← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 12227

البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري

زين الدين ابن نجيم

Полный текст (3 122 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

النَّاسَ يَشْتَغِلُونَ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَهُوَ يَشْتَغِلُ بِالتَّسْبِيحِ وَلَوْ فَتَحَ التَّاجِرُ السِّلْعَةَ فَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَرَادَ بِذَلِكَ إعْلَامَ الْمُشْتَرِي جَوْدَةَ ثَوْبِهِ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِخِلَافِ الْعَالِمِ إذَا قَالَ فِي عِلْمِهِ صَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَالَ قَارِئُ الْقَوْمِ كَبِّرُوا حَيْثُ يُثَابُ وَفِي الْخُلَاصَةِ الْفَقِيهُ هَلْ يُصَلِّي صَلَاةَ التَّسْبِيحِ؟ قَالَ: ذَلِكَ طَاعَةُ الْعَامَّةِ، قِيلَ لَهُ: فُلَانٌ الْفَقِيهُ يُصَلِّيهَا قَالَ هُوَ عِنْدِي مِنْ الْعَامَّةِ وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ وَرَدَتْ الْأَخْبَارُ بِتَفْضِيلِ بَعْضِ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ عَلَى بَعْضٍ كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَنَحْوِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْأَفْضَلِ قَالَ بَعْضٌ: إنَّ ثَوَابَ قِرَاءَتِهَا أَفْضَلُ وَقِيلَ بِأَنَّهَا لِلْقَلْبِ أَيْقَظُ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُفَضَّلَ بَعْضُ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ، كَرِهَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ التَّصَدُّقَ عَلَى الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي الْأَسْوَاقِ زَجْرًا لَهُ، وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ مِنْ الَّذِي يَسْأَلُ فِي الْأَسْوَاقِ نَظِيرُ الْقُرْآنِ وَيُكْرَهُ التَّصَدُّقُ عَلَى الَّذِي يَسْأَلُ النَّاسَ فِي الْمَسَاجِدِ زَجْرًا لَهُ وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ فِي الْمَخْرَجِ وَالْمُغْتَسَلِ وَالْحَمَّامِ وَمَوْضِعِ النَّجَاسَاتِ وَفِي الْمَسْلَخِ وَالْمَذْبَحِ إلَّا حَرْفًا. وَفِي النَّوَازِلِ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْمَقَابِرِ إذَا أَخْفَاهَا لَا يُكْرَهُ وَإِنْ جَهَرَ بِهَا يُكْرَهُ وَالشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةَ الْمُلْكِ عَلَى الْمَقَابِرِ سَوَاءٌ أَخْفَاهَا أَوْ جَهَرَ بِهَا أَمَّا غَيْرُهَا فَلَا يَقْرَؤُهَا لِوُرُودِ الْآثَارِ بِسُورَةِ الْمُلْكِ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ يُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْقَبْرِ وَقِرَاءَةُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ غَيْرَ مَغْفُورٍ لَهُ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ مَغْفُورًا لَهُ غُفِرَ لِهَذَا الْقَارِئِ وَوُهِبَتْ ذُنُوبُهُ لِلْمَيِّتِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: رَجُلٌ مَاتَ فَأَجْلَسَ وَارِثُهُ رَجُلًا عَلَى قَبْرِهِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَالَ بَعْضُهُمْ يُكْرَهُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ الْمَيِّتُ وَفِي الْخَانِيَّةِ أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْقُبُورِ إنْ نَوَى أَنْ يُؤَانِسَهُمْ بِصَوْتِهِ يَقْرَأُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَاَللَّهُ يَسْمَعُ الْقُرْآنَ حَيْثُ كَانَ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فِي الْمَصَاحِفِ، أَوْ رَجُلٌ دَخَلَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ فَقَامَ لَهُ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَوْ أَبَاهُ أَوْ أُسْتَاذَهُ الَّذِي عَلَّمَهُ الْقُرْآنَ جَازَ أَنْ يَقُومَ لَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَفِي فَتَاوَى أَهْوَازِ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ إذَا وَضَعَ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَضُمَّ رِجْلَيْهِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ، وَأَنْ يُخْرِجَ رَأْسَهُ إذَا غَطَّى رَأْسَهُ بِاللِّحَافِ وَإِذَا قَرَأَ آيَةً أَوْ سُورَةً فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِاَللَّهِ، وَأَنْ يُتْبِعَ ذَلِكَ بِالْبَسْمَلَةِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. وَفِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ إذَا كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَسَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَمْضِي إلَى قِرَاءَتِهِ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ وَفِي التَّتِمَّةِ سَأَلَ الْخُجَنْدِيُّ عَنْ إمَامٍ يَقْرَأُ مَعَ جَمَاعَةٍ كُلَّ غَدَاةٍ بَعْدَ فَرَاغِ صَلَاتِهِ جَاهِرًا آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَشَهِدَ اللَّهُ وَآخِرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ: يَجُوزُ وَالْأَفْضَلُ الْإِخْفَاءُ قَالَ السِّغْنَاقِيُّ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ الدُّعَاءُ أَرْبَعَةٌ دُعَاءُ رَغْبَةٍ، وَدُعَاءُ رَهْبَةٍ، وَدُعَاءُ تَضَرُّعٍ، وَدُعَاءُ خُفْيَةٍ فَفِي دُعَاءِ الرَّغْبَةِ يَجْعَلُ بُطُونَ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ وَفِي دُعَاءِ الرَّهْبَةِ يَجْعَلُ ظُهُورَهَا إلَى وَجْهِهِ كَالْمُسْتَغِيثِ مِنْ الشَّيْءِ وَفِي دُعَاءِ التَّضَرُّعِ يَعْقِدُ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ وَيَحْلِقُ الْإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ وَفِي دُعَاءِ الْخُفْيَةِ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ الْمَرْءُ فِي نَفْسِهِ وَفِي التَّتِمَّةِ لَا يَقُولُ الرَّجُلُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إلَيْهِ وَلَكِنْ يَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَسْأَلُهُ التَّوْبَةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ وَفِي الْفَتَاوَى الْغِيَاثِيَّةِ وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا» وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَافِرُ النِّعْمَةِ لَا كَافِرُ الدِّيَانَةِ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَفِيهَا قَالَ أَبُو نَصْرٍ الدَّبُوسِيُّ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَخَافَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ الرِّيَاءُ لَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَكَذَا فِي جَمِيعِ الْفَرَائِضِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَإِذَا سَالَ الدَّمُ مِنْ الْأَنْفِ فَكَتَبَ الْفَاتِحَةَ بِالدَّمِ عَلَى الْفَمِ وَالْوَجْهِ جَازَ لِلِاسْتِشْفَاءِ وَالْمُعَالَجَةِ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ بِالْبَوْلِ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا عَلِمَ بِهِ الشِّفَاءَ. قَالَ: ﵀ (وَبِحَقِّ فُلَانٍ) يَعْنِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ بِحَقِّ فُلَانٍ عَلَيْك وَكَذَا بِحَقِّ أَنْبِيَائِك، وَأَوْلِيَائِك وَرُسُلِك وَالْبَيْتِ وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْخَالِقِ وَإِنَّمَا يَخُصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِغَيْرِهِ: بِحَقِّ اللَّهِ أَوْ بِاَللَّهِ افْعَلْ كَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ شَرْعًا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَجَاءَ فِي الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ. [وَاللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْد] قَالَ ﵀ (وَاللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ وَكُلُّ لَهْوٍ) يَعْنِي لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ لَعِبِ ابْنِ آدَمَ حَرَامٌ إلَّا ثَلَاثًا مُلَاعَبَةَ الرَّجُلِ أَهْلَهُ وَتَأْدِيبَهُ لِفَرَسِهِ وَمُنَاضَلَتَهُ لِقَوْسِهِ» وَأَبَاحَ الشَّافِعِيُّ الشِّطْرَنْجَ مِنْ غَيْرِ قِمَارٍ وَلَا إخْلَالٍ بِالْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُذَكِّي الْأَفْهَامَ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا، وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ هِيَ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ فَتَرَكْنَا ذِكْرَهَا لِشُهْرَتِهَا وَفِي الْمُحِيطِ وَيُكْرَهُ اللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ.

стр. 2767

وَالنَّرْدِ وَالْأَرْبَعَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّهَا لَعِبُ الْيَهُودِ وَيُكْرَهُ اسْتِمَاعُ صَوْتِ اللَّهْوِ وَالضَّرْبِ بِهِ وَالْوَاجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ مَا أَمْكَنَ حَتَّى لَا يَسْمَعَ وَلَا بَأْسَ بِضَرْبِ الدُّفِّ فِي الْعُرْسِ وَسُئِلَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ الدُّفِّ فِي غَيْرِ الْعُرْسِ بِأَنْ تَضْرِبَ الْمَرْأَةُ فِي غَيْرِ فِسْقٍ لِلصَّبِيِّ قَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَفِي الذَّخِيرَةِ لَا بَأْسَ بِالْغِنَاءِ فِي الْأَعْيَادِ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَقِرَاءَةُ الْأَشْعَارِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذِكْرُ الْفِسْقِ وَالْغُلَامِ لَا يُكْرَهُ. وَفِي الْكَافِي مُسْتَأْجِرُ الدَّارِ إذَا ظَهَرَ مِنْهُ الْفِسْقُ بِأَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ يُمْنَعُ فَإِذَا لَمْ يَمْتَنِعْ يُخْرَجُ وَلَمْ يَرَ الْإِمَامُ ﵀ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ بَأْسًا لِيَشْغَلَهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ وَكَرِهَ أَبُو يُوسُفَ السَّلَامَ تَحْقِيرًا لَهُ اهـ. رَجُلٌ يَدْعُوهُ الْأَمِيرُ فَيَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ فَيَتَكَلَّمُ بِمَا يُوَافِقُ الْحَقَّ يَنَالُهُ مِنْهُ الْمَكْرُوهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ إلَّا بِالْحَقِّ إلَّا أَنْ يَخَافَ الْقَتْلَ أَوْ إتْلَافَ عُضْوٍ، وَأَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ وَلَوْ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ وَفِيهِمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَوْ كَافِرٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَيَنْوِي الْمُسْلِمِينَ فِي قَلْبِهِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا اسْتَقْبَلَ الْمُسْلِمُ أَخَاهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ يَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ وَفِي النَّوَازِلِ إذَا أَتَى بَيْتَ غَيْرِهِ لَا يَدْخُلُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ فَإِنْ أُذِنَ لَهُ يَدْخُلُ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ وَاخْتَلَفُوا فِي أَيِّهِمَا أَفْضَلُ الْبَادِئُ أَوْ الرَّادُّ الرَّادُّ أَكْثَرُ أَجْرًا وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْوَاوِ بِأَنْ يَقُولَ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَفِي فَتَاوَى أَهْوَازِ السَّلَامُ سُنَّةٌ عَلَى الرَّاكِبِ لِلرَّاجِلِ فِي طَرِيقٍ عَامٍّ أَوْ مَفَازَةٍ فَإِذَا الْتَقَيَا فَأَفْضَلُهُمَا الْأَسْبَقُ بِالسَّلَامِ فَإِذَا الْتَقَى الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ يَبْدَأُ الرَّجُلُ بِالسَّلَامِ وَإِنْ بَدَأَتْ فَيَرُدُّ ﵍ إنْ كَانَتْ عَجُوزًا فَبِلِسَانِهِ وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً فَبِالْإِشَارَةِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: إذَا دَخَلَ الْفَقِيهُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَمْ يُسَلِّمْ أَثِمُوا وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ يُكْرَهُ السَّلَامُ بِالسَّبَّابَةِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَلَوْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا وَاخْتَلَفُوا فِي السَّلَامِ عَلَى الصِّبْيَانِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُسَلِّمُ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسَلِّمُ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَإِذَا رَدَّ وَاحِدٌ مِنْ الْقَوْمِ السَّلَامَ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ وَفِي الصَّيْرَفِيَّةِ دَخَلَ عَلَى زَوْجَتِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهَا بَلْ هِيَ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَلَوْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَنْتُمْ لَنَا سَلَفٌ وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ اهـ. وَفِي الْخَانِيَّةِ وَيُكْرَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى مَنْ هُوَ فِي الْخَلَاءِ وَلَا يَرُدُّ ﵇ وَكَذَا الْآكِلُ وَالْقَارِئُ وَالْمُشْتَغِلُ بِالْعِلْمِ وَكَذَا فِي الْحَمَّامِ إنْ كَانَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ وَقَالَ الْبَقَّالِيُّ: إذَا قَالَ لِآخَرَ: أَقْرِئْ فُلَانًا عَنِّي السَّلَامَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ. تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ إذَا كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ السُّنَّةُ فِي حَقِّ الْعَاطِسِ أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَوْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلِمَنْ حَضَرَ أَنْ يَقُولَ: يَرْحَمُك اللَّهُ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ الْعَاطِسُ فَيَقُولُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَك أَوْ يَهْدِيكَ وَإِذَا عَطَسَتْ الْمَرْأَةُ فَلَا بَأْسَ بِتَشْمِيتِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ شَابَّةً وَإِذَا عَطَسَ الرَّجُلُ فَشَمَّتَتْهُ الْمَرْأَةُ فَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا يَرُدُّ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً يَرُدُّ فِي قَلْبِهِ وَالْجَوَابُ فِي هَذَا كَالْجَوَابِ فِي السَّلَامِ. قَالَ: ﵀ (وَجَعْلُ الرَّايَةِ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ) أَيْ لَا يَجُوزُ لَك قَالَ الشَّارِحُ وَصُورَتُهُ أَنْ يَجْعَلَ فِي عُنُقِهِ طَوْقًا مُسَمَّرًا بِمِسْمَارٍ عَظِيمٍ يَمْنَعُهُ أَنْ يُحَوِّلَ رَأْسَهُ وَهُوَ مُعْتَادٌ بَيْنَ الظَّلَمَةِ وَهُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ عُقُوبَةَ الْكَافِرِ تَحْرُمُ كَالْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ وَقَالَ ﵊: «كُلُّ مُحْدَثٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» اهـ. قَالَ فِي الْعُيُونِ رَجُلٌ اغْتَابَ أَهْلَ قَرْيَةٍ لَمْ تَكُنْ غِيبَةً حَتَّى يُسَمِّيَ قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ وَفِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ ذِكْرُ مَسَاوِئِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ عَلَى وَجْهِ الِاهْتِمَامِ بِهِ لَيْسَ بِغِيبَةٍ وَعَلَى وَجْهِ النَّقْصِ يَكُونُ غِيبَةً وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يُصَلِّي وَيُؤْذِي النَّاسَ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ لَا غِيبَةَ فِي ذِكْرِ مَا فِيهِ وَإِذَا أَعْلَمَ السُّلْطَانَ لِيَزْجُرَهُ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا فَهُوَ يُعَلِّمُ النَّاسَ وَيَقْضِي بِهِ» قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ إبَاحَةُ الْحَسَدِ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْمُحَرَّمِ فَيَكُونُ مُبَاحًا وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَسَدُ حَرَامٌ فِي هَذَيْنِ كَمَا هُوَ حَرَامٌ فِي غَيْرِهِمَا وَإِنَّمَا مَعْنَى الْحَدِيثِ لَوْ كَانَ الْحَسَدُ جَائِزًا لَجَازَ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ وَمَعْنَى الْحَسَدِ الْمَذْمُومِ أَنْ يَرَى عَلَى غَيْرِهِ نِعْمَةً فَيَتَمَنَّى زَوَالَ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَتَمَنَّى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ أَمَّا لَوْ تَمَنَّى لِنَفْسِهِ مِثْلَهَا لَا يَكُونُ حَسَدًا بَلْ يُسَمَّى غِبْطَةً اهـ. وَفِي النِّهَايَةِ الرَّايَةُ عَلَامَةُ أَنَّهُ آبِقٌ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي زَمَانِنَا لِغَلَبَةِ الْإِبَاقِ خُصُوصًا فِي الْهُنُودِ وَكَانَ فِي زَمَانِهِمْ مَكْرُوهًا لِقِلَّةِ الْإِبَاقِ. اهـ. وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَغِلَّ يَدَيْهِ وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ يَقُومُ وَيُوَزِّعُ الْمَظَالِمَ مِنْ الْإِمَامِ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ كَانَ مَأْجُورًا وَإِنْ خَافَ الرَّجُلُ

стр. 2768

عَلَى نَفْسِهِ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ ﵀ (وَحَلُّ قَيْدِهِ) يَعْنِي جَازَ قَيْدُ الْعَبْدِ احْتِرَازًا مِنْ الْإِبَاقِ وَالتَّمَرُّدِ وَهُوَ سُنَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْفُسَّاقِ. قَالَ ﵀ (وَالْحُقْنَةُ) يَعْنِي تَجُوزُ لِلتَّدَاوِي وَجَازَ أَنْ يُظْهِرَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِلضَّرُورَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ وَإِذَا أَصَبْت دَوَاءً لِدَاءٍ بَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ وَقَالَ ﵊ «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ إلَّا الْهَرَمَ فَإِنَّهُ لَا دَوَاءَ لَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ كَرِهَ التَّدَاوِيَ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَهُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَنَا مَا قَدَّمْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ يَتَدَاوَى إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الشَّافِيَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الدَّوَاءِ إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الشِّفَاءَ مِنْ الدَّوَاءِ وَهُوَ مَحَلُّ الْكَرَاهَةِ قَالَ الشَّارِحُ وَنَحْنُ نَقُولُ لَا يَجُوزُ لِمِثْلِ هَذَا التَّدَاوِي وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ وَلَا يَجُوزُ بِالنَّجَسِ كَالْخَمْرِ وَغَيْرِهِ كَمَا قَدَّمْنَا وَالتَّدَاوِي لَا يَمْنَعُ التَّوَكُّلَ وَلَا بَأْسَ بِالرُّقَى؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَفْعَلُهُ وَمَا رُوِيَ مِنْ النَّهْيِ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى رُقَى الْجَاهِلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْقُونَ بِأَلْفَاظِ كُفْرٍ وَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ الرُّقَى وَالتَّمَائِمُ وَالتَّوَلَةُ شِرْكٌ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ التَّوَلَةُ ضَرْبٌ مِنْ السِّحْرِ يُحَبِّبُ الْمَرْأَةَ إلَى زَوْجِهَا وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فَلَمَّا مَرِضَ ﷺ الْمَرَضَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلْت أَنْفُثُ عَلَيْهِ، وَأَمَسُّ جَسَدَهُ بِيَدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَبْرَكُ مِنْ يَدِي» . [رِزْقُ الْقَاضِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ] قَالَ: ﵀ (وَرِزْقُ الْقَاضِي) يَعْنِي وَحَلَّ رِزْقُ الْقَاضِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ أُعِدَّ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَرِزْقُ الْقَاضِي مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ حَبَسَ نَفْسَهُ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ «وَفَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ لَمَّا بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ» وَكَذَا الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ هَذَا إذَا كَانَ بَيْتُ الْمَالِ جُمِعَ مِنْ حِلٍّ فَإِنْ جُمِعَ مِنْ حَرَامٍ وَبَاطِلٍ لَمْ يَحِلَّ؛ لِأَنَّهُ مَالُ الْغَيْرِ يَجِبُ رَدُّهُ عَلَى أَرْبَابِهِ ثُمَّ إذَا كَانَ الْقَاضِي مُحْتَاجًا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ لِيَتَوَصَّلَ إلَى إقَامَةِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْكَسْبِ لَمَا تَفَرَّغَ لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَيْضًا وَهُوَ الْأَصَحُّ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعِلَّةِ وَنَظَرًا لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ الْمُحْتَاجِينَ وَلِأَنَّ رِزْقُ الْقَاضِي إذَا قُطِعَ فِي زَمَانٍ يَقْطَعُ الْوِلَادَةَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَنْ يَتَوَلَّى بَعْدَهُ هَذَا إذَا أَعْطَوْهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَلَوْ أَعْطَاهُ بِالشَّرْطِ كَانَ مُعَاقَدَةً وَإِجَارَةً لَا يَحِلُّ أَخْذُهُ لِأَنَّ الْقَضَاءَ طَاعَةٌ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الطَّاعَاتِ اهـ. وَلَك أَنْ تَقُولَ: يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ كَمَا قَالُوا الْفَتْوَى عَلَى جَوَازِ أَخْذِ أُجْرَةٍ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ وَلَا يُقَالُ هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: وَكِفَايَةُ الْقُضَاةِ فِي بَابِ الْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ دَفْعُهُ وَهَذَا بِاعْتِبَارِ مَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي تَنَاوُلُهُ فَلَا تَكْرَارَ قَالَ الشَّارِحُ: وَتَسْمِيَتُهُ رِزْقًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ كِفَايَتِهِ وَعَيْلَتِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ جَرَى الرَّسْمُ بِالْإِعْطَاءِ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ كَانَ يُؤْخَذُ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ وَهُوَ يُعْطَى مِنْهُ وَفِي زَمَانِنَا يُؤْخَذُ الْخَرَاجُ فِي آخِرِ السَّنَةِ وَالْمَأْخُوذُ عَنْ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ فِي الصَّحِيحِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَلَوْ أَخَذَ الرِّزْقَ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ ثُمَّ عُزِلَ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ، رَدَّ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ وَقِيلَ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الزَّوْجَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. اهـ. . [سَفَرُ الْأَمَةِ وَأُمُّ الْوَلَدِ بِلَا مَحْرَمٍ] قَالَ: ﵀ (وَسَفَرُ الْأَمَةِ وَأُمُّ الْوَلَدِ بِلَا مَحْرَمٍ) يَعْنِي يَجُوزُ لَهُمَا السَّفَرُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ لِأَنَّ الْأَمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمَحْرَمِ لِسَائِرِ الرِّجَالِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّظَرِ وَالْمَسِّ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْمُدَبَّرَةُ كَالْأَمَةِ لِقِيَامِ الرِّقِّ فِيهِنَّ وَكَذَا مُعْتَقَةُ الْبَعْضِ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهَا كَالْمُكَاتَبَةِ عِنْدَهُ وَفِي الْكَافِي قَالُوا هَذَا فِي زَمَانِهِمْ لِغَلَبَةِ أَهْلِ الصَّلَاحِ أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَلَا يَجُوزُ لِغَلَبَةِ أَهْلِ الْفَسَادِ وَمِثْلُهُ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ. اهـ قَالَ: ﵀ (وَشِرَاءُ مَا لَا بُدَّ لِلصَّغِيرِ مِنْهُ وَبَيْعُهُ لِلْعَمِّ وَالْأُمِّ وَالْمُلْتَقِطِ لَوْ فِي حِجْرِهِمْ) يَعْنِي يَجُوزُ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ أَنْ يَشْتَرُوا لِلصَّغِيرِ وَيَبِيعُوا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَذَلِكَ مِثْلُ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ لَتَضَرَّرَ الصَّغِيرُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَأَصْلُهُ أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى الصَّغِيرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ نَفْعٌ مَحْضٌ فَيَمْلِكُهُ كُلُّ وَاحِدٍ هُوَ فِي عِيَالِهِ وَلِيًّا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَيَمْلِكُهُ الصَّبِيُّ بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ مُمَيِّزًا وَنَوْعٌ هُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ فَلَا يَمْلِكُهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَنَوْعٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ مِثْلُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ لِلِاسْتِرْبَاحِ فَلَا يَمْلِكُهُ إلَّا الْأَبُ وَالْجَدُّ وَوَصِيُّهُمَا سَوَاءٌ كَانَ

стр. 2769

الصَّغِيرُ فِي أَيْدِيهِمْ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ هَكَذَا فِي الْكَافِي، وَاسْتِئْجَارُ الظِّئْرِ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَفِيهِ نَوْعٌ رَابِعٌ وَهُوَ الْإِنْكَاحُ فَيَجُوزُ لِكُلِّ عَصَبَةٍ، وَلِذَوِي الْأَرْحَامِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَقْبِضَ الْهِبَةَ لِلصَّغِيرِ إذَا كَانَ لَا أَبَ لَهُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ: لَا أَبَ لَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لَازِمٍ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ فِي صَغِيرَةٍ لَهَا زَوْجٌ هِيَ عِنْدَهُ يَعُولُهَا وَلَهَا أَبٌ فَوَهَبَ لَهَا جَازَ لِزَوْجِهَا أَنْ يَقْبِضَ الْهِبَةَ لِقِيَامِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهَا بِالْعَوْلِ فَثَبَتَ أَنَّ الْأَبَ لَيْسَ بِلَازِمٍ كَذَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا هُوَ قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ وَلَك أَنْ تَقُولَ: إنَّ قَوْلَ الْكُلِّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ الثَّابِتُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ إنَّمَا هُوَ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي جَوَازِ قَبْضِ زَوْجِ الصَّغِيرَةِ الْهِبَةَ لَهَا إذَا كَانَتْ عِنْدَهُ يَعُولُهَا لِتَفْوِيضِ الْأَبِ ذَلِكَ لَهُ لَا أَنَّ عَدَمَ الْأَبِ لَيْسَ بِلَازِمٍ مُطْلَقًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَهُوَ جَوَازُ قَبْضِ الْمُلْتَقِطِ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ لِتَحَقُّقِ الْفَرْقِ بَيْنَ زَوْجِ الصَّغِيرَةِ الَّذِي فَوَّضَ لَهُ الْأَبُ أَمْرَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ لَا أَبَ لَهُ يَعْنِي أَبًا مَعْرُوفًا وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ فِي قَيْدِ الْحَيَاةِ فَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ قَوْلَهُ لَا أَبَ لَهُ قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ عَنْ اللَّقِيطِ إذَا كَانَ لَهُ أَبٌ حَاضِرٌ لَا يَجُوزُ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَقْبِضَ الْهِبَةَ لِلصَّغِيرِ اهـ. قَالَ ﵀ (وَتُؤَجِّرُهُ أُمُّهُ فَقَطْ) مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يُؤَجِّرُهُ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ إلَّا الْأُمَّ فَإِنَّهَا تُؤَجِّرُهُ إذَا كَانَ فِي حِجْرِهَا وَلَا يَمْلِكُهُ هَؤُلَاءِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَفِي رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ الْمُلْتَقِطُ وَيُسَلِّمَهُ فِي صِنَاعَةٍ فَجَعَلَهُ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَهَذَا أَقْرَبُ فَلَوْ أَجَّرَ الصَّبِيُّ نَفْسَهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَشُوبٌ بِالضَّرَرِ إلَّا إذَا فَرَغَ مِنْ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَيَجِبُ الْمُسَمَّى وَهُوَ نَظِيرُ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ إذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ فَإِنْ كَانَ الصَّغِيرُ فِي يَدِ الْعَمِّ فَأَجَّرَتْهُ أُمُّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحِفْظِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ اهـ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [كِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ] مُنَاسَبَةُ هَذَا الْكِتَابِ بِكِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ إنَّ هَذَا الْكِتَابَ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَا يُكْرَهُ وَمَا لَا يُكْرَهُ وَيَكْفِي فِيهَا أَدْنَى الْمُنَاسَبَةِ وَالْكَلَامُ هُنَا فِي وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ فِي مَعْنَاهُ لُغَةً، وَالثَّانِي فِي مَعْنَاهُ شَرْعًا، وَالثَّالِثُ فِي شَرْطِهِ، وَالرَّابِعُ فِي سَبَبِهِ، وَالْخَامِسُ فِي دَلِيلِهِ، وَالسَّادِسُ فِي حُكْمِهِ أَمَّا دَلِيلُهُ فَقَوْلُهُ: ﵊ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» ، وَأَمَّا مَعْنَاهُ لُغَةً قَالَ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَوَاتُ بِالْفَتْحِ مَا لَا رُوحَ فِيهِ وَالْمَوَاتُ أَيْضًا الْأَرْضُ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَفِي الْقَامُوسِ الْمَوَاتُ كَغُرَابٍ وَسَحَابٍ مَا لَا رُوحَ فِيهِ وَالْأَرْضُ لَا مَالِكَ لَهَا مِنْ الْآدَمِيِّينَ. اهـ. وَشَرْعًا مَا سَيَأْتِي فِي عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ. وَسَبَبُ الْمَشْرُوعِيَّةِ تَعَلُّقُ الْبِنَاءِ الْمُقَرَّرِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَشَرْطُهُ سَيَأْتِي فِي حُكْمِ تَمَلُّكِ الْمُحْيِي مَا أَحْيَاهُ قَالَ: ﵀ (وَهِيَ أَرْضٌ تَعَذَّرَ زِرَاعَتُهَا لِانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْهَا أَوْ لِغَلَبَتِهِ عَلَيْهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ بَعِيدَةٌ مِنْ الْعَامِرِ) فَقَوْلُهُ " هِيَ أَرْضٌ " بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ يَشْمَلُ مَا تَعَذَّرَ وَغَيْرَهُ، وَقَوْلُهُ " تَعَذَّرَ " أَخْرَجَ غَيْرَهُ فَلَا يَكُونُ مَوَاتًا وَقَوْلُهُ " لِانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْهَا أَوْ لِغَلَبَتِهِ عَلَيْهَا " بَيَانٌ لِسَبَبِ التَّعَذُّرِ وَقَوْلُهُ " غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ " أَخْرَجَ مَا كَانَ كَذَلِكَ وَهُوَ مَمْلُوكٌ فَلَا يَكُونُ مَوَاتًا وَقَوْلُهُ " بَعِيدَةٌ عَنْ الْعَامِرِ " أَخْرَجَ الْقَرِيبَةَ فَلَا تَكُونُ مَوَاتًا قَالَ الشَّارِحُ وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِمَوَاتِ الْأَرْضِ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مَوَاتًا إذَا كَانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِبُطْلَانِ الِانْتِفَاعِ بِهَا تَشْبِيهًا بِالْمَيِّتِ قَالَ الشَّارِحُ: وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْحَيَاةِ فَظَاهِرٌ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَالْإِحْيَاءُ شَرْعًا أَنْ يَكْرِبَ الْأَرْضَ وَيَسْقِيَهَا فَإِنْ كَرَبَهَا وَلَمْ يَسْقِهَا أَوْ سَقَاهَا وَلَمْ يَكْرِبْهَا فَلَيْسَ بِإِحْيَاءٍ وَفِي الْكَافِي لَوْ فَعَلَ أَحَدَهُمَا يَكُونُ إحْيَاءً وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْإِحْيَاءُ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ أَوْ الْكَرْبُ أَوْ السَّقْيُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ: الْكَرْبُ الْإِحْيَاءُ وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْكَرْبُ لَيْسَ بِإِحْيَاءٍ إلَّا أَنْ يَبْذُرَهَا وَعَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْإِحْيَاءُ أَنْ يَجْعَلَهَا صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ بَنَى فِي بَعْضِ أَرْضِ الْمَوَاتِ أَوْ زَرَعَ فِيهَا كَانَ ذَلِكَ إحْيَاءً لِذَلِكَ الْبَعْضِ دُونَ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا عَمَّرَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ إذَا كَانَ الْمَوَاتُ فِي وَسَطِ الْإِحْيَاءِ يَكُونُ إحْيَاءً لِلْكُلِّ اهـ. وَالْإِحْيَاءُ لُغَةً الْإِنْبَاتُ سَوَاءٌ كَانَ بِفِعْلِ فَاعِلٍ مِنْ شِرَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا يُقَالُ لِمَاذَا عَرَّفَ الْمُؤَلِّفُ الْمَوَاتَ دُونَ الْإِحْيَاءِ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُعَرِّفَهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: أَرَادَ بَيَانَ الْأَكْمَلِ وَإِنَّمَا تَرَكَ تَعْرِيفَ الْإِحْيَاءِ قَالَ الشَّارِحُ: لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ " غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ " يَعْنِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ عَلَى الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ وَكَمَالُهُ بِأَنْ

стр. 2770

لَا يَكُونَ مَمْلُوكًا لِأَحَدٍ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ كَانَ مِلْكُهُ بَاقِيًا لِعَدَمِ مَا يُزِيلُهُ فَلَا يَكُونُ مَوَاتًا فَإِذَا عُرِفَ الْمَالِكُ فَهِيَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ كَانَتْ لُقَطَةً يَتَصَرَّفُ فِيهَا الْإِمَامُ كَمَا يَتَصَرَّفُ فِي اللُّقَطَةِ وَلَوْ ظَهَرَ لَهَا مَالِكٌ بَعْدَ ذَلِكَ أَخَذَهَا وَضَمِنَ مِنْ زَرْعِهَا إنْ نَقَصَتْ بِالزِّرَاعَةِ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَوْلُ الْقُدُورِيِّ فَمَا كَانَ مِنْهَا عَادِيًّا مُرَادُهُ بِالْعَادِيِّ مَا قَدُمَ خَرَابُهُ كَأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى عَادٍ لِخَرَابِ عَهْدِهِمْ وَجُعِلَ الْمَمْلُوكُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالِكٌ مِنْ الْمَوَاتِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ كَالْمَوَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ مَالِكٌ بِعَيْنِهِ وَلَيْسَ هُوَ مَوَاتًا حَقِيقَةً عَلَى مَا بَيَّنَّا وَقَوْلُهُ " بَعِيدَةٌ عَنْ الْعَامِرِ " هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ. وَالْبَعِيدَةُ أَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ وَقَفَ إنْسَانٌ فِي أَقْصَى الْعَامِرِ وَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ فَهُوَ مَوَاتٌ وَإِنْ كَانَ يُسْمَعُ فَلَيْسَ بِمَوَاتٍ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعَامِرِ يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ لِرَعْيِ مَوَاشِيهِمْ وَطَرْحِ حَصَائِدِهِمْ فَلَمْ يَكُنْ انْتِفَاعُهُمْ بِهِ مُنْقَطِعًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ الِانْتِفَاعِ حَتَّى لَا يَجُوزَ إحْيَاءُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا وَيَجُوزُ إحْيَاءُ مَا لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ اعْتَمَدَ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا عَرَفَ أَنَّهَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً فِي الْأَوَّلِ وَلَمْ يَعْرِفْ مَالِكَهَا الْآنَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ السُّغْدِيُّ عَنْ أُسْتَاذِهِ الْحَكَمِ: إنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى رَجُلٍ وَيَأْذَنَ لَهُ فِي الْإِحْيَاءِ فَتَصِيرَ لِمَنْ أَحْيَاهَا وَفِي نَوَادِرِ هِشَامٍ إذَا كَانَ بِهَا آثَارُ عِمَارَةٍ مِنْ بِنَاءٍ وَبِئْرٍ وَلَا يَعْرِفُ مَالِكَهَا الْآنَ لَا يَسَعُ لِأَحَدِ أَنْ يُحْيِيَهَا أَوْ يَتَمَلَّكَهَا أَوْ يَأْخُذَ مِنْهَا تُرَابًا وَفِي رِسَالَةِ أَبِي يُوسُفَ لِهَارُونَ الرَّشِيدِ هِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ يَدِهِ وَعَلَيْهِ فِيهَا الْخَرَاجُ، وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْكُفُورِ الْخَرِبَةِ وَالْأَمَاكِنِ الْخَرِبَةِ إذَا رَفَعَ الرَّجُلُ مِنْهَا التُّرَابَ، وَأَلْقَاهُ فِي أَرْضِهِ قَالَ إذَا كَانَ الْقُصُورُ وَالْخَرَابُ تُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْ بِنَاءٍ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوَاتِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِنْ خَرِبَتْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَكَانَ لَهَا أَرْبَابٌ لَكِنْ لَا يُعْرَفُونَ لَا يَسَعُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ دُورِهِمْ اهـ. قَالَ: ﵀ (وَمَنْ أَحْيَاهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ مَلَكَهَا) وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَقَالَا: يَمْلِكُ مَنْ أَحْيَا وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ، إذْنُ الْإِمَامِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ مُبَاحٌ سَبَقَتْ إلَيْهِ يَدُهُ كَالِاحْتِطَابِ وَالِاصْطِيَادِ وَلِلْإِمَامِ قَوْلُهُ: ﷺ «لَيْسَ لِلْمَرْءِ إلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إمَامِهِ» فَإِنْ قُلْت إنْ اُعْتُبِرَ عُمُومُ هَذَا الْحَدِيثِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَمْلِكَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ الْأَمْلَاكِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُهُ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ قُلْت عُمُومُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِمَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْت كَوْنُ مَا نَحْنُ فِيهِ يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ هُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ فَيَلْزَمُ الْمُصَادَرَةُ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَرَاضِيَ كَانَتْ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ فَصَارَتْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَكَانَتْ فَيْئًا وَلَا يَخْتَصُّ أَحَدٌ بِالْفَيْءِ بِدُونِ إذْنِ الْإِمَامِ كَالْغَنَائِمِ بِخِلَافِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ فَيْئًا وَإِذَا أَحْيَاهَا فَهِيَ لَهُ خَرَاجِيَّةٌ أَوْ عُشْرِيَّةٍ فَهِيَ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي السِّيَرِ وَبَيَّنَّا الْخِلَافَ فِيهِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ مَلَكَهَا خَرَاجِيَّةً أَوْ عُشْرِيَّةً قَالَ وَالْوَاجِبُ فِيهَا الْعُشْرُ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ وَظِيفَةِ الْمُسْلِمِ بِالْخَرَاجِ إلَّا إذَا اسْتَقَاهَا بِمَاءِ الْخَرَاجِيِّ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فِيهَا الْخَرَاجُ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَاءِ وَلَوْ تَرَكَهَا بَعْدَ الْإِحْيَاءِ وَزَرَعَهَا غَيْرُهُ قِيلَ الثَّانِي أَحَقُّ بِهَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَلَكَ اسْتِغْلَالَهَا دُونَ رَقَبَتِهَا وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَحَقُّ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ رَقَبَتَهَا بِالْإِحْيَاءِ فَلَا تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِالتَّرْكِ وَلَوْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا ثُمَّ أَحَاطَ الْإِحْيَاءُ بِجَوَانِبِهَا الْأَرْبَعَةِ أَرْبَعَةً نَفَذَ عَلَى التَّعَاقُبِ تَعَيَّنَ طَرِيقُ الْأَوَّلِ فِي الْأَرْضِ الرَّابِعَةِ فِي الْمَرْوِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْيَا الْجَوَانِبَ الثَّلَاثَةَ تَعَيَّنَ الْجَانِبُ الرَّابِعُ لِلِاسْتِطْرَاقِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ فَإِنْ جَاءَ أَرْبَعَةٌ مَعًا وَلَمْ يَتَقَدَّمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحْيَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَانِبًا مِنْهَا، وَأَحَاطُوا بِالْأَرْبَعَةِ جَوَانِبَ مَعًا فَلَهُ أَنْ يَسْتَطْرِقَ مِنْ أَيِّ أَرْضٍ شَاءَ إذَا كَانُوا أَحْيَوْا جَوَانِبَهَا الْأَرْبَعَةَ مَعًا هَكَذَا قَالَ وَالِدِي. اهـ. . وَيَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بِالْإِحْيَاءِ كَالْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ فِي سَبَبِ الْمِلْكِ قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ فَإِنْ قُلْت مَا رَوَاهُ عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ الْحَطَبُ وَالْحَشِيشُ وَمَا رَوَيَاهُ لَمْ يُخَصَّ فَيَكُونُ الْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى قُلْت مَا ذُكِرَ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِافْتِيَاتُ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَالْحَشِيشُ وَالْحَطَبُ لَا يُحْتَاجُ فِيهِمَا إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُمَا عُمُومُ الْحَدِيثِ فَلَمْ يَصِرْ مَخْصُوصًا وَالْأَرْضُ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ الْغَنَائِمِ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَإِرْضَاعِ الْكِلَابِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ فَكَانَ مَا قُلْنَا أَوْلَى وَفِي الْخَانِيَّةِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ ذَكَرَ النَّاطِفِيُّ: الْقَاضِي فِي وِلَايَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ اهـ. قَالَ: ﵀ (وَإِنْ حَجَّرَ لَا) يَعْنِي وَإِنْ حَجَّرَ الْأَرْضَ لَا يَمْلِكُهَا بِهِ وَاخْتُلِفَ فِي كَوْنِ التَّحْجِيرِ يُفِيدُ

