْرِهَا صُوفٌ أَوْ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ بِصُوفٍ أَوْ لَبَنٍ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الصُّوفُ وَاللَّبَنُ أَكْثَرَ مِمَّا عَلَى الشَّاةِ، وَفِي السِّرَاجِ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ بِشَاةٍ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ إلَّا عَلَى وَجْهِ الِاعْتِبَارِ فَمَا فِي الْحَاوِي ضَعِيفٌ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ بَاعَ الْمَحْلُوجَ بِغَيْرِ الْمَحْلُوجِ جَازَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ بَيْعُ قُطْنِ الْمَحْلُوجِ بِالْقُطْنِ الَّذِي فِيهِ حَبٌّ لَا يَجُوزُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْحَبِّ، وَكَذَا بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ الْمَشْقُوقِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ» الْحَدِيثَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ. اهـ. وَهُوَ كَمَا تَرَاهُ مُخَالِفٌ لِمَا هُنَا فَتَأَمَّلْ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا هُنَا أَظْهَرُ.
стр. 2050
بِهِ الْمَشْهُورُ، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَوْلُهُ وَمَدَارُ مَا رَوَيَاهُ عَلَى زَيْدِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ زَيْدٌ أَبُو عَيَّاشٍ وَرَدَّهُ فِي الْبِنَايَةِ بِأَنَّهُ، وَهَمَ فِيهِ لِأَنَّهُ ابْنُ عَيَّاشٍ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَيَّاشٍ، وَكَذَلِكَ، وَهَمَ فِيهِ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ التُّرْكُمَانِيُّ هَكَذَا، وَقَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ زَيْدُ بْنُ عَيَّاشٍ أَبُو عَيَّاشٍ الزَّلَّانِيُّ، وَيُقَالُ الْمَخْزُومِيُّ، وَيُقَالُ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ، وَالْمَدَنِيُّ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. اهـ.
، وَفِي الْعِنَايَةِ، وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ التَّرْدِيدَ الْمَذْكُورَ يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ لِأَنَّ الْمَقْلِيَّةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ حِنْطَةً فَيَجُوزُ بِأَوَّلِ الْحَدِيثِ أَوْ لَا فَيَجُوزُ بِآخِرِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ كَلَامٌ حَسَنٌ فِي الْمُنَاظَرَةِ لِدَفْعِ شَغَبِ الْخَصْمِ، وَالْحُجَّةُ لَا تَتِمُّ بِهِ بَلْ بِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ التَّمْرِ عَلَيْهِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ التَّمْرَ اسْمٌ لِثَمَرَةٍ خَارِجَةٍ مِنْ النَّخْلَةِ مِنْ حَيْثُ تَنْعَقِدُ صُورَتُهَا إلَى أَنْ تُدْرِكَ، وَالرُّطَبُ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنْهُ كَالْبَرْنِيِّ، وَغَيْرِهِ اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ رَدَّ تَرْدِيدَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ تَمْرًا أَوْ لَا بِأَنَّ هُنَا قِسْمًا ثَالِثًا، وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْ الْجِنْسِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْآخَرِ كَالْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ لِعَدَمِ تَسْوِيَةِ الْكَيْلِ بَيْنَهُمَا فَكَذَا الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ لَا يُسَوِّيهِمَا الْكَيْلُ، وَإِنَّمَا يُسَوِّي فِي حَالِ اعْتِدَالِ الْبَدَلَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يَجِفَّ الْآخَرُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَمْنَعُهُ، وَيَعْتَبِرُ التَّسَاوِي فِي حَالِ الْعَقْدِ وَعُرُوضِ النَّقْصِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مَعَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْحَالِ إذَا كَانَ مُوجِبُهُ أَمْرًا خِلْقِيَّا، وَهُوَ زِيَادَةُ الرُّطُوبَةِ بِخِلَافِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِهَا فَإِنَّا فِي الْحَالِ نَحْكُمُ بِعَدَمِ التَّسَاوِي لِاكْتِنَازِ أَحَدِهِمَا فِي الْكَيْلِ بِخِلَافِ الْآخَرِ لِتَخَلُّلِ كَثِيرٍ، وَأُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَيَّاشٍ أَيْضًا بِأَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنْهُ نَسِيئَةً فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَبِي عَيَّاشٍ هَذَا زِيَادَةٌ نَسِيئَةً كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةً» ، وَبِهَذَا اللَّفْظِ رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَسَكَتَ عَنْهُ، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ بَعْدَ صِحَّتِهَا يَجِبُ قَبُولُهَا لِأَنَّ الْمَذْهَبَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ قَبُولُهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ لَمْ يَرَوْهَا إلَّا فِي زِيَادَةٍ تَفَرَّدَ بِهَا بَعْضُ الْحَاضِرِينَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَمِثْلُهُمْ لَا يَغْفُلُ عَنْ مِثْلِهَا فَإِنَّهَا مَرْدُودَةٌ لَكِنْ يَبْقَى قَوْلُهُ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ عَرِيًّا عَنْ الْفَائِدَةِ إذَا كَانَ النَّهْيُ عَنْهُ نَسِيئَةً، وَمَا ذَكَرُوا أَنَّ فَائِدَتَهُ أَنَّ الرُّطَبَ يَنْقُصُ إلَى أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ فَلَا يَكُونُ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ مَنْفَعَةٌ لِلْيَتِيمِ بِاعْتِبَارِ النُّقْصَانِ عِنْدَ الْجَفَافِ فَمَنْعُهُ شَفَقَةً مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ السَّائِلَ كَانَ وَلِيَّ يَتِيمٍ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ اهـ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَلَوْ بَاعَ الثِّمَارَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ مُجَازَفَةً لَمْ يَجُزْ إلَّا إذَا كَانَ كَيْلًا وَعَرَفَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْكَيْلِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ ثَمَرٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ اقْتَسَمَاهُ مُجَازَفَةً لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ إلَّا إذَا عُلِمَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْكَيْلِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَلَوْ بِيعَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَزْنًا مُتَسَاوِيًا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ التَّسْوِيَةِ الْكَيْلُ، وَلَا يُدْرَى ذَلِكَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُ النَّاسِ بِالْوَزْنِ يَصِيرُ وَزْنِيًّا، وَيَجُوزُ، وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي وَزْنًا، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ كَيْلِيًّا، وَأَمَّا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ فَلِمَا رَوَيْنَا أَنَّ اسْمَ التَّمْرِ يَتَنَاوَلُهُ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَوْ بَاعَ الْبُسْرَ بِالتَّمْرِ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ لِأَنَّهُ تَمْرٌ بِخِلَافِ الْكُفُرَّى حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَا شَاءَ مِنْ التَّمْرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَمْرٍ، وَلِذَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ، وَالْكُفَرَّى بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مَقْصُورًا اسْمٌ لِوِعَاءِ الطَّلْعِ، وَهُوَ كُمُّ النَّخْلِ أَوَّلَ مَا يَنْشَقُّ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ، وَهِيَ بَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ فَعَلَى الِاخْتِلَافِ السَّابِقِ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا كَالْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِهَا، وَالْمَطْبُوخَةِ بِغَيْرِ الْمَطْبُوخَةِ، وَلَوْ بَاعَ حِنْطَةً رَطْبَةً أَوْ مَبْلُولَةً أَوْ يَابِسَةً جَازَ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ تَمْرًا مُنْقَعًا أَوْ زَبِيبًا مُنْقَعًا بِتَمْرٍ مِثْلِهِ أَوْ زَبِيبٍ مِثْلِهِ أَوْ بِالْيَابِسِ مِنْهُمَا جَازَ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ.
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ بَعْدَ صِحَّتِهَا إلَخْ) عِبَارَةُ الْفَتْحِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ بَعْدَ صِحَّةِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ يَجِبُ قَبُولُهَا لِأَنَّ الْمَذْهَبَ الْمُخْتَارَ عِنْدَ الْمُحْدَثِينَ قَبُولُ الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ لَمْ يَرْوُوهَا إلَّا فِي زِيَادَةٍ تَفَرَّدَ بِهَا بَعْضُ الرُّوَاةِ الْحَاضِرِينَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدِ، وَمِثْلُهُمْ لَا يَغْفُلُ عَنْ مِثْلِهَا فَإِنَّهَا مَرْدُودَةٌ عَلَى مَا كَتَبْنَاهُ فِي تَحْرِيرِ الْأُصُولِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ زِيَادَةٌ لِمَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ اجْتَمَعُوا فِيهِ فَسَمِعَ هَذَا مَا لَمْ يَسْمَعْ الْمُشَارِكُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بِالسَّمَاعِ فَمَا لَمْ يَظْهَرْ أَنَّ الْحَالَ كَذَلِكَ فَالْأَصْلُ أَنَّهُ قَالَ فِي مَجَالِسَ ذَكَرَ فِي بَعْضِهَا مَا تَرَكَهُ فِي آخَرَ (قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا) وَعَلَيْهِ فَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ وَرَدَ بِإِطْلَاقِ اسْمِ التَّمْرِ عَلَى الرُّطَبِ، وَلَمْ يَرِدْ مِثْلُ هَذَا فِي الزَّبِيبِ فَافْتَرَقَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَذَكَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ أَُخْرَيَيْنِ فَقَالَ وَنَقَلَ الْقُدُورِيُّ فِي التَّقْرِيبِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ جَوَازَ بَيْعِ الزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا، وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَن أَنَّ عِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى الِاعْتِبَارِ لِأَنَّ الزَّبِيبَ مَوْجُودٌ فِي الْعِنَبِ فَصَارَ كَالزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ فَصَارَ فِي بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ اهـ. مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ وَلَوْ بَاعَ حِنْطَةً رَطْبَةً أَوْ مَبْلُولَةً أَوْ يَابِسَةً جَازَ) عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ، وَكَذَا بَيْعُ الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ أَوْ الْمَبْلُولَةِ بِمِثْلِهَا أَوْ بِالْيَابِسَةِ
стр. 2051
(قَوْلُهُ وَاللُّحُومُ الْمُخْتَلِفَةُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا، وَلَبَنُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَخَلُّ الدَّقَلِ بِخَلِّ الْعِنَبِ) لِأَنَّ أُصُولَهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ حَتَّى لَا يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ، وَأَسْمَاؤُهَا أَيْضًا مُخْتَلِفَةٌ بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ كَدَقِيقِ الشَّعِيرِ وَالْبُرِّ، وَالْمَقْصُودُ أَيْضًا يَخْتَلِفُ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الِاتِّحَادِ الْمَعْنَى الْخَاصُّ دُونَ الْعَامِّ، وَلَوْ اُعْتُبِرَ الْعَامُّ لَمَا جَازَ بَيْعُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ أَصْلًا، قَيَّدَ بِالْمُخْتَلِفَةِ لِأَنَّ غَيْرَهَا لَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا كَلَحْمِ الْبَقَرِ وَالْجَامُوسِ أَوْ لَبَنِهِمَا أَوْ لَحْمِ الْمَعْزِ وَالضَّأْنِ أَوْ لَبَنِهِمَا أَوْ لَحْمِ الْعِرَابِ، وَالْبَخَاتِيِّ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ بِدَلِيلِ الضَّمِّ فِي الزَّكَاةِ لِلتَّكْمِيلِ فَكَذَا أَجْزَاؤُهُمَا مَا لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَقْصُودُ كَشَعْرِ الْمَعْزِ، وَصُوفِ الضَّأْنِ أَوْ مَا يَتَبَدَّلُ بِالصَّنْعَةِ لِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ، وَلِذَا جَازَ بَيْعُ الْخُبْزِ بِالْحِنْطَةِ مُتَفَاضِلًا وَكَذَا بَيْعُ الزَّيْتِ الْمَطْبُوخِ بِغَيْرِ الْمَطْبُوخِ أَوْ الدُّهْنِ الْمُرَبَّى بِالْبَنَفْسَجِ بِغَيْرِ الْمُرَبَّى مِنْهُ مُتَفَاضِلًا وَإِنَّمَا جَازَ بَيْعُ لَحْمِ الطَّيْرِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لَمْ يَتَبَدَّلْ بِالصَّنْعَةِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَوْزُونٍ عَادَةً فَلَمْ يَكُنْ مِقْدَارًا فَلَمْ تُوجَدْ الْعِلَّةُ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ بِاخْتِلَافِ الْأَصْلِ أَوْ الْمَقْصُودِ أَوْ تَبَدُّلِ الصَّنْعَةِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ لُحُومِ الطَّيْرِ الدَّجَاجُ، وَالْإِوَزُّ فَإِنَّهُ يُوزَنُ فِي عَادَةِ دِيَارِ أَهْلِ مِصْرَ بِعَظْمِهِ، وَالدَّقَلُ رَدِيءُ التَّمْرِ، وَيَجُوزُ خَلُّ التَّمْرِ بِخَلِّ الْعِنَبِ مُتَفَاضِلًا، وَكَذَا عَصِيرُهُمَا لِاخْتِلَافِ أَصْلِهِمَا جِنْسًا، وَتَخْصِيصُ الدَّقَلِ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ لِأَنَّ الدَّقَلَ هُوَ الَّذِي كَانَ يُتَّخَذُ خَلًّا فِي الْعَادَةِ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْأُمُورِ ثَلَاثَةٌ اخْتِلَافُ الْأُصُولِ، وَاخْتِلَافُ الْمَقَاصِدِ، وَزِيَادَةُ الصَّنْعَةِ، وَمِنْهَا جَوَازُ بَيْعِ إنَاءٍ صُفْرٍ أَوْ حَدِيدٍ أَحَدُهُمَا أَثْقَلُ مِنْ الْآخَرِ، وَكَذَا قُمْقُمَةٌ بِقُمْقُمَتَيْنِ، وَإِبْرَةٌ بِإِبْرَتَيْنِ، وَخُوذَةٌ بِخُوذَتَيْنِ، وَسَيْفٌ بِسَيْفَيْنِ، وَدَوَاةٌ بِدَوَاتَيْنِ مَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَيَمْتَنِعُ التَّفَاضُلُ، وَإِنْ اصْطَلَحُوا بَعْدَ الصِّيَاغَةِ عَلَى تَرْكِ الْوَزْنِ، وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْعَدِّ، وَالصُّورَةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَوْلُهُ (وَشَحْمُ الْبَطْنِ بِالْأَلْيَةِ أَوْ بِاللَّحْمِ) أَيْ يَصِحُّ بَيْعُهَا مُتَفَاضِلًا وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا مِنْ الضَّأْنِ لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ لِاخْتِلَافِ الْأَسْمَاءِ، وَالصُّوَرِ، وَالْمَقَاصِدِ.
قَوْلُهُ (وَالْخُبْزُ بِالْبُرِّ أَوْ بِالدَّقِيقِ مُتَفَاضِلًا) لِأَنَّ الْخُبْزَ بِالصَّنْعَةِ صَارَ جِنْسًا آخَرَ حَتَّى يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَكِيلًا، وَالْبُرُّ، وَالدَّقِيقُ مَكِيلَانِ فَلَمْ يَجْمَعْهُمَا الْقَدْرُ وَلَا الْجِنْسُ حَتَّى جَازَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ نَسِيئَةً إذَا كَانَتْ الْحِنْطَةُ هِيَ الْمُتَأَخِّرَةَ لِإِمْكَانِ ضَبْطِهَا، وَإِنْ كَانَ الْخُبْزُ هُوَ الْمُتَأَخِّرَ فَالسَّلَمُ فِيهِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِالطَّحْنِ، وَالْعَجْنِ، وَالنُّضْجِ، وَاخْتُلِفَ عَلَى قَوْلِهِمَا فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ عَلَى قِيَاسِ السَّلَمِ بِاللَّحْمِ، وَبِهِ يُفْتَى لِلتَّعَامُلِ، وَفِي الْحَاوِي يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ بِالْجُبْنِ اهـ.
قَوْلُهُ (لَا بَيْعُ الْبُرِّ بِالدَّقِيقِ أَوْ بِالسَّوِيقِ) أَيْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِأَحَدِهِمَا مُتَفَاضِلًا، وَلَا مُتَسَاوِيًا لِأَنَّهُ جِنْسٌ مِنْ وَجْهٍ، وَإِنْ خُصَّ بِاسْمٍ آخَرَ فَيَحْرُمُ لِشُبْهَةِ الرِّبَا، وَالْمِعْيَارُ فِيهِمَا الْكَيْلُ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَوٍّ لَهُمَا بِخِلَافِ بَيْعِ دُهْنِ السِّمْسِمِ بِالسِّمْسِمِ حَيْثُ يَجُوزُ لِأَنَّ الْمِعْيَارَ فِيهِ الْوَزْنُ، وَهُوَ مُسَوٍّ، وَالسَّوِيقُ مَا يُجْرَشُ مِنْ الشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ وَغَيْرِهِمَا ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ فِي بَابِ مَنْ مَضْمَضَ مِنْ السَّوِيقِ.
وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إلَى جَوَازِ بَيْعِ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ مُتَسَاوِيًا وَلَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا لِاتِّحَادِ الِاسْمِ وَالصُّورَةِ وَالْمَعْنَى، وَلَا عِبْرَةَ بِاحْتِمَالِ التَّفَاضُلِ كَمَا فِي الْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ الْفَضْلِ بِمَا إذَا كَانَا مَكْبُوسَيْنِ، وَإِلَّا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ بَاعَهُ بِمِثْلِهِ مُوَازَنَةً فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَبَيْعُ الْمَنْخُولِ بِغَيْرِ الْمَنْخُولِ لَا يَجُوزُ إلَّا مُتَسَاوِيًا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَقَيَّدَ بِالْبُرِّ لِأَنَّ بَيْعَ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا عِنْدَهُ، وَجَازَ عِنْدَهُمَا مُطْلَقًا لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَلَكِنْ يَدًا بِيَدٍ لِأَنَّ الْقَدْرَ يَجْمَعُهُمَا، وَلَهُ أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَجْزَاءِ الْحِنْطَةِ، وَبَيْعُ الْمَقْلِيَّةِ بِالْمَقْلِيَّةِ، وَالسَّوِيقِ بِالسَّوِيقِ مُتَسَاوِيًا جَائِزٌ لِاتِّحَادِ الِاسْمِ.
قَوْلُهُ (وَالزَّيْتُونُ بِالزَّيْتِ، وَالسِّمْسِمُ بِالشَّيْرَجِ حَتَّى يَكُونَ الزَّيْتُ، وَالشَّيْرَجُ أَكْثَرَ مِمَّا فِي الزَّيْتُونِ، وَالسِّمْسِمِ) أَيْ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَكَذَا بَيْعُ الزَّيْتِ الْمَطْبُوخِ بِغَيْرِ الْمَطْبُوخِ) قَدَّمَ عَنْ الْفَتْحِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَعِلَّتُهُ الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ رِطْلِ زَيْتٍ غَيْرِ مَطْبُوخٍ بِرِطْلٍ مَطْبُوخٍ مُطَيَّبٍ لِأَنَّ الطَّيِّبَ زِيَادَةٌ.
(قَوْلُهُ وَاخْتُلِفَ عَلَى قَوْلِهِمَا) عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ، وَإِنْ كَانَ الْخُبْزُ نَسِيئَةً يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُف، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَيَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ مَا هُنَا عَنْ النِّهَايَةِ مَعْزِيَّا إلَى الْمَبْسُوطِ، وَمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْفَتْحِ عَنْ الْكَافِي عَنْ ابْنِ رُسْتُمَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَيْنِ تَأَمَّلْ.
[بَيْعُ الْبُرِّ بِالدَّقِيقِ أَوْ بِالسَّوِيقِ]
(قَوْلُهُ وَهُوَ غَيْرُ مُسَوٍّ لَهُمَا) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبُرَّ إذَا طُحِنَ يَزِيْدُ عَلَيْهِ، وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْحَال، وَظَهَرَتْ بِالطَّحْنِ (قَوْلُهُ وَقَيَّدَ بِالْبُرِّ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ بَيْعَ الدَّقِيقِ
стр. 2052
ثَلَاثُ صُوَرٍ الْأُولَى أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الزَّيْتَ الَّذِي فِي الزَّيْتُونِ أَكْثَرُ لِتَحَقُّقِ الْفَضْلِ مِنْ الدُّهْنِ وَالتُّفْلِ، الثَّانِيَةُ أَنْ يَعْلَمَ التَّسَاوِي لِخُلُوِّ التُّفْلِ عَنْ الْعِوَضِ، الثَّالِثَةُ أَنْ لَا يَعْلَمَ أَنَّهُ مِثْلٌ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ فَلَا يَصِحُّ عِنْدَنَا لِأَنَّ الْفَضْلَ الْمُتَوَهَّمَ كَالْمُتَحَقَّقِ احْتِيَاطًا، وَعِنْدَ زُفَرَ جَازَ لِأَنَّ الْجَوَازَ هُوَ الْأَصْلُ وَالْفَسَادُ لِوُجُودِ الْفَضْلِ الْخَالِي فَمَا لَمْ يَعْلَمْ لَا يَفْسُدُ، وَيَجُوزُ الْبَيْعُ فِي صُورَةٍ بِالْإِجْمَاعِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الزَّيْتَ الْمُنْفَصِلَ أَكْثَرُ لِيَكُونَ الْفَضْلُ بِالتُّفْلِ، وَكَذَا بَيْعُ الْجَوْزِ بِدُهْنِهِ وَاللَّبَنِ بِسَمْنِهِ وَالتَّمْرِ بِنَوَاهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ لِتُفْلِهِ قِيمَةٌ إذَا بِيعَ بِالْخَالِصِ مِنْهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ الْخَالِصُ أَكْثَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِتُفْلِهِ قِيمَةٌ كَتُرَابِ الذَّهَبِ إذَا بِيعَ بِالذَّهَبِ أَوْ تُرَابِ الْفِضَّةِ إذَا بِيعَ بِالْفِضَّةِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الذَّهَبُ أَوْ الْفِضَّةُ أَكْثَرَ مِمَّا فِي التُّرَابِ لِأَنَّ التُّرَابَ لَا قِيمَةَ لَهُ فَلَا يُجْعَلُ بِإِزَائِهِ شَيْءٌ حَتَّى لَوْ جُعِلَ فَسَدَ لِرِبَا الْفَضْلِ، وَفِي الْحَاوِي، وَإِنْ بَاعَ حِنْطَةً بِحِنْطَةٍ فِي سُنْبُلِهَا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ بَاعَ قَصِيلَ حِنْطَةٍ بِحِنْطَةٍ كَيْلًا، وَجُزَافًا جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ التَّرْكُ اهـ.
قَوْلُهُ (وَيُسْتَقْرَضُ الْخُبْزُ وَزْنًا لَا عَدَدًا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُسْتَقْرَضُ بِهِمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُسْتَقْرَضُ بِهِمَا، وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَنَا أَرَى أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ، وَفِي الْجَوْهَرَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ ثَلَاثٌ مِنْ الدَّنَاءَةِ اسْتِقْرَاضُ الْخُبْزِ، وَالْجُلُوسُ عَلَى بَابِ الْحَمَّامِ، وَالنَّظَرُ فِي مِرْآةِ الْحَجَّامِ. اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى بَاعَ رَغِيفًا نَقْدًا بِرَغِيفَيْنِ نَسِيئَةً يَجُوزُ، وَلَوْ كَانَ الرَّغِيفَانِ نَقْدًا، وَالرَّغِيفُ نَسِيئَةً لَا يَجُوزُ، وَلَوْ بَاعَ كُسَيْرَاتِ الْخُبْزِ يَجُوزُ نَقْدًا، وَنَسِيئَةً كَيْفَ كَانَ.
