Полный текст (3 122 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
عِنْدِي وَفِي يَدِي، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْجُحُودِ وَمَنْ جَحَدَ أَمَانَةً فِي يَده ضَمِنَهَا وَصَارَ كَالْمُودِعِ إذَا قَالَ لَيْسَ عِنْدِي، ثُمَّ قَالَ كَانَ عِنْدِي ضَمِنَ فَكَذَا هَذَا.
قَالَ ﵀ (وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ الرَّاهِنَ بِدَيْنِهِ وَيَحْبِسُهُ بِهِ) أَيْ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُطَالِبَ الرَّاهِنَ بِدَيْنِهِ وَبِحَبْسِهِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الرَّهْنِ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ بَاقٍ، وَالرَّهْنُ لِزِيَادَةِ الصِّيَانَةِ فَلَا تَمْتَنِعُ الْمُطَالَبَةُ، وَكَذَا لَا يَمْتَنِعُ الْحَبْسُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الظُّلْمِ وَهُوَ الْمُمَاطَلَةُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْقَضَاءِ مُفَصَّلًا، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَلِلْمُرْتَهِنِ مُطَالَبَةُ الرَّاهِنِ بِدَيْنِهِ إذَا كَانَ مَالًا وَلَا يَمْنَعُهُ الِارْتِهَانُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا كَوْنُ الرَّهْنِ فِي يَدِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مُؤَجَّلًا وَحَلَّ، فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ حَبْسُهُ كَذَا فِي الْعَيْنِيِّ عَلَى الْهِدَايَةِ قَالَ ﵀ (وَيُؤْمَرُ الْمُرْتَهِنُ بِإِحْضَارِ رَهْنِهِ وَالرَّاهِنُ بِأَدَاءِ دَيْنِهِ أَوَّلًا) أَيْ إذَا طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ يُؤْمَرُ بِإِحْضَارِ الرَّهْنِ أَوَّلًا لِيَعْلَمَ أَنَّهُ بَاقٍ وَلِأَنَّهُ قَبَضَ الرَّهْنَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبِضَ مَالَهُ مَعَ قِيَامِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَكْرَارِ الِاسْتِيفَاءِ عَلَى اعْتِبَارِ الْهَلَاكِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ يُحْتَمَلُ.
وَلَوْ قَالَ بِإِحْضَارِ رَهْنِهِ لَوْ فِي يَدِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِيَخْرُجَ مَا إذَا كَانَ فِي يَدِ عَدْلٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِإِحْضَارِهِ كَمَا سَنُبَيِّنُ وَإِذَا أَحْضَرَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ أُمِرَ الرَّاهِنُ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ أَوَّلًا وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَالرَّاهِنُ بِأَدَاءِ دَيْنِهِ أَوَّلًا لِيَتَعَيَّنَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي الدَّيْنِ كَمَا تَعَيَّنَ حَقُّ الرَّاهِنِ فِي حَقِّ الرَّهْنِ تَحْقِيقًا لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ يَحْضُرُ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ الْأَوَّلَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ طَالَبَهُ بِالدَّيْنِ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ لَا حِمْلَ لَهُ وَلَا مُؤْنَةَ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّ الْأَمَاكِنَ كُلَّهَا فِي حَقِّهِ كَبُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي حَقِّ التَّسْلِيمِ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ بَيَانُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ فِيهِ فِي بَابِ السَّلَمِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ فَيَسْتَوْفِي دَيْنَهُ وَلَا يُكَلَّفُ إحْضَارَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ بِالتَّخْلِيَةِ دُونَ النَّقْلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِهِ زِيَادَةَ ضَرَرٍ لَمْ تَلْزَمْهُ فِي الْعَقْدِ، وَلَوْ بَاعَ الرَّهْنَ لَا يُكَلِّفُ الْمُشْتَرِي إحْضَارَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ الصَّحِيحِ وَصَارَ الرَّهْنُ دَيْنًا فَصَارَ كَأَنَّهُ رَهَنَهُ الرَّاهِنُ وَهُوَ دَيْنٌ، وَلَوْ قَبَضَ الثَّمَنَ يُكَلَّفُ إحْضَارُهُ لِقِيَامِ الْبَدَلِ مَقَامَ الْمُبْدَلِ وَاَلَّذِي يَقْبِضُ الثَّمَنَ هُوَ الْبَائِعُ مُرْتَهِنًا كَانَ أَوْ عَدْلًا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْعَاقِدُ وَحُقُوقُ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إلَيْهِ وَلَا يُكَلَّفُ إحْضَارَ الرَّهْنِ بِاسْتِيفَاءِ كُلِّ الدَّيْنِ يُكَلَّفُ بِاسْتِيفَاءِ نَجْمٍ قَدْ حَلَّ إذَا ادَّعَى الرَّاهِنُ هَلَاكَهُ لِاحْتِمَالِ الْهَلَاكِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَدَّعِ الرَّاهِنُ هَلَاكَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إحْضَارِهِ مَعَ إقْرَارِهِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَتَلَ رَجُلٌ خَطَأً الْعَبْدَ الرَّهْنَ حَتَّى قَضَى بِالْقِيمَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ حَيْثُ لَا يُجْبَرُ الرَّاهِنُ وَفِيمَا تَقَدَّمَ صَارَ دَيْنًا بِفِعْلِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ إحْضَارِ جَمِيعِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ لِكَوْنِهَا بَدَلًا عَنْهَا، وَلَوْ وَضَعَ الرَّهْن عَلَى يَدِ عَدْلٍ وَأَذِنَ بِالْإِيدَاعِ فَفَعَلَ، ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَهِنُ فَطَلَبَ دَيْنَهُ لَا يُكَلَّفُ إحْضَارُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْتَمَنْ عَلَيْهِ حَيْثُ وَضَعَ عَلَى يَدِهِ غَيْرَهُ فَلَمْ يَكُنْ تَسْلِيمُهُ فِي قُدْرَتِهِ، وَكَذَا لَوْ وَضَعَهُ الْعَدْلُ فِي يَدِ مَنْ فِي عِيَالِهِ وَغَابَ وَطَلَبَ الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ وَاَلَّذِي فِي يَدِهِ الرَّهْنُ يُقِرُّ الْوَدِيعَةِ مِنْ الْعَدْلِ وَيَقُولُ لَا أَدْرِي لِمَنْ هُوَ يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ إحْضَارَ الرَّهْنِ لَيْسَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ يَقْبِضُ، وَكَذَا إذَا غَابَ الْعَدْلُ وَلَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ لِمَا قُلْنَا بِخِلَافِ مَا إذَا جَحَدَ الَّذِي أَوْدَعَهُ الْعَدْلُ الرَّهْنَ بِأَنْ قَالَ هُوَ مَالِي حَيْثُ لَا يَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ حَتَّى يُثْبِتَ أَنَّهُ رَهْنٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَحَدَ فَقَدْ تَوَى الْمَالُ وَالتَّوَى عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَتَحَقَّقَ الِاسْتِيفَاءُ فَلَا يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ، وَفِي الْفَتَاوَى الْغِيَاثِيَّةِ، وَلَوْ رَهَنَ الذِّمِّيُّ خَمْرًا عِنْدَ مُسْلِمٍ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ. اهـ.
وَفِي الْيَنَابِيعِ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ بِعَيْنِهَا وَأَخَذَ بِهَا رَهْنًا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ قَالَ ﵀ لَهُ (فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَا يُمْكِنُهُ مِنْ الْبَيْعِ حَتَّى يَقْبِضَ الدَّيْنَ) أَيْ لَوْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يَبِيعَ الرَّهْنَ لِكَيْ يَقْضِيَ بِثَمَنِهِ الدَّيْنَ لَا يُجْبَرُ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ الْبَيْعِ حَتَّى يَقْبِضَ الدَّيْنَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ الْحَبْسُ الدَّائِمُ إلَى أَنْ يَقْضِيَ الدَّيْنَ لَا الْقَضَاءُ مِنْ ثَمَنِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ، فَلَوْ قَضَاهُ الْبَعْضَ فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَ كُلَّ الرَّهْنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْبَقِيَّةَ كَمَا فِي حَبْسِ الْمَبِيعِ.
قَالَ ﵀ (فَإِذَا قَضَى سَلَّمَ الرَّهْنَ) أَيْ إذَا قَضَى الرَّاهِنُ جَمِيعَ الدَّيْنِ سَلَّمَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ إلَيْهِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ مِنْ التَّسْلِيمِ لِوُصُولِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ إلَيْهِ فَلَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ إلَى الرَّاهِنِ اسْتَرَدَّ الرَّاهِنُ مَا قَضَاهُ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالْهَلَاكِ أَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ السَّابِقِ فَكَانَ الثَّانِي اسْتِيفَاءً بَعْدَ اسْتِيفَاءٍ فَيَجِبُ رَدُّهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ بِإِيفَاءِ الدَّيْنِ لَا يَنْفَسِخُ الرَّهْنُ حَتَّى يَرُدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ فَيَكُونَ مَضْمُونًا عَلَى حَالِهِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ مَا لَمْ
стр. 2802
يُسَلِّمْهُ إلَى الرَّاهِنِ أَوْ يُبْرِئْهُ الْمُرْتَهِنُ عَنْ الدَّيْنِ، وَكَذَا لَوْ فَسَخَا الرَّهْنَ لَا يَنْفَسِخُ مَا دَامَ فِي يَدِهِ حَتَّى كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَمْنَعَهُ بَعْدَ الْفَسْخِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ، وَلَوْ هَلَكَ بَعْدَ الْفَسْخِ يَكُونُ كَمَا لَوْ هَلَكَ قَبْلَهُ فَيَكُونُ هَالِكًا بِدَيْنِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا هَلَكَ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ حَيْثُ لَا يَضْمَنُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ رَهْنًا؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ رَهْنًا بِأَمْرَيْنِ بِالْقَبْضِ وَالدَّيْنِ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَبْقَ رَهْنًا، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ مُفَصَّلًا قَالَ ﵀ (وَلَا يَنْتَفِعُ الْمُرْتَهِنُ بِالرَّهْنِ اسْتِخْدَامًا وَسُكْنَى وَلُبْسًا وَإِجَارَةً وَإِعَارَةً) ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَقْتَضِي الْحَبْسَ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ دُونَ الِانْتِفَاعِ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ إلَّا بِتَسْلِيطٍ مِنْهُ، وَإِنْ فَعَلَ كَانَ مُتَعَدِّيًا وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ بِالتَّعَدِّي قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ، وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْمَرْهُونِ إلَّا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ.
فَإِذَا أَذِنَ لَهُ جَازَ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ، وَلَوْ فَعَلَ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ صَارَ ضَامِنًا بِحُكْمِ الرَّهْنِ بِحُكْمٍ وَقَابِضًا الْغَصْبَ، وَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِعْمَالَ عَادَ لِكَوْنِهِ رَهْنًا، وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الرَّهْنَ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ هَلَكَ حَالَةَ الِانْتِفَاعِ لَمْ يَسْقُطْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِذْنِ صَارَ مَقْبُوضًا بِحُكْمِ الْعَارِيَّةِ، وَإِنْ خَالَفَ وَهَلَكَ فِي حَالِ الِاسْتِعْمَالِ يَضْمَنُ ضَمَانَ الْغَصْبِ، وَفِي الْمُنْتَقَى لَوْ أَوْدَعَ الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَ بِإِذْنِهِ وَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُودِعِ لَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ كَمَا لَوْ أَعَارَهُ مِنْ غَيْرِهِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ وَلَهُ أَنْ يَسْتُرَهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدٌ قَائِمٌ وَلَكِنْ حُكْمُهُ وَهُوَ الضَّمَانُ مُرْتَفِعٌ فِي زَمَانِ الْإِيدَاعِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ أَجَرَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ سَنَةً بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ وَانْقَضَتْ السَّنَةُ، ثُمَّ أَجَازَ الرَّاهِنُ الْإِجَارَةَ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَاقَتْ عَقْدًا مُنْتَفِيًا مَفْسُوخًا وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَأْخُذَهَا حَتَّى يَصِيرَ رَهْنًا كَمَا كَانَ، وَإِنْ أَجَازَ بَعْدَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ جَازَ وَنِصْفُ الْأُجْرَةِ لِلْمُرْتَهِنِ يَتَصَدَّقُ بِهِ وَنِصْفُهَا لِلرَّاهِنِ، وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُعِيدَهَا فِي الرَّهْنِ كَمَا بَيَّنَّا، وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ فِي الْعُيُونِ، وَلَوْ أَعَارَ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الرَّاهِنِ، ثُمَّ مَاتَ الرَّاهِنُ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَلَا يَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَنْفَسِخْ بِالْإِعَارَةِ فَيَكُونُ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ لِكَوْنِهِ فِي يَدِ الْمُعِيرِ فَكَانَ مَقْبُوضًا لَهُ وَبِالْمَوْتِ انْفَسَخَتْ الْإِعَارَةُ فَعَادَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ كَمَا كَانَتْ.
وَلَوْ ارْتَهَنَ جَارِيَةً، ثُمَّ أَعَارَهَا الرَّاهِنَ فَوَلَدَتْ عِنْدَ الرَّاهِنِ، ثُمَّ مَاتَتْ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُعِيدَ الْوَلَدَ بِحِصَّتِهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَنْتَقِضْ بِإِعَارَةِ الرَّهْنِ مِنْ الرَّاهِنِ فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا كَانَ الرَّهْنُ ثَوْبًا فَأَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي لُبْسِهِ يَوْمًا، ثُمَّ جَاءَ بِهِ مُتَخَرِّقًا، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ تَخَرَّقَ مِنْ لُبْسِهِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَقَالَ الرَّاهِنُ لَمْ يَتَخَرَّقْ مِنْ لُبْسِك، وَلَمْ تَلْبَسْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ ادَّعَى الْبَرَاءَةَ عَنْ الضَّمَانِ لِاسْتِعْمَالِ الثَّوْبِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَهُوَ يُنْكِرُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ، فَإِذَا أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّهُ لَبِسَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَتَخَرَّقَ قَبْلَ لُبْسِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ تَخَرَّقَ مِنْ لُبْسِهِ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ وَهُوَ اللُّبْسُ سَبَبُ التَّخَرُّقِ ظَاهِرًا وَغَيْرُ مَوْهُومٍ فِيهِ فِي حَالِ التَّخَرُّقِ فِي السَّبَبِ الظَّاهِرِ دُونَ الْمَوْهُومِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِلسِّعْرِ بِالْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ وَلَا لِمَا إذَا أُعِيرَ الرَّهْنُ لِلْمُرْتَهِنِ قَالَ فِي الْغِيَاثِيَّةِ وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُسَافِرَ بِالرَّهْنِ إذَا كَانَ لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَالْوَدِيعَةِ رَهْنُ الْمُرْتَهِنِ وَارْتِهَانِهِ مَوْقُوفٌ، وَلَوْ رَهَنَ عَبْدًا مَرِيضًا فَقُتِلَ فَالدَّيْنُ عَلَى حَالِهِ خِلَافًا لَهُمَا، وَكَذَا إذَا قُتِلَ قِصَاصًا بِعَمْدٍ أَوْ بِسَرِقَةٍ وَيُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ كَانَ هَكَذَا، وَلَوْ احْتَرَقَ النَّخْلُ ذَهَبَ بِحِصَّتِهِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ رُهِنَ عَبْدٌ أَوْ غَابَ ثُمَّ إنَّ الْمُرْتَهِنَ وَجَدَ الْعَبْدَ حُرًّا، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ أَقَرَّ بِالرِّقِّ عِنْدَ الرَّهْنِ لَمْ يَرْجِعْ الْمُرْتَهِنُ بِدَيْنِهِ عَلَيْهِ أَخَذَتْ الْمَرْأَةُ بِصَدَاقِهَا الْمُسَمَّى رَهْنًا يُسَاوِي صَدَاقَهَا ثُمَّ وَهَبَتْ صَدَاقَهَا مِنْ الزَّوْجِ أَوْ أَبْرَأَتْهُ كَانَ عَلَيْهَا رَدُّ الرَّهْنِ إلَى الزَّوْجِ، فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَهَا يَهْلِكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَلَوْ اخْتَلَعَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بَعْدَ مَا وَهَبَتْ مَهْرَهَا كَانَ عَلَيْهَا رَدُّ الرَّهْنِ وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ بِمَوْتِ الرَّاهِنِ وَلَا بِمَوْتِ الْمُرْتَهِنِ وَلَا بِمَوْتِهَا وَبَقِيَ الرَّهْنُ رَهْنًا عِنْدَ الْوَرَثَةِ وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ.
قَالَ ﵀ (وَيُحْفَظُ بِنَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ الَّذِي فِي عِيَالِهِ) مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ أَيْضًا فِي عِيَالِهِ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ أَمَانَةٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَصَارَ كَالْوَدِيعَةِ وَأَجِيرُهُ الْخَاصُّ كَوَلَدِهِ الَّذِي فِي عِيَالِهِ وَهُوَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ مُشَاهَرَةً أَوْ مُسَانَهَةً وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُسَاكَنَةُ وَلَا عِبْرَةَ بِالنَّفَقَةِ حَتَّى إنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ دَفَعَتْهُ إلَى زَوْجِهَا لَا تَضْمَنُ قَالَ فِي الْمُنْتَقَى الْأَصْلُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ أَوْ الْمُسْتَأْجِرَ مَتَى أَمْسَكَ الْعَيْنَ لِلْحِفْظِ لَا يَضْمَنُ وَمَتَى أَمْسَكَهَا لِلِاسْتِعْمَالِ يَضْمَنُ فَالْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنَّهُ مَتَى أَمْسَكَ الشَّيْءَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُمْسَكُ فِيهِ إلَّا لِلِاسْتِعْمَالِ وَالِانْتِفَاعِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَهُوَ اسْتِعْمَالٌ وَإِذَا أَمْسَكَهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يُمْسِكُهُ فِيهِ لِلِاسْتِعْمَالِ فَهُوَ حِفْظٌ فَعَلَى هَذَا قَالُوا إذَا تَسَوَّرَتْ بِالْخَلْخَالِ أَوْ تَخَلْخَلَتْ
стр. 2803
بِالسِّوَارِ أَوْ تَعَمَّمَ بِالْقَمِيصِ أَوْ وَضَعَ الْعِمَامَةَ عَلَى الْعَاتِقِ فَهَذَا كُلُّهُ حِفْظٌ، وَلَيْسَ بِاسْتِعْمَالٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ لِلْإِمْسَاكِ فِي مَوْضِعٍ لَا يُمْسَكُ لِلِاسْتِعْمَالِ فَكَانَ الْإِمْسَاكُ لِلْحِفْظِ وَإِذَا تَسَوَّرَ بِالسِّوَارِ وَمَا أَشْبَهَ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ وُجِدَ فِي مَوْضِعٍ لِلِاسْتِعْمَالِ فَكَانَ اسْتِعْمَالًا وَحِفْظًا. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الرَّهْنُ إذَا كَانَ خَاتَمًا فَتَخَتَّمَ بِهِ فِي الْخِنْصَرِ الْيُمْنَى يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ لِلزِّينَةِ، وَإِنْ تَخَتَّمَ فَوْقَ خَاتَمٍ فِي ذَلِكَ الْإِصْبَعِ لَا يَضْمَنُ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ إنَّ النَّاسَ يَسْتَعْمِلُونَ خَاتَمَيْنِ فِي خِنْصَرٍ وَاحِدٍ قَالَ إنَّمَا يَسْتَعْمِلُونَهُ لِلْخَتْمِ لَا لِلزِّينَةِ، قَالَ مَشَايِخُنَا: وَهَذَا فِي بِلَادِهِمْ، وَأَمَّا فِي بِلَادِنَا فَقَدْ يَسْتَعْمِلُونَ الثَّانِيَ لِلزِّينَةِ قَالَ مَشَايِخُنَا فَيَجِبُ أَنْ يَضْمَنَ، وَإِنْ تَخَتَّمَ فِي أُصْبُعٍ غَيْرِ الْخِنْصَرِ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَعْمِلُ كَذَلِكَ قَطُّ اسْتِعْمَالَ الزِّينَةِ، قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إذَا تَخَتَّمَ وَجَعَلَ الْفَصَّ مِمَّا يَلِي فِي الْكَفِّ لَمْ يَضْمَنْ وَكَانَ حِفْظًا لَا اسْتِعْمَالًا الْوَكِيلُ يَقْبِضُ الدَّيْنَ إذَا أَخَذَ الرَّهْنَ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَضَاعَ عِنْدَهُ أَوْ الْوَصِيُّ إذَا أَخَذَ رَهْنًا مِنْ غَرِيمٍ لِلْمَيِّتِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ وَالْوَرَثَةُ كِبَارٌ فَضَاعَ عِنْدَهُ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلِ الْإِقْرَاضَ وَالْأَدَاءَ وَإِنَّمَا قَبَضَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَمِينًا فِيهِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ.
قَالَ ﵀ (وَضَمِنَ بِحِفْظِهِ بِغَيْرِهِ وَبِإِيدَاعِهِ وَتَعَدِّيهِ قِيمَتَهُ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ عَيْنَهُ وَدِيعَةٌ الْوَدِيعَةُ تُضْمَنُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِكَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا بِهَا فَيَضْمَنُ مِنْ جَمِيعِ قِيمَتِهِ كَالْمَغْصُوبِ وَهَلْ يَضْمَنُ لِلْمُودِعِ الثَّانِي فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي مُودَعِ الْمُودِعِ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ، ثُمَّ إنْ قَضَى الْقَاضِي بِالْقِيمَةِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ يَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا بِمُجَرَّدِ الْقَضَاءِ إذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًا فَلَا يُطَالِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ إلَّا بِالْفَضْلِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا يَضْمَنُ الْمُرْتَهِنُ قِيمَتَهُ وَيَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الرَّهْنِ فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ أَصْلِهِ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذَهُ بِدَيْنِهِ، وَإِنْ قَضَى بِالْقِيمَةِ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ الدَّيْنِ كَانَ رَهْنًا عِنْدَهُ إلَى أَنْ يَقْضِيَهُ دَيْنَهُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الرَّهْنِ فَأَخَذَ حُكْمَهُ، وَلَوْ رَهَنَ خَاتَمًا عِنْدَ امْرَأَةٍ فَجَعَلَتْ خَاتَمًا فَوْقَ خَاتَمٍ تَضْمَنُ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ يَلْبَسْنَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِاسْتِعْمَالِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ، وَكَذَا الطَّيْلَسَانُ إنْ لَبِسَهُ لُبْسًا مُعْتَادًا ضَمِنَ، وَلَوْ وَضَعَهُ عَلَى عُنُقِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَفِي الْوَاقِعَاتِ رَجُلٌ رَهَنَ عِنْدَ رَجُلٍ خَاتَمًا، وَقَالَ لِلْمُرْتَهِنِ تَخَتَّمَ بِهِ إنْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَخَتَّمَ بِهِ فِي الْخِنْصَرِ فَهَلَكَ فِي حَالِ التَّخَتُّمِ يَهْلِكُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِالْحِفْظِ لَا بِالِاسْتِعْمَالِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ رَهَنَهُ سَيْفَيْنِ فَتَقَلَّدَهُمَا ضَمِنَ قَالَ فَخْرُ الدِّينِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَضْمَنُ وَفِي الثَّلَاثَةِ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بَيْنَ الشُّجْعَانِ بِتَقْلِيدِ السَّيْفَيْنِ فِي الْحَرْبِ دُونَ الثَّلَاثَةِ، وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ بَاعَ الْمُرْتَهِنُ زَوَائِدَ الرَّهْنِ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ أَوْ الْقَاضِي لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ، وَإِنْ خَافَ تَلَفَهُ فَجَذَّ الثِّمَارَ وَحَلَبَ اللَّبَنَ جَازَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْحِفْظِ، فَإِنْ خَافَ تَلَفَهُ عِنْدَهُ فَأَمْسَكَهُ يُرْفَعُ الْأَمْرُ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَبِيعَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ إنْ كَانَ الْمَالِكُ غَائِبًا، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا يَرْجِعْ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ بَعِيدًا مِنْ الْقَاضِي وَالْمَالِكِ وَخَافَ التَّلَفَ فَبَاعَهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَضْمَنْ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فِي الْبَيْع دَلَالَةً، وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ وَلَا لِلرَّاهِنِ أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ وَلَا أَنْ يُؤَجِّرَهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالرَّهْنِ.
قَالَ ﵀ (وَأُجْرَةُ بَيْتِ الْحِفْظِ وَحَافِظِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَأُجْرَةُ رَاعِيهِ وَنَفَقَتُهُ وَالْخَرَاجُ عَلَى الرَّاهِنِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنْ مَا يُحْتَاجَ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ الرَّهْنِ لِنَفْسِهِ وَتَبْقِيَتِهِ فَهُوَ عَلَى الرَّاهِنِ سَوَاءٌ كَانَ فِي فَصْلٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَكَذَا مَنَافِعُهُ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فَيَكُونُ أَصْلًا وَتَبْقِيَتُهُ عَلَيْهِ لِمَا أَنَّهُ مُؤْنَةُ مِلْكِهِ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ النَّفَقَةِ مِنْ مَأْكَلِهِ وَمُشْرَبِهِ وَأُجْرَةُ الرَّاعِي مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَفَ الْبَهَائِمَ. وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ كِسْوَةُ الرَّقِيقِ وَأُجْرَةُ ظِئْرِ وَلَدِ الرَّهْنِ وَكَرْيُ النَّهْرِ وَكَسْرُ النَّهْرِ وَسَقْيُ الْبَسَاتِينَ وَتَلْقِيحُ نَخِيلِهِ وَجِذَاذِهَا وَالْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِ، وَفِي النَّوَازِلِ أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الرَّهْنِ فَالْقَاضِي يَأْمُرُ الْمُرْتَهِنَ بِالنَّفَقَةِ، فَإِذَا قَبَضَ الدَّيْنَ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَهُ عَلَى النَّفَقَةِ، فَإِنْ هَلَكَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالنَّفَقَةُ عَلَى الرَّاهِنِ وَكُلُّ مَا كَانَ لِحِفْظِهِ أَوْ لِرَدِّهِ إلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ لِرَدِّ جُزْءٍ مِنْهُ كَمُدَاوَاةِ الْجُرْحِ فَهُوَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، مِثْلُ أُجْرَةِ الْحَافِظِ؛ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ حَقٌّ لَهُ وَالْحِفْظَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَتَكُونُ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الْبَيْتِ الَّتِي يَحْفَظُ فِيهِ الرَّهْنُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ أُجْرَةَ الْمَأْوَى عَلَى الرَّاهِنِ بِمَنْزِلَةِ النَّفَقَةِ وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ جُعِلَ الْآبِقُ إذَا كَانَ كُلُّهُ مَضْمُونًا؛ لِأَنَّ يَدَ الِاسْتِيفَاءِ كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَى الْمَحِلِّ وَيَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ لِيَرُدَّهُ عَلَى الْمَالِكِ فَكَانَتْ مِنْ مُؤْنَةِ الرَّدِّ فَتَكُونُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ أَمَانَةً فَيُقَدَّرُ الْمَضْمُونُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَحِصَّةُ
стр. 2804
الْأَمَانَةِ عَلَى الرَّاهِنِ وَلِأَنَّ الرَّدَّ لِإِعَادَةِ الْيَدِ وَيَدُهُ فِي الزِّيَادَةِ يَدُ الْمَالِكِ إذْ هُوَ كَالْمُودِعِ فِيهَا فَتَكُونُ عَلَى الْمَالِكِ بِخِلَافِ أُجْرَةِ الْبَيْتِ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الرَّهْنُ، فَإِنَّ كُلَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ كَيْفَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا لِأَجْلِ الْحَبْسِ وَحَقُّ الْحَبْسِ ثَابِتٌ لَهُ فِي الْكُلِّ.
وَأَمَّا الْجُعْلُ فَلِأَجْلِ الضَّمَانِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ وَالْمُدَاوَاةُ وَالْفِدَاءُ مِنْ الْجِنَايَةِ يَنْقَسِمُ عَلَى الْمَضْمُونِ وَالْأَمَانَةُ وَالْخَرَاجُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْمِلْكِ وَالْعُشْرُ فِيمَا يَخْرُجُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْعَيْنِ وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ بِهِ فِي الْبَاقِي؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَا يُنَافِي مِلْكَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْخَارِجَ كُلَّهُ فِي غَيْرِ الرَّهْنِ قَبْلَ أَدَاءِ الْعُشْرِ يَجُوزُ فَكَذَا لَهُ أَنْ يُخْرِجَ بَدَلَ الْعُشْرِ مِنْ مَالٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُ ثَابِتًا فِيهِ بَقِيَ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِ جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ الرَّهْنِ حَيْثُ يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِي الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قَدْرَ الْمُسْتَحَقِّ فَكَانَ الرَّهْنُ شَائِعًا فِي الِابْتِدَاءِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الرَّهْنَ كَانَ بَاطِلًا وَلَا كَذَلِكَ وُجُوبُ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَا يُنَافِي مِلْكَ الرَّاهِنِ لَا فِيهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، ثُمَّ إذَا خَرَجَ مِنْهُ الْعُشْرُ خَرَجَ ذَلِكَ الْجُزْءُ عَنْ مِلْكِهِ فِي الْوَقْتِ فَلَمْ يُوجَبْ شُيُوعًا فِي الْبَاقِي لَا طَارِئًا وَلَا مُقَارِنًا وَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْآخَرِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ كَمَا إذَا قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَجَعَلَهُ دَيْنًا عَلَى الْآخَرِ رَجَعَ عَلَيْهِ وَبِمُجَرَّدِ أَمْرِ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ يَجْعَلُهُ دَيْنًا عَلَيْهِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَيَأْمُرُ صَاحِبَهُ بِذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَرْجِعُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ فَرْعُ مَسْأَلَةِ الْحَجَرِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَلِي عَلَى الْحَاضِرِ وَلَا يُنَفِّذُ أَمْرَهُ عَلَيْهِ، وَفِي الْمُحِيطِ وَالْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ عَلَى الرَّاهِنِ. اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةَ فِي الرَّهْنِ وَدَعْوَى الرَّجُلَيْنِ الرَّهْنَ أَوْ أَحَدِهِمَا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ مَسَائِلُهُ عَلَى فُصُولٍ: فَصْلٌ فِي اخْتِلَافِهِمَا فِي الرَّهْنِ، وَفَصْلٌ فِي اخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ فِي النُّطْقِ، وَفَصْلٌ فِي شَهَادَةِ الرَّاهِنَيْنِ وَالْمُرْتَهِنِينَ بِالْمَرْهُونِ لِغَيْرِهِ، وَفَصْلٌ فِي إقَامَةِ الْوَاحِدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى رَجُلَيْنِ فِي الرَّهْنِ قَالَ الرَّاهِنُ رَهَنْتُك هَذِهِ الْعَيْنَ وَقَبَضْتَهَا مِنِّي وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ يُنْكِرُ أَوْ قَالَ بَلْ رَهَنْتنِي عَيْنًا أُخْرَى فَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُرْتَهِنِ وَالْقَوْلُ لَهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمُرْتَهِنِ تُثْبِتُ الْحَقَّ نَفْسَهُ وَبَيِّنَةَ الرَّاهِنِ تُثْبِتُ الْحَقَّ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مِلْكُ الْيَدِ وَالْحَبْسِ وَبَيِّنَةُ مَنْ يُثْبِتُ الْحَقَّ لِنَفْسِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَبُولِ بَيِّنَةِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ رَدَّ ذَلِكَ، فَإِنَّ الرَّهْنَ غَيْرُ لَازِمٍ وَإِذَا كَانَتْ الْعَيْنُ هَالِكَةً فَالْبَيِّنَةُ لِلرَّاهِنِ إذَا كَانَ مَا يَدَّعِيهِ الرَّاهِنُ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تُثْبِتُ زِيَادَةً أَقَامَ الرَّاهِنُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ رَهَنَهُ عَبْدًا بِأَلْفٍ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ وَقَبَضَهُ وَأَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ كُلَّهَا النِّصْفُ يَسْقُطُ بِدَيْنِهِ وَيُؤْخَذُ بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ جَحَدَهُ فَصَارَ ضَامِنًا بِالْجُحُودِ كَالْمُودَعِ جَحَدَ الْوَدِيعَةَ يَصِيرُ ضَامِنًا لِلْوَدِيعَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ سَكَتَ الْمُرْتَهِنُ وَلَمْ يُقِرَّ، وَلَمْ يَجْحَدْ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ جُحُودٌ حُكْمًا.