стр. 2771

التَّمْلِيكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُفِيدُ مِلْكًا مُؤَقَّتًا إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يُفِيدُ مِلْكًا وَهُوَ مُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا جَاءَ إنْسَانٌ آخَرُ قَبْلَ مُضِيِّ ثَلَاثِ سِنِينَ وَأَحْيَاهَا فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا عَلَى الثَّانِي وَلَا يَمْلِكُهُ عَلَى الْأَوَّلِ وَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَيْسَ لِلْمُحْتَجِرِ حَقٌّ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ نَفَى الْحَقَّ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ فَيَكُونُ لَهُ الْحَقُّ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْإِحْيَاءَ جَعْلُهَا صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ، وَالتَّحَجُّرَ لِلْإِعْلَامِ، مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَجْرِ وَهُوَ الْمَنْعُ بِوَضْعِ حَجَرٍ أَوْ بِحَصَادِ مَا فِيهَا مِنْ الْحَشِيشِ وَالشَّوْكِ أَوْ بِإِحْرَاقِ مَا فِيهَا مِنْ الشَّوْكِ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ فَبَقِيَتْ مُبَاحَةً عَلَى حَالِهَا لَكِنَّهُ هُوَ أَوْلَى بِهَا وَلَا تُؤْخَذُ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ ثَلَاثِ سِنِينَ فَإِذَا لَمْ يُعَمِّرْهَا أَخَذَهَا مِنْهُ وَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ دَفَعَهَا إلَيْهِ لِيُعَمِّرَهَا فَتَحْصُلَ الْمَنْفَعَةُ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْعُشْرِ أَوْ الْخَرَاجِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَرْكِهَا فِي يَدِهِ نَظِيرَ الِاسْتِبَاحَةِ وَهُوَ بِنَاءُ السَّبِيلِ وَحَفْرُ الْمَعْدِنِ فِي هَذَا الْحُكْمِ فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ الدَّفْعُ لِأَجْلِ الْعُشْرِ أَوْ الْخَرَاجِ فَيَقْتَضِي هَذَا الدَّلِيلُ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيَدْفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ بَعْدَ الْإِحْيَاءِ أَيْضًا إذَا كَانَ لَمْ يَزْرَعْهَا تَحْصِيلًا لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ بِالْعُشْرِ أَوْ الْخَرَاجِ قُلْنَا قَدْ مَلَكَهَا بِالْإِحْيَاءِ دُونَ التَّحَجُّرِ وَالْإِمَامُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَدْفَعَ مَمْلُوكَ أَحَدٍ إلَى غَيْرِهِ لِانْتِفَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَقْدِرُ أَنْ يَدْفَعَ غَيْرَ الْمَمْلُوكِ إلَيْهِ لِذَلِكَ فَافْتَرَقَا وَفِي الْمُحِيطِ إذَا حَفَرَ فِيهَا بِئْرًا أَوْ سَاقَ إلَيْهَا مَاءً فَقَدْ أَحْيَاهَا زَرَعَ أَوْ لَمْ يَزْرَعْ وَلَوْ حَفَرَ فِيهَا أَنْهَارًا لَمْ يَكُنْ إحْيَاءً إلَّا أَنْ يَجْرِيَ فِيهَا وَلَوْ حَفَرَ فِيهَا وَلَمْ يَبْلُغْ الْمَاءَ لَمْ يَكُنْ إحْيَاءً وَيَكُونُ تَحْجِيرًا. اهـ. . قَنَاةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحْيَا أَحَدُهُمَا أَرْضًا مَيِّتَةً لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَهَا مِنْ الْقَنَاةِ أَوْ يَجْعَلَ شِرْبَهُ مِنْهَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ لَيْسَ فِيهَا حَقٌّ فِي هَذَا الشِّرْبِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَإِذَا حَفَرَ رَجُلَانِ بِنَفَقَتِهِمَا بِئْرًا فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبِئْرُ لِأَحَدِهِمَا وَالْحَرِيمُ لِلْآخَرِ لَمْ يَجُزْ لِلِاصْطِلَاحِ عَلَى غَيْرِ مُوجَبِ الشَّرْعِ فَإِنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْحَرِيمَ تَبَعًا لِلْبِئْرِ لِيَتَمَكَّنَ صَاحِبُ الْبِئْرِ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَكَانَ الْحَرِيمُ لِمَالِكِ الْبِئْرِ فَإِنْ كَانَ الْبِئْرُ لِوَاحِدٍ فَالْحَرِيمُ لَهُ وَإِنْ كَانَ الْبِئْرُ بَيْنَهُمَا فَالْحَرِيمُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ شَرَطَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبِئْرُ لِوَاحِدٍ وَالْحَرِيمُ لَهُ وَإِنْ كَانَ الْبِئْرُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنْ يُنْفِقَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ وَلَا يَرْجِعَ بِهِ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَيَرْجِعُ بِالزَّائِدِ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ فِي الْأَصْلِ وَالنَّفَقَةِ وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ لَوْ أَقْطَعَ الْإِمَامُ رَجُلًا أَرْضًا فَتَرَكَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ لَا يُعَمِّرُ فِيهَا بَطَلَ الِانْتِفَاعُ اهـ. [إحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ الْأَرْض الْمَوَات] قَالَ: ﵀ (وَلَا يَجُوزُ إحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ) لِتَحَقُّقِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهِ تَحْقِيقًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَوْ تَقْدِيرًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَصَارَ كَالنَّهْرِ وَالطَّرِيقِ وَلِهَذَا قَالُوا لَا يَمْلِكُ الْإِمَامُ أَنْ يُقْطِعَ مَا لَا غِنَى لِلْمُسْلِمِينَ عَنْهُ كَالْمِلْحِ وَالْآبَارِ يَسْتَسْقِي مِنْهَا النَّاسُ اهـ. قَالَ ﵀ (وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مَوَاتٍ فَلَهُ حَرِيمُهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ مَا حَوْلَهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ» وَلِأَنَّ حَافِرَ الْبِئْرِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْبِئْرِ إلَّا بِمَا حَوْلَهَا وَلَوْ غَرَسَ شَجَرًا فِي أَرْضِ الْمَوَاتِ هَلْ يُسْتَحَقُّ لَهَا حَرِيمٌ لَمْ يَذْكُرْهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ وَقَالَ مَشَايِخُنَا لَهَا حَرِيمٌ بِقَدْرِ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا شَجَرَةً وَلِلْأَوَّلِ مَنْعُهُ وَقَدَّرَ الشَّارِعُ حَرِيمَ الْبِئْرِ بِأَرْبَعِينَ ذِرَاعًا ثُمَّ قِيلَ الْأَرْبَعُونَ مِنْ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ بِجَمِيعِ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُ كَيْ لَا يَحْفِرَ آخَرُ بِئْرًا بِجَنْبِهَا فَيَتَحَوَّلَ مَاءُ الْأُولَى إلَى الثَّانِيَةِ وَلَا يَنْدَفِعُ هَذَا الضَّرَرُ بِعَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَيَتَقَدَّرُ بِأَرْبَعِينَ كَيْ لَا يَتَعَطَّلَ عَلَيْهِ الْمَصَالِحُ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْبِئْرُ لِلْعَطَنِ أَوْ لِلنَّاضِحِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ لِلْعَطَنِ فَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا وَإِنْ كَانَ لِلنَّاضِحِ فَحَرِيمُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا لِقَوْلِهِ ﷺ «حَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَحَرِيمُ بِئْرِ الْعَطَنِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا وَحَرِيمُ بِئْرِ النَّاضِحِ سِتُّونَ ذِرَاعًا» وَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْحَرِيمِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ، وَحَاجَةُ بِئْرِ النَّاضِحِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَوْضِعٍ يَسِيرُ فِيهِ النَّاضِحُ وَهُوَ الْبَعِيرُ وَقَدْ يَطُولُ الرَّشَا وَفِي بِئْرِ الْعَطَنِ يَسْتَقِي بِيَدِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا وَلَهُ مَا رَوَيْنَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَمِنْ أَصْلِهِ الْعَامِّ الْمُتَّفَقِ عَلَى قَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ يُرَجَّحُ عَلَى الْخَالِصِ الْمُخْتَلَفِ فِي قَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَبِهَذَا رُجِّحَ قَوْلُهُ: ﵊ مَا أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ فَفِيهِ الْعُشْرُ عَلَى قَوْلِهِ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ لَا يُقَالُ الْمُرَادُ بِذِكْرِ الْعَطَنِ سَاقِيَةٌ عَطَنًا لِلْمُنَاسَبَةِ لِأَنَّا نَقُولُ: ذِكْرُ الْعَطَنِ فِيهِ لِلتَّغْلِيبِ لَا لِلتَّقْيِيدِ وَلِأَنَّهُ يَسْتَسْقِي مِنْ بِئْرِ الْعَطَنِ بِالنَّاضِحِ بِالْيَدِ فَاسْتَوَتْ الْحَاجَةُ فِيهِمَا وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُدِيرَ الْبَعِيرَ حَوْلَ الْبَعِيرِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى

стр. 2772

الزِّيَادَةِ وَالتَّقْدِيرُ بِالْأَرْبَعِينَ قَوْلُ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا بِقَدْرِ سِتِّينَ ذِرَاعًا وَبِهِ يُفْتَى وَفِي الْيَنَابِيعِ وَمَنْ احْتَاجَ إلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يُزَادُ عَلَيْهِ اهـ. قَالَ ﵀ (وَحَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ) لِمَا رَوَيْنَا وَلِأَنَّ الْعَيْنَ تُسْتَخْرَجُ لِلزِّرَاعَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ وَطَنٍ يَسْتَقِرُّ فِيهِ الْمَاءُ وَمِنْ مَوْضِعٍ يَجْرِي فِيهِ إلَى الزِّرَاعَةِ وَقَدَّرَ الشَّارِعُ بِخَمْسِمِائَةٍ وَلَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي الْمَقَادِيرِ ثُمَّ قِيلَ الْخَمْسُمِائَةِ مِنْ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْخَمْسَمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَالذِّرَاعُ هُوَ الْمُكَسَّرِ وَهُوَ سِتُّ قَبَضَاتٍ وَكَانَ ذِرَاعُ الْمِلْكِ سَبْعُ قَبَضَاتٍ فَكُسِرَ مِنْهُ قَبْضَةٌ وَفِي الْكَافِي قِيلَ إنَّ التَّقْدِيرَ فِي الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ بِمَا ذَكَرْنَا لِصَلَابَتِهِمَا وَفِي أَرَاضِينَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ لِرَخَاوَةِ الْأَرْضِ كَيْ لَا يَتَحَوَّلَ الْمَاءُ إلَى الثَّانِيَةِ فَتُعَطِّلَ الْأُولَى قَالَ ﵀ (وَمَنْ حَفَرَ فِي حَرِيمِهَا يُمْنَعُ مِنْهُ) لِأَنَّهُ صَارَ مِلْكًا لِصَاحِبِ الْبِئْرِ ضَرُورَةً لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ فَكَانَ الْحَافِرُ مُتَعَدِّيًا بِالْحَفْرِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَإِذَا حَفَرَ كَانَ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَمْنَعَهُ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْحَفْرُ لَيْسَ بِقَيْدٍ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ بَنَى الثَّانِي فِي حَرِيمِ الْأَوَّلِ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ وَلَوْ أَرَادَ الْأَوَّلُ أَنْ يَأْخُذَ الثَّانِيَ بِحَفْرِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مِلْكَهُ بِالْحَفْرِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُؤَاخَذُ بِهِ قِيلَ بِكَسْبِهِ؛ لِأَنَّهُ إزَالَةٌ بِتَعَدِّيهِ كَمَا لَوْ وَضَعَ شَيْئًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَقِيلَ يُضَمِّنُهُ النُّقْصَانَ وَيَكْنُسُ الْأَوَّلُ مَا حَفَرَهُ بِنَفْسِهِ كَمَا إذَا هَدَمَ جِدَارَ غَيْرِهِ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُؤَاخِذَهُ بِقِيمَتِهِ لَا بِبِنَاءِ الْجِدَارِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَفِي الْعِنَايَةِ طَرِيقُ مَعْرِفَةِ النُّقْصَانِ أَنْ يُقَوَّمَ الْأَوَّلُ قَبْلَ حَفْرِ الثَّانِي وَبَعْدَهُ فَيُضَمَّنُ نُقْصَانَ مَا بَيْنَهُمَا وَمَا عَطِبَ فِي الْبِئْرِ الْأَوَّلِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي حَفْرِهِ أَمَّا إذَا كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَظَاهِرٌ وَكَذَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ عِنْدَهُمَا، وَأَمَّا عِنْدَهُ فَيُجْعَلُ الْحَفْرُ تَحْجِيرًا وَلَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْمِلْكُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَمَا عَطِبَ فِي الثَّانِيَةِ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي حَفْرِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَلَوْ حَفَرَ الثَّانِي بِئْرًا فِي مُنْتَهَى حَرِيمِ الْأَوَّلِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَذَهَبَ مَاءُ الْبِئْرِ الْأُولَى وَتَحَوَّلَ إلَى الثَّانِيَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي ذَلِكَ وَالْمَاءُ الَّذِي تَحْتَ الْأَرْضِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ الْمُحَاصَّةُ بِسَبَبِهِ كَمَنْ بَنَى حَانُوتًا فِي جَنْبِ حَانُوتِ غَيْرِهِ فَكَسَدَ الْأَوَّلُ بِسَبَبِهِ وَلِلثَّانِي فِي الْحَرِيمِ مِنْ الْجَوَانِبِ الثَّلَاثَةِ دُونَ الْأَوَّلِ بِسَبْقِ مِلْكِ الْأَوَّلِ فِيهِ. قَالَ: ﵀ (وَلِلْقَنَاةِ حَرِيمٌ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ) وَالْقَنَاةُ مَجْرَى الْمَاءِ تَحْتَ الْأَرْضِ وَلَمْ يُقَدَّرْ حَرِيمُهُ بِشَيْءٍ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبِئْرِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَرِيمِ وَقِيلَ هَذَا قَوْلُهُمَا وَعِنْدَ الْإِمَامِ لَا حَرِيمَ لَهُ مَا لَمْ يَظْهَرْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ نَهْرٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَتُعْتَبَرُ بِالنَّهْرِ قَالُوا عِنْدَ ظُهُورِ الْمَاءِ بِمَنْزِلَةِ عَيْنٍ فَوَّارَةٍ فَيُقَدَّرُ حَرِيمُهَا بِخَمْسِمِائَةِ ذِرَاعٍ اهـ. [مَا عَدَلَ عَنْهُ الْفُرَاتُ وَلَمْ يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلَيْهِ فَهُوَ مَوَاتٌ] قَالَ: ﵀ (وَمَا عَدَلَ عَنْهُ الْفُرَاتُ وَلَمْ يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلَيْهِ فَهُوَ مَوَاتٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مِلْكِ أَحَدٍ وَجَازَ إحْيَاؤُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ حَرِيمًا لِعَامِرٍ قَالَ ﵀ (وَإِنْ اُحْتُمِلَ عَوْدُهُ إلَيْهِ لَا) يَعْنِي لَا يَكُونُ مَوَاتًا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْعَامَّةِ فِيهِ عَلَى تَقْدِيرِ رُجُوعِ الْمَاءِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ حَقُّهُمْ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ اهـ. قَالَ: ﵀ (وَلَا حَرِيمَ لِلنَّهْرِ) وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَقَالَا لَهُ حَرِيمٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْحَرِيمِ لِلْحَاجَةِ وَصَاحِبُ النَّهْرِ يَحْتَاجُ إلَيْهِ كَصَاحِبِ الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الشَّيْءِ عَلَى حَافَّتَيْ النَّهْرِ لِيَجْرِيَ الْمَاءُ إذَا حُبِسَ بِشَيْءٍ وَقَعَ فِيهِ، إذْ لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ فِي وَسَطِ الْمَاءِ وَكَذَا يَحْتَاجُ إلَى مَوْضِعٍ يُلْقِي عَلَيْهِ الطِّينَ عِنْدَ الْكَرْبِ وَفِي الْكُبْرَى وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهَذَا إذَا حُفِرَ النَّهْرُ فِي أَرْضِ الْمَوَاتِ وَفِي الْكَافِي وَمَنْ كَانَ لَهُ نَهْرٌ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ حَرِيمٌ عِنْدَ الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَا لَهُ مَمْشَاةُ النَّهْرِ وَيَمْشِي عَلَيْهَا وَيُلْقِي عَلَيْهَا طِينَهُ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ قَالَ حُسَامُ الدِّينِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْحَرِيمَ وَفِي الْفَتَاوَى نَهْرَانِ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي حَرِيمِهِمَا فَمَا كَانَ مَشْغُولًا بِتُرَابِ أَحَدِ النَّهْرَيْنِ فَهُوَ فِي أَيْدِي أَهْلِ ذَلِكَ النَّهْرِ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ لَهُمْ فَلَا يُصَدَّقُ الْآخَرُونَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَمَا كَانَ بَيْنَ النَّهْرَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ مَشْغُولًا بِتُرَابِ أَحَدِهِمَا فَهُوَ بَيْنَ أَهْلِ الْقَرْيَتَيْنِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ خَاصَّةً قَالَ الشَّارِحُ دَلِيلُ الْإِمَامِ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْحَرِيمِ فِي الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ ثَبَتَ نَصًّا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِمَا مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُمَا أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ بَنَى قَصْرًا فِي الصَّحْرَاءِ لَا يَسْتَحِقُّ حَرِيمًا وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِلْقَاءِ الْكُنَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِالْقَصْرِ دُونَ الْحَرِيمِ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ نَهْرٌ لِرَجُلٍ إلَى جَنْبِهِ مُسَنَّاةٌ، وَأَرْضٌ لِآخَرَ وَالْمُسَنَّاةُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا غَرْسٌ وَلَا طِينٌ مُلْقًى فَادَّعَى صَاحِبُ الْأَرْضِ الْمُسَنَّاةَ وَادَّعَاهُ صَاحِبُ النَّهْرِ أَيْضًا فَهِيَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا هِيَ لِصَاحِبِ

стр. 2773

النَّهْرِ جَرَى الْمُلْقَى عَلَيْهِ طِينُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَيَنْكَشِفُ بِهَذَا اللَّفْظِ مَوْضِعُ الْخِلَافِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحَرِيمُ مُوَازِيًا لِلْأَرْضِ لَا فَصْلَ بَيْنَهُمَا، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْحَرِيمُ مَشْغُولًا بِحَقِّ أَحَدِهِمَا مُعَيَّنًا مَعْلُومًا وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَشْجَارٌ وَلَا يَدْرِي مَنْ غَرَسَهَا فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا وَكَذَا قَبْلَ إلْقَاءِ الطِّينِ عَلَى الْخِلَافِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لِصَاحِبِ النَّهْرِ مَا لَمْ يَفْحُشْ ثُمَّ إذَا كَانَ الْحَرِيمُ لِأَحَدِهِمَا أَيَّهُمَا كَانَ لَا يَمْنَعُ الْآخَرَ مِنْ الِانْتِفَاعِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُبْطِلُ حَقَّ مَالِكِهِ كَالْمُرُورِ فِيهِ وَإِلْقَاءِ الطِّينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَلَا يَغْرِسُ فِيهِ إلَّا الْمَالِكُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُ حَقَّهُ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ أُخِذَ بِقَوْلِهِ فِي الْغَرْسِ وَبِقَوْلِهِمَا فِي إلْقَاءِ الطِّينِ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ حَرِيمُهُ قَدْرُ نِصْفِ بَطْنِ النَّهْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْحَاوِي وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ مِقْدَارُ بَطْنِ النَّهْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ وَذَكَرَ فِي كَشْفِ الْغَوَامِضِ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فِي نَهْرٍ كَبِيرٍ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْكَرْيِ فِي كُلِّ حِينٍ أَمَّا الْأَنْهَارُ الصِّغَارُ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى كَرْيِهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ فَلَهَا حَرِيمٌ بِالِاتِّفَاقِ اهـ. [مَسَائِلُ الشِّرْبِ] (مَسَائِلُ الشِّرْبِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ ذَكَرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ مَسَائِلِ الشِّرْبِ؛ لِأَنَّ إحْيَاءَ الْمَوَاتِ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَقَدَّمَ فَصْلَ الْمِيَاهِ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْمَاءُ لَا يُقَالُ إذَا كَانَ الشِّرْبُ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ كَانَ اللَّائِقُ تَقْدِيمَ مَسَائِلِ الشِّرْبِ عَلَى مَسَائِلِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ قُلْنَا لِأَصَالَتِهِ وَكَثْرَةِ فُرُوعِهِ يَسْتَحِقُّ التَّقْدِيمَ عَلَى الشِّرْبِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ: يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مَشْرُوعِيَّةِ حَقِّ الشِّرْبِ وَتَفْسِيرِهِ لُغَةً وَشَرْعًا وَرُكْنِهِ وَشَرْطِهِ وَحُكْمِهِ: أَمَّا مَشْرُوعِيَّتُهُ فَلِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا بَلَغَ الْوَادِي الْكَعْبَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْأَعْلَى أَنْ يَحْبِسُوهُ عَنْ أَهْلِ الْأَسْفَلِ» ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ لُغَةً فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ النَّصِيبِ مِنْ الْمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] أَرَادَ بِالشِّرْبِ النَّصِيبَ مِنْ الْمَاءِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهَا شِرْبٌ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أَيْ نَصِيبٌ وَفِي الشَّرْعِ النَّصِيبُ مِنْ الْمَاءِ لِلْأَرَاضِيِ لَا لِغَيْرِهَا. وَأَمَّا رُكْنُهُ فَهُوَ الْمَاءُ؛ لِأَنَّ الشِّرْبَ يَقُومُ بِهِ. وَأَمَّا شَرْطُ حِلِّهِ أَنْ يَكُونَ ذَا حَظٍّ مِنْ الشِّرْبِ وَأَمَّا حُكْمُهُ فَالْإِرْوَاءُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ مَا يُفْعَلُ لِأَجْلِهِ وَإِنَّمَا شِرْبُ الْأَرْضِ لِتُرْوَى اهـ. قَالَ ﵀ (هُوَ نَصِيبُ الْمَاءِ) قَالَ الشَّارِحُ: أَيْ الشِّرْبُ بِالْكَسْرِ هُوَ النَّصِيبُ وَالْمَاءُ وَالصَّوَابُ هُوَ النَّصِيبُ مِنْ الْمَاءِ وَلَك أَنْ تَقُولَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ وَهُوَ لَا يَلِيقُ ذِكْرُهُ فِي الْمُتُونِ قَالَ ﵀. (الْأَنْهَارُ الْعِظَامُ كَدِجْلَةَ والْفُرَاتِ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ وَلِكُلٍّ أَنْ يَسْتَقِيَ أَرْضَهُ وَيَتَوَضَّأَ بِهِ وَيَشْرَبَ وَيَنْصِبَ الرَّحَا عَلَيْهِ وَيُكْرِيَ نَهْرًا مِنْهَا إلَى أَرْضِهِ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْعَامَّةِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْمَاءِ وَالنَّارِ وَالْكَلَأِ» وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَنْهَارَ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا يَدٌ عَلَى الْخُصُوصِ؛ لِأَنَّ قَهْرَ الْمَاءِ يَمْنَعَ قَهْرَ غَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ مُحْرَزًا فِي الْمِلْكِ بِالْإِحْرَازِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا كَانَ مُشْتَرَكًا وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ فِي الْحَدِيثِ مَا لَيْسَ بِمُحْرَزٍ فَإِنَّ الْمُحْرَزَ قَدْ مَلَكَهُ فَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُبَاحًا كَالصَّيْدِ إذَا أَحْرَزَهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَشُرِطَ لِجَوَازِ الِانْتِفَاعِ أَنْ لَا يَضُرَّ بِالْعَامَّةِ فَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِالْعَامَّةِ لَيْسَ لَهُ الْكَرْيُ وَنَصْبُ الرَّحَا؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْمُبَاحِ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ لَا يَضُرُّ بِالْعَامَّةِ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْهَوَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلَأِ الْحَشِيشُ الَّذِي يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْبِتَهُ أَحَدٌ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَزْرَعَهُ وَيَسْقِيَهُ فَيَمْلِكُهُ مَنْ قَطَعَهُ، وَأَحْرَزَهُ وَإِنْ كَانَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ وَالْمُرَادُ بِالنَّارِ الِاسْتِضَاءَةُ بِنُورِهَا وَالِاصْطِلَاءُ بِهَا وَإِلَّا يُقَادُ مِنْ لَهَبِهَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ جَمْرَةً؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَيَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ فَكَانَ لَهُ مَنْعُهُ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ اهـ. قَالَ ﵀ (وَفِي الْأَنْهَارِ الْمَمْلُوكَةِ وَالْآبَارِ وَالْحِيَاضِ لِكُلٍّ شِرْبُهُ وَسَقْيُ دَوَابِّهِ لَا أَرْضِهِ، وَإِنْ خِيفَ تَخْرِيبُ النَّهْرِ لِكَثْرَةِ الْبُقُورِ يُمْنَعُ) وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ حَقُّ الشِّرْبِ وَسَقْيِ الدَّوَابِّ لِمَا رَوَيْنَا وَلِأَنَّ الْأَنْهَارَ وَالْآبَارَ وَالْحِيَاضَ لَمْ تُوضَعْ لِلْإِحْرَازِ وَالْمُبَاحُ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالْإِحْرَازِ وَلَكِنَّ الْمُسَافِرَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا يُوصِلُهُ إلَى مَقْصِدِهِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا يَمُرُّ عَلَيْهِ مِمَّا ذُكِرَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِنَفْسِهِ وَدَوَابِّهِ وَصَاحِبِهِ فَلَوْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ لَحِقَهُ ضَرَرٌ عَظِيمٌ وَهُوَ مَدْفُوعٌ شَرْعًا بِخِلَافِ سَقْيِ الْأَرَاضِي حَيْثُ يُمْنَعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ لِأَنَّ فِي إبَاحَةِ ذَلِكَ إبْطَالَ حَقِّ صَاحِبِ الْأَنْهَارِ إذْ لَا نِهَايَةَ لِذَلِكَ فَتَذْهَبُ مَنْفَعَةُ صَاحِبِ الْأَنْهَارِ فَيَلْحَقُهُ بِذَلِكَ ضَرَرٌ بِخِلَافِ سَقْيِ الدَّوَابِّ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ حَتَّى لَوْ تَحَقَّقَ فِيهِ الضَّرَرُ يُمْنَعُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ خِيفَ تَخْرِيبُ النَّهْرِ لِكَثْرَةِ الْبُقُورِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِصَاحِبِهِ عَلَى الْخُصُوصِ وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَا مَا ذَكَرْنَا لِغَيْرِهِ لِلضَّرُورَةِ فَلَا مَعْنَى لِإِبْقَائِهِ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِصَاحِبِهِ قَالَ فِي

стр. 2774

الْهِدَايَةِ وَلَهُمْ الشِّرْبُ وَإِنْ شَرِبُوا الْمَاءَ كُلَّهُ. اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ أَرَادَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنْ يَغْرِفَ بِالْجَرَّةِ فَلِصَاحِبِ الْمِلْكِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الدُّخُولِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ يُقَالُ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ: إمَّا أَنْ تُعْطِيَهُ الْمَاءَ وَإِمَّا أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ الدُّخُولِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكْسِرَهَا فِي النَّهْرِ قَالُوا هَذَا إذَا كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَأَمَّا إذَا حَفَرَ فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ النَّهْرِ مَنْعُهُ مِنْ الدُّخُولِ إذَا كَانَ لَا يَكْسِرُ مُسَنَّاةِ النَّهْرِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ مُشْتَرِكَةً بَيْنَ النَّاسِ كَافَّةً فَأَمَّا إذَا أَحْيَاهَا إنْسَانٌ لَمْ تَنْقَطِعْ الشَّرِكَةُ فِي الدُّخُولِ لِأَهْلِ الشُّفْعَةِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ رَقَبَةُ الشَّيْءِ لِإِنْسَانٍ وَلِلْآخَرِ فِيهِ حَقُّ الدُّخُولِ اهـ. وَفِيهِ أَيْضًا رَجُلٌ لَهُ مَاءٌ يَجْرِي إلَى مَزْرَعَتِهِ فَيَجِيءُ رَجُلٌ وَيَسْقِي دَوَابَّهُ حَتَّى يَنْفُذَ الْمَاءُ كُلُّهُ هَلْ لِصَاحِبِ النَّهْرِ أَنْ يَمْنَعَهُ قَالَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ اهـ. قَالَ: ﵀ (وَالْمُحْرَزُ فِي الْكُوزِ وَالْجُبِّ لَا يَنْتَفِعُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْإِحْرَازِ فَكَانَ أَحَقَّ بِهِ كَالصَّيْدِ إذَا أَخَذَهُ لَكِنَّهُ فِيهِ شُبْهَةُ الشَّرِكَةِ لِظَاهِرِ مَا رَوَيْنَا فَيَعْمَلُ فِيمَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَلَوْ سَرَقَ الْمَاءَ فِي مَوْضِعٍ يَعِزُّ فِيهِ الْمَاءُ وَهُوَ يُسَاوِي نِصَابًا لَا يُقْطَعُ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى قَوْلَهُ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] يُورِثُ الشُّبْهَةَ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ يُوَافِقُ قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ إبْطَالُ الْكِتَابِ بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ يُبْطِلُ الْعَمَلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] وَغَيْرِ ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْخُصُوصِيَّاتُ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ إبْطَالُ الْكِتَابِ لَكِنْ يَلْزَمُ بِهِ إبْطَالُ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ آخَرَ فَإِنَّكُمْ حَكَمْتُمْ بِأَنَّ الْمَاءَ الْمُحْرَزَ فِي الْأَوَانِي يَصِيرُ مَمْلُوكًا بِالْإِحْرَازِ وَيَنْقَطِعُ حَقُّ الْغَيْرِ عَنْهُ وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لَا مَحَالَةَ. فَلَوْ عَمِلْنَا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَزِمَ إبْطَالُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ غَيْرُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ بِخُصُوصِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُحْرَزَ فِي الْأَوَانِي مِلْكٌ مَخْصُوصٌ لِمُحْرِزِهِ وَلَوْ كَانَتْ الْبِئْرُ أَوْ الْحَوْضُ أَوْ النَّهْرُ فِي مِلْكِ رَجُلٍ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يُرِيدَ الشُّفْعَةَ مِنْ الدُّخُولِ وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْمُحِيطِ بِتَفَاصِيلِهِ: وَحُكْمُ الْكَلَأِ حُكْمُ الْمَاءِ عَلَى التَّفَاصِيلِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلَوْ مَنَعَ رَبُّ النَّهْرِ مَنْ يُرِيدُ الْمَاءَ وَهُوَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى دَابَّتِهِ الْعَطَشَ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ لِأَثَرِ عُمَرَ وَلِأَنَّهُ قَصَدَ إتْلَافَهُ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مُحْرَزًا فِي الْأَوَانِي فَلَيْسَ لِلَّذِي يَخَافُ الْعَطَشَ أَنْ يُقَاتِلَ بِالسِّلَاحِ وَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِغَيْرِ السِّلَاحِ إذَا كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ صَاحِبِهِ فَصَارَ نَظِيرَ الطَّعَامِ حَالَةَ الْمَخْمَصَةِ وَفِي الْكَافِي قِيلَ فِي الْبِئْرِ وَنَحْوِهِ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَاتِلَهُ بِغَيْرِ السِّلَاحِ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ التَّعْزِيرِ هَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ حَيْثُ جَعَلَ الْأَوْلَى أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ بِهِ، وَأَهْلُ الشُّفْعَةِ بِأَنْ كَانُوا يَشْرَبُونَ الْمَاءَ كُلَّهُ بِأَنْ كَانَ نَهْرًا صَغِيرًا وَفِيمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوَاشِي كَثْرَةٌ يَنْقَطِعُ الْمَاءُ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لِرَبِّهِ أَنْ يَمْنَعَ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الضَّرَرُ بِذَلِكَ فَصَارَ كَسَقْيِ الْأَرْضِ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْمَاءَ لِلْوُضُوءِ وَغَسْلِ الثِّيَابِ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ يَنْقُلُهُمَا فِي النَّهْرِ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْقِيَ شَجَرًا أَوْ خَضِرًا فِي دَارِهِ فَحَمَلَ الْمَاءَ إلَيْهِ بِالْجَرَّةِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ بُخَارَى: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ النَّهْرِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَوَسَّعُونَ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ نَخْلَهُ وَشَجَرَهُ، وَأَرْضُهُ مِنْ نَهْرِ غَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ. فَالْحَاصِلُ: الْمِيَاهُ ثَلَاثَةٌ؛ الْأَنْهَارُ الْعِظَامُ الَّتِي لَا تَدْخُلُ فِي مِلْكِ أَحَدٍ وَالْأَنْهَارُ الَّتِي هِيَ مَمْلُوكَةٌ وَمَا صَارَ فِي الْأَوَانِي وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ كُلِّ وَاحِدٍ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: ﵀ (وَكَرْيُ نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وَبَيْتُ الْمَالِ مُعَدٌّ لَهَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَيُصْرَفُ ذَلِكَ مِنْ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ دُونَ الْعُشْرِ وَالصَّدَقَاتِ لِأَنَّ الثَّانِيَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْأَوَّلَ لِلنَّوَائِبِ قَالَ ﵀: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ يُجْبَرُ النَّاسُ عَلَى كَرْيِهِ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ أَجْبَرَ الْإِمَامُ النَّاسَ عَلَى كَرْيِهِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ نُصِبَ نَاظِرًا وَفِي تَرْكِهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ عَلَى النَّاسِ وَقَلَّمَا يَتَّفِقُ الْعَوَامُّ عَلَى الْمَصَالِحِ بِاخْتِيَارِهِمْ فَيُجْبِرُهُمْ عَلَيْهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَجْبَرَ فِي مِثْلِ هَذَا فَكَلَّمُوهُ فَقَالَ: لَوْ تُرِكْتُمْ لَبِعْتُمْ أَوْلَادَكُمْ إلَّا أَنَّهُ يُخْرِجُ لِلْكَرْيِ مَنْ كَانَ يُطِيقُ الْكَرْيَ مِنْهُمْ وَيَجْعَلُ مُؤْنَتَهُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَ الْكَرْيَ بِأَنْفُسِهِمْ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُحَصِّصَ النَّهْرَ خَوْفَ الِانْتِشَافِ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ يُجْبِرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ اهـ. قَالَ: ﵀ (وَكَرْيُ مَا هُوَ مَمْلُوكٌ عَلَى أَهْلِهِ

стр. 2775

وَيُجْبَرُ الْآبِي عَلَى كَرْيِهِ) لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ لَهُمْ عَلَى الْخُصُوصِ فَتَكُونُ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمْ وَلِأَنَّ الْغُرْمَ بِالْغُنْمِ وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ يُجْبَرُ وَقِيلَ إنْ كَانَ خَاصًّا لَا يُجْبَرُ وَالْفَاصِلُ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ أَنَّ مَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الشُّفْعَةُ خَاصٌّ وَمَا لَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الشُّفْعَةُ عَامٌّ وَبَيَانُ الْفَرْقِ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَامًّا فِيهِ دَفْعُ ضَرَرٍ عَامٍّ فَيُجْبَرُ الْآبِي بِخِلَافِ الْخَاصِّ وَفِي الضَّرَرِ الْخَاصِّ يُمْكِنُ الدَّفْعُ بِأَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَيُنْفِقَ وَيَرْجِعَ عَلَى الْمُمْتَنِعِ بِحِصَّتِهِ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَصَارَ كَزَرْعٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْإِنْفَاقِ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَيَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ فَكَذَا هَذَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَامًّا لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ لِكِبَرِهِمْ فَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ وَلَا يُقَالُ: فِي كِرَاءِ النَّهْرِ الْخَاصِّ إحْيَاءٌ لَهُ حُقُوقُ أَهْلِ الشُّفْعَةِ فَيَكُونُ فِي تَرْكِهِ ضَرَرٌ عَامٌّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا جَبْرَ لِأَجْلِ أَهْلِ الشُّفْعَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ النَّهْرِ لَوْ امْتَنَعُوا عَنْ كَرْيِهِ لَا يُجْبِرُهُمْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُمْ امْتَنَعُوا عَنْ عِمَارَةِ أَرَاضِيهِمْ وَلَوْ كَانَ حَقُّ أَهْلِ الشُّفْعَةِ مُعْتَبَرًا لَأُجْبِرَ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: مَعْنَاهُ أَنْ يَنْقُلُوا نَصِيبَ الْآبِي مِنْ الشِّرْبِ مِقْدَارَ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ مَا أَنْفَقَ. قَالَ: ﵀ (وَمُؤْنَةُ كَرْيِ النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْلَاهُ فَإِذَا جَاوَزَ أَرْضَ رَجُلٍ بَرِئَ) وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا: الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ إلَى آخِرِهِ بِالْحِصَصِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْتَفِعُ بِالْأَسْفَلِ كَمَا يَنْتَفِعُ بِالْأَعْلَى؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَسِيلِ الْفَاضِلِ مِنْ الْمَاءِ فَإِنَّهُ إذَا سُدَّ عَلَيْهِ فَاضَ الْمَاءُ إلَى أَرْضِهِ فَيُفْسِدُ زَرْعَهُ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْتَفِعُ بِالنَّهْرِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى أَسْفَلِهِ وَفِي الْخَانِيَّةِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَاخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا فِي الطَّرِيقِ الْخَاصِّ إذَا احْتَاجَ الْإِصْلَاحَ قِيلَ: هُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ عِنْدَ الْإِمَامِ عَلَيْهِ الْمُؤْنَةُ إلَى أَنْ يُجَاوِزَ أَرْضَهُ وَعِنْدَهُمَا مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ: وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الْكُتُبِ إذَا انْتَهَى إلَى دَارِ رَجُلٍ يَدْفَعُ عَنْهُ مُؤْنَةَ الْإِصْلَاحِ بِالْإِجْمَاعِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الطَّرِيقِ وَالنَّهْرِ وَالْفَرْقُ أَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ لَا يَحْتَاجُ إلَى النَّظَرِ فِيمَا جَاوَزَ دَارِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ بِخِلَافِ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَلِلْإِمَامِ أَنَّ مُؤْنَةَ الْكَرْبِ عَلَى مَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَسْقِي مِنْهُ أَرْضَهُ فَإِذَا جَاوَزَ أَرْضَهُ بَرِئَ فَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ فِي مُؤْنَةِ مَا بَقِيَ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَهُ الْحَقُّ يَسِيلُ الْمَاءُ عَلَى سَطْحِ جَارِهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ عِمَارَتِهِ بِاعْتِبَارِ مَسِيلِ الْمَاءِ فِيهِ وَلِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ بِسَدِّ فُوَّهَةِ النَّهْرِ مِنْ أَعْلَاهُ إذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْكَرْبَ إذَا انْتَهَى إلَى فُوَّهَةِ أَرْضِهِ مِنْ النَّهْرِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْمُؤْنَةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ مُؤْنَةُ الْكَرْبِ إلَى أَنْ يُجَاوِزَ حَدَّ أَرْضِهِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شِرْبَهُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْ أَرْضِهِ مِنْ أَعْلَاهَا أَوْ أَسْفَلِهَا. [لَا كِرَاءَ عَلَى أَهْلِ الشُّفْعَةِ] قَالَ ﵀: (وَلَا كِرَاءَ عَلَى أَهْلِ الشُّفْعَةِ) لِأَنَّهُمْ لَا يُحَصُّونَ قَوْلُهُ: لَا يُحَصُّونَ لِأَنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا كُلَّهُمْ لَهُمْ حَقُّ الشُّفْعَةِ وَمُؤْنَةُ الْكَرْيِ لَا تَجِبُ عَلَى قَوْمٍ لَا يُحَصُّونَ وَلِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ حَفْرِ الْأَنْهَارِ وَنَحْوِهَا سَقْيُ الْأَرَاضِي، وَأَهْلُ الشُّفْعَةِ أَتْبَاعٌ وَالْمُؤْنَةُ تَجِبُ عَلَى الْأُصُولِ دُونَ الْأَتْبَاعِ وَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الشُّفْعَةَ. قَالَ ﵀ (وَتَصِحُّ دَعْوَى الشِّرْبِ بِغَيْرِ أَرْضٍ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الدَّعْوَى إعْلَامُ الْمُدَّعَى بِهِ فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ، وَالشِّرْبُ مَجْهُولٌ جَهَالَةً لَا تَقْبَلَ الْإِعْلَامَ وَلِأَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ لَهُ بِالْمُدَّعَى بِهِ إذَا ثَبَتَ دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ وَالشِّرْبُ لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ بِدُونِ الْأَرْضِ فَلَا يَسْتَمِعُ الْقَاضِي فِيهِ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَةَ كَالْخَمْرِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الشِّرْبَ مَرْغُوبٌ فِيهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَمْلِكَهُ بِغَيْرِ الْأَرْضِ بِالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ وَقَدْ تُبَاعُ الْأَرْضُ وَيَبْقَى الشِّرْبُ وَحْدَهُ فَإِذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ رَجُلٌ ظُلْمًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ عَنْهُ بِإِثْبَاتِ حَقِّهِ بِالْبَيِّنَةِ رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ وَلِلْآخَرِ نَهْرٌ يَجْرِي فِيهَا فَأَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَمْنَعَ النَّهْرَ أَنْ يَجْرِيَ فِي أَرْضِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَيُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ النَّهْرِ فِي يَدِ رَبِّ النَّهْرِ وَعِنْدَ الِاخْتِلَافِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَنَّهُ مِلْكُهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ جَارِيًا فِيهَا فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّ هَذَا النَّهْرَ لَهُ، وَأَنَّ مَجْرَاهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ يَسُوقُهُ إلَى أَرْضٍ لَهُ لِيَسْقِيَهَا فَيَقْضِي لَهُ لِإِثْبَاتِهِ بِالْحُجَّةِ مِلْكَ الرَّقَبَةِ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِيهِ أَوْ حَقَّ الْآخَرِ فِي إثْبَاتِ الْمَجْرَى مِنْ غَيْرِ دَعْوَى الْمِلْكِ، وَعَلَى هَذَا نَصِيبُ الْمَاءِ فِي كُلِّ نَهْرٍ أَوْ مَجْرًى عَلَى سَطْحٍ أَوْ الْمِيزَابِ أَوْ الْمَشْيِ فِي دَارِ غَيْرِهِ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالشِّرْبِ كَمَا قَدَّمْنَا اهـ. [نَهْرٌ بَيْنَ قَوْمٍ اخْتَصَمُوا فِي الشِّرْبِ] قَالَ ﵀ (نَهْرٌ بَيْنَ قَوْمٍ اخْتَصَمُوا فِي الشِّرْبِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَرَاضِيهِمْ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالشِّرْبِ سَقْيُ الْأَرْضِ وَالْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ تَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْأَرَاضِي وَكَثْرَتِهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِقْدَارُ أَرْضِهِ بِخِلَافِ الطَّرِيقِ إذَا اخْتَلَفَ فِيهِ الشُّرَكَاءُ حَيْثُ يَسْتَوُونَ فِي مِلْكِ رَقَبَةِ الطَّرِيقِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ سَعَةُ الدَّارِ وَضِيقُهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ

стр. 2776

الِاسْتِطْرَاقُ وَذَاكَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ لَا يُقَالُ اسْتَوَيَا فِي إثْبَاتِ الْيَدِ عَلَى النَّهْرِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَاءُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَلَا يُمْكِنُ إحْرَازُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِانْتِفَاعَ مُتَفَاوِتٌ بِتَفَاوُتِ الْأَرْضِ فَتَتَفَاوَتُ الْأَجْزَاءُ فِي ضِمْنِ الِانْتِفَاعِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَسَبِ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَسْكُرَ النَّهْرَ عَلَى الْأَسْفَلِ وَلَكِنْ يَشْرَبُ حِصَّتَهُ؛ لِأَنَّ فِي السَّكْرِ إحْدَاثَ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ فِي وَسَطِ النَّهْرِ وَرَقَبَةُ النَّهْرِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ الشُّرَكَاءِ فَإِنْ تَرَاضَوْا عَلَى أَنَّ الْأَعْلَى يَسْكُرُ النَّهْرَ حَتَّى يَشْرَبَ بِحِصَّتِهِ وَاصْطَلَحُوا أَنْ يَسْكُرَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي نَوْبَتِهِ جَازَ لِأَنَّ الْمَانِعَ حَقُّهُمْ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِتَرَاضِيهِمْ وَلَكِنْ إنْ أَمْكَنَهُمْ أَنْ يَسْكُرَ بِلَوْحٍ أَوْ بَابٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْكُرَ ذَلِكَ بِالطِّينِ وَالتُّرَابِ؛ لِأَنَّ بِهِ ضَرَرًا بِالشُّرَكَاءِ وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي النَّهْرِ بِحَيْثُ لَا يَجْرِي إلَى أَرْضِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا بِالسَّكْرِ فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِالْأَعْلَى حَتَّى يَرْوِيَ ثُمَّ بِاَلَّذِي بَعْدَهُ كَذَلِكَ وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْأَعْلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ أَهْلِ الْأَسْفَلِ اهـ. قَالَ: ﵀ (وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَشُقَّ نَهْرًا أَوْ يَنْصِبَ عَلَيْهِ رَحًى أَوْ دَالِيَةً أَوْ جِسْرًا أَوْ يُوَسِّعَ فَمَ النَّهْرِ أَوْ يَقْسِمَ بِالْأَيَّامِ وَقَدْ وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ بِالْكُوَى أَوْ يَسُوقَ نَصِيبَهُ إلَى أَرْضٍ لَهُ أُخْرَى لَيْسَ لَهَا فِيهِ شِرْبٌ بِلَا رِضَاهُمْ) ؛ لِأَنَّ فِي شَقِّ النَّهْرِ وَنَصْبِ الرَّحَا كَسْرَ صِفَةِ النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَشَغْلُ الْمُشْتَرَكِ بِالْبِنَاءِ بِغَيْرِ إذْنِ الشُّرَكَاءِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّحَا لَا تَضُرُّ بِالنَّهْرِ وَلَا بِالْمَاءِ وَيَكُونَ مَوْضِعُهَا فِي أَرْضِ صَاحِبِهَا فَيَجُوزَ؛ لِأَنَّ مَا يُحْدِثُهُ مِنْ الْبِنَاءِ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ وَبِسَبَبِ الرَّحَا لَا يَنْقُصُ الْمَاءُ وَالْمَانِعُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ الْإِضْرَارُ بِالشُّرَكَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ وَبِالْقَنْطَرَةِ وَالْجِسْرِ إشْغَالُ الْمَوْضِعِ الْمُشْتَرَكِ بِغَيْرِ إذْنِ الشُّرَكَاءِ فَلَا يَجُوزُ. وَالدَّالِيَةُ جِذْعٌ طَوِيلٌ يُرَكَّبُ تَرْكِيبَ مَدَاقِّ الْأَرُزِّ فِي رَأْسِهِ مِغْرَفَةٌ كَبِيرَةٌ لِيَسْقِيَ بِهَا وَقِيلَ هُوَ الدُّولَابُ وَالسَّانِيَةُ لِلْبَعِيرِ يُسْقَى عَلَيْهَا مِنْ الْبِئْرِ وَالْجِسْرُ اسْمٌ لِمَا يُوضَعُ وَيُرْفَعُ مِمَّا يَكُونُ بَيْنَ الْأَلْوَاحِ وَغَيْرِهِ وَالْقَنْطَرَةُ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْآجُرِّ وَالْحَجَرِ وَالْكُوَّةُ ثَقْبُ الْبَيْتِ وَالْجَمْعُ كُوًى وَإِذَا كَانَ نَهْرٌ خَاصٌّ لِرَجُلٍ يَأْخُذُ مِنْ نَهْرٍ بَيْنَ الْقَوْمِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَنْطِرَ عَلَيْهِ أَوْ يَسُدَّهُ مِنْ جَانِبَيْهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ بِرَفْعِ بِنَائِهِ وَإِنْ كَانَ يَزِيدُ فِي أَخْذِ الْمَاءِ كَانَ لِلشُّرَكَاءِ مَنْعُهُ وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُوَسِّعَ فَمَ النَّهْرِ؛ لِأَنَّ فِيهِ كَسْرَ صِفَتِهِ وَيَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ حَقِّهِ فِي أَخْذِ الْمَاءِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْقِسْمَةُ بِالْكَرْيِ وَكَذَا إنْ كَانَتْ بِالْكَرْيِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَسَّعَ فَمَ النَّهْرِ يَخِسُّ الْمَاءُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ لَهُ أَوَّلًا وَكَذَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُؤَخِّرَ فَمَ النَّهْرِ فَيَجْعَلَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ مِنْ فَمِ النَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ يَحْبِسُ الْمَاءَ فِيهِ فَيَزْدَادُ دُخُولُ الْمَاءِ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ الشُّرَكَاءِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُسَفِّلَ كُوَاهُ أَوْ يَرْفَعَهُ مِنْ حَيْثُ الْعُمْقُ فِي مَكَانِهِ حَيْثُ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْمَاءِ فِي الْأَصْلِ وَقَعَ بِاعْتِبَارِ سَعَةِ الْكُوَى وَضِيقِهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ السُّفْلِ، وَالرَّفْعُ فِي الْعُمْقِ هُوَ الْعَادَةُ فَلَا يُؤَدِّي إلَى تَغَيُّرِ مَوْضِعِ الْقِسْمَةِ فَلَا يُمْنَعُ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْسِمَ بِالْأَيَّامِ بَعْدَمَا وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ بِالْكُوَى؛ لِأَنَّ الْقَدِيمَ يُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ لِظُهُورِ أَنَّ الْحَقَّ فِيهِ وَلَوْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كُوًى مُسَمَّاةٌ فِي نَهْرٍ خَاصٍّ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَزِيدَ كَوَّةً وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِأَهْلِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ خَاصَّةٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْكُوَى فِي النَّهْرِ الْأَعْظَمِ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَشُقَّ نَهْرًا مِنْهُ ابْتِدَاءً فَالْكُوَى بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسُوقَ شِرْبَهُ إلَى أَرْضٍ أُخْرَى لَيْسَ لَهَا فِيهِ شِرْبٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ يُخْشَى أَنْ يَدَّعِيَ حَقَّ الشِّرْبِ لَهَا مِنْ هَذَا النَّهْرِ مَعَ الْأُولَى إذَا تَقَادَمَ الْعَهْدُ وَيُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِالْحَفْرِ وَإِجْرَاءِ الْمَاءِ فِيهِ إلَيْهَا وَكَذَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَسُوقَ شِرْبَهُ إلَى أَرْضِ الْأُولَى حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ يَسُوقُ زِيَادَةً عَلَى حَقِّهِ، إذْ الْأَرْضُ الْأُولَى تَشْرَبُ الْمَاءَ قَبْلَ أَنْ يَسْقِيَ الْأُخْرَى وَهُوَ نَظِيرُ طَرِيقٍ مُشْتَرَكٍ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَفْتَحَ فِيهِ بَابًا إلَى دَارٍ أُخْرَى - سَاكِنُهَا غَيْرُ سَاكِنِ هَذِهِ الدَّارِ - فَفَتَحَهَا فِي هَذَا الطَّرِيقِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ سَاكِنُ الدَّارَيْنِ وَاحِدًا حَيْثُ لَا يُمْنَعُ؛ لِأَنَّ الْمَارَّةَ لَا تَزْدَادُ وَلَهُ حَقُّ الْمُرُورِ وَيَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ وَهُوَ الْجِدَارُ بِالرَّفْعِ وَلَوْ أَرَادَ الْأَعْلَى مِنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي النَّهْرِ الْخَاصِّ وَفِيهِ كَوَّةٌ بَيْنَهُمَا أَنْ يَسُدَّ بَعْضَهَا دَفْعًا لِفَيْضِ الْمَاءِ عَنْ أَرْضِهِ لِكَيْ لَا يَنِزَّ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْأُخْرَى وَكَذَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ النَّهْرَ مُنَاصَفَةً؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْكَوَّةِ تَقَدَّمَتْ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا وَبَعْدَ الرِّضَا لِصَاحِبِ السُّفْلِ أَنْ يَنْقُضَ ذَلِكَ وَكَذَا لِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ لِأَنَّهُ إعَارَةٌ لِلشِّرْبِ لَا مُبَادَلَةٌ؛ لِأَنَّ مُبَادَلَةَ الشِّرْبِ بِالشِّرْبِ بَاطِلَةٌ وَكَذَا إجَارَةُ الشِّرْبِ لَا تَجُوزُ

стр. 2777

فَتَعَيَّنَتْ الْإِعَارَةُ فَيَرْجِعُ فِيهَا وَكَذَا وَرَثَتُهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءُوا؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ اهـ. قَالَ ﵀ (وَيُوَرَّثُ الشِّرْبُ وَيُوصَى بِالِانْتِفَاعِ بِعَيْنِهِ وَلَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ) لِأَنَّ الْوَرَثَةَ خَلْفُ الْمَيِّتِ يَقُومُونَ مَقَامَهُ وَجَازَ أَنْ يَقُومُوا مَقَامَهُ فِيمَا لَا يَجُوزُ تَمْلِيكُهُ كَالْمُعَاوَضَاتِ وَالتَّبَرُّعَاتِ كَالدَّيْنِ وَالْقِصَاصِ وَالْخَمْرِ وَكَذَا الشِّرْبُ، وَالْوَصِيَّةُ أُخْتُ الْمِيرَاثِ فَكَانَتْ مِثْلَهُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ بِذَلِكَ حَيْثُ لَا تَجُورُ لِلْغُرُورِ وَالْجَهَالَةِ وَلِعَدَمِ الْمِلْكِ فِيهِ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ حَتَّى لَوْ أَتْلَفَ شِرْبَ إنْسَانٍ بِأَنْ سَقَى أَرْضَهُ مِنْ شِرْبِ غَيْرِهِ لَا يَضْمَنُ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَكَذَا لَا يَصْلُحُ مُسَمًّى فِي النِّكَاحِ وَلَا فِي الْخُلْعِ وَلَا فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَهَذِهِ الْعُقُودُ صَحِيحَةٌ وَلَا تَبْطُلُ بِهَذَا الشَّرْطِ فِيهَا وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَعَلَى الْمَرْأَةِ رَدُّ مَا أَخَذَتْ مِنْ الْمَهْرِ وَعَلَى الْقَاتِلِ الدِّيَةُ وَكَذَا لَا يَصْلُحُ بَدَلًا فِي دَعْوَى حَقٍّ وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَرْجِعَ فِي دَعْوَاهُ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَنَّ الشِّرْبَ يَجُوزُ بَيْعُهُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ وَمُفْرَدًا فِي رِوَايَةٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِ بَلْخٍ؛ لِأَنَّهُ حَظٌّ فِي الْمَاءِ وَلِهَذَا يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ وَلَهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ قَالَ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ لَهُ نَوْبَةُ مَاءِ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ فِي الْأُسْبُوعِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَسَقَى أَرْضَهُ فِي نَوْبَتِهِ ذَكَرَ الْإِمَامُ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ أَنَّ غَاصِبَ الْمَاءِ يَكُونُ ضَامِنًا وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ضَامِنًا وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى رَجُلٌ أَتْلَفَ شِرْبَ رَجُلٍ بِأَنْ سَقَى أَرْضَهُ بِشِرْبِ غَيْرِهِ. قَالَ الْإِمَامُ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ: يَضْمَنُ، وَقَالَ الْإِمَامُ خواهر زاده لَا يَضْمَنُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ تَنَاقَضَ حَيْثُ قَالَ هُنَا لَا يَضْمَنُ إنْ سَقَى مِنْ شِرْبِ غَيْرِهِ وَقَالَ هُنَاكَ وَلِهَذَا يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ عَلَى رِوَايَةِ مَشَايِخِ بَلْخٍ وَمَا ذَكَرَ هَهُنَا عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ قَالَ الشَّارِحُ وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ لَا يُبَاعُ الشِّرْبُ بِدُونِ الْأَرْضِ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلشِّرْبِ أَرْضٌ قِيلَ يُجْمَعُ الْمَاءُ فِي نَوْبَةٍ فِي حَوْضٍ فَيُبَاعُ إلَى أَنْ يُقْضَى الدَّيْنُ مِنْ ذَلِكَ وَقِيلَ: يَنْظُرُ الْإِمَامُ إلَى أَرْضٍ لَا شِرْبَ لَهَا فَيَضُمُّ هَذَا الشِّرْبَ إلَيْهَا فَيَبِيعُهَا بِرِضَا صَاحِبِهَا ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ الْأَرْضِ بِدُونِ الشِّرْبِ وَإِلَى قِيمَتِهَا مَعَهُ فَيَصْرِفُ تَفَاوُتَ مَا بَيْنِهِمَا مِنْ الثَّمَنِ إلَى قَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ وَالسَّبِيلُ فِي مَعْرِفَةِ قِيمَةِ الشِّرْبِ إذَا أَرَادَ قِسْمَةَ الثَّمَنِ عَلَى قِيمَتِهِمَا أَنْ يُقَوِّمَ الشِّرْبَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَوْ كَانَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي الْعُقْرِ الْوَاجِبِ بِشُبْهَةٍ: يُنْظَرُ إلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِكَمْ كَانَتْ تُسْتَأْجَرُ لِلزِّنَا فَذَلِكَ الْقَدْرُ هُوَ عَقْدُهَا فِي الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ. وَإِنْ لَمْ يَجِدْ اشْتَرَى عَلَى تَرِكَةِ الْمَيِّتِ أَرْضًا بِغَيْرِ شِرْبٍ ثُمَّ يَضُمُّ إلَى هَذَا الشِّرْبِ فَيَبِيعُهَا فَيُؤَدِّي مِنْ الثَّمَنِ قِيمَةَ الْأَرْضِ الْمُشْتَرَاةِ، وَالْفَاضِلُ لِلْغُرَمَاءِ. قَالَ ﵀ (وَلَوْ مَلَأ أَرْضَهُ مَاءً فَنَزَتْ أَرْضُ جَارِهِ أَوْ غَرِقَتْ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ وَلَيْسَ بِمُتَعَدٍّ فَلَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي السَّبَبِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي أَرْضٍ لَا يَضْمَنُ مَا عَطِبَ فِيهِ وَإِنْ حَفَرَ فِي الطَّرِيقِ يَضْمَنُ وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَمْلَأَ أَرْضَهُ وَيَسْقِيَهُ قَالُوا هَذَا إذَا سَقَى أَرْضَهُ سَقْيًا مُعْتَادًا بِأَنْ سَقَاهَا قَدْرَ مَا تَحْتَمِلُهُ عَادَةً أَمَّا إذَا سَقَاهَا سَقْيًا لَا تَحْتَمِلُهُ أَرْضُهُ فَيَضْمَنُ وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ أَوْقَدَ نَارًا فِي دَارِهِ فَاحْتَرَقَ دَارُ جَارِهِ فَإِنْ كَانَ أَوْقَدَهَا مِثْلَ الْعَادَةِ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ الْعَادَةِ يَضْمَنُ وَكَانَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ الزَّاهِدُ يَقُولُ: إنَّمَا لَمْ يَضْمَنْ بِالسَّقْيِ الْمُعْتَادِ إذَا كَانَ مُحِقًّا فِيهِ بِأَنْ سَقَى أَرْضَهُ فِي نَوْبَتِهِ مِقْدَارَ حَقِّهِ وَأَمَّا إذَا سَقَاهَا فِي غَيْرِ نَوْبَتِهِ أَوْ فِي نَوْبَتِهِ زِيَادَةً عَلَى حَقِّهِ فَيَضْمَنُ لِوُجُودِ التَّعَدِّي فِي السَّبَبِ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ] (كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ) ذَكَرَ الْأَشْرِبَةَ بَعْدَ الشِّرْبِ؛ لِأَنَّهُمَا شُعْبَتَا عُرْفٍ وَاحِدٍ لَفْظًا وَمَعْنًى فَاللَّفْظِيُّ هُوَ الشِّرْبُ مَصْدَرُ شَرِبَ، وَالْعُرْفُ الْمَعْنَوِيُّ هُوَ مَعْنَى لَفْظِ الشِّرْبِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ شَرِبَ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُشْتَقٌّ مِنْ ذَلِكَ الْمَصْدَرِ وَلَا بُدَّ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْمُشْتَقِّ وَالْمُشْتَقِّ مِنْهُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَمِنْ مَحَاسِنِ ذِكْرِ الْأَشْرِبَةِ بَيَانُ حُرْمَتِهَا، إذْ الشُّبْهَةُ فِي حُسْنِ تَحْرِيمِ مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ شُكْرِ الْمُنْعِمِ فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا حَلَّ لِلْأُمَمِ السَّابِقَةِ مَعَ احْتِيَاجِهِمْ إلَى الْعَقْلِ أُجِيبَ بِأَنَّ السُّكْرَ حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَحَرُمَ شُرْبُ الْقَلِيلِ مِنْ الْخَمْرِ عَلَيْنَا كَرَامَةً مِنْ اللَّهِ عَلَيْنَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْمَحْظُورِ بِأَنْ يَدْعُوَ الْقَلِيلُ إلَى الْكَثِيرِ، وَنَحْنُ مَشْهُودٌ لَنَا بِالْخَيْرِيَّةِ فَإِنْ قِيلَ هَلَّا حَرُمَتْ عَلَيْنَا النَّبِيذُ وَالدَّاعِي الْمَذْكُورُ مَوْجُودٌ أُجِيبَ بِأَنَّ

стр. 2778

الشَّهَادَةَ بِالْخَيْرِيَّةِ لَمْ تَكُنْ، إذْ ذَاكَ وَإِنَّمَا يَتَدَرَّجُ الضَّارِي لِئَلَّا يَتَعَدَّاهُ مِنْ الْإِسْلَامِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ بِأَنْ يَنْفِرَ مِنْ الْإِسْلَامِ. اهـ. وَأُضِيفَ هَذَا الْكِتَابُ إلَى الْأَشْرِبَةِ وَالْحَالُ أَنَّ الْأَشْرِبَةَ جَمْعُ شَرَابٍ وَهُوَ اسْمٌ فِي اللُّغَةِ لِكُلِّ مَا يُشْرَبُ مِنْ الْمَائِعَاتِ حَرَامًا كَانَ أَوْ حَلَالًا وَفِي اسْتِعْمَالِ أَهْلِ الشَّرْعِ اسْمٌ لِمَا هُوَ حَرَامٌ مِنْهُ وَكَانَ مُسْكِرًا لِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الْأَشْرِبَةِ كَمَا سَمَّى كِتَابَ الْحُدُودِ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الْحُدُودِ وَفِي التَّلْوِيحِ وَفِي أَوَائِلِ الْقِسْمِ الثَّانِي أَنَّ إضَافَةَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ إلَى الْأَعْيَانِ حَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرِ الْأَشْرِبَةِ لُغَةً وَشَرْعًا - وَقَدْ تَقَدَّمَ -، وَإِلَى بَيَانِ الْأَعْيَانِ الَّتِي تُتَّخَذُ مِنْهَا الْأَشْرِبَةُ، وَأَسْمَائِهَا وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ اهـ. قَالَ ﵀ (الشَّرَابُ مَا يُسْكِرُ) هَذَا فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» وَهَذَا مَعْنَاهُ. قَالَ ﵀ (وَالْمُحَرَّمُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ: الْخَمْرُ وَهِيَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ وَحَرُمَ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا) وَقَالَ بَعْضُهُمْ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِقَوْلِهِ ﵊ «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهَا سُمِّيَتْ خَمْرًا لِمُخَامَرَةِ الْعَقْلِ وَكُلُّ مُسْكِرٍ يُخَامِرُ الْعَقْلَ وَلَنَا إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ وَتَسْمِيَةِ غَيْرِهَا بِالْخَمْرِ مَجَازًا وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ كَذَا فِي الشَّارِحِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ نُقِلَ فِي الْقَامُوسِ: الْخَمْرُ مَا يُسْكِرُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَوْ عَامٌّ قَالَ: وَالْعُمُومُ أَصَحُّ وَأَيْضًا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ بُعِثَ لِبَيَانِ الْأَحْكَامِ لَا لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالتَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ لِلْخَمْرِ هُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا إذَا اشْتَدَّ صَارَ خَمْرًا وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَذْفُ بِالزَّبَدِ؛ لِأَنَّ اللَّذَّةَ تَحْصُلُ بِهِ وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي إيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالصَّدِّ عَنْ الصَّلَاةِ وَلَهُ أَنَّ الْغَلَيَانَ بِدَايَةُ الشِّدَّةِ، وَكَمَالُهُ بِقَذْفِ الزَّبَدِ. وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا فِي بَيَانِ مَاهِيَّتِهِ، وَالثَّانِي وَقْتُ ثُبُوتِ هَذَا الِاسْمِ - وَقَدْ تَقَدَّمَا -، وَالثَّالِثُ أَنَّ عَيْنَهُ حَرَامٌ غَيْرُ مَعْلُولٍ بِالسُّكْرِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ بِالسُّكْرِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ غَيْرُ الْمُسْكِرِ مِنْهَا لَيْسَ بِحَرَامٍ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ بِالسُّكْرِ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِ، وَهَذَا كُفْرٌ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ، وَالرَّابِعُ أَنَّهَا نَجِسَةُ الْعَيْنِ نَجَاسَةً غَلِيظَةً كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَالْخَامِسُ أَنَّ مُسْتَحِلَّهَا يُكَفَّرُ لِإِنْكَارِهِ الدَّلِيلَ الْقَطْعِيَّ، وَالسَّادِسُ سُقُوطُ تَقْوِيمِهَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ حَتَّى لَا يَضْمَنَ مُتْلِفُهَا، السَّابِعُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالثَّامِنُ أَنَّهُ يُحَدُّ شَارِبُهَا وَإِنْ لَمْ يَسْكَرْ، وَالتَّاسِعُ أَنَّ الطَّبْخَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ لَا لِرَفْعِهَا بَعْدَ ثُبُوتِهَا، وَالْعَاشِرُ جَوَازُ تَحْلِيلِهَا عَلَى مَا يَجِيءُ مِنْ قَرِيبٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي الْكَافِي وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَسْقِيَهُ ذِمِّيًّا أَوْ صَبِيًّا أَوْ دَابَّةً وَفِي الْخَانِيَّةِ وَيُكْرَهُ الِاكْتِحَالُ بِالْخَمْرِ وَأَنْ يَجْعَلَهُ فِي السَّعُوطِ وَفِي الْأَصْلِ لَوْ عُجِنَ الدَّقِيقُ بِالْخَمْرِ كُرِهَ أَكْلُهُ وَالْحِنْطَةُ إذَا وَقَعَتْ فِي الْخَمْرِ يُكْرَهُ أَكْلُهَا قَبْلَ الْغَسْلِ وَلَوْ انْتَفَخَتْ الْحِنْطَةُ فِي الْخَمْرِ قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَطْهُرُ قَبْلَ الْغَسْلِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تُغْسَلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَتُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَتَطْهُرُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا طُبِخَ اللَّحْمُ فِي الْخَمْرِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ طُبِخَ الْخَمْرُ بِالْمَاءِ، وَالْمَاءُ أَقَلُّ أَوْ سَوَاءٌ يُحَدُّ شَارِبُهُ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ أَكْثَرَ لَا يُحَدُّ إلَّا ذَا سَكِرَ وَفِي الْكَافِي وَاخْتَلَفُوا فِي سُقُوطِ مَالِيَّتِهَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مَالٌ اهـ. قَالَ ﵀ (وَالطِّلَاءُ وَهُوَ الْعَصِيرُ إنْ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ) وَهَذَا النَّوْعُ الثَّانِي قَالَ فِي الْمُحِيطِ: الطِّلَاءُ اسْمٌ لِلْمُثَلَّثِ وَهُوَ مَا طُبِخَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ وَصَارَ مُسْكِرًا وَهُوَ الصَّوَابُ وَإِنَّمَا سُمِّيَ طِلَاءً لِقَوْلِ عُمَرَ مَا أَشْبَهَ هَذَا بِطِلَاءِ الْبَعِيرِ وَهُوَ النَّفْطُ الَّذِي يُطْلَى بِهِ الْبَعِيرُ إذَا كَانَ أَجْرَبَ، وَنَجَاسَتُهُ قِيلَ مُغَلَّظَةٌ وَقِيلَ مُخَفَّفَةٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَإِنْ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَاذَقِ وَالْمُنَصَّفِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْبَاذَقِ وَالْمُنَصَّفِ وَالْمُسْكِرِ وَنَقِيعِ الزَّبِيبِ وَيَضْمَنُ مُتْلِفُهُمْ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا اهـ. وَفِي الْيَنَابِيعِ الطِّلَاءُ مَا يُطْبَخُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ فِي نَارٍ أَوْ شَمْسٍ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ وَهُوَ عَصِيرٌ مَحْضٌ فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَاءِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بَقِيَ الْمَجْمُوعُ مِنْ الْمَاءِ وَالْعَصِيرِ. اهـ. وَفِي الْهِدَايَةِ وَيُسَمَّى الطِّلَاءُ الْبَاذَقَ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَ الذَّاهِبُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَالْمُنَصَّفُ مَا ذَهَبَ نِصْفُهُ وَبَقِيَ نِصْفُهُ وَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ اهـ. وَعِنْدَنَا إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ بِالزَّبَدِ وَإِذَا اشْتَدَّ وَلَمْ يَقْذِفْ بِالزَّبَدِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ: ﵀ (وَالسَّكَرُ وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الرُّطَبِ) وَهَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ.

стр. 2779

مُشْتَقٌّ مِنْ سَكِرَتْ الرِّيحُ إذَا سَكَنَتْ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ إذَا قَذَفَتْ بِالزَّبَدِ وَقَبْلَهُ حَلَالٌ وَقَالَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ حَلَالٌ وَإِذَا قَذَفَ بِالزَّبَدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] امْتَنَّ عَلَيْنَا بِهِ وَالِامْتِنَانُ لَا يَكُونُ بِالْمُحَرَّمِ وَلَنَا مَا رَوَيْنَا، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ حِينَ كَانَتْ الْأَشْرِبَةُ مُبَاحَةً وَقِيلَ أُرِيدَ بِهَا التَّوْبِيخُ وَمَعْنَاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَتَدْعُونَهُ رِزْقًا حَسَنًا وَالثَّانِي الْفَضِيخُ وَهُوَ النِّيءُ مِنْ الْبُسْرِ الْمُذَنَّبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ فَإِنَّهُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْفَضْخِ وَهُوَ الْكَسْرُ يُقَالُ انْفَضَخَ سَنَامُ الْبَعِيرِ أَيْ انْكَسَرَ مِنْ الْحِمْلِ فَلَمَّا كَانَ الْبُسْرُ يَنْكَسِرُ لِاسْتِخْرَاجِ الْمَاءِ مِنْهُ سُمِّيَ الْمَاءُ الْمُسْتَخْرَجُ بَعْدَ الْفَضْخِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. [الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ مِنْ مَاء الزَّبِيب] قَالَ ﵀: (وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ) وَهُوَ الرَّابِعُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ إذَا اشْتَدَّ لِمَا قَدَّمْنَا ثُمَّ حُرْمَةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ حَتَّى لَا يُكَفَّرَ مُسْتَحِلُّهَا، وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِشُرْبِهَا، وَنَجَاسَتُهَا خَفِيفَةٌ وَيَضْمَنُ مُتْلِفُهَا عِنْدَ الْإِمَامِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْغَصْبِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ بَيْعُهَا إذَا كَانَ الذَّاهِبُ بِالطَّبْخِ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ نَقِيعُ التَّمْرِ وَهُوَ السَّكَرُ وَقَدْ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى حُرْمَتِهِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ فَيُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّهَا فَكَيْفَ قُلْتُمْ لَا يُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّهَا وَيُجَابُ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ بِطَرِيقِ الْآحَادِ فَلَا يُفِيدُ الْقَطْعَ، وَالْمَنْقُولُ فِي حُرْمَةِ السَّكَرِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَفِي الْمُحِيطِ وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ نَوْعَانِ وَهُوَ أَنْ يُنْقَعَ الزَّبِيبُ فِي الْمَاءِ حَتَّى خَرَجَتْ حَلَاوَتُهُ إلَى الْمَاءِ ثُمَّ اشْتَدَّ وَغَلَى وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ وَالثَّانِي وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ وَغَلَى وَاشْتَدَّ وَفِي الْخَانِيَّةِ نَقِيعُ الزَّبِيبِ مَا دَامَ حُلْوًا يَحِلُّ شُرْبُهُ وَإِنْ غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ يَحْرُمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ يَشْرَبُ النَّبِيذَ أَوْ يَشْرَبُ السَّكَرَ فَأَوَّلُ قَدَحٍ مِنْهُ حَرَامٌ وَالنُّفُوذُ حَرَامٌ وَالْمَشْيُ إلَيْهِ حَرَامٌ. قَالَ ﵀: (وَالْكُلُّ حَرَامٌ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَحُرْمَتُهَا دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ فَلَا يُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّهَا بِخِلَافِ الْخَمْرِ) وَقَدْ بَيَّنَّا أَحْكَامَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ قَالَ ﵀ (وَالْحَلَالُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ نَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ وَإِنْ اشْتَدَّ إذَا شُرِبَ مَا لَا يُسْكِرُ بِلَا لَهْوٍ وَطَرِبٍ) يَعْنِي " هَذَيَانٍ " وَهَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ أَنْ يُخْلَطَ بَيْنَهُمَا فِي الِانْتِبَاذِ، الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ مَنْ شَرِبَهُ مِنْكُمْ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا أَوْ تَمْرًا فَرْدًا أَوْ بُسْرًا فَرْدًا» وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمَطْبُوخِ مِنْهُ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَطْبُوخِ مِنْهُ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، قَالَ ﵀: (وَالْخَلِيطَانِ) وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ فِي الْمَاءِ وَيَشْرَبَ ذَلِكَ وَهُوَ حُلْوٌ يَعْنِي حَلَالًا لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ «كُنَّا نَنْتَبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَبْضَةَ مِنْ التَّمْرِ وَالْقَبْضَةَ مِنْ الزَّبِيبِ ثُمَّ نَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَنَنْبِذُهُ غُدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً وَعَشِيَّةً فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً» . قَالَ ﵀: (وَيُنْبَذُ الْعَسَلُ وَالتِّينُ وَالْبُرُّ وَالشَّعِيرُ) يَعْنِي هُوَ حَلَالٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ يَعْنِي الْعِنَبَ وَالنَّخْلَ» وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الطَّبْخُ؛ لِأَنَّ قَلِيلَهُ لَا يُفْضِي إلَى كَثِيرِهِ كَيْفَمَا كَانَ. [الْمُثَلَّثُ مِنْ أَنْوَاع الْخَمْر] قَالَ ﵀: (وَالْمُثَلَّثُ) وَهَذَا هُوَ الرَّابِعُ وَهُوَ مَا طُبِخَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ، وَالْقَوْلُ بِالْحِلِّ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ قَوْلُ الْإِمَامِ وَالثَّانِي، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: «كُلُّ مَا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ قَلِيلُهُ حَرَامٌ» لِقَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَعَلَى قَوْلِهِمْ لَا يُحَدُّ شَارِبُهُ وَإِذَا سَكِرَ مِنْهُ وَطَلَّقَ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ بِمَنْزِلَةِ النَّائِمِ وَذَاهِبِ الْعَقْلِ بِالْبَنْجِ وَلَبَنِ الرِّمَاكِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لِكَثْرَةِ الْفَسَادِ فَيُحَدُّ الشَّارِبُ إذَا سَكِرَ مِنْ هَذِهِ الْأَنْبِذَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْمُتَّخَذُ مِنْ لَبَنِ الرِّمَاكِ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ وَفِي الْهِدَايَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحَدُّ عَلَى قَوْلِهِمَا إذَا سَكِرَ فِي هَذِهِ الْأَنْبِذَةِ الْمَذْكُورَةِ اعْتِبَارًا لِلْخَمْرِ وَفِي الْمُجْتَبَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ إذَا شَرِبَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ وَلَمْ يَسْكَرْ يُعَزَّرُ تَعْزِيرًا شَدِيدًا. اهـ. الْمُثَلَّثُ إذَا صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَطُبِخَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُثَلَّثِ؛ لِأَنَّ صَبَّ الْمَاءِ فِيهِ لَا يَزِيدُهُ إلَّا ضَعْفًا بِخِلَافِ مَا إذَا صُبَّ الْمَاءُ عَلَى الْعَصِيرِ ثُمَّ طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَا الْكُلِّ لِأَنَّ الْمَاءَ يَذْهَبُ أَوَّلًا لِلَطَافَتِهِ أَوْ يَذْهَبُ مِنْهُمَا وَلَا يُدْرَى أَيُّهُمَا ذَهَبَ أَكْثَرَ فَيُحْتَمَلُ الذَّاهِبُ مِنْ الْعَصِيرِ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِهِ وَلَوْ طُبِخَ الْعِنَبُ قَبْلَ الْعَصِيرِ اُكْتُفِيَ بِأَدْنَى طَبْخَةٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَحِلُّ مَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ لِأَنَّ الْعَصِيرَ مَوْجُودٌ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَعْمِيرٍ فَصَارَ كَمَا لَوْ طُبِخَ فِيهِ بَعْدَ الْعَصِيرِ وَلَوْ جُمِعَ بَيْنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ أَوْ بَيْنَ الْعِنَبِ وَالزَّبِيبِ فَطُبِخَ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ وَإِنْ كَانَ يُكْتَفَى فِيهِ بِأَدْنَى طَبْخَةٍ فَعَصِيرُ الْعِنَبِ لَا بُدَّ أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ فَيُعْتَبَرُ جَانِبُ الْعِنَبِ احْتِيَاطًا

стр. 2780

لِلْحُرْمَةِ وَكَذَا إذَا جُمِعَ بَيْنَ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَنَقِيعِ التَّمْرِ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ طَبَخَ نَقِيعَ التَّمْرِ أَوْ نَقِيعَ الزَّبِيبِ أَدْنَى طَبْخَةٍ ثُمَّ نَقَعَ فِيهِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا إنْ كَانَ مَا نُقِعَ فِيهِ شَيْئًا مَا يَسِيرًا لَا يُتَّخَذُ النَّبِيذُ مِنْ مِثْلِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ كَانَ يُتَّخَذُ النَّبِيذُ مِنْ مِثْلِهِ لَا يَحِلُّ كَمَا إذَا صُبَّ فِي الْمَطْبُوخِ قَدَحٌ مِنْ نَقِيعٍ وَالْمَعْنَى تَغْلِيبُ جِهَةِ الْحُرْمَةِ وَلَا حَدَّ فِي شُرْبِهِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِلِاحْتِيَاطِ وَالِاحْتِيَاطُ فِي الْحَدِّ فِي دَرْئِهِ. وَلَوْ طُبِخَ الْخَمْرُ أَوْ غَيْرُهُ بَعْدَ الِاشْتِدَادِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ لَمْ يَحِلَّ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ قَدْ تَقَرَّرَتْ فَلَا تَرْتَفِعُ بِالطَّبْخِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ الْفَضِيخُ الشَّرَابُ الْمُتَّخَذُ مِنْ التَّمْرِ فَإِذَا أَفْضَخَ التَّمْرُ وَقَذَفَ ثُمَّ يُنْقَعُ فِي الْمَاءِ حَتَّى تَخْرُجَ حَلَاوَتُهُ ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى يَشْتَدَّ فَإِذَا اشْتَدَّ حَرُمَ وَفِي التَّهْذِيبِ عَنْ الثَّانِي وَالثَّالِثِ: الْبُسْرُ الْمُذَنَّبُ إذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ فَإِذَا حُلِّيَ يَحِلُّ شُرْبُهُ بِلَا خِلَافٍ فَإِذَا اشْتَدَّ فَحُكْمُهُ كَالْمُثَلَّثِ وَفِي الْجَامِعِ: السَّكْرَانُ الَّذِي يُحَدُّ هُوَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ مُطْلَقًا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَلَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةَ وَلَا الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ عِنْدَ الْإِمَامِ: وَفِي شُرْبِهِ الْأَصْلُ إذَا ذَهَبَ عَقْلُهُ وَكَانَ كَلَامُهُ مُخَبَّطًا يُعْتَبَرُ الْغَالِبُ وَإِنْ كَانَ النِّصْفُ مُسْتَقِيمًا وَالنِّصْفُ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَفِي الْقُدُورِيِّ إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْمَاءُ حَتَّى زَالَ طَعْمُهَا وَرِيحُهَا فَلَا حَدَّ فِي شُرْبِهَا وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ الثَّانِي إذَا بَلَّ فِي الْخَمْرِ خُبْزًا فَأَكَلَ الْخُبْزَ إذَا كَانَ الطَّعْمُ يُوجَدُ حُدَّ وَإِنْ كَانَ لَا يُرَى أَثَرُهَا فِي الْخُبْزِ لَا وَإِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ لِضَرُورَةٍ مَخَافَةَ الْعَطَشِ فَشَرِبَ مِقْدَارَ مَا يَرْوِيهِ فَسَكِرَ فَلَا حَدَّ وَإِنْ ادَّعَى الْإِكْرَاهَ لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ اهـ. تَصَرُّفَاتُ السَّكْرَانِ كُلُّهَا نَافِذَةٌ إلَّا الرِّدَّةَ وَالْإِقْرَارَ بِالْحُدُودِ الْخَالِصَةِ اهـ. قَالَ ﵀: (وَحَلَّ الِانْتِبَاذُ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْأَشْرِبَةِ فِي ظُرُوفٍ أَلَا فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنَّكُمْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا وَلِأَنَّ الظَّرْفَ لَا يُحِلُّ حَرَامًا وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا، وَالدُّبَّاءُ هُوَ الْقَرْعُ وَالنَّقِيرُ هُوَ أَصْلُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ نَقْرًا وَيُنْسَجُ نَسْجًا وَالْمُزَفَّتُ وَهُوَ النَّقِيرُ وَالْحَنْتَمُ الْجِرَارُ الْخُضْرُ وَقِيلَ الْحَنْتَمُ الْجِرَارُ الْحُمْرُ ثُمَّ إنْ انْتَبَذَ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْخَمْرِ فَلَا إشْكَالَ فِي حِلِّهِ وَطَهَارَتِهِ وَإِنْ اسْتَعْمَلَ فِيهَا الْخَمْرَ ثُمَّ انْتَبَذَ فِيهَا يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْوِعَاءُ عَتِيقًا يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَإِنْ كَانَ جَدِيدًا لَا يَطْهُرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُغْسَلُ ثَلَاثًا وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بَعْدَ مَرَّةٍ أُخْرَى حَتَّى إذَا خَرَجَ الْمَاءُ صَافِيًا غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ اهـ. [خَلُّ الْخَمْرِ] قَالَ ﵀ (وَخَلُّ الْخَمْرِ سَوَاءٌ خُلِّلَتْ أَوْ تَخَلَّلَتْ) يَعْنِي خَلُّ الْخَمْرِ فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَتَخَلَّلَ بِنَفْسِهِ أَوْ تَخَلَّلَ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهِ كَالْمِلْحِ أَوْ الْخَلِّ أَوْ النَّقْلِ مِنْ الظِّلِّ إلَى الشَّمْسِ أَوْ بِإِيقَادِ النَّارِ بِالْقُرْبِ مِنْهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ إذَا تَخَلَّلَتْ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهَا كَالْمِلْحِ وَلَنَا قَوْلُهُ: ﵊ «نَعَمْ إلَّا دَمَ الْخَلِّ مُطْلَقًا» فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ صُوَرِهَا وَلِأَنَّ بِالتَّخْلِيلِ إزَالَةَ الْوَصْفِ الْمُفْسِدِ وَثَبَاتَ صِفَةِ الصَّلَاحِ كَالذَّبَائِحِ فَالتَّخْلِيلُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ إحْرَازِ مَالٍ يَصِيرُ حَلَالًا ثُمَّ فِعْلُ ذَلِكَ غَيَّرَ حُكْمَهُ مِنْ الْحُرْمَةِ إلَى الْحِلِّ وَمِنْ النَّجَاسَةِ إلَى الطَّهَارَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ ظَرْفَهَا كَانَ طَاهِرًا تَنَجَّسَ بِهَا فَإِذَا طَهُرَ بِالتَّخْلِيلِ طَهُرَ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ، وَأَجْزَاءِ إنَائِهِ هُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ لَا يَطْهُرُ؛ لِأَنَّهُ تَنَجَّسَ بِإِهَانَةِ الْخَمْرِ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُوجِبُ طَهَارَتَهُ فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ وَلَوْ غُسِلَ بِالْخَلِّ فَتَخَلَّلَ مِنْ سَاعَتِهِ طَهُرَ لِلِاسْتِحَالَةِ وَكَذَا إذَا صُبَّ مِنْهُ الْخَمْرُ ثُمَّ مُلِئَ خَلًّا يَطْهُرُ فِي الْحَالِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ كَانَ الْخَلُّ فِيهِ حُمُوضَةٌ غَالِبَةٌ وَطَعْمُ الْمَرَارَةِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مَا لَمْ تَزُلْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَعِنْدَهُمَا يَحِلُّ وَاعْتُبِرَ الْغَالِبُ مِنْهَا وَلَوْ صُبَّ فِي الْمَرَقَةِ خَمْرٌ فَطُبِخَ لَمْ يَحِلَّ؛ لِأَنَّهُ تَنَجَّسَ قَبْلَ الطَّبْخِ فَلَا يَحِلُّ بِالطَّبْخِ وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ لِأَنَّهُ شَرِبَ الْمَرَقَ النَّجِسَ وَلَوْ عُجِنَ الدَّقِيقُ بِالْخَمْرِ صَارَ نَجِسًا. [شُرْبُ دُرْدِيِّ الْخَمْرِ] قَالَ ﵀ (وَكُرِهَ شُرْبُ دُرْدِيِّ الْخَمْرِ وَالِامْتِشَاطُ بِهِ) لِأَنَّ فِيهِ أَجْزَاءَ الْخَمْرِ فَكَانَ حَرَامًا نَجِسًا وَالِانْتِفَاعُ بِمِثْلِهِ حَرَامٌ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُدَاوِيَ بِهِ جُرْحًا وَلَا أَنْ يَسْقِيَ ذِمِّيًّا وَلَا صَبِيًّا، وَالْوَبَالُ عَلَى مَنْ سَقَاهُ وَكَذَا لَا يُسْقِيهِ الدَّوَابَّ وَقِيلَ لَا يَحْمِلُ الْخَمْرَ إلَى مَنْ يُفْسِدُهَا وَيُصَيِّرُهَا خَلًّا وَيَحْمِلُ مَا يُفْسِدُهَا إلَى الْخَمْرِ كَمَا لَا يَحْمِلُ الْمَيْتَةَ إلَى الْكَلْبِ وَكَذَا الدُّرْدِيُّ فِي الْخَلِّ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ خَلًّا لَكِنَّهُ يُبَاحُ حَمْلُ الْخَمْرِ إلَيْهِ لَا عَكْسُهُ. قَالَ ﵀ (وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ إلَّا إذَا سَكِرَ) يَعْنِي لَا يُحَدُّ شَارِبُ دُرْدِيِّ الْخَمْرِ إلَّا إذَا سَكِرَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُحَدُّ شَارِبُهُ سَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ فِي الْخَمْرِ بِشُرْبِ قَطْرَةٍ وَفِي الدُّرْدِيِّ قَطَرَاتٌ، قُلْنَا وُجُوبُ الْحَدِّ لِلزَّجْرِ فِيمَا تَرْغَبُ النَّفْسُ فِيهِ وَتَمِيلُ إلَيْهِ وَالنَّفْسُ لَا تَرْغَبُ فِي شُرْبِ الدُّرْدِيِّ وَلَا تَمِيلُ إلَيْهِ فَكَانَ نَاقِصًا فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْخَمْرِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَلَا يُحَدُّ مَا لَمْ يَسْكَرْ وَدُرْدِيُّ الْخَمْرِ هُوَ التُّفْلُ وَيُكْرَهُ