قَوْلُهُ (وَلَا رِبَا بَيْنَ الْمَوْلَى وَعَبْدِهِ) لِأَنَّهُ، وَمَا فِي يَدِهِ مِلْكُهُ أَطْلَقَهُ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِرَقَبَتِهِ وَكَسْبِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُسْتَغْرِقًا فَيَجْرِي الرِّبَا بَيْنَهُمَا اتِّفَاقًا لِعَدَمِ الْمِلْكِ عِنْدَهُ لِلْمَوْلَى فِي كَسْبِهِ كَالْمُكَاتَبِ، وَعِنْدَهُمَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَا رِبَا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ مَدْيُونًا مُسْتَغْرِقًا، وَإِنَّمَا يُرَدُّ الزَّائِدُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ كَمَا لَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ عَقْدٍ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ فَلَا رِبَا، وَفِي مَأْذُونِ الْمُحِيطِ إذَا أَخَذَ الْمَوْلَى مِنْ كَسْبِ الْمَأْذُونِ شَيْئًا ثُمَّ لَحِقَهُ دَيْنٌ سَلَّمَ لِلْمَوْلَى مَا أَخَذَ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْأَخْذِ وَلَوْ قَلِيلًا لَمْ يُسَلِّمْ، وَفَائِدَتُهُ لَوْ لَحِقَهُ آخَرُ رَدَّ الْمَوْلَى جَمِيعَ مَا أَخَذَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَذَ مِنْهُ ضَرِيبَةً، وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّهَا تُسَلَّمُ لَهُ اسْتِحْسَانًا، وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْعَبْدِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَا رِبَا بَيْنَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، وَشَرِيكَيْ الْعِنَانِ إذَا تَبَايَعَا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ جَرَى بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ (وَلَا بَيْنَ الْحَرْبِيِّ وَالْمُسْلِمِ ثَمَّةَ) أَيْ لَا رِبًا بَيْنَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَفِي الْبِنَايَةِ، وَكَذَا إذَا بَاعَ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ مَيْتَةً أَوْ قَامَرَهُمْ، وَأَخَذَ الْمَالَ كُلُّ ذَلِكَ يَحِلُّ لَهُ، وَلَهُمَا الْحَدِيثُ «لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ» ، وَلِأَنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ، وَبِعَقْدِ الْأَمَانِ مِنْهُمْ لَمْ يَصِرْ مَعْصُومًا إلَّا أَنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهُمْ بِغَدْرٍ، وَلَا لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ بِدُونِ رِضَاهُمْ فَإِذَا أَخَذَ بِرِضَاهُمْ أَخَذَ مَالًا مُبَاحًا بِلَا غَدْرٍ فَيَمْلِكُهُ بِحُكْمِ الْإِبَاحَةِ السَّابِقَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إنَّمَا اقْتَضَى حِلَّ مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ إذَا كَانَ الزِّيَادَةُ يَنَالُهَا الْمُسْلِمُ، وَالرِّبَا أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ إذْ يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ الدِّرْهَمَانِ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْكَافِرِ، وَجَوَابُ الْمَسْأَلَةِ بِالْحِلِّ عَامٌّ فِي الْوَجْهَيْنِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَحُكْمُ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يُهَاجِرْ كَالْحَرْبِيِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ مَالَهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ عِنْدَهُ فَيَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ الرِّبَا مَعَهُ، وَأَمَّا إذَا هَاجَرَ إلَيْنَا ثُمَّ عَادَ إلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ الرِّبَا مَعَهُ لِكَوْنِهِ أَحْرَزَ مَالَهُ بِدَارِنَا فَكَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ كَذَا
ــ
[منحة الخالق]
بِالسَّوِيقِ فِيهِ خِلَافُهُمَا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَفِي الْحَاوِي وَإِنْ بَاعَ حِنْطَةً بِحِنْطَةٍ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ الْحِنْطَةَ الَّتِي فِي سُنْبُلِهَا أَقَلُّ فَإِذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ أَقَلُّ جَازَ الْبَيْعُ، وَيَكُونُ زَائِدُ الْخَالِصَةِ فِي مُقَابَلَةِ التِّبْنِ فَيَنْتَفِي الرِّبَا تَأَمَّلْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ بَيْعَ الْبُرِّ فِي سُنْبُلِهِ بِمِثْلِهِ لَا يَجُوزُ. اهـ.
وَانْظُرْ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ خِيَارِ الشَّرْطِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَبَيْعِ بُرٍّ فِي سُنْبُلِهِ.
(قَوْلُهُ وَفِي الْمُجْتَبَى بَاعَ رَغِيفًا نَقَدَ إلَخْ) اُنْظُرْ مَا وَجْهُهُ وَوَجَّهَهُ شَيْخُنَا بِأَنَّ الثَّمَنَ يَجُوزُ تَأْجِيلُهُ دُونَ الْمَبِيعِ، وَقَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ الرَّغِيفَانِ نَقْدًا أَيْ اللَّذَانِ دَخَلَتْ عَلَيْهِمَا الْبَاءُ، وَهُمَا الثَّمَنُ، وَقَوْلُهُ وَالرَّغِيفُ نَسِيئَةً أَيْ الَّذِي هُوَ الْمَبِيعُ إنْ بَاعَ رَغِيفًا نَسِيئَةً بِرَغِيفَيْنِ نَقْدًا فَلَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْجِيلِ الْمَبِيعِ، وَعَلَيْهِ فَذِكْرُ الْعَدَدِ اتِّفَاقِيٌّ، وَيَبْقَى الْإِشْكَالُ فِي الْكُسَيْرَاتِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجِنْسَ فِيهَا مَوْجُودٌ، وَلَمْ يُجَوِّزُوا بَيْعَ تَمْرَةٍ بِتَمْرَتَيْنِ نَسِيئَةً فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ) أَيْ إلَّا أَنَّ التَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ، وَلِأَنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ إلَخْ (قَوْلُهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ) تَتِمَّةُ عِبَارَةِ الْفَتْحِ، وَكَذَا الْقِمَارُ قَدْ يُفْضِي إلَى أَنْ يَكُونَ مَالُ الْحَظْرِ لِلْكَافِرِ بِأَنْ يَكُونَ الْغَلَبُ لَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ بِقَيْدِ نَيْلِ الْمُسْلِمِ الزِّيَادَةَ، وَقَدْ أُلْزِمَ الْأَصْحَاب فِي الدَّرْسِ أَنَّ مُرَادَهُمْ مِنْ حِلِّ الرِّبَا وَالْقِمَارِ مَا إذَا حَصَلَتْ الزِّيَادَةُ لِلْمُسْلِمِ نَظَرًا إلَى الْعِلَّةِ، وَإِنْ كَانَ إطْلَاقُ الْجَوَابِ خِلَافَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
стр. 2053
فِي الْجَوْهَرَةِ، وَفِي الْمُجْتَبَى مَعْزِيًّا إلَى الْكِفَايَةِ مُسْتَأْمِنٌ مِنَّا بَاشَرَ مَعَ رَجُلٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا فِي دَرَاهِمِ أَوْ مَنْ أَسْلَمَ هُنَاكَ شَيْئًا مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي لَا تَجُوزُ فِيمَا بَيْنَنَا كَالرِّبَوِيَّاتِ وَبَيْعِ الْمَيْتَةِ جَازَ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. اهـ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(بَابُ الْحُقُوقِ)
كَانَ مِنْ حَقِّ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ إنْ تُذْكَرَ فِي الْفَصْلِ الْمُتَّصِلِ بِأَوَّلِ الْبُيُوعِ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ الْتَزَمَ تَرْتِيبَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ تَوَابِعُ فَيَلِيقُ ذِكْرُهَا بَعْدَ مَسَائِلِ الْبُيُوعِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَالْحُقُوقُ جَمْعُ حَقٍّ، وَفِي الْمِصْبَاحِ الْحَقُّ خِلَافُ الْبَاطِلِ، وَهُوَ مَصْدَرُ حَقَّ الشَّيْءُ مِنْ بَابَيْ ضَرَبَ، وَقَتَلَ إذَا وَجَبَ وَثَبَتَ، وَلِهَذَا يُقَالُ لِمَرَافِق الدَّارِ حُقُوقُهَا. اهـ.
وَفِي الْبِنَايَةِ الْحَقُّ مَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّجُلُ، وَلَهُ مَعَانٍ أُخَرُ مِنْهَا الْحَقُّ ضِدُّ الْبَاطِلِ. اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْمَنَارِ لِلسَّيِّدِ نكركار الْحَقُّ هُوَ الشَّيْءُ الْمَوْجُودُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَا رَيْبَ فِي وُجُودِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ «السِّحْرُ حَقٌّ، وَالْعَيْنُ حَقٌّ» . اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْكَرْمَانِيِّ الْحَقُّ حَقِيقَةً هُوَ اللَّهُ تَعَالَى بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ لِأَنَّهُ الْمَوْجُودُ حَقِيقَةً بِمَعْنَى لَمْ يُسْبَقْ بِعَدَمٍ، وَلَمْ يَلْحَقْهُ عَدَمٌ، وَإِطْلَاقُ الْحَقِّ عَلَى غَيْرِهِ مَجَازٌ، وَلِذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُك الْحَقُّ، وَقَوْلُك الْحَقُّ» بِالتَّعْرِيفِ فِي الثَّلَاثَةِ ثُمَّ قَالَ وَلِقَاؤُك حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ بِالتَّنْكِيرِ. اهـ.
وَذَكَرَ الْأُصُولِيُّونَ أَنَّ الْأَحْكَامَ أَرْبَعَةٌ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى خَالِصَةً، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ خَالِصَةً، وَمَا اجْتَمَعَا فِيهِ وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى غَالِبٌ كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَمَا اجْتَمَعَا فِيهِ وَحَقُّ الْعِبَادِ غَالِبٌ كَالْقِصَاصِ قَالُوا، وَالْمُرَادُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مَا تَعَلَّقَ نَفْعُهُ بِالْعُمُومِ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إلَى اللَّهِ تَعْظِيمًا لِأَنَّهُ مُتَعَالٍ عَنْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا لَهُ تَعَالَى بِجِهَةِ التَّخْلِيقِ لِأَنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ الْعُلْوُ لَا يَدْخُلُ بِشِرَاءِ بَيْتٍ بِكُلِّ حَقٍّ) يَعْنِي إذَا اشْتَرَى بَيْتًا فَوْقَهُ بَيْتٌ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْعُلْوُ، وَلَوْ قَالَ بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهُ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْبَيْتَ اسْمٌ لِمُسَقَّفٍ وَاحِدٍ يَصْلُحُ لِلْبَيْتُوتَةِ، وَالْعُلْوُ مِثْلُهُ، وَالشَّيْءُ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِمِثْلِهِ، وَفِي الْمِصْبَاحِ عُلْوُ الدَّارِ وَغَيْرِهَا خِلَافُ السُّفْلِ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا. اهـ.
وَأُورِدَ الْمُسْتَعِيرُ لَهُ أَنْ يُعِيرَ مَا لَا يَخْتَلِفُ، وَالْمُكَاتَبُ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ فَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاسْتِتْبَاعِ بَلْ لَمَّا مَلَكَ الْمُسْتَعِيرُ الْمَنْفَعَةَ بِغَيْرِ بَدَلٍ كَانَ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَ مَا مَلَكَ كَذَلِكَ، وَالْمُكَاتَبُ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ لَمَّا صَارَ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ كِتَابَةَ عَبْدِهِ مِنْ أَكْسَابِهِ قَوْلُهُ (وَبِشِرَاءِ مَنْزِلٍ إلَّا بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهُ أَوْ بِمَرَافِقِهِ أَوْ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهِ أَوْ مِنْهُ) أَيْ لَا يَدْخُلُ الْعُلْوُ بِشِرَاءِ مَنْزِلٍ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي لَفْظًا مِنْ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الْمَنْزِلَ لَهُ شَبَهٌ بِالدَّارِ، وَبِالْبَيْتِ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَى بُيُوتٍ وَصَحْنٍ مُسَقَّفٍ وَمَطْبَخٍ يَسْكُنُ فِيهِ الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ مَعَ ضَرْبِ قُصُورٍ فِيهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إصْطَبْلٌ فَلِشَبَهِ الدَّارِ يَدْخُلُ بِذِكْرِ التَّوَابِعِ، وَلِشَبَهِ الْبَيْتِ لَا يَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ تَوْفِيرًا عَلَيْهِمَا حَظَّهُمَا، وَفِي الْكَافِي أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ مَبْنِيٌّ عَلَى عُرْفِ الْكُوفَةِ، وَفِي عُرْفِنَا يَدْخُلُ الْعُلْوُ فِي الْكُلِّ سَوَاءٌ بَاعَ بِاسْمِ الْبَيْتِ أَوْ الْمَنْزِلِ أَوْ الدَّارِ، وَالْأَحْكَامُ تُبْنَى عَلَى الْعُرْفِ فَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ إقْلِيمٍ، وَفِي كُلِّ عَصْرٍ عُرْفُ أَهْلِهِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ اعْلَمْ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْعَادَةِ يُذْكَرُ فِيمَا هُوَ تَبَعٌ لِلْمَبِيعِ، وَلَا بُدَّ لِلْمَبِيعِ مِنْهُ، وَلَا يُقْصَدُ إلَّا لِأَجْلِ الْمَبِيعِ كَالطَّرِيقِ وَالشِّرْبِ لِلْأَرْضِ، وَالْمَرَافِقُ عِبَارَةٌ عَمَّا يُرْتَفَقُ بِهِ، وَيَخْتَصُّ بِمَا هُوَ مِنْ التَّوَابِعِ كَالشِّرْبِ وَمَسِيلِ الْمَاءِ، وَقَوْلُهُ كُلُّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ يُذْكَرُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ فِي إسْقَاطِ حَقِّ الْبَائِعِ عَنْ الْمَبِيعِ مِمَّا يَتَّصِلُ بِالْمَبِيعِ. اهـ. وَفِي الْمِصْبَاحِ الْمَرَافِقُ جَمْعُ مِرْفَقٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ لَا غَيْرُ كَالْمَطْبَخِ وَالْكَنِيفِ، وَنَحْوِهِ عَلَى التَّشْبِيهِ بِاسْمِ الْآلَةِ بِخِلَافِ الْمَرْفِقِ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّ فِيهِ لُغَتَيْنِ فَتْحُ الْمِيمِ، وَكَسْرُ الْفَاءِ كَمَسْجِدٍ، وَبِالْعَكْسِ، وَكَذَا الْمَرْفِقُ بِمَعْنَى مَا ارْتَفَقَتْ بِهِ اهـ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَرْفِقَ مُطْلَقًا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ بَاشَرَ مَعَ رَجُلٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي الْمُجْتَبَى مُسْتَأْمِنٌ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا فِي دَارِهِمْ أَوْ مَنْ أَسْلَمَ هُنَاكَ بَاشَرَ مَعَهُمْ مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي لَا تَجُوزُ إلَخْ، وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُ عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ بِأَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا عَائِدًا إلَى قَوْلِهِ مُسْتَأْمِنٌ لَا إلَى رَجُلٍ.
[بَابُ الْحُقُوقِ]
стр. 2054
فِيهِ لُغَتَانِ إلَّا مِرْفَقَ الدَّارِ، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ الْفَصْلِ السَّابِعِ، وَمَا يُذْكَرُ فِي دَعْوَى الْعَقَارِ مِنْ قَوْلِهِ بِحُقُوقِهِ، وَمَرَافِقِهِ فَحُقُوقُهُ عِبَارَةٌ عَنْ مَسِيلِ الْمَاءِ وَطَرِيقٍ، وَغَيْرِهِ وِفَاقًا، وَمَرَافِقِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عِبَارَةٌ عَنْ مَنَافِعِ الدَّارِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْمَرَافِقُ هِيَ الْحُقُوقُ اهـ.
قَوْلُهُ (وَدَخَلَ بِشِرَاءِ دَارٍ) أَيْ الْعُلْوُ بِشِرَاءِ دَارٍ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِمَا أُدِيرَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ مِنْ الْحَائِطِ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى بُيُوتٍ وَمَنَازِلِ وَصَحْنٍ غَيْرِ مُسَقَّفٍ، وَالْعُلْوُ مِنْ أَجْزَائِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ، وَفِي الْبِنَايَةِ الدَّارُ لُغَةً اسْمٌ لِقِطْعَةِ أَرْضٍ ضُرِبَتْ لَهَا الْحُدُودُ، وَمُيِّزَتْ عَمَّا يُجَاوِرُهَا بِإِدَارَةِ خَطٍّ عَلَيْهَا فَبُنِيَ فِي بَعْضِهَا دُونَ الْبَعْضِ لِيَجْمَعَ فِيهَا مَرَافِقَ الصَّحْرَاءِ لِلِاسْتِرْوَاحِ، وَمَنَافِعَ الْأَبْنِيَةِ لِلْإِسْكَانِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَتْ الْأَبْنِيَةُ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ أَوْ بِالْخِيَامِ، وَالْقِبَابِ. اهـ.
قَوْلُهُ (كَالْكَنِيفِ) أَيْ كَمَا يَدْخُلُ بِشِرَاءِ الدَّارِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِأَنَّ الْكَنِيفَ مِنْهَا، وَكَذَا يَدْخُلُ بِئْرُ الْمَاءِ، وَالْأَشْجَارِ الَّتِي فِي صَحْنِهَا، وَالْبُسْتَانُ الدَّاخِلُ فَأَمَّا الْخَارِجُ فَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهَا أَوْ مِثْلَهَا لَا يَدْخُلُ إلَّا بِالشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْهَا يَدْخُلُ لِأَنَّهُ يُعَدَّ مِنْ الدَّارِ عُرْفًا، وَالْكَنِيفُ الْمُسْتَرَاحُ، وَفِي الْمِصْبَاحِ الْكَنِيفُ السَّاتِرُ، وَيُسَمَّى التُّرْسُ كَنِيفًا لِأَنَّهُ يَسْتُرُ صَاحِبَهُ، وَقِيلَ لِلْمِرْحَاضِ كَنِيفٌ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ قَاضِيَ الْحَاجَةِ، وَالْجَمْعُ كُنُفٌ مِثْلُ نَذِيرٍ وَنُذُرٍ اهـ.
أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْكَنِيفُ خَارِجًا مَبْنِيًّا عَلَى الظُّلَّةِ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مِنْهَا عَادَةً قَوْلُهُ (لَا الظُّلَّةُ إلَّا بِكُلِّ حَقٍّ) أَيْ لَا تَدْخُلُ الظُّلَّةُ فِي بَيْعِ الدَّارِ إلَّا إذَا قَالَ بِكُلِّ حَقٍّ، وَهِيَ السَّابَاطُ الَّذِي يَكُونُ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الدَّارِ، وَالْآخَرُ عَلَى الدَّارِ الْأُخْرَى أَوْ عَلَى أُسْطُوَانَاتٍ فِي السِّكَّةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الصِّحَاحِ، وَالظُّلَّةُ بِالضَّمِّ كَهَيْئَةِ الصِّفَةِ، وَقُرِئَ فِي ظُلَلٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئِينَ، وَالظُّلَّةُ أَيْضًا أَوَّلُ سَحَابَةٍ تُظِلُّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ، وَعَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ قَالُوا غَيْمٌ تَحْتَهُ سَمُومٌ، وَالْمِظَلَّةُ بِالْكَسْرِ الْبَيْتُ الْكَبِيرُ مِنْ الشَّعْرِ. اهـ.
وَفِي الْمُغْرِبِ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ ظُلَّةُ الدَّارِ يُرِيدُونَ السُّدَّةَ الَّتِي تَكُونُ فَوْقَ الْبَابِ، وَإِنَّمَا لَا تَدْخُلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَتْ حُكْمَهُ، وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ مِفْتَحُهَا فِي الدَّارِ تَدْخُلُ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِهَا كَالْكَنِيفِ، وَلَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ إلَّا بِكُلِّ حَقٍّ الْقَصْرَ عَلَى هَذَا بَلْ إنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ أَوْ بِنَحْوِهِ بِأَنْ يُقَالَ بِمَرَافِقِهَا أَوْ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهِ كَذَا فِي الْبِنَايَةِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَيَدْخُلُ الْبَابُ الْأَعْظَمُ فِيمَا إذَا بَاعَ بَيْتًا أَوْ دَارًا بِمَرَافِقِهِ لِأَنَّ الْبَابَ الْأَعْظَمَ مِنْ مَرَافِقِهَا اهـ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَدْخُلُ الطَّرِيقُ وَالْمَسِيلُ، وَالشِّرْبُ إلَّا بِنَحْوِ كُلِّ حَقٍّ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ) أَيْ لَا تَدْخُلُ الثَّلَاثَةُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ أَوْ الْمَسْكَنِ إلَّا بِذِكْرِ كُلِّ حَقٍّ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ حَيْثُ تَدْخُلُ مُطْلَقًا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا خَارِجٌ عَنْ الْحُدُودِ فَكَانَتْ تَابِعَةً فَتَدْخُلُ بِذِكْرِ التَّوَابِعِ، وَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا الِانْتِفَاعُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِهَا، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ شُرِعَ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ لَا الْمَنْفَعَةِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ شِرَاءِ جَحْشٍ وَمُهْرٍ صَغِيرٍ، وَأَرْضٍ سَبِخَةٍ، وَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهَا، وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ عُلْوًا، وَاسْتَثْنَى الطَّرِيقَ فَسَدَتْ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَقَدْ يَتَّجِرُ فِي الْعَيْنِ فَيَبِيعُهُ مِنْ غَيْرِهِ فَحَصَلَتْ الْفَائِدَةُ الْمَطْلُوبَةُ، وَفِي الْمِعْرَاجِ أَرَادَ الطَّرِيقَ الْخَاصَّ فِي مِلْكِ إنْسَانٍ أَمَّا الطَّرِيقُ إلَى سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ أَوْ إلَى
ــ
[منحة الخالق]
بَابُ الْحُقُوقِ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَلَا يَدْخُلُ الطَّرِيقُ وَالْمَسِيلُ وَالشِّرْبُ إلَّا بِنَحْوِ كُلِّ حَقٍّ) أَقُولُ: الْعُرْفُ فِي زَمَانِنَا دُخُولُهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ بِدُونِ قَوْلِهِ كُلُّ حَقٍّ، وَلَا يَفْهَمُ الْعَاقِدُ أَنَّ سِوَى ذَلِكَ فَمُقْتَضَى مَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْعُلْوِ عَنْ الْكَافِي دُخُولُ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِكُلِّ حَقٍّ لِأَنَّ عُرْفَ زَمَانِنَا دُخُولُ ذَلِكَ لَا سِيَّمَا الشُّرْبُ ثُمَّ رَأَيْت فِي الذَّخِيرَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ قَالَ فَالْأَصْلُ أَنَّ مَا كَانَ فِي الدَّارِ مِنْ الْبِنَاءِ أَوْ كَانَ مُتَّصِلًا بِالْبِنَاءِ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الدَّارِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ، وَمَا لَا يَكُونُ مُتَّصِلًا بِالْبِنَاءِ لَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الدَّارِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ إلَّا إذَا كَانَ شَيْئًا جَرَى الْعُرْفُ فِيهِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَمْنَعُهُ عَنْ الْمُشْتَرِي فَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْبَيْعِ، وَالْمِفْتَاحُ يَدْخُلُ اسْتِحْسَانًا، وَلَا يَدْخُلُ قِيَاسًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِالْبِنَاءِ فَصَارَ كَثَوْبٍ مَوْضُوعٍ فِي الدَّارِ إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا، وَقُلْنَا بِالدُّخُولِ بِحُكْمِ الْعُرْفِ لِأَنَّ الْعُرْفَ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ الْبَائِعَ لِلدَّارِ لَا يَمْنَعُ الْمِفْتَاحَ عَنْ الْمُشْتَرِي، وَيُسَلِّمُونَ الدَّارَ بِتَسْلِيمِ الْمِفْتَاحِ، وَالْقُفْلُ وَمِفْتَاحُهُ لَا يَدْخُلَانِ، وَالسُّلَّمُ إنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِالْبِنَاءِ يَدْخُلُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ خَشَبٍ أَوْ مَدَرٍ، وَالسُّرَرُ نَظِيرُ السَّلَالِمِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي بَيْعُ الْأَرْضِ أَوْ الْمَسْكَنِ) فِي الْقَامُوسِ الْمَسْكَنُ الْمَنْزِلُ، وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ، وَمَنْ اشْتَرَى بَيْتًا فِي دَارٍ أَوْ مَنْزِلًا أَوْ مَسْكَنًا لَمْ يَكُنْ لَهُ الطَّرِيقُ إلَخْ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَسْكَنِ الدَّارَ (قَوْلُهُ وَفِي الْمِعْرَاجِ أَرَادَ الطَّرِيقَ الْخَاصَّ إلَخْ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَإِذَا كَانَ طَرِيقُ الدَّارِ الْمَبِيعَةِ أَوْ مَسِيلُ مَائِهَا فِي دَارٍ أُخْرَى لَا يَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْحُقُوقِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَلَا تَدْخُلُ إلَّا بِذِكْرِ الْحُقُوقِ إلَّا أَنَّ تَعْلِيلَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ
стр. 2055
طَرِيقٍ عَامٍّ يَدْخُلُ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ، وَكَذَا مَا كَانَ لَهُ مِنْ حَقِّ مَسِيلَ الْمَاءِ أَوْ إلْقَاءَ الثَّلْجِ فِي مِلْكِ إنْسَانٍ لِحَاجَتِهِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ بِذِكْرِ الْحُقُوقِ إنَّمَا يَدْخُلُ الطَّرِيقُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الْبَيْعِ لَا الطَّرِيقُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الْبَيْعِ حَتَّى أَنَّ مَنْ سَدَّ طَرِيقِ مَنْزِلِهِ، وَجَعَلَ لَهُ طَرِيقًا آخَرَ، وَبَاعَ الْمَنْزِلَ بِحُقُوقِهِ يَدْخُلُ تَحْتَ الْبَيْعِ الطَّرِيقُ الثَّانِي لَا الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ كَذَا فِي الْبِنَايَةِ فَإِنْ ذَكَرَ الْحُقُوقَ، وَقَالَ الْبَائِعُ لَيْسَ لِلدَّارِ الْمَبِيعَةِ طَرِيقٌ فِي دَارٍ أُخْرَى فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَسْتَحِقُّ الطَّرِيقَ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ لَكِنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ جُذُوعُ دَارٍ أُخْرَى عَلَى الدَّار الْمَبِيعَةِ فَإِنْ كَانَتْ الْجُذُوعُ لِلْبَائِعِ يُؤْمَرُ الْبَائِعُ بِالرَّفْعِ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ كَانَ عَيْبًا، وَكَذَا لَوْ ظَهَرَ فِي الدَّارِ الْمَبِيعَةِ طَرِيقٌ أَوْ مَسِيلُ مَاءٍ لِدَارٍ أُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الدَّارُ لِلْبَائِعِ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَمُرَّ فِي الدَّارِ الْمَبِيعَةِ لِأَنَّهُ بَاعَهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الدَّارُ لِغَيْرِ الْبَائِعِ كَانَ عَيْبًا كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِيَّ خَانَ، وَفِي الْخُلَاصَةِ يَدْخُلُ الطَّرِيقُ فِي الرَّهْنِ، وَالصَّدَقَةُ الْمَوْقُوفَةُ كَالْإِجَارَةِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ أَقَرَّ بِدَارٍ أَوْ صَالَحَ عَلَى دَارٍ أَوْ وَصَّى بِدَارٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُقُوقَهَا، وَمَرَافِقَهَا لَمْ يَدْخُلْ الطَّرِيقُ. اهـ.