أَلَا تَرَى لَوْ أَخَّرَ شَيْئًا فَسَكَتَ يُسْمَعُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ جَحَدَ، وَلَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ لَا يُسْمَعُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ رَهَنْتَنِي هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ، وَقَالَ الرَّاهِنُ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ فَالْقَوْلُ لِلرَّاهِنِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْمُرْتَهِنِ يَدَّعِي عَلَيْهِ زِيَادَةَ رَهْنٍ وَهُوَ يُنْكِرُ الرَّهْنَ رَهَنَ عَبْدًا وَالدَّيْنُ أَلْفٌ فَذَهَبَ عَيْنُ الْعَبْدِ وَهُوَ يُسَاوِي أَلْفًا، فَقَالَ الرَّاهِنُ كَانَتْ هَذِهِ قِيمَتَهُ يَوْمَ رَهَنْتُك فَقَدْ ذَهَبَ نِصْفُ حَقِّك، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ بَلْ كَانَتْ خَمْسَمِائَةٍ يَوْمَئِذٍ وَازْدَادَتْ مِنْ بَعْدُ فَالْقَوْلُ لِلرَّاهِنِ وَالْبَيِّنَةُ لَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لِلْحَالِ أَلْفٌ فَيَكُونُ الْحَالُ شَاهِدًا لِلْمَاضِي كَمَنْ اسْتَأْجَرَ طَاحُونَةً وَاخْتَلَفَا فِي جَرَيَانِ الْمَاءِ وَانْقِطَاعِهِ يُحَكَّمُ الْحَالُ فَكَذَا الرَّاهِنُ بَيِّنَتُهُ تُثْبِتُ أَكْثَرَ الْقِيمَتَيْنِ وَبَيِّنَةُ الْمُرْتَهِنِ تَنْفِي فَكَانَتْ الْمُثَبِّتَةُ أَوْلَى وَإِذَا أَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ فَشَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ رَهَنَهُ بِأَلْفٍ وَالْأُخْرَى بِأَلْفَيْنِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الشَّاهِدَيْنِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الدَّيْنُ لَمْ يَثْبُتْ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهُ مَنُوطَةٌ بِالدَّيْنِ وَعِنْدَهُمَا هُوَ رَهْنٌ بِالْأَقَلِّ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ دَيْنُ أَلْفٍ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ هُمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي أَكْثَرَ الْمَالَيْنِ ادَّعَى الرَّاهِنُ الرَّهْنَ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَهِيَ قِيمَتُهُ وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ وَالْآخَرُ بِمِائَةٍ.
وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ عَلَيْهِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، وَهَذَا رَهْنٌ بِمِائَةٍ مِنْهَا فَالْقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ وَالْبَيِّنَةُ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الدَّيْنَ وَهُوَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ لِتَصَادُقِهِمَا عَلَيْهِ لَا بِالْبَيِّنَةِ وَتَصَادَقَا أَنَّ الْعَيْنَ رُهِنَ بِمِائَةٍ فَصَارَ رَهْنًا بِمِائَةٍ بِتَصَادُقِهِمَا عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ الرَّاهِنِ أَكْثَرُ إثْبَاتًا؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ زِيَادَةَ إيفَاءٍ عَلَى
стр. 2805
الْمُرْتَهِنِ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ وَهُوَ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ارْتَهَنَهُ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ جَاءَ لَازِمًا وَفِيهِ ضَمَانٌ وَلَا لُزُومَ وَلَا ضَمَانَ فِي الْوَدِيعَةِ فَكَانَتْ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ أَكْثَرَ إثْبَاتًا وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ بِأَنْ يَجْعَلَ كَأَنَّهُ أَوْدَعَهُ، ثُمَّ رَهَنَهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يُرَدُّ عَلَى الْإِيدَاعِ. وَأَمَّا الْإِيدَاعُ لَا يُرَدُّ عَلَى الرَّهْنِ إلَّا بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ، الرَّاهِنُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الرَّهْنِ وَالْآخَرُ عَلَى الْبَيْعِ جُعِلَ بَيْعًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَالرَّهْنُ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ جَانِبِ الْمُرْتَهِنِ وَالْبَيْعُ يُوجِبُ الْمِلْكَ لِلْحَالِ وَالرَّهْنُ لَا فَكَانَتْ بَيِّنَةُ الْبَيْعِ أَكْثَرَ إثْبَاتًا وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ بِأَنْ تُجْعَلَ كَأَنَّهُ رَهَنَ أَوَّلًا، ثُمَّ بَاعَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُرَدُّ عَلَى الرَّهْنِ وَالرَّهْنُ لَا يُرَدُّ عَلَى الْبَيْعِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ الْهِبَةَ وَالْقَبْضَ يُؤْخَذُ بِبَيِّنَةِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تُوجِبُ الْمَالَ لِلْحَالِ كَالْبَيْعِ ادَّعَى الشِّرَاءَ وَالْقَبْضَ وَالْآخَرُ ادَّعَى الرَّهْنَ وَالْقَبْضَ يُحْكَمُ بِالشِّرَاءِ إذَا كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ، فَإِنْ عَلِمَ بِتَقَدُّمِ الرَّهْنِ جُعِلَ رَهْنًا؛ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضًا مُعَايَنًا وَلَا يُنْقَضُ بِالشَّكِّ كَمَا لَوْ ادَّعَيَا الشِّرَاءَ مِنْ وَاحِدٍ وَلِأَحَدِهِمَا قَبْضٌ مُعَايَنٌ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَصَاحِبُ الْقَبْضِ أَوْلَى، وَلَوْ شَهِدَ الرَّاهِنَانِ بِأَنَّ الْمَرْهُونَ مِلْكُ آخَرَ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ يَجُرَّانِ؛ لِأَنْفُسِهِمَا نَفْعًا وَمَغْنَمًا؛ لِأَنَّهُمَا يُرِيدَانِ إبْطَالَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَنْ الرَّهْنِ عَلَيْهِمَا، وَفِي إبْطَالِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَنْ الرَّهْنِ نَفْعٌ لَهُمَا فِي الْجُمْلَةِ فَتَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ فِي شَهَادَتِهِمَا فَلَا تُقْبَلُ وَلِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ فِي مَعْنَى الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَسْعَيَانِ فِي نَقْضِ عَقْدٍ قَدِيمٍ وَشَهَادَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ إقْرَارٌ فَهَذَا إقْرَارٌ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّ الْمُرْتَهَن فَلَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ صَرِيحًا، وَلَوْ شَهِدَ الْمُرْتَهِنَانِ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا مَغْنَمًا وَلَا يَدْفَعَانِ مَغْرَمًا بَلْ يَضُرَّانِ بِأَنْفُسِهِمَا مَتَى كَانَ الرَّهْنُ قَائِمًا، وَإِنْ كَانَ هَالِكًا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا مَغْرَمًا؛ لِأَنَّ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ سَقَطَ الدَّيْنُ وَبَرِئَ الرَّاهِنُ عَنْ الدَّيْنِ ظَاهِرًا وَمَتَى قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُمَا بَاعَ رَجُلَانِ مَتَاعًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُمَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ ثُمَّ شَهِدَ أَنَّ الْعَبْدَ لِرَجُلٍ، وَقَالَا نَرْضَى أَنْ يَكُونَ دَيْنًا بِالرَّهْنِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِإِبْطَالِ حَقِّهِمَا فِي الْحَبْسِ وَلَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا مَغْنَمًا وَلَا يَدْفَعَانِ مَغْرَمًا وَلَا يَسْعَيَانِ فِي نَقْضِ عَقْدٍ.
وَلَوْ طَلَبَا لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ؛ لِأَنْفُسِهِمَا بِرَهْنٍ وَيَسْعَيَانِ فِي نَقْضِ عَقْدٍ تَمَّ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ لَهُمَا النَّقْضُ ادَّعَيَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ الرَّهْنُ فَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَمَّا إذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ فِي يَدِ الرَّاهِنِ وَالدَّعْوَى مِنْهُمَا حَالَ حَيَاةِ الرَّاهِنِ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَقَدْ أَرَّخَا ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ لَمْ يُؤَرِّخَا، فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يُؤَرِّخَا فَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَجَّحَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ بِالْيَدِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَبَقَ ارْتِهَانُهُ وَلِأَنَّ يَدَهُ صَحِيحَةٌ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهَا إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بُطْلَانَهَا كَمَا لَوْ ادَّعَيَا الشِّرَاءَ مِنْ وَاحِدٍ وَالْمَبِيعُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ أَرَّخَا يُقْضَى لِأَسْبَقِهِمَا تَارِيخًا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي آخِرُهُمَا تَارِيخًا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛ لِأَنَّهَا قَامَتْ عَلَى رَهْنٍ فَاسِدٍ وَكَانَ الَّذِي هُوَ أَسْبَقُ انْفَرَدَ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَرِّخَا لَا يُقْضَى لَهُمَا قِيَاسًا وَبِهِ نَأْخُذُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ بِنِصْفِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّ رَهْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَبَذَ بَيِّنَتَهُمَا مَعًا فَصَحَّ الرَّهْنُ فَصَارَ الْعَبْدُ مَحْبُوسًا بِحَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ هَذَا كُلُّهُ فِي حَالِ حَيَاةِ الرَّاهِنِ فَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ لَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ الْبَيِّنَةَ عَلَى ارْتِهَانِهِ مِنْهُ يُقْضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ بِنِصْفِهِ رَهْنًا بِنِصْفِ حَقِّهِ يُبَاعُ فِيهِ عِنْدَهُمَا وَمَا بَقِيَ لِلْغُرَمَاءِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُقْضَى لَهُمَا بِشَيْءٍ وَهُوَ قَوْلُ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالرَّهْنِ مِنْهُمَا قَضَاءٌ بِرَهْنٍ مُشَاعٌ وَأَنَّهُ بَاطِلٌ كَمَا فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ لَهُمَا أَنَّ الْقَصْدَ مَطْلُوبٌ بِحُكْمِهِ لَا بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِيَكُونَ وَسِيلَةً وَذَرِيعَةً إلَى حُكْمِهِ وَحِكْمَةُ الرَّهْنِ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ بِخِلَافِ حَالِ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ ثَمَّةَ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ هُوَ مِلْكُ الْيَدِ وَالْحَبْسُ وَلَا يَمْلِكُ اثْنَانِ الْيَدَ وَالْحَبْسَ فِي الْمُشَاعِ دَائِمًا فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِالرَّهْنِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي لَوْ اُدُّعِيَا الرَّهْنَ مِنْ اثْنَيْنِ فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ الْبَيِّنَةَ عَلَى الِارْتِهَانِ مِنْ آخَرَ وَالرَّهْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنَانِ غَائِبَيْنِ أَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ، فَإِنْ كَانَا غَائِبَيْنِ فَذُو الْيَدِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ أَسْبَقَ تَارِيخًا؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ لَا تُسْمَعُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقُمْ عَلَى خَصْمٍ؛ لِأَنَّ ذَا الْيَدِ أَثْبَتَتْ بَيِّنَتُهُ كَوْنَهَا رَهْنًا فِي حَقِّ مَا فِي يَدِهِ وَالْمُرْتَهِنُ لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَلَى الْمَالِكِ كَالْمُودِعِ فَكَانَ الشَّيْءُ رَهْنًا فِي يَدِ ذِي الْيَدِ كَمَا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنَانِ حَاضِرَيْنِ فَالْخَارِجُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كُلَّ
стр. 2806
وَاحِدٍ مِنْ الرَّاهِنَيْنِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَنَّهُ مِلْكُهُ وَرَهَنَهُ مِنْ الْمُدَّعِي وَيَجْعَلُ إقَامَتَهُ الْبَيِّنَةَ مِنْ الْمُرْتَهِنَيْنِ وَهُمَا يَحْتَاجَانِ إلَى إثْبَاتِ مِلْكِ الرَّاهِنَيْنِ لِيَصِحَّ رَهْنُهُمَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقَامَ الرَّاهِنَانِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ وَالشَّيْءُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا كَانَ الْخَارِجُ أَوْلَى فَكَذَا هَذَا.
وَإِنْ كَانَ رَاهِنُ الْخَارِجِ حَاضِرًا وَرَاهِنُ ذِي الْيَدِ غَائِبًا فَذُو الْيَدِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا لِمَنْ يَدَّعِي مِلْكًا فِي الرَّهْنِ كَالْمُودِعِ فَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ قَامَتْ لَا عَلَى خَصْمٍ، وَإِنْ كَانَ رَاهِنُ ذِي الْيَدِ حَاضِرًا وَرَاهِنُ الْخَارِجِ غَائِبًا فَكَذَلِكَ طَعَنَ عِيسَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ حَضْرَةُ رَاهِنِ ذِي الْيَدِ تَكْفِي لِلْقَضَاءِ لِلْخَارِجِ؛ لِأَنَّ رَاهِنَ ذِي الْيَدِ انْتَصَبَ خَصْمًا لِلْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ وَالرَّهْنُ مِنْ ذِي الْيَدِ وَالْخَارِجِ مُرْتَهَنٌ وَالْمُرْتَهَنُ بِمَنْزِلَةِ الْمُودِعِ وَالْمُودِعُ يَنْتَصِبُ خَصْمًا فِيمَا يَسْتَحِقُّ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ كَمَا لَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى الْمُودِعِ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْوَدِيعَةِ لِفُلَانٍ آخَرَ غَائِبٍ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ تُقْبَلُ فَكَذَا هَذَا وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ كَمَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ لِرَاهِنِهِ يَدَّعِي دَيْنًا وَهُوَ غَائِبٌ، وَلَيْسَ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ فَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَى إثْبَاتِ الدَّيْنِ فَلَا تُقْبَلُ عَلَى إثْبَاتِ الرَّهْنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَصِحُّ بِدُونِ الدَّيْنِ بِخِلَافِ الْمُودِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ عَلَى مُودِعِهِ شَيْئًا بَلْ يَدَّعِي الْمِلْكَ لَهُ فَيَنْتَصِبُ خَصْمًا فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ، وَلَوْ ادَّعَى وَاحِدٌ عَلَى رَجُلَيْنِ الرَّهْنَ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَنَّهُ رَهَنَهُ الْمَتَاعَ وَيَجْحَدَانِ الرَّهْنَ يَسْتَحْلِفُ مِنْ لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، وَإِنْ حَلَفَ حَلَفَ رَدَّ الرَّهْنَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الرَّهْنُ فِي حَقِّهِ فَلَا يُقْضَى بِهِ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ قَبْضًا بِالرَّهْنِ فِي نِصْفٍ مُشَاعٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَإِنْ نَكَلَ ثَبَتَ عَلَيْهِمَا عَلَى النَّاكِلِ بِالنُّكُولِ وَعَلَى الْآخَرِ بِالْبَيِّنَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ اثْنَيْنِ وَالرَّاهِنُ وَاحِدًا فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنِّي ارْتَهَنْت وَصَاحِبِي بِمِائَةٍ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ الْآخَرُ الرَّهْنَ يُرَدُّ عَلَى الرَّاهِنِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُقْضَى بِهِ رَهْنًا وَيُجْعَلُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَعَلَى يَدِ عَدْلٍ، فَإِنْ قَضَى الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ الْمُقِيمَ الْبَيِّنَةَ فَلَهُ أَخْذُ الرَّهْنِ، فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ ذَهَبَ نَصِيبُهُ لَا نَصِيبُ الْجَاحِدِ وَلَا رِوَايَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِيهِ لِمُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُدَّعِي إثْبَاتُ الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ إلَّا بَعْدَ إثْبَاتِهِ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مِنْ اثْنَيْنِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِقَبُولِهِمَا جَمِيعًا فَكَانَ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ سَبَبًا لِثُبُوتِ الرَّهْنِ فِي حَقِّهِ وَمَنْ أَنْكَرَ سَبَبَ ثُبُوتِ حَقِّ إنْسَانٍ يَنْتَصِبُ خَصْمًا لَهُ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى خَصْمِهِ كَمَا لَوْ ادَّعَى عَيْنًا فِي يَدِ إنْسَانٍ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَى ذَلِكَ وَمَتَى ثَبَتَ الرَّهْنُ مِنْهُمَا يُوضَعُ فِي نَوْبَةِ الْجَاحِدِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ فِي حَقِّ الْجَاحِدِ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي وَالرَّاهِن مَا رَضِيَ بِحِفْظِ الْمُدَّعِي وَحْدَهُ وَلِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ مَا يَدَّعِيهِ عَلَى صَاحِبِهِ لَيْسَ سَبَبًا لِثُبُوتِ حَقِّهِ بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِثُبُوتِ حَقِّهِ لَا قَوْلِ صَاحِبِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ إثْبَاتُ قَوْلِ صَاحِبِهِ وَهُوَ جَاحِدٌ كَمَا لَوْ اُدُّعِيَا هُنَا مِنْ اثْنَيْنِ وَهُوَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَرَاهِنُ ذِي الْيَدِ حَاضِرٌ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ عَلَى إثْبَاتِ الرَّهْنِ عَلَى الْغَائِبِ كَمَا بَيَّنَّا فَكَذَا هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمُرَجِّعُ وَالْمَآبُ.
[بَابٌ مَا يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ وَالِارْتِهَانُ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ]
لَمَّا ذَكَرَ مُقَدَّمَاتِ مَسَائِلِ الرَّهْنِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ تَفْصِيلَ مَا يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ وَالِارْتِهَانُ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ إذْ التَّفْصِيلُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْإِجْمَالِ قَالَ ﵀ (وَلَا يَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ) يَعْنِي لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ رَهْنُ الْمُشَاعِ قَابِلُ الْقِسْمَةِ وَغَيْرُهُ فَاسِدٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ إذَا قُبِضَ، وَقِيلَ بَاطِلٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْبَاطِلَ مِنْهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ مَالًا، وَلَمْ يَكُنْ الْمُقَابِلُ بِهِ مَضْمُونًا وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ تَمَامِ الْعَقْدِ لَا شَرْطُ جَوَازِهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ عِنْدَهُ بَيْعُهُ وَالْمُشَاعُ لَا يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ وَلَنَا أَنَّ مُوجِبَهُ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ وَاسْتِحْقَاقُ الْحَبْسِ الدَّائِمِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْحَبْسُ الدَّائِمُ فِي الْمُشَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْمُهَايَأَةِ قَبَضَهُ كَأَنَّهُ رَهَنَهُ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا وَلِهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ مَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ وَمَا لَا يَقْبَلُهَا بِخِلَافِ الْهِبَةِ حَيْثُ تَجُوزُ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهَا الْمِلْكُ وَلَا يَمْتَنِعُ بِالشُّيُوعِ وَلَا يَجُوزُ مِنْ شَرِيكِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْيَدِ فِي الْمُشَاعِ لَا يُتَصَوَّرُ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَأَمْسَكَهُ يَوْمًا بِحُكْمِ الرَّهْنِ وَيَوْمًا بِحُكْمِ الْمِلْكِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ
стр. 2807
رَهَنَهُ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ حَيْثُ تَجُوزُ فِي الْمُشَاعِ مِنْ الشَّرِيكِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا التَّمَكُّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ لَا الْحَبْسُ وَالشَّرِيكُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ ذَلِكَ وَالشُّيُوعُ الطَّارِئُ يَمْنَعُ بَقَاءَ الرَّهْنِ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْبَقَاءِ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ فَأَشْبَهَ الْهِبَةَ.
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الِامْتِنَاعَ لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ، وَفِي مِثْلِهِ يَسْتَوِي الِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ كَالْحُرِّيَّةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْمُشَاعَ لَا يُمْكِنُ حُكْمُهَا وَهُوَ الْمِلْكُ وَالْمَنْعُ فِي الِابْتِدَاءِ لِنَفْيِ الْغَرَامَةِ عَلَى مَا عَرَفَ وَلَا حَاجَةَ إلَى اعْتِبَارِهِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ وَلِهَذَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِي بَعْضِ الْمَوْهُوبِ وَلَا يَصِحُّ الْفَسْخُ فِي بَعْضِ الْمَرْهُونِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَلَا يَجُوزُ مَا هُوَ مَشْغُولٌ بِحَقِّ الْغَيْرِ، وَلَوْ رَهَنَ عَبْدًا نِصْفَهُ بِسِتِّمِائَةٍ وَنِصْفَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سُمِّيَ النِّصْفُ بَدَلًا عَلَى حِدَتِهِ صَارَ صَفْقَتَيْنِ كَأَنَّهُ رَهَنَ كُلَّ نِصْفٍ بِصَفْقَةٍ فِي الِابْتِدَاءِ فَوَقَعَ شَائِعًا فَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الْإِشَاعَةُ فِي الْعَقْدِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ فَيَصِيرُ تَفْرِيعًا إلَى آخِرِهِ مَعَ أَنَّ الْمَانِعَ الْإِشَاعَةُ عِنْدَ الْقَبْضِ فَلَوْ قَالَ وَلَا يَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ عَقْدًا وَقَبْضًا لَكَانَ أَوْلَى، وَلَوْ رَهَنَ قُلْبًا وَزْنُهُ عِشْرُونَ دِرْهَمًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَكَسَرَهُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ نِصْفَ الْقُلْبَ وَيَصِيرُ شَرِكَةً بَيْنَهُمَا بِصُورَةِ الشُّيُوعِ الطَّارِئِ.
قَالَ ﵀ (وَلَا الثَّمَرَةُ عَلَى النَّخْلِ دُونَهَا وَلَا زَرْعٌ فِي الْأَرْضِ دُونَهَا وَلَا نَخْلٌ فِي الْأَرْضِ دُونَهَا) ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي الرَّهْنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَلَا يُمْكِنُ قَبْضُ الْمُتَّصِلِ وَحْدَهُ فَصَارَ فِي مَعْنَى الْمُشَاعِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ رَهْنَ الْأَرْضِ دُونَ الشَّجَرِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ اسْمٌ لِلنَّبَاتِ فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءُ الْأَشْجَارِ بِمَوَاضِعِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا رَهَنَ الدَّارَ دُونَ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ اسْمٌ لِلْمَبْنِيِّ فَتَكُونُ الْأَرْضُ جَمِيعًا رَهْنًا وَهِيَ مَشْغُولَةٌ بِمِلْكِ الرَّاهِنِ، وَلَوْ رَهَنَ النَّخْلَ بِمَوَاضِعِهَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَ الْأَرْضَ بِمَا فِيهَا مِنْ النَّخْلِ وَذَلِكَ جَائِزٌ وَمُجَاوَرَةُ مَا لَيْسَ بِرَهْنٍ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ وَيَدْخُلُ فِي رَهْنِ الْأَرْضِ النَّخْلُ وَالتَّمْرُ عَلَى النَّخْلِ وَالزَّرْعُ وَالرَّطْبَةُ وَالْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِاتِّصَالِهِ فَيَدْخُلُ تَبَعًا تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ حَيْثُ لَا تَدْخُلُ هَذِهِ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ سِوَى النَّخْلِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْأَرْضِ بِدُونِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ جَائِزٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى إدْخَالِهَا فِي الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ وَبِخِلَافٍ الْمَتَاعِ الْمَوْضُوعِ بِهَا حَيْثُ لَا يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَابِعٍ لَهَا وَلِهَذَا لَوْ بَاعَهَا بِكُلِّ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ هُوَ فِيهَا أَوْ مِنْهَا لَا يَدْخُلُ الْمَتَاعُ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ تَدْخُلُ.
وَكَذَا تَدْخُلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي رَهْنِ الدَّارِ وَالْقَرْيَةِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ اُسْتُحِقَّ بَعْضُهُ إنْ كَانَ الْبَاقِي يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الرَّهْنِ عَلَيْهِ وَأَخْذُهُ جَازَ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحَقُّ مَوْضِعًا مُعَيَّنًا؛ لِأَنَّ رَهْنَهُ ابْتِدَاءً يَجُوزُ فَكَذَا بَقَاءً، وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الرَّهْنِ عَلَيْهِ بِأَنْ اسْتَحَقَّ جُزْءًا شَائِعًا أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الشَّائِعِ كَالتَّمْرِ وَنَحْوِهِ بَطَلَ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَنَّ الرَّهْنَ وَقَعَ بَاطِلًا وَيَمْنَعُ التَّسْلِيمَ كَوْنُ الرَّاهِنِ أَوْ مَتَاعِهِ فِي الدَّارِ الْمَرْهُونَةِ حَتَّى إذَا رَهَنَ دَارًا وَهُوَ فِيهَا، وَقَالَ سَلَّمْتهَا إلَيْك لَا يَتِمُّ الرَّهْنُ حَتَّى يَقُولَ بَعْدَ مَا خَرَجَ مِنْ الدَّارِ سَلَّمْتهَا إلَيْك؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ الْأَوَّلَ وَهُوَ فِيهَا وَقَعَ بَاطِلًا لِشُغْلِهَا بِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ التَّسْلِيمِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا كَمَا إذَا سَلَّمَهَا وَمَتَاعُهُ فِيهَا وَيُمْنَعُ تَسْلِيمُ الدَّابَّةِ الْمَرْهُونَةِ الْحِمْلِ الَّذِي عَلَيْهَا فَلَا يَتِمُّ حَتَّى يُلْقَى الْحِمْلُ بِخِلَافِ مَا إذَا رَهَنَ الْحِمْلَ دُونَهَا حَتَّى يَكُونَ رَهْنًا إذَا دَفَعَ الدَّابَّةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ مَشْغُولَةٌ فَصَارَ كَمَا إذَا رَهَنَ مَتَاعًا فِي دَارٍ أَوْ فِي وِعَاءٍ دُونَ الدَّارِ، وَالْوِعَاءُ بِخِلَافِ مَا إذَا رَهَنَ سَرْجًا عَلَى دَابَّةٍ أَوْ لِجَامًا فِي رَأْسِهَا وَدَفَعَ الدَّابَّةَ فِي السَّرْجِ وَاللِّجَامِ حَيْثُ لَا يَكُونُ رَهْنًا حَتَّى يَنْزِعَهُ مِنْهَا ثُمَّ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الدَّابَّةِ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَرَةِ لِلنَّخْلِ حَتَّى قَالُوا يَدْخُلُ فِي رَهْنِ الدَّابَّةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ، وَفِي التَّتِمَّةِ سَأَلَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ عَمَّرَ عِمَارَةً عَلَى أَرْضِ السُّلْطَانِ كَحَانُوتٍ أَوْ غَيْرِهِ وَرَهَنَهُ وَسَلَّمَ لِلْمُرْتَهِنِ أَخَذَ الْأُجْرَةَ قَالَ لَا يَصِحُّ وَلَا يَطِيبُ لِلْمُرْتَهِنِ.
قَالَ: وَفِي الْمُحِيطِ: وَلَوْ رَهَنَ النَّخْلَ وَالشَّجَرَ وَالْكَرْمَ بِمَوَاضِعِهَا مِنْ الْأَرْضِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ قَبْضُهَا بِمَا فِيهَا بِالتَّخْلِيَةِ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ دُونَهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ دُونَهَا لَصَحَّ الرَّهْنُ فِي الْكُلِّ، وَلَوْ قَالَ رَهَنْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ أَوْ هَذِهِ الدَّارَ يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ كُلُّ مَا كَانَ مُتَّصِلًا بِالْمَرْهُونِ مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ وَالثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَالرَّطْبَةِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَجُوزُ بِدُونِ مَا يَصِلُ بِهِ فَكَانَ إطْلَاقُ الْعَقْدِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا فِيهِ تَصْحِيحُهُ فَيَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ تَبَعًا تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ، وَلَوْ رَهَنَ الدَّارَ بِمَا فِيهَا صَحَّ إذَا خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّارِ بِمَا فِيهَا وَيَصِيرُ الْكُلُّ رَهْنًا. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ سُئِلَ عَنْ رَهْنِ عَشَرَةٍ مِنْ الْكُرْدِ وَقَبَضَهَا الْمُرْتَهِنُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ وَاحِدَةً مُسْبِلَةً وَأُخْرَى مُشَاعَةَ بَيْنَ الرَّاهِنِ وَغَيْرِهِ كَيْفَ يَبْقَى الرَّهْنُ فِي الْبَوَاقِي مِنْ الْكُرْدِ الْفَارِغَةِ، فَقَالَ فِي الْبَوَاقِي الرَّهْنُ صَحِيحٌ
стр. 2808
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ حَتَّى لَوْ بَاعَ هَذِهِ الْكُرْدَةَ الْفَارِغَةَ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ إجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ حَتَّى يَقْضِيَ بِالدَّيْنِ وَسُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ وَالْخُجَنْدِيُّ عَنْ الرَّجُلِ اسْتَأْجَرَ دَارًا إجَارَةً صَحِيحَةً وَسَلَّمَهَا فَارِغَةً، ثُمَّ إنَّ الْمُؤَجِّرَ رَهْنَهَا مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ هَلْ يَصِحُّ هَذَا الرَّهْنُ وَهَلْ تَبْقَى الْإِجَارَةُ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ تَصِيرُ رَهْنًا مَعَ وُجُودِ الْقَبْضِ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ صَحَّ الرَّهْنُ وَانْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ وَعَنْ أَبِي حَامِدٍ رَجُلٌ دَفَعَ لِرَجُلٍ رَهْنًا عَلَى ثَمَانِمِائَةٍ فَدَفَعَ لَهُ ثَلَاثَمِائَةٍ بَعْدَ أَنْ قَبَضَ الرَّهْنَ وَامْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ الْبَاقِي.