стр. 2781

الِاحْتِقَانُ بِالْخَمْرِ وَإِقْطَارُهُ فِي الْإِحْلِيلِ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالنَّجِسِ الْمُحَرَّمِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا أَخْبَرَ بِهِ طَبِيبٌ حَاذِقٌ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ سَقَى شَاةً خَمْرًا لَا يُكْرَهُ لَحْمُهَا وَلَبَنُهَا؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ وَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً فِي مَعِدَتِهَا فَلَمْ يَخْتَلِطْ بِلَحْمِهَا وَإِنْ اسْتَحَالَتْ الْخَمْرُ لَحْمًا فَيَجُوزُ كَمَا لَوْ اسْتَحَالَتْ خَلًّا إلَّا إذَا سَقَاهَا كَثِيرًا بِحَيْثُ يُؤَثِّرُ فِي رَائِحَتِهَا الْخَمْرُ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَحْمُهَا. (فَصْلٌ) فِي طَبْخِ الْعَصِيرِ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ مَا ذَهَبَ بِغَلَيَانِهِ بِالنَّارِ وَقَذْفِهِ بِالزَّبَدِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ فَيَحِلَّ الثُّلُثُ الْبَاقِي بَعْدَهُ وَلَوْ صُبَّ فِيهِ الْمَاءُ قَبْلَ الطَّبْخِ ثُمَّ طُبِخَ بِمَاءٍ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْمَاءُ أَسْرَعَ ذَهَابًا لِلَطَافَتِهِ وَلِرِقَّتِهِ يُعْتَبَرُ ذَهَابُ ثُلُثَيْهِ بَعْدَ الْمَاءِ الَّذِي صُبَّ فِيهِ كُلِّهِ وَبَعْدَ ذَهَابِ الزَّبَدِ فَيَحِلُّ الثُّلُثُ الْبَاقِي مِنْ الْعَصِيرِ وَإِنْ كَانَا يَذْهَبَانِ مَعًا فَيُطْبَخُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَا الْجَمِيعِ بَعْدَ ذَهَابِ الزَّبَدِ فَيَحِلَّ ثُلُثُ الْبَاقِي لِذَهَابِ الثُّلُثَيْنِ وَبَقَاءِ الثُّلُثِ مَاءً وَعَصِيرًا وَلَوْ طَبَخَ الْعَصِيرَ فَذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ ثُمَّ أَهْرَقَ الثُّلُثَيْنِ وَبَقِيَ الثُّلُثُ مَاءً وَعَصِيرًا وَلَوْ طَبَخَ الْعَصِيرَ فَذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ ثُمَّ أَهْرَقَ بَعْضَهُ لَا يَحِلُّ الْبَاقِي حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ أَنْ يُؤْخَذَ ثُلُثُ الْجَمِيعِ فَيُضْرَبَ بِهِ فِي الْبَاقِي ثُمَّ يُقْسَمَ الْخَارِجُ عَلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَهَابِ مَا نَقَصَ مِنْهُ بِالطَّبْخِ قَبْلَ أَنْ يَنْصَبَّ مِنْهُ شَيْءٌ فَمَا أَصَابَ الْوَاحِدَ بِالْقِسْمَةِ فَذَاكَ الْقَدْرُ هُوَ الْحَلَالُ وَيُطْبَخَ الْبَاقِي إلَى أَنْ يَبْقَى قَدْرُهُ فَيَحِلَّ. مِثَالُهُ اثْنَا عَشَرَ رِطْلًا مِنْ الْعَصِيرِ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ أَرْبَعَةُ أَرْطَالٍ ثُمَّ أَهْرَقَ رَطْلَيْنِ يُؤْخَذُ ثُلُثُ الْعَصِيرِ كُلُّهُ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ فَيُضْرَبُ فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ الِانْصِبَابِ وَهُوَ سِتَّةٌ فَيَصِيرُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ فَيَقْسِمُهُ عَلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَهَابِ مَا ذَهَبَ مِنْهُ بِالطَّبْخِ قَبْلَ أَنْ يُهْرَقَ مِنْهُ وَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ فَيُصِيبُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْقَدْرُ هُوَ الْحَلَالَ فَيُطْبَخُ الْبَاقِي إلَى أَنْ يَبْقَى قَدْرُهُ فَيَحِلَّ وَإِنْ شِئْت قَسَمْت مَا ذَهَبَ بِالطَّبْخِ عَلَى الْمُنْصَبِّ وَعَلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ الِانْصِبَابِ فَمَا أَصَابَ الْمُنْصَبَّ يُجْعَلُ مَعَ الْمُنْصَبِّ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَكَانَ جَمِيعُ الْعَصِيرِ هُوَ الْبَاقِيَ وَمَا أَصَابَهُ مِنْ الذَّاهِبِ بِالطَّبْخِ فَقَدْ ذَهَبَ مِنْهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ فَيُطْبَخُ حَتَّى يَذْهَبَ إلَى تَمَامِ الثُّلُثَيْنِ وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: إنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الطَّبْخِ قَبْلَ الِانْصِبَابِ بَعْضُهُ حَلَالٌ وَهُوَ قَدْرُ ثُلُثِ الْمَجْمُوعِ فَإِذَا أُهْرِيقَ بَعْضُهُ أُهْرِيقَ مِنْ الْحَلَالِ بِحِسَابِهِ فَيُطْبَخُ الْبَاقِي حَتَّى يَبْقَى قَدْرُ مَا فِيهِ مِنْ الْحَلَالِ وَفِي الْمُحِيطِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ طَبَخَ ثُمَّ أَلْقَى فِيهِ تَمْرًا فَغَلَى قَالَ مَا أُلْقِيَ فِيهِ لَوْ نَبَذَهُ عَلَى حِدَةٍ كَانَ مِنْهُ نَبِيذًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَطْبُوخٌ وَيُعْتَبَرُ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَا يُنْتَبَذُ مِنْهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ فِيهِ الشَّارِبُ لِانْفِرَادِهِ وَلَوْ صُبَّ قَدَحٌ فِي خَابِيَةِ مَطْبُوخٍ أَفْسَدَهُ وَعَنْ الْإِمَامِ إذَا وُضِعَ فِي الشَّمْسِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ طَبْخِهِ بِالنَّارِ وَكَذَا إذَا مَلَأَ الْخَابِيَةَ بِالْخَرْدَلِ وَخَلَطَ فِيهَا الْعَصِيرَ وَمَضَى عَلَى ذَلِكَ مُدَّةٌ وَلَمْ يَشْتَدَّ وَلَمْ يُسْكِرْ فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا وَلَوْ طَبَخَ عَصِيرًا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُهُ وَتَرَكَهُ حَتَّى بَرَدَ ثُمَّ أَعَادَ الطَّبْخَ حَتَّى ذَهَبَ نِصْفُ مَا بَقِيَ فَإِذَا أَعَادَ الطَّبْخَ قَبْلَ أَنْ يَغْلِيَ وَتَغَيَّرَ عَنْ حَالَةِ الْعَصِيرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الطَّبْخَ وُجِدَ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بِالْغَلَيَانِ وَالشِّدَّةِ وَإِنْ عَادَ بَعْدَ أَنْ غَلَى وَتَغَيَّرَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ طَبْخَهُ وُجِدَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ اهـ. [كِتَابُ الصَّيْدِ] قَالَ فِي الْعِنَايَةِ مُنَاسَبَةُ كِتَابِ الصَّيْدِ بِكِتَابِ الْأَشْرِبَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَالصَّيْدِ يُوَرِّثُ السُّرُورَ إلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ الْأَشْرِبَةَ لِحُرْمَتِهَا اعْتِبَارًا بِالِاحْتِرَازِ عَنْهَا اهـ. قَالَ فِي الْمُحِيطِ: يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ إبَاحَةِ الصَّيْدِ وَتَفْسِيرِهِ لُغَةً وَشَرْعًا وَرُكْنِهِ وَشَرْطِ إبَاحَتِهِ وَدَلِيلِهَا وَحُكْمِ مَشْرُوعِيَّتِهِ. أَمَّا دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ مِنْ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ لُغَةً فَالصَّيْدُ هُوَ الِاصْطِيَادُ وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يُصَادُ مَجَازًا إطْلَاقًا لِاسْمِ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ الْمُتَوَحِّشُ الْمُمْتَنِعُ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ عَنْ الْآدَمِيِّ مَأْكُولًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ عِنْدِ الْفُقَهَاءِ الْإِرْسَالُ بِشُرُوطِهِ لِأَخْذِ مَا هُوَ مُبَاحٌ مِنْ الْحَيَوَانِ الْمُتَوَحِّشِ الْمُمْتَنِعِ عَنْ الْآدَمِيِّ بِأَصْلِ خِلْقَتِهِ وَأَمَّا رُكْنُهُ فَهُوَ عَلَى الْأَخْذِ بِشُرُوطِهِ وَأَمَّا شَرْطُهُ الْمُتَعَلِّقُ بِالصَّيْدِ فَكَوْنُ الصَّيْدِ غَيْرَ آمِنٍ بِالْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ، وَغَيْرَ مَمْلُوكٍ، وَأَمَّا حُكْمُهُ فَصَيْرُورَةُ الْمَأْخُوذِ مِلْكًا لِلْآخِذِ قَالَ: ﵀ (هُوَ الِاصْطِيَادُ) قَالَ الشَّارِحُ أَيْ الصَّيْدُ هُوَ الِاصْطِيَادُ فِي اللُّغَةِ اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُنَاسِبُ أَنْ يُذْكَرَ فِي الْمَتْنِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَهَا. [الصَّيْد بِالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَالْفَهْدِ وَالْبَازِي وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ] قَالَ: ﵀ (وَيَحِلُّ بِالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَالْفَهْدِ وَالْبَازِي وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ) يَعْنِي يَحِلُّ الِاصْطِيَادُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَبِغَيْرِهَا مِنْ الْجَوَارِحِ كَالشَّاهِينِ وَالْبَاشِقِ وَالْعُقَابِ وَالصَّقْرِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَكُلُّ شَيْءٍ عَلَّمْتَهُ

стр. 2782

مِنْ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ فَلَا بَأْسَ بِصَيْدِهِ وَلَا خَيْرَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ تُدْرِكَ ذَكَاتَهُ فَتُذَكِّيَهُ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ الْقُدُورِيِّ تَدُلُّ عَلَى الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ جَمِيعًا. اهـ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُمْ قَدْ صَرَّحُوا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ فِي الرِّوَايَةِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ بِالِاتِّفَاقِ، فَرِوَايَةُ الْقُدُورِيِّ تَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ الصَّيْدِ بِمَا ذَكَرْنَا وَنَفْيِ جَوَازِهِ بِمَا سِوَاهُ فَلَمْ يَتِمَّ مَا ذَكَرَهُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] وَالْجَوَارِحُ الْكَوَاسِبُ وَالْجَرْحُ الْكَسْبُ، وَقِيلَ هِيَ أَنْ تَكُونَ جَارِحَةً بِنَابِهَا وَمِخْلَبِهَا حَقِيقَةً وَمَعْنًى مُكَلِّبِينَ مُعَلَّمِينَ الِاصْطِيَادَ وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي الْحَيَوَانِ الصَّائِدِ مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ آلَةً لِلذَّبْحِ وَهُوَ كَوْنُهُ جَارِحًا قَاطِعًا بِطَبْعِهِ غَيْرَ عَاقِلٍ كَالسِّكِّينِ وَمَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ آلَةً لِلذَّبْحِ وَهُوَ كَوْنُهُ مُخْتَارًا فِي فِعْلِهِ كَالْآدَمِيِّ، وَالشَّرْعُ جَعَلَ التَّعْلِيمَ فِيهِ بِتَرْكِ الْأَكْلِ فَيَجْرِي عَلَى مُوجَبِ اخْتِيَارِ صَاحِبِهِ فَيَعْمَلُ لَهُ لَا لِنَفْسِهِ فَيَصِيرُ آلَةً مَحْضَةً لِصَاحِبِهِ كَالسِّكِّينِ وَاسْمُ الْكَلْبِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ سَبُعٍ حَتَّى الْأَسَدِ، وَاسْتَثْنَى الثَّانِي مِنْ الْجَوَازِ اصْطِيَادَ السَّبُعِ وَالدُّبِّ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْمَلَانِ لِغَيْرِهِمَا؛ الْأَسَدُ لِعُلُوِّ هِمَّتِهِ وَالدُّبُّ لِخَسَاسَتِهِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ الذِّئْبَ بَدَلَ الدُّبِّ وَلِأَنَّ التَّعَلُّمَ يُعْرَفُ بِتَرْكِ الْأَكْلِ وَهُمَا لَا يَأْكُلَانِ الصَّيْدَ فِي الْحَالِ فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِتَرْكِ الْأَكْلِ عَلَى التَّعْلِيمِ حَتَّى لَوْ تُصُوِّرَ التَّعْلِيمُ مِنْهُمَا وَعُرِفَ ذَلِكَ جَازَ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ الْحِدَأَةَ بِهِمَا لِخَسَاسَتِهَا، وَالْخِنْزِيرُ مُسْتَثْنًى مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ وَفِي الْمُحِيطِ قَالُوا لَا يَجُوزُ الِاصْطِيَادُ بِالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ؛ لِأَنَّ الْأَسَدَ لَا يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ، وَالذِّئْبَ مِثْلُهُ أَيْضًا. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: [شُرُوط حَلَّ الصَّيْد] وَإِنَّمَا يَحِلُّ الصَّيْدُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ شَرْطًا: خَمْسَةٌ فِي الصَّائِدِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، وَأَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الْإِرْسَالُ وَلَا يُشَارِكَهُ فِي الْإِرْسَالِ مَنْ لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ، وَأَنْ لَا يَتْرُكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا وَلَا يَشْتَغِلَ بَيْنَ الْإِرْسَالِ وَالْأَخْذِ بِعَمَلٍ. وَخَمْسَةٌ فِي الْكَلْبِ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا، وَأَنْ يَذْهَبَ عَلَى سُنَنِ الْإِرْسَالِ، وَأَنْ لَا يُشَارِكَهُ فِي الْأَخْذِ مَنْ لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ، وَأَنْ يَقْتُلَهُ جَرْحًا، وَأَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهُ. وَخَمْسَةٌ فِي الصَّيْدِ مِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ مُتَقَوِّيًا بِأَنْيَابِهِ أَوْ بِمِخْلَبِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ الْحَشَرَاتِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ بَنَاتِ الْمَاءِ سِوَى السَّمَكِ، وَأَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ بِجَنَاحِهِ أَوْ مِخْلَبِهِ، وَأَنْ يَمُوتَ بِهَذَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى ذَبْحِهِ اهـ. وَذَكَرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ نَقْلًا عَنْ الْخُلَاصَةِ: وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ قَوْلَهُ " وَأَنْ يَمُوتَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى ذَبْحِهِ " مُسْتَدْرَكٌ بَعْدَ قَوْلِهِ، وَأَنْ يَقْتُلَهُ جَرْحًا وَأُجِيبَ بِأَنْ لَا اسْتِدْرَاكَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي أُرِيدَ بِقَوْلِهِ " وَأَنْ يَقْتُلَهُ جَرْحًا " لَيْسَ مُجَرَّدَ قَتْلِهِ بَلْ قَتْلُهُ جَرْحًا وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ قَتْلِهِ خَنْقًا، وَالشَّرْطُ الَّذِي أُرِيدَ بِقَوْلِهِ " وَأَنْ يَمُوتَ بِهَذَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى ذَبْحِهِ " لِجَوَازِ أَنْ يَقْتُلَهُ الْكَلْبُ جَرْحًا بَعْدَ أَنْ يَصِلَ الْمُرْسِلُ إلَى ذَبْحِهِ فَحِينَئِذٍ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الشَّرْطِ الْآخَرِ أَيْضًا عَلَى الِاسْتِقْلَالِ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فِيمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْطُ الِاصْطِيَادِ لِلْأَكْلِ بِالْكَلْبِ لَا غَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ انْتَقَى بَعْضَهُ لَمْ يَحْرُمْ كَمَا لَوْ اشْتَغَلَ بِعَمَلٍ غَيْرِهِ لَكِنْ أَدْرَكَهُ حَيًّا فَذَبَحَهُ وَكَذَا لَوْ لَمْ يَمُتْ بِهَذَا لَكِنْ ذَبَحَهُ فَإِنَّهُ صَيْدٌ وَهُوَ حَلَالٌ اهـ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ فِي الصَّيْدِ الْمَحْضِ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْهُ حَيًّا أَمَّا الَّذِي أَدْرَكَهُ فَذَكَّاهُ بِالذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ فَلَيْسَ صَيْدًا مَحْضًا بَلْ يُلْحَقُ بِهِ. اهـ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ شَرْطُ الِاصْطِيَادِ أَيْ حَالُ الِاصْطِيَادِ، وَفِي التَّعْبِيرِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ظُهُورِ الْمُرَادِ لَا يُبَالَى بِمِثْلِهِ قَالَ ﵀ (وَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْلِيمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ [المائدة: ٤] وَلِقَوْلِهِ ﵊ «لِأَبِي ثَعْلَبَةَ مَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ وَلِذَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُرْسِلُ أَهْلًا لِلذَّكَاةِ بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا وَيَعْقِلَ التَّسْمِيَةَ وَيَضْبِطَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الذَّبَائِحِ. قَالَ ﵀ (وَذَا بِتَرْكِ الْأَكْلِ ثَلَاثًا فِي الْكَلْبِ وَبِالرُّجُوعِ إذَا دَعَوْتَهُ فِي الْبَازِي) أَيْ التَّعْلِيمُ فِي الْكَلْبِ يَكُونُ بِتَرْكِ الْأَكْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَفِي الْبَازِي فِي الرُّجُوعِ إذَا دُعِيَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَلِأَنَّ بَدَنَ الْكَلْبِ يَحْتَمِلُ الضَّرْبَ فَيُمْكِنُ ضَرْبُهُ حَتَّى يَتْرُكَ الْأَكْلَ، وَبَدَنَ الْبَازِي لَا يَحْتَمِلُ الضَّرْبَ فَلَا يُمْكِنُ تَحْقِيقُ هَذَا الشَّرْطِ فِيهِ فَاكْتُفِيَ بِغَيْرِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيمِ وَلِأَنَّ آيَةَ التَّعْلِيمِ تَرْكُ مَا هُوَ مَأْلُوفُهُ عَادَةً، وَعَادَةُ الْبَازِي التَّوَحُّشُ وَالِاسْتِنْفَادُ، وَعَادَةُ الْكَلْبِ الِانْتِهَابُ وَالِاسْتِلَابُ لِائْتِلَافِهِ بِالنَّاسِ فَإِذَا تَرَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَأْلُوفَهُ دَلَّ عَلَى تَعْلِيمِهِ وَانْتِهَاءِ عِلْمِهِ وَهَذَا الْفَرْقُ

стр. 2783

لَا يَتَأَتَّى إلَّا فِي الْكَلْبِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْأُلُوفُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَنْيَابِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِأَلُوفَةٍ، وَالْفَرْقُ الْأَوَّلُ يَتَأَتَّى فِي الْكُلِّ لِأَنَّ بَدَنَ كُلِّ ذِي نَابٍ يَحْتَمِلُ الضَّرْبَ فَأَمْكَنَ تَعْلِيمُهُ بِالضَّرْبِ إلَى أَنْ يَتْرُكَ الْأَكْلَ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَهَذَا الْفَرْقُ لَا يَتَأَتَّى فِي الْفَهْدِ وَالنَّمِرِ فَإِنَّهُ مُتَوَحِّشٌ كَالْبَازِ ثُمَّ الْحُكْمُ فِيهِ وَفِي الْكَلْبِ سَوَاءٌ فَالْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَلْبَ فِي اللُّغَةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ سَبُعٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ الْكَلْبَ الْمَعْهُودَ بَلْ الْكَلْبُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَلِهَذَا اسْتَوَوْا فِيمَا يَقَعُ بِهِ التَّعْلِيمُ وَإِنَّمَا شَرَطَ تَرْكَ الْأَكْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ يُعْرَفُ بِتَكْرَارِ التَّجَارِبِ وَالِامْتِحَانِ هُوَ مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِذَلِكَ كَمَا فِي قِصَّةِ السَّيِّدِ مُوسَى وَكَمَا فِي شَرْطِ الْخِيَارِ وَكَذَا قَالَ ﷺ «إذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ» وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ التَّعْلِيمُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ تَعَلَّمَ وَلَا يُقَدَّرُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَقَادِيرَ تُعْرَفُ بِالنَّصِّ لَا بِالِاجْتِهَادِ وَلَا نَصَّ هُنَا فَيُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى كَمَا هُوَ عَادَتُهُ ثُمَّ إذَا تَرَكَ الْأَكْلَ ثَلَاثًا لَا يَحِلُّ الْأَوَّلُ وَلَا الثَّانِي عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالثَّلَاثِ وَكَذَا الثَّالِثُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُعَلَّمًا إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الثَّلَاثِ وَقَبْلَهُ غَيْرُ مُعَلَّمٍ. [التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْإِرْسَالِ وَمِنْ الْجَرْحِ فِي الصَّيْد] قَالَ: ﵀ (وَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْإِرْسَالِ وَمِنْ الْجَرْحِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ أَعْضَائِهِ) أَمَّا التَّسْمِيَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وَلِقَوْلِهِ ﷺ «فَإِذَا ذَكَرْتَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ وَجَرَحَ فَكُلْ» . وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ " وَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْمِيَةِ " فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْمَرْمِيُّ إلَيْهِ يَحْتَاجُ إلَى التَّسْمِيَةِ أَوْ لَا كَالسَّمَكِ، وَقَدْ شُرِطَ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي حَتَّى لَوْ رَمَى إلَى السَّمَكِ وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا فَأَصَابَ يَحِلُّ أَكْلُهُ فَلَوْ قَالَ " فِي صَيْدِ الْبَرِّ " لَكَانَ أَوْلَى وَسَيَأْتِي عَنْ قَاضِي خان وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُسَمِّي يَعْقِلُ التَّسْمِيَةَ فَلَا يُؤْكَلُ صَيْدُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ إذَا كَانَا لَا يَعْقِلَانِ التَّسْمِيَةَ أَمَّا إذَا كَانَا يَعْقِلَانِهَا أَكَلَ، وَيُؤْكَلُ صَيْدُ الْأَخْرَسِ وَالْكِتَابِيِّ لِأَنَّ الْمِلَّةَ تَكْفِي عَنْ التَّلَفُّظِ عِنْدَ الْعَجْزِ وَلَوْ سَمَّى النَّصْرَانِيُّ بِاسْمِ الْمَسِيحِ لَمْ يُؤْكَلْ، وَالصَّابِئَةُ إنْ أَقَرُّوا بِكِتَابِيٍّ وَنَبِيٍّ يُؤْكَلُ صَيْدُهُمْ وَإِلَّا فَلَا وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ الِاكْتِفَاءُ بِالْجَرْحِ سَالِمًا أَوْ لَا لَكِنْ قَالَ فِي الْمُحِيطِ إنْ جَرَحَهُ وَلَمْ يُدْمِهِ اخْتَلَفُوا فِيهِ قِيلَ لَا يَحِلُّ وَقِيلَ يَحِلُّ وَقِيلَ إنْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ صَغِيرَةً لَا يَحِلُّ إذَا لَمْ يَرْمِ وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً يَحِلُّ وَأَمَّا الْجَرْحُ فَالْمَذْكُورُ هُنَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِالْجَرْحِ فَمَنْ شَرَطَهُ فَقَدْ زَادَ عَلَى النَّصِّ وَهُوَ نَسْخُ مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَكَذَا مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ عَدِيٍّ وَثَعْلَبَةَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ وَالْإِلْزَامُ نَسَخَهُ بِالرَّأْيِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَجْهُ الظَّاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] وَهُوَ يُشِيرُ إلَى مَا قُلْنَا وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إخْرَاجُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَهُوَ يَخْرُجُ بِالْجَرْحِ عَادَةً وَلَا يَخْتَلِفُ عَنْهُ إلَّا نَادِرًا فَأُقِيمَ الْجَرْحُ مَقَامَهُ كَمَا فِي الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَالرَّمْيِ بِالسَّهْمِ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجْرَحْهُ صَارَ مَوْقُوذَةً وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ بِالنَّصِّ وَمَا تُلِيَ مُطْلَقٌ، وَكَذَا مَا رُوِيَ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِاتِّحَادِ الْوَاقِعَةِ وَإِنَّمَا لَمْ يُحْمَلْ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَتْ الْحَوَادِثُ أَوْ كَانَ التَّقْيِيدُ وَالْإِطْلَاقُ مِنْ جِهَةِ السَّبَبِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ وَالْحَادِثَةُ وَاحِدَةٌ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَمَّى حَالَةَ الْإِرْسَالِ فَقَتَلَ الْكُلَّ حَلَّتْ وَلَوْ قَتَلَ الْكُلَّ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ حَلَّ بِخِلَافِ مَا إذَا ذَبَحَ شَاتَيْنِ بِتَسْمِيَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحِلَّ فِي بَابِ الصَّيْدِ يَحْصُلُ بِالْإِرْسَالِ فَتُشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ وَقْتَ الْإِرْسَالِ وَالْإِرْسَالُ وُجِدَ وَقْتَ تَسْمِيَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ رَمَى سَهْمًا إلَى صَيْدٍ فَنَفَذَ، وَأَصَابَ صَيْدًا آخَرَ بِخِلَافِ مَا لَوْ ذَبَحَ شَاةً أُخْرَى؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ صَارَتْ مَذْبُوحَةً بِفِعْلٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةٍ أُخْرَى وَلَوْ أَضْجَعَ شَاتَيْنِ وَذَبَحَهُمَا بِتَسْمِيَةٍ وَاحِدَةٍ حَلَّا. قَالَ: ﵀ (فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الْبَازِي أُكِلَ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ أَوْ الْفَهْدُ لَا) وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: يُؤْكَلُ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ كَالْبَازِي لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ ثَعْلَبَةَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي كِلَابًا مُكَلَّبَةً فَأَفْتِنِي فِي صَيْدِهَا فَقَالَ إنْ كَانَتْ لَك كِلَابٌ مُكَلَّبَةٌ فَكُلْ مَا أَمْسَكَتْ عَلَيْكَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ قَالَ ﵊ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ» وَفِعْلُ الْكَلْبِ إنَّمَا صَارَ ذَكَاةً لِعِلْمِهِ وَبِالْأَكْلِ لَا يَعُودُ جَاهِلًا فَصَارَ كَالْبَازِي وَلَنَا مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ عَدِيٍّ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَقَوْلُهُ: ﵊ «إذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَكُلْ مَا أَمْسَكْنَ عَلَيْك إلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنِّي

стр. 2784

أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَأَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِذَا أَرْسَلْتَهُ فَقَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى صَاحِبِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمَرْوِيُّهُمَا غَرِيبٌ فَلَا يُعَارِضُ الصَّحِيحَ الْمَشْهُورَ وَلَئِنْ صَحَّ فَالْمُحَرَّمُ أَوْلَى عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَازِي وَالْكَلْبِ قَدْ بَيَّنَّاهُ. وَلَوْ صَادَ الْكَلْبُ صُيُودًا وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا شَيْئًا ثُمَّ أَكَلَ مِنْ صَيْدٍ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُؤْكَلُ مِنْ الَّذِي أَكَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَكْلَهُ عَلَامَةُ جَهْلِهِ وَلَا مِمَّا يَصِيدُهُ بَعْدَهُ حَتَّى يَصِيرَ مُعَلَّمًا عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي الِابْتِدَاءِ وَأَمَّا الصُّيُودُ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ قَبْلُ فَمَا أَكَلَ مِنْهُ لَا تَظْهَرُ الْحُرْمَةُ فِيهِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ وَمَا لَيْسَ بِمُحْرَزٍ بِأَنْ كَانَ فِي الْمَفَازَةِ بَعْدَ تَثَبُّتِ الْحُرْمَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَمَا هُوَ مُحْرَزٌ فِي الْبَيْتِ يَحْرُمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ لِأَنَّ الْحِرْفَةَ قَدْ تُنْسَى وَقَدْ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ الْجُوعُ فَيَأْكُلُ مَعَ عِلْمِهِ وَلِأَنَّ مَا أَحْرَزَهُ قَدْ أُمْضِيَ الْحُكْمُ فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ فَلَا يَنْتَقِضُ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ حَصَلَ بِالْأَوَّلِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُحْرَزِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِبَقَاءِ الصَّيْدِيَّةِ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ لِعَدَمِ الِاحْتِرَازِ فَيَحْرُمُ احْتِيَاطًا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ أَكْلَهُ آيَةُ جَهْلِهِ مِنْ الِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْحِرْفَةَ لَا يُنْسَى أَصْلُهَا فَبِالْأَكْلِ تَبَيَّنَ أَنَّ تَرْكَهُ الْأَكْلَ كَانَ بِسَبَبِ الشِّبَعِ لَا لِلتَّعَلُّمِ وَقَدْ تَبَدَّلَ الِاجْتِهَادُ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِالْأَكْلِ فَصَارَ كَتَبَدُّلِ اجْتِهَادِ الْقَاضِي قَبْلَ الْقَضَاءِ وَلِأَنَّ عِلْمَهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا ظَاهِرًا فَبَقِيَ جَهْلُهُ مَوْهُومًا وَالْمَوْهُومُ فِي بَابِ الصَّيْدِ يُلْحَقُ بِالْمُتَحَقَّقِ احْتِيَاطًا مَا أَمْكَنَ وَالْإِمْكَانُ فِي حَقِّ الْقَائِمِ جَمِيعًا دُونَ الْفَائِتِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: إنَّمَا تَحْرُمُ تِلْكَ الصُّيُودُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا كَانَ الْعَهْدُ قَرِيبًا أَمَّا إذَا تَطَاوَلَ الْعَهْدُ بِأَنْ أَتَى عَلَيْهِ شَهْرٌ، وَأَكْثَرُ وَصَاحِبُهُ قَدْ قَدَّرَ تِلْكَ الصُّيُودَ لَا تَحْرُمُ تِلْكَ الصُّيُودُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ يَتَحَقَّقُ النِّسْيَانُ فَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا فِي الْمَاضِي مِنْ الزَّمَانِ وَفِي الْمُدَّةِ الْقَصِيرَةِ لَا يَتَحَقَّقُ النِّسْيَانُ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا حِينَ اصْطِيَادِ تِلْكَ الصُّيُودِ فَتَحْرُمُ تِلْكَ الصُّيُودُ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَلَوْ أَنَّ صَقْرًا فَرَّ مِنْ صَاحِبِهِ فَمَكَثَ حِينًا ثُمَّ رَجَعَ إلَى صَاحِبِهِ فَأَرْسَلَهُ فَصَادَ لَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا صَارَ بِهِ مُعَلَّمًا فَيُحْكَمُ بِجَهْلِهِ كَالْكَلْبِ إذَا أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ فَيَبْقَى حُكْمُهُ كَحُكْمِ الْكَلْبِ فِيمَا ذَكَرْنَا وَلَوْ شَرِبَ الْكَلْبُ مِنْ دَمِ الصَّيْدِ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا أُكِلَ؛ لِأَنَّهُ مُمْسِكٌ عَلَيْهِ وَهَذَا مِنْ غَايَةِ عِلْمِهِ حَيْثُ شَرِبَ مَا لَا يَصْلُحُ لِصَاحِبِهِ، وَأَمْسَكَ عَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ لَهُ وَلَوْ أَخَذَ الصَّائِدُ الصَّيْدَ مِنْ الْكَلْبِ وَقَطَعَ لَهُ مِنْهُ قِطْعَةً وَأَلْقَاهَا إلَيْهِ فَأَكَلَهَا يُؤْكَلُ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَى صَاحِبِهِ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ، وَأَكْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّا أَلْقَى إلَيْهِ صَاحِبُهُ لَا يَضُرُّهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ الصَّيْدِ وَهُوَ عَادَةُ الصَّيَّادِينَ فَصَارَ كَمَا إذَا أَلْقَى إلَيْهِ طَعَامًا آخَرَ وَكَذَا إذَا خَطَفَ الْكَلْبُ مِنْهُ وَأَكَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ الصَّيْدِ، إذْ لَمْ يَبْقَ صَيْدًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالشَّرْطُ تَرْكُ الْأَكْلِ مِنْ الصَّيْدِ. وَقَدْ وُجِدَ فَصَارَ كَمَا إذَا افْتَرَسَ شَاةً بِخِلَافِ مَا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِزَهُ الْمَالِكُ لِبَقَاءِ جِهَةِ الصَّيْدِيَّةِ وَسَيَأْتِي الْفَرْقُ فِيهِ وَلَوْ نَهَشَ الصَّيْدَ فَقَطَعَ مِنْهُ بَضْعَةً فَأَكَلَهَا ثُمَّ أَدْرَكَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ لَمْ يُؤْكَلْ؛ لِأَنَّهُ صَيْدُ كَلْبٍ جَاهِلٍ حَيْثُ أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ وَلَوْ أَلْقَى مَا نَهَشَهُ وَاتَّبَعَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حَتَّى أَخَذَهُ صَاحِبُهُ ثُمَّ ذَهَبَ إلَى تِلْكَ الْبَضْعَةِ فَأَكَلَهَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَكَلَ مِنْ نَفْسِ الصَّيْدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَضُرُّهُ فَإِذَا أَكَلَ مَا بَانَ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ أَوْلَى بِخِلَافِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ فِي حَالَةِ الِاصْطِيَادِ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ جَاهِلٌ مُمْسِكٌ عَلَى نَفْسِهِ وَلِأَنَّ نَهْشَ الْبَضْعَةِ قَدْ يَكُونُ لِيَأْكُلَهَا وَقَدْ يَكُونُ حَالَةَ الِاصْطِيَادِ لِيُضْعِفَهُ بِالْقَطْعِ مِنْهُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْهُ فَإِنْ أَكَلَهَا قَبْلَ الْأَخْذِ يَدُلُّ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَبَعْدَهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي وَفِي الْهِدَايَةِ لَوْ أَخَذَ الْمُرْسِلُ الصَّيْدَ وَوَثَبَ الْكَلْبُ عَلَى الصَّيْدِ فَأَخَذَ مِنْ الصَّيْدِ، وَأَكَلَ يُؤْكَلُ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّهُ مَا أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ وَالشَّرْطُ تَرْكُ الْأَكْلِ مِنْ الصَّيْدِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا إذَا أَكَلَ مِنْهُ بَعْدَ مَا قَتَلَهُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ كَمَا خَرَجَ مِنْ الصَّيْدِيَّةِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ جَازَ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ الصَّيْدِيَّةِ بِقَتْلِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ بِالْأَكْلِ حَتَّى أَخَذَهُ صَاحِبُهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُمْسِكٌ عَلَى صَاحِبِهِ، وَانْتِهَاشُهُ مِنْهُ لَا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ وَأَمَّا إذَا أَكَلَ بَعْدَ قَتْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ صَاحِبُهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُمْسِكٌ عَلَى نَفْسِهِ فَدَلَّ عَلَى جَهْلِهِ فَلِهَذَا حَرُمَ وَاعْتُرِضَ أَيْضًا بِأَنَّ عِبَارَةَ الْمُؤَلِّفِ شَامِلَةٌ

стр. 2785

لِلصُّورَتَيْنِ فِيمَا إذَا وُجِدَ افْتِرَاقُهُ فِي الْحُكْمِ وَأُجِيبَ بِمَا تَقَدَّمَ وَفِي الْمُحِيطِ وَإِنْ قَتَلَهُ فَأَخَذَهُ صَاحِبُهُ ثُمَّ وَثَبَ عَلَيْهِ فَأَنْهَشَ مِنْهُ قِطْعَةً أَوْ رَمَى صَاحِبُهُ بِهَا إلَيْهِ يُؤْكَلُ الصَّيْدُ وَلَوْ أَكَلَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ صَاحِبُهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ اهـ. ثُمَّ الْإِرْسَالُ عَلَى أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِرْسَالُ عَلَى صَيْدٍ وَلَوْ أَرْسَلَ عَلَى مَا لَيْسَ بِصَيْدٍ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْأَهْلِ فَأَصَابَ صَيْدًا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ عَلَى مَا لَيْسَ بِصَيْدٍ لَا يَكُونُ ذَكَاةً شَرْعًا وَلَوْ سَمِعَ حِسًّا وَظَنَّهُ صَيْدًا فَأَرْسَلَ كَلْبَهُ فَأَصَابَ صَيْدًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَسْمُوعَ حِسُّ آدَمِيٍّ أَوْ مَا لَيْسَ بِصَيْدٍ لَمْ يُؤْكَلْ وَكَذَا لَوْ سَمِعَ حِسًّا وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ حِسُّ صَيْدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ ظَنَّهُ حِسَّ صَيْدٍ غَيْرِ مَأْكُولٍ أَوْ مَأْكُولٍ فَأَصَابَ صَيْدًا آخَرَ يَحِلُّ أَكْلُهُ فَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ بِعَيْنِهِ وَهُوَ غَيْرُ مَأْكُولٍ فَأَصَابَ غَيْرَهُ يَحِلُّ أَكْلُهُ لِأَنَّ تَعْيِينَ الصَّيْدِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْإِرْسَالِ وَلَوْ سَمِعَ حِسًّا فَظَنَّ أَنَّهُ حِسُّ آدَمِيٍّ فَأَرْسَلَ كَلْبَهُ فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ يَحِلُّ أَكْلُهُ لِأَنَّ تَعْيِينَ الصَّيْدِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَفِي الْمُنْتَقَى وَلَوْ رَمَى ظَبْيًا أَوْ طَيْرًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ وَذَهَبَ الْمَرْمِيُّ إلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُتَوَحِّشٌ أَوْ مُسْتَأْنِسٌ أُكِلَ الصَّيْدُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّيْدِ التَّوَحُّشُ فَتَمَسَّكُوا بِالْأَصْلِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَوْ ظَنَّ حِينَ رَآهُ أَنَّهُ صَيْدٌ ثُمَّ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ يَحِلُّ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ عِنْدَنَا صَيْدٌ بِحُكْمِ الْأَصْلِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ صَيْدٍ وَلَوْ رَمَى إلَى بَعِيرٍ نَادٍّ أَوْ غَيْرِ نَادٍّ لَمْ يُؤْكَلْ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ نَادٍّ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَعِيرِ الْأُلْفَةُ وَالِاسْتِئْنَاسُ وَلَوْ رَمَى إلَى ظَبْيٍ مَرْبُوطٍ وَظَنَّ أَنَّهُ صَيْدٌ فَأَصَابَ ظَبْيًا آخَرَ لَمْ يُؤْكَلْ وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ مُوثَقٍ فِي يَدِهِ فَصَادَفَ غَيْرَهُ لَمْ يُؤْكَلْ وَلَوْ أَرْسَلَ فَهْدًا عَلَى فِيلٍ، وَأَصَابَ ظَبْيًا لَمْ يُؤْكَلْ وَلَوْ رَمَى سَمَكًا أَوْ جَرَادًا فَأَصَابَ صَيْدًا فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ السَّمَكَ وَالْجَرَادَ لَا تَقَعُ عَلَيْهِ الذَّكَاةُ وَفِي رِوَايَةٍ يُؤْكَلُ لِأَنَّ الْمَرْمِيَّ إلَيْهِ صَيْدٌ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ فَوْرُ الْإِرْسَالِ بَاقِيًا كَمَا سَيَأْتِي وَمِنْ شَرَائِطِ الْإِرْسَالِ أَنْ لَا يُوجَدَ بَعْدَ الْإِرْسَالِ بَوْلٌ وَلَا أَكْلٌ فَإِنْ وُجِدَ وَطَالَ قَطَعَ الْإِرْسَالَ حَتَّى لَوْ قَتَلَهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَفِي الرَّوْضَةِ وَلَوْ حَبَسَ الْكَلْبَ عَلَى صَدْرِ الصَّيْدِ طَوِيلًا ثُمَّ أَمَرَ بِهِ آخَرَ فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ؛ لِأَنَّهُ انْقَطَعَ فَوْرُ الْإِرْسَالِ، وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبَيْنِ فَأَخَذَهُ أَحَدُهُمَا وَقَتَلَهُ الْآخَرُ يَحِلُّ أَكْلُهُ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَلْحَقَهُ الْمُرْسِلُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ قَبْلَ انْقِطَاعِ الْكَلْبِ كَمَا سَيَأْتِي قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَدْرَكَهُ حَيًّا ذَكَّاهُ) «لِقَوْلِهِ ﵊ لِعَدِيٍّ إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ، وَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ، إذْ الْمَقْصُودُ هُوَ الْحِلُّ، وَالْبَازُ وَالسَّهْمُ فِي هَذَا كَالْكَلْبِ وَفِي الْمُحِيطِ فَإِذَا أَدْرَكَهُ حَيًّا لَمْ يَحِلَّ إلَّا بِالذَّبْحِ قَدَرَ عَلَى الذَّكَاةِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ لِفَقْدِ الْآلَةِ وَضِيقِ الْوَقْتِ بِأَنْ كَانَ فِي آخِرِ الرَّمَقِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّمَكُّنِ كَمَا ذَكَرْنَا يَحِلُّ وَهُوَ اخْتِيَارٌ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأَصْلِ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ لَوْ أَدْرَكَهُ وَلَمْ يَأْخُذْهُ فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ أَمْكَنَهُ ذَبْحُهُ لَمْ يُؤْكَلْ وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ ذَبْحُهُ بَعْدَ أَخْذِهِ أُكِلَ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَمْ تَثْبُتْ عَلَى الذَّبْحِ، وَالتَّمَكُّنَ مِنْ الذَّبْحِ لَمْ يُوجَدْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ. قَالَ: ﵀ (وَإِنْ لَمْ يُذَكِّهِ حَتَّى مَاتَ أَوْ خَنَقَهُ الْكَلْبُ وَلَمْ يَجْرَحْهُ أَوْ شَارَكَهُ كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ أَوْ كَلْبٌ مَجُوسِيٌّ أَوْ كَلْبٌ لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَمْدًا حَرُمَ) أَمَّا إذَا لَمْ يُذَكِّهِ فَلِأَنَّهُ لَمَّا أَدْرَكَهُ حَيًّا صَارَ ذَكَاتُهُ ذَكَاةَ الِاخْتِيَارِ لِمَا رَوَيْنَا وَبَيَّنَّا مِنْ الْمَعْنَى فَبِتَرْكِهِ يَصِيرُ مَيْتَةً وَهَذَا إذَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَبْحِهِ أَمَّا إذَا وَقَعَ فِي يَدِهِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ وَفِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ قَدْرُ مَا يَكُونُ فِي الْمَذْبُوحِ بِأَنْ يَقُدَّ بَطْنَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُضْطَرِبًا اضْطِرَابَ الْمَذْبُوحِ فَحَلَالٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْحَيَاةِ لَا يُعْتَبَرُ فَكَانَ مَيِّتًا حُكْمًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَحْرُمُ كَمَا إذَا وَقَعَ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ لَا يُضَافُ إلَيْهِ، وَالْمَيِّتُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلذَّكَاةِ، وَذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ أَنَّ هَذَا بِالْإِجْمَاعِ وَقِيلَ هَذَا قَوْلُهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَحِلُّ إلَّا إذَا ذَكَّاهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَيَاةَ الْخَفِيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ حَتَّى حَلَّتْ الْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَنَحْوُهَا بِالذَّكَاةِ إذَا كَانَ فِيهَا حَيَاةٌ وَإِنْ كَانَتْ خَفِيَّةً عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا لَا تَحِلُّ إلَّا إذَا كَانَتْ حَيَاتُهَا بَيِّنَةً وَذَلِكَ بِأَنْ تَبْقَى فَوْقَ مَا يَبْقَى الْمَذْبُوحُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ تَكُونَ بِحَالٍ يَعِيشُ مِثْلُهَا فَيَكُونُ مَوْتُهَا مُضَافًا إلَى الذَّكَاةِ، وَالسَّهْمُ مِثْلُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ فَوْقَ مَا يَكُونُ فِي الْمَذْبُوحِ فَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأَصْلِ فَصَارَ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا رَأَى الْمَاءَ