وَأَمَّا إذَا اقْتَسَمَا، وَلَمْ يَذْكُرَا طَرِيقًا فَإِنْ أَمْكَنَهُ فَتْحُ بَابٍ صَحَّتْ، وَإِلَّا فَسَدَتْ، وَلَا يَدْخُلُ إلَّا بِذِكْرِ الْحُقُوقِ، وَفِي الْبَيْعِ يَدْخُلُ بِذِكْرِ الْحُقُوقِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ فَتْحُ بَابٍ، وَبَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقِسْمَةِ، وَالْإِجَارَةِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَيْعِ فِي الْمِعْرَاجِ اهـ.
ــ
[منحة الخالق]
الدَّارِ يَقْتَضِي أَنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي فِي هَذِهِ الدَّارِ يَدْخُلُ، وَهُوَ غَيْرُ مَا فِي الْكِتَابِ فَالْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَدْخُلُ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَلَمْ يَشْتَرِ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّارِ إنَّمَا اشْتَرَى شَيْئًا مُعَيَّنًا مِنْهَا فَلَا يَدْخُلُ مِلْكُ الْبَائِعِ أَوْ مِلْكُ الْأَجْنَبِيِّ إلَّا بِذِكْرِهِ. اهـ. وَتَأَمَّلْ.
قَوْلَهُ فَلَا يَدْخُلُ مِلْكُ الْبَائِعِ مَعَ مَا سَيَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ، وَمَعَ مَا نَقَلَهُ الرَّمْلِيُّ عَنْ الْخُلَاصَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الدَّارُ لِغَيْرِ الْبَائِعِ كَانَ عَيْبًا) قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فِي مَسَائِلِ الْمَاءِ، وَمَسَائِلِ السَّطْحِ، وَفِي النَّوَازِلِ رَجُلٌ لَهُ دَارَانِ مَسِيلُ سَطْحِ إحْدَاهُمَا عَلَى سَطْحِ الدَّارِ الْأُخْرَى فَبَاعَ الدَّارَ الَّتِي عَلَيْهَا الْمَسِيلُ مِنْ إنْسَانٍ بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهَا ثُمَّ بَاعَ الدَّارَ الْأُخْرَى مِنْ آخَرَ فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ أَنْ يَمْنَعَ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ مِنْ إسَالَةِ الْمَاءِ عَلَى سَطْحِهِ قَالَ: لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ وَقْتَ مَا بَاعَهُ إنِّي لَمْ أَبِعْ مِنْك مَسِيلَ الْمَاءِ فِي الدَّارِ الَّتِي بِعْت اهـ.
أَقُولُ: وَبِهِ عُلِمَ جَوَابُ حَادِثَةِ الْفَتْوَى، وَهِيَ رَجُلٌ لَهُ كَرْمَانِ طَرِيقُ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ فَبَاعَ لِبِنْتِهِ الَّذِي فِيهِ الطَّرِيقُ عَلَى أَنَّ لَهُ الْمُرُورَ كَمَا كَانَ فَبَاعَتْهُ لِأَجْنَبِيٍّ فَهَلْ لَهُ مَنْعُ الْأَبِ مِنْ الِاسْتِطْرَاقِ أَمْ لَا وَلَوْ تَضَرَّرَ بِمُرُورِهِ الْجَوَابُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ تَأَمَّلْ هَذَا، وَرَأَيْت عِبَارَةَ الْخُلَاصَةِ فِي نُسْخَتِي قَالَ لَا يَمْنَعُهُ، وَرَأَيْت فِي الْبَزَّازِيَّةِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَعَزَاهُ فِي الْخُلَاصَةِ لِلنَّوَازِلِ فَرَاجَعْت النَّوَازِلِ بَعْدَ أَنْ أَشْكَلَ عَلَيَّ ذَلِكَ فَرَأَيْته قَالَ: لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ إلَخْ ثُمَّ رَاجَعْت الْوَلْوَالِجيَّةِ فَرَأَيْته قَالَ: لَهُ ذَلِكَ فَتَيَقَّنْت أَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ مِنْ الْكَتَبَةِ فَأَصْلَحْته فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْبَزَّازِيَّةِ فَتَيَقَّظْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَلَا يَدْخُلُ إلَّا بِذِكْرِ الْحُقُوقِ) أَيْ فِي صُورَةِ مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ فَتْحُ بَابٍ، وَتَصِحُّ الْقِسْمَةُ حِينَئِذٍ كَمَا لَا يَخْفَى أَمَّا إذَا أَمْكَنَهُ فَلَا تَدْخُلُ وَإِنْ ذُكِرَتْ كَمَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ وَبَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَالْإِجَارَةِ إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي الْكِفَايَةِ أَيْضًا فَقَالَ وَفِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ فَرَّقَ بَيْنَ الْإِجَارَةِ وَبَيْنَ الْقِسْمَةِ فَإِنَّ الدَّارَ إذَا كَانَتْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَفِيهَا صُفَّةٌ، وَفِيهَا بَيْتٌ، وَبَابُ الْبَيْتِ فِي الصُّفَّةِ وَمَسِيلُ مَاءِ ظَهْرِ الْبَيْتِ عَلَى ظَهْرِ الصُّفَّةِ وَاقْتَسَمَا فَأَصَابَ الصُّفَّةَ أَحَدُهُمَا، وَقِطْعَةً مِنْ السَّاحَةِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا طَرِيقًا، وَلَا مَسِيلَ مَاءٍ، وَصَاحِبُ الْبَيْتِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْتَحَ بَابَهُ فِيمَا أَصَابَهُ مِنْ السَّاحَةِ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُسِيلَ مَاءَهُ فِي ذَلِكَ فَالْقِسْمَةُ فَاسِدَةٌ، وَلَمْ يَدْخُلْ الطَّرِيقُ، وَالْمَسِيلُ بِدُونِ ذِكْرِ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ تَحَرِّيًا لِجَوَازِ الْقِسْمَةِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ لِأَنَّ فِي الْإِجَارَةِ مَوْضِعَ الشِّرْبِ لَيْسَ مِمَّا تَنَاوَلَتْهُ الْإِجَارَةُ، وَلَكِنْ يُتَوَسَّلُ بِهِ إلَى الِانْتِفَاعِ بِالْمُسْتَأْجَرِ، وَالْآجِرُ إنَّمَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ إذَا تَمَكَّنَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الِانْتِفَاعِ فَفِي إدْخَالِ الشُّرْبِ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا هُنَا فَمَوْضِعُ الطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ دَاخِلٌ فِي الْقِسْمَةِ، وَمُوجِبُ الْقِسْمَةِ اخْتِصَاصُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا هُوَ نَصِيبُهُ فَلَوْ أَثْبَتْنَا لِأَحَدِهِمَا حَقًّا فِي نَصِيبِ الْآخَرِ تَضَرَّرَ بِهِ الْآخَرُ إلَّا إذَا ذَكَرَ الْحُقُوقَ وَالْمَرَافِقَ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الرِّضَا بِهِ ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ حَيْثُ يَدْخُلُ الطَّرِيقُ وَالْمَسِيلُ فِي الْبَيْعِ إذَا ذَكَرَ الْحُقُوقَ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَفْتَحَ الْبَابَ فِيمَا ابْتَاعَ، وَيُسِيلَ مَاءَهُ فِيهِ، وَفِي الْقِسْمَةِ لَا يَدْخُلُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقِسْمَةِ تَمْيِيزُ أَحَدِ الْمِلْكَيْنِ عَنْ الْآخَرِ وَاخْتِصَاصُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا شَرِكَةَ لِلْآخَرِ فِيهِ فَلَا يُصَارُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ إلَّا عِنْدَ التَّعَذُّرِ وَالِانْتِفَاعُ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ لَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْبَيْعِ فَلِهَذَا افْتَرَقَا اهـ.
هَذَا، وَالْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ فِي الْقِسْمَةِ إذَا لَمْ تُذْكَرْ الْحُقُوقُ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ إحْدَاثُ مِثْلِهَا فِي نَصِيبِهِ، وَلَوْ وَاحِدًا مِنْهَا فَالْقِسْمَةُ فَاسِدَةٌ، وَلَا تَدْخُلُ الْحُقُوقُ الَّتِي كَانَتْ إلَّا بِذِكْرِهَا، وَإِنْ أَمْكَنَهُ إحْدَاثُ مِثْلِهَا فَلَا تَدْخُلُ، وَإِنْ ذُكِرَتْ
стр. 2056
(بَابُ الِاسْتِحْقَاقِ) وَهُوَ طَلَبُ الْحَقِّ، وَفِي الْمِصْبَاحِ اسْتَحَقَّ فُلَانٌ الْأَمْرَ اسْتَوْجَبَهُ قَالَهُ الْفَارَابِيُّ، وَجَمَاعَةٌ فَالْأَمْرُ مُسْتَحَقٌّ بِالْفَتْحِ اسْمُ مَفْعُولٍ، وَمِنْهُ خَرَجَ الْبَيْعُ مُسْتَحَقًّا. اهـ.
وَذَكَرَهُ عَقِيبَ الْحُقُوقِ لِلْمُنَاسِبَةِ بَيْنَهُمَا لَفْظًا وَمَعْنًى قَوْلُهُ (الْبَيِّنَةُ حُجَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ لَا الْإِقْرَارُ) لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تَصِيرُ حُجَّةً إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَلَهُ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ فَيَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ، وَالْإِقْرَارُ حُجَّةٌ بِنَفْسِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَضَاءِ، وَلِلْمُقِرِّ وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَعْنَى التَّعَدِّي أَنَّهُ يَكُونُ الْقَضَاءُ بِهِ قَضَاءً عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ فِي كُلِّ شَيْءٍ قُضِيَ بِهِ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْقَضَاءُ عَلَى الْكَافَّةِ فِي الْعِتْقِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ الْقَضَاءُ بِحُرِّيَّةِ الْعَبْدِ قَضَاءٌ فِي حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً. اهـ.
وَفِي الصُّغْرَى مِنْ دَعْوَى النِّكَاحِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى إذَا قَضَى الْقَاضِي لِإِنْسَانِ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ أَوْ بِنَسَبٍ أَوْ بِوَلَاءٍ عَتَاقَةً ثُمَّ ادَّعَاهُ الْآخَرُ لَا تُسْمَعُ ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْبَابِ الرَّابِعِ وَالْمِائَةِ مِنْ أَدَبِ الْقَاضِي اهـ.
وَأَمَّا الْقَضَاءُ بِالْوَقْفِ فَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ الْقَضَاءِ، وَالْقَضَاءُ بِوَقْفِيَّةِ مَوْضِعٍ هَلْ يَكُونُ قَضَاءً عَلَى النَّاسِ كَافَّةً اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، وَفِي كِتَابِ الدَّعْوَى أَرْضٌ فِي يَدِ رَجُلٍ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ وَقْفٌ مِنْ جِهَةِ فُلَانٍ عَلَى جِهَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَأَنَّهُ مُتَوَلِّي ذَلِكَ الْوَقْفِ، وَذَكَرَ الشَّرَائِطَ، وَأَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، وَقَضَى الْقَاضِي بِالْوَقْفِيَّةِ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ، وَادَّعَى أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ مِلْكُهُ وَحَقُّهُ تُسْمَعُ بِخِلَافِ الْعَبْدِ إذَا ادَّعَى الْعِتْقَ عَلَى إنْسَانٍ وَقَضَى الْقَاضِي بِالْعِتْقِ ثُمَّ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ مِلْكُهُ لَا تُسْمَعُ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْعِتْقِ قَضَاءٌ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ كَافَّةً بِخِلَافِ الْوَقْفِ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ لَمْ نَرَ لِهَذَا رِوَايَةً، وَلَكِنْ سَمِعْت أَنَّ فَتْوَى السَّيِّدِ أَبِي شُجَاعٍ عَلَى هَذَا.
وَفِي فَوَائِدِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحُلْوَانِيِّ وَرُكْنِ الْإِسْلَامِ عَلِيٍّ السُّغْدِيِّ أَنَّ الْوَقْفَ كَالْعِتْقِ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِالْوَقْفِيَّةِ لِأَنَّ الْوَقْفَ بَعْدَمَا صَحَّ بِشَرَائِطِهِ لَا يَبْطُلُ إلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ، وَكَذَا فِي النَّوَازِلِ اهـ.
وَصَحَّحَ الْعِمَادِيُّ فِي الْفُصُولِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِهِ لَيْسَ قَضَاءً عَلَى الْكَافَّةِ فَتُسْمَعُ فِيهِ دَعْوَى الْمِلْكِ فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ عَلَى الْكَافَّةِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالنِّكَاحِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ خَاصَّةً، وَفِي الْوَقْفِ يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَمَّا الْقَضَاءُ بِالْمِلْكِ فَقَضَاءٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ تَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْهُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَفِيهَا قَبْلَهُ: الْمُشْتَرِي إذَا صَارَ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ هَلْ يَصِيرُ الْبَائِعُ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ حَتَّى لَا تُسْمَعَ إنْ قَالَ الْمُشْتَرِي فِي جَوَابِ دَعْوَى الْمُدَّعِي مِلْكِي لِأَنِّي اشْتَرَيْته مِنْ فُلَانٍ يَعْنِي مِنْ الْبَائِعِ صَارَ الْبَائِعُ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ حَتَّى لَا تُسْمَعَ دَعْوَى الْبَائِعِ هَذَا الْمَحْدُودَ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ أَمَّا إذَا قَالَ فِي الْجَوَابِ مِلْكِي وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ لَا يَصِيرُ الْبَائِعُ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ حَتَّى تُسْمَعَ دَعْوَاهُ هَذَا الْمَحْدُودَ، وَالْإِرْثُ كَالشِّرَاءِ، وَهُوَ مَنْصُوصٌ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَصُورَتُهَا دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي أَنَّهَا لَهُ فَجَاءَ آخَرُ وَادَّعَى أَنَّهَا لَهُ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَقَضَى الْقَاضِي لَهُ عَلَيْهِ بِهَا ثُمَّ جَاءَ أَخُو الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، وَادَّعَى أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ كَانَتْ لِأَبِيهِ مَاتَ، وَتَرَكَهَا
ــ
[منحة الخالق]
وَالْقِسْمَةُ صَحِيحَةٌ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا قَالَ فِي النَّهْرِ، وَالْمَذْكُورُ فِي نَظْمِ ابْنِ وَهْبَانَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ فَتْحُ بَابٍ، وَقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ وَقْتَ الْقِسْمَةِ صَحَّتْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَسَدَتْ، وَفِي الْفَتْحِ، وَلَا يَدْخُلُ الطَّرِيقُ وَالْمَسِيلُ فِيهَا إلَّا بِرِضًا صَرِيحٍ، وَلَا يَكْفِي فِيهِ ذِكْرُ الْحُقُوقِ، وَالْمَرَافِقِ اهـ.
قُلْتُ: الَّذِي فِي الْفَتْحِ مِثْلُ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْكِفَايَةِ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ فِي النَّهْرِ ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ فِيمَا إذَا ذَكَرَ الْحُقُوق، وَأَمْكَنَهُ إحْدَاثُهَا، وَمَعْنَاهُ أَنَّ دَلِيلَ الرِّضَا، وَهُوَ ذِكْرُ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ لَا يَكْفِي كَمَا يَكْفِي فِيمَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْإِحْدَاثُ بَلْ لَا بُدَّ فِي دُخُولِهَا مِنْ صَرِيحِ رِضَا شَرِيكِهِ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ.
[بَابُ الِاسْتِحْقَاقِ]
(بَابُ الِاسْتِحْقَاقِ) (قَوْلُهُ وَصَحَّحَ الْعِمَادِيُّ فِي الْفُصُولِ إلَخْ) نَقَلَ الرَّمْلِيُّ عَنْ الْغَزِّيِّ عِبَارَةَ الْفُصُولِ فِي الْفَصْلِ الْعَاشِرِ فِي دَعْوَى الْوَقْفِ، وَلَيْسَ فِيهَا تَصْحِيحٌ أَصْلًا بَلْ مُجَرَّدُ حِكَايَةِ أَنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى الْكَافَّةِ عَنْ الْإِمَامِ الْحَلْوَانِيِّ وَالسِّنْدِيِّ، وَعَدَمِهِ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ وَالصَّدْرِ الشَّهِيدِ قَالَ وَفِي الْفَوَاكِهِ الْبَدْرِيَّةِ لِمَوْلَانَا بَدْرِ الدِّينِ بْنِ الْغَرْسِ إنَّ الْقَضَاءَ بِالْوَقْفِ لَا يَكُونُ قَضَاءً كُلِّيًّا حَتَّى تُسْمَعَ فِيهِ دَعْوَى مِلْكِ وَقْفٍ آخَرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
قُلْتُ: وَعِبَارَةُ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ الْقَضَاءُ بِالْوَقْفِيَّةِ قِيلَ يَكُونُ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَقِيلَ لَا (قَوْلُهُ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَالنِّكَاحِ، وَالنَّسَبِ، وَالْوَلَاءِ) أَرَادَ بِالْحُرِّيَّةِ بِالْعِتْقِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ سَابِقًا، وَسَيَأْتِي عَنْ الدُّرَرِ ذِكْرُ الْحُرِّيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَتَقْيِيدُ الْعِتْقِ بِمَا إذَا كَانَ فِي مِلْكٍ مُطْلَقٍ لَا مُؤَرَّخٍ لِيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ فِي كَوْنِهِ قَضَاءً عَلَى الْكَافَّةِ مُطْلَقًا، وَأَلَّا يَكُونَ قَضَاءً عَلَى الْكَافَّةِ مِنْ وَقْتِ التَّارِيخِ.
وَزَادَ فِي الْحَوَاشِي الْحَمَوِيَّةِ عَلَى مَا هُنَا مَا فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ لَوْ أَحْضَرَ رَجُلًا، وَادَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا لِمُوَكِّلِهِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي اسْتِيفَاءِ حُقُوقِهِ، وَالْخُصُومَةِ قُبِلَتْ، وَيُقْضَى بِالْوَكَالَةِ، وَيَكُونُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ قَضَاءً عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا بِسَبَبِ الْوَكَالَةِ فَكَانَ إثْبَاتُ
стр. 2057
مِيرَاثًا لَهُ بَيْنَ الْأَخِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَبَيْنَهُ يُقْضَى لِلْأَخِ الْمُدَّعِي بِنِصْفِ الدَّارِ لِأَنَّ الْأَخَ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ لَمْ يَقُلْ فِي الْجَوَابِ مِلْكِي لِأَنِّي وَرِثْتهَا مِنْ أَبِي فَلَمْ يَصِرْ الْأَخُ الْآخَرُ حِينَئِذٍ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ.
وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ ذُو الْيَدِ، وَهُوَ الْأَخُ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ بَعْدَمَا أَنْكَرَ، وَبَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْأَخِ. اهـ.
وَذَكَرَ قَبْلَهُ الْمُوَرِّثُ إذَا صَارَ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ فِي مَحْدُودٍ فَمَاتَ فَادَّعَى وَارِثُهُ ذَلِكَ الْمَحْدُودَ إنْ ادَّعَى الْإِرْثَ مِنْ هَذَا الْمُوَرِّثِ لَا تُسْمَعُ، وَإِنْ ادَّعَى مُطْلَقًا تُسْمَعُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْقَلْبِ بِأَنْ كَانَ الْمُوَرِّثُ مُدَّعِيًا، وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ أَجْنَبِيًّا فَلَمَّا مَاتَ الْمُوَرِّثُ ادَّعَى الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ هَذَا الْمَحْدُودَ مُطْلَقًا عَلَى وَارِثِهِ لَا تُسْمَعُ، وَذَكَرَ فِيهَا مَعْزِيًّا إلَى الصُّغْرَى فِي دَعْوَى الدَّيْنِ عَلَى إحْدَى الْوَرَثَةِ، وَقَدْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي أَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا الْقَضَاءَ عَلَيْهِ قَضَاءً عَلَى الْمَيِّتِ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْمُشْتَرِي قَضَاءٌ عَلَى الْبَائِعِ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِاسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي قَضَاءٌ عَلَى الْكُلِّ، وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى أَحَدِهِمْ أَنَّهُ مِلْكُهُ، وَعَلَى الْوَارِثِ قَضَاءٌ عَلَى الْمُوَرِّث بِشَرْطِهِ، وَعَلَى الْمُوَرِّثِ قَضَاءٌ عَلَى الْوَارِثِ بِشَرْطِهِ، وَعَلَى أَحَدِ الْوَرَثَةِ قَضَاءٌ عَلَى الْبَاقِي بِشَرْطِهِ، وَذَكَرَ مُلَّا خُسْرو مِنْ بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَالْحُكْمُ بِالْحُرِّيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ حُكْمٌ عَلَى الْكَافَّةِ حَتَّى لَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْمِلْكِ مِنْ أَحَدٍ، وَكَذَا الْعِتْقُ وَفُرُوعُهُ، وَأَمَّا الْحُكْمُ فِي الْمِلْكِ الْمُؤَرَّخِ فَعَلَى الْكَافَّةِ مِنْ التَّارِيخِ لَا قَبْلَهُ يَعْنِي إذَا قَالَ زَيْدٌ لِبَكْرٍ إنَّك عَبْدِي مَلَكْتُك مُنْذُ خَمْسَةَ أَعْوَامٍ فَقَالَ بَكْرٌ إنِّي كُنْت عَبْدَ بِشْرٍ مَلَكَنِي مُنْذُ سِتَّةِ أَعْوَامٍ فَأَعْتَقَنِي فَبَرْهَنَ عَلَيْهِ انْدَفَعَ دَعْوَى زَيْدٍ ثُمَّ إذَا قَالَ عَمْرٌو لِبَكْرٍ إنَّك عَبْدِي مَلَكْتُك مُنْذُ سَبْعَةِ أَعْوَامٍ، وَأَنْتَ مِلْكِي الْآنَ فَبَرْهَنَ عَلَيْهِ تُقْبَلُ، وَيُفْسَخُ الْحُكْمُ بِحُرِّيَّتِهِ، وَيُجْعَلُ مِلْكًا لِعَمْرٍو.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ قَاضِي خَانْ قَالَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ فَصَارَتْ مَسَائِلُ الْبَابِ عَلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا عِتْقٌ فِي مِلْكٍ مُطْلَقٍ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ، وَالْقَضَاءُ بِهِ قَضَاءٌ عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ، وَالثَّانِي الْقَضَاءُ بِالْعِتْقِ فِي الْمِلْكِ الْمُؤَرَّخِ وَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ مِنْ وَقْتِ التَّارِيخِ، وَلَا يَكُونَ قَضَاءً قَبْلَهُ فَلْيَكُنْ هَذَا عَلَى ذِكْرٍ مِنْك فَإِنَّ الْكُتُبَ الْمَشْهُورَةَ خَالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ الْفَائِدَةِ. اهـ.
