Полный текст (3 122 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
يُسْتَحَقَّ شَيْءٌ مِنْ الرَّقَبَةِ عِنْدَ الْكِتَابَةِ فَإِذَا أَعْتَقَ بَعْضَ الرَّقَبَةِ نَفَذَ ذَلِكَ بِالتَّدْبِيرِ وَسَقَطَ حِصَّتُهُ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِهِ أَمَّا هُنَا فَالْكِتَابَةُ وَقَعَتْ بَعْدَ التَّدْبِيرِ وَمَالِيَّةُ الثُّلُثِ قَدْ سَقَطَتْ فَكَانَ الْبَدَلُ بِأَدَاءِ الثُّلُثَيْنِ ضَرُورَةً وَلَيْسَ هَذَا كَمَا إذَا أَدَّى فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الثُّلُثِ قَدْ سَقَطَ بِالتَّدْبِيرِ وَفِي الْمَبْسُوطِ لَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ الْمَدْيُونَ فَلِلْغُرَمَاءِ بَعْضُهَا؛ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ إبْطَالَ حَقِّهِمْ فَإِذَا أَخَذَ الْمَوْلَى الْكِتَابَةَ، ثُمَّ عَلِمُوا فَلَهُمْ أَخْذُهَا مِنْ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدٍ مَأْذُونٍ وَمَدْيُونٍ وَالْغُرَمَاءَ أَحَقُّ بِأَكْسَابِهِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ فَكَذَا بَعْدَهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ ضَرَبَ عَلَى عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ الْمَدْيُونِ ضَرِيبَةَ مَالٍ صَحَّ وَمَا يَأْخُذُ الْمَوْلَى مِنْ الضَّرِيبَةِ مُسَلَّمٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الضَّرِيبَةَ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ بِالِاسْتِخْدَامِ فَكَذَا لَهُ الضَّرِيبَةُ بَدَلًا عَنْهُ وَإِنْ بَقِيَ مِنْ دَيْنِهِمْ شَيْءٌ ضَمِنَ لَهُ الْمَوْلَى قِيمَتَهُ وَيَسْعَى فِي بَقِيَّةِ دَيْنِهِمْ. وَلَا يَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَى الْعَبْدِ بِمَا أَدَّى.
وَكَذَا لَوْ قَضَى الْمَوْلَى دَيْنَهُمْ جَازَتْ الْكِتَابَةُ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا أَدَّى مِنْ دَيْنِهِمْ أَمَةً مَأْذُونَةً فِي التِّجَارَةِ وَعَلَيْهَا دَيْنٌ فَوَلَدَتْ فَكَاتَبَ السَّيِّدُ الْوَلَدَ وَعَتَقَهُ فَلِلْغُرَمَاءِ رَدُّ الْكِتَابَةِ وَفِي الْعِتْقِ يَضْمَنُ الْمَوْلَى قِيمَةَ الْوَلَدِ.
[دَبَّرَ مُكَاتَبَهُ]
قَالَ ﵀ (وَإِنْ دَبَّرَ مُكَاتَبَهُ صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ تَنْجِيزَ الْعِتْقِ فَيَمْلِكُ التَّعْلِيقَ بِشَرْطٍ، وَهَذَا التَّصَرُّفُ نَافِعٌ لَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَمُوتَ الْمَوْلَى قَبْلَ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَيَعْتِقُ مَجَّانًا أَوْ يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَيَبْقَى مُدَبَّرًا قَالَ ﵀ (وَإِنْ عَجَزَ بَقِيَ مُدَبَّرًا لِوُجُودِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهُ) قَالَ ﵀ (وَإِلَّا سَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ أَوْ ثُلُثَيْ الْبَدَلِ بِمَوْتِهِ مُعْسِرًا) يَعْنِي إنْ لَمْ يَعْجِزْ وَمَاتَ الْمَوْلَى مُعْسِرًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ أَوْ ثُلُثَيْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَقَالَا يَسْعَى فِي الْأَقَلُّ مِنْهُمَا فَالْخِلَافُ فِي الْخِيَارِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ وَعَدَمِهِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ، وَأَمَّا الْمِقْدَارُ هُنَا فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ مُقَابَلٌ بِكُلِّ الرَّقَبَةِ إنْ لَمْ يُسْتَحَقَّ شَيْءٌ مِنْ الْحُرِّيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِذَا عَتَقَ بَعْضُ الرَّقَبَةِ مَجَّانًا بَعْدَ ذَلِكَ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَقَدَّمَ بِالتَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ لَهُ تَدْبِيرَ الثُّلُثَيْنِ فَيَكُونُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ مُقَابِلًا لِمَا لَمْ يُسَلَّمْ وَهُوَ الثُّلُثُ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَعْتَقَ مُكَاتَبَهُ عَتَقَ) ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَائِمٌ فِيهِ وَهُوَ الشَّرْطُ لِنُفُوذِ الْعِتْقِ قَالَ ﵀ (وَسَقَطَ بَدَلُ الْكِتَابَةِ) ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ لِيَحْصُلَ الْعِتْقُ، وَقَدْ حَصَلَ بِدُونِهِ، وَكَذَا الْمَوْلَى كَانَ يَسْتَحِقُّهُ مُقَابَلًا بِالتَّحْرِيرِ، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ بِالْإِعْتَاقِ مَجَّانًا وَالْكِتَابَةُ وَإِنْ كَانَتْ لَازِمَةً مِنْ جَانِبِ الْمَوْلَى لَكِنَّهَا تُفْسَخُ بِالتَّرَاضِي بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْ الْمَوْلَى بِالْإِقْدَامِ عَلَى الْعِتْقِ وَمِنْ الْعَبْدِ بِحُصُولِ غَرَضِهِ بِلَا عِوَضٍ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ مُؤَجَّلَةٍ فَصَالَحَهُ عَلَى نِصْفِ حَالٍّ صَحَّ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ عَنْ أَجَلٍ وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ وَالدَّيْنَ مَالٌ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ وَلَا فِي مُكَاتَبِ الْغَيْرِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ كَانَ رِبًا وَذَلِكَ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ غَيْرُ جَائِزٍ وَعَقْدُ الْمُكَاتَبَةِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَا يَنْتَقِضُ بِالْمَهْرِ وَالطَّلَاقِ الْمُقَابَلِ بِالْمَالِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ، وَكَذَا أَنْ تَقُولَ قَوْلُهُ وَالدَّيْنُ مَالٌ مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ لَوْ حَلَفَ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ وَلَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيءٍ أَوْ مُعْسِرٍ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي الْأَيْمَانِ فَتَأَمَّلْ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْأَجَلَ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ إلَّا بِهِ فَأَعْطَى لَهُ حُكْمَ الْمَالِ وَبَدَلَ الْكِتَابَةِ مِنْ وَجْهٍ غَيْرَ مَالٍ حَتَّى لَا تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِهِ فَاعْتَدَلَا بِخِلَافِ الْعَقْدِ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مِنْ وَجْهٍ فَكَانَ رِبًا؛ وَلِأَنَّ الصُّلْحَ أَمْكَنَ جَعْلُهُ فَسْخًا لِلْكِتَابَةِ السَّابِقَةِ وَتَجْدِيدَ الْعَقْدِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ حَالَّةٍ قَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ فِي قَوْلِهِ الْأَجَلُ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ مَالٌ فِيهِ مُنَاقَشَةٌ ظَاهِرَةٌ إذْ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الِاسْتِقْرَاضَ جَائِزٌ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ صَحَّتْ الْكِتَابَةُ حَالًّا وَأَقُولُ: هَذِهِ الْمُنَاقَشَةُ إنَّمَا تُظْهِرُ أَنْ لَوْ أَرَادُوا نَفْيَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ إلَّا بِهِ نَفْيَ الْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ وَهِيَ أَدَاءُ مَا يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ الْأَدَاءِ.
وَأَمَّا إذَا أَرَادُوا بِذَلِكَ نَفْيَ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ وَهُوَ مَا يُوجِبُ الْيُسْرَ عَلَى الْأَدَاءِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فَلَا يَكُونُ لِلْمُنَاقَشَةِ مَجَالٌ لِظُهُورِ أَنَّ الْيُسْرَ عَلَى الْأَدَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْأَجَلِ فَتَأَمَّلْ قَالَ فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ صَالَحَهُ مِنْ الْكِتَابَةِ عَلَى عَيْنٍ جَازَ؛ لِأَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَنِ وَالِاسْتِبْدَالُ بِالثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ جَائِزٌ وَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهَا فِي الْمَجْلِسِ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُمَا افْتَرَقَا عَنْ عَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى وَصْفٍ أَبْيَضَ فَصَالَحَهُ عَلَى وَصْفَيْنِ أَبْيَضَيْنِ يَدًا بِيَدٍ جَازَ؛ لِأَنَّهُ صَالَحَهُ عَلَى دَيْنٍ بِعَيْنٍ فَيَجُوزُ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الْمَوْلَى مُكَاتَبَةً بِمَا عَلَيْهِ سَنَةً يَخْدُمُهُ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ وَعَتَقَ الْعَبْدُ لِلْحَالِّ؛ لِأَنَّ مَوْلَاهُ مَلَكَ بَدَلِ الْكِتَابَةِ بِالتَّعْجِيلِ فَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ عَنْهُ فَإِنْ خَدَمَهُ الْمُكَاتَبُ شَهْرًا، ثُمَّ مَاتَ انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ وَبَرِئَ الْمُكَاتَبُ مِنْ صِحَّةِ مَا خَدَمَ
стр. 2592
وَالْبَاقِي دَيْنٌ عَلَيْهِ اهـ.
[فُرُوعٌ اخْتَلَفَ الْمَوْلَى وَالْعَبْدُ فَقَالَ الْعَبْدُ كَاتَبْتنِي عَلَى أَلْفٍ وَقَالَ عَلَى أَلْفَيْنِ]
(فُرُوعٌ) إذَا اخْتَلَفَ الْمَوْلَى وَالْعَبْدُ فَقَالَ الْعَبْدُ كَاتَبْتنِي عَلَى أَلْفٍ، وَقَالَ عَلَى أَلْفَيْنِ أَوْ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الْمَالِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى الْمَوْلَى الْبَيِّنَةُ، وَإِذَا جَعَلَ الْقَاضِي الْقَوْلَ قَوْلَ الْعَبْدِ مَعَ يَمِينِهِ وَأَلْزَمَهُ الْمَالَ وَأَقَامَ الْمَوْلَى الْبَيِّنَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَلْفَيْنِ لَزِمَهُ أَلْفَانِ وَيَسْعَى فِيهِمَا وَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ فَأَدَّى الْأَلْفَ وَعَتَقَ، ثُمَّ أَقَامَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَفِي الِاسْتِحْسَانِ عَتَقَ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ أُخْرَى وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا أَدَّى مِقْدَارَ مَا أَقَامَ بِهِ الْبَيِّنَةَ يُعْتَقُ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَلَوْ ادَّعَى كِتَابَةً فَاسِدَةً وَالْآخَرُ جَائِزَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْجَائِزَةَ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ مَنْ يَدَّعِي الْفَاسِدَةَ وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا ادَّعَى الْمُكَاتَب أَنَّهَا وَقَعَتْ فَاسِدَةً بِأَنْ قَالَ كَاتَبْتنِي عَلَى أَلْفٍ وَرِطْلِ خَمْرٍ وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى وَيَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ الْكِتَابَةُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْضِيَ بِجَوَازِ الْكِتَابَةِ بِقَوْلِ الْآمِرِ؛ لِأَنَّ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُعْجِزَ نَفْسَهُ وَيَفْسَخَ الْكِتَابَةَ أَلَا تَرَى إلَى مَا ذَكَرَ فِي الشَّهَادَةِ إذْ أَقَامَ الْمَوْلَى الْبَيِّنَةَ عَلَى الْعَبْدِ أَنَّهُ كَاتَبَهُ بِأَلْفٍ وَأَنْكَرَ الْعَبْدُ ذَلِكَ فَالْقَاضِي لَا يَقْضِي بِبَيِّنَةِ الْمَوْلَى وَجَوَابُ مَا ذَكَرَ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ إنَّهُ لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُعْجِزَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي.
[الْمَرِيضَ إذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفَيْنِ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَمَاتَ الْمَوْلَى]
قَالَ ﵀ (مَاتَ مَرِيضٌ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفَيْنِ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ أَدَّى ثُلُثَيْ الْبَدَلِ حَالًّا وَالْبَاقِي إلَى أَجَلِهِ أَوْ رُدَّ رَقِيقًا) يَعْنِي الْمَرِيضَ إذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفَيْنِ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَمَاتَ الْمَوْلَى وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي ثُلُثَيْ الْأَلْفَيْنِ حَالًّا وَالْبَاقِي إلَى أَجَلِهِ أَوْ يُرَدَّ رَقِيقًا، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُؤَدِّي ثُلُثَيْ الْأَلْفِ حَالًّا وَالْبَاقِي إلَى أَجَلِهِ أَوْ يُرَدُّ رَقِيقًا؛ لِأَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَتْرُكَ الزِّيَادَةَ بِأَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى قِيمَتِهِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الزِّيَادَةَ وَهِيَ أَلْفُ دِرْهَمٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَصَارَ كَمَا لَوْ خَالَعَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ عَلَى أَلْفٍ إلَى سَنَةٍ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ فَصَارَ كُلُّهُ مُؤَجَّلًا كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْخُلْعِ وَلَهُمَا أَنَّ جَمِيعَ الْمُسَمَّى بَدَلُ الرَّقَبَةِ حَتَّى جَرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِبْدَالِ مِنْ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَغَيْرِهَا وَحَقُّ الْوَرَثَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُبْدَلِ كُلِّهِ فَكَذَا بِالْبَدَلِ بِخِلَافِ الْخُلْعِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ فِيهِ لَا يُقَابِلُ الْمَالَ وَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ الْوَرَثَةُ بِالْمُبْدَلِ فَكَذَا لَا تَتَعَلَّقُ بِالْبَدَلِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُحَابَاةَ بِالْأَجَلِ فَيُعْتَبَرُ فِي جَمِيعِ الثَّمَنِ وَصِيَّةٌ مِنْ الثُّلُثِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ الْأَجَلُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْقِيمَةِ يَصِحُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَيُعْتَبَرُ فِي قَدْرِ الْقِيمَةِ مِنْ الثُّلُثِ قَيَّدْنَا وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ فَفِي الْعَتَّابِيَّةِ وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ أَدَّى ثُلُثَ الْقِيمَةِ حَالًّا أَوْ رُدَّ رَقِيقًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ فِي الْقَدْرِ وَهُوَ إسْقَاطُ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَالتَّأْخِيرَ وَهُوَ تَأْجِيلُهُ الْأَلْفَ فَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ فِي ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ لَا فِي الْإِسْقَاطِ وَلَا فِي حَقِّ التَّأْخِيرِ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ مَرِيضٌ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِ فَمَاتَ وَلَا مَالَ غَيْرُهُ يُقَالُ عَجِّلْ لِي ثُلُثَيْ الْبَدَلِ وَالثُّلُثَ مُؤَجَّلًا كَمَا هُوَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ يُرَدُّ فِي الرِّقِّ وَفِيهِ أَيْضًا لَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ فِي الصِّحَّةِ، ثُمَّ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِاسْتِيفَاءِ بَدَلِهَا صُدِّقَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِالْعَقْدِ فَصَحَّ إقْرَارُهُ بِالِاسْتِيفَاءِ كَمَا لَوْ بَاعَ أَجْنَبِيًّا فِي الصِّحَّةِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ فِي الْمَرَضِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ لَمْ يُقْبَلْ فِي شَيْءٍ وَيُعْتَقُ الْعَبْدُ بِزَعْمِهِ وَيُؤْخَذُ بِالْكِتَابَةِ، وَلَوْ قَالَ إنْ مِتُّ فَكَاتِبُوا هَذَا الْعَبْدَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ عِتْقَهُ فَيَمْلِكُ الْإِيصَاءَ وَمَنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ فِي مَرَضِهِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ فَأَجَازَهُ الْوَرَثَةُ فِي حَيَاتِهِمْ فَلَهُمْ الْإِبْقَاءُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ فِي صِحَّتِهِ عَلَى أَلْفٍ وَقِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ فَأَعْتَقَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا حَتَّى مَاتَ سَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ عِنْدَ هُمَا وَتَبْطُلْ الْكِتَابَةُ، وَقَالَ الْإِمَامُ يَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ وَإِنْ شَاءَ سَعَى فِي ثُلُثَيْ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ فَإِنْ قَبَضَ الْمَوْلَى خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ هَالِكًا لَمْ يُحْسَبْ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا أَدَّى وَصَارَ مَالُ الْكِتَابَةِ مَا بَقِيَ فَيَسْعَى فِي ثُلُثَيْ كِتَابَتِهِ؛ لِأَنَّ ثُلُثَيْ كِتَابَتِهِ وَثُلُثَيْ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ سَوَاءٌ، وَعِنْدَهُمَا يَسْعَى فِي ثُلُثِ قِيمَتِهِ، وَلَوْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ الْمِائَةَ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ سَعَى فِي ثُلُثَيْ الْمِائَةِ بِالْإِجْمَاعِ اهـ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ مَنْ أَعْتَقَ مُكَاتَبَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ يُنْظَرْ إنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ مَجَّانًا وَإِنْ كَانَ لَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ يُنْظَرُ إلَى ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ وَإِلَى ثُلُثَيْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَلَهُ الْخِيَارُ يَسْعَى فِي أَيِّهِمَا شَاءَ عِنْدَ الْإِمَامِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ عَنْدَهُ أَنَّ مِلْكَهُ كَامِلٌ لَهُ وَإِنَّمَا بَاشَرَ الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ لِيَحْتَرِزَ عَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَ صَحِيحٍ وَمَرِيضٍ قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مَرِضَ أَحَدُهُمَا وَكَاتَبَهُ الصَّحِيحُ بِإِذْنِهِ جَازَ وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ إبْطَالُهُ، وَكَذَا إذَا أَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ وَقَبَضَ بَدَلَ الْكِتَابَةِ، ثُمَّ مَاتَ الْمَرِيضُ لَمْ يَكُنْ
стр. 2593
لِلْوَارِثِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا وَفِي الْجَامِعِ مُكَاتَبٌ أَقَرَّ لِمَوْلَاهُ فِي صِحَّتِهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَدْ كَانَ الْمَوْلَى كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ وَأَقَرَّ الْمُكَاتَبُ فِي صِحَّتِهِ لِأَجْنَبِيٍّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَمَرِضَ الْمُكَاتَبُ وَفِي يَدِهِ أَلْفٌ فَقَضَاهَا الْمَوْلَى مِنْ الْمُكَاتَبِ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهَا فَالْأَلْفُ تُقْسَمُ بَيْنَ الْمَوْلَى وَالْأَجْنَبِيِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ سَهْمَانِ لِلْمَوْلَى وَسَهْمٌ لِلْأَجْنَبِيِّ.
وَلَوْ أَنَّ الْمُكَاتَبَ أَدَّى الْأَلْفَ إلَى الْمَوْلَى مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ، ثُمَّ مَاتَ فَالْأَجْنَبِيُّ أَحَقُّ بِهَذِهِ الْأَلْفِ وَبَطَلَ دَيْنُ الْمَوْلَى وَمُكَاتَبَتُهُ وَإِنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَفَاءٍ فَرُدَّ فِي الرِّقِّ وَمَاتَ عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى وَيَبْطُلُ دَيْنُ الْمَوْلَى وَكِتَابَتُهُ، وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْ الْمَوْلَى الْأَلْفَ وَمَاتَ وَتَرَكَهَا فَهِيَ لِلْأَجْنَبِيِّ، وَلَوْ تَرَكَ الْمُكَاتَبُ ابْنَا وُلِدَ لَهُ فِي الْكِتَابَةِ فَالْأَجْنَبِيُّ أَحَقُّ بِهَذِهِ الْأَلْفِ أَيْضًا وَيَبِيعُ الْمَوْلَى ابْنَ الْمُكَاتَبِ بِالدَّيْنِ وَالْكِتَابَةِ، وَإِذَا أَدَّى الِابْنُ الْكِتَابَةَ وَالدَّيْنَ لَا يُنْقَضُ الْقَضَاءُ لِلْأَجْنَبِيِّ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فِي صِحَّتِهِ وَأَقْرَضَهُ أَجْنَبِيٌّ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ مَرِضَ الْمُكَاتَبُ وَأَقْرَضَهُ الْمَوْلَى أَلْفَ دِرْهَمٍ بِمُعَايَنَةِ الشُّهُودِ فَسُرِقَتْ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَفِي يَدِ اُلْمُكَا تُبْ أَلْفُ دِرْهَمٍ أُخْرَى فَقَضَاهَا الْمَوْلَى فَالْمَوْلَى أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا مِنْ الْمَوْلَى بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَلْفٌ فَهَلَكَ الْعَبْدُ وَفِي يَدِ الْمُكَاتَبِ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَا غَيْرُ فَقَضَاهَا الْمَوْلَى مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ فَمَاتَ الْمُكَاتَبُ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَمَا قَبَضَ الْمَوْلَى مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ لَا يُسَلَّمْ لِلْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ بِمُعَايَنَةِ الشُّهُودِ فَيَسْتَرِدُّ الْأَلْفَ وَيَدْفَعُ إلَى الْأَجْنَبِيِّ وَالْفَرْقُ أَنَّ صُورَةَ الْقَرْضِ الْمُمَاثِلَةَ ظَاهِرَةٌ فَيُقَدَّمُ الْمَوْلَى وَلَمْ تَظْهَرْ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ فَقُدِّمَ الْأَجْنَبِيُّ فَتَأَمَّلْ وَفِيهِ أَيْضًا كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفَيْنِ وَلَهُ ابْنَانِ حُرَّانِ وَهُمَا وَارِثَاهُ فَمَرِضَ الْمُكَاتَبُ وَأَقَرَّ لِأَحَدِ الِابْنَيْنِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَقَرَّ لِلْمَوْلَى بِدَيْنِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَمَاتَ وَتَرَكَ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَالْمَوْلَى أَحَقُّ بِالْأَلْفَيْنِ يَسْتَوْفِي أَحَدَهُمَا مِنْ الْكِتَابَةِ وَالْأُخْرَى مِنْ الدَّيْنِ فَإِنْ تَرَكَ أَقَلَّ مِنْ الْأَلْفَيْنِ يُبْدَأُ بِدَيْنِ الِابْنِ اهـ.
وَالْفَرْقُ هُوَ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ أَلْفَيْنِ أَمْكَنَ تَصَوُّرُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ حُرًّا نَظَرًا إلَى صُورَةِ الْمُؤَدَّى وَإِنْ اُخْتُلِفَ بِوَجْهِ الدَّفْعِ فَقُدِّمَ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْكِتَابَةَ عَلَى صُورَةِ أَلْفَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَ الْأَقَلَّ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ فَقُدِّمَ الِابْنُ فَتَأَمَّلْ قَالَ ﵀ (وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ أَدَّى ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ حَالًّا وَإِلَّا رُدَّ رَقِيقًا) ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
قَالَ ﵀ (حُرٌّ كَاتَبَ عَنْ عَبْدٍ عَلَى أَلْفٍ وَأَدَّى عَتَقَ وَإِنْ قَبِلَ الْعَبْدُ فَهُوَ مُكَاتَبٌ) اخْتَلَفَ الشَّارِحُونَ فِي صُورَتِهَا قَالَ بَعْضُهُمْ قَالَ حُرٌّ لِمَوْلَى الْعَبْدِ كَاتِبْ عَبْدَك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنِّي إنْ أَدَّيْت لَك أَلْفًا فَهُوَ حُرٌّ فَكَاتَبَهُ الْمَوْلَى عَلَى هَذَا يُعْتَقُ بِأَدَائِهِ بِحُكْمِ الشَّرْطِ فَإِذَا قَبِلَ الْعَبْدُ صَارَ مُكَاتَبًا يَعْنِي هَذَا الْعَقْدَ لَهُ جِهَتَانِ نَافِذٌ فِي حَقِّ مَا يَنْتَفِعُ الْعَبْدُ وَهُوَ أَنْ يُعْتَقَ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّرْطِ وَمَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ مَنْ لَهُ الْإِجَازَةُ فَإِذَا قَبِلَهُ صَارَ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ صُورَتُهَا أَنْ يَقُولَ كَاتِبْ عَبْدَك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَقُلْ عَلَى أَنِّي إنْ أَدَّيْت لَك أَلْفَ دِرْهَمٍ فَهُوَ حُرٌّ فَإِذَا أَدَّى لَا يُعْتَقْ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَوْقُوفٌ وَالْمَوْقُوفَ لَا حُكْمَ لَهُ وَلَمْ يُوجَدْ التَّعْلِيقُ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُعْتَقُ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْعَبْدِ فِي عِتْقِهِ بِأَدَاءِ الْأَجْنَبِيِّ وَلَا يَرْجِعُ الدَّافِعُ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ مَقْصُودُهُ وَهُوَ عِتْقُ الْعَبْدِ.
وَقِيلَ يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى وَيَسْتَرِدُّ مَا أَدَّاهُ إنْ أَدَّاهُ بِضَمَانٍ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهُ كَانَ بَاطِلًا كَمَا لَوْ ضَمِنَ فِي الصَّحِيحَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى فَهَذَا أَوْلَى وَإِنْ أَدَّاهُ بِغَيْرِ ضَمَانٍ لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِهِ هَذَا إذَا أَدَّى عَنْهُ بَدَلَ الْكِتَابَةِ كُلَّهَا وَإِنْ أَدَّى عَنْهُ الْبَعْضَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ سَوَاءٌ أَدَّاهُ بِضَمَانٍ أَوْ بِغَيْرِ ضَمَانٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَرَضُهُ وَهُوَ الْعِتْقُ فَكَانَ حُكْمُ الْأَدَاءِ مَوْقُوفًا فَيَرْجِعُ، وَلَوْ أَدَّى قَبْلَ إجَازَةِ الْعَبْدِ، ثُمَّ أَجَازَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ سَوَاءٌ أَدَّى الْبَعْضَ أَوْ الْكُلَّ إلَّا إذَا أَدَّاهُ عَنْ ضَمَانٍ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ فَاسِدٌ فَيَرْجِعُ بِحُكْمِ فَسَادِهِ فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْبَيْعِ فَإِنَّ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُجِيزِ فِيمَا لَهُ وَفِيمَا عَلَيْهِ وَهُنَا لَمْ يَتَوَقَّفْ فِيمَا لَهُ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَالَهُ هَذَا إسْقَاطٌ مُحْصَنٌ وَهُوَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ وَفِي الشَّارِحِ، وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ لَا أَقْبَلُ فَأَدَّى عَنْهُ الْأَجْنَبِيُّ الَّذِي كَاتَبَ عَنْهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ ارْتَدَّ بِرَدِّهِ، وَلَوْ ضَمِنَ الرَّجُلُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ لَا تَجُوزُ وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْعَبْدُ ابْنًا لِهَذَا الْقَائِلِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ ابْنٌ صَغِيرٌ عَبْدُ الرَّجُلِ وَاحِدًا فَكَاتَبَهُ عَنْ أَبِيهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ إذْ كَاتَبَ عَبْدًا لِلْغَيْرِ وَإِنْ أَدَّى عَتَقَ الْعَبْدُ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّا اعْتَبَرْنَا الْكِتَابَةَ نَافِذَةً فِي حَقِّ مَالِهِ.
وَفِي
стр. 2594
التَّتَارْخَانِيَّة رَجُلٌ كَاتَبَ عَبْدَ الْغَيْرِ بِأَمْرِ صَاحِبِ الْعَبْدِ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ حَطَّ عَنْهُ خَمْسَمِائَةٍ فَبَلَغَ الْمَوْلَى فَأَجَازَ فَالْكِتَابَةُ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَلَوْ كَانَ وَهَبَ لَهُ الْأَلْفَ، ثُمَّ بَلَغَ الْمَوْلَى فَأَجَازَ فَالْهِبَةُ بَاطِلَةٌ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَاتَبَ عَبْدَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَدَّى الْعَبْدُ الْأَلْفَ إلَيْهِ، ثُمَّ بَلَغَ الْمَوْلَى فَأَجَازَ الْكِتَابَةَ جَازَتْ الْكِتَابَةُ وَلَا يَجُوزُ الدَّفْعُ وَلَا يُعْتَقُ بِذَلِكَ الدَّفْعِ فَإِنْ أَجَازَ الْمَوْلَى الْكِتَابَةَ وَالدَّفْعَ فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَيُعْتَقُ الْمُكَاتَبُ بِدَفْعِهِ وَلَا تَجُوزُ إجَازَةُ الْقَبْضِ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ وَمَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ قَبْلَ الْإِجَازَةِ فَذَلِكَ لِلْمُكَاتَبِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. اهـ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَبْدٌ غَائِبٌ فَخَاطَبَ رَجُلٌ مَوْلَاهُ فَقَالَ كَاتِبْ عَبْدَك الْغَائِبَ عَلَى أَلْفٍ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الضَّمَانَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَمَّا إذَا لَمْ يَضْمَنْ فَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْعَبْدِ فَإِنْ أَجَازَهُ جَازَ وَلَزِمَهُ الْأَلْفُ وَإِنْ رَدَّهُ بَطَلَ فَلَوْ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ أَدَّى قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ الْعَبْدُ وَقَبْلَ أَنْ يَفْسَخَ جَازَ وَعَتَقَ الْعَبْدُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ ذَلِكَ فِي الِاسْتِحْسَانِ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ كَاتَبَ الْحَاضِرَ وَالْغَائِبَ وَقَبِلَ الْحَاضِرُ صَحَّ) يَعْنِي إذَا كَاتَبَ عَبْدَيْنِ أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ بِأَنْ قَالَ الْعَبْدُ لِمَوْلَاهُ كَاتِبْنِي بِأَلْفٍ عَنْ نَفْسِي، وَعَنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ فَكَاتَبَهُمَا فَقَبِلَ الْحَاضِرُ جَازَ وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدًا حَاضِرًا وَآخَرَ غَائِبًا وَقَبِلَ الْحَاضِرُ جَازَ اسْتِحْسَانًا اهـ.
فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْبِدَايَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مِنْ السَّيِّدِ أَوْ مِنْ الْعَبْدِ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَصِيرَ الْحَاضِرُ مُكَاتَبًا وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْكِتَابَةَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى الْغَائِبِ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ وَيَتَوَقَّفُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ عَلَى إجَازَتِهِ كَمَا إذَا بَاعَ مَالَهُ وَمَالَ غَيْرِهِ أَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَوْلَى خَاطَبَ الْحَاضِرَ قَصْدًا وَجَعَلَ الْغَائِبَ تَبَعًا لَهُ وَالْكِتَابَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَشْرُوعَةٌ كَالْأَمَةِ إذَا كُوتِبَتْ دَخَلَ فِي كِتَابَتِهَا وَلَدُهَا الْمَوْلُودُ فِي الْكِتَابَةِ أَوْ الْمُشْتَرَى فِيهَا أَوْ الْمَضْمُومُ إلَيْهَا فِي الْعَقْدِ تَبَعًا لَهَا حَتَّى يُعْتَقُوا بِأَدَائِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِأَدَاءِ الْحَاضِرِ وَالْمَوْلَى يَنْفَرِدُ بِهِ فِي حَقِّ الْغَائِبِ فَيَنْفُذُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَلَا قَبُولٍ مِنْ الْغَائِبِ كَمَا لَوْ كَاتَبَ الْحَاضِرَ بِأَلْفٍ، ثُمَّ قَالَ إنْ أَدَّيْته إلَيَّ فَفُلَانٌ حُرٌّ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ قَبُولِ الْحَاضِرِ.
فَكَذَا هَذَا فَإِذَا أَمْكَنَ جَعْلُ الْغَائِبِ تَبَعًا اُسْتُغْنِيَ عَنْ شَرْطِ رِضَاهُ وَيَنْفَرِدُ بِهِ الْحَاضِرُ وَيُطَالَبُ الْحَاضِرُ بِكُلِّ الْبَدَلِ وَلَا عِبْرَةَ بِإِجَازَةِ الْغَائِبِ وَلَا رَدِّهِ وَلَا يُؤَاخَذُ الْغَائِبُ بِالْبَدَلِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَلَوْ اكْتَسَبَ شَيْئًا لَيْسَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدِهِ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ الْمَوْلَى أَوْ وَهَبَ لَهُ مَالَ الْكِتَابَةِ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَبْرَأَ الْحَاضِرَ أَوْ وَهَبَهُ مَالَ الْكِتَابَةِ عَتَقَا، وَلَوْ أَعْتَقَ الْغَائِبَ سَقَطَ عَنْ الْحَاضِرِ حِصَّتُهُ بِخِلَافِ الْوَلَدِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ حَيْثُ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْأُمِّ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ بِعِتْقِهِ، وَكَذَا وَلَدُهَا الْمُشْتَرَى، وَلَوْ أَعْتَقَ الْحَاضِرَ لَمْ يَعْتِقْ الْغَائِبَ وَسَقَطَ عَنْ الْحَاضِرِ حِصَّتُهُ مِنْ الْبَدَلِ وَيُؤَدِّي الْغَائِبُ حِصَّتَهُ حَالًّا أَوْ يُرَدُّ رَقِيقًا؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّ الْغَائِبِ وَفِي الْمُحِيطِ وَإِنْ مَاتَ الْغَائِبُ لَمْ يُدْفَعْ عَنْ الْحَاضِرِ شَيْءٌ وَذَكَرَ عِصَامٌ لَا يَبِيعُ الْغَائِبَ مَا لَمْ يَعْجِزْ الْحَاضِرُ اهـ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَأَيُّهُمَا أَدَّى عَتَقَا) أَيْ أَيُّهُمَا أَدَّى بَدَلَ الْكِتَابَةِ عَتَقَا لِوُجُودِ شَرْطِ عِتْقِهِمَا وَيُجْبَرُ الْمَوْلَى عَلَى الْقَبُولِ أَمَّا إذَا دَفَعَ الْحَاضِرُ؛ فَلِأَنَّ الْبَدَلَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا دَفَعَ الْغَائِبُ؛ فَلِأَنَّهُ يَنَالُ بِهِ شَرَفَ الْحُرِّيَّةِ فَيُجْبَرُ الْمَوْلَى عَلَى الْقَبُولِ لِكَوْنِهِ مُضْطَرًّا كَمَا إذَا أَدَّى وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَدَلُ عَلَيْهِ وَكَمُعِيرِ الرَّهْنِ إذَا دَفَعَ الدَّيْنَ إلَى الْمُرْتَهِنِ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ لِحَاجَتِهِ إلَى اسْتِخْلَاصِ حَقِّهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدَيْنِ كِتَابَةً وَاحِدَةً فَارْتَدَّ أَحَدُهُمَا قِيلَ لَا يُعْتَقُ الْحَيُّ مَا لَمْ يُؤَدِّ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ كَمَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ قُتِلَ وَإِنْ تَرَكَ الْمَقْتُولُ كَسْبًا فِي رِدَّتِهِ أَخَذَ الْمَوْلَى مِنْهُ جَمِيعَ الْبَدَلِ وَعَتَقَا؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ فَلَمْ يَصِرْ فَيْئًا، وَإِذَا الْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أُخِذَ الْحَاضِرُ بِجَمِيعِ الْبَدَلِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُرْتَدِّ بِحِصَّتِهِ إذَا عَادَ قَالَ ﵀ (وَلَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ) يَعْنِي لَا يَرْجِعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِمَا أَدَّى مِنْ الْبَدَلِ عَلَى الْآخَرِ أَمَّا الْحَاضِرُ؛ فَلِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَ نَفْسِهِ، وَأَمَّا الْغَائِبُ فَلِكَوْنِهِ أَدَّى بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَلَيْسَ بِمُضْطَرٍّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَطْلُبُ نَفْعًا مُبْتَدَأً بِخِلَافِ مُعِيرِ الرَّهْنِ؛ فَلِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ مِنْ جِهَتِهِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ كَاتَبَ عَبْدَيْنِ عَلَى أَلْفٍ مُنَجَّمَةٍ كِتَابَةً وَاحِدَةً فَزَادَ أَحَدُهُمَا مِائَةَ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَقْبَلْ الْآخَرُ الزِّيَادَةَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الزَّائِدَ نِصْفُ الزِّيَادَةِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ حَالًّا وَيُعْتَقَانِ بِأَدَاءِ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَمْ تَلْتَحِقْ بِأَصْلِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الْمُنَجَّمَةَ تَعْلِيقٌ وَالتَّعْلِيقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّغَيُّرَ
стр. 2595
فَإِذَا أَدَّى أَحَدُهُمَا لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ، وَلَوْ زَادَ أَحَدُهُمَا مِائَةً وَضَمَّهَا فَالزِّيَادَةُ كُلُّهَا عَلَيْهِ نِصْفُهَا بِالْأَصَالَةِ وَنِصْفُهَا بِالْكَفَالَةِ.
قَالَ ﵀ (وَلَا يُؤَاخَذُ الْغَائِبُ بِشَيْءٍ) يَعْنِي لَا يُطَالِبُ الْمَوْلَى الْغَائِبَ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا دَخَلَ فِي الْكِتَابَةِ تَبَعًا فَصَارَ نَظِيرَ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ قَالَ ﵀ (وَقَبُولُهُ لَغْوٌ) يَعْنِي قَبُولَ الْغَائِبِ وَرَدَّهُ لَغْوٌ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ نَفَذَتْ وَتَمَّتْ مِنْ غَيْرِ قَبُولِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ بَعْدَ ذَلِكَ قَبُولُهُ وَلَا رَدُّهُ كَمَنْ كَفَلَ دَيْنًا عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَبَلَغَهُ فَإِجَازَتُهُ بَاطِلَةٌ وَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ حَتَّى لَوْ أَدَّى لَا يَرْجِعُ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ كَاتَبَ الْأَمَةَ عَنْ نَفْسِهَا، وَعَنْ ابْنَيْنِ صَغِيرَيْنِ لَهَا صَحَّ) ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مِثْلُهَا فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ لِمَا أَنَّ الْأُمَّ وَالْأَبَ الرَّقِيقَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى وَلَدِهِ فَيَكُونُ دُخُولُ الْوَلَدِ فِي كِتَابَتِهِمَا بِالشَّرْطِ لَا بِالْوِلَايَةِ كَدُخُولِ الْغَائِبِ فِي كِتَابَةِ الْحَاضِرِ وَقَبُولُ الْأَوْلَادِ وَرَدُّهُمْ لَا يُعْتَبَرُ وَفِي الْمُحِيطِ كَاتَبَ عَبْدَهُ وَامْرَأَتَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَأَوْلَادِهِمَا الصِّغَارِ، ثُمَّ إنَّ إنْسَانًا قَتَلَ الْوَلَدَ فَقِيمَتُهُ لِلْأَبَوَيْنِ، وَلَوْ غَابَ الْأَبُ فَأَرَادَ الْمَوْلَى اسْتِسْعَاءَ الْوَلَدِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكِتَابَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَا سَبِيلَ لِلْأَبَوَيْنِ عَلَى كَسْبِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ أَصْلًا بِخِلَافِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ تَبَعًا فَكَانَ كَسْبُهُ تَبَعًا وَيَدْفَعُ حِصَّتَهُ عَنْ الْأَبَوَيْنِ إنْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ وَإِنْ مَاتَ الْأَبَوَيْنِ أَدَّى حَالًّا وَإِلَّا رُدَّ فِي الرِّقِّ إنْ وَقَعَتْ الْكِتَابَةُ وَهُوَ كَبِيرٌ وَإِنْ وَقَعَتْ وَهُوَ صَغِيرٌ يَسْعَى عَلَى نُجُومِهِمَا فَيَثْبُتُ الْأَجَلُ فِي حَقِّهِ تَبَعًا لَهُمَا وَلَا كَذَلِكَ الْكَبِيرُ اهـ.
وَذِكْرُ الْأُمِّ مِثَالٌ وَلَيْسَ بِقَيْدٍ قَالَ فِي الْمُحِيطِ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ جَازَ اسْتِحْسَانًا وَإِنْ رُدَّ فِي الرِّقِّ رُدَّ الْوَلَدُ فِي الرِّقِّ وَإِنْ مَاتَ الْأَبُ سَعَى الْأَوْلَادُ وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا عَاجِزِينَ رُدُّوا فِي الرِّقِّ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ عَنْ الْأَدَاءِ فَإِنْ قَالُوا نَسْعَى لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِمْ، وَلَوْ لَمْ يَعْجِزُوا وَسَعَى بَعْضُهُمْ وَأَدَّى لَمْ يَرْجِعْ عَلَى إخْوَتِهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى عَنْ أَبِيهِ لَا عَنْ إخْوَتِهِ فَإِنْ ظَهَرَ لِلْمُكَاتَبِ مَالٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَدَّى؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا لَمْ يَكُنْ مُطَالَبًا بِأَدَائِهِ وَلِلْمَوْلَى أَخْذُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَدَاءِ جَمِيعِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ أَبِيهِ وَإِنْ أَعْتَقَ الْمَوْلَى بَعْضَهُمْ رُفِعَتْ حِصَّتُهُ عَنْ الْبَاقِينَ، وَلَوْ كَانُوا كِبَارًا فَكَاتَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهِمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ وَأَدَّى عَتَقُوا وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الصِّغَارِ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَأَيٌّ أَدَّى لَمْ يَرْجِعْ) لِمَا ذَكَرْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْغَائِبِ، وَلَوْ أَعْتَقَ الْأُمَّ بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ بِحِصَّتِهِمْ يُؤَدُّونَهَا فِي الْحَالِّ بِخِلَافِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ وَالْمُشْتَرَى حَيْثُ يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا وَيُطَالِبُ الْمَوْلَى الْأُمَّ بِالْبَدَلِ دُونَهُمْ، وَلَوْ أَعْتَقَهُمْ سَقَطَ عَنْهَا حِصَّتُهُمْ وَعَلَيْهَا الْبَاقِي عَلَى نُجُومِهَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُمْ، وَلَوْ أَبْرَأَهُمْ عَنْ الدَّيْنِ أَوْ وَهَبَهُمْ لَا يَصِحُّ وَلَهَا يَصِحُّ وَيُعْتَقُونَ مَعَهَا لِمَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابَةِ الْحَاضِرِ مَعَ الْغَائِبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ كِتَابَةِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ كِتَابَةِ عَبْدٍ غَيْرِ مُشْتَرَكٍ شَرَعَ فِي كِتَابَةِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ قَالَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَقَالَ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ ذَكَرَ كِتَابَةَ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ كِتَابَةِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ الْوَاحِدِ قَالَ ﵀ (عَبْدٌ لَهُمَا أَذِنَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنْ يُكَاتِبَ حِصَّتَهُ بِأَلْفٍ وَيَقْبِضَ بَدَلَ الْكِتَابَةِ فَكَاتَبَ وَقَبَضَ بَعْضَهُ فَعَجَزَ فَالْمَقْبُوضُ لِلْقَابِضِ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَذِنَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنْ يُكَاتِبَ حَظَّهُ وَتَعْبِيرُ الْمُؤَلِّفِ بِقَوْلِهِ لَهُمَا أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُثَنَّى يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ فَيَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوْ امْرَأَتَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَفَائِدَةُ الْإِذْنِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ كَمَا يَكُونُ لَهُ إذَا لَمْ يَأْذَنْ وَفِي الْأَصْلِ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ لَمْ يَشْتَرِطُوا لِصِحَّةِ الْفَسْخُ بِالْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا وَالْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ شَرَطَ لَهُ الْقَضَاءَ أَوْ الرِّضَا. اهـ.
وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ، وَقَالَا هُوَ مُكَاتَبٌ لَهُمَا وَالْمَقْبُوضُ بَيْنَهُمَا وَأَصْلُهُ أَنَّ الْكِتَابَةَ تَتَجَزَّأُ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا لَا تَتَجَزَّأُ كَمَا ذَكَرَ فِي الْإِعْتَاقِ وَفِي الشَّارِحِ وَفَائِدَةُ إذْنِهِ بِالْقَبْضِ أَنْ يَنْقَطِعَ حَقُّهُ فِيمَا قَبَضَهُ وَيَخْتَصَّ بِهِ الْقَابِضُ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ بِالْقَبْضِ إذْنٌ لِعَبْدِهِ بِالْأَدَاءِ إلَيْهِ إلَّا إذَا نَهَاهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ فَيَصِحُّ نَهْيُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ لَمْ يَتِمَّ بَعْدُ اهـ.
وَجْهُ قَوْلِ الْإِمَامِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ نِصْفُ كَسْبِهِ لَهُ فَإِذَا أَذِنَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَصْرِفَهُ بِدَيْنِهِ صَحَّ إذْنُهُ وَتَمَّ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ بِهِ فَكَانَ الْمَقْبُوضُ لِلْقَابِضِ فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ لَا يَرْجِعُ الْآذِنُ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَرَّعَ عَلَيْهِ هُوَ الْعَبْدُ، وَلَوْ رَجَعَ يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ وَالْمَوْلَى
стр. 2596
لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا بِخِلَافِ مَا إذَا تَبَرَّعَ شَخْصٌ بِقَضَاءِ الثَّمَنِ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ أَوْ هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ انْفَسَخَ الْبَيْعُ أَوْ تَبَرَّعَ بِقَضَاءِ مَهْرِهِ وَحَصَلَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ حَيْثُ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ وَالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ ذِمَّةَ الْبَائِعِ وَالْمَرْأَةِ صَلَحَتْ لِوُجُوبِ الدَّيْنِ الْمُتَبَرَّعِ عَلَيْهَا فَأَمْكَنَ الرُّجُوعُ، وَلَوْ كَانَ الشَّرِيكُ بِالْإِذْنِ مَرِيضًا وَأَدَّى مِنْ كَسْبِهِ قَبْلَهُ صَحَّ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِعَيْنِ مَالِهِ وَفِي الْأَوَّلِ بِالْمَنَافِعِ فَالْمُتَبَرِّعُ بِالْمَنَافِعِ يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَبِالْعَيْنِ مِنْ الثُّلُثِ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْإِذْنَ بِكِتَابَةِ نَصِيبِهِ إذْنٌ بِكِتَابَةِ كُلِّهِ فَإِذَا كَاتَبَهُ صَارَ كُلُّهُ مُكَاتِبًا نَصِيبَهُ بِالْأَصَالَةِ وَنَصِيبَ شَرِيكِهِ بِالْوَكَالَةِ فَهُوَ مُكَاتَبٌ لَهُمَا وَالْمَقْبُوضُ بَيْنَهُمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ أَذِنَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَاتَبَهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ صَارَ نَصِيبُهُ مُكَاتَبًا وَلِلسَّاكِتِ أَنْ يَفْسَخَ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ بَدَلَ الْكِتَابَةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ نَصِيبَهُ حَيْثُ لَا تُفْسَخُ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ نَصِيبُهُ مِنْ يَدِهِ وَبِخِلَافِ الْعِتْقِ وَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِالشَّرْطِ حَيْثُ لَا يُفْسَخُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ.
اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْكِتَابَةَ إمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهَا مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ أَوْ مَعْنَى الْإِعْتَاقِ أَوْ مَعْنَى تَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِأَدَاءِ الْمَالِ، وَلَوْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ لَيْسَ لِلْآخَرِ وِلَايَةُ الْفَسْخِ فَمِنْ أَيْنَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابَةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ عَيْنًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنَّمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا وِلَايَةُ الْفَسْخِ لِمَعْنًى يُوجِبُهُ وَهُوَ إلْحَاقُ الضَّرَرِ، وَلَوْ أَدَّى بَدَلَ الْكِتَابَةِ عَتَقَ نَصِيبُهُ خَاصَّةً عِنْدَ الْإِمَامِ لِمَا مَرَّ وَلِلسَّاكِتِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الَّذِي كَاتَبَهُ نِصْفَ مَا قَبَضَ؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا.
ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ كَاتَبَ كُلَّهُ بِأَلْفٍ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَخَذَهُ مِنْهُ شَرِيكُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسَلِّمٌ لَهُ بَدَلَ نَصِيبِهِ وَإِنْ كَاتَبَ نَصِيبَهُ فَقَطْ بِأَلْفٍ رَجَعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُ شَرِيكُهُ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ كَانَ بَدَلَ نَصِيبِهِ وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ بَعْضُهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهِ، وَعِنْدَهُمَا بِالْأَدَاءِ عَتَقَ كُلُّهُ وَرَجَعَ السَّاكِتُ عَلَى شَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَإِلَّا فَعَلَى الْعَبْدِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ مَا بَقِيَ مِنْ الْأَكْسَابِ؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ، وَلَوْ كَاتَبَهُ السَّاكِتُ بِمِائَةِ دِينَارٍ بَعْدَ الْأَوَّلِ صَارَ مُكَاتَبًا لَهُمَا أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهَا تَتَجَزَّأُ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا؛ فَلِأَنَّ السَّاكِتَ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ فَإِذَا كَاتَبَهُ كَانَ فَسْخًا مِنْهُ فِي نَصِيبِهِ وَأَيُّهُمَا قَبَضَ شَيْئًا مِنْ بَدَلِ نَصِيبِهِ لَا يُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِيهِ وَتَعَلَّقَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ الْمُسَمَّى فِي كِتَابَتِهِ فَإِنْ أَدَّى لَهُمَا مَعًا فَالْوَلَاءُ لَهُمَا عِنْدَهُمْ وَإِنْ قَدَّمَ أَحَدَهُمَا صَارَ كَمُكَاتَبِهِمَا أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا عَتَقَ نَصِيبُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَيَبْقَى نَصِيبُ صَاحِبِهِ مُكَاتَبًا وَلَا ضَمَانَ وَلَا سِعَايَةَ إلَّا أَنْ يَعْجِزَ الْمُكَاتَبُ فَيُخَيَّرُ السَّاكِتُ بَيْنَ تَضْمِينِ الْمُعْتِقِ وَالْإِعْتَاقِ وَاسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بَيْنَ الْإِعْتَاقِ وَالِاسْتِسْعَاءِ.
وَعِنْدَ الثَّانِي يَضْمَنُ الْمُعْتِقُ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَيُسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا، وَعِنْدَ الثَّالِثِ يَضْمَنُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ نَصِيبِهِ وَمِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فِي الْيَسَارِ وَيَسْعَى فِي الْإِعْسَارِ وَإِنْ كَاتَبَاهُ كِتَابَةً وَاحِدَةً لَا يُعْتَقُ بِأَدَاءِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا إلَيْهِ وَيُعْتَقُ بِإِعْتَاقِهِ وَإِبْرَائِهِ وَهِبَةِ نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ قَبْلَهُ حَقٌّ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي التَّضْمِينِ وَالسِّعَايَةِ وَالْعِتْقِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهَا وَبِاسْتِيفَاءِ نَصِيبِهِ لَمْ يَبْرَأْ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ حَقُّهُمَا وَلِهَذَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ بِهِ فَلَا يُعْتَق حَتَّى يُؤَدِّيَ الْكُلَّ وَحُكْمُهُ ظَاهِرٌ وَفِي الْمُحِيطِ وَإِنْ كَاتَبَ نَصِيبَهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَلَمْ يَعْلَمْ شَرِيكُهُ حَتَّى كَاتَبَ نَصِيبَهُ بِإِذْنِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ عَلِمَ، فَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْفَسْخِ إنَّمَا يَثْبُتُ لِلسَّاكِتِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ وَالضَّرَرُ هُنَا يَنْدَفِعُ بِالْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى نَصِيبُهُ مُكَاتَبًا وَمَا يَأْخُذُهُ أَحَدُهُمَا بَعْدَ هَذَا يُسَلَّمُ لَهُ لَا يُشَارِكُهُ صَاحِبُهُ فِيهِ وَنَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَاتَبٌ كِتَابَةً عَلَى حِدَةٍ، وَإِذَا كَاتَبَ كُلَّهُ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ إلَى أَنْ قَالَ فَوَهَبَ لَهُ نِصْفَ بَدَلِ الْكِتَابَةِ لَمْ يُعْتَقْ نَصِيبُهُ، وَلَوْ وَهَبَ جَمِيعَ نَصِيبِهِ عَتَقَ نَصِيبُهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ دَيْنٌ وَاحِدٍ فَمَتَى وَهَبَ النِّصْفَ مُطْلَقًا يَنْصَرِفُ إلَى النِّصْفِ شَائِعًا مِنْ النَّصِيبَيْنِ فَلَا تَقَعُ الْبَرَاءَةُ لِلْعَبْدِ عَنْ جَمِيعِ حِصَّتِهِ وَإِنَّمَا تَقَعُ الْبَرَاءَةُ عَنْ نِصْفِ حِصَّتِهِ وَمَتَى وَهَبَ حِصَّتَهُ وَحِصَّتُهُ لَا تَحْتَمِلُ إلَّا نَصِيبَهُ خَاصَّةً فَيَبْرَأُ الْعَبْدُ عَنْ جَمِيعِ حِصَّتِهِ فَيُعْتَقُ بِخِلَافِ سَائِرِ الدُّيُونِ إذَا وَهَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نِصْفَ الدَّيْنِ مُطْلَقًا يَنْصَرِفُ إلَى نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ ثَمَّةَ وَجَبَ بِإِيجَابِهِ وَبِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ جَمِيعَ الْعَبْدِ، ثُمَّ وَهَبَ النِّصْفَ حَيْثُ يَنْصَرِفُ إلَى نَصِيبِهِ خَاصَّة؛ لِأَنَّ إيجَابَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ لَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّهِ فَصَارَ وُجُودُ
стр. 2597
الْإِيجَابِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ اهـ.
قَيَّدَ بِقَوْلِهِ وَيَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ بِالْقَبْضِ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة كَاتَبَ نَصِيبَهُ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالْقَبْضِ فَعَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الْجَوَابُ فِيهِ كَمَا إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ نَصِيبَهُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ إلَّا فِي فَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا يَكُونُ لِلْآذِنِ تَضْمِينُ الْمُكَاتَبِ أَنْ يَفْسَخَ الْكِتَابَةَ فِي نَصِيبِ الْمُكَاتَبِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مَتَى أَدَّى عَتَقَ نَصِيبُ الْمُكَاتَبِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ مُكَاتَبًا بَيْنَهُمَا. اهـ.
[أَمَةٌ بَيْنَهُمَا كَاتَبَاهَا فَوَطِئَهَا أَحَدُهُمَا فَوَلَدَتْ فَادَّعَاهُ ثُمَّ وَطِئَ الْآخَرُ فَوَلَدَتْ فَادَّعَاهُ]
قَالَ ﵀ (أَمَةٌ بَيْنَهُمَا كَاتَبَاهَا فَوَطِئَهَا أَحَدُهُمَا فَوَلَدَتْ فَادَّعَاهُ، ثُمَّ وَطِئَ الْآخَرُ فَوَلَدَتْ فَادَّعَاهُ فَعَجَزَتْ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ وَيَغْرَمُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا وَنِصْفَ عُقْرِهَا وَضَمِنَ شَرِيكُهُ عُقْرَهَا وَقِيمَةَ الْوَلَدِ وَهُوَ ابْنُهُ) ، وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا هِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ وَهِيَ مُكَاتَبَتُهُ كُلُّهَا وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهَا لِشَرِيكِهِ عِنْدَ الثَّانِي، وَعِنْدَ الثَّالِثِ الْأَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَمِنْ نِصْفِ مَا بَقِيَ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ الْآخَرِ مِنْ الْآخَرِ وَلَا يَكُونُ لَهُ الْوَلَدُ بِالْقِيمَةِ وَيَغْرَمُ الْعُقْرَ لَهَا، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَجَزُّؤِ الِاسْتِيلَادِ فِي الْمُكَاتَبَةِ فَعِنْدَهُ يَتَجَزَّأُ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَتَجَزَّأُ وَاسْتِيلَادُ الْقِنَّةِ لَا يَتَجَزَّأُ بِالْإِجْمَاعِ وَاسْتِيلَادُ الْمُدَبَّرَةِ يَتَجَزَّأُ بِالْإِجْمَاعِ فَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَنَقُولُ عِنْدَهُ إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْوَلَدَ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ فِي نَصِيبِهِ وَهِيَ تَكْفِي لِصِحَّةِ الِاسْتِيلَادِ وَصَارَ نَصِيبُ أُمِّ وَلَدِهِ لَهُ وَلَمْ يَتَمَلَّكْ نَصِيبَ صَاحِبَهُ فَيَبْقَى نَصِيبُ الْآخَرِ مُكَاتَبًا عَلَى حَالِهِ، وَقَالَا يَتَمَلَّكُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ وَصَارَتْ كُلُّهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ يَجِبُ تَكْمِيلُهُ مَا أَمْكَنَ لِكَوْنِهِ قَابِلًا لِلنَّقْلِ.
وَقَدْ أَمْكَنَ هُنَا كَمَا فِي الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَالِاسْتِيلَادُ لَا يَحْتَمِلُ فَرَجَّحْنَا الِاسْتِيلَادَ فَكَمَّلْنَاهُ وَفَسَخْنَا الْكِتَابَةَ فِي حَقِّ التَّمْلِيكِ وَالْكِتَابَةُ تَنْفَسِخُ فِيمَا لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُكَاتَبُ وَتَبْقَى فِيمَا وَرَاءَهُ لِهَذَا جَازَ عِتْقُهُ فِي الْكَفَّارَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَوْلَدَ مُدَبَّرَةً مُشْتَرَكَةً فَإِنَّهُ لَا يُكْمِلُ وَيَقْتَصِرُ عَلَى نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ تَمْلِيكَهَا إذْ التَّدْبِيرُ يَمْنَعُ النَّقْلَ وَلِلْإِمَامِ أَنَّ الِاسْتِيلَادَ يَقْبَلُ التَّجَزُّؤ إذَا وَقَعَ فِي مَحَلٍّ لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ كَالْمُدَبَّرَةِ بَيْنَ اثْنَيْنِ إذَا اسْتَوْلَدَهَا أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ يَتَجَزَّأُ وَيَقْتَضِي الِاسْتِيلَادَ عَلَى نَصِيبِهِ وَالْكِتَابَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ كَالتَّدْبِيرِ فَإِذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ وَادَّعَاهُ الْآخَرُ ادِّعَاءَ نَسَبٍ وَوُلِدَ بِهِ لَهُ نِصْفُهَا فَتَصِحُّ دَعْوَتُهُ وَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ فَإِذَا عَجَزَتْ بَعْدَ ذَلِكَ جُعِلَ كَأَنَّ الْكِتَابَةَ لَمْ تَكُنْ وَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْأَمَةَ كُلَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِي لِلتَّكْمِيلِ قَائِمٌ وَالْمَانِعَ مِنْ التَّكْمِيلِ الْكِتَابَةُ، وَقَدْ زَالَتْ فَيَعْمَلُ الْمُقْتَضِي عَمَلَهُ مِنْ وَقْتِ وُجُودِهِ فَيَضْمَنُ لِلْآخَرِ نِصْفَ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُ نَصِيبَهُ لِتَكْمِيلِ الِاسْتِيلَادِ وَنِصْفَ عُقْرِهَا وَضَمِنَ الْآخَرُ قِيمَةَ الْوَلَدِ وَالْوَلَدُ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ لِكَوْنِهِ وَطِئَ أَمَةَ الْغَيْرِ فَلَزِمَهُ كَمَالُ الْعُقْرِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ شَرِيكُهُ قِيمَةَ الْوَلَدِ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوَلَدِ حُكْمُ أُمِّهِ وَلَا قِيمَةَ لِأُمِّ الْوَلَدِ عِنْدَهُ فَكَذَا لِابْنِهَا وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا عَلَى قَوْلِهِمَا أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَةِ الْوَلَدِ وَلَيْسَ هَذَا الْجَوَابُ بِشَيْءٍ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ فَكَاتَبَاهَا لَيْسَ بِقَيْدٍ احْتِرَازِيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَاتَبَهَا أَحَدُهُمَا فَوَلَدَتْ فَادَّعَاهُ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَ هُمَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ كَاتَبَ نَصِيبَهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، ثُمَّ عَلِقَتْ مِنْهُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ عَلَى حَالِهَا عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَيَتَمَلَّكُ نَصِيبَ شَرِيكِهِ بِالضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا أَوْ نِصْفَ عُقْرِهَا لِشَرِيكِهِ وَنِصْفَ عُقْرِهَا لَهَا وَاخْتُلِفَ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ قِيلَ لَا يَصِيرُ الْكُلُّ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ لَمْ يُفِدْ حَقَّ الْعِتْقِ فِي نَصِيبِ الْمُسْتَوْلَدِ لِلْحَالِّ فَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا لِشَرِيكِهِ وَيَضْمَنُ جَمِيعَ الْعُقْرِ لِلْمُكَاتَبَةِ، وَقِيلَ يَصِيرُ الْكُلُّ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ فِي نَصِيبِهِ عَامِلٌ لِلْحَالِّ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِيهِ فَيَمْتَلِكُهُ الْمُسْتَوْلِدُ فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا وَنِصْفَ الْعُقْرِ لِشَرِيكِهِ وَنِصْفَهُ لِلْمُكَاتَبَةِ، وَلَوْ وَطِئَهَا الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْ فَعَلِقَتْ بِهِ فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ وَالْمُكَاتَبَةُ جَائِزَةٌ وَلَا يُتَمَلَّكُ نَصِيبُ الْمُكَاتَبِ بِالِاسْتِيلَادِ عِنْدَهُ، وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ تَنْفَسِخَ الْكِتَابَةُ بِنَفْسِ الِاسْتِيلَادِ، وَعِنْدَهُمَا يَتَمَلَّكُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ مُكَاتَبَةً؛ لِأَنَّ كُلَّهَا صَارَ مُكَاتَبًا بِكِتَابَةِ الْأَوَّلِ وَصَارَتْ كُلُّهَا أُمَّ وَلَدٍ، وَلَوْ كَاتَبَهَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ وَاكْتَسَبَتْ مَالًا وَأَدَّتْ فَعَتَقَتْ، ثُمَّ اكْتَسَبَتْ مَالًا، ثُمَّ حَضَرَ غَيْرُ الْمُكَاتَبِ فَلَهُ نِصْفُ كَسْبِهَا قَبْلَ أَدَاءِ الْبَدَلِ وَكَسْبُهَا بَعْدَ الْأَدَاءِ لَهَا، وَعِنْدَهُمَا هِيَ حُرَّةٌ فَيَكُونُ لَهَا وَتَأْخُذُ نِصْفَ الْمُؤَدَّى مِنْ الْمُكَاتَبِ.
وَلَوْ وَلَدَتْ الْمُكَاتَبَةُ بِنْتًا فَوَلَدَتْ الْبِنْتَ وَلَدًا فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا صَحَّ الِاسْتِيلَادُ مِنْهُ فَإِنْ عَجَزَتْ الْمُكَاتَبَةُ صَارَتْ الْبِنْتُ أُمَّ الْوَلَدِ لِلْوَاطِئِ وَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا يَوْمَ عَلِقَتْ؛ لِأَنَّ بِعَجْزِ الْأُمِّ صَارَتْ قِنَّةً فَيَمْتَلِكُهَا الْمُسْتَوْلِدُ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ فَإِنْ لَمْ تَعْجِزْ
стр. 2598
وَأَعْتَقَ الشَّرِيكُ الْآخَرُ الْبِنْتَ بَعْدَ الْعُلُوقِ صَحَّ وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهَا وَوَلَدُهَا حُرٌّ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا إنْ أَدَّتْ الْبِنْتُ عَتَقَتْ وَلَا ضَمَانَ وَلَا سِعَايَةَ وَإِنْ عَجَزَتْ الْبِنْتُ فَالْأُمُّ فَالْبِنْتُ كَأُمِّ الْوَلَدِ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ أَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا مُكَاتَبَةً بَيْنَهُمَا وَلَدَتْ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا الْوَلَدَ عَتَقَ نَصِيبُهُ وَإِنْ أَعْتَقَ الْأُمَّ عَتَقَ نِصْفُهُ الْآخَرُ تَبَعًا لِلْأُمِّ وَإِنْ عَجَزَتْ فَلِشَرِيكِهِ فِي الْوَلَدِ الْخِيَارَاتُ الثَّلَاثُ مُكَاتَبَةً بَيْنَهُمَا وَلَدَتْ بِنْتًا فَعَلِقَتْ مِنْهُمَا، ثُمَّ مَاتَا عَتَقَتْ الْبِنْتُ وَحْدَهَا وَالْأُمُّ مُكَاتَبَةً عَلَى حَالِهَا، وَلَوْ كَانَتْ الْأُمُّ هِيَ الَّتِي وَلَدَتْ مِنْهُمَا فَمَاتَا عَتَقَتْ وَعَتَقَ وَلَدُهَا وَإِنْ عَجَزَتْ، ثُمَّ وَلَدَتْ مِنْهُمَا فَالْوَلَدُ الْأَوَّلُ رَقِيقٌ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ انْفَسَخَتْ بِالْعَجْزِ فِي حَقِّهِمَا وَصَارَا قِنَّيْنِ، ثُمَّ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ وَالْأَوَّلُ مُنْفَصِلٌ فَلَا يَسْرِي حَقُّ الْحُرِّيَّةِ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَأَيٌّ دَفَعَ الْعُقْرَ إلَى الْمُكَاتَبَةِ صَحَّ) يَعْنِي وَأَيٌّ دَفَعَ الْعُقْرَ إلَى الْمُكَاتَبَةِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهَا حَالَ قِيَامِ الْكِتَابَةِ فَإِذَا عَجَزَتْ تَرُدُّهُ إلَى الْمَوْلَى قَالَ فِي الْعِنَايَةِ يَعْنِي إذَا دَفَعَ قَبْلَ الْعَجْزِ، وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ وَلَزِمَهُ كُلُّ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَخْلُو عَنْ الضَّمَانِ الْجَائِزِ أَوْ الْحَدِّ الزَّاجِرِ وَانْتَفَى الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ فَيَجِبُ الْعُقْرُ، وَلَوْ عَجَزَتْ فَرُدَّتْ فِي الرِّقِّ تُرَدُّ إلَى الْمَوْلَى لِظُهُورِ اخْتِصَاصِهِ بِهَا اهـ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ كَاتَبَ جَارِيَتَهُ، ثُمَّ مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ فَاسْتَوْلَدَهَا أَحَدُهُمَا فَهِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَتْ عَجَزَتْ نَفْسَهَا وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ وَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا وَنِصْفَ عُقْرِهَا لِشَرِيكِهِ وَإِنْ شَاءَتْ مَضَتْ عَلَى كِتَابَتِهَا وَأَخَذَتْ عُقْرَهَا وَسَقَطَ الْحَدُّ لِشُبْهَةِ حَقِّ الْمِلْكِ قَالَ ﵀ (وَإِنْ دَبَّرَ الثَّانِي وَلَمْ يَطَأْهَا فَعَجَزَتْ بَطَلَ التَّدْبِيرُ وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ) ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا عِنْدَهُمَا؛ فَلِأَنَّ الْمُسْتَوْلَدَ يَمْلِكُهَا قَبْلَ الْعَجْزِ، وَأَمَّا عِنْدَهُ؛ فَلِأَنَّهُ بِالْعَجْزِ ظَهَرَ أَنَّ كُلَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا مِلْكٌ كَمَا مَرَّ وَالْمِلْكُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّدْبِيرِ بِخِلَافِ ثُبُوتِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ كَافٍ وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً فَدَبَّرَهَا، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ بَطَلَ التَّدْبِيرُ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَهَا فَاسْتُحِقَّتْ لَمْ يَبْطُلْ وَكَانَ الْوَلَدُ حُرًّا بِقِيمَتِهِ فَكَذَا هُنَا وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَصِيبَ شَرِيكِهِ وَيُكْمِلُ الِاسْتِيلَادَ لِلْإِمْكَانِ قَالَ ﵀ (وَضَمِنَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نِصْفَهَا بِالِاسْتِيلَادِ عَلَى مَا بَيَّنَّا قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ ﵀ (وَنِصْفَ عُقْرِهَا) ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعُقْرُ بِحِسَابِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ قَالَ ﵀ (وَالْوَلَدُ لِلْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ قَدْ صَحَّتْ عَلَى مَا مَرَّ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ، وَهَذَا مُتَكَرِّرٌ مَعَ قَوْلِهِ وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي ذَاتِ الْأَمَةِ، وَهَذَا فِي الْأَوْلَادِ فَلَا تَكْرَارَ وَاعْتُرِضَ بِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ بِأَنَّ هَذَا يُوهِمُ أَنَّ الثَّانِي وَطِئَ وَادَّعَى وَالْمَوْضُوعُ خِلَافُهُ فَلَوْ قَالَ وَتَمَّ الِاسْتِيلَادُ لِلْأَوَّلِ لَسُلِّمَ قَالَ ﵀ (وَإِنْ كَاتَبَاهَا فَحَرَّرَهَا أَحَدُهُمَا مُوسِرًا فَعَجَزَتْ ضَمِنَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا وَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهَا) ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا لَا يَرْجِعُ الْمُعْتَقُ عَلَيْهَا وَيَسْتَسْعِيهَا السَّاكِتُ إنْ كَانَ الْمُعْتَقُ مُعْسِرًا وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْإِعْتَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا وَالْكِتَابَةَ لَا تَمْنَعُ الْعِتْقَ فَعَتَقَتْ كُلُّهَا لِلْحَالِّ وَانْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ فَالْحُكْمُ عِنْدَهُمَا مَا تَقَدَّمَ وَمِنْ أَصْلِ الْإِمَامِ أَنَّ الْعِتْقَ عِنْدَهُ يَتَجَزَّأُ فَجَازَ إعْتَاقُ النِّصْفِ فَلَا يُؤَثِّرُ الْفَسَادُ فِي نَصِيبِ السَّاكِتِ فَلَا يَضْمَنُ الْعِتْقَ قَبْلَ الْعَجْزِ لِعَدَمِ ظُهُورِ أَثَرِ الْإِعْتَاقِ فِيهَا فَإِذَا عَجَزَتْ ظَهَرَ أَثَرُ الْعِتْقِ وَكَانَ لِلسَّاكِتِ الْخِيَارَاتُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْعِتْقِ وَهِيَ إنْ كَانَ مُوسِرًا فَلَهُ أَنْ يُعْتَقَ أَوْ يُسْتَسْعَى أَوْ الضَّمَانُ فَإِذَا ضَمِنَ كَانَ لِلْمُعْتَقِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ مُعْسِرًا كَانَ لَهُ خِيَارُ الْعِتْقِ أَوْ الِاسْتِسْعَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْعِتْقِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ دَبَّرَهَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا فَإِذَا عَجَزَتْ ظَهَرَ أَثَرُهُمَا فَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ تَمَلُّكٍ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَتَجَزَّآنِ فَصَارَتْ كُلُّهَا أُمَّ الْوَلَدِ أَوْ مُدَبَّرَةً وَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا فِي الْحَالِّ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ فَلَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ وَيَضْمَنُ الْعُقْرَ فِي الِاسْتِيلَادِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (عَبْدٌ لَهُمَا دَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ حَرَّرَهُ الْآخَرُ مُوسِرًا لِلْمُدَبَّرِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتَقَ نِصْفَ قِيمَتِهِ) ، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَوَجْهُهُ أَنَّ التَّدْبِيرَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ فَيَقْتَصِرُ التَّدْبِيرُ عَلَى نَصِيبِ الْمُدَبَّرِ لَكِنْ يَفْسُدُ بِهِ نَصِيبُ الْآخَرِ فَيَثْبُتُ خِيَارُ التَّضْمِينِ أَوْ الْإِعْتَاقِ أَوْ الِاسْتِسْعَاءِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ فَإِذَا أَعْتَقَ لَمْ يَبْقَ لَهُ خِيَارُ التَّضْمِينِ وَالِاسْتِسْعَاءِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ لَكِنْ يَفْسُدُ نَصِيبُ الْآخَرِ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ نَصِيبَهُ وَلَهُ خِيَارُ الْعِتْقِ وَالِاسْتِسْعَاءِ فَإِذَا ضَمَّنَهُ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مُدَبَّرًا، وَقَدْ عُرِفَ قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ فِي بَابِهِ، وَإِذَا ضَمَّنَهُ لَا يَتَمَلَّكُهُ بِالضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ النَّقْلُ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ كَمَا إذَا غَصَبَ مُدَبَّرًا وَأَبَقَ
стр. 2599
وَضَمِنَ الْغَاصِبُ قِيمَتَهُ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَلَّكُهُ كَذَا هَذَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ، ثُمَّ حَرَّرَهُ الْآخَرُ فَعُلِمَ أَنَّهُ قِنٌّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قِنًّا قَالَ فِي الْمُحِيطِ مُكَاتَبٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ دَبَّرَ أَحَدُهُمَا صَارَ الْكُلُّ مُدَبَّرًا لَهُ وَهُوَ مُكَاتَبٌ لَهُ عِنْدَهُمَا وَيَتَمَلَّكُهُ بِالْقِيمَةِ لَلشَّرِيكِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا فَتَدْبِيرُهُ لَا فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ فَإِذَا تَمَلَّكَهُ يَتَمَلَّكُ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ وَضَمَانُ الْقِيمَةِ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ وَاخْتَلَفُوا أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مُكَاتَبًا أَوْ قِنًّا قِيلَ يَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَتِهِ قِنًّا؛ لِأَنَّهُ تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ فَسْخَ الْكِتَابَةِ لَا يَتَجَزَّأُ.
وَقِيلَ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزُّؤ لِضَرُورَةِ تَضَادِّ الْأَحْكَامِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ هُنَا فَإِنَّ الْكُلَّ قَدْ صَارَ مُدَبَّرًا مِنْ جِهَةِ الْمُدَبِّرِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ التَّدْبِيرُ يَتَجَزَّأُ فَيَصِيرُ نِصْفُهُ مُدَبَّرًا فَقَدْ اجْتَمَعَ فِي النِّصْفِ سَبَبَا الْحُرِّيَّةِ الْكِتَابَةُ وَالتَّدْبِيرُ وَفِي النِّصْفِ سَبَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْكِتَابَةُ فَإِذَا أَدَّى عَتَقَ فَإِنْ مَاتَ الْمُدَبَّرُ عَتَقَ، وَعِنْدَهُمَا فِي الْكُلِّ اجْتَمَعَا سَبَبَا الْحُرِّيَّةِ الْكِتَابَةُ وَالتَّدْبِيرُ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ تَنْفَسِخُ يَقُولُ بِالْفَسْخِ فِي حَقِّ التَّمَلُّكِ لِضَرُورَةِ صِحَّةِ التَّدْبِيرِ فَلَا يَظْهَرُ الْفَسْخُ فِي حَقِّ حُكْمٍ آخَرَ وَهُوَ الْعِتْقُ بِأَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ عَبْدٌ لِمُوسِرَيْنِ دَبَّرَ أَحَدُهُمَا وَحَرَّرَ الْآخَرُ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَلِيقُ بِهَذَا الْمُخْتَصَرِ وَأَيْضًا مَحَلُّ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بَابُ الْعِتْقِ فَتَدَبَّرْهُ وَفِي الْمُحِيطِ أَنْتَ تُكَاتِبُ بِأَلْفٍ يَا فُلَانُ وَيَا فُلَانُ فَالْكِتَابَةُ وَالْقَبُولُ لِلْأَوَّلِ، وَلَوْ قَالَ أَنْتَ تُكَاتِبُ يَا فُلَانُ وَفُلَانُ بِأَلْفٍ فَالْكِتَابَةُ وَالْقَبُولُ لِلثَّانِي قَالَ ﵀ (وَإِنْ حَرَّرَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ دَبَّرَهُ الْآخَرُ لَا يَضْمَنُ الْمُعْتَقُ) ؛ لِأَنَّ الْمُدَبِّرَ كَانَ لَهُ الْخِيَارَاتُ السَّابِقَةُ فَإِذَا دَبَّرَهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ خِيَارُ التَّضْمِينِ وَبَقِيَ خِيَارُ الْعِتْقِ وَالِاسْتِسْعَاءِ، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا تَدْبِيرُ الثَّانِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا فَيُعْتَقُ كُلُّهُ فَلَمْ يُصَادِفْ التَّدْبِيرُ الْمِلْكَ وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا؛ لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ إعْتَاقٍ فَيَخْتَلِفُ بَيْنَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ وَعَجْزِهِ وَمَوْتِ الْمَوْلَى]
تَأْخِيرُ بَابِ أَحْكَامِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ظَاهِرُ التَّنَاسُبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ عَقْدِ الْكِتَابَةِ فَكَذَا بَيَانُ أَحْكَامِهَا قَالَ ﵀ (مُكَاتَبٌ عَجَزَ عَنْ نَجْمٍ وَلَهُ مَالٌ سَيَصِلُ لَمْ يُعْجِزْهُ الْحَاكِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ وَالثَّلَاثَةُ هِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي ضُرِبَتْ لِإِمْهَالِ الْأَعْذَارِ كَإِمْهَالِ الْخَصْمِ لِلدَّفْعِ وَالْمَدِينِ لِلْقَضَاءِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَالْمَدِينِ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى كَإِمْهَالِ أَقُولُ: هَذَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ غَيْرُ صَحِيحٍ قَطْعًا؛ لِأَنَّا لَا نَشُكُّ أَنَّ الْمَدْيُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْخَصْمِ وَالْمَعْنَى وَكَإِمْهَالِ الْمَدْيُونِ لِأَجْلِ الْقَضَاءِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْإِمْهَالِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ نَجْمٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ أَوْ غَائِبٌ بِأَنْ قَالَ لِي مَالٌ عَلَى إنْسَانٍ أَوْ قَالَ يَجِيءُ فِي الْقَافِلَةِ يُمْهِلُهُ الْقَاضِي إلَى الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ إذْ انْتِظَارُ الْمُدَّةِ مَنْدُوبٌ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ يَنْتَظِرُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً اسْتِحْسَانًا وَالْوَاجِبُ لَا يُجْبَرُ فِيهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّجْمَ هُوَ الطَّالِعُ وَسُمِّيَ بِهِ الْوَقْتُ الْمَضْرُوبُ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ مَا يُؤَدِّي مِنْ الْوَظِيفَةِ قَالَ ﵀ (وَإِلَّا عَجَزَهُ وَفَسَخَهَا أَوْ سَيِّدُهُ بِرِضَاهُ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سَيَصِلُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَسَخَ الْقَاضِي الْكِتَابَةَ أَوْ فَسَخَ الْمَوْلَى بِرِضَا الْمُكَاتَبِ، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَعْجِزُهُ حَتَّى يَتَوَالَى عَلَيْهِ نَجْمَانِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا تَوَالَى عَلَى الْمُكَاتَبِ نَجْمَانِ يُرَدُّ فِي الرِّقِّ وَالْأَمْرُ فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ كَالْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إرْفَاقٍ حَتَّى كَانَ التَّأْجِيلُ فِيهِ سُنَّةً وَلَهُمَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَسْخُهَا بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ عَنْ نَجْمٍ وَرَدِّهِ إلَى الرِّقِّ وَالْأَثَرُ فِيهِ كَالْمَرْفُوعِ وَمَا رَوَاهُ عَنْ عَلِيٍّ لَا يَنْفِي الْفَسْخَ إذَا عَجَزَ عَنْ نَجْمٍ، بَلْ هُوَ سُكُوتٌ عَنْهُ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ أَوْ سَيِّدُهُ بِرِضَاهُ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَازِمَةٌ مِنْ جَانِبِ الْمَوْلَى غَيْرُ لَازِمَةٍ مِنْ جَانِبِ الْعَبْدِ فَلَوْ أَرَادَ الْعَبْدُ أَنْ يَعْجِزَ نَفْسَهُ وَيَفْسَخَ الْكِتَابَةَ وَأَبَى الْمَوْلَى ذَلِكَ فَلِلْعَبْدِ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهَا لَازِمَةٌ مِنْ جَانِبِ الْعَبْدِ أَيْضًا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَهَا بِغَيْرِ رِضَا الْمَوْلَى وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَسَخَهَا يَعْنِي الْحَاكِمُ يَحْكُمُ بِعَجْزِهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَ طَلَبِ الْمَوْلَى وَلَهُ وِلَايَةُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْعَبْدُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ مُكَاتَبٌ عَجَزَ عَنْ نَجْمٍ صَادِقٌ بِمَا إذَا كَاتَبَهُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِمَا إذَا كَاتَبَهُ وَحْدَهُ قَالَ فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدَيْنِ كِتَابَةً وَاحِدَةً فَعَجَزَ أَحَدُهُمَا فَرَدَّهُ الْقَاضِي فِي الرِّقِّ وَالْقَاضِي لَا يَعْلَمُ بِمُكَاتَبَةِ الْآخَرِ مَعَهُ، ثُمَّ أَدَّى الْآخَرُ الْكِتَابَةَ عَتَقَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ رَدُّ الْأَوَّلِ فِي الرِّقِّ مَا دَامَ الْآخَرُ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ
стр. 2600
بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَلِهَذَا لَوْ عَلِمَ الْقَاضِي بِكِتَابَةِ الْآخَرِ لَا يُرَدُّ حَتَّى يَجْتَمِعَا، وَلَوْ كَاتَبَ الْمَوْلَيَانِ عَبْدًا لَهُمَا كِتَابَةً وَاحِدَةً فَعَجَزَ لَمْ يُرَدَّ فِي الرِّقِّ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْمَوْلَيَانِ؛ لِأَنَّهُ إذَا غَابَ أَحَدُهُمَا كَانَ الْفَسْخُ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ مُتَعَذِّرًا.
وَلَوْ مَاتَ الْمَوْلَى عَنْ وَرَثَةٍ فَلِبَعْضِهِمْ الرَّدُّ فِي الرِّقِّ بِقَضَاءٍ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ فِيمَا لَهُ وَفِيمَا عَلَيْهِ وَفِي الْمُحِيطِ كَاتَبَ عَبْدَيْهِ كِتَابَةً وَاحِدَةً فَارْتَدَّ أَحَدُهُمَا وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَعَجَزَ الْحَاضِرُ لَمْ يَرُدَّهُ الْقَاضِي فِي الرِّقِّ وَإِنْ رَدَّهُ لَمْ يَكُنْ رَدًّا لِلْآخَرِ حَتَّى لَوْ رَجَعَ مُسْلِمًا لَمْ يَرُدَّهُ إلَى مَوْلَاهُ فَلَوْ قَالَ فِي كِتَابَةٍ وَاحِدَةٍ لَكَانَ أَوْلَى اهـ.
قَالَ ﵀ (وَعَادَ أَحْكَامُ الرِّقِّ) يَعْنِي إذَا عَجَزَ عَادَ إلَى أَحْكَامِ الرِّقِّ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ انْفَسَخَتْ وَفَكَّ الْحَجْرِ كَانَ لِأَجْلِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ فَلَا يَبْقَى بِدُونِ الْعَقْدِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُؤَلِّفَ قَالَ وَعَادَ أَحْكَامُ وَلَمْ يَقُلْ عَادَ إلَى الرِّقِّ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ بَاقٍ قَالَ ﵀ (وَمَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ إذَا كَانَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْمَوْلَى عَلَى تَقْدِيرِ الْأَدَاءِ كَانَ لَهُ وَعَلَى تَقْدِيرِ الْعَجْزِ كَانَ لِلْمَوْلَى، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ فَكَانَ لِمَوْلَاهُ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ مَاتَ وَلَهُ مَالٌ لَمْ تُفْسَخْ) ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ بِمَوْتِهِ وَبِهِ أَخَذَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ لَهُ أَنَّ الْعَقْدَ لَوْ بَقِيَ لَبَقِيَ لِتَحْصِيلِ الْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ.
وَقَدْ تَعَذَّرَ إثْبَاتُهُ فَبَطَلَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَخْلُوا إمَّا أَنْ يُثْبِتَ الْعِتْقَ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ بَعْدَهُ مُقْتَصِرًا أَوْ مُسْتَنِدًا لَا وَجْهَ إلَى الْأَوَّلِ لِعَدَمِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْأَدَاءُ وَالشَّيْءُ لَا يَسْبِقُ شَرْطَهُ وَلَا إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِنُزُولِ الْعِتْقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إثْبَاتُ قُوَّةِ الْمَيِّتِ وَهُوَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمَالِكِيَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْقُودٍ عَلَيْهِ، بَلْ عَاقِدٌ وَالْعَقْدُ يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا بِمَوْتِ الْعَاقِدِ؛ وَلِأَنَّ الْمَوْلَى يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعْتِقًا بَعْدَ الْمَوْتِ كَمَا إذَا قَالَ أَنْت حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي وَلَنَا أَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَهُوَ الْمَوْلَى فَلَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْآخَرِ وَهُوَ الْعَبْدُ كَالْبَيْعِ؛ وَلِأَنَّ قَضِيَّةَ الْمُعَاوَضَةِ الْمُسَاوَاةُ فَإِذَا بَقِيَ الْعَقْدُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى لِحَاجَتِهِ إلَى الْوَلَاءِ وَغَيْرِهِ جَازَ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ مَوْتِ الْعَبْدِ لِحَاجَتِهِ إلَى الْحُرِّيَّةِ لِيُتَوَصَّلَ إلَى حُرِّيَّةِ أَوْلَادِهِ، وَلَوْ مَاتَ عَاجِزًا تُفْسَخُ الْكِتَابَةُ، وَلَوْ قَذَفَهُ إنْسَانٌ بَعْدَ الْأَدَاءِ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ، وَقِيلَ الْأَدَاءُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ ثَبَتَ مُسْتَنِدًا إلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ فَلَا يَظْهَرُ الِاسْتِنَادُ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ قَالَ ﵀ (وَتُؤَدَّى كِتَابَتُهُ مِنْ مَالِهِ) يَعْنِي يُؤَدِّي مَنْ خَلْفَهُ فَيَكُونُ أَدَاءُ الْخَلِيفَةِ كَأَدَائِهِ بِنَفْسِهِ فَإِنْ قِيلَ الْأَدَاءُ فِعْلٌ وَالِاسْتِنَادُ يَكُونُ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ قُلْنَا نَعَمْ لَكِنَّ فِعْلَ الثَّابِتِ مُضَافًا إلَى حِسِّيِّ الثُّبُوتِ وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ شَرْعِيَّةٌ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ رَمَى صَيْدًا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ، ثُمَّ أَصَابَهُ صَارَ مَالِكًا لَهُ حَتَّى يُورَثَ عَنْهُ وَالْمَالِكُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَكِنْ لَمَّا صَحَّ السَّبَبُ وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ بَعْدَ تَمَامِ السَّبَبِ وَتَمَامُهُ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ وَهُوَ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ ثَبَتَ الْمِلْكُ مِنْ حِينِ الْإِمْكَانِ وَهُوَ آخِرُ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ.