стр. 2786

وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَلَا يُؤْكَلُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ حُكْمًا لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ التَّمَكُّنِ مِنْ الذَّبْحِ، إذْ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الذَّبْحِ بِعَيْنِهِ حَقِيقَةً لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِهِمْ فِي الْكِيَاسَةِ وَالْهِدَايَةِ فِي أَمْرِ الذَّبْحِ وَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ فَأُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَى ثُبُوتِ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُشَاهَدُ الْمُعَايَنُ فَلَا يَحِلُّ الْأَكْلُ إلَّا بِالذَّكَاةِ سَوَاءٌ كَانَتْ حَيَاتُهُ خَفِيَّةً أَوْ بَيِّنَةً لِجَرْحِ الْمُعَلَّمِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ السِّبَاعِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] اسْتَثْنَاهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ حَيٍّ مُطْلَقًا وَكَذَا «قَوْلُهُ: ﵊ لِعَدِيٍّ فَإِذَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ» مُطْلَقٌ فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ حَيٍّ مُطْلَقًا وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ، وَفَصَّلَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَفْصِيلًا آخَرَ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا فَقَالَ: إنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الذَّبْحِ لِفَقْدِ الْآلَةِ لَمْ يُؤْكَلْ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ مِنْ جِهَتِهِ وَإِنْ كَانَ لِضِيقِ الْوَقْتِ أُكِلَ لِعَدَمِ التَّقْصِيرِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا تَلَوْنَا وَمَا رَوَيْنَا وَأَمَّا إذَا خَنَقَهُ الْكَلْبُ. وَلَمْ يَجْرَحْهُ فَلِمَا بَيَّنَّا عِنْدَ قَوْلِهِ لَا بُدَّ مِنْ التَّعْلِيمِ وَالتَّسْمِيَةِ وَالْجَرْحِ وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ، وَالْكَسْرُ كَالْخَنْقِ حَتَّى لَا يُعْتَدَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى خُرُوجِ الدَّمِ وَأَمَّا إذَا شَارَكَهُ كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ أَوْ كَلْبٌ مَجُوسِيٌّ أَوْ كَلْبٌ لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ عَمْدًا فَلِمَا رَوَيْنَا عَنْ «عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي فَأُسَمِّي قَالَ إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَخَذَ فَقَتَلَ فَكُلْ فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ قُلْت: إنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ غَيْرَهُ لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَ فَقَالَ لَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِك فَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِك كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ؛ لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا صَحِيحٌ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ بِأَكْلِ الْكَلْبِ الصَّيْدُ وَعَلَى الشَّافِعِيِّ فِي مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أَيْضًا وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ الْمُبِيحُ وَالْمُحَرِّمُ فَيَغْلِبُ فِيهِ جِهَةُ الْحُرْمَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ إلَّا وَقَدْ غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» وَإِنَّ الْحَرَامَ وَاجِبُ التَّرْكِ، وَالْحَلَالَ جَائِزُ التَّرْكِ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي التَّرْكِ وَلَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِ الْكَلْبُ وَلَمْ يَجْرَحْهُ مَعَهُ وَمَاتَ بِجَرْحِهِ الْأَوَّلِ يُكْرَهُ أَكْلُهُ لِوُجُودِ الْمُعَاوَنَةِ فِي الْأَخْذِ وَفَقْدِهَا فِي الْجَرْحِ ثُمَّ قِيلَ الْكَرَاهَةُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمَّا انْفَرَدَ بِالْجَرْحِ وَالْأَخْذِ غُلِّبَ جَانِبُ الْحِلِّ فَصَارَ حَلَالًا، وَأَوْجَبَ إعَانَةُ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ الْكَرَاهَةَ دُونَ الْحُرْمَةِ وَقِيلَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْحَلْوَانِيِّ لِوُجُودِ الْمُشَارَكَةِ مِنْ وَجْهٍ بِخِلَافِ مَا إذَا رَدَّهُ عَلَيْهِ الْمَجُوسِيُّ نَفْسُهُ حَيْثُ لَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمَجُوسِيِّ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ فِعْلِ الْكَلْبِ فَلَمْ تَتَحَقَّقْ الْمُشَارَكَةُ مِنْ وَجْهٍ وَلَوْ لَمْ يَرُدَّ الْكَلْبُ الثَّانِي عَلَيْهِ لَكِنَّ اشْتَدَّ عَلَى الْأَوَّلِ فَاشْتَدَّ الْأَوَّلُ عَلَى الصَّيْدِ بِسَبَبِهِ فَأَخَذَهُ فَقَتَلَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الثَّانِي أَثَّرَ فِي الْكَلْبِ الْأَوَّلِ حَتَّى ازْدَادَ طَلَبًا وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الصَّيْدِ فَكَانَ تَبَعًا لِفِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَيْهِ فَلَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَى التَّبَعِ بِخِلَافِ مَا إذَا رَدَّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ تَبَعًا فَيُضَافُ إلَيْهِمَا وَلَوْ رَدَّهُ سَبُعٌ أَوْ ذُو مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّمَ فَيُصَادَ بِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِ الْكَلْبُ فِيمَا ذَكَرْنَا لِوُجُودِ الْمُجَانَسَةِ فِي الْفِعْلِ بِخِلَافِ مَا إذَا رَدَّهُ عَلَيْهِ مَا لَا يَجُوزُ الِاصْطِيَادُ بِهِ كَالْجَمَلِ وَالْبَقَرِ. وَالْبَازِي فِي ذَلِكَ كَالْكَلْبِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ حَلَالٌ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَهُ فِي الْحِلِّ وَمَاتَ فِي الْحَرَمِ أَوْ رَمَاهُ فِي الْحَرَمِ، وَأَصَابَهُ فِي الْحِلِّ وَمَاتَ فِي الْحِلِّ لَا يَحِلُّ وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ وَكَذَا إذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ فِي الْحَرَمِ وَقَتَلَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ لَا يَحِلُّ وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ: يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ مَنْ رَمَى سَهْمًا إلَى صَيْدٍ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي حَقِّ الْمِلْكِ لِوَقْتِ الْإِصَابَةِ وَفِي حَقِّ الْأَكْلِ لِوَقْتِ الرَّمْيِ هَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ وَلِهَذَا قُلْنَا: الْمُسْلِمُ إذَا رَمَى سَهْمًا إلَى صَيْدٍ ثُمَّ ارْتَدَّ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى - ثُمَّ أَصَابَهُ السَّهْمُ حَلَّ تَنَاوُلُهُ وَالْمُرْتَدُّ إذَا رَمَى إلَى صَيْدٍ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ أَصَابَهُ لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ. [أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبَهُ فَزَجَرَهُ مَجُوسِيٌّ فَانْزَجَرَ] قَالَ: ﵀ (وَإِنْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبَهُ فَزَجَرَهُ مَجُوسِيٌّ فَانْزَجَرَ حَلَّ وَلَوْ أَرْسَلَهُ مَجُوسِيٌّ فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ فَانْزَجَرَ حَرُمَ) وَالْمُرَادُ بِالزَّجْرِ الْإِغْرَاءُ بِالصِّيَاحِ عَلَيْهِ، وَبِالِانْزِجَارِ يَحْصُلُ زِيَادَةُ الطَّلَبِ لِلصَّيْدِ كَذَا فِي الْهِدَايَة وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ: فَزَجَرَهُ مَجُوسِيٌّ إلَى آخِرِهِ فَشَمَلَ مَا إذَا زَجَرَهُ فِي حَالِ طَلَبِهِ أَوْ بَعْدَ وُقُوفِهِ فَانْزَجَرَ وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ كِتَابِ الصَّيْدِ فِيمَا إذَا أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبَهُ فَزَجَرَهُ مَجُوسِيٌّ إنَّمَا يَحِلُّ إذَا زَجَرَهُ الْمَجُوسِيُّ فِي ذَهَابِهِ أَمَّا إذَا وَقَفَ الْكَلْبُ عَنْ سُنَنِ الْإِرْسَالِ ثُمَّ زَجَرَهُ مَجُوسِيٌّ بَعْدَ ذَلِكَ فَانْزَجَرَ لَا يُؤْكَلُ وَالْفَرْقُ أَنَّ إرْسَالَ الْمُسْلِمِ قَدْ صَحَّ، وَصَيْحَةُ الْمَجُوسِيِّ لَا تُفْسِدُهُ؛ لِأَنَّهُ تَقْوِيَةٌ لِلْإِرْسَالِ

стр. 2787

وَتَحْرِيضٌ لِلْكَلْبِ وَلَيْسَ بِابْتِدَاءِ إرْسَالٍ مِنْهُ فَلَا يَنْقَطِعُ الْإِرْسَالُ بِالزَّجْرِ فَبَقِيَ صَحِيحًا فَأَمَّا الْإِرْسَالُ مِنْ الْمَجُوسِيِّ فَإِنَّهُ وَقَعَ فَاسِدًا فَلَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِالزَّجْرِ وَكَذَا إذَا أَرْسَلَ وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ وَسَمَّى لَمْ يَحِلَّ وَلَوْ وُجِدَتْ التَّسْمِيَةُ مِنْ الْمُرْسِلِ فَزَجَرَهُ مَنْ لَمْ يُسَمِّ حَلَّ وَكَذَا الْمُسْلِمُ إذَا ذَبَحَ فَأَمَرَّ الْمَجُوسِيُّ السِّكِّينَ بَعْدَ الذَّبْحِ لَمْ يَحْرُمْ وَلَوْ ذَبَحَ الْمَجُوسِيُّ، وَأَمَرَّ الْمُسْلِمُ بَعْدَهُ لَمْ يَحِلَّ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ أَصْلَ الْفِعْلِ مَتَى وَقَعَ صَحِيحًا لَا يَنْقَلِبُ فَاسِدًا وَمَتَى وَقَعَ فَاسِدًا لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا، وَكَذَا مُحْرِمٌ دَلَّ حَلَالًا عَلَى الصَّيْدِ فَقَتَلَهُ يَحِلُّ لَهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الزِّيَادَاتِ؛ لِأَنَّ ذَبْحَهُ حَصَلَ بِفِعْلِ الْحَلَالِ لَا بِدَلَالَةِ الْمُحْرِمِ وَنَصَّ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِحَدِيثِ قَتَادَةَ حِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «هَلْ أَعَنْتُمْ هَلْ أَشَرْتُمْ فَقَالُوا: لَا، فَقَالَ: إذَنْ فَكُلُوا» عَلَّقَ الْإِبَاحَةَ بِعَدَمِ الْإِعَانَةِ وَفِي الدَّلَالَةِ نَوْعُ إعَانَةٍ وَلَوْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ الصَّيْدَ كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ أَوْ مُعَلَّمٌ لَمْ يُرْسِلْهُ أَحَدٌ وَلَمْ يَزْجُرْهُ بَعْدَ انْبِعَاثِهِ وَأَخَذَهُ الْأَوَّلُ وَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ وَقَدَّمْنَا مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَلَوْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ اشْتَدَّ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ يَتْبَعُ أَثَرَ الْمُرْسَلِ حَتَّى قَتَلَهُ الْأَوَّلُ حَلَّ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الثَّانِي أَثَّرَ فِي الْكَلْبِ الْمُرْسَلِ لَا فِي الصَّيْدِ فَصَارَ فِعْلُهُ تَبَعًا لِفِعْلِ الْمُرْسَلِ فَانْضَافَ الْأَخْذُ إلَى الْمُرْسَلِ لَا إلَى الْمُحَرِّضِ وَالْمُشِدِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِ لِأَنَّ فِعْلَهُ أَثَّرَ فِي الصَّيْدِ لَا فِي الْكَلْبِ فَصَارَ الْأَخْذُ مُضَافًا إلَيْهِمَا. مَجُوسِيٌّ أَرْسَلَ ثُمَّ أَسْلَمَ فَاصْطَادَ كَلْبُهُ لَمْ يُؤْكَلْ وَكَذَلِكَ لَوْ زَجَرَهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَانْزَجَرَ لِزَجْرِهِ وَلَوْ كَانَ مُسْلِمًا حَالَةَ الْإِرْسَالِ فَصَارَ مُرْتَدًّا حَالَةَ الْأَخْذِ يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ الْإِرْسَالِ وَالرَّمْيِ لَا حَالَةُ الْأَخْذِ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ وَالرَّمْيَ فِعْلُ الذَّكَاةِ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ فَيُعْتَبَرُ إسْلَامُهُ وَتَمَجُّسُهُ وَرِدَّتُهُ عِنْدَ الذَّبْحِ لَا عِنْدَ زُهُوقِ الرُّوحِ فَكَذَا هُنَا يُعْتَبَرُ إسْلَامُهُ وَكُفْرُهُ وَقْتَ الْإِرْسَالِ وَالرَّمْيِ لَا بَعْدَهُ وَفِي النَّوَادِرِ وَلَوْ ضَرَبَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ فَرَقَّدَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ ثَانِيَةً فَقَتَلَهُ أُكِلَ وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَيْنِ فَضَرَبَهُ أَحَدُهُمَا فَرَقَّدَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ الْآخَرُ فَقَتَلَهُ أُكِلَ وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ كَلْبَهُ فَرَقَّدَهُ أَحَدُهُمَا وَقَتَلَهُ الْآخَرُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ وَالصَّيْدُ لِصَاحِبِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ جَرْحَ الْكَلْبِ بَعْدَ الْجَرْحِ فَصَارَ كَأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ لَمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَيْدًا صَارَ مِلْكًا لِصَاحِبِهِ فَلَا يُزِيلُ مِلْكَهُ الثَّانِي، وَفِي الْأَصْلِ وَمِنْ شَرَائِطِ الْإِرْسَالِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُرْسِلُ مُحْرِمًا، وَأَنْ لَا يَمُوتَ فِي الْحَرَمِ حَتَّى لَا يَجُوزَ أَكْلُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَلَا مَا اصْطَادَهُ الْحَلَالُ فِي الْحَرَمِ، وَذَكَرَ زَجْرَ الْمَجُوسِيِّ لِيُفِيدَ زَجْرَ الْمُحْرِمِ لِأَنَّهُ أَوْلَى قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ الْحَلَالُ إذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى الصَّيْدِ فَزَجَرَهُ الْمُحْرِمُ فَانْزَجَرَ حَلَّ أَكْلُهُ، وَفِي السِّرَاجِيَّةِ: أَنَّ عَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ﵀ (وَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ أَحَدٌ فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ فَانْزَجَرَ حَلَّ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَحِلَّ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ جُعِلَ ذَكَاةً عِنْدَ الِاضْطِرَارِ لِلضَّرُورَةِ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الْإِرْسَالُ انْعَدَمَ الذَّكَاةُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَلَا يَحِلُّ وَالزَّجْرُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ وَلَا يُعْتَبَرُ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الزَّجْرَ عِنْدَ عَدَمِ الْإِرْسَالِ يُجْعَلُ إرْسَالًا؛ لِأَنَّ انْزِجَارَهُ عَقِيبَ زَجْرِهِ دَلِيلُ طَاعَتِهِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ فَيَحِلُّ، إذْ لَيْسَ فِي اعْتِبَارِهِ إبْطَالُ السَّبَبِ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَلَا يُقَالُ الزَّجْرُ دُونَ الِانْفِلَاتِ لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ فَلَا يَرْتَفِعُ الِانْفِلَاتُ فَصَارَ مِثْلَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَالْجَامِعُ أَنَّ الزَّاجِرَ فِيهِمَا بِنَاءٌ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الزَّجْرُ إنْ كَانَ دُونَ الِانْفِلَاتِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ فَوْقَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ وَاسْتَوَيَا فَنُسِخَ الِانْفِلَاتُ؛ لِأَنَّ آخِرَ الْمِثْلَيْنِ يَصْلُحُ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ كَمَا فِي نَسْخِ الْأَحْكَامِ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الزَّجْرَ لَا يُنَافِي الْإِرْسَالَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِعْلُ الْمُكَلَّفِ. ، وَالزَّجْرُ بِنَاءٌ عَلَى الْإِرْسَالِ فَكَانَ دُونَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَرْتَفِعُ بِهِ، وَالْبَازِي كَالْكَلْبِ فِيمَا ذَكَرْنَا وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ الْمُعَلَّمَ عَلَى صَيْدٍ مُعَيَّنٍ فَأَخَذَ غَيْرَهُ وَهُوَ عَلَى سُنَنِهِ حَلَّ، وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ تَعَالَى: لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ إرْسَالٍ، إذْ الْإِرْسَالُ يَخْتَصُّ بِالْمُشَارِ وَالتَّسْمِيَةُ وَقَعَتْ عَلَيْهِ فَلَا تَتَحَوَّلُ إلَى غَيْرِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَضْجَعَ شَاةً وَسَمَّى عَلَيْهَا وَخَلَّاهَا فَذَبَحَ غَيْرَهَا بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَتَعَيَّنُ الصَّيْدُ بِالتَّعْيِينِ، مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ حَتَّى لَا يَحِلَّ غَيْرُهُ بِذَلِكَ الْإِرْسَالِ وَلَوْ أَرْسَلَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ يَحِلُّ مَا أَصَابَهُ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَعِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَكِنْ إذَا عُيِّنَ يَتَعَيَّنُ وَعِنْدَنَا التَّعْيِينُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ أَنْ لَا يُكَلَّفَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَاَلَّذِي فِي وُسْعِهِ إيجَادُ الْإِرْسَالِ دُونَ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَلِّمَ الْبَازِيَ وَالْكَلْبَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَأْخُذُ إلَّا مَا عَيَّنَهُ لَهُ وَلِأَنَّ التَّعْيِينَ غَيْرُ مُفِيدٍ فِي حَقِّهِ وَلَا فِي الْكَلْبِ فَإِنَّ الصُّيُودَ كُلَّهَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى مَقْصُودِهِ

стр. 2788

سَوَاءٌ وَكَذَا فِي حَقِّ الْكَلْبِ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ أَخْذُ كُلِّ صَيْدٍ تَمَكَّنَ مِنْ صَيْدِهِ بِخِلَافِ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ فِي الشَّاةِ مُمْكِنٌ وَكَذَا غَرَضُهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُعَيَّنٍ فَتَتَعَلَّقُ التَّسْمِيَةُ هُنَا بِالضَّجْعِ بِالذَّبْحِ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِالْآلَةِ. وَمَنْ أَرْسَلَ فَهْدًا فَكَمَنَ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الصَّيْدِ ثُمَّ أَخَذَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَادَةٌ لَهُ يَحْتَالُ لِأَخْذِهِ لِاسْتِرَاحَتِهِ فَلَا يَنْقَطِعُ بِهِ فَوْرُ الْإِرْسَالِ وَكَيْفَ يَنْقَطِعُ وَقَصْدُ صَاحِبِهِ يَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ وَعُدَّ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ لِلْفَهْدِ خِصَالٌ حَمِيدَةٌ فَيَنْبَغِي لِكُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُ، مِنْهَا أَنْ يَكْمُنَ لِلصَّيْدِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْهُ وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يُجَاهِرَ عَدُوَّهُ بِالْخِلَافِ وَلَكِنْ يَطْلُبُ الْفُرْصَةَ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْهُ فَيَحْصُلَ مَقْصُودُهُ مِنْ غَيْرِ إتْعَابِ نَفْسِهِ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَعْدُو خَلْفَ صَاحِبِهِ حَتَّى يُرِيَهُ خَلْفَهُ وَهُوَ يَقُولُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَيَّ فَلَا أُذَلُّ وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يُذِلَّ نَفْسَهُ فِيمَا يَفْعَلُ لِغَيْرِهِ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّمُ بِالضَّرْبِ وَلَكِنْ يُضْرَبُ الْكَلْبُ بَيْنَ يَدَيْهِ إذَا أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ فَيَتَعَلَّمُ بِذَلِكَ وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتَّعِظَ بِغَيْرِهِ كَمَا قِيلَ السَّعِيدُ مَنْ اتَّعَظَ بِغَيْرِهِ وَمِنْهَا أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ الْخَبِيثَ مِنْ اللَّحْمِ وَإِنَّمَا يَطْلُبُ مِنْ صَاحِبِهِ اللَّحْمَ الطَّيِّبَ وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ إلَّا الطَّيِّبَ وَمِنْهَا أَنْ يَثِبَ أَثْلَاثًا أَوْ خَمْسًا فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَخْذِهِ تَرَكَهُ وَيَقُولُ: لَا أَقْتُلُ نَفْسِي فِيمَا أَعْمَلُ لِغَيْرِي وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ وَكَذَا الْكَلْبُ إذَا اعْتَادَ الِاخْتِفَاءَ لَا يَنْقَطِعُ فَوْرُ الْإِرْسَالِ لِمَا بَيَّنَّا فِي الْفَهْدِ وَيَنْقَطِعُ الْإِرْسَالُ بِمُكْثِهِ طَوِيلًا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حِيلَةً مِنْهُ لِلْأَخْذِ وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِرَاحَةٌ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ وَلَوْ أَرْسَلَ بَازَهُ الْمُعَلَّمَ عَلَى صَيْدٍ فَوَقَعَ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ اتَّبَعَ الصَّيْدَ فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ يُؤْكَلُ إذَا لَمْ يَمْكُثْ زَمَانًا طَوِيلًا لِلِاسْتِرَاحَةِ وَإِنَّمَا مَكَثَ سَاعَةً طَوِيلَةً لِلتَّمَكُّنِ وَلَوْ أَنَّ بَازِيًا مُعَلَّمًا أَخَذَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ وَلَا يَدْرِي أَرْسَلَهُ إنْسَانٌ أَوْ لَا لَا يُؤْكَلُ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي الْإِرْسَالِ وَلَا تَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ بِدُونِهِ وَلَكِنْ إنْ كَانَ مُرْسَلًا فَهُوَ مَالُ الْغَيْرِ فَلَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ. قَالَ ﵀: (وَإِنْ رَمَى وَسَمَّى وَجَرَحَ أَكَلَ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الْآلَةِ الْحَيَوَانِيَّةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْآلَةِ الْجَمَادِيَّةِ فَتَقْدِيمُ الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ يَعْنِي إذَا رَمَى بِآلَةٍ جَارِحَةٍ وَسَمَّى إلَى صَيْدٍ فَأَصَابَهُ وَجَرَحَهُ يُؤْكَلُ إذَا جَرَحَ «لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ إلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، وَشُرِطَ لِمَا رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا رَمَيْتَ فَسَمَّيْتَ فَجَرَحْتَ فَكُلْ وَإِنْ لَمْ تَخْرِقْ فَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْمِعْرَاضِ إلَّا مَا ذَكَّيْتَ وَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْبُنْدُقَةِ إلَّا مَا ذَكَّيْتَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُصِيبَ الْمَرْمِيَّ بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّيْدِ كَمَا فِي إرْسَالِ الْكَلْبِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَفِي إطْلَاقِ قَوْلِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ فَإِنْ رَمَى وَسَمَّى وَجَرَحَ أُكِلَ إشَارَةٌ إلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يُعَيِّنْ الْمَرْمِيَّ وَلَا الْمُصَابَ حَتَّى يَدْخُلَ تَحْتَهُ مَا إذَا سَمِعَ حِسًّا وَظَنَّهُ صَيْدًا فَرَمَاهُ فَأَصَابَ صَيْدًا غَيْرَ مَا سَمِعَ حِسَّهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حِسُّ صَيْدٍ يَحِلُّ أَكْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ الصَّيْدُ الْمَسْمُوعُ حِسُّهُ مَأْكُولًا أَوْ غَيْرَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْمُصَابُ مَأْكُولًا لِأَنَّهُ وَقَعَ اصْطِيَادًا مَعَ قَصْدِهِ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ خَصَّ مِنْ ذَلِكَ الْخِنْزِيرَ لِغِلَظِ حُرْمَتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ بِخِلَافِ السِّبَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُورَثُ فِي جِلْدِهِ وَزُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خَصَّ مِنْهَا مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّ الِاصْطِيَادَ لَا يُفِيدُ الْإِبَاحَةَ فِيهِ وَوَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ اسْمَ الِاصْطِيَادِ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَأْكُولِ فَيَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] فَكَانَ اصْطِيَادُهُ مُبَاحًا، وَإِبَاحَةُ التَّنَاوُلِ تَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ فَتَثْبُتُ بِقَدْرِ مَا يَقْبَلُهَا لَحْمًا أَوْ جِلْدًا وَقَدْ لَا تَثْبُتُ بِالْكُلِّيَّةِ إذَا لَمْ يَقْبَلُهَا الْمَحَلُّ وَإِذَا وَقَعَ اصْطِيَادًا صَارَ كَأَنَّهُ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ غَيْرَهُ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حِسُّ جَرَادٍ أَوْ سَمَكٍ ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُغْنِي أَنَّ الْمُصَابَ لَا يُؤْكَلُ لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَقَعُ عَلَيْهِمَا فَلَا يَكُونُ الْفِعْلُ ذَكَاةً، وَأُورِدَ عَلَى صَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ حِسُّ صَيْدٍ يُحْتَاجُ فِي حِلِّ أَكْلِهِ إلَى الذَّبْحِ أَوْ الْجَرْحِ وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي آخِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَلَوْ رَمَى إلَى سَمَكٍ أَوْ جَرَادٍ وَأَصَابَ صَيْدًا يَحِلُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ لَا ذَكَاةَ فِيهِمَا فَكَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُخَرِّجَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عَلَى رِوَايَةِ الْحِلِّ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا أَوْرَدَهُ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ ذَلِكَ الْقَيْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان لَوْ رَمَى إلَى جَرَادٍ أَوْ سَمَكٍ وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ فَأَصَابَ طَائِرًا أَوْ صَيْدًا آخَرَ فَقَتَلَهُ حَلَّ أَكْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُؤْكَلُ وَهَذَا أَوْضَحُ مِنْ الْكُلِّ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ

стр. 2789

أَصْلًا وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَسْمُوعَ حِسُّهُ آدَمِيٌّ أَوْ حَيَوَانٌ أَهْلِيٌّ أَوْ ظَبْيٌ مُسْتَأْنِسٌ أَوْ مُوثَقٌ لَا يَحِلُّ الْمُصَابُ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَقَعْ اصْطِيَادًا وَلَا يَقُومُ مَقَامَ الذَّكَاةِ وَلَوْ رَمَى إلَى الطَّائِرِ فَأَصَابَ غَيْرَهُ مِنْ الصُّيُودِ أَوْ فَرَّ الطَّائِرُ وَلَا يَدْرِي أَهُوَ وَحْشِيٌّ أَمْ لَا حَلَّ الْمُصَابُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِيهِ التَّوَحُّشُ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَمَى إلَى بَعِيرٍ فَأَصَابَ صَيْدًا وَلَا يَدْرِي أَهُوَ نَادٍّ أَمْ لَا حَيْثُ لَا يَحِلُّ الْمُصَابُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الِاسْتِئْنَاسُ فَيُحْكَمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِظَاهِرِ حَالِهِ وَلَوْ أَصَابَ الْمَسْمُوعَ حِسُّهُ وَقَدْ ظَنَّهُ آدَمِيًّا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ صَيْدٌ حَلَّ؛ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِظَنِّهِ مَعَ تَعَيُّنِهِ صَيْدًا ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى: إذَا سَمِعَ حِسًّا بِاللَّيْلِ فَظَنَّ أَنَّهُ إنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ أَوْ حَيَّةٌ فَرَمَاهُ فَإِذَا ذَاكَ الَّذِي سُمِعَ حِسُّهُ صَيْدٌ فَأَصَابَ سَهْمُهُ ذَلِكَ الصَّيْدَ الَّذِي سَمِعَ حِسَّهُ أَوْ أَصَابَ صَيْدًا آخَرَ فَقَتَلَهُ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ رَمَاهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي الصَّيْدَ ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَحِلُّ الصَّيْدُ إلَّا بِوَجْهَيْنِ أَنْ يَرْمِيَهُ وَهُوَ يُرِيدُ الصَّيْدَ، وَأَنْ يَكُونَ الَّذِي أَرَادَهُ وَسَمِعَ حِسَّهُ وَرَمَى إلَيْهِ صَيْدًا سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ لَا وَهَذَا يُنَاقَضُ بِمَا ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَهَذَا أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ إلَى الْآدَمِيِّ وَنَحْوِهِ لَيْسَ بِاصْطِيَادٍ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ وَلَوْ أَصَابَ صَيْدًا. وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ يُنَاقِضُ مَا ذَكَرَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حِسُّ آدَمِيٍّ لَا يَحِلُّ الْمُصَابُ وَعَلَى اقْتِضَاءِ مَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ أَنَّهُ يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْمُصَابَ صَيْدٌ كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ فِيهَا صَيْدٌ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي النِّهَايَةِ بِفَرْقٍ غَيْرِ مُخْلَصٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ وَقَالَ فِيهِ لَوْ رَمَى إلَى آدَمِيٍّ أَوْ بَقَرٍ وَنَحْوِهِ وَسَمَّى فَأَصَابَ صَيْدًا مَأْكُولًا لَا رِوَايَةَ لِهَذَا فِي الْأَصْلِ وَلِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ قَوْلَانِ فِي قَوْلٍ يَحِلُّ وَفِي قَوْلٍ لَا يَحِلُّ فَيُحْمَلُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ فَيَسْتَقِيمُ وَلَا حَاجَةَ إلَى الْفَرْقِ وَلَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ صَاحِبُ الْحِسِّ مَا هُوَ لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُ مَا أَصَابَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَسْمُوعُ حِسُّهُ غَيْرَ صَيْدٍ فَلَا يَحِلُّ الْمُصَابُ بِالشَّكِّ، وَالْبَازِي وَالْفَهْدُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا كَالْكَلْبِ. قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَدْرَكَهُ حَيًّا ذَكَّاهُ وَإِنْ لَمْ يُذَكِّهِ حَرُمَ) لِمَا رَوَيْنَا وَبَيَّنَّا فِي الْكَلْبِ مِنْ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَكَاةٌ اضْطِرَارًا فَيَكُونُ الْوَارِدُ فِي أَحَدِهِمَا وَارِدًا فِي الْآخَرِ دَلَالَةً لِاسْتِوَائِهِمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. قَالَ ﵀: (وَإِنْ وَقَعَ سَهْمٌ بِصَيْدٍ فَتَحَامَلَ وَغَابَ وَهُوَ فِي طَلَبِهِ حَلَّ وَإِنْ قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ ثُمَّ أَصَابَهُ مَيِّتًا لَا) يَعْنِي يَحْرُمُ أَكْلُهُ «لِقَوْلِهِ ﵊ لِأَبِي ثَعْلَبَةَ إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَغَابَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَوَرَدَ «أَنَّهُ ﵊ كَرِهَ أَكْلَ الصَّيْدِ إذَا غَابَ عَنْ الرَّامِي وَقَالَ لَعَلَّ هَوَامَّ الْأَرْضِ قَتَلَتْهُ» فَيُحْمَلُ هَذَا عَلَى مَا إذَا قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ وَالْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَقْعُدْ وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَمُوتَ بِسَبَبٍ آخَرَ فَيُعْتَبَرَ فِيمَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُومَ فِي الْمُحَرَّمَاتِ كَالْمُتَحَقَّقِ وَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِيهِ يُؤَدِّي إلَى سَدِّ بَابِ الِاصْطِيَادِ وَهَذَا لِأَنَّ الِاصْطِيَادَ يَكُونُ فِي الصَّحْرَاءِ بَيْنَ الْأَشْجَارِ عَادَةً وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْتُلَهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ وَتَوَارٍ عَنْ عَيْنِهِ غَالِبًا فَيُعْذَرُ مَا لَمْ يَقْعُدْ عَنْ طَلَبِهِ لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ وَلَا يُعْذَرُ فِيمَا إذَا قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ مِثْلِهِ مُمْكِنٌ فَلَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ فَيَحْرُمُ وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الْكُلِّ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ لِلضَّرُورَةِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ فِيمَا يُمْكِنُ، وَجَعَلَ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ مِنْ شُرُوطِ حِلِّ الصَّيْدِ أَنْ لَا يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ. وَقَالَ: لِأَنَّ الْغَالِبَ إذَا غَابَ الصَّيْدُ عَنْ بَصَرِهِ رُبَّمَا يَكُونُ مَوْتُ الصَّيْدِ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلَا يَحِلُّ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كُلْ مَا أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ، وَالْإِصْمَاءُ مَا رَأَيْتَهُ وَالْإِنْمَاءُ مَا تَوَارَى عَنْكَ وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ يَحْرُمُ بِالتَّوَارِي وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ عَنْ طَلَبِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ وَاَلَّذِي رَوَيْنَاهُ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي قَوْلِهِ إنَّ مَا تَوَارَى عَنْهُ إذَا لَمْ يَبِتْ لَيْلَةً لَا يَحِلُّ عِنْدَنَا وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ عَنْ طَلَبِهِ فَيَكُونُ مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ وَإِذَا وَقَعَ السَّهْمُ بِالصَّيْدِ فَتَحَامَلَ حَتَّى غَابَ عَنْهُ وَلَمْ يَزَلْ فِي طَلَبِهِ حَتَّى أَصَابَهُ مَيِّتًا أُكِلَ وَإِنْ قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ ثُمَّ أَصَابَهُ مَيِّتًا لَمْ يُؤْكَلْ؛ فَبَنَى الْأَمْرَ عَلَى الطَّلَبِ وَعَدَمِهِ لَا عَلَى التَّوَارِي وَعَدَمِهِ وَعَلَى هَذَا التَّرْكِيبِ فُقَهَاءُ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ حُمِلَ مَا ذَكَرَهُ عَلَى مَا إذَا قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ كَانَ يَسْتَقِيمُ وَلَمْ يَتَنَاقَضْ وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ يُبِيحُ مَا غَابَ عَنْهُ وَبَاتَ لَيَالِيَ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَجَعَلَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ مِنْ شُرُوطِ حِلِّ الصَّيْدِ أَنْ لَا يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ فَقَالَ؛ لِأَنَّهُ إذَا غَابَ عَنْ بَصَرِهِ رُبَّمَا يَكُونُ مَوْتُ الصَّيْدِ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلَا يَحِلُّ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ -

стр. 2790

كُلْ مَا أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ، وَالْإِصْمَاءُ مَا رَأَيْتَهُ وَالْإِنْمَاءُ مَا تَوَارَى عَنْك وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ يَحْرُمُ بِالتَّوَارِي وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ عَنْ طَلَبِهِ اهـ. أَقُولُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَهُ الزَّيْلَعِيُّ فَإِنَّ الْإِمَامَ قَاضِي خان لَمْ يَجْعَلْ فِي فَتَاوَاهُ مِنْ شَرْطِ حِلِّ الصَّيْدِ عَدَمَ التَّوَارِي عَنْ بَصَرِهِ وَعَدَمَ الْقُعُودِ عَنْ طَلَبِهِ حَيْثُ قَالَ: وَالسَّابِعُ - يَعْنِي الشَّرْطَ السَّابِعَ - أَنْ لَا يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ وَلَا يَقْعُدَ عَنْ طَلَبِهِ، فَيَكُونَ فِي طَلَبِهِ وَلَا يَشْتَغِلَ بِعَمَلٍ آخَرَ حَتَّى يَجِدَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا غَابَ عَنْ بَصَرِهِ رُبَّمَا يَكُونُ مَوْتُ الصَّيْدِ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلَا يَحِلُّ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ كُلْ مَا أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ، وَالْإِصْمَاءُ مَا رَأَيْتَ وَالْإِنْمَاءُ مَا تَوَارَى عَنْك اهـ. وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ " وَالسَّابِعُ أَنْ لَا يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ وَلَا يَقْعُدَ عَنْ طَلَبِهِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ لَا يَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ التَّوَارِي عَنْ بَصَرِهِ وَالْقُعُودِ عَنْ طَلَبِهِ مَعًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ لِأَنَّهُ إذَا غَابَ عَنْ بَصَرِهِ وَقَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ بِقَرِينَةِ سِيَاقِ كَلَامِهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْعُدْ عَنْ طَلَبِهِ فَيُعْذَرُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْ تَوَارِي الصَّيْدِ عَنْ بَصَرِ الرَّامِي فَكَانَ فِي اعْتِبَارِ عَدَمِ التَّوَارِي مُطْلَقًا حَرَجٌ عَظِيمٌ وَهُوَ مَدْفُوعٌ بِالنَّصِّ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنَّا أَسْقَطْنَا اعْتِبَارَهُ مَا دَامَ فِي طَلَبِهِ ضَرُورَةَ أَنْ لَا يُعَرَّى الِاصْطِيَادُ عَنْهُ وَلَا ضَرُورَةَ فِيمَا إذَا قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ لِإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْ قَرَارٍ يَكُونُ بِسَبَبِ عَمَلِهِ. وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ وَالْكَافِي «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِالرَّوْحَاءِ عَلَى حِمَارٍ وَحْشِيٍّ عَقِيرٍ فَتَبَادَرَ أَصْحَابُهُ إلَيْهِ فَقَالَ ﷺ دَعُوهُ فَسَيَأْتِي صَاحِبُهُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ هَذِهِ رَمْيَتِي، وَأَنَا فِي طَلَبِهَا وَقَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الرِّفَاقِ» وَإِنْ وَجَدَ بِهِ جِرَاحَةً سِوَى جِرَاحَةِ سَهْمِهِ لَا يَحِلُّ «لِقَوْلِهِ ﵊ لِعَدِيٍّ إذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا لَمْ تَجِدْ فِيهِ إلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إنْ شِئْتَ وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّهُ ﵊ قَالَ إذَا وَجَدْتَ سَهْمَكَ وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ غَيْرِهِ وَعَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ فَكُلْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْمِي فِي الصَّيْدِ فَأَجِدُ فِيهِ سَهْمِي مِنْ الْغَدِ قَالَ إذَا عَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ فَكُلْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَلِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ تَحَقَّقَتْ فِيهِ الْأَمَارَةُ فَيَجُوزُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِلَا أَمَارَةٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَحُكْمُ إرْسَالِ الْكَلْبِ وَالْبَازِي فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ كَالرَّمْيِ. [رَمَى صَيْدًا فَوَقَعَ فِي مَاءٍ أَوْ عَلَى سَطْحٍ] قَالَ ﵀: (وَلَوْ رَمَى صَيْدًا فَوَقَعَ فِي مَاءِ أَوْ عَلَى سَطْحٍ أَوْ جَبَلٍ ثُمَّ تَرَدَّى مِنْهُ إلَى الْأَرْضِ حَرُمَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَلِمَا رَوَيْنَا وَلِقَوْلِهِ ﵊ لِعَدِيٍّ إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَتَلَ فَكُلْ إلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُك رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ. وَلِقَوْلِهِ ﵊ لِعَدِيٍّ إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَكُلْ وَإِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَحْمَدُ وَلِأَنَّهُ احْتَمَلَ مَوْتَهُ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُهْلِكَةٌ وَيُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا فَتَحْرُمُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُحْتَمَلِ فِي هَذَا الْبَابِ وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ يَحْرُمُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ يُضَافُ إلَى غَيْرِ الرَّمْيِ وَإِنْ كَانَتْ حَيَاتُهُ دُونَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ فِي إرْسَالِ الْكَلْبِ وَلَوْ رَمَى إلَى الصَّيْدِ فَأَمَالَ الرِّيحُ السَّهْمَ يَمِينًا أَوْ يَسَارًا أَوْ عَدَلَ عَنْ سُنَنِهِ وَأَصَابَ صَيْدًا لَمْ يُؤْكَلْ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّمْيِ قَدْ انْقَطَعَ بِالْعُدُولِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ حُكْمَ الرَّمْيِ لَا يُقْطَعُ بِالتَّغْيِيرِ عَنْ سُنَنِهِ، وَلَوْ أَصَابَ السَّهْمُ حَائِطًا أَوْ صَخْرَةً فَرَجَعَ لِلصَّيْدِ وَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ وَلَوْ حَدَّدَ عُودًا وَطَوَّلَهُ كَالسَّهْمِ وَرَمَى بِهِ فَأَصَابَ بِحَدِّهِ وَخَرَقَ يُؤْكَلُ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ سَهْمًا فَأَصَابَ سَهْمًا مَوْضُوعًا فَرَفَعَهُ فَأَصَابَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ بِخَرْقٍ وَجَرْحٍ يُؤْكَلُ لِأَنَّ الْمَرْفُوعَ إنَّمَا ارْتَفَعَ بِقُوَّةِ السَّهْمِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ نُفُوذُهُ بِوَاسِطَةِ الْأَوَّلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ آدَمِيًّا وَقَتَلَهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الرَّامِي وَلَوْ رَمَى بِمِعْرَاضٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ بُنْدُقَةٍ، وَأَصَابَ سَهْمًا وَرَفَعَهُ، وَأَصَابَ السَّهْمُ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ يَحِلُّ وَلَوْ رَمَى سَهْمًا فَعَدَلَ بِهِ الرِّيحُ عَنْ سُنَنِهِ يَمِينًا أَوْ يَسَارًا أَوْ أَصَابَ حَائِطًا فَعَدَلَ عَنْ سُنَنِهِ ثُمَّ اسْتَقَامَ وَمَرَّ عَلَى سُنَنِهِ فَأَصَابَ الصَّيْدَ وَجَرَحَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ بَعْدَ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى سُنَنِهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَلَوْ أَنَّ الرِّيحَ أَمَالَتْهُ يَمِينًا أَوْ يَسَارًا أَوْ أَمَامًا فَرَدَّتْهُ عَنْ سُنَنِهِ لَا إلَى وَرَائِهِ لَمْ يَكُنْ بِأَكْلِهِ بَأْسٌ وَإِذَا رَمَى مُسْلِمٌ صَيْدًا بِسَهْمٍ وَسَمَّى ثُمَّ رَمَى مَجُوسِيٌّ فَأَصَابَ سَهْمُهُ سَهْمَ الْمُسْلِمِ فَانْحَرَفَ يَمْنَةً وَيَسْرَةً إلَّا أَنَّهُ فِي سُنَنِهِ ذَلِكَ، وَأَصَابَ الصَّيْدَ وَقَتَلَهُ فَالصَّيْدُ لِلْمُسْلِمِ وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْكُلَهُ.