وَمِنْ فُرُوعِ التَّعَدِّي إذَا قُضِيَ بِهَا دُونَ الْإِقْرَارِ مَسْأَلَةٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ إذَا اسْتَحَقَّ الْمَبِيعُ بِبَيِّنَةٍ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ، وَبِالْإِقْرَارِ لَا، وَمِنْ مَسَائِلِ الِاسْتِحْقَاقِ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ لَوْ اسْتَحَقَّ بِالْبَيِّنَةِ فَطَلَبَ ثَمَنَهُ مِنْ بَائِعِهِ فَقَالَ الْمَبِيعُ لِي، وَشَهِدَا بِزُورٍ فَقَالَ الْمُشْتَرِي أَنَا أَشْهَدُ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُمَا شَهِدَا بِزُورٍ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ بِثَمَنِهِ عَلَى بَائِعِهِ مَعَ هَذَا الْإِقْرَارِ إذْ الْمَبِيعُ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ فَلَا يَحِلُّ ثَمَنُهُ لِلْبَائِعِ ثُمَّ قَالَ الْمَرْجُوعُ عَلَيْهِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ لَوْ أَقَرَّ بِالِاسْتِحْقَاقِ، وَمَعَ ذَلِكَ بَرْهَنَ الرَّاجِعُ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى بَائِعِهِ إذْ الْحُكْمُ وَقَعَ بِبَيِّنَةٍ لَا بِإِقْرَارٍ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ الِاسْتِحْقَاقُ لِيُمْكِنَهُ الرُّجُوعُ عَلَى بَائِعِهِ، وَفِيهِ لَوْ بَرْهَنَ الْمُدَّعِي ثُمَّ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ يُقْضَى لَهُ بِإِقْرَارٍ لَا بِبَيِّنَةٍ إذْ الْبَيِّنَةُ إنَّمَا تُقْبَلُ عَلَى الْمُنْكِرِ لَا عَلَى الْمُقِرِّ، وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ فَقِيلَ يُقْضَى بِالْإِقْرَارِ، وَقِيلَ بِالْبَيِّنَةِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَأَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ اهـ.
وَأَوْرَدَ عَلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ قَاصِرٌ عَلَى الْمُقِرِّ مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى إذَا أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يُسَافِرَ بِامْرَأَتِهِ فَأَقَرَّتْ بِدَيْنٍ لِإِنْسَانٍ فَإِنَّهُ يَمْنَعُهَا مِنْ السَّفَرِ الثَّانِيَةُ إذَا أَقَرَّ الْآجِرُ بِدَيْنٍ يَصِحُّ، وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ الْإِقْرَارُ عَلَى الْمُقِرِّ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْغَيْرِ لَكِنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ الْإِقْرَارِ لِأَنَّهُ صَادَفَ خَالِصَ حَقِّ الْمُقِرِّ، وَهُوَ الذِّمَّةُ ثُمَّ لَزِمَ مِنْهُ إتْلَافُ حَقِّ الْغَيْرِ بِالضَّرُورَةِ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ، وَالْآجِرَ
ــ
[منحة الخالق]
السَّبَبِ عَلَيْهِ إثْبَاتًا عَلَى الْكَافَّةِ حَتَّى لَوْ أَحْضَرَ آخَرَ، وَادَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا لَا يُكَلَّفُ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَأَمَّا الْحُكْمُ فِي الْمِلْكِ الْمُؤَرَّخِ إلَخْ) قَالَ السَّيِّدُ أَبُو السُّعُودِ فِي حَاشِيَةِ مِسْكِينٌ اسْتَنْبَطَ شَيْخُنَا مِنْ كَلَامِ مُنْلَا خُسْرو أَنَّ الْقَضَاءَ بِالنِّكَاحِ لِمَنْ ادَّعَاهُ، وَأَثْبَتَهُ يَكُونُ قَضَاءً فِي حَقِّ كَافَّةِ النَّاسِ مِنْ وَقْتِ التَّارِيخِ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى أَحَدٍ نِكَاحَهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ مَا بَقِيَ النِّكَاحُ الْمَقْضِيِّ بِهِ، وَقَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي أَرَّخَهُ تُقْبَلُ، وَيَبْطُلُ بِهِ الْحُكْمُ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَضَاءً عَلَى الْكَافَّةِ مِنْ وَقْتِ التَّارِيخِ لَا قَبْلَهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ إلَخْ) ذَكَرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَنْ فَتَاوَى رَشِيدِ الدَّيْنِ أَنَّهُ مَشَى أَوَّلًا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، وَفِي آخِرِ الْبَابِ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَأَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا يُنَاقِضُ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا إلَّا أَنْ تُخَصَّ تِلْكَ بِعَارِضِ الْحَاجَةِ إلَى الرُّجُوعِ، فَيَتَحَصَّلُ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْحَقُّ بِهِمَا يَنْبَغِي عَلَى مَا جَعَلَهُ الْأَظْهَرُ أَنْ يُقْضَى بِالْإِقْرَارِ وَإِنْ سَبَقَتْهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ غَيْرَ أَنَّ الْقَاضِيَ يَتَمَكَّنُ مِنْ اعْتِبَارِ قَضَائِهِ بِالْبَيِّنَةِ فَعِنْدَ تَحَقُّقِ حَاجَةِ الْخَصْمِ إلَى ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ قَضَاءً بِهَا لِيَنْدَفِعَ الضَّرَرُ عَنْهُ بِالرُّجُوعِ. اهـ.
وَلَخَصَّهُ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِهِ، وَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ عِنْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ بِهِمَا يُقْضَى بِالْإِقْرَارِ عَلَى الْأَظْهَرِ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ فَبِالْبَيِّنَةِ، وَسَيَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ عِبَارَتَهُ بِتَمَامِهَا فِي التَّتِمَّةِ آخِرَ هَذَا الْفَصْلِ
стр. 2058
يَقْدِرَانِ عَلَى الْإِنْشَاءِ بِالِاسْتِقْرَاضِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يُصَدَّقُ الْمُؤَجَّرُ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَا تُنْتَقَضُ الْإِجَارَةُ، وَلَا تُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ فِي حَقِّ الزَّوْجِ حَتَّى لَا يَكُونُ لِلْمُقَرِّ لَهُ حَبْسُهَا وَمُلَازَمَتُهَا، وَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الزَّوْجِ فِي نَقْلِهَا كَذَا ذَكَرَهُ الْعَتَّابِيُّ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ، وَذَكَرَ قَبْلَهُ أَصْلًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ أَصْلُ الْبَابِ أَنَّ إقْرَارَ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَصِحُّ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَضَمَّنَ إقْرَارُهُ بُطْلَانَ حَقِّ الْغَيْرِ بِحَيْثُ يُضَافُ الْبُطْلَانُ إلَى إقْرَارِهِ فَفِي مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ إنَّمَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ بِالْتِزَامِ الدَّيْنِ ثُمَّ تَعَدَّى إلَى حَقِّ الْغَيْرِ، وَهُوَ الْمُسْتَأْجِرُ، وَحَقُّهُ إنَّمَا يَبْطُلُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالْبَيْعِ وَالتَّنْفِيذِ فَلَا يُضَافُ الْبُطْلَانُ إلَى إقْرَارِ الْآجِرِ فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا عَلَى الْغَيْرِ، وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَرْأَةِ اهـ.
وَمِنْ مَسَائِلِ اقْتِصَارِ الْإِقْرَارِ مَسْأَلَةٌ فِي الذَّخِيرَةِ مِنْ الْفَصْلِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ الْمُتَفَرِّقَاتِ قَبِيلَ الصَّرْفِ ذَكَرَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ شَهَادَاتِ الْجَامِعِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِعِتْقِ عَبْدٍ فَرُدَّتْ لِتُهْمَةٍ فَوَكَّلَ الْمَوْلَى أَحَدَهُمَا بِبَيْعِهِ فَبَاعَهُ مِنْ الشَّاهِدِ الْآخَرِ صَحَّ الْبَيْعُ لِأَنَّ قَوْلَهُمَا لَمْ يَنْفُذْ فِي حَقِّ الْمَالِكِ، وَالْمُتَعَاقِدَانِ وَإِنْ تَصَادَقَا عَلَى فَسَادِ الْبَيْعِ لَكِنْ قَوْلُهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَعَتَقَ الْعَبْدُ لِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي بِحُرِّيَّتِهِ، وَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفٌ، وَبَرِئَ الْمُشْتَرِي عَنْ الثَّمَنِ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِمَا، وَلَا يَبْرَأُ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بِنَاءً عَلَى إبْرَاءِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ عَنْ الثَّمَنِ، وَضَمِنَهُ الْوَكِيلُ عِنْدَهُمَا، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ حَقُّ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنَّمَا يَسْتَوْفِيهِ الْمُوَكِّلُ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا أَبْرَأ عَنْ الثَّمَنِ حَتَّى لَمْ يَصِحَّ الْإِبْرَاءُ عِنْدَهُ فَلِلْوَكِيلِ اسْتِيفَاؤُهُ، وَإِنْ بَاعَ الْوَكِيلُ الْعَبْدَ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ جَازَ، وَلَا عِتْقَ وَلَا بَرَاءَةَ، وَتَمَامُهَا فِيهَا.
قَوْلُهُ (وَالتَّنَاقُضُ يَمْنَعُ دَعْوَى الْمِلْكِ) لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْكَلَامِ الْمُتَنَاقِضِ إذْ أَحَدُهُمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَسَقَطَا، وَهَذَا أَصْلٌ لِفُرُوعٍ كَثِيرَةٍ مَذْكُورَةٍ فِي الدَّعْوَى، وَلَا بَأْسَ بِإِيرَادِ نُبْذَةٍ مِنْهَا فَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مِقْدَارًا مَعْلُومًا بِأَنَّهُ دَيْنٌ لَهُ عَلَيْهِ، وَأَنْكَرَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ عِنْدَهُ مِنْ جِهَةِ الشَّرِكَةِ فَإِنَّهُ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِأَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ فِي كَلَامِهِ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ تُسْمَعُ لِإِمْكَانِ التَّوْفِيقِ لِأَنَّ مَالَ الشَّرِكَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا بِالْجُحُودِ، وَالدَّيْنُ لَا يَصِيرُ مَالَ الشَّرِكَةِ، وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ فِيهَا أَيْضًا رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ أَخُوهُ، وَادَّعَى عَلَيْهِ النَّفَقَةَ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَيْسَ هُوَ بِأَخِي ثُمَّ مَاتَ الْمُدَّعِي، وَخَلَفَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً فَجَاءَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَطْلُبُ مِيرَاثَهُ، وَقَالَ هُوَ أَخِي لَا تُقْبَلُ وَلَا يُقْضَى لَهُ بِالْمِيرَاثِ لِأَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ، وَلَوْ كَانَ مَكَان دَعْوَى الْأُخُوَّةِ دَعْوَى الْبُنُوَّةِ أَوْ الْأُبُوَّةِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَيُقْضَى لَهُ بِالْمِيرَاثِ، وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ فِيهَا ادَّعَى عَيْنًا فِي يَدِ إنْسَانٍ أَنَّهَا لِفُلَانٍ وَكَّلَنِي بِالْخُصُومَةِ فِيهَا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا لَهُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ يَصِيرُ مُتَنَاقِضًا فَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهَا لَهُ ثُمَّ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لِفُلَانٍ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ فِيهِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَلَا يَصِيرُ مُتَنَاقِضًا اهـ.
وَمِنْهَا مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ ادَّعَى شِرَاءَ دَارٍ مِنْ أَبِيهِ فَقَبْلَ أَنْ يُزَكِّيَ شُهُودُهُ بَرْهَنَ عَلَى أَنَّهُ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ تُقْبَلُ لِوُضُوحِ التَّوْفِيقِ لِأَنَّهُ يَقُولُ جَحَدَنِي الشِّرَاءَ فَمَلَكْت بِالْإِرْثِ، وَعَلَى الْعَكْسِ لَا، وَمِنْهَا مَا فِيهَا أَيْضًا ادَّعَى الصَّدَقَةَ مِنْهُ مُنْذُ سَنَةٍ ثُمَّ ادَّعَى الشِّرَاءَ مِنْهُ مُنْذُ شَهْرٍ، وَبَرْهَنَ لَا تُقْبَلُ إلَّا إذَا وَفَّقَ كَمَا مَرَّ، وَمِنْهَا مَا فِيهَا لَوْ ادَّعَى أَوَّلًا الْوَقْفَ ثُمَّ لِنَفْسِهِ لَا تُسْمَعُ كَمَا لَوْ ادَّعَاهَا لِغَيْرِهِ ثُمَّ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهَا لَهُ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا وَقْفٌ عَلَيْهِ تُسْمَعُ لِصِحَّةِ الْإِضَافَةِ بِالْأَخَصِّيَّةِ انْتِفَاعًا كَمَا لَوْ ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ لِغَيْرِهِ، وَمِنْهَا مَا فِيهَا أَيْضًا ادَّعَى أَنَّهُ لِفُلَانٍ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لِفُلَانٍ آخَرَ، وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ لَا تُقْبَلُ إذْ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فِي عَيْنٍ مِنْ جِهَةِ زَيْدٍ مَثَلًا لَا يَلِي إضَافَتَهُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا إذَا وَفَّقَ، وَقَالَ كَانَ لِفُلَانٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَ وَكَّلَنِي بِالْخُصُومَةِ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ الثَّانِي، وَوَكَّلَنِي الثَّانِي أَيْضًا، وَالتَّدَارُكُ مُمْكِنٌ بِأَنْ غَابَ عَنْ الْمَجْلِسِ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ مُدَّةٍ، وَبَرْهَنَ عَلَى ذَلِكَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفٌ) لِأَنَّ الْمَوْلَى مَعَ الْمُشْتَرِي كُلٌّ مِنْهُمَا يَنْفِيهِ عَنْ نَفْسِهِ ذَخِيرَةٌ.
(قَوْلُهُ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا) أَيْ ثَمَّ مَاتَ الْمُدَّعِي عَنْ مَالٍ فَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبُنُوَّةَ أَوْ الْأُبُوَّةَ وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ مِمَّا يَأْتِي عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ قَرِيبًا فِي الْقَوْلَةِ الْآتِيَةِ (قَوْلُهُ يَصِيرُ مُتَنَاقِضًا فَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ) أَيْ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُضِيفُ مَالَ نَفْسِهِ إلَى غَيْرِهِ قَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْفَصْلِ أَقُولُ: يُمْكِنُ أَيْضًا فِي هَذَا أَنَّهُ أَضَافَ مَالَ الْغَيْرِ إلَى نَفْسِهِ فَلَا تَنَاقُضَ حِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَقْبُولًا
стр. 2059
عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَصِيرِيُّ فِي الْجَامِعِ دَلَّنَا بِهِ أَنَّ الْإِمْكَانَ لَا يَكْفِي، وَمِنْهَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْ فُلَانٍ بِالْخُصُومَةِ فِيهِ ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ مَا هُوَ لَهُ لَا يُضِيفُهُ إلَى غَيْرِهِ فِي الْخُصُومَةِ، وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْمِلْكِ بَعْدَمَا أَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ بَرْهَنَ أَوَّلًا لِمُوَكِّلِهِ لِعَدَمِ الشَّهَادَةِ بِهِ لَهُ إلَّا إذَا وَفَّقَ، وَقَالَ كَانَ لِفُلَانٍ وَكَّلَنِي بِالْخُصُومَةِ ثُمَّ اشْتَرَيْته مِنْهُ، وَبَرْهَنَ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُمْكِنِ بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلٌ لِفُلَانٍ بِالْخُصُومَةِ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ فَإِنَّ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ قَدْ يُضِيفُ إلَى نَفْسِهِ بِكَوْنِ الْمُطَالَبَةِ لَهُ.
وَمِنْهَا مَا فِي الْأَجْنَاسِ الصُّغْرَى ادَّعَى مَحْدُودًا بِشِرَاءٍ أَوْ إرْثٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ مِلْكًا مُطْلَقًا لَا تُسْمَعُ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى الْأُولَى عِنْدَ الْقَاضِي فَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ عِنْدَ الْقَاضِيَ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، وَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرُوا أَنَّ التَّنَاقُضَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ كِلَا الدَّعْوَتَيْنِ عِنْدَ الْقَاضِي فَأَمَّا مَنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي عِنْدَ الْقَاضِي يَكْفِي فِي تَحَقُّقِ التَّنَاقُضِ كَوْنُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَفِيهَا أَيْضًا، وَالتَّنَاقُضُ كَمَا يَمْنَعُ الدَّعْوَى لِنَفْسِهِ يَمْنَعُ الدَّعْوَى لِغَيْرِهِ، وَالتَّنَاقُضُ يَرْتَفِعُ بِتَصْدِيقِ الْخَصْمِ، وَبِتَكْذِيبِ الْحَاكِمِ أَيْضًا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْمُقِرُّ إذَا صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا بَطَلَ إقْرَارُهُ، وَفِيهَا الْإِيدَاعُ وَالِاسْتِعَارَةُ، وَالِاسْتِئْجَارُ، وَالِاسْتِيهَابُ إقْرَارٌ بِأَنَّ الْعَيْنَ لِذِي الْيَدِ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بِأَنَّهَا لَهُ وَطَلَبُ نِكَاحِ الْأَمَةِ مَانِعٌ مِنْ دَعْوَى تَمَلُّكِهَا وَطَلَبُ نِكَاحِ الْحُرَّةِ مَانِعٌ مِنْ دَعْوَى نِكَاحِهَا. اهـ.
وَذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِي أَنَّ إمْكَانَ التَّوْفِيقِ يَكْفِي لَدَفَعَ التَّنَاقُضِ أَوْ التَّوْفِيقِ بِالْفِعْلِ ذَكَرَهُمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مَعْزِيًّا إلَى الْخُجَنْدِيِّ أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّ التَّنَاقُضَ إنْ كَانَ مِنْ الْمُدَّعِي لَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ بِالْفِعْلِ، وَلَا يَكْفِي الْإِمْكَانُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَكْفِي الْإِمْكَانُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وُجُودُهُ وَوُقُوعُهُ، وَالظَّاهِرُ حُجَّةٌ فِي الدَّفْعِ لَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَالْمُدَّعِي مُسْتَحِقٌّ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ دَافِعٌ، وَالظَّاهِرُ يَكْفِي فِي الدَّفْعِ لَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَيُقَالُ أَيْضًا إنَّ تَعَدُّدَ الْوُجُوهِ لَا يَكْفِي الْإِمْكَانَ، وَإِنْ اتَّحَدَ يَكْفِي الْإِمْكَانُ. اهـ.
وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَسَائِلَ شَتَّى مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَا كَانَ لَك عَلَيَّ شَيْءٌ قَطُّ ثُمَّ ادَّعَى الْإِيفَاءَ أَوْ الْإِبْرَاءَ، وَفِي كِتَابِ الدَّعْوَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالتَّنَاقُضُ فِي اللُّغَةِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ التَّدَافُعُ يُقَالُ تَنَاقَضَ الْكَلَامَانِ تَدَافَعَا كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ نَقَضَ الْآخَرَ، وَفِي كَلَامِهِ تَنَاقُضٌ إذَا كَانَ بَعْضُهُ يَقْتَضِي إبْطَالَ بَعْضٍ. اهـ.
وَفِي الصِّحَاحِ، وَالْمُنَاقَضَةُ فِي الْقَوْلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا يَتَنَاقَضُ مَعْنَاهُ. اهـ.
وَأَمَّا فِي الْمَنْطِقِ فَقَالَ فِي الشَّمْسِيَّةِ مِنْ الْفَصْلِ الثَّالِثِ فِي أَحْكَامِ الْقَضَايَا، وَحَّدُوا التَّنَاقُضَ بِأَنَّهُ اخْتِلَافُ قَضِيَّتَيْنِ بِالسَّلْبِ وَالْإِيجَابِ بِحَيْثُ يَقْتَضِي لِذَاتِهِ أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا صَادِقَةً وَالْأُخْرَى كَاذِبَةً فَلَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمَخْصُوصَتَيْنِ إلَّا عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَوْضُوعِ، وَيَنْدَرِجُ فِيهِ وَحْدَةُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لِكُلٍّ، وَعِنْدَ اتِّحَادِ الْمَحْمُولِ، وَيَنْدَرِجُ فِيهِ وَحْدَةُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْإِضَافَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ وَالْمَحْصُورَتَيْنِ، وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِلَافِ بِالْكَمِّيَّةِ لِصِدْقِ الْجُزْئِيَّيْنِ وَكَذِبِ الْكُلِّيَّتَيْنِ فِي كُلِّ مَادَّةٍ يَكُونُ الْمَوْضُوعُ فِيهَا أَعَمَّ، وَلَا بُدَّ مِنْ الِاخْتِلَافِ بِالْجِهَةِ فِي الْكُلِّ لِصِدْقِ الْمُمْكِنَتَيْنِ وَكَذِبِ الضَّرُورِيَّتَيْنِ فِي مَادَّةِ الْإِمْكَانِ. اهـ.
وَتَوْضِيحُهُ فِي شَرْحِهَا لِلْقُطْبِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْفُقَهَاءِ بِهِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ لَا الْمَنْطِقِيُّ كَمَا لَا يَخْفَى.
قَوْلُهُ (لَا الْحُرِّيَّةُ، وَالنَّسَبُ وَالطَّلَاقُ) لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْخَفَاءِ فَيُعْذَرُ فِي التَّنَاقُضِ لِأَنَّ النَّسَبَ يُبْتَنَى عَلَى الْعُلُوقِ وَالطَّلَاقُ وَالْحُرِّيَّةُ يَنْفَرِدُ بِهَا الزَّوْجُ وَالْمَوْلَى فَتَفَرَّعَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مَا فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ بِالرِّقِّ أَنَّ الْأَمَةَ إذَا أَقَرَّتْ بِالرِّقِّ فَبَاعَهَا الْمُقَرُّ لَهُ جَازَ فَإِنْ ادَّعَتْ عِتْقًا بَعْدَ الْبَيْعِ، وَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَى عِتْقٍ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ مِنْ الْأَصْلِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهَا اسْتِحْسَانًا، وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا، وَدَفَعَهُ إلَى الْمُشْتَرِي، وَقَبَضَ ثَمَنَهُ، وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي، وَذَهَبَ بِهِ إلَى مَنْزِلِهِ، وَالْعَبْدُ سَاكِتٌ، وَهُوَ مِمَّنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَهَذَا إقْرَارٌ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرُوا إلَخْ) سَيَأْتِي عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ مَا يُفِيدُ تَرْجِيحَ الثَّانِيَةِ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَعَنْ النَّهْرِ اخْتِيَارُ الْأُولَى (قَوْلُهُ وَالتَّنَاقُضُ يَرْتَفِعُ بِتَصْدِيقِ الْخَصْمِ وَبِتَكْذِيبِ الْحَاكِمِ) قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ كَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ كَفَلَ لَهُ عَنْ مَدْيُونِهِ بِأَلْفٍ فَأَنْكَرَ الْكَفَالَةَ فَبَرْهَنَ الدَّائِنُ، وَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ، وَأَخَذَ الْمَكْفُولُ لَهُ مِنْهُ الْمَالَ ثُمَّ إنَّ الْكَفِيلَ ادَّعَى عَلَى الْمَدْيُونِ أَنَّهُ كَانَ كَفِيلًا عَنْهُ بِأَمْرِهِ، وَبَرْهَنَ عَلَى ذَلِكَ يُقْبَلُ عِنْدَنَا، وَيَرْجِعُ عَلَى الْمَكْفُولِ بِمَا كَفَلَ لِأَنَّهُ صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا بِالْقَضَاءِ اهـ.
