Полный текст (3 122 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
أَلْزَمَهُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَلْزَمَهُ الْحَبْسَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِسْكِينٌ أَيْ أَدَامَ حَبْسَهُ، وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ أَلْزَمَهُ بِالْحَقِّ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ تَقْرِيرُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَالظَّاهِرُ عِنْدِي مَا قَالَهُ مِسْكِينٌ لِأَنَّ الثَّانِيَ لَا يَطَّرِدُ فِي كُلِّ إقْرَارٍ؛ لِأَنَّ الْمَحْبُوسَ إذَا أَقَرَّ بِسَبَبِ عُقُوبَةٍ خَالِصَةٍ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَقَالَ إنِّي أَقْرَرْتُ عِنْدَ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي الزِّنَا، وَلَمْ يُقِمْ الْحَدَّ عَلَيَّ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يُقِيمُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْهُ فِي مَجْلِسِ الْمَعْزُولِ بَطَلَ لَكِنْ يَسْتَقْبِلُ الْمَوْلَى الْأَمْرَ فَإِذَا أَقَرَّ حَدَّهُ ثُمَّ بَعْدَ الْحَدِّ يَتَأَنَّى وَيُنَادِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يُطْلِقُهُ بِكَفِيلٍ بِنَفْسِهِ كَذَا فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْخَصَّافِ، وَقَوْلُهُ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَشْهَدَ بِأَصْلِ الْحَقِّ أَوْ بِحُكْمِ الْقَاضِي عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَعْزُولُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لَوْ قَالَ حَبَسْتُهُ بِحَقٍّ عَلَيْهِ، كَذَا لَوْ قَالَ كُنْتُ حَكَمْتُ عَلَيْهِ لِفُلَانٍ بِكَذَا كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَعَلَّلَهُ فِي الْبِدَايَةِ بِأَنَّهُ كَوَاحِدٍ مِنْ الرَّعَايَا وَشَهَادَةُ الْفَرْدِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ عَلَى فِعْلٍ اهـ.
فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ مَعَ آخَرَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، رَأَيْت فِي بَعْضِ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ مَعَ آخَرَ عَلَى حُكْمِهِ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا أَنْ يَقُولَ إنَّ قَاضِيًا قَضَى عَلَيْهِ بِكَذَا لِفُلَانٍ اهـ.
وَقَوَاعِدُنَا تَأْبَاهُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَتِهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ ﵀ إطْلَاقَهُ بَعْدَ إلْزَامِهِ لِمَا فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَعَرَفَهُ الْقَاضِي أَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِنَسَبِهِ، وَأَحْضَرَ الْمَالَ لَهُ أَطْلَقَهُ بِلَا كَفِيلٍ، وَكَذَا إذَا اخْتَارَ الْمُدَّعِي إطْلَاقَهُ وَإِنْ أُشْكِلَ عَلَى الْقَاضِي أَمْرُ الْمُدَّعِي أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ وَلَا يُطْلِقُهُ بَلْ يَتَأَنَّى، ثُمَّ يُطْلِقُهُ بِكَفِيلٍ خَوْفًا مِنْ الِاحْتِيَالِ اهـ.
قَوْلُهُ (وَإِلَّا نَادَى عَلَيْهِ) أَيْ مَنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَمَرَ مُنَادِيًا كُلَّ يَوْمٍ فِي مَحَلَّتِهِ وَقْتَ جُلُوسِهِ مَنْ كَانَ يَطْلُبُ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْمَحْبُوسَ بِحَقٍّ فَلْيَحْضُرْ حَتَّى نَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَإِنْ حَضَرَ وَاحِدٌ وَادَّعَى وَهُوَ عَلَى إنْكَارِهِ ابْتَدَأَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا تَأَنَّى فِي ذَلِكَ أَيَّامًا عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى الْقَاضِي فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ عَلَى الصَّحِيحِ اتِّفَاقًا، وَأَطْلَقَهُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْقِسْمَةِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْوَرَثَةِ كَفِيلًا؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ وَارِثٍ آخَرَ مَوْهُومٌ وَهُنَا الْقَاضِي لَا يَحْبِسُهُ إلَّا بِحَقٍّ ظَاهِرٍ وَخِلَافُهُ مَوْهُومٌ فَإِنْ قَالَ لَا كَفِيلَ لِي وَأَبَى أَنْ يُعْطِيَ كَفِيلًا وَجَبَ أَنْ يَحْتَاطَ نَوْعًا آخَرَ مِنْ الِاحْتِيَاطِ فَيُنَادِي شَهْرًا فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ أَطْلَقَهُ، وَقَدْ بَحَثَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِالنَّظَرِ إلَى أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حُبِسَ بِحَقٍّ يَجِبُ أَنْ لَا يُطْلِقَهُ بِقَوْلِهِ إنِّي مَظْلُومٌ حَتَّى تَمْضِيَ مُدَّةٌ يُطْلِقُ فِيهَا مُدَّعِيَ الْإِعْسَارِ كَانَ جَيِّدًا اهـ.
قُلْتُ: لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّا عَمِلْنَا بِمُقْتَضَى هَذَا الظَّاهِرِ بِالنِّدَاءِ، وَأَخَذَ الْكَفِيلُ وَلَوْ أَبْقَيْنَاهُ فِي الْحَبْسِ كَمَا ذَكَرَهُ لَسَوَّيْنَا بَيْنَ الْمُحَقَّقِ وَالظَّاهِرِ فَإِنَّ الْمُعْسِرَ تَحَقَّقْنَا ثُبُوتَ الْحَقِّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَحْبُوسِ بَعْدَ عَزْلِ الْقَاضِي، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ مَا ذَكَرَهُ الصَّدْرُ فِي الْمَحْبُوسِينَ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِسَبَبِ الدَّيْنِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبِ قِصَاصٍ أَقَرَّ بِهِ اُقْتُصَّ مِنْهُ لِلْمُقَرِّ لَهُ فِي النَّفْسِ وَالطَّرَفِ، وَلَكِنْ لَا يُطْلِقُهُ فِي الطَّرَفِ إلَّا بِكَفِيلٍ احْتِيَاطًا وَإِنْ كَانَ قَالَ حُبِسْت بِسَبَبِ حَدِّ الزِّنَا لَا يَعْمَلُ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ السَّابِقِ، وَإِنَّمَا يَسْتَأْنِفُ الْآنَ وَإِنْ قَالَ بِسَبَبِ شُهُودٍ عَلَيَّ بِهِ لَا يَحُدُّهُ بِذَلِكَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ مَعَ آخَرَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ) كَذَا فِي النَّهْرِ أَيْضًا لَكِنْ فِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ سُئِلَ إذَا أَخْبَرَ حَاكِمٌ حَاكِمَا بِقَضِيَّةٍ هَلْ يَكْفِي إخْبَارُهُ، وَيَسُوغُ لِلْحَاكِمِ الْعَمَلُ بِهَا أَجَابَ لَا يَكْفِي إخْبَارُهُ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ شَاهِدٍ آخَرَ اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي فَتَاوَى الْمُؤَلِّفِ، وَيُخَالِفُهُ ظَاهِرُ مَا فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ وَمَا كَانَ مِنْ حُكْمٍ أَخْبَرَ بِهِ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ، لَهُ بِذَلِكَ شُهُودٌ يُقْبَلُ مِنْهُ قَوْلُهُ كَمَا إذَا شَهِدَ شُهُودٌ عَلَى حُكْمِهِ، كَذَا مَا قَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي السَّادِسِ فِي طَرِيقِ ثُبُوتِهِ عَنْ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْحَاكِمُ إذَا حَكَمَ بِحَقٍّ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ عَزْلِهِ كُنْتُ حَكَمْت بِكَذَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ اهـ.
إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ فَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَسَيَأْتِي قُبَيْلَ الشَّهَادَاتِ الِاخْتِلَافُ فِي قَبُولِ قَوْلِ الْقَاضِي الْمُوَلَّى مُطْلَقًا أَوْ مَعَ عَدْلٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِمَا فِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ وَالْمُؤَلِّفِ فَلَا يُخَالِفُ مَا هُنَا (قَوْلُهُ وَلَكِنْ لَا يُطْلِقُهُ فِي الطَّرَفِ احْتِيَاطٌ) ؛ لِأَنَّهُ تَتَمَكَّنُ تُهْمَةُ الْمُوَاضَعَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِإِنْسَانٍ آخَرَ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ أَوْ فِي مَالِهِ فَهُوَ يَبْذُلُ الطَّرَفَ لِيَتَخَلَّصَ، فَيَفُوتُ حَقُّ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ فَيَتَأَنَّى فِي ذَلِكَ وَيُنَادِي ثُمَّ يَأْخُذُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ وَيُطْلِقُهُ كَذَا فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَسْتَأْنِفُ الْآنَ) فَإِنْ أَقَرَّ بِالزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ صَحَّ وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا رَجَمَهُ، وَإِلَّا جَلَدَهُ ثُمَّ يَتَأَنَّى فِي ذَلِكَ وَيُنَادِي عَلَيْهِ، وَإِنْ حَضَرَ لَهُ خَصْمٌ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَإِلَا أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ كَذَا فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْخَصَّافِ (قَوْلُهُ لَا يَحُدُّهُ بِذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ لَا يُعْتَبَرُ عِنْد الثَّانِي كَذَا فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ وَفِيهِ، وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدُوا عِنْدَ الْقَاضِي الثَّانِي إذَا تَقَادَمَ الْعَهْدُ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تَكُونُ حُجَّةً بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ، وَلَا يُطْلِقُهُ لِتَوَهُّمِ الْحِيلَةِ لَكِنْ يُنَادِي عَلَيْهِ، وَيَتَأَنَّى فِي أَمْرِهِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ وَيُطْلِقُهُ
стр. 2207
وَإِنْ قَالَ بِسَبَبِ سَرِقَةٍ أَقْرَرْت بِهَا قَطَعَ الْمَوْلَى يَدَهُ وَأَطْلَقَهُ بِكَفِيلٍ وَإِنْ قَالَ بِبَيِّنَةٍ لَا لِلتَّقَادُمِ، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ حُبِسَ بِسَبَبِ حَدِّ الْخَمْرِ لَا يَحُدُّهُ سَوَاءٌ قَالَ بِإِقْرَارٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ وَإِنْ قَالَ بِسَبَبِ قَذْفٍ لِفُلَانٍ، وَصَدَّقَهُ حُدَّ مُطْلَقًا وَأَطْلَقَهُ بِكَفِيلٍ.
قَوْلُهُ (وَعُمِلَ فِي الْوَدَائِعِ وَغَلَّاتِ الْوَقْفِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حُجَّةٌ وَالْمُرَادُ إقْرَارُ ذِي الْيَدِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاَلَّذِي فِي دِيَارِنَا مِنْ هَذَا أَنَّ أَمْوَالَ الْأَوْقَافِ تَحْتَ أَيْدِي جَمَاعَةٍ يُوَلِّيهِمْ الْقَاضِي النَّظَرَ أَوْ الْمُبَاشَرَةَ فِيهَا، وَوَدَائِعَ الْيَتَامَى تَحْتَ يَدِ الَّذِي يُسَمَّى أَمِينَ الْحُكْمِ اهـ.
وَقَدْ انْقَطَعَ هَذَا فِي زَمَانِنَا فَإِنَّ أَمْوَالَ الْيَتَامَى تَحْتَ يَدِ الْأَوْصِيَاءِ، وَلَمْ يُوَلَّ فِي زَمَانِنَا أَمِينُ الْحُكْمِ قُيِّدَ بِغَلَّاتِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِإِقْرَارِ ذِي الْيَدِ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ إذَا جَحَدَهُ الْوَرَثَةُ وَلَا بَيِّنَةَ، وَقَالَ الْمَعْزُولُ إنَّ هَذَا وَقْفُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ سَلَّمْتُهُ إلَى هَذَا، وَأَقَرَّ ذُو الْيَدِ وَكَذَّبَهُ الْوَرَثَة لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْقَاضِي وَذُو الْيَدِ، وَيَكُونُ مِيرَاثًا بَيْنَ الْوَرَثَةِ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ وَلَمْ يُعْمَلْ بِقَوْلِ الْمَعْزُولِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ ذُو الْيَدِ أَنَّهُ سَلَّمَهُ إلَيْهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِمَا) يَعْنِي لَوْ قَالَ مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ لِي، وَقَالَ الْمَعْزُولُ إنَّهُ مَالُ وَقْفٍ أَوْ يَتِيمٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ الْتَحَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ الرَّعَايَا بِخِلَافِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَخْصُوصُ بِأَنْ يَكْتَفِيَ بِقَوْلِهِ فِي الْإِلْزَامِ حَتَّى الْخَلِيفَةُ الَّذِي قَلَّدَ الْقَضَاءَ لَوْ أَخْبَرَ الْقَاضِيَ أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ الشُّهُودُ بِكَذَا لَا يُقْضَى بِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ الْخَلِيفَةُ مَعَ آخَرَ، وَالْوَاحِدُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى وُجُوهٍ خَمْسَةٍ الْأَوَّلُ أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ سَلَّمَهَا إلَيْهِ وَمَعَ ذَلِكَ يُقِرُّ بِهَا لِغَيْرِهِ فَإِذَا بَدَأَ ذُو الْيَدِ بِالْإِقْرَارِ لِلْغَيْرِ ثُمَّ بِتَسْلِيمِ الْقَاضِي فَأَقَرَّ الْقَاضِي بِأَنَّهَا الْآخَرُ وَحُكْمُهُ أَنْ تُسَلَّمَ الْعَيْنُ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْأَوَّلِ، وَيَضْمَنُ الْمُقِرُّ قِيمَتَهُ إنْ كَانَ قِيَمِيًّا أَوْ مِثْلَهُ إنْ مِثْلِيًّا لِلْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ الثَّانِي فَيُسَلِّمُهَا لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ الْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يُنْكِرَ التَّسْلِيمَ، وَحُكْمُهُ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُ الْمَعْزُولِ. الثَّالِثُ أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّ الْمَعْزُولَ سَلَّمَهُ إلَيْهِ ثُمَّ يُقِرُّ بِهِ لِلْغَيْرِ عَكْسُ الْأَوَّلِ، وَحُكْمُهُ عَدَمُ قَبُولِ الثَّانِي. الرَّابِعُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْإِقْرَارِ بِتَسْلِيمِ الْقَاضِي ثُمَّ يَقُولُ لَا أَدْرِي لِمَنْ هُوَ، وَحُكْمُهُ قَبُولُ قَوْلِ الْقَاضِي. الْخَامِسُ أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ تَسَلَّمَهُ مِنْ الْقَاضِي وَصَدَّقَ الْقَاضِي أَنَّهَا لِفُلَانٍ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُمَا، وَيُدْفَعُ إلَى الْقَاضِي لِيَدْفَعَهُ إلَى فُلَانٍ فَلَمْ يُعْمَلْ بِقَوْلِهِ فِي وَجْهٍ وَعُمِلَ بِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ، وَقَوْلُهُ بِبَيِّنَةٍ شَامِلٌ لِمَا إذَا شَهِدُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا الْقَاضِيَ قَبْلَ عَزْلِهِ يَقُولُ هَذَا الْمَالُ لِفُلَانٍ الْيَتِيمِ اسْتَوْدَعْته فُلَانًا، وَكَذَا إذَا شَهِدُوا عَلَى بَيْعِهِ مَالَ الْيَتِيمِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ، وَيُؤْخَذُ الْمَالُ لِمَنْ ذَكَرَهُ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ الْأَوَّلُ وَاسْتَقْضَى غَيْرَهُ فَشَهِدَ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَيَقْضِي فِي الْمَسْجِدِ أَوْ دَارِهِ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ «حَكَمَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ» «، وَقَالَ لِلْمَدْيُونِ قُمْ فَاقْضِهِ بَعْدَ أَمْرِ الدَّائِنِ بِوَضْعِ الشَّطْرِ، وَكَانَا فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا» «وَأَمَرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ» ، وَقَدْ لَاعَنَ عُمَرَ ﵁ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَمَّا كَوْنُ الْمُشْرِكِ يَدْخُلُهُ لِلْقَضَاءِ وَهُوَ نَجِسٌ فَلَا يُمْنَعُ؛ لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ نَجَاسَةُ الِاعْتِقَادِ عَلَى مَعْنَى التَّشْبِيهِ، وَأَمَّا الْحَائِضُ فَتُخْبِرُ بِحَالِهَا لِيَخْرُجَ إلَيْهَا الْقَاضِي أَوْ يُرْسِلَ نَائِبَهُ كَمَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي دَابَّةٍ، وَكَذَا السُّلْطَانُ يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْحُكْمِ أَطْلَقَ الْمَسْجِدَ فَشَمِلَ غَيْرَ الْجَامِعِ لَكِنَّهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَشْهَرُ ثُمَّ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَاتُ وَإِنْ لَمْ تُصَلَّ فِيهِ الْجُمُعَةُ.
قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ هَذَا إذَا كَانَ الْجَامِعُ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ أَمَّا إذَا كَانَ فِي طَرَفٍ مِنْهَا فَلَا لِزِيَادَةِ الْمَشَقَّةِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَخْتَارَ مَسْجِدًا فِي وَسَطِ الْبَلَدِ وَفِي السُّوقِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ فِي بَيْتِهِ وَحَيْثُ كَانَ إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَيَأْذَنُ لِلنَّاسِ عَلَى الْعُمُومِ وَلَا يَمْنَعُ أَحَدًا؛ لِأَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ حَقًّا فِي مَجْلِسِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ بَيْتَهُ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجْلِسُ لَهُ فِي أَشْهَرِ الْأَمَاكِنِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ، وَلَيْسَ فِيهِ حَاجِبٌ وَلَا بَوَّابٌ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَلَا يَحْكُمُ، وَهُوَ مَاشٍ وَلَا رَاكِبٌ وَلَا بَأْسَ بِالْعُقُودِ عَلَى الطَّرِيقِ إذَا كَانَ لَا يُضَيِّقُ عَلَى الْمَارَّةِ وَلَا بَأْسَ بِالْحُكْمِ وَهُوَ
ــ
[منحة الخالق]
قَوْله قَطَعَ الْمَوْلَى يَدَهُ وَأَطْلَقَهُ بِكَفِيلٍ وَإِنْ قَالَ بِبَيِّنَةٍ لَا لِلتَّقَادُمِ) كَذَا فِي النَّهْرِ وَتَبِعَهُ الْحَمَوِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ فِي الْحُدُودِ إنْ طَلَبَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ شَرْطَ الْقَطْعِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الثُّبُوتُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ أَبُو السُّعُودِ (قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ بِبَيِّنَةٍ لَا لِلتَّقَادُمِ) أَيْ لَا يَقْطَعُهُ لِأَجْلِ التَّقَادُمِ، وَكَذَا إذَا شَهِدُوا عِنْدَ الثَّانِي إذَا تَقَادَمَ الْعَهْدُ، وَلَا يُعَجَّلُ فِي إطْلَاقِهِ بَلْ يَفْعَلُ مَا قُلْنَا شَرْحُ أَدَبِ الْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ الْأَوَّلِ) وَهُوَ مَنْ أَقَرَّ لَهُ ذُو الْيَدِ (قَوْلُهُ بِإِقْرَارِهِ الثَّانِي) وَهُوَ إقْرَارُهُ بِتَسْلِيمِ الْقَاضِي إلَيْهِ.
стр. 2208
مُتَّكِئٌ وَالْقَضَاءُ وَهُوَ مُسْتَوٍ أَفْضَلُ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الْقَضَاءِ، وَلَا يَجْلِسُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ التُّهْمَةَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُجَالِسَهُ مَنْ كَانَ يَجْلِسُ مَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ مَا كَانَ يَحْكُمُ حَتَّى يُحْضِرَ أَرْبَعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَيُشَاوِرَهُمْ.
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُحْضِرُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا ﵃ حَتَّى قَالَ أَحْمَدُ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ وَيُشَاوِرُهُمْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ وَفِي الْمَبْسُوطِ وَإِنْ دَخَلَهُ حَصْرٌ فِي قُعُودِهِمْ عِنْدَهُ أَوْ شَغَلَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ جَلَسَ وَحْدَهُ فَإِنَّ طِبَاعَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنْ حِشْمَةِ الْفُقَهَاءِ عَنْ فَصْلِ الْقَضَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْدَادُ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَدْخُلُهُ حَصْرٌ جَلَسَ وَحْدَهُ وَفِي الْمَبْسُوطِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَعْتَذِرَ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَيُبَيِّنَ لَهُ وَجْهَ قَضَائِهِ، وَيُبَيِّنَ لَهُ أَنَّهُ فَهِمَ حُجَّتَهُ وَلَكِنَّ الْحُكْمَ فِي الشَّرْعِ كَذَا يَقْتَضِي الْقَضَاءُ عَلَيْهِ فَلَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْفَعَ لِشِكَايَتِهِ لِلنَّاسِ وَنِسْبَتِهِ إلَى أَنَّهُ جَارَ عَلَيْهِ، وَمَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ فَرُبَّمَا تُفْسِدُ الْعَامَّةُ عِرْضَهُ وَهُوَ بَرِيءٌ وَإِذَا أَمْكَنَ إقَامَةُ الْحَقِّ مَعَ عَدَمِ إيغَارِ الصُّدُورِ كَانَ أَوْلَى كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ مَشَايِخُنَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا أَرَادَ الْحُكْمَ أَنْ يَقُولَ لِلْخَصْمَيْنِ أَحْكُمُ بَيْنَكُمَا، وَهَذَا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ حَتَّى إنَّهُ إذَا كَانَ فِي التَّقْلِيدِ خَلَلٌ يَصِيرُ حُكْمًا بِتَحْكِيمِهِمَا وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قَضَى الْقَاضِي بِحَقٍّ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ الْقَضِيَّةَ ثَانِيًا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يُفْرَضُ ذَلِكَ عَلَى الْقَاضِي اهـ. وَفِيهَا وَإِنْ رَأَى أَنْ يَقْعُدَ مَعَهُ أَهْلُ الْفِقْهِ قَعَدُوا وَلَا يُشَاوِرُهُمْ عِنْدَ الْخُصُومِ اهـ.
فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَتْ عِنْدَهُ الْفُقَهَاءُ وَوَقَعَتْ الْحَادِثَةُ يُخْرِجُ الْخُصُومَ أَوْ يُبْعِدُهُمْ ثُمَّ يُشَاوِرُ الْفُقَهَاءَ، وَلَا يُسَلِّمُ وَلَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ الدَّاخِلُ الشَّاهِدَ فَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، وَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إلَى الْمِحْرَابِ، وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَقِفُونَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ فَإِنْ اعْتَرَاهُ هَمٌّ أَوْ غَضَبٌ أَوْ جُوعٌ أَوْ حَاجَةٌ حَيَوَانِيَّةٌ كَفَّ عَنْهُ حَتَّى يَزُولَ وَلَا يُتْعِبُ نَفْسَهُ فِي طُولِ الْجُلُوسِ وَلَا يَقْضِي وَهُوَ يُدَافِعُ أَحَدَ الْأَخْبَثَيْنِ، وَإِنْ كَانَ شَابًّا قَضَى وَطَرَهُ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ جَلَسَ لِلْقَضَاءِ وَلَا يَسْمَعُ مِنْ رَجُلٍ حُجَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي مَجْلِسٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ قَلِيلًا، وَلَا يُقَدِّمُ رَجُلًا جَاءَ غَيْرُهُ قَبْلَهُ وَلَا يَضْرِبُ فِي الْمَسْجِدِ حَدًّا وَلَا تَعْزِيرًا كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَالْحَاصِلُ لَا يَقْضِي حَالَ شُغْلِ قَلْبِهِ وَلَوْ بِفَرَحٍ أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ أَوْ حَرٍّ شَدِيدٍ وَأَصْلُهُ «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» مَعْلُولٌ بِهِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَطَوَّعَ بِالصَّوْمِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُرِيدُ الْجُلُوسَ فِيهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَيَخْرُجُ فِي أَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَأَعْدَلِ أَحْوَالِهِ وَلَهُ أَنْ يَتَّخِذَ بَوَّابًا لِيَمْنَعَ الْخُصُومَ مِنْ الِازْدِحَامِ وَلَا يُبَاحُ لِلْبَوَّابِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا عَلَى الْإِذْنِ فِي الدُّخُولِ وَإِذَا أَخَذَ الْبَوَّابُ شَيْئًا وَعَلِمَ الْقَاضِي بِهِ فَقَضَى كَانَ كَالْقَضَاءِ بِالرِّشْوَةِ لَا يَنْفُذُ كَذَا فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ، وَإِذَا جَلَسُوا بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ أَيُّكُمَا الْمُدَّعِي فَإِذَا عَرَفَهُ يَقُولُ لَهُ مَاذَا تَدَّعِي وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَرْفَقُ دَفْعًا لِلْمَهَابَةِ عَنْهُمْ، وَإِذَا جَاءَ رَجُلٌ أَرَادَ إحْضَارَ خَصْمِهِ الْغَائِبِ دَفَعَ لَهُ طِينَةً عَلَيْهَا خَتْمُ الْقَاضِي مَكْتُوبٌ فِيهَا أَجِبْ خَصْمَك إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَإِنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ أَحْضَرَهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَالْقَاضِي لَا يُعَدِّيهِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ.
وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَعُودَ إلَى أَهْلِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَهُوَ قَرِيبٌ، وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَنْصِبَ قُضَاةً عَلَى الْكُوَرِ فِيمَا دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ احْتِرَازًا عَنْ مَشَقَّةِ الْأَعْدَاءِ، وَهُوَ إزَالَةُ الْعُدْوَانِ وَيَسْقُطُ الْأَعْدَاءُ بِعُذْرِ الْمَرَضِ أَوْ كَانَتْ مُخَدَّرَةً فَإِنْ تَوَارَى الْخَصْمُ فِي بَيْتِهِ خَتَمَ الْقَاضِي عَلَى بَيْتِهِ، وَجَعَلَ بَيْتَهُ عَلَيْهِ سِجْنًا وَسَدَّ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلَهُ حَتَّى يَضِيقَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فَيَخْرُجُ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَأَصْحَابُنَا لَمْ يُجَوِّزُوا الْهُجُومَ وَصُورَتُهُ أَنْ يَبْعَثَ الْقَاضِي نِسَاءً يَطْلُبْنَهُ فِي الْبَيْتِ وَأَعْوَانًا يَأْخُذُونَ السُّفْلَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ مَعَ عَدَمِ إيغَارِ الصُّدُورِ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ الْوَغْرَةُ شِدَّةُ تَوَقُّدِ الْحُزْنِ وَمِنْهُ قِيلَ فِي صَدْرِهِ وَغْرٌ بِالتَّسْكِينِ أَيْ ضَغَنٌ وَعَدَاوَةٌ وَتَوَقُّدٌ مِنْ الْغَيْظِ أَبُو السُّعُودِ (قَوْلُهُ ثُمَّ أَمَرَهُ) أَيْ السُّلْطَانُ (قَوْلُهُ وَلَهُ أَنْ يَتَّخِذَ بَوَّابًا لِيَمْنَعَ الْخُصُومَ مِنْ الِازْدِحَامِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّهُ يَجْلِسُ فِي أَشْهَرِ الْأَمَاكِنِ، وَالْجَامِعُ لَيْسَ فِيهِ حَاجِبٌ وَلَا بَوَّابٌ وَهُوَ الْأَفْضَلُ، وَلَكِنَّ الَّذِي هُوَ مَخْصُوصٌ بِمَنْعِ الْخُصُومِ (قَوْلُهُ لَا يُعْدِيهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ لَا يُحْضِرُهُ مِنْ أَعْدَاهُ أَيْ أَحْضَرَهُ وَتُسَمَّى مَسَائِلُهُ مَسَائِلَ الْعَدَوِيِّ، وَهُوَ الِاسْمُ مِنْهُ وَالْإِعْدَاءُ مَصْدَرُهُ (قَوْلُهُ فَإِنْ تَوَارَى الْخَصْمُ فِي بَيْتِهِ خَتَمَ الْقَاضِي عَلَى بَابِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ بَعْدَ أَنْ يُكَلِّفَ الْقَاضِي الْمُدَّعِيَ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ فِي مَنْزِلِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ وَالتَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ الْمُحِيطِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ أَيْضًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ عُلَمَاءُ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوَاعِدُنَا تَقْضِي بِهِ أَيْضًا فَاعْلَمْ ذَلِكَ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ فَإِنَّ مَحَلَّ السَّمَرِ وَالْخَتْمِ إذَا ثَبَتَ
стр. 2209
وَالْعُلْوَ كَيْ لَا يَهْرَبَ وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فَعَلَهُ عُمَرُ ﵁ وَالصَّالِحُونَ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَكُوا فِيهِ الْقِيَاسَ فَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ يَسْكُنُ دَارًا بِأُجْرَةٍ، وَامْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ اخْتَلَفُوا فِي تَسْمِيرِ الْبَابِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُسَمَّرُ وَالتَّسْمِيرُ الضَّرْبُ بِالْمَسَامِيرِ اهـ.
فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ مُشْتَرَكَةً فَسَمَّرَهَا الْحَاكِمُ لِأَجْلِ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ لِلْبَاقِي أَنْ يَرْفَعُوا الْأَمْرَ إلَيْهِ لِيَرْفَعَ الْمَسَامِيرَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْعَدْلِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَفِيهَا لِلسُّلْطَانِ الْخَتْمُ عَلَى بَابِ الْمَدْيُونِ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَارَ فِي بَيْتِهِ تَضْيِيقًا عَلَيْهِ حَتَّى يَقْضِيَ الدَّيْنَ. اهـ.
فَعَلَى هَذَا لَهُ وَضْعُهُ فِي الْجَاوِيشِ فِي زَمَانِنَا، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَيَسْتَعِينُ بِأَعْوَانِ الْوَالِي عَلَى الْإِحْضَارِ وَأُجْرَةُ الْأَشْخَاصِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَقِيلَ عَلَى الْمُتَمَرِّدِ فِي الْمِصْرِ مِنْ نِصْفِ دِرْهَمٍ إلَى دِرْهَمٍ وَفِي الْخَارِجِ لِكُلِّ فَرْسَخٍ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْبَعَةٌ وَأُجْرَةُ الْمُوَكِّلِ عَلَى الْمُدَّعِي، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ الْمُشَخَّصُ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِمُلَازَمَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ الذَّهَابَ إلَى بَابِ السُّلْطَانِ وَالِاسْتِعَانَةَ بِأَعْوَانِهِ أَوَّلًا لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ قَبْلَ الْعَجْزِ عَنْ الِاسْتِيفَاءِ بِالْقَاضِي لَكِنَّهُ لَا يُفْتَى بِهِ إلَّا إذَا عَجَزَ الْقَاضِي، وَإِذَا ثَبَتَ تَمَرُّدُهُ عَنْ الْحُضُورِ عَاقَبَهُ بِقَدْرِهِ، وَذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ الِاخْتِلَافَ فِي قَبُولِ الْقَاضِي الْقِصَاصَ مِنْ الْخُصُومِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهَا إذَا جَلَسَ لِلْقَضَاءِ، وَإِلَّا أَخَذَهَا ثُمَّ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي أَنَّ الْقَاضِيَ يُؤَاخَذُ بِمَا كَتَبَ فِيهَا، وَالْمَذْهَبُ لَا إلَّا إذَا أَقَرَّ بِلَفْظِهِ صَرِيحًا وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا صَالِحًا عَفِيفًا وَيُقْعِدَهُ بِحَيْثُ يَرَاهُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ لَا ذِمِّيًّا وَلَا عَبْدًا وَلَا صَبِيًّا وَلَا مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَيَكْتُبُ الْخُصُومَةَ وَيَجْعَلُهَا فِي قِمَطْرِهِ، وَيَجْعَلُ لِكُلِّ شَهْرٍ قِمَطْرًا.
(قَوْلُهُ وَيَرُدُّ هَدِيَّةً إلَّا مِنْ قَرِيبٍ أَوْ مِمَّنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِهِ) أَيْ لَا يَقْبَلُ الْقَاضِي هَدِيَّةً لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ «اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ فَقَالَ ﵊ هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا» قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁
ــ
[منحة الخالق]
امْتِنَاعُ الْخَصْمِ بِلَا عُذْرٍ وَلَوْ كَانَ عُذْرًا يُبِيحُ تَرْكَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ وَأَصْحَابُنَا لَمْ يُجَوِّزُوا الْهُجُومَ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَتَرَكُوا إلَخْ) أَيْ أَصْحَابَ نَبِيِّنَا (قَوْلُهُ وَأُجْرَةُ الْأَشْخَاصِ فِي بَيْتِ الْمَالِ) قَالَ فِي لِسَانِ الْحُكَّامِ وَفِي الْقُنْيَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْصِبَ إنْسَانًا حَتَّى يُقْعِدَ النَّاسَ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي وَيُقِيمَهُمْ وَيُقْعِدَ الشُّهُودَ وَيُقِيمَهُمْ وَيَزْجُرَ مَنْ يُسِيءُ الْأَدَبَ وَيُسَمَّى صَاحِبَ الْمَجْلِسِ وَالْجِلْوَازَ أَيْضًا، وَأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الْمُدَّعِي شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ لَهُ بِإِقْعَادِ الشُّهُودِ عَلَى التَّرْتِيبِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ لَا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمَيْنِ وَلِلْوُكَلَاءِ أَنْ يَأْخُذُوا مِمَّنْ يَعْمَلُونَ لَهُ مِنْ الْمُدَّعِينَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ لَا يَأْخُذُ لِكُلِّ مَجْلِسٍ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمَيْنِ وَالرَّجَّالَةُ يَأْخُذُونَ أُجُورَهُمْ مِمَّنْ يَعْمَلُونَ لَهُ، وَهُمْ الْمُدَّعُونَ لَكِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ فِي الْمِصْرِ نِصْفَ دِرْهَمٍ إلَى دِرْهَمٍ، وَإِذَا خَرَجُوا إلَى الرَّسَاتِيقِ لَا يَأْخُذُونَ لِكُلِّ فَرْسَخٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْبَعَةٍ هَكَذَا، وَضَعَهُ الْعُلَمَاءُ الْأَتْقِيَاءُ الْكِبَارُ وَهِيَ أُجُورُ أَمْثَالِهِمْ وَأُجْرَةُ الْكَاتِبِ عَلَى مَنْ يَكْتُبُ لَهُ الْكِتَابَةَ وَأُجْرَةُ النُّوَّابِ عَلَى الْقَاضِي، وَإِذَا بَعَثَ أَمِينًا لِلتَّعْدِيلِ فَالْجُعْلُ عَلَى الْمُدَّعِي كَالصَّحِيفَةِ. قَالَ مَجْدُ الْأَئِمَّةِ التُّرْكُمَانِيُّ مُؤْنَةُ الرَّجَّالَةِ عَلَى الْمُدَّعِي فِي الِابْتِدَاءِ فَإِذَا امْتَنَعَ فَعَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، كَانَ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا مَالَ إلَيْهِ لِلزَّجْرِ فَإِنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُدَّعِي فِي الْحَالَيْنِ الْمُزَكِّي يَأْخُذُ الْأَجْرَ مِنْ الْمُدَّعِي، كَذَا الْمَبْعُوثُ لِلتَّعْدِيلِ اهـ. كَلَامُ الْقُنْيَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِذَا ثَبَتَ تَمَرُّدُهُ عَنْ الْحُضُورِ عَاقَبَهُ بِقَدْرِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْبُرْهَانِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُحْضَرِ وَلَا قَوْلُ عَدْلٍ وَاحِدٍ وَلَا النِّسَاءِ الْخُلَّصِ وَلَا يُتَصَوَّرُ تَمَرُّدُهُ إلَّا بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ مَعَ الْمُشْخِصِ كَمَا يُفْهَمُ جَمِيعُهُ مِنْ كَلَامِهِمْ فَلَوْ اخْتَفَى لَا يَثْبُتُ تَمَرُّدُهُ، وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَلَوْ امْتَنَعَ الْخَصْمُ عَنْ الْحُضُورِ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ عَزَّرَهُ بِمَا يَرَى مِنْ ضَرْبٍ أَوْ سَفْعٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ تَعْبِيسِ وَجْهٍ عَلَى مَا يَرَاهُ اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ فَإِنْ عَرَضَ الطِّينَةَ وَامْتَنَعَ الْخَصْمُ يَقُولُ لَهُ هَلْ تَعْرِفُهُ أَنَّهُ الْقَاضِي فَإِنْ قَالَ نَعَمْ أَشْهَدُ عَلَيْهِ فَإِنْ شَهِدَا عِنْدَ الْقَاضِي عَاقَبَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَسْتَعِينُ بِأَعْوَانِ الْوَالِي عَلَى الْإِحْضَارِ اهـ وَفِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ إذَا هَرَبَ الْغَرِيمُ مِنْ الرَّسُولِ وَعَجَزَ عَنْهُ الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّسُولِ فِي ذَلِكَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَكِنْ إذَا لَمْ يَعْلَمْ هُرُوبَهُ إلَّا بِقَوْلِهِ يُؤَدَّبُ عَلَى التَّفْرِيطِ لَهُ. اهـ.
وَمَوْضُوعُ السُّؤَالِ فِي رَجُلٍ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَقٌّ وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ الْقَاضِي بِالتَّرْسِيمِ مَعَ رَسُولٍ لِيَرْضَى خَصْمُهُ بِالدَّفْعِ أَوْ بِالسِّجْنِ.
(قَوْلُهُ وَيَجْعَلُهَا فِي قِمَطْرِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الْقِمَطْرُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الطَّاءِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْقِمَطْرُ كَسِجِلٍّ وَالْقِمَطْرِيُّ وَالْقِمَطْرَةُ بِالتَّشْدِيدِ شَاذٌّ.
(قَوْلُهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ بِلَامٍ مَضْمُومَةٍ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَخُطِّئَ وَتَاءٍ مُثَنَّاةٍ سَاكِنَةٍ، وَحَكَى الْمُنْذِرِيُّ تَحْرِيكَهَا قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ بَنُو لُتْبٍ بَطْنٌ مِنْ الْأَزْدِ وَيُقَالُ الْأَتْيَةُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ التَّاءِ قَالَ وَتُحَرَّكُ، ثُمَّ قِيلَ إنَّهَا اسْمُ أُمِّهِ عُرِفَ بِهَا وَكَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ كَذَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي التَّنْقِيحِ لِأَلْفَاظِ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ
стр. 2210
كَانَتْ الْهَدِيَّةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَدِيَّةً وَالْيَوْمُ رِشْوَةٌ فَتَعْلِيلُهُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْهَدِيَّةِ الَّتِي سَبَبُهَا الْوِلَايَةُ، وَيَجِبُ رَدُّهَا عَلَى صَاحِبِهَا فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا عَلَى مَالِكِهَا وَضَعَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ كَاللُّقَطَةِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَإِنْ كَانَ الْمُهْدِي يَتَأَذَّى بِالرَّدِّ يَقْبَلُهَا وَيُعْطِيهِ مِثْلَ قِيمَتِهَا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي الْمُضْمَرَاتِ إذَا دَخَلَتْ الْهَدِيَّةُ لَهُ مِنْ الْبَابِ خَرَجَتْ الْأَمَانَةُ مِنْ الْكُوَّةِ وَقَدَّمْنَا عَنْ الْأَقْطَعِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْهَدِيَّةِ وَالرِّشْوَةِ أَنَّ الرِّشْوَةَ مَا كَانَ مَعَهَا شَرْطُ الْإِعَانَةِ بِخِلَافِ الْهَدِيَّةِ وَفِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ مَالٌ يُعْطِيهِ وَلَا يَكُونُ مَعَهَا شَرْطٌ وَالرِّشْوَةُ مَالٌ يُعْطِيهِ بِشَرْطِ أَنْ يُعِينَهُ.
وَذِكْرُ الْهَدِيَّةِ فِي الْكِتَابِ لَيْسَ احْتِرَازِيًّا إذْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاسْتِقْرَاضُ وَالِاسْتِعَارَةُ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبُولُ هَدِيَّتِهِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُ هَدِيَّةَ الْقَرِيبِ لِمَا فِيهَا مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ وَرَدُّهَا قَطِيعَةٌ وَهِيَ حَرَامٌ وَأَطْلَقَهُ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْمُحَرَّمِ فَخَرَجَ ابْنُ الْعَمِّ مَثَلًا وَمُقَيَّدٌ بِأَنْ لَا تَكُونَ لَهُ خُصُومَةٌ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُ مِمَّنْ لَهُ عَادَةٌ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلْقَضَاءِ وَلَهُ شَرْطَانِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ خُصُومَةٌ وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الْعَادَةِ فَيَرُدُّ الْكُلَّ فِي الْأَوَّلِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فِي الثَّانِي وَقَيَّدَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِأَنْ لَا يَكُونَ مَالُ الْمُهْدِي قَدْ زَادَ فَبِقَدْرِ مَا زَادَ مَالُهُ لَا بَأْسَ بِقَبُولِهِ، وَظَاهِرُ الْعَطْفِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْ الْقَرِيبِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَادَةٌ بِالْإِهْدَاءِ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَالْأَجْنَبِيِّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَادَةٌ وَإِلَّا فَلَا يَقْبَلُهَا مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِفَقْرِهِ ثُمَّ أَيْسَرَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَانِعَ مَا كَانَ إلَّا الْفَقْرُ عَلَى وِزَانِ مَا قَالَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي الزِّيَادَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ لَهُ خُصُومَةٌ لَا يَقْبَلُهَا مُطْلَقًا وَمَنْ لَا خُصُومَةَ لَهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ عَادَةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ قَبِلَ الْمُعْتَادَ وَإِلَّا فَلَا وَفِي تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً إلَّا مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ أَوْ مِنْ وَالٍ تَوَلَّى الْأَمْرَ مِنْهُ أَوْ وَالٍ مُقَدَّمِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْقَضَاءِ اهـ.
فَعَلَى هَذَا لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا مِنْ السُّلْطَانِ وَمِنْ حَاكِمِ بَلَدِهِ الْمُسَمَّى الْآنَ بِالْبَاشَاهْ وَاقْتَصَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَلَى مَنْ وَلَّاهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ لِلْمُسْلِمِينَ عَمَلًا حُكْمُهُ فِي الْهَدِيَّةِ حُكْمُ الْقَاضِي اهـ.
فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَبُولُهَا عَلَى الْوَالِي وَالْمُفْتِي، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَقَدْ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَالْمُفْتِي قَبُولُ الْهَدِيَّةِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ الْخَاصَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ عَنْهُ الْقَاضِي اهـ.
إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْإِمَامِ إمَامُ الْجَامِعِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﵊ أَنَّ هَدَايَاهُ لَهُ وَفِيهَا ضَمُّ الْوَاعِظِ إلَى الْمُفْتِي مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ إنَّمَا يُهْدَى إلَى الْعَالِمِ لِعِلْمِهِ بِخِلَافِ الْقَاضِي، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ النَّاسَ يُسَاهِلُونَهُ لِأَجْلِ الْقَضَاءِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ هَذَا إذَا كَانَ يَكْفِي الْمُؤْنَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ يُعَامِلُ مَنْ يُحَابِيهِ وَإِلَّا لَا يُكْرَهُ، وَلَوْ بَاعَ مَالَ الْمَدْيُونِ أَوْ الْمَيِّتِ لَا يُكْرَهُ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَدِيَّةُ الْمُسْتَقْرِضِ لِلْمُقْرِضِ كَالْهَدِيَّةِ لِلْقَاضِي إنْ كَانَ الْمُسْتَقْرِضُ لَهُ عَادَةٌ قَبْلَ اسْتِقْرَاضِهِ فَأَهْدَى إلَى الْمُقْرِضِ فَلِلْمُقْرِضِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ قَدْرَ مَا كَانَ يُهْدِيهِ بِلَا زِيَادَةٍ اهـ. وَهُوَ سَهْوٌ وَالْمَنْقُولُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آخِرَ الْحَوَالَةِ أَنَّهُ يَحِلُّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ (وَدَعْوَةٌ خَاصَّةٌ) أَيْ يَرُدُّهَا فَلَا يَحْضُرُهَا؛ لِأَنَّهَا جُعِلَتْ لِأَجْلِهِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الدَّاعِي لَهَا الْقَرِيبَ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُجِيبُهَا، وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ يُجِيبُهَا بِلَا خِلَافٍ وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْكَافِي، وَإِنَّمَا تَرَكَ التَّقْيِيدَ بِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا اسْتَثْنَاهُ فِي الْهَدِيَّةِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً وَدَعْوَى خَاصَّةً إلَّا مِنْ مُحْرَمٍ أَوْ مِمَّنْ لَهُ عَادَةٌ فَإِنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيبَ الدَّعْوَةَ الْخَاصَّةَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ لَهُ عَادَةٌ بِاتِّخَاذِهَا كَالْهَدِيَّةِ فَلَوْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ الدَّعْوَةُ لَهُ كُلَّ شَهْرٍ مَرَّةً فَدَعَاهُ كُلَّ أُسْبُوعٍ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَا يُجِيبُهُ، وَلَوْ اتَّخَذَ لَهُ طَعَامًا أَكْثَرَ مِنْ الْأَوَّلِ لَا يُجِيبُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَالُهُ قَدْ زَادَ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ لِلْمُسْلِمِينَ عَمَلًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ وِلَايَةٌ نَاشِئَةٌ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ كَالسَّاعِي وَالْعَاشِرِ اهـ.
وَبِهِ يَنْدَفِعُ مُخَالَفَتُهُ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُفْتِي تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﵇ أَنَّ هَدَايَاهُ لَهُ) ذِكْرُ الْخُصُوصِيَّةِ يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ لِإِمَامٍ غَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبُولُهَا، وَإِلَّا انْتَفَتْ الْخُصُوصِيَّةُ تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْته فِي النَّهْرِ بَحَثَ كَذَلِكَ وَهَذَا يُؤَكِّدُ حَمْلَ الْإِمَامِ فِي كَلَامِ الْخَانِيَّةِ عَلَى إمَامِ الْجَامِعِ.