قَالَ يَكُونُ رَهْنًا بِهَذَا الْقَدْرِ وَسُئِلَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ الدَّارِ الْمَرْهُونَةِ إذَا غُصِبَتْ مِنْ إنْسَانٍ وَأَتْلَفَ مِنْهَا جُزْءًا أَوْ كُلَّهَا يَضْمَنُ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ قَالَ يَضْمَنُ، وَكَذَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَلْوَانِيُّ فِي شَرْحِهِ وَسُئِلَ الْخُجَنْدِيُّ عَنْ رَجُلٍ رَهَنَ عِنْدَ آخَرَ وَكَفَلَتْ زَوْجَتُهُ لِرَبِّ الدَّيْنِ بِإِذْنِ الزَّوْجِ فَطَالَبَ رَبُّ الدَّيْنِ الْكَفِيلَ بِإِيفَاءِ الدَّيْنِ فَحَبَسَهُ الْقَاضِي وَعَجَزَ عَنْ أَدَائِهِ هَلْ لِلْقَاضِي أَنْ يَبِيعَ الرَّهْنَ قَالَ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا نَعَمْ وَسُئِلَ أَبُو الْفَضْلِ عَنْ رَجُلٍ رَهَنَ عِنْدَ آخَرَ دَارًا إلَى سَنَةٍ بِدَيْنٍ عَلَى الرَّاهِنِ وَقَبَضَ الدَّارَ هَلْ يَكُونُ التَّأْجِيلُ مُفْسِدًا لِلرَّهْنِ قَالَ إنْ كَانَ الْأَجَلُ فِي الرَّهْنِ فَسَدَ، وَإِنْ كَانَ فِي الدَّيْنِ لَا يَفْسُدُ، وَهَكَذَا فِي الْإِيضَاحِ سُئِلَ عَنْ الْمُرْتَهِنِ إذَا مَاتَ وَوَرَثَتُهُ يَعْرِفُونَ الرَّهْنَ وَلَا يَعْرِفُونَ الرَّاهِنَ وَيَطْلُبُونَ الْخُرُوجَ عَنْ الْعُهْدَةِ هَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ اللُّقَطَةِ قَالَ يُحْفَظُ حَتَّى يَظْهَرَ الْمَالِكُ، وَفِي التَّجْرِيدِ لَوْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ أَوْ ثَوْبَيْنِ، وَلَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ وَاحِدٍ شَيْئًا مِنْ الدَّيْنِ يَقْسِمُ الدَّيْنَ عَلَى قِيمَةِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ فَمَا أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ وَهُوَ مَضْمُونٌ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِمَّا سُمِّيَ أَوْ رَهَنَ شَاتَيْنِ بِثَلَاثِينَ أَحَدِهِمَا بِعَشَرَةٍ وَالْأُخْرَى بِعِشْرِينَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَيَّهُمَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ بِسَبَبِ هَذِهِ الْجَهَالَةِ تَقَعُ بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ عِنْدَ الْهَلَاكِ، فَإِنَّهُ إذَا هَلَكَتْ إحْدَاهُمَا لَا يَدْرِي مَا يُسْقِطُ مِنْ الدَّيْنِ بِأَدَاءِ عَشَرَةٍ أَوْ عِشْرِينَ فَيَتَنَازَعَانِ فِي ذَهَابِ الدَّيْنِ بِهَلَاكِهَا فَلَوْ بَيَّنَ فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا سَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الدَّيْنِ انْقَطَعَتْ الْمُنَازَعَةُ، وَفِي الْمُنْتَقَى.
وَلَوْ قَالَ رَهَنْتُك النَّخْلَ بِأُصُولِهِ جَازَ إذَا سَمَّى بِأُصُولِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ بِأُصُولِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ إلَّا بِأُصُولِهِ فَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ بِدُونِهِ، وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رَجُلٍ عِنْدَ رَجُلٍ جَارِيَةٌ لَهَا زَوْجٌ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يُوجِبُ نَقْصًا فِي الرِّقِّ وَالْمَالِيَّةِ، وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُ الزَّوْجِ مِنْ غَشَيَانِهَا؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهَا وَهِيَ مَشْغُولَةٌ بِحَقِّ الزَّوْجِ وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَنَافِعِ الْبُضْعِ فَحَقُّ الزَّوْجِ فِيهَا لَا يُفْسِدُ الرَّهْنَ، فَإِنْ وَطِئَهَا الزَّوْجُ فَمَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ سَقَطَ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مِنْ الزَّوْجِ لَيْسَ بِجِنَايَةٍ فَأَشْبَهَ الْمَوْتَ مِنْ الْمَرَضِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَوْ رَهَنَ جَارِيَةً لَا زَوْجَ لَهَا فَزَوَّجَهَا الرَّاهِنُ بِرِضَى الْمُرْتَهِنِ فَهَذَا مِثْلُ الْأَوَّلِ، وَلَوْ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ رِضَا الْمُرْتَهِنِ جَازَ النِّكَاحُ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِيهَا وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ غَشَيَانِهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَمْ يُعْقَدْ بِرِضَاهُ وَثُبُوتُ حَقِّهِ فِي الْحَبْسِ سَابِقٌ عَلَى تَعَلُّقِ حَقِّ الزَّوْجِ فَإِنْ غَشِيَهَا فَالْمَهْرُ رَهْنٌ مَعَهَا، وَإِنْ لَمْ يَغْشَهَا لَمْ يَكُنْ الْمَهْرُ رَهْنًا مَعَهَا؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْوَطْءِ، فَإِنْ مَاتَتْ مِنْ غَشَيَانِهَا، فَإِنْ شَاءَ الْمُرْتَهِنُ ضَمَّنَ الرَّاهِنَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الزَّوْجَ، فَإِنْ ضَمِنَ الزَّوْجُ يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى إنْ كَتَمَ الرَّهْنَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَتَمَهُ عَنْهُ لَا يَرْجِعُ.
ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ رَجُلٌ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ، ثُمَّ رَهَنَهَا الْمَوْلَى فَالرَّهْنُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِمَوْلَاهُ، وَإِنْ وَلَدَتْ فَنَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ لَمْ يَذْهَبْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ بِنُقْصَانِ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا رَهَنَهَا وَهِيَ حَامِلٌ وَالْحَمْلُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْوِلَادَةِ وَالْوِلَادَةُ لَا تَنْفَكُّ عَنْ النُّقْصَانِ عَادَةً فَهَذَا النُّقْصَانُ حَصَلَ بِسَبَبٍ فِي يَدِ الرَّاهِنِ فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دِينَارٌ فَدَفَعَ إلَيْهِ دِينَارَيْنِ، فَقَالَ خُذْ أَحَدَهُمَا قَضَاءً يَكُونُ لَك فَضَاعَا قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فَدَيْنُهُ عَلَى حَالِهِ وَهُوَ مُؤْتَمَنٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الِاقْتِضَاءُ وَالِاسْتِيفَاءُ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ وَقَبْضُ الْمَجْهُولِ لَا يُتَصَوَّرُ، وَلَوْ قَالَ آخُذُهُمَا قَضَاءً لَك كَانَ قَبْضًا لَهُ بِدَيْنِهِ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الرَّهْنَ.
قَالَ ﵀ (وَلَا بِالْأَمَانَاتِ وَبِالدَّرَكِ وَبِالْمَبِيعِ) أَيْ لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَمَّا بِالْأَمَانَاتِ كَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَمَالِ الشَّرِكَةِ فَلِأَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ بِمَا رَهَنَ بِهِ لِكَوْنِهِ اسْتِيفَاءً فَلَا بُدَّ مِنْ ضَمَانِ الْمَرْهُونِ لِيَقَعَ الرَّهْنُ مَضْمُونًا وَيَتَحَقَّقُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ وَالْأَمَانَاتُ لَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ عَيْنِهَا حَالَ بَقَائِهَا وَعَدَمِ وُجُوبِ الضَّمَانِ بَعْدَ هَلَاكِهَا فَصَارَ كَالْعَبْدِ الْجَانِي وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالشُّفْعَةِ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْمُشْتَرِي بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ كَالْمَغْصُوبِ وَبَدَلِ الْخَلْعِ وَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ حَيْثُ يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِيهَا
стр. 2809
يَتَقَدَّرُ إذْ الْوَاجِبُ فِيهَا الْقِيمَةُ وَالْعَيْنُ مَخْلَصٌ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَلِلْقِيمَةِ فِيهَا شُبْهَةُ الْوُجُوبِ عَلَى مَا قَالَهُ الْبَعْضُ فَيَكُونُ رَهْنًا بِمَا تَعَذَّرَ وُجُوبُهُ وَسَبَبُهُ. وَأَمَّا الدَّرَكُ فَلِأَنَّ الرَّهْنَ اسْتِيفَاءٌ وَلَا اسْتِيفَاءَ قَبْلَ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الدَّرَكِ ضَمَانُ الثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ فَمَا لَا يُسْتَحَقُّ لَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ، وَكَذَا بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ حَتَّى يُحْكَمَ بِرَدِّ الثَّمَنِ وَيُفْسَخَ الْبَيْعُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُجِيزَ الْمُسْتَحِقُّ الْبَيْعَ بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ بِهِ حَيْثُ تَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِشَرْطٍ مُلَائِمٍ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ؛ لِأَنَّهَا الْتِزَامُ الْمُطَالَبَةِ وَالْتِزَامُ الْأَفْعَالِ مُعَلَّقًا أَوْ مُضَافًا إلَى الْمَالِ جَائِزٌ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَلَا كَذَلِكَ الرَّهْنُ، فَإِنَّهُ اسْتِيفَاءٌ فَيَكُونُ تَمْلِيكًا وَالتَّمْلِيكَاتُ بِأَسْرِهَا لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا وَلَا إضَافَتُهَا فَافْتَرَقَا.
وَلَوْ قُبِضَ الرَّهْنُ بِالدَّرَكِ قَبْلَ الْوُجُوبِ بِالِاسْتِحْقَاقِ فَهَلَكَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي يَهْلِكُ أَمَانَةً؛ لِأَنَّهُ لَا عَقْدَ حِينَئِذٍ فَوَقَعَ بَاطِلًا بِخِلَافِ الرَّهْنِ بِالدَّيْنِ الْمَوْعُودِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ رَهَنْتُك هَذَا بِأَلْفٍ لِتُقْرِضَنِي وَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ حَيْثُ يَهْلِكُ مَا سَمَّى مِنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمَوْعُودَ جُعِلَ كَالْمَوْجُودِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ بَلْ جَعَلَ مَوْجُودًا اقْتِضَاءً؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ اسْتِيفَاءٌ وَالِاسْتِيفَاءُ لَا يَسْبِقُ الْوُجُوبَ بَلْ يَتْلُوهُ وَلَا بُدَّ مِنْ سَبْقِ الْوُجُودِ لِيَكُونَ الِاسْتِيفَاءُ مُتَسَبِّبًا عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِجِهَةِ الرَّهْنِ الَّذِي يَصِحُّ عَلَى اعْتِبَارِ وُجُودِهِ فَيُعْطَى لَهُ حُكْمُهُ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْأَقَلِّ مِمَّا سَمَّى وَمِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ إذَا سَمَّى قَدْرَ الْمَوْعُودِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ قَدْرَهُ بِأَنْ رَهَنَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا فَهَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ يُعْطِي الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ بِالْهَلَاكِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا شَيْئًا فَيَكُونُ بَيَانُهُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ قَالَ أَقْرِضْنِي وَخُذْ هَذَا رَهْنًا، وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا وَهَلَكَ يَضْمَنُ قِيمَةَ الرَّهْنِ بِخِلَافِ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ حَيْثُ يَجِبُ عَلَى الْقَابِضِ جَمِيعُ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِنَفْسِهِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْمَغْصُوبِ فَلَا يَتَقَدَّرُ بِغَيْرِهِ وَلَا كَذَلِكَ الرَّهْنُ، فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِغَيْرِهِ وَهُوَ الدَّيْنُ فَيَكُونُ مُقَدَّرًا بِهِ. وَرَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تَجِبُ قِيمَةُ الرَّهْنِ فِي الدَّيْنِ الْمَوْعُودِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ.
وَأَمَّا بِالْمَبِيعِ فَلِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ حَتَّى إذَا هَلَكَ ذَهَبَ بِالثَّمَنِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ شَيْءٌ وَالرَّهْنُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا وَلَا يَجُوزُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِغَيْرِهَا كَالرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَ هَلَكَ الرَّهْنُ بِالْمَبِيعِ ذَهَبَ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ اعْتِبَارُ الْبَاطِلِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي شَيْءٌ.
قَالَ ﵀ (وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِدَيْنٍ، وَلَوْ مَوْعُودًا) وَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَعْنَى فِيهِ وَهُوَ أَنَّ الرَّهْنَ اسْتِيفَاءٌ وَالِاسْتِيفَاءُ يَتَحَقَّقُ فِي الْوَاجِبِ وَهُوَ الدَّيْنُ، ثُمَّ وُجُوبُ الدَّيْنِ ظَاهِرًا يَكْفِي لِصِحَّةِ الرَّهْنِ وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُوبُهُ حَقِيقَةً لِمَا ذَكَرْنَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، فَإِذَا هَلَكَ الرَّهْنُ بِالْمَوْعُودِ هَلَكَ بِمَا يُسَمَّى مِنْ الْمَالِ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ فِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ يَهْلِكُ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِمَّا سُمِّيَ لَهُ مِنْ الْقَرْضِ، أَلَا تَرَى إلَى مَا قَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَلَوْ أَخَذَ الرَّهْنَ بِشَرْطِ أَنْ يُقْرِضَهُ كَذَا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْرِضَهُ هَلَكَ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِمَّا سُمِّيَ لَهُ الْقَرْضُ اهـ.
قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ هَلَكَ بِمَا يُسَمِّي مِنْ الْمَالِ بِمُقَابَلَتِهِ هَذَا إذَا سَاوَى الرَّهْنُ الدَّيْنَ قِيمَةً وَإِنَّمَا أُطْلِقَ جَرْيًا عَلَى الْعَادَةِ إذْ الظَّاهِرُ أَنْ يُسَاوِيَ الرَّهْنُ الدَّيْنَ اهـ.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَقُولُ: فِيهِ قُصُورٌ بَيِّنٌ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ كَمَا يَتَمَشَّى فِيمَا إذَا سَاوَى قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ فَلَا حَاجَةَ لِتَخْصِيصِهِ بِصُورَةِ الْمُسَاوَاةِ فَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ فِي الْبَيَانِ هَذَا إذَا سَاوَى قِيمَةَ الرَّهْنِ مَا سُمِّيَ لَهُ مِنْ الْقَرْضِ أَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَيَهْلِكُ بِقِيمَةِ الرَّهْنِ إذَا فَسَدَ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ وَلَكِنْ الْمُصَنِّفُ ذَكَرَ هُنَا قَوْلَهُ حَيْثُ يَهْلِكُ بِمَا سَمَّى لَهُ مِنْ الدَّيْنِ فِي صُورَةِ الْإِطْلَاقِ جَرْيًا عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ الْغَالِبُ مِنْ كَوْنِ قِيمَةِ الرَّهْنِ مُسَاوِيَةً لِلدَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي الْفَتَاوَى رَجُلٌ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَنَزَلَ خَانًا، فَقَالَ صَاحِبُ الْخَانِ لَا يَنْزِلُ هُنَا أَحَدٌ مَا لَمْ يُعْطِ شَيْئًا فَدَفَعَ إلَيْهِ ثِيَابَهُ فَهَلَكَتْ عِنْدَهُ إنْ رَهَنَهَا مِنْ قَبْلِ الْأُجْرَةِ فَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ ظَنَّهُ سَارِقًا فَخَشِيَ مِنْهُ يَضْمَنُ صَاحِبُ الْخَانِ، كَذَا قَالَ عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا بِالدَّفْعِ إلَيْهِ، وَلَوْ رَهَنَ ثَوْبًا، فَقَالَ أَمْسِكْهُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَهَلَكَ الثَّوْبُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الثَّوْبِ إلَّا أَنْ يُجَاوِزَ قِيمَتُهُ عِشْرِينَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الرَّهْنِ رَهْنُ دَابَّتَيْنِ عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ مِائَةً، وَقِيمَةُ إحْدَاهُمَا
стр. 2810
خَمْسُونَ وَالْأُخْرَى ثَلَاثُونَ فَقَبَضَ مَا قِيمَتَهَا خَمْسُونَ فَهَلَكَتْ يَرُدُّ خَمْسِينَ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ لَا بِالْمُسَمَّى كَالْمَقْبُوضِ بِجِهَةِ الْبَيْعِ.
فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأُخْرَى لَهُ ذَلِكَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَرْضِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَازِمٌ فِي جَانِبِ الرَّاهِنِ فَمَا شَرَطَ عَلَى الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ يَكُونُ لَازِمًا، وَفِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِيهِ لَا يَكُونُ لَازِمًا وَالْقَرْضُ مَشْرُوطٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَلَا يَكُونُ لَازِمًا فِي حَقِّهِ، وَلَوْ نَفَقَتْ الْأُخْرَى عِنْدَ الرَّهْنِ وَاخْتُلِفَ فِي قِيمَةِ الَّتِي هَلَكَتْ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَالْقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ يَدَّعِي عَلَى الْمُرْتَهِنِ زِيَادَةَ ضَمَانٍ وَهُوَ يُنْكِرُ، وَإِنْ نَفَقَتْ إحْدَاهُمَا يُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الْبَاقِي فَتَظْهَرُ قِيمَةُ الْهَالِكِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى اخْتِلَافِهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ مَا وَقَعَ التَّنَازُعُ فِيهِ لَا مِنْ جِهَتِهِمَا ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى رَجُلٌ رَهَنَ رَجُلًا ثَوْبًا، فَقَالَ لَهُ إنْ لَمْ أُعْطِك إلَى كَذَا، وَكَذَا فَهُوَ بَيْعٌ لَك بِمَا لَك عَلَيَّ قَالَ لَا يَجُوزُ. وَقَوْلُهُ ﵊ «لَا يُعَلَّقُ الرَّهْنُ» هُوَ هَذَا، وَلَوْ رَهَنَ الْغَاصِبُ بِالْمَغْصُوبِ رَهْنًا وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ ضَمِنَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ وَقِيمَةِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى جِهَةِ الضَّمَانِ، وَلَيْسَ يَكُونُ الْمَغْصُوبُ دَيْنًا يَدْفَعُ بِهِ رَهْنًا وَلَكِنَّهُ لَمَّا رَهَنَهُ صَارَ رَهْنًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا.
قَالَ ﵀ (وَبِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَثَمَنِ الصَّرْفِ وَالْمُسْلَمِ فِيهِ) أَيْ يَجُوزُ الرَّهْنُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَقَالَ زُفَرُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ الِاسْتِيفَاءُ وَذَلِكَ بِالِاسْتِبْدَالِ وَالِاسْتِبْدَالُ حَرَامٌ فِي بَدَلِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وَلَنَا أَنَّهُ اسْتِيثَاقٌ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالرَّهْنِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِالْمَالِيَّةِ لَا بِالْعَيْنِ وَلِهَذَا تَكُونُ عَيْنُهُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ حَتَّى تَجِبَ نَفَقَتُهُ حَيًّا وَكَفَنُهُ مَيِّتًا عَلَى الرَّاهِنِ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَوْفِيًا بِهِ لَوَجَبَ عَلَى الرَّاهِنِ وَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ جِنْسٌ وَاحِدٌ فَيَجُوزُ اسْتِيفَاءٌ لَا مُبَادَلَةٌ. قَالَ فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا، ثُمَّ تَقَابَضَا، ثُمَّ تَفَاسَخَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْبَيْعِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ وَأَخَذَ بِالرَّهْنِ رَهْنًا، ثُمَّ تَقَايَلَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الرَّهْنَ حَتَّى يَقْبِضَ الْمَبِيعَ، فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ هَلَكَ بِالثَّمَنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا أَسْلَمَ خَمْسَمِائَةٍ فِي طَعَامٍ فَرَهَنَ مِنْهُ عَبْدًا يُسَاوِي الطَّعَامَ وَقَبَضَهُ، ثُمَّ صَالَحَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ فَالْقِيَاسُ لَا يَقْبِضُ الرَّاهِنُ الْعَبْدَ وَرَأْسُ الْمَالِ دَيْنٌ عَلَيْهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُجْعَلُ رَهْنًا بِدَيْنِهِ وَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ غَيْرُ الْمُسْلَمِ فِيهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ وَجَبَ بِالْعَقْدِ وَرَأْسُ الْمَالِ وَجَبَ بِالْإِقَالَةِ وَهُمَا ضِدَّانِ فَمَا وَجَبَ بِأَحَدِهِمَا لَا يُعْتَبَرُ بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ فَالرَّهْنُ بِالطَّعَامِ لَا يَكُونُ رَهْنًا بِهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ بَدَلٌ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَائِمٌ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بَدَلًا لَهُ فِي الْعَقْدِ وَبِالْإِقَالَةِ وَالصُّلْحِ لَمَّا أُسْقِطَ حَقُّهُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ عَادَ حَقُّهُ إلَى بَدَلِهِ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ دَيْنًا حَادِثًا لَكِنْ لَمَّا قَامَ مَقَامَ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَادَ حَقُّهُ إلَى بَدَلِهِ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ إثْبَاتًا وَإِسْقَاطًا فَالرَّهْنُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ يَكُونُ رَهْنًا بِمَا قَامَ مَقَامَهُ الرَّهْنُ بِالْمَغْصُوبِ رَهْنٌ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَهُ فَمَنْ اسْتَوْفَى رَأْسَ الْمَالِ، ثُمَّ هَلَكَ عِنْدَهُ الْعَبْدُ مِنْ غَيْرِ صَنِيعٍ يُعْطِيهِ الْمُرْتَهِنُ مِثْلَ الطَّعَامِ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ رَأْسَ مَالِهِ أَقْرَضَ رَجُلًا كُرَّ حِنْطَةٍ وَارْتَهَنَ مِنْهُ ثَوْبًا قِيمَةَ الْكُرِّ وَصَالَحَهُ مَنْ عَلَيْهِ الْحِنْطَةُ عَلَى كُرِّ شَعِيرٍ بِعَيْنِهِ يَصِيرُ الثَّوْبُ رَهْنًا بِالشَّعِيرِ، فَإِذَا هَلَكَ يَهْلِكُ مَضْمُونًا بِالْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّهُ بَرِئَ عَنْ الْحِنْطَةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَرِئَ بِالْإِيفَاءِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ رَهْنًا وَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا كَزَوَائِدِ الرَّهْنِ يَكُونُ مَحْبُوسًا وَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ اسْتِيفَاءٌ حُكْمِيٌّ وَالِاسْتِيفَاءُ الْحُكْمِيُّ لَا يَرْبُو عَلَى الِاسْتِيفَاءِ الْحَقِيقِيِّ، وَلَوْ اسْتَوْفَى الْمُسْلَمَ فِيهِ حَقِيقَةً ثُمَّ تَقَايَلَا السَّلَمَ صَحَّتْ الْإِقَالَةُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ طَعَامًا وَيَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ فَكَذَا إذَا اصْطَلَحَا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ الْحُكْمِيِّ، وَذَكَرَ مَسْأَلَةً فِي الصَّرْفِ إنْسَانٌ اشْتَرَى أَلْفَ دِرْهَمٍ بِمِائَةٍ دِينَارٍ وَقَبَضَ الْأَلْفَ فَأَعْطَاهُ بِالْمِائَةِ الدِّينَارَ رَهْنًا يُسَاوِيهَا ثُمَّ تَفَرَّقَا فَسَدَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الِافْتِرَاقَ قَبْلَ قَبْضِ الدَّنَانِيرِ فَصَارَتْ الدَّرَاهِمُ مَقْبُوضَةً فِي يَدِ مُشْتَرِيهَا بِحُكْمِ صَرْفٍ فَاسِدٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الرَّهْنِ حَتَّى يَرُدَّ الْأَلْفَ، فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ رَجَعَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَالْمُرْتَهِنُ بِالْأَلْفِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ بَدَلٌ عَنْ الدَّنَانِيرِ وَالرَّهْنُ بِالشَّيْءِ يَكُونُ رَهْنًا بِهِ وَبِبَدَلِهِ فَيَكُونُ مَحْبُوسًا بِالدَّنَانِيرِ مَضْمُونًا بِالدَّرَاهِمِ، فَإِذَا هَلَكَ الرَّهْنُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا لِلدَّنَانِيرِ فِي صَرْفٍ فَاسِدٍ فَكَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ رَدُّ الدَّنَانِيرِ عَلَى الرَّاهِنِ الدَّرَاهِمِ، فَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى ضَاعَ الرَّهْنُ فَهُوَ بِالْمِائَةِ الدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا لِلدَّنَانِيرِ فِي الْمَجْلِسِ حُكْمًا بِهَلَاكِ الرَّهْنِ فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ اسْتَوْفَى حَقِيقَةً فَكَانَ الصَّرْفُ جَائِزًا. قَالَ ﵀ (فَإِنْ هَلَكَ صَارَ مُسْتَوْفِيًا) لِوُجُودِ الْقَبْضِ وَاتِّحَادِ الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ
стр. 2811
الْمَالِيَّةُ وَهُوَ الْمَضْمُونُ فِيهِ هَذَا إذَا هَلَكَ الرَّهْنُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ، وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ الْهَلَاكِ بَطَلَ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ لِفَوَاتِ الْقَبْضِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا هَذَا إذَا كَانَ رَهْنًا بِبَدَلِ الصَّرْفِ أَوْ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَإِنْ كَانَ رَهْنًا بِالْمُسْلَمِ فِيهِ لَا يَبْطُلُ بِالِافْتِرَاقِ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ لَا يَجِبُ فِي الْمَجْلِسِ.
ثُمَّ إنْ هَلَكَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ حُكْمًا فَتَمَّ السَّلَمُ كَمَا إذَا كَانَ رَهْنًا بِرَأْسِ الْمَالِ أَوْ بَدَلِ الصَّرْفِ وَهَلَكَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ فَتَمَّ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ، وَلَوْ تَفَاسَخَا السَّلَمَ وَبِالْمُسْلَمِ فِيهِ رَهْنٌ يَكُونُ ذَلِكَ رَهْنًا بِرَأْسِ الْمَالِ اسْتِحْسَانًا حَتَّى يَحْبِسَهُ بِهِ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَحْبِسُهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ آخَرُ وَجَبَ بِسَبَبٍ آخَرَ وَهُوَ الْقَبْضُ وَالْمُسْلَمُ فِيهِ وَجَبَ بِالْعَقْدِ فَلَا يَكُونُ الرَّهْنُ بِأَحَدِهِمَا رَهْنًا بِالْآخَرِ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنَانِ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ وَبِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ فَقَضَاهُ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ أَوْ أَبْرَأهُ مِنْهُ لَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ بِالدَّيْنِ الْآخَرِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ ارْتَهَنَ بِحَقِّهِ الْوَاجِبِ بِسَبَبِ الْعَقْدِ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عِنْدَ عَدَمِ الْفَسْخُ وَرَأْسُ الْمَالِ عِنْدَ الْفَسْخِ فَيَكُونُ مَحْبُوسًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلَهُ فَقَامَ مَقَامَهُ إذْ الرَّهْنُ بِالشَّيْءِ يَكُونُ رَهْنًا بِبَدَلِهِ كَمَا إذَا ارْتَهَنَ بِالْمَغْصُوبِ فَهَلَكَ الْمَغْصُوبُ صَارَ رَهْنًا بِقِيمَتِهِ، وَلَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ بَعْدَ التَّفَاسُخِ يَهْلِكُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَحْبُوسًا بِغَيْرِهِ كَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ وَأَخَذَ بِالثَّمَنِ رَهْنًا، ثُمَّ تَقَابَلَا الْبَيْعَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ لِأَخْذِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الثَّمَنِ، وَلَوْ هَلَكَ الْمَرْهُونُ يَهْلِكُ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ مَرْهُونٌ بِهِ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا شِرَاءً فَاسِدًا وَأَدَّى قِيمَتَهُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ عِنْدَ الْفَسْخِ لِيَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ، ثُمَّ إذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ يَهْلِكُ بِقِيمَتِهِ فَكَذَا هَذَا، ثُمَّ إذَا هَلَكَ الرَّهْنُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ فِي مَسْأَلَتِنَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ السَّلَمِ أَنْ يَدْفَعَ مِثْلَ الْمُسْلَمِ فِيهِ إلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَيَأْخُذُ رَأْسَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ، وَقَدْ بَقِيَ حُكْمُ الرَّهْنِ إلَى أَنْ يَهْلِكَ فَصَارَ رَبُّ السَّلَمِ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ مُسْتَوْفِيًا لَلْمُسْلَمِ فِيهِ، وَلَوْ اسْتَوْفَاهُ حَقِيقَةً، ثُمَّ تَقَايَلَا وَاسْتَوْفَاهُ بَعْدَ الْإِقَالَةِ لَزِمَهُ رَدُّ الْمُسْتَوْفِي وَاسْتِرْدَادُ رَأْسِ الْمَالِ فَكَذَا هُنَا، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فِي بَابِ السَّلَمِ لَا تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ ثُبُوتِهَا فَبِهَلَاكِ الرَّهْنِ لَا تَبْطُلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قَالَ ﵀ (وَلِلْأَبِ أَنْ يَرْهَنَ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ عَبْدًا لِطِفْلِهِ) أَيْ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إيدَاعَهُ، وَهَذَا نَظَرٌ مِنْهُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْمُرْتَهِنِ بِحِفْظِهِ مَا بَلَغَ مَخَافَةَ الْغَرَامَةِ، وَلَوْ هَلَكَ يَهْلِكُ مَضْمُونًا الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ وَالْوَصِيُّ فِي هَذَا كَالْأَبِ لِمَا بَيَّنَّا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ أَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ ذَلِكَ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ إيفَاءٌ حُكْمًا فَلَا يَمْلِكَانِهِ كَالْإِيفَاءِ حَقِيقَةً، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّ فِي حَقِيقَةِ الْإِيفَاءِ إزَالَةَ مِلْكِ الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ مُقَابَلَةً بِدَيْنٍ، وَفِي الرَّهْنِ نُصِّبَ حَافِظًا لِمَالِ الصَّغِيرِ فِي الْحَالِ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ فِيهِ فَافْتَرَقَا وَإِذَا جَازَ الرَّهْنُ يَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ عِنْدَ هَلَاكِهِ حُكْمًا وَيَصِيرُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ مُوفِيًا لِدَيْنِهِ وَيَضْمَنَانِ ذَلِكَ الْقَدْرَ لِلصَّغِيرِ، وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى التُّمُرْتَاشِيِّ وَهُوَ إلَى الْكَاكِيِّ أَنَّ قِيمَةَ الرَّهْنِ إذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ يَضْمَنُ الْأَبُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَالْوَصِيُّ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِمَالِ الصَّبِيِّ وَلَا كَذَلِكَ الْوَصِيُّ، ثُمَّ قَالَ وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُغْنِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ، وَقَالَ لَا يَضْمَنَانِ الْفَضْلَ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ وَهُوَ وَدِيعَةٌ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ وَلَهُمَا وِلَايَةُ الْإِيدَاعِ، وَكَذَا لَوْ سَلَّطَا الْمُرْتَهِنَ عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ عَلَى بَيْعِهِ وَهُمَا يَمْلِكَانِهِ، ثُمَّ إذَا أَخَذَ الْمُرْتَهِن الثَّمَنَ بِدَيْنِهِ وَجَبَ عَلَيْهِمَا مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُمَا أَوْفَيَا دَيْنَهُمَا بِمَالِهِ.
وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْبَيْعُ، فَإِنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ إذَا بَاعَ مَالَ الصَّغِيرِ مِنْ غَرِيمِ نَفْسِهِ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ وَيَضْمَنُهُ لِلصَّبِيِّ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ فَيَأْخُذُ الْبَائِعُ الثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي لِلصَّغِيرِ وَيَأْخُذُ الْمُشْتَرِي دَيْنَهُ مِنْ الْبَائِعِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَهُ مِنْ غَرِيمِ نَفْسِهِ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِنَفْسِ الْبَيْعِ عِنْدَهُمَا وَيَضْمَنُ الْوَكِيلُ الْمَالَ لِلْمُوَكِّلِ وَعِنْدَهُ لَا يَقَعُ وَإِذَا كَانَ مِنْ أَصْلِهِ لَا يَمْلِكُ قَضَاءَ دَيْنِ نَفْسِهِ بِمَالِ الصَّبِيِّ بِطَرِيقِ الْبَيْعِ فَكَذَا لَا يَمْلِكُ بِطَرِيقِ الرَّهْنِ وَعِنْدَهُمَا لَمَّا مَلَكَ بِطَرِيقِ الْبَيْعِ فَكَذَا لَا يَمْلِكُ بِطَرِيقِ الرَّهْنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ نَظِيرُ الْبَيْعِ مِنْ حَيْثُ وُجُودُ الْمُبَادَلَةِ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ كَوُجُوبِ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَإِذَا كَانَ لِلْأَبِ أَوْ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ لِعَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَلَى ابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ فَرَهَنَ الْأَبُ مَتَاعَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ مِنْ عَبْدِهِ التَّاجِرِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لِوُجُودِ شَفَقَتِهِ نَزَلَ مَنْزِلَةَ شَخْصَيْنِ وَأُقِيمَتْ عِبَارَتُهُ مَقَامَ عِبَارَتَيْنِ كَمَا فِي بَيْعِهِ مَالَ الصَّغِيرِ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَوْ فَعَلَ الْوَصِيُّ ذَلِكَ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مَحْضٌ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ فِي الرَّهْنِ وَلَا الْبَيْعِ لَكِنَّا تَرَكْنَا ذَلِكَ فِي الْأَبِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَيْسَ الْوَصِيُّ كَالْأَبِ، فَإِنَّ
стр. 2812
شَفَقَتَهُ قَاصِرَةٌ فَلَا يَعْدِلُ عَنْ الْحَقِيقَةِ وَالرَّهْنُ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَمِنْ عَبْدِهِ التَّاجِرِ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ مِنْ نَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ ابْنِهِ الْكَبِيرِ وَأَبِيهِ وَعَبْدِهِ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ حَيْثُ يَجُوزُ رَهْنُهُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُمْ إذْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهِمْ وَلَا تُهْمَةَ فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ لَهُ حُكْمًا وَاحِدًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ عَنْ الْأَجْنَبِيِّ وَالْقَرِيبِ.
وَلَوْ رَهَنَ الْوَصِيُّ مَالَ الْيَتِيمِ عِنْدَ الْأَجْنَبِيِّ بِنِجَارَةٍ بِأَسْرِهَا أَوْ رَهَنَ الْيَتِيمُ بِدَيْنٍ لَزِمَهُ بِالتِّجَارَةِ صَحَّ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ لَهُ التِّجَارَةُ تَمْيِيزًا لِمَالِهِ فَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ إيفَاءٌ وَاسْتِيفَاءٌ، وَلَوْ رَهَنَ الْأَبُ مَتَاعَ الصَّغِيرِ فَبَلَغَ الِابْنُ وَمَاتَ الْأَبُ فَلَيْسَ لِلِابْنِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ حَتَّى يَقْضِيَ الدَّيْنَ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْأَبِ عَلَيْهِ نَافِذٌ لَازِمٌ لَهُ بِمَنْزِلَةِ تَصَرُّفِهِ بِنَفْسِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْأَبِ دَيْنٌ لِرَجُلٍ فَرَهَنَ بِهِ مَالَ الصَّغِيرِ فَقَضَاهُ الِابْنُ بَعْدَ الْبُلُوغِ رَجَعَ بِهِ فِي مَالِ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ لِحَاجَةِ الِانْتِفَاعِ بِمَالِهِ فَأَشْبَهَ مُعِيرَ الرَّهْنِ، وَكَذَلِكَ إذَا هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَفْتَكَّهُ؛ لِأَنَّ الْأَبَ يَصِيرُ قَاضِيًا دَيْنَهُ بِهِ، وَلَوْ رَهَنَ الْأَبُ مَالَ الصَّغِيرِ بِدَيْنٍ عَلَى نَفْسِهِ وَبِدِينِ الصَّغِيرِ جَازَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَمْرَيْنِ جَائِزَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا جَازَ أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمُرَكَّبِ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ لِلْكُلِّ دُونَ الْعَكْسِ هَكَذَا قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَقُولُ: فِي هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ إنْسَانًا أَوْ فَرَسًا يُطِيقُ أَنْ يَحْمِلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَيْتِ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْأَحْجَارِ وَالْأَشْجَارِ مَثَلًا وَلَا يُطِيقُ تَحَمُّلَ الْكُلِّ قَطْعًا وَأَنَّ رَجُلًا شُجَاعًا يُطِيقُ مُقَاتَلَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْعَسْكَرِ عَلَى الِانْفِرَادِ وَلَا يُطِيقُ مُقَاتَلَةَ مَجْمُوعِ الْعَسْكَرِ مَعًا، وَهَذَا فِي الْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ.
وَأَمَّا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَكَمَا أَنْ يَجُوزَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُجَامِعَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُخْتَيْنِ مُنْفَرِدَةً عَنْ الْأُخْرَى بِمِلْكِ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجَامِعَهُمَا مَعًا، ثُمَّ حُكْمُهُ فِي حِصَّةِ دَيْنِ الْأَبِ كَحُكْمِهِ فِيمَا لَوْ كَانَ كُلُّهُ رَهْنًا بِدَيْنِ الْأَبِ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ وَالْجَدُّ أَبُ الْأَبِ، وَلَوْ رَهَنَ الْوَصِيُّ مَتَاعًا لِلْيَتِيمِ فِي دَيْنٍ اسْتَدَانَهُ عَلَيْهِ وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ، ثُمَّ اسْتَعَارَهُ الْوَصِيُّ لِحَاجَةِ الْيَتِيمِ فَضَاعَ فِي يَدِ الْوَصِيِّ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْوَصِيِّ كَفِعْلِهِ بِنَفْسِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُعِيرَ لِحَاجَةِ الصَّغِيرِ فَلَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِذَلِكَ، وَلَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْوَصِيِّ لَا يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ لِخُرُوجِهِ عَنْ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ بِالِاسْتِرْدَادِ وَالْوَصِيُّ هُوَ الَّذِي يُطَالِبُ لَهُ عَلَى مَا كَانَ، وَلَوْ اسْتَعَارَهُ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ ضَمِنَهُ لِلصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيهِ لِعَدَمِ وِلَايَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ، وَلَوْ غَصَبَهُ الْوَصِيُّ بَعْدَ مَا رَهَنَهُ فَاسْتَعْمَلَهُ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ حَتَّى هَلَكَ عِنْدَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِالْغَصْبِ وَالِاسْتِعْمَالِ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ فَيَقْضِي بِضَمَانِ الدَّيْنِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ الْقَدْرِ الْمَضْمُونِ كَانَ لِلْيَتِيمِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مِلْكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِالدَّيْنِ يُقْضَى مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْوَصِيُّ بِقَدْرِ مَا تَعَدَّى فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا فَالْقِيمَةُ رَهْنٌ، فَإِذَا حَلَّ كَانَ مَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ أَنَّهُ غَصَبَهُ وَاسْتَعْمَلَهُ لِحَاجَةِ الصَّغِيرِ ضَمِنَهُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ لَا لِحَقِّ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي حَاجَةِ الصَّغِيرِ لَيْسَ يَتَعَدَّدُ فِي حَقِّهِ.
وَكَذَا الْأَخْذُ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ أَخْذِ مَالِ الْيَتِيمِ وَلِهَذَا إذَا أَقَرَّ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ بِغَصْبِ مَالِ الصَّغِيرِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ غَصْبُهُ لِمَالِ الْيَتِيمِ لِمَا أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْأَخْذِ، فَإِذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ يَضْمَنُ لِلْمُرْتَهِنِ فَيَأْخُذُهُ بِدَيْنِهِ إنْ كَانَ قَدْ حَلَّ وَيَرْجِعُ الْوَصِيُّ عَلَى الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ فِي حَقِّهِ بَلْ هُوَ عَامِلٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَحِلَّ يَكُونُ رَهْنًا عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، ثُمَّ إذَا حَلَّ الدَّيْنُ يَأْخُذُهُ بِهِ وَيَرْجِعُ الْوَصِيُّ عَلَى الصَّبِيِّ لِمَا ذَكَرْنَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ رَهَنَ الْوَارِثُ الْكَبِيرُ شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ فَيَجُوزُ رَهْنُهُ، وَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ سِلْعَةً بَاعَهَا الْمَيِّتُ بِعَيْبٍ فَهَلَكَتْ فِي أَيْدِيهِمْ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُ الْمَرْهُونِ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ وَصِيًّا كَانَ أَوْ وَارِثًا وَيَرْجِعُ بِهِ الْوَصِيُّ عَلَى الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ إنَّمَا وَجَبَ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ الرَّدِّ، وَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عِنْدَ الرَّهْنِ فَصَحَّ الرَّهْنُ فَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ لِلُحُوقِ الدَّيْنِ فِي التَّرِكَةِ بِسَبَبِ الرَّدِّ لَكِنْ الرَّاهِنُ ضَامِنٌ لِقِيمَةِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ وَلَكِنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْقَضَاءِ بِسَبَبِ رَهْنِهِ بِدَيْنِهِ فَصَارَ كَالْمُتْلِفِ لَهُ فَلَزِمَهُ قِيمَتُهُ كَرَهْنِ حَقِّ صَاحِبِ الدَّيْنِ وَهُوَ مَحَلُّ قَضَائِهِ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ وَصِيًّا يَرْجِعُ عَلَى الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لَهُ، وَقَدْ لَحِقَهُ ضَمَانٌ بِسَبَبِ عَمَلِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّجَ الْمَيِّتُ أَمَتَهُ وَأَخَذَ مَهْرَهَا فَأَعْتَقَهَا الْوَارِثُ بَعْدَ مَوْتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَصَارَ الْمَهْرُ دَيْنًا فِي مَالِ الْمَيِّتِ جَازَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ هَذَا الدَّيْنَ الَّذِي ثَبَتَ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِبُطْلَانِ النِّكَاحِ بَعْدَ الرَّهْنِ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ وَالِابْنُ ضَامِنٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ
стр. 2813
بِالْإِعْتَاقِ أَتْلَفَ حَقَّ الْغَرِيمِ وَهُوَ الزَّوْجُ، وَلَوْ اُسْتُحِقَّ عَبْدٌ ابْتَاعَهُ الْمَيِّتُ فَرَجَعَ الْمُشْتَرِي فِي مِيرَاثِ الْمَيِّتِ بِالدَّيْنِ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الرَّهْنَ وَقَعَ وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ مَا قَبَضَ الْمَيِّتُ مِنْ الثَّمَنِ كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِثْلُ ذَلِكَ.
قَالَ ﵀ (وَصَحَّ رَهْنُ الْحَجَرَيْنِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ) الْمُرَادُ بِالْحَجَرَيْنِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَإِنَّمَا جَازَ رَهْنُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِإِمْكَانِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْهَا فَكَانَتْ مَحِلًّا لِلرَّهْنِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ إذَا كَانَ الرَّهْنُ مِثْلَ الدَّيْنِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا أَوْ أَكْثَرَ وَقِيمَتُهُ مِثْلُ قِيمَتِهِ أَوْ أَكْثَرُ ذَهَبَ بِمَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا لِمِثْلِ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ قِيمَةً مِنْهُ لَمْ يَذْهَبْ بِالدَّيْنِ وَيَضْمَنُ الْمُرْتَهِنُ مِثْلَهُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ دَيْنَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا فَسَدَ، وَلَوْ رَهَنَهُ كُرَّ حِنْطَةٍ يُسَاوِي مِائَةً بِكُرِّ دَقِيقٍ يُسَاوِي مِائَةً فَضَاعَ الدَّقِيقُ دَفَعَ الْمُرْتَهِنُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْهَبْ بِالْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ كَيْلًا مِنْهَا، وَكَذَلِكَ إذَا فَسَدَ أَوْ رَهَنَهُ كُرًّا جَيِّدًا بِكُرَّيْنِ رَدِيئَيْنِ وَالرَّهْنُ يُسَاوِي كُرًّا وَنِصْفًا مِنْهَا فَهَلَكَ قَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَذْهَبُ بِكُرٍّ رَدِيءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْجُودَةِ فِي أَمْوَالِ الرِّبَا فَصَارَ الْكُرُّ الْجَيِّدُ رَهْنًا بِكُرَّيْنِ رَدِيئَيْنِ نِصْفُهُ بِهَذَا وَنِصْفُهُ بِذَاكَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ مِثْلَيْ كُرِّهِ وَأَعْطَاهُ الدَّيْنَ، وَإِنْ شَاءَ صَيَّرَ الْكُرَّ بِأَحَدِ الْكُرَّيْنِ وَأَعْطَاهُ الْبَاقِيَ؛ لِأَنَّ الْجُودَةَ فِي أَمْوَالِ الرِّبَا لَهَا قِيمَةٌ فِي غَيْرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وَالرَّهْنُ عَقْدُ اسْتِيفَاءٍ لَا مُعَاوَضَةٌ حَقِيقَةً فَصَارَ كَمَنْ لَهُ الْجِيَادُ إذَا اسْتَوْفَى الرَّدِيءَ وَمَنْ لَهُ الرَّدِيءُ إذَا اسْتَوْفَى الْجِيَادَ وَهَلَكَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَقْبُوضَ وَيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهُ فَهَذَا عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ رَجُلٌ رَهَنَ رَجُلًا كُرًّا مِنْ طَعَامٍ قِيمَتُهُ ثَلَاثُمِائَةِ دِرْهَمٍ بِكُرَّيْنِ قِيمَتهمَا مِائَتَانِ فَأَصَابَ الْكُرَّ الرَّهْنَ كَانَ مِنْهُ مِائَةٌ مَضْمُونَةٌ مَا نَقَصَهُ مِائَةً وَكَيْلُهُ وَافٍ عَلَى حَالِهِ فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ كُرٌّ يُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّ الْكُرَّ الرَّهْنَ كَانَ مِنْهُ مِائَةٌ مَضْمُونَةٌ بِأَحَدِ كُرَّيْ الدَّيْنِ وَكَانَتْ إحْدَى هَاتَيْنِ الْمِائَتَيْنِ مَضْمُونَةً بِأَحَدِ كُرَّيْ الدَّيْنِ وَالْمِائَةُ الْأُخْرَى لَيْسَتْ بِمَضْمُونَةِ فَكَانَ فِي الرَّهْنِ فَضْلُ مِائَتَيْنِ فِي الْجُودَةِ وَقِيمَتُهَا ثَلَاثُمِائَةٍ فَمِائَةٌ مِنْهَا مَضْمُونَةٌ وَالْمِائَةُ الْأُخْرَى أَمَانَةٌ فَلَمَّا أَصَابَهُ بِالنَّقْصِ مِنْ جُودَتِهِ مِائَةٌ جَعَلْنَا نِصْفَهَا مِنْ الْأَمَانَةِ وَنِصْفَهَا مِنْ الضَّمَانِ فَسَقَطَ عَنْهُ حِصَّةُ الْأَمَانَةِ وَهِيَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا وَغَرِمَ حِصَّةَ الضَّمَانِ وَهِيَ كُرٌّ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَلَوْ هَلَكَ نِصْفُهُ، ثُمَّ أَصَابَ النِّصْفَ الثَّانِيَ مَاءٌ فَصَارَ مِائَةً وَنَقَصَهُ الْمَاءُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا يَغْرَمُ الْمُرْتَهِنُ كُرًّا قِيمَتُهُ مِائَتَيْنِ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الْهَالِكَ كَانَتْ قِيمَتُهُ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ أَثْلَاثًا ثُلُثُهُ أَمَانَةٌ وَثُلُثَاهُ مَضْمُونٌ فَبَطَلَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ حِصَّةُ الْأَمَانَةِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ كُرٍّ يُسَاوِي مِائَةً فَكَانَ الْمَضْمُونُ نِصْفَهُ. وَأَمَّا النِّصْفُ الثَّانِي لَمَّا نَقَصَهُ الْمَاءُ خَمْسِينَ مِنْ الْجُودَةِ كَانَتْ هَذِهِ الْخَمْسُونَ نِصْفُهَا أَمَانَةٌ وَنِصْفُهَا مَضْمُونَةٌ فَبَطَلَتْ عَنْهُ حِصَّةُ الْأَمَانَةِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَلَزِمَهُ نِصْفُ كُرٍّ يُسَاوِي مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ رَهَنْت بِجِنْسِهَا وَهَلَكَتْ هَلَكَتْ بِمِثْلِهَا مِنْ الدَّيْنِ وَلَا عِبْرَةَ لِلْجُودَةِ) ؛ لِأَنَّهَا لَا قِيمَةَ لَهَا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ، وَهَذَا عَلَى إطْلَاقِهِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا عِنْدَهُ إذَا هَلَكَ بِاعْتِبَارِ الْوَزْنِ قُلْت قِيمَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ لِمَا ذَكَرْنَا وَعِنْدَهُمَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي اعْتِبَارِ الْوَزْنِ إضْرَارٌ بِأَحَدِهِمَا بِأَنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ مِثْلَ وَزْنِهِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إلْحَاقُ ضَرَرٍ بِأَحَدِهِمَا بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ أَوْ أَقَلَّ ضَمِنَ الْمُرْتَهِنُ قِيمَتَهُ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ لِيُنْتَقَضَ قَبْضُ الرَّهْنِ، ثُمَّ يُجْعَلُ الضَّمَانُ رَهْنًا مَكَانَهُ وَيَمْلِكُ الْمُرْتَهِنُ الْهَالِكَ بِالضَّمَانِ؛ لِأَنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَا الْوَزْنَ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ صِفَتِهِ مِنْ جُودَةٍ أَوْ رَدَاءَةٍ وَأَسْقَطْنَا الْقِيمَةَ فِيهِ أَضْرَرْنَا بِأَحَدِهِمَا، وَلَوْ اعْتَبَرْنَا الْقِيمَةَ وَجَعَلْنَاهُ مُسْتَوْفِيًا بِاعْتِبَارِهِمَا أَدَّى إلَى الرِّبَا فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ إنَّ الْجُودَةَ سَاقِطَةٌ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ وَاسْتِيفَاءِ الرَّدِيءِ بِالْجَيِّدِ أَوْ بِالْعَكْسِ جَائِزٌ عِنْدَ التَّرَاضِي بِهِ هُنَا وَلِهَذَا يُحْتَاجُ إلَى نَقْضِهِ وَلَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ بِإِيجَابِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْمُطَالَبَةِ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَضْمَنُ مِلْكَ نَفْسِهِ فَتَعَذَّرَ التَّضْمِينُ لِتَعَذُّرِ النَّقْضِ، وَقِيلَ هَذِهِ فُرُوعٌ مَا إذَا اسْتَوْفَى زُيُوفًا مَكَانَ الْجِيَادِ، ثُمَّ عَلِمَ مَكَانَ الزِّيَافَةِ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ، وَقِيلَ لَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا فِيهَا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَفِي هَذِهِ مَعَ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ قَاضِي خان إنَّ الْبِنَاءَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ عِيسَى بْنَ أَبَانَ قَالَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَوَّلًا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَآخِرًا كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَلَئِنْ كَانَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْفَرْقُ لَهُ أَنَّ الزُّيُوفَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ قَبَضَهُ اسْتِيفَاءً لِحَقِّهِ، وَقَدْ تَمَّ بِهَلَاكِهِ وَالرَّهْنُ قَبَضَهُ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ نَقْضِ الْقَبْضِ، وَقَدْ أَمْكَنَ التَّضْمِينُ قَالَ فِي
стр. 2814
الْمَبْسُوطِ الْأَصْلُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الصِّبَاغَةَ وَالْجُودَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِنَفْسِهَا غَيْرُ تَابِعَةٍ لِلْوَزْنِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ بَلْ يَعْتَبِرُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْوَزْنِ وَلَا يُجْعَلُ تَبَعًا لِلْوَزْنِ إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ بِنَصِيبِهِ مُعْتَبَرٌ حَقًّا لِلْعِبَادِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى الْمَرِيضُ بِقُلْبٍ وَزْنُهُ عَشَرَةٌ وَقِيمَتُهُ بِصِيَاغَتِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَثُلُثُ مَالِهِ عَشَرَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ إلَّا هَذَا الْقُلْبُ وَخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِوَزْنِ الْقُلْبِ كَمَا لَوْ كَانَ وَزْنُ الْقُلْبِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَقَدْ أُلْحِقَ الصِّيَاغَةُ وَالْجُودَةُ بِالْوَزْنِ فِي الْوَصِيَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي الرَّهْنِ فَمَتَى حَصَلَ النُّقْصَانُ يَكُونُ النُّقْصَانُ شَائِعًا فِي الْأَمَانَةِ وَالْمَضْمُونِ فَمَا كَانَ فِي الْأَمَانَةِ ذَهَبَ مَجَّانًا وَمَا كَانَ فِي الْمَضْمُونِ ضَمِنَ الْقِيمَةَ وَيَمْلِكُ الرَّهْنَ بِقَدْرِهِ.
وَالْأَصْلُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الصِّيَاغَةَ تَابِعَةٌ لِلْوَزْنِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بِنَفْسِهَا فِي حَقِّ الْمُدَايَنَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْمُتْلَفَاتِ وَالْمَضْمُونَاتِ ثُمَّ نَنْظُرُ إنْ كَانَ فِي الْوَزْنِ وَقِيمَتِهِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ وَزِيَادَةٌ يُصْرَفُ الدَّيْنُ إلَى الْوَزْنِ وَالْأَمَانَةُ إلَى الصِّيَاغَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَزْنِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ، وَفِي قِيمَتِهِ وَفَاءٌ بِالصِّيَاغَةِ وَجَوْدَتُهُ تُضَمُّ إلَى الْوَزْنِ مِنْ قِيمَةِ الصِّيَاغَةِ لَانَ الصِّيَاغَةَ تَابِعَةٌ لِلْوَزْنِ وَهِيَ بِانْفِرَادِهَا لَا تَصْلُحُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَكَانَ صَرْفُ الدَّيْنِ إلَى الْوَزْنِ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهِ إلَى الضَّمَانِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَزْنِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ وَكَانَ صَرْفُ الدَّيْنِ إلَى الْوَزْنِ، فَإِنَّهُ يَتِمُّ قَدْرُ الدَّيْنِ مِنْ الصِّيَاغَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الْبَيْعُ أَصْلًا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَالْأَصْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْوَزْنِ دُونَ الصِّيَاغَةِ وَالْجُودَةِ؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ أَصْلٌ وَالصِّيَاغَةَ تَبَعٌ لَهُ؛ لِأَنَّهَا صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْعَيْنِ وَالصِّفَةُ تَابِعَةٌ لِلْأَصْلِ فَتُعْتَبَرُ تَبَعًا لِلْوَزْنِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ أَنْ تُجْعَلَ تَبَعًا لِلْوَزْنِ لَمْ تُعْتَبَرْ تَبَعًا وَأُلْحِقَ بِالْوَزْنِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَا الصِّيَاغَةَ تَبَعًا لِلْوَزْنِ يَصِيرُ مُوصِيًا بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ لَا تَعْتَبِرُ تَابِعَةً لِلْوَزْنِ، وَفِي حَالَةِ الْهَلَاكِ الْوَزْنُ مَضْمُونٌ بِالدَّيْنِ لَا بِالْقِيمَةِ فَكَذَلِكَ الصِّيَاغَةُ تَكُونُ مَضْمُونَةً بِالدَّيْنِ، وَفِي حَالَةِ الْإِنْكَارِ الْوَزْنُ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ تَبَعًا لِلْأَصْلِ لِئَلَّا يَصِيرَ التَّبَعُ مُخَالِفًا لِلْأَصْلِ.
ثُمَّ الْمَسَائِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ: فِيمَا إذَا كَانَ الْوَزْنُ وَالدَّيْنُ سَوَاءً. وَفَصْلٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْوَزْنُ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ. وَفَصْلٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْوَزْنُ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ. وَكُلُّ فَصْلٍ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: إلَى حَالَةِ هَلَاكٍ وَإِلَى حَالَةِ انْكِسَارٍ، وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، إمَّا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ مِثْلَ الْوَزْنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَكُلُّ قِسْمٍ مِنْ الْآخَرِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ مِثْلَ الْوَزْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ كَمَا نُبَيِّنُ فَصَارَ الْكُلُّ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ وَجْهًا:
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ رَهَنَ قُلْبَ فِضَّةٍ وَزْنُهُ عَشَرَةٌ وَقِيمَتُهُ عَشَرَةٌ بِعَشَرَةٍ فَهَلَكَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ هَلَكَ بِالدَّيْنِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ وَزْنًا وَجَوْدَةً فَتَمَّ الِاسْتِيفَاءُ بِالْهَلَاكِ، وَإِنْ انْكَسَرَ، فَإِنْ شَاءَ الرَّاهِنُ أَخَذَ الْمَكْسُورَ وَقَضَى جَمِيعَ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ جَمِيعَ قِيمَتِهِ مِنْ الذَّهَبِ فَكَانَتْ رَهْنًا مَكَانَهُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ شَاءَ الرَّاهِنُ تَمَلَّكَ الرَّهْنَ بِالدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ أَدَّى الدَّيْنَ وَأَخَذَ الرَّهْنَ لِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ قَبَضَ الرَّهْنَ لَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا لَقِيمَةِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ عَنْ إذْنِ الْمَالِكِ لَا عَنْ تَعَدٍّ فَلَا يَصْلُحُ مَنَاطًا لِضَمَانِ الْقِيمَةِ، وَالْعَقْدُ مُوجِبُ الضَّمَانِ لِلرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِلدَّيْنِ عِنْدَ الْهَلَاكِ فَلَزِمَهُ ضَمَانُ الرَّهْنِ فَمَتَى تَعَذَّرَ إيجَابُ الْقِيمَةِ لَزِمَهُ ضَمَانُ الدَّيْنِ فَجَعَلَتْهُ بِالدَّيْنِ إلَّا إذَا كَانَ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا أَوْ إلَى الْإِضْرَارِ بِأَحَدِهِمَا، وَقَدْ أَنْعَمَ هُنَا بِهَلَاكِهَا فَجَعَلَتْهُ بِالدَّيْنِ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى أَنْ يَمْلِكَ الْمُرْتَهِنُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْعَقِدُ لِتَمَلُّكِ الرَّهْنِ، فَإِنَّ الرَّهْنَ عِنْدَ الْهَلَاكِ لَا يَصِيرُ مِلْكًا لِلْمُرْتَهِنِ بَلْ يَهْلِكُ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ، وَلَكِنَّ الْمُرْتَهِنَ بِالْقَبْضِ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِمَالِيَّةِ الْعَيْنِ عِنْدَ الْهَلَاكِ فَكَانَ ضَمَانُ الرَّاهِنِ ضَمَانَ الِاسْتِيفَاءِ وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مُسْتَوْفِيًا بِاعْتِبَارِ الْفَائِتِ بِالِانْكِسَارِ؛ لِأَنَّ الْفَائِتَ هُوَ الْجُودَةُ دُونَ الْقَدْرِ وَالِاسْتِيفَاءُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْقَدْرِ دُونَ الْجُودَةِ وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مُسْتَوْفِيًا بِاعْتِبَارِ الْقَائِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْمَكْسُورِ مِلْكًا لِلرَّاهِنِ.