стр. 2060
مِنْهُ بِالرِّقِّ لِأَنَّهُ إنْقَادٌ لِلْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ شَرْعًا إلَّا فِي الرَّقِيقِ فَلَا يَصْدُقُ فِي دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَسْعَى فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ تُقْبَلُ، وَالتَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ رَهَنَهُ أَوْ دَفَعَهُ بِجِنَايَةٍ كَانَ إقْرَارًا لَهُ بِالرِّقِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَجَرَهُ ثُمَّ قَالَ أَنَا حُرٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تُصْرَفُ فِي مَنَافِعِهِ لَا فِي عَيْنِهِ، وَمَنَافِعُ الْحُرِّ تُمْلَكُ بِالْإِجَارَةِ كَالْعَبْدِ فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا لَهُ بِالرِّقِّ، وَالْإِجَارَةُ لَيْسَتْ بِإِقْرَارٍ مِنْ الْخَادِمِ بِالرِّقِّ، وَهُوَ إقْرَارٌ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ حَتَّى لَوْ ادَّعَاهُ بَعْدَمَا اسْتَأْجَرَهُ لِنَفْسِهِ لَا يُصَدَّقُ اهـ.
وَأَطْلَقَ الْحُرِّيَّةَ فَشَمِلَ الْأَصْلِيَّةَ وَالْعَارِضَةَ لِخَفَاءِ حَالِ الْعُلُوقِ فَإِنَّ الْوَلَدَ انْجَلَبَ صَغِيرًا مِنْ دَارٍ إلَى دَارٍ، وَيَنْفَرِدُ الْمَوْلَى بِالْإِعْتَاقِ.
وَلِهَذَا قُلْنَا الْمُكَاتَبُ إذَا أَدَّى بَدَلَ الْكِتَابَةِ ثُمَّ ادَّعَى تَقَدُّمَ إعْتَاقِهِ عَلَى الْكِتَابَةِ تُقْبَلُ، وَيُؤَدَّى بَدَلُ الْكِتَابَةِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَأَمَّا التَّنَاقُضُ الْمَعْفُوُّ فِي النَّسَبِ فَصُورَتُهُ لَوْ بَاعَ عَبْدًا وُلِدَ عِنْدَهُ، وَبَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ آخَرَ ثُمَّ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ابْنُهُ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَيَبْطُلُ الشِّرَاءُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي لِأَنَّ النَّسَبَ يَنْبَنِي عَلَى الْعُلُوقِ فَيَخْفَى فَيُعْذَرُ فِي التَّنَاقُضِ هَكَذَا صَوَّرَهُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ النَّسَبَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ خَاصٌّ بِالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَأَمَّا تَنَاقُضُ مَا عَدَاهُمْ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَنْكَرَ أُخُوَّتَهُ عِنْدَ طَلَبِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ فَمَاتَ فَادَّعَى بَعْدَهُ أَنَّهُ أَخُوهُ طَالِبًا مِيرَاثَهُ لَمْ تُسْمَعْ، وَرُجُوعُهُ إلَى التَّنَاقُضِ فِي دَعْوَى الْمِلْكِ لِكَوْنِهِ لَا يَصِحُّ الدَّعْوَى بِأَنَّهُ أَخُوهُ إلَّا إذَا ادَّعَى حَقًّا، وَلِذَا قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْعَاشِرِ فِي النَّسَبِ وَالْإِرْثِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ أَخُوهُ لِأَبَوَيْهِ إنْ ادَّعَى إرْثًا أَوْ نَفَقَةً، وَبَرْهَنَ تُقْبَلُ، وَيَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ أَيْضًا حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْأَبُ، وَأَنْكَرَ لَا تُقْبَلُ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْحَقِّ عَلَى الْغَائِبِ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ مَالًا بَلْ ادَّعَى الْأُخُوَّةَ الْمُجَرَّدَةَ لَا تُقْبَلُ لِأَنَّ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ إثْبَاتُ الْبُنُوَّةِ عَلَى أَبِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْخَصْمُ فِيهِ هُوَ الْأَبُ لَا الْأَخُ.
وَكَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُ ابْنِهِ أَوْ أَبُو أَبِيهِ، وَالِابْنُ، وَالْأَبُ غَائِبٌ أَوْ مَيِّتٌ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَدَّعِ مَالًا فَإِنْ ادَّعَى مَالًا فَالْحُكْمُ عَلَى الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ جَمِيعًا كَمَا مَرَّ بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ أَوْ عَلَى امْرَأَةٍ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ أَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ زَوْجُهَا أَوْ ادَّعَى الْعَبْدُ عَلَى عَرَبِيٍّ أَنَّهُ مَوْلَاهُ عَتَاقَةً أَوْ ادَّعَى عَرَبِيٌّ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ مُعْتَقُهُ أَوْ ادَّعَتْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهَا أَمَتُهُ أَوْ كَانَ الدَّعْوَى فِي وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ، وَأَنْكَرَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَبَرْهَنَ الْمُدَّعِي عَلَى مَا قَالَ تُقْبَلُ ادَّعَى بِهِ حَقًّا أَوْ لَا بِخِلَافِ دَعْوَى الْأُخُوَّةِ لِأَنَّهُ دَعْوَى الْغَيْرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ أَوْ زَوْجُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ صَحَّ أَوْ بِأَنَّهُ أَخُوهُ لَا لِكَوْنِهِ حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، وَتَمَامُهُ فِيهَا، وَلَوْ قَالَ هَذَا الْوَلَدُ لَيْسَ مِنِّي ثُمَّ تَلَاعَنَا ثُمَّ قَالَ مِنِّي يُصَدَّقُ لِخَفَاءِ الْعُلُوقِ فَانْدَفَعَ مَا لَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ لِي ثُمَّ ادَّعَاهَا كَمَا مَرَّ كَذَا فِيهَا أَيْضًا، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ قَالَ لَسْت وَارِثًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ وَارِثُهُ وَبَيَّنَ الْجِهَةَ تُسْمَعُ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ فِي النَّسَبِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. اهـ.
وَعَلَى هَذَا أَفْتَيْت فِيمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَيْسَ ابْنَ فُلَانٍ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُهُ أَنَّهَا تُسْمَعُ أَمَّا الطَّلَاقُ فَصَوَّرَهُ الْعَيْنِيُّ بِمَا إذَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا ثُمَّ أَقَامَتْ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ الْخُلْعِ فَإِنَّهُ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا، وَلَهَا أَنْ تَسْتَرِدَّ بَدَلَ الْخُلْعِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَنَاقِضَةً لِاسْتِقْلَالِ الزَّوْجِ بِإِيقَاعِ الثَّلَاثِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهَا عِلْمٌ بِذَلِكَ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ فَأَنْكَرَ ثُمَّ مَاتَ لَا تَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْمِيرَاثِ اهـ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَصْرَ مَا يُعْفَى فِيهِ التَّنَاقُضُ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ مَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الْخَفَاءِ فَإِنَّهُ يُعْفَى فِيهِ التَّنَاقُضُ فَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ اشْتَرَى دَارًا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ شُهُودًا فَكَبِرَ الِابْنُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِمَا صَنَعَ الْأَبُ ثُمَّ إنَّ الْأَبَ بَاعَ الدَّارَ مِنْ رَجُلٍ، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ ثُمَّ إنَّ الِابْنَ اسْتَأْجَرَ الدَّارَ مِنْ الْمُشْتَرِي ثُمَّ عَلِمَ بِمَا صَنَعَ الْأَبُ فَادَّعَى الدَّارَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَقَالَ إنَّ أَبِي اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ لِي مِنْ نَفْسِهِ فِي صِغَرِي، وَهِيَ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2061
مَلْكِي، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي دَفْعِ دَعْوَى الْمُدَّعِي إنَّك مُتَنَاقِضٌ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى لِأَنَّ اسْتِئْجَارَك هَذِهِ الدَّارَ مِنِّي اعْتِرَافٌ مِنْك أَنَّ الدَّارَ لَيْسَتْ لَك فَدَعَوَاك الدَّارَ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْك تَنَاقُضًا قَالَ الصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ دَفْعًا لِدَعْوَى الْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَ هَذَا تَنَاقُضًا لِأَنَّ هَذَا التَّنَاقُضَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الدَّعْوَى لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَفَاءِ فَإِنَّ الْأَبَ يَسْتَقِلُّ بِالشِّرَاءِ لِلصَّغِيرِ، وَمِنْ الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ، وَالِابْنُ لَا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مَعْزِيًّا إلَى الصُّغْرَى اشْتَرَى ثَوْبًا فِي مِنْدِيلٍ ثُمَّ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ قَالَ تُقْبَلُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ قِيلَ لَا يُقْبَلُ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا، وَفِي الْعُيُونِ قَدِمَ بَلْدَةً وَاشْتَرَى أَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا ثُمَّ ادَّعَاهَا قَائِلًا بِأَنَّهَا دَارُ أَبِيهِ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ وَكَانَ لَمْ يَعْرِفْهَا وَقْتَ الِاسْتِلَامِ لَا تُقْبَلُ قَالَ وَالْقَبُولُ أَصَحُّ، وَفِي الْمُنْيَةِ اثْنَانِ اقْتَسَمَا التَّرِكَةَ ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّ أَبَاهُ كَانَ جَعَلَ لَهُ هَذَا الشَّيْءَ الْمُعَيَّنَ مِنْ الَّذِي كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ الْقِسْمَةِ إنْ قَالَ إنَّهُ كَانَ فِي صِغَرِي تُقْبَلُ، وَإِنْ مُطْلَقًا لَا ذَكَرَ الْوَتَّارُ تَوَلَّى وِلَايَةَ وَقْفٍ أَوْ تَوَلَّى وِصَايَةَ تَرِكَةٍ بَعْدَ تَبَيُّنِ كَوْنِهَا تَرِكَةً أَوْ قَسَمَ تَرِكَةً بَيْنَ وَرَثَةٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ لَا تُسْمَعُ اشْتَرَى جَارِيَةً فِي نِقَابٍ ثُمَّ ادَّعَاهَا، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهَا لَا يُقْبَلُ، وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا فِي مِنْدِيلٍ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لَهُ لَا يُقْبَلُ قَالَ مُحَمَّدٌ النَّظَرُ إلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ إنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَفَ وَقْتَ الْمُسَاوَمَةِ كَالْجَارِيَةِ الْقَائِمَةِ الْمُتَنَقِّبَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا تُقْبَلُ إلَّا إذَا صَدَّقَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ إيَّاهَا فَتُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ كَثَوْبٍ فِي مِنْدِيلٍ أَوْ جَارِيَةٍ قَاعِدَةٍ عَلَى رَأْسِهَا غِطَاءٌ لَا يَرَى مِنْهَا شَيْئًا يُقْبَلُ، وَلِأَجْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ اخْتَلَفَتْ أَقَاوِيلُ الْعُلَمَاءِ فِي الْقَبُولِ وَعَدَمِهِ فِي الْمَسَائِلِ اهـ.
وَفِيهَا أَيْضًا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً مِنْ آخَرَ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ اشْتَرَاهَا لَهُ أَبُوهُ فِي صِغَرِهِ، وَبَرْهَنَ تُقْبَلُ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ يُعْفَى فِيمَا يَجْرِي فِيهِ الْخَفَاءُ فَإِنَّ الْأَبَ يَنْفَرِدُ بِالشِّرَاءِ لِلِابْنِ، وَمِنْ الِابْنِ. اهـ.
وَمِمَّا يُعْفَى فِيهِ التَّنَاقُضُ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ ادَّعَى - الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ قِيمَةَ الْعَيْنِ لِهَلَاكِهَا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا بَاقِيَةٌ، وَبَرْهَنَ تُقْبَلُ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْخَفَاءِ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُتَنَاقِضَ الَّذِي لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ إذَا قَالَ تَرَكْت أَحَدَ الْكَلَامَيْنِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَعْزِيَّا إلَى الذَّخِيرَةِ ادَّعَاهُ مُطْلَقًا فَدَفَعَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّك كُنْت ادَّعَيْته قَبْلَ هَذَا مُقَيَّدًا، وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ فَقَالَ الْمُدَّعِي ادَّعَيْته الْآنَ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وَتَرَكْت الْمُطْلَقَ يُقْبَلُ، وَيَبْطُلُ الدَّفْعُ. اهـ.
وَفِيهَا مَعْزِيَّا إلَى الْمُحِيطِ ادَّعَى عَلَى آخَرَ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ بِالشِّرَاءِ أَوْ الْإِرْثِ ثُمَّ ادَّعَاهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِلْكًا مُطْلَقًا إنْ ادَّعَى الشِّرَاءَ مِنْ مَعْرُوفٍ لَا تُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ ادَّعَاهُ مِنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ أَوْ قَالَ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ الْمُطْلَقُ عِنْدَ الْحَاكِمِ يُقْبَلُ دَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّنَاقُضِ كَوْنُ الْمُتَدَافِعَيْنِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بَلْ يُكْتَفَى بِكَوْنِ الثَّانِي فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ اهـ.
قَوْلُهُ (مَبِيعَةٌ وَلَدَتْ فَاسْتُحِقَّتْ بِبَيِّنَةٍ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا، وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِرَجُلٍ لَا) أَيْ لَا يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأُولَى، وَهِيَ التَّعَدِّي، وَعَدَمُهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِ مَوْلَاهَا، وَفِي الْكَافِي وَلَدَتْ لَا بِاسْتِيلَادِهِ ثُمَّ قِيلَ يَدْخُلُ الْوَلَدُ فِي الْقَضَاءِ بِالْأُمِّ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهَا فَيَكْتَفِي بِهَا، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ بِالْوَلَدِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَفِي النِّهَايَةِ إنَّمَا لَا يَتْبَعُهَا الْوَلَدُ فِي الْإِقْرَارِ إذَا لَمْ يَدَّعِهِ الْمُقَرُّ لَهُ أَمَّا إذَا ادَّعَاهُ كَانَ لَهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَهُ، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْوَلَدِ بَلْ زَوَائِدُ الْمَبِيعِ كُلُّهَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَتَى يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ إذَا ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ قِيلَ بِقَبْضِ الْمُسْتَحِقِّ، وَقِيلَ بِنَفْسِ الْقَضَاءِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ مَا لَمْ يَرْجِعْ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ حَتَّى لَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ بَعْدَمَا قُضِيَ لَهُ أَوْ بَعْدَمَا قَبَضَهُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ يَصِحُّ، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْقَضَاء لِلْمُسْتَحِقِّ لَا يَكُونُ فَسْخًا لِلْبِيَاعَاتِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ اعْلَمْ أَنَّ الْمُتَنَاقِضَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَفِي هَذَا الِاسْتِخْرَاجِ تَأَمُّلٌ فَتَدَبَّرْهُ اهـ.
لِأَنَّ ادِّعَاءَ الْمُطْلَقِ لَا يُنَاقِضُ دَعْوَى الْمُقَيَّدِ أَوَّلًا فَتَأَمَّلْ، وَانْظُرْ مَا نَذْكُرُهُ عَنْ الرَّمْلِيُّ فِي مُتَفَرِّقَاتِ الْقَضَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ لَكِنْ ذَكَرَ هُنَاكَ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ ادَّعَى عَلَيْهِ مِلْكًا مُطْلَقًا ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَاكِمِ بِسَبَبٍ يُقْبَلُ وَيُسْمَعُ بُرْهَانُهُ بِخِلَافِ الْعَكْسِ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْعَاكِسُ أَرَادَ بِالْمُطْلَقِ الثَّانِي الْمُقَيَّدَ الْأَوَّلَ لِكَوْنِ الْمُطْلَقِ أَزْيَدَ مِنْ الْمُقَيَّدِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (قَوْلُهُ ثُمَّ الْمُطْلَقُ عِنْدَ الْحَاكِمِ) أَيْ ثُمَّ ادَّعَى الْمُطْلَقَ عِنْدَ الْحَاكِمِ (قَوْلُهُ دَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّنَاقُضِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَالْأَوْجَهُ عِنْدِي اشْتِرَاطُهُمَا عِنْدَ الْحَاكِمِ إذْ مِنْ شَرَائِطِ الدَّعْوَى كَوْنُهَا لَدَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ
стр. 2062
مَا لَمْ يَرْجِعْ كُلٌّ عَلَى بَائِعِهِ بِالْقَضَاءِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ لَا يَنْفَسِخُ مَا لَمْ يُفْسَخْ، وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
وَتَمَامُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ فَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ وَاسْتِحْقَاقُ الْجَارِيَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْوَلَدِ لَا يُوجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي شَيْئًا كَزَوَائِدِ الْمَغْصُوبِ. اهـ.
وَفِيهَا مِنْ التَّنَاقُضِ بَرْهَنَ عَلَى جَارِيَةٍ أَنَّهَا لَهُ فَقُضِيَ لَهُ بِهَا، وَوَلَدُهَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْحَاكِمُ فَبَرْهَنَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ وَلَدُهَا يُقْضَى بِهِ لَهُ أَيْضًا فَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْأُمِّ بَعْدَ ذَلِكَ يَضْمَنُونَ قِيمَةَ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْوَلَدِ لَهُ بِوَاسِطَةِ شُهُودِ الْأُمِّ فَإِنَّهُمْ لَوْ رَجَعُوا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْأُمِّ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالْوَلَدِ أَوْ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ أَوْ فَسَقَوْا لَا يُحْكَمُ بِالْوَلَدِ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا بِأَنَّهُ مِلْكُ الْمُدَّعِي وَلَدَتْهُ عَلَى مِلْكِهِ جَارِيَتُهُ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ فِي يَدِهِ جَارِيَةٌ أَنَّهَا لِهَذَا الْمُدَّعِي ثُمَّ غَابُوا أَوْ مَاتُوا وَلَهَا وَلَدٌ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدَّعِيهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَهُ، وَبَرْهَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ لَا يَلْتَفِتُ الْحَاكِمُ إلَى كَلَامِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبُرْهَانِهِ، وَيُقْضَى بِالْوَلَدِ لِلْمُدَّعِي فَإِنْ حَضَرَ الشُّهُودُ، وَقَالُوا الْوَلَدُ كَانَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُقْضَى بِضَمَانِ قِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى الشُّهُودِ كَأَنَّهُمْ رَجَعُوا فَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ حَضَرُوا سَأَلَهُمْ عَنْ الْوَلَدِ فَإِنْ قَالُوا إنَّهُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ لَا نَدْرِي لِمَنْ الْوَلَدُ يُقْضَى بِالْأُمِّ لِلْمُدَّعِي، وَلَا يُقْضَى بِالْوَلَدِ فَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا اهـ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ عَبْدٌ لِمُشْتَرٍ اشْتَرِنِي فَإِنِّي عَبْدٌ فَاشْتَرَاهُ فَإِذَا هُوَ حُرٌّ فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا غَيْبَةً مَعْرُوفَةً فَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ) تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ التَّنَاقُضَ فِي دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فَإِنَّ هَذَا الشَّخْصَ أَقَرَّ أَوَّلًا بِالْعُبُودِيَّةِ ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ حُرٌّ بِدَعْوَاهُ فَكَانَ مُتَنَاقِضًا لَكِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَدُلُّ وَضْعُهَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الدَّعْوَى فِي الْحُرِّيَّةِ الْعَارِضَةِ بَلْ الْعَارِضَةُ وَالْأَصْلِيَّةُ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دَعْوَى الْعَبْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهَا حَقُّ الْعَبْدِ، وَلَا يَمْنَعُهَا التَّنَاقُضُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمْ الْعَبْدَ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ شَيْءٌ لِإِمْكَانِ الرُّجُوعِ عَلَى الْبَائِعِ الْقَابِضِ قَوْلُهُ (وَإِلَّا رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَبْدِ، وَالْعَبْدُ عَلَى الْبَائِعِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ غَائِبًا غَيْبَةً غَيْرَ مَعْرُوفَةٍ بِأَنْ لَمْ يَدْرِ مَكَانَهُ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ قَالَ لَهُ اشْتَرِنِي فَأَنَا عَبْدٌ بِمَا دَفَعَ إلَى الْبَائِعِ مِنْ الثَّمَنِ ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ بَاعَهُ بِمَا رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِهِ عَلَيْهِ إنْ قَدَرَ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ بَاعَهُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالضَّمَانِ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَدَّى دَيْنَهُ، وَهُوَ مُضْطَرٌّ فِي أَدَائِهِ بِخِلَافِ مَنْ أَدَّى عَنْ آخَرَ دَيْنًا أَوْ حَقًّا عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَلَيْسَ مُضْطَرًّا فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْقَيْدَيْنِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنَا عَبْدٌ وَقْتَ الْمَبِيعِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِشِرَائِهِ أَوْ قَالَ اشْتَرِنِي، وَلَمْ يَقُلْ أَنَا عَبْدٌ لَا رُجُوعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ مِنْ فَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ مَا يُخَالِفُهُ فَلْيُنْظَرْ ثَمَّةَ.
قَوْلُهُ (بِخِلَافِ الرَّهْنِ) أَيْ لَوْ قَالَ ارْتَهِنِي فَأَنَا عَبْدٌ فَظَهَرَ حُرًّا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِالْمُعَاوَضَةِ، وَهِيَ الْمُبَايَعَةُ أَوْ بِالْكَفَالَةِ وَلَمْ يُوجَدَا، وَالْمَوْجُودُ هُنَا مُجَرَّدُ الْإِخْبَارِ كَاذِبًا فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ أَجْنَبِيٌّ، وَكَمَا لَوْ قَالَ ارْتَهِنِي فَأَنَا عَبْدٌ، وَلَهُمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ شَرَعَ فِي الشِّرَاءِ مُعْتَمَدًا عَلَى أَمْرِهِ وَإِقْرَارِهِ فَكَانَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ، وَالتَّغْرِيرُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي سَلَامَةَ الْعِوَضِ يُجْعَلُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ دَفْعًا لِلْغَرَرِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ فَكَانَ بِتَغْرِيرِهِ ضَامِنًا لِدَرْكِ الثَّمَنِ لَهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ رُجُوعِهِ عَلَى الْبَائِعِ كَالْمَوْلَى إذَا قَالَ لِأَهْلِ السُّوقِ بَايِعُوا عَبْدِي فَإِنِّي قَدْ أَذِنْت لَهُ فَفَعَلُوا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ فَإِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَلَى الْمَوْلَى بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، وَيُجْعَلُ الْمَوْلَى بِذَلِكَ ضَامِنًا لِدَرْكِ مَا ذَابَ عَلَيْهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ النَّاسِ بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ بَلْ عَقْدَ وَثِيقَةٍ لِلِاسْتِيفَاءِ فَلَا يُجْعَلُ الْآمِرُ بِهِ ضَامِنًا لِأَنَّهُ لَيْسَ تَغْرِيرًا فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ كَمَا لَوْ قَالَ لِسَائِلٍ عَنْ أَمْنِ الطَّرِيقِ اُسْلُكْ هَذَا الطَّرِيقَ فَإِنَّهُ آمِنٌ فَسَلَكَهُ فَنُهِبَ مَالُهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَكَذَا لَوْ قَالَ كُلْ هَذَا الطَّعَامَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَسْمُومٍ فَأَكَلَهُ
ــ
[منحة الخالق]
اهـ.
وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي مُتَفَرِّقَاتِ الْقَضَاءِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ اعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْكَلَامَيْنِ عِنْدَ الْقَاضِي فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ كَوْنَ الثَّانِي عِنْدَ الْقَاضِي فَقَطْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَلَمْ يُرَجِّحْ، وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الثَّانِي. اهـ.، وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ هُنَاكَ.
(قَوْلُهُ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ لَا يَنْفَسِخُ مَا لَمْ يُفْسَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَمَعْنَى هَذَا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى الْفَسْخِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا إذَا اسْتَحَقَّ الْمُشْتَرِي فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي نَقْضَ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضَا الْبَائِعِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ فِي يَدِهِ جَارِيَةٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْوَلَدِ مَحِلُّهُ مَا إذَا سَكَتَا أَمَّا إذَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ قَالُوا لَا نَدْرِي لَا يُقْضَى بِهِ.