стр. 2211
قَيَّدَ بِالْخَاصَّةِ احْتِرَازًا عَنْ الْعَامَّةِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَحْضُرَهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ لِصَاحِبِهَا خُصُومَةٌ، وَاخْتُلِفَ فِي الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ فَقِيلَ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ خَاصَّةٌ وَالْعَشَرَةُ وَمَا فَوْقَهَا عَامَّةٌ، وَاخْتَارَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ الْخَاصَّةَ هِيَ مَا لَوْ عَلِمَ صَاحِبُهَا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْضُرُهَا لَا يَتَّخِذُهَا، وَالْعَامَّةُ هِيَ الَّتِي يَتَّخِذُهَا وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهَا وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ النَّسَفِيِّ أَنَّ الْعَامَّةَ دَعْوَةُ الْعُرْسِ وَالْخِتَانِ وَمَا سِوَاهُمَا خَاصَّةً وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عِنْدِي أَنَّهُ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْعَامَّةَ هَاتَانِ، وَرُبَّمَا مَضَى عُمْرٌ وَلَمْ نَعْرِفْ مَنْ اصْطَنَعَ طَعَامًا عَامًّا ابْتِدَاءً لِعَامَّةِ النَّاسِ بَلْ لَيْسَ إلَّا هَاتَيْنِ الْخُصْلَتَيْنِ أَوْ بِخُصُوصٍ مِنْ النَّاسِ أَوْ لِكَوْنِهِ أَضْبَطَ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ كَوْنِ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يَحْضُرْ الْقَاضِي لَمْ يَصْنَعْ أَوْ يَصْنَعُ غَيْرَ مُحَقَّقٍ فَإِنَّهُ أَمْرٌ مُبْطَنٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ لَوَائِحُ لَيْسَ كَضَبْطِ هَذَا وَتَكْفِي عَادَةُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، وَعَادَةُ النَّاسِ هِيَ مَا ذَكَرَ النَّسَفِيُّ اهـ.
وَعِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَنٍ؛ لِأَنَّ الْعَامَّةَ عُرْفًا لَا تَنْحَصِرُ فِي هَاتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَقِيقَةَ كَذَلِكَ وَكَذَا طَعَامُ الْقُدُومِ مِنْ سَفَرِ الْحَجِّ وَفِي زَمَانِنَا يُصْنَعُ طَعَامٌ عَامٌّ فِي الْعِيدَيْنِ فَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّهُ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِهَا. اهـ.
وَاخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَجَزَمَ بِهِ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ بِقَوْلِهِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ الْخَاصُّ مِنْ الْعَامِّ إلَى آخِرِهِ، وَلَمْ يَحْكِ غَيْرَهُ فَمَا قَالَهُ النَّسَفِيُّ لَيْسَ بِضَابِطٍ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أَضْبَطَ وَكَوْنِهَا لَا يَعْمَلُهَا إلَّا لِأَجْلِ الْقَاضِي لَيْسَ بِخَفِيٍّ، وَبَعْضُهُ يُعْلَمُ بِالتَّصْرِيحِ وَبَعْضُهُ يُعْلَمُ بِالْقَرَائِنِ كَالصَّرِيحِ.
قَوْلُهُ (وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ وَيَعُودُ الْمَرِيضَ) ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَفِي الْحَدِيثِ «لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتُّ حُقُوقٍ إذَا دَعَاهُ يُجِيبُهُ وَإِذْ مَرِضَ يَعُودُهُ وَإِذَا مَاتَ يَحْضُرُهُ وَإِذَا لَقِيَهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَإِذَا اسْتَنْصَحَهُ يَنْصَحُهُ وَإِذَا عَطَسَ يُشَمِّتُهُ» كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ لَا يَسْقُطُ بِالْقَضَاءِ لَكِنْ لَا يُطِيلُ مُكْثَهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَإِنَّمَا يَعُودُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا خُصُومَةَ وَإِلَّا فَلَا.
(قَوْلُهُ وَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمَا جُلُوسًا) أَيْ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي الْجُلُوسِ لِلْحَدِيثِ «إذَا اُبْتُلِيَ أَحَدُكُمْ بِالْقَضَاءِ فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ فِي الْمَجْلِسِ وَالنَّظَرِ وَالْإِشَارَةِ، وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ دُونَ الْآخَرِ» رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَبِمِثْلِهِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَلِأَنَّ فِي عَدَمِ التَّسْوِيَةِ مَكْسَرَةً لِقَلْبِ الْآخَرِ فَيُجْلِسُهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا يُجْلِسُ وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ لِأَنَّ لِلْيَمِينِ فَضْلًا أَطْلَقَ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فَشَمِلَ الشَّرِيفَ وَالْوَضِيعَ وَالْأَبَ وَالِابْنَ وَالصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالْحُرَّ وَالْعَبْدَ وَالسُّلْطَانُ وَغَيْرَهُ، وَلِذَا قَالَ فِي النَّوَازِلِ وَالْفَتَاوَى الْكُبْرَى خَاصَمَ السُّلْطَانُ مَعَ رَجُلٍ فَجَلَسَ السُّلْطَانُ مَعَ الْقَاضِي فِي مَجْلِسِهِ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُومَ مِنْ مَقَامِهِ وَيُجْلِسُ خَصْمَ السُّلْطَانِ فِيهِ، وَيَقْعُدُ هُوَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَقْضِي بَيْنَهُمَا اهـ.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي عَلَى السُّلْطَانِ الَّذِي وَلَّاهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِصَّةُ شُرَيْحٍ مَعَ عَلِيٍّ ﵁ وَشَمِلَ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ فَيُسَوَّى بَيْنَهُمَا كَمَا فِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ وَقَيَّدَ بِالْجُلُوسِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا بِالْقَلْبِ، وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ فَقَدْ حُكِيَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ وَقْتَ مَوْتِهِ قَالَ اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَمِلْ إلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ حَتَّى بِالْقَلْبِ إلَّا فِي خُصُومَةِ نَصْرَانِيٍّ مَعَ الرَّشِيدِ لَمْ أُسَوِّ بَيْنَهُمَا وَقَضَيْت عَلَى الرَّشِيدِ ثُمَّ بَكَى وَمِمَّا حُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ خَادِمًا مِنْ أَكْبَرِ خُدَّامِ الْخَلِيفَةِ جَاءَ مَعَ خَصْمَهُ لِلدَّعْوَى فَتَرَافَعَ عَلَى خَصْمِهِ فَأَمَرَهُ أَبُو يُوسُفَ بِالْمُسَاوَاةِ فَلَمْ يَمْتَثِلْ فَقَالَ الْقَفَا يَا غُلَامُ ائْتِنِي بِعَمْرٍو النَّخَّاسِ يَبِيعُ هَذَا الْخَادِمَ وَأَرْسِلْ ثَمَنَهُ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَاسْتَوَى وَانْقَضَتْ الدَّعْوَى، فَذَهَبَ الْخَادِمُ إلَى الْخَلِيفَةِ وَقَصَّ عَلَيْهِ مَا جَرَى وَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا فَقَالَ لَهُ لَوْ بَاعَكَ لَأَجَزْتُ بَيْعَهُ وَلَمْ أَرُدّكَ إلَى مِلْكِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيَنْبَغِي لِلْخَصْمَيْنِ أَنْ يَجْثُوَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا يَتَرَبَّعَانِ وَلَا يَقْعَيَانِ وَلَا يَحْتَبِيَانِ، وَلَوْ فَعَلَا ذَلِكَ مَنَعَهُمَا الْقَاضِي تَعْظِيمًا لِلْحُكْمِ كَمَا يَجْلِسُ الْمُتَعَلِّمُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُعَلِّمِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَنٍ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا بَعْدَ أَنْ ادَّعَى أَنَّ الْغَالِبَ كَوْنُ الدَّعْوَةِ الْعَامَّةِ هَاتَيْنِ غَيْرُ وَارِدٍ.
стр. 2212
تَعْظِيمًا لَهُ، وَيَكُونُ بُعْدُهُمَا عَنْهُ قَدْرَ ذِرَاعَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَا أَصْوَاتَهُمَا، وَتَقِفُ أَعْوَانُ الْقَاضِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَكُونُ أَهْيَبَ وَقَدَّمْنَا الْخِلَافَ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ فِي ابْتِدَاءِ الْقَاضِي لَهُمَا بِالسُّؤَالِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هُنَا، وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَسْتَنْطِقُهُ ابْتِدَاءً لِلْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ، وَلَا يَتَعَجَّلُ عَنْ الْخُصُومِ وَلَا يُخَوِّفُهُمْ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ بَيْنَ يَدَيْهِ إذَا جَلَسَ لِلْحُكْمِ رَجُلٌ يَمْنَعُ النَّاسَ عَنْ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ مَعَ سَوْطٍ يُقَالُ لَهُ الْجِلْوَازُ، وَصَاحِبُ الْمَجْلِسِ يُقِيمُ الْخُصُومَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الْبُعْدِ وَالشُّهُودُ بِقُرْبٍ مِنْ الْقَاضِي. قَوْلُهُ (وَلْيَتَّقِ عَنْ مُسَارَّةِ أَحَدِهِمَا وَإِشَارَتِهِ وَتَلْقِينِ حُجَّتِهِ وَضِيَافَتِهِ) أَيْ وَلْيَجْتَنِبْ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّ فِيهَا تُهْمَةً وَمَكْسَرَةً لِقَلْبِ الْآخَرِ وَالْمُسَارَّةُ مِنْ سَارَّهُ فِي أُذُنِهِ وَتَسَارُّوا تَنَاجَوْا كَذَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجْتَنِبُ الْكَلَامَ مَعَهُ خُفْيَةً قَيَّدَ بِمَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ اجْتِنَابُ مَيْلِ قَلْبِهِ إلَى أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ كَالْقَسْمِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلَّذِي يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي أَنْ يُسَارَّ أَحَدًا مِنْ الْخَصْمَيْنِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْقَاضِي اهـ.
وَأَمَّا مَنْعُهُ مِنْ ضِيَافَةِ أَحَدِهِمَا فَمَا رَوَاهُ الْحَسَنُ فَقَالَ جَاءَ رَجُلٌ فَنَزَلَ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ فَأَضَافَهُ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُخَاصِمَ قَالَ لَهُ تَحَوَّلْ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا أَنْ نُضِيفَ الْخَصْمَ إلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ قَيَّدَ بِضِيَافَةِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُضِيفَهُمَا مَعًا لِمَا رَوَيْنَاهُ (قَوْلُهُ وَالْمُزَاحُ) أَيْ وَلْيَتَّقِ الْمِزَاحَ فِي الْمِصْبَاحِ مَزَحَ مَزْحًا مِنْ بَابِ نَفَعَ وَمُزَاحَةً بِالْفَتْحِ وَالِاسْمُ الْمُزَاحُ بِالضَّمِّ وَهُوَ الدُّعَابَةُ وَالْمُزَاحَةُ الْمَرَّةُ وَمَازَحْت مِزَاحًا مِنْ بَابِ قَاتَلَ قِتَالًا اهـ.
وَفِي الصِّحَاحِ الدُّعَابَةُ بِالضَّمِّ الْمُزَاحُ مِنْ دَعِبَ لَعِبَ اهـ. فَعَلَى هَذَا الْمُزَاحُ اللَّعِبُ.
وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يَضْحَكُ فِي وَجْهِ أَحَدِهِمَا فَلَا يَقُومُ لَهُ إذَا قَدِمَ بِالْأُولَى فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْمَزْحُ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَجْتَنِبُ الْمَزْحَ سَوَاءٌ مَازَحَهُ أَحَدٌ أَوْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ مَعَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَوْ مَعَ غَيْرِهِمَا، وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَلَا يُكْثِرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالْمَهَابَةِ.
قَوْلُهُ (وَتَلْقِينُ الشَّاهِدِ) أَيْ يَجْتَنِبُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ تُهْمَةٍ أَوْ لَا وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقُولُ أَعْلَمُ مَكَانَ أَشْهَدُ لِمَهَابَةِ الْمَجْلِسِ وَهُوَ نَوْعُ رُخْصَةٍ عِنْدَهُ رَجَعَ إلَيْهِ بَعْدَمَا تَوَلَّى الْقَضَاءَ وَالْعَزِيمَةُ فِيمَا قَالَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ تُهْمَةٍ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَظَاهِرُ الْجَوَابِ تَرْجِيحُ مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ بَابِ الْمُفْتِي وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ لِزِيَادَةِ تَجْرِبَتِهِ وَكَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْقَضَاءِ، وَالتَّلْقِينُ أَنْ يَقُولَهُ لَهُ الْقَاضِي كَلَامًا يَسْتَفِيدُ بِهِ عِلْمًا، وَذَكَرَ الصَّدْرُ أَنَّ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ كَيْفَ تَشْهَدُ، وَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ بِمَ تَشْهَدُ، وَأَمَّا إفْتَاءُ الْقَاضِي فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ لَا يُفْتِي أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَفِي الْمُلْتَقَطِ فَأَمَّا الْيَوْمُ فَقَدْ ظَهَرَتْ الْمَذَاهِبُ إلَّا إذَا كَانَتْ مَسْأَلَةً لَا يُعْرَفُ جَوَابُهَا فِي مَذْهَبِ الْقَاضِي اهـ.
قَيَّدَ بِالشَّاهِدِ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا يُلَقَّنُ الْمُدَّعِي بِالْأَوْلَى وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ أَمَرَ الْقَاضِي رَجُلَيْنِ لِيُعْلِمَاهُ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَةَ فَلَا بَأْسَ بِهِ خُصُوصًا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.
[فَصْلٌ فِي الْحَبْسِ]
قَدَّمْنَا أَنَّهُ مِمَّا يَمْلِكُهُ الْقَاضِي عَلَى الْمُمْتَنِعِ عَنْ إيفَاءِ الْحَقِّ وَتَعْزِيرًا فَكَانَ مِنْ عَمَلِهِ فَذِكْرُهُ فِيهِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ، وَهُوَ مَصْدَرُ حَبَسَهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمَوْضِعِ وَجُمِعَ عَلَى حُبُوسٍ مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ وَدَلِيلُهُ الْكِتَابُ ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْحَبْسُ وَالسُّنَّةُ «حَبْسُهُ ﵊ رَجُلًا بِالتُّهْمَةِ» وَالْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ إلَى زَمَنِ عَلِيٍّ ﵁ فَبَنَى سِجْنًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ بَنَاهُ فِي الْإِسْلَامِ وَسَمَّاهُ نَافِعًا وَلَمْ يَكُنْ حَصِينًا لِكَوْنِهِ مِنْ قَصَبٍ فَانْفَلَتَ النَّاسُ مِنْهُ فَبَنَى آخَرَ وَسَمَّاهُ مَخِيسًا، وَكَانَ مِنْ مَدَرٍ وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ عَلِيٌّ
ــ
[منحة الخالق]
فَصْلٌ فِي الْحَبْسِ) .
стр. 2213
أَلَا تَرَانِي كَيِّسًا مُكَيَّسَا ... بَنَيْتُ بَعْدَ نَافِعٍ مُخَيَّسَا
بَابًا حَصِينًا وَأَمِينًا كَيِّسَا
وَفِي رِوَايَةٍ حِصْنًا حَصِينًا وَفِي رِوَايَةٍ بَدَّلْتُ بَدَلَ بَنَيْتُ وَفِي رِوَايَةٍ بَابًا شَدِيدًا وَفِي رِوَايَةٍ وَأَمِيرًا بَدَلَ أَمِينًا وَالْمُخَيَّسُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ مَوْضِعُ التَّخْيِيسِ بِيَاءَيْنِ وَهُوَ التَّذْلِيلُ وَرُوِيَ بِكَسْرِ الْيَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُذَلِّلُ مَنْ وَقَعَ فِيهِ.
وَالْكَيْسُ حُسْنُ التَّأَنِّي فِي الْأُمُورِ وَالْكَيِّسُ الْمَنْسُوبُ إلَى الْكَيْسِ الْمَعْرُوفُ بِهِ وَأَمِينًا أَرَادَ وَنَصَبْت أَمِينًا يَعْنِي السَّجَّانَ كَقَوْلِهِ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا كَذَا فِي الْفَائِقِ، وَصِفَةُ الْحَبْسِ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ فِرَاشٌ وَلَا وَطَاءٌ وَلَا يُمْكِنُ أَحَدٌ يَدْخُلُ عَلَيْهِ لِلِاسْتِئْنَاسِ إلَّا أَقَارِبَهُ وَجِيرَانَهُ وَلَا يَمْكُثُونَ وَلَا يَخْرُجُ لِجُمُعَةٍ وَلَا جَمَاعَةٍ وَلَا لِحَجِّ فَرْضٍ وَلَا لِحُضُورِ جِنَازَةٍ وَلَوْ بِكَفِيلٍ وَفِي الْخُلَاصَةِ يَخْرُجُ بِكَفِيلٍ لِجِنَازَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَالْأَوْلَادِ وَفِي غَيْرِهِمْ لَا يَخْرُجُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.
وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا انَصَّ عَلَى خِلَافِهِ وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ نَصَّ مُحَمَّدٍ فِي الْمَدْيُونِ أَصَالَةٌ، وَالْكَلَامُ فِي الْكَفِيلِ وَلَا لِمَجِيءِ رَمَضَانَ وَالْعِيدَيْنِ لِيَضْجَرَ قَلْبُهُ وَيُوفِي وَلَا لِمَوْتِ قَرِيبِهِ إلَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُغَسِّلُهُ وَيُكَفِّنُهُ فَيَخْرُجُ لِقَرَابَةِ الْوِلَادِ، وَإِنْ مَرِضَ مَرَضًا أَضْنَاهُ فَإِنْ وُجِدَ مَنْ يَخْدُمُهُ لَا يَخْرُجُ، وَإِلَّا أُخْرِجَ بِكَفِيلٍ وَإِلَّا لَا يُطْلِقُهُ وَحَضْرَةُ الْخَصْمِ لَيْسَتْ شَرْطًا وَلَا يَخْرُجُ لِلْمُعَالَجَةِ لِإِمْكَانِهَا فِي السِّجْنِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْجِمَاعِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ فَتَدْخُلُ امْرَأَتُهُ أَوْ جَارِيَتُهُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ فِيهِ مَوْضِعُ سُتْرَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَنْعِهِ مِنْ الْكَسْبِ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَا يُضْرَبُ الْمَدْيُونُ وَلَا يُقَيَّدُ وَلَا يُغَلُّ وَلَا يُجَرَّدُ وَلَا يُؤَاجَرُ وَلَا يُقَامُ بَيْنَ يَدَيْ صَاحِبِ الْحَقِّ إهَانَةً وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا خَافَ فِرَارَهُ قَيَّدَهُ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَفِيهَا إذَا خِيفَ أَنَّهُ يَفِرُّ مِنْ السِّجْنِ يُحَوَّلُ إلَى سِجْنِ اللُّصُوصِ وَإِذَا جَلَسَ الْمَحْبُوسُ فِي السِّجْنِ مُتَعَنِّتًا لَا يُوَفِّي الْمَالَ قَالَ الْإِمَامُ الأرسابندي يُطَيَّنُ الْبَابُ وَيُتْرَكُ لَهُ ثُقْبَةٌ يَلْقَى مِنْهَا الْمَاءَ وَالْخُبْزَ، وَقَالَ الْقَاضِي: الرَّأْيُ فِيهِ إلَى الْقَاضِي. اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ إذَا كَانَ لِلْمَحْبُوسِ دُيُونٌ عَلَى النَّاسِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُخْرِجُهُ لِيُخَاصِمَ ثُمَّ يُحْبَسُ. اهـ.
وَصَرَّحُوا فِي كِتَابِ الظِّهَارِ أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ التَّكْفِيرِ مَعَ قُدْرَتِهِ يُضْرَبُ وَصَرَّحُوا فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ أَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى قَرِيبِهِ يُضْرَبُ بِخِلَافِ سَائِرِ الدُّيُونِ اهـ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْقَاضِيَ يُؤَجِّرُهُ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ وَعَلَيْهِ حُمِلَ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ بَاعَ حُرًّا فِي دَيْنِهِ أَيْ أَجَّرَهُ وَتَعْيِينُ مَكَانِ الْحَبْسِ لِلْقَاضِي إلَّا إذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي مَكَانًا آخَرَ لِمَا فِي الْقُنْيَةِ ادَّعَى عَلَى بِنْتِهِ مَالًا، وَأَمَرَ الْقَاضِي بِحَبْسِهَا فَطَلَبَ الْأَبُ مِنْهُ أَنْ يَحْبِسَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ غَيْرِ السِّجْنِ حَتَّى لَا يَضِيعَ عِرْضُهُ يُجِيبُهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ، وَكَذَا فِي كُلِّ مُدَّعٍ مَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ، وَيُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ سِجْنٌ عَلَى حِدَةٍ نَفْيًا لِوُقُوعِ الْفِتْنَةِ.
(قَوْلُهُ وَإِذَا ثَبَتَ الْحَقُّ لِلْمُدَّعِي أَمَرَهُ بِدَفْعِ مَا عَلَيْهِ فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ فِي الثَّمَنِ وَالْقَرْضِ وَالْمَهْرِ الْمُعَجَّلِ وَمَا الْتَزَمَهُ بِالْكَفَالَةِ) ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الظُّلْمِ وَقَدْ صَارَ ظَالِمًا بِمَنْعِهِ أَطْلَقَهُ وَقَيَّدَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِالْقَاضِي فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُحَكَّمَ لَا يَحْبِسُ وَلَمْ أَرَهُ الْآنَ صَرِيحًا أَطْلَقَ الثُّبُوتَ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارٍ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ عُجِّلَ حَبْسُهُ لِظُهُورِ الْمَطْلِ بِإِنْكَارِهِ، وَإِلَّا لَمْ يُعَجِّلْ فَإِذَا امْتَنَعَ حَبَسَهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا وَعَكَسَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ رُبَّمَا تَعَلَّلَ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إلَّا الْآنَ، وَقَدْ فَرَّقَ الْحَلْوَانِيُّ بَيْنَ مَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ فَيُخْبِرُهُ الْقَاضِي أَنَّهُ يُرِيدُ الْقَضَاءَ، وَيَقُولُ أَلَك مَخْرَجٌ وَبَيَّنَ مَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ فَلَا يُعْلِمُهُ وَتَمَامُهُ فِي
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَالتَّاءُ الْمُثَنَّاةُ الْفَوْقِيَّةُ) صَوَابُهُ التَّحْتِيَّةُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَالرَّمْلِيِّ عَلَى الْمِنَحِ، وَقَدْ تَبِعَهُ عَلَى مَا هُنَا فِي النَّهْرِ وَالْمِنَحِ. (قَوْلُهُ وَلَا وِطَاءٍ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْوِطَاءُ وِزَانُ كِتَابٍ الْمِهَادُ الْوَطِيءُ، وَقَدْ وَطُؤَ الْفِرَاشُ بِالضَّمِّ فَهُوَ وَطِيءٌ مِثْلُ قَرُبَ فَهُوَ قَرِيبٌ اهـ.
وَقَالَ فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ وَالْمِهَادُ الْفِرَاشُ، وَمَهَدَ الْفِرَاشَ بَسَطَهُ وَوَطَّأَهُ وَبَابُهُ قَطَعَ، (قَوْلُهُ وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ نَصَّ مُحَمَّدٍ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا سَهْوٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نُقِلَ فِي الْخُلَاصَةِ يَخْرُجُ بِالْكَفِيلِ فَسَقَطَتْ الْبَاءُ فِي نُسْخَتِهِ. اهـ.
وَذَكَرَ نَحْوَهُ الرَّمْلِيُّ ثُمَّ قَالَ وَالْعَجَبُ أَنَّ الْبَزَّازِيَّ وَقَعَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْكَفِيلَ يَخْرُجُ لِجِنَازَةِ الْوَالِدَيْنِ إلَخْ، وَاَلَّذِي فِي فَتَاوَى الْقَاضِي يَخْرُجُ بِالْكَفِيلِ.
(قَوْلُهُ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُحَكَّمَ لَا يَحْبِسْ) كَذَا قَالَ فِي النَّهْرِ أَيْضًا وَفِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ عَنْ الْحَمَوِيِّ صَرَّحَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ بِأَنَّ الْمُحَكَّمَ يَحْبِسُ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا) كَذَا قَالَهُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ أَيْضًا، وَذَكَرَ أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي أَنَّهُ لَا يَحْبِسُهُ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَصَاءِ لِلْخَصَّافِ) وَالْأَحْسَنُ إطْلَاقُ الْكِتَابِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْإِيفَاءِ مُطْلَقًا فَلَا يُعَجَّلُ بِحَبْسِهِ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ لَا يَحْبِسُهُ كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْخَصَّافِ أَنَّهُ لَا يَحْبِسُهُ وَعَلَيْهَا كَتَبَ الرَّمْلِيِّ مُسْتَشْكِلًا لَهَا وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهَا مِنْ السَّقْطِ
стр. 2214
شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْخَصَّافِ، وَالْأَحْسَنُ إطْلَاقُ الْكِتَابِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْإِيفَاءِ مُطْلَقًا فَلَا يُعَجَّلُ بِحَبْسِهِ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ لَا يَحْبِسُهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّ لَهُ مَالًا أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ وَإِلَّا سَأَلَ الْمُدَّعِيَ عَنْ الْبَيِّنَةِ أَنَّ لَهُ مَالًا فَإِنْ بَرْهَنَ أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ، وَإِنْ عَجَزَ وَاخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ لِلْمُدَّعِي فِي الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي غَيْرِهَا. اهـ.
وَنَقَلَهُ فِي الْبِنَايَةِ عَنْ الْخَصَّافِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ وَلَكِنْ يَسْأَلُ الْمُدَّعِيَ عَنْ مَالِهِ إذَا طَلَبَ الْمَدْيُونُ إجْمَاعًا كَذَا فِي شَرْحِ الصَّدْرِ أَطْلَقَ الْحَقَّ فَشَمِلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَلَوْ دَانِقًا وَهُوَ سُدُسُ دِرْهَمٍ، وَلَوْ قَالَ حَبَسَهُ بِطَلَبِ الْمُدَّعِي لَكَانَ أَوْلَى كَمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ وَقَالَ شُرَيْحٌ يَحْبِسُهُ مِنْ غَيْرِ طَلَبِهِ كَذَا فِي الْبِنَايَةِ وَلَوْ قَالَ الْمَدْيُونُ أَبِيعُ عِرْضِي وَأَقْضِي دَيْنِي أَجَّلَهُ الْقَاضِي ثَلَاثَةً وَلَا يَحْبِسُهُ وَلَوْ لَهُ عَقَارٌ يَحْبِسُهُ لِيَبِيعَهُ وَيَقْضِيَ الدَّيْنَ، وَلَوْ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ إنْ وَجَدَ الْمَدْيُونُ مَنْ يُقْرِضُهُ لِيَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ ظَالِمٌ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي كَرَاهِيَةِ الْقُنْيَةِ وَلَوْ كَانَ لِلْمَدْيُونِ حِرْفَةٌ تُفْضِي إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ فَامْتَنَعَ مِنْهَا لَا يُعْذَرُ اهـ.
وَأَطْلَقَ الثَّمَنَ فَشَمِلَ الْأُجْرَةَ الْوَاجِبَةَ؛ لِأَنَّهَا ثَمَنُ الْمَنَافِعِ وَشَمِلَ مَا عَلَى الْمُشْتَرِي وَمَا عَلَى الْبَائِعِ بَعْدَ فَسْخِ الْبَيْعِ بَيْنَهُمَا بِإِقَالَةٍ أَوْ خِيَارٍ، وَشَمِلَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ بَعْدَ الْإِقَالَةِ وَمَا إذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَوْ لَا وَلَا شَكَّ فِي دُخُولِ الْأُجْرَةِ تَحْتَ قَوْلِهِمْ أَوْ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ إنْ لَمْ تَجْعَلْ ثَمَنَ الْمَنَافِعِ، وَيَتَفَاوَتُ الْحَالُ فَإِنْ دَخَلَتْ تَحْتَ مَا كَانَ بَدَلَ مَالٍ حَبَسَهُ عَلَيْهَا عَلَى فَتْوَى قَاضِي خَانْ أَيْضًا، وَإِلَّا لَمْ يَحْبِسْ عَلَيْهَا عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهَا لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ حَبْسَهُ عَلَى الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ هُنَا.
وَذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ بِنَفْيِ الْأَمَانَاتِ إذَا امْتَنَعَ الْأَمِينُ مِنْ دَفْعِهَا غَيْرَ مُدَّعٍ لِهَلَاكِهَا فَإِنَّهُ يُحْبَسُ عَلَيْهِ، وَصَارَتْ مَغْصُوبَةً وَمَا فِي تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ وَهُوَ إذَا ثَبَتَ الْحَقُّ بِإِقْرَارٍ أَوْ بِحُكْمٍ بِنُكُولِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ فَمَطْلُ الْمَطْلُوبِ عَنْ تَسْلِيمِهِ، وَطَلَبَ الطَّالِبُ حَبْسَهُ أَمَرَهُ بِحَبْسِهِ فِي كُلِّ عَيْنٍ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهَا وَفِي كُلِّ دَيْنٍ لَزِمَهُ بَدَلًا عَنْ مَالٍ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَبَدَلِ الْقَرْضِ وَالْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ أَوْ بِالْتِزَامِهِ بِعَقْدٍ كَالْمَهْرِ وَالْكَفَالَةِ اهـ.
أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى وَلِشُمُولِهِ الْحُكْمَ بِالنُّكُولِ بِخِلَافِ مَنْ قَيَّدَ ثُبُوتَ الْحَقِّ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ، وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إلَى حَبْسِ الْكَفِيلِ وَالْأَصِيلِ مَعًا الْكَفِيلِ بِمَا الْتَزَمَهُ وَالْأَصِيلِ بِمَا لَزِمَهُ بَدَلًا عَنْ مَالٍ وَلِلْكَفِيلِ بِالْأَمْرِ حَبْسُ الْأَصِيلِ إذَا حُبِسَ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ يَتَمَكَّنُ الْمَكْفُولُ لَهُ مِنْ حَبْسِ الْكَفِيلِ وَالْأَصِيلِ وَكَفِيلِ الْكَفِيلِ وَإِنْ كَثُرُوا اهـ.
وَإِلَى تَعَدُّدِ حَبْسِهِ لِتَعَدُّدِ الطَّالِبِ، فَلَوْ حُبِسَ بِدَيْنٍ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ وَادَّعَى الدَّيْنَ عَلَيْهِ أَخْرَجَهُ مِنْ الْحَبْسِ، وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي فَإِنْ بَرْهَنَ عَلَى دَعْوَاهُ كَتَبَ اسْمَهُ وَاسْمَ الْأَوَّلِ ثُمَّ إنْ بَرْهَنَ آخَرُ كَتَبَ اسْمَهُ أَيْضًا وَحَبَسَهُ لِلْكُلِّ، وَيَكْتُبُ التَّارِيخَ أَيْضًا كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَأَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّ الْمُسْلِمَ يُحْبَسُ بِدَيْنِ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ وَعَكْسَهُ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَهُمَا عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ لِأَحَدِهِمَا أَقَلُّ وَلِلْآخَرِ الْأَكْثَرُ لِصَاحِبِ الْأَقَلِّ حَبْسُهُ وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْكَثِيرِ إطْلَاقُهُ بِلَا رِضَاهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا إطْلَاقَهُ بَعْدَمَا رَضِيَا بِحَبْسِهِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَفِي الْقُنْيَةِ حُبِسَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ الْأَقَلِّ فَلِصَاحِبِ الدَّيْنِ الْأَكْثَرِ إطْلَاقُهُ لِيَكْتَسِبَ وَيُؤَدِّيَ لَهُ اهـ.
وَإِلَى أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ مَعَ الْمَدْيُونِ أَحَدٌ غَيْرُ كَفِيلِهِ فَإِذَا لَزِمَ حَبْسُ الْمَرْأَةِ لَا يَحْبِسُهَا مَعَ الزَّوْجِ، وَتُحْبَسُ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ فَإِذَا حَبَسَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا لَا تُحْبَسُ مَعَهُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَفِي مَآلِ الْفَتَاوَى إذَا خِيفَ عَلَيْهَا الْفَسَادُ اخْتَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ حَبْسَهَا مَعَهُ اهـ.
وَفِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى اسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنْ تُحْبَسَ مَعَهُ إذَا كَانَ مَخُوفًا عَلَيْهَا اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنْ تُحْبَسَ الْمَرْأَةُ إذَا حُبِسَ الزَّوْجُ، وَكَانَ قَاضِي شَاهْ لامش يَحْبِسُهَا مَعَهُ صِيَانَةً لَهَا عَنْ الْفُجُورِ. اهـ.
وَقُيِّدَ الْمَهْرُ بِالْمُعَجَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْبَسُ فِي الْمُؤَجَّلِ وَيُصَدَّقُ فِي الْإِعْسَارِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي الْأَصْلِ لَا يُصَدَّقُ فِي الصَّدَاقِ بِلَا فَصْلٍ بَيْنَ مُؤَجَّلِهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَلَكِنْ يَسْأَلُ الْمُدَّعِي عَنْ مَالِهِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يَعْنِي أَنْ يَسْأَلَ الْمَدْيُونَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ صَاحِبَ الدَّيْنِ أَلَهُ مَالٌ؟ سَأَلَهُ الْقَاضِي بِالْإِجْمَاعِ اهـ.
قُلْت: وَسَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ الْقَوْلَةِ الْآتِيَةِ لَوْ قَالَ الْمَدْيُونُ حَلِّفْهُ أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ أَنِّي مُعْسِرٌ يُجِيبُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَبَدَلِ الْقَرْضِ) مِثَالٌ لِقَوْلِهِ فِي كُلِّ دَيْنٍ لَزِمَهُ بَدَلًا عَنْ مَالٍ وَقَوْلُهُ: وَالْمَغْصُوبُ مِثَالٌ لِقَوْلِهِ فِي كُلِّ عَيْنٍ إلَخْ فَالْمُرَادُ عَيْنُ الْمَغْصُوبِ لَا بَدَلُهُ
стр. 2215
وَمُعَجَّلِهِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَاضِيَ خَانْ فِي الْفَتَاوَى رَجَّحَ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ وَاجِبًا بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ كَالْقَرْضِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْيَسَارِ مَرْوِيٌّ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ قُدْرَتَهُ كَانَتْ ثَابِتَةً فِي الْمُبْدَلِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي زَوَالِ تِلْكَ الْقُدْرَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ فَالْقَوْلُ لِلْمَدْيُونِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا وَجَبَ بِعَقْدٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ. اهـ.
فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ إلَّا فِيمَا كَانَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ فَلَا يُحْبَسُ فِي الْمَهْرِ، وَالْكَفَالَةِ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ وَهُوَ خِلَافُ مُخْتَارِ الْمُصَنِّفِ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَذَكَرَ الطَّرَسُوسِيُّ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمُفْتَى بِهِ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْإِفْتَاءُ فِيمَا الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ وَلَمْ يَكُنْ بَدَلَ مَالٍ، وَالْعَمَلُ عَلَى مَا فِي الْمُتُونِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ مَا فِي الْمُتُونِ وَالْفَتَاوَى فَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمُتُونِ كَمَا فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ، وَكَذَا يُقَدَّمُ مَا فِي الشُّرُوحِ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى، وَقِيلَ الْقَوْلُ لِلْمَدْيُونِ فِي الْكُلِّ وَقِيلَ لِلدَّائِنِ فِي الْكُلِّ وَقِيلَ يُحْكَمُ الزِّيُّ إلَّا فِي الْفُقَهَاءِ وَالْعَلَوِيَّةِ وَالزِّيُّ كَمَا فِي الْقَامُوسِ بِالْكَسْرِ الْهَيْئَةُ وَالْجَمْعُ أَزْيَاءٌ. اهـ.
وَصَحَّحَهُ الْكَرَابِيسِيُّ فِي الْفُرُوقِ وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالْمُفْتَى بِهِ وَأُطْلِقَ الْمَدْيُونُ فَشَمِلَ الْمُكَاتَبَ وَالْعَبْدَ الْمَأْذُونَ وَالصَّبِيَّ الْمَحْجُورَ فَإِنَّهُمْ يُحْبَسُونَ لَكِنَّ الصَّبِيَّ لَا يُحْبَسُ بِدَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ بَلْ يُحْبَسُ وَالِدُهُ أَوْ وَصِيُّهُ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا أَمَرَ الْقَاضِي رَجُلًا بِبَيْعِ مَالِهِ فِي دَيْنِهِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ. قَوْلُهُ (لَا فِي غَيْرِهِ إنْ ادَّعَى الْفَقْرَ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ غَرِيمُهُ غِنَاهُ فَيَحْبِسُهُ بِمَا رَأَى) أَيْ لَا يَحْبِسُهُ فِي غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا مِمَّا كَانَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ أَوْ مُلْتَزَمًا بِعَقْدٍ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ مُعْسِرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْآدَمِيِّ الْعُسْرَةُ، وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي أَمْرًا عَارِضًا وَهُوَ الْغِنَاءُ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ الْغَيْرِ تِسْعُ صُوَرٍ: بَدَلُ الْخُلْعِ وَبَدَلُ عِتْقِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ وَبَدَلُ الْمَغْصُوبِ وَنَفَقَةُ الزَّوْجَاتِ وَنَفَقَةُ الْأَقَارِبِ وَأُرُوشُ الْجِنَايَاتِ وَبَدَلُ دَمِ الْعَمْدِ، وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ الْمَهْرِ بَعْدَ الدُّخُولِ وَبَدَلُ الْمُتْلَفَاتِ، وَذَكَرَ الطَّرَسُوسِيُّ وَأَخْطَأَ صَاحِبُ الْمُخْتَارِ فِي نَقْلِ الْحُكْمِ فِي الْخُلْعِ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ مَعَ ثَمَنِ الْمَتَاعِ وَالْقَرْضِ، وَقَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّيْنِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا قَالَهُ الْمَدْيُونُ وَهُوَ الْمَرْأَةُ أَوْ الْأَجْنَبِيُّ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ إنَّ بَدَلَ الْخُلْعِ مِمَّا الْتَزَمَ بِعَقْدٍ فَإِنَّ الْخُلْعَ بِمَالٍ عَقْدٌ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ، وَيُشْكَلُ بَدَلُ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا فِيهِ الْقَوْلَ قَوْلَ الْمَدْيُونِ مَعَ أَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ، وَكَذَا يُشْكِلُ مُؤَجَّلُ الْمَهْرِ فَإِنَّهُ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ، وَهُوَ نَظِيرُ الْكَفَالَةِ بِالدَّرَكِ فَإِنَّ مُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ الْكَفَالَةَ وَمَا الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ فِيهَا، وَمُقْتَضَى تَقْيِيدِ الْمَهْرِ بِالْمُعَجَّلِ قَبُولُ قَوْلِهِ لِأَنَّهَا كَالْمَهْرِ الْمُؤَجَّلِ لِأَنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ إلَّا بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ.
وَذَكَرَ الطَّرَسُوسِيُّ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَاضِيَ خَانْ فِي الْفَتَاوَى رَجَّحَ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْأَوَّلِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ الطَّرَسُوسِيُّ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ قَالَ الْقَاضِي فَخْرُ الدِّينِ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ الدَّيْنُ وَجَبَ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْيَسَارِ، وَإِنْ كَانَ وَجَبَ بَدَلًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ فَإِنْ وَجَبَ بِعَقْدٍ بَاشَرَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَكَذَلِكَ لِوُجُودِ دَلِيلِ الْيَسَارِ وَهُوَ الْمُبَادَلَةُ وَالْتِزَامُهُ الدَّيْنَ بِاخْتِيَارِهِ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْإِعْسَارِ لِانْعِدَامِ دَلِيلِ الْيَسَارِ اهـ.
وَفِي النَّهْرِ ثُمَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْقُدُورِيِّ قَالَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ إنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ مَعْزِيًّا إلَى الْفَتَاوَى الْكُبْرَى لِلْخَاصِّيِّ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ فَتَاوَاهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهَا أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ بَدَلٌ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَبَدَلِ الْقَرْضِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا عَدَاهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ الْبَلْخِيّ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ الطَّرَسُوسِيُّ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ) حَيْثُ قَالَ فَتَحَرَّرَ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْقَوْلَةِ كُلِّهَا أَنَّ الْمَذْهَبَ الْمُفْتَى بِهِ أَنَّ الْقَوْلَ فِيمَا لَزِمَ الْمَدْيُونَ بِبَدَلٍ هُوَ مَالٌ أَوْ بِعَقْدٍ وَقَعَ بِاخْتِيَارِهِ قَوْلُ الْمُدَّعِي لَا قَوْلُ الْمَدْيُونِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالْمُفْتَى بِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَمَّا كَوْنُهُ خِلَافَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَلِمَا فِي الْمُحِيطِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ خِلَافَ الْمُفْتَى بِهِ فَلِمَا فِي قَاضِي خَانْ مَعَ أَنَّ قَاضِيَ خَانْ قَالَ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ مَا وَجَبَ بِعَقْدٍ بَاشَرَهُ بِاخْتِيَارِهِ الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْيَسَارِ تَأَمَّلْ وَلَكِنْ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْمُتُونِ، وَذَكَرَ الطَّرَسُوسِيُّ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمُفْتَى بِهِ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ عَلَى خِلَافِ الْمُفْتَى بِهِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَبَدَلُ الْمَغْصُوبِ) أَيْ لَا عَيْنُهُ فَلَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ عَنْ الْقَلَانِسِيِّ وَفِي الْمِنَحِ عَنْ أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ جَعَلَ ذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ بِالْغَصْبِ أَيْ لَا فِي الْمُثْبَتِ بِالْبُرْهَانِ وَنَصُّهُ وَفِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ قَوْلُهُ وَبَدَلُ الْمَغْصُوبِ مَعْنَاهُ إذَا اعْتَرَفَ بِالْغَصْبِ وَقَالَ إنَّهُ فَقِيرٌ، وَقَالَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مُوسِرٌ وَتَصَادَقَا عَلَى الْهَلَاكِ أَوْ حُبِسَ لِأَجَلِ الْعِلْمِ بِالْهَلَاكِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْغَاصِبِ فِي الْعُسْرَةِ لَا قَوْلُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْعَتَّابِيُّ وَتَاجُ الشَّرِيعَةِ وَحَمِيدُ الدِّينِ الضَّرِيرُ فِيمَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُمْ اهـ.
(قَوْلُهُ وَذَكَرَ الطَّرَسُوسِيُّ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الطَّرَسُوسِيَّ نَقَلَ عَنْ عِدَّةِ كُتُبٍ أَنَّ الْقَوْلَ لِلْمُدَّعِي فِيمَا كَانَ
стр. 2216
فَإِنْ ادَّعَى الْمَدْيُونُ أَنَّهُ لَزِمَهُ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ وَادَّعَى الدَّائِنُ أَنَّهُ ثَمَنُ مَتَاعٍ لَمْ يَذْكُرْهَا الْأَصْحَابُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلَ الْمَدْيُونِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ رَبُّ الدَّيْنِ الْبَيِّنَةَ اهـ.
وَفِي نَفَقَاتِ الْبَزَّازِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَيِّنَةٌ عَلَى يَسَارِهِ، وَطَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ مِنْ جِيرَانِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ، وَإِنْ سَأَلَ كَانَ حَسَنًا فَإِنْ سَأَلَ فَأَخْبَرَهُ عَدْلَانِ بِيَسَارِهِ ثَبَتَ الْيَسَارُ بِخِلَافِ سَائِرِ الدُّيُونِ حَيْثُ لَا يَثْبُتُ الْيَسَارُ بِالْإِخْبَارِ، وَإِنْ قَالَا سَمِعْنَا أَنَّهُ مُوسِرٌ أَوْ بَلَغَنَا ذَلِكَ لَا يَقْبَلُهُ الْقَاضِي اهـ.
وَلَوْ قَالَ الْمَدْيُونُ حَلِّفْهُ أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ أَنِّي مُعْسِرٌ يُجِيبُهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ، وَيُحَلِّفُهُ أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ إعْسَارَهُ فَإِنْ حَلَفَ حَبَسَهُ بِطَلَبِهِ، وَإِنْ نَكَلَ لَا يَحْبِسُهُ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَعْزِيًّا إلَى الْحَلْوَانِيِّ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ غِنَاهُ قُدْرَتُهُ الْآنَ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ فَلَوْ كَانَ لِلْمَحْبُوسِ مَالٌ فِي بَلَدٍ آخَرَ يُطْلِقُهُ بِكَفِيلٍ فَإِنْ عَلِمَ الْقَاضِي عُسْرَتَهُ لَكِنْ لَهُ مَالٌ عَلَى آخَرَ يَتَقَاضَى غَرِيمُهُ فَإِنْ حَبَسَ غَرِيمُهُ الْمُوسِرَ لَا يَحْبِسُهُ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَقِيَاسُ الْأُولَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ لَا يَحْبِسُهُ، وَقَوْلُهُ بِمَا رَأَى أَيْ لَا تَقْدِيرَ لِمُدَّةِ حَبْسِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي لِأَنَّهُ لِلضَّجَرِ وَالتَّسَارُعِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِيهِ مُتَفَاوِتَةٌ وَقَدَّرَهُ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ بِشَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بِأَرْبَعَةٍ وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ بِنِصْفِ الْحَوْلِ.
وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ فَلَوْ رَأَى الْقَاضِي إطْلَاقَهُ بَعْدَ يَوْمٍ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ قَالَ فِي الْمُحِيطِ إنْ شَاءَ يَسْأَلُ عَنْهُ قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ اهـ.
وَذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ إنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيِّنًا أَوْ صَاحِبَ عِيَالٍ وَشَكَا عِيَالُهُ إلَى الْقَاضِي حَبَسَهُ شَهْرًا، ثُمَّ سَأَلَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ وَقِحًا حَبَسَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ سَأَلَ عَنْهُ، هَذَا إذَا كَانَ حَالُهُ مُشْكِلًا عِنْدَ الْقَاضِي، إلَّا عَمِلَ بِمَا ظَهَرَ لَهُ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ يَسْأَلُ عَنْهُ) أَيْ يَسْأَلُ الْقَاضِيَ عَنْ الْمَحْبُوسِ بَعْدَ حَبْسِهِ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ مِنْ جِيرَانِهِ فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى إعْسَارِهِ أَطْلَقَهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ وَشَرَطَهُ فِي الصُّغْرَى وَالْعَدْلُ الْوَاحِدُ يَكْفِي وَالِاثْنَانِ أَحْوَطُ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَقُولَ الْمُخْبِرُ إنَّ حَالُ الْمُعْسِرِينَ فِي نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ وَحَالَتُهُ ضَيِّقَةٌ، وَقَدْ اُخْتُبِرْنَا فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ لِسَمَاعِهَا حُضُورُ رَبِّ الدَّيْنِ فَإِنْ كَانَ غَائِبًا سَمِعَهَا، أَطْلَقَهُ بِكَفِيلٍ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ الطَّرَسُوسِيُّ: الْمَسْتُورُ كَالْعَدْلِ، أَمَّا الْفَاسِقُ فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، وَتَعَقَّبَ الزَّيْلَعِيُّ فِي ذِكْرِ الْعَدَالَةِ، أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِ لَا أَنَّهُ نَقَلَ الْمَذْهَبَ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَإِنَّمَا يَسْأَلُ مِنْ الثِّقَاتِ اهـ.
وَهُمْ الْعُدُولُ فَلَيْسَ ذِكْرُهَا مِنْ كَلَامِهِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الْوَاحِدَ يَكْفِي مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَالُ حَالَ مُنَازَعَةٍ أَمَّا إذَا كَانَ حَالَ مُنَازَعَةٍ بِأَنْ ادَّعَى الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ مُعْسِرٌ وَادَّعَى الطَّالِبُ
ــ
[منحة الخالق]
بَدَلَ مَالٍ لَا فِي غَيْرِهِ كَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَنُقِلَ عَنْ عِدَّةِ كُتُبٍ أُخَرَ أَنَّ الْقَوْلَ لِلْمُدَّعِي فِيمَا كَانَ بَدَلَ مَالٍ أَوْ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ كَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الْكَفَالَةِ وَعَنْ بَعْضِ الْكُتُبِ الْقَوْلُ لِلْمُدَّعِي فِيمَا الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ بَاشَرَهُ لَا بِمَا لَزِمَهُ حُكْمًا بِدُونِ مُبَاشَرَةِ عَقْدٍ. قَالَ وَهَذَا يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَا كَانَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ قُلْتُ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الِالْتِزَامَ بِعَقْدٍ يَشْمَلُ قَوْلَهُمْ مَا كَانَ بَدَلَ مَالٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ أَوْ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ ذِكْرَهُمْ الْمَهْرَ مَعَ بَدَلِ الْخُلْعِ يُشْعِرُ بِاتِّحَادِ حُكْمِهِمَا عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ فَمَنْ قَالَ إنَّ مَا لَيْسَ بَدَلَ مَالٍ كَالْمَهْرِ يَصْدُقُ فِيهِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْخُلْعَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَزِمَهُ بِعَقْدٍ بَاشَرَهُ، وَالْعِلَّةُ تَشْمَلُهُمَا فَإِنَّ هَذَا الْقَائِلَ يَقُولُ مَا قَبَضَهُ مِنْ الْمَبِيعِ وَالْقَرْضِ دَلِيلُ يَسَارِهِ بِخِلَافِ مَا الْتَزَمَهُ بِالْعَقْدِ، وَمَنْ قَالَ إنَّ مَا الْتَزَمَهُ بِالْعَقْدِ كَذَلِكَ يَقُولُ إنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الْعَقْدِ دَلِيلُ قُدْرَتِهِ فَاعْتَبَرَ هَذَا الْقَائِلُ الْإِقْدَامَ عَلَى الْعَقْدِ دَلِيلًا لِلْقُدْرَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْخُلْعَ كَذَلِكَ، وَلِذَا فَصَلَ بَيْنَ الْمَهْرِ الْمُعَجَّلِ وَالْمُؤَجَّلِ فَإِنَّ الْمُؤَجَّلَ لَا يُعْتَبَرُ دَلِيلًا عَلَى الْقُدْرَةِ لِعَدَمِ الْتِزَامِ دَفْعِهِ حَالًّا بِخِلَافِ الْمُعَجَّلِ نَعَمْ يَبْقَى الْإِشْكَالُ فِي بَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَإِنَّهُ مُلْتَزَمٌ بِعَقْدٍ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ دَلِيلَ الْقُدْرَةِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ إحْيَاءً لِنَفْسِهِ لِيَدْفَعَ عَنْهَا الْقِصَاصَ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُكْرَهِ عَلَى ذَلِكَ الْعَقْدِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ قُدْرَتُهُ عَلَى مَا الْتَزَمَهُ بِهِ. (قَوْلُهُ قَالَ فِي الْمُحِيطِ إنْ شَاءَ سَأَلَ عَنْهُ إلَخْ) وَمِثْلُهُ مَا فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ ذِكْرِ التَّقْدِيرِ هَذَا إذَا أُشْكِلَ عَلَى أَمْرِهِ أَفَقِيرٌ أَمْ غَنِيٌّ أَمَّا إذَا لَمْ يُشْكِلْ أَمْرُهُ سَأَلْت عَنْهُ عَاجِلًا يَعْنِي إذَا كَانَ ظَاهِرَ الْفَقْرِ أَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِفْلَاسِ وَأُخْلِي سَبِيلَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ وَقِحًا) سَيَأْتِي تَفْسِيرُ الْوَقَاحَةِ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَبَيِّنَةُ الْيَسَارِ أَحَقُّ (قَوْلُهُ قَالَ الطَّرَسُوسِيُّ وَالْمَسْتُورُ كَالْعَدْلِ) أَقُولُ: نَصُّ عِبَارَتِهِ بَعْدَ تَعَقُّبِهِ كَلَامَ الزَّيْلَعِيِّ الْآتِي وَالْأَحْسَنُ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ رَأْيُ الْقَاضِي مُوَافِقًا لِقَوْلِ هَذَا الْوَاحِدِ الْمَسْتُورِ فِي الْعُسْرَةِ يَقْبَلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا بِمَعْنَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَا رَأْيَ لَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ فِي حَالِ هَذَا الْمَحْبُوسِ لَا مِنْ جِهَةِ الْعُسْرَةِ وَلَا الْيَسْرَةِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ بِالْعُسْرَةِ عَدْلًا كَمَا قَالُوا فِي الْإِخْبَارِ بِالْعَزْلِ عَنْ الْوَكَالَةِ فَإِنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ إذَا أَخْبَرَ الْوَكِيلَ فَاسِقٌ بِالْعَزْلِ وَصَدَّقَهُ الْوَكِيلُ فِيمَا أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ الْعَزْلِ أَنَّهُ يُعْزَلُ. (قَوْلُهُ فَلَيْسَ ذِكْرُهَا مِنْ كَلَامِهِ) قُلْتُ: بَلْ قَدْ رَأَيْت
стр. 2217
أَنَّهُ مُوسِرٌ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى النِّهَايَةِ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْحَبْسَ أَوَّلًا ثُمَّ السُّؤَالُ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ وَلَكِنْ فِي الْبَزَّازِيَّةِ إنْ كَانَ أَمْرُ الْمَدْيُونِ ظَاهِرًا عِنْدَ النَّاسِ فَالْقَاضِي يَقْبَلُ بَيِّنَةَ الْإِعْسَارِ وَيُخَلِّيهِ قَبْلَ الْمُدَّةِ الَّتِي يَذْكُرُهَا، وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ مُشْكِلًا هَلْ يَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ الْحَبْسِ فِيهِ رِوَايَتَانِ اهـ.
وَفِي الْمُلْتَقَطِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا أَسْأَلُ عَنْ الْمُعْسِرِ وَأَحْبِسُهُ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ أَسْأَلُ عَنْهُ إلَّا إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْعُسْرَةِ فَلَا أَحْبِسُهُ اهـ.
وَفِيهِ أَيْضًا وَلَوْ مُعْسِرًا عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ عَلَى مُوسِرٍ دَيْنٌ يَعْلَمُ بِهِ الْقَاضِي يُحْبَسُ الْمُعْسِرُ حَتَّى يُطَالِبَ الْمُوسِرَ فَإِذَا طَالَبَهُ وَحُبِسَ الْمُوسِرُ أُطْلِقَ الْمُعْسِرُ اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَوْ لِلْمَحْبُوسِ مَالٌ فِي بَلَدٍ آخَرَ يُطْلِقُهُ بِكَفِيلٍ وَإِنْ عَلِمَ الْقَاضِي عُسْرَتَهُ لَكِنْ لَهُ مَالٌ عَلَى آخَرَ يَتَقَاضَى غَرِيمُهُ فَإِنْ حُبِسَ غَرِيمُهُ الْمُوسِرُ لَا يَحْبِسُهُ. اهـ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْبِسُ الْمَدْيُونَ إذَا عَلِمَ أَنَّ لَهُ مَالًا غَائِبًا أَوْ مَحْبُوسًا مُوسِرًا، وَأَنَّهُ يُطْلِقُهُ إذَا عَلِمَ بِأَحَدِهِمَا. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ خَلَّاهُ) أَيْ أَطْلَقَهُ مِنْ الْحَبْسِ؛ لِأَنَّ عُسْرَتَهُ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ فَاسْتَحَقَّ النَّظِرَةَ إلَى الْمَيْسَرَةِ لِلْآيَةِ فَحَبْسُهُ بَعْدَهُ يَكُونُ ظُلْمًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُطْلِقُهُ بِلَا كَفِيلٍ قُلْتُ: إلَّا فِي مَالِ الْيَتِيمِ لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَوْ لِلْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ لَهُ وَرَثَةٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ لَا يُطْلِقُهُ مِنْ الْحَبْسِ قَبْلَ الِاسْتِيثَاقِ بِكَفِيلٍ لِلصِّغَارِ. اهـ.
وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ يُطْلِقُهُ بِكَفِيلٍ إذَا كَانَ رَبُّ الدَّيْنِ غَائِبًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَالُ الْوَقْفِ كَمَالِ الْيَتِيمِ فَلَا يُطْلِقُهُ الْقَاضِي إلَّا بِكَفِيلٍ فَهِيَ ثَلَاثَةُ مَوَاضِعَ مُسْتَثْنَاةٌ، وَالْكَلَامُ فِي إطْلَاقِهِ جَبْرًا عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ فَلَوْ أَطْلَقَهُ رَبُّ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ عَلَى إفْلَاسِهِ وَرَضِيَ الْمَحْبُوسُ جَازَ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُضُورِ الْقَاضِي كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ إلَّا فِي مَالِ الْيَتِيمِ فَلَا يُطْلِقُهُ الْوَصِيُّ وَفِي وَصَايَا الْقُنْيَةِ حَبَسَ الْوَصِيُّ غَرِيمًا بِدَيْنِ الصَّبِيِّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطْلِقَهُ قَبْلَ قَضَائِهِ إذَا كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا وَيُطْلِقَهُ فَلَهُ ذَلِكَ ثُمَّ رَقْمٌ آخَرُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا جَازَ إطْلَاقُهُ اهـ.
فَتَحَرَّرَ أَنَّ الْمُعْسِرَ يَجُوزُ إطْلَاقُهُ اتِّفَاقًا، وَفِي الْمُوسِرِ خِلَافٌ وَقَيَّدْنَا بِرِضَا الْمَحْبُوسِ لِمَا فِي الْقُنْيَةِ الْمَحْبُوسُ بِالدَّيْنِ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى إفْلَاسِهِ فَأَرَادَ رَبُّ الدَّيْنِ أَنْ يُطْلِقَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِإِفْلَاسِهِ وَأَبَى الْمَحْبُوسُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يُقْضَى بِإِفْلَاسِهِ، يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الْقَضَاءُ بِهِ حَتَّى لَا يُعِيدَهُ رَبُّ الدَّيْنِ ثَانِيًا قَبْلَ ظُهُورِ غِنَاهُ اهـ.
وَإِذَا أَطْلَقَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ فَلَهُ إعَادَتُهُ إلَى الْحَبْسِ كَمَا فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ خَلَّاهُ إلَى أَنَّهُ لَا يَحْبِسُهُ مَرَّةً أُخْرَى لِلْأَوَّلِ وَلَا لِغَيْرِهِ حَتَّى يُثْبِتَ غَرِيمُهُ غِنَاهُ لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَطْلَقَ الْقَاضِي الْمَحْبُوسَ لِإِفْلَاسِهِ ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ آخَرُ مَالًا، وَادَّعَى أَنَّهُ مُوسِرٌ لَا يَحْبِسُهُ حَتَّى يَعْلَمَ يُسْرَهُ اهـ.
وَظُهُورُ عَدَمِ مَالٍ لَهُ بِالشَّهَادَةِ بِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، وَقَالَ الْخَصَّافُ يَثْبُتُ الْإِفْلَاسُ بِقَوْلِ الشُّهُودِ هُوَ فَقِيرٌ لَا نَعْلَمُ لَهُ مَالًا وَلَا عَرَضًا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْفَقْرِ وَعَنْ الصِّغَارِ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ مُفْلِسٌ مُعْدَمٌ لَا نَعْلَمُ لَهُ مَالًا سِوَى كِسْوَتِهِ وَثِيَابِهِ لَيْلَةً، وَاخْتَبَرْنَاهُ سِرًّا وَعَلَنًا اهـ.
وَفِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ وَلَا تَكُونُ هَذِهِ شَهَادَةً عَلَى النَّفْيِ فَإِنَّ الْإِعْسَارَ بَعْدَ الْيَسَارِ أَمْرٌ حَادِثٌ فَتَكُونُ شَهَادَةً بِأَمْرٍ حَادِثٍ لَا بِالنَّفْيِ نَبَّهَ عَلَيْهِ السِّغْنَاقِيُّ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِخْرَاجَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ مَعَ إخْبَارِ وَاحِدٍ بِحَالِ الْمَحْبُوسِ لَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الثُّبُوتِ حَتَّى لَا يَجُوزَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ مُعْسِرٌ كَذَا فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ وَفِي النَّوَازِلِ فَقِيرٌ لَا شَيْءَ وَلَا يَجِدُ مَنْ يَكْفُلُهُ بِنَفْسِهِ لَا يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرِيمِ إنْ شَاءَ لَازَمَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ فَإِنْ أَحْضَرَ الْمَحْبُوسُ الْمَالَ وَرَبُّ الدَّيْنِ غَائِبٌ يُرِيدُ تَطْوِيلَ الْحَبْسِ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يَعْلَمُ بِالدَّيْنِ وَمِقْدَارِهِ
ــ
[منحة الخالق]
التَّصْرِيحَ بِالْعَدَالَةِ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي الَّتِي هِيَ تَلْخِيصُ الْفَتَاوَى الْكُبْرَى لِلْخَاصِّيِّ وَالسِّرَاجِيَّةِ (قَوْلُهُ هَلْ يَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ الْحَبْسِ فِيهِ رِوَايَتَانِ) قَالَ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ تُقْبَلُ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْفَضْلِ ﵀ وَكَانَ يَقُولُ لَهُ رِوَايَةٌ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ وَفِي رِوَايَةٍ لَا تُقْبَلُ نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْكِتَابِ فِي آخِرِ الْبَابِ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنْ أَحْضَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بَعْدَ الْحَبْسِ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرْنَا بِالْعَدَمِ فَشَهِدُوا عِنْدَ الْقَاضِي بِذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الْكِتَابِ قَبِلَ الْقَاضِي ذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ الْحَبْسِ وَفَلَّسَهُ اهـ.
وَتَمَامُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَوْ لِلْمَحْبُوسِ مَالٌ فِي بَلَدٍ آخَرَ إلَخْ) مُكَرَّرٌ مَعَ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمَقُولَةِ قَبْلَ هَذِهِ. (قَوْلُهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ لَهُ مَالًا غَائِبًا أَوْ مَحْبُوسًا مُوسِرًا) قَالَ الرَّمْلِيُّ الضَّمِيرُ فِي لَهُ رَاجِعٌ لِلْمَدْيُونِ وَمُوسِرًا نَعْتٌ لِمَحْبُوسًا، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَدْيُونَ الْمُعْسِرَ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ أَوْ كَانَ لَهُ مَحْبُوسٌ بِدَيْنٍ وَمَحْبُوسُهُ مُوسِرٌ لَا يَحْبِسُهُ الْقَاضِي تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَإِذَا أَطْلَقَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ فَلَهُ إعَادَتُهُ إلَى الْحَبْسِ كَمَا فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَمْ أَجِدْهُ فِيهِ وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا وَقَعَتْ خُصُومَةٌ بِلَا بَيِّنَةٍ أَمَّا إذَا لَمْ تَقَعْ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيدَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَنُوطٌ بِرَأْيِهِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ السُّؤَالَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِنَّمَا هُوَ احْتِيَاطٌ فَإِذَا اقْتَضَى رَأْيُهُ إطْلَاقَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَطْلَقَ الْقَاضِي
стр. 2218
وَصَاحِبِهِ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَالَ وَخَلَّاهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا ثِقَةً بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ وَلَوْ مَاتَ الطَّالِبُ وَالْقَاضِي الَّذِي حَبَسَهُ وَارِثُهُ لَا غَيْرُ قَالَ بَعْضُهُمْ يُخَلَّى سَبِيلُهُ كَيْ لَا يَتَّهِمَهُ النَّاسُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِتَرْكِهِ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَقْضِيَ الدَّيْنَ اهـ.
قَوْلُهُ (وَلَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُرَمَائِهِ) أَيْ لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ مُلَازَمَتِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا بِالْمَنْعِ عَنْهَا لِكَوْنِهِ مُنْظَرًا بِإِنْظَارِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ أَقْوَى مِنْ إنْظَارِ الْعَبْدِ بِالتَّأْجِيلِ، وَمَعَهُ لَا مُلَازَمَةَ وَلَهُ أَنَّهُ مُنْظَرٌ إلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِيفَاءِ وَهُوَ مُمْكِنٌ كُلَّ حِينٍ فَيُلَازِمُونَهُ كَيْ لَا يُخْفِيَهُ، وَالدَّيْنُ حَالٌّ بِخِلَافِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ لَهُ قَبْلَ مُضِيِّهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَدْيُونُ قَادِرًا فَظَهَرَ الْفَرْقُ، وَبَطَلَ الْقِيَاسُ وَلِذَا قَالَ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ إنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُهُ دَائِمًا هُوَ الصَّحِيحُ وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَأَحْسَنُ الْأَقَاوِيلِ فِي الْمُلَازَمَةِ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ يُلَازِمُهُ فِي قِيَامِهِ وَقُعُودِهِ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى أَهْلِهِ وَلَا مِنْ الْغَدَاءِ وَلَا مِنْ الْعَشَاءِ وَلَا مِنْ الْوُضُوءِ وَالْخَلَاءِ، وَلَهُ أَنْ يُلَازِمَهُ بِنَفْسِهِ وَإِخْوَانِهِ وَوَلَدِهِ وَمَنْ أَحَبَّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الرَّأْيَ فِيهِ إلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ إنْ شَاءَ لَازَمَهُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ شَاءَ بِغَيْرِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِالْمَدْيُونِ فِي رَأْيِهِ وَفِي الْمُحِيطِ قَالُوا لَا يُلَازِمُهُ بِاللَّيَالِيِ؛ لِأَنَّ اللَّيَالِيَ لَيْسَتْ بِوَقْتِ الْكَسْبِ فَلَا يُتَوَهَّمُ وُقُوعُ الْمَالِ فِي يَدِهِ فِي اللَّيَالِي فَالْمُلَازَمَةُ لَا تُفِيدُ حَتَّى لَوْ كَانَ الرَّجُلُ يَكْتَسِبُ فِي اللَّيَالِي، قَالُوا يُلَازِمُهُ فِي اللَّيَالِي هَكَذَا قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ. اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَا يُلَازِمُهُ فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ حَبْسٌ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ دُخُولِ بَيْتِهِ لِغَائِطٍ أَوْ غَدَاءٍ إلَّا إذَا أَعْطَاهُ الدَّائِنُ، وَأَعَدَّ لَهُ مَكَانًا لِلْغَائِطِ وَإِنْ كَانَ عَمَلُ الْمَدْيُونِ السَّقْيَ وَلَا يَمْنَعُهُ اللُّزُومَ مِنْ ذَلِكَ لَازَمَهُ إلَّا إذَا أَعْطَاهُ نَفَقَتَهُ وَنَفَقَةَ عِيَالِهِ فَلَهُ إذَا مَنَعَهُ مِنْ السَّعْيِ لَوْ أَبَى الْمَدْيُونُ مُلَازَمَةَ الْغَرِيمِ، وَقَالَ اجْلِسْ مَعَ الدَّائِنِ لَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلدَّائِنِ أَنْ يُجْلِسَهُ فِي الشَّمْسِ أَوْ عَلَى الثَّلْجِ أَوْ فِي مَكَان يَتَضَرَّرُ بِهِ، وَلَوْ طَلَبَ الْمَطْلُوبُ الْحَبْسَ وَالطَّالِبُ الْمُلَازَمَةَ لَازَمَهُ وَمُلَازَمَةُ الْمَرْأَةِ أَنْ تُلَازِمَهَا امْرَأَةٌ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ حَبَسَهَا فِي بَيْتٍ مَعَ امْرَأَةٍ، وَجَلَسَ هُوَ عَلَى الْبَابِ أَوْ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ نَفْسِهَا وَهُوَ عَلَى الْبَابِ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ الْمَرْأَةُ يُلَازِمُهَا الرِّجَالُ بِالنَّهَارِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَخَافُ عَلَيْهَا الْفَسَادَ وَلَا يَخْلُونَ بِهَا وَبِاللَّيْلِ يُلَازِمُهَا النِّسَاءُ وَفِي الْوَاقِعَاتِ عَلَيْهَا حَقٌّ لَهُ أَنْ يُلَازِمَهَا وَيَجْلِسَ مَعَهَا وَيَقْبِضَ عَلَى ثِيَابِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحَرَامٍ فَإِنْ هَرَبَتْ إلَى خَرِبَةٍ إذَا كَانَ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، وَيَكُونُ بَعِيدًا مِنْهَا لِحِفْظِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ ضَرُورَةً فِي هَذِهِ الْخَلْوَةِ كَمَا قَالُوا فِيمَنْ هَرَبَ بِمَتَاعِ إنْسَانٍ، وَدَخَلَ دَارِهِ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَقِيبَهُ لِيَأْخُذَ حَقَّهُ لَوْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالًا وَلَمْ يَجْلِسْ الْقَاضِي أَيَّامًا لَازَمَ خَصْمَهُ أَيَّامًا وَإِنْ طَالَ اهـ.
وَفِي الْهِدَايَةِ لَوْ اخْتَارَ الْمَطْلُوبُ الْحَبْسَ وَالطَّالِبُ الْمُلَازَمَةَ فَالْخِيَارُ لِلطَّالِبِ إلَّا إذَا عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّ بِالْمُلَازَمَةِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ بِأَنْ لَا يُمْكِنَهُ مِنْ دُخُولِ دَارِهِ فَحِينَئِذٍ يَحْبِسُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ. اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَيَجُوزُ الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ لِمُلَازَمَةِ الْغَرِيمِ قَالَ الْقَاضِي الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُلَازِمُهُ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ بُنِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِهِ يُفْتَى وَفِيهَا أَيْضًا إنْ كَانَ فِي مُلَازَمَةِ الْغَرِيمِ، ذَهَابُ قُوتِهِ كُلِّفَ أَنْ يُقِيمَ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ، ثُمَّ يُخَلِّي سَبِيلَهُ وَلِلطَّالِبِ مُلَازَمَةُ الْغَرِيمِ بِلَا أَمْرِ الْقَاضِي إنْ كَانَ مُقِرًّا بِحَقِّهِ.
قَوْلُهُ (وَرَدُّ الْبَيِّنَةِ عَلَى إفْلَاسِهِ قَبْلَ حَبْسِهِ) ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةُ نَفْيٍ فَلَا تُقْبَلُ مَا لَمْ تَتَأَيَّدْ بِمُؤَيِّدٍ، وَهُوَ الْحَبْسُ وَبَعْدَهُ تُقْبَلُ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ لَا عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ هُوَ مَا اخْتَارَهُ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَبُولُهَا وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ وَنُصَيْرُ بْنُ يَحْيَى وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُفَوَّضًا إلَى الْقَاضِي إنْ عَلِمَ أَنَّهُ وَقِحٌ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ قَبْلَ الْحَبْسِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيِّنٌ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَفَسَّرَ الطَّرَسُوسِيُّ الْوَقَاحَةَ بِالْإِغْلَاظِ عَلَى الْمُدَّعِي فِي الْقَوْلِ، وَاللِّينَ بِالتَّلَطُّفِ فِيهِ وَنَظِيرُهُ مَا قَالَ الْخَصَّافُ فِي تَعْيِينِ مُدَّةِ الْحَبْسِ إنْ كَانَ الْمَدْيُونُ سَمْحًا يَأْخُذُ الْقَاضِي بِرِوَايَةِ الْكَفَالَةِ مِنْ التَّقْدِيرِ
ــ
[منحة الخالق]
وَالْمَحْبُوسُ لِإِفْلَاسِهِ ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ آخَرُ مَالًا وَادَّعَى أَنَّهُ مُعْسِرٌ لَا يَحْبِسُهُ حَتَّى يَعْلَمَ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ وَارِثُهُ) أَيْ وَارِثُ الطَّالِبِ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَرَدَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى إفْلَاسِهِ قَبْلَ حَبْسِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا إذَا كَانَ أَمْرُهُ مُشْكِلًا أَمَّا إذَا كَانَ فَقْرُهُ ظَاهِرًا يَسْأَلُ الْقَاضِيَ عَنْهُ عَاجِلًا، وَيَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِفْلَاسِ وَيُخَلِّي سَبِيلَهُ بِحَضْرَةِ خَصْمِهِ اهـ.
وَوَقَعَ التَّقْيِيدُ بِإِشْكَالِ أَمْرِهِ فِي عِبَارَةِ الْبَزَّازِيَّةِ كَمَا قَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْهُ قَوْلَهُ: ثُمَّ يَسْأَلُ عَنْهُ وَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ أَنَّ مَا هُنَا هُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ
стр. 2219
بِشَهْرَيْنِ أَوْ بِثَلَاثَةٍ، وَإِنْ كَانَ مُفْتِيًا أَخَذَ بِالْأَكْثَرِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ. (قَوْلُهُ وَبَيِّنَةُ الْيَسَارِ أَحَقُّ) أَيْ مِنْ بَيِّنَةِ الْإِعْسَارِ بِالْقَبُولِ عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ لِأَنَّ الْيَسَارَ عَارِضٌ وَالْبَيِّنَةُ لِلْإِثْبَاتِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ كَبَيِّنَةِ الْإِبْرَاءِ مَعَ بَيِّنَةِ الْإِقْرَاضِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ مُوسِرٌ قَادِرٌ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ جَازَ وَكَفَى، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمَالِ اهـ.
وَاسْتَثْنَى فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْيَسَارِ مَا لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ مُوسِرٌ، وَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَعْسَرْت بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ؛ لِأَنَّ مَعَهَا عِلْمًا بِأَمْرٍ حَادِثٍ وَهُوَ حُدُوثُ ذَهَابِ الْمَالِ. اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَحْثٌ مِنْهُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِجَوَازِ حُدُوثِ الْيَسَارِ بَعْدَ إعْسَارِهِ الَّذِي ادَّعَاهُ أَطْلَقَ فِي قَبُولِ بَيِّنَةِ الْيَسَارِ فَأَفَادَ قَبُولَهَا، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا مِقْدَارَ مَا مَلَكَهُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ بَيَانُ مَا بِهِ الْيَسَارُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا دَوَامُ الْحَبْسِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُبَيِّنُوا مِقْدَارَ مَا يَمْلِكُ، وَلَوْ بَيَّنُوا مِقْدَارَ مَا يَمْلِكُ لَمْ يُمْكِنْ قَبُولُهَا وَتَمَامُهُ فِي الْقُنْيَةِ وَفِي الْعِنَايَةِ فَإِنْ قِيلَ مُحَمَّدٌ قَبِلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْيَسَارِ وَهُوَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْمِلْكِ وَتَعَذَّرَ الْقَضَاءُ بِهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا بِمِقْدَارِهِ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِيمَا إذَا أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي جِوَارَ الشَّفِيعِ وَأَنْكَرَ مِلْكَهُ فِي الدَّارِ فَبَرْهَنَ الشَّفِيعُ أَنَّ لَهُ نَصِيبًا فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَلَمْ يُبَيِّنُوا مِقْدَارَهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّاهِدَ عَلَى الْيَسَارِ شَاهِدٌ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا بِمِلْكِ مِقْدَارِ الدَّيْنِ فَثَبَتَ بِهَا قَدْرُ الْمِلْكِ وَفِي النَّصِيبِ لَمْ يَشْهَدُوا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ فَافْتَرَقَا اهـ.
قَوْلُهُ (وَأُبِّدَ حَبْسُ الْمُوسِرِ) ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الظُّلْمِ فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ إيفَاءِ الْحَقِّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ خَلَّدَهُ فِي الْحَبْسِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ يُعَجِّلُ الْقَاضِي حَبْسَهُ أَوْ لَا يَحْبِسُهُ حَتَّى تَظْهَرَ مُمَاطَلَتُهُ فَقَدَّمْنَاهُ وَلِذَا حَمَلَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ قَوْلَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ يُؤَبِّدُ حَبْسَ الْمُوسِرِ إذَا أَقَرَّ عَلَى مَا إذَا أَقَرَّ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي أَوْ عِنْدَهُ مَرَّةً فَظَهَرَتْ مُمَاطَلَتُهُ.
قَوْلُهُ (وَيُحْبَسُ الرَّجُلُ بِنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ الْإِنْفَاقِ قَيَّدْنَا بِالِامْتِنَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْبَسُ فِي النَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَإِنْ لَمْ تَسْقُطْ بِأَنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَا أَوْ اصْطَلَحَ الزَّوْجَانِ عَلَيْهَا فَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِبَدَلٍ عَنْ مَالٍ وَلَا لَزِمَتْهُ بِعَقْدٍ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ، وَمُرَادُهُ أَنَّ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ الْمُجْتَمِعَةَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ لَا فِي غَيْرِهِ فَلَا يُحْبَسُ عَلَيْهَا إنْ ادَّعَى الْفَقْرَ إلَّا أَنْ تُثْبِتَ الْمَرْأَةُ يَسَارَهُ، فَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ بِنَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ مُقَرَّرَةٍ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ، وَقَالَ إنِّي فَقِيرٌ فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يُحْبَسُ إذَا حَلَفَ فَإِنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى يَسَارِهِ وَطَلَبَتْ حَبْسَهُ حَبَسَهُ الْقَاضِي.
(قَوْلُهُ لَا فِي دَيْنِ وَلَدِهِ) أَيْ لَا يُحْبَسُ أَصْلٌ فِي دَيْنِ فَرْعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِسَبَبِ وَلَدِهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَحْثٌ مِنْهُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ يَعْنِي مَا فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ بَيَّنَ سَبَبَ الْإِعْسَارِ وَشَهِدُوا بِهِ وَمَا فِي الْبَحْرِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا بِيَسَارٍ حَادِثٍ بَلْ بِمَا هُوَ سَابِقٌ عَلَى الْإِعْسَارِ الْحَادِثِ وَبَيِّنَةُ الْإِعْسَارِ تُحْدِثُ أَمْرًا عَارِضًا فَقُدِّمَتْ اهـ. فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: بَلْ هُوَ فِقْهٌ حَسَنٌ وَمُجَرَّدُ حُدُوثِ الْيَسَارِ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إذْ الْكَلَامُ فِي قَبُولِ بَيِّنَةِ الْإِعْسَارِ الْحَادِثِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْيَسَارِ قَبْلَهُ غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ اسْتِثْنَاءَهُ مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ مُسْتَدْرَكٌ إذْ لَا تَعَارُضَ وَالْحَالُ هَذِهِ، وَإِنَّمَا التَّعَارُضُ إذَا قَامَتَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْبَعْدِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ بِصَرِيحِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَإِنَّمَا قَالَ وَكُلَّمَا تَعَارَضَتْ بَيِّنَةُ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْيَسَارِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ مُوسِرٌ وَهُوَ يَقُولُ أَعْسَرْت مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ مَعَهَا عِلْمًا بِأَمْرٍ حَادِثٍ وَهُوَ حُدُوثُ ذَهَابِ الْمَالِ اهـ.
فَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ إلَخْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِمُجَرَّدِ تَوَهُّمٍ يَقَعُ فِي الْمَسْأَلَةِ ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْإِفَادَةِ الْمُجَرَّدَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ تَأَمَّلْ اهـ.
قُلْت: وَقَدَّمْنَا عَنْ شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ فَإِنْ أَحْضَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بَعْدَ الْحَبْسِ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرْنَا بِالْعَدَمِ فَشَهِدُوا عِنْدَ الْقَاضِي بِذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الْكِتَابِ أَقْبَلُ ذَلِكَ وَأُخْرِجُهُ عَنْ الْحَبْسِ وَأُفَلِّسُهُ، وَقَدَّمَ الْمُؤَلِّفُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ ثُمَّ يَسْأَلُ عَنْهُ عَنْ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى النِّهَايَةِ لَوْ ادَّعَى الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ مُعْسِرٌ وَادَّعَى الطَّالِبُ الْيَسَارَ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِي الْقُنْيَةِ) حَيْثُ قَالَ؛ لِأَنَّهَا قَامَتْ لِلْمَحْبُوسِ وَهُوَ مُنْكِرٌ، وَالْبَيِّنَةُ مَتَى قَامَتْ لِلْمُنْكِرِ لَا تُقْبَلُ وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ مُوسِرٌ لَيْسَ كَذَلِكَ فَيُقْبَلُ اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا وَقَالُوا إنَّهُ يَمْلِكُ الْعَقَارَ الْفُلَانِيَّ مَثَلًا، وَهُوَ مُنْكِرٌ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَا أَمْلِكُ ذَلِكَ الْعَقَارَ وَهُمْ يَشْهَدُونَ لَهُ بِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ وَالْبَيِّنَةُ مَتَى قَامَتْ لِلْمُنْكِرِ لَا تُقْبَلُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالُوا إنَّهُ مُوسِرٌ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا لَهُ بِمِلْكِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَلَمْ تَكُنْ شَهَادَةً لَهُ بَلْ عَلَيْهِ لِأَجْلِ إدَامَةِ الْحَبْسِ فَتُقْبَلُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لَا فِي دَيْنِ وَلَدِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَقَعَ الِاسْتِفْتَاءُ عَنْ حَبْسِ الْأَبِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ لِابْنِهِ إذَا حَبَسَ الِابْنُ الْكَفِيلَ هَلْ لِلْكَفِيلِ حَبْسُ الْأَبِ فَرَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ الْمَوَالِي أَنَّهُ إذَا كَانَ كَفِيلًا عَنْهُ لَا يُحْبَسُ إذَا حُبِسَ هُوَ، وَنَقَلَهُ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ فِي الْكَفَالَةِ وَقَالَ بِهِ يُشْعِرُ قَضَاءُ الْخُلَاصَةِ وَكَتَبَ
стр. 2220
وَلِذَا لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ وَلَا بِقَتْلِ مُوَرَّثِهِ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ وَلَا بِقَذْفِ أُمِّهِ الْمَيِّتَةِ بِطَلَبِهِ، وَقَوْلُهُمْ هُنَا أَنَّهُ لَا قِصَاصَ بِقَتْلِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ الْأَصْلُ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوْ جَدًّا لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ لِتَصْرِيحِهِمْ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ أَنَّ الْجَدَّ لِأُمٍّ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ بِقَتْلِ وَلَدِ بِنْتِهِ فَكَذَا لَا يُحْبَسُ بِدَيْنِهِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَا يُحْبَسُ الْأَبَوَانِ وَالْجَدَّانِ وَالْجَدَّتَانِ إلَّا فِي النَّفَقَةِ لِوَلَدِهِمَا اهـ.
وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُتَنَبَّهَ لِشَيْءٍ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُوسِرًا وَامْتَنَعَ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِ وَلَدِهِ، وَقُلْنَا لَا يُحْبَسُ فَالْقَاضِي يَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَإِلَّا بَاعَهُ لِلْقَضَاءِ كَبَيْعِهِ مَالَ الْمَحْبُوسِ الْمُمْتَنِعِ عَنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمَا بَيْعُ عَقَارِهِ كَمَنْقُولِهِ، وَلَوْ قَالَ الْمَدْيُونُ: أَبِيعُ عَرَضِي وَأَقْضِي دَيْنِي أَجَّلَهُ الْقَاضِي ثَلَاثَةً وَلَا يَحْبِسُهُ وَلَوْ لَهُ عَقَارٌ يَحْبِسُهُ لِيَبِيعَهُ وَيَقْضِي الدَّيْنَ وَلَوْ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي الْحَجْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَيَبِيعُ الْقَاضِي مَالَ الْأَبِ لِقَضَاءِ دَيْنِ ابْنِهِ إذَا امْتَنَعَ؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَّا الْبَيْعُ، وَإِلَّا ضَاعَ وَقُيِّدَ بِدَيْنِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُحْبَسُ بِدَيْنِ أَصْلِهِ، وَيُحْبَسُ الْقَرِيبُ بِدَيْنِ قَرِيبِهِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَقَدْ كَتَبْنَا فِي الْفَوَائِدِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّ مَنْ لَا يُحْبَسُ سَبْعَةٌ الْأَوَّلُ الْأَصْلُ فِي دَيْنِ فَرْعِهِ. الثَّانِي الْمَوْلَى فِي دَيْنِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ غَيْرِ الْمَدْيُونِ وَإِنْ مَدْيُونًا يُحْبَسُ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ. الثَّالِثُ الْعَبْدُ لَا يُحْبَسُ بِدَيْنِ مَوْلَاهُ أَطْلَقَهُ الشَّارِحُ فَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مَدْيُونًا. الرَّابِعُ الْمَوْلَى لَا يُحْبَسُ بِدَيْنِ مُكَاتَبِهِ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ لِوُقُوعِ الْمُقَاصَّةِ، وَإِلَّا يُحْبَسْ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى الرِّضَا. الْخَامِسُ لَا يُحْبَسُ الْمُكَاتَبُ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ وَإِنْ كَانَ دَيْنًا آخَرَ يُحْبَسُ بِهِ لِلْمَوْلَى وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إسْقَاطِهِ بِالتَّعْجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ.
السَّادِسُ لَا يُحْبَسُ صَبِيٌّ عَلَى دَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ وَلَوْ لَهُ مَالٌ مِنْ عُرُوضٍ وَعَقَارٍ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ وَلَا وَصِيٌّ وَالرَّأْيُ إلَى الْقَاضِي فَيَأْذَنُ فِي بَيْعِ بَعْضِ مَالِهِ لِلْإِيفَاءِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ مِنْ مَالِهِ، وَلَا يُحْبَسُ الصَّبِيُّ إلَّا بِطَرِيقِ التَّأْدِيبِ حَتَّى لَا يَتَجَاسَرَ إلَى مِثْلِهِ إذَا بَاشَرَ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ التَّعَدِّي قَصْدًا، أَمَّا إذَا كَانَ خَطَأً فَلَا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ كِتَابِ الْكَفَالَةِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلِلْقَاضِي أَنْ يَحْبِسَ الصَّبِيَّ التَّاجِرَ عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ لَا عَلَى وَجْهِ الْعُقُوبَةِ حَتَّى لَا يُمَاطِلَ حُقُوقَ الْعِبَادِ فَإِنَّ الصَّبِيَّ يُؤَدَّبُ لِيَنْزَجِرَ عَنْ الْأَفْعَالِ الذَّمِيمَةِ. السَّابِعُ إذَا كَانَ لِلْعَاقِلَةِ عَطَاءٌ لَا يُحْبَسُونَ فِي دِيَةٍ وَأَرْشٍ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْعَطَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَطَاءٌ يُحْبَسُونَ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَيُزَادُ هُنَا مَسْأَلَتَانِ قَدَّمْنَاهُمَا لَا يُحْبَسُ الْمَدْيُونُ إذَا عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّ لَهُ مَالًا غَائِبًا أَوْ مَحْبُوسًا مُوسِرًا فَصَارَتْ تِسْعًا. قَوْلُهُ (إلَّا إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ) فَيُحْبَسُ؛ لِأَنَّهَا لِحَاجَةِ الْوَقْتِ وَهُوَ بِالْمَنْعِ قَصَدَ إهْلَاكَهُ فَيُحْبَسُ لِدَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ قَتْلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ وَهَكَذَا حُكْمُ الْأَجْدَادِ
ــ
[منحة الخالق]
تَحْتَهُ لَا عِبْرَةَ بِمَا قَالَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ فَطَلَبَ مِنِّي تَحْقِيقَ ذَلِكَ فَقُلْت: رُبَّمَا اغْتَرَّ الْقَائِلُ بِعَدَمِ حَبْسِهِ بِقَوْلِهِمْ لَا يُحْبَسُ أَصْلٌ فِي دَيْنِ فَرْعِهِ مُتَوَهِّمًا أَنَّ الْكَفِيلَ إذَا حَبَسَ الْأَبَ فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ حُبِسَ أَصْلٌ فِي دَيْنِ فَرْعِهِ وَلَا يُغْتَرُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حُبِسَ لِحَقِّ الْكَفِيلِ، وَلِذَلِكَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى فَهُوَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ أَوْ سَيَثْبُتُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهَا ضَمًّا فِي الدَّيْنِ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهَا ضَمًّا فِي الْمُطَالَبَةِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي قَوْلِهِمْ لَا يُحْبَسُ أَصْلٌ فِي دَيْنِ فَرْعِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَبَسَهُ أَجْنَبِيٌّ فِيمَا ثَبَتَ لَهُ عَلَيْهِ تَأَمَّلْ اهـ.
وَقَدَّمْنَا عِبَارَةَ الْقُهُسْتَانِيِّ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ فَإِنْ لُوزِمَ لَازِمُهُ وَأَنَّ الشُّرُنْبُلَالِيُّ أَفْتَى بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلِابْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ حَبْسُ الْكَفِيلِ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ حَبْسِ أَصْلِ الِابْنِ لَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْكَفِيلِ حَبْسُهُ، وَقَدَّمْنَا الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَارَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُتَنَبَّهَ لِشَيْءٍ إلَخْ) قَالَ الْفَهَّامَةُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزِّيِّ وَفِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى: رَجُلٌ لَهُ عَلَى أَبِيهِ مَهْرُ أُمِّهِ أَوْ دَيْنٌ آخَرُ فَأَقَرَّ أَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَإِنَّهُ لَا يُحْبَسُ مَا لَمْ يَتَمَرَّدْ عَلَى الْحَاكِمِ فَإِذَا تَمَرَّدَ عَلَيْهِ يُحْبَسُ وَهَذَا بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ فَإِنَّ فِيهِ صِيَانَةَ مُهْجَتِهِ اهـ.
أَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ يَبِيعُ عَلَيْهِ مَالَهُ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ يُغْنِي عَنْ حَبْسِهِ اهـ. مَا ذَكَرَهُ الْغَزِّيِّ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ.
(قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمَا بَيْعُ عَقَارِهِ كَمَنْقُولِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الْمَنْقُولُ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ أَنَّ مَالَهُ وَدَيْنَهُ لَوْ كَانَا دَرَاهِمَ قَضَى بِلَا أَمْرِهِ، وَكَذَا إذَا كَانَا دَنَانِيرَ وَلَوْ دَيْنُهُ دَرَاهِمَ وَلَهُ دَنَانِيرُ أَوْ بِالْعَكْسِ بِيعَ فِي دَيْنِهِ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ وَلَمْ يَبِعْ عَرَضَهُ وَعَقَارَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يُبَاعُ كَذَا فِي تَبْيِينِ الْكَنْزِ وَفِي الِاخْتِيَارِ وَقَالَا يَبِيعُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقَالَ الْقَاضِي وَفِي قَوْلِ صَاحِبَيْهِ يَبِيعُ مَنْقُولَهُ وَلَا يَبِيعُ عَقَارَهُ عِنْدَهُمَا وَفِي رِوَايَةٍ يَبِيعُ كَمَا يَبِيعُ الْمَنْقُولَ وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
ذَكَرَهُ الْغَزِّيِّ (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَالَ الطَّرَسُوسِيُّ: وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي وَلَا نَائِبِهِ بَيْعُ عَقَارِهِ وَلَا مَالِهِ مَعَ وُجُودِهِمَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ لَأُمِرَ بِالْبَيْعِ قَبْلَ
стр. 2221
وَالْجَدَّاتِ وَإِنْ عَلَوْا؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِ الْإِنْفَاقِ سَعْيًا فِي هَلَاكِهِمْ، وَقَيَّدَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْوَلَدَ بِالصِّغَرِ وَالْفَقْرِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَالِغًا زَمِنًا فَقِيرًا لَا يُحْبَسُ أَبُوهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ النَّفَقَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ لَا يَخْفَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى أَصْلِهِ وَإِنْ عَلَا وَفَرْعِهِ وَإِنْ سَفَلَ وَعَلَى زَوْجَتِهِ يُحْبَسُ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَتَحَقَّقُ الِامْتِنَاعُ بِأَنْ تَقَدَّمَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ فَرْضِ النَّفَقَةِ، وَإِنْ كَانَ مِقْدَارُ النَّفَقَةِ قَلِيلًا كَالدَّانِقِ إذَا رَأَى الْقَاضِي ذَلِكَ فَأَمَّا بِمُجَرَّدِ فَرْضِهَا لَوْ طَلَبَتْ حَبْسَهُ لَمْ يَحْبِسْهُ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ تُسْتَحَقُّ بِالظُّلْمِ وَهُوَ بِالْمَنْعِ بَعْدَ الْوُجُوبِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يُفْرَضْ لَهَا وَلَمْ يُنْفِقْ الزَّوْجُ عَلَيْهَا فِي يَوْمٍ يَنْبَغِي إذَا قَدَّمَتْهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْإِنْفَاقِ فَإِنْ رَجَعَ فَلَمْ يُنْفِقْ أَوْجَعَهُ عُقُوبَةً، وَإِنْ كَانَتْ النَّفَقَةُ سَقَطَتْ بَعْدَ الْوُجُوبِ فَإِنَّهُ ظَالِمٌ لَهَا، وَهُوَ قِيَاسُ مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي بَابِ الْقَسْمِ مِنْ قَوْلِهِمْ إذَا لَمْ يَقْسِمْ لَهَا فَرَفَعَتْهُ يَأْمُرُهُ بِالْقَسْمِ وَعَدَمِ الْجَوْرِ فَإِنْ ذَهَبَ وَلَمْ يَقْسِمْ فَرَفَعَتْهُ أَوْجَعَهُ عُقُوبَةً، وَإِنْ كَانَ مَا ذَهَبَ لَهَا مِنْ الْحَقِّ لَا يُقْضَى وَيَحْصُلُ بِذَلِكَ ضَرَرٌ كَبِيرٌ اهـ.
وَفِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ صَاحِبَ مَائِدَةٍ وَعَلِمَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُضَارُّهَا فِي الْإِنْفَاقِ فَرَضَ نَفَقَتَهَا عَلَيْهِ دَرَاهِمَ بِقَدْرِ حَالِهِمَا، وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَنْ يَفْرِضَ شَيْئًا حُبِسَ حَتَّى يَفْرِضَ اهـ.
وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَفْرِضُ إذَا امْتَنَعَ فَلَا حَاجَةَ إلَى فَرْضِ الزَّوْجِ لِيَحْبِسَ إذَا امْتَنَعَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[منحة الخالق]
الْحَبْسِ قَالَ ابْنُ وَهْبَانَ وَهِيَ فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ. (قَوْلُهُ وَقَيَّدَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْوَلَدَ بِالصِّغَرِ وَالْفَقْرِ) قَالَ فِي الْمِنَحِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ احْتِرَازِيٍّ عَنْ الْبَالِغِ الزَّمِنِ الْفَقِيرِ فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى الصَّغِيرِ كَمَا لَا يَخْفَى فَيُحْبَسُ أَبُوهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَدْ فَهِمَ شَيْخُنَا فِي بَحْرِهِ مِنْهُ أَنَّهُ احْتِرَازِيٌّ (قَوْلُهُ وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَفْرِضُ إذَا امْتَنَعَ إلَخْ) قَالَ فِي الْمِنَحِ إذَا حُمِلَ قَوْلُهُ وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَنْ يَفْرِضَ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهِ لِمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِ الْقَاضِي وَالِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِنْفَاقِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ.
стр. 2222
(بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَغَيْرِهِ) .
هَذَا أَيْضًا مِنْ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْوُجُودِ إلَّا بِقَاضِيَيْنِ فَهُوَ كَالْمُرَكَّبِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ لَيْسَ مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا نَقْلُ شَهَادَةٍ أَوْ نَقْلُ حُكْمٍ وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْهُ وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْقُضَاةِ فَكَانَ ذِكْرُهُ فِيهِ أَنْسَبَ اهـ.
وَحَيْثُ كَانَ مِنْ عَمَلِهِمْ فَهُوَ مِنْهُ فَكَيْفَ يَنْفِيهِ وَالْمُرَادُ بِغَيْرِهِ مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ وَتَقْضِي الْمَرْأَةُ إلَى آخِرِهِ.
(قَوْلُهُ يَكْتُبُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي غَيْرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ) أَيْ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ كِتَابَتَهُ لَا تَكُونُ أَقْوَى مِنْ عِبَارَتِهِ وَهُوَ لَوْ أَخْبَرَ الْقَاضِي الْآخَرُ فِي مَحِلِّهِ لَمْ يَعْمَلْ بِخَبَرِهِ فَكِتَابَتُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُزَوَّرُ وَإِنَّمَا جَوَّزْنَاهُ لِأَثَرِ عَلِيٍّ ﵁
وَلِلْحَاجَةِ
وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى تَعْدِيلِ الْأُصُولِ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ وَلَمْ يَجُزْ فِي الْحُدُودِ الْقِصَاصُ لِمَا فِيهِ مِنْ الشُّبْهَةِ بِزِيَادَةِ الِاحْتِمَالِ وَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ فِي غَيْرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الدَّيْنِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالشُّفْعَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْإِيصَاءِ وَالْمَوْتِ وَالْوِرَاثَةِ وَالْقَتْلِ إذَا كَانَ مُوجَبُهُ الْمَالَ وَالنَّسَبِ مِنْ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ وَالْغَصْبِ وَالْأَمَانَةِ الْمَجْحُودَةِ مِنْ وَدِيعَةٍ وَمُضَارَبَةٍ وَعَارِيَّةٍ وَالْأَعْيَانِ مَنْقُولًا أَوْ عَقَارًا وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ وَبِهِ يُفْتَى لِلضَّرُورَةِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَجُوزُ فِي الْمَنْقُولِ لِلْحَاجَةِ إلَى الْإِشَارَةِ إلَيْهَا عِنْدَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ وَعَنْ الْإِمَامِ الثَّانِي تَجْوِيزُهُ فِي الْعَبْدِ لِغَلَبَةِ الْإِبَاقِ فِيهِ لَا فِي الْأَمَةِ وَعَنْهُ تَجْوِيزُهُ فِي الْكُلِّ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْمُتَقَدِّمُونَ لَمْ يَأْخُذُوا بِقَوْلِ الْإِمَامِ الثَّانِي وَعَمَلُ الْفُقَهَاءِ الْيَوْمَ عَلَى التَّجْوِيزِ فِي الْكُلِّ
لِلْحَاجَةِ
قَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَلَوْ جَاءَ الْمُدَّعِي مِنْ الْقَاضِي بِرَسُولٍ ثِقَةٍ مَأْمُونٍ عَدْلٍ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ الْقَاضِي بِنَفْسِهِ وَيُخْبِرَ وَهُوَ فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِ كَوَاحِدٍ مِنْ الرَّعَايَا بِخِلَافِ كِتَابِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْخِطَابِ مِنْ مَجْلِسِ قَضَائِهِ دَلَّتْ التَّفْرِقَةُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى بَلْدَةٌ فِيهَا قَاضِيَانِ حَضَرَ أَحَدُهُمَا مَجْلِسَ الْقَاضِي الْآخَرِ وَأَخْبَرَ بِحَادِثَةٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِخَبَرِهِ وَحْدَهُ وَلَوْ كَتَبَ إلَيْهِ بِشَرْطِهِ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ وَكَذَا لَوْ حَضَرَ قَاضِيَانِ فِي مِصْرٍ لَيْسَ فِيهِ مَجْلِسُ قَاضٍ أَوْ أَحَدُهُمَا قَاضٍ فِيهِ وَالْآخَرُ لَيْسَ بِقَاضٍ فِيهِ لَا يَعْمَلُ بِخَبَرِ مَنْ لَيْسَ بِقَاضٍ فِيهِ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ كَقَاضٍ بِبُخَارَى الْتَقَى مَعَ قَاضٍ بِخُوَارِزْمَ وَأَخْبَرَهُ بِحَادِثَةٍ حَكَمَ فِيهَا بِبُخَارَى لَا يَعْمَلُ بِإِخْبَارِهِ قَاضِي خُوَارِزْمَ. اهـ.
وَقَدْ ذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ مَسَائِلَ الْأُولَى طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ شُهُودَهُ عَلَى الْإِبْرَاءِ أَوْ إيفَاءِ الدَّيْنِ وَيَكْتُبُ لَهُ كِتَابًا بِذَلِكَ خَوْفًا مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ إذَا ذَهَبَ إلَيْهِ لَمْ يَكْتُبْ فِي قَوْلِ
ــ
[منحة الخالق]
[بَابٌ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَغَيْرِهِ]
(قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّهُ) أَيْ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي (قَوْلُهُ وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ إذْ الْمَنْفِيُّ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ كَوْنُهُ قَضَاءً وَالْمُثْبَتُ فِي الْفَتْحِ كَوْنُهُ مِنْ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَضَاءً نَعَمْ كَوْنُهُ مِنْ أَحْكَامِهِ أَدْخَلُ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ (قَوْلُهُ لَيْسَ فِيهِ مَجْلِسُ قَاضٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ لَيْسَا بِقَاضِيَيْنِ فِيهِ
стр. 2223
أَبِي يُوسُفَ وَيَكْتُبُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ. الثَّانِيَةُ لَوْ كَانَ صَاحِبُ الدَّيْنِ حَاضِرًا وَطَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُ فَإِذَا أَنْكَرَ بَرْهَنَ لِيَكْتُبَ لَهُ لَمْ يَسْأَلْهُ إجْمَاعًا وَهَذِهِ حُجَّةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي السَّابِقَةِ. الثَّالِثَةُ امْرَأَةٌ جَاءَتْ إلَى الْقَاضِي وَقَالَتْ طَلَّقَنِي زَوْجِي فُلَانٌ ثَلَاثًا وَتَزَوَّجْت بِآخَرَ بَعْدَ الْعِدَّةِ وَأَخَافُ إنْكَارَهُ فَاسْأَلْهُ فَإِنْ أَنْكَرَ بَرْهَنْت سَأَلَهُ الْقَاضِي إجْمَاعًا وَهِيَ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ. الرَّابِعَةُ ادَّعَى أَنَّهُ مُشْتَرٍ دَارًا لَهَا شَفِيعٌ سَلَّمَهَا وَهِيَ فِي بَلَدِ كَذَا وَطَلَبَ أَنْ يَسْمَعَ شُهُودَهُ وَيَكْتُبَ لَا يَكْتُبُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَكْتُبُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا احْتِيَاطًا احْتِرَازًا عَنْ تَضْيِيعِ الْحُقُوقِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَدْيُونَ أَوْ الْمُشْتَرِيَ أَوْ الْمَرْأَةَ لَوْ قَالَ إنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ وَالشَّفِيعَ وَالزَّوْجَ قَدْ تَعَرَّضَ لِي فِيمَا ادَّعَى فَاسْمَعْ شُهُودِي فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْمَعُ وَيَكْتُبُ. اهـ.
أَطْلَقَ الْقَاضِي فَأَفَادَ أَنَّ قَاضِيَ مِصْرٍ يَكْتُبُ إلَى قَاضِي مِصْرٍ آخَرَ وَإِلَى قَاضِي السَّوَادِ وَالرُّسْتَاقِ وَلَا يَكْتُبُ قَاضِي الرُّسْتَاقِ إلَى قَاضِي مِصْرٍ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الْيَنَابِيعِ ثُمَّ قَالَ وَإِنَّمَا يُقْبَلُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا أَمَّا إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ وَفِي نَوَادِرِ هِشَامٍ إذَا كَانَ فِي الْمِصْرِ قَاضِيَانِ جَازَ كِتَابُهُمَا إلَى بَعْضِهِمَا فِي الْأَحْكَامِ ثُمَّ قَالَ وَإِذَا كَانَ الْكِتَابُ الَّذِي وَرَدَ عَلَيْهِ لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَالْوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجَةِ جَازَ الْقَضَاءُ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَافَعُوا إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ كِتَابٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ شَهِدَا عَلَى خَصْمٍ حَاضِرٍ حَكَمَ بِالشَّهَادَةِ) لِوُجُودِ الْحُجَّةِ وَشَرْطِ الْحُكْمِ وَهُوَ حُضُورُ الْخَصْمِ وَالْمُرَادُ بِالْخَصْمِ الْحَاضِرِ مَنْ كَانَ وَكِيلًا مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ مُسَخَّرًا وَهُوَ مَنْ نَصَبَهُ الْقَاضِي وَكِيلًا عَنْ الْغَائِبِ لِيَسْمَعَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَإِلَّا لَوْ أَرَادَ بِالْخَصْمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَبْقَ حَاجَةٌ إلَى الْكِتَابِ إلَى الْقَاضِي الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ حَاضِرٌ عِنْدَ الْقَاضِي وَقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ وَإِذَا حَكَمَ كَتَبَ بِحُكْمِهِ إلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّتِي فِيهَا الْمُوَكِّلُ لِيَقْتَضِيَ مِنْهُ الْحَقَّ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ وَكَتَبَ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْمَدْعُوُّ سِجِلًّا) لِئَلَّا يَنْسَى الْوَاقِعَةَ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ وَلِيَكُونَ الْكِتَابُ مُذَكِّرًا لَهَا وَإِلَّا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى كِتَابَةِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ لِحُضُورِ الْخَصْمِ بِنَفْسِهِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ إلَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّهُ غَابَ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَجَحَدَهُ فَحِينَئِذٍ يَكْتُبُ لَهُ لِيُسَلِّمَ إلَيْهِ حَقَّهُ أَوْ لِيُنْفِذَ حُكْمَهُ وَفِي الْمِصْبَاحِ السِّجِلُّ كِتَابُ الْقَاضِي وَالْجَمْعُ سِجِلَّاتٌ وَأَسْجَلْتُ لِلرَّجُلِ إسْجَالًا كَتَبْت لَهُ كِتَابًا وَسَجَّلَ الْقَاضِي بِالتَّشْدِيدِ قَضَى وَحَكَمَ وَأَثْبَتَ حُكْمَهُ فِي السِّجِلِّ اهـ.
فَالسِّجِلُّ الْحُجَّةُ الَّتِي فِيهَا حُكْمُ الْقَاضِي وَلَكِنْ هَذَا فِي عُرْفِهِمْ وَفِي عُرْفِنَا السِّجِلُّ كِتَابٌ كَبِيرٌ يُضْبَطُ فِيهِ وَقَائِعُ النَّاسِ وَمَا يَحْكُمُ بِهِ الْقَاضِي وَمَا يَكْتُبُ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ وَإِلَّا لَمْ يَحْكُمْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْخَصْمُ حَاضِرًا لَا يَحْكُمُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ لِمَا عُرِفَ وَلَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ يَرَى ذَلِكَ ثُمَّ نُقِلَ إلَيْهِ نَفَذَهُ بِخِلَافِ الْكِتَابِ الْحُكْمِيِّ حَيْثُ لَا يَنْفُذُ خِلَافُ مَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَحْكُومٌ بِهِ فَلَزِمَهُ وَالثَّانِي ابْتِدَاءُ حُكْمٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ عَلَى الْغَائِبِ إذَا كَانَ حَنَفِيًّا فَإِنَّ حُكْمَهُ لَا يَنْفُذُ لِقَوْلِهِ يَرَى ذَلِكَ وَهُوَ مُفِيدٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ إنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ يَنْفُذُ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ إذَا كَانَ الْقَاضِي شَافِعِيًّا (قَوْلُهُ وَكَتَبَ الشَّهَادَةَ لِيَحْكُمَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِهَا وَهُوَ الْكِتَابُ الْحُكْمِيُّ) مَنْسُوبٌ إلَى الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ (وَهُوَ نَقْلُ الشَّهَادَةِ فِي الْحَقِيقَةِ) ؛ لِأَنَّ الْكَاتِبَ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا وَإِنَّمَا نَقَلَهَا لِلْمَكْتُوبِ إلَيْهِ لِيَحْكُمَ بِهَا وَلِهَذَا يَحْكُمُ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِرَأْيِهِ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِرَأْيِ الْكَاتِبِ بِخِلَافِ السِّجِلِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُ وَيَنْقُضَ حُكْمَهُ وَفِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي وَرَدَ كِتَابُ قَاضٍ إلَى قَاضٍ آخَرَ فِي حَادِثَةٍ لَا يَرَاهُ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ وَهِيَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا لَا يُنْفِذُهُ وَإِنْ وَرَدَ فِيهَا سِجِلٌّ نَفَذَهُ؛ لِأَنَّ السِّجِلَّ مَحْكُومٌ بِهِ دُونَ الْكِتَابِ وَلِهَذَا لَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ الْكِتَابَ دُونَ السِّجِلِّ. اهـ.
فَقَدْ أَفَادَ عَدَمَ وُجُوبِ قَبُولِ الْكِتَابِ عَلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَفِي كِتَابِ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ مِنْ الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ثِقَةُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَلْوَانِيُّ صَحِبْت كَثِيرًا مِنْ الْقُضَاةِ الْكِبَارِ فَمَا رَأَيْتهمْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَلَا يَكْتُبُ قَاضِي الرُّسْتَاقِ إلَى قَاضِي مِصْرٍ) قَالَ فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ بَعْدَ نَقْلِهِ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْمِصْرَ هَلْ هُوَ شَرْطٌ لِنَفَاذِ الْقَضَاءِ أَمْ لَا فَحَكَوْا عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ شَرْطٌ وَعَنْ رِوَايَةِ النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَبِهِ يُفْتَى كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ فَعَلَى هَذَا يُفْتَى بِقَبُولِهِ مِنْ قَاضِي رُسْتَاقٍ إلَى قَاضِي مِصْرٍ أَمْ رُسْتَاقٍ اهـ.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَدْ صَرَّحَ بِابْتِنَاءِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ الْمِصْرِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا لَوْ أَرَادَ بِالْخَصْمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَبْقَ حَاجَةٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَأَقُولُ فِي الشَّرْحِ إنَّمَا يَكْتُبُ السِّجِلَّ حَتَّى لَا يَنْسَى الْوَاقِعَةَ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ وَلِيَكُونَ الْكِتَابُ مُذَكِّرًا لَهَا وَإِلَّا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى كِتَابَةِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ بِحُضُورِ الْخَصْمِ نَفْسِهِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ إلَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّهُ غَابَ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَجَحَدَ الْحُكْمَ فَحِينَئِذٍ يَكْتُبُ لَهُ لِيُسَلِّمَ إلَيْهِ حَقَّهُ أَوْ لِيَنْفُذَ حُكْمُهُ اهـ.
وَهَذَا كَمَا تَرَى صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَصْمِ إمَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ وَكِيلُهُ وَأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِالْخَصْمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَانَ لِلْكِتَابِ إلَى الْآخَرِ مَا قَدْ عَلِمْت مِنْ الْفَوَائِدِ، وَأَمَّا الْقَضَاءُ عَلَى الْمُسَخَّرِ فَالْمَنْقُولُ عَنْ الذَّخِيرَةِ أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ قَالَ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُسَخَّرٌ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَإِلَّا نَفَذَ
стр. 2224
أَجَابُوا إلَى شَيْءٍ مِنْ الْحَوَادِثِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا فِي الْكِتَابَةِ إلَى الْقَاضِي الشَّافِعِيِّ إلَّا فِي الْيَمِينِ الْمُضَافَةِ فَإِنَّ دَلَائِلَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ وَاضِحَةٌ وَبَرَاهِينُهُمْ فِيهَا لَائِحَةٌ وَالشُّبَّانُ يَتَجَاسَرُونَ إلَى هَذِهِ الْيَمِينِ ثُمَّ يَحْتَاجُونَ إلَى التَّزَوُّجِ فَيُضْطَرُّونَ إلَى ذَلِكَ فَلَوْ لَمْ يُجِبْهُمْ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ رُبَّمَا يَقَعُونَ فِي الْفِتْنَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ وَخَتَمَ عِنْدَهُمْ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ) أَيْ الْقَاضِي الْكَاتِبُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا مَا فِيهِ لِيَشْهَدُوا عِنْدَ الثَّانِي وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ حِفْظِ مَا فِيهِ وَلِهَذَا قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ نُسْخَةٌ أُخْرَى مَفْتُوحَةً فَيَسْتَعِينُوا مِنْهَا عَلَى الْحِفْظِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّذَكُّرِ مِنْ وَقْتِ الشَّهَادَةِ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ عِنْدَهُمَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْعِنْوَانَ وَهُوَ مِنْ شَرَائِطِهِ وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ فِيهِ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَكَذَا الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ وَيَكْتُبُهُ مِنْ دَاخِلٍ فَلَوْ كَانَ عَلَى الظَّاهِرِ لَمْ يُقْبَلْ وَفِي عُرْفِنَا الْعِنْوَانُ يَكُونُ عَلَى الظَّاهِرِ فَيَكْتَفِي بِهِ وَيَكْتُبُ فِيهِ اسْمَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ يَقَعُ التَّمْيِيزُ بِذِكْرِ جَدِّهِمَا وَيَذْكُرُ الْحَقَّ فِيهِ وَيَذْكُرُ الشُّهُودَ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ اكْتَفَى بِذِكْرِ شَهَادَتِهِمْ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَلَى الشُّهُودِ إلَّا نَقْلُ الْكِتَابِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى أَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ وَلَا عَلَى الْقَاضِي سِوَى كِتَابَةِ الْحَاجَةِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا وَاخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ لِكَوْنِهِ أَسْهَلَ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ وَصَلَ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ نَظَرَ إلَى خَتْمِهِ لَمْ يَقْبَلْهُ بِلَا خَصْمٍ وَشُهُودٍ) ؛ لِأَنَّهُ لِلْحُكْمِ بِهِ فَلَا يَقْبَلُهُ إلَّا بِحُضُورِ الْخَصْمِ كَالشَّهَادَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ إسْلَامِ الشُّهُودِ وَلَوْ كَانَ الْكِتَابُ لِذِمِّيٍّ عَلَى ذِمِّيٍّ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى فِعْلِ الْمُسْلِمِ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِمْ إذَا أَنْكَرَ الْخَصْمُ كَوْنَهُ كِتَابَ الْقَاضِي أَمَّا إذَا أَقَرَّ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِمْ بِخِلَافِ كِتَابِ الْأَمَانِ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ حَيْثُ يُعْمَلُ بِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُلْزَمٍ وَمَعْنَاهُ إذَا جَاءَ الْكِتَابُ مِنْ مَلِكِهِمْ يَطْلُبُ الْأَمَانَ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَقَدْ كَتَبْنَا فِي الْفَوَائِدِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْخَطِّ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْأَمَانِ وَفِي دَفْتَرِ الْبَيَّاعِ وَالصَّرَّافِ وَالسِّمْسَارِ فَإِنَّهُ حُجَّةٌ وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ قَبُولِهِ بِلَا خَصْمٍ عَدَمُ قِرَاءَتِهِ لَا مُجَرَّدُ قَبُولِهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَجَوَّزَ أَبُو يُوسُفَ قَبُولَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَكِنْ لَا يُعْمَلُ بِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي مَعَ كَسْرِ الْخَتْمِ كَذَا عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّ كِتَابَ فُلَانٍ الْقَاضِي سَلَّمَهُ إلَيْنَا فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَرَأَهُ عَلَيْنَا وَخَتَمَهُ فَتَحَهُ الْقَاضِي وَقَرَأَهُ عَلَى الْخَصْمِ وَأَلْزَمَهُ مَا فِيهِ) يَعْنِي إذَا ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمْ عِنْدَهُ بِأَنْ كَانَ يَعْرِفُهُمْ بِالْعَدَالَةِ أَوْ وَجَدَ فِي الْكِتَابِ عَدَالَتَهُمْ أَوْ سَأَلَ مَنْ يَعْرِفُهُمْ مِنْ الثِّقَاتِ فَزَكَّوْا، وَأَمَّا قَبْلَ ظُهُورِ عَدَالَتِهِمْ فَلَا يَحْكُمُ بِهِ وَلَا يُلْزِمُ الْخَصْمَ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ لَا يَفْتَحُهُ إلَّا بَعْدِ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ وَصَحَّحَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ سَلَّمَهُ إلَيْنَا آخِرُهُ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا قَالُوا لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَيْنَا أَوْ لَمْ يَقْرَأْهُ عَلَيْنَا أَوْ لَمْ يَخْتِمْهُ بِحَضْرَتِنَا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا شَهِدُوا أَنَّ هَذَا كِتَابَ فُلَانٍ الْقَاضِي قُبِلَ وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا قَرَأَهُ عَلَيْنَا وَشَرَطَ فِي الذَّخِيرَةِ حُضُورَ الْخَصْمِ لِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ لَا لِقَبُولِ الْكِتَابِ حَتَّى لَوْ قَبِلَهُ مَعَ غَيْبَةِ الْخَصْمِ جَازَ وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُؤَلِّفُ مَسَافَةً بَيْنَ الْقَاضِيَيْنِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَجَوَّزَهُمَا مُحَمَّدٌ وَإِنْ كَانَا فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ كَانَ فِي مَكَان لَوْ غَدَا لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبِيتَ فِي أَهْلِهِ صَحَّ الْإِشْهَادُ وَالْكِتَابَةُ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(قَوْلُهُ وَيَبْطُلُ الْكِتَابُ بِمَوْتِ الْكَاتِبِ وَعَزْلِهِ) يَعْنِي قَبْلَ وُصُولِ الْكِتَابِ إلَى الثَّانِي أَوْ بَعْدَ وُصُولِهِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَبْطُلُ، وَأَمَّا بَعْدَهُمَا فَلَا يَبْطُلُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَجُنُونُ الْكَاتِبِ وَرِدَّتُهُ وَحَدُّهُ لِقَذْفٍ وَعَمَاهُ كَعَزْلِهِ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَإِذَا قَبِلَهُ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ فِيمَا إذَا بَطَلَ وَحَكَمَ بِهِ ثُمَّ رُفِعَ إلَى آخَرَ فَأَمْضَاهُ جَازَ لِمُصَادَفَتِهِ الِاجْتِهَادَ وَإِذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي نَفْسِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ بِالتَّنْفِيذِ مِنْ قَاضٍ آخَرَ وَلَوْ فَسَقَ الْكَاتِبُ أَوْ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ لَا يَقْضِي بِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ قِرَاءَتِهِ أَوْ بَعْدَهَا كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الشَّارِحِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَلَوْ شَهِدَ شُهُودٌ بِحَقٍّ ثُمَّ مَاتَ الْقَاضِي الْمَشْهُودُ عِنْدَهُ وَوُلِّيَ قَاضٍ آخَرُ لَمْ يُنْفِذْ تِلْكَ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2225
الشَّهَادَةِ حَتَّى تُعَادَ. اهـ.
وَقَدْ ذَكَرُوا هُنَا أَنَّ مِمَّا يُبْطِلُ كِتَابَهُ فِسْقُهُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ عَدْلًا فَفَسَقَ عِنْدَ الْبَعْضِ (قَوْلُهُ وَبِمَوْتِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ إلَّا إذَا كَتَبَ بَعْدَ اسْمِهِ وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ يَبْطُلُ الْكِتَابُ؛ لِأَنَّ الْكَاتِبَ اعْتَمَدَهُ إلَّا إذَا عَمَّمَ لِاعْتِمَادِهِ الْكُلَّ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ اسْمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَمَّمَ ابْتِدَاءً لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ أَحَدٌ وَأَجَازَهُ أَبُو يُوسُفَ حِينَ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ وَاخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ تَسْهِيلًا لِلْأَمْرِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ.
(قَوْلُهُ لَا بِمَوْتِ الْخَصْمِ) أَيْ لَا يَبْطُلُ الْكِتَابُ بِمَوْتِ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّ وَارِثَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْمُدَّعِيَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ تَارِيخُ الْكِتَابِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَطْلُوبِ أَوْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ وَارِثَ الْمَطْلُوبِ وَالْوَصِيَّ قَائِمٌ مَقَامَهُ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ قَيَّدَ بِمَوْتِ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ حَضْرَتِهِ عِنْدَ الْقَاضِي الْكَاتِبِ تُبْطِلُ كِتَابَتَهُ فَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ أُولَئِكَ حَتَّى يَشْهَدُوا عِنْدَهُ بِحَضْرَةِ الْخَصْمِ كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ وَلَوْ رَدَّدَ بَيْنَ قَاضِيَيْنِ كَتَبَ إلَى فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ صَحَّ وَشَرَحَهُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْخَصَّافِ وَسَيَأْتِي بَعْدُ.
(فُرُوعٌ) يَجُوزُ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ كَمَا جَازَ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ وَلَوْ كَتَبَ الْقَاضِي إلَى الْأَمِيرِ الَّذِي وَلَّاهُ أَصْلَحَ اللَّهُ أَمْرَ الْأَمِيرِ ثُمَّ قَصَّ الْقِصَّةَ وَهُوَ مَعَهُ فِي الْمِصْرِ فَجَاءَ بِهِ ثِقَةٌ يَعْرِفُهُ الْأَمِيرُ فَالِاسْتِحْسَانُ أَنَّ لِلْأَمِيرِ إمْضَاءَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَارَفٌ وَلَا يَلِيقُ بِالْقَاضِي أَنْ يَأْتِيَ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ إلَى الْأَمِيرِ لِيُخْبِرَهُ وَشَرْطُنَا فِيهِ شَرْطُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ سَمِعَ الْخَصْمُ بِوُصُولِ كِتَابِ الْقَاضِي الْبَلْدَةَ فَهَرَبَ إلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى كَانَ لِلْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ إلَى قَاضِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ بِمَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ مِنْ كِتَابِ الْقَاضِي فَكَمَا جَوَّزْنَا لِلْأَوَّلِ الْكِتَابَةَ جَوَّزْنَا لِلثَّانِي وَالثَّالِثِ وَهَلُمَّ جَرًّا
لِلْحَاجَةِ
وَلَوْ كَتَبَ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ حَتَّى رَجَعَ الْخَصْمُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ شُهُودِ الْكِتَابِ بَلْ يُعِيدُ الْمُدَّعِي شَهَادَتَهُمْ وَيَكْتُبُ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ كَالْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ وَالتَّفَاوُتُ هُنَا أَنَّ الْقَاضِيَ يَكْتُبُ بِالْعِلْمِ الْحَاصِلِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَإِذَا أَقَامَ شَاهِدًا عِنْدَ الْقَاضِي وَسَأَلَ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ بِذَلِكَ كِتَابًا إلَى قَاضٍ آخَرَ فَعَلَ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ شَاهِدٌ فِي مَحَلِّ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْكِتَابَةَ بِعِلْمِهِ كَالْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ كَذَا فِي شَرْحِ أَدَبِ الْخَصَّافِ.
(قَوْلُهُ وَتَقْضِي الْمَرْأَةُ فِي غَيْرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ) ؛ لِأَنَّهَا أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ فِي غَيْرِهِمَا فَكَانَتْ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ لَكِنْ يَأْثَمُ الْمُوَلِّي لَهَا لِلْحَدِيثِ «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَصْلُحُ شَاهِدَةً وَنَاظِرَةً فِي الْأَوْقَافِ وَوَصِيَّةً عَلَى الْيَتَامَى اهـ.
فَظَاهِرُهُ صِحَّةُ تَقْرِيرِهَا فِي النَّظَرِ وَالشَّهَادَةِ فِي الْأَوْقَافِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَقَدْ أَفْتَيْت فِيمَنْ شَرَطَ الشَّهَادَةَ فِي وَقْفِهِ لِفُلَانٍ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ فَمَاتَ وَتَرَكَ بِنْتًا أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ وَظِيفَةَ الشَّهَادَةِ وَاسْتَغْرَبَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ وَلَا عِبْرَةَ بِهِ بَعْدَمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا سَلْطَنَتُهَا فَصَحِيحَةٌ وَقَدْ وَلِيَ مِصْرَ امْرَأَةٌ تُسَمَّى شَجَرَةُ الدُّرِّ جَارِيَةُ الْمَلِكِ الصَّالِحِ بْنِ أَيُّوبَ وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَضَتْ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَرَفَعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَأَمْضَاهُ لَيْسَ
ــ
[منحة الخالق]
[يَبْطُلُ كِتَاب الْقَاضِي إلَيَّ الْقَاضِي بِمَوْتِ الْكَاتِبِ وَعَزْلِهِ]
(قَوْلُهُ وَشَرْطُنَا فِيهِ شَرْطُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي) فِيهِ اخْتِصَارٌ مُخِلٌّ فَإِنَّ عِبَارَةَ الْفَتْحِ هَكَذَا وَلَمْ يَجْرِ الرَّسْمُ فِي مِثْلِهِ مِنْ مِصْرٍ إلَى مِصْرٍ فَشَرْطُنَا هُنَاكَ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي اهـ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ إذَا كَانَ الْأَمِيرُ فِي مِصْرٍ غَيْرِ مِصْرِ الْقَاضِي.
(قَوْلُهُ وَقَدْ أَفْتَيْت فِيمَنْ شَرَطَ الشَّهَادَةَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ كَأَنَّهُ عَلَّقَ فِي الْفَتْحِ قَوْلَهُ فِي الْأَوْقَافِ بِشَهَادَةٍ وَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ صَاحِبَ الْفَتْحِ إنَّمَا اسْتَظْهَرَ بِهَذَا عَلَى عَدَمِ سَلْبِ وِلَايَتِهَا مَعَ نُقْصَانِ عَقْلِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ صَلَاحِيَّتَهَا شَاهِدَةٌ فِي الْأَمْوَالِ اتِّفَاقًا فِيهِ إثْبَاتُ وِلَايَتِهَا وَالْقَضَاءُ أَهْلُهُ أَهْلُ الشَّهَادَةِ وَلَوْ عَلَّقَ فِي الْأَوْقَافِ بِشَاهِدَةٍ لَقَصُرَ عَنْ إفَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى وَالْمَقْصُودُ هُوَ الْأَوَّلُ لِمَنْ تَأَمَّلَ وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَعُرْفُ الْوَاقِفِينَ مُرَاعًى وَلَمْ يَتَّفِقْ تَقْرِيرُ أُنْثَى شَاهِدَةً فِي وَقْفٍ فِي زَمَنٍ مَا فِيمَا عَلِمْنَا فَوَجَبَ صَرْفُ أَلْفَاظِهِ إلَى مَا تَعَارَفُوهُ وَإِذَا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِ وَاقِفٍ وَلَمْ يَسِرْ ذِهْنُهُ إلَيْهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْ الشَّاهِدِ الْكَامِلَ فَكَيْفَ يُصْرَفُ لَفْظُهُ إلَى غَيْرِ مُرَادِهِ وَقَدْ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَبْدُ الْبَرِّ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ يَنْبَغِي تَرْجِيحُ رِوَايَةِ دُخُولِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ فِيمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ؛ لِأَنَّ عُرْفَهُمْ عَلَيْهِ لَا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ وَلَا يَسْرِي إلَى أَذْهَانِهِمْ غَالِبًا سِوَاهُ فَاعْتُبِرَ عُرْفُهُمْ وَقَالَ فِيمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ يَنْبَغِي أَنْ تُصَحَّحَ رِوَايَةُ دُخُولِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ أَيْضًا قَطْعًا؛ لِأَنَّ فِيهَا نَصُّ مُحَمَّدٍ عَنْ أَصْحَابِنَا وَقَدْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَا يَفْهَمُونَ سِوَى ذَلِكَ وَلَا يَقْصِدُونَ غَيْرَهُ وَعَلَيْهِ عَمَلُهُمْ وَعُرْفُهُمْ اهـ.
وَهَذَا بُرْهَانٌ بَيِّنٌ لِمَا ادَّعَيْنَاهُ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِمُقْتَضَاهُ وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَتَقْرِيرُهَا فِي شَهَادَةِ وَقْفٍ ابْتِدَاءً غَيْرُ صَحِيحٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ اهـ.
وَذَكَرَ الْحَمَوِيُّ عَنْ الْمَقْدِسِيَّ مُوَافَقَةَ مَا فِي النَّهْرِ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ مَا نَصُّهُ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ فِي الْأَوْقَافِ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا لَا بِنَاظِرَةٍ فَقَطْ، وَأَمَّا قَوْلُ الْمَقْدِسِيَّ فَالْمُتَعَارَفُ فِي الْأَوْقَافِ خِلَافُ هَذَا فَلَا يَمْنَعُ كَوْنَهَا أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ بِأَنَّ شَهَادَتَهَا فِي غَيْرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ جَائِزٌ فَكَذَا قَضَاؤُهَا صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ تَقْرِيرِهَا فِي الْأَوْقَافِ اهـ.
كَذَا فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ قُلْتُ: كَلَامُ الْأَصْحَابِ يُفِيدُ صِحَّةَ تَقْرِيرِهَا شَاهِدَةً ابْتِدَاءً خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ، وَأَمَّا إفَادَتُهُ لِدُخُولِهَا فِي الْوَاقِعَةِ الْمُسْتَفْتَى عَنْهَا فَغَيْرُ ظَاهِرٍ وَهَذَا هُوَ الْإِنْصَافُ لِمَنْ تَأَمَّلَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 2226
لِغَيْرِهِ أَنْ يُبْطِلَهُ اهـ.
وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إلَى صَلَاحِيَّتِهَا لِلنَّظَّارَةِ عَلَى الْوَقْفِ وَالْوِصَايَةِ عَلَى الْيَتَامَى بِالْأَوْلَى كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَمَّا قَضَاءُ الْخُنْثَى فَيَصِحُّ بِالْأُولَى وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لِشُبْهَةِ الْأُنُوثَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَسْتَخْلِفُ قَاضٍ إلَّا أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ الْقَضَاءَ دُونَ التَّقْلِيدِ بِهِ فَلَا يَتَصَرَّفُ فِي غَيْرِ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ كَالْوَكِيلِ لَا يُوَكِّلُ بِدُونِ إذْنِ الْمُوَكِّلِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ بِعُذْرٍ أَوْ لَا كَمَا فِي الْعِنَايَةِ فَلَوْ اسْتَخْلَفَ بِلَا إذْنٍ فَحَكَمَ الْخَلِيفَةُ فَأَجَازَهُ الْقَاضِي جَازَ حَيْثُ كَانَ الْخَلِيفَةُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ فَإِنْ كَانَ رَقِيقًا أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ أَوْ كَافِرًا لَمْ يَجُزْ وَكَذَا إذَا قَضَى بِحَضْرَةِ الْقَاضِي كَمَا فِي الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حُضُورُ رَأْيِهِ وَفِي آخِرِ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ الْقَاضِي لَوْ قَضَى فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ يَوْمَيْنِ بِأَنْ كَانَ لَهُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ كُلِّ أُسْبُوعٍ لَا غَيْرُ فَقَضَى فِي الْأَيَّامِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ فَإِذَا جَاءَتْ نَوْبَتُهُ أَجَازَ مَا قَضَى جَازَتْ اهـ فَدَخَلَ الْفُضُولِيُّ فِي الْقَضَاءِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْقَاضِي وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ إجَازَةَ قَضَاءِ الْفُضُولِيِّ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الْفُضُولِيِّ خَلِيفَةً مِنْ قَاضٍ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الِاسْتِخْلَافِ بَلْ لَوْ قَضَى فُضُولِيٌّ بِلَا اسْتِخْلَافٍ أَصْلًا فَأَجَازَهُ الْقَاضِي جَازَ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ مَعْنَاهُ الْوَكَالَةُ بِالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهِمَا أَمَّا الْوَكِيلُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ إذَا أَجَازَ أَوْ حَضَرَ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عِبَارَتُهُ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ وَشَمِلَ التَّفْوِيضُ إلَيْهِ مَا إذَا كَانَ صَرِيحًا بِأَنْ قَالَ لَهُ وَلِّ مَنْ شِئْت أَوْ دَلَالَةً كَجَعَلْتُكَ قَاضِيَ الْقُضَاةِ وَالدَّلَالَةُ هُنَا أَقْوَى؛ لِأَنَّ فِي الصَّرِيحِ الْمَذْكُورِ يَمْلِكُ الِاسْتِخْلَافَ لَا الْعَزْلَ وَفِي الدَّلَالَةِ يَمْلِكُهُمَا كَقَوْلِهِ وَلِّ مَنْ شِئْت وَاسْتَبْدِلْ مَنْ شِئْت فَإِنَّ قَاضِيَ الْقُضَاةِ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ مُطْلَقًا تَقْلِيدًا وَعَزْلًا وَإِذَا قَالَ لَهُ وَلِّ مَنْ شِئْت وَاسْتَخْلِفْ كَانَ نَائِبًا عَنْ الْإِمَامِ فِي التَّوْلِيَةِ فَلَا يَمْلِكُ عَزْلَهُ كَالْوَكِيلِ إذَا وُكِّلَ بِإِذْنٍ وَلَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَيَنْعَزِلَانِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ حَيْثُ يَمْلِكُ الْإِيصَاءَ إلَى غَيْرِهِ وَيَمْلِكُ التَّوْكِيلَ وَالْعَزْلَ فِي حَيَاتِهِ لِرِضَى الْمُوصِي بِذَلِكَ دَلَالَةً لَعَجَزَهُ بِخِلَافِ الْإِمَامِ وَالْمُوَكِّلِ وَبِخِلَافِ الْمُسْتَعِيرِ فَإِنَّ لَهُ الْإِعَارَةَ بِشَرْطِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ مَلَكَ تَمْلِيكَهَا وَفِي الْمُلْتَقَطِ الْقَاضِي إذَا اسْتَخْلَفَ خَلِيفَةً فَقَضَى لِلْقَاضِي لَا يَجُوزُ وَالطَّرِيقُ فِيهِ أَنْ يَتَحَاكَمَا أَوْ يَنْصِبَ الْإِمَامُ قَاضِيًا آخَرَ لِهَذِهِ الْحَادِثَةِ. اهـ.
وَفِي السِّرَاجِيَّةِ الْقَاضِي إذَا وَقَعَتْ لَهُ حَادِثَةٌ أَوْ لِوَلَدِهِ فَأَنَابَ غَيْرَهُ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِنَابَةِ تَخَاصَمَا عِنْدَهُ وَقَضَى لَهُ أَوْ لِوَلَدِهِ جَازَ الْقَاضِي إذَا قَضَى لِلْإِمَامِ الَّذِي قَلَّدَهُ الْقَضَاءَ أَوْ لِوَلَدِ الْإِمَامِ جَازَ اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ كَمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ الْخَلِيفَةُ إذَا أَذِنَ لِلْقَاضِي فِي الِاسْتِخْلَافِ فَاسْتَخْلَفَ رَجُلًا وَأَذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ جَازَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ ثُمَّ وَثُمَّ اهـ.
وَفِيهَا وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يُثْبِتُوا قَضَاءَ الْخَلِيفَةِ عِنْدَ الْقَاضِي الْأَصْلِيِّ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَثْبَتُوا قَضَاءَ
ــ
[منحة الخالق]
قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَسْتَخْلِفُ قَاضٍ إلَّا أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُوَلِّيَ الْقَضَاءَ غَيْرَهُ إلَّا إذَا كَانَ مَكْتُوبًا فِي مَنْشُورِهِ ذَلِكَ أَوْ قِيلَ لَهُ مَا صَنَعْت مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ فَإِنْ وَلَّى غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا يَكُونُ قَضَاؤُهُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الْأَوَّلِ (م) وَلَوْ أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ فَأَمَرَ رَجُلًا فَحَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ ثُمَّ إنَّ الْقَاضِيَ لَوْ أَجَازَ ذَلِكَ الْحُكْمَ يُنْظَرُ إنْ كَانَ بِحَالٍ يَجُوزُ حُكْمُهُ لَوْ كَانَ قَاضِيًا جَازَ إمْضَاءُ الْقَاضِي حُكْمَهُ وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ لَوْ كَانَ قَاضِيًا يُنْظَرُ إنْ كَانَ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْفُقَهَاءُ كَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ جَازَ إمْضَاؤُهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ أَذِنَ لِلْقَاضِي فِي الِاسْتِخْلَافِ فَاسْتَخْلَفَ غَيْرَهُ جَازَ فَهَذَا الْقَاضِي الثَّانِي يَصِيرُ قَاضِيًا مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ الْقَاضِي الْأَوَّلُ أَنْ يَعْزِلَ الثَّانِيَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا إذَا قَالَ الْخَلِيفَةُ لِلْأَوَّلِ تَسْتَبْدِلُ مَنْ شِئْت. اهـ.
(قَوْلُهُ فَدَخَلَ الْفُضُولِيُّ فِي الْقَضَاءِ) الْمُصَرَّحُ بِهِ أَنَّ الْقَضَاءَ عَقْدٌ مِنْ الْعُقُودِ وَإِنَّ كُلَّ عَقْدٍ لَا مُجِيزَ لَهُ حَالَ صُدُورِهِ مِنْ الْفُضُولِيِّ لَا يَتَوَقَّفُ فَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَضَاءُ الْفُضُولِيِّ إنْ كَانَ لَهُ مُجِيزٌ حَالَ صُدُورِهِ يَتَوَقَّفُ وَمَا لَا فَلَا كَدَارِ الْحَرْبِ حَيْثُ لَا سُلْطَانَ وَلَا قَاضِي وَلَوْ قَضَى بَعْدَ مَنْعِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا وَفَتْوَى مَنْ أَفْتَى بِعَدَمِ الصِّحَّةِ مَحْمُولَةٌ عَلَى عَدَمِ النَّفَاذِ حَتَّى يُجَازَ وَبِعَدَمِ صِحَّةِ إجَازَتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِجَازَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ كَذَا بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ.
(قَوْلُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِمْ كُلَّمَا صَحَّ التَّوْكِيلُ إذَا بَاشَرَهُ الْفُضُولِيُّ يَتَوَقَّفُ وَفِي قَوْلِهِمْ كُلُّ عَقْدٍ صَدَرَ وَلَهُ مُجِيزٌ حَالَ وُقُوعِهِ انْعَقَدَ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتِهِ وَالْقَضَاءُ عَقْدٌ مِنْ الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِيهِ بِشَرْطِهِ تَأَمَّلْ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ (قَوْلُهُ الْقَاضِي إذَا قَضَى لِلْإِمَامِ الَّذِي قَلَّدَهُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَجْهُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ نَائِبٌ عَنْ الْعَامَّةِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْقَاضِيَ نَائِبٌ عَنْ السُّلْطَانِ فَلَعَلَّ وَجْهَهُ عِنْدَهُ انْحِصَارُ الطَّرِيقِ فِيهِ إذْ الْحُكْمُ مِنْ الْإِمَامِ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي الْمُوَلَّى فَلَا طَرِيقَ إلَى التَّحْكِيمِ فَجَازَ ذَلِكَ فَتْحًا لِبَابِ الْقَضَاءِ لَهُ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْحُكْمَ مِنْ الْإِمَامِ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي وَلَمْ أَرَ مَنْ حَرَّرَ ذَلِكَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ كَمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فَثَبَتَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ وَجْهُ مَا فِي السِّرَاجِيَّةِ أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَيْسَ نَائِبًا عَنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ نَائِبٌ عَنْ السُّلْطَانِ أَوْ الْعَامَّةِ فَانْقَطَعَتْ النِّسْبَةُ لَكِنْ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ أَنَّهُمْ نُوَّابُ الْقَاضِي فِي زَمَانِنَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي تَرْجِيحُ مَا فِي الْمُلْتَقَطِ لِمَا فِي قَضَائِهِ لَهُ مِنْ التُّهْمَةِ إذْ فِعْلُ النَّائِبِ كَفِعْلِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَضَى لِنَفْسِهِ وَلَمْ أَرَ مَنْ رَجَّحَ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
стр. 2227
قَاضٍ آخَرَ عِنْدَ هَذَا الْقَاضِي وَفِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ النَّائِبُ يَقْضِي بِمَا شَهِدُوا عِنْدَ الْأَصْلِ وَكَذَا الْأَصْلُ يَقْضِي بِمَا شَهِدُوا عِنْدَ النَّائِبِ اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ جَرَى الْخُلْعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ الْقَاضِي مَرَّتَيْنِ فَقَالَ نَائِبُهُ كَانَ قَدْ جَرَى عِنْدِي مَرَّةً أُخْرَى وَالزَّوْجُ يُنْكِرُ فَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِالْحُرْمَةِ الْغَلِيظَةِ بِكَلَامِ النَّائِبِ أَمَّا النَّائِبُ يَقْضِي بِكَلَامِ الْقَاضِي إذَا أَخْبَرَهُ اهـ.
ثُمَّ قَالَ فِي نَوْعٍ فِي الْإِمْضَاءِ وَالنَّائِبُ يَقْضِي بِمَا شَهِدُوا عِنْدَ الْأَصْلِ وَكَذَا الْقَاضِي يَقْضِي بِمَا شَهِدُوا عِنْدَ النَّائِبِ أَمَرَ الْقَاضِي الْخَلِيفَةَ أَنْ يَسْمَعَ الْقَضِيَّةَ وَالشَّهَادَةَ وَيَكْتُبَ الْإِقْرَارَ وَلَا يَقْطَعَ الْحُكْمَ يَفْعَلُ مَا أَمَرَهُ الْقَاضِي وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِإِخْبَارِ خَلِيفَتِهِ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَاضٍ وَكَذَا لَوْ أَخْبَرَهُ بِإِقْرَارِ رَجُلٍ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ هُوَ مَعَ آخَرَ وَقَدْ تَنَاطَقَتْ أَجْوِبَةُ أَئِمَّتِنَا بِخُوَارِزْمَ أَنَّ شَهَادَةَ مُسَخَّرَةِ الْقَاضِي وَشَهَادَةَ الْوُكَلَاءِ الْمُفْتَعِلَةِ بِبَابِهِ لَا تُقْبَلُ بِخِلَافِ نُوَّابِهِمْ إلَّا أَهْلِ الْعَدْلِ وَقَدْ رَأَيْت بِنَوَاحِي خُوَارِزْمَ وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِمَّنْ فُوِّضَ إلَيْهِمْ الْقَضَاءُ وَكَذَا بِبَعْضِ نَوَاحِي دشت. لَا يَصِحُّ الْقَضَاءُ بِشَهَادَتِهِمْ فَكَيْفَ قَضَاؤُهُمْ وَسُئِلْت عَنْ شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ تُقْبَلُ فَقُلْتُ: نَعَمْ تُقْبَلُ مَعَ عَدْلَيْنِ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ تَهَاوُنِ أَمَرَ الدشت بِالشَّرْعِ وَقَدْ رَأَيْت مِنْ الْعَجَائِبِ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ أُمَرَائِهِ الَّذِي يَدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَمْضِ مِثْلُهُ دِينًا قَلَّدَ قَضَاءَ مَدِينَةٍ إلَى شَابٍّ جَاهِلٍ لَا يَعْرِفُ قُرْآنًا وَلَا خَطًّا حَتَّى يَقْضِيَ بِأَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ فَقُلْتُ: لَهُ فِيهِ فَقَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِالْمَصْلَحَةِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ. اهـ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا وَلَّى الْخَلِيفَةَ الْقَضَاءَ عُمِلَ بِقَوْلِهِ وَإِنْ وَلَّاهُ سَمَاعَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ فَقَطْ لَا يُعْمَلُ بِقَوْلِهِ فَلَا تَنَاقُضَ كَمَا لَا يَخْفَى وَفَائِدَةُ هَذَا الِاسْتِخْلَافِ أَنْ يَنْظُرَ الْخَلِيفَةُ هَلْ لِلْمُدَّعِي شُهُودٌ أَوْ يَكْذِبُ فَلَعَلَّ لَهُ شُهُودًا إلَّا أَنَّهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ وَقَدْ لَا تَتَّفِقُ أَلْفَاظُهُمْ فَيُفَوِّضُ الْقَاضِي النَّظَرَ إلَى الْخَلِيفَةِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَقَدْ سُئِلْت عَنْ صِحَّةِ تَوْلِيَةِ الْقَاضِي ابْنَهُ قَاضِيًا حَيْثُ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ بِالِاسْتِخْلَافِ فَأَجَبْت بِنَعَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَطْلَقَ فِي الِاسْتِخْلَافِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ مَذْهَبُ الْخَلِيفَةِ مُوَافِقًا لِمَذْهَبِ الْقَاضِي أَوْ مُخَالِفًا وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَوْ فَوَّضَ إلَى غَيْرِهِ لِيَقْضِيَ عَلَى وَفْقِ مَذْهَبِهِ نَفَذَا إجْمَاعًا. اهـ.
وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ بِالِاسْتِخْلَافِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً يَمْلِكُهُ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى مَحَلِّ قَضَائِهِ كَمَا يَمْلِكُهُ بِعَهْدِهِ وَقَدْ جَرَتْ عَادَتُهُمْ إذَا وَلَّوْا بِبَلَدِ السُّلْطَانَ قَضَاءَ بَلْدَةٍ بَعِيدَةٍ بِإِرْسَالِ خَلِيفَةٍ يَقُومُ مَقَامَهُمْ إلَى حُضُورِهِمْ وَقَدْ سُئِلْت عَنْهَا فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ فَأَجَبْت بِذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ ثُمَّ رَأَيْت الْأَجَلَّ الصَّدْرَ الشَّهِيدَ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْخَصَّافِ قَالَ فِي الْبَابِ السَّادِسَ عَشَرَ الْقَاضِي إنَّمَا يَصِيرُ قَاضِيًا إذَا بَلَغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي قُلِّدَ فِيهِ الْقَضَاءَ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَنْعَزِلُ مَا لَمْ يَبْلُغْ هُوَ الْبَلَدَ الَّذِي قُلِّدَ فِيهِ الْقَضَاءَ فَكَانَ هُوَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ بِمَنْزِلَةِ وَاحِدٍ مِنْ الرَّعَايَا. اهـ.
وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِخْلَافَ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى مَحَلِّ عَمَلِهِ لَكِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْبَابِ السَّادِسِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُقَدِّمَ نَائِبَهُ قَبْلِ وُصُولِهِ حَتَّى يَتَعَرَّفَ عَلَى أَحْوَالِ النَّاسِ اهـ.
إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ قَاضِيَ الْقُضَاةِ مَأْذُونٌ بِالِاسْتِخْلَافِ قَبْلَ الْوُصُولِ مِنْ السُّلْطَانِ فَلَا كَلَامَ وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ الْآنَ وَقَيَّدَ بِاسْتِخْلَافِهِ قَاضِيًا؛ لِأَنَّ لَهُ التَّوْكِيلَ وَالْإِيصَاءَ بِلَا إذْنِ السُّلْطَانِ وَأَوْرَدَ هَذَا إشْكَالًا عَلَى مَنْعِهِ مِنْ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ فَإِنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ يَجْرِي فِيهَا وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْعِنَايَةِ بِأَنَّ الْمُقَلَّدَ يَفْعَلُ مَا لَا يَفْعَلُهُ الْوَكِيلُ وَالْوَصِيُّ فَيَكُونُ تَوَقُّعُ الْفَسَادِ فِي الْقَضَاءِ أَكْثَرَ. اهـ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ فِي الْجُمُعَةِ) يَعْنِي فَإِنَّ لَهُ الِاسْتِخْلَافَ وَإِنْ لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ لَمَّا فَوَّضَهَا إلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الْعَوَارِضَ الْمَانِعَةَ مِنْ إقَامَتِهَا مِنْ الْمَرَضِ وَالْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَغَيْرِهِمَا تَعْتَرِيهِ وَلَا يُمْكِنُ انْتِظَارُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ عَنْ الْوَقْتِ فَكَانَ إذْنًا لَهُ بِالِاسْتِخْلَافِ دَلَالَةً وَتَأْخِيرُ سَمَاعِ الْخُصُومَةِ إلَى وُجُودِ الْإِذْنِ مِنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ بِوَقْتٍ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِسَبْقِ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا إذَا مَرِضَ الْخَطِيبُ أَوْ سَافَرَ أَوْ حَصَلَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ أَمَرَ الْقَاضِي الْخَلِيفَةَ) أَيْ خَلِيفَةَ الْقَاضِي (قَوْلُهُ اهـ) أَيْ: كَلَامُ الْبَزَّازِيَّةِ.
(قَوْلُهُ لَكِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْبَابِ السَّادِسِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَمُقْتَضَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يَسْتَخْلِفُ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَسْتَخْلِفُ فَيُحْمَلُ عَلَى إرْسَالِ النَّائِبِ بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ أَوْ أَنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ بَيْنَهُمْ اهـ.
وَفِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ وَأَقُولُ: جَوَازُ إرْسَالِهِ لِتَعَرُّفِ أَحْوَالِ النَّاسِ لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ حُكْمِهِ قَبْلَ وُصُولِ الْمُرْسَلِ ثُمَّ رَأَيْت بِخَطِّ السَّيِّدِ الْحَمَوِيِّ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ مَا نَصُّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مَحْضَ الْإِرْسَالِ إنَّمَا الْمُرَادُ الْإِرْسَالُ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ وَهُوَ مَمْنُوعٌ إلَخْ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ صَاحِبُ الْبَحْرِ مِنْ جَوَازِ اسْتِخْلَافِهِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى مَحَلِّ قَضَائِهِ اهـ.
مَا فِي الْحَاشِيَةِ وَأَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي صِحَّةِ الِاسْتِخْلَافِ وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ نَائِبُهُ يُفِيدُ ذَلِكَ، وَأَمَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ أَوَّلًا فَبَحْثٌ آخَرُ لَا ذِكْرَ لَهُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْبَحْرِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ انْضَمَّ إلَيْهِ أَنَّهُ الْوَاقِعُ الْآنَ وَقَدْ ذَكَرَ أَوَائِلَ كِتَابِ الْقَضَاءِ وَإِذَا عَزَلَهُ السُّلْطَانُ لَا يَنْعَزِلُ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الْخَبَرُ كَالْوَكِيلِ وَعَنْ الثَّانِي مَا لَمْ يَأْتِ قَاضٍ آخَرُ
صِيَانَةً
لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ تَعْطِيلِ قَضَايَاهُمْ اهـ.
فَمَا مَشَى عَلَيْهِ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ أَوَّلًا مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَحَيْثُ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَا ذَكَرَ فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُقَالَ وُصُولُ نَائِبِهِ كَوُصُولِهِ فَيُفِيدُ أَنَّ لِنَائِبِهِ الْحُكْمَ تَأَمَّلْ
стр. 2228
لَهُ مَانِعٌ فَاسْتَنَابَ خَطِيبًا مَكَانَهُ وَفِي فُرُوقِ الْكَرَابِيسِيِّ مَا يُفِيدُهُ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ فُرِّقَ بَيْنَ الْقَاضِي وَالْإِمَامَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِخْلَافَ إلَّا بِإِذْنٍ وَالْإِمَامُ لِلْجَامِعِ يَمْلِكُ بِدُونِهِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الضَّرُورَةَ مُتَحَقِّقَةٌ هَاهُنَا لِجَوَازِ أَنْ يَسْبِقَهُ الْحَدَثُ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَوْ تَوَقَّفَ عَلَى الْإِذْنِ تَفُوتُ الْجُمُعَةُ وَلَا كَذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ. اهـ.
وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ مِنْ أَنَّ الْخَطِيبَ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ ابْتِدَاءً إلَّا بِإِذْنٍ لَا أَصْلَ لَهُ فَإِنَّمَا هُوَ فَهْمٌ فَهِمَهُ مِنْ بَعْضِ الْعِبَارَاتِ وَقَدْ صَرَّحَ الْعَلَّامَةُ مُحِبُّ الدِّينِ بْنُ جِرْبَاشٍ شَيْخِ شَيْخِنَا فِي النُّجْعَةِ فِي تَعْدَادِ الْجُمُعَةِ بِأَنَّ إذْنَ السُّلْطَانِ بِإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ شَرْطٌ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَيَكُونُ الْإِذْنُ مُنْسَحِبًا لِتَوَلِّيَةِ النُّظَّارِ الْخُطَبَاءِ وَإِقَامَةِ الْخَطِيبِ نَائِبًا وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِذْنُ لِكُلِّ خَطِيبٍ وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي الْجُمُعَةِ ثُمَّ إنْ أَحْدَثَ الْخَطِيبُ بَعْدَمَا خَطَبَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ إلَّا مَنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِيهَا فَلَا تَنْعَقِدُ بِدُونِهَا وَإِنْ كَانَ شَرَعَ فِيهَا جَازَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ لَمْ يُدْرِكْهَا لِانْعِقَادِهَا بِالْأَصْلِ فَكَانَ الثَّانِي بَانِيًا وَفِي الْعِنَايَةِ وَاعْتَرَضَ بِمَنْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ ثُمَّ افْتَتَحَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَهُوَ مُفْتَتِحٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَشْهَدْ الْخُطْبَةَ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ شُرُوعُهُ فِي الْجُمُعَةِ وَصَارَ خَلِيفَةً لِلْأَوَّلِ الْتَحَقَ بِمَنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ وَأَرَى أَنَّ إلْحَاقَهُ بِالْبَانِي لِتَقَدُّمِ شُرُوعِهِ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ الْأُولَى فَتَأَمَّلْ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِذَا رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمُ قَاضٍ أَمْضَاهُ إنْ لَمْ يُخَالِفْ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ وَالْإِجْمَاعَ) لِتَرَجُّحِ الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ بِالْقَضَاءِ فَلَا يَنْقُضُهُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ أَوْ مُخَالِفًا لِكَوْنِ لَفْظِ الْحُكْمِ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَتَعُمُّ فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يُوهِمُ أَنَّهُ إنَّمَا يُمْضِيهِ إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ كَمَا زَعَمَ الشَّارِحُ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ فَقَضَى بِهِ الْقَاضِي ثُمَّ جَاءَ قَاضٍ آخَرُ يَرَى غَيْرَ ذَلِكَ أَمْضَاهُ وَفِي الْمِعْرَاجِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ لَفْظَ الْجَامِعِ بِهَذَا اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَائِدَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ قَيَّدَ بِالْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِي إذَا كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِمَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ فَاتَّفَقَ قَضَاؤُهُ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ فَعَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ لَا يَجِبُ عَلَى الثَّانِي تَنْفِيذُهُ كَذَا ذَكَرَهُ فِي فُصُولِ الْأُسْرُوشَنِيُّ مُحَالًا إلَى الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ فَقَالَ لَوْ قَضَى فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ قِيلَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَعَامَّتُهُمْ لَا يَنْفُذُ وَإِنَّمَا يَنْفُذُ إذَا عَلِمَ بِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَالثَّانِي أَنَّهُ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ يَرَى غَيْرَ ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ قَوْلَهُ أَمْضَاهُ فِيمَا إذَا كَانَ مُوَافِقًا. اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَعْنِي كَوْنَهُ عَالِمًا بِالِاخْتِلَافِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لَكِنْ يُفْتَى بِخِلَافِهِ وَالتَّحْقِيقُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ عِلْمَهُ بِكَوْنِ مَا حَكَمَ فِيهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ شَرْطٌ، وَأَمَّا عِلْمُهُ بِكَوْنِ الْمَسْأَلَةِ اجْتِهَادِيَّةً فَلَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَشَمِلَ قَوْلُهُ حُكْمُ قَاضٍ مَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ وَمُخَالِفًا وَمَا إذَا كَانَ الْقَاضِي بَاقِيًا عَلَى قَضَائِهِ أَوْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ كَمَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَفِي فُرُوقِ الْكَرَابِيسِيِّ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قُلْتُ: كَلَامُ صَاحِبِ الْفُرُوقِ إنَّمَا يُفِيدُ جَوَازَ الِاسْتِخْلَافِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الْحَدَثِ لِكَوْنِهَا عَلَى شَرَفِ الْفَوَاتِ فَلَا يَنْهَضُ حُجَّةً عَلَى مُنْلَا خُسْرو الْقَائِلِ بِعَدَمِ جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ فِي الْخُطْبَةِ بِدُونِ إذْنِ الْإِمَامِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
ذَكَرَهُ الْغَزِّيِّ أَقُولُ: وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا فِي رِسَالَةٍ لَهُ رَدًّا بَلِيغًا فَقَالَ بَقِيَ هُنَا دَقِيقَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ إقَامَةَ الْجُمُعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ أَمْرَيْنِ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْمَوْقُوفُ عَلَى الْإِذْنِ هُوَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي وَتَمَامُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ بِأَنَّ إذْنَ السُّلْطَانِ بِإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ شَرْطٌ أَوَّلَ مَرَّةٍ لِلْبَانِي إلَخْ) وَهَكَذَا أَجَابَ بِهِ الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ يُونُسَ الشَّلَبِيُّ حَيْثُ سُئِلَ عَنْ ثَغْرٍ فِيهِ جَوَامِعُ وَلَهَا خُطَبَاءُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ إذْنٌ صَرِيحٌ مِنْ السُّلْطَانِ فَأَجَابَ بِأَنَّ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّدَادِ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ مَنْ أَنْشَأَ جَامِعًا وَأَرَادَ إقَامَةَ الْجُمُعَةِ اسْتَأْذَنَ الْإِمَامَ وَإِذَا وُجِدَ الْإِذْنُ أَوَّلَ إقَامَتِهَا حَصَلَ الْغَرَضُ وَالْإِذْنُ بَعْدَهُ وَلَوْ تَطَاوَلَتْ الْمُدَّةُ وَتَغَيَّرَتْ الْبِلَادُ لَيْسَ بِمُفْتَرَضٍ اهـ. مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ وَاعْتُرِضَ بِمَنْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ إلَخْ) أَيْ بِمَا لَوْ اسْتَخْلَفَ شَخْصًا لَمْ يَشْهَدْ الْخُطْبَةَ ثُمَّ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ ثُمَّ افْتَتَحَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ.
(قَوْلُهُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ) أَيْ لِرَأْيِ الْقَاضِي الْمَرْفُوعِ إلَيْهِ حُكْمُ الْقَاضِي الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ لِكَوْنِ لَفْظِ الْحُكْمِ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَتَعُمُّ) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ الشَّرْطُ يَمِينًا مُثْبَتًا مِثْلَ إنْ كَلَّمْت رَجُلًا فَكَذَا فَإِنَّ الْمَعْنَى لَا أُكَلِّمُ رَجُلًا فَتَكُونُ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ مَعْنًى فَتَعُمُّ بِخِلَافِ قَوْلِك الْيَمِينُ الْمَنْفِيُّ مِثْلُ إنْ لَمْ أُكَلِّمْ رَجُلًا فَلَا تَعُمُّ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى لَأُكَلِّمَن رَجُلًا فَهِيَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ وَبِخِلَافِ الشَّرْطِ الْوَاقِعِ غَيْرَ يَمِينٍ مِثْلِ إنْ جَاءَك رَجُلٌ فَأَكْرِمْهُ فَإِنَّهُ أَيْضًا غَيْرُ نَصٍّ فِي الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهُ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ وَمَا فِي الْمَتْنِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَالتَّحْقِيقُ الْمُعْتَمَدُ إنْ عَلِمَهُ إلَخْ) قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ وَهَاهُنَا شَرْطٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي عَالِمًا بِأَنَّ مَا حَكَمَ فِيهِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ وَلَا يَكْفِي فِيهِ عِلْمُهُ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُجْتَهَدٌ فِيهَا كَمَا إذَا قَضَى بِبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ غَيْرَ عَالِمٍ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ مَسْأَلَةَ أُمِّ الْوَلَدِ اجْتِهَادِيَّةٌ ذَكَرَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي. اهـ.
(قَوْلُهُ وَشَمِلَ قَوْلُهُ حُكْمُ قَاضٍ مَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ) أَيْ لِرَأْيِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ الَّذِي رُفِعَ حُكْمُهُ إلَى الْقَاضِي الثَّانِي ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ مَا قَبْلَهَا فَإِنَّ مَا قَبْلَهَا هُوَ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ عَالِمًا بِالْخِلَافِ لِيَنْفُذَ حُكْمُهُ وَهَذِهِ فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ حَكَمَ عَلَى وَفْقِ مَذْهَبِهِ لَا إذَا كَانَ نَاسِيًا وَحَكَمَ عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ
стр. 2229
فَلَوْ قَضَى فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ نَاسِيًا لِمَذْهَبِهِ نَفَذَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي الْعَامِدِ رِوَايَتَانِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَنْفُذُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ فَفِي الْخَانِيَّةِ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَفَاذُ قَضَائِهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.
وَهَكَذَا فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَفِي الْمِعْرَاجِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُحِيطِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا وَهَكَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي فَتَاوَى ظَهِيرِ الدِّينِ اسْتَحَقَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَنْقُضَهُ. اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْفَتْوَى وَالْوَجْهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنْ يُفْتَى بِقَوْلِهِمَا لِأَنَّ التَّارِكَ لِمَذْهَبِهِ عَمْدًا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا لِهَوًى بَاطِلٍ لَا لِقَصْدٍ جَمِيلٍ، وَأَمَّا النَّاسِي فَلِأَنَّ الْمُقَلِّدَ مَا قَلَّدَهُ إلَّا لِيَحْكُمَ بِمَذْهَبِهِ لَا بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ فَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَإِنَّمَا وَلَّاهُ لِيَحْكُمَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَمْلِكُ الْمُخَالَفَةَ فَيَكُونُ مَعْزُولًا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ عِبَارَاتِ الْمَشَايِخِ قَدْ اخْتَلَفَتْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي مَا إذَا قَضَى الْمُقَلِّدُ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ مُوَافِقًا لِمَذْهَبٍ مُجْتَهِدٍ فَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مَعْزِيًّا إلَى شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا وَقَضَى بِالْفَتْوَى ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ نَفَذَ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ وَلَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ كَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَقَالَ الثَّانِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ أَيْضًا. اهـ.
وَهَكَذَا ذَكَرَ الْعِمَادِيُّ فِي الْفُصُولِ ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي إذَا قَضَى فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ يَرَى خِلَافَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ يَنْفُذُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا وَالصَّحِيحُ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ فِي بَعْضِهَا فِي نَفَاذِ الْقَضَاءِ وَفِي بَعْضِهَا فِي حِلِّ الْإِقْدَامِ عَلَى الْقَضَاءِ اهـ.
وَفِي عُمْدَةِ الْفَتَاوَى الْقَاضِي إذَا قَضَى بِقَوْلٍ مَرْجُوعٍ عَنْهُ جَازَ وَكَذَا لَوْ قَضَى فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ اهـ.
وَكَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ وَفِي مَآلِ الْفَتَاوَى قَضَى بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَنْفُذُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَنْفُذُ اهـ.
فَقَدْ تَحَرَّرَ أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُقَلِّدَ إذَا قَضَى بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ وَكَذَا إذَا قَضَى بِرِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ أَوْ بِقَوْلٍ ضَعِيفٍ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْقَوْلَ الضَّعِيفَ يَتَقَوَّى بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَمَا قَيَّدَهُ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الْمُجْتَهِدِ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ وَلِذَا قَالَ فِي الْقُنْيَةِ الْقَاضِي الْمُقَلِّدُ إذَا قَضَى بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ لَا يَنْفُذُ اهـ.
وَيُخَالِفُهُ مَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُهُ الشَّيْخُ عُمَرُ قَارِئُ الْهِدَايَةِ حِينَ سُئِلَ عَنْ وَقْفٍ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ رَجَعَ الْوَاقِفُ عَنْهُ وَوَقَفَهُ عَلَى جِهَةٍ أُخْرَى وَحَكَمَ بِهِ قَاضٍ حَنَفِيٌّ فَهَلْ يَصِحُّ الثَّانِي أَمْ الْأَوَّلُ أَجَابَ بِأَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الصَّحِيحُ وَإِنْ كَانَ الْفَتْوَى عَلَى خِلَافِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَكِنَّهُ تَأَيَّدَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَفِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ لَهُ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ فِي وَاقِعَةٍ بِحُكْمٍ بِخِلَافِ مَذْهَبِ مُقَلَّدِهِ بِفَتْحِ اللَّامِ يَعْنِي الْإِمَامَ الَّذِي يُقَلِّدُهُ وَهَذَا إذَا كَانَ الْقَاضِي مُقَلِّدًا وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ كَالْقُضَاةِ الْحَنَفِيَّةِ فِي زَمَانِنَا مَثَلًا هَلْ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ أَوْ لَا وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنْ كَانَ ذَاكِرًا لِمَذْهَبِهِ لَا يَجُوزُ وَإِلَّا جَازَ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا اهـ.
وَمِنْ الْعَجِيبِ أَنَّ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ قَيَّدَ الْخِلَافَ بِعَكْسِ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَقَالَ مَا نُقِلَ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ عَمْدًا وَقَعَ بَاطِلًا وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا عِنْدَهُ يَصِحُّ وَعِنْدَهُمَا لَا يَصِحُّ وَهَذَا إذَا كَانَ الْقَاضِي لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ قَضَاؤُهُ فِي الْحُكْمِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَكُونُ لِقَاضٍ آخَرَ أَنْ يُبْطِلَهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَفِي الْعَامِدِ رِوَايَتَانِ) كَأَنَّهُ اقْتَصَرَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ النَّفَاذِ فَحَكَى الْإِجْمَاعَ حَيْثُ قَالَ كَمَا نَقَلَهُ الرَّمْلِيُّ عِنْدَ ذِكْرِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْخِلَافَ فِيمَا إذَا قَضَى بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ وَقَدْ نَسِيَهُ، وَأَمَّا إذَا قَضَى بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ حَالَ ذِكْرِ مَذْهَبِهِ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ بِالْإِجْمَاعِ اهـ.
لَكِنْ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ نَقَلَ عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ فِي الْعَامِدِ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا قَالَ وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ عَلَى الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ وَالْوَجْهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ إلَخْ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ نَقَلَ هَذَا فِي الْبُرْهَانِ عَنْ الْكَمَالِ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا صَرِيحُ الْحَقِّ الَّذِي يُعَضُّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ (قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ عِبَارَاتِ الْمَشَايِخِ قَدْ اخْتَلَفَتْ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَمَا مَرَّ آنِفًا عَنْ الْفَتْحِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ كَوْنَهُ عَالِمًا بِالْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ وَفِي الْقُنْيَةِ الْقَاضِي الْمُقَلِّدُ إذَا قَضَى بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ لَا يَنْفُذُ وَادَّعَى فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْمُقَلِّدَ إذَا قَضَى بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ أَوْ بِرِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ أَوْ بِقَوْلٍ ضَعِيفٍ نَفَذَ وَأَقْوَى مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا وَقَضَى بِالْفَتْوَى إلَخْ وَمَا فِي الْفَتْحِ يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ وَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْهُمَا إذْ قُصَارَى الْأَمْرِ أَنَّ هَذَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ النَّاسِي لِمَذْهَبِهِ وَقَدْ مَرَّ عَنْهُمَا فِي الْمُجْتَهِدِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ فَالْمُقَلِّدُ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ يَعْنِي الْإِمَامَ الَّذِي يُقَلِّدُهُ) كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ الَّذِي يُقَلِّدُهُ هُوَ بِزِيَادَةِ الضَّمِيرِ الْعَائِدِ إلَى الْقَاضِي.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَذْهَبُ الْمُجْتَهِدِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ مَثَلًا لَا السُّلْطَانُ الْمُقَلِّدُ بِكَسْرِ اللَّامِ (قَوْلُهُ وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ قَيَّدَ الْخِلَافَ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ جَعَلَ الْخِلَافَ فِي نَفَاذِ قَضَائِهِ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ وَعَدَمُ نَفَاذِهِ فِي الْقَاضِي غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ عَكْسُ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ بِقَوْلِهِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ وَقَوْلُ الرَّمْلِيِّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ عَكْسُهُ وَكَذَا قَوْلُهُ وَمَا قَيَّدَهُ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَتَأَمَّلْ. اهـ. غَيْرُ ظَاهِرٍ.
ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَجِيهٌ فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا حَكَمَ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ عَمْدًا كَانَ ذَلِكَ رُجُوعًا عَنْ مَذْهَبِهِ الْأَوَّلِ لِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ وَوُجُوبِ اتِّبَاعِ مَا ظَهَرَ لَهُ ثَانِيًا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ خَالَفَهُ عَمْدًا يُحْمَلُ عَلَيْهِ لَا عَلَى أَنَّهُ نَسِيَ مَذْهَبَهُ وَحَكَمَ بِخِلَافِهِ إذَا الْأَصْلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْبَدَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عَلَى النِّسْيَانِ إلَخْ
стр. 2230
؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عَلَى النِّسْيَانِ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اجْتَهَدَ فَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى مَذْهَبِ خَصْمِهِ فَقَضَى بِهِ فَيَكُونُ قَضَاؤُهُ بِاجْتِهَادِهِ فَيَصِحُّ. اهـ.
بِلَفْظِهِ وَالْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا حَكَمَ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَوَهِّمًا أَنَّهُ عَلَى وَفْقِهِ بَاطِلٌ يَجِبُ نَقْضُهُ وَإِنْ وَافَقَ مُجْتَهِدًا فِيهِ وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِدًا مَذْهَبَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ وَهَذَا التَّفْصِيلُ مُتَعَيِّنٌ فِي حُكَّامِ زَمَانِنَا فَإِنَّهُمْ لَا يَعْتَمِدُونَ فِي أَحْكَامِهِمْ عَلَى الِاجْتِهَادِ لَا مُطْلَقًا وَلَا مُقَيَّدًا لِكَوْنِهِمْ مُقَلِّدِينَ فَإِذَا جَرَى مِنْهُمْ الْحُكْمُ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِمْ فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِكَوْنِهِ مِنْهُ خَطَأً فَيُنْقَضُ وَقَوْلُهُمْ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ مُعَلَّلٌ بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِمِثْلِهِ لَا مُطْلَقًا فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي مُتَوَهِّمًا أَنَّهُ مَذْهَبُهُ فَأَخْطَأَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فِيهِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَمْضَاهُ حَكَمَ بِمُقْتَضَاهُ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْمُرَادُ مِنْ الْحَاكِمِ الْقَاضِي وَالْمُرَادُ مِنْ الْإِمْضَاءِ إلْزَامُ الْحُكْمِ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ مِنْ خَصْمٍ عَلَى خَصْمٍ وَلِذَا قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يُثْبِتُوا حُكْمَ الْخَلِيفَةِ عِنْدَ الْأَصْلِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ دَعْوَى صَحِيحَةٍ عَلَى خَصْمٍ حَاضِرٍ وَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ كَمَا لَوْ أَرَادُوا إثْبَاتَ قَضَاءٍ آخَرَ اهـ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَرْفُوعَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي حَادِثَةٍ وَخُصُومَةٍ صَحِيحَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعِمَادِيُّ فِي الْفُصُولِ وَالْبَزَّازِيُّ فِي الْفَتَاوَى قَالَا وَهُنَا شَرْطٌ لِنَفَاذِ الْقَضَاءِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ حَادِثَةً تَجْرِي بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي مِنْ خَصْمٍ عَلَى خَصْمٍ حَتَّى لَوْ فَاتَ هَذَا الشَّرْطُ لَا يَنْفُذُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ فَتْوَى اهـ.
فَلَوْ رُفِعَ إلَى حَنَفِيٍّ قَضَاءُ مَالِكِيٍّ بِلَا دَعْوَى لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ وَيُحْكَمُ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ وَلَا بُدَّ فِي إمْضَاءِ الثَّانِي لِحُكْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الدَّعْوَى أَيْضًا كَمَا سَمِعْت وَلَا يُشْتَرَطُ إحْضَارُ شُهُودِ الْأَصْلِ بَلْ يَكْفِي عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَاضِي بَلْدَةٍ حَكَمَ عَلَى رَجُلٍ بِمَالٍ وَسَجَّلَ ثُمَّ مَاتَ الْقَاضِي وَأَحْضَرَ الْمُدَّعِي الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ وَبَرْهَنَ عَلَى قَضَاءِ الْأَوَّلِ أَجْبَرَهُ الثَّانِي عَلَى أَدَاءِ الْمَالِ إنْ كَانَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ صَحِيحًا وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّ قَاضِيًا مِنْ قُضَاةِ الْبَلَدِ قَضَى بِهَذَا الْمَالِ لَا يُحْكَمُ بِهِ وَفِي كُلِّ فِعْلٍ لَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ وَنَسَبِهِ فَإِنْ قَالَ الشُّهُودُ إنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ غَيْرُ عَدْلٍ لَا يُمْضِي الْقَاضِي الثَّانِي قَضَاءَهُ اهـ.
وَكَتَبْنَا فِي الْفَوَائِدِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا ارْتَابَ فِي حُكْمِ الْأَوَّلِ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ شُهُودَ الْأَصْلِ وَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ ظَهَرَ لَك أَنَّ التَّنَافِيذَ الْوَاقِعَةَ فِي زَمَانِنَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِصُدُورِهَا بِلَا دَعْوَى وَحَادِثَةٍ وَإِنَّمَا يُقِيمُ صَاحِبُ الْوَاقِعَةِ بَيِّنَةً يَشْهَدُونَ عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي فُلَانٍ لِيَكْتُبَ لَهُ الْقَاضِي الثَّانِي أَنَّهُ اتَّصَلَ بِهِ حُكْمَ الْأَوَّلِ وَنَفَذَهُ فَإِنْ قُلْتُ: الْقَاضِي إذَا قَضَى بِشَيْءٍ فِي حَادِثَةٍ بَعْدَ دَعْوَى هَلْ يَكُونُ قَضَاءً فِيمَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْقَاضِي.
قُلْتُ: لَا لِمَا فِي قَضَاءِ الْبَزَّازِيَّةِ فِي فَصْلِ فَسْخِ الْيَمِينِ الْمُضَافَةِ وَإِنْ زَوَّجَهُ رَجُلٌ امْرَأَةً بِلَا أَمْرِهِ وَأَجَازَ بِالْفِعْلِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ ثُمَّ تَرَافَعَا إلَى الْقَاضِي فَإِنْ أَعْلَمَهُ بِتَقَدُّمِ نِكَاحِ الْفُضُولِيِّ فَقَضَى بِالنِّكَاحِ صَحَّ وَيَكُونُ قَدْ قَضَى بِبُطْلَانِ الْيَمِينِ وَبِبُطْلَانِ نِكَاحِ الْفُضُولِيِّ وَبِبُطْلَانِ الثَّلَاثِ بَعْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِتَقَدُّمِ النِّكَاحِ يُعْلِمْهُ حَتَّى يَقْضِيَ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ وَيُقْصَدُ بِالْقَضَاءِ الْيَمِينُ الْمُضَافَةُ وَنِكَاحُ الْفُضُولِيِّ اهـ.
ثُمَّ قَالَ وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ الثَّانِي فِيمَنْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ لَا يَرَى الْوُقُوفَ فَرَفَعْته امْرَأَتُهُ إلَى قَاضٍ لَا يَرَى الْوُقُوعَ فَقَضَى بِصِحَّةِ النِّكَاحِ ثُمَّ تَحَوَّلَ رَأْيُ الرَّجُلِ إلَى الْوُقُوعِ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً أُخْرَى بَعْدَهَا فَإِنَّهُ يُمْسِكُ الْأُولَى وَيَعْمَلُ بِرَأْيِهِ الْحَادِثِ فِي الْحَادِثَةِ فَيُفَارِقُهَا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا قَضَى بِإِبْطَالِ الطَّلَاقِ فِي الْأُولَى بِالِاجْتِهَادِ فَنَفَذَ قَضَاؤُهُ فَبَعْدَ ذَلِكَ بِتَحَوُّلِ رَأْيِهِ لَا يَمْلِكُ نَقْضَ رَأْيِهِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْحَادِثَةُ فَيَثْبُتُ عَلَيْهَا الْحِلُّ الْآنَ وَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا حُكْمُ الْقَاضِي فَيَعْمَلُ بِرَأْيِهِ وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً بَعْدَ فَسْخٍ وَيَدَّعِي عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهَا زَوْجَتُهُ بِحُكْمِ الْفَسْخِ عَلَى امْرَأَةٍ أُخْرَى وَتَزْعُمُ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا عَلَيْهِ حَرَامٌ أَخْذًا بِمَذْهَبِ الثَّانِي فَيَتَرَافَعَانِ إلَى الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ فَيُحْكَمُ الْقَاضِي الْحَنَفِيُّ بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ بِمَذْهَبِ مُحَمَّدٍ اهـ.
فَقَدْ عَلِمْت مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا مِنْ الْمَسَائِلِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَقَوْلُهُمْ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يَجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا إذَا لَمْ يُقَيِّدْهُ السُّلْطَانُ بِمَذْهَبٍ أَمَّا إذَا قَيَّدَهُ بِمَذْهَبٍ كَمَا إذَا قَالَ لَهُ أَوْ كَتَبَ فِي مَنْشُورِهِ وَلَّيْتُك لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا صَحَّ أَوْ بِالصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مَثَلًا فَلَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ بِغَيْرِهِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْقَضَاءَ يَتَخَصَّصُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْحَوَادِثِ فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ (قَوْلُهُ وَكَتَبْنَا فِي الْفَوَائِدِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ إلَخْ) نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الْمُؤَلِّفِ ثُمَّ قَالَ وَلَمْ أَجِدْهُ لِغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ التَّنَافِيذَ الْوَاقِعَةَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَيَأْتِي أَيْضًا فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَأَمْضَى الْقَاضِي حُكْمَهُ. اهـ.
قُلْتُ: وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي الْبَحْثِ السَّادِسِ أَوَّلَ كِتَابِ الْقَضَاءِ (قَوْلُهُ فَقَضَى بِالنِّكَاحِ) أَيْ الثَّانِي (قَوْلُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً بَعْدَ فَسْخٍ) أَيْ بَعْدَ فَسْخِ الْيَمِينِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَإِذَا قَضَى شَافِعِيٌّ إلَخْ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ وَفِي الْقَاسِمِيَّةِ أَمَّا كَوْنُ الْحُكْمِ حَادِثَةً فَاحْتِرَازٌ عَمَّا لَمْ يَحْدُثْ بَعْدُ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِمُوجِبِ إجَارَةٍ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِالْفَسْخِ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَآجِرَيْنِ وَكَمَا لَوْ حَكَمَ بِمُوجِبِ بَيْعِ عَقَارٍ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِاسْتِحْقَاقِ شُفْعَةِ الْجِوَارِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ خُصُومَةٌ.
وَأَمَّا الْخُصُومَةُ الصَّحِيحَةُ فَهِيَ الدَّعْوَى الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى شَرَائِطِ الصِّحَّةِ اهـ.
وَذَكَرَ فِيهَا أَيْضًا أَنَّ اشْتِرَاطَ تَقَدُّمِ الدَّعْوَى وَالْحَادِثَةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ فِيهَا وَقَالَ الشَّيْخُ مُحِبُّ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ قَاضِي قُضَاةِ الْحَنَابِلَةِ فِي رِسَالَةٍ لَهُ، وَأَمَّا الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ بِفَتْحِ الْجِيمِ فَمَعْنَاهُ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الدَّعْوَى الثَّابِتَةِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ غَيْرِهَا هَذَا هُوَ مَعْنَى الْمُوجَبِ وَلَا مَعْنَى لَهُ غَيْرُهُ فَيُنْظَرُ فِي الدَّعْوَى فَإِنْ
стр. 2231
فَإِذَا قَضَى شَافِعِيٌّ بِصِحَّةِ بَيْعِ عَقَارٍ وَمُوجِبِهِ لَا يَكُونُ حُكْمًا مِنْهُ بِأَنْ لَا شُفْعَةَ لِلْجَارِ لِعَدَمِ حَادِثَتِهَا وَكَذَا إذَا قَضَى حَنَفِيٌّ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِأَنَّ الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ وَإِنْ كَانَتْ الشُّفْعَةُ مِنْ مَوَاجِبِهِ؛ لِأَنَّ حَادِثَتَهَا لَمْ تُوجَدْ وَقْتَ الْحُكْمِ وَلَا شُعُورَ لِلْقَاضِي بِهَا وَكَذَا إذَا قَضَى مَالِكِيٌّ بِصِحَّةِ التَّعْلِيقِ فِي الْيَمِينِ الْمُضَافَةِ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْفُضُولِيِّ الْمُجَازِ بِالْفِعْلِ لِعَدَمِهِ وَقْتَهُ فَافْهَمْ فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الزَّمَانِ عَنْهُ غَافِلُونَ وَشَرَطَ أَنْ لَا يُخَالِفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ فَإِنْ خَالَفَ وَاحِدًا مِنْهَا لَمْ يُمْضِهِ وَإِنَّمَا يَنْقُضُهُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ الصَّحِيحِ وَهُوَ خِلَافٌ لَا اخْتِلَافٌ وَمِثَالُ مَا خَالَفَ الْكِتَابَ الْقَضَاءُ بِحِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَامِلٌ لِذَبَائِح الْمُسْلِمِينَ كَالْمُشْرِكِينَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] لِلْعَطْفِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ لِلْحَالِ كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ فُسِّرَ بِهِ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلِذَا قَالَ فِي التَّحْرِيرِ إنَّ الْوَاوَ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَالًا فَتَكُونُ قَيْدًا لِلنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِمَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ الْمَيْتَةُ أَوْ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ الْفِسْقَ هُوَ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِثَالُ مَا خَالَفَ السُّنَّةَ أَيْ الْمَشْهُورَةَ الْقَضَاءُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَمِثَالُ الْقَضَاءِ الْمُخَالِفِ لِلْإِجْمَاعِ الْقَضَاءُ بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْإِجْمَاعِ مَا لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ يَسْتَنِدُ إلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَمِنْ الْغَرِيبِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَأَمَّا الْقَضَاءُ بِحِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا فَجَائِزٌ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ. اهـ.
وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْحِلَّ كَمَا فَهِمَهُ ابْنُ الْهُمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي عَدَمِ الْحِلِّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ عِنْدَنَا لِنَقْلِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ بِحَيْثُ شَدَّدُوا النَّكِيرَ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي الْقَوْلِ بِحِلِّهِ حَتَّى قَالَ الْأُصُولِيُّونَ إنَّهُ جَهْلٌ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا لِمُخَالَفَتِهِ الدَّلِيلَ الْقَطْعِيَّ وَقَدْ أَلَّفْت فِيهَا رِسَالَةً مُشْتَمِلَةً عَلَى بَيَانِ الدَّلَائِلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ الْمُعْتَبَرُ الِاخْتِلَافُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَهُمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَعَلَيْهِ فَرَّعَ الْخَصَّافُ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَنْقُضَ الْقَضَاءَ بِبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ لِمُخَالَفَتِهِ لِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ وَقَدْ حُكِيَ فِيهِ الْخِلَافُ عِنْدَنَا فَقِيلَ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَيَجُوزُ قَضَاؤُهُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ هَلْ يَرْفَعُ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ فَعِنْدَهُمَا لَا يَرْفَعُ وَعِنْدَهُ يَرْفَعُ وَفِي التَّقْوِيمِ لِأَبِي زَيْدٍ أَنَّ مُحَمَّدًا رَوَى عَنْهُمْ أَنَّ الْقَضَاءَ بِبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ وَتَفَرَّعَ عَلَى كَوْنِ الْخِلَافِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ شَرْطًا لِكَوْنِ الْمَحَلِّ اجْتِهَادِيًّا مَا قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُبْطِلَ مَا قَضَى بِهِ الْمَالِكِيُّ وَالشَّافِعِيُّ بِرَأْيِهِ وَفِي الْأَقْضِيَةِ وَأَصْحَابُنَا لَمْ
ــ
[منحة الخالق]
كَانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْعَقْدِ الْمُدَّعَى بِهِ كَانَ الْحُكْمُ بِمُوجِبِهَا حُكْمًا بِالصِّحَّةِ وَإِنْ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلَى مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْعَقْدِ الْمُدَّعَى بِهِ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ حُكْمًا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ حُكْمٌ عَلَى الْعَاقِدِ بِمَا ثَبَتَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَقْدِ لَا حُكْمَ بِالْعَقْدِ اهـ.