فَكَذَا هُنَا وَفِي الْأَصْلِ إذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ عَنْ وَفَاءٍ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ لِأَجْنَبِيٍّ سِوَى بَدِلِ الْكِتَابَةِ وَلَهُ مَالٌ يُوَفَّى وَلَهُ وَصَايَا يُبْدَأُ مِنْ تَرِكَتِهِ بِدَيْنِ الْأَجْنَبِيِّ، ثُمَّ بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَتَبْطُلُ وَصَايَاهُ وَمَا بَقِيَ يُقَسَّمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ يُبْدَأُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ وَلَا يُبْدَأُ بِالدَّيْنِ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا إلَّا دَيْنًا عَلَى النَّاسِ فَاسْتَسْعَى الْمَوْلُودُ فِي الْكِتَابَةِ فَعَجَزَ يُرَدُّ فِي الرِّقِّ فَإِذَا خَرَجَ الدَّيْنُ بَعْدَ ذَلِكَ فَذَلِكَ لِلْمَوْلَى اهـ.
قَالَ ﵀ (وَحَكَمَ بِعِتْقِهِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ) بِأَنْ يُقَامَ التَّرْكُ الْمَوْجُودُ مِنْهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ مَقَامَ التَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْمَالِ وَالْمَوْلَى وَهُوَ الْأَدَاءُ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ قَالَ فِي نَوَادِرِ بِشْرٍ عَنْ الثَّانِي مَاتَ مُكَاتِبٌ عَنْ وَفَاءٍ وَلَهُ أَوْلَادٌ مِنْ أَمَتِهِ فَمَاتَ بَعْضٌ قَبْلَ الْأَدَاءِ فَأَدَّى مَا عَلَيْهِ وَبَقِيَ مَالٌ فَهُوَ مِيرَاثٌ وَلَا يَرِثُ الِابْنُ الْمَيِّتُ وَمَا تَرَكَهُ الِابْنُ الْمَيِّتُ فَهُوَ لِأُمِّهِ وَإِخْوَتِهِ، وَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ مَعَهُ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ أَبِيهِ، ثُمَّ أُدِّيَتْ الْكِتَابَةُ لَمْ يَرِثْ أَبَاهُ وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ مُكَاتَبٌ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنًا وَلَدًا لَهُ فِي الْكِتَابَةِ وَتَرَكَ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ دَيْنًا عَلَى النَّاسِ فَاكْتَسَبَ الِابْنُ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَدَّاهَا فِي كِتَابَةِ أَبِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ دَيْنُ الْأَبِ وَلَهُ أَخٌ فَإِنَّ الْأَلْفَيْنِ مِيرَاثٌ بَيْنَهُمَا وَلَا يَرْجِعُ الِابْنُ بِمَا أَدَّى فِي الْأَلْفَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ الِابْنُ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ فَلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْأَبِ وَفِي الْمُنْتَقَى مُكَاتَبٌ مَاتَ وَلَهُ دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ وَلَهُ مَوْلُودٌ وَلَدٌ فِي الْكِتَابَةِ يَسْعَى فِي الْكِتَابَةِ عَلَى نُجُومِهَا وَلَهُ ابْنَانِ حُرَّانِ أَيْضًا، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ الْحُرَّيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ مَا لِلْمُكَاتَبِ عَلَى النَّاسِ فَأَدَّيْت مِنْ ذَلِكَ بَدَلَ الْكِتَابَةِ فَالْفَاضِلُ بَيْنَ الْوَلَدِ الْحُرِّ وَالْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ وَيَرِثُ الِابْنُ الْحُرُّ أَخَاهُ
стр. 2601
الَّذِي مَاتَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ وَالِابْنُ الْمَوْلُودُ فِي الْكِتَابَةِ لَا يَرِثُ مِنْ أَخِيهِ الَّذِي مَاتَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة مَاتَ الرَّجُلُ عَنْ مُكَاتَبِهِ وَلَهُ وَرَثَةٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، ثُمَّ مَاتَ الْمُكَاتَبُ عَنْ وَفَاءٍ يُؤَدِّي مِنْ ذَلِكَ بَدَلَ الْكِتَابَةِ وَيَكُونُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَمَا فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ وَارِثٌ فَهُوَ لِلذُّكُورِ مِنْ وَرَثَةِ الْمَوْلَى دُونَ الْإِنَاثِ وَفِي الْمُحِيطِ مَاتَ الْمُكَاتَبُ عَنْ وَفَاءٍ يُبْدَأُ بِالدَّيْنِ، ثُمَّ بِبَدَلِ الْجِنَايَةِ، ثُمَّ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ، ثُمَّ بِمَهْرِ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ، ثُمَّ الْبَاقِي مِيرَاثٌ بَيْنَ أَوْلَادِهِ الَّذِينَ عَتَقُوا بِعِتْقِهِ وَاَلَّذِينَ كَانُوا أَحْرَارًا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الدُّيُونَ مَتَى اجْتَمَعَتْ يُبْدَأُ بِالْأَقْوَى وَدَيْنُ الْمُدَايَنَةِ أَقْوَى مِنْ دَيْنِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَدَيْنَ الْجِنَايَةِ عِوَضٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ مُبْدَلَهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَلِهَذَا لَا يُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَدَيْنُ الْجِنَايَةِ أَقْوَى مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالْعَجْزِ وَدَيْنُ الْكِتَابَةِ أَقْوَى مِنْ دَيْنِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَالْمَهْرُ وَجَبَ بِعَقْدٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ عَنْ وَفَاءِ دَيْنِ الْمَوْلَى يُبْدَأُ بِدَيْنِ الْمَوْلَى، ثُمَّ بِالْكِتَابَةِ وَالْبَاقِي مِيرَاثٌ فَإِنْ لَمْ يُوَفِّ بِالدَّيْنِ وَالْكِتَابَةِ بَدَأَ بِالْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَدَأَ بِهَا يَمُوتُ حُرًّا وَالْوَلَدُ الْمَوْلُودُ فِي الْكِتَابَةِ وَالْوَلَدُ الْمُكَاتَبُ مَعَهُ كِتَابَةً وَاحِدَةً سَيَأْتِي فِي الْإِرْثِ؛ لِأَنَّهُمَا يُعْتَقَانِ مَعَهُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مُنْفَرِدًا بِالْكِتَابَةِ فَأَدَّى بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ بَعْدَ قَضَاءِ مُكَاتَبَةِ الْأَبِ أَوْ قَبْلَهُ لَمْ يَرِثْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا يَوْمَ مَاتَ الْأَبُ فَلَمْ يُعْتَقْ بِعِتْقِهِ وَإِنَّمَا عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ كَاتَبَ عَبْدًا مُشْتَرَكًا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَمَاتَ الْعَبْدُ وَتَرَكَ كَسْبًا فَقَدْ مَاتَ عَاجِزًا عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ يَصِيرُ مُكَاتَبًا فَلَا سَبِيلَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى كَسْبِهِ، وَعِنْدَهُمَا كُلُّهُ مُكَاتَبٌ وَيَكُونُ كُلُّ الْكَسْبِ مِلْكًا لَهُ فَيُؤَدِّي مِنْ كَسْبِهِ وَيَضْمَنُ الْمُكَاتَبُ نِصْفَ قِيمَتِهِ لِشَرِيكِهِ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ تَرَكَ وَلَدًا وُلِدَ فِي كِتَابَتِهِ وَلَا وَفَاءَ سَعَى كَأَبِيهِ عَلَى نُجُومِهِ فَإِنْ أَدَّى حُكِمَ بِعِتْقِهِ وَعِتْقِ أَبِيهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمَتْنِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا وُلِدَ فِي كِتَابَتِهِ مِنْ أَمَتِهِ أَوْ أَمَةِ الْغَيْرِ وَظَاهِرُ الْعِلَّةِ تَقْيِيدُهُ بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ وَكَسْبِهِ لَهُ فَيَخْلُفُهُ فِي الْأَدَاءِ وَصَارَ أَدَاؤُهُ كَأَدَاءِ أَبِيهِ فَجُعِلَ كَأَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً مَعَ الْوَلَدِ وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ يَسْعَى أَنَّ الْوَلَدَ الْمَوْلُودَ فِيهَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى السَّعْيِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْكَافِي لَوْ كَاتَبَ أَمَته عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَوَلَدَتْ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَمَاتَتْ وَبَقِيَ الْوَلَدُ يَبْقَى خِيَارُهُ وَعَقْدُ الْكِتَابَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالثَّانِي وَلَهُ أَنْ يُجِيزَهَا، وَإِذَا أَجَازَ يَسْعَى الْوَلَدُ عَلَى نُجُومِ الْأُمِّ، وَإِذَا أَدَّى عَتَقَتْ الْأُمُّ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهَا وَعَتَقَ وَلَدُهَا، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَعِنْدَ الثَّالِثِ تَبْطُلُ الْكِتَابَةُ وَلَا يَصِحُّ إجَازَةُ الْمَوْلَى وَهُوَ الْقِيَاسُ وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ تَرَكَ أُمَّ وَلَدِهِ مَعَهَا وَلَدٌ لَا تُبَاعُ وَاسْتَسْعَتْ فِي الْكِتَابَةِ عَلَى نُجُومِ الْمُكَاتِبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ بَاعَهَا عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ حُرِّيَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ لِأَجْلِ الْوَلَدِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ تُبَاعُ، وَعِنْدَهُمَا لَا تُبَاعُ وَتُؤَدِّي بَدَلَ الْكِتَابَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ.
وَلَوْ حَلَّ عَلَى أَوْلَادِهِ الْمَوْلُودِينَ فِي الْكِتَابَةِ نَجْمٌ وَلَمْ يُؤَدُّوا أَوْ بَعْضُهُمْ غَائِبٌ لَمْ يُرَدَّ الْحَاضِرُ فِي الرِّقِّ حَتَّى يَرْجِعَ الْغَائِبُ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ عَلَى الْحَاضِرِ فَسْخٌ عَلَى الْغَائِبِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ فِي حَقِّ الْغَائِبِ فَتَعَذَّرَ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ أَيْضًا وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَإِذَا مَاتَ الْمُكَاتِبُ عَنْ وَلَدٍ مَوْلُودٍ فِي الْكِتَابَةِ وَوَلَدٍ مُشْتَرًى مَعَهَا فَعِنْدَهُمَا يَسْعَيَانِ فِي نُجُومِ الْأُمِّ فَمَا اتَّصَلَ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ مَوْتِ الْأُمِّ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً، وَعِنْدَ الْإِمَامِ الْمَوْلُودِ يَسْعَى عَلَى نُجُومِ الْأُمِّ وَيُؤَدِّي بَدَلَ الْكِتَابَةِ وَهُوَ الْمُطَالَبُ وَيَسْعَى الْوَلَدُ الْمُشْتَرَى وَيَأْخُذُ مِنْ كَسْبِهِ وَيُؤَجِّرُهُ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَمَا فَضَلَ يَكُونُ مِيرَاثًا عَنْ الْأُمِّ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا وَفِي الْأَصْلِ الْوَلَدُ الْمَوْلُودُ فِي الْكِتَابَةِ يَسْعَى فِي دُيُونِ الْأَبِ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ تَرَكَ وَلَدًا مُشْتَرًى عَجَّلَ الْبَدَلَ حَالًّا أَوْ رُدَّ رَقِيقًا) وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمَتْنِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمُشْتَرَى بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وُلِدَ بَعْدَ الْكِتَابَةِ أَوْ قَبْلَهَا وَسَيَأْتِي الْبَيَانُ، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا يَسْعَى عَلَى نُجُومِهِ كَالْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَتِهِ حَتَّى جَازَ لِلْمَوْلَى إعْتَاقُهُ كَمَا يَجُوزُ إعْتَاقُ الْمُكَاتَبُ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ سَائِرِ أَكْسَابِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إعْتَاقَهُ وَلِلْإِمَامِ أَنَّ الْأَجَلَ يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ فِي الْعَقْدِ فَيَثْبُتُ فِي حَقِّ مَنْ دَخَلَ تَحْتَ الْكِتَابَةِ وَالْمُشْتَرَى لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُضِفْ إلَيْهِ الْعَقْدَ وَلَمْ يَسْرِ حُكْمُهُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُنْفَصِلًا وَقْتَ الْكِتَابَةِ وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ مَرَّ فِي أَوَّلِ فَصْلِ الْمُكَاتَبِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا اشْتَرَى أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يَسْرِ حُكْمُهُ إلَيْهِ لَمَا عَتَقَ عِنْدَهُ بِأَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ حَالًّا وَأُجِيبَ أَنَّ الْمُرَادَ بِدُخُولِ الْوَلَدِ الْمُشْتَرَى فِي كِتَابَةِ أَبِيهِ لَيْسَ لِسِرَايَةِ حُكْمِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ الَّذِي جَرَى بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَمَوْلَاهُ إلَيْهِ، بَلْ يُجْعَلُ الْمُكَاتَبُ مُكَاتَبًا لِوَلَدِهِ
стр. 2602
بِاشْتِرَائِهِ إيَّاهُ تَحْقِيقًا لِلصِّلَةِ وَبِأَنَّ عِتْقَ الْوَلَدِ الْمُشْتَرَى عِنْدَهُ بِأَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ حَالًّا لَيْسَ لِأَجْلِ السِّرَايَةِ أَيْضًا، بَلْ لِضَرُورَةِ الْمُكَاتَبِ إذْ ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ، وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ فِي الْكَافِي حَيْثُ قَالَ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ بَعْدَ مَوْتِهِ لِفَوَاتِ الْمَتْبُوعِ، وَلَكِنْ إذَا عَجَّلَ وَأَعْطَى مِنْ سَاعَتِهِ صَارَ كَأَنَّهُ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ بِخِلَافِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَائِهِ بَعْدَ الْكِتَابَةِ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ اشْتَرَى ابْنَهُ فَمَاتَ وَتَرَكَ وَفَاءً وَرِثَهُ ابْنُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَدَّى بَدَلَ الْكِتَابَةِ حُكِمَ بِعِتْقِهِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ فَيَتْبَعُهُ وَلَدُهُ فِي ذَلِكَ فَيَكُونَانِ حُرَّيْنِ فَظَهَرَ أَنَّهُ مَاتَ حُرٌّ عَنْ وَلَدٍ حُرٍّ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ قَالَ ﵀ (وَكَذَا لَوْ كَانَ هُوَ وَابْنُهُ مُكَاتَبَيْنِ كِتَابَةً وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ فَإِذَا حُكِمَ بِعِتْقِ أَحَدِهِمَا فِي وَقْتٍ يُعْتَقُ الْآخَرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ضَرُورَةَ اتِّحَادِ الْعَقْدِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فَيَصِيرُ حُرًّا مَاتَ عَنْ ابْنٍ حُرٍّ، وَلَوْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ حُرٌّ وَمَوْلُودٌ فِي الْكِتَابَةِ وَمُكَاتَبٌ مَعَهُ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ وَوَصِيًّا تَرِثُهُ أَوْلَادُهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَبَيَّنَّا وَيَمْلِكُ الْوَصِيُّ بَيْعَ الْعُرُوضِ دُونَ الْعَقَارِ وَالدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْعُرُوضِ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ دُونَ الْعَقَارِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَلَوْ مَاتَ الِابْنُ قَبْلَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ لَا يَرِثَانِهِ؛ لِأَنَّ إرْثَهُ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِ كِتَابَةِ أَبِيهِ فَلَا يَظْهَرُ الِاسْتِيلَادُ فِي حَقِّهِ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ تَرَكَ وَلَدًا مِنْ حُرَّةٍ وَدَيْنًا فِيهِ وَفَاءً بِكِتَابَتِهِ فَجَنَى الْوَلَدُ فَقَضَى بِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْأُمِّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَضَاءً بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ) ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِمُوجِبِ الْجِنَايَةِ عَلَى مَوَالِي الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ وَإِنْ تَرَكَ مَالًا وَهُوَ الدَّيْنُ لَا يُحْكَمُ بِعِتْقِهِ إلَّا عِنْدَ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَكَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِمْ فَإِذَا قَضَى بِهِ الْقَاضِي عَلَيْهِمْ كَانَ الْقَضَاءُ تَقْرِيرًا لِلْكِتَابَةِ فَتَبْقَى الْكِتَابَةُ عَلَى حَالِهَا فَإِذَا أَدَّى بَعْدَ ذَلِكَ بَدَلَ الْكِتَابَةِ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ وَظَهَرَ لِلِابْنِ وَلَاءٌ فِي جَانِبِ الْأَبِ فَيَنْجَرُّ إلَيْهِ وَلَاؤُهُ؛ وَلِأَنَّهُ فَرْعُ ظُهُورِ الْعِتْقِ وَكَانُوا مُضْطَرِّينَ فِيمَا عَقَلُوا فَلَهُمْ الرُّجُوعُ بِذَلِكَ عَلَى مَوَالِي الْأَبِ وَلَا يَرْجِعُونَ بِذَلِكَ عَلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ اخْتَصَمَ مَوَالِي الْأُمِّ وَمَوَالِي الْأَبِ فِي وَلَائِهِ فَقَضَى بِهِ لِمَوَالِي الْأُمِّ فَهُوَ قَضَاءٌ بِالْعَجْزِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْخُصُومَةُ فِي نَفْسِ الْوَلَاءِ بِأَنْ مَاتَ الْوَلَدُ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ قَبْلَ خُرُوجِ الدَّيْنِ وَقَضَى بِمِيرَاثِهِ لِمَوْلَى الْأُمِّ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِي يَقْضِي بِكَوْنِ الْوَلَاءِ لِمَوْلَى الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ وَقَعَتْ فِي الْوَلَاءِ وَمِنْ ضَرُورَةِ الْقَضَاءِ فَسْخُ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ مِنْ جَانِبِ الْأُمِّ لَا يَثْبُتُ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ إثْبَاتُهُ مِنْ جَانِبِ الْأَبِ وَإِنَّمَا يَتَعَذَّرُ بِفَسْخِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ مِنْ جَانِبِهِ بِالْأَدَاءِ، وَلَوْ خَرَجَ الدَّيْنُ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ لِمَوْلَى الْمُكَاتَبِ مِيرَاثًا عَنْ عَبْدِهِ؛ لِأَنَّ صِيَانَةَ الْقَضَاءِ عَنْ الِانْتِقَاضِ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ وَفَسْخَ الْكِتَابَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَكَانَ فَسْخُ الْكِتَابَةِ أَوْلَى مِنْ نَقْضِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْفِعْلِ لَا يَنْفَسِخُ وَبِالْقَضَاءِ ظَهَرَ الْعَجْزُ مُطْلَقًا حَتَّى لَوْ ظَهَرَ مَالُ مِقْدَارِ الْبَدَلِ وَأَخَذَهُ الْمَوْلَى لَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْ الْكِتَابَةِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْقَضَاءِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ.
وَإِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ عَاجِزًا وَتَرَكَ وَلَدًا حُرًّا فَظَهَرَ لِلْمُكَاتَبِ وَدِيعَةٌ أُدِّيَتْ مِنْهَا كِتَابَتُهُ وَلَا يَتَحَوَّلُ وَلَاءُ الْوَلَدِ إلَى مَوْلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْمُودِعَ أَقَرَّ بِشَيْئَيْنِ أَقَرَّ بِأَنَّهُ مَلَكَ الْمُكَاتَبَ وَأَقَرَّ أَنَّ وَلَاءَهُ تَحَوَّلَ فَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ صَحِيحٌ فَيَصْدُقُ فِيهِ وَإِقْرَارُهُ بِتَحَوُّلِ الْوَلَاءِ إلَى غَيْرِهِ لَا يَصْدُقُ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَوْلَى لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَوْفَى مِنْهُ بَدَلَ الْكِتَابَةِ قَبْلَ مَوْتِهِ لَا يَصْدُقُ فِي حَقِّ تَحَوُّلِ الْوَلَاءِ إلَى مَوَالِي الْأَبِ فَكَذَا هُنَا، وَأَمَّا إذَا مَاتَ لَا عَنْ وَفَاءٍ وَلَا وَلَدٍ فَاخْتَلَفُوا فِي بَقَاءِ الْكِتَابَةِ قَالَ الْإِسْكَافِيُّ تَنْفَسِخُ حَتَّى لَوْ تَطَوَّعَ لَهُ إنْسَانٌ بِأَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ عَنْهُ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ لَا تَنْفَسِخُ مَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِعَجْزِهِ حَتَّى لَوْ تَطَوَّعَ إنْسَانٌ عَنْهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالْفَسْخِ جَازَ وَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ.
قَالَ ﵀ (وَمَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ مِنْ الصَّدَقَاتِ وَعَجَزَ طَابَ لِسَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَتَبَدَّلُ وَتَبَدُّلُ الْمِلْكِ كَتَبَدُّلِ الْعَيْنِ فَصَارَ كَعَيْنٍ أُخْرَى وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ فِي حَقِّ بَرِيرَةَ «هِيَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ» حِينَ أُهْدِيَ إلَيْهَا وَكَانَتْ مُكَاتَبَةً فَإِنْ قِيلَ إنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ كَانَ لِلْمَوْلَى فَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ تَبَدُّلُ الْمِلْكِ قُلْنَا مِلْكُ الرَّقَبَةِ مَغْلُوبًا فِي مُقَابَلَةِ مِلْكِ الْيَدِ حَتَّى لَوْ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَمْنَعَ الْمَوْلَى مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ الْمُكَاتَبَ مِنْ التَّصَرُّفِ وَبِالْعَجْزِ يَنْعَكِسُ الْحَالُ وَلَيْسَ هَذَا إلَّا تَبَدُّلُ الْمِلْكِ لِلْمَوْلَى وَلَئِنْ كَانَ فَلَا يُسَلَّمُ مِثْلُهُ بِمَنْزِلَةِ تَبَدُّلِ الْعَيْنِ فَصَارَ كَالْفَقِيرِ يَمُوتُ عَنْ صَدَقَةٍ أَخَذَهَا يَطِيبُ ذَلِكَ لِوَارِثِهِ الْغَنِيِّ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَكَذَا إذَا اسْتَغْنَى الْفَقِيرُ يَطِيبُ لَهُ مَا أَخَذَ مِنْ الزَّكَاةِ، وَكَذَا ابْنُ السَّبِيلِ إذَا وَصَلَ إلَى بَلَدِهِ وَفِي يَدِهِ مَالٌ مِنْ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءُ الْأَخْذِ لِمَا فِيهِ مِنْ الذُّلِّ فَلَا يُرَخَّصُ
стр. 2603
مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلَوْ أَبَاحَ الْفَقِيرُ لِلْغَنِيِّ أَوْ الْهَاشِمِيِّ عَيْنَ مَا أَخَذَ مِنْ الزَّكَاةِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَتَبَدَّلْ وَلَك أَنْ تَقُولَ الْمُحَرَّمُ ابْتِدَاءً الْأَخْذُ إلَى آخِرِهِ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَبَاحَ الْفَقِيرُ لِلْغَنِيِّ أَوْ الْهَاشِمِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يَطِيبَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا ابْتِدَاءً الْفِعْلُ الْمُحَرَّمُ الْمُقْتَرِنُ بِالْإِذْلَالِ قُلْنَا إنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا الْأَخْذُ مِنْ يَدِ الْمُتَصَدِّقِ وُجِدَ مِنْهُمَا الْأَخْذُ مِنْ يَدِ الْفَقِيرِ فَقَدْ تَحَقَّقَ فِي حَقِّهِمَا سَبَبُ الْخُبْثِ وَلَك أَنْ تَقُولَ لَيْسَ الْمُحَرَّمُ نَفْسَ الْأَخْذِ فَقَطْ، بَلْ نَفْسُ الْأَخْذِ الْمَقْرُونِ بِالْإِذْلَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ خَبِيثًا وَنَظِيرُهُ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا لَا يَطِيبُ بِالْإِبَاحَةِ، وَلَوْ مَلَكَهُ يَطِيبُ، وَلَوْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ الْأَدَاءِ إلَى الْمَوْلَى يَطِيبُ لِلْمَوْلَى عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُ مَا فِي يَدِهِ مِلْكًا مُبْتَدَأً حَتَّى تَنْتَقِضَ إجَارَتُهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَطِيبُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَجَزَ لَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى إكْسَابَهُ مِلْكًا مُبْتَدَأً وَإِنَّمَا لَهُ فِيهِ نَوْعُ مِلْكٍ فَيَتَأَكَّدُ بِالْعَجْزِ وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ مِلْكٌ وَلِهَذَا لَا يَنْتَقِضُ إجَارَتُهُ بِالْعَجْزِ كَمَا فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ إذَا حَجَرَ عَلَيْهِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَطِيبُ لَهُ بِالْإِجْمَاعِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُحَرَّمَ ابْتِدَاءً الْأَخْذُ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمَوْلَى الْأَخْذُ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ جَنَى عَبْدٌ فَكَاتَبَهُ سَيِّدُهُ جَاهِلًا بِهَا فَعَجَزَ دَفَعَ أَوْ فَدَى) يَعْنِي الْمَوْلَى بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ دَفَعَ الْعَبْدَ وَإِنْ شَاءَ فَدَاهُ بِالْأَرْشِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَاتَبَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بِالْمُكَاتَبَةِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ، وَقَدْ امْتَنَعَ الدَّفْعُ بِفِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْأَرْشِ كَمَا إذَا أَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ اسْتَوْلَدَ الْأَمَةَ أَوْ بَاعَهُ بَعْدَمَا جَنَى مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِهَا إلَّا أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الدَّفْعِ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ فَلَمْ يَنْتَقِلْ حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ مِنْ الْعَبْدِ إلَى الْقِيمَةِ فَإِذَا عَجَزَ زَالَ الْمَانِعُ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ عَلَى الْقَاعِدَةِ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَكَذَا إنْ جَنَى مُكَاتَبٌ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ فَعَجَزَ) حُكْمُهُ كَالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَجَزَ صَارَ قِنًّا وَجِنَايَةُ الْقِنِّ يُخَيَّرُ فِيهَا الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ عَلَى مَا عُرِفَ وَقَبْلَ أَنْ يَعْجِزَ يَجِبُ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّ دَفْعَهُ مُتَعَذِّرٌ وَهُوَ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ مِنْ الْمَوْلَى وَمُوجِبُ الْجِنَايَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الدَّفْعِ يَجِبُ عَلَى مَنْ يَكُونُ لَهُ الْكَسْبُ أَلَا تَرَى أَنَّ جِنَايَةَ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ تُوجِبُ عَلَى الْمَوْلَى الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْأَرْشِ لِمَا أَنَّهُ أَحَقُّ بِكَسْبِهِمَا، وَلَوْ جَنَى جِنَايَةً بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْأُولَى فَهِيَ كَالْأُولَى، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ الْجِنَايَاتُ فِي وَقْتٍ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَفِيهِ، وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمُكَاتَبُ، ثُمَّ عَتَقَ فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ وَإِنْ عَجَزَ فَالْخِيَارُ لِلْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ وَامْرَأَتُهُ مُكَاتَبَيْنِ كِتَابَةً وَاحِدَةً فَوَلَدَتْ فَقَتَلَهُ الْمَوْلَى وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ الْكِتَابَةِ فَهُوَ عَلَى الْمَوْلَى فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ قُتِلَ الْمُكَاتَبُ فَالْمَالُ يَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَإِنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ قَدْ حَلَّتْ قَالَ ﵀ (فَإِنْ قَضَى بِهِ عَلَيْهِ فِي كِتَابَتِهِ فَعَجَزَ فَهُوَ دَيْنٌ يُبَاعُ فِيهِ) يَعْنِي إذَا قَضَى بِمُوجِبِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِي حَالِ كِتَابَتِهِ وَهُوَ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْأَرْشِ فَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ يُبَاعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ مِنْ الرَّقَبَةِ إلَى الْقِيمَةِ بِالْقَضَاءِ، وَهَذَا عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ زُفَرُ تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَلَا يُبَاعُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الدَّفْعِ وَقْتَ الْجِنَايَةِ مَوْجُودٌ وَهُوَ الْكِتَابَةُ فَلَا تَتَغَيَّرُ كَجِنَايَةِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ الدَّفْعُ وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى الْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الدَّفْعِ وَالْمَانِعُ هُنَا مُتَرَدِّدٌ لِاحْتِمَالِ انْفِسَاخِ الْكِتَابَةِ فَلَا يَثْبُتُ الِانْتِقَالُ عَنْ الْمُوجِبِ الْأَصْلِيِّ إلَّا بِالْقَضَاءِ وَالصُّلْحِ عَنْ الرِّضَا وَبِالْمَوْتِ عَنْ الْوَفَاءِ وَهُوَ نَظِيرُ الْمَغْصُوبِ إذَا أَبَقَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ إلَّا بِالْقَضَاءِ حَتَّى لَوْ رَجَعَ قَبْلَ الْقَضَاءِ يَكُونُ لِمَوْلَاهُ وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الْقَضَاءِ يَكُونُ لِلْغَاصِبِ، وَكَذَا الْمَبِيعُ إذَا أَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ إلَّا بِالْقَضَاءِ، وَكَذَا إذَا قُتِلَ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَقُومُ مَقَامَهُ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَقْبَلَانِ الْفَسْخَ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ لَمْ تَنْفَسِخْ الْكِتَابَةُ) ؛ لِأَنَّهَا حَقُّ الْعَبْدِ فَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ كَالتَّدْبِيرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالدَّيْنِ وَكَالْأَجَلِ فِيهِ إذَا مَاتَ الطَّالِبُ؛ وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَقْبَلُ الِانْتِقَالَ إلَى مِلْكِ الْوَارِثِ فَتَبْقَى عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَوْلَى قَالَ ﵀ (وَيُؤَدِّي الْمَالَ إلَى الْوَرَثَةِ عَلَى نُجُومِهِ) ؛ لِأَنَّ النُّجُومَ حَقُّهُ؛ لِأَنَّهُ أَجَلٌ وَهُوَ حَقُّ الْمَطْلُوبِ فَلَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الطَّالِبِ هَذَا إذَا كَاتَبَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ، وَلَوْ كَاتَبَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ لَا يَصِحُّ تَأْجِيلُهُ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَالْوَارِثُ يَنُوبُ مَنَابَ الْمُورِثِ وَيَقُومُ مَقَامَهُ فَيَكُونُ قَبْضُهُ بِمَنْزِلَةِ قَبْضِ الْمُورِثِ وَيَقَعُ عَلَى مِلْكِهِ، ثُمَّ يَصِيرُ الْوَارِثُ قَابِضًا عَنْ نَفْسِهِ فَيَمْلِكُهُ بِالْإِرْثِ كَمَا فِي الدَّيْنِ وَفِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ بَدَلَ الْكِتَابَةِ إلَى الْوَرَثَةِ دُونَ الْوَصِيِّ وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِهِ أَوْ لَا يُحِيطُ بِهِ لَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْقَبْضِ لِلْمُوصِي لَا لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ وَإِنْ مَلَكَ مَا قَبَضَ إذَا لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ
стр. 2604
مُسْتَغْرِقًا وَلِلْوَصِيِّ وَالْغُرَمَاءِ أَنْ يَقْبِضَ مِلْكَهُمْ بِقَدْرِ الدَّيْنِ فَلَمْ يَدْفَعْ الْحَقَّ لَهُ لِمَنْ لَهُ حَقُّ الْقَبْضِ فَلَا يَبْرَأُ عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَى أَجْنَبِيٍّ وَإِنْ أَدَّى إلَى الْوَصِيِّ عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَيِّتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَدَفَعَ إلَى الْوَرَثَةِ وَتَقَاسَمُوا جَازَ؛ لِأَنَّ لَهُمْ حَقَّ الْقَبْضِ وَإِنْ أَدَّى إلَى بَعْضِهِمْ لَمْ يُعْتَقْ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْكُلِّ بِخِلَافِ الدَّفْعِ إلَى الْوَصِيِّ يُوجِبُ الْعِتْقَ وَصَلَ إلَى الْوَرَثَةِ حَقُّهُمْ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ عَنْ الْمَيِّتِ بِالتَّفْوِيضِ، وَلَوْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ إلَى الْغُرَمَاءِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ جَازَ وَعَتَقَ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ إلَى مَنْ لَهُ حَقُّ الْقَبْضِ، وَلَوْ أَوْصَى الْمَوْلَى لِإِنْسَانٍ بِمَا عَلَى الْمُكَاتَبِ فَدَفَعَ الْمُكَاتَبُ إلَيْهِ يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ حَرَّرُوهُ عَتَقَ مَجَّانًا) يَعْنِي لَوْ أَعْتَقَهُ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ عَتَقَ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنْ يُجْعَلَ إبْرَاءً عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ، وَقَدْ جَرَى فِيهِ الْإِرْثُ فَيَكُونُ الْإِعْتَاقُ مِنْهُمْ إبْرَاءً وَإِقْرَارًا بِالِاسْتِيفَاءِ فَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَيُعْتَقُ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ كَمَا إذَا أَبْرَأَهُ الْمَوْلَى عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَعْتِقُوهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ حَتَّى إذَا أَعْتَقَهُ بَعْضُهُمْ فِي مَجْلِسٍ لَمْ يُعْتَقْ، وَقِيلَ يُعْتَقُ إذَا أَعْتَقَهُ الْبَاقُونَ مَا لَمْ يَرْجِعْ الْأَوَّلُ وَهُوَ رِوَايَةُ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ حَرَّرَهُ بَعْضٌ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ) يَعْنِي لَوْ أَعْتَقَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ لَا يُعْتَقُ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْ وَلَا يَمْلِكُ أَنْ يَجْعَلَ إبْرَاءً وَاسْتِيفَاءً؛ لِأَنَّ إبْرَاءَ الْبَعْضِ وَاسْتِيفَاءَهُ لَا يُوجِبُ عِتْقَهُ لِتَعَذُّرِ ثُبُوتِ الْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهِ وَلَا يَبْرَأُ مِنْ الدَّيْنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ لَمْ تُثْبِتْ الِاقْتِضَاءَ فَإِذَا بَطَلَ الْمُقْتَضِي بَطَلَ الْمُقْتَضَى، وَلَوْ قَبَضَ وَاحِدٌ نَصِيبَ الْكُلِّ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ لَا يُعْتَقُ إلَّا إذَا أَجَازُوا قَبْضَهُ أَوْ قَبْضَ بِأَمْرِهِمْ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ وَهَبَ أَحَدُهُمْ لِلْمُكَاتَبِ نَصِيبَهُ فِي رَقَبَتِهِ جَازَ وَلَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَدَّى نَصِيبَهُ لَا يُعْتَقُ فَكَذَا إذَا أَبْرَأَهُ عَنْهُ بِالْهِبَةِ فَإِنْ عَجَزَ رُدَّ رَقِيقًا فَنَصِيبُ الْوَاهِبِ فِي رَقَبَتِهِ ثَابِتٌ؛ لِأَنَّهُ عَادَ قِنًّا بِانْفِسَاخِ الْكِتَابَةِ فَصَارَ كُلُّهُ مِيرَاثًا لَهُمْ مِنْ الْمَوْلَى أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا وَهَبَهُ الْمَوْلَى بَعْضَ الْمُكَاتَبَةِ، ثُمَّ عَجَزَ صَارَ كُلُّهُ رَقِيقًا لِلْمَوْلَى فَكَذَا هُنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[كِتَابُ الْوَلَاءِ]
(كِتَابُ الْوَلَاءِ) أَوْرَدَ كِتَابَ الْوَلَاءِ عَقِبَ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ مِنْ آثَارِ الْمُكَاتَبِ لِزَوَالِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ عِنْدَ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ آثَارِ الْعِتْقِ إلَّا أَنْ مُوجِبَاتِ تَرْتِيبِ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ سَاقَتْ الْمُكَاتَبَ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَوَجَبَ تَأْخِيرُ كِتَابِ الْوَلَاءِ عَنْ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ لِئَلَّا يَتَقَدَّمَ الْأَثَرُ عَلَى الْمُؤَثِّرِ وَالْكَلَامُ فِيهِ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ فِي اشْتِقَاقِهِ وَالثَّانِي فِي بَيَانِ دَلِيلِهِ وَالثَّالِثُ فِي سَبَبِهِ وَالرَّابِعُ فِي مَعْنَاهُ لُغَةً وَالْخَامِسُ فِي مَعْنَاهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالسَّادِسُ فِي رُكْنِهِ وَالسَّابِعُ فِي شَرْطِهِ وَالثَّامِنُ فِي حُكْمِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَلَاءِ وَهُوَ الْقُرْبُ وَهُوَ حُصُولُ الثَّانِي عَقِيبَ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ أَوْ مِنْ الْمُوَالَاةِ يُقَالُ وَلِيَ الشَّيْءَ إذَا حَصَلَ بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَهُوَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْوَلَايَةِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ النُّصْرَةُ وَالْمَحَبَّةُ وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﷺ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَقَوْلُهُ ﵊ «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» وَسَبَبُهُ الْإِعْتَاقُ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ بِالْإِعْتَاقِ.
قَالَ الشَّارِحُ وَالْأَصَحُّ أَنَّ سَبَبَهُ الْعِتْقُ عَلَى مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ يُضَافُ إلَيْهِ وَالْإِضَافَةُ دَلِيلُ الِاخْتِصَاصِ؛ وَلِأَنَّ مَنْ وَرِثَ قَرِيبَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ وَوَلَاؤُهُ لَهُ وَلَا إعْتَاقَ مِنْ جِهَتِهِ، وَأَمَّا مَعْنَاهُ لُغَةً فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُعَاوَنَةِ وَالنُّصْرَةِ أَوْ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُوَاصَلَةِ وَالْمُصَادَقَةِ وَسُمِّيَ الْوَلِيُّ وَلِيًّا لِتَنَاصُرِهِ وَتَعَاوُنِهِ لِحَبِيبِهِ وَصَدِيقِهِ، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ التَّنَاصُرِ سَوَاءٌ كَانَ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ بِعَقْدِ الْمُوَالَاةِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمَطْلُوبُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا التَّنَاصُرُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَأُورِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْمَبْسُوطِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ التَّنَاصُرِ غَيْرَهُمَا لَا أَنْفُسَهُمَا إذْ لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالشَّيْءِ لَا يَكُونُ نَفْسَهُ، بَلْ يَكُونُ أَمْرًا مُغَايِرًا لَهُ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَهُوَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ تَنَاصُرٍ يُوجِبُ الْإِرْثَ وَالْعَقْلَ اهـ.
وَأَمَّا رُكْنُهُ فَقَوْلُهُ أَعْتَقَهُ أَوْ مَلَكَ الْقَرِيبَ أَوْ عَقَدْت الْمُوَالَاةَ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُعْتَقِ أَهْلًا لِلْوَلَاءِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلْإِرْثِ وَهُوَ كَوْنُهُ حُرًّا مُسْلِمًا وَأَوْلَادُهُ يَكُونُوا أَهْلًا بِالْعُصُوبَةِ لَا بِالْقَرَابَةِ وَحُكْمُهُ أَنْ يَعْقِلَ الْجِنَايَةَ حَالَ حَيَاةِ مُعْتَقِهِ وَالْإِرْثُ مِنْهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ قَالَ ﵀ (الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَلَوْ بِتَدْبِيرٍ وَكِتَابَةٍ وَاسْتِيلَادٍ وَمِلْكِ قَرِيبٍ) لِمَا رَوَيْنَا وَهُوَ بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ هَالِكٌ حُكْمًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْأَحْيَاءِ نَحْوَ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ وَالْمِلْكِ فِي
стр. 2605
الْأَمْوَالِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَكَانَ الْإِعْتَاقُ إحْيَاءً لَهُ لِثُبُوتِ أَحْكَامِ الْأَحْيَاءِ بِهِ كَالْإِحْيَاءِ بِالْإِيلَادِ فَيَرِثُ بِهِ كَمَا يَرِثُ الْأَبُ وَلَدَهُ وَلِهَذَا سُمِّيَ وَلَاءَ نِعْمَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] بِالْهُدَى وَأَنْعَمْت عَلَيْهِ بِالْإِعْتَاقِ وَالْمَرْأَةُ فِي هَذَا كَالرَّجُلِ وَقَوْلُهُ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ صَادِقٌ بِمَا إذَا أَعْتَقَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يُخَلِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَخَلَّاهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ حَتَّى إذَا خَرَجَا إلَيْنَا مُسْلِمَيْنِ لَا يَرِثُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَرِثُهُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ لَهُ الْوَلَاءُ فَلَوْ قَالَ مُسْلِمًا، وَلَوْ رَقِيقًا كَافِرًا فِي دَارِنَا لَكَانَ أَحْسَنَ.
وَلَوْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى فَعَتَقَ فَوَلَاؤُهُ لِلْمَوْلَى فَيَكُونُ لِعَصَبَتِهِ الذُّكُورِ وَقَوْلُهُ لِمَنْ أَعْتَقَ يَعْنِي، وَلَوْ حُكْمًا فَدَخَلَ الْعَبْدُ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ وَبِشِرَائِهِ وَأَعْتَقَهُ الْوَصِيُّ بَعْدَ مَوْتِهِ فَوَلَاؤُهُ لِعَصَبَةِ الْمَوْلَى، وَكَذَا مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَيَكُونُ وَلَاؤُهُمْ لَهُ وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إذَا أَمَرَ غَيْرَهُ بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ فَأَعْتَقَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ يَكُونُ عَنْ الْآمِرِ وَالْوَلَاءُ لَهُ، وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَعْتَقَ فَالْعِتْقُ يَكُونُ عَنْ الْآمِرِ اسْتِحْسَانًا وَالْوَلَاءُ لَهُ، وَلَوْ قَالَ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَدَلَ فَأَعْتَقَ عَتَقَ عَنْ الْمَأْمُورِ وَالْوَلَاءُ لَهُ فِي قَوْلِهِمَا وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ عَنْ الْآمِرِ وَالْوَلَاءُ لَهُ، وَلَوْ قَالَ أَعْتِقْ عَبْدَك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي فَأَعْتَقَ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِ الْعَبْدِ فَإِنْ قَبِلَ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي عَلِمَ بِهِ لَزِمَهُ الْمَالُ وَإِلَّا فَلَا وَالْوَلَاءُ يُورَثُ اهـ.
وَشَمِلَ قَوْلُهُ لِمَنْ أَعْتَقَ الذِّمِّيَّ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ أَهْلٌ لِلْوَلَاءِ كَالْمُسْلِمِ وَفِي الْمُحِيطِ حَرْبِيٌّ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ أَعْتَقَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَعْتَقَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَكَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا فَوَلَاؤُهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَرِقُّ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَلَا وَلَاءَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ نَتِيجَةُ الْعِتْقِ وَإِعْتَاقَ الْحَرْبِيِّ عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ وَعَبْدَهُ الْكَافِرَ لَا يَصِحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ إذَا لَمْ يُخْلِ سَبِيلَهُ وَإِنْ خَلَّى سَبِيلَهُ صَحَّ الْعِتْقُ لَكِنَّهُ لَمْ يَتِمَّ الْعِتْقُ فِي حَقِّ زَوَالِ الرِّقِّ وَإِنْ صَحَّ فِي حَقِّ إزَالَةِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِهِ سَبَبٌ لِرِقِّهِ فَإِذَا أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ الْكَافِرَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ صَحَّ عِتْقُهُ وَكُلُّ مُعْتَقٍ جَرَى عَلَيْهِ الرِّقُّ بَعْدَ الْعِتْقِ انْتَقَضَ بِهِ وَلَاؤُهُ. حَرْبِيٌّ أَعْتَقَ عَبْدًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ خَرَجَا مُسْلِمَيْنِ لِلْعَبْدِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَصِحَّ مُسْلِمٌ مُسْتَأْمَنٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَسْلَمَ هُنَاكَ أَعْتَقَ عَبْدًا اشْتَرَاهُ هُنَاكَ، ثُمَّ أَسْلَمَ عَبْدُهُ لَمْ يَكُنْ مَوْلَاهُ قِيَاسًا وَلَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَجْعَلُهُ مَوْلَاهُ اسْتِحْسَانًا حَرْبِيٌّ اشْتَرَى عَبْدًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَاسْتُرِقَّ فَاشْتَرَاهُ الْعَبْدُ فَأَعْتَقَهُ فَوَلَاءُ الْأَوَّلِ لِلْآخَرِ وَوَلَاءُ الْآخَرِ لِلْأَوَّلِ.