стр. 2063
فَمَاتَ غَيْرَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّهُ لَا يُعْبَأُ بِقَوْلِهِ لِعَدَمِ اعْتِمَادِهِ عَلَى قَوْلِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ لَهُ الْغُرُورُ، وَفِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَفَلَ بِثَمَنِ نَفْسِهِ عَنْ الْبَائِعِ صَحَّتْ الْكَفَالَةُ، وَفِي الْخَانِيَّةِ الْمَغْرُورُ يَرْجِعُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ أَوْ بِقَبْضٍ يَكُونُ لِلدَّافِعِ كَالْوَدِيعَةِ وَالْإِجَارَةِ إذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ أَوْ الْعَيْنُ الْمُسْتَأْجَرَةُ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ، وَاسْتَحَقَّ الْعَيْنَ، وَضَمَّنَ الْمُودِعُ وَالْمُسْتَأْجِرَ فَإِنَّ الْمُودَعَ وَالْمُسْتَأْجِرَ يَرْجِعُ عَلَى الدَّافِعِ بِمَا ضَمِنَ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ كَانَ بِمَعْنَاهُمَا، وَفِي الْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ لَا يَرْجِعُ عَلَى الدَّافِعِ بِمَا ضَمِنَ اهـ
(تَتِمَّةٌ) فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِأَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكُ فُلَانٍ وَصَدَّقَهُ، أَوْ ادَّعَاهُ فُلَانٌ وَصَدَّقَهُ هُوَ أَوْ أَنْكَرَ فَحَلَفَ، فَنَكَلَ لَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ عَلَى الْبَائِعِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا رَدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ فَحَلَفَ، فَنَكَلَ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ لِأَنَّ النُّكُولَ مِنْ الْمُضْطَرِّ كَالْبَيِّنَةِ، وَهُوَ مُضْطَرٌّ فِي النُّكُولِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ وَلَا سَلَامَتَهُ، وَلَوْ بَرْهَنَ الْمُشْتَرِي عَلَى أَنَّهُ مِلْكُ فُلَانٍ لَا تُقْبَلُ لِتَنَاقُضِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَرْهَنَ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ لِعَدَمِهِ، وَبِخِلَافِ مَا لَوْ بَرْهَنَ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةُ الْأَصْلِ، وَهِيَ تَدَّعِي ذَلِكَ أَوْ أَنَّهَا مِلْكُ فُلَانٍ، وَهُوَ أَعْتَقَهَا أَوْ دَبَّرَهَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا قَبْلَ شِرَائِهَا حَيْثُ يُقْبَلُ، وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ فِي دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ وَفُرُوعِهَا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الدَّعْوَى، وَلَوْ بَاعَ عَقَارًا ثُمَّ بَرْهَنَ أَنَّهُ، وَقْفٌ لَا تُقْبَلُ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْوَقْفِ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ، وَلَوْ بَرْهَنَ أَنَّهُ وَقْفٌ مَحْكُومٌ بِلُزُومِهِ قُبِلَ، وَلَوْ بَرْهَنَتْ أَمَةٌ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا مُعْتَقَةٌ لِفُلَانٍ أَوْ مُدَبَّرَتُهُ أَوْ أُمُّ وَلَدِهِ يَرْجِعُ الْكُلُّ إلَّا مَنْ كَانَ قَبْلَ فُلَانٍ، وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا، وَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى ادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ لَهُ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ حَتَّى يَحْضُرَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي وَالْيَدَ لِلْبَائِعِ، وَالْمُدَّعِي يَدَّعِيهِمَا فَشَرْطُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمَا حُضُورُهُمَا، وَلَوْ قُضِيَ لَهُ بِحَضْرَتِهِمَا ثُمَّ بَرْهَنَ الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ بَاعَهَا مِنْ الْبَائِعِ ثُمَّ هُوَ بَاعَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي قُبِلَ، وَلَزِمَ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ يُقَرِّرُ الْقَضَاءَ الْأَوَّلَ، وَلَا يَنْقُضُهُ.
وَلَوْ فَسَخَ الْقَاضِي الْبَيْعَ بِطَلَبِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ بَرْهَنَ الْبَائِعُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ بَاعَهَا مِنْهُ يَأْخُذُهَا، وَتَبْقَى لَهُ، وَلَا يَعُودُ الْبَيْعُ الْمُنْتَقَضُ، وَلَوْ قُضِيَ لَلْمُسْتَحِقّ بَعْدَ إثْبَاتِهِ ثُمَّ بَرْهَنَ الْبَائِعُ عَلَى بَيْعِ الْمُسْتَحِقِّ مِنْهُ بَعْدَ الْفَسْخِ تَبْقَى الْأَمَةُ لِلْبَائِعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهَا الْمُشْتَرِيَ لِنُفُوذِ الْقَضَاءِ بِالْفَسْخِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا عِنْدَهُ، وَلَوْ اُسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِ مُشْتَرٍ فَبَرْهَنَ الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى بَيْعِ الْمُسْتَحِقِّ مِنْ بَائِعِ بَائِعِهِ قُبِلَ لِأَنَّهُ خَصْمٌ، وَلَوْ بَرْهَنَ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ، وَهَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ تُقْبَلُ، وَلَوْ اُسْتُهْلِكَ أَوْ رَدَّهُ لَا يُقْبَلُ، وَلَوْ أَقَرَّ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ بِالِاسْتِحْقَاقِ، وَمَعَ ذَلِكَ أَقَامَ الْمُسْتَحِقُّ الْبَيِّنَةَ، وَأَثْبَتَ عَلَيْهِ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْبَيِّنَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى بَائِعِهِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَقَعَ بِالْبَيِّنَةِ لَا بِالْإِقْرَارِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَثْبُتَ بِهَا لِيُمْكِنهُ الرُّجُوعُ عَلَى بَائِعِهِ، وَذَكَرَ رَشِيدُ الدِّينِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ ثُمَّ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ فَالْقَاضِي يَقْضِي بِالْإِقْرَارِ لَا بِالْبَيِّنَةِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُقْبَلُ عَلَى الْمُنْكِرِ لَا الْمُقِرِّ.
وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ قَالَ وَالْأَظْهَرُ وَالْأَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ أَنَّهُ يُقْضَى بِالْإِقْرَارِ، وَهُوَ يُنَاقِضُ مَا ذَكَرَهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ إلَّا أَنْ يَخُصَّ تِلْكَ بِعَارِضِ الْحَاجَةِ إلَى الرُّجُوعِ، وَقَصْدِ الْقَاضِي إلَى الْقَضَايَا بِإِحْدَى الْحُجَّتَيْنِ بِعَيْنِهَا، وَلَوْ رَدَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ بَعْدَ الْقَضَاءِ ثُمَّ ظَهَرَ فَسَادُ الْقَضَاءِ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمُسْتَحَقَّ مِنْ الْبَائِعِ لِثُبُوتِ التَّقَايُلِ، وَلَوْ لَمْ يَتَرَادَّا، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ قَضَى لِلْمُسْتَحِقِّ، وَفَسَخَ الْبَيْعَ ثُمَّ ظَهَرَ فَسَادُ الْقَضَاءِ يَظْهَرُ فَسَادُ الْفَسْخِ، وَلَوْ أَحَبَّ الْبَائِعُ أَنْ يَأْمَنَ غَائِلَةَ الرَّدِّ بِالِاسْتِحْقَاقِ فَأَبْرَأَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ ضَمَانِ الِاسْتِحْقَاقِ بِلَا أَرْجِعُ بِالثَّمَنِ إنْ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ فَظَهَرَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ، وَلَا يُعْمَلُ مَا قَالَهُ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ قَالُوا وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يُقِرَّ الْمُشْتَرِي أَنَّ بَائِعِي قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ مِنِّي اشْتَرَاهُ مِنِّي فَإِذَا أَقَرَّ عَلَى
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَفَلَ بِثَمَنِ نَفْسِهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فَإِنْ أُرِيدَ بِالْعَبْدِ الَّذِي ظَهَرَ أَنَّهُ حُرٌّ فَلَا إشْكَالَ فِي صِحَّةِ الْكَفَالَةِ حَتَّى لَوْ قَالَ اشْتَرِنِي فَأَنَا عَبْدٌ، وَقَدْ ضَمِنْت لَك الثَّمَنَ فَظَهَرَ أَنَّهُ حُرٌّ كَانَ لِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ حَاضِرًا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الَّذِي يَظْهَرُ حُرِّيَّتُهُ، وَقَدْ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي فَسَيَأْتِي أَنَّهُ إنَّمَا يُطَالَبُ بِالْكَفَالَةِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَلَا كَلَامَ فِي الصِّحَّةِ.
стр. 2064
هَذَا الْوَجْهِ لَا يَرْجِعُ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَلَى بَائِعِهِ فَهُوَ أَيْضًا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ بَائِعُهُ مِنْهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِتَمَامِهِ، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ الْمُشْتَرِي إذَا زَكَّى شُهُودَ الْمُسْتَحِقِّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ اسْأَلْ عَنْ الشَّاهِدَيْنِ فَإِنْ عَدْلًا رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى بَائِعِهِ، وَإِلَّا يُقْتَصَرُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَلَا يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ كَالْإِقْرَارِ ثُمَّ لَوْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي اسْتِحْقَاقَ الْمَبِيعِ عَلَى بَائِعِهِ لِيَرْجِعَ بِثَمَنِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُفَسِّرَ الِاسْتِحْقَاقَ وَيُبَيِّنَ سَبَبَهُ فَلَوْ بَيَّنَهُ فَأَنْكَرَ بَائِعُهُ الْبَيْعَ فَبَرْهَنَ عَلَيْهِ يُقْبَلُ، وَرَجَعَ بِثَمَنِهِ.
وَقِيلَ يُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الْمَبِيعِ لِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ، وَقِيلَ لَا، وَبِهِ أَفْتَى (ظ) بَلْ لَوْ ذَكَرَ شَبَهَ الْعَبْدِ وَصِفَتَهُ، وَقَدْرَ ثَمَنِهِ كَفَى، شَرَاهُ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَيْسَ لِبَائِعِهِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ رَجَعَ بِثَمَنِهِ وَلِلْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ تَحْلِيفُ الْمُسْتَحَقِّ بِاَللَّهِ مَا بَاعَهُ، وَلَا وَهَبَهُ، وَلَا تَصَدَّقَ بِهِ، وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَلَوْ شَرَى أَرْضًا فَبَنَى أَوْ زَرَعَ أَوْ غَرَسَ فَاسْتُحِقَّ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِثَمَنِهِ عَلَى بَائِعِهِ، وَيُسَلِّمُ بِنَاءَهُ، وَزَرْعَهُ، وَشَجَرَهُ إلَيْهِ فَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهَا مَبْنِيًّا قَائِمًا يَوْمَ سَلَّمَهَا إلَيْهِ فَلَوْ بَنَى الْمُشْتَرِي بِنَاءً قِيمَتُهُ عَشَرَةُ آلَافٍ مَثَلًا، وَسَكَنَ فِيهِ زَمَانًا حَتَّى خَلَفَ الْبِنَاءَ، وَتَغَيَّرَ، وَانْهَدَمَ بَعْضُهُ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ يَوْمَ تَسْلِيمِهِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا كَانَ أَنْفَقَ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ مَا يُمْكِن نَقْضُهُ، وَتَسْلِيمُهُ إلَى الْبَائِعِ حَتَّى لَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ جِصٍّ وَطِينٍ، وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ غَائِبًا، وَالْمُسْتَحِقُّ أَخَذَ الْمُشْتَرِيَ بِهَدْمِ بِنَائِهِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي غَرَّنِي بَائِعِي، وَهُوَ غَائِبٌ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ الْمُشْتَرِي فَيُؤْمَرُ بِهَدْمِهِ، وَتُدْفَعُ الدَّارُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ فَلَوْ حَضَرَ الْبَائِعُ بَعْدَ هَدْمِهِ لَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِقِيمَةِ بِنَائِهِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ الْبِنَاءُ قَائِمًا فَسَلَّمَهُ إلَيْهِ فَهَدَمَهُ، وَأَخَذَ النَّقْضَ، وَأَمَّا لَوْ هَدَمَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا مَرَّ فِي شَجَرٍ وَجِصٍّ عَلَى الْبَائِعِ قِيمَةُ الشَّجَرِ نَابِتًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى وَكِيلِ الْبَائِعِ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ قَائِمًا، وَبِقِيمَةِ الْوَلَدِ لِلْغُرُورِ، وَإِنْ عَرَفَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الدَّارَ لِغَيْرِ الْبَائِعِ، وَلَمْ يَدَّعِ الْبَائِعُ وَكَالَةً فَبَنَى فَاسْتُحِقَّ لَمْ يَكُنْ مَغْرُورًا، وَلَوْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الْبِنَاءَ لَهُ، وَقَالَ الْبَائِعُ لِي فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ، وَإِذَا رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ، وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى بَائِعِهِ إلَّا بِثَمَنِهِ، وَعِنْدَهُمَا يَرْجِعُ بِهِمَا اهـ.
وَتَمَامُهُ فِيهِ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ ظَهَرَتْ الْمُشْتَرَاةُ حُرَّةً، وَمَاتَ الْبَائِعُ لَا عَنْ وَارِثٍ، وَتَرِكَةٍ، وَبَائِعُ الْبَائِعِ قَائِمٌ نَصَبَ الْحَاكِمُ عَنْ الْبَائِعِ الثَّانِي وَصِيًّا فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ، وَهُوَ يُخَاصِمُ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ اهـ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ ادَّعَى حَقًّا فِي دَارٍ) أَيْ مَجْهُولًا (فَصُولِحَ عَلَى مِائَةٍ فَاسْتُحِقَّ بَعْضُهَا لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ دَعْوَاهُ فِيمَا بَقِيَ، وَإِنْ قَلَّ فَمَا دَامَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ لَمْ يَرْجِعْ قَيَّدَ بِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهَا لِأَنَّهَا لَوْ اُسْتُحِقَّ كُلُّهَا رَجَعَ بِمَا دَفَعَ لِلتَّيَقُّنِ بِأَنَّهُ أَخَذَ عِوَضًا عَمَّا لَا يَمْلِكُهُ فَيَرُدُّهُ وَدَلَّ، وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْمَجْهُولِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ، الثَّانِي أَنَّ صِحَّةَ الصُّلْحِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى صِحَّةِ الدَّعْوَى لِصِحَّتِهِ هُنَا دُونَهَا حَتَّى لَوْ بَرْهَنَ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا إذَا ادَّعَى إقْرَارَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهِ قَيَّدَ بِالْمَجْهُولِ لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى قَدْرًا مَعْلُومًا كَرُبْعِهَا لَمْ يَرْجِعْ مَا دَامَ فِي يَدِهِ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ، وَإِنْ بَقِيَ أَقَلُّ مِنْهُ رَجَعَ بِحِسَابِ مَا اُسْتُحِقَّ، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ شَرَاهُ فَبَنَى فَاسْتُحِقَّ نِصْفُهُ وَرَدَّ الْمُشْتَرِي مَا بَقِيَ عَلَى الْبَائِعِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ، وَبِنِصْفِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ فِي النِّصْفِ، وَلَوْ اُسْتُحِقَّ نِصْفُهُ الْمُعَيَّنِ فَلَوْ كَانَ الْبِنَاءُ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ خَاصَّةً رَجَعَ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ الْبِنَاءُ فِي النِّصْفِ الَّذِي لَمْ يُسْتَحَقَّ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْبِنَاءَ، وَلَا يَرْجِعَ بِشَيْءٍ مِنْ قِيمَةِ الْبِنَاءِ، وَلَوْ اشْتَرَى نِصْفَهُ مَتَاعًا فَاسْتُحِقَّ نِصْفُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَالْمَبِيعُ نِصْفُهُ الْبَاقِي، وَلَوْ اُسْتُحِقَّ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَالْمَبِيعُ نِصْفُ الْبَاقِي، وَهُوَ الرُّبُعُ سُئِلَ بَعْضُهُمْ عَمَّنْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا أَشْجَارٌ حَتَّى دَخَلَتْ بِلَا ذِكْرٍ فَاسْتُحِقَّ الْأَشْجَارُ هَلْ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ قَالَ لَا كَمَا فِي ثَوْبِ قِنٍّ وَقِنَّةٍ وَبَرْذَعَةِ حِمَارٍ فَإِنَّ مَا يَدْخُلُ تَبَعًا لَا حِصَّةَ لَهُ مِنْ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2065
الثَّمَنِ إلَى آخِرِهِ، وَثَبَتَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ كَمَا شَرَحَ عَلَيْهِ الْعَيْنِيُّ.
[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ]
وَلَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً عِنْدَ الزَّيْلَعِيِّ فَتَرَكَهُ، وَهُوَ نِسْبَةٌ إلَى الْفُضُولِيِّ جَمْعِ الْفَضْلِ أَيْ الزِّيَادَةِ، وَفِي الْمُغْرِبِ، وَقَدْ عَلِمْت جَمْعَهُ عَلَى مَا لَا خَيْرَ فِيهِ حَتَّى قِيلَ
فُضُولٌ بِلَا فَضْلٍ ... وَسِنٌّ بِلَا سِنٍّ
وَطُولٌ بِلَا طُولٍ ... وَعَرْضٌ بِلَا عَرْضٍ
ثُمَّ قِيلَ لِمَنْ يَشْتَغِلُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ فُضُولِيٌّ، وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَيْسَ بِوَكِيلٍ، وَبِفَتْحِ الْفَاءِ خَطَأٌ. اهـ.
وَقِيلَ الْفُضُولِيُّ مَنْ يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ بِلَا إذْنٍ شَرْعِيٍّ كَالْأَجْنَبِيِّ يُزَوِّجُ أَوْ يَبِيعُ، وَلَمْ يَرِدْ فِي النِّسْبَةِ إلَى الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْقِيَاسَ لِأَنَّهُ صَارَ بِالْغَلَبَةِ كَالْعِلْمِ لِهَذَا الْمَعْنَى فَصَارَ كَالْأَنْصَارِيِّ وَالْأَعْرَابِيِّ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ غَلَبَ فِي الِاشْتِغَالِ بِمَا لَا يَعْنِيهِ، وَمَا لَا وِلَايَةَ لَهُ فِيهِ فَقَوْلُ بَعْضِ الْجَهَلَةِ لِمَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ فُضُولِيٌّ يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ اهـ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يَفْسَخَهُ، وَيُجِيزَهُ إنْ بَقِيَ الْعَاقِدَانِ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَلَهُ، وَبِهِ لَوْ عَرَضًا) يَعْنِي أَنَّهُ صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِجَازَةِ بِالشَّرَائِطِ الْأَرْبَعَةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَنْعَقِد لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَيَلْغُو لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِالْمِلْكِ أَوْ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَقَدْ فُقِدَا وَلَا انْعِقَادَ إلَّا بِالْقُدْرَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَنَا أَنَّهُ تَصَرُّفُ تَمْلِيكٍ، وَقَدْ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ فِي مَحِلِّهِ، وَهُوَ الْمَالُ الْمُتَقَوِّمُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِانْعِقَادِهِ إذْ لَا ضَرَرَ فِيهِ مَعَ تَخَيُّرِهِ بَلْ فِيهِ نَفْعُهُ حَيْثُ يُكْفَى مُؤْنَةَ طَلَبِ الْمُشْتَرِي، وَحُقُوقَ الْعَقْدِ فَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إلَى الْمَالِكِ، وَفِيهِ نَفْعُ الْعَاقِدِ بِصَوْنِ كَلَامِهِ عَنْ الْإِلْغَاءِ، وَفِيهِ نَفْعُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ أَقْدَمَ عَلَيْهِ طَائِعًا، وَلَوْلَا النَّفْعُ لَمَا أَقْدَمَ فَتَثْبُتُ الْقُدْرَةُ الشَّرْعِيَّةُ تَحْصِيلًا لِهَذِهِ الْوُجُوهِ كَيْفَ، وَأَنَّ الْإِذْنَ ثَابِتٌ دَلَالَةً لِأَنَّ الْعَاقِلَ يَأْذَنُ فِي التَّصَرُّفِ النَّافِعِ، وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِهِمْ بِحَدِيثِ «عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ أُضْحِيَّةً فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَ بِالشَّاةِ، وَالدِّينَارِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ ﵇ بَارَكَ اللَّهُ لَك فِي صَفْقَتِك» ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُرْوَةَ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ كَمَا بَيَّنَهُ فِي النِّهَايَةِ.
وَإِنَّمَا شَرْطُ قِيَامِ الْمَبِيعِ، وَالْمُتَعَاقِدَيْنِ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تُصْرَفُ فِي الْعَقْدِ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِهِ، وَذَلِكَ بِقِيَامِهَا كَمَا فِي الْإِنْشَاءِ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ عَرْضًا أَيْ مِمَّا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِهِ أَيْضًا لِكَوْنِهِ مَبِيعًا، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ قِيَامُ الْمَعْقُودِ لَهُ، وَهُوَ الْمَالِكُ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَتِهِ فَلَا يَنْفُذُ بِإِجَازَةِ غَيْرِهِ فَلَوْ مَاتَ الْمَالِكُ لَمْ يَنْفُذْ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ بِخِلَافِ الْقِسْمَةِ الْمَوْقُوفَةِ فَإِنَّهَا تَنْفُذُ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ عِنْدَ الثَّانِي كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَالَ الْمَبِيعِ وَقْتَ الْإِجَازَةِ مِنْ بَقَاءٍ، وَعَدَمِهِ جَازَ الْبَيْعُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَعْلَمْ قِيَامَهُ عِنْدَهَا لِأَنَّ الشَّكَّ وَقَعَ فِي شَرْطِ الْإِجَازَةِ فَلَا يَثْبُتُ مَعَ الشَّكِّ، وَقَيَّدَ بِالْبَيْعِ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْمَوْقُوفَ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْعَاقِدِ، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ أَمَةٌ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ يَنْفُذُ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ إذَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَإِذَا أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ وَكَانَ الثَّمَنُ نَقْدًا صَارَ مَمْلُوكًا لَهُ أَمَانَةً فِي يَدِ الْفُضُولِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ كَالْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ، وَلَوْ لَمْ يُجِزْ الْمَالِكُ وَهَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِ الْفُضُولِيِّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي رُجُوعِ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ فُضُولِيٌّ وَقْتَ الْأَدَاءِ لَا رُجُوعَ لَهُ، وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ.
وَصَرَّحَ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا هَلَكَ سَوَاءٌ هَلَكَ قَبْلَ الْإِجَازَةِ أَوْ بَعْدَهَا، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ عَرْضًا كَانَ مَمْلُوكًا لِلْفُضُولِيِّ، وَإِجَازَةُ الْمَالِكِ إجَازَةُ نَقْدٍ لَا إجَازَةُ عَقْدٍ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْعِوَضُ مُتَعَيِّنًا كَانَ شِرَاءً مِنْ وَجْهٍ، وَالشِّرَاءُ لَا يَتَوَقَّفُ بَلْ يَنْفُذُ عَلَى الْمُبَاشِرِ إنْ وَجَدَ نَفَاذًا فَيَكُونُ مِلْكًا لَهُ، وَبِإِجَازَةِ الْمَالِكِ لَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بَلْ تَأْثِيرُ إجَازَتِهِ فِي النَّقْدِ لَا فِي
ــ
[منحة الخالق]
(فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ)
(قَوْلُهُ ثُمَّ رَجَعَ) أَيْ أَبُو يُوسُفَ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ إذَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا) أَيْ بِأَنْ كَانَ الْوَارِثُ ابْنَ الْمَيِّتِ، وَقَدْ وَطِئَهَا أَبُوهُ أَوْ كَانَتْ أُخْتَهُ رَضَاعًا أَوْ وَرِثَهَا جَمَاعَةٌ قَدْ أَجَازُوا كُلُّهُمْ فَلَوْ بَعْضَهُمْ لَمْ يَجُزْ أَمَّا لَوْ وَرِثَهَا مَنْ تَحِلُّ لَهُ يَبْطُلُ النِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ نِكَاحِ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ طَرَأَ حِلٌّ بَاتٌّ عَلَى مَوْقُوفٍ (قَوْلُهُ وَصَرَّحَ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ) قَالَ فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ لَكِنَّ مَا صَحَّحَهُ فِي الْقُنْيَةِ اعْتَمَدَهُ شَيْخُ شَيْخِنَا عَبْدُ الْبَرِّ فِي شَرْحِهِ لِلنَّظْمِ الوهباني (قَوْلُهُ وَإِجَازَةُ الْمَالِكِ إجَازَةُ نَقْدٍ لَا عَقْدٍ) أَيْ إجَازَةُ أَنْ يَنْقُدَ الْبَائِعُ مَا بَاعَ ثَمَنًا لِمَا مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ لَا إجَازَةُ عَقْدٍ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَازِمٌ عَلَى الْفُضُولِيِّ هِدَايَةٌ
стр. 2066
الْعَقْدِ ثُمَّ يَجِبُ عَلَى الْفُضُولِيِّ مِثْلُ الْمَبِيعِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ إنْ كَانَ قِيَمِيًّا لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ الْبَدَلُ لَهُ صَارَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ بِمَالِ الْغَيْرِ مُسْتَقْرِضًا لَهُ فِي ضِمْنِ الشِّرَاءِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ كَمَا لَوْ قَضَى دَيْنَهُ بِمَالِ الْغَيْرِ، وَاسْتِقْرَاضُ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ جَائِزٌ ضِمْنًا، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ قَصْدًا أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَبْدِ الْغَيْرِ صَحَّ، وَيَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ قِيَامُ الْمَبِيعِ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْفُضُولِيِّ مَذْكُورَةً فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ اللُّقَطَةِ قَالَ -: الْمُلْتَقِطُ إذَا بَاعَ اللُّقَطَةَ بِغَيْرِ أَمْر الْقَاضِي ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا بَعْدَمَا هَلَكَتْ الْعَيْنُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْبَائِعَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْفُذُ الْبَيْعُ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَبِهِ أَخَذَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ. اهـ.