وَتَمَامُ ذَلِكَ فِي رِسَالَةِ الْمُؤَلِّفِ وَرَأَيْت فِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُوجَبَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَثَرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ وَهُوَ وَالْمُقْتَضَى مُخْتَلِفَانِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ اتِّحَادَهُمَا إذْ الْمُقْتَضَى لَا يَنْفَكُّ وَالْمُوجَبُ قَدْ يَنْفَكُّ فَالْأَوَّلُ كَانْتِقَالِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ وَالثَّانِي كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْمُوجَبُ أَعَمُّ أَيْ لِأَنَّهُ الْأَثَرُ اللَّازِمُ سَوَاءٌ كَانَ يَنْفَكُّ أَوْ لَا وَذَكَرَ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا صِحَّةُ الْعَقْدِ مَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْآثَارُ إذْ لَا يَصِحُّ الشَّيْءُ مَعَ تَخَلُّفِ آثَارِهِ عَنْهُ وَكَذَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ فَإِذَا حَكَمَ بِصِحَّةِ الشَّيْءِ فَقَدْ حَكَمَ بِتَرَتُّبِ آثَارِهِ عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ وَارِدٌ عَلَى الْآثَارِ نَصًّا وَمِنْهَا الصِّحَّةُ بِخِلَافِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْآثَارَ ضِمْنًا لَا صَرِيحًا فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ أَعْلَى لِتَنَاوُلِهِ جَمِيعَ الْآثَارِ؛ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ كُلَّ مُوجَبٍ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي عَدَمِ الْحِلِّ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَمِنْ الْغَرِيبِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لَا أَنَّهُ يُفِيدُ الْحِلَّ إلَخْ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ عَدَمَ الْخِلَافِ عِنْدَ نَافِي عَدَمِ الْحِلِّ قَبْلَ حُكْمِ حَاكِمٍ بِحِلِّهِ أَمَّا بَعْدَ حُكْمِ حَاكِمٍ يَرَاهُ فَفِيهِ خِلَافٌ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَهَذَا مُرَادُ صَاحِبِ الْفَتْحِ بِإِفَادَتِهِ الْحِلَّ فَإِنَّ مَا فِي الْخُلَاصَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَفَادَ الْقَضَاءَ بِهِ الْحِلَّ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ عِنْدَنَا) ذَكَرَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِهِ عَلَى التَّحْرِيرِ مَنْ بَحْثِ الْجَهْلِ آخَرَ الْكِتَابِ بَحْثًا فِي هَذَا الْمَحَلِّ جَيِّدًا حَيْثُ قَالَ قُلْتُ: ثُمَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ الْمُعَارِضُ لِمَدْلُولِ هَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ الْمَحْكُومُ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ حَتَّى أَنَّ الْقَضَاءَ بِهِ لَا يَنْفُذُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لِمَا كَانَ مِنْ الْكِتَابِ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ غَيْرَ مَنْسُوخٍ أَوْ مَا كَانَ مِنْ السُّنَّةِ كَذَلِكَ مُتَوَاتِرَ الثُّبُوتِ أَوْ مَا كَانَ مِنْ الْإِجْمَاعِ قَطْعِيَّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ لَكِنْ فِي صُدُورِ هَذَا مِنْ الْمُجْتَهِدِ بُعْدٌ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ اسْتِحْلَالَ مُخَالَفَةِ كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ كُفْرٌ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لِمَا كَانَ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ السُّنَّةُ قَطْعِيَّةَ الثُّبُوتِ أَوْ لَا وَمِنْ الْإِجْمَاعِ مَا كَانَ ظَنِّيَّ الثُّبُوتِ أَوْ الدَّلَالَةِ وَهَذَا فِي عَدَمِ نَفَاذِ الْحُكْمِ بِمُعَارِضِهِ مُطْلَقًا نَظَرٌ ظَاهِرٌ إلَى أَنْ قَالَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْقَضَاءَ بِحِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا وَبِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي يَنْفُذُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ وَبِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يَنْفُذُ مَا لَمْ يُمْضِهِ قَاضٍ آخَرُ
стр. 2232
يَعْتَبِرُوا خِلَافَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَإِنْ صَحَّ أَنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ مُجْتَهِدُونَ فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِ الْمَحَلِّ اجْتِهَادِيًّا وَإِلَّا فَلَا وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ أَهْلُ اجْتِهَادٍ وَرِفْعَةٍ.
وَلَقَدْ نَرَى فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ جَعْلَ الْمَسْأَلَةِ اجْتِهَادِيَّةً بِخِلَافٍ بَيْنَ الْمَشَايِخِ حَتَّى يَنْفُذَ الْقَضَاءُ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يُعْرَفْ الْخِلَافُ إلَّا بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ يُؤَيِّدُهُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّ الْأَبَ إذَا خَالَعَ الصَّغِيرَةَ عَلَى صَدَاقِهَا وَرَآهُ خَيْرًا لَهَا بِأَنْ كَانَتْ لَا تُحْسِنُ الْعِشْرَةَ مَعَ زَوْجِهَا فَإِنَّ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ يَصِحُّ وَيَزُولُ الصَّدَاقُ عَنْ مِلْكِهَا وَيَبْرَأُ الزَّوْجُ عَنْهُ فَإِذَا قَضَى بِهِ قَاضٍ نَفَذَ وَفِي حَيْضِ مِنْهَاجِ الشَّرِيعَةِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ طَلَّقَهَا فَمَضَى عَلَيْهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ لَمْ تُرَدَّ مَا فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا قَضَى بِذَلِكَ قَاضٍ يَنْبَغِي أَنْ يَنْفُذَ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ نُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يَجِبُ حِفْظُهَا فَإِنَّهَا كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ اهـ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَضَى فِي الْمَأْذُونِ فِي نَوْعٍ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَأْذُونًا فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا نَفَذَ اهـ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَهُمْ قَدْ اضْطَرَبَ فِي هَذَا الْبَابِ فَتَارَةً اعْتَبِرُوا خِلَافَهُمَا وَأُخْرَى لَمْ يَعْتَبِرُوهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُمْ إنَّمَا قَالُوا بِالنَّفَاذِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِأَجَلِ خِلَافٍ سَابِقٍ عَلَى مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لَا بِخِلَافِهِمَا خَاصَّةً ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ نَقَلَ أَوَّلًا عِبَارَةَ الْقُدُورِيِّ وَهِيَ وَإِذَا رَفَعَ إلَيْهِ حُكْمَ حَاكِمٍ أَمْضَاهُ إلَّا أَنْ يُخَالِفَ الْكِتَابَ أَوْ السُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ أَوْ يَكُونَ قَوْلًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَثَانِيًا مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ فَقَضَى بِهِ الْقَاضِي ثُمَّ جَاءَ قَاضٍ آخَرُ يَرَى غَيْرَ ذَلِكَ أَمْضَاهُ اهـ.
فَقَالَ الشَّارِحُونَ إنَّمَا ذَكَرَ عِبَارَةَ الْجَامِعِ بَعْدَ الْقُدُورِيِّ لِفَائِدَتَيْنِ لَيْسَتَا فِي الْقُدُورِيِّ إحْدَاهُمَا تَقْيِيدُهُ بِالْفُقَهَاءِ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْخِلَافِ لَا يَنْفُذُ وَالثَّانِيَةُ التَّقْيِيدُ بِكَوْنِ الْقَاضِي يَرَى غَيْرَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقُدُورِيَّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ رَأْيُهُ فِي ذَلِكَ مُوَافِقًا الْحُكْمَ الْأَوَّلَ أَمْضَاهُ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ لَا يُمْضِيهِ فَأَبَانَتْ رِوَايَةُ الْجَامِعِ أَنَّ الْإِمْضَاءَ عَامٌّ فِيمَا سِوَى الْمُسْتَثْنَيَاتِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ أَوْ لَا وَتَعَقَّبَهُمْ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي عِبَارَةِ الْجَامِعِ عَلَى كَوْنِهِ عَالِمًا بِالْخِلَافِ وَإِنَّمَا مُفَادُهُ أَنَّ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ الَّذِي اُخْتُلِفَ فِيهِ عَالِمًا بِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ أَوْ لَا فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ عَالِمًا ثُمَّ جَاءَ قَاضٍ آخَرُ يَرَى خِلَافَ ذَلِكَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ هَذَا أَمْضَاهُ فَرُبَّمَا يُفِيدُ أَنَّ الثَّانِيَ عَالِمٌ بِالْخِلَافِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْفَذُ وَالْكَلَامُ فِي الْقَاضِي الْأَوَّلِ الَّذِي يُنْفِذُ هَذَا حُكْمَهُ وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِالْخِلَافِ بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الدَّلَالَةِ نَعَمْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ التَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّهُ يُنْفِذُهُ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ رَأْيِهِ وَكَلَامُ الْقُدُورِيِّ يُفِيدُهُ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمُ حَاكِمٍ وَهُوَ أَعَمُّ يَنْتَظِمُ مَا إذَا كَانَ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ أَوْ مُوَافِقًا. اهـ.
وَأَقُولُ: لَمْ يَفْهَمُوا مُرَادَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ إنَّمَا ذَكَرَ عِبَارَةَ الْجَامِعِ بَعْدَ الْقُدُورِيِّ لِيُفِيدَ أَنَّ مَا فِي الْجَامِعِ لَا اسْتِثْنَاءَ فِيهِ بَلْ كُلُّ مَسْأَلَةٍ اخْتَلَفَتْ فِيهَا الْفُقَهَاءُ فَإِنَّهَا تَصِيرُ مَحَلَّ اجْتِهَادٍ فَإِنْ قَضَى قَاضٍ بِقَوْلٍ ارْتَفَعَ الْخِلَافُ، وَأَمَّا عِبَارَةُ الْقُدُورِيِّ فَاسْتِثْنَاءٌ كَمَا عَلِمْت وَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْفَتَاوَى مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا يَنْفُذُ فِيهَا قَضَاءُ الْقَاضِي لِمُخَالَفَةِ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مَشْهُورَةٍ أَوْ إجْمَاعٍ إنَّمَا هُوَ عَلَى عِبَارَةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَهُمْ قَدْ اضْطَرَبَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ بَعْدَ نَقْلِ مَا يَقْتَضِي الِاضْطِرَابَ فَظَهَرَ أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافَ مَشَايِخِنَا (قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ إلَخْ) مُكَرَّرٌ مَعَ مَا قَبْلَهُ نَعَمْ فِي هَذَا مَبْسُوطَةٌ عَلَى مَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا مُفَادُهُ أَنَّ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ إلَخْ) مَا الْمَوْصُولَةُ اسْمُ إنَّ وَاخْتَلَفَ صِلَةُ الْمَوْصُولِ وَقَوْلُهُ فَقَضَى مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ أَعَمُّ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِلتَّعْمِيمِ بِقَوْلِهِ عَالِمًا أَوْ لَا وَقَوْلُهُ ثُمَّ جَاءَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَضَى وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ هَذَا لِلْقَاضِي الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ أَمَضَاءٌ خَبَرُ إنَّ وَالضَّمِيرُ فِيهِ عَائِدٌ لِلْقَاضِي الْآخَرُ هَذَا وَقَدْ نَقَلَ فِي النَّهْرِ كَلَامَ الْفَتْحِ مُلَخَّصًا ثُمَّ قَالَ وَأَقَرَّهُ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ وَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ وَذَلِكَ أَنَّ الدَّاعِيَ لِحَمْلِ الْمَشَايِخِ كَلَامَ مُحَمَّدٍ عَلَى مَا مَرَّ أَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ عَالِمًا بِالِاخْتِلَافِ حَتَّى لَوْ قَضَى فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ وَلَا يُمْضِيهِ يَعْنِي الثَّانِيَ كَمَا فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي حَيْثُ قَالَ قَضَى فِي مُجْتَهَدٌ فِيهِ وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ لَا يَنْفُذُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ لَهُ مُدَبَّرُونَ عَتَقُوا بِمَوْتِهِ فَأَثْبَتَ رَجُلٌ دَيْنًا عَلَيْهِ فَبَاعَهُمْ الْقَاضِي عَلَى ظَنِّ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ وَقَضَى بِجَوَازِهِ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُمْ مُدَبَّرُونَ بَطَلَ قَضَاؤُهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ حَتَّى لَوْ عَلِمَ فَاجْتَهَدَ وَأَبْطَلَ التَّدْبِيرَ جَازَ اهـ.
فَقَوْلُهُ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ فَقَضَى بِهِ الْقَاضِي أَيْ بِمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ يَعْنِي عَالِمًا بِاخْتِلَافِهِمْ لِيَصِحَّ قَوْلُهُ أَمْضَاهُ إذْ قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ مَعَ غَيْرِ الْعِلْمِ لَا يُمْضِيهِ فَإِنْ قُلْتُ: فِي الْخُلَاصَةِ هَذَا الشَّرْطُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ لَكِنْ يُفْتَى بِخِلَافِهِ قُلْتُ: كَلَامُ مُحَمَّدٍ إنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ اهـ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ حَاصِلَ كَلَامِهِ أَنَّ الَّذِي أَفَادَ اشْتِرَاطَ الْعِلْمِ بِالْخِلَافِ هُوَ قَوْلُهُ أَمْضَاهُ وَذَلِكَ لَا يَدْفَعُ رَدَّ ابْنُ الْهُمَامِ عَلَى الشَّارِحِينَ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْفُقَهَاءِ نَعَمْ يُدْفَعُ تَعْمِيمُهُ بِقَوْلِهِ عَالِمًا أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّ كَلَامَ مُحَمَّدٍ مَبْنِيٌّ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لَا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَأَقُولُ: لَمْ يَفْهَمُوا مُرَادَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ إلَخْ) نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ وَأَقَرَّهُ وَعِبَارَةُ الْوَاقِعَاتِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَيْهِ فَجَزَاهُ اللَّهُ تَعَالَى خَيْرًا حَيْثُ حَقَّقَ الْمَقَامَ وَأَبَانَ الْمَرَامَ
стр. 2233
الْقُدُورِيِّ، وَأَمَّا عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ فَلَا وَعَلِمْت مِنْ هُنَا أَنَّ مَنْ قَالَ لَا اعْتِبَارَ بِخِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ اعْتَمَدَ قَوْلَ الْقُدُورِيِّ وَمَنْ قَالَ بِاعْتِبَارِ خِلَافِهِمَا اعْتَمَدَ مَا فِي الْجَامِعِ وَهَذَا لَمْ أُسْبَقْ إلَيْهِ وَإِنَّمَا رَأَيْت فِي الْوَاقِعَاتِ الْحُسَامِيَّةِ مَا يُفِيدُهُ قَالَ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ فَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ جَازَ قَضَاؤُهُ وَلَمْ يَكُنْ لِقَاضٍ آخَرَ أَنْ يُبْطِلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الِاخْتِلَافَ وَبِهِ نَأْخُذُ.
قُلْتُ: هَذَا خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي الْمَنْسُوبُ إلَى الْخَصَّافِ أَنَّ الْقَضَاءَ فِي مَوْضِعِ الِاخْتِلَافِ يَجُوزُ وَفِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ لَا يَجُوزُ أَرَادَ بِالْأَوَّلِ مَا كَانَ فِيهِ خِلَافٌ مُعْتَبَرٌ كَالْخِلَافِ بَيْنَ السَّلَفِ وَأَرَادَ بِمَوْضِعِ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا وَلَمْ يَعْتَبِرْ بِخِلَافِ الشَّافِعِيِّ قَالَ أُسْتَاذُنَا الْفَتْوَى عَلَى تَفَاصِيلِ أَدَبِ الْقَاضِي اهـ. فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَزَالَتْ اللَّبْسَ وَأَوْضَحَتْ كُلَّ تَخْمِينٍ وَحَدْسٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ وَتَفَاصِيلُ الْخَصَّافِ فَلِهَذَا السِّرِّ أَوْرَدَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مَا فِي الْجَامِعِ بَعْدَ الْقُدُورِيِّ فَالْآنَ نَذْكُرُ الْمَوَاضِعَ الَّتِي نَصَّ أَهْلُ الْمَذْهَبِ عَلَى مَسَائِلَ لَا يَنْفُذُ الْقَضَاءُ فِيهَا أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْخَصَّافِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي الْفَوَائِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَلَا بَأْسَ بِسَرْدِهَا تَكْمِيلًا لِلْفَائِدَةِ هُنَا قَضَى بِبُطْلَانِ الدَّعْوَى بِمُضِيِّ سِنِينَ أَوْ فَرَّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لِعَجْزِهِ عَنْ النَّفَقَةِ حَالَ غَيْبَتِهِ أَوْ حَكَمَ بِصِحَّةِ نِكَاحِ مَزْنِيَّةِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ أَوْ بِصِحَّةِ نِكَاحِ أُمِّ مَزْنِيَّتِهِ أَوْ بِنْتِهَا أَوْ بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ أَوْ بِسُقُوطِ الْمَهْرِ بِلَا بَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَخْذًا بِقَوْلِ الْبَعْضِ إنْ قَدَّمَ النِّكَاحَ يُوجِبُ سُقُوطَ الْمَهْرِ أَوْ بِعَدَمِ تَأْجِيلِ الْعِنِّينِ أَوْ بِعَدَمِ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ بِلَا رِضَاهَا أَوْ بِعَدَمِ وُقُوعِ الثَّلَاثِ عَلَى الْحَامِلِ أَوْ بِعَدَمِ وُقُوعِ الثَّلَاثِ عَلَى غَيْرِ الْمَدْخُولَةِ أَوْ بِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ أَوْ بِنِصْفِ الْجِهَازِ لِمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا بَعْدَ قَبْضِ الْمَهْرِ وَالتَّجْهِيزِ أَوْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ أَبِيهِ أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ أَوْ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَتَيْنِ أَوْ بِمَا فِي دِيوَانِهِ وَقَدْ نَسِيَ وَبِشَهَادَةِ شَاهِدٍ عَلَى صَكٍّ لَمْ يَذْكُرْ مَا فِيهِ إلَّا أَنَّهُ يَعْرِفُ خَطَّهُ وَخَاتَمَهُ أَوْ بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَى قَضِيَّةٍ مَخْتُومَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُقْرَأَ عَلَيْهِ وَبِقَضَاءِ الْمَرْأَةِ فِي حَدٍّ وَقَوَدٍ وَبِقَضَاءِ عَبْدٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ فِي قَسَامَةٍ بِقَتْلٍ.
أَوْ فَرَّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِشَهَادَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الرَّضَاعِ أَوْ قَضَى لِوَلَدِهِ بِشَهَادَةِ الْأَجَانِبِ أَوْ حَكَمَ بِالْحَجْرِ عَلَى مُفْسِدٍ مُسْتَحَقٍّ لَهُ أَوْ بِصِحَّةِ بَيْعِ نَصِيبِ السَّاكِتِ مِنْ قِنٍّ حَرَّرَهُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مُعْسِرًا وَبِجَوَازِ بَيْعِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا أَوْ بِجَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ أَوْ بِبُطْلَانِ عَفْوِ الْمَرْأَةِ عَنْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ أَوْ بِسُقُوطِ الْمَهْرِ) صُورَتُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَتَى لَمْ تُخَاصِمْ زَوْجَهَا فِي الْمَفْرُوضِ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ ثُمَّ خَاصَمَتْهُ يَبْطُلُ حَقُّهَا فِي الصَّدَاقِ وَالْقَاضِي لَا يَلْتَفِتُ إلَى خُصُومَتِهَا شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ (قَوْلُهُ أَوْ بِعَدَمِ وُقُوعِ الثَّلَاثِ عَلَى غَيْرِ الْمَدْخُولَةِ) قَالَ فِي الْمِنَحِ بَعْدَ هَذَا أَوْ بِعَدَمِ وُقُوعِ طَلَاقِ الْحَائِضِ أَوْ بِعَدَمِ وُقُوعِ الزَّائِدِ عَلَى الْوَاحِدِ أَوْ بِعَدَمِ وُقُوعِ الثَّلَاثِ بِكَلِمَةٍ أَوْ بِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ إلَخْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا سَقَطٌ مِنْ النَّاسِخِ وَعِبَارَةُ شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ أَوْضَحُ وَهِيَ قَوْلُهُ قَالَ: وَكَذَلِكَ رَجُلٌ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا وَهِيَ حُبْلَى أَوْ حَائِضٌ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَقَضَى قَاضٍ بِإِبْطَالِ ذَلِكَ أَوْ أَبْطَلَ بَعْضَهُ فَرَفَعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَا يَرَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ قَضَاءُ الْقَاضِي بِذَلِكَ وَيَنْفُذُ عَلَى الزَّوْجِ مَا كَانَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الزَّيْغِ إذَا أَوْقَعَ الثَّلَاثَ وَهِيَ حُبْلَى أَوْ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ لَا يَقَعُ أَصْلًا وَعَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إذَا أَوْقَعَ الثَّلَاثَ تَقَعُ وَاحِدَةً لَكِنْ كِلَا الْقَوْلَيْنِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] الْآيَةَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ: وَالْمُرَادُ مِنْهُ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ فَمَنْ قَالَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ أَوْ تَقَعُ وَاحِدَةً فَقَدْ أَثْبَتَ الْحِلَّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ بِدُونِ الزَّوْجِ الثَّانِي وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي لَا يَنْفُذُ فَإِذَا رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يُبْطِلَهُ. اهـ.
أَقُولُ: وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَا ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الْمَنْسُوبَةِ إلَى ابْنِ كَمَالٍ بَاشَا مِنْ وُقُوعِ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ حُبْلَى أَوْ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا بَاطِلٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَتَنَبَّهْ.
(قَوْلُهُ أَوْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ أَبِيهِ) صُورَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا مَاتَ فَوَجَدَ ابْنُهُ خَطَّ أَبِيهِ فِي صَكٍّ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُ خَطُّ أَبِيهِ يَشْهَدُ بِذَلِكَ الصَّكِّ؛ لِأَنَّ الِابْنَ خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ شَرْحُ أَدَبِ الْقَضَاءِ (قَوْلُهُ أَوْ فِي قَسَامَةٍ بِقَتْلٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ قَضَى بِمَا فِيهِ الْقَسَامَةُ بِالْقَتْلِ. اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ حَكَمَ بِالْحَجْرِ عَلَى مُفْسِدٍ) قَالَ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ وَلَوْ أَنَّ قَاضِيًا حَجَرَ عَلَى رَجُلٍ فَاسِدٍ يَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ فَجَاءَ قَاضٍ آخَرُ فَأَطْلَقَ حَجْرَهُ وَأَجَازَ مَا صَنَعَ كَانَ إطْلَاقُهُ جَائِزًا وَمَا صَنَعَ فِي مَالِهِ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ بَيْعٍ قَبْلَ إطْلَاقِهِ وَبَعْدَ إطْلَاقِهِ عَنْهُ جَازَ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِقَضَاءٍ لِعَدَمِ الْمَقْضِيِّ لَهُ وَالْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بَلْ فَتْوَى مِنْهُ فَكَانَ لِلثَّانِي أَنْ لَا يَعْمَلَ بِهِ فَيُطْلَقَ وَالثَّانِي إنْ كَانَ قَضَاءً فَنَفْسُ الْقَضَاءِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَلَا يَكُونُ حَجْرًا مِنْهُ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ إنْ أَمْضَاهُ نَفَذَ وَصَارَ الْقَاضِي الثَّانِي بَيَانًا فِي مَحَلٍّ مُجْتَهَدٍ وَالْبَيَانُ مِنْ الثَّانِي فِي مَحَلٍّ مُجْتَهَدٍ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْقَضَاءِ فِي مَحَلٍّ مُجْتَهَدٍ وَلَوْ قَضَى فِي مَحَلٍّ مُجْتَهَدٍ فِيهِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَلَا يَكُونُ لِلثَّانِي أَنْ يَرُدَّهُ فَكَذَا إذَا بَيَّنَ الثَّانِيَ لَا يَكُونُ لِلثَّالِثِ أَنْ يَرُدَّهُ فَإِذَا رَدَّ الْقَاضِي الثَّانِي الْقَضَاءَ الْأَوَّلَ بَطَلَ فَلَا يَكُونُ لِلثَّالِثِ أَنْ يُنَفِّذَهُ وَصَارَ هَذَا نَظِيرَ الْقَاضِي إذَا قَضَى فِي حَادِثَةٍ وَهُوَ مَحْدُودٌ فِي قَذْفٍ فَإِنَّ هَذَا الْقَضَاءَ لَا يَكُونُ حُجَّةً حَتَّى يَتَّصِلَ بِهِ الْإِمْضَاءُ مِنْ الْقَاضِي الثَّانِي اهـ.
وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا لَا يَنْفُذُ الْقَضَاءُ فِيهِ وَالْقَضَاءُ بِالْحَجْرِ لَا يَنْفُذُ كَمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ فَتْوَى لَكِنْ لَوْ نَفَّذَهُ قَاضٍ آخَرُ نَفَذَ
стр. 2234
الْقَوَدِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ إنَّهُ لَا حَقَّ لَهُنَّ فِيهِ أَوْ بِصِحَّةِ ضَمَانِ الْخَلَاصِ وَأَلْزَمَهُ تَسْلِيمَ الدَّارِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ بِالزِّيَادَةِ فِي مَعْلُومِ الْإِمَامِ مِنْ أَوْقَافِ الْمَسْجِدِ أَوْ بِحِلِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْمُحَلِّلِ بِلَا دُخُولٍ عَمَلًا بِقَوْلِ سَعِيدٍ أَوْ بِعَدَمِ تَمَلُّكِ الْكُفَّارِ مَالَ الْمُسْلِمِ الْمُحْرَزِ بِدَرَاهِم أَوْ بِجَوَازِ بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَوْ بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْمُحْدِثِ أَوْ بِالْقَسَامَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِتَلَفِ الْمَالِ قِيَاسًا عَلَى النَّفْسِ أَوْ بِحَدِّ الْقَذْفِ بِحُكْمِ التَّعْرِيضِ أَوْ بِقُرْعَةٍ فِي رَقِيقٍ أَعْتَقَ الْمَيِّتُ مِنْهُمْ وَاحِدًا أَوْ بِعَدَمِ جَوَازِ تَصَرُّفِ الْمَرْأَةِ فِي مَالِهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ مَنْقُولَةٌ مِنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَجَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَالْخَانِيَّةِ وَالْقُنْيَةِ وَالصَّيْرَفِيَّةِ وَفِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ لِلْأَسْيُوطِيِّ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى السُّبْكِيّ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي يُنْقَضُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إذَا كَانَ حُكْمًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ قَالَ وَمَا خَالَفَ شَرْطَ الْوَاقِفِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَهُوَ حُكْمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ نَصُّهُ فِي الْوَقْفِ نَصًّا أَوْ ظَاهِرًا. اهـ.
وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ مَشَايِخِنَا كَغَيْرِهِمْ شَرْطُ الْوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّارِعِ فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَقْضِيِّ بِهِ أَمَّا إذَا كَانَ فِي نَفْسِ الْقَضَاءِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ لَا يَنْفُذُ ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ لَا يُوجَدُ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَإِذَا قَضَى فَحِينَئِذٍ يُوجَدُ مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ وَالِاجْتِهَادِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ آخَرَ يُرَجِّحُ أَحَدَهُمَا وَذَلِكَ مِثْلُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ وَلِلْغَائِبِ وَقَضَاءِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ وَشَهَادَتِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ بَابِ الْمَفْقُودِ إذَا رَأَى الْقَاضِي الْمَصْلَحَةَ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ أَوْ لَهُ فَحَكَمَ فَإِنَّهُ لَا يَنْفُذُ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفُذَ حَتَّى يُمْضِيَهُ قَاضٍ آخَرُ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَضَاءِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ كَمَا لَوْ كَانَ الْقَاضِي مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ فَإِنَّ نَفَاذَ قَضَائِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى أَنْ يُمْضِيَهُ قَاضٍ آخَرُ أُجِيبَ بِمَنْعِ أَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ بَلْ الْمُجْتَهِدُ سَبَبُهُ وَهُوَ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ هَلْ تَكُونُ حُجَّةً لِلْقَضَاءِ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ حَاضِرٍ أَمْ لَا فَإِذَا قَضَى بِهَا نَفَذَ كَمَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي قَذْفٍ وَفِي الْخُلَاصَةِ الْفَتْوَى عَلَى هَذَا. اهـ.
فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَا يَقْضِي عَلَى غَائِبٍ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أَنَّ نَفَاذَ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ مَوْقُوفٌ عَلَى تَنْفِيذِ قَاضٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَضَاءِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ. اهـ.
وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ قَرِيبًا وَفِي الْإِصْلَاحِ وَيَمْضِي حُكْمُ قَاضٍ قَالَ فِي الْإِيضَاحِ لَمْ يَقُلْ حَاكِمٌ احْتِرَازًا عَنْ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ غَيْرُ هَذَا وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَوْلِهِ آخَرُ لِيَعُمَّ حُكْمَ نَفْسِهِ قَبْلَ ذَلِكَ اهـ.
(قَوْلُهُ وَيَنْفُذُ الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لَا فِي الْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ) أَيْ الْمُطْلَقَةِ وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ لَهَا سَبَبٌ مُعَيَّنٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا لَا يَنْفُذُ إلَّا ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الزُّورِ حُجَّةٌ ظَاهِرًا فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ غَيْرَ أَهْلٍ لَهَا وَلَهُ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ شَاهِدَاك زَوْجَاك وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَوْ لَمْ يَنْفُذْ بَاطِنًا كَانَ تَمْهِيدًا لَهَا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَمَّا الِاسْتِشْهَادُ بِتَفْرِيقِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ اهـ.
يَعْنِي: بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْكَذِبَ لَيْسَ هُوَ فِي الْإِخْبَارِ بِالْفُرْقَةِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الرَّمْيِ بِالزِّنَا أَوْ نَفْيِ الْوَلَدِ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ النِّكَاحِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ الْوَجْهُ وَمِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا وَهِيَ جَاحِدَةٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةَ زُورٍ فَقَضَى بِالنِّكَاحِ بَيْنَهُمَا حَلَّ لِلْمُدَّعِي وَطْؤُهَا وَلَهَا التَّمْكِينُ عِنْدَهُ.
وَكَذَا إذَا ادَّعَتْ نِكَاحًا عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَجْحَدُ وَمِنْهَا قَضَى بِبَيْعِ أَمَةٍ بِشَهَادَةِ زُورٍ حَلَّ لِلْمُنْكِرِ وَطْؤُهَا وَكَذَا فِي الْفُسُوخِ بِالْبَيْعِ وَالْإِقَالَةِ وَمِنْهَا ادَّعَتْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَهُوَ يُنْكِرُ وَأَقَامَتْ بَيِّنَةَ زُورٍ فَقَضَى بِالْفُرْقَةِ فَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ بَعْدَ الْعِدَّةِ حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ عَلِمَ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ وَحَلَّ لِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ أَوْ بِصِحَّةِ ضَمَانِ الْخَلَاصِ) يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَبِيعُ دَارِهِ مِنْ إنْسَانٍ وَيَضْمَنُ لَهُ الْخَلَاصَ أَوْ غَيْرُ الْبَائِعِ يَضْمَنُ لَهُ الْخَلَاصَ وَتَفْسِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ جَاءَ مُسْتَحِقٌّ وَاسْتَحَقَّهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْخَلَاصِ يَسْتَخْلِصُ الدَّارَ مِنْ يَدِ الْمُسْتَحِقِّ إمَّا شِرَاءً أَوْ هِبَةً أَوْ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَإِذَا ضَمِنَ كَذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ فَرَفَعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى ذَلِكَ الضَّمَانَ صَحِيحًا فَقَضَى عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِ الدَّارِ ثُمَّ رَفَعَ إلَى آخَرَ لَا يَرَاهُ فَإِنَّهُ يُبْطِلُهُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ وَهَذَا التَّفْسِيرُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتِيَارُ الْخَصَّافِ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَهُوَ وَالْعُهْدَةُ وَالدَّرْكُ وَاحِدٌ وَهُوَ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ (قَوْلُهُ أَوْ بِحَدٍّ بِحُكْمِ التَّعْرِيضِ) كَقَوْلِهِ لِآخَرَ أَمَّا أَنَا فَلَسْت بِزَانٍ (قَوْلُهُ لِيَعُمَّ حُكْمَ نَفْسِهِ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ الْحُكْمَ الصَّادِرَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَفِي الْفَوَاكِهِ الْبَدْرِيَّةِ خِلَافُهُ حَيْثُ قَالَ فَإِنْ قِيلَ هَلْ يَجُوزُ لِلْقَاضِي الْأَوَّلِ أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ الصَّادِرِ مِنْهُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ أَوْ الطَّرِيقِ الْوَاقِعَةِ عِنْدَهُ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا وَيَكُونُ هَذَا رَافِعًا لِلْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَلَا يُحْتَاجُ فِي نُفُوذِهِ عَلَى الْمُخَالِفِ إلَى قَاضٍ آخَرَ مُوَافِقٍ لِلْقَاضِي الْأَوَّلِ فِي الْمَذْهَبِ أَمْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ شَرْعًا إذْ الْقَاضِي لَا يَقْضِي لِنَفْسِهِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا بُدَّ فِي نُفُوذِهِ عَلَى الْمُخَالِفِ مِنْ إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ مُوَافِقٍ لِمَذْهَبِهِ إلَى آخِرِ مَا قَرَّرَهُ فَتَأَمَّلْ.
[الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ]
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَيَنْفُذُ الْقَضَاءُ) انْتَهَتْ إلَى هُنَا كِتَابَةُ النَّهْرِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْمُسْتَعَانِ عَلَى كُلِّ أَمْرٍ وَنَسْأَلُهُ التَّيْسِيرَ لِكُلِّ عَسِيرٍ
стр. 2235
وَيَطَأَهَا وَلَا يَحِلُّ لِلْأَوَّلِ وَطْؤُهَا وَلَا يَحِلُّ لَهَا تَمْكِينُهُ وَمِنْ صُوَرِ التَّحْرِيمِ صَبِيٌّ وَصَبِيَّةٌ سُبِيَا فَكَبِرَا وَأُعْتِقَا ثُمَّ تَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا بِالْآخِرِ فَجَاءَ حَرْبِيٌّ مُسْلِمًا وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُمَا وَلَدَاهُ قَضَى الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِالْفُرْقَةِ فَإِنْ رَجَعَ الشُّهُودُ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ شُهُودُ زُورٍ لَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْحُرْمَةِ نَفَذَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَمُحَمَّدٌ فِي هَذَا الْفَرْعِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ كَذِبِ الشُّهُودِ.
كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَأَثِمَ الشَّاهِدَانِ إثْمًا عَظِيمًا وَلِلنَّفَاذِ بَاطِنًا عِنْدَهُ شَرْطَانِ الْأَوَّلُ عَدَمُ عِلْمِ الْقَاضِي بِكَذِبِهِمْ فَلَوْ عَلِمَ الْقَاضِي كَذِبَ الشُّهُودِ لَمْ يَنْفُذْ ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ النِّكَاحِ الثَّانِي كَوْنُ الْمَحَلِّ قَابِلًا فَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَحْتَ زَوْجٍ أَوْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً أَوْ مُرْتَدَّةً أَوْ مُحَرَّمَةً بِمُصَاهَرَةٍ أَوْ بِرَضَاعٍ لَمْ يَنْفُذْ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْإِنْشَاءَ وَإِنَّمَا لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ الشُّهُودِ لِلنِّكَاحِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِقَاضِي خَانْ وَلَمْ يَشْتَرِطْ مُحَمَّدٌ حُضُورَ الشُّهُودِ وَذَكَرَ الزَّعْفَرَانِيُّ أَنَّهُ شَرْطٌ وَبِهِ أَخَذَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ. اهـ.
فَالْمُعْتَمَدُ الِاشْتِرَاطُ وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِهِ وَهُوَ أَوْجَهُ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ النِّكَاحِ فَوَجْهُهُ أَنَّا نَجْعَلُ حُكْمَ الْحَاكِمِ إنْشَاءَ مُقْتَضٍ فِي ضِمْنِ صِحَّةِ الْقَضَاءِ وَالثَّابِتُ اقْتِضَاءً لَا تُرَاعَى فِيهِ شَرَائِطُهُ وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ قَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ وَبَدَلِ الصَّرْفِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ قُيِّدَ بِشَهَادَةِ الزُّورِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى بِشَهَادَتِهِمْ فَظَهَرَ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ أَوْ كُفَّارٌ أَوْ مَحْدُودُونَ فِي قَذْفٍ لَمْ يَنْفُذْ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ أَصْلًا بِخِلَافِ الْفُسَّاقِ عَلَى مَا عُرِفَ وَلِإِمْكَانِ الْوُقُوفِ عَلَيْهِمْ فَلَمْ تَكُنْ شَهَادَتُهُمْ حُجَّةً.
وَقَيَّدَ بِالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ لَا يَنْفُذُ قَالُوا لَوْ ادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا أَبَانَهَا بِثَلَاثٍ فَأَنْكَرَ فَحَلَّفَهُ الْقَاضِي فَحَلَفَ وَالْمَرْأَةُ تَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَتْ لَا يَسَعُهَا الْإِقَامَةُ مَعَهُ وَلَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْئًا وَهَذَا لَا يُشْكِلُ إذَا كَانَ ثَلَاثًا لِبُطْلَانِ الْمَحَلِّيَّةِ لِلْإِنْشَاءِ قَبْلَ زَوْجٍ آخَرَ وَفِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ الْإِنْشَاءَ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا قَضَى الْقَاضِي بِالنِّكَاحِ وَهُنَا لَمْ يَقْضِ بِهِ لِاعْتِرَافِهِمَا بِهِ وَإِنَّمَا ادَّعَتْ الْفُرْقَةَ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا إجْمَاعًا وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قَبِيلَ الْإِيمَانِ سَمِعَتْ بِطَلَاقِ زَوْجِهَا إيَّاهَا ثَلَاثًا وَلَا تَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ إلَّا بِقَتْلِهِ إنْ عَلِمْت أَنَّهُ يَقْرَبُهَا تَقْتُلُهُ بِالدَّوَاءِ وَلَا تَقْتُلُ نَفْسَهَا وَذَكَرَ الْأُوزْجَنْدِيُّ أَنَّهَا تَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَيِّنَةٌ تُحَلِّفُهُ فَإِنْ حَلَفَ فَالْإِثْمُ عَلَيْهِ وَإِنْ قَتَلَتْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَالْبَائِنُ كَالثَّلَاثِ. اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي الْعُقُودِ فَشَمِلَ عُقُودَ التَّبَرُّعَاتِ قَالُوا وَفِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ رِوَايَتَانِ وَكَذَا فِي الْبَيْعِ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ فِي رِوَايَةٍ لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَ التَّبَرُّعَاتِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَالْبَيْعُ بِالْأَقَلِّ تَبَرُّعٌ مِنْ وَجْهٍ وَإِطْلَاقُ الْكِتَابِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُعْتَمَدَ النَّفَاذُ فِيهَا بَاطِنًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ النَّفَاذَ فِي ضِمْنِ صِحَّةِ الْقَضَاءِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَرَائِطُهُ وَلَا يَخْتَصُّ بِمَحَلٍّ وَالْبَيْعُ بِالْأَقَلِّ يَمْلِكُهُ مَنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ كَالْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَفِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ أَرَادَ بِالْفَسْخِ إبْطَالَ الْعُقُودِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَيَعُمُّ الطَّلَاقَ اهـ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ وَإِنَّمَا يَرْفَعُ الْقَيْدَ الثَّابِتَ بِالنِّكَاحِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِالْفَسْخِ مَا يَرْفَعُ حُكْمَ الْعَقْدِ فَيَشْمَلُ الطَّلَاقَ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْقُنْيَةِ ادَّعَى عَلَيْهِ جَارِيَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِكَذَا فَأَنْكَرَ فَحَلَفَ فَنَكَلَ فَقَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ تَحِلُّ الْجَارِيَةُ لِلْمُدَّعِي دِيَانَةً وَقَضَاءً كَمَا فِي شَهَادَةِ الزُّورِ اهـ.
فَعَلَى هَذَا الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ كَالْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ وَظَاهِرٌ اقْتِصَارُهُ عَلَى نَفْيِ الْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا فِي النَّسَبِ وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ يَنْفُذُ فِيهِ وَصَرَّحَ بِهِ الْوَلْوَالِجِيُّ فَقَالَ إذَا شَهِدُوا زُورًا أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ أَمَتَهُ بِنْتٌ لَهُ فَجَعَلَهَا الْقَاضِي بِنْتًا لَهُ تَثْبُتُ جَمِيعُ أَحْكَامِ الْبِنْتِيَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأهَا وَتَرِثُ مِنْهُ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بِالنَّسَبِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ هَلْ يَنْفُذُ بَاطِنًا فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ الْقَضَاءُ بِالنَّسَبِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا بِالْإِجْمَاعِ وَنَصَّ الْخَصَّافُ عَلَى أَنَّهُ يَنْفُذُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَفِي النَّسَبِ وَالْهِبَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ وَكَانَ هَذَا حِيلَةً لِمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ أَنْ يُثْبِتَ النَّسَبَ مِنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يَدَّعِيَ شَخْصًا مَجْهُولَ النَّسَبِ أَنَّهُ ابْنُهُ أَوْ ابْنَتُهُ وَيُقِيمُ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدَيْ زُورٍ فَيَقْضِي الْقَاضِي
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2236
بِالنَّسَبِ لَهُ اهـ.
مَا فِي الْمُحِيطِ وَفِيهِ وَالشَّهَادَةُ بِعِتْقِ الْأَمَةِ كَالشَّهَادَةِ بِطَلَاقِ الْمَرْأَةِ اهـ.
قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الشَّهَادَةُ بِالْوَقْفِ كَالْعِتْقِ وَلَمْ أَرَ نَقْلًا فِي الشَّهَادَةِ بِأَنَّ الْوَقْفَ مِلْكٌ أَوْ بِتَزْوِيرِ شَرَائِطِ الْوَقْفِ أَوْ بِأَنَّ الْوَاقِفَ أَخْرَجَ فُلَانًا وَأَدْخَلَ فُلَانًا زُورًا إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَضَاءُ وَظَاهِرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ مَا عَدَا الْأَمْلَاكَ الْمُرْسَلَةَ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ بَاطِنًا حَيْثُ قَالَ وَكُلُّ شَيْءٍ قَضَى بِهِ الْقَاضِي إلَى آخِرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ يَشْمَلُ الْقَصْدِيَّ وَالضِّمْنِيَّ خُصُوصًا إذَا قُلْنَا بِأَنَّ الْوَقْفَ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْقَاطِ فَهُوَ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَعَلَى هَذَا فَاللَّقَبُ لَيْسَ بِعَامٍّ لِخُرُوجِ النَّسَبِ عَنْ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ مَعَ أَنَّ فِي دُخُولِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ تَحْتَ الْفَسْخِ إشْكَالًا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُقَابِلُ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَنْقُصُ الْعَدَدَ وَالطَّلَاقُ يَنْقُصُهُ وَقَدَّمْنَا مَا فِي الْإِيضَاحِ وَقَوْلُهُمْ إنَّ الْمَسْأَلَةَ مُلَقَّبَةٌ بِالْقَضَاءِ بِالْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَنْظُرَ فِيهِ إلَى الْمَعْنَى لِكَوْنِهِ عَلَمًا فِيهِ وَلَوْ حَذَفَ الْأَمْلَاكَ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ مَا إذَا شَهِدُوا بِزُورٍ بِدَيْنٍ لَمْ يُبَيِّنُوا سَبَبَهُ فَإِنَّهُ لَا يَنْفُذُ وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ بَاطِنًا فِي الْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ لَمْ يَحِلَّ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ الْوَطْءُ وَالْأَكْلُ وَاللُّبْسُ وَحَلَّ لَلْمَقْضِيّ عَلَيْهِ لَكِنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ سِرًّا؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ جَهْرًا فَسَّقَهُ النَّاسُ أَوْ عَزَّرُوهُ كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِرْثَ حُكْمُهُ حُكْمِ الْأَمْلَاكِ الْمُطْلَقَةِ فَلَا يَنْفُذُ الْقَضَاءُ بِالشُّهُودِ زُورًا فِيهِ بَاطِنًا اتِّفَاقًا وَإِنْ كَانَ مِلْكًا بِسَبَبٍ وَسَيَأْتِي الِاخْتِلَافُ فِي بَابِ اخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ فِي أَنَّ الْإِرْثَ مُطْلَقٌ أَوْ بِسَبَبٍ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مُطْلَقٌ وَاخْتَارَ فِي الْكَنْزِ أَنَّهُ بِسَبَبٍ وَلِذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ فِي الْجَوَابِ عَنْ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ مَرْفُوعًا «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» أَنَّهُ قَالَهُ ﵊ فِي مَوَارِيثَ دُرِسَتْ وَالْمِيرَاثُ وَمُطْلَقُ الْمِلْكِ سَوَاءٌ فِي الدَّعْوَى وَبِهِ نَقُولُ. اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُمَا لَمَّا قَالَا بِعَدَمِ النَّفَاذِ بَاطِنًا اخْتَلَفَا فَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَحِلُّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَطْؤُهَا فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَلَا يَحِلُّ لِأَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَاطِنًا صَارَ شُبْهَةً لَهُ فَيَحْرُمُ الْوَطْءُ احْتِيَاطًا وَصَارَ كَمَا إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ كَرِهَ مُحَمَّدٌ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا قَبْلَ الْمُحَلِّلِ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَفِيهَا وَلَوْ تَزَوَّجَهَا الثَّانِي وَدَخَلَ بِهَا وَفَارَقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّ نِكَاحَ الْأَوَّلِ قَائِمٌ لَكِنَّهُمَا يُجَدِّدَانِ النِّكَاحَ حَتَّى لَا يُتَّهَمَا، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّ الْفُرْقَةَ بِالثَّلَاثِ وَاقِعَةٌ فَيَكُونُ الزَّوْجُ الثَّانِي مُثْبِتًا لِلْحِلِّ هَذَا إذَا فَارَقَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي بِطَلَاقٍ بِاخْتِيَارِهِ فَأَمَّا إذَا شَهِدَا عَلَيْهِ زُورًا بِالثَّلَاثِ وَقَضَى الْقَاضِي بِالْفُرْقَةِ حَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَتْ مِنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَالشَّاهِدَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَنْكُوحَةَ الْأَوَّلِ فَلَا تَتَزَوَّجُ إلَّا مِنْ الْأَوَّلِ. اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي يُحِلُّ مَا كَانَ حَرَامًا فِي مُعْتَقَدِ الْمُقَضَّى لَهُ وَلِذَا قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْت طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ فَخَاصَمَهَا إلَى قَاضٍ يَرَاهَا رَجْعِيَّةً بَعْدَ الدُّخُولِ فَقَضَى بِكَوْنِهَا رَجْعِيَّةً وَالزَّوْجُ يَرَى أَنَّهَا بَائِنَةٌ أَوْ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يَتَّبِعُ رَأْيَ الْقَاضِي عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَيَحِلُّ لَهُ الْمُقَامُ مَعَهَا وَقِيلَ إنَّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يَسَعُهُ الْمُقَامُ مَعَهَا وَإِنْ تَرَافَعَا إلَى قَاضٍ آخَرَ بَعْدَ الْقَضَاءِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ رَأْيِهِ وَهَذَا إذَا قَضَى لَهُ فَإِنْ قَضَى عَلَيْهِ بِالْبَيْنُونَةِ أَوْ الثَّلَاثِ وَالزَّوْجُ لَا يَرَاهُ يَتْبَعُ رَأْيَ الْقَاضِي إجْمَاعًا.
وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الزَّوْجُ عَالِمًا لَهُ رَأْيٌ وَاجْتِهَادٌ فَإِنْ كَانَ عَامِّيًّا اتَّبَعَ رَأْيَ الْقَاضِي سَوَاءٌ قَضَى لَهُ أَوْ عَلَيْهِ وَهَذَا إذَا قَضَى لَهُ أَمَّا إنْ أَفْتَى لَهُ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُفْتِي فِي حَقِّ الْجَاهِلِ بِمَنْزِلَةِ رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَفِي آخِرِ النُّتَفِ اعْلَمْ أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَهْدِمُ الْقَضَاءَ وَالرَّأْيَ لَا يَهْدِمُ الرَّأْيَ وَالْقَضَاءُ يَهْدِمُ الرَّأْيَ وَالرَّأْيُ لَا يَهْدِمُ الْقَضَاءَ مِثَالُ الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ حَيْثُ قَالَ وَكُلُّ شَيْءٍ قَضَى بِهِ الْقَاضِي إلَخْ) عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ وَكُلُّ شَيْءٍ قَضَى بِهِ الْقَاضِي فِي الظَّاهِرِ بِتَحْرِيمِهِ فَهُوَ فِي الْبَاطِنِ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَحِلُّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَحِلُّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَطْؤُهَا) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي أَغْلِبْ النُّسَخِ فَقَالَ مُحَمَّدٌ يَحِلُّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَطْؤُهَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَحِلُّ وَهُوَ الصَّوَابُ وَقَوْلُهُ فِي الظَّاهِرِ صَوَابُهُ فِي الْبَاطِنِ وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَلَا يَحِلُّ الصَّوَابُ إسْقَاطُهُ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى التَّعْلِيلِ وَعِبَارَةُ الْوَلْوَالِجيَّةِ هَكَذَا، وَأَمَّا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحِلُّ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَخْ اهـ. مُلَخَّصًا.
وَقَوْلُهُ وَصَارَ كَمَا إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً إلَخْ هَكَذَا رَأَيْته فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ كَمَا هُنَا فَتَأَمَّلْهُ وَلَعَلَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَيْ شَهِدَا زُورًا بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا ثُمَّ رَأَيْت الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ حَيْثُ قَالَ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ وَلِيٍّ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا إلَخْ فَسَقَطَ مِنْ عِبَارَةِ الْوَلْوَالِجيَّةِ قَوْلُهُ بِلَا وَلِيٍّ فَوَقَعَ الْخَلَلُ (قَوْلُهُ مِنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَالشَّاهِدَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ) كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ رَأْيَ الْقَاضِي عِنْدَ مُحَمَّدٍ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَالْوَجْهُ عِنْدِي قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَ الْقَضَاءِ بِالِاجْتِهَادِ الْكَائِنِ لِلْقَاضِي يُرَجِّحُهُ عَلَى اجْتِهَادِ الزَّوْجِ وَالْأَخْذُ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ وَكَوْنُهُ لَا يَرَاهُ حَلَالًا إنَّمَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْقُرْبَانِ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَمَّا بَعْدَهُ وَبَعْدَ نَفَاذِهِ بَاطِنًا كَمَا فُرِضَتْ الْمَسْأَلَةُ فَلَا اهـ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ عَامِّيًّا) ظَاهِرُ الْمُقَابَلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَامِّيِّ غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا.
стр. 2237
وَأَمَّا مِثَالُ الثَّانِي فَإِنْ يَعْتَقِدْ الثَّلَاثَ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ فَإِنْ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ إلَى أَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ لَمْ تَحِلَّ وَمِثَالُ الثَّالِثِ أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي بِكَوْنِهَا رَجْعِيَّةً فَإِنَّ هَذَا الْقَضَاءَ يَهْدِمُ رَأْيَهُ مِنْ أَنَّهَا ثَلَاثٌ وَمِثَالُ الرَّابِعِ إذَا قَضَى قَاضٍ ثُمَّ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ مَا مَضَى؛ لِأَنَّ الرَّأْيَ لَا يَهْدِمُ الْقَضَاءَ وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِرَأْيِهِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ اهـ. مُخْتَصَرًا.
(قَوْلُهُ وَلَا يُقْضَى عَلَى غَائِبٍ) أَيْ لَا يَصِحُّ الْقَضَاءُ عَلَى خَصْمٍ غَيْرِ حَاضِرٍ لِقَوْلِهِ ﵊ لِعَلِيٍّ «لَا تَقْضِ لِأَحَدٍ الْخَصْمَيْنِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ فَإِنَّك إذَا سَمِعْت كَلَامَ الْآخَرِ عَلِمْت كَيْفَ تَقْضِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ وَلَا مُنَازَعَةَ هُنَا لِعَدَمِ الْإِنْكَارِ فَلَا يَصِحُّ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَصَرَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ حَضْرَةَ الْخَصْمِ لِيَتَحَقَّقَ إنْكَارُهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْحُكْمِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْقَضَاءِ قَضَى لِلْغَائِبِ أَوْ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ اهـ.
فَلِذَا فَسَّرْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ لَا بِعَدَمِ الْحِلِّ وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ بِعَدَمِ النَّفَاذِ لِقَوْلِهِمْ إذَا نَفَذَهُ قَاضٍ آخَرُ يَرَاهُ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ وَقَدَّمْنَا خِلَافَ التَّصْحِيحِ فِي نَفَذَ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ فَصَحَّحَ الشَّارِحُ عَدَمَهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ الْفَتْوَى عَلَى النَّفَاذِ وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي نَفْسِ الْقَضَاءِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْقَضَاءِ قَالَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ فِي نَفَاذِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ رِوَايَتَانِ وَنَحْنُ نُفْتِي بِعَدَمِ النَّفَاذِ كَيْ لَا يَتَطَرَّقُوا إلَى إبْطَالِ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا اهـ.
وَالْقَائِلُ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى النَّفَاذِ خواهر زاده وَفِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ بِلَا خَصْمٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَيُفْتَى بِعَدَمِ النَّفَاذِ وَقِيلَ إنْ رَآهُ قَاضٍ فَقَضَى بِهِ يَنْفُذُ. اهـ.
لَكِنْ اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْفَتْوَى عَلَى النَّفَاذِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِ الْقَاضِي شَافِعِيًّا يَرَاهُ أَوْ حَنَفِيًّا لَا يَرَاهُ وَهُوَ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ يَرَاهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي حَقِّ مَنْ يَرَاهُ لِإِجْمَاعِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَى غَائِبٍ كَمَا ذَكَرَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ وَلَوْ كَانَ أَعَمَّ لَلَزِمَ هَدْمُ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا وَالْعَجَبُ مِنْ الْبَزَّازِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي الْفَتَاوَى مِنْ الْمَفْقُودِ وَهَلْ يَنْصِبُ الْقَاضِي وَكِيلًا عَلَى الْغَائِبِ وَعَنْ الْغَائِبِ عِنْدَنَا لَا يَفْعَلُ أَمَّا لَوْ فَعَلَ بِأَنْ حَكَمَ عَلَى الْغَائِبِ نَفَذَ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ سَبَبُ الْقَضَاءِ وَهُوَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ هَلْ تَكُونُ حُجَّةً بِلَا خَصْمٍ حَاضِرٍ لِلْقَضَاءِ أَمْ لَا فَإِذَا رَآهَا حُجَّةً وَحَكَمَ نَفَذَ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ الْفُسَّاقِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.
فَإِنَّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ وَهُوَ مَسْبُوقٌ بِهَا عَنْ خواهر زاده وَفِي قَوْلِهِ فَإِذَا رَآهَا حُجَّةً إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مِمَّنْ يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ فَخَرَجَ الْحَنَفِيُّ الْمُقَلِّدُ وَلَقَدْ صَدَقَ الْعَلَّامَةُ مَحْمُودٌ حَيْثُ قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ قَدْ اضْطَرَبَ آرَاؤُهُمْ وَبَيَانُهُمْ فِي مَسَائِلِ الْحُكْمِ لِلْغَائِبِ وَعَلَيْهِ وَلَمْ يَصْفُ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ أَصْلٌ قَوِيٌّ ظَاهِرٌ يُبْنَى عَلَيْهِ الْفُرُوعُ بِلَا اضْطِرَابٍ وَلَا إشْكَالٍ فَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنْ يُتَأَمَّلَ فِي الْوَقَائِعِ وَيُحْتَاطَ وَيُلَاحَظَ الْحَرَجُ وَالضَّرُورَاتُ فَيُفْتَى بِحَسْبِهَا جَوَازًا أَوْ فَسَادًا. اهـ.
وَاَلَّذِي
ــ
[منحة الخالق]
[الْقَضَاءُ عَلَى خَصْمٍ غَيْرِ حَاضِرٍ]
(قَوْلُهُ فَلِذَا فَسَّرْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي حِلِّ الْإِقْدَامِ لَا فِي حِلِّ النَّفَاذِ فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ كَيْ لَا يَتَطَرَّقُوا إلَى إبْطَالِ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ فَإِنْ قُلْتُ: مَا وَجْهُ التَّطَرُّقِ إلَى إبْطَالِ الْمَذْهَبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْخِلَافِيَّاتِ قُلْتُ: لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ وَجْهَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَخْلُو إمَّا عَلَى حَاضِرٍ أَوْ عَلَى غَائِبٍ فَإِذَا فُتِحَ بَابُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فَقَدْ تَرَكَ مِنْهُ النِّصْفَ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي حَقِّ مَنْ يَرَاهُ إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ مَا لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَرَاهُ الْحَنَفِيُّ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ الْكَلَامِ الْمَارِّ فِيمَا لَوْ قَضَى فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ مِنْ كَوْنِهِ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا وَمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ وَاخْتِلَافِ التَّرْجِيحِ وَإِنَّ هَذَا فِي غَيْرِ قُضَاةِ زَمَانِنَا قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ قُنْيَةٌ مج لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِالْفُرْقَةِ بِسَبَبِ الْعَجْزِ عَنْ النَّفَقَةِ وَأَجَابَ هُوَ مِرَارًا فِيمَنْ غَابَ عَنْ امْرَأَتِهِ وَتَرَكَهَا بِلَا نَفَقَةٍ أَنَّهُ لَوْ قَضَى بِالْفُرْقَةِ بِسَبَبِ الْعَجْزِ عَنْ النَّفَقَةِ يَنْفُذُ قَالَ وَإِنَّمَا فَرَّقْت بَيْنَ الْجَوَابَيْنِ إذْ الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حِلِّ الْإِقْدَامِ عَلَى الْقَضَاءِ فَعِنْدَهُ يَحِلُّ وَعِنْدَنَا لَا يَحِلُّ وَلَا خِلَافَ فِي النَّفَاذِ فَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ جَوَابٌ عَنْ الْإِقْدَامِ وَالثَّانِي عَنْ النَّفَاذِ مَعَ حُرْمَةِ الْإِقْدَامِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ شَفْعَوِيُّ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي نَفَاذِ الْقَضَاءِ. اهـ.
فَهُوَ كَمَا تَرَى صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ أَعَمُّ وَقَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي بَعْدَ أَوْرَاقٍ ثَلَاثٍ وَفَرْقُهُمْ بَيْنَ سَبَبٍ وَبَيْنَ السَّبَبِ وَالشَّرْطِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ بِنَفَاذِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فِي أَظْهَرْ الرِّوَايَتَيْنِ إنَّمَا هُوَ فِي قَضَاءِ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا الْحَنَفِيُّ فَلَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ الْمَذْكُورِ يَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ فِي حِلِّ الْإِقْدَامِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَإِنَّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ) أَيْ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ النَّفَاذِ لَكِنْ مَرَّ أَيْضًا أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى النَّفَاذِ وَعَلَيْهِ مَشَى الْبَزَّازِيُّ فِيمَا مَرَّ فَكَلَامُهُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنْ يُتَأَمَّلَ إلَخْ) تَمَامُ عِبَارَتِهِ مَثَلًا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ الْعَدْلِ فَغَابَ عَنْ الْبَلَدِ وَلَا يُعْرَفُ مَكَانَهُ أَوْ يُعْرَفُ وَلَكِنْ يَعْجِزُ عَنْ إحْضَارِهِ أَوْ عَنْ أَنْ تُسَافِرَ إلَيْهِ هِيَ أَوْ وَكِيلُهَا لِبُعْدِهِ أَوْ لِمَانِعٍ آخَرَ بِأَنْ كَانَ لَا يَرْضَى أَحَدٌ بِالْوَكَالَةِ وَكَذَا الْمَدْيُونُ لَوْ غَابَ عَنْ الْبَلَدِ وَلَهُ نَقْدٌ فِي الْبَلَدِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَوْ بَرْهَنَ عَلَى الْغَائِبِ بِحَيْثُ اطْمَأَنَّ قَلْبُ الْقَاضِي وَغَلَبَ ظَنُّهُ أَنَّهُ حَقٌّ لَا تَزْوِيرٌ وَلَا حِيلَةَ فِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ عَلَى الْغَائِبِ وَلِلْغَائِبِ وَكَذَا لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِجَوَازِهِ
стр. 2238
ظَهَرَ لِي مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَنْ أَصْحَابِنَا عَدَمُ صِحَّةِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ وَأَنَّ الْقَاضِيَ الَّذِي يَرَاهُ إنْ قَضَى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِمْضَاءِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي نَفْسِ الْقَضَاءِ وَمَا عَدَا هَذَا مِنْ الْأَقْوَالِ مِنْ تَصَرُّفَاتِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ ثُمَّ ظَهَرَ لِي بِحَمْدِ اللَّهِ مَا يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى النَّفَاذِ فِيمَا إذَا قَضَى عَلَى مَفْقُودٍ لَا فِي مُطْلَقِ الْغَائِبِ وَيَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَفْقُودِ وَغَيْرِهِ مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ بَابِ فَصْلِ الْقَضَاءِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ رَجُلٌ قَدَّمَ رَجُلًا إلَى قَاضٍ وَقَالَ إنَّ لِأَبِي عَلَى هَذَا الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَبِي غَائِبٌ وَإِنِّي أَخَاف أَنْ يَتَوَارَى هَذَا الرَّجُلُ فَجَعَلَهُ الْقَاضِي وَكِيلًا لِأَبِيهِ وَقَبِلَ بَيِّنَةَ الِابْنِ عَلَى الْمَالِ وَحَكَمَ بِذَلِكَ ثُمَّ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَإِنَّ الثَّانِيَ لَا يُجِيزُ قَضَاءَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الِابْنِ مَا قَامَتْ بِحَقٍّ عَلَى الْغَائِبِ حَتَّى يَكُونَ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ وَإِنَّمَا قَامَتْ لِغَائِبٍ وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَفْقُودِ إذَا أَقَامَ الْقَاضِي ابْنَهُ وَكِيلًا فِي طَلَبِ حُقُوقِهِ؛ لِأَنَّ الْمَفْقُودَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ فَكَانَ لِلْقَاضِي التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ. اهـ.
أَطْلَقَ فِي عَدَمِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا ثَبَتَ الْحَقَّ بِبَيِّنَةٍ سَوَاءٌ كَانَ غَائِبًا وَقْتَ الشَّهَادَةِ أَوْ غَابَ بَعْدَهَا قَبْلَ التَّزْكِيَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ غَائِبًا عَنْ الْمَجْلِسِ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ أَوْ غَائِبًا عَنْ الْبَلَدِ، وَأَمَّا إذَا أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي فَغَابَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ قَضَى عَلَيْهِ وَهُوَ غَائِبٌ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَطْعَنَ فِي الْبَيِّنَةِ دُونَ الْإِقْرَارِ وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْإِقْرَارِ قَضَاءُ إعَانَةٍ وَإِذَا نَفَذَ الْقَاضِي إقْرَارَهُ سُلِّمَ إلَى الْمُدَّعِي حَقَّهُ عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا أَوْ عَقَارًا إلَّا أَنَّ فِي الدَّيْنِ يُسَلَّمُ إلَيْهِ جِنْسُ حَقِّهِ إذَا وُجِدَ فِي يَدِ مَنْ يَكُونُ مُقِرًّا بِأَنَّهُ مَالُ الْغَائِبِ الْمُقِرِّ وَلَا يَبِيعُ فِي ذَلِكَ الْعُرُوضَ وَالْعَقَارَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ فَلَا يَجُوزُ كَذَا فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ لِلْعَتَّابِيِّ وَالْإِخْبَارُ بِالْقَضَاءِ مِنْهُ كَالْإِنْشَاءِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْحَضْرَةِ قَالَ فِي شَهَادَاتِ الْقُنْيَةِ أَشْهَدَ الْقَاضِي شُهُودًا إنِّي حَكَمْت لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا فَهُوَ إشْهَادٌ بَاطِلٌ وَالْحُضُورُ شَرْطٌ وَقَالَ قَبْلَهُ خَرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ الْمَحْكَمَةِ ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَى حُكْمِهِ يَصِحُّ إشْهَادُهُ اهـ.
وَفِي تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ إذَا قَالَ الْقَاضِي حَكَمْتُ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا وَهُوَ غَائِبٌ لَمْ يُصَدَّقْ اهـ.
وَقُلْنَا عَلَى غَيْرِ خَصْمٍ حَاضِرٍ لِإِخْرَاجِ مَا لَوْ قَضَى عَلَى حَاضِرٍ لَيْسَ بِخَصْمٍ وَعَلَى خَصْمٍ غَائِبٍ فَالْخَصْمُ مَنْ تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِانْفِرَادِهِ شَرْعًا فَخَرَجَ مَا لَوْ قَضَى عَلَى رَاهِنٍ فِي غَيْبَةِ مُرْتَهِنٍ وَعَكْسُهُ وَكَذَا فِي الْمُؤَجِّرِ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُعِيرِ مَعَ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُوصَى لَهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ إلَّا فِي إثْبَاتِ الْوِصَايَةِ أَوْ الْوَكَالَةِ وَغَرِيمُ الْمَيِّتِ لَيْسَ بِخَصْمٍ لِمُدَّعِي الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ إنَّمَا الْخَصْمُ وَارِثٌ أَوْ وَصِيٌّ وَأَحَدُ الْوَرَثَةِ خَصْمٌ عَنْ الْبَاقِي فِيمَا لِلْمَيِّتِ وَمَا عَلَيْهِ وَالْخَصْمُ فِي دَعْوَى السِّعَايَةِ الْمَأْمُورُ لَا الْآمِرُ إنْ كَانَ الْآمِرُ سُلْطَانًا وَإِلَّا فَالْآمِرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ لَيْسَ بِخَصْمٍ لِمُدَّعِي إجَارَةٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ شِرَاءٍ كَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُشْتَرِي خَصْمٌ لِلْكُلِّ وَكَذَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَالْخَصْمُ فِي دَعْوَى الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ الْعَاقِدَانِ وَفِي الْمَبِيعِ الْفَاسِدِ قَبْلَ الْقَبْضِ الْبَائِعُ وَحْدَهُ وَبَعْدَهُ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى.
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَحْضُرَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ كَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ) ذَكَرَ الْمِثَالَيْنِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْقَائِمَ مَقَامَهُ قَدْ يَكُونُ بِإِنَابَتِهِ أَوْ بِإِنَابَةِ الشَّرْعِ فَالْوَصِيُّ إنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْمَيِّتِ فَهُوَ بِإِنَابَتِهِ وَإِنْ كَانَ مَنْصُوبَ الْقَاضِي فَهُوَ بِإِنَابَةِ الشَّرْعِ وَظَاهِرُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الْوَكِيلَ أَوْ الْوَصِيَّ إذَا حَضَرَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ وَعَلَى الْمَيِّتِ وَلَا يَحْكُمُ عَلَى الْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ وَيَكْتُبُ فِي السِّجِلِّ أَنَّهُ حَكَمَ عَلَى الْمَيِّتِ وَعَلَى الْغَائِبِ بِحَضْرَةِ وَكِيلِهِ وَبِحَضْرَةِ وَصِيِّهِ كَذَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْيَمِينِ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ الْغَائِبِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ أَوْ الْعَيْنِ إنْ بَرْهَنَ عَلَى الْوَكَالَةِ وَالْمَالِ قُبِلَتْ وَإِنْ أَقَرَّ بِالْوَكَالَةِ وَأَنْكَرَ الْمَالَ لَا يَصِيرُ خَصْمًا وَلَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ خَصْمًا بِإِقْرَارِ الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي حَقِّ الطَّالِبِ وَإِنْ أَقَرَّ بِالْمَالِ وَأَنْكَرَ الْوَكَالَةَ لَا يَسْتَحْلِفُ عَلَى الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّ التَّحْلِيفَ يَتَرَتَّبُ عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ وَلَمْ تُوجَدْ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْوَكَالَةِ.
وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْوَكَالَةِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَلَوْ أَنْكَرَ الْكُلَّ فَهُوَ كَإِنْكَارِ الْوَكَالَةِ وَحْدَهَا وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَالِ وَالْوَكَالَةُ تُقْبَلُ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ خَصْمٌ وَفَصْلُ الْوِصَايَةِ فِي الْمَالِ كَفَصْلِ الْوَكَالَةِ إلَّا فِي فَصْلٍ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى أَنَّ فُلَانًا الْمَيِّتَ أَوْصَى إلَيْهِ بِحِفْظِ مَالِهِ
ــ
[منحة الخالق]
دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالضَّرُورَاتِ وَصِيَانَةً لِلْحُقُوقِ عَنْ الضَّيَاعِ مَعَ أَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ ذَهَبَ إلَى جَوَازِهِ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَالْأَحْوَطُ أَنْ يُنْصَبَ عَنْ الْغَائِبِ وَكِيلٌ يُعْرَفُ أَنَّهُ يُرَاعِي جَانِبَ الْغَائِبِ وَلَا يُفَرِّطُ فِي حَقِّهِ فَيُنْصَبُ الْأَوْلَى ثُمَّ الْأَوْلَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَقَرَّهُ فِي نُورِ الْعَيْنِ إصْلَاحِ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ ظَهَرَ لِي إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ لَا يَظْهَرُ التَّخْصِيصُ بِالْمَفْقُودِ فِي كَلَامِهِمْ بَلْ الظَّاهِرُ التَّعْمِيمُ ثُمَّ إذَا لُوحِظَ الْحَرَجُ وَالضَّرُورَةُ يَجِبُ اعْتِبَارُ عَدَمِ مُرَاجَعَةِ الْغَائِبِ وَإِحْضَارِهِ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ وَفَرْعُ قَاضِي خَانْ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعَى تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمَفْقُودَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ فَكَانَ لِلْقَاضِي تَصَرُّفٌ فِي مَالِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَقَدْ كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ لِلْقَاضِي بُسُوطَةُ يَدٍ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ مَا لَيْسَ فِي مَالِ الْغَائِبِ (قَوْلُهُ وَقَالَ قَبْلَهُ خَرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ الْمَحْكَمَةِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُلَائِمُ مَذْهَبَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ عِلْمَ الْقَاضِي غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَتَأَمَّلْ.
стр. 2239
وَقَبْضِهِ وَلَهُ كَذَا عِنْدَ هَذَا الْحَاضِرِ فَأَقَرَّ الْحَاضِرُ بِالْكُلِّ يُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ وَإِنْ أَقَرَّ بِالْوِصَايَةِ وَالْمَوْتِ وَأَنْكَرَ الْمَالَ يَحْلِفُ وَإِنْ أَقَرَّ بِالْمَالِ وَالْمَوْتِ وَأَنْكَرَ الْوِصَايَةَ يَنْصِبُ الْقَاضِي وَصِيًّا وَلَا يُحَلِّفُهُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ دَعْوَى الْوِصَايَةِ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ وَإِنْ أَقَرَّ بِالْوِصَايَةِ وَالْمَالِ وَأَنْكَرَ الْمَوْتَ يُحَلِّفُهُ عَلَى عِلْمِهِ كَمَا فِي الْوَارِثِ وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى كُلِّ ذَلِكَ تُقْبَلُ فِي الْكُلِّ. اهـ.
وَفِيهَا مِنْ التَّاسِعِ فِي نَصْبِ الْوَصِيِّ الْخَصْمَ فِي إثْبَاتِ الْوِصَايَةِ الْوَارِثُ الْبَالِغُ أَوْ مَدْيُونُ الْمَيِّتِ أَوْ الْمُوصَى لَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي ابْنِ الْمَيِّتِ فَهُوَ خَصْمٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ وَخَالَفَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَلَا تَثْبُتُ بِإِقْرَارِ مَدْيُونِ الْمَيِّتِ أَوْ مُودَعِهِ وَإِذَا ثَبَتَتْ الْوِصَايَةُ بِالْبَيِّنَةِ لِمُدَّعِي الدَّيْنِ ثُمَّ حَضَرَ غَرِيمٌ آخَرُ أَوْ مُوصًى لَهُ آخَرُ لَا يُقْضَى لِلثَّانِي بِبَيِّنَةِ الْأَوَّلِ وَعِنْدَ الثَّانِي يُقْضَى وَفِي الْوَصِيَّةِ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ يَكْتَفِي بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ بِالْإِجْمَاعِ اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي الْوَكِيلِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ وَكِيلًا فِي الْخُصُومَةِ وَالدَّعْوَى وَمَا إذَا كَانَ وَكِيلًا لِلْقَضَاءِ كَمَا إذَا أُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ فَوَكَّلَ لِيَقْضِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ غَابَ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَفِيهَا مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ اسْتَمْهَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ الْقَاضِي مُدَّةً مُعَيَّنَةً وَغَابَ وَمَضَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ فَإِنْ ظَهَرَ تَعَنُّتُهُ فَلَهُ الْقَضَاءُ حَالَ غَيْبَتِهِ وَمِثْلُهُ عَنْ الْخُجَنْدِيِّ قَالَ ﵁ وَاشْتِرَاطُهُمَا التَّغَيُّبُ لِلْقَضَاءِ عَلَيْهِ اخْتِيَارٌ حَسَنٌ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْوَكِيلِ فَغَابَ فَحَضَرَ مُوَكِّلُهُ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ أَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُوَرِّثِ فَمَاتَ وَحَضَرَ وَارِثُهُ أَوْ قَامَتْ عَلَى وَارِثٍ فَغَابَ وَحَضَرَ وَارِثٌ آخَرُ فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَقْضِي عَلَى الَّذِي حَضَرَ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ اهـ.
وَفِيهَا مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ لَا تُقْبَلُ مِنْ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ بَيِّنَةٌ عَلَى وَكَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ حَاضِرٍ وَلَوْ قَضَى عَلَيْهِ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ فِي الْمُخْتَلَفِ اهـ.
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ الْخَامِسِ أَرَادَ وَكِيلُ الْبَيْعِ إثْبَاتَ وَكَالَتِهِ بِحَيْثُ لَوْ أَنْكَرَ مُوَكِّلُهُ لَا يُسْمَعُ إنْكَارُهُ فَلَهُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُسْلِمَ الْوَكِيلُ الْعَيْنَ إلَى رَجُلٍ ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّهُ وَكِيلٌ بِقَبْضِهِ وَبَيْعِهِ فَسَلِّمْهُ إلَيَّ فَيَقُولُ ذُو الْيَدِ لَا أَعْلَمُ وَكَالَتَهُ فَيُبَرْهِنُ فَيَأْمُرُ الْقَاضِي بِتَسْلِيمِهِ إلَيْهِ فَيَبِيعُهُ وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ هَذَا لِفُلَانٍ فَأَبِيعهُ مِنْك فَإِذَا بَاعَهُ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ يَقُولُ الْمُشْتَرِي لَا أَقْبِضُ الْمَبِيعَ لِأَنِّي أَخَاف أَنْ يُنْكِرَ الْمَالِكُ وَكَالَتَك وَرُبَّمَا يَهْلِكُ الْمَبِيعُ فِي يَدِي أَوْ يَنْقُصُ فَيُضَمِّنُنِي فَيُبَرْهِنُ الْوَكِيلُ أَنَّهُ وَكِيلُهُ بِذَلِكَ وَيُجْبِرُهُ عَلَى الْقَبْضِ وَيُثْبِتُ بِالْبَيِّنَةِ وِلَايَةَ الْجَبْرِ عَلَى الْقَبْضِ وَهُنَا وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ فَيَقُولَ إنِّي فُضُولِيٌّ فَلَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ فَيُبَرْهِنُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ وَكِيلُ فُلَانٍ بِالْبَيْعِ فَهُوَ خَصْمٌ فَيَثْبُتُ أَنَّهُ وَكِيلٌ بِالْبَيْعِ اهـ وَفِيهِ أَيْضًا وَكَّلَهُمَا بِقَبْضِ دَيْنِهِ فَغَابَ الْمُوَكِّلُ وَأَحَدُ الْوَكِيلَيْنِ فَادَّعَى الْوَكِيلُ الْآخَرُ فَأَقَرَّ الْغَرِيمُ بِدَيْنِهِ وَجَحَدَ وَكَالَتَهُ فَبَرْهَنَ الْوَكِيلُ أَنَّ الدَّائِنَ وَكَّلَهُ وَفُلَانًا الْغَائِبَ بِقَبْضِ دَيْنِهِ يَحْكُمُ بِوَكَالَتِهِمَا حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ لَا يُكَلَّفُ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ وَكَذَا لَوْ جَحَدَ الْغَرِيمُ الدَّيْنَ وَالتَّوْكِيلَ فَبَرْهَنَ عَلَيْهِمَا الْحَاضِرُ يُحْكَمُ بِالدَّيْنِ وَبِوَكَالَتِهِمَا اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي الْوَكِيلِ أَيْضًا فَشَمِلَ مَا إذَا نَصَبَهُ الْقَاضِي عَنْ الْغَائِبِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُسَخَّرِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ دَيْنًا بِحَضْرَةِ رَجُلٍ يَدَّعِي أَنَّهُ وَكِيلُ الْغَائِبِ فِي الْخُصُومَةِ فَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْوَكَالَةِ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ حَتَّى لَوْ بَرْهَنَ عَلَى الْغَائِبِ لَمْ يُقْبَلْ وَكَذَا لَوْ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى مَيِّتٍ بِحَضْرَةِ رَجُلٍ يَدَّعِي أَنَّهُ وَصِيُّ الْمَيِّتِ وَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْوِصَايَةِ كَذَا فِي آخِرِ فَصْلِ الدَّعَاوَى ثُمَّ رَقَمَ لِآخَرَ الْقَاضِي لَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمُحْضَرَ لَيْسَ بِخَصْمٍ لَا تُسْمَعُ الْخُصُومَةُ وَالْحُكْمُ عَلَى الْمُسَخَّرِ لَمْ يَجُزْ وَتَفْسِيرُ الْمُسَخَّرِ أَنْ يَنْصِبَ الْقَاضِي وَكِيلًا عَنْ الْغَائِبِ لِيَسْمَعَ الْخُصُومَةَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ نَصْبُ الْوَكِيلِ عَمَّنْ اخْتَفَى فِي بَيْتِهِ بَعْدَمَا نَادَى أَمِينُ الْقَاضِي عَلَى بَابِ دَارِهِ أَيَّامًا ثُمَّ رَقَمَ لِآخَرَ الْحُكْمَ عَلَى الْمُسَخَّرِ لَا يَجُوزُ وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ إذْ حَاصِلُهُ الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَكَانَ ظَهِيرُ الدِّينِ يُفْتِي بِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَنْفُذُ كَيْ لَا يَتَطَرَّقُوا إلَى هَدْمِ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا. اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ نَصْبَ الْمُسَخَّرِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الْغَائِبُ فِي وِلَايَةِ الْقَاضِي لِمَا فِي الْخِزَانَةِ الْقَاضِي إذَا جَعَلَ نَائِبًا عَنْ الْغَائِبِ حَتَّى يَسْمَعَ عَلَيْهِ الْخُصُومَةَ وَيُسَمَّى هَذَا الْمُسَخَّرَ فَإِذَا كَانَ الْغَائِبُ لَيْسَ فِي وِلَايَةِ هَذَا الْقَاضِي
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2240
لَا تَصِحُّ هَذِهِ الْإِنَابَةُ وَلَيْسَ لِهَذَا طَرِيقٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا اهـ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْمُسَخَّرِ لَا يَجُوزُ وَالْمُجَوِّزُ لَهُ خواهر زاده؛ لِأَنَّهُ أَفْتَى بِنَفَاذِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ وَهُوَ عَيْنُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَهِيَ فِي مَسَائِلَ: الْأُولَى عَلَّقَ الْمَدْيُونُ الْعِتْقَ أَوْ الطَّلَاقَ عَلَى عَدَمِ قَضَائِهِ الْيَوْمَ ثُمَّ تَغَيَّبَ الطَّالِبُ وَخَافَ الْحَالِفُ الْحِنْثَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَنْصِبُ وَكِيلًا عَنْ الْغَائِبِ وَيَدْفَعُ الدَّيْنَ إلَيْهِ وَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ.
الثَّانِيَةُ الْمُشْتَرِي بِخِيَارٍ أَرَادَ الرَّدَّ فِي الْمُدَّةِ فَاخْتَفَى الْبَائِعُ فَطَلَبَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَنْصِبَ خَصْمًا عَنْ الْبَائِعِ لِيَرُدَّهُ عَلَيْهِ قِيلَ يَنْصِبُ نَظَرًا إلَى الْمُشْتَرِي وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَى وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ وَكِيلًا مَعَ احْتِمَالِ غَيْبَتِهِ فَقَدْ تَرَكَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ فَلَا يَنْظُرُ لَهُ وَإِذَا لَمْ يَنْصِبْ وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْقَاضِي الْأَعْذَارَ فَعَنْ مُحَمَّدٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ يُعْذَرُ فِي رِوَايَةٍ فَيَبْعَثُ مُنَادِيًا يُنَادِي عَلَى بَابِ الْبَائِعِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ إنَّ خَصْمَك فُلَانًا يُرِيدُ الرَّدَّ عَلَيْك فَإِنْ حَضَرْت وَإِلَّا نَقَضْتُ الْبَيْعَ فَلَا يَنْقُضُهُ الْقَاضِي بِلَا إعْذَارٍ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُعْذِرُ الْقَاضِي كَذَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ. الثَّالِثَةُ كَفَلَ بِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا فَدَيْنُهُ عَلَى الْكَفِيلِ فَغَابَ الطَّالِبُ فِي الْغَدِ فَلَمْ يَجِدْهُ الْكَفِيلُ حَتَّى مَضَى الْغَدُ لَزِمَهُ الْمَالُ وَلَوْ رَفَعَ الْكَفِيلُ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَنَصَبَ الْقَاضِي وَكِيلًا عَنْ الطَّالِبِ وَسَلَّمَ إلَيْهِ الْمَكْفُولَ عَنْهُ يَبْرَأُ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ كَذَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ.
الرَّابِعَةُ إذَا تَوَارَى الْخَصْمُ فَالْقَاضِي يُرْسِلُ أَمِينًا يُنَادِي عَلَى بَابِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَنْصِبُ عَنْهُ وَكِيلًا لِلدَّعْوَى وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ اسْتَحْسَنَهُ وَعَمِلَ بِهِ ثُمَّ قَالَ الْخَصْمُ شَرْطٌ لِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ لَوْ أَرَادَ الْمُدَّعِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ يَدِ الْخَصْمِ الْغَائِبِ شَيْئًا أَمَّا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِ مَالٍ كَانَ لِلْغَائِبِ فِي يَدِهِ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْخَصْمِ وَلَا يَحْتَاجُ الْقَاضِي إلَى نَصْبِ الْوَكِيلِ لَوْ اشْتَرَاهُ فَغَابَ وَقَدَّمْنَاهُ فِي مُتَفَرِّقَاتِ الْبُيُوعِ وَإِنَّمَا أَدْخَلَ كَافَ التَّشْبِيهِ فِي قَوْلِهِ كَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ لِلْإِشَارَةِ إلَى عَدَمِ الْحَصْرِ فَالْمُتَوَلِّي عَلَى الْوَقْفِ كَذَلِكَ وَأَحَدُ الْوَرَثَةِ عَنْ الْبَاقِينَ فِيمَا لِلْمَيِّتِ وَعَلَيْهِ لَكِنْ إنْ كَانَ فِي عَيْنٍ فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهَا فِي يَدِهِ فَلَوْ ادَّعَى عَيْنًا مِنْ التَّرِكَةِ عَلَى وَارِثٍ لَيْسَتْ فِي يَدِهِ لَمْ تُسْمَعْ وَفِي دَعْوَى الدَّيْنِ يَنْتَصِبُ أَحَدُهُمْ خَصْمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ الرَّابِعِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَحَدَ شَرِيكَيْ الدَّيْنِ خَصْمٌ عَنْ الْآخَرِ فِي الْإِرْثِ وِفَاقًا وَفِي غَيْرِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ قِيَاسٌ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ اسْتِحْسَانٌ وَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ. اهـ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ بِيَدِهِ مَالُ الْمَيِّتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَصِيًّا وَلَا وَارِثًا وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَمِنْ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ لِمَا فِي الْقُنْيَةِ مِنْ بَابِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ فِي الْوَقْفِ وَقْفٌ بَيْنَ أَخَوَيْنِ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَبَقِيَ فِي يَدِ الْحَيِّ وَأَوْلَادِ الْمَيِّتِ ثُمَّ الْحَيُّ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَوْلَادِ الْأَخِ أَنَّ الْوَقْفَ بَطْنٌ بَعْدَ بَطْنٍ وَالْبَاقِي غَيْبٌ وَالْوَقْفُ وَاحِدٌ تُقْبَلُ وَيَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْبَاقِي ثُمَّ قَالَ وَقْفٌ بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَلِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ لِوَكِيلِهِ أَوْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ عَلَى وَكِيلِهِ تَصِحُّ الدَّعْوَى إذَا كَانَ الْوَقْفُ وَاحِدًا ثُمَّ رَقَمَ لَا تَصِحُّ الدَّعْوَى عَلَى بَعْضِهِمْ إذَا كَانَ الْمَحْدُودُ فِي أَيْدِي جَمِيعِهِمْ وَلَا يَصِحُّ الْقَضَاءُ إلَّا بِقَدْرِ مَا فِي يَدِ الْحَاضِرِينَ. اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ يَكُونَ مَا يَدَّعِي عَنْ الْغَائِبِ سَبَبًا لِمَا يَدَّعِي عَلَى الْحَاضِرِ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى يَحْضُرَ وَفِي الْحَقِيقَةِ الْحَاضِرُ قَائِمٌ مَقَامَ الْغَائِبِ حُكْمًا أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمَا شَيْئًا وَاحِدًا وَمَا يَدَّعِي عَلَى الْغَائِبِ سَبَبٌ لِمَا يَدَّعِي عَلَى الْحَاضِرِ لَا مَحَالَةَ فَحِينَئِذٍ يَقْضِي عَلَيْهِمَا حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهِ وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَمَا يَدَّعِي عَلَى الْغَائِبِ سَبَبٌ لِمَا يَدَّعِي عَلَى الْحَاضِرِ بِكُلِّ حَالٍ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ فَيَكُونُ خَصْمًا وَيَقْضِي عَلَيْهِمَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي مَسَائِلَ: الْأُولَى ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا مِلْكُهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ وَأَنْكَرَ ذُو الْيَدِ فَبَرْهَنَ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ الْمَالِكِ قَضَى لَهُ بِهَا وَكَانَ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ مِنْ الْمَالِكِ سَبَبٌ لَا مَحَالَةَ الثَّانِيَةُ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ كَفَلَ عَنْ فُلَانٍ بِمَا يَذُوبُ لَهُ عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِهَا وَأَنْكَرَ الْحَقَّ فَبَرْهَنَ أَنَّهُ ذَابَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا بَعْدَ الْكَفَالَةِ قَضَى عَلَيْهِمَا.
وَكَذَا إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ
ــ
[منحة الخالق]
[الْقَضَاءَ عَلَى الْمُسَخَّرِ]
(قَوْلُهُ الْأُولَى: عَلَّقَ الْمَدْيُونُ الْعِتْقَ أَوْ الطَّلَاقَ إلَخْ) ذَكَرَ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ الْغَزِّيِّ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى نَصْبِ الْوَكِيلِ لِقَبْضِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ إذْ دَفَعَ إلَى الْقَاضِي بَرَّ فِي يَمِينِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ الْمُفْتَى بِهِ كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ الْمُعْتَمَدَةِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ قَاضٍ حَنِثَ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ. اهـ. أَبُو السُّعُودِ.
(قَوْلُهُ الرَّابِعَةُ إذَا تَوَارَى الْخَصْمُ إلَخْ) قَالَ أَبُو السُّعُودِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ تَصْدُقُ بِمَا قَبْلَهَا مِنْ الصُّوَرِ وَبِغَيْرِهَا أَيْضًا وَحِينَئِذٍ فَلَا مَعْنَى لِحَصْرِ نَصْبِ الْمُسَخَّرِ فِي عَدَدٍ مَخْصُوصٍ اهـ.
قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الصُّوَرَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي قَبْلَهَا مُوَقَّتَةٌ بِوَقْتٍ خَاصٍّ يَفُوتُ بِإِرْسَالِ الْمُنَادِي لِيُنَادِيَ عَلَى بَابِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
стр. 2241
أَنَّهُ كَفَلَ لَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَى قَدْرٍ مَعْلُومٍ كَانَ لَهُ قَبْلَ الْكَفَالَةِ يَقْضِي عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ قَالَ إنَّهُ كَفِيلٌ بِأَمْرِهِ أَوْ لَا، وَأَمَّا إذَا ادَّعَى أَنَّهُ كَفَلَ لَهُ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ وَالْكَفَالَةُ الْمُطْلَقَةُ هِيَ الْحِيلَةُ فِي إثْبَاتِ الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ ثُمَّ يُبَرِّئُ الْمُدَّعِي الْكَفِيلَ عَنْهَا وَيَبْقَى مَالُهُ عَلَى الْغَائِبِ وَكَذَا إذَا ادَّعَى الْكَفِيلُ بِالْأَمْرِ الْأَدَاءَ وَأَنْكَرَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ الْأَدَاءَ وَالطَّالِبُ غَائِبٌ فَبَرْهَنَ عَلَيْهِ يُقْضَى عَلَيْهِمَا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالْحَوَالَةُ كَالْكَفَالَةِ بَلْ أَوْلَى لِتَضَمُّنِهَا بَرَاءَةَ الْمُحِيلِ الثَّالِثَةُ ادَّعَى شُفْعَةً فَأَنْكَرَ ذُو الْيَدِ الشِّرَاءَ فَبَرْهَنَ الْمُدَّعَى عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ الْغَائِبِ يُقْضَى عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَفِي مَسَائِلَ: الْأُولَى قَذَفَ مُحْصَنًا فَقَالَ الْقَاذِفُ أَنَا عَبْدٌ وَقَالَ الْمَقْذُوفُ أَعْتَقَك مَوْلَاك وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ قُضِيَ عَلَيْهِمَا. الثَّانِيَةُ ادَّعَى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّاهِدَ عَبْدٌ لِفُلَانٍ فَبَرْهَنَ الْمُدَّعِي أَنَّ الْمَالِكَ الْغَائِبَ أَعْتَقَهُ تُقْبَلُ وَيُقْضَى عَلَيْهِمَا وَهِيَ حِيلَةُ إثْبَاتِ الْعِتْقِ عَلَى الْغَائِبِ.