стр. 2791

وَلَوْ رَمَى حَلَالٌ سَهْمًا إلَى صَيْدٍ ثُمَّ رَمَى مُحْرِمٌ فَأَصَابَ سَهْمُ الْمُحْرِمِ سَهْمَ الْحَلَالِ وَزَادَ فِي قُوَّتِهِ حَتَّى أَصَابَ الصَّيْدَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَإِرْسَالُ الْبَازِي كَإِرْسَالِ الْكَلْبِ وَلَوْ رَمَى رَجُلٌ صَيْدًا بِسَهْمٍ وَسَمَّى ثُمَّ إنَّ رَجُلًا آخَرَ رَمَى ذَلِكَ الصَّيْدَ بِسَهْمٍ فَسَمَّى فَأَصَابَ سَهْمُ الثَّانِي الْأَوَّلَ، وَأَمْضَاهُ حَتَّى أَصَابَ الصَّيْدَ وَجَرَحَهُ وَقَتَلَهُ فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ كَانَ السَّهْمُ الْأَوَّلُ بِحَالٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَبْلُغُ الصَّيْدَ بِدُونِ السَّهْمِ الثَّانِي إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ زَادَ فِي قُوَّتِهِ فَالصَّيْدُ لِلْأَوَّلِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَا إذَا كَانَ لَا يُدْرَى بِأَنَّ الْأَوَّلَ هَلْ يَبْلُغُ الصَّيْدَ لَوْلَا الثَّانِي قَالَ مَشَايِخُنَا: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الصَّيْدُ لِلْأَوَّلِ وَيَحِلُّ تَنَاوُلُ هَذَا الصَّيْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَوْ كَانَ الرَّامِي الثَّانِي مَجُوسِيًّا فَأَصَابَ سَهْمُهُ سَهْمَ الْمُسْلِمِ فَإِنْ عُلِمَ أَنَّ سَهْمَ الْمُسْلِمِ لَا يُصِيبُ الصَّيْدَ لَوْلَا سَهْمُ الْمَجُوسِيِّ فَالصَّيْدُ لِلْمَجُوسِيِّ وَلَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ سَهْمَ الْمُسْلِمِ يُصِيبُ الصَّيْدَ إلَّا أَنَّ سَهْمَ الْمَجُوسِيِّ زَادَ فِي قُوَّتِهِ فَالصَّيْدُ لِلْمُسْلِمِ وَيَحِلُّ تَنَاوُلُهُ قِيَاسًا وَلَا يَحِلُّ اسْتِحْسَانًا. [قَوْمًا مِنْ الْمَجُوسِ رَمَوْا سِهَامَهُمْ فَأَقْبَلَ الصَّيْدُ نَحْوَ مُسْلِمٍ] وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْمَجُوسِ رَمَوْا سِهَامَهُمْ فَأَقْبَلَ الصَّيْدُ نَحْوَ مُسْلِمٍ فَارًّا مِنْ سِهَامِهِمْ فَرَمَاهُ الْمُسْلِمُ وَسَمَّى فَأَصَابَهُ سَهْمُ الْمُسْلِمِ وَقَتَلَهُ فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ كَانَ سَهْمُ الْمَجُوسِيِّ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى رَمَاهُ الْمُسْلِمُ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ إلَّا أَنْ يُدْرِكَهُ الْمُسْلِمُ وَيُذَكِّيَهُ فَحِينَئِذٍ يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُمْ أَعَانُوهُ عَلَى الرَّمْيِ دُونَ حَقِيقَةِ الذَّكَاةِ وَلَمْ يُعْتَبَرُ بِالرَّمْيِ مَعَ وُجُودِ حَقِيقَةِ الذَّكَاةِ وَإِنْ وَقَعَتْ سِهَامُ الْمَجُوسِيِّ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ رَمَاهُ الْمُسْلِمُ بَعْدَ ذَلِكَ وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا حَلَّ أَكْلُهُ وَكَذَلِكَ الْمَجُوسِيُّ إنْ أَرْسَلُوا كِلَابَهُمْ إلَى صَيْدٍ فَأَقْبَلَ الصَّيْدُ هَارِبًا فَرَمَاهُ الْمُسْلِمُ فَقَتَلَهُ أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ إلَيْهِ فَأَصَابَهُ الْكَلْبُ فَقَتَلَهُ إنْ كَانَ رَمْيُ الْمُسْلِمِ أَوْ إرْسَالُهُ الْكَلْبَ بَعْدَ رُجُوعِ كِلَابِ الْمَجُوسِيِّ يَحِلُّ وَإِنْ كَانَ حَالَ اتِّبَاعِ كِلَابِهِمْ لَا يَحِلُّ وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ الْمَجُوسِيُّ صَقْرًا لَهُ أَوْ بَازِيًا لَهُ فَهَوَى الصَّيْدُ إلَى الْأَرْضِ هَارِبًا فَرَمَاهُ الْمُسْلِمُ فَقَتَلَهُ فَإِنْ كَانَ رَمْيُ الْمُسْلِمِ وَإِرْسَالُهُ حَالَ اتِّبَاعِ صَقْرِ الْمَجُوسِيِّ وَبَازِيهِ لَا يَحِلُّ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الرُّجُوعِ حَلَّ وَكَذَا لَوْ اتَّبَعَ الصَّيْدَ كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ فَأَقْبَلَ الصَّيْدُ فَارًّا مِنْهُ فَرَمَاهُ الْمُسْلِمُ بِسَهْمِ فَهُوَ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قُلْنَا. قَالَ ﵀: (وَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ ابْتِدَاءً حَلَّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ لِئَلَّا يَنْسَدَّ بَابُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا بِخِلَافِ مَا إذَا أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لِأَنَّ اعْتِبَارَهُ لَا يُؤَدِّي إلَى سَدِّ بَابِهِ وَإِلَى اعْتِبَارِهِ لَا يُؤَدِّي إلَى الْجَرْحِ فَأَمْكَنَ تَرْجِيحُ الْمُحَرَّمِ عِنْدَ التَّعَارُضِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الشَّرْعِ وَلَوْ وَقَعَ عَلَى جَبَلٍ أَوْ سَطْحٍ أَوْ آجُرَّةٍ مَوْضُوعَةٍ فَاسْتَقَرَّ وَلَمْ يَتَرَدَّ حَلَّ؛ لِأَنَّ وُقُوعَهُ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَوُقُوعِهِ عَلَى الْأَرْضِ ابْتِدَاءً وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَ عَلَى شَجَرٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ آجُرَّةٍ ثُمَّ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ رَمَاهُ وَهُوَ عَلَى جَبَلٍ فَتَرَدَّى مِنْهُ إلَى الْأَرْضِ أَوْ رَمَاهُ فَوَقَعَ عَلَى رُمْحٍ مَنْصُوبٍ أَوْ قَصَبَةٍ قَائِمَةٍ أَوْ عَلَى حَرْفِ آجُرَّةٍ حَيْثُ يَحْرُمُ لِاحْتِمَالِ أَنَّ أَحَدَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَتَلَهُ بِحَدِّهِ أَوْ بِتَرْدِيَتِهِ وَهُوَ مُمْكِنٌ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى: لَوْ رَمَى صَيْدًا فَوَقَعَ عَلَى صَخْرَةٍ فَانْفَلَقَ رَأْسُهُ أَوْ انْشَقَّ بَطْنُهُ لَمْ يُؤْكَلْ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَهَذَا خِلَافُ إطْلَاقِ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَصْلِ فِيمَا عَدَا هَذَا الْمُفَسَّرَ؛ لِأَنَّ حُصُولَ الْمَوْتِ بِانْفِلَاقِ الرَّأْسِ وَانْشِقَاقِ الْبَطْنِ ظَاهِرٌ وَبِالرَّمْيِ مَوْهُومٌ فَيَتَرَدَّدُ فَالظَّاهِرُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْمَوْهُومِ فَيَحْرُمُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَنْشَقَّ وَلَمْ يَنْفَلِقْ لِأَنَّ مَوْتَهُ بِالرَّمْيِ هُوَ الظَّاهِرُ فَلَا يَحْرُمُ وَلَا يُحْمَلُ إطْلَاقُ الْجَوَابِ فِي الْأَصْلِ عَلَيْهِ، وَحَمَلَ السَّرَخْسِيُّ مَا ذُكِرَ فِي الْمُنْتَقَى عَلَى مَا إذَا أَصَابَهُ حَدُّ الصَّخْرَةِ فَانْشَقَّ كَذَلِكَ، وَحَمَلَ الْمَذْكُورَ فِي الْأَصْلِ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يُصِبْهُ مِنْ الصَّخْرَةِ إلَّا مَا يُصِيبُهُ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ فَحُمِلَ كَذَلِكَ، فَكِلَا التَّأْوِيلَيْنِ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَحْمِلُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ عَلَى مَا إذَا مَاتَ بِالرَّمْيِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَقَى عَلَى مَا إذَا مَاتَ بِغَيْرِهِ، وَفِي لَفْظِ الْمُنْتَقَى إشَارَةٌ إلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ لِاحْتِمَالِ الْمَوْتِ بِسَبَبٍ آخَرَ أَيْ غَيْرِ الرَّمْيِ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى اخْتِلَافِ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى وَلَا يُبَالَى بِهِ، وَإِنْ كَانَ الطَّيْرُ الْمَرْمِيُّ مَائِيًّا فَإِنْ لَمْ تَنْغَمِسْ الْجِرَاحَةُ فِي الْمَاءِ أُكِلَ وَإِنْ انْغَمَسَتْ لَا تُؤْكَلُ لِاحْتِمَالِ الْمَوْتِ بِهِ دُونَ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّهُ يُشْرِبُ الْجُرْحَ الْمَاءَ فَيُسَبِّبُ زِيَادَةَ الْأَلَمِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَصَابَهُ السَّهْمُ. قَالَ ﵀: (وَمَا قَتَلَهُ الْمِعْرَاضُ بِعَرْضِهِ أَوْ الْبُنْدُقَةُ حَرُمَ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ وَلِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنِّي أَرْمِي الصَّيْدَ بِالْمِعْرَاضِ فَأُصِيبُ فَقَالَ: إذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقْتَ فَكُلْهُ وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ. وَلِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ وَقَالَ: إنَّهَا لَا تَصِيدُ وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ الْعَظْمَ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ

стр. 2792

، وَأَحْمَدُ. وَلِأَنَّ الْجَرْحَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ وَالْبُنْدُقَةُ لَا تَجْرَحُ وَكَذَا عَرْضُ الْمِعْرَاضِ، وَالْمِعْرَاضُ سَهْمٌ لَا رِيشَ وَلَا نَصْلَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ حَدِيدُ الرَّأْسِ سُمِّيَ الْحَدِيدُ مِعْرَاضًا لِأَنَّهُ يَذْهَبُ مُعْتَرِضًا وَتَارَةً يُصِيبُ بِعَرْضِهِ وَتَارَةً يُصِيبُ بِحَدِّهِ وَإِنْ رَمَاهُ بِالسِّكِّينِ أَوْ السَّيْفِ فَإِنْ أَصَابَهُ بِحَدِّهِ أُكِلَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ فَإِنْ كَانَ ثَقِيلًا لَا يُؤْكَلُ وَإِنْ جَرَحَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِثِقْلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَجَرُ خَفِيفًا وَلَهُ حَدٌّ وَجَرَحَ لِتَيَقُّنِ الْمَوْتِ بِالْحَجَرِ حِينَئِذٍ وَلَوْ جَعَلَ الْحَجَرَ طَوِيلًا كَالسَّهْمِ وَهُوَ خَفِيفٌ وَبِهِ حَدُّهُ وَرَمَى بِهِ صَيْدًا فَإِنْ جَرَحَ حَلَّ لِقَتْلِهِ بِجَرْحِهِ وَلَوْ رَمَاهُ بِمَرْوَةِ حَدِيدَةٍ فَلَمْ يَبْضَعُ بَضْعًا لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ دَقًّا وَكَذَا إذَا رَمَاهُ بِهَا فَقَطَعَ أَوْدَاجَهُ، وَأَبَانَ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّ الْعُرُوقَ قَدْ تَنْقَطِعُ بِالثِّقْلِ فَيَقَعُ الشَّكُّ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ وَلَوْ رَمَاهُ بِعُودٍ مِثْلِ الْعَصَا وَنَحْوِهِ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ ثِقْلًا لَا جَرْحًا إلَّا إذَا كَانَ لَهُ حَدٌّ بَضَعَ بَضْعًا فَيَكُونُ كَالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْمَوْتَ إذَا حَصَلَ بِالْجَرْحِ يَتَعَيَّنُ حِلٌّ وَإِنْ حَصَلَ بِالثِّقْلِ أَوْ شُكَّ فِيهِ فَلَا يَحِلُّ حَتْمًا أَوْ احْتِيَاطًا وَإِنْ جَرَحَهُ فَمَاتَ فَإِنْ كَانَ الْجَرْحُ مُدْمِيًا حَلَّ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُدْمٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ قِيلَ لَا يَحِلُّ لِانْعِدَامِ مَعْنَى الذَّكَاةِ وَهُوَ إخْرَاجُ الدَّمِ النَّجِسِ وَشَرَطَ النَّبِيُّ ﷺ إخْرَاجَ الدَّمِ بِقَوْلِهِ «أَنْهِرْ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا وَقِيلَ يَحِلُّ لِإِتْيَانِهِ مَا فِي وُسْعِهِ وَهُوَ الْجَرْحُ، وَإِخْرَاجُ الدَّمِ لَيْسَ مِنْ وُسْعِهِ فَلَا يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ؛ لِأَنَّ الدَّمَ قَدْ يَنْحَبِسُ بِقَتْلِهِ أَوْ لِضِيقِ الْمَنْفَذِ بَيْنَ الْعُرُوقِ وَقَدْ قَدَّمْنَا: وَإِنْ ذَبَحَ الشَّاةَ وَلَمْ يُخْرِجْ مِنْهَا الدَّمَ قِيلَ يَحِلُّ أَكْلُهَا وَقِيلَ لَا يَحِلُّ فَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ وَالثَّانِي قَوْلُ إسْمَاعِيلَ الصَّفَّارِ وَوَجْهُ الْقَوْلَيْنِ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ أَصَابَ السَّهْمُ ظِلْفَ الصَّيْدِ أَوْ قَرْنَهُ فَإِنْ أَدْمَاهُ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ يَشْتَرِطَ خُرُوجَ الدَّمِ. [رَمَى صَيْدًا فَقَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ] قَالَ ﵀: (وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَقَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ أُكِلَ الصَّيْدُ لَا الْعُضْوُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: أُكِلَ إنْ مَاتَ الصَّيْدُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُبَانٌ بِذَكَاةِ الِاضْطِرَارِ فَيَحِلُّ كَالْمُبَانِ بِذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَمُتْ؛ لِأَنَّهُ مَا أُبِينَ بِالذَّكَاةِ وَلَنَا قَوْلُهُ: «﵊ مَا قُطِعَ مِنْ بَهِيمَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ فَمَا قُطِعَ مِنْهَا فَهُوَ مَيْتَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ذَكَرَ الْحَيَّ مُطْلَقًا فَيَنْصَرِفُ إلَى الْحَيِّ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَالْعُضْوُ الْمُبَانُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الْمُبَانَ مِنْهُ حَيٌّ حَقِيقَةً لِقِيَامِ الْحَيَاةِ فِيهِ وَكَذَا حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ سَلَامَتُهُ بَعْدَ هَذِهِ الْجِرَاحَةِ وَلِهَذَا اُعْتُبِرَ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْحَيَاةِ حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ وَفِيهِ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْحَيَاةِ يَحْرُمُ بِخِلَافِ مَا إذَا أُبِينَ بِذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّ الْمُبَانَ مِنْهُ مَيِّتٌ حُكْمًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي الْمَاءِ أَوْ تَرَدَّى مِنْ الْجَبَلِ لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ قَدْ حَصَلَ بِالْإِبَانَةِ حُكْمًا فَلَا يُضَافُ إلَى غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ حَصَلَ بِذَلِكَ حَقِيقَةً أَقُولُ: الْمُقَدِّمَةُ الْقَائِلَةُ إنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ شَائِعَةٌ فِي أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ وَكُتُبِ أَصْحَابِنَا لَكِنَّهَا مُخَالِفَةٌ فِي الظَّاهِرِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ أَئِمَّتِنَا مِنْ أَنَّ الْمُطْلَقَ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ كَمَا أَنَّ الْمُقَيَّدَ يَجْرِي عَلَى تَقْيِيدِهِ فَتَأَمَّلْ فِي التَّوْفِيقِ وَفِي الْأَصْلِ: رَجُلٌ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فَأَخْطَأَ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ صَيْدٌ آخَرُ فَقَتَلَهُ يُؤْكَلُ وَإِنْ فَاتَهُ الصَّيْدُ فَرَجَعَ وَعَرَضَ لَهُ صَيْدٌ آخَرُ فِي رُجُوعِهِ فَقَتَلَهُ لَا يُؤْكَلُ، وَقَوْلُهُ " أُبِينَ بِالذَّكَاةِ " قُلْنَا: حَالَ وُقُوعِهِ لَمْ تَقَعْ ذَكَاةٌ لِقِيَامِ الْحَيَاةِ فِي الثَّانِي حَقِيقَةً وَحُكْمًا عَلَى مَا بَيَّنَّا وَإِنَّمَا تَقَعُ ذَكَاةٌ عِنْدَ مَوْتِهِ وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يَظْهَرُ فِي الْمُبَانِ لِعَدَمِ الْحَيَاةِ فِيهِ لِزَوَالِهِ بِالِانْفِصَالِ فَصَارَ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْمُبَانَ مِنْ الْحَيِّ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لَا يَجُوزُ، وَالْمُبَانَ مِنْ الْحَيِّ صُورَةً لَا حُكْمًا بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ وُقُوعُهُ فِي النَّهْرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَحِلُّ أَكْلُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ كَانَ يُكْرَهُ لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ الْإِيلَامِ بِقَطْعِ لَحْمِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْمُبَانُ مِنْهُ بِالِاصْطِيَادِ؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ حَقِيقَةً وَحُكْمًا حَتَّى لَا يَثْبُتَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ. قَالَ ﵀ (وَإِنْ قَطَعَهُ أَثْلَاثًا وَالْأَكْثَرُ مِمَّا يَلِي الْعُجَرَ أُكِلَ كُلُّهُ) لِأَنَّ الْمُبَانَ مِنْهُ حَيٌّ صُورَةً لَا حُكْمًا، إذْ لَا يُتَوَهَّمُ سَلَامَتُهُ وَبَقَاؤُهُ حَيًّا بَعْدَ هَذِهِ الْجِرَاحَةِ فَوَقَعَ ذَكَاةٌ فِي الْحَالِ فَحَلَّ أَكْلُهُ كَمَا إذَا أُبِينَ رَأْسُهُ فِي الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَكَذَا إذَا قُدَّ نِصْفَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَطَعَ يَدًا أَوْ رِجْلًا أَوْ فَخْذًا أَوْ ثُلُثَهُ مِمَّا يَلِي الْقَوَائِمَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الرَّأْسِ حَيْثُ يَحْرُمُ الْمُبَانُ وَيَحِلُّ الْمُبَانُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ فِي الْبَاقِي وَإِنْ ضَرَبَ عُنُقَ شَاةٍ فَأَبَانَ رَأْسَهَا تَحِلُّ لِقَطْعِ الْأَوْدَاجِ وَيُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْأَلَمِ بِإِبْلَاغِهِ النِّخَاعَ وَإِنْ ضَرَبَهَا مِنْ قِبَلِ الْقَفَا إنْ مَاتَتْ قَبْلَ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ لَا تَحِلُّ وَإِنْ لَمْ تَمُتْ حَتَّى قَطَعَ الْأَوْدَاجَ حَلَّتْ وَلَوْ ضَرَبَ صَيْدًا فَقَطَعَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ وَلَمْ يَنْفَصِلْ حَتَّى مَاتَ إنْ كَانَ يُتَوَهَّمُ الْتِئَامُهُ وَانْدِمَالُهُ حَلَّ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَجْزَائِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُتَوَهَّمُ بِأَنْ يَبْقَى مُعَلَّقًا

стр. 2793

بِجِلْدِهِ حَلَّ مَا سِوَاهُ دُونَهُ لِوُجُودِ الْإِبَانَةِ مَعْنًى وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي. [صَيْدُ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَالْمُرْتَدِّ] قَالَ ﵀: (وَحَرُمَ صَيْدُ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَالْمُرْتَدِّ) لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فَكَذَا حَالَةَ الِاضْطِرَارِ وَكَذَا الْمُحْرِمُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ فِي حَقِّ الصَّيْدِ فَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ ذَكَاةِ الِاضْطِرَارِ فِيهِ وَيُؤْكَلُ صَيْدُ الْكِتَابِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ اخْتِيَارًا فَكَذَا اضْطِرَارًا. قَالَ ﵀: (وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَلَمْ يُثْخِنْهُ فَرَمَاهُ الثَّانِي فَقَتَلَهُ فَهُوَ لِلثَّانِي وَحَلَّ) لِأَنَّهُ هُوَ الْآخِذُ لَهُ وَقَالَ ﵊ «الصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَهُ» وَإِنَّمَا حَلَّ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَخْرُجْ بِالْأَوَّلِ مِنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ كَانَ ذَكَاتُهُ ذَكَاةَ الِاضْطِرَارِ وَهُوَ الْجَرْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ وَقَدْ وُجِدَ. قَالَ ﵀: (وَإِنْ أَثْخَنَهُ فَلِلْأَوَّلِ وَحَرُمَ) لِأَنَّهُ لَمَّا أَثْخَنَهُ الْأَوَّلُ قَدْ خَرَجَ مِنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ صَارَ قَادِرًا عَلَى ذَكَاتِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ ذَكَاتُهُ لِمَا رَوَيْنَا وَلَمْ يُذَكِّهِ وَصَارَ الثَّانِي قَاتِلًا لَهُ فَيَحْرُمُ وَهُوَ لَوْ تَرَكَ ذَكَاتَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ يَحْرُمُ فَبِالْقَتْلِ أَوْلَى أَنْ يَحْرُمَ بِخِلَافِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهَذَا إذَا كَانَ بِحَالٍ يَسْلَمُ مِنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّ مَوْتَهُ يُضَافُ إلَى الثَّانِي أَمَّا إذَا كَانَ الرَّمْيُ الْأَوَّلُ بِحَالٍ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ الصَّيْدُ بِأَنْ لَا يَبْقَى فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَبْقَى مِنْ الْمَذْبُوحِ كَمَا إذَا أَبَانَ رَأْسَهُ يَحِلُّ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ لَا يُضَافُ إلَى الرَّمْيِ الثَّانِي فَلَا اعْتِبَارَ لِوُجُودِهِ لِكَوْنِهِ مَيِّتًا حُكْمًا وَلِهَذَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَحْرُمُ كَوُقُوعِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَوْ كَانَ الرَّمْيُ الْأَوَّلُ بِحَالٍ لَا يَعِيشُ بِهِ الصَّيْدُ لَكِنَّ حَيَاتَهُ فَوْقَ حَيَاةِ الْمَذْبُوحِ بِأَنْ كَانَ يَبْقَى يَوْمًا أَوْ دُونَهُ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَحْرُمُ بِالرَّمْيَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْحَيَاةِ لَا يُعْتَبَرُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْحَيَاةِ يُعْتَبَرُ عِنْدَهُ فَصَارَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ مَا إذَا كَانَ الْأَوَّلُ يَسْلَمُ مِنْهُ فَلَا يَحِلُّ. قَالَ ﵀: (وَضَمِنَ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ) أَيْ ضَمِنَ جَمِيعَ قِيمَةِ الصَّيْدِ غَيْرَ مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ صَيْدًا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْإِثْخَانِ فَيَلْزَمُ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَهُ وَقِيمَتُهُ وَقْتَ إتْلَافِهِ كَانَ نَاقِصًا بِجِرَاحَةِ الْأَوَّلِ فَيَلْزَمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْمُتْلَفِ تُعْتَبَرُ وَقْتَ الْإِتْلَافِ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ عَبْدًا مَرِيضًا أَوْ شَاةً مَجْرُوحَةً فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ مُتَقَوِّمًا بِالْمَرَضِ أَوْ الْجَرْحِ وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ: تَأْوِيلُهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِالثَّانِي فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ بِحَالٍ يَسْلَمُ مِنْهُ وَالثَّانِي بِحَالٍ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ لِيَكُونَ الْقَتْلُ كُلُّهُ مُضَافًا إلَى الثَّانِي وَقَدْ قَتَلَ حَيَوَانًا مَمْلُوكًا لِلْأَوَّلِ مَنْقُوصًا بِالْجِرَاحَةِ فَلَا يَضْمَنُهُ كَامِلًا وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ مِنْ الْجِرَاحَتَيْنِ أَوْ لَا يَدْرِي قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ: يَضْمَنُ الثَّانِي مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ ثُمَّ يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِجِرَاحَتَيْنِ ثُمَّ يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ لَحْمًا أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ فَلِأَنَّهُ جَرَحَ حَيَوَانًا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ وَقَدْ نَقَصَتْهُ فَيَضْمَنُهُ أَوَّلًا. وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ ضَمَانُ نِصْفِ قِيمَتِهِ حَيًّا فَلِأَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بِالْجِرَاحَتَيْنِ فَيَكُونُ هُوَ مُتْلِفًا نِصْفَهُ وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِغَيْرِهِ فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِالْجِرَاحَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى مَا كَانَتْ بِصُنْعِهِ - يَعْنِي: الْجِرَاحَةُ الْأُولَى مَا كَانَتْ بِصُنْعِ الثَّانِي - فَلَا يَضْمَنُهَا، وَالثَّانِيَةَ ضَمِنَهَا مَرَّةً فَلَا يَضْمَنُهَا ثَانِيَةً أَيْ الْجِرَاحَةَ الثَّانِيَةَ وَمُرَادُهُ مَا نَقَصَ بِجِرَاحَتِهِ ضَمِنَهَا مَرَّةً وَهُوَ مَا ضَمِنَهُ مِنْ النُّقْصَانِ بِجِرَاحَتِهِ أَوَّلًا، وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ ضَمَانُ نِصْفِ اللَّحْمِ فَلِأَنَّ بِالرَّمْيَةِ الْأُولَى صَارَ بِحَالٍ يَحِلُّ بِذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ لَوْلَا رَمْيُ الثَّانِي فَهَذَا بِالرَّمْيِ الثَّانِي أَفْسَدَ عَلَيْهِ نِصْفَ اللَّحْمِ فَيَضْمَنُهُ وَلَا يَضْمَنُ نِصْفَ الْقِيمَةِ لِآخَرَ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَهُ مِنْ حَيْثُ ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهِ حَيًّا فَدَخَلَ ضَمَانُ اللَّحْمِ وَهَذَا يُوهِمُ أَنَّ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَرْقًا أَعْنِي بَيْنَ مَا إذَا حَصَلَ الْقَتْلُ بِالثَّانِي وَحْدَهُ أَوْ بِهِمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ يَضْمَنُ الثَّانِي جَمِيعَ قِيمَتِهِ غَيْرَ مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَةُ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّهُ بَيَّنَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى جَمِيعَ الْحَاصِلِ وَفِي الثَّانِيَةِ بَيَّنَ طَرِيقِ الضَّمَانِ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ قَاضِي خَانْ أَيْ عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بَيَانُهُ أَنَّ الرَّامِيَ الْأَوَّلَ إذَا رَمَى صَيْدًا يُسَاوِي عَشَرَةً فَنَقَصَهُ دِرْهَمَيْنِ ثُمَّ رَمَاهُ الثَّانِي فَنَقَصَهُ دِرْهَمَيْنِ ثُمَّ مَاتَ فَعَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى يَضْمَنُ الثَّانِي ثَمَانِيَةً وَيَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ قِيمَتِهِ دِرْهَمَانِ لِأَنَّ ذَلِكَ تَلِفَ بِجَرْحِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " غَيْرَ مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ ". وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ يَضْمَنُ دِرْهَمَيْنِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْ النُّقْصَانِ حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الزِّيَادَاتِ يَضْمَنُ الثَّانِي مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ بَقِيَ مِنْ قِيمَتِهِ سِتَّةٌ فَيَضْمَنُ نِصْفَهَا وَهُوَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ثُمَّ يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِجِرَاحَتَيْنِ يَعْنِي بِهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ حَيًّا ثُمَّ إذَا مَاتَ يَضْمَنُ النِّصْفَ الْآخَرَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ تَفْوِيتُ اللَّحْمِ فِيهِ مَوْجُودًا بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ ذَلِكَ النِّصْفَ حَيًّا فَلَوْ ضَمِنَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَانَ يَتَكَرَّرُ الضَّمَانُ بِأَنْ يَضْمَنَ قِيمَتَهُ حَيًّا ثُمَّ يَضْمَنَ قِيمَتَهُ لَحْمًا بَعْدَ الْمَوْتِ وَهَذَا

стр. 2794

لَا يَجُوزُ وَهَذَا إذَا كَانَتْ حَيَاتُهُ خَفِيَّةً بِقَدْرِ الْمَذْبُوحِ فَلَا يَضْمَنُ الثَّانِي وَيُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ لَا يُضَافُ إلَى الثَّانِي وَلِهَذَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَحْرُمُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَعَنْهُ وَقَعَ الِاحْتِرَازُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ مِنْ الْجِرَاحَتَيْنِ أَوْ لَا يَدْرِي وَلَوْ رَمَيَاهُ مَعًا فَأَصَابَهُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ فَأَثْخَنَهُ ثُمَّ أَصَابَهُ الْآخَرُ أَوْ رَمَاهُ أَحَدُهُمَا أَوَّلًا ثُمَّ رَمَاهُ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ الْأَوَّلُ أَوْ بَعْدَمَا أَصَابَهُ قَبْلَ أَنْ يُثْخِنَهُ فَأَصَابَهُ الْأَوَّلُ فَأَثْخَنَهُ أَوْ أَثْخَنَهُ ثُمَّ أَصَابَهُ الثَّانِي فَقَتَلَهُ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ وَيُؤْكَلُ وَقَالَ زُفَرُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ حَالَ إصَابَةِ الثَّانِي غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَلَا يَحِلُّ بِذَكَاةِ الِاضْطِرَارِ فَصَارَ كَمَا إذَا رَمَاهُ الثَّانِي بَعْدَمَا أَثْخَنَهُ الْأَوَّلُ قُلْنَا: عِنْدَ رَمْيِ الثَّانِي هُوَ صَيْدٌ مُمْتَنِعٌ فَوَقَعَ رَمْيُهُ ذَكَاةً وَلِهَذَا تُشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الرَّمْيِ فَكَذَا الِامْتِنَاعُ يُعْتَبَرُ عِنْدَهُ إلَّا أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّ سَهْمَهُ أَخْرَجَهُ عَنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ فَمَلَكَهُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ بِسَهْمِ الثَّانِي. فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حَقِّ الْحِلِّ وَالضَّمَانِ وَقْتُ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ إلَى صَيْدٍ مُبَاحٍ فَلَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ فَلَا يَنْقَلِبُ مُوجِبًا بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ ذَكَاةٌ فَيَحِلُّ الْمُصَابُ لِأَنَّ الْحِلَّ يَحْصُلُ بِفِعْلِهِ، وَفِعْلُهُ هُوَ الرَّمْيُ وَالْإِرْسَالُ فَيُعْتَبَرُ وَقْتُهُ وَفِي حَقِّ الْمِلْكِ يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْإِثْخَانِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ وَزُفَرُ يَعْتَبِرُ وَقْتَ الْإِثْخَانِ فِيهِمَا وَلَوْ رَمَيَاهُ مَعًا، وَأَصَابَاهُ مَعًا فَمَاتَ مِنْهُمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ وَالْبَازِي وَالْكَلْبُ فِي هَذَا كَالسَّهْمِ حَتَّى يَمْلِكَهُ بِإِثْخَانِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ إمْسَاكُهُ بِدُونِ الْإِثْخَانِ حَتَّى لَوْ أَرْسَلَ بَازِيَهُ فَأَمْسَكَ الصَّيْدَ بِمِخْلَبِهِ وَلَمْ يُثْخِنْهُ، وَأَرْسَلَ الْآخَرُ بَازِيَهُ فَقَتَلَ ذَلِكَ الصَّيْدَ فَإِنَّ الصَّيْدَ لِلثَّانِي وَحَلَّ؛ لِأَنَّ يَدَ الْبَازِي الْأَوَّلِ لَيْسَتْ يَدًا حَافِظَةً لِتُقَامَ مَقَامَ يَدِ الْمَالِكِ أَمَّا الْقَتْلُ فَهُوَ إتْلَافٌ وَالْبَازِي مِنْ أَهْلِ الْإِتْلَافِ فَيُنْقَلُ إلَى صَاحِبِهِ وَلَوْ رَمَى سَهْمًا فَأَصَابَ الصَّيْدَ فَأَثْخَنَهُ ثُمَّ رَمَاهُ ثَانِيًا فَقَتَلَهُ حَرُمَ لِمَا بَيَّنَّا. قَالَ ﵀: (وَحَلَّ اصْطِيَادُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِالْمَأْكُولِ، إذْ الصَّيْدُ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَأْكُولِ قَالَ الشَّاعِرُ صَيْدُ الْمُلُوكِ أَرَانِبٌ وَثَعَالِبُ ... وَإِذَا رَكِبْتَ فَصَيْدُكَ الْأَبْطَالُ وَلِأَنَّ الِاصْطِيَادَ سَبَبُ الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ أَوْ رِيشِهِ أَوْ شَعْرِهِ أَوْ لِاسْتِدْفَاعِ شَرِّهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [كِتَابُ الرَّهْنِ] وَجْهُ مُنَاسَبَةِ كِتَابِ الرَّهْنِ لِكِتَابِ الصَّيْدِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّهْنِ وَالصَّيْدِ سَبَبٌ لِتَحْصِيلِ الْمَالِ وَالْكَلَامُ فِي الرَّهْنِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ فِي مَعْنَاهُ لُغَةً. وَالثَّانِي فِي دَلِيلِهِ. وَالثَّالِثُ فِي رُكْنِهِ. وَالرَّابِعُ فِي شَرْطِ لُزُومِهِ. وَالْخَامِسُ فِي شَرْطِ جَوَازِهِ. وَالسَّادِسُ فِي حُكْمِهِ. وَالسَّابِعُ فِي سَبَبِهِ. وَالثَّامِنُ فِي صِفَتِهِ. وَالتَّاسِعُ فِي مَعْنَاهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. وَالْعَاشِرُ فِي مَحَاسِنِهِ. أَمَّا مَعْنَاهُ لُغَةً فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْحَبْسِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] أَيْ مَحْبُوسَةٌ بِمَا كَسَبَتْ مِنْ الْمَعَاصِي يُقَالُ رَهَنْت الشَّيْءَ وَارْتَهَنْته وَالْجَمْعُ رُهُنٌ وَرُهُونٌ وَرِهَانٌ وَالرَّهْنُ الْمَرْهُونُ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ، وَأَمَّا دَلِيلُهُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] أَمْرٌ بِأَخْذِ الرَّهْنِ وَقَبْضِهِ حَالَ الْمُدَايَنَةِ. وَأَمَّا رُكْنُهُ فَهُوَ الْإِيجَابُ وَهُوَ قَوْلُ الرَّاهِنِ رَهَنْت عِنْدَك هَذَا الشَّيْءَ بِمَا لَك عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ خُذْهُ وَالْقَبُولُ شَرْطٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْجِبْ الرَّهْنَ بِذَاتِهِ شَيْئًا وَالتَّبَرُّعُ يَتِمُّ بِالْإِيجَابِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَرْهَنُ فَرَهَنَ، وَلَمْ يَقْبَلْ الْآخَرُ يَحْنَثُ. وَأَمَّا الرَّابِعُ وَهُوَ شَرْطُ اللُّزُومِ وَهُوَ الْقَبْضُ. وَأَمَّا الْخَامِسُ وَهُوَ شَرْطُ الْجَوَازِ فَكَوْنُهُ مَقْسُومًا مُفْرَزًا فَارِغًا عَنْ الشُّغْلِ بِحَقِّ الْغَيْرِ، وَأَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ بِحَيْثُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ كَالدَّيْنِ حَتَّى لَا يَصِحَّ الرَّهْنُ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَالْعِتْقِ. وَأَمَّا حُكْمُهُ فَمَلَك الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَ فِي حَقِّ الْحَبْسِ حَتَّى يَكُونَ أَحَقَّ بِإِمْسَاكِهِ إلَى وَقْتِ إيفَاءِ الدَّيْنِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ. وَأَمَّا إذَا مَاتَ الرَّاهِنُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ فَيَسْتَوْفِي مِنْهُ دَيْنَهُ وَمَا فَضُلَ فَهُوَ لِلْغُرَمَاءِ. وَأَمَّا سَبَبُهُ فَهُوَ الْحَاجَةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ لَا يَجِدُ مَنْ لَا يُقْرِضُهُ مَجَّانًا مِنْ غَيْرِ رَهْنٍ أَوْ يَصْبِرُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رَهْنٍ. وَأَمَّا صِفَتُهُ قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَأَمَّا التَّاسِعُ وَهُوَ تَفْسِيرُهُ شَرْعًا فَسَيَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ. وَأَمَّا الْعَاشِرُ وَهُوَ مَحَاسِنُهُ فَهُوَ فَكُّ عُسْرَةِ الطَّلَبِ عَنْ الرَّاهِنِ وَوُثُوقُ قَلْبِ الْمُرْتَهِنِ بِمَا يُحَصِّلُ مَالَهُ، وَلَوْ ارْتَهَنَ عَلَى أَنَّهُ ضَاعَ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَأَجَازَ الرَّاهِنُ جَازَ الرَّهْنُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِعَقْدٍ مَوْضُوعٍ بِحُكْمٍ مَشْرُوعٍ وَتَبْدِيلُ الْمَشْرُوعِ لَا يَجُوزُ، وَالْمَقْبُوضُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ الْفَاسِدِ مَضْمُونٌ، وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى

стр. 2795

لَوْ رَهَنَ نِصْفَ دَارٍ وَسَلَّمَ الدَّارَ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَهَلَكَتْ لَمْ يَذْهَبْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ، وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ فِي الرَّهْنِ الْفَاسِدِ لَا يَذْهَبُ بِهَلَاكِهِ الدَّيْنُ، وَفِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لَوْ اشْتَرَى مُسْلِمٌ خَمْرًا وَرَهَنَ بِثَمَنِهِ رَهْنًا فَضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ لَا يُضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ رَهْنٌ بَاطِلٌ فِي الْأَوَّلِ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ عِنْدَ قَوْلِهِ مَضْمُونٌ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، وَفِي الْكُبْرَى لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَضْمَنَ الْفَضْلَ عَنْ الدَّيْنِ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ قَالَ ﵀ (هُوَ حَبْسُ شَيْءٍ بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ كَالدَّيْنِ) ، وَهَذَا حَدُّهُ فِي الشَّرْعِ، كَذَا قَالَ الشَّارِحُ، وَقَالَ قَوْلُهُ كَالدَّيْنِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ حَقٌّ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الدَّيْنِ لِعَدَمِ تَعْيِينِهِ. وَأَمَّا الْعَيْنُ فَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الرَّهْنِ وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِهَا إلَّا إذَا كَانَتْ مَضْمُونَةً بِنَفْسِهَا كَالْمَغْصُوبِ وَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ فِيهَا الْمِثْلُ أَوْ الْقِيمَةُ وَرَدُّ الْعَيْنِ لَا مَخْلَصَ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَلِهَذَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ وَالْإِبْرَاءُ عَنْ قِيمَتِهِ وَيَمْتَنِعُ وُجُوبُ الذَّكَاةِ عَمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ وَمَالُهُ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ هُوَ الْعَيْنُ لَمَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ، وَإِنْ كَانَ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ رَدَّ الْعَيْنِ وَرَدَّ الْقِيمَةِ مَخْلَصٌ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ إلَّا بَعْدَ الْهَلَاكِ بِالْقَبْضِ السَّابِقِ وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِالْقَبْضِ فَيَكُونُ رَهْنًا لِوُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِهِ فَيَصِحُّ كَمَا هُوَ فِي الْكَفَالَةِ بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ الْأَمَانَةِ اهـ. فَإِنْ قِيلَ هَذَا التَّعْرِيفُ لِلرَّهْنِ التَّامِّ أَوْ اللَّازِمِ وَإِلَّا فَفِي انْعِقَادِ الرَّهْنِ لَا يَلْزَمُ الْحَبْسُ بَلْ ذَلِكَ بِالْقَبْضِ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِانْعِقَادِ مَعْنَى الرَّهْنِ مَعْنَى جَعْلِ الشَّيْءِ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ إلَّا أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ لِلْعَاقِدِ الرُّجُوعَ عَنْهُ مَا لَمْ يَقْبِضْ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ فَقَبْلَ الْقَبْضِ يُوجَدُ مَعْنَى الْحَبْسِ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إلَّا بِالْقَبْضِ وَالْمَأْخُوذُ فِي التَّعْرِيف الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ لِلْمُرْتَهِنِ إنَّمَا هُوَ نَفْسُ الْحَبْسِ لَا لُزُومُهُ فَيَصْدُقُ هَذَا التَّعْرِيفُ عَلَى الرَّهْنِ قَبْلَ تَمَامِهِ وَلُزُومِهِ أَيْضًا، وَلَوْ قَالَ هُوَ عَقْدٌ يَرِدُ عَلَى مَعْنَى حَبْسِ الْعَيْنِ بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ لَكَانَ أَوْلَى، وَقَوْلُنَا عَلَى مَعْنَى حَبْسٍ إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يُوجِبُ حَقِيقَةَ الْحَبْسِ؛ لِأَنَّهَا بِالْقَبْضِ بَلْ يُوجِبُ نَفْسَ الْحَبْسِ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ الزَّيْلَعِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ كَالدَّيْنِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ الْمُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ لِعَدَمِ تَعْيِينِهِ قُلْنَا الْمُتَبَادِرُ إلَيْهِ مِنْ الْكَافِي أَنَّهُ يَجُوزُ الرَّهْنُ بِغَيْرِ الدَّيْنِ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْت أَمْثَالَهُ، وَقَوْلُهُ شَيْءٌ صَادِقٌ عَلَى مَا لَوْ عُيِّنَ ذَلِكَ أَوَّلًا وَعَلَى مَا إذَا كَانَ عَلَى كُلِّ الدَّيْنِ أَوْ بَعْضِهِ وَعَلَى مَا إذَا قَبَضَ الدَّيْنَ أَوَّلًا قَالَ قَاضِي خَانْ رَجُلٌ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ ثَوْبَيْنِ، وَقَالَ خُذْ أَيَّهُمَا شِئْت بِالْمِائَةِ الَّتِي عَلَيَّ فَأَخَذَهُمَا وَنَحَلَتْ فِي يَدِهِ قَالَ الثَّالِثُ لَا يَذْهَبُ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ عَلَيْهِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا يَدْفَعُ الْمَدْيُونُ إلَى الطَّالِبِ مِائَةً، وَقَالَ خُذْ مِنْهَا عِشْرِينَ بِدَيْنِك فَضَاعَتْ الْمِائَةُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا عِشْرِينَ ضَاعَتْ مِنْ مَالِ الْمَدْيُونِ وَالدَّيْنُ عَلَى حَالِهِ، وَلَوْ قَالَ خُذْ أَحَدَهُمَا رَهْنًا بِدَيْنِك فَأَخَذَهُمَا وَنَحَلَتْ فِي يَدِهِ وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ قَالَ الثَّالِثُ يَذْهَبُ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالدَّيْنِ إنْ كَانَ مِثْلَ الدَّيْنِ رَجُلٌ عَلَيْهِ مِائَةٌ فَأَعْطَى الدَّائِنَ ثَوْبًا، وَقَالَ خُذْ هَذَا بِبَعْضِ حَقِّك فَقَبَضَهُ وَهَلَكَ يَهْلِكُ بِقِيمَتِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَمَّا شَاءَ الْمُرْتَهِنُ أَخَذَ الرَّهْنَ، وَلَمْ يَدْفَعْ شَيْئًا فَضَاعَ فِي يَدِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَقْرَضَ آخَرَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَقَالَ الْمُقْرِضُ لَا يَكْفِيَك هَذَا الْقَدْرُ وَلَكِنْ أَبْعَثُ لَك مَا يَكْفِيَك فَبَعَثَ فَدَفَعَ إلَيْهِ فَضَاعَ فِي يَدِهِ فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ وَمِنْ الْخَمْسِينَ وَاشْتِرَاطُ خِيَارِ الشَّرْطِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الرَّهْنِ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَسْخَهُ مِنْ غَيْرِ خِيَارِ الشَّرْطِ فَلَا فَائِدَةَ فِي اشْتِرَاطِهِ وَلِلرَّاهِنِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْخِيَارِ فِيهِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فَيَصِحُّ إثْبَاتُ الْخِيَارِ لَهُ فِيهِ كَذَا فِي الْأَصْلِ. قَالَ ﵀ (وَلَزِمَ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ وَيَتِمُّ بِقَبْضِهِ مَحُوزًا مُفَرَّغًا مُمَيَّزًا) ، وَهَذَا سَهْوٌ، فَإِنَّ الرَّهْنَ لَا يَلْزَمُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَلَكِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهِمَا وَيَتِمُّ بِالْقَبْضِ فَيَلْزَمُ بِهِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ رُكْنُ الرَّهْنِ الْإِيجَابُ وَهُوَ قَوْلُ الرَّاهِنِ رَهَنْت وَالْقَبُولُ وَهُوَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنُ قَبِلْت، ثُمَّ عَلَّلَ بِأَنَّهُ عَقْدٌ وَالْعَقْدُ يَنْعَقِدُ بِهِمَا وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بِأَنَّ صَاحِبَ الْمُحِيطِ صَرَّحَ بِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ يَتِمُّ بِالْإِيجَابِ فَقَطْ وَهُوَ قَوْلُ غَالِبِ الْمَشَايِخِ، وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ ﵁ يَلْزَمُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ. وَقَوْلُهُ مَحُوزًا مُفْرَغًا مُمَيَّزًا اُحْتُرِزَ بِالْأَوَّلِ عَنْ الْمُشَاعِ، وَبِالثَّانِي عَنْ الْمَشْغُولِ، وَبِالثَّالِثِ عَنْ الْمُتَّصِلِ إذَا قَبَضَهُ كَذَلِكَ، ثُمَّ هَذَا بَيَانُ الرَّهْنِ بِالْقَوْلِ وَسَنُبَيِّنُ مَا يَصِيرُ رَهْنًا بِالْفِعْلِ قَالَ ﵀ (وَالتَّخْلِيَةُ فِيهِ، وَفِي الْبَيْعِ قَبْضٌ) قَالَ