وَهَكَذَا قَالُوا فِي الْمُلْتَقِطِ إذَا تَصَدَّقَ فَهَلَكَتْ الْعَيْنُ فَأَجَازَ الْمَالِكُ بَعْدَ الْهَلَاكِ صَحَّتْ، وَقَيَّدَ بِالْمَالِكِ فِي قَوْلِهِ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يَفْسَخَهُ أَوْ يُجِيزَهُ لِأَنَّ لِلْفُضُولِيِّ فَسْخَهُ فَقَطْ حَتَّى لَوْ أَجَازَهُ الْمَالِكُ لَا يَنْفُذُ لِزَوَالِ الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ لِيَدْفَعَ الْحُقُوقَ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْإِجَازَةِ يَصِيرُ كَالْوَكِيلِ فَتَرْجِعُ حُقُوقُ الْعَقْدِ إلَيْهِ فَيُطَالَبُ بِالتَّسْلِيمِ، وَيُخَاصَمُ بِالْعَيْبِ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بِهِ فَلَهُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ ثُبُوتِهِ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَلِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْبَيْعِ قَبْلَ الْإِجَازَةِ تَحَرُّزًا عَنْ لُزُومِ الْعَقْدِ بِخِلَافِ الْفُضُولِيِّ فِي النِّكَاحِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ بِالْقَوْلِ، وَلَا بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ مُعَبِّرٌ مَحْضٌ فَبِالْإِجَازَةِ تَنْتَقِلُ الْعِبَارَةُ إلَى الْمَالِكِ فَتَصِيرُ الْحُقُوقُ مَنُوطَةً بِهِ لَا بِالْفُضُولِيِّ.
وَفِي النِّهَايَةِ أَنَّ الْفُضُولِيَّ فِي النِّكَاحِ يَمْلِكُ فَسْخَهُ بِالْفِعْلِ بِأَنْ زَوَّجَ فُضُولِيٌّ رَجُلًا امْرَأَةً بِرِضَاهَا، وَقَبْلَ إجَازَتِهٍ زَوَّجَهُ بِأُخْتِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فَسْخًا لِلنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ لَا يَكُونُ فَسْخًا، وَيَتَوَقَّفُ الثَّانِي أَيْضًا ثُمَّ الْإِجَازَةُ لِبَيْعِ الْفُضُولِيِّ تَكُونُ بِالْفِعْلِ وَبِالْقَوْلِ فَمِنْ الْأَوَّلِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إجَازَةً، وَكَذَا أَخْذُهُ الثَّمَنَ، وَمِنْ الثَّانِي طَلَبُ الثَّمَنِ، وَقَوْلُهُ أَحْسَنْت أَوْ وُفِّقْت أَوْ أَصَبْت لَيْسَ بِإِجَازَةٍ، وَكَذَا كَفَيْتنِي مُؤْنَةَ الْبَيْعِ أَوْ أَحْسَنْت فَجَزَاك اللَّهُ خَيْرًا، وَفِي الْمُنْتَقَى لَوْ قَالَ بِئْسَ مَا صَنَعْت كَانَ إجَازَةً كَقَبْضِ الثَّمَنِ، وَلَوْ وَهَبَ الْمَالِكُ الثَّمَنَ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي كَانَ إجَازَةً إنْ كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا، وَالسُّكُوتُ بَعْدَ الْعِلْمِ لَا يَكُونُ إجَازَةً، وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ أَنَا رَاضٍ مَا دُمْت حَيًّا كَانَ إجَازَةً بِالْأَوَّلِ، وَلَوْ قَالَ أَمْسِكْهَا مَا دُمْت حَيًّا لَا لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَفِي فُرُوقِ الْكَرَابِيسِيِّ أَسَأْت إجَازَةٌ، وَلَوْ قَالَ لَا أُجِيزُ يَكُونُ رَدًّا لِلْبَيْعِ بِخِلَافِ الْمُسْتَأْجِرِ إذَا قَالَ لَا أُجِيزَ بَيْعَ الْآخَرِ ثُمَّ أَجَازَهُ جَازَ.
وَفِي نَوَادِرِ هِشَامِ، وَلَوْ قَالَ أَجَزْت إنْ بَاعَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ يَجُوزُ إنْ بَاعَ بِأَكْثَرَ، وَإِنْ بَاعَ بِأَقَلَّ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ بَاعَ بِأَلْفِ دِينَارٍ لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى النَّوْعِ الَّذِي وَصَفَهُ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَفِيهَا وَإِذَا أَجَازَ الْمَالِكُ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ صَارَ الْفُضُولِيُّ كَالْوَكِيلِ حَتَّى صَحَّ حَطُّهُ عَنْ الثَّمَنِ عَلِمَ الْمَالِكُ بِالثَّمَنِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَأَجَابَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ بِالْحَطِّ بَعْدَ الْإِجَازَةِ فَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ. اهـ. وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِاشْتِرَاطِ قِيَامِ الْمَبِيعِ أَيْ بِاسْمِهِ، وَحَالِهِ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَجَازَهُ بَعْدَ صَبْغِ الثَّوْبِ الْمُشْتَرَى فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ قِيَامُ الْمَبِيعِ فِي مَسْأَلَةِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَسَائِلِ الْفُضُولِيِّ بَلْ هِيَ بَيْعُ الْمَالِكِ لِأَنَّهُ بِالضَّمَانِ اسْتَنَدَ الْمِلْكُ، وَنَفَذَ الْبَيْعُ مِنْ جِهَتِهِ كَبَيْعِ الْغَاصِبِ إذَا ضَمِنَهُ الْمَالِكُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ، وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي غَالِبِ كُتُبِ الْمَذْهَبِ كَالْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ النَّهْرِ تَكَلَّمَ بِمِثْلِ مَا تَكَلَّمَهُ. اهـ.
وَعِبَارَةُ النَّهْرِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ إجَازَةِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ فِي شَيْءٍ بَلْ إنَّمَا نَفَذَ بَيْعُهُ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْبَائِعِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ ضَرُورَةً فَلَا اسْتِثْنَاءَ حِينَئِذٍ فَتَدَبَّرْهُ.
(قَوْلُهُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَلِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْبَيْعِ قَبْلَ الْإِجَازَةِ إلَخْ) إنْ قُلْتُ: يَأْبَاهُ مَا سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ مِنْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا بَرْهَنَ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ أَوْ رَبِّ الْعَبْدِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْبَيْعِ، وَأَرَادَ رَدَّ الْبَيْعِ لَمْ يُقْبَلْ قُلْتُ: لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا لِأَنَّ مَا سَيَأْتِي مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ، وَالْمُشْتَرِي فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الْبَيْعَ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ، وَجَحَدَ الْبَائِعُ ذَلِكَ فَيُحْمَلُ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَلَى مَا إذَا تَصَادَقَا عَلَى الْبَيْعِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَالِكِ فَاخْتَلَفَ الْمَوْضُوعُ فَافْهَمْ حَاشِيَةَ أَبِي السُّعُودِ (قَوْلُهُ وَكَذَا أَخْذُهُ الثَّمَنَ) قَالَ الرَّمْلِيُّ لَمْ أَرَ فِي كَلَامِهِمْ حُكْمَ مَا إذَا قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ هَلْ يَكُونُ إجَازَةً أَمْ لَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إجَازَةً لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا، وَلِتَصْرِيحِهِمْ فِي نِكَاحِ الْفُضُولِيِّ بِأَنْ قَبَضَ بَعْضَ الْمَهْرِ يَكُونُ إجَازَةً، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الثَّمَنِ لِإِفَادَةِ الْجِنْسِ لِمُحَرَّرِهِ الْغَزِّيِّ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِاشْتِرَاطِ قِيَامِ الْمَبِيعِ إلَى قَوْلِهِ لَوْ أَجَازَهُ بَعْدَ صَبْغِ الثَّوْبِ الْمُشْتَرَى فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ) كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَفِي مِنَحِ الْغَفَّارِ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ الْمَبِيعِ قَائِمًا أَنْ لَا يَكُونَ مُتَغَيِّرًا بِحَيْثُ يُعَدُّ شَيْئًا آخَرَ فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ ثَوْبَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَصَبَغَهُ الْمُشْتَرِي فَأَجَازَ رَبُّ الثَّوْبِ الْبَيْعَ جَازَ، وَلَوْ قَطَعَهُ وَخَاطَهُ ثُمَّ أَجَازَ الْبَيْعَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ. اهـ.
وَالْمَسْأَلَةُ بِهَذَا اللَّفْظِ دُونَ التَّعْلِيلِ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ
стр. 2067
وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَمَةُ ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ يَكُونُ الْوَلَدُ مَعَ الْأَمَة لِلْمُشْتَرِي، وَلَوْ انْهَدَمَ الدَّارُ ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ يَصِحُّ لِبَقَاءِ الْعَرْصَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ حُكْمَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ مِنْ الْفُضُولِيِّ فَلَوْ سَلَّمَهُ فَهَلَكَ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَ أَيَّهمَا شَاءَ فَأَيَّهمَا اخْتَارَ ضَمَانَهُ بَرِئَ الْآخَرُ لِأَنَّ فِي التَّضْمِينِ تَمْلِيكًا مِنْهُ فَإِذَا مَلَّكَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا يُمْكِنُ تَمْلِيكُهُ مِنْ الْآخَرِ فَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْمُشْتَرِي بَطَلَ الْبَيْعُ لِأَنَّ أَخْذَ الْقِيمَةِ كَأَخْذِ الْعَيْنِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ لَا بِمَا ضَمِنَ، وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْبَائِعِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ قَبْضُ الْبَائِعِ مَضْمُونًا عَلَيْهِ نَفَذَ بَيْعُهُ بِالضَّمَانِ لِأَنَّ سَبَبَ مِلْكِهِ قَدْ تَمَّ عَقْدُهُ، وَإِنْ كَانَ قَبْضُهُ أَمَانَةً فَإِنَّمَا صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالتَّسْلِيمِ بَعْدَ الْبَيْعِ فَلَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ بِالضَّمَانِ لِتَأَخُّرِ سَبَبِ مِلْكِهِ عَنْ الْعَقْدِ.
وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ بِتَضْمِينِ الْبَائِعِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ سَلَّمَ أَوَّلًا ثُمَّ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ ثُمَّ بَاعَهُ فَصَارَ كَالْمَغْصُوبِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَقَيَّدَ بِالْبَيْعِ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَى لِغَيْرِهِ كَانَ مَا اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ أَجَازَ الَّذِي اشْتَرَاهُ لَهُ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَفَاذًا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةٍ مِنْ الْمُشْتَرِي لَهُ كَالصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ يَشْتَرِي شَيْئًا لِغَيْرِهِ فَيَتَوَقَّفُ هَذَا إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ أَمَّا إذَا أَضَافَهُ إلَى غَيْرِهِ بِأَنْ يَقُولَ بِعْ هَذَا الْعَبْدَ لِفُلَانٍ فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْته لِفُلَانٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ، وَأَمَّا إذَا قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك بِكَذَا لِأَجْلِ فُلَانٍ فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْت أَوْ قَالَ الْبَائِعُ بِعْت مِنْك لِفُلَانٍ فَإِنَّهُ يَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْمُخَاطَبِ لَا لِفُلَانٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا أُضِيفَ الْعَقْدُ فِي أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ إلَى فُلَانٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ فُلَانٍ، وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا وَأَشْهَدَ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لِفُلَانٍ، وَقَالَ فُلَانٌ رَضِيت فَالْعَقْدُ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا بِالشِّرَاءِ وَقَعَ الْمِلْكُ لَهُ فَلَا اعْتِبَارَ بِالْإِجَازَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهِيَ تَلْحَقُ الْعَقْدَ الْمَوْقُوفَ لَا النَّافِذَ فَإِنْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ الْعَبْدَ، وَأَخَذَ الثَّمَنَ كَانَ بَيْعًا بِالتَّعَاطِي بَيْنَهُمَا، وَلَوْ ظَنَّ الْمُشْتَرِي وَالْمُشْتَرَى لَهُ أَنَّ الْمِلْكَ وَقَعَ لِلْمُشْتَرَى لَهُ فَسَلَّمَهُ لَهُ بَعْدَ قَبْضِ ثَمَنِهِ لَا يُسْتَرَدُّ بِلَا رِضَا الْمُشْتَرَى لَهُ، وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ وَلَّاهُ، وَإِنْ عَلِمَا أَنَّ الشِّرَاءَ وَقَعَ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَهُ، وَإِنْ زَعَمَ الْمُشْتَرَى لَهُ أَنَّ الشِّرَاءَ كَانَ بِأَمْرِهِ، وَوَقَعَ الْمِلْكُ لَهُ، وَالْمُشْتَرِي أَنَّهُ كَانَ بِلَا أَمْرِهِ، وَوَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْمُشْتَرِي فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرَى لَهُ لِأَنَّ الشِّرَاءَ بِإِقْرَارِهِ وَقَعَ لَهُ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَفِي فُرُوقِ الْكَرَابِيسِيِّ شِرَاءُ الْفُضُولِيِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ بِعْت هَذَا لِفُلَانٍ بِكَذَا، وَالْفُضُولِيُّ يَقُولُ اشْتَرَيْت لِفُلَانٍ بِكَذَا أَوْ قَبِلْت، وَلَمْ يَقُلْ لِفُلَانٍ فَهَذَا يَتَوَقَّفُ، الثَّانِي أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ بِعْت مِنْ فُلَانٍ بِكَذَا، وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ اشْتَرَيْته لِأَجْلِهِ أَوْ قَبِلْت يَتَوَقَّفُ، الثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ بِعْت هَذَا مِنْك بِكَذَا فَقَالَ اشْتَرَيْت أَوْ قَبِلْت، وَنَوَى أَنْ يَكُونَ لِفُلَانٍ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ عَلَى الْمُشْتَرِي، الرَّابِعُ لَوْ قَالَ اشْتَرَيْت لِفُلَانٍ بِكَذَا، وَالْبَائِعُ يَقُولُ بِعْت مِنْك بَطَلَ الْعَقْدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ خَاطَبَ الْمُشْتَرِيَ، وَالْمُشْتَرِي يُسْتَرَدُّ لِغَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ جَوَابًا فَكَانَ شَطْرَ الْعَقْدِ بِخِلَافِ الْفَصْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ إذْ الْعَقْدُ أُضِيفَ إلَى فُلَانٍ فِي الْكَلَامَيْنِ، وَبِخِلَافِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ لِأَنَّهُ وَجَدَ نَفَاذًا عَلَى الْعَاقِدِ، وَقَدْ أُضِيفَ الْعَقْدُ إلَيْهِ. اهـ.
وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِثُبُوتِ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ لِلْمَالِكِ إلَى أَنَّ الْفُضُولِيَّ لَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِلْمَالِكِ فَإِنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ لِأَنَّ الْخِيَارَ لَهُ بِدُونِ الشَّرْطِ فَيَكُونُ الشَّرْطُ لَهُ مُبْطِلًا كَذَا فِي فُرُوقِ الْكَرَابِيسِيِّ، وَقَيَّدَ بِبَيْعِ مِلْكِ الْغَيْرِ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ مَشْغُولًا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا أُضِيفَ الْعَقْدُ فِي أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ إلَى فُلَانٍ يَتَوَقَّفُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ، وَإِنْ أُضِيفَ فِي الْكَلَامِ الْآخَرِ إلَى الْفُضُولِيِّ، وَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّ أَصَحَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّهُ يَبْطُلُ (قَوْلُهُ وَفِي فُرُوقِ الْكَرَابِيسِيِّ شِرَاءُ الْفُضُولِيِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ) قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ بِعْت لِفُلَانٍ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت أَوْ قَبِلْت لِفُلَانٍ أَوْ لَمْ يَقُلْ لِفُلَانٍ أَوْ قَالَ الْفُضُولِيُّ بِعْ لِفُلَانٍ فَقَالَ بِعْت، وَقَالَ اشْتَرَيْت لِفُلَانٍ تَوَقَّفَ، وَلَوْ قَالَ بِعْت مِنْك فَقَالَ الْفُضُولِيُّ اشْتَرَيْت أَوْ قَبِلْت، وَنَوَى بِقَلْبِهِ لِفُلَانٍ لَا يَتَوَقَّفُ أَوْ قَالَ الْفُضُولِيُّ اشْتَرَيْت لِفُلَانٍ، وَقَالَ الْبَائِعُ بِعْت مِنْك الْأَصَحُّ عَدَمُ التَّوَقُّفِ، وَلَوْ قَالَ بِعْت هَذَا مِنْك لِفُلَانٍ فَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت أَوْ قَبِلْت أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت لِأَجْلِ فُلَانٍ، وَقَالَ الْبَائِعُ بِعْت لَا يَتَوَقَّفُ، وَيَنْفُذُ اتِّفَاقًا، وَلَوْ قَالَ الْفُضُولِيُّ اشْتَرَيْت لِفُلَانٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا لَا يَتَوَقَّفُ بِخِلَافِ شِرَائِهِ لِفُلَانٍ بِلَا خِيَارٍ اهـ.
مِنْ التَّاسِعِ فِي الْوَكَالَةِ بِالشِّرَاءِ، وَفِيهِ الْفُضُولِيُّ، وَفِي الْخَانِيَّةِ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا يَتَوَقَّفُ، وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ شِرَاءُ الْفُضُولِيِّ إذَا اشْتَرَى بِغَيْرِ خِيَارٍ (قَوْلُهُ بَطَلَ الْعَقْدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) وَعَلَى هَذَا فَالِاكْتِفَاءُ بِالْإِضَافَةِ فِي أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ بِأَنْ لَا يُضَافَ إلَى الْآخَرِ نَهْرٌ أَيْ الِاكْتِفَاءُ بِالْإِضَافَةِ إلَى فُلَانٍ عَلَى مَا مَرَّ تَصْحِيحٌ مُصَوَّرٌ بِأَنْ لَا يُضَافَ إلَى الْمُشْتَرِي بِأَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ بِعْت، وَلَا يَقُولُ مِنْك فَإِذَا أُضِيفَ لَا يَتَوَقَّفُ، وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ لِفُلَانٍ لَا يَتَوَقَّفُ أَيْضًا لَكِنَّهُ يَنْفُذُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ (قَوْلُهُ فَيَكُونُ الشَّرْطُ لَهُ مُبْطِلًا) قَالَ فِي النَّهْرِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ لَغْوًا فَقَطْ فَتَدَبَّرْهُ
стр. 2068
بِحَقِّ الْغَيْرِ كَالرَّهْنِ إذَا بَاعَهُ الرَّاهِنُ، وَالْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ إذَا بَاعَهَا الْمُؤَجِّرُ يَتَوَقَّفُ الْعَقْدُ عَلَى إجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ، وَالْمُسْتَأْجِرِ فَيَمْلِكَانِهَا دُونَ الْفَسْخِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَيَأْتِي، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْكَرَابِيسِيُّ فَجَعَلَ لِلْمُرْتَهِنِ الْإِجَازَةَ وَالْفَسْخَ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَا يَمْلِكُهُ فَارِقًا بِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ حَقُّهُ فِي الْمَنْفَعَةِ.
وَلِذَا لَوْ هَلَكَتْ الْعَيْنُ لَا يَسْقُطُ دَيْنُهُ، وَفِي الرَّهْنِ يَسْقُطُ، وَهُوَ اسْتِيفَاءٌ حُكْمِيٌّ، وَتَفَرَّعَ عَلَى الْفَرْقِ مَا لَوْ تَعَدَّدَ بَيْعُ الْمُؤَجِّرِ فَأَجَازَ الْمُسْتَأْجِرُ الثَّانِي نَفَذَ الْأَوَّلُ، وَلَوْ تَعَدَّدَ بَيْعٌ الرَّهْنِ فَأَجَازَ الْمُرْتَهِنُ الثَّانِيَ نَفَذَ لَا الْأَوَّلُ. اهـ.
وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ لِمَالِكِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ لِنَفْسِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ أَصْلًا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِيَكُونَ فُضُولِيًّا، وَلَوْ تَعَدَّدَ تُصْرَفُ الْفُضُولِيُّ كَأَمَةٍ بَاعَهَا فُضُولِيٌّ مِنْ رَجُلٍ، وَزَوَّجَهَا مِنْهُ آخَرَ فَأُجِيزَا مَعًا يَثْبُتُ الْأَقْوَى فَتَصِيرُ مَمْلُوكَةً لَا زَوْجَةً، وَلَوْ زَوَّجَاهَا كُلٌّ مِنْ رَجُلٍ فَأُجِيزَا بَطَلَا، وَلَوْ بَاعَهَا كُلٌّ مِنْ رَجُلٍ فَأُجِيزَا تَتَنَصَّفُ بَيْنَهُمَا، وَيُخَيَّرُ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيْنَ أَخْذِ النِّصْفِ أَوْ التَّرْكِ، وَلَوْ بَاعَهُ فُضُولِيٌّ، وَأَجَرَهُ آخَرُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ زَوَّجَهُ فَأُجِيزَا مَعًا ثَبَتَ الْأَقْوَى فَيَجُوزُ الْبَيْعُ، وَيَبْطُلُ غَيْرُهُ لِأَنَّ الْبَيْعَ أَقْوَى.
وَكَذَا تَثْبُتُ الْهِبَةُ إذَا وَهَبَهُ فُضُولِيٌّ، وَآجَرَهُ آخَرُ، وَكُلٌّ مِنْ الْعِتْقِ، وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَالْإِجَارَةُ أَحَقُّ مِنْ الرَّهْنِ لِإِفَادَتِهَا مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ بِخِلَافِ الرَّهْنِ، وَالْبَيْعُ أَحَقُّ مِنْ الْهِبَةِ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَبْطُلُ بِالشُّيُوعِ فَفِيمَا لَا تَبْطُلُ بِالشُّيُوعِ كَهِبَةِ فُضُولِيٍّ عَبْدًا، وَبَيْعً آخَرَ إيَّاهُ يَسْتَوِيَانِ لِأَنَّ الْهِبَةَ مَعَ الْقَبْضِ تُسَاوِي الْبَيْعَ فِي إفَادَةِ الْمِلْكِ، وَهِبَةُ الْمُشَاعِ فِيمَا لَا يُقْسَمُ صَحِيحَةٌ فَيَأْخُذُ كُلٌّ النِّصْفَ، وَلَوْ تَبَايَعَ غَاصِبَا عَرَضِيًّ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ فَأَجَازَ الْمَالِكُ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْكَرَابِيسِيُّ إلَخْ) جَزَمَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ فِي فَصْلِ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ، وَفِي الْفَتْحِ وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْبَيْعِ بِلَا خِلَافٍ، وَلَا لِلرَّاهِنِ وَالْمُؤَجِّرِ، وَفِي الْمُرْتَهِنِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ، وَذَكَرَ قَبْلَهُ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي خِيَارَ الْفَسْخِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ وَقْتَ الْبَيْعِ بِالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ، وَإِنْ عَلِمَ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ قِيلَ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا، وَقِيلَ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. اهـ.
وَفِي تَصْحِيحِ الشَّيْخِ قَاسِمٍ أَنَّ الْمَشَايِخَ أَخَذُوا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ اهـ.