قَالَ ﵀ (وَشَرْطُ السَّائِبَةِ لَغْوٌ) يَعْنِي لَوْ أَعْتَقَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ وَشَرَطَ أَنْ لَا يَرِثَهُ كَانَ الشَّرْطُ لَغْوًا لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الشَّرْعِ فَيَرِثُهُ كَمَا فِي النَّسَبِ إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يَرِثَهُ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ أَعْتَقَ حَامِلًا مِنْ زَوْجِهَا الْقِنِّ لَا يَنْتَقِلُ وَلَاءُ الْحَمْلِ عَنْ مَوَالِي الْأُمِّ أَبَدًا) ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ عَتَقَ بِعِتْقِ أُمِّهِ وَعِتْقُ أُمِّهِ مَقْصُودٌ فَكَذَا هُوَ يُعْتَقُ مَقْصُودًا؛ لِأَنَّهُ هُوَ جُزْءُ الْأُمِّ وَالْمَوْلَى أَوْقَعَ الْإِعْتَاقَ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَأُورِدَ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْإِعْتَاقِ فَإِنَّهُمْ هُنَاكَ قَالُوا وَإِنْ أَعْتَقَ حَامِلًا عَتَقَ حَمْلُهَا تَبَعًا لَهَا إذْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِهَا فَأَوْرَدُوا أَنَّهُ يُعْتَقُ تَبِعَا لَا قَصْدًا، وَهَذَا مُنَافٍ لِمَا ذَكَرُوهُ هُنَا وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ ﵊ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَإِنَّمَا يُعْرَفُ كَوْنُ الْحَمْلِ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعِتْقِ بِأَنْ تَلِدَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْعِتْقِ، وَكَذَا إذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ أَحَدُهُمَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَالْآخَرُ لِأَكْثَرَ مِنْهُ وَبَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعِتْقِ فَإِذَا تَنَاوَلَ الْإِعْتَاقُ الْأَوَّلَ تَنَاوَلَ الْآخَرَ ضَرُورَةً وَصَارَ مُعْتَقًا لَهُمَا وَالْوَلَاءُ لَا يَنْتَقِلُ مِنْ الْمُعْتَقِ وَقَوْلُهُ مِنْ زَوْجِهَا الْقِنِّ مِثَالٌ، وَكَذَا لَوْ كَانَ زَوْجُهَا مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا وَقَوْلُهُ مِنْ زَوْجِهَا صَادِقٌ بِحَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَهُ وَمَا بَعْدَ النِّكَاحِ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ هَذَا التَّفْصِيلُ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ، وَلَوْ أَعْتَقَ حَامِلًا مِنْ زَوْجِهَا الْقِنِّ حَالَ قِيَامِهِ وَجَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ وَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَوَلَاؤُهُ لِوَلِيِّ الْأُمِّ) ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ جُزْؤُهَا فَيَتْبَعُهَا فِي الصِّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتْبَعُهَا فِي الْحُرِّيَّةِ وَغَيْرِهَا فَكَذَا الْوَلَاءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ جَعْلِهِ تَبَعًا لِلْأَبِ لِرِقِّهِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَلَدَتْ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ وَلَدْت بَعْدَ عِتْقِي بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ وَوَلَاؤُهُ لِمَوَالِي الْأُمِّ، وَقَالَ الزَّوْجُ بَعْدَ عِتْقِك بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَوَلَاؤُهُ لِمَوَالِيَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ اهـ.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ) وَهُوَ الْأَبُ (جَرَّ وَلَاءَ ابْنَهُ لِمَوَالِيهِ) ؛ لِأَنَّ مَوَالِي الْأُمِّ لَمْ يُعْتَقْ الْوَلَدُ هَاهُنَا لِحُدُوثِهِ
стр. 2606
بَعْدَ إعْتَاقِهَا وَإِنَّمَا نُسِبَ إلَيْهِ تَبَعًا لِلْإِمَامِ لِتَعَذُّرِ نِسْبَتِهِ إلَى الْأَبِ فَإِذَا أُعْتِقَ الْأَبُ أَمْكَنَ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ فَجَعْلُهُ تَبَعًا لَهُ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ تَبَعًا لِلْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ قَالَ ﵊ «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» وَالنَّسَبُ إلَى الْأَبَاءِ فَكَذَا الْوَلَاءُ يَنْتَقِلُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ إذَا زَالَ الْمَانِعُ كَوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ قَوْمِ الْأُمِّ فَإِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ يَنْتَقِلُ إلَى الْأَبِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَفِي الْكَافِي قُلْتُمْ الْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ وَالنَّسَبُ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فَكَذَا الْوَلَاءُ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ قُلْنَا لَا يَنْفَسِخُ، وَلَكِنْ حَدَثَ وَلَاءٌ أَوْلَى مِنْهُ فَقُدِّمَ عَلَيْهِ كَمَا تَقُولُ فِي الْأَخِ إنَّهُ عَصَبَةٌ فَإِذَا حَدَثَ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ كَالِابْنِ لَا تَبْطُلُ عُصُوبَتُهُ، وَلَكِنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ أَوْرَدَ هَلْ إذَا قُلْتُمْ لَمْ يَنْفَسِخْ، وَلَكِنْ قُدِّمَ عَلَيْهِ لَزِمَ أَنْ يَرِثَ مَوْلَى الْأُمِّ عِنْدَ انْقِطَاعِ مَوْلَى الْأَبِ بَعْدَ انْتِقَالِ الْوَلَاءِ عَنْ مَوَالِيهَا إلَى مَوَالِيهِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُمْ يَرِثُونَ بَعْدَ انْتِقَالِ الْوَلَاءِ عَنْهُمْ هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُعْتَدَّةً فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْعِتْقِ وَلِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْفِرَاقِ لَا يَنْتَقِلُ وَلَاؤُهُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ إعْتَاقِ الْأُمِّ فَصَادَقَهُ الْإِعْتَاقُ ضَرُورَةً فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَ الْأُمَّ حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ، ثُمَّ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا كَانَ وَلَاءُ الْوَلَدِ لِمَوَالِي الْأُمِّ، وَكَذَا إذَا كَانَتْ عَنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ، وَقَدْ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَ وَلَاءُ هَذَا الْوَلَدِ لِمَوَالِي الْأُمِّ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إذَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَإِنْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، ثُمَّ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَلِتَمَامِ السَّنَتَيْنِ مُنْذُ طَلَّقَهَا فَإِنَّ وَلَاءَ الْوَلَدِ لِمَوَالِي الْأُمِّ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مُنْذُ طَلَّقَهَا فَإِنَّ وَلَاءَ الْوَلَدِ لِمَوْلَى الْأَبِ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذَا تَزَوَّجَتْ مُعْتَقَةٌ بِعَبْدٍ فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا فَجَنَى الْأَوْلَادُ فَعَقْلُهُمْ عَلَى مَوَالِي الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُمْ عَاقِلَةٌ لِأُمِّهِمْ وَلَهُمْ فَإِنْ عَتَقَ الْأَبُ بَعْدَ ذَلِكَ جَرَّ وَلَاءَ الْأَوْلَادِ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَرْجِعُونَ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ بِخِلَافِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ إذَا عَقَلَ عَنْهُ قَوْمُ الْأُمِّ، ثُمَّ أَكْذَبَ الْمُلَاعِنُ نَفْسَهُ حَيْثُ يَرْجِعُونَ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّسَبَ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ لَا مِنْ وَقْتِ الْإِكْذَابِ وَبِالْإِكْذَابِ تَبَيَّنَ أَنَّ عَقْلَهُ كَانَ عَلَى قَوْمِ الْأَبِ، وَقَدْ أُجْبِرَ قَوْمُ الْأُمِّ عَلَى الدَّفْعِ فَيَرْجِعُونَ عَلَيْهِمْ وَفِي الْمَوْلَى حِينَ عَقَلَ قَوْمُ الْأُمِّ كَانَ ثَابِتًا لَهُمْ وَإِنَّمَا ثَبَتَ لِقَوْمِ الْأَبِ مَقْصُورًا عَلَى زَمَانِ الْإِعْتَاقِ فَلَا يَرْجِعُونَ بِهِ قَالَ أَسْلَمَتْ كَافِرَةٌ عَلَى يَدِ رَجُلٍ فَأَعْتَقَتْ عَبْدًا فَارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ بِدَارٍ الْحَرْبِ فَسَبَى أَبُوهَا فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ فَأَعْتَقَهُ لَمْ يَجُرَّ وَلَاؤُهُ وَلَاءَهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ، وَلَوْ لَمْ تَرْتَدَّ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَوَلَاءُ الْمَرْأَةِ لِمُعْتَقِ الْعَبْدِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَعْتَقَ مُسْلِمًا فَرَجَعَا عَنْ الْإِسْلَامِ فَامْتَنَعُوا فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ دُونَ الْمَوْلَى فَوَلَاءُ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ عَلَى حَالِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَعَقْلُهُ عَلَيْهِمْ وَمِيرَاثُهُ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمِيرَاثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَعَقْلُهُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ عَقْلُهُ عَلَى نَفْسِهِ.
قَالَ ﵀ (عَجَمِيٌّ تَزَوَّجَ مُعْتَقَةً فَوَلَدَتْ فَوَلَاءُ وَلَدِهَا لِمَوَالِيهَا وَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَاءُ الْمُوَالَاةِ) يَعْنِي وَإِنْ كَانَ لِلْأَبِ وَلَاءُ الْمُوَالَاةِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ حُكْمُ الْأَبِ حُكْمُ أَبِيهِ فِي الْوَجْهَيْنِ وَقَوْلُهُ عَجَمِيٌّ مِثَالٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَوْلَى وَفِي الْمُحِيطِ مُعْتَقَةٌ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ فَلَا يَخْلُو مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُعْتَقًا أَوْ مُولِيًا لِمُوَالَاةٍ أَوْ عَرَبِيًّا أَوْ عَجَمِيًّا فَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ مُكَاتَبًا فَوَلَاءُ وَلَدِهَا لِمَوْلَى الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إثْبَاتُ الْوَلَاءِ مِنْ الْأَبِ لِفَقْدِ الْأَهْلِيَّةِ وَأُلْحِقَ وَلَاؤُهُ بِالْأُمِّ كَنَسَبِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَإِنْ أَعْتَقَ الْأَبُ جَرَّ وَلَاءَ وَلَدِهِ إلَى مَوَالِيهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَهْلًا لِلْوَلَاءِ وَزَالَ الْمَانِعُ وَإِنْ كَانَ مُعْتَقًا فَوَلَاءُ الْوَلَدِ لِمَوْلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوَى الْجَانِبَانِ وَتَرَجَّحَ جَانِبُ الْأُبُوَّةِ وَإِنْ كَانَ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ فَوَلَدَتْ مِنْهُ فَهُوَ مَوْلًى لِمَوَالِي الْأُمِّ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الْوَلَدُ مَوْلًى لِمَوَالِي الْأَبِ لَهُمَا أَنَّ وَلَاءَ الْعِتْقِ أَقْوَى مِنْ مَوَالِي الْمُوَالَاةِ؛ لِأَنَّ وَلَاءَ الْعِتْقِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَوَلَاءُ الْمُوَالَاةِ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَرَجَحَ الْآكَدُ الْأَقْوَى عَلَى الْأَضْعَفِ وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ قَالَ إنْ كَانَ الْعَجَمِيُّ لَهُ أَبٌ فِي الْإِسْلَامِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَلَاءُ الْوَلَدِ لِمَوَالِي الْأَبِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِهِمَا قِيلَ وَلَاؤُهُ لِمَوَالِي الْأَبِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا، وَقِيلَ لِمَوْلَى الْأُمِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَلَا يَجُرُّ الْجَدُّ الْوَلَاءَ اهـ.
قَيَّدَ بِكَوْنِهَا مُعْتَقَةً؛ لِأَنَّ الْعَجَمِيَّ لَوْ تَزَوَّجَ بِعَرَبِيَّةٍ فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا فَإِنَّهُ يُنْسَبُ إلَى قَوْمِ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِ الزَّوْجِ عَجَمِيًّا فَإِنَّ الْعَرَبِيَّ إذَا تَزَوَّجَ مُعْتَقَةً فَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْهَا يُنْسَبُ إلَى قَوْمِهِ دُونَهَا وَقَيَّدَ الْقُدُورِيُّ بِمُعْتَقَةِ الْعَرَبِ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ وَلَاءَ الْعِتْقِ قَوِيٌّ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا فَلَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ الْعَجَمِ، وَلَوْ كَانَا مُعْتَقَيْنِ أَوْ عَجَمِيَّيْنِ أَوْ عَرَبِيَّيْنِ فَالْوَلَدُ تَابِعًا لِلْأَبِ
стр. 2607
بِالْإِجْمَاعِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ عَلَى مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا مَاتَ الْوَلَدُ وَتَرَكَ عَمَّتَهُ أَوْ غَيْرَهَا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَمُعْتَقَ أُمِّهِ أَوْ عَصَبَةَ مُعْتَقِهَا كَانَ الْمَالُ لِمُعْتَقِ أُمِّهِ أَوْ عَصَبَتِهَا عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ لِذَوِي الْأَرْحَامِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ أَبِيهِ وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَمْدَانَ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَوَلَدَ مِنْهَا فَأَعْتَقَتْ عَبْدًا فَالْوَلَاءُ يَثْبُتُ مِنْهَا وَوَلَدُهَا يَكُونُ تَبَعًا لِلْأَبِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَإِذَا مَاتَتْ، ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتَقُ فَمِيرَاثُهُ لِابْنِ الْمُعْتَقَةِ وَهُوَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَإِنْ جَنَى جِنَايَةً تَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهَا مِنْ بَنِي هَمْدَانَ فَالْمِيرَاثُ لِبَنِي أَسَدٍ وَالْعَقْلُ عَلَى بَنِي هَمْدَانَ وَيَجُوزُ مِثْلُ هَذَا أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى الْغَيْرِ وَالْمِيرَاثُ لِلْغَيْرِ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلَيْنِ مِثْلَ الْخَالِ وَابْنِ الْعَمِّ فَنَفَقَتُهُ عَلَى الْخَالِ وَمِيرَاثُهُ لِابْنِ الْعَمِّ. اهـ.
وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الْعَجَمِيَّ الَّذِي لَهُ أَبٌ فِي الْإِسْلَامِ وَلَاؤُهُ لِمَوَالِي الْأُمِّ عُلِمَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ بِالْأَوْلَى.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَالْمُعْتَقُ مُقَدَّمٌ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَمُؤَخَّرٌ عَنْ الْعَصَبَةِ النَّسَبِيَّةِ) ، وَكَذَا هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الرَّدِّ عَلَى ذَوِي السِّهَامِ وَهُوَ آخِرُ الْعَصَبَاتِ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ بِأَنَّهُ مُؤَخَّرٌ عَنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] ، وَقَالَ ﵊ «لِلْمُعْتِقِ فِي مُعْتَقِهِ وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا كُنْت أَنْتَ عَصَبَتَهُ» وَلَنَا مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ حَمْزَةَ أَنَّهُ جَعَلَ لَهَا النِّصْفَ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ بِنْتِ مُعْتَقِهَا حِينَ مَاتَ عَنْهَا فَعُلِمَ بِقَوْلِهِ ﵊ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا يَعْنِي وَارِثًا هُوَ عَصَبَتُهُ وَفِي الْمُحِيطِ أَقَامَ مُسْلِمٌ بَيِّنَةً عَادِلَةً أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَأَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فَأَقَامَ الذِّمِّيُّ شَاهِدَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَأَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فَلِلْمُسْلِمِ نِصْفُ الْمِيرَاثِ وَنِصْفُ الْمِيرَاثِ لِأَقْرَبِ النَّاسِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى الذِّمِّيِّ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُجَّةِ.
وَلَوْ شَهِدَا أَنَّ الْمَيِّتَ مَوْلَى فُلَانٍ عَتَاقَةً لَمْ يَجُزْ الْقَضَاءُ حَتَّى يَقُولُوا إنَّ هَذَا الْحَيَّ أَعْتَقَ هَذَا الْمَيِّتَ وَهُوَ يَمْلِكُهُ وَهُوَ وَارِثُهُ لَا يَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ مَاتَ رَجُلٌ وَأَخَذَ آخِرَ مَالِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ وَارِثُهُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْمَالُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ ثَابِتَةٌ عَلَى الْمَالِ فَإِنْ خَاصَمَهُ إنْسَانٌ طَلَبَ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ مَا فِي يَدِهِ ادَّعَى أَنَّ أَبَاهُ أَعْتَقَهُ فَشَهِدَ ابْنَا أَخِيهِ لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لِلْجَدِّ ادَّعَى رَجُلَانِ وَلَاءَهُ بِالْعِتْقِ فَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ جُعِلَ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُجَّةِ، وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي لِأَحَدِهِمَا بِالْوَلَاءِ وَالْإِرْثِ، ثُمَّ شَهِدَ آخَرَانِ لِآخَرَ بِمِثْلِهِ لَا تُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَهُ فَيَبْطُلُ الْقَضَاءُ لِلْأَوَّلِ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ وَالْآخَرُ عَلَى أَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ وَوَالَاهُ وَالْغُلَامُ يَدَّعِيهِ فَهُوَ أَوْلَى ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ أَبَاهُ أَعْتَقَ فُلَانًا الْمَيِّتَ وَآخَرَانِ أَبَاهُ أَعْتَقَهُ وَأَقَرَّتْ بَيِّنَةُ الْمَيِّتِ بِهِ فَالْإِقْرَارُ بَاطِلٌ وَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ، وَلَوْ شَهِدَ لِلْآخَرِ ابْنٌ وَبِنْتَانِ فَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا ادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ أَعْتَقَ الْمَيِّتَ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَأَقَامَ مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَالْمَالُ وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى، ثُمَّ الْمُعْتَقُ فَمِيرَاثُهُ لِأَقْرَبِ عَصَبَةِ الْمَوْلَى) ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ يَجُرُّ الْإِرْثَ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْعَصَبَةِ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ فَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ حَتَّى لَوْ تَرَكَ أَبَا مَوْلَاهُ وَابْنَ مَوْلَاهُ كَانَ الْوَلَاءُ لِلِابْنِ، وَلَوْ تَرَكَ جَدٌّ مَوْلَاهُ وَأَخَا مَوْلَاهُ كَانَ الْوَلَاءُ لِلْجَدِّ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ فِي الْعَصَبَةِ وَفِي الْأَوَّلِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يُعْطِي الْأَبَ السُّدُسَ وَالْبَاقِي لِلِابْنِ وَالثَّانِي خِلَافُ مَنْ يَرَى تَوْرِيثَ الْإِخْوَةِ مَعَ الْجَدِّ، وَكَذَا الْوَلَاءُ لِابْنِ الْمُعْتَقَةِ دُونَ أَخِيهَا وَعَقْلُ جِنَايَتِهَا عَلَى أَخِيهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ اخْتَصَمَا إلَى عُثْمَانَ فِي مُعْتَقِ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ مَاتَ فَقَالَ عَلِيٌّ مَوْلَى عَمَّتِي فَأَنَا أَحَقُّ بِإِرْثِهِ لِأَنِّي أَعْقِلُ عَنْهَا، وَقَالَ الزُّبَيْرُ هُوَ مَوْلَى أُمِّي فَأَنَا أَرِثُهَا فَكَذَا أَرِثُ مُعْتَقَهَا فَقَضَى عُثْمَانُ بِالْإِرْثِ لِلزُّبَيْرِ وَبِالْعَقْلِ عَلَى عَلِيٍّ، وَلَوْ تَرَكَ الْمُعْتَقُ ابْنَ مَوْلَاهُ وَابْنَ ابْنِ مَوْلَاهُ كَانَ الْوَلَاءُ لِلِابْنِ دُونَ ابْنِ الِابْنِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمْ قَالُوا الْوَلَاءُ لِلْكَبِيرِ أَيْ لِأَكْبَرِ الْأَوْلَادِ وَالْمُرَادُ أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا لَا أَكْبَرُهُمْ سِنًّا، وَلَوْ مَاتَ الْمُعْتَقُ وَلَمْ يَتْرُكْ إلَّا ابْنَةَ الْمُعْتَقِ فَلَا شَيْءَ لِبِنْتِ الْمُعْتِقِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَيُوضَعُ مَالُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَبَعْضُ الْمَشَايِخِ كَانُوا يُفْتُونَ بِالدَّفْعِ إلَيْهَا لَا بِطَرِيقِ الْإِرْثِ، بَلْ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ النَّاسِ إلَى الْمَيِّتِ وَلَيْسَ فِي زَمَانِنَا بَيْتُ مَالٍ مُنْتَظِمٍ، وَلَوْ دَفَعَ إلَى السُّلْطَانِ أَوْ الْقَاضِي لَا يَصْرِفُهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ ظَاهِرًا.
وَكَذَا مَا فَضَلَ عَنْ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ يُرَدُّ عَلَيْهِمَا، وَكَذَا وَلَدُ الِابْنِ وَالْبِنْتِ مِنْ الرَّضَاعِ يُصْرَفُ إلَيْهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَقْرَبُ مِنْهُمَا ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ فِي النِّهَايَةِ وَالذِّمِّيُّونَ يَتَوَارَثُونَ كَالْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَسْبَابِ الْإِرْثِ وَفِي الْمُحِيطِ مَاتَ الْمُعْتِقُ عَنْ ابْنَيْنِ فَمَاتَ
стр. 2608
أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنٍ وَالْآخَرُ عَنْ ابْنَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتَقُ فَالْمِيرَاثُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي كَوْنِهِمْ عَصَبَةَ الْمَيِّتِ، وَلَوْ أُعْتِقَتْ الْمَرْأَةُ، ثُمَّ مَاتَتْ عَنْ زَوْجٍ عَبْدٍ وَابْنٍ وَبِنْتٍ، ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتَقُ فَمِيرَاثُهُ لِابْنِ الْمُعْتِقَةِ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَتُهَا لَا غَيْرُ أَعْتَقَ أُمَّهُ وَمَاتَ عَنْ ابْنٍ وَالِابْنُ عَنْ أَخٍ لِأُمِّهِ، ثُمَّ مَاتَتْ الْمُعْتَقَةُ فَالْمِيرَاثُ لِلْعَصَبَةِ وَلَا شَيْءَ لِلْأَخِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَصَبَةٍ أُخْرَى وَفِيهِ أَيْضًا ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارَ الْحَرْبِ وَلَهُ مُعْتَقٌ فَمَاتَ الْمُعْتَقُ وَرِثَهُ الرِّجَالُ مِنْ وَرَثَتِهِ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ كَاتَبْنَ أَوْ كَاتَبَ مَنْ كَاتَبْنَ أَوْ دَبَّرْنَ أَوْ دَبَّرَ مَنْ دَبَّرْنَ أَوْ جَرَّ وَلَاءَ مُعْتَقِهِنَّ أَوْ مُعْتَقِ مُعْتَقِهِنَّ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ» الْحَدِيثَ يَعْنِي الْمَرْأَةَ تُسَاوِي الرَّجُلَ فِي وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ النَّسَبِيَّةِ بِسَبَبِ إثْبَاتِ الْقُوَّةِ الْحُكْمِيَّةِ لِلْمُعْتَقِ وَهِيَ تُسَاوِي الرَّجُلَ فِيهِ كَمَا أَنَّهَا تُسَاوِيهِ فِي مِلْكِ الْمَالِ فَيُنْسَبُ إلَيْهَا كَمَا يُنْسَبُ إلَى الرَّجُلِ وَلِهَذَا جُعِلَتْ عَصَبَةً فِيهِ كَالرَّجُلِ وَفِي الذَّخِيرَةِ، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً اشْتَرَتْ أَبَاهَا حَتَّى عَتَقَ عَلَيْهَا، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ عَنْ هَذِهِ الِابْنَةِ وَبِنْتِ أُخْرَى فَالثُّلُثَانِ لَهُمَا بِحُكْمِ الْفَرْضِ وَالْبَاقِي لِلْمُشْتَرِيَةِ بِحُكْمِ الْوَلَاءِ، وَلَوْ كَانَ الْأَبُ بَعْدَمَا عَتَقَ عَلَى بِنْتَيْهِ أَعْتَقَ عَبْدًا، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ، ثُمَّ مَاتَ مُعْتَقُ الْأَبِ وَبَقِيَتْ الِابْنَةُ الْمُشْتَرَاةُ كَانَ الْمِيرَاثُ لِلْمُشْتَرَاةِ وَيَرِثُ ابْنُ الْمُعْتَقِ مِنْ وَلَدِ الْمُعْتَقِ اهـ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ]
(فَصْلٌ)
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ فِي وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ أَخَّرَ وَلَاءَ الْمُوَالَاةِ عَنْ وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ؛ لِأَنَّ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلتَّحَوُّلِ وَالِانْتِقَالِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ بِخِلَافِ وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ فَإِنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَنْتَقِلَ قَبْلَ الْعَقْدِ وَلِأَنَّهُ يُوجَدُ فِي وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ الْإِحْيَاءُ الْحُكْمِيُّ وَلَا يُوجَدُ فِي وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ الْإِحْيَاءُ أَصْلًا؛ وَلِأَنَّ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْإِرْثِ؛ وَلِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَالْكَلَامُ فِيهِ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ فِي دَلِيلِهِ وَالثَّانِي فِي رُكْنِهِ وَالثَّالِثُ فِي تَفْسِيرِهِ لُغَةً وَشَرْعًا وَالرَّابِعُ فِي شَرْطِهِ وَالْخَامِسُ فِي حُكْمِهِ أَمَّا دَلِيلُهُ فَلِقَوْلِهِ ﵊ لِمَنْ سَأَلَهُ عَمَّنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ فَقَالَ «هُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ» أَيْ بِمِيرَاثِهِ وَحَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ «أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ وَوَالَاهُ فَقَالَ ﵊ هُوَ أَخُوك وَمَوْلَاك تَعْقِلُ عَنْهُ وَتَرِثُ مِنْهُ» ، وَأَمَّا رُكْنُهُ فَقَوْلُهُ أَنْتَ مَوْلَايَ عَلَى كَذَا.
وَأَمَّا الْوَلَاءُ لُغَةً فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَلِيِّ وَهُوَ الْقُرْبُ وَحُصُولُ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَيُسَمَّى وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ وَوَلَاءَ الْمُوَالَاةِ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ شَرْعًا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا هُوَ أَنْ يُسْلِمَ رَجُلٌ عَلَى يَدِ رَجُلٍ فَيَقُولُ لِلَّذِي أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ وَالَيْتُك عَلَى أَنِّي إنْ مِتُّ فَمِيرَاثِي لَك وَإِنْ جَنَيْت فَعَقْلِي عَلَيْك وَعَلَى عَاقِلَتِك وَقَبِلَ الْآخَرُ هَذَا قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَالنِّهَايَةِ، وَأَمَّا شَرْطُهُ فَلَهُ ثَلَاثُ شَرَائِطَ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مَجْهُولَ النَّسَبِ بِأَنْ لَا يُنْسَبَ إلَى شَخْصٍ، بَلْ يُنْسَبُ إلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا نِسْبَةُ غَيْرِهِ إلَيْهِ فَغَيْرُ مَانِعَةٍ وَالثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وَلَاءُ عَتَاقَةٍ وَلَا وَلَاءُ الْمُوَالَاةِ مَعَ أَحَدٍ، وَقَدْ عَقَلَ عَنْهُ وَالثَّالِثُ أَنْ لَا يَكُونَ عَرَبِيًّا اهـ.
وَفِي الْكَافِي إنَّمَا تَصِحُّ وَلَايَةُ الْمُوَالَاةِ بِشَرَائِطَ مِنْهَا أَنْ يَشْتَرِطَ الْإِرْثَ وَالْعَقْلَ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ فَإِنْ قِيلَ مِنْ شَرْطِ الْعَقْلِ عَقْلُ الْأَعْلَى أَوْ حُرِّيَّتُهُ فَإِنَّ مُوَالَاةَ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ بَاطِلَةٌ فَكَيْفَ جَعَلَ الشَّرَائِطَ ثَلَاثَةً وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ إنَّمَا هِيَ الشَّرَائِطُ الْعَامَّةُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصُّوَرِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْت فَإِنَّهُ نَادِرٌ فَلَمْ يَذْكُرْهُ وَفِي الشَّارِحِ، وَلَوْ ذَكَرَ الْإِرْثَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَارَثَا بِخِلَافِ وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ بِحَيْثُ لَا يَرِثُ إلَّا الْأَعْلَى وَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَوْلَادُ الصِّغَارُ وَمَنْ يُولَدُ بَعْدَ عِتْقِ الْمُوَالَاةِ وَفِي الْبَدَائِعِ وَمِنْ شَرَائِطِ عَقْدِ الْمُوَالَاةِ فَمِنْهَا عَقْلُ الْعَاقِدَيْنِ وَحُرِّيَّةُ الْأَسْفَلِ أَيْضًا. اهـ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ، وَإِذَا عَقَدَ الْعَقْدَ الْعَبْدُ عَقْدَ الْمُوَالَاةِ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ كَانَ عَقْدُهُ كَعَقْدِ مَوْلَاهُ فَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِلْمَوْلَى اهـ.
وَأَمَّا حُكْمُهُ شَرْعًا فَالْإِرْثُ وَالْعَقْلُ عَنْهُ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْإِرْثَ وَالْعَقْلَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ فَكَيْفَ يَكُونُ حُكْمًا وَالشَّرْطُ مُتَقَدِّمٌ وَالْحُكْمُ مُتَأَخِّرٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ لَهُ حَالَتَانِ فَبِاعْتِبَارِ التَّقْدِيمِ شَرْطًا وَبِاعْتِبَارِ التَّأْخِيرِ حُكْمًا قَالَ ﵀ (أَسْلَمَ رَجُلٌ عَلَى يَدِ رَجُلٍ وَوَالَاهُ عَلَى أَنْ يَرِثَهُ وَيَعْقِلَ عَنْهُ أَوْ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ وَوَالَاهُ صَحَّ وَعَقْلُهُ عَلَى مَوْلَاهُ وَإِرْثُهُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ) وَقَوْلُهُ أَسْلَمَ إلَى آخِرِهِ ظَاهِرُهُ أَنَّ حُدُوثَ الْإِسْلَامِ لَا بُدَّ مِنْهُ وَأَنَّ الْإِسْلَامَ أَيْضًا لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُوَالَاةُ مَجْهُولِ الْحَالِ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ حُدُوثَ إسْلَامِهِ صَحِيحَةً وَيَصِحُّ مُوَالَاةُ الذِّمِّيِّ لِلْمُسْلِمِ فَلَوْ قَالَ غَيْرُ عَرَبِيٍّ إلَى آخِرِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ وَمَنْ أَحْدَثَ الْإِسْلَامَ وَغَيْرَهُ فَإِنْ قُلْت قَالَ فِي الْمُحِيطِ ذِمِّيٌّ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ غَيْرَ قَبِيلَتِهِ اهـ.
стр. 2609
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمَجْهُولِ يَصِحُّ مَعَهُ عَقْدُ الْمُوَالَاةِ قُلْنَا لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُوَالَاةِ ثَابِتٌ لَهُ مَعَ قَبِيلَتِهِ فَأَغْنَاهُ عَنْهَا مَعَ الْغَيْرِ، وَلَوْ عَقَدَ مَعَ قَبِيلَتِهِ كَانَ فِيهِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا اعْتِبَارَ بِهَذَا أَصْلًا، وَقَدْ بَيَّنَ الدَّلِيلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي الْمُطَوَّلَاتِ وَاعْتَرَضَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ عَلَى وُجُوبِ اشْتِرَاطِ الْإِرْثِ وَالْعَقْلِ فِي صِحَّةِ عَقْدِ الْمُوَالَاةِ حَيْثُ قَالَ قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ إذَا أَسْلَمَ رَجُلٌ عَلَى يَدِ رَجُلٍ وَوَالَاهُ فَإِنَّهُ يَرِثُهُ وَيَعْقِلُ عَنْهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِرْثِ وَالْعَقْلِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، بَلْ مُجَرَّدُ الْعَقْلِ كَافٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ وُقُوعِ التَّصْرِيحِ بِذِكْرِهِمَا بِنَاءٌ عَلَى ظُهُورِهِمَا فَضَمِنَ عَقْدُ الْمُوَالَاةِ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ وَفِي الْمُحِيطِ أَسْلَمَتْ ذِمِّيَّةٌ فَوَالَتْ رَجُلًا وَلَهَا وَلَدٌ صَغِيرٌ مِنْ ذِمِّيٍّ لَمْ يَكُنْ وَلَاءُ وَلَدِهَا لِمَوْلَاهَا فِي قَوْلِهِمَا وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ الْإِمَامِ يَكُونُ لَهُ أَسْلَمَ رَجُلٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ وَلَاؤُهُ لِأَوَّلِ وَلَدٍ لَهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُوَالَاةِ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالْأَخْطَارِ فَلَوْ قَالَ إنْ وَالَيْتُك إنْ فَعَلْت كَذَا لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ كَانَ لِمَنْ عَقَدَ عَقْدَ الْمُوَالَاةِ وَلَدٌ كَبِيرٌ فَإِذَا أَسْلَمَ ابْنُهُ الْكَبِيرُ عَلَى يَدِ رَجُلٍ وَوَالَاهُ فَوَلَاؤُهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِنَفْسِهِ لِانْقِطَاعِ وَلَايَةِ الْأَبِ وَإِنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُوَالِ أَحَدًا فَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفٌ بِخِلَافِ وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ فَإِنَّ الْوَلَدَ الْكَبِيرَ يَتْبَعُ الْأَبَ فِي وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَ يَسْتَنْصِرُ مَنْ يُوَالِي أَبِيهِ رَجُلٌ وَالَى رَجُلًا، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ مِنْ امْرَأَتِهِ وَلَدٌ فَوَالَتْ رَجُلًا فَوَلَاءُ الْوَلَدِ لِمَوْلَى الْأَبِ، وَإِذَا وَالَى رَجُلًا وَابْنُهُ الْكَبِيرُ رَجُلًا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ لِمَوْلَاهُ وَلَا يَجُرّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَإِنْ سُبِيَ ابْنُهُ وَأُعْتِقَ لَمْ يَجُرَّ وَلَاءَ أَبِيهِ فَإِنْ سُبِيَ أَبُوهُ وَأُعْتِقَ جَرَّ وَلَاءَ الِابْنِ؛ لِأَنَّ الِابْنَ يُنْسَبُ إلَى الْأَبِ فَكَذَا فِي الْمُوَالَاةِ فَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنُ ابْنٍ وَالِابْنُ لَمْ يُسْبَ لَكِنْ أَسْلَمَ فَوَالَاهُ رَجُلٌ فَسَبَى الْجَدَّ فَأَعْتَقَ لَمْ يَجُرَّ الْجَدُّ وَلَاءَهُ إلَّا أَنْ يَجُرَّ وَلَاءَ ابْنِهِ فَيَنْجَرُّ حَتَّى لَوْ كَانَ الْأَسْفَلُ مُوَالِيًا حَرْبِيًّا وَالْجَدُّ مُعْتَقًا لَا يَجُرُّ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْأَوْسَطُ فَيَجُرُّهُ الْجَدُّ فَيَنْجَرُّ بِجَرِّهِ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ وَلَمْ يُوَالِ أَحَدًا، ثُمَّ أَعْتَقَ أَبُوهُ جَرَّ وَلَاءَهُ.
وَلَوْ أَسْلَمَ أَبُوهُ وَوَالَى رَجُلًا لَمْ يَجُرَّ وَالَى ذِمِّيٌّ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا جَازَ وَهُوَ مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ فَكَذَا وَلَاءُ الْمُوَالَاةِ فَإِنْ قُلْت قَالَ فِي الْمُحِيطِ ذِمِّيٌّ وَالَى مُسْلِمًا فَمَاتَ لَمْ يَرِثْهُ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ بِاعْتِبَارِ التَّنَاصُرِ وَالتَّنَاصُرَ فِي غَيْرِ الْقُرْبِ إنَّمَا هُوَ بِالدَّيْنِ فَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُوَالَاةَ لَا تَكُونُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ قُلْنَا هِيَ تَكُونُ بَيْنَهُمَا لَكِنَّ الْإِرْثَ إنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ لَا مَانِعَ وَحِينَئِذٍ الْمَانِعُ هُنَا وَهُوَ اخْتِلَافُ الدِّينِ وَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ حَرْبِيٍّ وَوَالَاهُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكِتَابِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ قِيلَ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْحَرْبِيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ فَكَذَا وَلَاءُ الْمُوَالَاةِ، وَقِيلَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْمُوَالَاةَ مَعَ الْحَرْبِيِّ لِلتَّنَاصُرِ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ اهـ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ رَجُلٌ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا، ثُمَّ شَهِدَ أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ أَعْتَقَهُ فَهُوَ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفٌ إذَا جَحَدَ الْبَائِعُ ذَلِكَ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْبَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّهُ الْمَوْلَى، وَكَذَا إنْ صَدَّقَهُ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَعْتَقَ عَبْدًا فَنَقَضَ الذِّمِّيُّ الْعَهْدَ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَأُخِذَ وَاسْتُرِقَّ فَصَارَ عَبْدَ الرَّجُلِ وَأَرَادَ مُعْتَقُهُ أَنْ يُوَالِيَ رَجُلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُوَالِيَ أَحَدًا فَإِنْ أَعْتَقَ مَوْلَاهُ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَإِنَّهُ يَرِثُهُ وَإِنْ جَنَى جِنَايَةً عَقَلَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَعْقِلُ عَنْهُ مَوْلَاهُ هَكَذَا ذَكَرَ فِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ وَفِي بَعْضِهَا قَالَ يَرِثُهُ وَيَعْقِلُ عَنْهُ.
وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِالْوَلَاءِ لِآخَرَ وَصَدَّقَهُ يَصِيرُ مَوْلًى لَهُ يَعْقِلُ عَنْهُ وَيَرِثُهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ كِبَارٌ فَكَذَّبُوا الْأَبَ فِيمَا أَقَرَّ وَقَالُوا أَبُونَا مَوْلًى لِفُلَانٍ آخَرَ وَصَدَّقَهُمْ فُلَانٌ فِي ذَلِكَ فَهُمْ مُصَدَّقُونَ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ وَإِنْ قَالَ أَعْتَقَنِي فُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّهُ الْمُعْتَقُ لَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ شَيْءٌ وَإِنْ أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِمَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى قَوْلِهِمَا وَعَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ إذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ مَوْلَى امْرَأَةٍ أَعْتَقَتْهُ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ أَعْتِقْك لَكِنْ أَسْلَمْت عَلَى يَدَيَّ وَوَالَيْتنِي فَهُوَ مَوْلَاهَا فَإِذَا أَرَادَ التَّحَوُّلَ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا فَفِي قِيَاسِ قَوْلِ الْإِمَامِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَفِي قَوْلِهِمَا لَهُ ذَلِكَ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا أَعْتَقَهُ وَأَنْكَرَ فُلَانٌ، وَقَالَ مَا أَعْتَقْتُك وَلَا أَعْرِفُك فَأَقَرَّ الْمُقِرُّ لِإِنْسَانٍ آخَرَ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ وَلَا وَلَاءِ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ.
قَالَ ﵀ (وَهُوَ آخِرُ ذَوِي الْأَرْحَامِ) إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ ذَوِي الْأَرْحَامِ فَإِرْثُهُ لَهُ وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ وَلَاءَ الْمُوَالَاةِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَادَّعَى آخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَالْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِخِلَافِ وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَلَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْآخَرِ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ
стр. 2610
غَيْرُ لَازِمٍ كَالْوَصِيَّةِ وَالْوَكَالَةِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْسَخَهُ بِعِلْمِ الْآخَرِ فَإِنْ كَانَ الْآخَرُ غَائِبًا لَا يَمْلِكُ فَسْخَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَمَّ لَهُمَا كَمَا فِي الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ وَلَا يَعْرَى عَنْ ضَرَرٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَمُوتُ الْأَسْفَلُ فَيَأْخُذُ الْأَعْلَى مِيرَاثَهُ فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ أَوْ يَعْقِلُ الْأَسْفَلُ عَبِيدًا عَلَى حِسَانٍ إنْ عَقَلَ عَبِيدُهُ عَلَى الْمَوْلَى الْأَعْلَى فَيَجِبُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ فَيَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ الْفَسْخُ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْآخَرِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَقَدَ الْأَسْفَلُ الْمُوَالَاةَ مَعَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْأَوَّلِ حَتَّى يَصِحَّ وَيَنْفَسِخَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ حُكْمِيٌّ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ كَالنَّسَبِ إذَا ثَبَتَ مِنْ شَخْصٍ يُنَافِي كَوْنَهُ مَعَ غَيْرِهِ فَيَنْفَسِخُ ضَرُورَةً وَالْمَرْأَةُ فِي هَذَا كَالرَّجُلِ.
وَقَوْلُهُ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَقَلَ عَنْهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى غَيْرِهِ لِتَأَكُّدِهِ بِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ لِحُصُولِ الْمَعْقُودِ بِهِ وَلِاتِّصَالِ الْعُصُوبَةِ؛ وَلِأَنَّ وِلَايَةَ التَّحَوُّلِ قَبْلَ أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَإِذَا عَقَلَ عَنْهُ صَارَ كَالْعِوَضِ فِي الْهِبَةِ، وَكَذَا لَا يَتَحَوَّلُ وَلَدُهُ بَعْدَمَا تَحَمَّلَ الْجِنَايَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَكَذَا إنْ عَقَلَ عَنْ وَلَدِهِ لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُمَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ فِي حُكْمِ الْوَلَاءِ.
[لَيْسَ لِلْمُعْتَقِ أَنْ يُوَالِيَ أَحَدًا]
قَالَ ﵀ (وَلَيْسَ لِلْمُعْتَقِ أَنْ يُوَالِيَ أَحَدًا) ؛ لِأَنَّ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ لَازِمٌ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فَلَا يَنْفَسِخُ وَلَا يَنْعَقِدُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْقَلُ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ بِوَلَاءِ الْعَتَاقَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِرْثِ بِوَلَاءِ الْمُوَالَاةِ أَلَا تَرَى أَنَّ شَخْصًا لَوْ مَاتَ وَتَرَكَ مَوْلَى عَتَاقَتِهِ وَمَوْلَى مُوَالَاتِهِ كَانَ الْمَالُ لِلْمُعْتَقِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ، وَلَوْ مَاتَ الْأَعْلَى، ثُمَّ مَاتَ الْأَسْفَلُ فَإِنَّمَا يَرِثُهُ الْمَذْكُورُ مِنْ أَوْلَادِ الْأَعْلَى دُونَ الْإِنَاثِ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا فِي وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ وَالَتْ امْرَأَةٌ فَوَلَدَتْ تَبِعَهَا فِيهِ) يَعْنِي وَلَدَتْ وَلَدًا لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّتْ أَنَّهَا مَوْلَاةُ فُلَانٍ وَمَعَهَا وَلَدٌ صَغِيرٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ صَحَّ إقْرَارُهَا عَلَى نَفْسِهَا وَيَتْبَعُهَا وَلَدُهَا فِيهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَقَالَا لَا يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا فِيهِ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ.