стр. 2796

الشَّارِحُ وَالصَّوَابُ أَنَّ التَّخْلِيَةَ تَسْلِيمٌ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ الْمَوَانِعِ عَنْ الْقَبْضِ وَهُوَ الْمُسَلِّمُ دُونَ الْمُتَسَلِّمِ وَالْقَبْضُ فِعْلُ الْمُتَسَلِّمِ؛ لِأَنَّهُ اكْتَفَى بِالتَّخْلِيَةِ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَالْقَبْضُ فِعْلٌ لِغَيْرِهِ فَلَا يُكَلَّفُ بِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ فِي الْمَنْقُولِ لَا بُدَّ مِنْ النَّقْلِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْغَصْبِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الرَّهْنِ مَشْرُوعٌ فَيُشْبِهُ الْبَيْعَ فَاكْتُفِيَ بِالتَّخْلِيَةِ وَالْغَصْبُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى ثُبُوتٍ بِدُونِ قَبْضٍ حَقِيقَةً وَهُوَ النَّقْلُ وَوَضْعُ الْيَدِ وَلَا يَرِدُ النَّقْضُ بِالصَّرْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْقَبْضِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ. قَالَ ﵀ (وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ الرَّهْنِ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُرْتَهِنُ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ وَلَا لُزُومَ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ بِالْكِتَابَةِ وَفِيهِ خِلَافُ مَالِكٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَبْضِ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ: الرَّهْنُ قَبْلَ الْقَبْضِ جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ وَإِنَّمَا يَصِيرُ لَازِمًا فِي حَقِّ الرَّهْنِ بِالْقَبْضِ اهـ. وَإِنَّمَا يَصِيرُ لَازِمًا فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِالدَّفْعِ وَقَبَضَ الرَّاهِنُ الدَّرَاهِمَ فَلَوْ قَالَ وَلَهُمَا أَنْ يَرْجِعَا مَا لَمْ يَتَقَابَضَا لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ وَلَا يُقَالُ قَوْلُهُ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ الْمُفِيدُ أَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ تَبَرُّعٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ يُنَافِيهِ مَا نُقِلَ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ رَهَنَ عِنْدَهُ دَابَّتَيْنِ عَلَى مِائَةٍ فَدَفَعَ لَهُ دَابَّةً وَقَبَضَ مِنْهُ خَمْسِينَ وَطَلَبَ الْمُرْتَهِنُ الدَّابَّةَ الْأُخْرَى وَامْتَنَعَ مِنْ قَرْضِ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةِ يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى قَرْضِ الْخَمْسِينَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَازِمٌ مِنْ جَانِبِ الرَّاهِنِ فَمَا شُرِطَ عَلَيْهِ يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهِ غَيْرُ لَازِمٍ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهِ اهـ. لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ تَبَرُّعٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ قَبْلَ دَفْعِ شَيْءٍ مِنْ الرَّهْنِ فَلَا مُنَافَاةَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلرَّاهِنِ بِالْفِعْلِ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ مَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ فَتَقَاضَاهُ فَلَمْ يَقْضِهِ فَرَفَعَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِ الْمَدْيُونِ رَهْنًا بِدَيْنِهِ وَأَعْطَاهُ مِنْدِيلًا صَغِيرًا يَكْفِيهِ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَ أَحْضِرْ دَيْنِي لِأَرُدَّهَا عَلَيْك فَذَهَبَ الرَّجُلُ وَجَاءَ بِدَيْنِهِ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَقَدْ هَلَكَتْ الْعِمَامَةُ قَالَ هَلَكَتْ بِالدَّيْنِ، وَفِي السِّرَاجِيَّةِ إذَا أَخَذَ عِمَامَةَ الْمَدْيُونِ بِغَيْرِ رِضَاهُ لِتَكُونَ رَهْنًا لَمْ تَكُنْ رَهْنًا بَلْ غَصْبًا، رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَجُلٌ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَبَى الْبَائِعِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي لَا أَدْفَعُ لَك الثَّمَنَ حَتَّى أَقْبِضَهَا فَاتَّفَقَا عَلَى وَضْعِ الثَّمَنِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ فَوَضَعَ رَهْنًا بِالثَّمَنِ فَهَلَكَ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ، وَفِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى رَهَنَ عَبْدًا بِكُرِّ حِنْطَةٍ فَمَاتَ الْعَبْدُ فَظَهَرَ أَنَّ الْكُرَّ لَيْسَ عَلَى الرَّاهِنِ فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ قَبْضُ كُرٍّ دُونَ الْعَبْدِ وَفِي التَّتِمَّةِ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَمَنُ عَيْنٍ اشْتَرَاهَا دَنَانِيرَ فَدَفَعَ لِلْبَائِعٍ صُرَّةً فِيهَا دَنَانِيرَ، فَقَالَ خُذْ هَذِهِ الصُّرَّةَ حَتَّى أَنْفَذَ لَك الثَّمَنَ، ثُمَّ هَلَكَتْ تَهْلِكُ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ قَالَ قُلْت تَهْلِكُ هَلَاكَ الرَّهْنِ أَمْ هَلَاكَ الثَّمَنِ؟ قَالَ هَلَاكُ الثَّمَنِ، فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّ دَيْنَهُ أَجْوَدُ لَا يَرْجِعُ بِالْجُودَةِ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ حَيْثُ كَانَا فِي الْوَزْنِ سَوَاءً، قَالَ ﵀ (وَهُوَ مَضْمُونٌ بِأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ فَلَوْ هَلَكَ وَقِيمَتُهُ مِثْلُ الدَّيْنِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ فَالْفَضْلُ أَمَانَةٌ وَبِقَدْرِ الدَّيْنِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ صَارَ مُسْتَوْفِيًا بِقَدْرِ دَيْنِهِ وَيَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ بِالْفَضْلِ) ، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ الرَّهْنُ كُلُّهُ أَمَانَةٌ فَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بِهَلَاكِهِ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ لِلْمُرْتَهِنِ الَّذِي هَلَكَ عِنْدَهُ الْفَرَسُ ذَهَبَ حَقُّهُ وَقَوْلُهُ ﵊ «إذَا هَلَكَ الرَّهْنُ هَلَكَ الدَّيْنُ» أَوْ مَا مَعْنَاهُ وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ عَلَى ذَلِكَ وَبَيَانُ الدَّلِيلَيْنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي الْمُطَوَّلَاتِ، وَفِي الْكَافِي بَيَانُهُ إذَا رَهَنَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةً بِعَشَرَةٍ فَهَلَكَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ يَسْقُطُ دَيْنُهُ، وَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الثَّوْبِ خَمْسَةً يَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِخَمْسَةٍ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَالْفَضْلُ أَمَانَةٌ عِنْدنَا، وَفِي الْيَنَابِيعِ الرَّهْنُ مَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ وَفَائِدَةُ هَذَا تَظْهَرُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا إذَا رَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ فَأَبَقَ فَرَدَّهُ رَجُلٌ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْجُعْلَ عَلَى الرَّاهِنِ وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ نِصْفُهُ مَضْمُونٌ بِالدَّيْنِ وَنِصْفُهُ أَمَانَةٌ فَيَكُونُ الْجُعْلُ بَيْنَهُمَا بِالْحِصَصِ وَمِنْهَا مُدَاوَاةُ الْأَمْرَاضِ وَالْجُرُوحِ؛ لِأَنَّهُ يَنْقَسِمُ ذَلِكَ عَلَى الْمَضْمُونِ وَعَلَى الْأَمَانَةِ بِالْحِصَصِ وَمَا أَصَابَ الْمَضْمُونَ فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ وَمَا أَصَابَ الْأَمَانَةَ فَعَلَى الرَّاهِنِ، وَلَوْ قَالَ وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ الْمَضْمُونِ وَمِنْ الدَّيْنِ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ مَا إذَا كَانَ قِيمَةُ الْمَرْهُونِ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ فِي الْأَصْلِ وَالْبَاطِلُ مِنْ الرَّهْنِ مَا لَا يَكُونُ مُنْعَقِدًا أَصْلًا كَالْبَاطِلِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْفَاسِدُ مَا يَكُونُ مُنْعَقِدًا لَكِنْ بِوَصْفِ الْفَسَادِ وَالْمُقَابِلِ بِهِ يَكُونُ مَالًا مَضْمُونًا، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ مَالًا، وَلَمْ يَكُنْ

стр. 2797

الْمُقَابِلُ بِهِ مَضْمُونًا لَا يَنْعَقِدُ الرَّهْنُ أَصْلًا وَهُوَ الْبَاطِلُ وَتَعْتَبِرُ قِيمَةُ الرَّهْنِ يَوْمَ الْقَبْضِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ أَحْكَامَ غَلَبَةِ الْمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ الْمَرْهُونَةِ. قَالَ فِي الْمُحِيطِ أَرْضٌ مَرْهُونَةٌ غَلَبَ عَلَيْهَا الْمَاءُ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ إذَا أَبَقَ لِأَنَّهَا رُبَّمَا يَنْزِلُ عَنْهَا الْمَاءُ فَتَكُونُ الْأَرْضُ مُنْتَفَعًا بِهَا فَلَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ لِاحْتِمَالِ الْعُودِ كَالْآبِقِ، وَلَوْ رَهَنَ عَبْدًا حَلَالَ الدَّمِ أَوْ سَرَقَ عِنْدَ الرَّاهِنِ فَقُطِعَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَذَاكَ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ، وَلَمْ يَذْهَبْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ وَبَقِيَ مُرْتَهَنًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا السَّرِقَةُ عَيْبٌ وَيُقَوَّمُ سَارِقًا وَحَلَالَ الدَّمِ وَغَيْرَ سَارِقٍ وَغَيْرَ حَلَالِ الدَّمِ فَيَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ بِمِقْدَارِ قِيمَتِهِ حَلَالَ الدَّمِ وَالْقَطْعِ وَيَكُونُ رَهْنًا بِحِصَّةِ قِيمَتِهِ كَذَلِكَ، وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ أَوْ الزِّنَا عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ أَوْ دَخَلَهُ عَيْبٌ فَيَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِهِ. رَهَنَ ثَوْبًا يُسَاوِي خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَمِثَالَ ذَهَبٍ يُسَاوِي عَشَرَةً بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ فَهَلَكَ الذَّهَبُ وَلَبِسَ الثَّوْبَ حَتَّى انْخَرَقَ ضَمِنَ قِيمَةَ الثَّوْبِ يُحْسَبُ مَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ دِرْهَمٌ وَثُلُثَانِ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِإِذْهَابِ الذَّهَبِ ثُلُثَا الدَّيْنِ وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ بِإِزَاءِ الذَّهَبِ ثُلُثَيْ الدَّيْنِ وَبِإِزَاءِ الثَّوْبِ ثُلُثَهُ، فَإِذَا ذَهَبَ الذَّهَبُ وَاسْتُهْلِكَ الثَّوْبُ يَذْهَبُ بِإِذْهَابِ الثَّوْبِ ثُلُثُ الدَّيْنِ وَيَضْمَنُ مِثْقَالَ الذَّهَبِ فَيَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَثُلُثٍ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حُكْمَ هَلَاكِ الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ نُقْصَانِهَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ إذَا نَقَصَتْ الْعَيْنُ الْمَرْهُونَةُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ إنْ كَانَ النُّقْصَانُ فِي عَيْنِهَا سَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِهِ اهـ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا إذَا كَانَ بِالدَّيْنِ رَهْنًا مِنْ جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ قَالَ قَاضِي خان رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِآخَرَ وَبِهِ كَفِيلٌ فَأَخَذَ الطَّالِبُ مِنْ الْكَفِيلِ رَهْنًا وَمِنْ الْأَصِيلِ رَهْنًا وَأَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ وَبِكُلِّ وَاحِدٍ وَفَاءً بِالدَّيْنِ فَهَلَكَ أَحَدُ الرَّهْنَيْنِ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ قَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَيُّهُمَا هَلَكَ يَهْلِكُ بِكُلِّ الدَّيْنِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا هَلَكَ الرَّهْنُ الثَّانِي، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ عَلِمَ بِالرَّهْنِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الثَّانِيَ يَهْلِكُ بِنِصْفِ الدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ يَهْلِكُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ أَنَّ الثَّانِيَ يَهْلِكُ بِنِصْفِ الدَّيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْعِلْمَ وَالْجَهْلَ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُطَالَبُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ فَيُجْعَلُ الرَّهْنُ الثَّانِي زِيَادَةً فِي الرَّهْنِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُمَا سَوَاءً قُسِمَ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا فَالثَّانِي إذَا هَلَكَ يَهْلِكُ بِنِصْفِ الدَّيْنِ وَقَدْ قَالُوا لَوْ شَرَطَ أَنَّهُ إذَا ضَاعَ يَكُونُ مَجَّانًا فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَيَهْلِكُ بِالدَّيْنِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ أَنْ أَبْرَأهُ الرَّاهِنُ أَوْ وَهَبَهُ الدَّيْنَ أَوْ أَحَالَهُ بِهِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ أَبْرَأهُ عَنْ الدَّيْنِ أَوْ أَخَالَهُ بِهِ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ وَالْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْهُ لَا يُضْمَنُ اسْتِحْسَانًا وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَبْرَأهُ الرَّاهِنُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا قَبَضَ، وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ يَبْقَى مَضْمُونًا، وَلَوْ أَحَالَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ بِالرَّهْنِ عَلَى إنْسَانٍ عِنْدَهُ الرَّهْنُ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ فِيهِ وَتَبْطُلَ الْحَوَالَةُ، وَفِي الْمَبْسُوطِ مَسَائِلُهُ عَلَى فُصُولٍ: أَحَدُهَا فِي هَلَاكِ الرَّهْنِ قَبْلَ الْإِبْرَاءِ. وَالثَّانِي فِي هَلَاكِهِ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ. وَالثَّالِثُ فِي هَلَاكِهِ بَعْدَ فَسْخِ الرَّهْنِ وَإِقَالَتِهِ. وَالرَّابِعُ فِي هَلَاكِهِ بَعْدَ اسْتِعْمَالِهِ. قَالَ ﵀ (وَهَبَ الْمُرْتَهِنُ الدَّيْنَ مِنْ الرَّاهِنِ أَوْ أَبْرَأهُ عَنْهُ فَهَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْعٍ يَضْمَنُ الْمُرْتَهِنُ) قِيَاسًا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَلَا يَضْمَنُ اسْتِحْسَانًا، وَلَوْ مَنَعَهُ حَتَّى هَلَكَ ضَمِنَ قِيمَتَهُ اتِّفَاقًا، وَوَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الرَّهْنَ صَارَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِالْقَبْضِ وَالْيَدِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِلدَّيْنِ وَيَدُهُ عَلَى الرَّهْنِ يَدُ اسْتِيفَاءٍ لِلدَّيْنِ وَيَتَقَرَّرُ ذَلِكَ بِالْهَلَاكِ وَصَارَ كَأَنَّهُ اسْتَوْفَى، ثُمَّ أَبْرَأهُ فَيَبْقَى مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِبَقَاءِ الْيَدِ وَالْقَبْضِ فَكَذَا هَذَا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الضَّمَانَ قَدْ ارْتَفَعَ قَبْلَ تَقَرُّرِ حُكْمِهِ وَوُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ إنَّمَا يَجِبُ إمَّا بِحَقِيقَةِ الرَّهْنِ أَوْ بِجِهَتِهِ. وَقَدْ ارْتَفَعَ الْعَقْدُ وَالْجِهَةُ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ فَانْتَفَى الضَّمَانُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الدَّيْنِ وَدَوَامَهُ بِشَرْطِ بَقَاءِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ شُرِعَ تَوْثِيقًا وَتَوْكِيدًا لِلدَّيْنِ وَبَعْدَ سُقُوطِهِ لَا يُتَصَوَّرُ تَوْثِيقُهُ وَتَوْكِيدُهُ فَلَا فَائِدَةَ فِي بَقَاءِ الرَّهْنِ فَلَا يَبْقَى فَانْحَلَّ الضَّمَانُ لِارْتِفَاعِ مَنَاطِهِ فَبَقِيَتْ الْعَيْنُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ بِخِلَافِ الِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ يَتَقَرَّرُ بِالدَّيْنِ وَلَا يَسْقُطُ أَصْلًا وَلِهَذَا صَحَّتْ الْهِبَةُ وَالْإِبْرَاءُ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ حَتَّى يَلْزَمَهُ رَدُّ مَا اسْتَوْفَاهُ وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ وَالْإِبْرَاءُ بَعْدَ هِبَةِ الدَّيْنِ وَإِبْرَائِهِ، وَلَوْ أَخَذَتْ الْمَرْأَةُ رَهْنًا بِصَدَاقِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَلْ، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ هَلَكَ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ قَدْ سَقَطَ فَصَارَ كَالْبَرَاءَةِ عَنْ الدَّيْنِ، وَلَوْ قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ، ثُمَّ هَلَكَ عِنْدَهُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ قَبْضِهِ وَقِيمَتِهِ مِثْلَ الدَّيْنِ رَدَّ مَا قَبَضَ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمْ يَسْقُطْ

стр. 2798

لِاسْتِيفَاءِ مِنْ وَجْهٍ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَإِنْ سَقَطَ فِي حَقِّ الْمُطَالَبَةِ لِمَا بَيَّنَّا فَصَارَ مُسْتَوْفِيًا مَا قَبَضَ بَعْدَهُ اسْتَوْفَاهُ مَرَّةً حُكْمًا بِالْهَلَاكِ فَيَلْزَمُهُ رَدُّ مَا قَبَضَ آخِرًا. وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ طَعَامًا قَرْضًا فَاشْتَرَاهُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِدَرَاهِمَ وَدَفَعَهَا إلَى الْمُرْتَهِنِ، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ رَدُّ مِثْلِ ذَلِكَ الطَّعَامِ وَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا وَقْتَ الْهَلَاكِ دُونَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَارَ مُسْتَوْفِيًا مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ لَمَا جَازَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ شَيْءٌ قَضَى أَجْنَبِيٌّ دَيْنَ الْمُرْتَهِنِ تَطَوُّعًا، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ رُدَّ بِرَدِّ الْمَالِ عَلَى الْمُتَطَوِّعِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الدَّيْنَ مِنْ الرَّاهِنِ بِالْهَلَاكِ بَعْدَ مَا اسْتَوْفَاهُ مِنْ الْمُتَطَوِّعِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا إذَا اسْتَوْفَاهُ مِنْ الْغَرِيمِ، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ تَصَادَقَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ أَنْ لَا دَيْنَ بَعْدَ أَنْ اتَّفَقَا أَنَّهُ أَلْفٌ وَهَلَكَ الرَّهْنُ فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرُدَّ الْأَلْفَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ حِينَ هَلَكَ كَانَ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَصَادَقَا أَنْ لَا دَيْنَ قَبْلَ الْهَلَاكِ فَصَارَ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا لِلدَّيْنِ حُكْمًا بِالْهَلَاكِ فَصَارَ كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ حَقِيقَةً، وَلَوْ تَصَادَقَا أَنْ لَا دَيْنَ قَبْلَ الْهَلَاكِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قِيلَ يُمْلَكُ أَمَانَةً؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ حَصَلَ بِدَيْنٍ مَضْمُونٍ يُتَوَهَّمُ وُجُوبُهُ فَصَارَ الرَّهْنُ مَضْمُونًا بِدَيْنٍ مَظْنُونٍ، فَإِذَا زَالَ التَّوَهُّمُ بِالتَّصَادُقِ عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ يَزُولُ الضَّمَانُ كَمَا لَوْ زَالَ بِالْإِبْرَاءِ وَالْهِبَةِ. وَقِيلَ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ تَوَهَّمَ وُجُوبَ الدَّيْنِ لَمْ يَزَلْ تَصَادُقُهُمَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ؛ لِأَنَّ تَصَادُقَهُمَا عَلَى عَدَمِ الدَّيْنِ لَا يَمْنَعُهُمَا عَنْ التَّصَادُقِ عَلَى الْوُجُوبِ بَعْدَ ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَتَذَكَّرَا بَعْدَ مَا تَصَادَقَا أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَإِنْ بَقِيَ تَوَهُّمُ الْوُجُوبِ بَقِيَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا بِهِ يُثْبِتُ الضَّمَانَ وَهُوَ تَوَهُّمُ الِاقْتِرَاضِ مِنْهُ فِي الثَّانِي بِامْتِنَاعِهِ الِاقْتِرَاضَ لَمْ يَزَلْ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَقْرَضَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَ عَبْدًا عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ أَلْفًا، ثُمَّ هَلَكَ الْعَبْدُ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ أَلْفٍ ضَمِنَ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ بِجِهَةٍ الرَّهْنِ مَقْبُوضٌ فَصَارَ كَالْمَقْبُوضِ بِحَقِيقَةٍ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ عَلَى جِهَةِ الشَّيْءِ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي طَعَامٍ وَأَخَذَ بِهِ رَهْنًا، ثُمَّ تَفَاسَخَا الْعَقْدَ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الرَّهْنَ حَتَّى يَقْبِضَ بِرَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ يَدُلُّ عَلَى الْمُسْلَمِ فِيهِ فَظَهَرَ أَنَّ الرَّهْنَ فِي حَقِّ الْبَدَلِ، فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ هَلَكَ بِالطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَضْمُونًا بِالطَّعَامِ وَبِالْفَسْخِ لَمْ يَسْقُطْ الطَّعَامُ أَصْلًا مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ رَأْسُ الْمَالِ فَبَقِيَ مَضْمُونًا بِهِ كَمَا كَانَ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ سَقَطَ الضَّمَانُ أَصْلًا لِسُقُوطِ الدَّيْنِ أَصْلًا، وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا، ثُمَّ تَقَابَضَا، ثُمَّ تَفَاسَخَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْفَسْخِ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ الْمَبِيعَ وَأَخَذَ بِالثَّمَنِ رَهْنًا، ثُمَّ تَقَايَلَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الرَّهْنَ حَتَّى يَقْبِضَ الْمَبِيعَ، فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ هَلَكَ بِالثَّمَنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا أَسْلَمَ خَمْسَمِائَةٍ فِي طَعَامٍ فَرَهَنَ بِهِ عَبْدًا يُسَاوِي الطَّعَامَ وَقَبَضَهُ، ثُمَّ صَالِحَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَقْبِضَ الرَّاهِنُ الْعَبْدَ وَرَأْسُ الْمَالِ دَيْنٌ عَلَيْهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُجْعَلُ رَهْنًا بِدَيْنِهِ وَيَكُونُ مَضْمُونًا، وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ غَيْرُ الْمُسْلَمِ فِيهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ وَجَبَ بِالْعَقْدِ وَرَأْسُ الْمَالِ وَجَبَ بِالْإِقَالَةِ وَهُمَا ضِدَّانِ فَمَا وَجَبَ بِأَحَدِهِمَا لَا يُعْتَبَرُ بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ فَالرَّهْنُ بِالطَّعَامِ لَا يَكُونُ رَهْنًا، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ رَأْسُ الْمَالِ بَدَلٌ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَائِمٌ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بَدَلًا لَهُ فِي الْعَقْدِ وَبِالْإِقَالَةِ وَالصُّلْحِ لِمَا سَقَطَ حَقُّهُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ عَادَ حَقُّهُ إلَى بَدَلِهِ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ دَيْنًا حَادِثًا لَكِنْ لَمَّا قَامَ مَقَامَ الْمُسْلِمِ إثْبَاتًا وَإِسْقَاطًا فَالرَّهْنُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ يَكُونُ رَهْنًا بِمَا قَامَ مَقَامَهُ كَالرَّهْنِ بِالْمَغْصُوبِ رَهْنٌ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَهُ، فَإِذَا اسْتَوْفَى فِي رَأْسِ الْمَالِ، ثُمَّ هَلَكَ عِنْدَهُ الْعَبْدُ مِنْ غَيْرِ صُنْعٍ يُعْطِيهِ الْمُرْتَهِنُ مِثْلَ الطَّعَامِ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ رَأْسَ الْمَالِ أَقْرَضَ رَجُلًا كُرَّ حِنْطَةٍ وَارْتَهَنَ مِنْهُ ثَوْبًا قِيمَتَهُ أَوْ صَالَحَهُ مَنْ عَلَيْهِ الْحِنْطَةُ عَلَى كُرِّ شَعِيرٍ بِعَيْنِهِ وَيَصِيرُ الثَّوْبُ رَهْنًا بِالشَّعِيرِ، فَإِذَا هَلَكَ يَهْلِكُ مَضْمُونًا بِالْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّهُ بَرِئَ عَنْ الْحِنْطَةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَرِئَ بِالْإِيفَاءِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ رَهْنًا وَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا كَزَوَائِدِ الرَّهْنِ يَكُونُ مَحْبُوسًا وَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ اسْتِيفَاءٌ حُكْمِيٍّ وَالِاسْتِيفَاءُ الْحُكْمِيُّ لَا يَرْبُو عَلَى الِاسْتِيفَاءِ الْحَقِيقِيِّ. وَلَوْ اسْتَوْفَى الْمُسْلَمَ فِيهِ حَقِيقَةً، ثُمَّ تَقَايَلَا السَّلَمَ صَحَّتْ الْإِقَالَةُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ طَعَامًا مِثْلَهُ وَيَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ فَكَذَا إذَا اصْطَلَحَا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ الْحُكْمِيِّ وَفِي مَسْأَلَةِ الْقَرْضِ لَوْ صَالَحَهُ عَلَى الشَّعِيرِ بَعْدَ مَا اسْتَوْفَى الْحِنْطَةَ حَقِيقَةً لَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَالَحَهُ عَلَى دَيْنٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الدَّيْنُ لَا يَصِحُّ أَصْلًا فَكَذَا إذَا اصْطَلَحَا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ الْحُكْمِيِّ، وَلَوْ وَهَبَ لَهُ رَأْسَ الْمَالِ بَعْدَ الصُّلْحِ، ثُمَّ هَلَكَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ طَعَامُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ لَمْ

стр. 2799

تَبْطُلْ بِهِبَةِ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فِي السَّلَمِ لَا تَقْبَلُ الْبُطْلَانَ فَفِي الرَّهْنِ مَضْمُونًا فِي السَّلَمِ فِيهِ، وَذَكَرَ مَسْأَلَتَهُ فِي الصَّرْفِ الثَّانِيَةِ اشْتَرَى أَلْفَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَقَبَضَ الْأَلْفَ فَقَبَضَ بِالْمِائَةِ الدِّينَارَ رَهْنًا يُسَاوِيهَا، ثُمَّ تَفَرَّقَا فَسَدَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الِافْتِرَاقَ قَبْلَ قَبْضِ الدَّنَانِيرِ فَصَارَتْ الدَّرَاهِمُ مَقْبُوضَةً فِي يَدِ مُشْتَرِيهَا بِحُكْمِ صَرْفٍ فَاسِدٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الرَّهْنِ حَتَّى يَرُدَّ الْأَلْفَ، فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ رَجَعَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَالْمُرْتَهِنُ بِالْأَلْفِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ بَدَلٌ عَنْ الدَّنَانِيرِ وَالرَّهْنُ بِالشَّيْءِ يَكُونُ رَهْنًا بِهِ وَبِبَدَلِهِ فَيَكُونُ مَحْبُوسًا بِالدَّنَانِيرِ مَضْمُونًا بِالدَّرَاهِمِ. فَإِذَا هَلَكَ الرَّهْنُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا لِلدَّنَانِيرِ بِحُكْمِ صَرْفٍ فَاسِدٍ فَكَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ رَدُّ الدَّنَانِيرِ وَعَلَى الرَّاهِنِ رَدُّ الدَّرَاهِمِ، فَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى ضَاعَ الرَّهْنُ فَهُوَ بِالْمِائَةِ الدِّينَارِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا لِلدَّنَانِيرِ فِي الْمَجْلِسِ حُكْمًا بِهَلَاكِ الرَّهْنِ فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ اسْتَوْفَى حَقِيقَةً فَكَانَ الصَّرْفُ جَائِزًا، وَلَوْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ فَأَنْكَرَهُ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ فَأَعْطَاهُ بِهِ رَهْنًا وَهَلَكَ الرَّهْنُ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ يُجْبِرُهُ عَلَى قَضَاءِ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ الرَّهْنَ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَاضِيَ بَعْدَ الصُّلْحِ قَبِلَ التَّصَادُقَ أَنْ لَا دَيْنَ يُجْبِرُهُ عَلَى قَضَاءِ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَالرَّهْنُ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ ظَاهِرًا مَضْمُونٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ الْمَقْبُوضَ بِجِهَةِ الْقَرْضِ مَضْمُونٌ مَعَ أَنَّ الدَّيْنَ غَيْرُ ثَابِتٍ فَالرَّهْنُ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ ظَاهِرًا أَوْ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يُمْلَكُ فِي حَقِّ مِلْكِ الْيَدِ وَالْحَبْسِ بِإِزَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ وَالرَّاهِنُ لَمْ يَرْضَ بِقَلِيلِهِ مَجَّانًا بَلْ رَهَنَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ وَهُوَ سُقُوطُ الدَّيْنِ بِإِزَائِهِ، وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي وَدِيعَةٍ، فَقَالَ الْمُودِعُ رَدَدْتهَا، ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى خَمْسِمِائَةٍ وَأَخَذَ بِهَا رَهْنًا فَهَلَكَ ثُمَّ تَصَادَقَا أَنَّهُ رَدَّهَا فَالرَّهْنُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهِيَ كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَلَوْ ادَّعَى صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ اسْتِهْلَاكًا، وَلَمْ يَدْعُ الْمُودِعُ شَيْئًا حَتَّى صَالَحَهُ، ثُمَّ رَهَنَهُ فَهَلَكَ الرَّهْنُ ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى الْهَلَاكِ هَلَكَ الرَّهْنُ مَضْمُونًا بِلَا خِلَافٍ، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رُجُوعَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ هَذَا الْقَوْلِ إلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا الصُّلْحَ لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِهِ أَوَّلًا، وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَجْهُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْبَرَاءَةَ عَنْ الضَّمَانِ تَثْبُتُ بِقَوْلِ الْمُودِعِ كَانَ الصُّلْحُ بَاطِلًا، وَوَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ مَذْكُورٌ فِيهِ. وَقَوْلُهُ مَضْمُونٌ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ قِيلَ ذِكْرُ مَضْمُونٍ لِلتَّأْكِيدِ، وَقِيلَ احْتِرَازٌ عَنْ دَيْنٍ يَجِبُ كَالرَّهْنِ بِالدَّرَكِ وَهُوَ ضَمَانُ الدَّرَكِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِمَسْأَلَةِ الْقُلْبِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ رَهَنَ قُلْبَ فِضَّةٍ عَلَى أَنْ يَقْرِضَهُ دِرْهَمًا فَهَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَقْرِضَهُ يُعْطِيهِ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ عَلَى وَجِهَةِ الرَّهْنِ وَالْمَقْبُوضُ بِجِهَةِ الرَّهْنِ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى حَقِيقَةِ الرَّهْنِ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ قَالَ عَلَى أَنْ أَقْرِضَهُ شَيْئًا وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا فَهَلَكَ يُعْطِيهِ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ بِالْهَلَاكِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا شَيْئًا فَصَارَ كَأَنَّهُ عِنْدَ الْهَلَاكِ قَالَ وَجَبَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ شَيْءٌ، وَلَوْ قَالَ أَمْسِكْهُ رَهْنًا بِنَفَقَةٍ تُعْطِيهَا إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا مَالًا مَجْهُولًا بِالْهَلَاكِ، وَلَوْ قَالَ أَمْسِكْهُ رَهْنًا بِدَرَاهِمَ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ كَمَا لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَرَاهِمُ، وَفِي الْمُنْتَقَى، وَلَوْ رَهَنَهُ رَهْنًا عَلَى أَنْ يَقْرِضَهُ، وَلَمْ يُسَمِّ الْقَرْضَ قَالَ يُعْطِيهِ الْمُرْتَهِنُ مَا شَاءَ، فَإِنْ قَالَ أُعْطِيَك فَلَمَّا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا أَسْتَحْسِنُ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ عَلَى سَوْمِ الرَّهْنِ وَلَا تَسْمِيَةَ فِي الْقَرْضِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارَ قِيمَتِهِ إذْ لَا تَقْدِيرَ فِي الْقَرْضِ فَيُعْطِيهِ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْإِبْهَامَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ فِي اقْتِرَاضِ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي عُيُونِ مَسَائِلَ لِأَبِي اللَّيْثِ أَيْضًا، وَذَكَرَ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَوْ قَالَ رَجُلٌ أَقْرِضْنِي وَخُذْ هَذَا الرَّهْنَ، وَلَمْ يُسَمِّ الْقَرْضَ فَأَخَذَ الرَّهْنَ فَضَاعَ وَلَمْ يَقْرِضْهُ قَالَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الرَّهْنِ، وَلَوْ رَهَنَ ثَوْبًا، فَقَالَ أَمْسِكْهُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَهَلَكَ الثَّوْبُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الثَّوْبِ إلَّا إنْ تَجَاوَزَ قِيمَتُهُ عِشْرِينَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ رَهْنُ دَابَّتَيْنِ عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ مِائَةً وَقِيمَةُ أَحَدِهِمَا خَمْسُونَ وَالْأُخْرَى ثَلَاثُونَ فَقَبَضَ وَقَبَضَ الَّتِي قِيمَتُهَا خَمْسُونَ فَهَلَكَتْ يَرُدُّ خَمْسِينَ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ لَا بِالْمُسَمَّى كَالْمَقْبُوضِ بِجِهَةِ الْبَيْعِ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأُخْرَى وَيَقْرِضَهُ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَرْضِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَازِمٌ فِي جَانِبِ الرَّاهِنِ فَمَا شُرِطَ عَلَى الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ يَكُونُ لَازِمًا، وَفِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ غَيْرُ لَازِمٍ فَمَا شَرَطَهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ لَا يَكُونُ لَازِمًا وَالْقَرْضُ مَشْرُوطٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَيَكُونُ لَازِمًا فِي حَقِّهِ، وَلَوْ هَلَكَتْ إحْدَاهُمَا عِنْدَ الرَّاهِنِ وَاخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الَّتِي هَلَكَتْ

стр. 2800

عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَالْقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ يَدَّعِي عَلَى الْمُرْتَهِنِ زِيَادَةَ ضَمَانٍ وَهُوَ يُنْكِرُ، فَإِنْ بَقِيَتْ إحْدَاهُمَا يَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ الْبَاقِي فَتَظْهَرُ قِيمَةُ الْهَالِكِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى اخْتِلَافِهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ مَا وَقَعَ التَّنَازُعُ فِيهِ لَا مِنْ جِهَتِهِمَا ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى رَجُلٌ رَهَنَ رَجُلًا ثَوْبًا، فَقَالَ لَهُ إنْ لَمْ أُعْطِك كَذَا وَكَذَا فَهُوَ بَيْعٌ لَك بِمَا لَك عَلَيَّ قَالَ لَا يَجُوزُ. وَقَوْلُهُ ﵊ «لَا يُعَلَّقُ الرَّهْنَ» هُوَ هَذَا، وَلَوْ رَهَنَ الْغَاصِبُ بِالْمَغْصُوبِ رَهْنًا وَالْمَغْصُوبُ قَائِمٌ فِي يَدِهِ وَهُوَ مُقِرٌّ بِهِ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَهَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ ضَامِنٌ مِنْ قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ وَقِيمَةِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى جِهَةِ الضَّمَانِ، وَلَيْسَ يَكُونُ الْمَغْصُوبُ دَيْنًا يَدْفَعُ بِهِ رَهْنًا وَلَكِنَّهُ لَمَّا رَهَنَهُ صَارَ رَهْنًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، وَلَوْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ بَعْدَ هَلَاكِهِ فَالْقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ وَالْبَيِّنَةُ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ يَدَّعِي عَلَيْهِ زِيَادَةً وَهُوَ يُنْكِرُ فَكَانَتْ بَيِّنَتُهُ أَكْثَرَ إثْبَاتًا ادَّعَى عَبْدًا فِي يَدِ غَيْرِهِ أَنَّهُ عَبْدُهُ رَهَنَهُ مِنْ فُلَانٍ وَقَبَضَهُ فُلَانٌ وَذُو الْيَدِ يَقُولُ هُوَ عَبْدٌ لِي يُقْضَى لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ ذَا الْيَدِ انْتَصَبَ خَصْمًا لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ وَيُوضَعُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِالْمِلْكِ لِلْغَائِبِ فَقَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْإِمْسَاكِ؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُمْسِكًا لِمِلْكِ الْغَيْرِ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ، وَلَوْ ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ هَذَا وَالرَّهْنُ غَائِبٌ يُدْفَعُ إلَيْهِ إذَا قَالَ غَصَبَهُ ذُو الْيَدِ وَأَخَذْتهَا مِنِّي بِعَارِيَّةٍ أَوْ إجَارَةٍ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى فِعْلًا عَلَى ذِي الْيَدِ وَأَنْكَرَ ذُو الْيَدِ فَيُنْصَبُ خَصْمًا لَهُ. فَلَوْ لَمْ يَدَّعِ عَلَى ذِي الْيَدِ الْأَخْذَ مِنْ يَدِهِ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ الْأَخْذَ مِنْ يَدِهِ كَمَا لَوْ ادَّعَى عَيْنًا فِي يَدِ إنْسَانٍ أَنَّهَا مِلْكُهُ اغْتَصَبَهَا مِنْهُ وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ لِفُلَانٍ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى فِعْلًا عَلَيْهِ فَانْتَصَبَ خَصْمًا لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْأَخْذَ مِنْ يَدِهِ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَلَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا فَكَذَا هَذَا أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ أَنَّ فِي يَدِهِ رَهْنًا قِيمَتُهُ أَلْفٌ، ثُمَّ جَاءَ بِمَا يُسَاوِي مِائَةً، فَقَالَ لَمْ أَرْهَنْك هَذَا فَالْقَوْلُ لَهُ إذَا تَرَاجَعَ سِعْرُ مَا يُسَاوِي أَلْفًا إلَى مِائَةٍ فَالْقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَرَفَ تَغْيِيرَ السِّعْرِ الظَّاهِرِ شَاهَدَ لِلْمُرْتَهِنِ، وَلَوْ قَالَ رَهَنْتُك وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ وَهُوَ كَافِرٌ فَالْقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ وَالْبَيِّنَةُ لِلرَّاهِنِ، وَكَذَلِكَ الْقِصَاصُ وَالسَّرِقَةُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ يَدَّعِي عَلَيْهِ الْإِيفَاءَ أَوْ زِيَادَةَ الْإِيفَاءِ وَهُوَ يُنْكِرُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ قَالَ الْمُرْتَهِنُ أَخَذْت الْمَالَ وَرَدَدْت الرَّهْنَ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ الرَّدَّ فَالْبَيِّنَةُ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الرَّهْنِ تُثْبِتُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ وَالِاسْتِيفَاءِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا بِالْقَبْضِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الرَّهْنِ قَبْلَ الْهَلَاكِ كَانَ اسْتِيفَاءً فِي حَقِّ الْحَبْسِ لَا فِي حَقِّ مِلْكِ الْغَيْرِ وَبِالْهَلَاكِ يَصِيرُ قَبْضُ الِاسْتِيفَاءِ فِي حَقِّ مِلْكِ الْغَيْرِ فَلَمْ يَكُنْ ضَمَانُ الِاسْتِيفَاءِ ثَابِتًا قَبْلَ الْهَلَاكِ فَكَانَتْ بَيِّنَتُهُ مُثْبِتَةُ الضَّمَانِ وَبَيِّنَةُ الرَّاهِنِ نَافِيَةً فَكَانَتْ الْمُثْبِتَةُ أَوْلَى بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَامَ الْغَاصِبُ الْبَيِّنَةَ عَلَى رَدِّ الْمَغْصُوبِ وَأَقَامَ الْمَالِكُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْهَلَاكِ. فَبَيِّنَةُ الْغَاصِبِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الرَّدِّ كَانَ وَاجِبًا بِالْغَصْبِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ رَدَّ الْعَيْنِ حَالَ قِيَامِهَا وَرَدَّ الْقِيمَةِ حَالَ هَلَاكِهَا فَبَيِّنَةُ الْغَاصِبِ مُثْبِتَةٌ الْبَرَاءَةَ عَنْ الضَّمَانِ وَبَيِّنَةُ الْمَالِكِ نَافِيَةٌ لِلْبَرَاءَةِ فَكَانَتْ الْمُثْبِتَةُ أَوْلَى دَفَعَ إلَى آخَرَ قُلْبًا لِيَرْهَنَهُ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ بِعَشَرَةٍ وَوَزْنُ الْقُلُبِ عِشْرُونَ فَأَمْسَكَهُ فَأَعْطَاهُ عَشَرَةً مِنْ عِنْدِهِ، وَقَالَ رَهَنْته وَلَمْ يَقُلْ رَهَنْته عِنْدَ آخَرَ فَهَلَكَ الْقُلْبُ، فَإِنْ تَصَادَقَا يَرْجِعُ بِالْعَشَرَةِ وَكَانَ أَمِينًا فِي الْقُلْبِ، وَإِنْ تَجَاحَدَا، فَقَالَ أَقْرَرْت بِأَنَّك رَهَنْته قُلْت فَلَا شَيْءَ لَهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَمْسَكَهُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ أَقَرَّ أَوَّلًا أَنَّهُ رَهَنَهُ، فَإِذَا قَالَ لَمْ أَرْهَنْ فَكَأَنَّهُ قَالَ كَذَبْت فِيمَا أَقْرَرْت بِهِ فَأَنْكَرَ الْمُقَرِّ لَهُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمَقَرِّ لَهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَقَارِيرِ فَلَا يَرْجِعُ بِالْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الرَّهْنَ، وَقَدْ هَلَكَ فَصَارَ الْأَمْرُ مُوفِيًا الْعَشَرَةِ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ وَإِنَّمَا يُسْتَحْلَفُ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ ادَّعَى مَا يَحْتَمِلُهُ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَرْهَنْ غَيْرَهُ وَرَهْنُهُ مِنْ نَفْسِهِ فَلَمْ يَصِرْ مُنَاقِضًا إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، فَإِذَا طُلِبَ يَمِينُ الْمُقَرِّ لَهُ يَسْتَحْلِفُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالْبَيْعِ ثُمَّ قَالَ كَانَ تَلْجِئَةً أَوْ كَانَ فِيهِ خِيَارُ شَرْطٍ. فَإِنْ قَالَ الْأَمْرُ لِلْوَكِيلِ أَقْرَرْت أَنَّك رَهَنْته، ثُمَّ أَقْرَرْت أَنَّك لَمْ تَرْهَنْهُ فَنَاقَضَتْ فَأَنْتَ ضَامِنٌ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنْهُ قِيمَةَ الْقُلْبِ مِنْ الذَّهَبِ وَيَضْمَنُ لَهُ الْعَشَرَةَ طَعَنَ عِيسَى، وَقَالَ الْأَوْجَهُ ضَمَانِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ تَصَادَقَا أَنَّهُ لَمْ يَرْهَنْهُ لَا يَضْمَنُ فَكَذَلِكَ إذَا تَصَادَقَا أَنَّهُ رَهَنَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالْإِرْهَانِ وَلَا يَتْرُكُهُ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِجُحُودِ الْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ جُحُودُهُ بِالْإِقْرَارَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ رَهَنْته فَقَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ فَلَمَّا قَالَ لَمْ أَرْهَنْهُ صَارَ قَائِلًا أَنَّهُ كَانَ