لَكِنْ ذَكَرَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَنَّ الْأَوَّلَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَأَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَفِي حَاشِيَتِهِ لِلرَّمْلِيِّ عَنْ الْغَزِّيِّ أَنَّهُ هُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَنَقَلَ الرَّمْلِيُّ فِيهَا عَنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَفِيهَا عَنْ الزَّيْلَعِيِّ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَنْ الْخَانِيَّةِ لَوْ لَمْ يُجِزْ الْمُسْتَأْجِرُ حَتَّى انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ نَفَذَ الْبَيْعُ السَّابِقَ وَكَذَا الْمُرْتَهِنُ إذَا قَضَى دَيْنَهُ.
وَفِيهِ عَنْ الذَّخِيرَةِ الْبَيْعُ بِلَا إذْنِ الْمُسْتَأْجِرِ نَفَذَ فِي حَقِّ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي لَا فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِر فَلَوْ سَقَطَ حَقُّ الْمُسْتَأْجِرِ عَمِلَ ذَلِكَ الْبَيْعُ وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّجْدِيدِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَلَوْ أَجَازَهُ الْمُسْتَأْجِرُ نَفَذَ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ لِيَصِلَ إلَيْهِ مَالُهُ إذْ رِضَاهُ بِالْبَيْعِ يُعْتَبَرُ لِفَسْخِ الْإِجَارَة لَا لِلِانْتِزَاعِ مِنْ يَدِهِ وَعَنْ بَعْضِ بَعْضِنَا أَنَّهُ لَوْ بَاعَ وَسَلَّمَ وَأَجَازَهُمَا الْمُسْتَأْجِرُ بَطَلَ حَقُّ حَبْسِهِ وَلَوْ أَجَازَ الْبَيْعَ لَا التَّسْلِيمَ لَا يَبْطُلُ حَقُّ حَبْسِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ) الثَّانِي مَفْعُولٌ أَجَازَ وَهُوَ أَجَازَ وَهُوَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ أَجَازَ الْبَيْعَ الثَّانِيَ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ لِمَالِكِهِ لَكَانَ أَوْلَى) أَيْ لِأَجْلِ مَالِكِهِ قَالَ الرَّمْلِيُّ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ الْوَاضِعِينَ لِلْمُتُونِ هَذَا الْقَيْدَ وَأَقُولُ: تَرْكُهُ مُتَعَيِّنٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوَقُّفُ بَيْعُ الْغَاصِبِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ وَكَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمَبِيعِ يُوجِبُ تَوَقُّفَ الْعَقْدِ عَلَى الْإِجَازَةِ لَا نَقْضَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا قَالَهُ فِي الْبَدَائِعِ رِوَايَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَتَأَمَّلْ وَارْجِعْ إلَى فُرُوعٍ ذُكِرَتْ فِي الْمَحَلَّيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ يَظْهَرْ لَكَ مَا قُلْنَاهُ فَتَدَبَّرْ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ لِمُصَنِّفِهِ أَقُولُ: يُشْكِلُ عَلَى هَذَا أَيْ عَلَى مَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا عَنْ الْبَدَائِعِ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الْمَبِيعَ إذَا اُسْتُحِقَّ لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِالِاسْتِحْقَاقِ وَلِلْمُسْتَحِقِّ إِجَازَتُهُ، وَجْهُ الْإِشْكَالِ أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَ لِنَفْسِهِ لَا لِلْمَالِكِ الَّذِي هُوَ الْمُسْتَحِقُّ مَعَ أَنَّهُ تَوَقَّفَ عَلَى الْإِجَازَةِ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ بَيْعُ الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ فَالظَّاهِرُ ضَعْفُ مَا فِي الْبَدَائِعِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِفُرُوعِ الْمَذْهَبِ. اهـ.
وَهُوَ عَيْنُ مَا قُلْنَاهُ ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَوَقْفُ بَيْعِ الْغَاصِبِ لَكِنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِ الْمَشَايِخِ التَّوَقُّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ يُشْكِلُ عَلَى مَا قَالَهُ إلَّا أَنْ يُجْمَلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا اهـ.
وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْحَمَلُ عَلَى أَنَّهُ بَاعَهُ لِمَالِكِهِ وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْحَمْلِ مِنْ الْبُعْدِ جِدًّا فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
قُلْتُ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ مَا فِي الْبَدَائِعِ لَا إشْكَالَ وَأَنَّ مَا فَهِمَهُ الْمُؤَلِّفُ غَيْرُ مُرَادِ الْبَدَائِعِ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْبَدَائِعِ لَوْ بَاعَهُ لِنَفْسِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ أَصْلًا مَعْنَاهُ بَاعَهُ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بَائِعًا وَمُشْتَرِيًا فَاللَّامُ فِيهِ بِمَعْنَى مِنْ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ بِعْت لَهُ وَبِعْت مِنْهُ فَاللَّامُ فِي عِبَارَةِ الْبَدَائِعِ لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ حَتَّى يَكُونَ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ بَاعَهُ لِمَالِكِهِ فَكَانَ عَلَى الْمُؤَلِّفِ أَنْ يَقُولَ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ لِغَيْرِهِ إلَخْ وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ فِي النَّهْرِ قَالَ كَذَلِكَ وَنَصُّهُ وَمَنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ يَعْنِي لِغَيْرِهِ أَمَّا إذَا بَاعَ لِنَفْسِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ
стр. 2069
فَائِدَةَ الْبَيْعِ بِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الرَّقَبَةِ وَالتَّصَرُّفِ، وَهُمَا حَاصِلَانِ لِلْمَالِكِ فِي الْبَدَلَيْنِ بِدُونِ هَذَا الْعَقْدِ فَلَمْ يَنْعَقِدُ فَلَمْ يَلْحَقْهُ إجَازَةٌ، وَلَوْ غَصْبًا مِنْ رَجُلَيْنِ، وَتَبَايَعَا، وَأَجَازَ الْمَالِكُ جَازَ، وَلَوْ غَصْبًا النَّقْدَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ، وَعَقَدَا الصَّرْفَ، وَتَقَابَضَا ثُمَّ أَجَازَ جَازَ لِأَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَاصِبَيْنِ مِثْلُ مَا غَصَبَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ آخِرِ الْبَابِ، وَأَمَّا وَصِيَّةُ الْفُضُولِيِّ كَمَا إذَا أَوْصَى بِأَلْفٍ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ أَوْ بِعَيْنٍ مِنْ مَالِهِ فَأَجَازَ الْمَالِكُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ سَلَّمَهَا، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُسَلِّمْ كَالْهِبَةِ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ مِنْ الْوَصَايَا، وَبِهِ عُلِمَ حُكْمُ هِبَةِ الْفُضُولِيِّ، وَسَيَأْتِي فِي الصُّلْحِ بَيَانُ صُلْحِ الْفُضُولِيِّ، وَالظَّاهِرُ مِنْ فُرُوعِهِمْ أَنَّ كُلَّ مَا صَحَّ التَّوْكِيلُ بِهِ فَإِنَّهُ إذَا بَاشَرَهُ الْفُضُولِيُّ يَتَوَقَّفُ إلَّا الشِّرَاءَ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ.
قَوْلُهُ (وَصَحَّ عِتْقُ مُشْتَرٍ مِنْ غَاصِبٍ بِإِجَازَةُ بَيْعِهِ لَا بَيْعُهُ) وَهَذَا عِنْدَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَفِي الْحَدِيثِ «لَا عِتْقَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» ، وَهَذَا لِأَنَّ عَقْدَ الْفُضُولِيِّ مَوْقُوفٌ، وَهُوَ لَا يُفِيدُهُ لِعَدَمِ النَّفَاذِ، وَثُبُوتُهُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ اسْتِنَادًا فَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ زَائِلٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَصْلُحُ شَرْطًا لِلْإِعْتَاقِ، وَهُوَ الْمِلْكُ الْكَامِلُ لِإِطْلَاقِهِ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ لِلْكَامِلِ، وَلِذَا لَوْ أَعْتَقَهُ الْغَاصِبُ ثُمَّ أَدَّى الضَّمَانَ لَمْ يَصِحَّ الْعِتْقُ مَعَ أَنَّ الْمِلْكَ الثَّابِتَ لَهُ بِالضَّمَانِ أَقْوَى مِنْ الْمِلْكِ الثَّابِتِ لِلْمُشْتَرِي حَتَّى يَنْفُذُ بَيْعُ الْغَاصِبِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ، وَلَا يَنْفُذُ بَيْعُ الْمُشْتَرِي بِإِجَازَةِ الْمَالِكِ الْأَوَّلِ، وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ ثُمَّ أَجَازَ الْبَيْعَ لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ، وَكَذَا إذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ لَمْ يَنْفُذْ الْبَيْعُ الثَّانِي مَعَ أَنَّ الْبَيْعَ أَسْرَعُ نَفَاذًا مِنْ الْعِتْقِ حَتَّى صَحَّ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ دُونَ عِتْقِهِمَا وَلِذَا لَوْ بَاعَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ ثُمَّ أَدَّى الضَّمَانَ نَفَذَ بَيْعُهُ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ أَدَّى الضَّمَانَ لَمْ يَنْفُذْ.
وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ الْغَاصِبُ فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي مِنْهُ ثُمَّ أَدَّى الْغَاصِبُ الضَّمَانَ صَحَّ بَيْعُ الْغَاصِبِ، وَبَطَلَ عِتْقُهُ، وَلَهُمَا أَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ فِيهِ فَيَتَوَقَّفُ الْإِعْتَاقُ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ، وَيَنْفُذُ بِنَفَاذِهِ كَإِعْتَاقِ الْمُشْتَرِي مِنْ الرَّاهِنِ يَتَوَقَّفُ، وَيَنْفُذُ بِإِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ، وَإِعْتَاقِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْوَارِثِ حَالَ اسْتِغْرَاقِ التَّرِكَةِ بِالدَّيْنِ فَأَجَازَ الْغُرَمَاءُ الْبَيْعَ، وَإِعْتَاقَ الْوَارِثِ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ، وَهِيَ مُسْتَغْرِقَةٌ بِهِ فَقَضَى الدَّيْنَ أَوْ أَبْرَأ الْغُرَمَاءَ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعِتْقَ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ، وَالشَّيْءُ إذَا تَوَقَّفَ تَوَقَّفَ بِحُقُوقِهِ، وَإِذَا نَفَذَ نَفَذَ بِحُقُوقِهِ بِخِلَافِ إعْتَاقِ الْغَاصِبِ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِلْمِلْكِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ ضَرُورَةً أَدَاءَ الضَّمَانِ فَلَمْ يَكُنْ مُثْبِتًا لَهُ لِلْحَالِ، وَلَا سَبَبًا لَهُ، وَلِذَا لَا يَتَعَدَّى إلَى الزَّوَائِدِ بِخِلَافِ الْمِلْكِ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى إلَى الزَّوَائِدِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِيهِ خِيَارُ الْبَائِعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ، وَالْكَلَامُ فِيهِ، وَهُوَ مَانِعٌ مِنْ انْعِقَادِهِ فِي الْحُكْمِ أَصْلًا فَلَمْ يُوجَدْ الْمِلْكُ فِيهِ قَيَّدَ بِعِتْقِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ عِتْقَ الْغَاصِبِ لَا يَنْفُذُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ لِمَا بَيَّنَّاهُ، وَقَيَّدَ بِإِجَازَةِ بَيْعِهِ لِأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مِنْ الْغَاصِبِ، وَلَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا أَدَّى الضَّمَانَ يَنْفُذُ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي ثَبَتَ مُطْلَقًا بِسَبَبٍ مُطْلَقٍ، وَهُوَ الشِّرَاءُ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ ضَرُورِيٌّ فَكَانَ الْمِلْكُ فِيهِ نَاقِصًا هَكَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ أَدَاءِ الْغَاصِبِ الضَّمَانَ وَبَيْنَ أَدَاءِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ.
وَصَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ عِتْقَ الْمُشْتَرِي يَنْفُذُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مِنْ الْغَاصِبِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَدَاءِ الضَّمَانِ مِنْ الْغَاصِبِ أَوْ مِنْ الْمُشْتَرَى مِنْهُ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ فِي الْبِنَايَةِ فَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ بِإِجَازَةِ بَيْعِهِ أَوْ أَدَاءِ الضَّمَانِ لَكَانَ أَوْلَى، وَكَذَا لَوْ قَالَ وَصَحَّ عِتْقُ مُشْتَرٍ مِنْ فُضُولِيٍّ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ غَاصِبًا لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُسَلِّمْ الْمَبِيعَ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَجْلِ الْبَيْعِ لِأَنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَاسِدٌ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي جَرَتْ الْمُحَاوَرَةُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ هَذَا الْكِتَابُ فَقَالَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ مِنْ فُرُوعِهِمْ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الْمُرَادُ بِمَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِهِ مِنْ الْعُقُودِ وَالْإِسْقَاطَاتِ لِيَخْرُجَ قَبْضُ الدَّيْنِ قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَفِي (فش) مَنْ قَبَضَ دَيْنَ غَيْرِهِ بِلَا أَمْرٍ ثُمَّ أَجَازَ الطَّالِبُ لَمْ يَجُزْ قَائِمًا أَوْ هَالِكًا، وَقَالَ فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ كُلُّ تَصَرُّفٍ صَدَرَ مِنْهُ، وَلَهُ مُجِيزٌ حَالَ وُقُوعِهِ انْعَقَدَ مَوْقُوفًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ هِبَةٍ، وَكَذَا كُلُّ مَا صَحَّ بِهِ التَّوْكِيلُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْكَمَالُ فِي شَرَحَ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ تَصَرُّفَاتُ الْفُضُولِيِّ تَتَوَقَّفُ عِنْدَنَا إذَا صَدَرَتْ، وَلِلتَّصَرُّفِ مُجِيزٌ أَيْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْإِجَازَةِ سَوَاءٌ كَانَ تَمْلِيكًا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ وَالتَّزْوِيجِ وَالتَّزَوُّجِ أَوْ إسْقَاطًا حَتَّى لَوْ طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَةَ غَيْرِهِ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فَأَجَازَهُ طَلُقَتْ، وَعَتَقَ. اهـ. فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ مِنْ الْغَاصِبِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ) أَيْ الْغَصْبُ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ) أَيْ بِأَدَاءِ الْغَاصِبِ الضَّمَانَ (قَوْلُهُ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي) يُوهِمُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِلْوُرُودِ مَعَ أَنَّهُ بَيَانٌ لِلْفَرْقِ
стр. 2070
أَبُو يُوسُفَ مَا رَوَيْت لَك عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعِتْقَ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا رَوَيْت أَنَّ الْعِتْقَ بَاطِلٌ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ بَلْ رَوَيْت لِي أَنَّ الْعِتْقَ جَائِزٌ، وَإِثْبَاتُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي صِحَّةِ الْعِتْقِ بِهَذَا لَا يَجُوزُ لِتَكْذِيبِ الْأَصْلِ الْفَرْعَ صَرِيحًا، وَأَقَلُّ مَا هُنَا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ هَذِهِ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَنَحْنُ سَمِعْنَا مِنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُجَوِّزُ عِتْقَهُ. اهـ.
وَأَمَّا بَيْعُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ فَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ لِبُطْلَانِ عَقْدِهِ بِالْإِجَازَةِ فَإِنَّ بِهَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي بَاتًّا، وَالْمِلْكُ الْبَاتُّ إذَا وَرَدَ عَلَى الْمَوْقُوفِ أَبْطَلَهُ.
وَكَذَا لَوْ وَهَبَهُ مَوْلَاهُ لِلْغَاصِبِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ فَوَرِثَهُ فَهَذَا كُلُّهُ يُبْطِلُ الْمِلْكَ الْمَوْقُوفَ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ الْبَاتِّ وَالْمَوْقُوفِ فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ عَلَى وَجْهٍ يَطْرَأُ فِيهِ الْبَاتُّ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ مِلْكٌ بَاتٌّ، وَعَرَضَ مَعَهُ الْمِلْكُ الْمَوْقُوفُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَيَّدَ بِالْعِتْقِ لِأَنَّ فِي التَّفْوِيضِ مِنْ الْفُضُولِيِّ لِلْمَرْأَةِ إذَا جُعِلَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ أَجَازَ الزَّوْجُ لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ التَّفْوِيضُ الْآنَ فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا الْآنَ طَلُقَتْ، وَإِلَّا فَلَا، وَالْأَصْلُ فِي تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ أَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ جُعِلَ شَرْعًا سَبَبًا لِحُكْمٍ إذَا وُجِدَ مِنْ غَيْرِ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ لَمْ يَسْتَعْقِبْ حُكْمُهُ، وَيَتَوَقَّفُ إنْ كَانَ مِمَّا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ جُعِلَ مُعَلَّقًا، وَإِلَّا احْتَجْنَا أَنَّ نَجْعَلَهُ سَبَبًا لِلْحَالِ مُتَأَخِّرًا حُكْمُهُ إنْ أَمْكَنَ فَالْبَيْعُ لَيْسَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ فَيُجْعَلُ سَبَبًا فِي الْحَالِ فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِ الْإِجَازَةِ ظَهَرَ أَثَرُهُ مِنْ وَقْتِ وُجُودِهِ، وَلِذَا مَلَكَ الزَّوَائِدَ، وَأَمَّا التَّفْوِيضُ فَاحْتَمَلَ التَّعْلِيقَ فَجَعَلْنَا الْمَوْجُودَ مِنْ الْفُضُولِيِّ مُتَعَلِّقًا بِالْإِجَازَةِ فَعِنْدَهَا يَثْبُتُ التَّفْوِيضُ لِلْحَالِ لَا مُسْتَنِدًا فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إلَّا مِنْ وَقْتِ الْإِجَازَةِ، وَأَمَّا النِّكَاحُ فَلَا يَتَعَلَّقُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي حَالِ التَّوَقُّفِ سَبَبًا لِمُطْلَقِ الطَّلَاقِ بَلْ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ الْمُسْتَعْقِبِ لَهُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِمْ إذَا طَرَأَ مِلْكٌ بَاتٌّ عَلَى مِلْكٍ مَوْقُوفٍ أَبْطَلَهُ أَنَّ بَيْعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ بِطُرُوِّ الْمِلْكِ الْبَاتِّ بِإِجَازَةِ بَيْعِ الْغَاصِبِ.
وَقَدْ قَالَ فِي النِّهَايَةِ إنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ أَصْلًا لِتَجَرُّدِهِ عُرْضَةً لِلِانْفِسَاخِ، وَقَدْ يُقَالُ فَائِدَتُهُ لَوْ أَجَازَ الْمَالِكُ بَيْعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ لَا بَيْعَ الْغَاصِبِ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ بِخِلَافِ مَا إذَا أَجَازَ بَيْعَ الْغَاصِبِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ بَيْعَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَنْعَقِدْ أَصْلًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ أَنَّ الْفُضُولِيَّ إذَا بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ إذَا بَاعَهُ لِمَالِكِهِ، وَهُنَا بَاعَهُ الْمُشْتَرِي لِنَفْسِهِ فَالظَّاهِرُ مَا فِي النِّهَايَةِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ إنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْغَاصِبِ إذَا بَاعَ لَا يَتَوَقَّفُ مِلْكُهُ لِأَنَّ فَائِدَةَ التَّوَقُّفِ النَّفَاذُ فَفِي كُلِّ صُورَةٍ لَا يَتَحَقَّقُ النَّفَاذُ لَا يَتَوَقَّفُ كَبَيْعِ الْحُرِّ، وَأُورِدَ عَلَى الْأَصْلِ مَا إذَا بَاعَ الْغَاصِبُ ثُمَّ أَدَّى الضَّمَانَ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ بَيْعُهُ مَعَ أَنَّهُ طَرَأَ مِلْكٌ بَاتٌّ، وَهُوَ مِلْكُ الْغَاصِبِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ فِيهِ مِلْكٌ بَاتٌّ) أَيْ إنْ لَمْ تُقَيَّدْ بِهَذَا الْقَيْدِ يَرِدُ عَلَيْنَا أَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَحِلِّ الْوَاحِدِ مِلْكٌ بَاتٌّ لِمَالِكِهِ، وَمِلْكٌ مَوْقُوفٌ لِلْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرِ قَوْلِهِمْ) إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْإِيرَادِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ جَمِيعِهِ فِيهِ تَأَمُّلٌ فَقَدْ قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ غَاصِبٍ ثُمَّ وَثُمَّ حَتَّى تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي فَأَجَازَ مَالِكُهُ عَقْدًا مِنْ الْعُقُودِ جَازَ ذَلِكَ الْعَقْدُ خَاصَّةً لِتَوَقُّفِ كُلِّهَا عَلَى الْإِجَازَةِ فَإِذَا أَجَازَ عَقْدًا مِنْهَا جَازَ ذَلِكَ خَاصَّةً، وَقَالَ قَبْلَهُ رَامِزًا، وَلَوْ فَعَلَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ ثُمَّ أَجَازَ مَالِكُهُ بَيْعَ غَاصِبِهِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْمُشْتَرِي وِفَاقًا، وَأَمَّا عِتْقُهُ فَلَمْ يَجُزْ قِيَاسًا، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَهُمَا نَفَذَ اسْتِحْسَانًا، وَقَالَ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ رَامِزًا لَوْ ضَمَّنَ مَالِكُهُ غَاصِبَهُ نَفَذَ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ، وَبَطَلَ بَيْعُ الْمُشْتَرِي إذْ مِلْكُ الْأَوَّلِ بَاتٌّ، وَمِلْكُ الثَّانِي مَوْقُوفٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَنْفُذُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ لِأَنَّهُ لَمَّا ضَمِنَ مِلْكَهُ مِنْ وَقْتِ غَصْبِهِ فَكَأَنَّهُ بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ ثُمَّ وَثُمَّ فَجَازَ الْكُلُّ. اهـ.
فَتَحَرَّرَ أَنَّ بَيْعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ مَوْقُوفٌ، وَإِذَا أَجَازَهُ الْمَالِكُ جَازَ خَاصَّةً فَقَوْله ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِمْ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَ النَّقْلَ الصَّرِيحَ، وَقَوْلُهُ وَجَوَابُهُ أَنَّ بَيْعَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَنْعَقِدْ أَصْلًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ يُخَالِفُ مَا عَلَّلَهُ بِهِ فِي النِّهَايَةِ، وَالْمِعْرَاجِ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ غَايَتُهُ أَنَّ مَا فِي النِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ يُقَالُ إلَخْ) نَقْضٌ لِقَوْلِهِ لِتَجَرُّدِهِ عُرْضَةً لِلِانْفِسَاخِ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِإِمْكَانِ بَقَائِهِ عَلَى الصِّحَّةِ (قَوْلِهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدْ كَتَبْنَا فِي الْحَاشِيَةِ قَرِيبًا مَا فِي ذَلِكَ مِنْ النَّظَرِ اهـ.
أَيْ مِنْ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِتَعْلِيلِ النِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ، وَمِنْ أَنَّ مَا فِي الْبَدَائِعِ ضَعِيفٌ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ (قَوْلُهُ وَأَوْرَدَ عَلَى الْأَصْلِ مَا إذَا بَاعَ إلَخْ) قَالَ فِي حَاشِيَةِ مِسْكِينٌ تَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا بِأَنَّهُ غَيْرُ وَارِدٍ إذْ قَوْلُهُمْ أَنَّ الْمِلْكَ الْبَاتَّ إذَا طَرَأَ عَلَى مَوْقُوفٍ أَبْطَلَهُ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا طَرَأَ لِغَيْرِ مَنْ بَاشَرَ الْمَوْقُوفَ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَنْ الْقَاعِدِيِّ، وَنَصَّهُ الْأَصْلُ أَنَّ مَنْ بَاشَرَ عَقْدًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ ثُمَّ مَلَكَهُ يَنْفُذُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ كَالْغَاصِبِ بَاعَ الْمَغْصُوبَ ثُمَّ مَلَكَهُ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ مِلْكَ أَبِيهِ ثُمَّ وَرِثَهُ نَفَذَ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرْنَا وَطُرُوُّ الْبَاتِّ إنَّمَا يُبْطِلُ الْمَوْقُوفَ إذَا حَدَثَ لِغَيْرِ مَنْ بَاشَرَ الْمَوْقُوفَ كَمَا إذَا بَاعَ الْمَالِكُ مَا بَاعَهُ الْفُضُولِيُّ مِنْ غَيْرِ الْفُضُولِيِّ وَلَوْ مِمَّنْ اشْتَرَى مِنْ الْفُضُولِيِّ
следующие страницы →