الثَّالِثَةُ قَتَلَ عَمْدًا وَلَهُ وَلِيَّانِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ فَادَّعَى الْحَاضِرُ أَنَّ الْغَائِبَ عَفَا عَنْ نَصِيبِهِ وَانْقَلَبَ نَصِيبُهُ مَالًا وَبَرْهَنَ يُقْضَى عَلَيْهِمَا وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ مَا إذَا كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ حَاضِرٍ وَغَائِبٍ ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ الْغَائِبَ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ وَصَارَ عِنْدَ الْإِمَامِ مُكَاتَبًا فَوَاجِبٌ عَلَى الْحَاضِرِ قَصْرُ الْيَدِ عَنْهُ عِنْدَهُ لَا تُقْبَلُ وَإِنْ تَحَقَّقَتْ السَّبَبِيَّةُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ عِنْدَ الْإِمَامِ لَا لِعَدَمِ الْخَصْمِ بَلْ لِجَهَالَةِ الْمَقْضِيِّ لَهُ بِالْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اخْتَارَ السَّاكِتُ التَّضْمِينَ يَكُونُ مُكَاتَبًا لِلْمُعْتِقِ وَإِنْ اخْتَارَ السِّعَايَةَ يَكُونُ مُكَاتَبًا لِلسَّاكِتِ وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ مَسْأَلَتَانِ فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ: الْأُولَى قَالَ لِغَيْرِهِ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ وَأُمُّهُ مَيِّتَةٌ وَادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً لِفُلَانٍ فَأَقَامَ ابْنُهَا بَيِّنَةً أَنَّ فُلَانًا أَعْتَقَهَا أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ الْقُرَشِيَّةُ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِعِتْقِهَا فِي الْأُولَى وَبِنَسَبِهَا فِي الثَّانِيَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ وَالْمَنْسُوبُ إلَيْهِ غَائِبَيْنِ وَيَقْضِي بِالْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ الثَّانِيَةُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ نَسَبَهُ يَلْتَقِي مَعَ نَسَبِ الْمَيِّتِ إلَى جَدِّ الْمَيِّتِ وَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يَقْضِي لَهُ بِمِيرَاثِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ آبَاؤُهُمْ وَلَا وُكَلَاؤُهُمْ وَفِيهِ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ اهـ.
قَيَّدْنَا بِأَنْ يَكُونَ سَبَبًا لَا مَحَالَةَ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا يَكُونُ سَبَبًا فِي حَالٍ وَلَا يَكُونُ سَبَبًا فِي حَالٍ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ وَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى الْوَكِيلُ بِنَقْلِ الْعَبْدِ إلَى مَوْلَاهُ إذَا بَرْهَنَ الْعَبْدُ عَلَى أَنَّهُ حَرَّرَهُ يُقْبَلُ فِي حَقِّ قَصْرِ يَدِ الْحَاضِرِ لَا فِي حَقِّ ثُبُوتِ الْعِتْقِ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَلَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ لَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ الْوَكِيلُ بِنَقْلِ الْمَرْأَةِ إذَا بَرْهَنَتْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا يُقْبَلُ فِي حَقِّ قَصْرِ يَدِ الْوَكِيلِ لَا فِي إثْبَاتِ الطَّلَاقِ وَقَدْ أَنْكَرَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَالَ فِي التَّحْرِيرِ وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَأْبَى انْتِصَابَ الْحَاضِرِ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَا يُقْضَى عَلَى الْحَاضِرِ بِشَيْءٍ مَا لَمْ يَحْضُرْ الْغَائِبُ وَهُوَ الْقِيَاسُ الظَّاهِرُ إلَّا أَنَّا نَقُولُ بِأَنَّ عَامَّةَ الْخُصُومَاتِ يَتَّصِلُ طَرَفٌ مِنْهَا بِالْغَائِبِ فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ الْحَاضِرُ خَصْمًا لَأَدَّى إلَى إبْطَالِ حُقُوقِ النَّاسِ كَذَا فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ لِلْفَارِسِيِّ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا اعْتَرَضَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ مِنْ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ مَنَعُوا الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ ثُمَّ تَحَيَّلُوا لَهُ بِمَا إذَا كَانَ سَبَبًا وَهُوَ عَيْنُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ اهـ.
وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ سَبَبًا لِمَا يَدَّعِي عَلَى الْحَاضِرِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا كَانَتْ السَّبَبِيَّةُ بِاعْتِبَارِ الْبَقَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مُطْلَقًا وَذَلِكَ فِي مَسَائِلَ: الْأُولَى اشْتَرَى جَارِيَةً وَادَّعَى أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ زَوَّجَهَا مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ وَاشْتَرَاهَا بِلَا عِلْمٍ بِذَلِكَ فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ فَبَرْهَنَ لَمْ يُقْبَلْ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي الْبَقَاءِ لِجَوَازِ الطَّلَاقِ بَعْدَهُ فَلَوْ تَعَرَّضَ الشُّهُودُ لِلْبَقَاءِ لَمْ تُقْبَلْ أَيْضًا بِأَنْ قَالُوا إنَّهَا امْرَأَتُهُ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ تَبَعٌ لِلِابْتِدَاءِ. الثَّانِيَةُ بَرْهَنَ الْمُشْتَرِي فَاسِدًا عَلَى الْبَيْعِ مِنْ غَائِبٍ حِينَ رَامَ الْبَائِعُ فَسْخَ الْبَيْعِ لِلْفَسَادِ لَا يُقْبَلُ مُطْلَقًا وَإِنْ تَعَرَّضُوا لِلْبَقَاءِ.
الثَّالِثَةُ فِي يَدِهِ دَارٌ فَبِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِهَا فَأَرَادَ أَخْذَهَا بِالشُّفْعَةِ فَزَعَمَ الْمُشْتَرِي أَنَّ مَا فِي يَدِ الشَّفِيعِ لِغَائِبٍ فَبَرْهَنَ الشَّفِيعُ عَلَى شِرَائِهَا مِنْ الْغَائِبِ لَا تُقْبَلُ فِي حَقِّهِمَا وَقَيَّدَ بِالسَّبَبِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الشَّرْطِ فِي الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ قَالَ إنْ طَلَّقَ فُلَانٌ امْرَأَتَهُ فَأَنْت طَالِقٌ فَادَّعَتْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَفُلَانٌ غَائِبٌ وَبَرْهَنَ لَا يَصِحُّ وَقِيلَ يَصِحُّ وَبِهِ أَخَذَ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2242
شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْأُوزْجَنْدِيُّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ فِيهِ ابْتِدَاءَ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ زَوْجَهَا قَالَ لَهَا إنْ دَخَلَ فُلَانٌ الدَّارَ فَأَنْتِ كَذَا وَقَدْ دَخَلَ فُلَانُ الْغَائِبُ الدَّارَ وَبَرْهَنَتْ حَيْثُ يُقْبَلُ اتِّفَاقًا وَاَلَّذِي يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِيمَا إذَا أَرَادُوا إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْغَائِبِ أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ حُقُوقِهِ عَلَى النَّاسِ يَدَّعِي وَاحِدٌ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ الْغَائِبَ عَلَّقَ تِلْكَ الْوَكَالَةَ بِبَيْعِ هَذَا الْحَاضِرِ دَارِهِ مِنْ فُلَانٍ بِكَذَا وَقَدْ بَاعَ هَذَا دَارِهِ مِنْ فُلَانٍ وَتَحَقَّقَ الشَّرْطُ وَصَارَ هُوَ وَكِيلًا عَنْ الْغَائِبِ فِي الْقَبْضِ وَلِمُوَكِّلِهِ عَلَى هَذَا الْمُحْضَرِ كَذَا فَيَقُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ نَعَمْ إنَّهُ وَكَّلَهُ كَمَا ذَكَرَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ فَيُقِيمُ الْوَكِيلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ فَيَقْضِي الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ وَالْوَكَالَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى اخْتِيَارِ الْإِمَامِ الْأُوزْجَنْدِيِّ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْغَائِبِ.
كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفَرْقُهُمْ بَيْنَ سَبَبٍ وَسَبَبٍ وَبَيْنَ السَّبَبِ وَالشَّرْطِ عَلَى الصَّحِيحِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ بِنَفَاذِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فِي أَظْهَرْ الرِّوَايَتَيْنِ إنَّمَا هُوَ فِي قَضَاءِ الشَّافِعِيِّ وَأَمَّا الْحَنَفِيُّ فَلَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ الْمَذْكُورِ وَمِنْ مَسَائِلِ الشَّرْطِ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِتَزَوُّجِهِ عَلَيْهَا فَبَرْهَنَتْ أَنَّهُ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فُلَانَةَ الْغَائِبَةَ عَنْ الْمَجْلِسِ هَلْ تُسْمَعُ حَالَ غَيْبَةِ فُلَانَةَ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ فِي حَقِّ الْحَاضِرَةِ وَالْغَائِبَةِ فَلَا طَلَاقَ وَلَا نِكَاحَ وَمِنْ فُرُوعِهِ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَفَلَ بِمَهْرِهَا عَنْ زَوْجِهَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَأَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْكَفَالَةِ وَأَنْكَرَ الْعِلْمَ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ فَبَرْهَنَتْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا يُحْكَمُ لَهَا بِالْمَهْرِ عَلَى الْحَاضِرِ لَا بِالْفُرْقَةِ عَلَى الْغَائِبِ. اهـ.
وَقَدْ عُلِمَتْ حِيلَةُ إثْبَاتِ الْعِتْقِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَفِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ رَجُلٌ لَهُ عَلَى عَبْدٍ مَأْذُونٍ دَيْنٌ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّك كَفَلْت لِي عَنْهُ بِكَذَا إنْ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ وَقَدْ أَعْتَقَهُ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِالْعِتْقِ وَالْمَالِ وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى وَالْعَبْدُ غَائِبَيْنِ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ سَبَبُ ضَمَانِ الْمَوْلَى قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمَدْيُونِ لِغَرِيمِهِ فَكَانَ شَرْطًا مُلَائِمًا لَا تَعْلِيقًا مَحْضًا فَصَحَّ الِالْتِزَامُ بِهِ وَنَابَ الْحَاضِرُ فِي الْخُصُومَةِ عَنْ الْغَائِبِ اهـ.
وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الشَّرْطِ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَأَمَّا حِيلَةُ إثْبَاتِ طَلَاقِ الْغَائِبِ فَكُلُّهَا عَلَى الضَّعِيفِ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ كَالسَّبَبِ فَمِنْهَا حِيلَةُ الْكَفَالَةِ بِمَهْرِهَا مُعَلَّقَةً بِطَلَاقِهِ وَمِنْهَا دَعْوَاهَا كَفَالَةً بِنَفَقَةِ الْعِدَّةِ مُعَلَّقَةً بِالطَّلَاقِ قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَمَعَ هَذَا لَوْ حَكَمَ بِالْحُرْمَةِ نَفَذَ لِاخْتِلَافِ الْمَشَايِخِ اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ فَصْلِ دَعْوَى النِّكَاحِ ادَّعَى عَلَيْهَا أَنَّ زَوْجَهَا الْغَائِبَ طَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَتَزَوَّجَهَا فَأَقَرَّتْ بِزَوْجِيَّةِ الْغَائِبِ وَأَنْكَرَتْ طَلَاقَهُ فَبَرْهَنَ عَلَيْهَا بِالطَّلَاقِ يَقْضِي عَلَيْهَا بِأَنَّهَا زَوْجَةُ الْحَاضِرِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ إذَا حَضَرَ الْغَائِبُ اهـ.
وَقَدَّمْنَا حِيلَتَيْنِ لِإِثْبَاتِ الدَّيْنِ عَلَى غَائِبِ الْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ، وَأَمَّا حِيلَةُ إثْبَاتِ الرَّهْنِ عَلَى الْغَائِبِ قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مَعْزُوًّا الْمُرْتَهِنُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ الْقَاضِي يُقِيمُ رَجُلًا يَدَّعِي رَقَبَةَ الرَّهْنِ فَيُبَرْهِنُ ذُو الْيَدِ أَنَّهُ رَهَنَ عِنْدَهُ فَيَحْكُمُ بِهِ الْقَاضِي وَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ لَا تُقْبَلُ إذْ فِيهِ حُكْمٌ عَلَى غَائِبٍ وَتُقْبَلُ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَهَنَ عِنْدَهُ فَقَدْ اسْتَحْفَظَهُ فَصَارَ خَصْمًا فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ لِلرَّاهِنِ اهـ.
وَأَمَّا حِيلَةُ الْحُكْمِ بِسُقُوطِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ الْمَاضِيَتَيْنِ فَالْقُضَاةُ الْآنَ يَجْعَلُونَهَا بِصُورَةٍ إنْ كَانَتْ لَهَا نَفَقَةٌ وَكِسْوَةٌ عَلَيَّ فَهِيَ طَالِقٌ بَائِنٌ فَيَدَّعِي عَلَيْهِ ذُو حِسْبَةٍ عِنْدَ حَنَفِيٍّ بِوُقُوعِهِ لِكَوْنِهَا لَازِمَةً عَلَيْهِ وَيُطَالِبُهُ بِالتَّفْرِيقِ فَيُجِيبُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَفَرْقُهُمْ بَيْنَ سَبَبٍ وَسَبَبٍ إلَخْ) تَقَدَّمَ جَوَابُهُ قَبْلَ نَحْوِ أَرْبَعَةٍ أَوْرَاقٍ (قَوْلُهُ وَمِنْ مَسَائِلِ الشَّرْطِ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَلَّقَ طَلَاقَهَا إلَخْ) أَيْ مُعَزِّيًا إلَى فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ وَفِيهِ ثُمَّ قَالَ أَيْ رَشِيدُ الدِّينِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْجَوَابِ فِيمَا لَوْ كَانَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ شَرْطًا لِلْمُدَّعِي عَلَى الْحَاضِرِ يَنْظُرُ لَوْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ الْغَائِبُ كَدُخُولِ الدَّارِ وَغَيْرِهِ يَصِيرُ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْهُ لَا لَوْ دَائِرًا بَيْنَ نَفْعٍ وَضَرَرٍ.
(قَوْلُهُ يُحْكَمُ لَهَا بِالْمَهْرِ عَلَى الْحَاضِرِ لَا بِالْفُرْقَةِ عَلَى الْغَائِبِ) عِبَارَةُ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ يُحْكَمُ لَهَا بِالْمَهْرِ عَلَى الْحَاضِرِ وَبِوُقُوعِ الثَّلَاثِ عَلَى الْغَائِبِ فَالْمُدَّعَى بِهِ شَيْئَانِ بَيْنَهُمَا سَبَبِيَّةٌ قَالَ (صذ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ وَهُوَ الْفُرْقَةُ شَرْطُ الْمُدَّعِي عَلَى الْحَاضِرِ لَا سَبَبٌ وَفِي مِثْلِهِ لَا يَنْصِبُ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ بِالْمَهْرِ عَلَى الْحَاضِرِ لَا بِالْفُرْقَةِ عَلَى الْغَائِبِ (صع) فَعَلَى قِيَاسِ مَا قَالَ (صد) يَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ فِي مَسْأَلَةِ (فش) يَعْنِي فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ بِطَلَاقِ الْمُدَّعِيَةِ لَا بِنِكَاحِ الْغَائِبِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ عَلَى الْغَائِبِ إذَا كَانَ شَرْطًا لِمَا يَدَّعِي عَلَى الْحَاضِرِ قِيلَ يَنْتَصِبُ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَقِيلَ لَا مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَقِيلَ يَنْتَصِبُ فِيمَا لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْغَائِبُ لَا فِيمَا يَتَضَرَّرُ وَقِيلَ فِيمَا يَتَضَرَّرُ وَيَقْضِي عَلَى الْحَاضِرِ لَا عَلَى الْغَائِبِ ثُمَّ قَالَ أَقُولُ: هَذَا بَعِيدٌ إذْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَى الْحَاضِرِ فَرْعَ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ الْفَرْعُ بِدُونِ الْأَصْلِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَنْتَصِبَ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ فِي كُلِّ مَا لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ حَقِّهِ عَلَى الْحَاضِرِ إلَّا بِإِثْبَاتِ ذَلِكَ عَلَى الْغَائِبِ سَوَاءٌ كَانَ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا إذَا الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ بِلَا خَصْمٍ عَنْهُ جَائِزٌ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ مَعَ الْخَصْمِ عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى صِيَانَةً لِلْحُقُوقِ وَرِعَايَةً لِلْأُصُولِ. اهـ.
قَالَ فِي نُورِ الْعَيْنِ يَقُولُ الْحَقِيرُ فِي كَلَامِهِ كَلَامٌ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا بَعِيدٌ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ جَوَابَهُ ظَاهِرٌ لِكُلِّ مُتَأَمِّلٍ رَشِيدٍ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ فَالْأَوْلَى مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ آنِفًا عَنْ رَشِيدِ الدِّينِ مِنْ قَوْلِهِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْجَوَابِ إلَخْ اهـ.
ثُمَّ اسْتَشْهَدَ لِلتَّنْظِيرِ بِكَلَامِ الْخَانِيَّةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ إذَا حَضَرَ الْغَائِبُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ خِلَافُهُ
стр. 2243
لَازِمَةً لِعَدَمِ التَّقْرِيرِ وَالرِّضَا فَيُحَلِّفُهُ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ فَيَحْكُمُ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ وَبِعَدَمِ اللُّزُومِ وَلَا شَكَّ الْآنَ فِي صِحَّتِهِ لَكِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَضَرَتْ وَبَرْهَنَتْ عَلَى التَّقْرِيرِ بَطَلَ الْحُكْمُ كَمَا لَا يَخْفَى وَقَيَّدَ بِكَوْنِ السَّبَبِ مَا يَدَّعِي عَلَى الْغَائِبِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى عَكْسِهِ بِأَنْ كَانَ مَا يَدَّعِي عَلَى الْحَاضِرِ سَبَبًا لِمَا يَدَّعِي عَلَى الْغَائِبِ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ كَمَا إذَا كَانَ الْحَاضِرُ هُوَ الْأَصِيلَ وَالْكَفِيلُ غَائِبٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ عَلَى الْأَصِيلِ لَا الْكَفِيلِ كَمَا قَبْلَ الْكَفَالَةِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ عَلَى الْكَفِيلِ دُونَ الْأَصِيلِ وَجَزَمَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ بِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْأَصِيلِ لَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْكَفِيلِ وَتَرَدَّدَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَأَوْرَدَ عَلَى قَوْلِهِمْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْكَفِيلِ دُونَ الْأَصِيلِ مَا إذَا قَالَتْ كَفَلْت بِمَالِك عَلَى زَيْدٍ فَأَقَرَّ الْكَفِيلُ بِأَنَّ لَهُ عَلَى زَيْدٍ كَذَا وَأَنْكَرَهُ زَيْدٌ وَلَا بَيِّنَةَ وَجَبَ الْمَالُ عَلَى الْكَفِيلِ دُونَ الْأَصِيلِ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ قَضَاءٌ عَلَى الْكَفِيلِ.
وَعَنْ ابْنِ سِمَاعَةَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَيْهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَالْمُوَافِقُ لِمَفْهُومِ الْمُتُونِ عَدَمُهُ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْجَوَابُ عَمَّا أَوْرَدَ أَنَّهُ لِكَوْنِ الْإِقْرَارِ حُجَّةً قَاصِرَةً كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْخُلَاصَةِ الطَّرِيقُ إلَى إثْبَاتِ الرَّمَضَانِيَّةِ أَنْ يُعَلِّقَ وَكَالَةً بِدُخُولِهِ فَيَتَنَازَعَانِ فِي دُخُولِهِ فَيَشْهَدُ الشُّهُودُ فَيَقْضِي بِالْوَكَالَةِ وَبِدُخُولِهِ اهـ.
وَعَلَى هَذَا إذَا أُرِيدُ إثْبَاتَ طَلَاقٍ مُعَلَّقٍ بِدُخُولِ شَهْرٍ فَالْحِيلَةُ فِيهِ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ الْغَائِبِ وَعَلَى هَذَا إذَا أُرِيدَ إثْبَاتُ شَيْءٍ مِنْ مِلْكٍ وَوَقْفٍ وَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ فَيُعَلِّقُ وَكَالَةً بِمِلْكِ فُلَانٍ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَيَدَّعِي الْوَكِيلُ فَيَقُولُ الْخَصْمُ وَكَالَتُك مُعَلَّقَةٌ بِمَا لَمْ يُوجَدْ فَيَقُولُ الْوَكِيلُ بَلْ هِيَ مُنَجَّزَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ بِأَمْرٍ كَائِنٍ وَيُبَرْهِنُ عَلَى الْمِلْكِ وَكَذَا فِي الْوَقْفِ يُعَلِّقُهَا بِالْوَقْفِيَّةِ وَفِي النِّكَاحِ بِكَوْنِ فُلَانَةَ زَوْجَةَ فُلَانٍ وَفِي الطَّلَاقِ بِكَوْنِهَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ وَلَا يُعَلِّقُهَا بِفِعْلِ الْغَائِبِ كَإِنْ نَكَحَ إنْ وَقَفَ إنْ طَلَّقَ إنْ مَلَكَ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي الْآنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا التَّقْرِيرُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ كَغَيْرِهِ مِنْ خَوَاصِّ هَذَا الشَّرْحِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
(قَوْلُهُ وَيُقْرِضُ الْقَاضِي مَالَ الْيَتِيمِ وَيَكْتُبُ الصَّكَّ لَا الْوَصِيُّ وَالْأَبُ) ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ مِنْ الْمُسْتَقْرِضِ وَالْوَصِيُّ وَالْأَبُ لَا يَقْدِرَانِ عَلَى ذَلِكَ فَيَضْمَنَانِ بِالْإِقْرَاضِ لِكَوْنِهِ تَبَرُّعًا ابْتِدَاءً وَالْمُرَادُ وَيُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي الْإِقْرَاضُ وَلَا يَجُوزُ لِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُبَاشِرَ الْحِفْظَ بِنَفْسِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الدَّفْعِ لِغَيْرِهِ وَالدَّفْعُ بِالْقَرْضِ أَنْظَرُ لِلْيَتِيمِ لِكَوْنِهِ مَضْمُونًا الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ وَلَا يُقْرِضُ إلَّا مَنْ يَعْرِفُهُ بِالْأَمَانَةِ وَالدِّيَانَةِ وَيَكْتُبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِيَحْفَظَهُ خَوْفَ النِّسْيَانِ لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ وَفِي الْبِنَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى تَاجِ الشَّرِيعَةِ يُقْرِضُ الْقَاضِي إلَى الثِّقَاتِ وَالثِّقَةُ الْمَلِيءُ الْحَسَنُ الْمُعَامَلَةِ وَفِي الْأَقْضِيَةِ إنَّمَا يَمْلِكُ الْقَاضِي الْإِقْرَاضَ إذَا لَمْ تَحْصُلْ غَلَّةٌ لِلْيَتِيمِ أَمَّا إذَا وُجِدَتْ فَلَا يَمْلِكُهُ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ. اهـ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ رَجُلٌ مَلِيءٌ عَلَى فَعِيلٍ غَنِيٌّ مُقْتَدِرٌ وَيَجُوزُ الْإِبْدَالُ وَالْإِدْغَامُ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ لِجَوَازِ إقْرَاضِ الْقَاضِي عَدَمُ وَصِيٍّ لِلْيَتِيمِ فَإِنْ كَانَ لَهُ وَصِيٌّ وَلَوْ مَنْصُوبَ الْقَاضِي لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ مَعَ وُجُودِ وَصِيِّهِ كَمَا فِي بُيُوعِ الْقُنْيَةِ وَسَوَّى الْمُصَنِّفُ بَيْنَ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ مَعَ أَنَّ فِي الْأَبِ رِوَايَتَيْنِ وَلَكِنَّ أَظْهَرَهُمَا أَنَّهُ كَالْوَصِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَفِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى الصَّحِيحُ أَنَّ الْأَبَ كَالْقَاضِي فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمُتُونِ وَأَطْلَقَ فِي مَنْعِ إقْرَاضِ الْأَبِ فَشَمِلَ مَا إذَا أَخَذَ مَالَ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ قَرْضًا لِنَفْسِهِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ الْإِمَامِ وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَفَقَّدَ أَحْوَالَ الَّذِينَ أَقْرَضَهُمْ مَالَ الْأَيْتَامِ حَتَّى إذَا اخْتَلَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ أُخِذَ مِنْهُ الْمَالُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِخْلَاصِهِ إنَّمَا يَقْدِرُ مِنْ الْغَنِيِّ لَا مِنْ الْفَقِيرِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ قَرْضَهُ مِنْ الْمُعْسِرِ ابْتِدَاءً فَكَذَا لَا يَتْرُكُهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي الْآنَ) أَقُولُ: مَا ظَهَرَ لَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِقَوْلِ الْفَتْحِ الْأَصْلُ أَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا لِثُبُوتِ الْحَقِّ لِلْحَاضِرِ مِنْ غَيْرِ إبْطَالِ حَقٍّ لِلْغَائِبِ قُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ فِيهِ إذْ لَيْسَ فِيهِ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ وَمَا تَضَمَّنَ إبْطَالًا عَلَيْهِ لَا تُقْبَلُ اهـ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ دُخُولَ رَمَضَانَ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقٍّ عَلَى الْغَائِبِ فَلِذَا قُبِلَ بِخِلَافِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْغَائِبِ أَوْ طَلَاقِ زَوْجَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِ حُكْمًا عَلَى الْغَائِبِ ابْتِدَاءً بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِ التَّعْلِيقِ بِصِيغَةِ إنْ طَلَّقَ أَوْ إنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً؛ لِأَنَّ الْمَنَاطَ لُحُوقُ الضَّرَرِ فَقِيَاسُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى مَا فِي الْخُلَاصَةِ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَدَبَّرْهُ
(قَوْلُهُ أَمَّا إذَا وَجَدَ فَلَا يَمْلِكُهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ كَمَا إذَا وَجَدَ مَا يَشْتَرِيهِ لَهُ يَكُونُ لَهُ رِبْحٌ وَيُقْرِضُ الْقَاضِي مَالَ الْيَتِيمِ وَيَكْتُبُ الصَّكَّ لَا الْوَصِيُّ وَالْأَبُ أَوْ وَجَدَ مَنْ يُضَارِبُ فِيهِ كَمَا سَيَنْقُلُهُ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ إطْلَاقُ الْمُتُونِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ لَكِنَّهُ تَصَرُّفٌ لَا يَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ وَهُوَ أَحْسَنُ تَصَرُّفًا فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَأَنْظَرَ فَإِذَا قُلْنَا لَمْ يَجُزْ مِنْهُ وَالْوَصِيُّ مَمْنُوعٌ مِنْ الْإِقْرَاضِ امْتَنَعَ النَّظَرُ لِلْيَتِيمِ فِي ذَلِكَ وَلَا قَائِلَ بِهِ تَأَمَّلْ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ حِفْظُ مَالِهِ وَإِنَّمَا يُقْرِضُهُ الْقَاضِي لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى التَّحْصِيلِ كَمَا مَرَّ فَكَأَنَّ الْمُسَوِّغَ لَهُ ضَرُورَةُ الْحِفْظِ وَإِذَا كَانَ لَهُ وَصِيٌّ فَوَضَعَهُ عِنْدَهُ أَقْرَبُ لِحِفْظِهِ مِنْ الْإِقْرَاضِ فَكَانَ فِيهِ نَظَرٌ لِلْيَتِيمِ تَأَمَّلْ لَكِنَّ هَذَا إذَا اتَّجَرَ فِيهِ لِلْيَتِيمِ يَظْهَرُ النَّفْعُ أَمَّا مُجَرَّدُ وَضْعِهِ عِنْدَهُ فَالْإِقْرَاضُ أَنْفَعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ أَمَّا لَوْ هَلَكَ عِنْدَ الْوَصِيِّ فَإِنَّهُ يَهْلِكُ أَمَانَةً
стр. 2244
عِنْدَهُ انْتِهَاءً.
وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إلَى أَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ إقْرَاضِ مَالِ الْوَقْفِ كَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَلَهُ إقْرَاضُ اللُّقَطَةِ مِنْ الْمُلْتَقِطِ وَإِقْرَاضُ مَالِ الْغَائِبِ وَلَهُ بَيْعُ مَنْقُولِهِ إذَا خَافَ التَّلَفَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِمَكَانِ الْغَائِبِ أَمَّا إذَا عَلِمَ فَلَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ بَعْثُهُ إلَى الْغَائِبِ إذَا خَافَ التَّلَفَ قَالُوا وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ مِنْ الْأَبِ إذَا كَانَ مُسْرِفًا مُبَذِّرًا وَيَضَعَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ إنَّمَا يَمْلِكُ الْقَاضِي إقْرَاضَهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَشْتَرِيهِ لَهُ يَكُونُ غَلَّةً لِلْيَتِيمِ لَا لَوْ وَجَدَهُ أَوْ وَجَدَ مَنْ يُضَارِبُ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ وَكَذَا إنَّمَا يُقْرِضُهُ مِنْ مَلِيءٍ اهـ.
وَقَيَّدَ بِالْإِقْرَاضِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ يَمْلِكُ الْبَيْعَ نَسِيئَةً كَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْوَصَايَا وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَلَوْ أَقْرَضَ الْوَصِيُّ لَا يُعَدُّ خِيَانَةً فَلَا يُعْزَلُ بِهِ اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي الْوَصِيِّ فَشَمِلَ وَصِيَّ الْقَاضِي كَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَأَشَارَ بِالْوَصِيِّ إلَى أَنَّ مُتَوَلِّيَ الْوَقْفِ لَيْسَ لَهُ إقْرَاضُ مَالِ الْمَسْجِدِ فَلَوْ أَقْرَضَهُ ضَمِنَ وَكَذَا يَضْمَنُ الْمُسْتَقْرِضُ كَذَا فِي الْخِزَانَةِ وَلَيْسَ لَهُ إيدَاعُهُ إلَّا مِمَّنْ هُوَ فِي عِيَالِهِ كَذَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ الْقَيِّمُ لَوْ أَقْرَضَ مَالَ الْمَسْجِدِ لِيَأْخُذَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَهُوَ أَحْرَزُ مِنْ إمْسَاكِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَفِي الْعُدَّةِ يَسَعُ لِلْمُتَوَلِّي إقْرَاضُ مَا فَضَلَ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ لَوْ أَحْرَزَ. اهـ.
وَقَدَّمْنَا فِي كِتَابِ الْوَقْفِ حُكْمَ مَا إذَا أَقْرَضَ الْمُتَوَلِّي مَالَ الْوَقْفِ بِأَمْرِ الْقَاضِي مِنْ الْإِمَامِ فَمَاتَ مُفْلِسًا وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ لَوْ اسْتَقْرَضَ الْوَصِيُّ مَالَ الْيَتِيمِ وَرَبِحَ بِهِ ثُمَّ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مُدَّةً يَكُونُ مُتَبَرِّعًا إذَا صَارَ ضَامِنًا فَلَا يَتَخَلَّصُ مَا لَمْ يَرْفَعْ أَمْرَهُ إلَى الْحَاكِمِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ مَالَهُ وَقِيلَ يَمْلِكُهُ لَوْ مَلِيًّا اهـ.
وَفِي تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ وَيُصَدَّقُ الْقَاضِي فِيمَا قَالَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْأَوْقَافِ وَأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَالْغَائِبِينَ مِنْ أَدَاءً وَقَبْضٍ. اهـ.
وَفِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ إقْرَاضُ الْقَاضِي أَنْفَعُ لِلصَّبِيِّ وَأَحْوَطُ لِمَالِهِ لِكَوْنِهِ مَضْمُونًا وَلِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِاسْتِرْدَادِ وَقَالُوا الْوَصِيُّ يَمْلِكُ الْإِيدَاعَ لَا الْقَرْضَ وَلَمْ أَرَ حُكْمَ الْجَدِّ فِي جَوَازِ إقْرَاضِهِ عَلَى رِوَايَةِ جَوَازِهِ لِلْأَبِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَالْأَبِ لِقَوْلِهِمْ الْجَدُّ أَبٌ الْأَبِ كَالْأَبِ إلَّا فِي مَسَائِلَ وَيَجِبُ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ جَوَازِ إقْرَاضِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ الْمُعْتَمَدُ إقْرَاضُهُ لِلضَّرُورَةِ كَحَرْقٍ وَنَهْبٍ فَيَجُوزُ اتِّفَاقًا وَاخْتَلَفُوا فِي إعَارَةِ الْأَبِ مَالَ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَفِي الصَّحِيحِ لَا وَفِي الْخِزَانَةِ إذَا أَجَّرَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ أَوْ الْجَدُّ أَوْ الْقَاضِي الصَّغِيرَ فِي عَمَلٍ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ فَالصَّحِيحُ جَوَازُهَا وَإِنْ كَانَتْ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَقَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْقَضَاءِ مَا يَسْتَفِيدُهُ الْقَاضِي بِالتَّوْلِيَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(بَابُ التَّحْكِيمِ) لَمَّا كَانَ مِنْ فُرُوعِ الْقَضَاءِ وَكَانَ أَحَطَّ رُتْبَةً مِنْ الْقَضَاءِ أَخَّرَهُ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ وَإِضَافَتُهُ إلَى وَقْتٍ بِخِلَافِ الْقَضَاءِ لِكَوْنِهِ صُلْحًا مِنْ وَجْهٍ وَلَهُ مَعْنَيَانِ لُغَوِيٌّ وَاصْطِلَاحِيٌّ أَمَّا الْأَوَّلُ يُقَالُ حَكَّمْت الرَّجُلَ تَحْكِيمًا إذَا مَنَعْته مِمَّا أَرَادَ وَيُقَالُ أَيْضًا حَكَّمْته فِي مَالِي إذَا جَعَلْت إلَيْهِ الْحُكْمَ فِيهِ فَاحْتَكَمَ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ وَاحْتَكَمُوا إلَى الْحَاكِمِ وَتَحَاكَمُوا بِمَعْنًى وَالْمُحَاكَمَةُ الْمُخَاصَمَةُ إلَى الْحَاكِمِ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالْمُرَادُ الثَّانِي فَهُوَ فِي اللُّغَةِ جَعْلُ الْحُكْمِ فِي مَالِكِ إلَى غَيْرِك وَفِي الْمُحِيطِ تَفْسِيرُ التَّحْكِيمِ تَصْيِيرُ غَيْرِهِ حَاكِمًا، وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَهُوَ تَوْلِيَةُ الْخَصْمَيْنِ حَاكِمًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا وَرُكْنُهُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ مَعَ قَبُولِ الْآخَرِ فَلَوْ حَكَّمَا رَجُلًا فَلَمْ يَقْبَلْ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ إلَّا بِتَجْدِيدِ التَّحْكِيمِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
[شَرْطُ التَّحْكِيم]
وَشَرْطُهُ مِنْ جِهَةِ الْمُحَكِّمِ بِالْكَسْرِ الْعَقْلُ لَا الْحُرِّيَّةُ فَتَحْكِيمُ الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ صَحِيحٌ وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِسْلَامُ فِيهِ فَتَحْكِيمُ الذِّمِّيِّ ذِمِّيًّا صَحِيحٌ وَتَحْكِيمُ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفٌ عِنْدَهُ فَإِنْ حَكَمَ ثُمَّ قُتِلَ الْمُرْتَدُّ أَوْ لَحِقَ بَطَلَ الْحُكْمُ وَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَ وَعِنْدَهُمَا جَائِزٌ بِكُلِّ حَالٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَمِنْ جِهَةِ الْمُحَكَّمِ بِالْفَتْحِ صَلَاحِيَّتُهُ لِلْقَضَاءِ بِكَوْنِهِ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ فَلَوْ حَكَّمَ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ لَمْ يَصِحَّ وَتُشْتَرَطُ الْأَهْلِيَّةُ وَقْتَهُ وَوَقْتَ الْحُكْمِ جَمِيعًا فَلَوْ حَكَّمَا عَبْدًا فَعَتَقَ أَوْ صَبِيًّا فَبَلَغَ أَوْ ذِمِّيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ حَكَمَ لَمْ يَنْفُذْ كَمَا فِي الْمُقَلِّدِ وَلَوْ حَكَّمَا حُرًّا أَوْ عَبْدًا فَحَكَمَ الْحُرُّ وَحْدَهُ لَمْ يَجُزْ وَكَذَا إذَا حَكَّمَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَكَذَا لَوْ كَانَ مُسْلِمًا وَقْتَ التَّحْكِيمِ ثُمَّ ارْتَدَّ لَمْ يَنْفُذْ وَلَوْ حَكَمَ ذِمِّيٌّ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ فَأَجَازَا لَمْ يَجُزْ كَحُكْمِهِ
ــ
[منحة الخالق]
[بَابُ التَّحْكِيمِ]
ِ (قَوْلُهُ كَمَا فِي الْمُقَلَّدِ) بِفَتْحِ اللَّامِ مُشَدَّدَةً أَيْ مَنْ قَلَّدَهُ السُّلْطَانُ الْقَضَاءَ.
стр. 2245
ابْتِدَاءً كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فِي حَقِّ كَافِرٍ فَلَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَيَنْفُذُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَيْضًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَلِهَذَا قَالُوا لَوْ صَلَحَ الْمُحَكَّمُ قَاضِيًا وَلَمْ يَقُولُوا لَوْ صَلَحَ شَاهِدًا؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يُشْتَرَطُ صَلَاحِيَّتُهُ وَقْتَ التَّحَمُّلِ وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ وَقْتَ الْأَدَاءِ فَقَطْ، وَأَمَّا الْقَاضِي وَالْمُحَكَّمُ فَتُشْتَرَطُ وَقْتَ التَّقْلِيدِ وَالْقَضَاءِ كَمَا عَلِمْته وَزَادَ الْحُكْمُ اشْتِرَاطَهَا فِيمَا بَيْنَهُمَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَسَائِلِ الْمُخَالِفَةِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَحْكُومِ بِهِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي حَدٍّ وَقَوَدٍ.
وَصِفَتُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ الْجَوَازُ وَبَعْدَهُ اللُّزُومُ وَجَوَازُهُ بِالْكِتَابِ ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] وَفِيهِ نَظَرٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِهِ وَوَجْهُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُحَكِّمَيْنِ لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَيْهِ خُصُوصًا أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ فَابْعَثُوا عَائِدٌ إلَى الْحُكَّامِ الْعَائِدِ إلَيْهِمْ ضَمِيرُ فَإِنْ خِفْتُمْ وَلِأَنَّ الْحَكَمَ عِنْدَنَا إنَّمَا يَصْلُحُ فَقَطْ وَلَيْسَ لَهُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ فَهُوَ وَكِيلٌ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
وَبِالسُّنَّةِ كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ «قَالَ أَبُو شُرَيْحٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَوْمِي إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ فَأَتَوْنِي فَحَكَمْت بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ عَنِّي الْفَرِيقَانِ فَقَالَ ﵊ مَا أَحْسَنَ هَذَا» وَأُجْمِعَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ عَمِلَ بِحُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ لَمَّا اتَّفَقَتْ الْيَهُودُ عَلَى الرِّضَا بِحُكْمِهِ فِيهِمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَوَى أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ عُمَرَ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ مُنَازَعَةٌ فِي نَخْلٍ فَحَكَّمَا بَيْنَهُمَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَأَتَيَاهُ فَخَرَجَ زَيْدٌ فَقَالَ لِعُمَرَ هَلَّا بَعَثْت إلَيَّ فَأَتَيْتُك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ عُمَرُ فِي بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُ قَدْ خَلَا بَيْتُهُ فَأَلْقَى لِعُمَرَ وِسَادَةً فَقَالَ عُمَرُ هَذَا أَوَّلُ جَوْرِك وَكَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ زَيْدٌ لِأُبَيٍّ لَوْ أَعْفَيْت أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ عُمَرُ يَمِينٌ لَزِمَتْنِي فَقَالَ أُبَيٌّ نُعْفِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَنُصَدِّقُهُ وَلْيُعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِأَحَدٍ مِنْهُمَا فِي هَذِهِ الْخُصُومَةِ التَّلْبِيسُ وَإِنَّمَا هِيَ لِاشْتِبَاهِ الْحَادِثَةِ عَلَيْهِمَا فَتَقَدَّمَا إلَى الْحُكْمِ لِلتَّبْيِينِ لَا لِلتَّلْبِيسِ وَفِيهِ جَوَازُ التَّحْكِيمِ وَإِنَّ زَيْدًا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفِقْهِ وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ أَنَّ الْحُكْمَ مِنْ الْإِمَامِ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي الْمُوَلَّى اهـ.
فَعَلَى هَذَا إذَا رَفَعَ حُكْمَهُ إلَى قَاضٍ لَا يَرَاهُ أَمْضَاهُ فَلْيَحْفَظْ وَفِي الْمُحِيطِ الْإِمَامُ الَّذِي اسْتَعْمَلَ الْقَاضِي أَمَرَ رَجُلًا مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ جَازَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي الْمُوَلَّى وَلَوْ أَمَرَ الْقَاضِي رَجُلًا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ لَمْ يَجُزْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا بِالِاسْتِخْلَافِ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْقَاضِي بَعْدَ الْحُكْمِ أَوْ يَتَرَاضَى عَلَيْهِ الْخَصْمَانِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يَخْتَلِفُ إلَيْهِ وَيَأْخُذُ بِرِكَابِهِ عِنْدَ رُكُوبِهِ وَقَالَ هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَصْنَعَ بِفُقَهَائِنَا فَقَبَّلَ زَيْدٌ يَدَهُ وَقَالَ هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَصْنَعَ بِأَشْرَافِنَا وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَكُونُ قَاضِيًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّ مَنْ احْتَاجَ إلَى الْعِلْمِ يَأْتِي إلَى الْعَالِمِ فِي بَيْتِهِ وَلَا يَبْعَثُ إلَيْهِ لِيَأْتِيَهُ وَإِنْ كَانَ أَوْجَهَ النَّاسِ.
وَأَمَّا إلْقَاءُ زَيْدٍ الْوِسَادَةَ فَاجْتِهَادٌ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «إذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ» «وَبَسَطَ النَّبِيُّ ﷺ رِدَاءَهُ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ» وَأَنَّ الْخَلِيفَةَ لَيْسَ كَغَيْرِهِ وَاجْتِهَادُ عُمَرَ عَلَى تَخْصِيصِ هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ عُمُومِ الْأَوَّلِ وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْحَلِفِ صَادِقًا وَامْتِنَاعُ عُثْمَانَ حِينَ لَزِمَتْهُ كَانَ لِأَمْرٍ آخَرَ وَأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّ الْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا وَتَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ تَبَعًا لِمَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَبَعْضُ عُلَمَائِنَا كَانُوا يَقُولُونَ أَكْثَرُ قُضَاةِ عَهْدِنَا فِي بِلَادِنَا أَكْثَرُهُمْ مُصَالِحُونَ؛ لِأَنَّهُمْ تَقَلَّدُوا الْقَضَاءَ بِالرِّشْوَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ حَكَمًا بِتَرَافُعِ الْقَضِيَّةِ إلَيْهِمْ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الرَّفْعَ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ التَّحْكِيمِ بَلْ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ قَاضٍ مَاضِي الْحُكْمِ وَرَفْعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ قَدْ يَكُونُ بِالْإِشْخَاصِ وَالْجَبْرِ فَلَا يَكُونُ حَكَمًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي ابْتِدَاءً لَكِنْ إذَا تَقَدَّمَ بَيْعٌ بَاطِلٌ أَوْ فَاسِدٌ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ التَّعَاطِي لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ لِكَوْنِهِ عَلَى سَبَبٍ آخَرَ كَذَا هُنَا وَلِهَذَا قَالَ السَّلَفُ الْقَاضِي النَّافِذُ حُكْمُهُ أَعَزُّ مِنْ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ اهـ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي الطَّبَقَاتِ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ الدَّامَغَانِيَّ تِلْمِيذُ الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ لَمَّا تَوَلَّى الْقَضَاءَ بِوَاسِطٍ كَانَ يَقُولُ لِلْخَصْمَيْنِ أَنْظُرُ بَيْنَكُمَا فَإِنْ قَالَا نَعَمْ نَظَرَ وَتَارَةً يَقُولُ أَحْكُمُ بَيْنَكُمَا اهـ.
(قَوْلُهُ حَكَّمَا رَجُلًا لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا فَحَكَمَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ كَانَ يَخْتَلِفُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَرَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِ مَشَايِخِنَا مُنْلَا عَلِيٌّ التُّرْكُمَانِيُّ أَمِينُ الْفَتْوَى بِدِمَشْقَ عَلَى هَامِشِ نُسْخَتِهِ الْبَحْرِ الَّتِي بِخَطِّهِ أَنْشَدَنِي أَخُونَا الْفَاضِلُ الْمُحَدِّثُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْكَرِيمِ الشَّرَابَاتِيُّ قَالَ أَنْشَدَنِي الشَّيْخُ عَلِيٌّ الدَّبَّاغُ الْحَلَبِيُّ بِأُمَوِيِّ حَلَبَ
خِدْمَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَسْنُونَةٌ ... قَدْ سَنَّهَا آلُ النَّبِيِّ النِّجَابُ
هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى فَضْلِهِ ... أَمْسَكَ مِنْ بَغْلَةِ زَيْدٍ الرِّكَابَ
(قَوْلُهُ وَاجْتِهَادُ عُمَرَ) أَيْ حَيْثُ جَعَلَ إلْقَاءَهُ الْوِسَادَةَ جَوْرًا وَالْمُرَادُ بِالْحَالَةِ حَالَةُ الْحُكُومَةِ وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ الْحَدِيثُ السَّابِقُ
следующие страницы →