стр. 2801

عِنْدِي وَفِي يَدِي، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْجُحُودِ وَمَنْ جَحَدَ أَمَانَةً فِي يَده ضَمِنَهَا وَصَارَ كَالْمُودِعِ إذَا قَالَ لَيْسَ عِنْدِي، ثُمَّ قَالَ كَانَ عِنْدِي ضَمِنَ فَكَذَا هَذَا. قَالَ ﵀ (وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ الرَّاهِنَ بِدَيْنِهِ وَيَحْبِسُهُ بِهِ) أَيْ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُطَالِبَ الرَّاهِنَ بِدَيْنِهِ وَبِحَبْسِهِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الرَّهْنِ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ بَاقٍ، وَالرَّهْنُ لِزِيَادَةِ الصِّيَانَةِ فَلَا تَمْتَنِعُ الْمُطَالَبَةُ، وَكَذَا لَا يَمْتَنِعُ الْحَبْسُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الظُّلْمِ وَهُوَ الْمُمَاطَلَةُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْقَضَاءِ مُفَصَّلًا، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَلِلْمُرْتَهِنِ مُطَالَبَةُ الرَّاهِنِ بِدَيْنِهِ إذَا كَانَ مَالًا وَلَا يَمْنَعُهُ الِارْتِهَانُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا كَوْنُ الرَّهْنِ فِي يَدِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مُؤَجَّلًا وَحَلَّ، فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ حَبْسُهُ كَذَا فِي الْعَيْنِيِّ عَلَى الْهِدَايَةِ قَالَ ﵀ (وَيُؤْمَرُ الْمُرْتَهِنُ بِإِحْضَارِ رَهْنِهِ وَالرَّاهِنُ بِأَدَاءِ دَيْنِهِ أَوَّلًا) أَيْ إذَا طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ يُؤْمَرُ بِإِحْضَارِ الرَّهْنِ أَوَّلًا لِيَعْلَمَ أَنَّهُ بَاقٍ وَلِأَنَّهُ قَبَضَ الرَّهْنَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبِضَ مَالَهُ مَعَ قِيَامِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَكْرَارِ الِاسْتِيفَاءِ عَلَى اعْتِبَارِ الْهَلَاكِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ يُحْتَمَلُ. وَلَوْ قَالَ بِإِحْضَارِ رَهْنِهِ لَوْ فِي يَدِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِيَخْرُجَ مَا إذَا كَانَ فِي يَدِ عَدْلٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِإِحْضَارِهِ كَمَا سَنُبَيِّنُ وَإِذَا أَحْضَرَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ أُمِرَ الرَّاهِنُ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ أَوَّلًا وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَالرَّاهِنُ بِأَدَاءِ دَيْنِهِ أَوَّلًا لِيَتَعَيَّنَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي الدَّيْنِ كَمَا تَعَيَّنَ حَقُّ الرَّاهِنِ فِي حَقِّ الرَّهْنِ تَحْقِيقًا لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ يَحْضُرُ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ الْأَوَّلَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ طَالَبَهُ بِالدَّيْنِ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ لَا حِمْلَ لَهُ وَلَا مُؤْنَةَ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّ الْأَمَاكِنَ كُلَّهَا فِي حَقِّهِ كَبُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي حَقِّ التَّسْلِيمِ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ بَيَانُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ فِيهِ فِي بَابِ السَّلَمِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ فَيَسْتَوْفِي دَيْنَهُ وَلَا يُكَلَّفُ إحْضَارَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ بِالتَّخْلِيَةِ دُونَ النَّقْلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِهِ زِيَادَةَ ضَرَرٍ لَمْ تَلْزَمْهُ فِي الْعَقْدِ، وَلَوْ بَاعَ الرَّهْنَ لَا يُكَلِّفُ الْمُشْتَرِي إحْضَارَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ الصَّحِيحِ وَصَارَ الرَّهْنُ دَيْنًا فَصَارَ كَأَنَّهُ رَهَنَهُ الرَّاهِنُ وَهُوَ دَيْنٌ، وَلَوْ قَبَضَ الثَّمَنَ يُكَلَّفُ إحْضَارُهُ لِقِيَامِ الْبَدَلِ مَقَامَ الْمُبْدَلِ وَاَلَّذِي يَقْبِضُ الثَّمَنَ هُوَ الْبَائِعُ مُرْتَهِنًا كَانَ أَوْ عَدْلًا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْعَاقِدُ وَحُقُوقُ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إلَيْهِ وَلَا يُكَلَّفُ إحْضَارَ الرَّهْنِ بِاسْتِيفَاءِ كُلِّ الدَّيْنِ يُكَلَّفُ بِاسْتِيفَاءِ نَجْمٍ قَدْ حَلَّ إذَا ادَّعَى الرَّاهِنُ هَلَاكَهُ لِاحْتِمَالِ الْهَلَاكِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَدَّعِ الرَّاهِنُ هَلَاكَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إحْضَارِهِ مَعَ إقْرَارِهِ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَتَلَ رَجُلٌ خَطَأً الْعَبْدَ الرَّهْنَ حَتَّى قَضَى بِالْقِيمَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ حَيْثُ لَا يُجْبَرُ الرَّاهِنُ وَفِيمَا تَقَدَّمَ صَارَ دَيْنًا بِفِعْلِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ إحْضَارِ جَمِيعِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ لِكَوْنِهَا بَدَلًا عَنْهَا، وَلَوْ وَضَعَ الرَّهْن عَلَى يَدِ عَدْلٍ وَأَذِنَ بِالْإِيدَاعِ فَفَعَلَ، ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَهِنُ فَطَلَبَ دَيْنَهُ لَا يُكَلَّفُ إحْضَارُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْتَمَنْ عَلَيْهِ حَيْثُ وَضَعَ عَلَى يَدِهِ غَيْرَهُ فَلَمْ يَكُنْ تَسْلِيمُهُ فِي قُدْرَتِهِ، وَكَذَا لَوْ وَضَعَهُ الْعَدْلُ فِي يَدِ مَنْ فِي عِيَالِهِ وَغَابَ وَطَلَبَ الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ وَاَلَّذِي فِي يَدِهِ الرَّهْنُ يُقِرُّ الْوَدِيعَةِ مِنْ الْعَدْلِ وَيَقُولُ لَا أَدْرِي لِمَنْ هُوَ يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ إحْضَارَ الرَّهْنِ لَيْسَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ يَقْبِضُ، وَكَذَا إذَا غَابَ الْعَدْلُ وَلَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ لِمَا قُلْنَا بِخِلَافِ مَا إذَا جَحَدَ الَّذِي أَوْدَعَهُ الْعَدْلُ الرَّهْنَ بِأَنْ قَالَ هُوَ مَالِي حَيْثُ لَا يَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ حَتَّى يُثْبِتَ أَنَّهُ رَهْنٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَحَدَ فَقَدْ تَوَى الْمَالُ وَالتَّوَى عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَتَحَقَّقَ الِاسْتِيفَاءُ فَلَا يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ، وَفِي الْفَتَاوَى الْغِيَاثِيَّةِ، وَلَوْ رَهَنَ الذِّمِّيُّ خَمْرًا عِنْدَ مُسْلِمٍ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ. اهـ. وَفِي الْيَنَابِيعِ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ بِعَيْنِهَا وَأَخَذَ بِهَا رَهْنًا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ قَالَ ﵀ لَهُ (فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَا يُمْكِنُهُ مِنْ الْبَيْعِ حَتَّى يَقْبِضَ الدَّيْنَ) أَيْ لَوْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يَبِيعَ الرَّهْنَ لِكَيْ يَقْضِيَ بِثَمَنِهِ الدَّيْنَ لَا يُجْبَرُ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ الْبَيْعِ حَتَّى يَقْبِضَ الدَّيْنَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ الْحَبْسُ الدَّائِمُ إلَى أَنْ يَقْضِيَ الدَّيْنَ لَا الْقَضَاءُ مِنْ ثَمَنِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ، فَلَوْ قَضَاهُ الْبَعْضَ فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَ كُلَّ الرَّهْنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْبَقِيَّةَ كَمَا فِي حَبْسِ الْمَبِيعِ. قَالَ ﵀ (فَإِذَا قَضَى سَلَّمَ الرَّهْنَ) أَيْ إذَا قَضَى الرَّاهِنُ جَمِيعَ الدَّيْنِ سَلَّمَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ إلَيْهِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ مِنْ التَّسْلِيمِ لِوُصُولِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ إلَيْهِ فَلَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ إلَى الرَّاهِنِ اسْتَرَدَّ الرَّاهِنُ مَا قَضَاهُ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالْهَلَاكِ أَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ السَّابِقِ فَكَانَ الثَّانِي اسْتِيفَاءً بَعْدَ اسْتِيفَاءٍ فَيَجِبُ رَدُّهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ بِإِيفَاءِ الدَّيْنِ لَا يَنْفَسِخُ الرَّهْنُ حَتَّى يَرُدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ فَيَكُونَ مَضْمُونًا عَلَى حَالِهِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ مَا لَمْ

стр. 2802

يُسَلِّمْهُ إلَى الرَّاهِنِ أَوْ يُبْرِئْهُ الْمُرْتَهِنُ عَنْ الدَّيْنِ، وَكَذَا لَوْ فَسَخَا الرَّهْنَ لَا يَنْفَسِخُ مَا دَامَ فِي يَدِهِ حَتَّى كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَمْنَعَهُ بَعْدَ الْفَسْخِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ، وَلَوْ هَلَكَ بَعْدَ الْفَسْخِ يَكُونُ كَمَا لَوْ هَلَكَ قَبْلَهُ فَيَكُونُ هَالِكًا بِدَيْنِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا هَلَكَ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ حَيْثُ لَا يَضْمَنُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ رَهْنًا؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ رَهْنًا بِأَمْرَيْنِ بِالْقَبْضِ وَالدَّيْنِ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَبْقَ رَهْنًا، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ مُفَصَّلًا قَالَ ﵀ (وَلَا يَنْتَفِعُ الْمُرْتَهِنُ بِالرَّهْنِ اسْتِخْدَامًا وَسُكْنَى وَلُبْسًا وَإِجَارَةً وَإِعَارَةً) ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَقْتَضِي الْحَبْسَ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ دُونَ الِانْتِفَاعِ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ إلَّا بِتَسْلِيطٍ مِنْهُ، وَإِنْ فَعَلَ كَانَ مُتَعَدِّيًا وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ بِالتَّعَدِّي قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ، وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْمَرْهُونِ إلَّا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ. فَإِذَا أَذِنَ لَهُ جَازَ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ، وَلَوْ فَعَلَ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ صَارَ ضَامِنًا بِحُكْمِ الرَّهْنِ بِحُكْمٍ وَقَابِضًا الْغَصْبَ، وَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِعْمَالَ عَادَ لِكَوْنِهِ رَهْنًا، وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الرَّهْنَ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ هَلَكَ حَالَةَ الِانْتِفَاعِ لَمْ يَسْقُطْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِذْنِ صَارَ مَقْبُوضًا بِحُكْمِ الْعَارِيَّةِ، وَإِنْ خَالَفَ وَهَلَكَ فِي حَالِ الِاسْتِعْمَالِ يَضْمَنُ ضَمَانَ الْغَصْبِ، وَفِي الْمُنْتَقَى لَوْ أَوْدَعَ الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَ بِإِذْنِهِ وَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُودِعِ لَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ كَمَا لَوْ أَعَارَهُ مِنْ غَيْرِهِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ وَلَهُ أَنْ يَسْتُرَهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدٌ قَائِمٌ وَلَكِنْ حُكْمُهُ وَهُوَ الضَّمَانُ مُرْتَفِعٌ فِي زَمَانِ الْإِيدَاعِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ أَجَرَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ سَنَةً بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ وَانْقَضَتْ السَّنَةُ، ثُمَّ أَجَازَ الرَّاهِنُ الْإِجَارَةَ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَاقَتْ عَقْدًا مُنْتَفِيًا مَفْسُوخًا وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَأْخُذَهَا حَتَّى يَصِيرَ رَهْنًا كَمَا كَانَ، وَإِنْ أَجَازَ بَعْدَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ جَازَ وَنِصْفُ الْأُجْرَةِ لِلْمُرْتَهِنِ يَتَصَدَّقُ بِهِ وَنِصْفُهَا لِلرَّاهِنِ، وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُعِيدَهَا فِي الرَّهْنِ كَمَا بَيَّنَّا، وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ فِي الْعُيُونِ، وَلَوْ أَعَارَ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الرَّاهِنِ، ثُمَّ مَاتَ الرَّاهِنُ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَلَا يَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَنْفَسِخْ بِالْإِعَارَةِ فَيَكُونُ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ لِكَوْنِهِ فِي يَدِ الْمُعِيرِ فَكَانَ مَقْبُوضًا لَهُ وَبِالْمَوْتِ انْفَسَخَتْ الْإِعَارَةُ فَعَادَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ كَمَا كَانَتْ. وَلَوْ ارْتَهَنَ جَارِيَةً، ثُمَّ أَعَارَهَا الرَّاهِنَ فَوَلَدَتْ عِنْدَ الرَّاهِنِ، ثُمَّ مَاتَتْ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُعِيدَ الْوَلَدَ بِحِصَّتِهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَنْتَقِضْ بِإِعَارَةِ الرَّهْنِ مِنْ الرَّاهِنِ فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا كَانَ الرَّهْنُ ثَوْبًا فَأَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي لُبْسِهِ يَوْمًا، ثُمَّ جَاءَ بِهِ مُتَخَرِّقًا، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ تَخَرَّقَ مِنْ لُبْسِهِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَقَالَ الرَّاهِنُ لَمْ يَتَخَرَّقْ مِنْ لُبْسِك، وَلَمْ تَلْبَسْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ ادَّعَى الْبَرَاءَةَ عَنْ الضَّمَانِ لِاسْتِعْمَالِ الثَّوْبِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَهُوَ يُنْكِرُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ، فَإِذَا أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّهُ لَبِسَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَتَخَرَّقَ قَبْلَ لُبْسِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ تَخَرَّقَ مِنْ لُبْسِهِ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ وَهُوَ اللُّبْسُ سَبَبُ التَّخَرُّقِ ظَاهِرًا وَغَيْرُ مَوْهُومٍ فِيهِ فِي حَالِ التَّخَرُّقِ فِي السَّبَبِ الظَّاهِرِ دُونَ الْمَوْهُومِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِلسِّعْرِ بِالْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ وَلَا لِمَا إذَا أُعِيرَ الرَّهْنُ لِلْمُرْتَهِنِ قَالَ فِي الْغِيَاثِيَّةِ وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُسَافِرَ بِالرَّهْنِ إذَا كَانَ لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَالْوَدِيعَةِ رَهْنُ الْمُرْتَهِنِ وَارْتِهَانِهِ مَوْقُوفٌ، وَلَوْ رَهَنَ عَبْدًا مَرِيضًا فَقُتِلَ فَالدَّيْنُ عَلَى حَالِهِ خِلَافًا لَهُمَا، وَكَذَا إذَا قُتِلَ قِصَاصًا بِعَمْدٍ أَوْ بِسَرِقَةٍ وَيُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ كَانَ هَكَذَا، وَلَوْ احْتَرَقَ النَّخْلُ ذَهَبَ بِحِصَّتِهِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ رُهِنَ عَبْدٌ أَوْ غَابَ ثُمَّ إنَّ الْمُرْتَهِنَ وَجَدَ الْعَبْدَ حُرًّا، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ أَقَرَّ بِالرِّقِّ عِنْدَ الرَّهْنِ لَمْ يَرْجِعْ الْمُرْتَهِنُ بِدَيْنِهِ عَلَيْهِ أَخَذَتْ الْمَرْأَةُ بِصَدَاقِهَا الْمُسَمَّى رَهْنًا يُسَاوِي صَدَاقَهَا ثُمَّ وَهَبَتْ صَدَاقَهَا مِنْ الزَّوْجِ أَوْ أَبْرَأَتْهُ كَانَ عَلَيْهَا رَدُّ الرَّهْنِ إلَى الزَّوْجِ، فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَهَا يَهْلِكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَلَوْ اخْتَلَعَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بَعْدَ مَا وَهَبَتْ مَهْرَهَا كَانَ عَلَيْهَا رَدُّ الرَّهْنِ وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ بِمَوْتِ الرَّاهِنِ وَلَا بِمَوْتِ الْمُرْتَهِنِ وَلَا بِمَوْتِهَا وَبَقِيَ الرَّهْنُ رَهْنًا عِنْدَ الْوَرَثَةِ وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ. قَالَ ﵀ (وَيُحْفَظُ بِنَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ الَّذِي فِي عِيَالِهِ) مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ أَيْضًا فِي عِيَالِهِ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ أَمَانَةٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَصَارَ كَالْوَدِيعَةِ وَأَجِيرُهُ الْخَاصُّ كَوَلَدِهِ الَّذِي فِي عِيَالِهِ وَهُوَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ مُشَاهَرَةً أَوْ مُسَانَهَةً وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُسَاكَنَةُ وَلَا عِبْرَةَ بِالنَّفَقَةِ حَتَّى إنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ دَفَعَتْهُ إلَى زَوْجِهَا لَا تَضْمَنُ قَالَ فِي الْمُنْتَقَى الْأَصْلُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ أَوْ الْمُسْتَأْجِرَ مَتَى أَمْسَكَ الْعَيْنَ لِلْحِفْظِ لَا يَضْمَنُ وَمَتَى أَمْسَكَهَا لِلِاسْتِعْمَالِ يَضْمَنُ فَالْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنَّهُ مَتَى أَمْسَكَ الشَّيْءَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُمْسَكُ فِيهِ إلَّا لِلِاسْتِعْمَالِ وَالِانْتِفَاعِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَهُوَ اسْتِعْمَالٌ وَإِذَا أَمْسَكَهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يُمْسِكُهُ فِيهِ لِلِاسْتِعْمَالِ فَهُوَ حِفْظٌ فَعَلَى هَذَا قَالُوا إذَا تَسَوَّرَتْ بِالْخَلْخَالِ أَوْ تَخَلْخَلَتْ

стр. 2803

بِالسِّوَارِ أَوْ تَعَمَّمَ بِالْقَمِيصِ أَوْ وَضَعَ الْعِمَامَةَ عَلَى الْعَاتِقِ فَهَذَا كُلُّهُ حِفْظٌ، وَلَيْسَ بِاسْتِعْمَالٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ لِلْإِمْسَاكِ فِي مَوْضِعٍ لَا يُمْسَكُ لِلِاسْتِعْمَالِ فَكَانَ الْإِمْسَاكُ لِلْحِفْظِ وَإِذَا تَسَوَّرَ بِالسِّوَارِ وَمَا أَشْبَهَ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ وُجِدَ فِي مَوْضِعٍ لِلِاسْتِعْمَالِ فَكَانَ اسْتِعْمَالًا وَحِفْظًا. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الرَّهْنُ إذَا كَانَ خَاتَمًا فَتَخَتَّمَ بِهِ فِي الْخِنْصَرِ الْيُمْنَى يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ لِلزِّينَةِ، وَإِنْ تَخَتَّمَ فَوْقَ خَاتَمٍ فِي ذَلِكَ الْإِصْبَعِ لَا يَضْمَنُ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ إنَّ النَّاسَ يَسْتَعْمِلُونَ خَاتَمَيْنِ فِي خِنْصَرٍ وَاحِدٍ قَالَ إنَّمَا يَسْتَعْمِلُونَهُ لِلْخَتْمِ لَا لِلزِّينَةِ، قَالَ مَشَايِخُنَا: وَهَذَا فِي بِلَادِهِمْ، وَأَمَّا فِي بِلَادِنَا فَقَدْ يَسْتَعْمِلُونَ الثَّانِيَ لِلزِّينَةِ قَالَ مَشَايِخُنَا فَيَجِبُ أَنْ يَضْمَنَ، وَإِنْ تَخَتَّمَ فِي أُصْبُعٍ غَيْرِ الْخِنْصَرِ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَعْمِلُ كَذَلِكَ قَطُّ اسْتِعْمَالَ الزِّينَةِ، قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إذَا تَخَتَّمَ وَجَعَلَ الْفَصَّ مِمَّا يَلِي فِي الْكَفِّ لَمْ يَضْمَنْ وَكَانَ حِفْظًا لَا اسْتِعْمَالًا الْوَكِيلُ يَقْبِضُ الدَّيْنَ إذَا أَخَذَ الرَّهْنَ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَضَاعَ عِنْدَهُ أَوْ الْوَصِيُّ إذَا أَخَذَ رَهْنًا مِنْ غَرِيمٍ لِلْمَيِّتِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ وَالْوَرَثَةُ كِبَارٌ فَضَاعَ عِنْدَهُ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلِ الْإِقْرَاضَ وَالْأَدَاءَ وَإِنَّمَا قَبَضَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَمِينًا فِيهِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ. قَالَ ﵀ (وَضَمِنَ بِحِفْظِهِ بِغَيْرِهِ وَبِإِيدَاعِهِ وَتَعَدِّيهِ قِيمَتَهُ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ عَيْنَهُ وَدِيعَةٌ الْوَدِيعَةُ تُضْمَنُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِكَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا بِهَا فَيَضْمَنُ مِنْ جَمِيعِ قِيمَتِهِ كَالْمَغْصُوبِ وَهَلْ يَضْمَنُ لِلْمُودِعِ الثَّانِي فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي مُودَعِ الْمُودِعِ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ، ثُمَّ إنْ قَضَى الْقَاضِي بِالْقِيمَةِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ يَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا بِمُجَرَّدِ الْقَضَاءِ إذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًا فَلَا يُطَالِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ إلَّا بِالْفَضْلِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا يَضْمَنُ الْمُرْتَهِنُ قِيمَتَهُ وَيَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الرَّهْنِ فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ أَصْلِهِ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذَهُ بِدَيْنِهِ، وَإِنْ قَضَى بِالْقِيمَةِ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ الدَّيْنِ كَانَ رَهْنًا عِنْدَهُ إلَى أَنْ يَقْضِيَهُ دَيْنَهُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الرَّهْنِ فَأَخَذَ حُكْمَهُ، وَلَوْ رَهَنَ خَاتَمًا عِنْدَ امْرَأَةٍ فَجَعَلَتْ خَاتَمًا فَوْقَ خَاتَمٍ تَضْمَنُ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ يَلْبَسْنَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِاسْتِعْمَالِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ، وَكَذَا الطَّيْلَسَانُ إنْ لَبِسَهُ لُبْسًا مُعْتَادًا ضَمِنَ، وَلَوْ وَضَعَهُ عَلَى عُنُقِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَفِي الْوَاقِعَاتِ رَجُلٌ رَهَنَ عِنْدَ رَجُلٍ خَاتَمًا، وَقَالَ لِلْمُرْتَهِنِ تَخَتَّمَ بِهِ إنْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَخَتَّمَ بِهِ فِي الْخِنْصَرِ فَهَلَكَ فِي حَالِ التَّخَتُّمِ يَهْلِكُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِالْحِفْظِ لَا بِالِاسْتِعْمَالِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ رَهَنَهُ سَيْفَيْنِ فَتَقَلَّدَهُمَا ضَمِنَ قَالَ فَخْرُ الدِّينِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَضْمَنُ وَفِي الثَّلَاثَةِ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بَيْنَ الشُّجْعَانِ بِتَقْلِيدِ السَّيْفَيْنِ فِي الْحَرْبِ دُونَ الثَّلَاثَةِ، وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ بَاعَ الْمُرْتَهِنُ زَوَائِدَ الرَّهْنِ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ أَوْ الْقَاضِي لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ، وَإِنْ خَافَ تَلَفَهُ فَجَذَّ الثِّمَارَ وَحَلَبَ اللَّبَنَ جَازَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْحِفْظِ، فَإِنْ خَافَ تَلَفَهُ عِنْدَهُ فَأَمْسَكَهُ يُرْفَعُ الْأَمْرُ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَبِيعَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ إنْ كَانَ الْمَالِكُ غَائِبًا، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا يَرْجِعْ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ بَعِيدًا مِنْ الْقَاضِي وَالْمَالِكِ وَخَافَ التَّلَفَ فَبَاعَهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَضْمَنْ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فِي الْبَيْع دَلَالَةً، وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ وَلَا لِلرَّاهِنِ أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ وَلَا أَنْ يُؤَجِّرَهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالرَّهْنِ. قَالَ ﵀ (وَأُجْرَةُ بَيْتِ الْحِفْظِ وَحَافِظِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَأُجْرَةُ رَاعِيهِ وَنَفَقَتُهُ وَالْخَرَاجُ عَلَى الرَّاهِنِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنْ مَا يُحْتَاجَ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ الرَّهْنِ لِنَفْسِهِ وَتَبْقِيَتِهِ فَهُوَ عَلَى الرَّاهِنِ سَوَاءٌ كَانَ فِي فَصْلٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَكَذَا مَنَافِعُهُ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فَيَكُونُ أَصْلًا وَتَبْقِيَتُهُ عَلَيْهِ لِمَا أَنَّهُ مُؤْنَةُ مِلْكِهِ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ النَّفَقَةِ مِنْ مَأْكَلِهِ وَمُشْرَبِهِ وَأُجْرَةُ الرَّاعِي مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَفَ الْبَهَائِمَ. وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ كِسْوَةُ الرَّقِيقِ وَأُجْرَةُ ظِئْرِ وَلَدِ الرَّهْنِ وَكَرْيُ النَّهْرِ وَكَسْرُ النَّهْرِ وَسَقْيُ الْبَسَاتِينَ وَتَلْقِيحُ نَخِيلِهِ وَجِذَاذِهَا وَالْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِ، وَفِي النَّوَازِلِ أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الرَّهْنِ فَالْقَاضِي يَأْمُرُ الْمُرْتَهِنَ بِالنَّفَقَةِ، فَإِذَا قَبَضَ الدَّيْنَ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَهُ عَلَى النَّفَقَةِ، فَإِنْ هَلَكَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالنَّفَقَةُ عَلَى الرَّاهِنِ وَكُلُّ مَا كَانَ لِحِفْظِهِ أَوْ لِرَدِّهِ إلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ لِرَدِّ جُزْءٍ مِنْهُ كَمُدَاوَاةِ الْجُرْحِ فَهُوَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، مِثْلُ أُجْرَةِ الْحَافِظِ؛ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ حَقٌّ لَهُ وَالْحِفْظَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَتَكُونُ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الْبَيْتِ الَّتِي يَحْفَظُ فِيهِ الرَّهْنُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ أُجْرَةَ الْمَأْوَى عَلَى الرَّاهِنِ بِمَنْزِلَةِ النَّفَقَةِ وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ جُعِلَ الْآبِقُ إذَا كَانَ كُلُّهُ مَضْمُونًا؛ لِأَنَّ يَدَ الِاسْتِيفَاءِ كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَى الْمَحِلِّ وَيَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ لِيَرُدَّهُ عَلَى الْمَالِكِ فَكَانَتْ مِنْ مُؤْنَةِ الرَّدِّ فَتَكُونُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ أَمَانَةً فَيُقَدَّرُ الْمَضْمُونُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَحِصَّةُ

стр. 2804

الْأَمَانَةِ عَلَى الرَّاهِنِ وَلِأَنَّ الرَّدَّ لِإِعَادَةِ الْيَدِ وَيَدُهُ فِي الزِّيَادَةِ يَدُ الْمَالِكِ إذْ هُوَ كَالْمُودِعِ فِيهَا فَتَكُونُ عَلَى الْمَالِكِ بِخِلَافِ أُجْرَةِ الْبَيْتِ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الرَّهْنُ، فَإِنَّ كُلَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ كَيْفَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا لِأَجْلِ الْحَبْسِ وَحَقُّ الْحَبْسِ ثَابِتٌ لَهُ فِي الْكُلِّ. وَأَمَّا الْجُعْلُ فَلِأَجْلِ الضَّمَانِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ وَالْمُدَاوَاةُ وَالْفِدَاءُ مِنْ الْجِنَايَةِ يَنْقَسِمُ عَلَى الْمَضْمُونِ وَالْأَمَانَةُ وَالْخَرَاجُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْمِلْكِ وَالْعُشْرُ فِيمَا يَخْرُجُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْعَيْنِ وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ بِهِ فِي الْبَاقِي؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَا يُنَافِي مِلْكَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْخَارِجَ كُلَّهُ فِي غَيْرِ الرَّهْنِ قَبْلَ أَدَاءِ الْعُشْرِ يَجُوزُ فَكَذَا لَهُ أَنْ يُخْرِجَ بَدَلَ الْعُشْرِ مِنْ مَالٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُ ثَابِتًا فِيهِ بَقِيَ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِ جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ الرَّهْنِ حَيْثُ يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِي الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قَدْرَ الْمُسْتَحَقِّ فَكَانَ الرَّهْنُ شَائِعًا فِي الِابْتِدَاءِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الرَّهْنَ كَانَ بَاطِلًا وَلَا كَذَلِكَ وُجُوبُ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَا يُنَافِي مِلْكَ الرَّاهِنِ لَا فِيهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، ثُمَّ إذَا خَرَجَ مِنْهُ الْعُشْرُ خَرَجَ ذَلِكَ الْجُزْءُ عَنْ مِلْكِهِ فِي الْوَقْتِ فَلَمْ يُوجَبْ شُيُوعًا فِي الْبَاقِي لَا طَارِئًا وَلَا مُقَارِنًا وَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْآخَرِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ كَمَا إذَا قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَجَعَلَهُ دَيْنًا عَلَى الْآخَرِ رَجَعَ عَلَيْهِ وَبِمُجَرَّدِ أَمْرِ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ يَجْعَلُهُ دَيْنًا عَلَيْهِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَيَأْمُرُ صَاحِبَهُ بِذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَرْجِعُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ فَرْعُ مَسْأَلَةِ الْحَجَرِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَلِي عَلَى الْحَاضِرِ وَلَا يُنَفِّذُ أَمْرَهُ عَلَيْهِ، وَفِي الْمُحِيطِ وَالْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ عَلَى الرَّاهِنِ. اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةَ فِي الرَّهْنِ وَدَعْوَى الرَّجُلَيْنِ الرَّهْنَ أَوْ أَحَدِهِمَا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ مَسَائِلُهُ عَلَى فُصُولٍ: فَصْلٌ فِي اخْتِلَافِهِمَا فِي الرَّهْنِ، وَفَصْلٌ فِي اخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ فِي النُّطْقِ، وَفَصْلٌ فِي شَهَادَةِ الرَّاهِنَيْنِ وَالْمُرْتَهِنِينَ بِالْمَرْهُونِ لِغَيْرِهِ، وَفَصْلٌ فِي إقَامَةِ الْوَاحِدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى رَجُلَيْنِ فِي الرَّهْنِ قَالَ الرَّاهِنُ رَهَنْتُك هَذِهِ الْعَيْنَ وَقَبَضْتَهَا مِنِّي وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ يُنْكِرُ أَوْ قَالَ بَلْ رَهَنْتنِي عَيْنًا أُخْرَى فَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُرْتَهِنِ وَالْقَوْلُ لَهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمُرْتَهِنِ تُثْبِتُ الْحَقَّ نَفْسَهُ وَبَيِّنَةَ الرَّاهِنِ تُثْبِتُ الْحَقَّ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مِلْكُ الْيَدِ وَالْحَبْسِ وَبَيِّنَةُ مَنْ يُثْبِتُ الْحَقَّ لِنَفْسِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَبُولِ بَيِّنَةِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ رَدَّ ذَلِكَ، فَإِنَّ الرَّهْنَ غَيْرُ لَازِمٍ وَإِذَا كَانَتْ الْعَيْنُ هَالِكَةً فَالْبَيِّنَةُ لِلرَّاهِنِ إذَا كَانَ مَا يَدَّعِيهِ الرَّاهِنُ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تُثْبِتُ زِيَادَةً أَقَامَ الرَّاهِنُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ رَهَنَهُ عَبْدًا بِأَلْفٍ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ وَقَبَضَهُ وَأَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ كُلَّهَا النِّصْفُ يَسْقُطُ بِدَيْنِهِ وَيُؤْخَذُ بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ جَحَدَهُ فَصَارَ ضَامِنًا بِالْجُحُودِ كَالْمُودَعِ جَحَدَ الْوَدِيعَةَ يَصِيرُ ضَامِنًا لِلْوَدِيعَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ سَكَتَ الْمُرْتَهِنُ وَلَمْ يُقِرَّ، وَلَمْ يَجْحَدْ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ جُحُودٌ حُكْمًا. أَلَا تَرَى لَوْ أَخَّرَ شَيْئًا فَسَكَتَ يُسْمَعُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ جَحَدَ، وَلَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ لَا يُسْمَعُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ رَهَنْتَنِي هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ، وَقَالَ الرَّاهِنُ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ فَالْقَوْلُ لِلرَّاهِنِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْمُرْتَهِنِ يَدَّعِي عَلَيْهِ زِيَادَةَ رَهْنٍ وَهُوَ يُنْكِرُ الرَّهْنَ رَهَنَ عَبْدًا وَالدَّيْنُ أَلْفٌ فَذَهَبَ عَيْنُ الْعَبْدِ وَهُوَ يُسَاوِي أَلْفًا، فَقَالَ الرَّاهِنُ كَانَتْ هَذِهِ قِيمَتَهُ يَوْمَ رَهَنْتُك فَقَدْ ذَهَبَ نِصْفُ حَقِّك، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ بَلْ كَانَتْ خَمْسَمِائَةٍ يَوْمَئِذٍ وَازْدَادَتْ مِنْ بَعْدُ فَالْقَوْلُ لِلرَّاهِنِ وَالْبَيِّنَةُ لَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لِلْحَالِ أَلْفٌ فَيَكُونُ الْحَالُ شَاهِدًا لِلْمَاضِي كَمَنْ اسْتَأْجَرَ طَاحُونَةً وَاخْتَلَفَا فِي جَرَيَانِ الْمَاءِ وَانْقِطَاعِهِ يُحَكَّمُ الْحَالُ فَكَذَا الرَّاهِنُ بَيِّنَتُهُ تُثْبِتُ أَكْثَرَ الْقِيمَتَيْنِ وَبَيِّنَةُ الْمُرْتَهِنِ تَنْفِي فَكَانَتْ الْمُثَبِّتَةُ أَوْلَى وَإِذَا أَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ فَشَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ رَهَنَهُ بِأَلْفٍ وَالْأُخْرَى بِأَلْفَيْنِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الشَّاهِدَيْنِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الدَّيْنُ لَمْ يَثْبُتْ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهُ مَنُوطَةٌ بِالدَّيْنِ وَعِنْدَهُمَا هُوَ رَهْنٌ بِالْأَقَلِّ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ دَيْنُ أَلْفٍ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ هُمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي أَكْثَرَ الْمَالَيْنِ ادَّعَى الرَّاهِنُ الرَّهْنَ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَهِيَ قِيمَتُهُ وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ وَالْآخَرُ بِمِائَةٍ. وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ عَلَيْهِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، وَهَذَا رَهْنٌ بِمِائَةٍ مِنْهَا فَالْقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ وَالْبَيِّنَةُ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الدَّيْنَ وَهُوَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ لِتَصَادُقِهِمَا عَلَيْهِ لَا بِالْبَيِّنَةِ وَتَصَادَقَا أَنَّ الْعَيْنَ رُهِنَ بِمِائَةٍ فَصَارَ رَهْنًا بِمِائَةٍ بِتَصَادُقِهِمَا عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ الرَّاهِنِ أَكْثَرُ إثْبَاتًا؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ زِيَادَةَ إيفَاءٍ عَلَى

стр. 2805

الْمُرْتَهِنِ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ وَهُوَ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ارْتَهَنَهُ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ جَاءَ لَازِمًا وَفِيهِ ضَمَانٌ وَلَا لُزُومَ وَلَا ضَمَانَ فِي الْوَدِيعَةِ فَكَانَتْ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ أَكْثَرَ إثْبَاتًا وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ بِأَنْ يَجْعَلَ كَأَنَّهُ أَوْدَعَهُ، ثُمَّ رَهَنَهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يُرَدُّ عَلَى الْإِيدَاعِ. وَأَمَّا الْإِيدَاعُ لَا يُرَدُّ عَلَى الرَّهْنِ إلَّا بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ، الرَّاهِنُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الرَّهْنِ وَالْآخَرُ عَلَى الْبَيْعِ جُعِلَ بَيْعًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَالرَّهْنُ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ جَانِبِ الْمُرْتَهِنِ وَالْبَيْعُ يُوجِبُ الْمِلْكَ لِلْحَالِ وَالرَّهْنُ لَا فَكَانَتْ بَيِّنَةُ الْبَيْعِ أَكْثَرَ إثْبَاتًا وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ بِأَنْ تُجْعَلَ كَأَنَّهُ رَهَنَ أَوَّلًا، ثُمَّ بَاعَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُرَدُّ عَلَى الرَّهْنِ وَالرَّهْنُ لَا يُرَدُّ عَلَى الْبَيْعِ. وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ الْهِبَةَ وَالْقَبْضَ يُؤْخَذُ بِبَيِّنَةِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تُوجِبُ الْمَالَ لِلْحَالِ كَالْبَيْعِ ادَّعَى الشِّرَاءَ وَالْقَبْضَ وَالْآخَرُ ادَّعَى الرَّهْنَ وَالْقَبْضَ يُحْكَمُ بِالشِّرَاءِ إذَا كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ، فَإِنْ عَلِمَ بِتَقَدُّمِ الرَّهْنِ جُعِلَ رَهْنًا؛ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضًا مُعَايَنًا وَلَا يُنْقَضُ بِالشَّكِّ كَمَا لَوْ ادَّعَيَا الشِّرَاءَ مِنْ وَاحِدٍ وَلِأَحَدِهِمَا قَبْضٌ مُعَايَنٌ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَصَاحِبُ الْقَبْضِ أَوْلَى، وَلَوْ شَهِدَ الرَّاهِنَانِ بِأَنَّ الْمَرْهُونَ مِلْكُ آخَرَ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ يَجُرَّانِ؛ لِأَنْفُسِهِمَا نَفْعًا وَمَغْنَمًا؛ لِأَنَّهُمَا يُرِيدَانِ إبْطَالَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَنْ الرَّهْنِ عَلَيْهِمَا، وَفِي إبْطَالِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَنْ الرَّهْنِ نَفْعٌ لَهُمَا فِي الْجُمْلَةِ فَتَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ فِي شَهَادَتِهِمَا فَلَا تُقْبَلُ وَلِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ فِي مَعْنَى الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَسْعَيَانِ فِي نَقْضِ عَقْدٍ قَدِيمٍ وَشَهَادَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ إقْرَارٌ فَهَذَا إقْرَارٌ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّ الْمُرْتَهَن فَلَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ صَرِيحًا، وَلَوْ شَهِدَ الْمُرْتَهِنَانِ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا مَغْنَمًا وَلَا يَدْفَعَانِ مَغْرَمًا بَلْ يَضُرَّانِ بِأَنْفُسِهِمَا مَتَى كَانَ الرَّهْنُ قَائِمًا، وَإِنْ كَانَ هَالِكًا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا مَغْرَمًا؛ لِأَنَّ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ سَقَطَ الدَّيْنُ وَبَرِئَ الرَّاهِنُ عَنْ الدَّيْنِ ظَاهِرًا وَمَتَى قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُمَا بَاعَ رَجُلَانِ مَتَاعًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُمَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ ثُمَّ شَهِدَ أَنَّ الْعَبْدَ لِرَجُلٍ، وَقَالَا نَرْضَى أَنْ يَكُونَ دَيْنًا بِالرَّهْنِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِإِبْطَالِ حَقِّهِمَا فِي الْحَبْسِ وَلَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا مَغْنَمًا وَلَا يَدْفَعَانِ مَغْرَمًا وَلَا يَسْعَيَانِ فِي نَقْضِ عَقْدٍ. وَلَوْ طَلَبَا لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ؛ لِأَنْفُسِهِمَا بِرَهْنٍ وَيَسْعَيَانِ فِي نَقْضِ عَقْدٍ تَمَّ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ لَهُمَا النَّقْضُ ادَّعَيَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ الرَّهْنُ فَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَمَّا إذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ فِي يَدِ الرَّاهِنِ وَالدَّعْوَى مِنْهُمَا حَالَ حَيَاةِ الرَّاهِنِ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَقَدْ أَرَّخَا ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ لَمْ يُؤَرِّخَا، فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يُؤَرِّخَا فَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَجَّحَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ بِالْيَدِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَبَقَ ارْتِهَانُهُ وَلِأَنَّ يَدَهُ صَحِيحَةٌ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهَا إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بُطْلَانَهَا كَمَا لَوْ ادَّعَيَا الشِّرَاءَ مِنْ وَاحِدٍ وَالْمَبِيعُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ أَرَّخَا يُقْضَى لِأَسْبَقِهِمَا تَارِيخًا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي آخِرُهُمَا تَارِيخًا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛ لِأَنَّهَا قَامَتْ عَلَى رَهْنٍ فَاسِدٍ وَكَانَ الَّذِي هُوَ أَسْبَقُ انْفَرَدَ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَرِّخَا لَا يُقْضَى لَهُمَا قِيَاسًا وَبِهِ نَأْخُذُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ بِنِصْفِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّ رَهْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَبَذَ بَيِّنَتَهُمَا مَعًا فَصَحَّ الرَّهْنُ فَصَارَ الْعَبْدُ مَحْبُوسًا بِحَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ هَذَا كُلُّهُ فِي حَالِ حَيَاةِ الرَّاهِنِ فَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ لَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ الْبَيِّنَةَ عَلَى ارْتِهَانِهِ مِنْهُ يُقْضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ بِنِصْفِهِ رَهْنًا بِنِصْفِ حَقِّهِ يُبَاعُ فِيهِ عِنْدَهُمَا وَمَا بَقِيَ لِلْغُرَمَاءِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُقْضَى لَهُمَا بِشَيْءٍ وَهُوَ قَوْلُ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالرَّهْنِ مِنْهُمَا قَضَاءٌ بِرَهْنٍ مُشَاعٌ وَأَنَّهُ بَاطِلٌ كَمَا فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ لَهُمَا أَنَّ الْقَصْدَ مَطْلُوبٌ بِحُكْمِهِ لَا بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِيَكُونَ وَسِيلَةً وَذَرِيعَةً إلَى حُكْمِهِ وَحِكْمَةُ الرَّهْنِ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ بِخِلَافِ حَالِ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ ثَمَّةَ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ هُوَ مِلْكُ الْيَدِ وَالْحَبْسُ وَلَا يَمْلِكُ اثْنَانِ الْيَدَ وَالْحَبْسَ فِي الْمُشَاعِ دَائِمًا فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِالرَّهْنِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي لَوْ اُدُّعِيَا الرَّهْنَ مِنْ اثْنَيْنِ فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ الْبَيِّنَةَ عَلَى الِارْتِهَانِ مِنْ آخَرَ وَالرَّهْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنَانِ غَائِبَيْنِ أَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ، فَإِنْ كَانَا غَائِبَيْنِ فَذُو الْيَدِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ أَسْبَقَ تَارِيخًا؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ لَا تُسْمَعُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقُمْ عَلَى خَصْمٍ؛ لِأَنَّ ذَا الْيَدِ أَثْبَتَتْ بَيِّنَتُهُ كَوْنَهَا رَهْنًا فِي حَقِّ مَا فِي يَدِهِ وَالْمُرْتَهِنُ لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَلَى الْمَالِكِ كَالْمُودِعِ فَكَانَ الشَّيْءُ رَهْنًا فِي يَدِ ذِي الْيَدِ كَمَا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنَانِ حَاضِرَيْنِ فَالْخَارِجُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كُلَّ
следующие страницы →