[فُرُوعٌ عَبْدٌ لِحَرْبِيٍّ خَرَجَ مُسْتَأْمَنًا فِي تِجَارَةٍ لِمَوْلَاهُ فَأَسْلَمَ]
(فُرُوعٌ) عَبْدٌ لِحَرْبِيٍّ خَرَجَ مُسْتَأْمَنًا فِي تِجَارَةٍ لِمَوْلَاهُ فَأَسْلَمَ يَبِيعُهُ الْإِمَامُ وَيُمْسِكُ ثَمَنَهُ عَلَى مَوْلَاهُ، وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَخَرَجَ تَاجِرًا لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ لَمَّا خَرَجَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى وَإِنْ خَرَجَ مُرَاغَمًا فَهُوَ حُرٌّ وَيُوَالِي مَنْ شَاءَ إلَّا إذَا عَقَلَ عَنْهُ بَيْتُ الْمَالِ. اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[كِتَابُ الْإِكْرَاهِ]
أَوْرَدَ الْإِكْرَاهَ عَقِيبَ وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ؛ لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَغَيُّرَ حَالِ الْمُخَاطَبِ مِنْ الْحُرْمَةِ إلَى الْحِلِّ فَإِنَّ وَلَاءَ الْمُوَالَاةِ يُغَيِّرُ حَالَ الْمُخَاطَبِ الَّذِي هُوَ الْمَوْلَى الْأَعْلَى مِنْ حُرْمَةِ تَنَاوُلِ مَالِ الْمَوْلَى الْأَسْفَلِ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى حِلِّهِ بِالْإِرْثِ فَكَذَلِكَ الْإِكْرَاهُ يُغَيِّرُ حَالَ الْمُخَاطَبِ الَّذِي هُوَ الْمُكْرَهُ مِنْ حُرْمَةِ الْمُبَاشَرَةِ إلَى حِلِّهَا كَذَا فِي عَامَّةِ الْمَوَاضِعِ وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ الْأَوَّلُ فِي مَعْنَاهُ لُغَةً وَالثَّانِي عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالثَّالِثُ فِي رُكْنِهِ وَالرَّابِعُ فِي دَلِيلِهِ وَالْخَامِسُ فِي شَرْطِهِ وَالسَّادِسُ فِي حُكْمِهِ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ حَمْلِ إنْسَانٍ عَلَى شَيْءٍ يُكْرَهُ يُقَالُ أَكْرَهْت فُلَانًا إكْرَاهًا أَيْ حَمَلْته عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَا سَيَأْتِي وَرُكْنُهُ اللَّفْظُ الَّذِي يُفِيدُهُ وَدَلِيلُهُ مِنْ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: ١٠٦] الْآيَةَ وَمِنْ السُّنَّةِ مَا وَرَدَ «أَنَّ صَفْوَانَ الطَّائِيَّ كَانَ نَائِمًا مَعَ امْرَأَتِهِ وَأَخَذَتْ الْمَرْأَةُ سِكِّينًا وَجَلَسَتْ عَلَى صَدْرِهِ، وَقَالَتْ لَأَذْبَحَنَّكَ أَوْ تُطَلِّقُنِي فَنَاشَدَهَا بِاَللَّهِ فَأَبَتْ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَبَلَغَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَا إقَالَةَ فِي الطَّلَاقِ» وَشَرْطُهُ سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ.
وَحُكْمُهُ إذَا حَصَلَ بِهِ إتْلَافٌ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى الْمُكْرَهِ فِيمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُ لِلْمُكْرَهِ وَيُجْعَلَ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ كَمَا سَيَجِيءُ وَالْإِكْرَاهُ نَوْعَانِ مُلْجِئٌ وَغَيْرُ مُلْجِئٍ فَالْمُلْجِئُ هُوَ الْكَامِلُ بِمَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوِهِ فَإِنَّهُ يُعْدِمُ الرِّضَا وَيُوجِبُ الْإِلْجَاءَ وَيُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ وَغَيْرُ الْمُلْجِئِ هُوَ الْقَاصِرُ وَهُوَ أَنْ يُكْرَهَ بِمَا لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى تَلَفِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ كَالْإِكْرَاهِ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ أَوْ الْقَيْدِ أَوْ الْحَبْسِ فَإِنَّهُ يَعْدَمُ الرِّضَا وَلَا يُوجِبُ الْإِلْجَاءَ وَلَا يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْإِكْرَاهِ لَا يُؤَثِّرُ إلَّا فِي تَصَرُّفٍ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرِّضَا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْإِقْرَارِ وَالْأَوَّلُ يُؤَثِّرُ فِي الْكُلِّ فَيُضَافُ فِعْلُهُ إلَى الْمُكْرِهِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ وَالْمُكْرَهُ آلَةٌ لَهُ فَيَكُونُ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهِ أَحَدٍ وَذَلِكَ مِثْلُ الْأَقْوَالِ وَالْأَكْلِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَأْكُلُ بِفَمِ غَيْرِهِ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ غَيْرِهِ فَلَا يُضَافُ إلَى غَيْرِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْأَكْلِ إذَا كَانَ فِيهِ إتْلَافٌ فَيُضَافُ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إتْلَافٌ بِصَلَاحِيَّتِهِ آلَةً لَهُ فِيهِ حَتَّى إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْعِتْقِ يَقَعُ كَأَنَّهُ أَوْقَعَهُ بِاخْتِيَارِهِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَهُ وَيُضَافُ إلَى الْمُكْرَهِ مِنْ حَيْثُ
стр. 2611
الْإِتْلَافُ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْمُكْرَهِ وَلَا يُوجِبُ وَضْعَ الْخِطَابِ عَنْهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ مُبْتَلًى وَالِابْتِلَاءَ يُحَقِّقُ الْخِطَابَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ أَفْعَالَهُ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَحَظْرٍ وَإِبَاحَةٍ وَرُخْصَةٍ وَيَأْثَمُ تَارَةً وَيُؤْجَرُ أُخْرَى فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُ النَّفْسِ وَقَطْعُ الطُّرُقِ وَالزِّنَا وَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَيُثَابُ عَلَيْهِ إنْ امْتَنَعَ وَيُبَاحُ لَهُ بِالْإِكْرَاهِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَيُرَخَّصُ لَهُ بِإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ وَإِفْسَادِ الصَّوْمِ وَالْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُخَاطَبٌ قَالَ ﵀ (هُوَ فِعْلٌ يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ بِغَيْرِهِ فَيَزُولُ بِهِ الرِّضَا) زَادَ فِي الْمَبْسُوطِ أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْعَدِمَ بِهِ الْأَهْلِيَّةُ فِي حَقِّ الْمُكْرَهِ أَوْ يَسْقُطَ عَنْهُ الْخِطَابُ وَذَكَرَ فِي الْإِيضَاحِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ فِعْلٌ يُوجَدُ مِنْ الْمُكْرِهِ يَحْدُثُ فِي الْمَحَلِّ مَعْنًى يَصِيرُ بِهِ مَدْفُوعًا إلَى الْفِعْلِ الَّذِي طُلِبَ مِنْهُ وَذَكَرَ فِي الْوَافِي أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَهْدِيدِ غَيْرِهِ عَلَى مَا هَدَّدَ بِمَكْرُوهٍ عَلَى أَمْرٍ بِحَيْثُ يَنْتَفِي بِهِ الرِّضَا وَقَوْلُهُ فَيَزُولُ بِهِ الرِّضَا أَعَمُّ مَعَ كَوْنِهِ مَعَ فَسَادِ اخْتِيَارِهِ أَوْ مَعَ عَدَمِهِ وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى نَوْعَيْ الْإِكْرَاهِ، ثُمَّ إنَّ الشَّائِعَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ مِنْ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ هُوَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ نَوْعَانِ وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ فَقَالَ الْإِكْرَاهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ يُعْدِمُ الرِّضَا وَيُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ وَهُوَ الْمُلْجِئُ وَنَوْعٌ يُعْدِمُ الرِّضَا وَلَا يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ وَهُوَ الَّذِي لَا يُلْجِئُ وَهُوَ نَوْعٌ آخَرُ لَا يُعْدِمُ الرِّضَا وَهُوَ أَنْ يُهَدَّدَ بِحَبْسِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ وَوَلَدِهِ، وَهَذَا النَّوْعُ الثَّالِثُ أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْقِسْمَ الثَّالِثَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى شَرْعًا لِعَدَمِ تَرَتُّبِ أَحْكَامِ الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ شَرْعًا وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الْقِسْمَ الثَّالِثَ دَاخِلٌ فِي مَعْنَى الْإِكْرَاهِ لُغَةً وَأَطْلَقَ فِي الْإِنْسَانِ فَشَمِلَ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ وَالْمَعْتُوهَ كَذَا فِي قَاضِي خَانْ، وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا، وَلَوْ أَكْرَهَ الصَّبِيُّ أَوْ الْمَجْنُونُ أَوْ الْمَعْتُوهُ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ آخَرَ فَقَتَلَهُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ.
[شَرْطُ الْإِكْرَاهِ]
قَالَ ﵀ (وَشَرْطُهُ قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ عَلَى تَحْقِيقِ مَا هَدَّدَ بِهِ سُلْطَانًا كَانَ أَوْ لِصًّا أَوْ خَوْفُ الْمُكْرَهِ وُقُوعُ مَا هَدَّدَ بِهِ) يَعْنِي شَرْطُ الْإِكْرَاهِ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ اسْمٌ لِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ بِغَيْرِهِ فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ مَعَ بَقَاءِ الْأَهْلِيَّةِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ الْقَادِرِ عِنْدَ خَوْفِ الْمُكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِهِ مُلْجِئًا وَبِدُونِ ذَلِكَ لَا يَصِيرُ مُلْجِئًا وَمَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا مِنْ السُّلْطَانِ فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا شَهِدَ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَنَّ الْقُدْرَةَ وَالْمَنَعَةَ مُنْحَصِرَةٌ فِي السُّلْطَانِ وَفِي زَمَانِهِمَا كَانَ لِكُلِّ مُفْسِدٍ لَهُ قُوَّةٌ وَمَنَعَةٌ لِفَسَادِ الزَّمَانِ فَأَفْتَيَا عَلَى مَا شَهِدَا وَبِهِ يُفْتَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْحُجَّةِ وَفِي الْمُحِيطِ وَصِفَةُ الْمُكْرِهِ وَهُوَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُوقِعُ ذَلِكَ بِهِ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ، وَلَوْ شَكَّ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ مَا تَوَعَّدَ بِهِ لَمْ يَكُنْ مُكْرِهًا؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ فَقْدِ الْأَدِلَّةِ اهـ.
لَا يُقَالُ الشَّرْطِيَّةُ تُنَافِي كَوْنَ ذَلِكَ وَصْفًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطِيَّةَ بِاعْتِبَارِ الْحَاصِلِ مِنْ الْفَاعِلِ وَالْوَصْفَ بِاعْتِبَارِ الْفَاعِلِ وَفِي الْخَانِيَّةِ إذَا غَابَ الْمُكْرَهُ عَنْ بَصَرِ الْمُكْرِهِ يَزُولُ الْإِكْرَاهُ وَنَفْسُ الْأَمْرِ مِنْ السُّلْطَانِ مِنْ غَيْرِ تَهْدِيدٍ إكْرَاهٌ، وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ الْمَأْمُورُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ يُفْعَلُ فِيهِ كَذَا كَانَ إكْرَاهًا وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ، وَإِذَا أَخَذَهُ وَاحِدٌ فِي الطَّرِيقِ لَا يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى غَوْثٍ يَكُونُ إكْرَاهًا اهـ.
قَالَ ﵀ (فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ إجَارَةٍ بِقَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ حَبْسٍ مَدِيدٍ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يُمْضِيَ الْبَيْعَ أَوْ يَفْسَخَ) وَلَمَّا كَانَ الْإِكْرَاهُ تَارَةً يَقَعُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وَأُخْرَى فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ لِحَاجَةِ الْعَبْدِ إلَيْهِ قَدَّمَهُ وَلَمَّا كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى نَوْعَيْنِ مُلْجِئٌ وَغَيْرُ مُلْجِئٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُفْسِدُ الرِّضَا الَّذِي هُوَ شَرْطُ الصِّحَّةِ لِهَذِهِ الْعُقُودِ فَكَذَا ذَكَرَ الْقَتْلَ وَالضَّرْبَ وَلَمَّا كَانَ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُكْرَهَ عَلَى بَيْعِ هَذَا أَوْ بَيْعٍ وَلَمْ يُعَيَّنْ جَاءَ بِالْعِبَارَةِ مُنَكَّرَةً قَيَّدَ بِضَرْبٍ شَدِيدٍ وَحَبْسٍ مَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَضْرِبُك سَوْطًا أَوْ سَوْطَيْنِ أَوْ أَحْبِسُك يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إكْرَاهًا قَالَ فِي الْمُحِيطِ إلَّا إذَا قَالَ لَهُ لَأَضْرِبَنَّكَ عَلَى رَأْسِك أَوْ عَيْنِك أَوْ مَذَاكِرِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ إكْرَاهًا؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا إذَا حَصَلَ فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ قَدْ يُفْضِي إلَى التَّلَفِ وَفِي الْمُحِيطِ قَالَ مَشَايِخُنَا إلَّا إذَا كَانَ الرَّجُلُ صَاحِبَ مَنْصِبٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِضَرْبِ سَوْطٍ أَوْ حَبْسِ يَوْمٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ إكْرَاهًا.
وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ مَا يَكُونُ فِي الْحَبْسِ مِنْ الْإِكْرَاهِ لِمَا يَجِيءُ بِهِ مِنْ الِاغْتِمَامِ الْبَيِّنِ وَمِنْ الضَّرْبِ مَا يَجِدُ بِهِ الْأَلَمَ الشَّدِيدَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حَدٌّ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فَمِنْهُمْ لَا يَتَضَرَّرُ إلَّا بِضَرْبٍ شَدِيدٍ وَحَبْسٍ مَدِيدٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَضَرَّرُ بِأَدْنَى شَيْءٍ كَالشُّرَفَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ يَتَضَرَّرُونَ بِضَرْبِ سَوْطٍ أَوْ بِفَرْكِ أُذُنِهِ
стр. 2612
لَا سِيَّمَا فِي مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ أَوْ بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى بَيْعِ جَارِيَةٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ فَبَاعَ مِنْ إنْسَانٍ كَانَ فَاسِدًا وَالْإِكْرَاهُ بِحَبْسِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَوْلَادِ لَا يُعَدُّ إكْرَاهًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ وَلَا يُعْدِمُ الرِّضَا بِخِلَافِ حَبْسِ نَفْسِهِ وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ أُكْرِهَ بِحَبْسِ ابْنِهِ أَوْ عَبْدِهِ عَلَى أَنْ يَبِيعَ عَبْدَهُ أَوْ يَهَبَهُ فَفَعَلَ فَهُوَ إكْرَاهٌ اسْتِحْسَانًا، وَكَذَا فِي الْإِقْرَارِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَضَرَّرُ بِحَبْسِ ابْنِهِ أَوْ عَبْدِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ حَبْسُ نَفْسِهِ عَلَى حَبْسِ وَلَدِهِ فَإِنْ قُلْت بِهَذَا نُفِيَ الْأَوَّلُ قُلْنَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ فِي وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي وَجْهِ الْقِيَاسِ وَقَوْلُهُ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يُمْضِيَ أَوْ يَفْسَخَ تَقْدِيرُهُ، وَإِذَا زَالَ الْإِكْرَاهُ إلَى آخِرِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ ﵀ (وَيَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ عِنْدَ الْقَبْضِ لِلْفَسَادِ) يَعْنِي يَثْبُتُ بِالشِّرَاءِ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي لِكَوْنِهِ كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ فَسَادُ الْبَيْعِ مُطْلَقًا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا يَكُونُ فَاسِدًا إذَا قَالَ الْمُكْرَهُ تَلَفَّظْت بِالْبَيْعِ طِبْقَ مَا أَرَادَ فَإِذَا قَالَ أَرَدْت الْإِخْبَارَ بِهِ كَاذِبًا أَوْ قَالَ أَرَدْت إنْشَاءَ الْبَيْعِ فَهُوَ بَيْعٌ صَحِيحٌ لَا خِيَارَ فِيهِ وَلَا فَسَادَ أَخْذًا مِنْ التَّفْصِيلِ فِي حَالَةِ الْعِتْقِ.
وَقَالَ زُفَرُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَلَنَا أَنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ وَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ فَيَكُونُ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِوَصْفِهِ فَيُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ حَتَّى لَوْ قَبَضَهُ وَتَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ كَالْإِعْتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ جَازَ تَصَرُّفُهُ وَإِنَّمَا لَا تَفْسُدُ بِالْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ يَرْتَفِعُ بِهَا وَهُوَ عَدَمُ الرِّضَا فَصَارَ كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ لِفَسَادِهِ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ بِأَلْفٍ فَبَاعَ بِخَمْسِمِائَةٍ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ بَاعَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْأَلْفِ جَازَ؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ خَالَفَ مَقْصُودَ الْمُكْرِهِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُكْرِهِ لَحَاقُ الضَّرَرِ بِالْمُكْرَهِ وَالْبَيْعَ بِخَمْسِمِائَةٍ أَضَرَّ بِهِ مِنْ الْبَيْعِ بِأَلْفٍ فَكَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْبَيْعِ بِأَلْفٍ إكْرَاهًا لَهُ عَلَى الْأَقَلِّ وَفِي الثَّانِي خَالَفَ إلَى غَيْرِ رَأْيِ الْمُكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ اكْتَسَبَ نَفْعًا لِنَفْسِهِ، وَلَوْ بَاعَ بِدَنَانِيرَ قِيمَتُهَا أَلْفٌ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ جُعِلَا كَجِنْسٍ وَاحِدٍ وَفِي التِّجَارَاتِ عَرْضًا وَمَقْصُودًا، وَلَوْ بَاعَهُ بِعَرْضٍ أَوْ بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ جِنْسِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى بَيْعٍ جَائِزٍ فَبَاعَ فَاسِدًا لَمْ يَجُزْ فَإِذَا هَلَكَ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمُكْرِهُ وَعَلَى عَكْسِهِ يَكُونُ رِضًا بِالْبَيْعِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مَتَى بَاعَ جَائِزًا فَقَدْ أَتَى بِغَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجَائِزَ ضِدُّ الْفَاسِدِ وَيُفِيدُ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا لَا يُفِيدُهُ الْفَاسِدُ وَالْمُكْرَهَ عَلَى الْبَيْعِ الْجَائِزِ مَتَى بَاعَ فَاسِدًا فَقَدْ أَتَى بِمَا هُوَ أَنْقَصُ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ أَنْقَصُ مِنْ الْجَائِزِ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ فَوَهَبَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ جِنْسِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ اهـ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَقَبْضُ الثَّمَنِ طَوْعًا إجَازَةً كَالتَّسْلِيمِ طَائِعًا) ؛ لِأَنَّهُمَا دَلِيلُ الرِّضَا وَهُوَ الشَّرْطُ بِخِلَافِ مَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْهِبَةِ دُونَ التَّسْلِيمِ وَسَلَّمَ حَيْثُ لَا يَكُونُ إجَازَةً، وَلَوْ سَلَّمَ طَائِعًا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُكْرِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ لَا صُورَةُ الْعَقْدِ وَالِاسْتِحْقَاقَ فِي الْبَيْعِ يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَلَا يَكُونُ الْإِكْرَاهُ بِهِ إكْرَاهًا عَلَى التَّسْلِيمِ فَيَكُونُ التَّسْلِيمُ أَوْ الْقَبْضُ عَنْ اخْتِيَارِ دَلِيلِ الْإِجَازَةِ وَفِي الْهِبَةِ يَقَعُ الِاسْتِحْقَاقُ فَالْقَبْضُ لَا بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ فَيَكُونُ الْإِكْرَاهُ بِهَا إكْرَاهًا بِالتَّسَلُّمِ نَظَرًا إلَى مَقْصُودِ الْمُكْرَهِ وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وُضِعَ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ فِي الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَ فِي الْإِكْرَاهِ لَا يُفِيدُ لِكَوْنِهِ فَاسِدًا وَالْهِبَةُ لَا تُفِيدُ الْمِلْكَ قَبْلَ الْقَبْضِ بِأَصْلِ الْوَضْعِ وَتُفِيدُهُ بَعْدَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً فَيَنْصَرِفُ الْإِكْرَاهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْهُ فِي أَصْلِ وَضْعِهِ وَإِنْ قَبَضَ مُكْرَهًا، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِجَازَةٍ وَعَلَيْهِ رَدُّ الثَّمَنِ إذَا كَانَ قَائِمًا فِي يَدِهِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ هَالِكًا لَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي لَا عَلَى سَبِيلِ التَّمْلِيكِ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَمَنْ هُوَ مُكْرَهٌ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ مَشْرُوطٌ لَهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْعَقْدَ مِنْ غَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ وَمَنْ لَيْسَ بِمُكْرَهٍ وَلَا مَشْرُوطٍ لَهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ، فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ إلَّا بِالْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا حَتَّى لَوْ أَجَازَ الْآخَرُ الْعَقْدَ فَنَقَضَ الْقَاضِي نَفَذَ وَأُلْزِمَ وَإِنْ كَانَ كِلَاهُمَا مُكْرَهًا أَوْ مَشْرُوطًا لَهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَقْضُهُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضًا؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا، وَلَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الْمُكْرَهُ مِنْ آخَرَ بَاعَهُ الثَّانِي مِنْ آخَرَ حَتَّى تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْعُقُودَ كُلَّهَا وَأَيُّ عَقْدٍ جَازَ جَازَتْ الْعُقُودُ كُلُّهَا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَجَازَ بَعْضَ الْعُقُودِ فَقَدْ زَالَ الْإِكْرَاهُ وَصَارَ طَائِعًا رَاضِيًا فَجَازَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ فَجَازَتْ الْعُقُودُ وَيَأْخُذُ هُوَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ، وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَكِنْ ضَمِنَ فَإِنْ ضَمِنَ الْأَوَّلَ نَفَّذَ الْكُلَّ بِتَضْمِينِهِ وَإِنْ ضَمِنَ غَيْرُهُ جَازَتْ الْبِيَاعَاتِ الَّتِي بَعْدَهُ وَبَطَلَ مَا قَبْلَهُ
стр. 2613
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالتَّضْمِينِ أَنَّ الْبَيْعَ كَانَ مَوْجُودًا وَالْمَانِعَ مِنْ النُّفُوذِ حَقُّهُ، وَقَدْ زَالَ بِالْإِجَازَةِ، وَأَمَّا إذَا ضَمَّنَ لَمْ يَكُنْ مُسْقِطًا حَقَّهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَجَازَ أَحَدَ بُيُوعِ الْفُضُولِيِّ حَيْثُ لَا يَجُوزُ إلَّا الَّذِي أَجَازَهُ الْمَالِكُ وَلَا يَجُوزُ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ فَلَا يُفِيدُ الْمِلْكَ فَعِنْدَ الْإِجَازَةِ يَمْلِكُهُ مَنْ أُجِيزَ شِرَاؤُهُ وَتَبْطُلُ الْبَقِيَّةُ فَإِنْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي فَلِلْمُكْرَهِ أَنْ يُضَمِّنَ أَيَّ الثَّلَاثِ شَاءَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَحْدَثَ سَبَبَ الضَّمَانِ بِإِزَالَةِ يَدِهِ عَنْ مِلْكِهِ وَالْمُشْتَرِيَانِ قَبَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْآخَرَ قَبْلَ إجَازَةِ الْبَيْعِ جَازَ الْعِتْقُ عَلَى الَّذِي أَعْتَقَهُ فَإِنْ أَجَازَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ إجَازَتُهُ وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْأَخِيرَ أَوْ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلَ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ غَيْرَهُ فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلَ جَازَتْ الْبِيَاعَاتِ كُلُّهَا وَإِنْ ضَمَّنَ غَيْرَهَا يَجُوزُ كُلُّ بَيْعٍ بَعْدَهُ وَيَبْطُلُ كُلُّ بَيْعٍ كَانَ قَبْلَهُ اهـ.
وَفِي قَاضِي خان، وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ مُكْرَهًا وَالْمُشْتَرِي غَيْرَ مُكْرَهٍ فَقَالَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ نَقَضْت الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ قَالَ قَبْلَ الْقَبْضِ صَحَّ نَقْضُهُ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُكْرَهًا وَالْبَائِعُ غَيْرَ مُكْرَهٍ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّقْضُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَ الْقَبْضِ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ.
[هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَهُوَ غَيْرُ مُكْرَهٍ وَالْبَائِعُ مُكْرَهٌ]
قَالَ ﵀ (وَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَهُوَ غَيْرُ مُكْرَهٍ وَالْبَائِعُ مُكْرَهٌ ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْبَائِعِ) ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ وَالْمُشْتَرِي غَيْرُ مُكْرَهٍ قَالَ قَاضِي خان، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُكْرَهًا دُونَ الْبَائِعِ فَهَلَكَ الْمُشْتَرِي عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ يَهْلَكُ أَمَانَةً. اهـ.
وَلَوْ قَالَ ضَمِنَ بَدَلَهُ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْمِثْلِيَّ وَالْقِيَمِيَّ قَالَ ﵀ (وَلِلْمُكْرَهِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُكْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ آلَةٌ لَهُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْإِتْلَافِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ آلَةٌ فِي حَقِّ الْمُتَكَلِّمِ لِعَدَمِ الصَّلَاحِيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّكَلُّمَ بِلِسَانِ الْغَيْرِ لَا يُمَكَّنُ فَصَارَ كَأَنَّهُ دَفَعَ مَالَ الْبَائِعِ إلَى الْمُشْتَرِي فَيُضَمِّنُ أَيَّهمَا شَاءَ كَالْغَاصِبِ وَغَاصِبِ الْغَاصِبِ فَإِنْ ضَمِنَ الْمُكْرِهُ رَجَعَ الْمُكْرَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مَلَكَهُ فَقَامَ مَقَامَ الْمَالِكِ الْمُكْرِهِ فَيَكُونُ مَالِكًا لَهُ مِنْ وَقْتِ وُجُودِ السَّبَبِ بِالِاسْتِنَادِ، وَلَوْ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي ثَبَتَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي فِيهِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالشِّرَاءِ وَالْقَبْضِ غَيْرَ أَنَّهُ تَوَقَّفَ نُفُوذُهُ عَلَى سُقُوطِ حَقِّ الْمُكْرَهِ مِنْ الْفَسْخِ فَإِذَا ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ نَفَذَ مِلْكُهُ فِيهِ كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ.
[أَكْلِ لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَمَيْتَةٍ وَدَمٍ وَشُرْبِ خَمْرٍ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ قَيْدٍ مُكْرَهًا]
قَالَ ﵀ (وَعَلَى أَكْلِ لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَمَيْتَةٍ وَدَمٍ وَشُرْبِ خَمْرٍ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ قَيْدٍ لَمْ يَحِلَّ وَحَلَّ بِقَتْلٍ وَقَطْعٍ) يَعْنِي لَوْ أُكْرِهَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِمَا لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوِهِ كَالضَّرْبِ لَا يَسَعُهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ وَبِمَا يَخَافُ يَسَعُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُقَيَّدَةٌ بِحَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَفِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ مُبْقَاةٌ عَلَى أَصْلِ الْحِلِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] فَاسْتَثْنَى حَالَةَ الِاضْطِرَارِ؛ لِأَنَّهُ فِيهَا مُبَاحٌ وَالِاضْطِرَارَ يَحْصُلُ بِالْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ وَهُوَ أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوِهِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالضَّرْبِ بِالصَّوْتِ وَلَا بِالْحَبْسِ حَتَّى لَوْ خَافَ ذَلِكَ مِنْهُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ أَقُولُ: فِي قَوْلِهِ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ إشْكَالٌ قَوِيٌّ فَإِنَّ الْمُبَاحَ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ إذَا خِيفَ عَلَى النَّفْسِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ كَانَ طَرَفُ الْعَقْلِ رَاجِحًا، بَلْ فَرْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي لُبِّ الْأُصُولِ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ فَرْضًا فَتَأَمَّلْ فَلَوْ قَالَ بِغَيْرِ مَا يَخَافُ مِنْهُ عَلَى تَلَفِ عُضْوٍ أَوْ نَفْسِهِ لَمْ يُفْتَرَضْ وَإِلَّا اُفْتُرِضَ إلَى آخِرِهِ لَكَانَ أَوْلَى وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِأَدْنَى الْحَدِّ وَهُوَ أَرْبَعُونَ سَوْطًا فَإِنْ هُدِّدَ بِهِ وَسِعَهُ أَنْ يُقْدِمَ وَإِنْ هُدِّدَ بِدُونِهِ لَا يَسَعُهُ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ بِطَرِيقِ التَّعْزِيرِ.
قُلْنَا لَا وَجْهَ لِلتَّعْزِيرِ بِالرَّأْيِ وَأَحْوَالُ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَحَمَّلُ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُوتُ بِأَدْنَى مِنْهُ فَلَا طَرِيقَ سِوَى الرُّجُوعِ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ تَلَفَ النَّفْسِ أَوْ الْعُضْوِ يَحْصُلُ بِهِ وَسِعَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِذَا قُلْنَا لَا يَسَعُهُ شُرْبُ الْخَمْرِ هَلْ يُحَدُّ أَمْ لَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ، وَإِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ بِأَغْلَظِ الْإِكْرَاهَيْنِ تَثْبُتُ حَقِيقَةُ إبَاحَةِ الشُّرْبِ حَالَةَ الضَّرُورَةِ وَبِأَخَفِّهِمَا ثَبَتَ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ وَالشُّبْهَةُ كَافِيَةٌ لِدَرْءِ الْحُدُودِ. اهـ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْمَعَاصِي أَنْوَاعٌ نَوْعٌ يُرَخَّصُ لَهُ فِعْلُهُ وَيُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ وَقِسْمٌ حَرَامٌ فِعْلُهُ مَأْثُومٌ عَلَى إتْيَانِهِ وَقِسْمٌ يُبَاحُ فِعْلُهُ وَيَأْثَمُ عَلَى تَرْكِهِ الْأَوَّلُ الْإِكْرَاهُ عَلَى إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَشَتْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ أَوْ كُلِّ مَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ الثَّانِي كَمَا لَوْ أُكْرِهَ بِالْقَتْلِ عَلَى أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا أَوْ يَقْطَعَ عُضْوَهُ أَوْ يَضْرِبَهُ ضَرْبًا يَخَافُ مِنْهُ التَّلَفَ أَوْ يَشْتُمَ مُسْلِمًا أَوْ يُؤْذِيَهُ أَوْ عَلَى الزِّنَا وَالثَّالِثُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْخَمْرِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ قَالَ ﵀ (وَأَثِمَ بِصَبْرِهِ) يَعْنِي إذَا أُكْرِهَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بِقَتْلٍ وَقَطْعٍ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قَتَلَهُ أَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ أَثِمَ
стр. 2614
؛ لِأَنَّ التَّنَاوُلَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُبَاحٌ وَإِتْلَافَ النَّفْسِ أَوْ الْعُضْوِ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ الْمُبَاحِ حَرَامٌ فَيَأْثَمُ إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْإِبَاحَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْخَفَاءِ.
وَقَدْ دَخَلَهُ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فَلَا يَأْثَمُ كَالْجَهْلِ بِالْخِطَابِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ فِيهَا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَأْثَمُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ إذْ الْحُرْمَةُ قَائِمَةٌ فَيَكُونُ أَخْذًا بِالْعَزِيمَةِ قُلْنَا حَالَةُ الِاضْطِرَارِ مُسْتَثْنَاةٌ فَلَا يَكُونُ الِامْتِنَاعُ عَزِيمَةً، بَلْ مَعْصِيَةً قَالَ فِي الْعِنَايَةِ فَإِنْ قِيلَ إضَافَةُ الْإِثْمِ إلَى تَرْكِ الْمُبَاحِ مِنْ بَابِ فَسَادِ الْوَضْعِ وَهُوَ فَاسِدٌ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُبَاحَ إنَّمَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَالْإِتْيَانُ بِهِ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مُحَرَّمٌ وَهَاهُنَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُحَرَّمٌ وَهَاهُنَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَتْلُ النَّفْسِ الْمُحَرَّمِ فَصَارَ التَّرْكُ حَرَامًا؛ لِأَنَّ مَا أَفْضَى إلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ اهـ.
أَقُولُ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْإِثْمَ لَيْسَ عَلَى تَرْكِ الْمُبَاحِ، بَلْ عَلَى تَرْكِ الْفَرْضِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ اهـ.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ يَخْتَارُ أَهْوَنَهُمَا وَأَيْسَرَهُمَا وَالْمَسَائِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ لَوْ أُكْرِهَ بِقَتْلٍ عَلَى أَنْ يَقْطَعَ يَدَ نَفْسِهِ فَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ قَطْعِهَا؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ أَهْوَنُ مِنْ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْقَطْعَ يَقْتَصِرُ وَلَا يَسْرِي وَلِهَذَا يُبَاحُ الْقَطْعُ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ إذَا خَافَ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ الثَّانِي لَوْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ لَا يُبَاحُ لَهُ الثَّالِثُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إلْقَاءِ نَفْسِهِ فِي النَّارِ أَوْ فِي الْمَاءِ أَوْ مِنْ سَطْحٍ إنْ كَانَ لَا يَرْجُو الْخَلَاصَ وَالنَّجَاةَ مِنْ ذَلِكَ يُبَاحُ لَهُ وَإِلَّا فَلَا وَذَكَرَ أَنَّ الْإِحْرَاقَ بِالنَّارِ أَشَدُّ مِنْ السَّيْفِ وَالرَّابِعُ عَلَى إكْرَاهِهِ بِالْقَتْلِ بِالسِّيَاطِ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ بِالسَّيْفِ يُبَاحُ لَهُ الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ بِالسِّيَاطِ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ.
قَالَ ﵀ (وَعَلَى الْكُفْرِ وَإِتْلَافِ مَالِ الْمُسْلِمِ بِقَتْلٍ وَقَطْعٍ لَا بِغَيْرِهِمَا يُرَخَّصُ) يَعْنِي لَوْ أُكْرِهَ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَإِتْلَافِ مَالِ إنْسَانٍ بِشَيْءٍ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى أَعْضَائِهِ كَالْقَتْلِ وَقَطْعِ الْأَطْرَافِ يُرَخَّصُ لَهُ إجْرَاءُ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلِحَدِيثِ «عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ حِينَ اُبْتُلِيَ بِهِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ لَهُ كَيْفَ وَجَدْت قَلْبَك قَالَ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ قَالَ فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ» أَيْ عُدْ إلَى الطُّمَأْنِينَةِ؛ وَلِأَنَّ بِهَذَا الْإِظْهَارِ أَنَّهُ لَا يُفَوِّتُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ التَّلَفُّظَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا تَدُلُّ عَلَى تَبَدُّلِ الِاعْتِقَادِ لِقِيَامِ التَّصْدِيقِ بِهِ فَرَخَّصَ لَهُ إحْيَاءً لِنَفْسِهِ وَفِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا وَلَمْ يَخْطِرْ عَلَى بَالِهِ شَيْءٌ سِوَى مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ وَالثَّانِي أَنْ يَخْطِرَ بِبَالِهِ الْخَبَرُ بِالْكُفْرِ عَمَّا مَضَى بِالْكَذِبِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ كَفَرَ قَطُّ فِيمَا مَضَى، وَقَالَ أَرَدْت الْخَبَرَ عَمَّا مَضَى كَاذِبًا وَلَمْ أُرِدْ كُفْرًا مُسْتَقْبَلًا فَهَذَا يُكَفَّرُ قَضَاءً وَلَا يُكَفَّرُ دِيَانَةً الثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِي كُفْرٌ فِي الْمَاضِي وَأَرَدْت الْكُفْرَ مُسْتَقْبَلًا فَهَذَا يُكَفَّرُ قَضَاءً وَدِيَانَةً. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ أَنَّهُ إذَا أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ لِلصَّلِيبِ أَوْ سَجَدَ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَسْجُدَ لِلصَّلِيبِ فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ إذَا خَطَرَ بِبَالِهِ أَنْ يُصَلِّيَ لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِلصَّلِيبِ.
وَفِي هَذَا الْوَجْهِ لَا يُكَفَّرُ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقْبِلًا الثَّانِي أَنْ يَقُولَ لَمْ أُصَلِّ لِلَّهِ تَعَالَى وَصَلَّيْت لِلصَّلِيبِ وَفِي هَذَا يُكَفَّرُ فِي الْقَضَاءِ وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى الثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِي وَصَلَّيْت لِلصَّلِيبِ مُكْرَهًا فِي هَذَا لَا يُكَفَّرُ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الْأَصْلِ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى شَتْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِي شَيْءٌ وَشَتَمَ مُحَمَّدًا مُكْرَهًا وَفِي هَذَا لَا يُكَفَّرُ قَضَاءً وَلَا دِيَانَةً الثَّانِي أَنْ يَقُولَ خَطَرَ بِبَالِي رَجُلٌ مِنْ النَّصَارَى يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ فَشَتَمْته وَلَمْ أَشْتُمْ الرَّسُولَ فَهَذَا كَالْأَوَّلِ قَالَ الْكَرْخِيُّ أَطْلَقَ مُحَمَّدٌ فِي الْعِبَارَةِ وَحَيْثُ لَمْ يَقُلْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ شَتْمَ النَّصْرَانِيِّ دُونَ الْمُسْلِمِ فِي الْحُرْمَةِ الثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ خَطَرَ بِبَالِي رَجُلٌ مِنْ النَّصَارَى فِيهِ فَتَرَكْته وَسَمَّيْت الرَّسُولَ وَفِي هَذَا يُكَفَّرُ قَضَاءً وَدِيَانَةً اهـ.
قَالَ ﵀ (وَيُثَابُ بِالصَّبْرِ) أَيْ يَكُونُ مَأْجُورًا إنْ صَبَرَ وَلَمْ يُظْهِرْ الْكُفْرَ حَتَّى قُتِلَ؛ لِأَنَّ خُبَيْبًا صَبَرَ حَتَّى صُلِبَ وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ، وَقَالَ هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ قَائِمَةٌ وَالِامْتِنَاعَ عَزِيمَةٌ فَإِذَا بَذْلَ نَفْسَهُ لِإِعْزَازِ الدِّينِ كَانَ شَهِيدًا وَلَا يُقَالُ الْكُفْرُ مُسْتَثْنًى فِي حَالَةِ الْإِكْرَاهِ فَكَيْفَ يَكُونُ حَرَامًا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى الْعَذَابِ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ قَبْلَهُ دُونَ الْحُرْمَةِ بِخِلَافِ الْخَمْرِ وَأَخَوَاتِهِ فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ الْحُرْمَةُ فَيَنْتَفِي فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَهُنَا لَا تَنْتَفِي فَتَبْقَى عَلَى حَالِهَا، وَلَكِنْ لَوْ تَرَخَّصَ جَازَ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ إجْرَاءَ كَلِمَةِ الْكُفْرِ أَيْضًا مُسْتَثْنًى بِقَوْلِهِ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ مِنْ قَوْلِهِ مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ بَعْدَ إيمَانِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ
стр. 2615
يَكُونَ مُبَاحًا كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي الْآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَتَقْدِيرَهُ مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ وَشَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ فَاَللَّهُ تَعَالَى مَا أَبَاحَ إجْرَاءَ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِمْ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ وَإِنَّمَا دَفَعَ عَنْهُمْ الْعَذَابَ وَالْغَضَبَ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ نَفْيِ الْغَضَبِ وَهُوَ حُكْمُ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ عَدَمِ الْحُكْمِ عَدَمُ الْعِلَّةِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْغَضَبُ مُنْتَفِيًا مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْغَضَبِ وَهُوَ الْحُرْمَةُ فَلَمْ تَثْبُتْ إبَاحَةُ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَعَزَاهُ إلَى مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَلِلْمَالِكِ أَنْ يَضْمَنَ لِمُكْرِهٍ) ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ لِمَالِهِ وَالْمُكْرَهَ آلَةٌ لَهُ فِيمَا يَصْلُحُ آلَةً.
قَالَ ﵀ (وَعَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ بِقَتْلٍ لَا يُرَخَّصُ) يَعْنِي لَوْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ بِالْقَتْلِ لَا يُرَخَّصُ لَهُ الْقَتْلُ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الرُّخْصَةِ خَوْفُ التَّلَفِ وَالْمُكْرَهُ وَالْمُكْرَهُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ فَسَقَطَ الْمُكْرَهُ؛ وَلِأَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ مِمَّا لَا يُسْتَبَاحُ لِضَرُورَةٍ مَا فَكَذَا بِالْإِكْرَاهِ، وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ غَيْرِهِ فَشَمِلَ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ وَعَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ أُكْرِهَ بِقَتْلِهِ أَنْ يَقْتُلَ عَبْدَهُ أَوْ يَقْطَعَ يَدَهُ لَمْ يَسَعْهُ ذَلِكَ فَإِنْ قَتَلَ يَأْثَمُ وَيُقْتَلُ الْمُكْرَهُ فِي الْقَتْلِ وَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ دَمَهُ حَرَامٌ بِأَصْلِ الْفِطْرَةِ، وَلَوْ أُكْرِهَ بِقَتْلٍ عَلَى أَنْ يَقْتُلَ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ فَقَتَلَهُ لَمْ يَحْرِمْهُ عَنْ الْمِيرَاثِ، وَلَوْ كَانَ الْمُكْرَهُ أَبَا الْمَقْتُولِ أَوْ ابْنَهُ يُحْرَمْ عَنْ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ لِلْقَتْلِ هُوَ الْمُكْرَهُ، وَلَوْ أُكْرِهَ بِقَتْلٍ عَلَى أَنْ يَضْرِبَ رَجُلًا بِحَدِيدَةٍ فَضَرَبَهُ وَثَنَى بِغَيْرِ إكْرَاهٍ فَمَاتَ قُتِلَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ إحْدَى الضَّرْبَتَيْنِ بِغَيْرِ إكْرَاهٍ فَصَارَتْ مَنْقُولَةً إلَيْهِ وَالْأُخْرَى مَنْقُولَةً إلَى الْمُكْرِهِ، وَلَوْ كَانَتْ إحْدَى الضَّرْبَتَيْنِ بِعَصَاةٍ غَرِمَ عَاقِلَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِحَبْسٍ أَوْ قَيْدٍ فَالضَّمَانُ عَلَى الضَّارِبِ قَوَدًا كَانَ أَوْ دِيَةً؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ بِالْحَبْسِ لَا يُعْتَبَرُ إكْرَاهًا فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَفِيهِ أَيْضًا.
وَلَوْ أُكْرِهَ بِقَتْلٍ عَلَى أَنْ يَأْمُرَ رَجُلًا بِقَتْلِ عَبْدِهِ فَقَتَلَهُ عَمْدًا يُقْتَلُ الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ بِالْقَتْلِ لَمْ يَصِحَّ مَعَ الْإِكْرَاهِ؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ عَدَمُ الرِّضَا فَيَكُونُ التَّلَفُ مُضَافًا إلَى الْقَتْلِ دُونَ الْإِذْنِ بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ بِالْعِتْقِ حَيْثُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ لَا يَمْلِكُ الْإِعْتَاقَ إلَّا بِالْإِذْنِ فَصَارَ الْمُعْتَقُ مُتْلِفًا بِسَبَبِ الْإِذْنِ فَيَصِيرُ التَّلَفُ مُحَالًا إلَى الْإِذْنِ، وَلَوْ أُكْرِهَ الْمَوْلَى بِحَبْسٍ أَوْ قَتْلٍ فَقَتَلَهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ اسْتِحْسَانًا وَيَقْتَصُّ الْقَاتِلُ قِيَاسًا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْإِذْنَ إذَا فَسَدَ بِالْإِكْرَاهِ لِفَوَاتِ الرِّضَا مُعْتَبَرٌ مِنْ وَجْهٍ وَفِعْلَ الْمَأْذُونِ كَفِعْلِ الْآذِنِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً فَلَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ فَأَوْجَبْنَا الدِّيَةَ صَوْنًا لِدَمِهِ عَنْ الْهُدُوءِ، وَلَوْ أُكْرِهَ الْمَوْلَى بِقَتْلٍ عَلَى بَيْعِ عَبْدِهِ وَتَسْلِيمِهِ وَالْمُشْتَرِي بِالْقَتْلِ عَلَى الشِّرَاءِ وَالْقَبْضِ، ثُمَّ أُكْرِهَ الْمُشْتَرِي مِنْ عَلَى قَتْلِهِ بِقَتْلٍ فَلِلْمَوْلَى أَنْ يَقْتُلَ الْمُكْرَهَ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي مُكْرَهٌ عَلَى الْقَتْلِ فَصَارَ فِعْلُهُ مَنْقُولًا إلَى الْمُكْرَهِ وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكٌ لِلْمُشْتَرِي وَلِلْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ فَكَانَ الْقِصَاصُ لِلْبَائِعِ مِنْ وَجْهٍ وَلِلْمُشْتَرِي وَجْهٌ فَكَانَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْقِصَاصِ مَجْهُولًا فَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا حَقُّ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فَأَوْجَبْنَا الْقِيمَةَ عَلَى الْمُكْرَهِ فِي مَالِهِ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ لِلْبَائِعِ حَقَّ الِاسْتِرْدَادِ.
وَقَدْ أَبْطَلَ الْمُشْتَرِي هَذَا الْحَقَّ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَلَوْ أُكْرِهَ بِحَبْسٍ أَوْ قَيْدٍ عَلَى الْبَيْعِ وَالْقَبْضِ وَالْمُشْتَرِي عَلَى الشِّرَاءِ بِقَتْلٍ، ثُمَّ أُكْرِهَ الْمُشْتَرِي عَلَى قَتْلِهِ بِقَتْلٍ فَقَتَلَهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِمَوْلَاهُ ثُمَّ يُقْتَلُ الْمُكْرَهُ بِالْعَبْدِ قِصَاصًا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي طَائِعٌ فِي الْقَبْضِ مُكْرَهٌ فِي الشِّرَاءِ فَمَلَكَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ وَقَتْلُهُ صَارَ مَنْقُولًا إلَى الْمُكْرَهِ فَصَارَ الْمُكْرَهُ قَاتِلًا عَبْدًا عَمْدًا فَيَجِبُ الْقِصَاصُ، وَلَوْ أُكْرِهَ الْمُشْتَرِي عَلَى الشِّرَاءِ بِحَبْسٍ وَلِلْبَائِعِ بِقَتْلٍ، ثُمَّ أُكْرِهَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْقَتْلِ بِقَتْلٍ فَقَتَلَهُ فَالْوَلِيُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُكْرِهَ قِيمَةَ عَبْدِهِ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ طَائِعٌ فِي الْقَبْضِ، وَقَدْ قَتَلَهُ الْمُكْرَهُ بِقَتْلِ الْمُشْتَرِي فَيَجِبُ الْقِصَاصُ اهـ.
قَوْلُهُ بِالْقَتْلِ يَشْمَلُ مَا إذَا صَرَّحَ بِذَلِكَ بِأَنْ قَالَ إنْ لَمْ تَقْتُلْ قَتَلْتُك أَوْ دَلَّ الْحَالُ عَلَيْهِ بِأَنَّ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ قَتْلُهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِذَلِكَ لِمَا فِي جَامِعِ الْفَتَاوَى لَوْ قَالَ لَهُ اُقْتُلْ فُلَانًا أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْقَتْلُ فَقَتَلَهُ هُوَ إكْرَاه فَإِذَا قَتَلَهُ يُقْتَصُّ مِنْ الْمُكْرَهِ قَالَ ﵀ (وَإِنْ قَتَلَهُ أَثِمَ) ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ بَاقِيَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا وَأَثِمَ بِمُبَاشَرَتِهِ؛ لِأَنَّ الْإِثْمَ يَكُونُ بِذِمَّتِهِ وَالْمُكْرَه لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ آلَةً لَهُ فِي حَقِّهِ، وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَا لَا يُرَخَّصُ لَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ قَتْلَ النَّفْسِ بِالضَّيَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَجِيءُ مِنْهُ وَلَدٌ لَيْسَ لَهُ أَبٌ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إفْسَادَ الْفِرَاشِ بِخِلَافِ جَانِبِ الْمَرْأَةِ حَيْثُ يُرَخَّصُ لَهَا بِالْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ؛ لِأَنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ لَا يَنْقَطِعُ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الْقَتْلِ فِي جَانِبِهَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ وَلِهَذَا وَجَبَ الْإِكْرَاهُ الْقَاصِرُ دَرْءًا لِلْحَدِّ فِي حَقّهَا دُونَ الرَّجُلِ.
[الْقِصَاص مِنْ الْمُكْرَهِ]
قَالَ ﵀ (وَيُقْتَصُّ مِنْ
стр. 2616
الْمُكْرَهِ فَقَطْ) ، وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ زُفَرُ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرَهِ دُونَ الْمُكْرِهِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْقَاتِلُ هُوَ الْمُكْرَهُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ وَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ الْإِثْمُ بِهِ؛ وَلِأَنَّ الْقَتْلَ فِعْلٌ حِسِّيٌّ وَهُوَ لَا يَجْرِي فِيهِ الِاسْتِنَادُ لِغَيْرِ الْفَاعِلِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَهُمَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَتْلِ بِطَبْعِهِ إيثَارًا لِحَيَاةِ نَفْسِهِ فَيَصِيرُ آلَةً لِنَفْسِهِ لِلْمُكْرِهِ فِيمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ آلَةً لَهُ وَهُوَ الْإِتْلَافُ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ بِخِلَافِ الْإِثْمِ؛ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْجِنَايَةِ عَلَى دِيَتِهِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ آلَةً لَهُ فِيهِ فَيَأْثَمُ الْمُكْرَهُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْآمِرُ بَالِغًا عَاقِلًا أَوْ مَعْتُوهًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ صَبِيًّا فَالْقَوَدُ عَلَيْهِ وَعَزَاهُ إلَى الْمَبْسُوطِ وَنَسَبَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ عَبْدُ الْعَزِيزِ إلَى السَّهْوِ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ فِي مَبْسُوطِهِ لَوْ كَانَ الْآمِرُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَهُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْعُقُوبَةِ كَذَا فِي الْأَكْمَلِ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا أَوْ يَكْفُرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَسِعَهُ الْكُفْرُ دُونَ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ يُرَخَّصُ فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ دُونَ الْقَتْلِ فَإِنَّهُ لَا يُرَخَّصُ بِحَالٍ، وَلَوْ قَتَلَ وَلَمْ يَكْفُرْ الْمُكْرَهُ دُونَ الْقَتْلِ قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مُخْتَارًا طَائِعًا وَيَضْمَنُ الدِّيَةَ اسْتِحْسَانًا فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثَ سِنِينَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِأَنَّ الْكُفْرَ يَسَعُهُ يُقْتَلُ بِهِ، وَقِيلَ لَا يُقْتَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْمُورِثَ لِلشُّبْهَةِ قَائِمٌ وَهُوَ حُرْمَةُ الْكُفْرِ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ أَوْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ فَقُتِلَ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ دُونَ الْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَشُرْبَ الْخَمْرِ يُرَخَّصُ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ.
قَالَ ﵀ (وَعَلَى إعْتَاقٍ وَطَلَاقٍ فَفَعَلَ وَقَعَ) يَعْنِي لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إعْتَاقٍ وَطَلَاقٍ فَأَعْتَقَ وَطَلَّقَ وَقَعَ الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُنَافِي الْأَهْلِيَّةَ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَعَدَمُ صِحَّةِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْأَقَارِيرِ لِمَعْنًى رَاجِعٌ إلَى التَّصَرُّفِ وَهُوَ كَوْنُهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الرِّضَا وَمَعَ الْإِكْرَاهِ لَا يُوجَدُ الرِّضَا فَأَمَّا الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الرِّضَا فَيَقَعُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِتْقَ وَالطَّلَاقَ يَقَعَانِ مَعَ الْهَزْلِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الرِّضَا فِيهِمَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَأَخَوَاتِهِ وَفِي الْمَبْسُوطِ وَكُلُّ تَصَرُّفٍ يَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنِّكَاحِ يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ.
وَلَوْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ عَلَى الْإِكْرَاهِ يَصِحُّ فَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى مِثْلَ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ جَازَ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرَهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ عَوَّضَهُ مِثْلَ مَا أَخْرَجَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَالزِّيَادَةُ بَاطِلَةٌ وَيَجِبُ مِقْدَارِ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ الرِّضَا فِي الزِّيَادَةِ بِالْإِكْرَاهِ وَإِنْ أَكْرَهَ الْمَرْأَةَ عَلَى النِّكَاحِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى مُتْلِفِ الْمَنْفَعَةِ؛ وَلِأَنَّهُ عِوَضُ الْمَهْرِ فَلَا يُعَدُّ إزَالَةً وَإِتْلَافًا فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ كُفُؤًا وَالْمَهْرُ مَهْرَ الْمِثْلِ جَازَ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَالزَّوْجُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَتَمَّ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا وَإِنْ شَاءَ فَارَقَهَا إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ دَخَلَ بِهَا وَهِيَ مُكْرَهَةٌ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَإِنْ دَخَلَ بِهَا وَهِيَ طَائِعَةٌ فَهُوَ رِضًا مِنْهَا بِالْمُسَمَّى إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمَوْلَى حَقُّ تَكْمِيلِ مَهْرِ مِثْلِهَا عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا وَإِنْ فَارَقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ عَلَى إعْتَاقٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْعِتْقِ مِنْ إعْتَاقٍ كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى شِرَاءِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَاشْتَرَى يُعْتَقُ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ، وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى شِرَاءِ مَنْ حَلَفَ بِعِتْقِهِ، وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى شِرَاءِ أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْهُ بِالنِّكَاحِ فَاشْتَرَى فَعَتَقَتْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مِنْ غَيْرِ إعْتَاقٍ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَرَجَعَ بِقِيمَتِهِ) يَعْنِي يَرْجِعُ الْمُكْرِهُ عَلَى الْمُكْرَهِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ وَالْمُكْرَهَ آلَةٌ لَهُ فِيهِ فَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْإِتْلَافِ لَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ بِخِلَافِ ضَمَانِ الْإِعْتَاقِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَا سِعَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ السِّعَايَةَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ لِلْخُرُوجِ لِلْحُرِّيَّةِ كَمَا فِي مُعْتَقِ الْبَعْضِ أَوْ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ كَعِتْقِ الرَّاهِنِ الْمَرْهُونَ وَهُوَ مُعْسِرٌ أَوْ عِتْقِ الْمَرِيضِ عَبْدَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ وَلَا يَرْجِعُ الْمُكْرَهُ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانٌ وَجَبَ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَأَطْلَقَ الْمُؤَلِّفُ فِي الرُّجُوعِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا قَالَ أَرَدْت بِقَوْلِي عِتْقًا مُسْتَقِلًّا كَمَا طَلَبَ مِنِّي أَوْ قَالَ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِي سِوَى الْإِتْيَانِ بِمَطْلُوبِهِ أَمَّا لَوْ قَالَ خَطَرَ بِبَالِي الْإِخْبَارُ فَأَخْبَرْته فِيمَا مَضَى كَاذِبًا وَأَرَدْت ذَلِكَ لِإِنْشَاءِ الْحُرِّيَّةِ عَتَقَ الْعَبْدُ قَضَاءً لَا دِيَانَةً وَلَا يَضْمَنُ الْمُكْرِهُ الْمُكْرَهَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَكَانَ طَائِعًا فِي الْإِقْرَارِ فَلَا يَصْدُقُ فِي دَعْوَاهُ الْإِخْبَارَ كَاذِبًا فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ الْمُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ بِعِوَضٍ وَهُوَ الْوَلَاءُ وَالْإِتْلَافَ بِعِوَضٍ كَلَا إتْلَافٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوَلَاءَ سَبَبُهُ الْعِتْقُ عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى فَكَيْفَ
стр. 2617
الْمُكْرَهُ مُعَوِّضًا، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ عِوَضًا إلَّا إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَالًا كَمَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ طَعَامِ الْغَيْرِ فَأَكَلَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكْرَهِ إذْ عَوَّضَهُ مَا هُوَ فِي حَقِّ حُكْمِ الْمَالِ كَمَا فِي مَنَافِعِ الْبِضْعِ وَالْوَلَاءُ لَيْسَ بِمَالٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ شَاهِدَيْ الْوَلَاءِ إذَا رَجَعَا لَا يَضْمَنَانِ وَرُدَّ هَذَا بِمَا إذَا أُكْرِهَ الْمَوْلَى عَلَى شِرَاءِ ذِي مَحْرَمٍ رَحِمٍ مِنْهُ فَعَتَقَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمُكْرَهَ لَا يَرْجِعُ هُنَاكَ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْمُكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ عِوَضٌ وَهُوَ صِلَةُ الرَّحِمِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الرَّحِمَ صِلَةٌ لَيْسَتْ بِمَالٍ كَالْوَلَاءِ أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا حُكْمًا؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ كَمَا قَالُوا فِي مَنَافِعِ الْبِضْعِ عِنْدَ الدُّخُولِ وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَعْتِقَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ عَلَى مِائَةٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ وَالْعَبْدُ غَيْرُ مُكْرَهٍ يَقَعُ بِتَمَامِ قِيمَتِهِ، ثُمَّ إنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُكْرَهُ قِيمَتَهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ هُوَ عَلَى الْعَبْدِ بِمِائَةِ السِّعَايَةِ؛ لِأَنَّهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ قَامَ مَقَامَ الْمَوْلَى وَإِنْ شَاءَ الْمَوْلَى ضَمِنَ الْمُكْرَهُ تِسْعَمِائَةٍ، ثُمَّ يَرْجِعُ بِتِسْعِمِائَةٍ وَأَخَذَ مِنْ الْعَبْدِ مِائَةً؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ طَائِعٌ فِي الْتِزَامِ الْمَالِ وَالْمُكْرَهَ يَتْلَفُ عَلَيْهِ تِسْعُمِائَةٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَيَأْخُذُ مِنْهُ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَعْتِقَ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفَيْنِ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ فَفَعَلَ فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُكْرِهَ قِيمَتَهُ لِلْحَالِ وَهِيَ أَلْفٌ وَيَرْجِعُ الْمُكْرَهُ عَلَى الْعَبْدِ بِأَلْفَيْنِ إلَى سَنَةٍ وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ وَإِنْ شَاءَ اخْتَارَ الْعِتْقَ وَكَانَ لَهُ أَلْفَانِ إلَى سَنَةٍ.
وَلَوْ أُكْرِهَ الْعَبْدُ عَلَى قَبُولِ الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَيَضْمَنُ لِلْمُكْرِهِ لِمَا بَيَّنَّا عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أُكْرِهَ أَحَدُهُمَا عَلَى عِتْقِهِ فَأَعْتَقَهُ جَازَ وَالْوَلَاءُ كُلُّهُ لِلْمُعْتَقِ عِنْدَهُمَا فَإِنْ كَانَ الْمُكْرِهُ مُوسِرًا ضَمِنَ قِيمَتَهُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهِ لِلْمُكْرَهِ وَيَسْعَى الْعَبْدُ لِلْآخَرِ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ فِي حَقِّ الْمُكْرِهِ مُتْلِفٌ وَفِي حَقِّ السَّاكِتِ بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ، وَعِنْدَ الْإِمَامِ يُعْتَقُ نَصِيبُ الْمُكْرَهِ لَا غَيْرُ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكْرِهِ لِلسَّاكِتِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَإِنْ اخْتَارَ السَّاكِتُ تَضْمِينَ شَرِيكِهِ فَالْوَلَاءُ كُلُّهُ لَهُ وَإِنْ اخْتَارَ الْإِعْتَاقَ أَوْ السِّعَايَةَ فَالْوَلَاءُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ رَجُلًا خَطَأً وَأُكْرِهَ عَلَى عِتْقِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ ضَمِنَ الْمُكْرَهُ قِيمَتَهُ وَيَأْخُذُهَا الْمَوْلَى فَيَدْفَعُهَا إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ فِي هَذَا الْإِعْتَاقِ، وَلَوْ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِحَبْسٍ أَوْ قَيْدٍ يَضْمَنُ الْمَوْلَى الْجِنَايَةَ دُونَ الدِّيَةِ وَلَا يَضْمَنُ الْمُكْرَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِكْرَاهَ لَا يُعَدُّ إكْرَاهًا فِي حَقِّ إتْلَافِ الْمَالِ وَيُعْتَبَرُ إكْرَاهًا فِي حَقِّ الْتِزَامِ الْمَالِ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَعْتِقَ عَبْدَهُ عَنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ فَأَعْتَقَ وَقَبِلَ الْمُعْتَقُ عَنْهُ طَائِعًا فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُكْرَهَ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُعْتَقُ عَنْهُ فَلَوْ ضَمِنَ الْأَوَّلُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُعْتَقِ عَنْهُ وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الْعِتْقُ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْبَيْعِ وَبَيْعَ الْمُكْرَهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِكْرَاهَ وَرَدَ عَلَى الْعِتْقِ لَا عَلَى الْبَيْعِ الَّذِي فِي ضِمْنِ طَلَبِ الْإِعْتَاقِ، وَلَوْ وَرَدَ عَلَى الْبَيْعِ إنَّمَا يَرِدُ ضِمْنًا وَتَبَعًا وَالْإِكْرَاهُ لَا يُؤَثِّرُ فَمَا ثَبَتَ ضِمْنًا وَتَبَعًا وَيَعْتَقِدُ فِي الضِّمْنِيِّ بِمَا لَا يَعْتَقِدُ فِي الْقَصْدِيِّ.
وَلَوْ أُكْرِهَ بِحَبْسٍ تَجِبُ الْقِيمَةُ عَلَى الْمُعْتَقِ عَنْهُ دُونَ الْمُكْرَهِ، وَلَوْ أُكْرِهَ الْمُعْتِقُ بِالْقَتْلِ وَالْمُعْتَقُ عَنْهُ بِالْحَبْسِ فَالْمُعْتَقُ عَنْهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ، وَلَوْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى عَكْسِ هَذَا ضَمِنَ الْمُكْرَهُ قِيمَتَهُ لِلْمَوْلَى وَلَمْ يَضْمَنْ الْمُعْتَقُ عَنْهُ شَيْئًا وَالْوَلِيُّ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ بِوَعِيدِ تَلَفٍ صَيَّرَ الْفَاعِلَ هُوَ الْمُكْرِهُ وَالْإِعْتَاقَ وَإِنْ وُجِدَ فِي مِلْكِ الْمُعْتِقِ فَقَدْ أَتْلَفَ الْمُكْرَهُ بِالْإِعْتَاقِ عَلَيْهِ حَقَّ الِاسْتِرْدَادِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُدَبِّرَ عَبْدَهُ عَنْهُ بِأَلْفٍ فَدَبَّرَ فَالْمَوْلَى بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُكْرَهُ قِيمَتَهُ قِنًّا وَرَجَعَ الْمُكْرَهُ عَلَى قَابِلِ التَّدْبِيرِ بِقِيمَتِهِ مُدَبَّرًا وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْقَابِلَ قِيمَتَهُ مُدَبَّرًا وَرَجَعَ عَلَى الْمُكْرَهِ بِنُقْصَانِ التَّدْبِيرِ وَلَا يَرْجِعُ الْمُكْرَهُ بِهِ عَلَى الْقَابِلِ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِعْتَاقِ بِحَبْسٍ أَوْ قَيْدٍ لَمْ يَضْمَنْ الْمُكْرَهُ شَيْئًا وَيَضْمَنُ الْقَابِلُ قِيمَتَهُ قِنًّا؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِكْرَاهَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّ إتْلَافِ الْمَالِ، وَلَوْ أُكْرِهَ الْمَوْلَى بِالْقَتْلِ وَالْقَابِلُ بِالْحَبْسِ ضَمِنَ الْقَابِلُ قِيمَتَهُ قِنًّا وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرَهِ بِشَيْءٍ فَإِنْ ضَمِنَ الْمُكْرَهُ وَرَجَعَ بِهِ عَلَى الْقَابِلِ، وَلَوْ وَهَبَ الْمَوْلَى مِنْ الْمُكْرَهِ قِيمَتَهُ أَوْ أَبْرَأهُ مِنْهَا كَانَ لِلْمُكْرَهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْقَابِلِ بِقِيمَتِهِ، وَلَوْ أُكْرِهَ الْمَوْلَى بِحَبْسٍ وَالْقَابِلُ بِوَعِيدِ تَلَفٍ فَلِلْمَوْلَى أَنْ يُضَمِّنَ الْمُكْرَهَ مَا نَقَصَ بِالتَّدْبِيرِ وَيَضْمَنُ الْقَابِلُ قِيمَتَهُ مُدَبَّرًا لِمَا عُرِفَ.
وَلَوْ أُكْرِهَ بِقَتْلٍ عَلَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْ رَجُلٍ عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى أَلْفٍ وَقِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ وَرَبُّ الْعَبْدِ طَائِعٌ فَفَعَلَ كَانَ الْوَلَاءُ لِلْقَابِلِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْعِتْقِ عَنْهُ بِأَلْفٍ يَتَضَمَّنُ شِرَاءً وَقَبْضًا وَإِعْتَاقًا وَالْمُشْتَرِي مُكْرَهٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَالْمُكْرَهَ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا لِلْمَوْلَى، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَعْتِقَ نِصْفَ عَبْدِهِ فَأَعْتَقَ كُلَّهُ لَمْ يَضْمَنْ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْعِتْقَ يَتَجَزَّأُ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَتَجَزَّأُ فَالْإِكْرَاهُ
стр. 2618
عَلَى إعْتَاقِ النِّصْفِ إكْرَاهٌ عَلَى إعْتَاقِ الْكُلِّ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَعْتِقَ كُلَّهُ فَأَعْتَقَ نِصْفَهُ يَضْمَنُ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ الْإِمَامِ يَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ وَيَضْمَنُ الْمُكْرَهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ اهـ. مُخْتَصَرًا بِتَأَمُّلٍ هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ إذَا أُكْرِهَ عَلَى بَيْعِ الْكُلِّ فَبَاعَ النِّصْفَ كَانَ مُكْرَهًا حَيْثُ عَلَّلُوا بِأَنَّ بَيْعَ النِّصْفِ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ بَيْعِ الْكُلِّ وَإِعْتَاقَ الْكُلِّ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ عِتْقِ النِّصْفِ وَيُطْلَبُ الْفَرْقُ.
قَالَ ﵀ (وَنِصْفَ الْمَهْرِ إنْ لَمْ يَطَأْ) يَعْنِي لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ ضَمِنَ الْمُكْرَهُ نِصْفَ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ مَا عَلَيْهِ كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ مِنْ جِهَتِهَا بِمَعْصِيَةٍ كَالِارْتِدَادِ وَتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ، وَقَدْ تَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالطَّلَاقِ فَكَانَ تَقْرِيرًا بِالْمَالِ فَيُضَافُ تَقْرِيرُهُ إلَى الْمُكْرَهِ وَكَانَ مُتْلِفًا لَهُ فَيَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ أَطْلَقَ فِي الرُّجُوعِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا قَالَ أَرَدْت بِهِ الْإِنْشَاءَ فِي الْحَالِ كَاطْلُبْ مِنِّي أَوْ قَالَ أَرَدْت الْإِتْيَانَ بِمَطْلُوبِهِ.
أَمَّا إذَا قَالَ أَرَدْت الْإِخْبَارَ كَاذِبًا فَيَقَعُ قَضَاءً لَا دِيَانَةً وَلَا يَضْمَنُ الْمُكْرَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَكَانَ طَائِعًا فِي ذَلِكَ فَلَا يُصَدَّقُ قَضَاءً وَلَا يَضْمَنُ الْمُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَهُ هَذَا إذَا كَانَ الْمَهْرُ مُسَمًّى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فِيهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ الْمُتْعَةِ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنَّهُ يَعْتِقُ عَبْدَهُ أَوْ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَفَعَلَ رَجَعَ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَمِنْ نِصْفِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ كَانَ يَنْدَفِعُ بِالْأَقَلِّ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُولِ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُكْرَهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى التَّوْكِيلِ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ فَأَوْقَعَ الْوَكِيلُ وَقَعَ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ التَّوْكِيلُ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِالْهَزْلِ فَكَذَا مَعَ الْإِكْرَاهِ كَالْبَيْعِ وَأَمْثَالِهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْبَيْعِ، وَلَكِنْ يُوجِبُ فَسَادَهُ فَكَذَا التَّوْكِيلُ يَنْعَقِدُ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْإِسْقَاطَاتِ وَيَرْجِعُ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْمُكْرَهِ بِمَا أَتْلَفَ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إكْرَاهٌ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى النَّذْرِ صَحَّ وَلَزِمَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَلَا يَعْمَلُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرَهِ بِمَا لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مُطَالِبَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وَكَذَا الْيَمِينُ وَالظِّهَارُ وَلَا يَعْمَلُ فِيهِمَا الْإِكْرَاهُ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَحْتَمِلَانِ الْفَسْخَ وَسَوَاءٌ كَانَ الْيَمِينُ عَلَى الطَّاعَةِ أَوْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
وَكَذَا الرَّجْعَةُ وَالْإِيلَاءُ وَالْفَيْءُ فِيهِ بِاللِّسَانِ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ فَأُلْحِقَتْ بِالنِّكَاحِ وَالْإِيلَاءَ يَمِينٌ فَأُلْحِقَ بِالْيَمِينِ، وَلَوْ بَانَتْ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا لَزِمَهُ نِصْفُ الْمَهْرِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْفَيْءِ فِي الْمُدَّةِ، وَكَذَا الْخَلْعُ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ مَمْلُوكٍ يَمْلِكُهُ حُرًّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَفَعَلَ، ثُمَّ مَلَكَ مَمْلُوكًا عَتَقَ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ بِاعْتِبَارٍ صُنِعَ مِنْ جِهَتِهِ وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُعَلِّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ بِفِعْلٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ إنْ صَلَّيْت فَعَبْدِي حُرٌّ أَوْ أَكَلْت أَوْ شَرِبْت، ثُمَّ فَعَلَ الْمُكْرَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَتَقَ الْعَبْدُ وَغَرِمَ الْمُكْرَهُ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ وَكَانَ مُلْجِئًا، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَكْفُرَ فَفَعَلَ لَمْ يَرْجِعْ بِذَلِكَ عَلَى الَّذِي أَكْرَهَ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ عَنْ حَقٍّ لَزِمَهُ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى عِتْقِ عَبْدٍ عَنْ كَفَّارَةٍ فَفَعَلَ عَتَقَ وَعَلَى الْمُكْرَهِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لِمَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتِقَ عَبْدًا مُعَيَّنًا عَنْ كَفَّارَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَهُوَ بِالْإِكْرَاهِ مُتَعَدِّيًا عَلَيْهِ وَلَا يُجْزِيهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْعِتْقِ بِعِوَضٍ، وَلَوْ قَالَ أَنَا أُبْرِئُهُ عَنْ الْقِيمَةِ حَتَّى يُجْزِئَ عَنْ الْكَفَّارَةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ نَفَذَ غَيْرَ مُجْزِئٍ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَالْمَوْجُودَ بَعْدَ ذَلِكَ إبْرَاءٌ عَنْ الدَّيْنِ وَهُوَ لَا يَتَأَدَّى بِهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَوْ قَالَ أَعْتَقَتْهُ حِينَ أَكْرَهَنِي وَأَنَا أُرِيدُ بِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ بِإِكْرَاهٍ أَجُزْأَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْمُكْرِهِ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَا فَزَنَى يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ أَوَّلًا.
وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إذَا أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ وَإِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُهُ يَجِبُ، وَقَالَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَهَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ وَفِي مَوْضِعٍ سَقَطَ الْحَدُّ وَوَجَبَ الْمَهْرُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُكْرَهَةً عَلَى الْفِعْلِ أَوْ أَذِنَتْ لَهُ بِذَلِكَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِسُقُوطِ حَقِّهَا، وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّ إذْنَهَا لَغْوٌ لِكَوْنِهَا مَحْجُورَةً عَنْ ذَلِكَ شَرْعًا.
قَالَ ﵀ (وَعَلَى الرِّدَّةِ لَمْ تَبِنْ امْرَأَتُهُ) يَعْنِي لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الرِّدَّةِ وَأَجْرَى كَلِمَةَ الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ لَمْ تَبِنْ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ بِهِ، وَلَوْ قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ عَلَى الرِّدَّةِ لَمْ يُرَخَّصْ، وَلَوْ فَعَلَ لَمْ تَبِنْ بِهِ امْرَأَتُهُ لَكَانَ أَوْلَى وَأَحْرَى؛ وَلِأَنَّ الْكُفْرَ يَتَعَلَّقُ بِتَبَدُّلِ الِاعْتِقَادِ وَلَمْ يَتَبَدَّلْ اعْتِقَادُهُ حَيْثُ كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ حَتَّى لَوْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ وَأَنْكَرَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ الْكُفْرِ
стр. 2619
سَبَبٌ لِحُصُولِ الْبَيْنُونَةِ بِهَا فَيَسْتَوِي الطَّائِعُ وَالْمُكْرَهُ كَلَفْظَةِ الطَّلَاقِ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ هَذَا اللَّفْظُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِلْفُرْقَةِ وَإِنَّمَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِاعْتِبَارِ تَغَيُّرِ الِاعْتِقَادِ وَالْإِكْرَاهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ التَّغَيُّرِ فَلَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ وَلِهَذَا لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ مُكْرَهًا حَيْثُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ أَحَدُ الرُّكْنَيْنِ وَفِي الرُّكْنِ الْآخَرِ احْتِمَالٌ فَرَجَّحْنَا جَانِبَ الْوُجُودِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ وَنَظِيرُهُ السَّكْرَانُ فَإِنَّ إسْلَامَهُ يَصِحُّ وَلَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ لِعَدَمِ الْقَصْدِ هَذَا لِبَيَانِ الْحُكْمِ أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا لَمْ يَعْتَقِدْ، فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَعَدَمِ إبَانَةِ الزَّوْجِيَّةِ إذَا قَالَ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِي شَيْءٌ وَنَوَيْت مَا طُلِبَ مِنِّي وَقَلْبِي مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَلَوْ قَالَ نَوَيْت الْإِخْبَارَ بَاطِلًا وَلَمْ أَنْوِ مَا أُمِرْت بِهِ بَانَتْ امْرَأَتُهُ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا طُلِبَ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ نَوَى ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، وَلَوْ قَالَ أَرَدْت مَا طُلِبَ مِنِّي، وَقَدْ خَطَرَ بِبَالِي الْخَيْرُ عَلَى الْبَاطِلِ بَانَتْ امْرَأَتُهُ دِيَانَةً وَقَضَاءً؛ لِأَنَّهُ كَفَرَ حَقِيقَةً وَالْإِكْرَاهَ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ سَبِّ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَمَانَةِ الْمَرْأَةِ وَعَدَمِهِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ، وَلَوْ قَالَ خَطَرَ بِبَالِي أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهُهُ الْعَدُوُّ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ لَأَجْرَى عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ كَفَرَ.
[أُكْرِهَ عَلَى قَطْعِ يَدِ إنْسَانٍ يَقْطَعُ يَدَهُ]
قَالَ ﵀ (وَحُرْمَةُ طَرْفِ الْإِنْسَانِ كَحُرْمَةِ نَفْسِهِ) حَتَّى لَوْ أُكْرِهَ عَلَى قَطْعِ يَدِ إنْسَانٍ يَقْطَعُ يَدَهُ لَا يُرَخَّصُ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ يَأْثَمْ وَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرَهِ لَوْ كَانَ حُرًّا وَيَضْمَنُ نِصْفَ الْقِيمَةِ لَوْ كَانَ رَقِيقًا، وَهَذَا لَا يُنَافِيهِ مَا نَقَلَهُ قَاضِي خان إذَا قَالَ لِرَجُلٍ اقْطَعْ يَدَ هَذَا وَإِلَّا قَتَلْتُك وَسِعَهُ أَنْ يَقْطَعَ، وَإِذَا قَطَعَ كَانَ عَلَى الْآمِرِ الْقِصَاصُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا قَالَ إنْ لَمْ يَقْطَعْ يَدَك وَإِلَّا قَطَعْتهَا لَا يَسَعْهُ أَنْ يَقْطَعَ يَدَ نَفْسِهِ اهـ.
فَظَهَرَ بِمَا نَقَلْنَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَغْلَظَ مِنْ الْقَطْعِ وَسِعَهُ وَإِنْ كَانَ قَطَعَ بِقَطْعٍ لَا يَسَعُهُ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى قَطْعِ طَرْفِ نَفْسِهِ حَلَّ لَهُ قَطْعُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ حَيْثُ لَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الطَّرْفِ حَتَّى يَحِلَّ لَهُ قَطْعُهَا إذَا أَصَابَتْهَا أَكَلَهُ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ فِي النَّارِ أَوْ عَلَى الْإِلْقَاءِ مِنْ الْجَبَلِ بِالْقَتْلِ وَكَانَ الْإِلْقَاءُ بِحَيْثُ لَا يَنْجُو، وَلَكِنْ فِيهِ نَوْعُ تَخْفِيفٍ فَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ عِنْدَ الْإِمَامِ فَلَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي النَّارِ فَاحْتَرَقَ فَعَلَى الْمُكْرِهِ الْقِصَاصُ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَصْبِرُ وَلَا يَفْعَلُ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ لَتُلْقِيَنَّ نَفْسَك مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ بِالسَّيْفِ فَأَلْقَى نَفْسَهُ فَمَاتَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاشَرَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِالْمُثْقِلِ، بَلْ فِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَكَذَا إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ الثَّانِي تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْمُكْرِهِ فِي مَالِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَلَوْ قَالَ لِآخَرَ اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي الصَّحِيحِ، وَلَوْ أُكْرِهَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى التَّزْوِيجِ بِمَهْرٍ فِيهِ غَبْنٌ فَاحِشٌ، ثُمَّ زَالَ الْإِكْرَاهُ فَرَضِيَتْ الْمَرْأَةُ وَلَمْ يَرْضَ الْوَلِيُّ فَلِلْوَلِيِّ الْفِرَاقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ يُتِمُّ مَهْرَ الْمِثْلِ، وَقَالَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ خَالِصُ حَقِّهَا حَتَّى تَمْلِكَ إسْقَاطَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الْحَجْرِ]
أُورِدَ الْحَجْرُ عُقَيْبَ الْإِكْرَاهِ لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَلْبَ وِلَايَةِ الْمُخْتَارِ عَنْ الْجَرْيِ عَلَى مُوجِبِ الِاخْتِيَارِ إلَّا أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَمَّا كَانَ أَقْوَى تَأْثِيرًا لِأَنَّ فِيهِ سَلْبَهَا عَمَّنْ لَهُ اخْتِيَارٌ صَحِيحٌ وَوِلَايَةٌ كَامِلَةٌ بِخِلَافِ الْحَجْرِ وَالْحَجْرُ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ مِنْ قَوْلِك حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي يَحْجُرُ حَجْرًا إذَا مَنَعَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ وَلِهَذَا سُمِّيَ الْحَطِيمُ حَجْرًا؛ لِأَنَّهُ مَنْعٌ مِنْ الْبَيْتِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] أَيْ لِذِي عَقْلٍ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ مَبِيعٍ مَخْصُوصٍ فِي حَقِّ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الصَّغِيرُ وَالرَّقِيقُ وَالْمَجْنُونُ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ سَبَبُ الْحَجْرِ وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ ثَلَاثَةٌ أُخَرُ الْمُفْتِي الْمَاجِنُ وَالطَّبِيبُ الْجَاهِلِيُّ وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسُ، وَمِنْ مَحَاسِنِ الْحَجْرِ أَنَّ فِيهِ شَفَقَةً عَلَى خَلْقِ اللَّهِ وَهِيَ أَحَدُ طَرَفَيْ الدِّيَانَةِ وَالْآخَرُ التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْوَرَى وَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ فِي النُّهَى فَجَعَلَ بَعْضَهُمْ أُولِي النُّهَى وَالرَّأْيِ وَمِنْهُمْ أَعْلَامُ الْهُدَى وَمَصَابِيحُ الدُّجَى وَبَعْضُهُمْ مُبْتَلًى بِأَسَالِيب الرَّدَى فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ كَالْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَالرَّقِيقِ وَالصَّغِيرِ وَرَكَّبَ اللَّهُ فِي الْبَشَرِ الْعَقْلَ وَالْهَوَى وَرَكَّبَ فِي الْمَلَائِكَةِ الْعَقْلَ دُونَ الْهَوَى وَرَكَّبَ فِي الْبَهَائِمِ الْهَوَى دُونَ الْعَقْلِ فَمَنْ غَلَبَ عَقْلُهُ عَلَى هَوَائِهِ كَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْخَلْقِ وَمَنْ غَلَبَ هَوَاهُ عَلَى عَقْلِهِ كَانَ أَرْدَى مِنْ الْبَهَائِمِ وَدَلِيلُهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ «﵊ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ وَقَسَمَ مَالَهُ لِغُرَمَائِهِ» وَلِأَنَّ تَصَرُّفَهُ لَا يَشْمَلُ تَوْفِيرَ النَّظَرِ وَالْمَصْلَحَةِ فَلِذَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ قَالَ ﵀ (هُوَ مَنْعٌ عَنْ التَّصَرُّفِ قَوْلًا لَا فِعْلًا بِصِغَرٍ وَرِقٍّ
стр. 2620
وَجُنُونٍ) يَعْنِي يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ تُفِيدُ حَصْرَ الْمَنْعِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْأَفْرَادِ يُفِيدُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُحْجَرُ عَلَى الْمُفْتِي الْمَاجِنِ وَالطَّبِيبِ الْجَاهِلِ وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ بِالِاتِّفَاقِ وَالسَّفِيهِ وَالْمُغَفَّلِ وَالْمَدْيُونِ عَلَى قَوْلِهِمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ فَقَوْلُهُ فِي دَلِيلِ التَّعْرِيفِ بِصِغَرٍ إلَى آخِرِهِ تَفْسِيرٌ زَائِدٌ وَتَقْيِيدٌ فَاسِدٌ فَالتَّعْرِيفُ فِيهِ قُصُورٌ مِنْ حَيْثُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ، وَأَصْلُ التَّعْرِيفِ الْحَقِيقَةُ وَهُوَ لَا يَخْلُو أَمَّا إنْ أَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَ الْمَنْعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُسْقِطَ الزِّيَادَةَ أَوْ يُرِيدَ وَمَجَانَةٍ وَجَهْلٍ وَإِفْلَاسٍ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَوْ يَقُولَ بِسَبَبٍ يُوجِبُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الرِّقَّ لَيْسَ سَبَبًا لِلْحَجْرِ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ مُحْتَاجٌ كَامِلُ الرَّأْيِ وَالْعَقْلِ وَإِنَّمَا حُجِرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْمَوْلَى قَوْلُهُ لَا فِعْلًا أَرَادَ فِعْلًا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ أَمَّا إذَا كَانَ الْفِعْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ فَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ ذَلِكَ الَّذِي يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إذَا زَنَى أَوْ قَتَلَ فَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِحُكْمِ الزِّنَا وَهُوَ الْحَدُّ وَبِالنِّسْبَةِ بِحُكْمِ الْقَتْلِ وَهُوَ الْقِصَاصُ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ قَوْلُهُ قَوْلًا نَكِرَةً فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ وَهِيَ تَخْتَصُّ عِنْدَنَا قَالُوا الْمُرَادُ بِالْأَقْوَالِ هُنَا مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَيُوجِبُ الْحَجْرَ مِنْ الْأَصْلِ بِالْإِعْدَامِ فِي حُكْمِ قَوْلٍ تَمَحَّضَ ضَرَرًا كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ دُونَ الْعَبْدِ فَإِنَّ طَلَاقَهُ يَقَعُ وَلَمْ يُوجِبْ الْحَجْرَ فِيمَا تَمَحَّضَ نَفْعًا كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ قَوْلُهُ لَا فِعْلًا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَإِنْ قِيلَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ وَالْيَمِينُ وَالنَّذْرُ كُلُّهَا مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الشَّرْعِ وَالْقَصْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِاعْتِبَارِهَا شَرْعًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي مَوَاضِعَ لَا سِيَّمَا فِي مَبَاحِثِ الْهَزْلِ فِي الْأُصُولِ فَكَيْفَ حَكَمْت بِأَنَّهَا عَدَمٌ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مَعَ أَنَّ الْقَصْدَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي اعْتِبَارِهَا إذَا صَدَرَتْ مَعَ تَمَامِ الْأَهْلِيَّةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَنْ ذُكِرَ لَهُ قَصْدٌ وَمَا يُقْصَدُ وَمَا ذُكِرَ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ مُعْتَبَرٌ فَافْتَرَقَ الْحَالُ. اهـ.
قَالَ ﵀: (فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ صَبِيٍّ وَعَبْدٍ بِلَا إذْنِ وَلِيٍّ وَسَيِّدٍ) ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ عَدِيمُ الْعَقْلِ إذَا كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا فَعَقْلُهُ نَاقِصٌ لِعَدَمِ الِاعْتِدَالِ وَهُوَ الْبُلُوغُ فَيُحْتَمَلُ فِيهِ الضَّرَرُ فَلَا يَجُوزُ إلَّا إذَا أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ لِتَرْجِيحِ جَانِبِ الْمَصْلَحَةِ لِلْمَوْلَى، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَتَصَرَّفُ بِأَهْلِيَّتِهِ إذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَبِأَهْلِيَّةِ الْوَلِيِّ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ لِلصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ الْبَيْعُ إذَا بَاعَ أَوْ اشْتَرَى فَأَجَازَ الْوَلِيُّ لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ أَذِنَ الْقَاضِي لِلصَّبِيِّ بِالتَّصَرُّفِ صَحَّ تَصَرُّفُهُ.
[تَصَرُّفُ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ]
قَالَ ﵀ (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ بِحَالٍ) يَعْنِي لَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ بِحَالٍ وَلَوْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْعِبَارَةِ بِالتَّمْيِيزِ وَهُوَ لَا تَمْيِيزَ لَهُ فَصَارَ كَبَيْعِ الطُّوطِيِّ وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ تَارَةً وَيُفِيقُ أُخْرَى فَهُوَ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ كَالْعَاقِلِ، وَالْمَعْتُوهُ كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ وَفِي رَفْعِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ وَهُوَ النَّاقِصُ الْعَقْلُ وَقِيلَ: هُوَ الْمَدْهُوشُ مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ هُوَ مَنْ كَانَ قَلِيلَ الْفَهْمِ فَاسِدَ التَّدْبِيرِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَضْرِبُ وَلَا يَشْتُمُ كَمَا يَفْعَلُ الْمَجْنُونُ.
قَالَ ﵀: (وَمَنْ عَقَدَ مِنْهُمْ وَهُوَ يَعْقِلُهُ يُجِيزُهُ الْوَلِيُّ أَوْ يَفْسَخُهُ) يَعْنِي مَنْ عَقَدَ الْبَيْعَ، وَالشِّرَاءَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَحْجُورِينَ وَهُوَ يَعْقِلُهُ أَيْ وَهُوَ يَعْقِلُ أَنَّ الْبَيْعَ سَالِبٌ، وَالشِّرَاءَ جَالِبٌ وَيَعْلَمُ الْغَبْنَ الْفَاحِشَ مِنْ الْيَسِيرِ وَيَقْصِدُ بِهِ تَحْصِيلَ الرِّبْحِ، وَالزِّيَادَةِ فَالْوَلِيُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَجَازَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَإِنْ قِيلَ هَذَا فِي الْبَيْعِ يَسْتَقِيمُ وَأَمَّا فِي الشِّرَاءِ فَلَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ بَلْ يَنْفُذُ عَلَى الْمُشْتَرِي قُلْنَا إنَّمَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُشْتَرِي إذَا وَجَدَ نَفَاذًا كَشِرَاءِ الْفُضُولِيِّ وَهُنَا لَمْ يَجِدْ نَفَاذًا لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ أَوْ لِتَضَرُّرِ الْمَوْلَى فَيَتَوَقَّفُ الْكُلُّ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ الْأَقْوَالُ مَوْجُودَةٌ حِسًّا وَمُشَاهَدَةً فَأَمَّا لَهَا شُرُوطٌ فِي اعْتِبَارِهَا شَرْعًا الْقَصْدَ دُونَ الْعَقْلِ أُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: الْأَقْوَالُ الْمَوْجُودَةُ حِسًّا لَيْسَتْ عَيْنَ مَدْلُولِهَا بَلْ دَلَالَاتٌ عَلَيْهَا وَيُمْكِنُ تَخَلُّفُ الْمَدْلُولِ عَنْ دَلِيلِهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَوْجُودُ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْدُومِ بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ، فَإِنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهَا هُوَ عَيْنُهَا فَبَعْدَ مَا وُجِدَتْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ. الثَّانِي: الْقَوْلُ قَدْ يَقَعُ صِدْقًا وَكَذِبًا وَيَقَعُ جِدًّا وَهَزْلًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَصْدِ بِخِلَافِ الْفِعْلِ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ تَصَرُّفُ صَبِيٍّ وَعَبْدٍ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّ عَقْدَهُمَا لَا يَنْعَقِدُ وَقَوْلُهُ وَمَنْ عَقَدَ مِنْهُمْ وَهُوَ يَعْقِلُهُ يُجِيزُهُ الْوَلِيُّ أَوْ يَفْسَخُ يُفِيدُ أَنْ يَنْعَقِدَ مَوْقُوفًا وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ لَا يَصِحُّ لَا يَنْفُذُ وَهُوَ شَائِعٌ فِي عِبَارَةِ الْفُقَهَاءِ، فَإِنْ قِيلَ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ وَمَنْ عَقَدَ مِنْهُمَا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ دُونَ الْجَمْعِ يَعْنِي الصَّبِيَّ، وَالْعَبْدَ قُلْنَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: الْمَغْلُوبُ غَيْرُ
стр. 2621
الْمَغْلُوبِ الَّذِي بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ، وَالْعَبْدِ فَلِذَا عَبَّرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَرَادَ الصَّبِيَّ، وَالْمَجْنُونَ الَّذِي هُوَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ قَالَ ابْنُ فَرْشَتَةَ الْوَلِيُّ هُوَ الْقَاضِي، وَالْوَلِيُّ الَّذِي يَلِي التِّجَارَةَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ كَالْأَبِ، وَالْجَدِّ، وَالْوَصِيِّ وَلَا يَجُوزُ بِإِذْنِ الْعَمِّ، وَالْأُمِّ، وَالْأَخِ. اهـ.
وَإِذَا رُفِعَ الْأَمْرُ إلَى الْقَاضِي لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ قَائِمًا أَوْ هَالِكًا وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْعَ رَغْبَةٍ أَوْ غَبِينَةٍ وَإِذَا رُدَّ الْمَبِيعُ، وَالثَّمَنُ قَائِمٌ فِي يَدِهِ رَدَّهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَحْجُورُ اسْتَهْلَكَ الثَّمَنَ يَنْظُرُ إنْ اسْتَهْلَكَهُ فِي النَّفَقَةِ وَمَا يَجُوزُ لَهُ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُعْطِي الدَّافِعَ مِثْلَهُ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَإِنْ صَرَفَهُ فِي وُجُوهِ الْفَسَادِ يَضْمَنُ الْمَحْجُورُ مِثْلَهُ عِنْدَ الثَّانِي وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَضْمَنُ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا عَلِمَ بِالْبَيْعِ كَالْقَاضِي.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَتْلَفُوا شَيْئًا ضَمِنُوا) ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِمْ فِي الْأَفْعَالِ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْقَتْلُ غَيْرَ الْقَتْلِ، وَالْقَطْعُ غَيْرَ الْقَطْعِ فَاعْتُبِرَ فِي حَقِّهِ فَثَبَتَ عَلَيْهِ مُوجِبُهُ لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ وَوُجُودِ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ وَهِيَ الذِّمَّةُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُولَدُ وَلَهُ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ لِوُجُوبِ الْحَقِّ إلَّا أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِالْأَدَاءِ إلَّا عِنْدَ الْقُدْرَةِ كَالْمُعْسِرِ لَا يُطَالَبُ بِالدَّيْنِ إلَّا إذَا أَيْسَرَ وَكَالنَّائِمِ لَا يُطَالَبُ بِالْأَدَاءِ إلَّا إذَا اسْتَيْقَظَ هَكَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَأَخَّرُ إلَى الْبُلُوغِ، وَالْعِتْقِ وَفِي الْحَدَّادِيِّ يَضْمَنُ كَمَا يَضْمَنُ الْحُرُّ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ فِي الْحَالِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ فِي الْعِنَايَةِ جَنِينٌ ابْنُ يَوْمٍ لَوْ انْقَلَبَ عَلَى قَارُورَةِ إنْسَانٍ فَكَسَرَهَا يَجِب عَلَيْهِ الضَّمَانُ فِي الْحَالِ. اهـ.
فَلَوْ أَنَّ الصَّبِيَّ أَوْ الْمَجْنُونَ أَوْ الْعَبْدَ اسْتَهْلَكُوا مَالًا ضَمِنُوا الْمَالَ فِي الْحَالِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا أَوْدَعَ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا مَالًا فَاسْتَهْلَكَهُ لَا يَضْمَنُ الصَّبِيُّ وَلَا الْعَبْدُ فِي الْحَالِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَضْمَنُ إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ يُؤَاخَذُ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَالصَّبِيَّ يُؤَاخَذُ بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْدَعَهُمْ سَلَّطَهُمْ عَلَيْهِ وَفِي الْأَوَّلِ لَمْ يُسَلِّطْهُمْ فَيَضْمَنُ فِي الْحَالِ الصَّبِيُّ فِي مَالِهِ، وَالْعَبْدُ يَدْفَعُهُ الْمَوْلَى أَوْ يَفْدِيهِ.
[إقْرَارُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ]
قَالَ ﵀ (وَلَا يَنْفُذُ إقْرَارُ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ) ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْأَقْوَالِ فِي الشَّرْعِ مَنُوطَةٌ بِالْأَهْلِيَّةِ وَهِيَ مَعْدُومَةٌ فِيهِمَا حَتَّى لَوْ تَعَلَّقَ بِإِقْرَارِهِمَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَالْحَدِّ لَا يُعْتَبَرُ أَيْضًا إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إتْلَافٌ فَيَجِبُ الضَّمَانُ لَا يُقَالُ هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ قَوْلًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِطَرِيقِ التَّضْمِينِ، وَالتَّصْرِيحُ أَبْلَغُ مِنْهُ فَلِذَا ذَكَرَهُ.
قَالَ ﵀ (وَيَنْفُذُ إقْرَارُ الْعَبْدِ فِي حَقِّهِ لَا فِي حَقِّ مَوْلَاهُ فَلَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ لَزِمَهُ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ الْمَوْلَى لِمَا أَنَّهُ وَمَا فِي يَدِهِ مِلْكُهُ وَإِقْرَارُ الرَّجُلِ عَلَى غَيْرِهِ لَا يُقْبَلُ، فَإِذَا عَتَقَ زَالَ الْمَانِعُ فَتَبِيعُ بِهِ لِوُجُوبِ سَبَبِ الْأَهْلِيَّةِ، وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ نُفُوذُ الْإِقْرَارِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ سَكَتَ بَعْد ذَلِكَ أَوْ قَالَ بَاطِلًا أَوْ حَقًّا وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَلَوْ أَقَرَّ بِاسْتِهْلَاكِ وَدِيعَةٍ ثُمَّ صَلَحَ فَصَارَ أَهْلًا لِلْإِقْرَارِ فَأَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَهَا فِي حَالِ فَسَادِهِ لَمْ يَضْمَنْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِقَتْلٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَيْثُ يَلْزَمُهُ فِي مَالِهِ كَمَا لَوْ شُوهِدَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ اسْتِهْلَاكَ الْوَدِيعَةِ لَمْ يَثْبُتْ بِمُعَايَنَةٍ وَبِالْبَيِّنَةِ لَمْ يُصَدَّقْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَكَذَا إذَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ، وَالْقَتْلِ لَوْ صَدَرَ مِنْهُ بِالْمُعَايَنَةِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَكَذَا إذَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ يَجِبُ فِي مَالِهِ وَلَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِمَالٍ ثُمَّ صَلَحَ بِأَنْ صَارَ أَهْلًا وَقَالَ أَقْرَرْت بِهَا بَاطِلًا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَإِنْ قَالَ كَانَ حَقًّا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ قَالَ كَانَ بَاطِلًا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إقْرَارٌ بَعْدَ الصَّلَاحِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَكَذَا الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ مَالَ إنْسَانٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ الْبُلُوغِ كَانَ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ بَعْدَ الصَّلَاحِ أَقْرَضَنِي فِي حَالِ فَسَادٍ وَقَالَ الْآخَرُ لَا بَلْ فِي صَلَاحِك وَاسْتَهْلَكْتهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمَحْجُورُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ أَقَرَّ أَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ وُجِدَ مِنْهُ وَادَّعَى الْإِذْنَ، وَالتَّسْلِيطَ وَأَنْكَرَ رَبُّ الْمَالِ ذَلِكَ لَمَّا قَالَ أَقْرَضْتُك فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَعَلَى رَبِّ الْمَالِ الْبَيِّنَةُ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ أَقَرَّ بِحَدٍّ أَوْ قَوَدٍ لَزِمَهُ فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ خَوَاصِّ الْإِنْسَانِيَّةِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ آدَمِيٌّ بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَالٌ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَوْلَى بِهِمَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّهِمَا، فَإِنْ قِيلَ قَالَ ﷺ «لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ، وَالْمُكَاتَبُ شَيْئًا إلَّا الطَّلَاقَ» وَشَيْئًا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ فَتَعُمُّ فَيَقْتَضِي أَنْ لَا يَمْلِكَ الْإِقْرَارَ بِالْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ قُلْنَا لَمَّا بَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّهِمَا يَكُونُ إقْرَارُهُ بِهِمَا إقْرَارًا بِالْحُرِّيَّةِ لَا بِالْعَبْدِيَّةِ وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] يَقْتَضِي أَنْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ فَيَنْفُذَ أَوْ يُقَالُ: إنَّ النَّصَّ يُحْمَلُ أَنَّهُ رُوِيَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (لَا بِسَفَهٍ) يَعْنِي لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ السَّفَهِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ
стр. 2622
يُحْجَرُ عَلَيْهِ لِلْإِمَامِ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّهُ ﵊ ذُكِرَ لَهُ رَجُلٌ يَخْدَعُ فِي الْبَيْعِ فَقَالَ مَنْ بَايَعْت فَقُلْ لَا خِلَابَةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا قِيلَ لَهُ اُحْجُرْ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ عَاقِلٌ كَامِلُ الْعَقْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مُطْلَقٌ فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ كَالرَّشِيدِ وَلَهُمَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَهَذَا نَصٌّ فِي إثْبَاتِ الْوِلَايَةِ عَلَى السَّفِيهِ وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ «﵊ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ فِي الْغِيَاثِيَّةِ» ، وَالْمُرَادُ بِالْفَسَادِ هُنَا السَّفَهُ وَهُوَ خِفَّةٌ تَعْتَرِي الْإِنْسَانَ فَتَحْمِلُهُ عَلَى الْعَمَلِ بِخِلَافِ مُوجَبِ الشَّرْعِ، وَالْعَقْلِ مَعَ قِيَامِ الْعَقْلِ وَقَدْ غَلَبَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ عَلَى تَبْذِيرٍ وَإِتْلَافٍ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الشَّرْعِ، وَالْعَقْلِ. اهـ.
وَفِي الْأَصْلِ: وَالْحَجْرُ بِسَبَبِ الْفَسَادِ، وَالسَّفَهِ فَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا لِخِفَّةٍ فِي الْعَقْلِ وَكَانَ سَبَبُهُ الْقَلْبَ لَا يَهْتَدِي إلَى التَّصَرُّفَاتِ فَيَحْجُرُ عَلَيْهِ الْقَاضِي عَلَى قَوْلِهِمَا. وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ سَفِيهًا مُضَيِّعًا لِمَالِهِ أَمَّا فِي الشَّرِّ بِأَنْ يَجْمَعَ أَهْلَ الشَّرِّ، وَالْفَسَادِ فِي دَارِهِ وَيُطْعِمَهُمْ وَيَسْقِيَهُمْ وَيَصْرِفَ فِي النَّفَقَةِ وَيَفْتَحَ بَابَ الْجَائِزَةِ، وَالْعَطَاءِ عَلَيْهِمْ أَوْ فِي الْخَيْرَاتِ بِأَنَّ جَمِيعَ مَالِهِ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ وَأَشْبَاهِهِ فَيَحْجُرُ الْقَاضِي عِنْدَ صَاحِبَيْهِ صِيَانَةً لِمَالِهِ وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَجْرِ بِسَبَبِ الْفَسَادِ، وَالسَّفَهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَعِنْدَهُمَا يَثْبُتُ بِنَفْسِ السَّفَهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي قَالَ فِي الْمُحِيطِ بِالْحَجْرِ لَيْسَ بِقَضَاءٍ بَلْ فَتْوَى لِعَدَمِ شَرَائِطِ الْقَضَاءِ وَهِيَ الدَّعْوَى، وَالْإِنْكَارُ حَتَّى لَوْ وَجَدَ الدَّعْوَى، وَالْإِنْكَارَ بِأَنْ وَهَبَ السَّفِيهُ مَالَهُ مِنْ إنْسَانٍ وَسَلَّمَ إلَيْهِ وَصَارَ فَقِيرًا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى مَحَارِمِهِ فَيَرْفَعُوا أَمْرَهُمْ إلَى الْقَاضِي وَأَخْبَرُوهُ بِأَنَّهُ يُفْنِي مَالَهُ سَفَهًا وَطَلَبُوا مِنْهُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ فَالْقَاضِي يُحْضِرُ السَّفِيهَ، وَالْمَوْهُوبَ لَهُ فَادَّعَى عَلَيْهِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ أَنَّ مَالَهُ فِي يَدِ هَذَا الرَّجُلِ فَأَمَرَهُ بِرَدِّهِ عَلَيْهِ فَقَضَى الْقَاضِي بِالرَّدِّ عَلَيْهِ يَفْسُدُ قَضَاءً. اهـ.
وَفِي التَّهْذِيبِ وَإِذَا وُجِدَ شَرْطُ الدَّعْوَى وَقَضَاءُ الْقَاضِي صَارَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَلَا تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ عِنْدَهُمَا وَالْإِمَامُ أَيْضًا اهـ.
وَفِي الْمُنْتَقَى لَوْ حَجَرَ عَلَيْهِ قَاضٍ فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ آخَرَ وَأَطْلَقَهُ جَازَ إطْلَاقُهُ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ مِنْ الْأَوَّلِ فَتْوَى لِتَقَدُّمِ شَرْطِهِ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي فَنَفْسُ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ حَتَّى يَلْزَمَ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ إذَا وَقَعَ فِي نَفْسِ الْقَضَاءِ لَا يَلْزَمُ وَلَا يَصِيرُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ حَتَّى يُمْضِيَهُ قَاضٍ آخَرُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ مَوْجُودًا قَبْلَ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ بِالْقَضَاءِ الْأَوَّلِ وُجِدَ شَرْطُهُ فَيَكُونُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ اهـ.
قَالَ الشَّارِحُ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ بِأَنَّهُ يَصِيرُ مَحْجُورًا بِنَفْسِ السَّفَهِ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي.
وَفِي الْأَصْلِ الْحَجْرُ بِسَبَبِ السَّفَهِ يُقَارِنُ الْحَجْرَ بِالدَّيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى السَّفِيهِ لِمَعْنًى فِي ذَاتِهِ أَمَّا الْحَجْرُ بِسَبَبِ الدَّيْنِ فَلِحَقِّ الْغُرَمَاءِ الثَّانِي: الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ السَّفَهِ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا وَوَجَبَ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ، فَإِذَا أَدَّى لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمَوْلَى بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ، وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِالْإِفْلَاسِ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا بِمَا فِي يَدِهِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ، فَإِذَا أَدَّى يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى عَلَى الْمَوْلَى بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ. الثَّالِثُ: الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ يَزُولُ إقْرَارُهُ بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ وَكَذَا حَالُ قِيَامِ الْحَجْرِ فِيمَا يَحْدُثُ مِنْ الْمَالِ، وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لَا فِي حَالِ الْحَجْرِ وَلَا بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ لَا فِي الْمَالِ الْقَائِمِ وَلَا الْحَادِثِ وَإِذَا صَارَ السَّفِيهُ مُصْلِحًا لِمَالِهِ هَلْ يَزُولُ الْحَجْرُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَزُولُ إلَّا بِالْقَضَاءِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَزُولُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ.
وَفِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ إذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ أَوْ أَخَاهُ الصَّغِيرَ لَمْ يَجُزْ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ لَمْ يُدْفَعْ لَهُ مَالُهُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَنَفَذَ تَصَرُّفُهُ قَبْلَهُ وَيُدْفَعُ إلَيْهِ مَالُهُ إنْ بَلَغَ الْمُدَّةَ مُعْسِرًا) وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا لَا يُرْفَعُ إلَيْهِ حَتَّى يُؤْنَسَ مِنْهُ الرُّشْدُ وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ أَبَدًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] عَلَّقَ الدَّفْعَ بِوُجُودِ الرُّشْدِ فَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ وَلِلْإِمَامِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَلِأَنَّ حَالَ الْبُلُوغِ قَدْ لَا يُفَارِقُهُ السَّفَهُ بِاعْتِبَارِ أَثَرِ الصِّبَاءِ فَقَدَّرْنَاهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ يَنْتَهِي لُبُّ الرَّجُلِ إذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الطَّبَائِعِ إذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً فَقَدْ بَلَغَ رُشْدَهُ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ سِنًّا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصِيرَ فِيهِ جَدًّا؛ لِأَنَّ أَدْنَى مَا يَبْلُغُ فِيهِ الْغُلَامُ اثْنَا عَشْرَ سَنَةً فَيُولَدُ لَهُ وَلَدٌ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ الْوَلَدُ يَبْلُغُ اثْنَيْ عَشْرَ سَنَةً فَيُولَدُ لَهُ وَلَدٌ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَقَدْ صَارَ بِذَلِكَ جَدًّا، وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ فِيهَا تَعْلِيقُ الشَّرْطِ، وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ لَا يُوجِبُ الْعَدَمَ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ
стр. 2623
عَلَى أَصْلِنَا عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَالتَّفْرِيعُ لَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَيَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِهِمَا.
[بَيْع السَّفِيه]
وَإِذَا بَاعَ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَجَازَهُ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ عَاقِلٌ وَيَنْفُذُ فِيمَا يَضُرُّهُ كَالْإِعْتَاقِ، وَالطَّلَاقِ وَلَوْ بَاعَ قَبْلَ حَجْرِ الْقَاضِي عَلَيْهِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ لَيْسَ بِمَحْبُوسٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِالْعُيُونِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ وَذَلِكَ يُحْتَمَلُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلسَّفِيهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حِيلَةً عَنْهُ لِاسْتِجْلَابِ قُلُوبِ الْمُجَاهِدِينَ، فَإِذَا تَرَدَّدَ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِخِلَافِ الْجُنُونِ، وَالصِّغَرِ، وَالْعَتَهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْحَجْرِ السَّفَهُ وَقَدْ تَحَقَّقَ فِي الْحَالِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُوجِبُهُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ كَالصِّبَا، وَالْجُنُونِ، وَالْعَتَهِ بِخِلَافِ الْحَجْرِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لِحَقِّ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَلَبِهِمْ وَلَوْ قَضَى قَاضٍ فِي بَيْعِ سَفِيهٍ بِإِبْطَالٍ أَوْ إجَازَةٍ ثُمَّ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَا يَرَى مَا يَرَاهُ الْأَوَّلُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُجِيزَ الْقَضَاءَ الْأَوَّلَ، فَإِذَا أَبْطَلَهُ وَرَفَعَ إلَى ثَالِثٍ أُبْطِلَ قَضَاءُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْأَوَّلِ قَضَاءٌ فِيمَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَيَنْفُذُ قَضَاؤُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَيَصِيرُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَالثَّانِي قَضَاءٌ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ فَلَا يَنْفُذُ وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ قَضَى بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ وَقَضَى بِإِطْلَاقِهِ جَازَ قَضَاءُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْأَوَّلِ بِالْحَجْرِ كَانَ أَقْوَى.
وَإِذَا أَجَازَ الْقَاضِي بَيْعَ الْمُفْسِدِ وَلَمْ يَنْهَ الْمُشْتَرِيَ عَنْ دَفْعِ الثَّمَنِ عَلَيْهِ يَبْرَأُ الْمُشْتَرِي بِالدَّفْعِ إلَيْهِ، وَإِنْ نَهَاهُ فَدَفَعَ لَمْ يَبْرَأْ وَيَدْفَعُ الثَّمَنَ ثَانِيًا، وَإِذَا قَالَ الْمُشْتَرِي أَجَزْت بَيْعَهُ وَنَهَاهُ الْمُشْتَرِي عَنْ الدَّفْعِ إلَيْهِ فَدَفَعَ قَبْلَ الْعِلْمِ بَرِئَ وَبَعْدَ الْعِلْمِ لَا يَبْرَأُ كَالْوَكِيلِ إذَا عَزَلَهُ الْمُوَكِّلُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَجَازَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَدْفَعَ لَهُ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَأْذُونًا بِالدَّفْعِ، فَإِذَا دَفَعَ لَمْ يَبْرَأْ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَإِذَا أَذِنَ لَهُ الْقَاضِي أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ جَازَ بَيْعُهُ وَقَبْضُهُ بِخِلَافِ الْأَبِ إذَا أَذِنَ لَهُ لَا يَصِحُّ إذْنُهُ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ انْقَطَعَتْ وِلَايَتُهُ.
وَإِذَا بَاعَ بِمَا لَا يُتَغَابَنُ فِيهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ تَبَرُّعٌ وَبِمَا يُتَغَابَنُ فِيهِ يَجُوزُ فَلَوْ قَالَ الْقَاضِي لِأَهْلِ السُّوقِ أُجِيزُ مَا يَثْبُتُ مِنْهُ بِالْبَيِّنَةِ وَلَا أُجِيزُ مَا يَثْبُتُ مِنْهُ بِالْإِقْرَارِ يُعْمَلُ بِهَذَا التَّخْصِيصِ فِي حَقِّهِ وَلَوْ أَذِنَ لِلصَّبِيِّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْبِرِّ تَعَدَّى إلَى سَائِرِ التِّجَارَاتِ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ إنَّمَا يَصْلُحُ إذَا كَانَ مُفِيدًا أَوْ إنَّمَا يَكُونُ مُفِيدًا إذَا كَانَ يَحْصُلُ بِهِ صِيَانَةُ الْمَالِ وَبِهَذَا التَّخْصِيصِ لَا يَحْصُلُ، وَلَوْ قَالَ لِأَهْلِ السُّوقِ أَذِنْت لَهُ وَلَا أُجِيزُ مِنْ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ إلَّا مَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَلَا أُجِيزُ إقْرَارَهُ فَهُوَ كَمَا قَالَ فِي الصَّبِيِّ، وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ أُجِيزُ مَا أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَلَا أُجِيزُ إقْرَارَهُمَا يَلْزَمُهُمَا بِالْإِقْرَارِ كَالْبَيِّنَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُفْسِدَ فِي التَّخْصِيصِ يُفِيدُ صِيَانَةَ الْمَالِ فَكَانَ التَّخْصِيصُ مُفِيدًا وَفِي الصَّبِيِّ الْمُصْلِحِ، وَالْعَبْدِ الْمُصْلِحِ التَّخْصِيصُ غَيْرُ مُفِيدٍ؛ لِأَنَّهُمَا حَافِظَانِ لِمَالِهِمَا فَلَمْ يَقْدِرْ مُحِيطٌ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَيَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي النَّهْيِ فِي حَقِّهِ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ سَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ الْإِمَامِ لَا يَثْبُتُ حَتَّى يُخْبِرَهُ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ اهـ.
[بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ صَارَ سَفِيهًا]
وَإِذَا بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ صَارَ سَفِيهًا فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَإِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا عَتَقَ عِنْدَهُمَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَعْتِقُ. لَنَا أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ السَّفَهُ وَكُلَّ تَصَرُّفٍ يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ يُؤَثِّرُ السَّفَهُ فِيهِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ السَّفِيهَ إذَا حَنِثَ فِي يَمِينِهِ وَأَعْتَقَ رَقَبَةً لَا يُنْفِذُهُ الْقَاضِي وَكَذَا لَوْ نَذَرَ بِهَدْيٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَنْفُذْ فَهَذَا مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ وَقَدْ أَثَّرَ فِيهِ الْحَجْرُ بِالسَّفَهِ. وَالثَّانِي أَنَّ الْهَازِلَ إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَتَقَ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ سِعَايَةٌ، وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْحَجْرِ عَنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْإِتْلَافِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَنْفِيذِ الْكَفَّارَاتِ، وَالنَّذْرِ؛ لِأَنَّ فِي تَنْفِيذِهِمَا إضَاعَةَ الْمَقْصُودِ مِنْ الْحَجْرِ اهـ.
وَإِذَا نَفَذَ عِنْدَهُمَا فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَلَوْ جَوَّزَ فِي الظِّهَارِ نَفَذَ وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَخِيرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ لَيْسَ عَلَيْهِ سِعَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَعَى يَسْعَى لِمُعْتِقِهِ، وَالْمُعْتِقُ لَا يَلْزَمُهُ السِّعَايَةُ لِحَقِّ مُعْتَقِهِ بِحَالٍ مَا، وَإِنَّمَا تَلْزَمُهُ السِّعَايَةُ لِأَجْلِ الْغَيْرِ وَلَوْ دَبَّرَ جَازَ تَدْبِيرُهُ عِنْدَهُ إلَّا أَنَّ الْمُدَبَّرَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ مَا دَامَ الْمَوْلَى حَيًّا، فَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى وَلَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ الرُّشْدُ سَعَى فِي قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا، وَإِنْ جَاءَتْ جَارِيَتُهُ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَكَانَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ فِي إلْحَاقِهِ بِالْمُصْلِحِ فِي الِاسْتِيلَادِ تَوْفِيرًا لِلنَّظَرِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَيْهِ وَيَلْحَقُ هَذَا الْحُكْمُ بِالْمَرِيضِ الْمَدْيُونِ وَتَعْتِقُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ بِمَوْتِهِ وَلَا تَسْعَى وَلَا وَلَدُهَا فِي شَيْءٍ بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدَّعِيَ الْوَلَدَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ فَقَالَ الْمَحْجُورُ هَذِهِ أُمُّ وَلَدِي كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهَا، فَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى سَعَتْ فِي كُلِّ قِيمَتِهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ هَذِهِ أُمُّ وَلَدِي وَلَيْسَ
стр. 2624
مَعَهَا وَلَدٌ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ فَثُبُوتُ نَسَبِ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ؛ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ مَعَهَا.
وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً جَازَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ السَّفَهُ، فَإِذَا سَمَّى لَهَا مَهْرًا جَازَ مِنْهُ مِقْدَارُ مَهْرِ مِثْلِهَا وَبَطَلَ الْفَضْلُ، وَإِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ نِصْفُ مِقْدَارِ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ الْمُسَمَّى وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ أَوْ تَزَوَّجَ كُلَّ يَوْمٍ وَاحِدَةً وَطَلَّقَهَا.
وَفِي الْأَصْلِ وَلِلْأَبِ وَوَصِيِّهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِ السَّفِيهِ بِإِذْنِ الْقَاضِي وَفِي قَاضِي خان سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيّ عَنْ مَحْجُورٍ وُقِفَ عَلَيْهِ ضَيْعَةٌ فَقَالَ وَقْفُهُ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْقَاضِي وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ وَقْفُهُ، وَإِذَا أَذِنَ لَهُ الْقَاضِي اهـ.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ امْرَأَةٌ مُسْرِفَةٌ سَفِيهَةٌ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا عَلَى مَالٍ وَقَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا وَلَا يَلْزَمُهَا الْمَالُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ مَحْجُورٌ عَنْ الْمَالِ، وَإِذَا وَقَعَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ وَقَعَ بَائِنًا وَفِي الْمُنْتَقَى، وَإِذَا دَفَعَ الْوَصِيُّ إلَى الْوَارِثِ حِينَ أَدْرَكَ وَهُوَ فَاسِدٌ فَهُوَ جَائِزٌ وَهُوَ بَرِيءٌ عَنْ الضَّمَانِ.
[يُخْرِجُ الزَّكَاةَ عَنْ مَالِ السَّفِيهِ]
وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ عَنْ مَالِ السَّفِيهِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى وَلَدِهِ وَعَلَى زَوْجَتِهِ وَمَنْ تَجِبُ النَّفَقَةُ مِنْ ذَوِي أَرْحَامِهِ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ إحْيَاءَ وَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْإِنْفَاقُ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ حَقًّا لِقَرِيبِهِ، وَالسَّفَهُ لَا يُبْطِلُ حُقُوقَ النَّاسِ وَلَا حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ يَدْفَعُ إلَيْهِ قَدْرَ الزَّكَاةِ لِيُفَرِّقَهَا بِنَفْسِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْإِيتَاءُ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ وَهُوَ عِبَادَةٌ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِنِيَّتِهِ وَيَدْفَعُ الْقَاضِي مَعَهُ أَمِينًا كَيْ لَا يَصْرِفَهَا إلَى غَيْرِ الْمَصْرِفِ، وَيُسَلِّمُ الْقَاضِي النَّفَقَةَ إلَى أَمِينِهِ لِيَصْرِفَهَا إلَى مُسْتَحِقِّيهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى النِّيَّةِ فَاكْتُفِيَ فِيهَا بِفِعْلِ الْأَمِينِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ قَرِيبُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ إلَّا الْوَالِدُ، وَالْوَلَدُ، وَالزَّوْجُ، وَالْمَوْلَى وَكَذَا الْمَرْأَةُ فِي سِوَى الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ، وَالْمَوْلُودِينَ تَجِبُ بِالنَّسَبِ وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِيهِ وَنَفَقَةُ غَيْرِهِمْ تَجِبُ بِاعْتِبَارِ الْقَرَابَةِ، وَالْعُسْرِ، وَالْحَاجَةِ فَلَا يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ.
وَلَوْ حَلَفَ وَحَنِثَ أَوْ نَذَرَ نَذْرًا مِنْ هَدْيٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ وَغَيْرِهَا بِالصَّوْمِ، وَإِذَا أَرَادَ حُجَّةَ الْإِسْلَامِ لَا يُمْنَعُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا صُنْعٌ وَفِي الْفَرَائِضِ هُوَ مُلْحَقٌ بِالصُّلْحِ إذْ لَا تُهْمَةَ فِيهَا وَكَذَا الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِنْ اصْطَادَ فِي إحْرَامِهِ أَوْ حَلَقَ أَوْ فَعَلَ مَا يَجِبُ بِهِ الصَّوْمُ صَامَ وَلَمْ يَدْفَعْ فِيهِ مَالًا وَلَوْ رَأَى الْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ إذَا ابْتَلَى بِأَذًى فَحَلَقَ أَوْ لَبِسَ أَنْ يَذْبَحَ أَوْ يَتَصَدَّقَ عَنْهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَا يَفْعَلُهُ الْأَمِيرُ بِغَيْرِ إذْنِ الْقَاضِي، وَإِنْ تَطَيَّبَ فِي إحْرَامِهِ أَوْ فَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ الصَّوْمُ فَهَذَا لَازِمٌ وَلَا يُؤَدِّيهِ حَتَّى يَصْلُحَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ، وَالْعَبْدُ إذَا أَحْرَمَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ فَارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ كَانَ جَزَاؤُهُ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ يَصُومُ، وَإِنْ كَانَ بِالْمَالِ يَتَأَخَّرُ، وَالْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ لَا تُدْفَعُ إلَّا أَنْ يُصْلِحَ.
وَلَوْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ قَبْلَ الطَّوَافِ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ وَيَتَأَخَّرُ إلَى أَنْ يُصْلِحَ وَلَوْ قَضَى حَجَّةً إلَّا طَوَافَ الزِّيَارَةِ فَرَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يَطُفْ طَوَافَ الصَّدْرِ لَا يَمْنَعُ نَفَقَةَ الرُّجُوعِ لِلطَّوَافِ، وَإِنْ طَافَ جُنُبًا ثُمَّ رَجَعَ لَمْ تُدْفَعْ إلَيْهِ نَفَقَةُ الْعَوْدِ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ بِطَوَافِهِ جُنُبًا وَشَاةٌ لِطَوَافِ الصَّدْرِ، فَإِذَا حَضَرَ فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِسَبَبِ هَدْيٍ لِيَتَحَلَّلَ بِهِ كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ؛ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ وَلَوْ أَحْرَمَ بِحَجَّةِ تَطَوُّعٍ دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ مِقْدَارُ مَا لَوْ كَانَ فِي مَنْزِلِهِ وَيُقَالُ لَهُ: إنْ شِئْت فَاخْرُجْ مَاشِيًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي وَسَّعَ فِي النَّفَقَةِ فَقَالَ أَنَا أُكْرِيَ بِذَلِكَ الْفَضْلِ وَأُنْفِقُ عَلَى نَفْسِي فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إسْرَافٌ، وَإِذَا مَرِضَ يُزَادُ فِي نَفَقَتِهِ لِزِيَادَةِ الْحَاجَةِ وَلَوْ حُصِرَ فِي حَجَّةِ التَّطَوُّعِ لَا يُبْعَثُ بِهَدْيٍ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْقِرَانِ وَلَا مِنْ الْمُتْعَةِ أَرَادَ سَوْقَ هَدْيٍ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ فِي النَّفَقَةِ وَلَا يُسَلِّمُ الْقَاضِي النَّفَقَةَ إلَيْهِ بَلْ يُسَلِّمُهَا إلَى ثِقَةٍ لِيُنْفِقَهَا عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ كَيْ لَا يُبَذِّرَ وَيُسْرِفَ فِي النَّفَقَةِ.
[أَوْصَى السَّفِيه بِوَصَايَا فِي الْقُرَبِ وَأَبْوَابِ الْخَيْرِ]
وَإِنْ أَوْصَى بِوَصَايَا فِي الْقُرَبِ وَأَبْوَابِ الْخَيْرِ جَازَ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ يَعْنِي إذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَجُوزَ وَصِيَّتُهُ كَمَا لَا تَجُوزُ تَبَرُّعَاتُهُ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِمَعْنَى النَّظَرِ لَهُ لِكَيْ لَا يُتْلِفَ مَالَهُ وَيَبْقَى كَلًّا عَلَى غَيْرِهِ وَذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ لَا فِيمَا يَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ وَفَاتِهِ حَالَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ هَذَا إذَا كَانَ الْمُوصَى بِهِ مُوَافِقًا لِوَصَايَا أَهْلِ الْخَيْرِيَّةِ، وَالصَّلَاحِ نَحْوَ الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالْأَوْقَافِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَالْجُسُورِ وَأَمَّا إذَا أَوْصَى بِغَيْرِ الْقِرَبِ عِنْدَنَا لَا يَنْفُذُ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ إلَّا فِي أَرْبَعَةٍ أَحَدُهَا أَنَّ تَصَرُّفَ الْوَصِيِّ فِي مَالِ الصَّبِيِّ جَائِزٌ وَفِي مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بَاطِلٌ الثَّانِي إعْتَاقُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَتَدْبِيرُهُ وَطَلَاقُهُ وَنِكَاحُهُ جَائِزٌ وَمِنْ مَالِ الصَّبِيِّ لَا تَجُوزُ قَالَ فِي الْمُحِيطِ
стр. 2625
، وَإِذَا دَبَّرَ عَبْدَهُ صَحَّ وَلَا يَسْعَى فِي نُقْصَانِ التَّدْبِيرِ مَا دَامَ حَيًّا، وَإِذَا مَاتَ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا قَالَ مَشَايِخُنَا هَذَا إذَا كَانَ أَهْلُ الصَّلَاحِ يَعُدُّونَ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ إسْرَافًا، فَإِنْ كَانُوا لَا يَعُدُّونَهَا إسْرَافًا بَلْ مَعْهُودًا حَالًا يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ إذَا كَانَ يُخْرِجُ مِنْ الثُّلُثِ اهـ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَفِسْقٍ) يَعْنِي لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ فِسْقٍ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا بِسَفَهٍ وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِالْفِسْقِ كَالسَّفَهِ زَجْرًا لَهُ وَعُقُوبَةً لَهُ وَعِنْدَهُمَا الْحَجْرُ عَلَى السَّفِيهِ صِيَانَةٌ لِمَالِهِ، وَالْفَاسِقِ مُصْلِحٌ لِمَالِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] ؛ لِأَنَّ رُشْدًا نَكِرَةٌ فَتَعُمُّ فَتَتَنَاوَلُهُ الْآيَةُ إذْ الرُّشْدُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ الْمُرَادُ بِهِ الْإِصْلَاحُ فِي الْمَالِ لَا الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ، وَالْفِسْقُ الْأَصْلِيُّ، وَالطَّارِئُ سَوَاءٌ.
قَالَ ﵀ (وَغَفْلَةٍ) يَعْنِي لَا يُحْجَرُ عَلَى الْغَافِلِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ وَلَا يَقْصِدُهُ لَكِنْ لَا يَهْتَدِي إلَى التَّصَرُّفَاتِ الرَّابِحَةِ وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ يُحْجَرُ عَلَيْهِ كَالسَّفِيهِ صِيَانَةً لِمَالِهِ وَنَظَرًا لَهُ؛ لِأَنَّ «أَهْلَ مُنْقِذٍ طَلَبُوا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ الْحَجْرَ عَلَيْهِ فَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَشْرُوعٌ قُلْنَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُجِبْهُمْ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ «قُلْ لَا خِلَابَةَ» الْحَدِيثَ وَلَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لَأَجَابَهُمْ إلَيْهِ.
قَالَ ﵀ (وَدَيْنٍ، وَإِنْ طَلَبَ غُرَمَاؤُهُ) يَعْنِي لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ وَلَوْ طَلَبَ غُرَمَاؤُهُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ إهْدَارَ أَهْلِيَّتِهِ وَإِلْحَاقَهُ بِالْبَهَائِمِ وَذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ فَلَا يَجُوزُ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا الْفَتْوَى كَذَا فِي قَاضِي خان مِنْ بَابِ الْحِيطَانِ وَفِي الْكَافِي، وَالْكَلَامُ فِي الْحَجْرِ بِالدَّيْنِ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْكَبَهُ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِمَالِهِ أَوْ يَزِيدَ عَلَى أَمْوَالِهِ وَطَلَبَ الْغُرَمَاءُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَحْجُرَ فَيَحْجُرَ عَلَيْهِ وَيُمْنَعَ مِنْ الْبَيْعِ، وَالتَّصَرُّفِ، وَالْإِقْرَارِ حَتَّى لَا يَضُرَّ بِالْغُرَمَاءِ وَفِي النَّوَادِرِ مَسْأَلَةُ الْحَجْرِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ بِالْإِفْلَاسِ عِنْدَهُمَا يَتَحَقَّقُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَيُمْكِنُ الْقَاضِي الْقَضَاءَ بِالْإِفْلَاسِ وَفِي الْعِنَايَةِ، وَإِذَا قَضَى بِالْحَجْرِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ يَخْتَصُّ بِالْمَالِ الْمَوْجُودِ فِي الْحَالِ دُونَ مَا يَحْدُثُ مِنْ الْكَسْبِ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى لَوْ تَصَرَّفَ فِي الْحَادِثِ نَفَذَ، وَإِذَا صَحَّ الْحَجْرُ بِسَبَبِ الدَّيْنِ صَارَ حَالُ هَذَا الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَحَالِ مَرِيضٍ عَلَيْهِ دُيُونُ الصِّحَّةِ وَكُلُّ تَصَرُّفٍ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ فَالْحَجْرُ يُؤَثِّرُ فِيهِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ حَتَّى يَصِيرَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ.
وَفِي النَّوَادِرِ، وَإِذَا حُبِسَ الرَّجُلُ فِي الدَّيْنِ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُشْهِدَ أَنَّهُ قَدْ حُجِرَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ حَتَّى يَقْضِيَ دُيُونَهُ الَّتِي حُبِسَ فِيهَا قَالَ ﵀ (وَحُبِسَ لِيَبِيعَ مَالَهُ فِي دَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَالْمُمَاطَلَةُ ظُلْمٌ فَيَحْبِسُهُ الْحَاكِمُ دَفْعًا لِظُلْمِهِ وَإِيصَالًا لِلْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إكْرَاهًا عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْحَبْسِ الْحَمْلُ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا إذَا طَلَبَ غُرَمَاءُ الْمُفْلِسِ الْحَجْرَ عَلَيْهِ حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي وَبَاعَ مَالَهُ إنْ امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ وَقَسَمَ مَالَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَمَنَعَهُ مِنْ تَصَرُّفٍ يَضُرُّ بِالْغُرَمَاءِ كَالْإِقْرَارِ وَبَيْعِهِ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «مُعَاذًا رَكِبَهُ دَيْنٌ فَبَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَالَهُ وَقَسَمَ ثَمَنَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بِالْحِصَصِ» وَلِأَنَّ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ نَظَرًا لِلْغُرَمَاءِ لِئَلَّا يَلْحَقَهُمْ الضَّرَرُ بِالْإِقْرَارِ، وَالتَّلْجِئَةِ وَهُوَ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ إنْسَانٍ عَظِيمِ الْقَدْرِ لَا يُمْكِنُ الِانْتِزَاعُ مِنْهُ أَوْ بِالْإِقْرَارِ لَهُ ثُمَّ يَنْتَفِعَ بِهِ مِنْ جِهَتِهِ عَلَى مَا كَانَ وَلِأَنَّ الْبَيْعَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِإِيفَاءِ دَيْنِهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَا يُؤَجِّرُهُ لِيَقْضِيَ مِنْ أُجْرَتِهِ دَيْنَهُ أَوْ كَانَتْ امْرَأَةً لَا يُزَوِّجُهَا لِيَقْضِيَ دَيْنَهَا مِنْ مَهْرِهَا وَتُحْبَسُ لِيُقْضَى الدَّيْنُ مِنْ مَهْرِهَا أَوْ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا اهـ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ مَالُهُ دَرَاهِمَ وَدَيْنُهُ دَرَاهِمَ قُضِيَ بِلَا أَمْرِهِ) وَكَذَا إذَا كَانَ كِلَاهُمَا دَنَانِيرَ؛ لِأَنَّ لِلدَّائِنِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِيَدِهِ إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ فَكَانَ الْقَاضِي مُعِينًا لَهُ قَالَ ﵀ (وَلَوْ مَالُهُ دَرَاهِمَ وَلَهُ دَنَانِيرُ أَوْ بِالْعَكْسِ بِيعَ مِنْ دَيْنِهِ) وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ فَاسْتِحْسَانٌ بِهِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْقَاضِي بَيْعُهُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَصَارَ كَالْعُرُوضِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُمَا يَتَّحِدَانِ جِنْسًا فِي الثَّمَنِيَّةِ، وَالْمَالِيَّةِ وَلِذَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ يَخْتَلِفَانِ فِي الصُّوَرِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ وَأَمَّا حُكْمًا فَلِأَنَّهُ لَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا رِبَا الْفَضْلِ لِاخْتِلَافِهِمَا فَبِالنَّظَرِ إلَى الِاتِّحَادِ يَثْبُتُ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ وَبِالنَّظَرِ إلَى الِاخْتِلَافِ يَسْكُتُ عَنْ الدَّائِنِ فَلَهُ الْأَخْذُ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ.
قَالَ ﵀ (وَلَمْ يَبِعْ عَرْضَهُ وَعَقَارَهُ) وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ صَادِقٌ بِحَالِ الْحَيَاةِ، وَالْمَوْتِ
стр. 2626
قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ وَيَبِيعُ الْقَاضِي عَرْضَهُ وَعَقَارَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِالْإِجْمَاعِ وَعِنْدَهُمَا يَبِيعُ الْقَاضِي ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ فَعِنْدَهُمَا يَبْدَأُ الْقَاضِي بِبَيْعِ النُّقُودِ؛ لِأَنَّهَا مُفِيدَةٌ لِلتَّقْلِيبِ وَلَا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بِيعَ الْعُرُوض فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مُفِيدَةٌ لِلتَّقْلِيبِ، وَالِاسْتِرْبَاحِ، فَإِنْ لَمْ يَفِ ثَمَنُهَا بِالدَّيْنِ بِيعَ الْعَقَارُ؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ مُفِيدٌ لِلنَّفْيِ عَادَةً فَلَا يَبِيعُهُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَهُمَا وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عِنْدَهُمَا يَبْدَأُ الْقَاضِي بِبَيْعِ مَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّوَى مِنْ عُرُوضِهِ ثُمَّ مَا لَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ مِنْهُ ثُمَّ يَبِيعُ الْعَقَارَ وَيَتْرُكُ عَلَيْهِ دَسْتُ ثِيَابٍ مِنْ ثِيَابِ بَدَنِهِ وَيَبِيعُ الْبَاقِيَ؛ لِأَنَّهُ بِهِ كِفَايَةٌ وَقِيلَ يَتْرُكُ دَسْتَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا غَسَلَ ثِيَابَهُ لَا بُدَّ مِنْ ثِيَابٍ يَلْبَسُهَا قَالُوا إذَا كَانَ لِلْمَدْيُونِ ثِيَابٌ يَلْبَسُهَا وَيَكْتَفِي بِدُونِهَا يَبِيعُ ثِيَابَهُ وَيَقْضِي الدَّيْنَ بِبَعْضِ ثَمَنِهَا وَيَشْتَرِي بِمَا بَقِيَ ثَوْبًا يَلْبَسُهُ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ فَرْضٌ عَلَيْهِ فَكَانَ أَوْلَى مِنْ التَّجَمُّلِ وَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَجْتَزِيَ بِدُونِ ذَلِكَ يَبِيعُ ذَلِكَ الْمَسْكَنَ وَيُوفِي بِبَعْضِ ثَمَنِهِ الدَّيْنَ وَيَشْتَرِي بِالْبَاقِي مَسْكَنًا يَسْكُنُ فِيهِ وَعَنْ هَذَا قَالَ مَشَايِخُنَا يَبِيعُ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْحَالِ حَتَّى يَبِيعَ اللَّبَدَ فِي الصَّيْفِ، وَالنَّطْعَ فِي الشِّتَاءِ.
[أَقَرَّ الْمَدْيُون فِي حَالِ حَجْرِهِ بِمَالٍ]
وَإِنْ أَقَرَّ فِي حَالِ حَجْرِهِ بِمَالِ لَزِمَهُ ذَلِكَ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَهْلَكَ مَالًا لِغَيْرِهِ وَحَيْثُ يُزَاحِمُ صَاحِبُ الْمَالِ الْمُسْتَهْلِكُ أَرْبَابَ الدُّيُونِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ وَهُوَ مُشَاهَدٌ وَلِذَا لَوْ قُلْنَا لَوْ كَانَ سَبَبُ وُجُوبِ الدَّيْنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ ثَانِيًا عِنْدَ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ أَوْ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ شَارَكَ الْغُرَمَاءَ وَلَوْ اسْتَفَادَ مَالًا آخَرَ بَعْدَ الْحَجْرِ نَفَذَ إقْرَارُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ تَعَلَّقَ بِالْمَالِ الْمَوْجُودِ وَقْتَ الْحَجْرِ دُونَ الْحَادِثِ وَيُنْفِقُ عَلَى الْمَحْجُورِ وَعَلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَذَوِي أَرْحَامِهِ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُ الْأَصْلِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ الْغُرَمَاءِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا غَابَ الزَّوْجُ وَطَلَبَتْ زَوْجَتُهُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَبِيعَ يَبِيعُ الْقَاضِي عِنْدَهُمَا.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ حَجَرَ الْقَاضِي عَلَى رَجُلٍ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ مُخْتَلِفَةٌ فَقَضَى الْمَحْجُورُ دَيْنَ الْبَعْضِ يُشَارِكُهُ الْبَاقُونَ فِي ذَلِكَ وَيُقْسَمُ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ الْمَحْجُورُ أَسْرَفَ فِي الطَّعَامِ، وَالْكُسْوَةِ أَمَرَهُ الْقَاضِي أَنْ يُنْفِقَ بِالْمَعْرُوفِ.
وَفِي الْيَنَابِيعِ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَزَادَ فِي مَهْرِ مِثْلِهَا جَازَ فِي مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا بَاعَ الْقَاضِي مَالَ الْمَدْيُونِ أَوْ أَمِينِهِ بِالدَّيْنِ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ وَضَاعَ الثَّمَنُ أَوْ اُسْتُحِقَّ الْعَيْنُ الْمُعَيَّنَةُ فَالْعُهْدَةُ عَلَى مَنْ بَاعَ لِأَجْلِهِ لَا عَلَى الْقَاضِي وَأَمِينِهِ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَإِفْلَاسٍ) يَعْنِي لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْإِفْلَاسِ بَلْ يُحْبَسُ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ أَخْرَجَهُ مِنْ الْحَبْسِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَبْسَ وَمَا يُحْبَسُ فِيهِ مِنْ الدُّيُونِ وَكَيْفِيَّةَ الْحَبْسِ وَقَدْرَهُ وَبِدَيْنِ مَنْ يُحْبَسُ، وَالْمُلَازَمَةَ وَصِفَتَهَا فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ، وَإِذَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْحَبْسِ لَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُرَمَائِهِ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ بَلْ يُلَازِمُونَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ ﵊ «لِصَاحِبِ الْحَقِّ الْيَدُ، وَاللِّسَانُ» أَرَادَ بِالْيَدِ الْمُلَازَمَةَ وَبِاللِّسَانِ التَّقَاضِي وَيَأْخُذُونَ فَضْلَ كَسْبِهِ وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ لِاسْتِوَاءِ حُقُوقِهِمْ فِي الْقُوَّةِ وَلَوْ قُدِّمَ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ فِي الْقَضَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ لِأَحَدٍ حَقٌّ فِي مَالِهِ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي ذِمَّتِهِ فَلَهُ أَنْ يُؤْثِرَ مَنْ يَشَاءُ مِنْ غُرَمَائِهِ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إذَا فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُرَمَائِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ مَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وَقَدْ ثَبَتَ عُسْرَتُهُ فَوَجَبَ انْتِظَارُهُ وَفِي الْهِدَايَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْبِسَهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ يَتَّخِذَ حَبْسَهُ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِرَبِّ الدَّيْنِ أَنْ يُلْزِمَ مَدْيُونَهُ الْمُعْسِرَ حَيْثُ أَحَبَّ، وَإِنْ كَانَ الْمَلْزُومُ لَا مَعِيشَةَ لَهُ إلَّا مِنْ يَدِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الذَّهَابِ، وَالْمَجِيءِ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَفْلَسَ مُبْتَاعُ عَيْنٍ فَبَائِعُهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ) يَعْنِي لَوْ اشْتَرَى مَتَاعًا فَأَفْلَسَ، وَالْمَتَاعُ فِي يَدِهِ فَاَلَّذِي بَاعَهُ الْمَتَاعَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيهِ مُرَادُهُ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي الْمَتَاعَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَحْبِسَ الْمَتَاعَ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ وَكَذَا إذَا قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ وَيَحْبِسَهُ بِالثَّمَنِ وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ لِلْبَائِعِ فَسْخُ الْعَقْدِ وَأَخْذُ مَتَاعِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ لِمَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ ﵊ «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَفْلَسَ أَوْ عِنْدَ إنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِ إحْدَى بَدَلَيْ الْعَقْدِ وَهُوَ الثَّمَنُ فَيَثْبُتُ لِلْبَائِعِ حَقُّ الْفَسْخِ كَمَا إذَا عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ، وَإِنَّمَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فَاسْتُحِقَّ النَّظَرُ إلَى الْمَيْسَرَةِ بِالْآيَةِ فَلَيْسَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ قَبْلَهَا وَلَا فَسْخَ
стр. 2627
بِدُونِ الْمُطَالَبَةِ بِالثَّمَنِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ صَارَ مُؤَجَّلًا إلَى الْمَيْسَرَةِ بِتَأْجِيلِ الشَّارِعِ وَبِالْعَجْزِ عَنْ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ مِنْ الْمُتَعَاقِدِينَ لَا يَجِبُ لَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ فَكَيْف يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي تَأْجِيلِ الشَّارِعِ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ تَأْجِيلِهِمَا.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ مَنْ وُجِدَ مَالُهُ وَهَذَا مَالُ الْمُشْتَرِي لَا مَالُ الْبَائِعِ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً أَنْ لَوْ قَالَ فَأَصَابَ رَجُلٌ عَيْنَ مَالٍ قَدْ كَانَ بَاعَهُ مِنْ الَّذِي وَجَدَهُ فِي يَدِهِ وَلَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ كُلِّ الْغُرَمَاءِ وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّهُ ﵊ «قَالَ مَنْ سُرِقَ مَالُهُ أَوْ ضَاعَ لَهُ مَتَاعٌ فَوَجَدَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ» رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَقَوْلُهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ قُلْنَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْمِلْكِ وَهُوَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يُفِيدُ التَّسْوِيَةَ فِي الْقَبْضِ فَقَدْ بَطَلَ ذَلِكَ بِالتَّأْجِيلِ إلَى الْمَيْسَرَةِ وَلَوْ قَالَ وَلَوْ تَسَلَّمَ مَتَاعًا بِإِذْنِ بَائِعِهِ إلَى آخِرِهِ كَانَ أَوْلَى وَلِإِفَادَةِ شَرْطِ التَّسْلِيمِ، وَالْإِذْنِ فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي حَدِّ الْبُلُوغِ]
(فَصْلٌ فِي حَدِّ الْبُلُوغِ) الْبُلُوغُ فِي اللُّغَةِ الْوُصُولُ وَفِي الِاصْطِلَاحِ انْتِهَاءُ حَدِّ الصِّغَرِ وَلَمَّا كَانَ الصِّغَرُ أَحَدَ أَسْبَابِ الْحَجْرِ وَجَبَ بَيَانُ النِّهَايَةِ بِهَذَا الْفَصْلِ قَالَ ﵀ (بُلُوغُ الْغُلَامِ بِالِاحْتِلَامِ، وَالْإِحْبَالِ، وَالْإِنْزَالِ وَإِلَّا فَحَتَّى يَتِمَّ لَهُ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ سَنَةً) الْحُلْمُ بِالضَّمِّ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ أَمَّا الِاحْتِلَامُ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ حَفِظْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْحَبَلُ، وَالْإِحْبَالُ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الْإِنْزَالِ وَأَمَّا السِّنُّ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ قَالَ عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي وَعُرِضْت عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي» فَالظَّاهِرُ أَنَّ عَدَمَ الْإِجَازَةِ لِعَدَمِ الْبُلُوغِ، وَالْإِجَازَةُ لِلْبُلُوغِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَنْ الْإِمَامِ فِي الْغُلَامِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً قِيلَ الْمُرَادُ أَنْ يَطْعَنَ فِي التَّاسِعَ عَشْرَةَ فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتِمُّ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ سَنَةً وَإِلَّا وَيَطْعَنُ فِي التَّاسِعَ عَشْرَةَ وَقِيلَ فِيهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَلَمَّا كَانَ الذَّكَرُ أَشْرَفَ قُدِّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
قَالَ ﵀ (وَالْجَارِيَةُ بِالْحَيْضِ، وَالِاحْتِلَامِ، وَالْحَبَلِ وَإِلَّا فَحَتَّى يَتِمَّ لَهَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً) أَمَّا الْحَيْضُ فَلِأَنَّهُ يَكُونُ فِي أَوَانِ الْحَبَلِ عَادَةً فَجُعِلَ ذَلِكَ عَلَامَةَ الْبُلُوغِ وَأَمَّا الْحَبَلُ فَلِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْإِنْزَالِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُخْلَقُ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ غَيْرَ أَنَّ النِّسَاءَ نَشْؤُهُنَّ وَإِدْرَاكُهُنَّ أَسْرَعُ فَزِدْنَا سَنَةً فِي حَقِّ الْغُلَامِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعِ الَّتِي مِنْهَا مَا يُوَافِقُ الْمِزَاجَ لَا مَحَالَةَ فَيَقْوَى فِيهِ قَالَ ﵀ (وَيُفْتَى بِالْبُلُوغِ فِيهِمَا بَخَمْسَةَ عَشْرَ سَنَةً) عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى الشَّرْحِ قَالَ ﵀ (وَأَدْنَى الْمُدَّةِ فِي حَقِّهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً وَفِي حَقِّهَا تِسْعُ سِنِينَ) يَعْنِي لَوْ ادَّعَيَا الْبُلُوغَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ تُقْبَلُ مِنْهُمَا وَلَا تُقْبَلُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَكْذِيبُهُ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ ثُمَّ قِيلَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ بِالْبُلُوغِ إذَا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَكْثَرَ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَدْنَى الْمُدَّةِ وَهَذِهِ الْمُدَّةُ مَذْكُورَةٌ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا وَلَا يُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا أَوْ بِالتَّتَبُّعِ قَالَ ﵀ (فَإِنْ رَاهَقَا وَقَالَا قَدْ بَلَغْنَا صُدِّقَا وَأَحْكَامُهُمَا أَحْكَامُ الْبَالِغِينَ) يُقَالُ رَهِقَ مِنْ كَذَا أَيْ دَنَا مِنْهُ وَصَبِيٌّ مُرَاهِقٌ دَنَا مِنْ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِمَا فَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُهُمَا كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي الْحَيْضِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْمَأْذُونِ]
(كِتَابُ الْمَأْذُونِ) تَأْخِيرُ كِتَابِ الْمَأْذُونِ عُقَيْبَ كِتَابِ الْحَجْرِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يَقْتَضِي سَبْقَ الْحَجْرِ وَلَمَّا تَرَتَّبَ وُجُودًا تَرَتَّبَ أَيْضًا ذِكْرًا لِلتَّنَاسُبِ، وَالْكَلَامُ هُنَا مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ فِي مَعْنَاهُ لُغَةً الثَّانِي فِي دَلِيلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ الثَّالِثُ فِي سَبَبِهِ الرَّابِعُ فِي رُكْنِهِ الْخَامِسُ فِي شَرْطِهِ السَّادِسُ فِي تَفْسِيرِهِ السَّابِعُ فِي حُكْمِهِ أَمَّا مَعْنَاهُ لُغَةً قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي مَبْسُوطِهِ الْإِذْنُ هُوَ الْإِطْلَاقُ لُغَةً؛ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْحَجْرِ وَهُوَ الْمَنْعُ فَكَانَ إطْلَاقًا عَنْ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ كَانَ. اهـ.
وَفِي النِّهَايَةِ أَمَّا اللُّغَةُ فَالْإِذْنُ فِي الشَّيْءِ رَفْعُ الْمَانِعِ لِمَنْ هُوَ مَحْجُورٌ عَنْهُ وَإِعْلَامٌ بِإِطْلَاقِهِ فِيمَا حَجَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الشَّيْءِ إذْنًا وَأَبْعَدَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَالْإِذْنُ فِي اللُّغَةِ الْإِعْلَامُ وَمِنْهُ الْأَذَانُ وَهُوَ الْإِعْلَامُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مِنْ أَذِنَ فِي كَذَا إذَا أَبَاحَهُ وَأَذَانُ مَنْ أَذِنَ بِكَذَا إذَا أَعْلَمَ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ
стр. 2628
وَأَمَّا دَلِيلُ الْمَشْرُوعِيَّةِ فَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤] وَإِذْنُ الصَّبِيِّ، وَالْعَبْدِ فِي التِّجَارَةِ ابْتِغَاءٌ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَمَّا سَبَبُ الْمَشْرُوعِيَّةِ فَهُوَ الْحَاجَةُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ لَا يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ بِنَفْسِهِ لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالْعَبْدِ، وَالصَّغِيرِ وَأَمَّا رُكْنُهُ فَقَوْلُ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ أَذِنْت لَك فِي هَذَا وَأَمَّا شَرَائِطُهُ فَفِي الْمُحِيطِ شَرَائِطُ جَوَازِهِ فَوِلَايَةُ الْإِذْنِ عَلَى الْمَأْذُونِ حَجْرًا وَإِطْلَاقًا مَنْعًا وَإِسْقَاطًا وَكَوْنُ الْمَأْذُونِ عَاقِلًا مُمَيِّزًا عَالِمًا عَارِفًا بِمَا يُؤْذَنُ لَهُ وَأَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ بِالْإِذْنِ وَفِي السِّغْنَاقِيِّ دَخَلَ فِي قَوْلِنَا مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ الْمُكَاتَبُ، وَالْمَأْذُونُ، وَالْمُضَارِبُ، وَالشَّرِيكُ مُفَاوَضَةً، وَالْأَبُ، وَالْجَدُّ، وَالْقَاضِي، وَالْوَلِيُّ اهـ.
وَأَمَّا حُكْمُهُ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ فَمِلْكُ الْمَأْذُونِ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ قُبَيْلِ التِّجَارَةِ وَتَوَابِعِهَا وَعَدَمُ مِلْكِهِ مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَعَزَاهُ إلَى التُّحْفَةِ وَأَبْعَدَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ حَيْثُ قَالَا وَأَمَّا حُكْمُهُ فَهُوَ تَفْسِيرُهُ الشَّرْعِيُّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ مَا يَثْبُتُ بِهِ وَلَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي مُسْكَةٍ أَنَّ مَا يَثْبُتُ بِالشَّيْءِ وَيَصِيرُ أَثَرًا مُرَتَّبًا عَلَيْهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ مَحْمُولًا عَلَيْهِ بِالْمُوَاطَأَةِ وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ شَرْعًا فَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ قَالَ ﵀ (هُوَ فَكُّ الْحَجْرِ وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ) ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ بَعْدَ الرِّقِّ؛ لِأَنَّ رُكْنَ التَّصَرُّفِ كَلَامٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا مِنْ مُمَيِّزٍ وَمَحَلُّ التَّصَرُّفِ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ لِالْتِزَامِ الْحُقُوقِ وَهُمَا لَا يَقُومَانِ بِالرِّقِّ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ كَرَامَاتِ الْبَشَرِ إلَّا أَنَّهُ حَجْرٌ عَلَيْهِ عَنْ التَّصَرُّفِ لِحَقِّ الْمَوْلَى لِئَلَّا يَبْطُلَ حَقُّهُ بِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ لِضَعْفِ ذِمَّةِ الرَّقِيقِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ فَكَانَ مُتَصَرِّفًا بِأَهْلِيَّتِهِ الْأَصْلِيَّةِ وَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْعُهْدَةِ أُطْلِقَ فِي فَكِّ الْحَجْرِ فَشَمِلَ الْكُلَّ، وَالْبَعْضَ.
وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَإِذَا أَذِنَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ جَازَ فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةً وَلَيْسَ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ أَنْ يُبْطِلَ الْإِذْنَ وَمَا لَحِقَهُ مِنْ دَيْنِ التِّجَارَةِ فَهُوَ عَلَى نَصِيبِهِ خَاصَّةً وَلَوْ لَحِقَهُ دَيْنُ التِّجَارَةِ وَفِي يَدِهِ مَالُ التِّجَارَةِ قَضَى مِنْ ذَلِكَ دَيْنَهُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ وَلَوْ وَهَبَ لَهُ أَوْ اكْتَسَبَ قَبْلَ الْإِذْنِ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَوْ بَعْدَ الْإِذْنِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْكَسْبِ الَّذِي فِي يَدِهِ فَقَالَ الْآذِنُ وَالْعَبْدُ: إنَّهُ اسْتَفَادَهُ بِالتِّجَارَةِ وَقَالَ السَّاكِتُ إنَّهُ اسْتَفَادَهُ بِالْهِبَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآذِنِ، وَالْعَبْدِ وَيَصْرِفُهُ فِي دَيْنِهِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الْكَاسِبُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِحَالِ كَسْبِهِ وَلَوْ اسْتَهْلَكَ مَالًا كَانَ عَلَيْهِمَا إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْمُعَايَنَةِ وَيَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ رَقَبَتِهِ وَلَوْ أَقَرَّ بِاسْتِهْلَاكِ مَا كَانَ عَلَى الْآذِنِ خَاصَّةً وَلَوْ أَذِنَ رَجُلٌ بِنِصْفِ عَبْدِهِ كَانَ مَأْذُونًا فِي كُلِّهِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَا يَتَجَزَّأُ وَلَوْ أَذِنَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ ثُمَّ اشْتَرَى نَصِيبَ الْآخَرِ فَتَصَرَّفَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَالدَّيْنُ كُلُّهُ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَلَوْ عَلِمَ بِتَصَرُّفِهِ فَفِي جَمِيعِ الرَّقَبَةِ وَلَوْ أَذِنَ لِعَبْدٍ لَا يَمْلِكُهُ ثُمَّ مَلَكَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مَأْذُونًا وَلَوْ أَخْبَرَ شَرِيكُهُ أَهْلَ السُّوقِ أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِإِذْنِ شَرِيكِهِ ثُمَّ رَأَى الْعَبْدَ يَتَصَرَّفُ لَمْ يَصِرْ مَأْذُونًا اسْتِحْسَانًا قَالَ أَحَدُهُمَا لِشَرِيكِهِ ائْذَنْ لِنَصِيبِك فَأَذِنَ لَهُ فَهُوَ مَأْذُونٌ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لِصَاحِبِهِ ائْذَنْ لِجَمِيعِ الْعَبْدِ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ إسْقَاطُ الْحَقِّ وَهُوَ حَقُّ الْمَوْلَى فِي مَالِيَّةِ الْكَسْبِ، وَالرَّقَبَةِ، فَإِنَّهُ مُمْتَنِعٌ تَعَلُّقُ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِمَا صَوْنًا لِحَقِّ الْمَوْلَى وَبِالْإِذْنِ أُسْقِطَ حَقُّهُ.
قَالَ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ، وَالْإِيضَاحِ الْمُرَادُ بِالْحَقِّ هَاهُنَا حَقُّ الْمَنْعِ فَلَا يُنَافِي كَوْنَهُ حَقَّ الْمَوْلَى بَلْ يَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَنْعِ التَّعَلُّقُ بِالْعَبْدِ وَهُوَ حَقُّ الْمَوْلَى لَا حَقُّ غَيْرِهِ، فَإِنَّ مَعْنَى حَقِّ الْمَنْعِ هُوَ مَنْعُ التَّصَرُّفِ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةً وَمَعْنَى حَقِّ الْمَوْلَى هُوَ حَقٌّ لِلْمَوْلَى عَلَى أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ بِمَعْنَى اللَّامِ وَبَيَانُ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ مَنْعُ الْعَبْدِ عَنْ التَّصَرُّفِ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمَوْلَى لَا لِغَيْرِهِ فَكَانَ حَقًّا لَهُ قَطْعًا وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى لَا يَسْقُطُ بِالْإِذْنِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهِ أَصْلًا مَمْنُوعٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا إذَا لَمْ يُحَطَّ الدَّيْنُ بِمَا فِي يَدِهِ وَرَقَبَتِهِ فَمُسَلَّمٌ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا يُجْدِي نَفْعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِسْقَاطِ إسْقَاطًا بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ الْمُرَادُ إسْقَاطُهُ فِي الْجُمْلَةِ وَأَمَّا اخْتِصَاصُ حَقِّ الْمَوْلَى بِإِذْنِ الْعَبْدِ فَلَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ فِي كِتَابِ الْمَأْذُونِ بَيَانُ إذْنِ الْعَبْدِ وَأَمَّا بَيَانُ إذْنِ الصَّبِيِّ فَعَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَدَارُ مَا ذُكِرَ فِي تَفْسِيرِ الْمَأْذُونِ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ فِي كِتَابِ الْمَأْذُونِ وَهُوَ إذْنُ الْعَبْدِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنْ أُرِيدَ إسْقَاطُ الْحَقِّ بِجُمْلَتِهِ وَفَكُّ الْحَجْرِ بِرَقَبَتِهِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ تَصِحُّ هِبَتُهُ وَإِقْرَاضُهُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ التَّبَرُّعَاتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ إسْقَاطٌ وَفَكٌّ فِي الْجُمْلَةِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ لَكِنْ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْمُدَّعَى إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إسْقَاطٌ وَفَكٌّ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ حَتَّى يَكُونَ مَأْذُونًا فِي جَمِيعِهَا قِيلَ الْمُرَادُ إسْقَاطٌ وَفَكٌّ فِي بَعْضٍ مُعَيَّنٍ
стр. 2629
مِنْ التَّصَرُّفَاتِ فَلَا يُرَدُّ النَّقْضُ بِالتَّبَرُّعَاتِ فَلَوْ قَالَ فَكُّ الْحَجْرِ وَمَنْعُ إسْقَاطٍ فِي نَوْعٍ لَكَانَ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ قَالَ ﵀ (فَلَا يَتَوَقَّفُ وَلَا يُتَخَصَّصُ) يَعْنِي لَا يَتَوَقَّفُ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان وَلَا يَتَخَصَّصُ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِيرِهِ وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَزُفَرُ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَوْكِيلٍ، وَإِنَابَةٍ فَيَنْفُذُ عِنْدَهُمَا وَيَتَخَصَّصُ وَعِنْدَنَا يَتَصَرَّفُ بِأَهْلِيَّةِ نَفْسِهِ وَحَقُّ الْمَوْلَى قَدْ أَسْقَطَهُ، وَالسَّاقِطُ لَا يَعُودُ كَمَا إذَا رَضِيَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يُؤَجِّرَ عَبْدَهُ مِنْ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالْإِسْقَاطُ لَا يَقْبَلُ التَّقْيِيدَ دُونَ غَيْرِهِ كَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ وَلَوْ أَسْلَمَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ إلَى الْمُشْتَرِي قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ عَلَى أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ نَوْعًا مِنْ التَّصَرُّفِ دُونَ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ تَقْيِيدُهُ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِ فَلَا يُقْبَلُ التَّقْيِيدُ بِخِلَافِ إذْنِ الْقَاضِي، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ ذَكَرَهُ قَاضِي خان فِي فَتَاوَاهُ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَفِي الْمُحِيطِ يَجُوزُ الْإِذْنُ لِلصَّبِيِّ الْعَاقِلِ فِي التِّجَارَةِ مِنْ الْأَبِ، وَالْقَاضِي وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ كَالْعَبْدِ لَا يُقَالُ لَوْ كَانَ إسْقَاطًا لِمَا مَلَكَهُ بِهِبَةٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ بِإِسْقَاطٍ فِي حَقِّ مَا لَمْ يُوجَدْ فَيَكُونُ النَّهْيُ امْتِنَاعًا فِيمَا لَمْ يُوجَدْ لَا يُقَالُ هُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِحُكْمِ التَّصَرُّفِ وَهُوَ الْمِلْكُ فَكَيْفَ يَكُونُ أَهْلًا لِنَفْسِ التَّصَرُّفِ، وَالسَّبَبُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لِذَاتِهِ بَلْ لِحِكْمَةٍ، فَإِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ حُكْمُهُ لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا كَطَلَاقِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ حُكْمُهُ مِلْكُ الْيَدِ وَهُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ كَالْمُكَاتَبِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ.
وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ كَوْنَهُ إسْقَاطًا عِنْدَنَا بِقَوْلِهِ وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ التَّأْقِيتُ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ فَكُّ الْحَجْرِ وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ مَذْكُورٌ فِي حَيِّزِ التَّعْرِيفِ فَكَيْفَ جَازَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ حُكْمَهُ الشَّرْعِيَّ هُوَ تَعْرِيفُهُ فَكَانَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ لَيْسَ بِاسْتِدْلَالٍ، وَإِنَّمَا هُوَ الصَّحِيحُ لِلنَّقْلِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَنَا تُعْرَفُ بِذَلِكَ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ. الثَّانِي: أَنَّ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ حُكْمًا لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ تَعْرِيفًا قَالَ فِي الْمُحِيطِ فَيَبِيعُ مِنْ الْمَوْلَى وَيَشْتَرِي مِنْهُ وَيُطَالِبُهُ بِإِيفَاءِ الثَّمَنِ عَلَى وَجْهٍ لَوْ امْتَنَعَ يُحْبَسُ وَلَوْ قَالَ أَذِنْت لَك فِي الْخِيَاطَةِ أَوْ الصِّبَاغَةِ أَوْ فِي عَمَلٍ آخَرَ فَهُوَ مَأْذُونٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ مَا لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ اتَّجِرْ فِي الْبَرِّ وَلَا تَتَّجِرْ فِي الْبَحْرِ لَا يَصِحُّ نَهْيُهُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ فَلَا تَخْصِيصَ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ أَنَّهُ لَا يُتَخَصَّصُ بِذَلِكَ أَطْلَقَهُ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِنَوْعٍ فَهُوَ يُسَلَّمُ لَكِنْ لَا يُجْدِي طَائِلًا؛ لِأَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ صُورَةَ التَّقَيُّدِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَتَخَصَّصُ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ، وَإِنْ قَيَّدَهُ بِذَلِكَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ كَيْفَ وَهَذَا يَتَوَقَّفُ تَمَامُهُ عَلَى أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْإِذْنُ فِي نَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ إذْنًا فِي جَمِيعِهَا فَيُؤَدِّي إلَى الْمُصَادَرَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَنُوقِضَ بِالْإِذْنِ فِي النِّكَاحِ رِعَايَةُ الْحَجْرِ وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ.
وَإِذَا أُذِنَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فُلَانَةَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا وَأُجِيبَ أَنَّ النِّكَاحَ تَصَرُّفٌ مَمْلُوكٌ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِوَلِيٍّ، وَالرِّقُّ أَخْرَجَ الْعَبْدَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ فَلَأَنْ يُجِيزَهُ الْمَوْلَى عَلَى النِّكَاحِ مُخَصَّصٌ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَالْإِذْنُ عَلَى نَوْعَيْنِ عَامٍّ وَخَاصٍّ فَالْعَامُّ أَنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ أَذِنْت لَك فِي التِّجَارَةِ أَوْ قَالَ اتَّجِرْ وَلَوْ قَالَ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا وَأَنْتَ حُرٌّ يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ وَكَذَا لَوْ قَالَ اكْتَسِبْ وَأَدِّ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ أَدِّ أَلْفًا وَأَنْتَ حُرٌّ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا قَالَ إنْ أَدَّيْت أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ؛ لِأَنَّ جَوَابَ الْأَمْرِ بِالْوَاوِ كَالْفَاءِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَدِّ أَلْفًا أَنْتَ حُرٌّ وَلَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْعَبْدُ بِالْإِذْنِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ فَتَصَرَّفَ ثُمَّ عَلِمَ لَمْ يَجُزْ لِعَدَمِ عِلْمِهِ وَلَوْ قَالَ لِقَوْمٍ بَايِعُوهُ فَبَايَعُوهُ وَلَمْ يَعْلَمْ الْعَبْدُ بِذَلِكَ فَهُوَ مَأْذُونٌ وَذُكِرَ فِي الزِّيَادَاتِ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ بِعْ عَبْدَك هَذَا مِنْ ابْنِي الصَّغِيرِ فَبَاعَهُ مِنْهُ وَقَبِلَ الِابْنُ إنْ عَلِمَ بِأَمْرِ الْأَبِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْإِذْنِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ إذْنَ الصَّبِيِّ تَوْكِيلٌ وَلَيْسَ بِإِذْنٍ فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ فُوِّضَ إلَيْهِ عَقْدٌ وَاحِدٌ وَبِتَفْوِيضِ عَقْدٍ وَاحِدٍ لَا يَثْبُتُ الْإِذْنُ وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَأْذُونِ إذْنٌ لَا تَوْكِيلٌ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ عُقُودًا مُتَكَرِّرَةً فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْإِذْنُ ضِمْنًا لِلْأَمْرِ بِالْمُبَايَعَةِ فِي عُقُودٍ مُتَكَرِّرَةٍ بِدُونِ عِلْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ مَقْصُودًا بِخِلَافِ الْعَقْدِ الْوَاحِدِ.
وَلَوْ لَمْ يُبَايِعْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَبَايَعَهُ مَنْ لَمْ يَأْمُرْهُ الْمَوْلَى لَمْ يَصِرْ مَأْذُونًا؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي ضِمْنِ أَمْرِهِ بِالْمُبَايَعَةِ وَلَوْ دَفَعَ لَهُ حِمَارًا لِيُكْرِيَهُ وَيَبِيعَ عَلَيْهِ صَارَ مَأْذُونًا، وَالْإِذْنُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِلَا شَرْطٍ وَإِضَافَتُهُ إلَى الزَّمَانِ كَالطَّلَاقِ، وَالْحَجْرِ، وَالْعَزْلِ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُمَا وَلَا إضَافَتُهُمَا كَالنِّكَاحِ وَأَمَّا الْإِذْنُ الْخَاصُّ فَلَا يَكُونُ بِهِ مَأْذُونًا كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ ثَوْبٍ لِلْكُسْوَةِ أَوْ لَحْمٍ لِلْأَكْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا اسْتِخْدَامٌ فَلَا بُدَّ مِنْ فَاصِلٍ بَيْنَ الِاسْتِخْدَامِ، وَالتِّجَارَةِ وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ يُعْقَدُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةِ اسْتِخْدَامٍ، وَالْأَمْرُ بِعُقُودٍ مُتَعَدِّدَةٍ يُعَدُّ تِجَارَةً؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِلرِّبْحِ وَلَمَّا بَيَّنَ الْمُؤَلِّفُ الْإِذْنَ الصَّرِيحَ شَرَعَ فِي الْإِذْنِ دَلَالَةً اهـ.
قَالَ ﵀ (وَيَثْبُتُ
стр. 2630
بِالسُّكُوتِ بِأَنْ رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي) يَثْبُتُ الْإِذْنُ لِلْعَبْدِ بِسُكُوتِ الْمَوْلَى عِنْدَمَا يَرَاهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي وَلَمْ يَتَقَدَّمْ قَرِينَةٌ بِنَفْيِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ عَيْنًا مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى أَوْ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ بَيْعًا صَحِيحًا وَفَاسِدًا كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ إنْ رَآهُ يَبِيعُ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِكِ فَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ إذْنًا وَكَذَا الْمُرْتَهِنُ إذَا رَأَى الرَّاهِنَ يَبِيعُ فَسَكَتَ لَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ رِضًا وَيَبْطُلُ الرَّهْنُ كَذَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ فَهِمَ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ كَلَامِ الْهِدَايَةِ وَقَاضِي خان وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَوْلُ قَاضِي خان لَا يَصِيرُ إذْنًا أَيْ فِي حَقِّ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ الَّذِي صَادَفَهُ السُّكُوتُ وَيَصِيرُ إذْنًا فِيمَا بَعْدَهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الْمُرْتَهِنِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَالْإِذْنُ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ كَمَا إذَا رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ عِنْدَنَا إلَّا فِي الْبَيْعِ الَّذِي صَادَفَهُ السُّكُوتُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ رَأَى الْمَوْلَى عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ يَشْتَرِي الْخَمْرَ أَوْ الْخِنْزِيرَ فَسَكَتَ يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ هَذَا الشِّرَاءُ فَكَذَا هُنَا فَكَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ كَلَامِ قَاضِي خان عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ وَفِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ إذَا نَظَرَ الرَّجُلُ إلَى عَبْدِهِ وَهُوَ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ ذَلِكَ يَصِيرُ الْعَبْدُ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَإِذَا رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَالَ الْمَوْلَى وَفِي قَاضِي خان إذْنُ الصَّغِيرِ فِي التِّجَارَةِ وَأَبُوهُ يَأْبَى صَحَّ إذْنُ الْقَاضِي إذَا رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ إذْنًا. اهـ.
فَهِمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ أَنَّ سُكُوتَ الْقَاضِي إذَا رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي لَا يَكُونُ إذْنًا بِخِلَافِ سُكُوتِ الْمَوْلَى كَمَا فَهِمَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ لَا يَكُونُ إذْنًا فِي الَّذِي سَكَتَ عِنْدَهُ وَيَكُونُ إذْنًا فِي الَّذِي بَعْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ أَمَرَهُ الْمَوْلَى أَنْ يَبِيعَ مَتَاعَ غَيْرِهِ يَصِيرُ مَأْذُونًا.
[رَأَى عَبْدَهُ يَشْتَرِي شَيْئًا وَيَبِيعُ فِي حَانُوتِهِ فَسَكَتَ]
وَلَوْ رَأَى عَبْدَهُ يَشْتَرِي شَيْئًا وَيَبِيعُ فِي حَانُوتِهِ فَسَكَتَ حَتَّى بَاعَ مَتَاعًا كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ إذْنًا وَلَا يَنْفُذُ عَلَى الْمَوْلَى بَيْعُ الْعَبْدِ ذَلِكَ الْمَتَاعَ وَلَوْ رَأَى الْمَوْلَى عَبْدَهُ يَشْتَرِي شَيْئًا بِدَرَاهِمِ الْمَوْلَى أَوْ دَنَانِيرِهِ فَلَمْ يَنْهَهُ يَصِيرُ إذْنًا، فَإِنْ كَانَ هَذَا لِثَمَنٍ مِنْ مَالِ الْمَوْلَى كَانَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَرُدَّهُ وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِالِاسْتِرْدَادِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا دَفَعَ إلَى عَبْدِهِ مَالًا لِيَبِيعَهُ فَبَاعَهُ، وَالْمَوْلَى يَرَاهُ وَلَمْ يَنْهَهُ كَانَ إذْنًا وَيَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْعُ عَلَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ وَاخْتَلَفُوا فِي عُهْدَةِ الْبَيْعِ قِيلَ يَرْجِعُ إلَى الْآمِرِ وَقِيلَ إلَى الْعَبْدِ وَفِي الْمُحِيطِ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الْمَوْلَى جَازَ الْبَيْعُ، وَالْعُهْدَةُ عَلَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ؛ لِأَنَّ عُهْدَةَ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ مَتَى تَوَكَّلَ عَنْ غَيْرِهِ يَكُونُ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَرَآهُ يَتَصَرَّفُ فَلَمْ يَنْهَهُ، فَإِنْ لَحِقَهُ دَيْنٌ فَهُوَ نَقْضٌ لِلْبَيْعِ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ فَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِذْنَ لَا يُنَافِي خِيَارَ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مَعَ خِيَارِ الْبَائِعِ يَجْتَمِعَانِ وَيَفْتَرِقَانِ فَمَنْ بَاعَ عَبْدًا مَأْذُونًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَقِيَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَلَمْ يَكُنْ إذْنُ الْبَائِعِ مُنَافِيًا خِيَارَهُ فَبَقِيَ خِيَارُهُ وَأَمَّا الْإِذْنُ مَعَ خِيَارِ الْمُشْتَرِي لَا يَجْتَمِعَانِ، فَإِنَّ مَنْ اشْتَرَى مَأْذُونًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَطَلَ الْإِذْنُ، وَإِنْ أَذِنَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ سَقَطَ خِيَارُهُ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ اكْتَسَبَ شَيْئًا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، فَإِنْ اكْتَسَبَ بَعْدَ الْقَبْضِ طَابَ وَقَبْلَ الْقَبْضِ يَتَصَدَّقُ بِهِ قِيلَ هَذَا قَوْلُهُمَا وَعِنْدَ الْإِمَامِ الْكَسْبُ لِلْبَائِعِ اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَزُفَرُ لَا يَثْبُتُ الْإِذْنُ بِسُكُوتِ الْمَوْلَى فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ يَحْتَمِلُ الرِّضَا، وَالرَّدَّ فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ كَمَا لَوْ رَأَى أَجْنَبِيًّا يَبِيعُ مَالَهُ فَسَكَتَ وَلَمْ يَنْهَهُ أَوْ رَأَى الْقَاضِي الصَّبِيَّ، وَالْمَعْتُوهَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلِيٌّ أَوْ عَبْدَهُمَا وَكَذَا إذَا رَأَى الْعَبْدَ يَتَزَوَّجُ أَوْ الْأَمَةَ تَتَزَوَّجُ وَكَذَا لَوْ تَلِفَ مَالُ غَيْرِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إذْنًا قُلْنَا هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى عَادَاتِ النَّاسِ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ مَنْ لَا يَرْضَى بِتَصَرُّفِ عَبْدِهِ يَنْهَاهُ وَيُؤَيِّدُهُ، فَإِذَا سَكَتَ دَلَّ عَلَى رِضَاهُ بِهِ وَصَارَ إذْنًا لَهُ لِأَجْلِ دَفْعِ الضَّرَرِ فَصَارَ كَسُكُوتِ النَّبِيِّ ﵊ عِنْدَ أَمْرٍ يُعَايِنُهُ وَكَسُكُوتِ الْبِكْرِ، وَالشَّفِيعِ، وَالْمَوْلَى الْعَدِيمِ عِنْدَمَا يَرَى مَالَهُ يُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ بِخِلَافِ مَا إذَا أُكْرِهَ؛ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ إجَازَةً حَصَلَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ وَبِخِلَافِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي مَالِهِمَا فَلَا يَكُونُ سُكُوتُهُ إذْنًا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ، فَإِنْ قِيلَ عَيْنُ هَذَا التَّصَرُّفِ الَّذِي يَرَاهُ يَبِيعُ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ غَيْرُهُ أُجِيبَ بِأَنَّ الضَّرَرَ فِي التَّصَرُّفِ الَّذِي يَرَاهُ يَبِيعُهُ مُحَقَّقٌ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْ بَائِعِهِ فِي الْحَالِ فَلَا يَثْبُتُ وَفِي غَيْرِهِ لَيْسَ مُحَقَّقًا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ يَلْحَقُهُ وَقَدْ لَا يَلْحَقُهُ فَصَحَّ فِيهِ النَّهْيُ قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا وَلَمْ يَتَقَدَّمْ قَرِينَةٌ تَنْفِيهِ.
قَالَ فِي
следующие страницы →