وَضَمَانُ الرَّهْنِ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْعَيْنِ فَدَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى أَنْ يَجْعَلَ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ تَمَلُّكَ الْأَعْيَانِ بِقِيمَتِهَا مَشْرُوعٌ، وَهَذَا تَفَقُّهٌ وَهُوَ أَنَّ الرَّاهِنَ إنَّمَا رَضِيَ بِقَبْضِهِ بِشَرْطِ ضَمَانِ الرَّهْنِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ إثْبَاتُهُ لِعَدَمِ رِضَاهُ بِقَبْضِهِ فَصَارَ كَالْقُلْبِ الْمَغْصُوبِ إذَا انْكَسَرَ يَكُونُ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ فَكَذَا هَذَا فَأَمَّا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ الْوَزْنِ إنْ هَلَكَ يَهْلِكُ بِالدَّيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا يَغْرَمُ قِيمَتَهُ مِنْ الذَّهَبِ وَيَرْجِعُ بِدَيْنِهِ فَهُمَا اعْتَبَرَا
стр. 2815
الْقِيمَةَ وَالْجُودَةَ لَا الْوَزْنَ؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْوَزْنِ وَإِسْقَاطِ الْجُودَةِ إضْرَارًا بِالرَّهْنِ وَلَا يَجُوزُ الْإِضْرَارُ لِصَاحِبِ الْمَالِ بِإِبْطَالِ حَقِّهِ عَنْ الْجُودَةِ، وَفِي جَعْلِهِ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْقُلْبِ مَعْنَى الرِّبَا وَهُوَ اسْتِيفَاءُ عَشَرَةٍ بِثَمَانِيَةٍ، فَإِذَا تَعَذَّرَ جَعْلُهُ مُسْتَوْفِيًا ضَمِنَ قِيمَتَهُ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اعْتَبَرَ الْوَزْنَ وَالْمَوْزُونَ فِي جَمِيعِ الدُّيُونِ فَصَارَ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ بِالْهَلَاكِ وَلَا يُؤَدِّي إلَى إضْرَارٍ بِالْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ رِضَاهُ؛ لِأَنَّهُ قَبِلَ الرَّهْنَ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ مِنْ حُكْمِ الرَّهْنِ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِلدَّيْنِ بِهَلَاكِهِ وَصَارَ رَاضِيًا بِاسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الدَّيْنِ بِالْهَلَاكِ مَتَى تَسَاوَيَا فِي الْوَزْنِ، وَإِنْ كَانَ الْقُلْبُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ دَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي أَمْوَالِ الرِّبَا مُعْتَبَرَةٌ مِنْ حَيْثُ الْقَدْرُ وَالْوَزْنُ لَا مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ وَالْجُودَةُ، وَإِنْ انْكَسَرَ ضَمِنَ قِيمَتَهُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فُلَانًا فَلِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ بِالدَّيْنِ يُؤَدِّي إلَى الْإِضْرَارِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ الْوَزْنِ وَهَلَكَ يَهْلِكُ بِالدَّيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِي الْوَزْنِ وَالْقِيمَةِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ فَصَارَ بِالْهَلَاكِ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ وَفِي الزِّيَادَةِ أَمِينًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ مَضْمُونَةٌ وَسُدُسُهُ أَمَانَةٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الصِّيَاغَةَ مُعْتَبَرَةً وَمُتَقَوِّمَةً إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى الرِّبَا فَصَارَ كَأَنَّ الرَّهْنَ اثْنَا عَشَرَ وَزْنًا فَسَاغَ الضَّمَانُ وَالْأَمَانَةُ فِيهِمَا فَيَصِيرُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ مَضْمُونًا. وَأَمَّا إذَا انْكَسَرَ إنْ انْتَقَضَ بِالِانْكِسَارِ قِيمَةُ الْقُلْبِ مِنْ الْعَشَرَةِ بِأَنْ صَارَتْ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً ضَمِنَ قِيمَتَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْوَزْنِ عِنْدَهُ، وَلَيْسَ فِي الْوَزْنِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ ضَمَانِ الرَّهْنِ فَأَوْجَبْنَا الْقِيمَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ضَمِنَ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الصِّيَاغَةَ مُعْتَبَرَةٌ فَتَكُونُ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ وَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ فَيَكُونُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ مَضْمُونًا وَالزِّيَادَةُ أَمَانَةٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ شَاءَ جَعَلَهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ افْتَكَّهُ بِجَمِيعِهِ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالدَّيْنِ حَالَةَ الْهَلَاكِ فَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ حَالَةَ الِانْكِسَارِ كَمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ لَمْ تُنْقَضْ قِيمَةُ الْقُلْبِ مِنْ الْعَشَرَةِ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ الِانْكِسَارِ عَشَرَةً فَالْمُرْتَهِنُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَضْمَنُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِ الْقُلْبِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَضْمَنُ قَدْرَ وَزْنِهِ؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ فِي الْقِيمَةِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ فَلَمْ يَصِرْ مُسْتَوْفِيًا شَيْئًا مِنْ الْمَضْمُونِ فَيَكُون مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ حَالَةَ الِانْكِسَارِ وَالْوَزْنُ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ فَتَصِيرُ الصِّيَاغَةُ كَذَلِكَ مَضْمُونَةً بِالْقِيمَةِ تَبَعًا لِلْوَزْنِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كِلَاهُمَا مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ أَصْلًا فَيَكُونُ بَعْضُ الرَّهْنِ مَضْمُونًا وَالْبَعْضُ أَمَانَةً فَيَشِيعُ الضَّمَانُ فِيهَا الْفَصْلُ الثَّانِي لَوْ كَانَ وَزْنُ الْقُلْبِ ثَمَانِيَةً وَالدَّيْنُ عَشَرَةً فَهُوَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ وَزْنِهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ وَزْنِهِ سَبْعَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ وَأَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ تِسْعَةً، أَوْ مِثْلَ الدَّيْنِ عَشَرَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ اثْنَيْ عَشْرَةَ، وَكُلٌّ وَجْهٍ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ هَلَكَ أَوْ انْكَسَرَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا الْهَلَاكُ بِثَمَانِيَةٍ وَيَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِدِرْهَمَيْنِ وَالِانْكِسَارُ بِالْقِيمَةِ وَفَاءٌ، وَفِي الِانْكِسَارِ تَعَذُّرُ إيجَابِ ضَمَانِ الرَّهْنِ لِمَا بَيَّنَّا وَأَوْجَبْنَا ضَمَانَ الْقِيمَةِ، فَأَمَّا عِنْدَهُمَا إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ وَزْنِهِ يَهْلِكُ بِمَا فِيهِ وَيَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِدِرْهَمَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ انْكَسَرَ ضَمِنَ قِيمَتَهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهُ خِيَارُ التَّمْلِيكِ بِالدَّيْنِ وَالِافْتِكَاكُ لِمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ تِسْعَةً فَعِنْدَهُمَا يَغْرَمُ قِيمَتَهُ مِنْ الذَّهَبِ وَيَرْجِعُ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَهُمَا مَعَ الْوَزْنِ فَالْوَزْنُ إنْ كَانَ يَفِي بِثَمَانِيَةٍ وَالْقِيمَةُ لَا تَفِي بِثَمَانِيَةٍ فَيُخَيَّرُ الْمُرْتَهِنُ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ بِمَا فِيهِ ثَمَانِيَةٌ، وَإِنْ شَاءَ غَرِمَ قِيمَتَهُ تِسْعَةً وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ، وَإِنْ انْكَسَرَ ضَمِنَ قِيمَتَهُ اتِّفَاقًا أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَرْكُ الْقُلْبِ بِثَمَانِيَةٍ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَرَكَ بِثَمَانِيَةٍ يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الرَّهْنِ لَا تَفِي بِثَمَانِيَةٍ، وَإِنْ تُرِكَ بِسَبْعَةٍ مِنْ جِنْسِهِ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا ثَمَانِيَةً بِسَبْعَةٍ، وَإِنْ تَعَذَّرَ تَرَكَهُ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ وَأَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ بِأَنْ كَانَتْ تِسْعَةً وَهَلَكَ يَهْلِكُ بِوَزْنِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا يَغْرَمُ قِيمَتَهُ وَيَرْجِعُ بِدَيْنِهِ لِمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ انْكَسَرَ ضَمِنَ قِيمَتَهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ وَوَزْنُهُ مِثْلُ الدَّيْنِ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةً، فَإِنْ هَلَكَ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ احْتِرَازًا عَنْ الرِّبَا وَالضَّرَرِ، وَإِنْ انْكَسَرَ فَالرَّاهِنُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ افْتَكَّهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلتَّعَذُّرِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ.
стр. 2816
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِ اثْنَيْ عَشَرَ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ إنْ هَلَكَ يَغْرَمُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ وَيَرْجِعُ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الصِّيَاغَةَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَزْنِ، وَلَوْ كَانَ الْوَزْنُ اثْنَيْ عَشَرَ يَضْمَنُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ وَهُوَ عَشَرَةٌ فَكَذَا هَذَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ هَلَكَ ضَمِنَ قَدْرَ الدَّيْنِ بِخَمْسَةِ أَسْدَاسِ الْقُلْبِ؛ لِأَنَّ قَدْرَ الدِّرْهَمَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الصِّيَاغَةِ أَمَّا عِنْدَهُ فَلِأَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى الْوَزْنِ وَالدَّيْنِ جَمِيعًا وَلَا ضَمَانَ لِلْمَالِكِ فِي الْأَمَانَةِ، وَإِنْ انْكَسَرَ انْتَقَصَ بِالِانْكِسَارِ مِقْدَارُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْعَشَرَةِ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ نَقَصَ أَكْثَرُ مِنْ فَضْلِ الْجُودَةِ عَلَى الدَّيْنِ وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ دِرْهَمَيْنِ فَالرَّاهِنُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ افْتَكَّهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ وَأَخَذَ الْمَكْسُورَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ مَضْمُونًا مِنْ الذَّهَبِ غَيْرَ دِرْهَمَيْنِ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الصِّيَاغَةِ أَرْبَعَةٌ وَوَزْنُ الرَّهْنِ لَا يَفِي بِالدَّيْنِ فَيَضْمَنُ مِنْ قِيمَةِ الصِّيَاغَةِ مَا يَتِمُّ بِهِ الدَّيْنُ وَذَلِكَ دِرْهَمَانِ فَصَارَ قَدْرُ دِرْهَمَيْنِ مِنْ الصِّيَاغَةِ مَضْمُونًا مَعَ الْوَزْنِ وَقَدْرُ دِرْهَمَيْنِ أَمَانَةً فَيُتْرَكُ الْقُلْبُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ غَيْرَ دِرْهَمَيْنِ وَلَا يُتْرَكُ بِالدَّيْنِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا ثَمَانِيَةً بِعَشَرَةٍ، وَإِنْ جَعَلَ مُسْتَوْفِيًا ثَمَانِيَةً تَضَرَّرَ بِهِ الرَّاهِنُ فَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْقِيمَةَ مِنْ الذَّهَبِ تَحَرُّزًا عَنْ الرِّبَا وَنَفْيًا لِلضَّرَرِ عَنْ الرَّهْنِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَشَرَةً وَالْقُلْبُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَهَذَا عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ وَزْنِهِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ وَزْنِهِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ أَحَدَ عَشَرَ، أَوَمِثْلَ الدَّيْنِ عَشَرَةً، أَوْ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ ثَمَانِيَةً، وَكُلُّ وَجْهٍ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ هَلَكَ أَوْ انْكَسَرَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا إنْ هَلَكَ يَهْلِكُ بِمَا فِيهِ، وَإِنْ انْكَسَرَ فَاخْتَارَ الرَّاهِنُ التَّرْكَ يُتْرَكُ عَلَيْهِ بِخَمْسَةِ أَسْدَاسِ قِيمَتِهِ مِنْ الذَّهَبِ، وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الْوَزْنِ إنْ هَلَكَ ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِالدَّيْنِ وَالِانْكِسَارِ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ بِالرَّهْنِ قَدْرُ ثُلُثَيْهِ وَثُلُثُهُ أَمَانَةٌ وَبِالِانْكِسَارِ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْمَضْمُونِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ كَانَ الْهَلَاكُ وَالِانْكِسَارُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ بِالدَّيْنِ وَتَمْلِيكُهُ مَتَى كَانَ وَزْنَ ثُلُثَيْهِ وَقِيمَتُهُ مِثْلُ الدَّيْنِ رَهْنًا بِالصِّيَاغَةِ لَمْ تَزْدَدْ قِيمَتُهُ عَلَى الْوَزْنِ فَلَا عِبْرَةَ لِلصِّيَاغَةِ وَالْعِبْرَةُ لِلْوَزْنِ بَعْضُهُ مَضْمُونٌ أَمَانَةً، فَإِذَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ بِالِانْكِسَارِ وَقَعَ التَّغَيُّرُ فِي بَعْضِ الْمَضْمُونِ فَيُتَخَيَّرُ، وَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ عِشْرِينَ، فَإِنْ هَلَكَ هَلَكَ ثُلُثَاهُ بِالدَّيْنِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ بِثُلُثَيْهِ وَفَاءً بِالدَّيْنِ وَزْنًا وَقِيمَتَهُ وَيَهْلِكُ ثُلُثُهُ أَمَانَةً، وَإِنْ انْكَسَرَ ضَمِنَ ثُلُثَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ مِنْ الْقُلْبِ عَشَرَةٌ وَالصِّيَاغَةُ تَبَعٌ لِلْوَزْنِ عِنْدَهُ فَتَصِيرُ الصِّيَاغَةُ أَيْضًا مَضْمُونَةً تَبَعًا لِلْوَزْنِ وَيَبْقَى الثُّلُثُ أَمَانَةً عِنْدَهُ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَضْمَنُ نِصْفَهُ؛ لِأَنَّ الصِّيَاغَةَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَزْنِ وَقِيمَتُهَا خَمْسَةٌ وَوَزْنُ الْقُلْبِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَصَارَ كَأَنَّ وَزْنَ الْقُلْبِ عِشْرِينَ فَيُتْرَكُ نِصْفُ الْقُلْبِ عَلَيْهِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُنْظَرُ إنْ كَانَ نَقَصَ خَمْسَةً أَوْ أَقَلَّ لَمْ تُعْتَبَرْ وَيُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى الِانْفِكَاكِ، وَإِنْ نَقَصَ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةٍ لِلرَّاهِنِ أَنْ يُسَلِّمَ لِلْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ بِدَيْنِهِ وَالْبَاقِي لَهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْقِيمَةَ زَادَتْ عَلَى الْوَزْنِ فَهِيَ قِيمَةُ الصِّيَاغَةِ وَهِيَ أَمَانَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَةَ تُصْرَفُ إلَى الصِّيَاغَةِ مَتَى ازْدَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى وَزْنِهِ وَالْفَائِتُ قَدْرُ الْأَمَانَةِ وَبَقِيَ الدَّيْنُ بِحَالِهِ فَيُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى الْفِكَاكِ وَمَتَى انْقَضَتْ قِيمَتُهُ عَلَى الْوَزْنِ فَقَدْ تَغَيَّرَ مَا هُوَ الْمَضْمُونُ فَيَتَخَيَّرُ الرَّاهِنُ، فَإِنْ اخْتَارَ التَّرْكَ يَتْرُكُ ثُلُثَهُ بِالدَّيْنِ وَيَسْتَرِدُّ الثُّلُثَ؛ لِأَنَّهُ مَهْمَا تَمَلَّكَهُ بِالدَّيْنِ لَا يَمْلِكُ بِالْقِيمَةِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِنْ وَزْنِهِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ بِأَنْ يَكُونَ اثْنَيْ عَشَرَ إنْ هَلَكَ يَهْلِكُ ثُلُثَاهُ بِالدَّيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ بِالْوَزْنِ وَفَاءً بِالدَّيْنِ وَزِيَادَةً، وَالزِّيَادَةُ أَمَانَةٌ وَعِنْدَهُمَا يَغْرَمُ عَنْ الْقُلْبِ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَضْمَنَ مِنْهُ قَدْرَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ قَدْرَ الدَّيْنِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ وَذَلِكَ ثُلُثَا الْقُلْبِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الْعِبْرَةَ لِلْوَزْنِ وَالْقِيمَةَ جَمِيعًا وَبِالْوَزْنِ وَالْقِيمَةِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ وَزِيَادَةٌ وَالْمَضْمُونُ مِنْ الدَّيْنِ عَشَرَةٌ وَالزِّيَادَةُ أَمَانَةٌ.
وَإِنْ انْكَسَرَ ضَمِنَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً مِنْهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْعِبْرَةَ لِلْوَزْنِ لَا لِلْقِيمَةِ وَقَدْرُ الْمَضْمُونِ مِنْ الْوَزْنِ عَشَرَةٌ وَعِنْدَهُمَا إنْ اخْتَارَ التَّرْكَ يَتْرُكُ عَلَيْهِ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ الْقُلْبِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ لَا بِاعْتِبَارِ الْوَزْنِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الْقِيمَةَ مُعْتَبَرَةٌ مَعَ الْوَزْنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ مِثْلَ الدَّيْنِ إنْ هَلَكَ يَهْلِكُ بِمَا فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ بِتَخْيِيرٍ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الْقِيمَةَ مُعْتَبَرَةٌ مَعَ الْوَزْنِ وَلَا وَفَاءَ بِالْقِيمَةِ بِقَدْرِ الْمَضْمُونِ مِنْ الرَّهْنِ وَهِيَ عَشْرَةٌ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْعَشَرَةِ مِنْ الرَّهْنِ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ الدَّيْنِ فَيَتَخَيَّرُ إنْ شَاءَ جَعَلَهُ هَالِكًا بِمَا فِيهِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ عَشْرَةً مِنْ الذَّهَبِ فَيَكُونُ
стр. 2817
رَهْنًا عِنْدَهُ وَيَكُونُ دَيْنُهُ عَلَى حَالِهِ نَفْيًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ انْكَسَرَ ضَمِنَ مِقْدَارَ ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِمَا عُرِفَ وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ مُعْتَبَرَةٌ مَعَ الْوَزْنِ عِنْدَهُمَا وَقِيمَتُهُ عَشَرَةٌ فَيَتْرُكُ جَمِيعَ الْقُلْبِ عَلَيْهِ بِعَشَرَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ بِأَنْ كَانَتْ ثَمَانِيَةً إنْ هَلَكَ يَهْلِكُ بِثُلُثَيْ الدَّيْنِ وَالْبَاقِي يَهْلِكُ أَمَانَةً عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْعِبْرَةَ لِلْوَزْنِ لَا لِلْقِيمَةِ وَفِي الْوَزْنِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ وَزِيَادَةٌ وَعِنْدَهُمَا يَغْرَمُ قِيمَتَهُ وَيَرْجِعُ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الْقِيمَةَ مُعْتَبَرَةٌ مَعَ الْوَزْنِ وَفِي الزِّيَادَةِ إنْ كَانَ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ فَلَا وَفَاءَ بِالْقِيمَةِ وَلَهُ أَنْ يَضْمَنَ قِيمَةَ الْقُلْبِ ثَمَانِيَةً فَتَكُونَ رَهْنًا عِنْدَهُ، وَإِنْ انْكَسَرَ ضَمِنَ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ عِنْدَهُ لِمَا عُرِفَ وَعِنْدَهُمَا الْكُلَّ لِمَا عُرِفَ رَهَنَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِيضًا لَهَا صَرْفٌ وَفَضْلٌ بِعَشَرَةٍ سُودٍ تَهْلِكُ بِالسُّودِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ سُودًا فَقَدْ ضَمِنَ ثُلُثَيْهِ وَثُلُثُهُ أَمَانَةٌ كَمَا إذَا ارْتَهَنَ قُلْبًا وَزْنُهُ مِثْلُ الدَّيْنِ وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْهُ.
[فَصْلٌ ارْتَهَنَ قُلْبَ فِضَّةٍ وَزْنُهُ خَمْسُونَ بِكُرٍّ سَلَمٍ أَوْ قَرْضٍ وَقِيمَتُهُ مِنْ الدَّيْنِ سَوَاءٌ]
(فَصْلٌ)
ارْتَهَنَ قُلْبَ فِضَّةٍ وَزْنُهُ خَمْسُونَ بِكُرٍّ سَلَمٍ أَوْ قَرْضٍ وَقِيمَتُهُ مِنْ الدَّيْنِ سَوَاءٌ، فَإِنْ هَلَكَ ذَهَبَ بِمَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِقِيمَتِهِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ، وَإِنْ انْكَسَرَ فَعَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ رَهْنِ قُلْبٍ وَزْنُهُ عَشْرَةٌ بِدِينَارٍ وَقِيمَتُهُ سَوَاءٌ فَانْكَسَرَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ الدَّيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَثَمَّةَ يَغْرَمُ الْمُرْتَهِنُ قِيمَتَهُ مِنْ الذَّهَبِ فَيَكُونُ رَهْنًا بِالدَّيْنِ وَالْقُلْبُ لَهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُتْرَكُ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ فَكَذَا هَذَا خَاتَمٌ مِنْ فِضَّةٍ وَزْنُهُ دِرْهَمٌ وَفِيهِ فَصٌّ يُسَاوِي تِسْعَةً فَرَهَنَهُ بِعَشَرَةٍ فَهَلَكَ الْخَاتَمُ فَهُوَ بِمَا فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ تِسْعَةً مِنْ الدَّيْنِ بِإِزَاءِ الْفَصِّ وَدِرْهَمًا بِإِزَاءِ الْحَلْقَةِ فَتَسْقُطُ تِسْعَةٌ بِهَلَاكِ الْفَصِّ وَسَقَطَ دِرْهَمٌ بِهَلَاكِ الْحَلْقَةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْعِبْرَةَ لِلْوَزْنِ لَا لِلْقِيمَةِ وَهُمَا فِي الْوَزْنِ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْحَلْقَةِ دِرْهَمًا أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَةَ وَالدَّيْنَ بِمُقَابَلَتِهِ فِي الْوَزْنِ وَالْقِيمَةِ سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْحَلْقَةِ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ تِسْعَةٌ بِهَلَاكِ الْفَصِّ وَلِلْمُرْتَهِنِ خِيَارٌ فِي الْحَلْقَةِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ عِنْدَهُمَا لِلْوَزْنِ وَالْقِيمَةِ جَمِيعًا وَهَاهُنَا إذَا كَانَ بِالْوَزْنِ وَفَاءٌ فَلَا وَفَاءَ لِلْقِيمَةِ.
وَلَوْ هَلَكَ بِمَا فِيهِ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ لِتَضَرُّرِ الْمُرْتَهِنِ بِذَلِكَ كَمَا إذَا رَهَنَ قُلْبًا وَزْنُهُ عَشَرَةٌ بِعَشْرَةٍ وَقِيمَتُهُ ثَمَانِيَةٌ، وَقَدْ هَلَكَ يُخَيَّرُ الْمُرْتَهِنُ عِنْدَهُمَا فَكَذَا هَذَا رَهَنَهُ قُلْبَ فِضَّةٍ بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِئْ بِالْعَشَرَةِ إلَى شَهْرٍ فَهُوَ بَيْعٌ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْبَيْعَ بِالْخَطَرِ، وَتَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بِالْخَطَرِ لَا يَجُوزُ وَلَمْ يُعَلَّقُ الرَّهْنُ بِالْخَطَرِ إلَّا أَنَّهُ شَرَطَ شَرْطًا فَاسِدًا وَالرَّهْنُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ارْتَهَنَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فُلُوسًا تُسَاوِيهَا فَهَلَكَتْ فَهِيَ بِمَا فِيهَا، وَإِنْ انْكَسَرَتْ ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِهِ؛ لِأَنَّ الْفُلُوسَ لَمْ تَكُنْ مِنْ مَالِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَوْزُونَةً بَلْ هِيَ عَدَدِيَّةٌ وَالْجُودَةُ مُتَقَوِّمَةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي غَيْرِ أَمْوَالِ الرِّبَا، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ مِنْ آخَرَ فُلُوسًا فَانْكَسَرَتْ عِنْدَهُ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ النُّقْصَانَ وَلَا يُخَيِّرُ الرَّاهِنَ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ بَعْضُ الدَّيْنِ بِسَبَبِ فَوْتِ الْجُودَةِ فَلَا مَعْنَى لِلتَّخْيِيرِ بِخِلَافِ الْقُلْبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بِالِانْكِسَارِ إذَا بَقِيَ الْوَزْنُ عَلَى حَالِهِ فَوَجَبَ تَخْيِيرُ الرَّاهِنِ نَفْيًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، وَإِنْ كَسَدَتْ فَالدَّيْنُ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ شَيْءٌ مِنْ الْعَيْنِ بِالْكَسَادِ لَا الْجُودَةِ وَلَا الْعَيْنِ إنَّمَا تَغَيُّرُ السِّعْرِ وَتَغَيُّرُ السُّعْرِ لَا عِبْرَةَ بِهِ ارْتَهَنَ طَسْتًا بِدَرَاهِمَ وَفِيهِ وَفَاءٌ وَفَضْلٌ فَهَلَكَ فَهُوَ بِمَا فِيهِ، وَإِنْ انْكَسَرَ فَمَا كَانَ مِنْهُ لَا يُوزَنُ نَقْصٌ بِحِسَابِهِ؛ لِأَنَّ لِلْجُودَةِ قِيمَةَ فِي غَيْرِ أَمْوَالِ الرِّبَا وَمَا كَانَ يُوزَنُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ مَكْسُورًا وَأَعْطَاهُ الدَّرَاهِمَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مَصُوغًا مِنْ الذَّهَبِ وَكَانَ ذَلِكَ لِلْمُرْتَهِنِ وَيَأْخُذُ الرَّاهِنُ الْقِيمَةَ وَأَعْطَاهُ دَيْنَهُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُتْرَكُ بِالدَّيْنِ كَمَا فِي الْقُلْبِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ ﵀ (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنْ يَرْهَنَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ فَامْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ وَلِلْبَائِعِ فَسْخُ الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ حَالًّا أَوْ قِيمَةَ الرَّهْنِ رَهْنًا) ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ هَذَا الْبَيْعُ بِهَذَا الشَّرْطِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ إذَا بَاعَهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ كَفِيلًا حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ فَقَبِلَ الْكَفِيلَ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِهِمَا وَمِثْلُهُ مَفْسَدَةٌ لِلْبَيْعِ وَلِأَنَّهُ صَفْقَةٌ فِي صَفْقَتَيْنِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ شَرْطٌ مُلَائِمٌ لِلْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لِلِاسْتِيثَاقِ، وَكَذَا الْكَفَالَةُ وَالِاسْتِيثَاقُ يُلَائِمُ الْعَقْدَ، فَإِذَا كَانَ الْكَفِيلُ حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ وَقَبِلَ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْمَعْنَى وَهُوَ الْمُلَايَمَةُ فَصَحَّ الْعَقْدُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ وَلَا الْكَفِيلُ مُعَيَّنًا أَوْ كَانَ الْكَفِيلُ غَائِبًا حَتَّى افْتَرَقَا لَمْ يَبْقَ مَعْنَى الْكَفَالَةِ وَالرَّهْنُ لِلْجَهَالَةِ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ لَعَيْنِهِ فَيَفْسُدُ، وَلَوْ كَانَ الْكَفِيلُ غَائِبًا فَحَضَرَ فِي الْمَجْلِسِ وَقَبِلَ صَحَّ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ مُعَيَّنًا فَاتَّفَقَا
стр. 2818
عَلَى تَعْيِينِ الرَّهْنِ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ نَقَدَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ حَالًّا جَازَ الْبَيْعُ وَبَعْدَ الْمَجْلِسِ لَا يَجُوزُ قَوْلُهُ فَامْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ أَيْ امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي عَنْ تَسْلِيمِ الرَّهْنِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُجْبَرُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالشَّرْطِ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهِ كَالْوَكَالَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ قُلْت عَقْدُ الرَّهْنِ تَبَرُّعٌ وَلَا جَبْرَ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ كَالْوَاهِبِ غَيْرَ أَنَّ لِلْبَائِعِ الْخِيَارَ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِتَرْكِ الرَّهْنِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ فَوَاتُهُ يُوجِبُ الْخِيَارَ كَسَلَامَةِ الْمَبِيعِ عَنْ الْعَيْبِ فِي الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ حَالًّا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ أَوْ يَدْفَعَ قِيمَةَ الرَّهْنِ رَهْنًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ الْمَشْرُوطِ يَحْصُلُ بِقِيمَتِهِ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ قَالَ لِلْبَائِعٍ أَمْسِكْ هَذَا الثَّوْبَ حَتَّى أُعْطِيَك الثَّمَنَ فَهُوَ رَهْنٌ) ، وَقَالَ زُفَرُ لَا يَكُونُ رَهْنًا وَمِثْلُهُ أَبُو يُوسُفَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَمْسِكْ يَحْتَمِلُ الرَّهْنَ وَيَحْتَمِلُ الْإِيدَاعَ. وَالثَّانِي أَقَلُّهُمَا فَيَقْضِي بِثُبُوتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَمْسِكْهُ بِدَيْنِك أَوْ بِمَا لَك عَلَيَّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَابَلَهُ بِالدَّيْنِ فَقَدْ عَيَّنَ الرَّهْنَ وَلَنَا أَنَّهُ أَتَى بِمَا يُنَبِّئُ عَنْ مَعْنَى الرَّهْنِ وَهُوَ الْحَبْسُ إلَى إيفَاءِ الثَّمَنِ وَالْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي حَتَّى كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ حَوَالَةً وَالْحَوَالَةُ بِشَرْطِ عَدَمِ بَرَاءَةِ الْمُحِيلِ كَفَالَةً، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ مَلَّكْتُك هَذَا بِكَذَا يَكُونُ بَيْعًا لِلتَّصْرِيحِ بِمُوجِبِ الْبَيْعِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ بِعْتُك بِكَذَا وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ هَذَا فَشَمِلَ الثَّوْبَ الْمَبِيعَ وَغَيْرَهُ إذْ لَا فَرْقَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الثَّوْبُ هُوَ الْمُشْتَرَى أَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ إنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ بَعْدَ الْقَبْضِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا بِثَمَنِهِ حَتَّى يَثْبُتَ فِيهِ حُكْمُ الرَّهْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِالثَّمَنِ وَضَمَانُهُ بِخِلَافِ ضَمَانِ الرَّهْنِ فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا بِضَمَانَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِهِمَا حَتَّى لَوْ قَالَ لَهُ أَمْسِكْ الْمَبِيعَ حَتَّى أُعْطِيَك الثَّمَنَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَهَلَكَ انْفَسَخَ الْبَيْعُ.
وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئًا يُفْسَدُ بِالْمُكْثِ كَاللَّحْمِ وَالْجَمْدِ فَأَبْطَأَ الْمُشْتَرِي وَخَافَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ التَّلَفَ جَازَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَهُ وَوَسِعَ الْمُشْتَرِيَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَيَتَصَدَّقُ الْبَائِعُ بِالزَّائِدِ إنْ بَاعَهُ بِأَزْيَدَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةً وَفِي الْمُنْتَقَى رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَأَعْطَاهُ ثَوْبًا، فَقَالَ أَمْسِكْ هَذَا حَتَّى أُعْطِيَكَ مَا لَكَ عَلَيَّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ هُوَ رَهْنٌ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَعْنَى الرَّهْنِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ وَالْحَبْسُ لِأَجْلِ إيفَاءِ الدَّيْنِ وَإِعْطَائِهِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَكُونُ وَدِيعَةً لَا رَهْنًا؛ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ مُحْتَمَلٌ قَدْ يَكُونُ لِلرَّهْنِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلْوَدِيعَةِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ وَهِيَ مُتَيَقَّنَةٌ وَالرَّهْنُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَإِنْ قَالَ أَمْسِكْ هَذَا بِمَا لَك أَوْ قَالَ أَمْسِكْ هَذَا رَهْنًا حَتَّى أُعْطِيَك مَا لَك فَهُوَ رَهْنٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ قَالَ أَمْسِكْ هَذَا الْأَلْفَ بِحَقِّكَ وَاشْهَدْ لِي بِالْقَبْضِ فَهَذَا اقْتِضَاءٌ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ وَالْقَبْضَ بِالدَّيْنِ لَا يَكُونُ إلَّا لِجِهَةِ الِاقْتِضَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ، وَلَوْ قَالَ أَمْسِكْهَا حَتَّى آتِيَك بِحَقِّك فَهَذَا رَهْنٌ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْإِمْسَاكِ لِلْإِيفَاءِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِجِهَةِ الرَّهْنِ، وَلَوْ قَضَاهُ الرَّاهِنَ مِائَةً، ثُمَّ قَالَ خُذْهَا رَهْنًا بِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ زَيْفٍ أَوْ سَتُّوقٍ فَهُوَ رَهْنٌ بِالسَّتُّوقِ لَا بِالزُّيُوفِ؛ لِأَنَّ الزُّيُوفَ يَقَعُ بِهَا الِاسْتِيفَاءُ وَبِالسَّتُّوقِ لَا رَجُلٌ رَهَنَ رَجُلًا مَتَاعًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ هَاتِ لِي، فَقَالَ ارْهَنْهُ بِمَالِك فَرَهَنَهُ بِتِسْعِمِائَةٍ انْفَسَخَ الرَّهْنُ الْأَوَّلُ وَانْعَقَدَ الثَّانِي فَكَذَا هَذَا كَمَا لَوْ كَانَ ابْتَاعَهُ بِأَلْفٍ بِسَبْعِمِائَةٍ انْفَسَخَ الْأَوَّلُ وَانْعَقَدَ الثَّانِي.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ لَا يَأْخُذُ أَحَدَهُمَا بِقَضَاءِ حِصَّتِهِ كَالْمَبِيعِ) قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِأَلْفٍ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي رَهَنَهُ بِهِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مُتَّحِدٌ فَلَا يَتَفَرَّقُ بِالتَّسْمِيَةِ كَالْبَيْعِ، وَفِي الزِّيَادَاتِ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ أَحَدَهُمَا إذَا أَدَّى مَا سَمَّى لَهُ؛ لِأَنَّ التَّفَرُّقَ يَثْبُتُ فِي الرَّهْنِ بِتَسْمِيَةِ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْعَقْدِ فِي الْآخَرِ حَتَّى إذَا قَبِلَ فِي أَحَدِهِمَا صَحَّ فِيهِ خِلَافُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِيهِ يَتَعَدَّدُ بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ وَلِهَذَا لَوْ قَبِلَ الْبَيْعَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَتَضَرَّرُ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ لِمَا أَنَّ الْعَادَةَ قَدْ جَرَتْ بِضَمِّ الرَّدِيءِ إلَى الْجَيِّدِ فِي الْبَيْعِ فَيَلْحَقُهُ الضَّرَرُ بِالتَّفْرِيقِ وَلَا كَذَلِكَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَتَضَرَّرُ بِالتَّفْرِيقِ وَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ بِهِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْأَصَحُّ وَقَيَّدَ بِالْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ أَحَدَهُمَا بِكَذَا وَالْآخَرَ بِكَذَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَمْ يَجُزْ هَكَذَا فِي الْفَتَاوَى الْغِيَاثِيَّةِ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ رَهَنَ عَيْنًا عِنْدَ رَجُلَيْنِ صَحَّ) سَوَاءٌ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الدَّيْنِ أَوْ لَمْ يَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِيهِ وَيَكُونُ جَمِيعُ الْعَيْنِ رَهْنًا عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ أُضِيفَ إلَى كُلِّ الْعَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يَكُونُ شَائِعًا بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْمُسْتَحَقِّ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ جَعْلُهُ مَحْبُوسًا بِدَيْنِ كُلٍّ
стр. 2819
وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إذْ لَا تَضَايُقَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَبْسِ وَلِهَذَا لَوْ رَهَنَ لَا يَنْقَسِمُ عَلَى أَجْزَاءِ الدَّيْنِ بَلْ يَكُونُ كُلُّهُ مَحْبُوسًا بِكُلِّ الدَّيْنِ وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ فَلَا شُيُوعَ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ قِيلَ هُوَ مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا بَاعَ مِنْ رَجُلَيْنِ أَوْ وَهَبَ مِنْ رَجُلَيْنِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، فَإِنَّ الْعَقْدَ فِيهِمَا أُضِيفَ إلَى جَمِيعِ الدَّيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَفِيهِ الشُّيُوعُ حَتَّى كَانَ الْمَبِيعُ وَالْمَرْهُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ إضَافَةَ الْعَقْدِ إلَى اثْنَيْنِ تُوجِبُ الشُّيُوعَ فِيمَا يَكُونُ الْعَقْدُ مُفِيدًا لِلْمِلْكِ كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ الْوَاحِدَةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً لِشَخْصَيْنِ عَلَى الْكَمَالِ فَتُجْعَلُ شَائِعَةً فَتَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا لِلْجَوَازِ وَالرَّهْنُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْمِلْكِ وَإِنَّمَا يُفِيدُ الِاحْتِبَاسَ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ الْوَاحِدَةُ مُحْتَبِسَةً لِحَقَّيْنِ عَلَى الْكَمَالِ فَيَمْتَنِعُ الشُّيُوعُ فِيهِ تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ لِكَوْنِ الْقَبْضِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الرَّهْنِ وَالشُّيُوعُ يَمْنَعُ عَنْهُ إلَى هُنَا كَلَامُهُ أَقُولُ: بِخِلَافِ الْهِبَةِ مِنْ رَجُلَيْنِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ تَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا لِاسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْكُلِّ فَيَثْبُتُ الشُّيُوعُ ضَرُورَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَوْبَتِهِ كَالْعَدْلِ فِي حَقِّ الْآخَرِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَجَزَّأُ وَجَبَ أَنْ يَحْبِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ، فَإِنْ دَفَعَ أَحَدُهُمَا كُلَّهُ إلَى الْآخَرِ وَجَبَ أَنْ يَضْمَنَ الدَّافِعُ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا. وَفِي الْمَبْسُوطِ مَسَائِلُهُ عَلَى فُصُولٍ: الْأَوَّلُ فِي رَهْنِ رَجُلَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ. وَالثَّانِي فِي ارْتِهَانِ الرَّجُلَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ. وَالثَّالِثُ فِي التَّفَاسُخِ.
فَصْلٌ فِي رَهْنِ رَجُلَيْنِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا رَجُلًا رَهْنًا وَأَخَذَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمُرْتَهِنِ يَتَحَقَّقُ فِي الْكُلِّ مِنْ غَيْرِ شُيُوعٍ وَتَفَرُّقِ أَمْلَاكِهِمَا لَا يُوجِبُ شُيُوعَهَا فِي الرَّهْنِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِلْكُ الْغَيْرِ مَرْهُونًا بِدَيْنِ الْغَيْرِ كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ شَيْئًا فَرَهَنَهُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا رَهْنَا جُمْلَةً فَقَدْ رَضِيَا بِكَوْنِ كُلِّهِ رَهْنًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُمَا قَصَدَا صِحَّةَ الرَّهْنِ وَلَنْ يَصِحَّ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَاهِنًا كُلَّهُ بِدَيْنِهِ تَصْحِيحًا لِلرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَالُ لِتَصْحِيحِ الْعَقْدِ مَا أَمْكَنَ، وَهَذَا مُمْكِنٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ رَهَنَ عَبْدًا آخَرَ بِإِذْنِهِ بِأَلْفٍ صَارَ رَاهِنًا كُلَّهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ مَثَلًا حَتَّى لَوْ قَضَى كُلَّ الدَّيْنِ إلَّا دِرْهَمًا بَقِيَ كُلُّ الْعَبْدِ رَهْنًا بِذَلِكَ الدِّرْهَمِ فَكَذَا هَذَا وَيُعْتَبَرُ اتِّحَادُ صَفْقَةِ الرَّهْنِ وَاخْتِلَافُهُمَا وَلَا يُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ الدَّيْنَيْنِ وَاتِّفَاقُهُمَا حَتَّى لَوْ رَهَنَ بِدَيْنِهِ عَيْنًا فِي صَفْقَتَيْنِ لَمْ يَجُزْ لِاخْتِلَافِ صَفْقَةِ الرَّهْنِ فَيُمْكِنُ الشُّيُوعُ فِي كُلِّ صَفْقَةٍ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الرَّاهِنَيْنِ فَوَرِثَهُ الْآخَرُ فَالرَّهْنُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ فِي حُقُوقِهِ وَأَمْلَاكِهِ.
وَالرَّهْنُ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الرَّاهِنِ وَلَا بِمَوْتِ الْمُرْتَهِنِ فَيَبْقَى الرَّهْنُ عَلَى حَالِهِ وَمَنْ رَهَنَ مَالَيْنِ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ وَقِيمَةُ الْمَالَيْنِ سَوَاءٌ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَهْنًا بِنِصْفِ الدَّيْنِ فَلَوْ ارْتَهَنَ رَجُلَانِ مِنْ رَجُلٍ رَهْنًا وَالدَّيْنَانِ مُخْتَلِفَانِ أَوْ الْمَالَانِ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ جَازَ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرُ دَيْنِهِ فِيمَا بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ أُضِيفَ إلَى كُلِّ الْعَبْدِ وَلَا شُيُوعَ فِيهِ كَأَنَّهُ رَهَنَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَرْهَنْ الْبَعْضَ مِنْ هَذَا وَالْبَعْضَ مِنْ هَذَا وَمُوجِبُهُ صَيْرُورَتُهُ مَحْبُوسًا بِالدَّيْنِ، وَهَذَا مِمَّا يُقَابِلُ الْوَصْفَ بِالتَّجَزِّي فَصَارَ مَحْبُوسًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهِ فَيُمْسِكُ هَذَا يَوْمًا وَالْآخَرَ يَوْمًا وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُمْسَكُ كَالْعِدْلِ فِي حَقِّ الْآخَرِ، فَإِذَا هَلَكَ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَوْفِيًا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِمَّا يَقْبَلُ الْوَصْفَ بِالتَّجَزِّي، وَلَوْ قَضَى الرَّاهِنُ دَيْنَ أَحَدِهِمَا لَيْسَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ الرَّهْنِ وَلِلْآخَرِ أَنْ يُمْسِكَهُ كُلَّهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ صَارَتْ مَحْبُوسَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ بِكَمَالِهِ وَالْعَيْنُ الْوَاحِدَةُ تَجُوزُ أَنْ تَصِيرَ كُلُّهَا مَحْبُوسَةً بِحَقِّ هَذَا، وَعَلَى هَذَا لَوْ اشْتَرَى رَجُلَانِ شَيْئًا وَاحِدًا وَأَدَّى أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ شَيْئًا وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَحْبِسَهُ كُلَّهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا عَلَى الْآخَرِ، فَإِنْ هَلَكَ عِنْدَهُ بَعْدَ مَا قَضَى دَيْنَهُ يَسْتَرِدُّ مَا أَعْطَاهُ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَلَوْ تَفَاسَخَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَمَا لَمْ يَقْبِضْهُ الرَّاهِنُ فَهُوَ رَهْنٌ يُمْسِكُهُ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّ نَقْضَ الرَّهْنِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِنَقْضِ الْقَبْضِ كَالرَّهْنِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ نَقْضَ الشَّيْءِ ضِدُّ الْعَقْدِ حُكْمًا، وَلَوْ بَدَا لِلرَّاهِنِ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ. رَهَنَ اثْنَانِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَسْتَرِدَّهُ بِدُونِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مَتَى انْفَرَدَ بِالرَّدِّ أَبْطَلَ حَقَّ الْأُخَرِ، فَإِنَّ حَقَّ الْآخَرِ بَقِيَ فِي النِّصْفِ شَائِعًا وَالرَّهْنُ فِي نِصْفِ شَائِعٍ بَاطِلٌ وَإِنَّمَا جُعِلَ الرَّهْنُ مِنْهُمَا رَهْنًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ ضَرُورَةَ تَصْحِيحِ الْعَقْدِ تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ وَالضَّرُورَةِ فِي تَصْحِيحِ الْعَقْدِ لَا فِي تَصْحِيحِ الْفَسْخِ فَيُعْتَبَرُ الْفَسْخُ مُتَجَزِّئًا فَمَتَى انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا
стр. 2820
بِالْفَسْخِ يَبْقَى فِي حَقِّ الْآخَرِ الرَّهْنُ فِي جُزْءٍ شَائِعٍ وَكَانَ فِي نَقْضِهِ نَقْضُ الرَّهْنِ فِي الْكُلِّ فَلَا يَمْلِكُهُ، وَلَوْ نَقَضَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الْمُفَاوَضَةِ جَازَ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ أَحَدِهِمَا كَتَصَرُّفِهِمَا حَتَّى يَكُونَ رَهْنُ أَحَدِهِمَا كَرَهْنِهِمَا فَكَذَا نَقْضُ أَحَدِهِمَا كَنَقْضِهِمَا، لَا يَمْلِكُهُ أَحَدُ شَرِيكَيْ الْعِنَانِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَصَرُّفُ أَحَدِهِمَا كَتَصَرُّفِهِمَا حَتَّى لَا يُجْعَلَ رَهْنُ أَحَدِهِمَا كَرَهْنِهِمَا، فَإِنْ نَقَضَهُ وَقَبَضَهُ وَهَلَكَ عِنْدَهُ، وَلَمْ يُبَاشِرْ الْعَقْدَ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ كَانَ الْمُرْتَهِنُ ضَامِنًا حِصَّةَ مَنْ لَمْ يَنْقُضْ وَيَرْجِعُ بِدَيْنِهِ عَلَيْهِمَا وَبِنِصْفِ الْقِيمَةِ الَّتِي ضَمِنَ عَلَى الَّذِي قَبَضَ مِنْهُ الرَّهْنَ طَعَنَ عِيسَى، فَقَالَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْقَابِضِ إلَّا إذَا ادَّعَى الْوَكَالَةَ مِنْ صَاحِبِهِ وَدَفَعَ إلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقٍ قِيلَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ بِأَنَّ عَقْدَ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ دَعْوَى الْوَكَالَةِ.
فَإِنَّ قِيَامَ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا خَلَلٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقُّ النَّقْضِ عَلَى صَاحِبِهِ فَصَارَ الْمُرْتَهِنُ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ اعْتِمَادًا مِنْهُ عَلَى أَنَّ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ النَّقْضَ لِقِيَامِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فَيَرْجِعُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ تَأْوِيلُهُ إذَا قَالَ وَكَّلَنِي صَاحِبِي بِقَبْضِ نَصِيبِهِ وَكَذَّبَهُ الْمُرْتَهِنُ أَوْ لَمْ يَكْذِبْهُ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ كَذَا فِي الْمُسْتَوْدَعِ، وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي الْعُيُونِ رَجُلَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى رَجُلٍ فَارْتَهَنَا مِنْهُ أَرْضًا بِدَيْنِهِمَا وَقَبَضَاهَا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا إنَّ الْمَالَ الَّذِي لَنَا عَلَى فُلَانٍ بَاطِلٌ وَالْأَرْضَ فِي أَيْدِينَا تَلْجِئَةً، قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ بَطَلَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَيْنِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا وَلَكِنَّ الرَّهْنَ بِهِمَا وَاحِدٌ، فَإِذَا اعْتَرَفَ أَحَدُهُمَا بِبُطْلَانِ الدَّيْنِ وَالرَّهْنِ بَطَلَ الرَّهْنُ أَصْلًا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ وَيَبْرَأُ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَالرَّهْنُ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَيْنِ مُخْتَلِفَانِ وَالرَّهْنُ إنَّمَا يَصِحُّ بِهِمَا حَقًّا لَهُمَا فَإِقْرَارُهُ يَصِحُّ مُبْطِلًا لِحَقِّ نَفْسِهِ دُونَ شَرِيكِهِ فَبَطَلَ حَقُّ الْمُقِرِّ فِي الدَّيْنِ وَالرَّهْنِ وَبَقِيَ حَقُّ الْآخَرِ فِيهِمَا عَلَى حَالِهِ الْجَامِعُ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلَيْنِ دَيْنٌ عَلَى أَحَدِهِمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَلَى الْآخَرِ مِائَةُ دِينَارٍ قِيمَتُهَا أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فَرَهَنَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفَيْنِ وَهَلَكَ الْعَبْدُ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوفِيًا أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ دَيْنِهِ وَيَرْجِعُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّرَاهِمُ عَلَى الْآخَرِ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الْآخَرُ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلَا تَصِحُّ الْمُقَاصَّةُ إلَّا بِرِضَاهُمَا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ أَقَلُّ مِنْ الدَّيْنِ وَالدَّيْنُ أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةٍ وَالرَّهْنُ أَلْفَانِ، فَإِذَا هَلَكَ ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ قَدْرُ قِيمَتِهِ وَذَلِكَ أَلْفَانِ وَبَقِيَ خَمْسُمِائَةٍ وَأَلْفَانِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الدَّيْنِ فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْهَلَاكِ قَابِضًا أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ دَيْنِهِ وَذَلِكَ ثَمَانِمِائَةٍ نِصْفُهُ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ الْعَبْدِ وَنِصْفُهُ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّاهِنَيْنِ صَارَ رَاهِنًا جَمِيعَ الْعَبْدِ بِدَيْنِهِ فَصَارَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّرَاهِمُ قَاضِيًا ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ نِصْفُهَا مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةٍ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا قُضِيَ عَلَيْهِ وَالْمُقَاصَّةُ لَا تَصِحُّ مِنْ الْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ إلَّا أَنْ يَتَقَاصَّا وَيَخْرُجُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ عَلَى أَحَدِهِمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ وَعَلَى الْآخَرِ أَلْفٌ وَعَلَى الثَّالِثِ خَمْسُمِائَةٍ فَرَهَنُوا بِذَلِكَ عَبْدًا بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاضِيًا ثُلُثَيْ دَيْنِهِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ ثُلُثُهُ إلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ قَاضِيًا ثُلُثَيْ دَيْنِهِ ثُلُثُ ذَلِكَ مِنْ نَصِيبِهِ وَثُلُثُهُ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ فَيَرْجِعَانِ عَلَى الْقَاضِي بِمَا قَضَى دَيْنَهُ مِنْ نَصِيبِهِمَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ﵀ (وَالْمَضْمُونُ عَلَى حِصَّةِ دَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِالْهَلَاكِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَيَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِمَّا يَقْبَلُ التَّجَزِّي، قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ الَّذِي اسْتَوْفَى حَقَّهُ انْتَهَى مَقْصُودُهُ مِنْ الرَّهْنِ وَهُوَ كَوْنُهُ وَسِيلَةً إلَى الِاسْتِيفَاءِ الْحَقِيقِيِّ بِالِاسْتِيفَاءِ الْحُكْمِيِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْآخَرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ نِيَابَةٍ عَنْ صَاحِبِهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَسْتَرِدَّ الرَّاهِنُ مَا قَضَاهُ إلَى الْأَوَّلِ مِنْ الدَّيْنِ عِنْدَ الْهَلَاكِ لَكِنَّهُ يَسْتَرِدُّهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ارْتِهَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاقٍ مَا لَمْ يَصِلْ الرَّهْنُ إلَى الرَّاهِنِ كَمَا ذَكَرْنَا فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ مِنْ نِصْفِ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ، فَإِنَّ فِيهِ وَفَاءً بِدَيْنِهِمَا فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقَابِضَ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مَرَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ رَدُّ مَا قَبَضَهُ ثَانِيًا اهـ.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ قَضَى دَيْنَ أَحَدِهِمَا فَالْكُلُّ رَهْنٌ عِنْدَ الْآخَرِ) وَكَانَ كُلُّهُ مَحْبُوسًا بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الدَّيْنِ فَلَا يَكُونُ لَهُ اسْتِرْدَادُ شَيْءٍ مِنْهُ مَا دَامَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بَاقِيًا كَمَا إذَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ وَاحِدًا وَكَالْبَائِعِ إذَا أَدَّى حِصَّةَ بَعْضِ الْمَبِيعِ، فَإِذَا رَهَنَ
стр. 2821
رَجُلَانِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا رَجُلًا رَهْنًا وَاحِدًا فَهُوَ جَائِزٌ وَالرَّهْنُ بِكُلِّ الدَّيْنِ وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُمْسِكَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الرَّهْنِ يَحْصُلُ فِي الْكُلِّ مِنْ غَيْرِ شُيُوعٍ فَصَارَ نَظِيرَ الْبَائِعِ وَهُمَا نَظِيرُ الْمُشْتَرِيَيْنِ.
قَالَ ﵀ (وَبَطَلَ بَيِّنَةُ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ رَهَنَهُ عَبْدَهُ وَقَبَضَهُ) مَعْنَاهُ أَنَّ رَجُلًا فِي يَدِهِ عَبْدٌ وَأَقَامَ رَجُلَانِ بَيِّنَةً أَنَّهُ رَهَنَهُ الْعَبْدَ الَّذِي فِي يَدِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثْبَتَتْ بَيِّنَتُهُ أَنَّهُ رَهَنَهُ كُلَّ الْعَبْدِ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْوَاحِدَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ رَهْنًا لِهَذَا وَكُلُّهُ رَهْنًا لِذَاكَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَمْتَنِعُ الْقَضَاءُ بِهِ لِأَحَدِهِمَا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَلَا وَجْهَ إلَى الْقَضَاءِ بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الشُّيُوعِ فَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ فَتَهَاتَرَتَا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ كَأَنَّهُمَا ارْتَهَنَاهُ مَعًا اسْتِحْسَانًا لِجَهَالَةِ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى الْعَمَلِ بِخِلَافِ مَا اقْتَضَاهُ الْحُجَّةُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ حِسًّا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى تَمَلُّكِ شَطْرٍ بِالِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَكُونُ عَمَلًا عَلَى وَفْقِ الْحُجَّةِ فَكَانَ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ أَوْلَى لِقُوَّةِ أَثَرِهِ الْمُسْتَتِرِ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثْبَتَ الْحَقَّ بِبَيِّنَتِهِ عَلَى حِدَةٍ، وَلَمْ يَرْضَ بِمُزَاحَمَةِ الْآخَرِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَجُمْلَتُهَا أَنَّ الْعَبْدَ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَيْدِيهِمَا أَوَّلًا أَوْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَهُوَ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْقَبْضِ دَلِيلُ سَبْقٍ عِنْدَهُ كَمَا فِي الشِّرَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي السَّبَقِ وَهُوَ يَفُوقُ الدَّلَالَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ أَوَّلًا وَكَلَامُهُ فِيهِ وَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا، فَإِنْ عَلِمَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَهُوَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ وَبِهِ أَيْ الْقِيَاسِ نَأْخُذُ، وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ اهـ.
أَقُولُ: بِخِلَافِ مَا إذَا ارْتَهَنَا جُمْلَةُ الْعَقْدِ فِيهِ مِنْ جَانِبِ الرَّاهِنِ وَاحِدٌ وَهُنَا أَثْبَتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدًا آخَرَ وَالرَّهْنُ بِعَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الرَّاهِنِ عَلَى مَا تَبَيَّنَّ مِنْ الْفَرْقِ، فَإِذَا وَقَعَ بَاطِلًا، فَإِذَا هَلَكَ يَهْلِكُ أَمَانَةً؛ لِأَنَّ الْبَاطِلَ لَا حُكْمَ لَهُ هَذَا إذَا لَمْ يُؤَرِّخَا، فَإِذَا أَرَّخَا كَانَ صَاحِبُ التَّارِيخِ الْأَقْدَمِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَهُ فِي وَقْتٍ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ كَذَا إذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْقَبْضِ دَلِيلٌ عَلَى سَبْقِهِ كَدَعْوَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ أَوْ شِرَاءِ عَيْنٍ مِنْ وَاحِدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهَا مَزِيدُ بَيَانٍ مَعَ جَوَابِهِمَا.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ مَاتَ رَاهِنُهُ وَالْعَبْدُ فِي أَيْدِيهِمَا وَبَرْهَنَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى مَا وَصَفْنَا كَانَ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ رَهْنًا بِحَقِّهِ) ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فِي الْقِيَاسِ هَذَا بَاطِلٌ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ الْحَبْسُ لِلِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لِعَقْدِ الرَّهْنِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِهِ حُكْمًا بِعَقْدِ الرَّهْنِ إذْ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِ عِلَّتِهِ وَأَنَّهُ بَاطِلٌ بِالشُّيُوعِ كَمَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَالْحَبْسُ فِي الشَّائِعِ لَا يَقْبَلُهُ وَبَعْدَ الْمَوْتِ الِاسْتِيفَاءُ بِالْبَيْعِ مِنْ ثَمَنِهِ وَالشَّائِعُ يَقْبَلُهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ ادَّعَى رَجُلَانِ نِكَاحَ امْرَأَةٍ وَادَّعَتْ أُخْتَانِ أَوْ خَمْسُ نِسْوَةٍ النِّكَاحَ عَلَى رَجُلٍ، فَإِنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ يَتَهَاتَرَتَانِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ وَقَبِلْنَاهَا بَعْدَ الْمَمَاتِ؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا فِي حَالَةِ الْمَوْتِ بِثُبُوتِ مَالِك الْمَالِ وَهُوَ يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ وَالِانْقِسَامَ. وَقَوْلُهُ وَالْعَبْدُ فِي أَيْدِيهِمَا وَقَعَ اتِّفَاقًا حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ فِي أَيْدِيهِمَا وَأَثْبَتَ كُلُّ وَاحِدٍ فِيهِ الرَّهْنَ وَالْقَبْضَ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْيَدَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَلَوْ تَرَكَهُ هُنَا لَكَانَ أَوْلَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابٌ الرَّهْنُ يُوضَعُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْأَحْكَامِ الرَّاجِعَةِ إلَى نَفْسِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ الْأَحْكَامَ الرَّاجِعَةَ إلَى مَا بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْعَدْلُ لِمَا أَنَّ حُكْمَ النَّائِبِ أَبَدًا يَقْفُو حُكْمَ الْأَصِيلِ، ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِالْعَدْلِ هُنَا مَنْ رَضِيَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ بِوَضْعِ الرَّهْنِ فِي يَدِهِ وَزَادَ عَلَيْهِ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ قَيْدًا آخَرَ حَيْثُ قَالَا وَرَضِيَا بِبَيْعِهِ الرَّهْنَ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ أَقُولُ: لَعَلَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْهُمَا بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا هُوَ الْغَالِبُ وَإِلَّا فَرِضَاهُمَا بِبَيْعِهِ الرَّهْنَ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ لَيْسَ بِأَمْرٍ لَازِمٍ فِي مَعْنَى الْعَدْلِ وَعَنْ هَذَا قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي لَيْسَ لِلْعَدْلِ بَيْعُ الرَّهْنِ مَا لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْثُورٌ بِالْحِفْظِ فَقَطْ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَضَعَا الرَّهْنَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ صَحَّ) ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُؤَلِّفُ الْعَدْلَ الَّذِي يَصِحُّ وَضْعُ الرَّهْنِ عَلَى يَدِهِ وَاَلَّذِي لَا يَصِحُّ قَالَ فِي الْغِيَاثِيَّةِ لَوْ شَرَطَ الْمَأْذُونُ أَنْ يَكُونَ رَهْنُهُ عِنْدَهُ مَوْلَاهُ لَمْ يَجُزْ مَدْيُونًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَدْيُونٍ، وَلَوْ شَرَطَ الْمَوْلَى أَنْ يَكُونَ رَهْنُهُ عِنْدَ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ أَوْ الْمُكَاتَبِ جَازَ، وَلَوْ شَرَطَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الْمُفَاوَضَةِ أَوْ الْعِنَانِ أَوْ الْمُضَارِبِ أَوْ رَبِّ
стр. 2822
الْمَالِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الشَّرِيكِ الْآخَرِ أَوْ عِنْدَ الْمُضَارِبِ أَوْ رَبِّ الْمَالِ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ اشْتَرَى لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَشَرَطَ فِي الرَّهْنِ بِالثَّمَنِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْأَبِ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ أَعْطَاهُ الْكَفِيلُ رَهْنًا وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْأَصِيلِ أَوْ الْعَكْسِ جَازَ.
وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ عَدْلٍ غَائِبٍ أَوْدَعَهُ عِنْدَ مَنْ فِي عِيَالِهِ، فَإِنَّهُ يُطَالَبُ بِالدَّيْنِ إلَّا أَنْ يُنْكِرَ الْإِيدَاعَ أَوْ يَدَّعِيَ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ حَلَفَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْعِلْمِ بِالْهَلَاكِ وَيَأْخُذُ دَيْنَهُ، وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ عَدْلَيْنِ سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَلَمْ يُعَرِّفْ الْمُؤَلِّفُ الْعَدْلَ قَالُوا فِي تَعْرِيفِهِ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْبَيْعِ وَالْإِيفَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا مَا دَامَ فِي دَارِنَا فَلَوْ كَانَ الْعَدْلُ غَيْرَ عَاقِلٍ فَمَوْضِعُ الرَّهْنِ عَلَى يَدَيْهِ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ الْبَيْعُ وَالْإِيفَاءُ وَالِاسْتِيفَاءُ فَلَغَا الْعَقْدُ عَنْ الْفَائِدَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَسَيَأْتِي لَوْ كَانَ الْعَدْلُ عَبْدًا مَحْجُورًا أَوْ صَبِيًّا، وَقَالَ زُفَرُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا يَصِحُّ الْوَضْعُ عِنْدَ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُ يَدُ الْعَدْلِ يَدُ الْمَالِكِ وَلِهَذَا يُرْجَعُ إلَيْهِ إذَا اسْتَحَقَّ الرَّهْنَ بَعْدَ الْهَلَاكِ وَبَعْدَ مَا ضَمِنَ الْعَدْلُ قِيمَتَهُ بِمَا ضَمِنَ الْمُسْتَحِقُّ فَانْعَدَمَ الْقَبْضُ وَلَنَا أَنَّ يَدَهُ يَدُ الْمَالِكِ فِي الْحِفْظِ لِكَوْنِ الْعَيْنِ أَمَانَةً، وَفِي حَقِّ الْمَالِيَّةِ يَدُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ يَدُ ضَمَانٍ وَالْمَضْمُونُ هُوَ الْمَالِيَّةُ فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ شَخْصَيْنِ لِتَحَقُّقِ مَا قَصَدَاهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَمَرَهُ فَصَارَتْ يَدُهُ كَيَدِهِمَا وَلِهَذَا لَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ عَلَى الْخُصُوصِ، وَلَوْ كَانَتْ يَدُهُ يَدَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْخُصُوصِ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْيَدَ الْوَاحِدَةَ فِي حُكْمِ يَدَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ السَّاعِيَ جُعِلَتْ يَدُهُ كَيَدِ الْفَقِيرِ وَكَيْدِ صَاحِبِ الْمَالِ حَتَّى إذَا هَلَكَتْ الزَّكَاةُ فِي يَدِهِ أَجْزَأَتْهُ.
وَلَوْ قَدَّمَ الزَّكَاةَ قَبْلَ الْحَوْلِ فَانْتَقَضَ الْمَالُ وَتَمَّ الْحَوْلُ عَلَى التَّنَاقُضِ يَتِمُّ النِّصَابُ بِمَا فِي يَدِ السَّاعِي كَأَنَّهُ فِي يَدِ الْمَالِكِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَا يَمْلِكُ اسْتِرْدَادَهُ، وَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ كَأَنَّهُ فِي يَدِ الْمَالِكِ لَمْ يَتِمَّ النِّصَابُ، وَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ يَدَهُ كَيَدِ الْفَقِيرِ لَمَلَكَ اسْتِرْدَادَهُ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الْعَدْلُ عَلَى الْمَالِكِ بِمَا ضَمِنَ لِلْمُسْتَحِقِّ؛ لِأَنَّ هَذَا الضَّمَانَ ضَمَانُ الْغَصْبِ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ وَوُجِدَ ذَلِكَ مِنْ الرَّاهِنِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمُرْتَهِنِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّفَقَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَلَى وَضْعِ الْمَبِيعِ فِي يَدِ عَدْلٍ حَيْثُ تَكُونُ يَدُهُ يَدَ الْبَائِعِ فَحَسْبُ؛ لِأَنَّ فِي جَعْلِهِ نَائِبًا عَنْ الْمُشْتَرِي يَعْتَبِرُ مُوجِبًا لِلْعَقْدِ، فَإِنَّ مُوجِبَ عَقْدِ الْمَبِيعِ أَنْ تَكُونَ يَدُ الْبَائِعِ عَلَى الْمَبِيعِ يَدُ نَفْسِهِ فِي حَقِّ الْعَيْنِ وَالْمَالِيَّةِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْ الْمُشْتَرِي بِوَجْهٍ مَا وَإِذَا كَانَ فِي جَعْلِهِ نَائِبًا عَنْهُمَا يُعْتَبَرُ حُكْمُ الْبَيْعِ اُعْتُبِرَ نَائِبًا عَنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ كَانَتْ لَهُ فِي الْأَصْلِ وَلَا كَذَلِكَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ بَلْ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَأَيْضًا وَالْمَالِيَّةُ فِيهِ هِيَ الْمَضْمُونَةُ وَهِيَ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَأَمْكَنَ أَنْ يَقُومَ شَخْصٌ وَاحِدٌ مَقَامَهُمَا لِاخْتِلَافِ حَقِّهِمَا فِيهِ وَعَدَمِ تَعْيِينِ مُوجِبِهِ قَالَ ﵀ (وَلَا يَأْخُذُ أَحَدُهُمَا مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُمَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الرَّاهِنِ تَعَلَّقَ بِالْحِفْظِ بِيَدِهِ وَأَمَانَتِهِ وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إبْطَالَ حَقِّ الْآخَرِ.
وَلَوْ شَرَطَا أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ، ثُمَّ جَعَلَاهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ جَازَ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ لِلْعَدْلِ أَنْ يَقُومَ مَقَامَ الْمُرْتَهِنِ فِي الِابْتِدَاءِ فَكَذَلِكَ فِي الْبَقَاءِ، وَلَوْ دَفَعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ إلَى الرَّاهِنِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى دَفَعَ إلَى الْمُرْتَهِنِ فَقَدْ دَفَعَ الْأَمَانَةَ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَى أَجْنَبِيٍّ وَمَتَى دَفَعَ إلَى الرَّاهِنِ فَقَدْ أَبْطَلَ مِلْكَ الْيَدِ وَالْحَبْسَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ مِلْكُ الْيَدِ وَالْحَبْسُ بِقَبْضِ الْعَدْلِ، وَإِبْطَالُ مِلْكِ السَّيِّدِ كَإِبْطَالِ مِلْكِ الْعَيْنِ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ، فَإِنَّ مَنْ أَتْلَفَ الرَّهْنَ يَضْمَنُ لِلْمُرْتَهِنِ كَمَا يَضْمَنُ لِلرَّاهِنِ، وَإِنْ قَبَضَا الْقِيمَةَ مِنْ الْعَدْلِ وَجَعَلَاهَا رَهْنًا فِي يَد الْعَدْلِ، ثُمَّ قَضَى الرَّاهِنُ دَيْنَ الْمُرْتَهِنِ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْقِيمَةَ مِنْ الْعَدْلِ يَنْظُرُ إنْ كَانَ الْعَدْلُ ضَمِنَ بِدَفْعِ الرَّهْنِ إلَى الرَّاهِنِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ حَقُّهُ فَتَبْقَى الْقِيمَةُ لِلْعَدْلِ، وَإِنْ كَانَ ضَمِنَ بِدَفْعِ الرَّهْنِ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَالرَّاهِنِ أَخَذَ الْقِيمَةَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِهِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَلِلرَّاهِنِ أَخْذُهُ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ بَدَلِهِ ثُمَّ الْعَدْلُ هَلْ يَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ يَنْظُرُ إنْ كَانَ دَفَعَ الرَّهْنَ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ لَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ مَا دَفَعَ إلَيْهِ إنْ كَانَ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ لَمَّا مَلَكَ الْقِيمَةَ فَقَدْ مَلَكَ الرَّهْنَ بِالضَّمَانِ فَصَارَ مُعِيرًا وَمُودِعًا مِلْكَهُ، فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ رَهْنًا بِأَنْ قَالَ خُذْ هَذَا رَهْنُك خُذْهُ فَاحْبِسْهُ يَرْجِعُ الْعَدْلُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ، وَقَدْ دُفِعَ إلَى الْمُرْتَهِنِ بِجِهَةٍ مَضْمُونَةٍ وَهِيَ الرَّهْنُ فَصَارَ كَمَا لَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى سَوْمِ الْقَرْضِ وَالْبَيْعِ، وَهَذِهِ التَّعْرِيفَاتُ ذَكَرَهَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ.
стр. 2823
- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَوْ كَانَ الْعَدْلُ رَجُلَيْنِ وَالرَّهْنُ مَالًا يُقْسَمُ فَوَضَعَاهُ عِنْدَ أَحَدِهِمَا جَازَ، وَلَمْ يَضْمَنَا؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى حِفْظِ جَمِيعِ الرَّهْنِ فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا وَهُوَ لَا يُقْسَمُ مُتَعَذِّرٌ فَلَمْ يَبْقَ إمْكَانُ الْحِفْظِ إلَّا بِالتَّهَايُؤِ وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ بِالْحِفْظِ يَتَصَرَّفُ إلَى حِفْظٍ يُمْكِنُ بِدَلَالَةِ إحَالَةِ الْأَمْرِ وَذَلِكَ بِالتَّهَايُؤِ، وَالثَّابِتُ دَلَالَةً كَالثَّابِتِ نَصًّا فَجَعَلَ الدَّفْعَ إلَى أَحَدِهِمَا بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَلَمْ يَضْمَنَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُقْسَمُ يَضْمَنُ الْقَابِضُ بِالْإِجْمَاعِ وَيَضْمَنُ الدَّافِعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لَهُمَا عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْوَدِيعَةِ.
قَالَ ﵀ (وَيَهْلِكُ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّ يَدَهُ فِي حَقِّ الْمَالِيَّةِ يَدُ الْمُرْتَهِنِ وَالْمَالِيَّةُ هِيَ الْمَضْمُونَةُ، وَلَوْ دَفَعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ إلَى أَحَدِهِمَا ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ مُودِعٌ الرَّاهِنَ فِي حَقِّ الْعَيْنِ وَمُودِعٌ الْمُرْتَهِنَ فِي حَقِّ الْمَالِيَّةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْآخَرِ وَالْمُودِعُ يَضْمَنُ بِالدَّفْعِ إلَى الْأَجْنَبِيِّ وَإِذَا ضَمِنَ الْعَدْلُ قِيمَةَ الرَّهْنِ بِالتَّعَدِّي فِيهِ إمَّا بِإِتْلَافِهِ أَوْ بِدَفْعِهِ إلَى أَحَدِهِمَا وَأَتْلَفَهُ الْمُودَعُ إلَيْهِ لَا يَقْدِرُ الْعَدْلُ أَنْ يَجْعَلَ الْقِيمَةَ رَهْنًا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَلَوْ جَعَلَهَا رَهْنًا فِي يَدِهِ يَصِيرُ قَاضِيًا وَمُقْتَضِيًا وَبَيْنَهُمَا تَنَافٍ وَلَكِنْ يَأْخُذَانِهَا مِنْهُ وَيَجْعَلَانِهَا رَهْنًا عِنْدَهُ أَوَعِنْدَ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ اجْتِمَاعُهُمَا يَرْفَعُ أَحَدُهُمَا الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي لِيَفْعَلَ ذَلِكَ، فَإِنْ جَعَلَ الْقِيمَةَ رَهْنًا بِرَأْيِهِمَا أَوْ بِرَأْيِ الْقَاضِي عِنْدَ الْعَدْلِ الْأَوَّلِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ، ثُمَّ قَضَى الرَّاهِنُ الدَّيْنَ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ وَكَّلَ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ أَوْ الْعَدْلَ أَوْ غَيْرَهُمَا بِبَيْعِهِ عِنْدَ حَوْلِ الدَّيْنِ صَحَّ) ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مَالِكٌ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْأَهْلِ بِبَيْعِ مَالِهِ مُطْلَقًا وَمُنَجَّزًا؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ لِكَوْنِهَا مِنْ الْإِسْقَاطَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ حَقُّ الْمَالِكِ وَبِالتَّسْلِيطِ عَلَى بَيْعِهِ أَسْقَطَ حَقَّهُ وَالْإِسْقَاطَاتُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالشُّرُوطِ، وَلَوْ أَمَرَ بِبَيْعِهِ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ فَبَاعَهُ بَعْدَ مَا بَلَغَ لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَا لَا يَصِحُّ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ الِامْتِثَالِ هُوَ يَقُولُ إنَّ أَمْرَهُ يَقَعُ بَاطِلًا لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ وَقْتَ الْأَمْرِ فَلَا يَنْقَلِبُ جَائِزًا.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ شَرَطْت فِي عَقْدِ الرَّهْنِ لَمْ يَنْعَزِلْ بِعَزْلِهِ وَبِمَوْتِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ لَمَّا شُرِطَتْ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ صَارَتْ وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِهِ وَحَقًّا مِنْ حُقُوقِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا الزِّيَادَةُ الْوَثِيقَةُ فَلَزِمَ بِلُزُومِ أَصْلِهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ، وَفِي الْعَزْلِ إبْطَالُ حَقِّهِ وَصَارَ كَالْوَكَالَةِ بِالْخُصُومَةِ بِطَلَبِ الْمُدَّعِي، وَلَوْ وَكَّلَهُ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا حَتَّى مَلَكَ الْبَيْعَ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ، ثُمَّ نَهَاهُ عَنْ الْبَيْعِ بِالنَّسِيئَةِ لَمْ يَعْمَلْ نَهْيُهُ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ بِأَصْلِهِ فَكَذَا بِوَصْفِهِ، وَكَذَا لَا يَنْعَزِلُ بِالْعَزْلِ الْحُكْمِيِّ لِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَارْتِدَادِهِ وَلُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ، وَلَوْ بَطَلَ إنَّمَا يَبْطُلُ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ كَمَا يَقْدَمُ عَلَى حَقِّ الرَّاهِنِ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ الْمُفْرِدَةِ حَيْثُ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَهَذِهِ الْوَكَالَةُ بِخِلَافِ الْمُفْرَدَةِ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا مَا ذَكَرْنَا وَمِنْهَا أَنَّ الْوَكِيلَ هُنَا امْتَنَعَ عَنْ الْبَيْعِ يُجْبَرُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ الْمُفْرَدَةِ وَمِنْهَا أَنَّ هَذَا يَبِيعُ الْوَلَدَ وَالْأَرْشَ بِخِلَافِ الْمُفْرَدَةِ وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا بَاعَ بِخِلَافِ جِنْسِ الدَّيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى جِنْسِ الدَّيْنِ الْمُفْرَدَةِ وَمِنْهَا أَنَّ الرَّهْنَ إذَا كَانَ عَبْدًا وَقَتَلَهُ عَبْدٌ خَطًّا فَدُفِعَ الْقَاتِلُ بِالْجِنَايَةِ كَانَ لِهَذَا الْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَهُ بِخِلَافِ الْمُفْرَدَةِ وَإِنَّمَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَكِّلْهُ فَكَانَ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَكَالَةِ.
وَهَذَا إذَا عَزَلَهُ الْمُوَكِّلُ لَا يَنْعَزِلُ فَبِعَزْلِ غَيْرِهِ أَوْلَى أَنْ لَا يَنْعَزِلَ وَقَيَّدَ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ شُرِطَتْ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ فَلَوْ كَانَتْ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَعْزِلَهُ وَيَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ وَقَعَ مُنْفَرِدًا عَنْ الرَّهْنِ وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهَا مِنْ تَوَابِعِ الرَّهْنِ لِكَوْنِهَا مَشْرُوطَةً فِيهِ، فَإِذَا لَمْ تُشْتَرَطْ فِي الرَّهْنِ اُعْتُبِرَتْ وَكَالَةً مُبْتَدَأَةً، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ بَعْدَ الرَّهْنِ الْتَحَقَ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْبَيْعِ حَتَّى يُوَفِّيَ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهِ زِيَادَةُ إيفَاءٍ وَتَأْكِيدُ شَرْطٍ فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُت فِي الرَّهْنِ إيفَاءٌ حُكْمِيٌّ وَبِاشْتِرَاطِ الْبَيْعِ فِيهِ ثَبَتَ أَيْضًا حَقِيقِيٌّ وَكَانَ اشْتِرَاطُ زِيَادَةٍ أَيْضًا وَالزِّيَادَةُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ وَصَارَ كَالْمَشْرُوطِ فِيهِ ابْتِدَاءً وَكَالزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ.
وَلَوْ مَاتَ الْعَدْلُ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِبَيْعِهِ لَمْ يَجُزْ وَالرَّهْنُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ رَضِيَ بِبَيْعِهِ، وَلَمْ يَرْضَ بِبَيْعِ غَيْرِهِ، وَقَدْ وَقَعَ الْعَجْزُ عَنْ الْبَيْعِ بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ فَبَطَلَتْ الْوَكَالَةُ ضَرُورَةً وَالرَّهْنُ لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ نَائِبٌ عَنْ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ فِي الْإِمْسَاكِ وَالْحِفْظِ وَالرَّهْنُ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِمَا فَبِمَوْتِ نَائِبِهِمَا أَوْلَى، وَلَوْ اجْتَمَعَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى وَضْعِهِ عَلَى
стр. 2824
يَدَيْ عَدْلٍ آخَرَ، وَقَدْ مَاتَ الْأَوَّلُ أَوْ عَلَى يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَإِنْ اخْتَلَفَا وَضَعَهُ الْقَاضِي عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، وَإِنْ شَاءَ عَلَى يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ حَقٌّ فِي الْإِمْسَاكِ وَالْحِفْظِ فَيَنْصِبُ الْقَاضِي عَدْلًا آخَرَ يُمْسِكُهُ وَيَحْفَظُهُ نَائِبًا عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ نُصِّبَ لِإِيفَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ وَإِذَا عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَتَّهِمَ الْعَدْلَ فِي الْعَدَالَةِ لَمْ يَضَعْهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَإِنْ كَرِهَ الرَّاهِنُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ وِلَايَةُ الْوَضْعِ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ آخَرَ مَعَ إبَاءِ الرَّاهِنِ فَكَذَا لَهُ وِلَايَةُ الْوَضْعِ عَلَى يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ فَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ الرَّاهِنِ ذَكَرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ الِاسْتِيفَاءُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَضْجَرَ الرَّاهِنُ بِإِمْسَاكِ الرَّهْنِ عَنْهُ فَيُسَارِعُ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ.
وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ مَتَى كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ فَيَكُونُ الْوَضْعُ فِي يَدِهِ اشْتِغَالًا بِمَا لَا يُفِيدُ، وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الضَّجَرَ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ لَكِنْ بَقِيَ مَمْنُوعًا عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ فَالْحَجْرُ عَنْ الِانْتِفَاعِ مِمَّا يَضْجَرُهُ وَبِإِزَاءِ مَا فَاتَ مِنْ الضَّجَرِ حَصَلَ لِلْمُرْتَهِنِ مَنْفَعَةٌ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّهُ مَتَى هَلَكَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ لَا يَسْقُطُ مِنْ دَيْنِهِ كَمَا لَوْ أَعَارَهُ مِنْهُ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ وَلِذَا لَوْ جَعَلَاهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ أَوْ سَلَّطَا رَجُلًا آخَرَ عَلَى بَيْعِهِ وَسَلَّمَ الثَّمَنَ إلَى الْمُرْتَهِنِ أَوْ سَلَّطَ الْمُرْتَهِنَ عَلَى بَيْعِهِ جَازَ، وَلَيْسَ لَهُ فَسْخُهُ وَعَزْلُهُ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ عَزَلَا الْعَدْلَ سَلَّطَا غَيْرَهُ أَوْ لَمْ يُسَلِّطَا جَازَ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى فَسْخِ الرَّهْنِ جَازَ فَكَذَا عَلَى مَا شُرِطَ فِيهِ وَمِنْ التَّسْلِيطِ عَلَى الْبَيْعِ الْمُرْتَهِنِ لَوْ قَبَضَهُ وَجَعَلَ الرَّاهِنَ مُسَلَّطًا عَلَى بَيْعِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ أَوْجَبَ حُكْمَهُ وَهُوَ الْحَبْسُ دَائِمًا حِينَ قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ، فَإِذَا فَاتَ الْقَبْضُ وَالْحَبْسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُتَصَوَّرُ عَوْدُهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ؛ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ حَقَّ اسْتِرْدَادِهِ وَلَا يَبْطُلُ عَقْدُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ فَوَاتَ حُكْمِ الْعَقْدِ عَلَى وَجْهٍ يُتَوَهَّمُ وَيُرْجَى عَوْدُهُ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ أَعَارَ مِنْ الرَّاهِنِ.
وَهَذَا إذَا شَرَطَا بَعْدَ الرَّهْنِ فَأَمَّا إذَا شَرَطَا فِي الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ الْعَدْلُ هُوَ الرَّاهِنُ لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ، وَإِنْ قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ سَاعَةً فَلَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ قَالَ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا أَرْتَهِنُ دَارًا وَسَلَّطَ الرَّاهِنُ رَجُلًا عَلَى بَيْعِهَا وَإِيفَاءِ الثَّمَنِ وَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُرْتَهِنُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا لِعَدَمِ قَبْضِهِ بِنَفْسِهِ وَلَا بِنَائِبِهِ وَبَيْعُ الْعَدْلِ إيَّاهَا جَائِزٌ بِالْوَكَالَةِ وَالثَّمَنُ يُدْفَعُ إلَى الرَّاهِنِ، فَإِنْ دَفَعَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَضْمَنْ وَيَنْعَزِلُ الْعَدْلُ بِمَوْتِ الرَّاهِنِ وَالرَّهْنُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَصِحَّ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ بِالثَّمَنِ إلَّا أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ وَبِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ الثَّمَنِ وَالْمَأْمُورُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ إنْ شَاءَ دَفَعَ إلَى الْآمِرِ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ إلَى الْغَرِيمِ وَيَكُونُ هَذَا وَكِيلًا مَحْضًا حَتَّى لَا يُجْبَرَ الْعَبْدُ عَلَى الْبَيْعِ وَيَنْعَزِلَ بِمَوْتِ الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الْبَيْعَ فِي رَهْنٍ غَيْرِ لَازِمٍ فَلَا يَكُونُ الْبَيْعُ لَازِمًا، وَلَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَبْدَ الْعَدْلِ الْمُسَلَّطِ عَلَى بَيْعِهِ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ عَبْدٌ دُفِعَ مَكَانَهُ فَهُوَ مُسَلَّطٌ عَلَى بَيْعِهِ بِمَنْزِلَةِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمَدْفُوعَ صَارَ رَهْنًا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ كَانَ ثَابِتًا فِي الْأَوَّلِ وَالْبَدَلُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَوَّلِ فَثَبَتَتْ وِلَايَتُهُ فِي الثَّانِي حَسَبَ ثُبُوتِ وِلَايَتِهِ فِي الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ الْمُفْرَدِ؛ لِأَنَّهُ مَا ثَبَتَ لَهُ حَقُّ بَيْعِ الْأَصْلِ حَتَّى يَسْرِيَ إلَى بَدَلِهِ، وَلَوْ كَانَ الْعَدْلُ عَبْدًا مَحْجُورًا أَوْ غَيْرَ مَحْجُورٍ أَوْ صَبِيًّا عَاقِلًا مَأْذُونًا وَغَيْرَ مَأْذُونٍ جَازَ وَلَا تَلْزَمُهُمَا الْعُهْدَةُ إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى وَالْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُؤْخَذَانِ بِضَمَانِ الْأَقْوَالِ إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى وَالْوَلِيِّ.
قَالَ ﵀ (وَتَبْطُلُ بِمَوْتِ الْوَكِيلِ حَتَّى لَا يَقُومَ وَارِثُهُ وَلَا وَصِيُّهُ مَقَامَهُ) ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ لَا يَجْرِي فِيهَا الْإِرْثُ وَلِأَنَّ الْمُوَكِّلَ رَضِيَ بِرَأْيِهِ لَا بِرَأْيِ غَيْرِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إنْ وَصَّى الْوَكِيلُ يَمْلِكُ بَيْعَهُ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ لَازِمَةٌ فَيَمْلِكُ الْوَصِيُّ كَالْمُضَارِبِ إذَا مَاتَ وَالْمَالِيَّةُ عُرُوضٌ يَمْلِكُ وَصِيُّ الْمُضَارِبِ بَيْعَهَا لِمَا أَنَّهُ لَازِمٌ بَعْدَ مَا صَارَ عُرُوضًا قُلْنَا الْوَكَالَةُ حَقٌّ عَلَى الْوَكِيلِ فَلَا تُورَثُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ يَجْرِي فِي حَقٍّ لَهُ لَا فِي حَقٍّ عَلَيْهِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِبُطْلَانِهَا بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهَا حَقُّ الْمُضَارِبِ فَيُورَثُ عَنْهُ فَتَقُومُ الْوَرَثَةُ مَقَامَهُ فِيهِ وَلِأَنَّ الْمُضَارِبَ لَهُ وِلَايَةُ التَّوْكِيلِ فِي حَيَاتِهِ فَجَازَ أَنْ يَقُومَ وَصِيُّهُ مَقَامَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَالْأَبِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ وَالْوَكِيلُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّوْكِيلِ فِي حَيَاتِهِ فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِبَيْعِهِ لَمْ يَصِحَّ إلَّا إذَا كَانَ مَشْرُوطًا لَهُ فِي الْوَكَالَةِ فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ بِوَضْعِهِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ لَوْ مَاتَ الْعَدْلُ بَطَلَ التَّسْلِيطُ، وَفِي السِّرَاجِيَّةِ الْعَدْلُ الْمُسَلَّطُ عَلَى الْبَيْعِ إذَا بَاعَ الْبَعْضَ بَطَلَ الرَّهْنُ فِي الْبَاقِي وَإِذَا بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ وَالْعَدْلِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ، فَقَالَ الْعَدْلُ بِعْت بِمِائَةٍ فَأَعْطَيْتهَا الْمُرْتَهِنَ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ بَاعَهُ بِخَمْسِينَ فَالْقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ.
وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ وَإِذَا كَانَ الْعَدْلُ مُسَلَّطًا عَلَى
стр. 2825
الْبَيْعِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ كَانَ الْأَجَلُ إلَى شَهْرِ رَمَضَانَ، وَقَدْ دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَقَالَ الرَّاهِنُ إلَى شَوَّالٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ فِي وَقْتِ حُلُولِ الْأَجَلِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ وَإِذَا بَاعَ الْعَدْلُ بِالنَّسِيئَةِ جَازَ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَفِي غَيْرِهِ إذَا بَاعَ بِنَسِيئَةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ بِأَنْ بَاعَ إلَى عَشْرِ سِنِينَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجُوزَ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ إنْ تَقَدَّمَ مِنْ الرَّاهِنِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَيْعِ بِالنَّقْدِ بِأَنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ يُطَالِبُنِي بِدَيْنِهِ وَيُؤْذِينِي فَبِعْهُ حَتَّى أُوفِيَهُ فَبَاعَهُ بِالنَّسِيئَةِ لَا يَجُوزُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ بِعْهُ، فَإِنِّي مُحْتَاجٌ إلَى النَّفَقَةِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ لَوْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ هُوَ الْعَدْلُ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِنُ بِعْهُ وَاسْتَوْفِ دَيْنَك مِنْ ثَمَنِهِ فَبَاعَهُ بِالنَّسِيئَةِ فَيَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: لَوْ لَحِقَ الْعَدْلَ جُنُونٌ يَقَعُ الْإِيَاسُ مِنْ إفَاقَتِهِ فَيَنْعَزِلُ، وَإِنْ كَانَ يُرْجَى إفَاقَتُهُ لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى إذَا عَادَ عَقْلُهُ إلَيْهِ لَهُ أَنْ يَبِيعَ، وَإِنْ بَاعَ فِي حَالِ جُنُونِهِ لَا يَصِحُّ وَالْعَدْلُ فِي حَقِّ الْعَيْنِ كَالْمُودَعِ فَمَا جَازَ لِلْمُودَعِ جَازَ لِلْعَدْلِ وَلَا يَمْلِكُ أَنْ يُسَافِرَ بِالرَّهْنِ إذَا كَانَتْ الطَّرِيقُ مُخِيفَةً وَإِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا وَقَيَّدَ بِالْمِصْرِ لَا يَمْلِكُ السَّفَرَ، وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ إذَا مَاتَ الْمُرْتَهِنُ يَبِيعُ الْعَدْلُ الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةَ بِحَضْرَةِ الْوَرَثَةِ، وَلَوْ بَاعَ الْعَدْلُ، ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ رَجَعَ بِهِ عَلَى الرَّاهِنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِعَيْبٍ جَازَ أَنْ يَحْدُثَ فِي الْمُدَّةِ، وَلَوْ صَدَّقَهُ الرَّاهِنُ بِالْعَيْبِ فِي يَدِهِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ.
وَلَوْ اخْتَارَ الْعَدْلُ أَحَدَهُمَا فَأَفْلَسَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْآخَرِ، وَلَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ كَانَ قِيمَتُهُ يَوْمَ الرَّهْنِ كَذَا، ثُمَّ ادَّعَى النُّقْصَانَ لَمْ يُصَدَّقْ وَلَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ إلَّا إذَا كَانَ تَرَاجُعُ السِّعْرِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ مَعْرُوفًا، وَلَوْ قَالَ الْعَدْلُ بِعْت وَقَبَضْت الثَّمَنَ وَهَلَكَ عِنْدِي أَوْ دَفَعْته لَك صُدِّقَ عَلَيْهِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ رَهَنَ شَيْئًا بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ وَسَلَّطَ الْعَدْلَ عَلَى بَيْعِهِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَلَمْ يَقْبِضْ الْعَدْلُ الرَّهْنَ حَتَّى حَلَّ الدَّيْنُ فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ وَالْوَكَالَةُ بِالْبَيْعِ بَاقِيَةٌ، وَلَوْ رَهَنَ شَيْئًا بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ وَسَلَّطَ الْعَدْلَ عَلَى الْبَيْعِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَقُلْ عِنْدَ حُلُولِ أَجَلِ الدَّيْنِ فَلِلْعَدْلِ أَنْ يَبِيعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَفِي الْمُنْتَقَى وَالذَّخِيرَةِ بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَهَنَ مِنْ آخَرَ عَبْدًا وَوَضَعَاهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ وَغَابَ الرَّاهِنُ، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ آمُرُك بِبَيْعِهِ، وَقَالَ الْعَدْلُ لَمْ يَأْمُرْنِي بِبَيْعِهِ قَالَ لَا أَقْبَلُ بَيِّنَةَ الْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ، وَفِي الْإِمْلَائِيَّاتِ الْعَدْلُ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ بِبَيْعِ الرَّهْنِ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنُ قَالَ لَهُ فِي أَصْلِ الْوَكَالَةِ وَكَّلْتُك بِبَيْعِ الرَّهْنِ وَأَجَزْت لَك مَا صَنَعْته فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِوَصِيِّهِ بَيْعُهُ وَلَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ إلَى ثَالِثٍ، رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ وَصِيَّ الْعَدْلِ يَقُومُ مَقَامَ الْعَدْلِ فِي الْبَيْعِ، وَرَوَى ابْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ وَصِيَّ الْعَدْلِ يَقُومُ مَقَامَ الْعَدْلِ فِي الْبَيْعِ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَارِبِ يَمُوتُ وَالْمَالُ عُرُوضُ، فَإِنَّ وَصِيَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْبَيْعِ.
قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ: هَذَا الْجَوَابُ خِلَافُ جَوَابِ الْأَصْلِ شَرْحُ الطَّحَاوِيِّ، فَإِنْ سَلَّطَ الْعَدْلَ عَلَى الْبَيْعِ وَأَدَاءِ الثَّمَنِ مِنْهُ جَازَ بَيْعُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا عَزَّ وَهَانَ وَبِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمُطْلَقِ بِالْبَيْعِ، فَإِنْ بَاعَهُ بِجِنْسِ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ يَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِخِلَافِ جِنْسِ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ يَبِيعُ الثَّمَنَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ وَيَقْضِي دَيْنَ الْمُرْتَهِنِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَبِيعُهُ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ بِقَدْرِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، فَإِنْ بَاعَهُ بِجِنْسِ الدَّيْنِ قَضَى بِهِ الدَّيْنَ، وَإِنْ بَاعَهُ بِخِلَافِ جِنْسِهِ صَرَفَهُ بِجِنْسِ الدَّيْنِ وَقَضَى الدَّيْنَ، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ إذَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ مُسَلَّطًا عَلَى الْبَيْعِ فَأَقَامَ بَيِّنَتَهُ أَنَّهُ بَاعَ بِسَبْعِينَ وَأَقَامَ الرَّاهِنُ بَيِّنَتَهُ أَنَّهُ مَاتَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ أُخِذَ بِبَيِّنَةِ الْمُرْتَهِنِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُؤْخَذُ بِبَيِّنَةِ الرَّاهِنِ وَلَمَّا ظَهَرَ أَنَّ الْعَدْلَ وَكِيلٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْوَكِيلِ.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ وَغَابَ الرَّاهِنُ أُجْبِرَ الْوَكِيلُ عَلَى بَيْعِهِ كَالْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ مِنْ جِهَةِ الْمَطْلُوبِ إذَا غَابَ مُوَكِّلُهُ أُجْبِرَ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ بِالشَّرْطِ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ صَارَتْ وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِ الرَّهْنِ فَلَزِمَتْ كَلُزُومِهِ وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ تَعَلَّقَ بِالْبَيْعِ وَفِي الِانْتِفَاعِ إبْطَالُ حَقِّهِ فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ إذَا غَابَ مُوَكِّلُهُ وَالْجَامِعُ بَيْنَهَا أَنَّ فِي الِانْتِفَاعِ فِيهِمَا إبْطَالَ حَقِّهِمَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَبِيعَ بِنَفْسِهِ وَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ، أَمَّا الْمُدَّعِي فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ وَالْمُرْتَهِنُ لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِنَفْسِهِ. وَقَوْلُهُ وَغَابَ الرَّاهِنُ يَظْهَرُ أَنَّهُ قَيَّدَ فِي جَبْرِ الْعَدْلِ عَلَى الْبَيْعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ أَبَى الْعَدْلُ الْبَيْعَ، وَقَدْ سَلَّطَ عَلَيْهِ يُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَى بَيْعِهِ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ صَارَتْ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ الْعَدْلُ اسْتِرْدَادَ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ حَتَّى يَبْطُلَ الْإِيفَاءُ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَالْعَدْلُ يُفَارِقُ الْوَكِيلَ الْمُفْرَدِ بِالْبَيْعِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ قَدَّمْنَا ثَلَاثَةً مِنْهَا. وَالرَّابِعُ الْعَدْلُ يَمْلِكُ الْمُصَارِفَةَ بِالثَّمَنِ إذَا بَاعَ الْعَيْنَ بِخِلَافِ
стр. 2826
جِنْسِ الدَّيْنِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ الْمُفْرَدِ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ مَأْمُورٌ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَيَمْلِكُ الْمُصَارَفَةَ بِالثَّمَنِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ حَتَّى يَمْلِكَ إيفَاءَ الدَّيْنِ كَمَا لَوْ قَالَ لِآخَرَ اقْضِ دَيْنِي مِنْ دَارِي كَانَ مَأْمُورًا بِبَيْعِ الدَّارِ وَبِإِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهَا وَكَّلَ الْعَدْلُ بِبَيْعِ الرَّهْنِ وَكِيلًا فَبَاعَ جَازَ إنْ كَانَ حَاضِرًا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ كَمَا فِي الْوَكِيلِ الْمُفْرَدِ عَلَى مَا مَرَّ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَدَّرَ الْعَدْلُ لِلْوَكِيلِ ثَمَنًا جَازَ مُطْلَقًا، وَقِيلَ هُوَ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَقِيلَ فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ الْوَكَالَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَبِيعَ بِحَضْرَتِهِ أَوْ بِإِجَازَتِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكِتَابِ يَجُوزُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ حَضَرَهُ رَأْيُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الرَّأْيَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْأَوَّلِ لِتَقْدِيرِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ الشَّيْءِ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِرَأْيٍ، فَإِذَا قَدَّرَ الْأَوَّلُ الثَّمَنَ، وَقَدْ بَاعَ الثَّانِي بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ فَقَدْ حَضَرَ رَأْيُ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ بِعِبَارَتِهِ وَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ بِرَأْيِهِ وَنُطْقِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَ بِحَضْرَتِهِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ الْوَكَالَةِ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ لَمْ يَحْضُرْهُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ رَأْيَ الْأَوَّلِ بِالثَّمَنِ الَّذِي قُدِّرَ تَعَلَّقَ بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِرَغْبَةِ الْمُشْتَرِي فِي الزِّيَادَةِ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَبِعَدَمِ زِيَادَةِ رَوَاجِ السِّلْعَةِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَتَى عَلِمَ مِنْ الْمُشْتَرَى الرَّغْبَةَ فِي الْمَبِيعِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّمَنِ الْمَذْكُورِ لَا يُجْبِرُهُ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ احْتِمَالٌ فَلَا يَثْبُتُ رَأْيِ الْأَوَّلِ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَجَازَ، فَإِنَّ الثَّانِيَ لَا يَصِيرُ مُؤْتَمَنًا حَالَ غَيْبَةِ الْأَوَّلِ ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْإِجَازَةِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْإِجَازَةِ إذَا حَصَلَتْ الْإِجَازَةُ مِمَّنْ يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ وَائْتِمَانُ الْأَجْنَبِيِّ يَثْبُتُ حَالَةَ الضَّرُورَةِ كَالْمُودَعِ إذَا دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى الْأَجْنَبِيِّ حَالَةَ الْخَوْفِ وَالْفَرْقِ جَازَ، وَفِي غَيْرِ هَؤُلَاءِ لَوْ صَارَ الثَّانِي مُؤْتَمَنًا، فَإِنَّمَا يَصِيرُ مُؤْتَمَنًا ضَرُورَةَ صِحَّةِ التَّوْكِيلِ وَلَا ضَرُورَةَ إلَى الْحُكْمِ بِصِحَّةِ التَّوْكِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إنْشَاءَ عَقْدٍ وَلَا إجَارَةَ، وَائْتِمَانُ الْأَجْنَبِيِّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا يَجُوزُ فَكَانَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحَّ بَاعَهُ فَأَجَازَهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ وَأَبَى الْعَدْلُ جَازَ، وَلَوْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يُعَدُّ وَهْمًا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلرَّاهِنِ وَالْحَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ فَيُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى الْإِجَازَةِ، فَإِذَا أَجَازَ جَازَ وَكَانَ ذَلِكَ إخْرَاجًا لِلْعَدْلِ عَنْ الْوَكَالَةِ وَتَوْكِيلًا لِلْآخَرِ بِالْبَيْعِ وَلَهُمَا ذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ لِلرَّاهِنِ أَرْضُ خَرَاجٍ أَوْ عُشْرٍ وَأَخَذَ الْخَرَاجَ وَالْعُشْرَ مِنْ الرَّاهِنِ لَا يَرْجِعُ فِي ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ صَارَ قَاضِيًا حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِ فَلَا يَرْجِعُ بِهِ فِي حَالٍ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ.
وَإِنْ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَرَةِ أَوْ الْغَلَّةِ لَا يَبْطُلُ شَيْئًا مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ هَلَاكَ الزِّيَادَةِ مِنْ الْعَيْنِ لَا يُسْقِطُ شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مَحْسُوبًا عَلَى الرَّاهِنِ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْعَيْنِ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يُعْطِيَ الْخَرَاجَ مِنْ مَالٍ آخَرَ فَلَمْ يَصِرْ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ مُسْتَحَقًّا إلَّا إذَا أَخَذَهُ السُّلْطَانُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ غُصِبَ مِنْهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ هَلَكَ بَعْضُ الرَّهْنِ فِي يَدِهِ، وَلَوْ كَانَ الرَّاهِنُ مُفْلِسًا وَالرَّهْنُ فِي يَدِ الْعَدْلِ فَاسْتَحَقَّ الْعَبْدُ فَدَفَعَ الْعَدْلُ الْبَدَلَ وَأَبْقَاهُ فِي يَدِهِ يَبِيعُهُ وَيَسْتَوْفِي ثَمَنَهُ وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمَا تَعَلَّقَ بِالْعَبْدِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِيمَا تَحَوَّلَ مِنْ الْعَبْدِ إلَى ثَمَنِهِ بِالْبَيْعِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَبْدِ ثَانِيًا بَعْدَ الرَّدِّ وَحَقُّ الْعَدْلِ تَعَلَّقَ بِالْعَبْدِ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَقَدْ اسْتَوْفَيَا الْحَقَّيْنِ فِي وَقْتِ تَعَلُّقِ الْحَقِّ تَرَجَّحَ دَيْنُ الْعَدْلِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِسَبَبِ هَذَا الْعَبْدِ وَدَيْنُ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَجِبْ بِسَبَبِ هَذَا الْعَبْدِ فَصَارَ الْعَدْلُ أَوْلَى كَدَيْنِ الْعَبْدِ مَعَ دَيْنِ الْمَوْلَى فَيَكُونُ دَيْنُ الْعَبْدِ أَحَقَّ وَصَارَ كَمَا لَوْ دَفَعَ الْعَدْلُ الثَّمَنَ إلَى الْمُرْتَهِنِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ فَيَسْتَرِدُّ الثَّمَنَ مِنْهُ فَكَذَا هَذَا بَاعَ الْعَدْلُ بَيْعًا فَاسِدًا لَا يَضْمَنُ كَالْوَكِيلِ الْمُفْرَدِ وَمَعْنَى الْإِجْبَارِ أَنْ يَحْبِسَهُ الْقَاضِي أَيَّامًا لِيَبِيعَ، فَإِنْ لَجَّ بَعْدَ الْحَبْسِ أَيَّامًا فَالْقَاضِي يَبِيعُهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِمَا ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ جِهَةٌ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَلِأَنَّ بَيْعَ الرَّهْنِ صَارَ مُسْتَحَقًّا لِلْمُرْتَهِنِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَوَاضِعِ، وَقِيلَ لَا يَبِيعُ الْقَاضِي عِنْدَهُ كَمَا لَا يَبِيعُ الْمَدْيُونُ عِنْدَهُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ، ثُمَّ إذَا أُجْبِرَ عَلَى الْبَيْعِ وَبَاعَ لَا يَفْسُدُ هَذَا الْبَيْعُ بِهَذَا الْإِجْبَارِ؛ لِأَنَّ الْإِجْبَارَ وَقَعَ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ بِأَيِّ طَرِيقٍ شَاءَ حَتَّى لَوْ قَضَاهُ بِغَيْرِهِ صَحَّ وَإِنَّمَا الْبَيْعُ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِهِ وَلِأَنَّهُ إجْبَارٌ لِحَقٍّ وَبِمِثْلِهِ لَا يَكُونُ مُكْرَهًا فَلَا يَفْسُدُ إجْبَارُهُ بِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ التَّوْكِيلُ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ الرَّهْنِ وَإِنَّمَا شَرْطَاهُ بَعْدَهُ قِيلَ لَا يُجْبَرُ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ لَمْ يَصِرْ وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِ الرَّهْنِ فَكَانَتْ مُفْرَدَةً كَسَائِرِ الْوَكَالَاتِ، وَقِيلَ يُجْبَرُ كَيْ يُؤَدِّيَ حَقَّهُ، وَهَذَا أَصَحُّ حَتَّى رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْجَوَابَ فِي الْفَصْلَيْنِ وَاحِدٌ فِي أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْقَوْلِ قَضَاءً، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْأَصْلُ الْإِجْبَارُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْوَكَالَةُ مَشْرُوطَةً فِيهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَلَوْ بَاعَ الْعَدْلُ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا
стр. 2827
وَالثَّمَنُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ وَأَنْ يَقْبِضَهُ بَعْدُ لِقِيَامِهِ مَقَامَ مَا كَانَ مَقْبُوضًا بِجِهَةِ الرَّهْنِ، فَإِذَا تَوَى كَانَ مِنْ مَالِ الْمُرْتَهِنِ لِبَقَاءِ عَقْدِ الرَّهْنِ فِي الثَّمَنِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمَبِيعِ الْمَرْهُونِ، وَكَذَلِكَ إذَا قُتِلَ الْعَبْدُ الرَّهْنُ وَغَرِمَ الْقَاتِلُ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ، وَإِنْ كَانَ بَدَلَ الدَّمِ فَأَخَذَ حُكْمَ ضَمَانِ الْمَالِ فِي حَقِّ الْمُسْتَحِقِّ فَبَقِيَ عَقْدُ الرَّهْنِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَهُ عَبْدُهُ فَدَفَعَ بِهِ لِكَوْنِهِ قَائِمًا مَقَامَ الْأَوَّلِ لَحْمًا وَدَمًا فَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ بَاعَهُ الْعَدْلُ وَأَوْفَى مُرْتَهِنَهُ ثَمَنَهُ فَاسْتَحَقَّ الرَّهْنَ وَضَمِنَ فَالْعَدْلُ يَضْمَنُ الرَّاهِنَ قِيمَتَهُ أَوْ الْمُرْتَهِنَ ثَمَنَهُ) وَكَشَفَ هَذَا أَنَّ الْمَرْهُونَ الْمَبِيعَ إذَا اُسْتُحِقَّ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا أَوْ هَالِكًا فَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي الْمُسْتَحِقُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الرَّاهِنَ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ فِي حَقِّهِ بِالْأَخْذِ أَوْ التَّسْلِيمِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْعَدْلَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ مِثْلُهُ بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ فَصَارَ غَاصِبًا بِذَلِكَ، فَإِذَا ضَمِنَ الرَّهْنَ نَفَذَ الْبَيْعُ وَصَحَّ الِاقْتِضَاءُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ قَدْ تَمَلَّكَهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْغَصْبِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِبَيْعِ مِلْكِ نَفْسِهِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُسْتَحِقُّ الْعَدْلَ نَفَذَ الْبَيْعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ مَلَكَهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ، ثُمَّ هُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى الرَّاهِنِ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مِنْ جِهَتِهِ عَامِلٌ لَهُ فِيهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْعُهْدَةِ بِالْغَرَرِ مِنْ جِهَتِهِ وَنَفَذَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَمَّا كَانَ مَدَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ وَضَمَّنَهُ مِلْكَهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِبَيْعِ مِلْكِهِ فَصَحَّ اقْتِضَاءُ الْمُرْتَهِنِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِدَيْنِهِ.
وَإِنْ شَاءَ الْعَدْلُ رَجَعَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الثَّمَنَ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ مَلَكَ الْعَبْدَ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ وَاسْتَقَرَّ مِلْكُهُ فِيهِ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الرَّاهِنِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَا ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ فَصَارَ الثَّمَنُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مِلْكِهِ وَإِنَّمَا أَدَّاهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ عَلَى حِسَابِ أَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فَإِذَا تَبَيَّنَّ أَنَّهُ مِلْكُهُ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِهِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ، وَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ قَائِمًا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَلِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مِلْكِهِ، ثُمَّ إنْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْعَدْلِ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ الْعَاقِدُ فَتَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُ الْعَقْدِ، وَهَذَا مِنْ حُقُوقِهِ حَيْثُ وَجَبَ الْبَيْعُ وَإِنَّمَا دَفَعَهُ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ لِيُسَلِّمَ لَهُ الْمَبِيعَ وَلَمْ يُسَلَّمْ إذَا ضَمِنَ الْعَدْلُ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرِي كَانَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى الرَّاهِنِ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي هَذِهِ الْعُهْدَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهُ وَإِذَا رَجَعَ عَلَيْهِ صَحَّ الرَّهْنُ وَسُلِّمَ لَهُ الْمَقْبُوضُ وَبَرِئَ الرَّاهِنُ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ الْعَدْلُ رَجَعَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ انْتَقَضَ بِالِاسْتِحْقَاقِ فَبَطَلَ الثَّمَنُ، وَقَدْ قَبَضَهُ ثَمَنًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَنَقْضُ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ ضَرُورَةً، فَإِذَا دَفَعَهُ إلَى الْعَدْلِ عَادَ حَقُّهُ فِي الدَّيْنِ عَلَى الرَّاهِنِ كَمَا كَانَ فَيَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ سَلَّمَ الثَّمَنَ بِنَفْسِهِ إلَى الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْعَدْلِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ فِي الْبَيْعِ عَامِلٌ لِلرَّاهِنِ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا قَبَضَ، وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ شَيْئًا فَبَقِيَ ضَمَانُ الثَّمَنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَالدَّيْنُ عَلَى الرَّاهِنِ عَلَى حَالِهِ.
وَلَوْ كَانَ التَّوْكِيلُ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ غَيْرَ مَشْرُوطٍ فِي الْعَقْدِ فَمَا لَحِقَ الْعَدْلَ مِنْ الْعُهْدَةِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الرَّاهِنِ قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَذَا التَّوْكِيلِ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ الْمُفْرَدَةِ عَنْ الرَّاهِنِ إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ وَدَفَعَ الثَّمَنَ إلَى مَنْ أَمَرَهُ الْمُوَكِّلُ، ثُمَّ لَحِقَهُ عُهْدَةٌ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْقَابِضِ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَيَكُونُ الْبَيْعُ لَحِقَهُ كَذَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ لَا يَرَى جَبْرَ هَذَا الْوَكِيلِ عَلَى الْبَيْعِ، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ رِضَا الْمُرْتَهِنِ بِالرَّهْنِ بِدُونِ التَّوْكِيلِ قَدْ تَمَّ فَصَارَ التَّوْكِيلُ مُسْتَأْنَفًا فِي ضِمْنِ عَقْدِ الرَّهْنِ فَكَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهُ ضَرُورَةً عَلَى أَنَّ فَخْرَ الْإِسْلَامِ وَشَيْخَ الْإِسْلَامِ قَالَا: قَوْلُ مَنْ يَرَى جَبْرَ هَذَا الْوَكِيلِ أَصَحُّ لِإِطْلَاقِ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْأَصْلُ مَا بَيَّنَّاهُ فَتَكُونُ الْوَكَالَةُ غَيْرُ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْعَقْدِ كَالْمَشْرُوطَةِ فِيهِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ هُنَاكَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِرَهْنِ الْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ وَالْمُضَارِبِ وَأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فَفِي الْمَبْسُوطِ الْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ فِي الرَّهْنِ وَالِارْتِهَانِ وَرَهْنُ الْعَبْدِ التَّاجِرِ وَارْتِهَانِهِ جَائِزٌ وَرَهْنُ الْمُضَارِبِ عَلَى أَقْسَامٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْمَالِ أَمَرَهُ بِالِاسْتِدَانَةِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالرَّهْنِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ أَمَرَهُ بِهِمَا.
فَإِنْ أَمَرَهُ بِالِاسْتِدَانَةِ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ وَتَفْسِيرُ الِاسْتِدَانَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالنَّسِيئَةِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ شَيْءٌ، فَإِنْ صَارَ مَالُ الْمُضَارَبَةِ كُلُّهُ عُرُوضًا، فَإِذَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لَا يَكُونُ مُسْتَدِينًا عَلَى الْمُضَارَبَةِ وَيَجُوزُ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُضَارَبَةِ وَلَا يَسْتَدِينُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقْبِضَ رَأْسَ الْمَالِ وَإِذَا رَهَنَ بِهِ
стр. 2828
شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ بِأَمْرِ رَبِّ الْمَالِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ رَبُّ الْمَالِ بِالِاسْتِدَانَةِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِالِاسْتِدَانَةِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالرَّهْنِ فَالِاسْتِدَانَةُ جَائِزَةٌ وَالرَّهْنُ فَاسِدٌ فِي نَصِيبِ الْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَ مَالَ الْمُضَارَبَةِ عَنْ مَالِ نَفْسِهِ وَإِذَا فَسَدَ فِي نَصِيبِهِ فَسَدَ فِي الْكُلِّ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِالرَّهْنِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالِاسْتِدَانَةِ فَالِاسْتِدَانَةُ تَلْزَمُ الْمُضَارِبَ خَاصَّةً وَالرَّهْنُ يَكُونُ جَائِزًا وَرَهْنُ أَحَدِ شَرِيكَيْ الْمُفَاوَضَةِ بِدَيْنِ جِنَايَةٍ جَائِزٌ وَهُوَ ضَامِنٌ، وَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَنْقُضَ، وَأَحَدُ شَرِيكَيْ الْعِنَانِ إذَا رَهَنَ مَتَاعًا مِنْ الشَّرِكَةِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: إمَّا أَنْ رَهَنَ أَوْ ارْتَهَنَ وَكُلُّ قِسْمٍ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ رَهَنَ بِدَيْنٍ عَلَيْهَا، فَإِنْ اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِرَأْيِ نَفْسِهِ فَرَهْنُ أَحَدِهِمَا وَارْتِهَانُهُ جَائِزٌ عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، وَإِنْ اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا مَعًا وَأَنْ يَبِيعَا مَعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا إنْ وَلِيَ الْإِدَانَةَ بِنَفْسِهِ يَجُوزُ رَهْنُهُ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ هَذَا الدَّيْنَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُطَالَبُ بِهَذَا الدَّيْنِ وَإِذَا أَدَانَ صَاحِبَهُ أَوْ أَدَانَهُمَا جَمِيعًا فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِدَيْنِ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ لَا يَجُوزُ فِي نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ مُشَاعٌ وَيَضْمَنُ نَصِيبَ صَاحِبَهُ إنْ هَلَكَ.
وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الشَّرِيكُ رَاهِنًا وَإِذَا رَهَنَ أَحَدُهُمَا بِدَيْنٍ لَهُمَا، وَلَمْ يَشْتَرِكَا فِي الشَّرِكَةِ أَنْ يَعْمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِرَأْيِهِ إنْ وَلِيَ هُوَ الِاسْتِدَانَةَ بِنَفْسِهِ يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ اسْتِيفَاءَ هَذَا الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِعَقْدِهِ فَيَمْلِكُ الِارْتِهَانَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءٌ حُكْمًا، وَإِنْ وَلِيَ الْإِدَانَةَ صَاحِبَهُ أَوْ وَلِيَا الْإِدَانَةَ بِأَنْفُسِهِمَا لَا يَجُوزُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ صَاحِبِهِ فَلَا يَمْلِكُ الِارْتِهَانَ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ لَا يَجُوزُ فِي نَصِيبِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مُشَاعٌ، وَإِنْ هَلَكَ الْمُرْتَهِنُ ذَهَبَ حِصَّتُهُ مِنْ الدَّيْنِ وَيَرْجِعُ شَرِيكُهُ بِحِصَّتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ بِهَا عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ الْفَاسِدَ فِي حَقِّ إفَادَةِ الْأَحْكَامِ مُلْحَقٌ بِالصَّحِيحِ فَصَارَ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا الدَّيْنَ فَصَارَ مُسْتَوْفِيًا نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ بِالْهَلَاكِ فَصَارَ كَمَا لَوْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَالدَّيْنُ وَاجِبٌ بِإِدَانَةِ صَاحِبِهِ فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُ نِصْفِ الدَّيْنِ مِنْهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْ الْمَطْلُوبِ فَكَذَا هَذَا، فَإِذَا أَخَذَ مِنْ الْمَطْلُوبِ يَرْجِعُ الْمَطْلُوبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الرَّهْنِ طَعَنَ عِيسَى، وَقَالَ وَجَبَ أَنْ لَا يَرْجِعَ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ أَجْنَبِيٌّ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ وَلِهَذَا لَا يَبْرَأُ الْمَطْلُوبُ مِنْ حِصَّةِ صَاحِبِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ دَفَعَ الْغَرِيمُ رَهْنًا إلَى أَجْنَبِيٍّ آخَرَ لِيُجِيزَ صَاحِبَ الدَّيْنِ، وَلَمْ يُجِزْ، وَقَدْ هَلَكَ فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْ فَكَذَا هَذَا.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ صَارَ مُسْتَوْفِيًا نَصِيبَ نَفْسِهِ وَصَحَّ اسْتِيفَاؤُهُ وَاسْتَوْفَى نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَصَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيمَا اسْتَوْفَاهُ لِنَفْسِهِ وَإِذَا شَارَكَهُ فِيهِ وَأُخِذَ مِنْهُ كَانَ لِلْقَابِضِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ ابْتِدَاءً، فَإِذَا أَخَذَ ذَلِكَ كَانَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ نِصْفَ ذَلِكَ بِنِصْفِ مَا بَقِيَ ثُمَّ وَثُمَّ إلَى أَنْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ فِي يَدِهِ أَمَانَةً فَمَتَى جَعَلْنَا نَصِيبَ شَرِيكِهِ أَمَانَةً فِي يَدِهِ ابْتِدَاءً احْتَجْنَا إلَى أَنْ نَجْعَلَهُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ انْتِهَاءً فَجَعَلْنَاهُ مَضْمُونًا فِي الِابْتِدَاءِ قَصْرًا لِلْمَسَافَةِ وَلَا كَذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ أَخَذَهَا رَهْنًا بِدَيْنِ لَهُمَا، فَقَالَ شَرِيكُهُ لَمْ نَأْخُذْهُ رَهْنًا، وَقَالَ الْآخَرُ أَخَذْت وَهَلَكَ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُتَوَلِّيَ لِلْبَيْعِ فَالْقَوْلُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ وَلِيُّهُ الْآخَرَ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا إنْ أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَعْمَلَ بِرَأْيِهِ فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الِارْتِهَانَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِيفَاءِ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ فَلَا يَمْلِكُ الِارْتِهَانَ بِهِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ. كَفَلَ عَنْ رَجُلٍ بِدَيْنٍ وَارْتَهَنَ مِنْ الْمَكْفُولِ عَنْهُ وَقَبَضَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ لِلْكَفِيلِ دَيْنٌ وَالرَّهْنُ يَجُوزُ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ افْتَرَقَ الشَّرِيكَانِ، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَقَالَ أَخَذْته بِدَيْنِي وَدَيْنِك قَبْلَ الِافْتِرَاقِ.
وَقَالَ الْآخَرُ أَخَذْته بَعْدَ الِافْتِرَاقِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ أَذِنَ وَأَخَذَهُ فِي الشَّرِكَةِ أَوْ بَعْدَهَا جَازَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ حَكَى أَمْرًا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَهُ لِلْحَالِ، فَإِنَّهُ لَوْ ارْتَهَنَ لِلْحَالِ جَازَ وَيُصَدَّقُ فِيمَا حَكَى، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ أَدَانَهُ أَوْ أَدَانَا جَمِيعًا فَعَلَى الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّهُ حَكَى أَمْرًا لَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَهُ لِلْحَالِ، فَإِنَّهُ لَوْ ارْتَهَنَ بِهِ لِلْحَالِ لَا يَجُوزُ فَلَا يُصَدَّقُ فِيمَا حَكَى إلَّا بِبَيِّنَةٍ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ بَعْدَ الْعَزْلِ إذَا قَالَ كُنْت بِعْت وَكَذَّبَهُ الْمُوَكِّلُ فُضُولِيٌّ أَخَذَ بِدَيْنِ الْآخَرِ رَهْنًا لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْآخِذِ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ الْمَطْلُوبَ لِيَكُونَ عَدْلًا فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ وَكَّلَهُ بِذَلِكَ الْأَجْنَبِيِّ أَخَذَ الرَّهْنَ لِغَيْرِهِ لَا لِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ قَالَ الْأَجْنَبِيُّ الْفُضُولِيُّ وَكَّلَنِي بِأَخْذِ الرَّهْنِ وَكَذَّبَهُ الرَّاهِنُ فِيمَا ادَّعَى يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَذَّبَهُ لَمْ تَثْبُتْ الْوَكَالَةُ فِي زَعْمِهِمَا فَصَارَ الْقَابِضُ مُطَالَبًا بِرَدِّهِ؛ لِأَنَّ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ
стр. 2829
لِلْأَمَانَةِ كَالْوَكِيلِ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ إذَا كَذَّبَهُ الْمُودِعُ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ فَكَذَا هَذَا لَوْ صَدَّقَهُ الرَّاهِنُ فِي الْوَكَالَةِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْوَكِيلِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَثْبُتُ فِي زَعْمِ الْكُلِّ وَقَبْضُ الْوَكِيلِ كَقَبْضِهِ فَيَكُونُ الْمَطَالِبُ إذْ ذَاكَ هُوَ الْمُوَكِّلُ فَقَدْ أَبْرَأَهُ بِذَلِكَ عَنْ الضَّمَانِ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ مَاتَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَاسْتُحِقَّ وَضَمِنَ الرَّاهِنُ قِيمَتَهُ مَاتَ بِالدَّيْنِ، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُرْتَهِنُ رَجَعَ عَلَى الرَّاهِنِ بِالْقِيمَةِ وَبِدَيْنِهِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ رَجُلٌ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الرَّاهِنَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُرْتَهِنَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ فِي حَقِّهِ الرَّاهِنُ بِالْأَخْذِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْمُرْتَهِنُ بِالْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ، فَإِنْ ضَمَّنَ الرَّاهِنَ صَارَ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مَلَكَهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْنَدًا إلَى مَا قَبْلِ التَّسْلِيمِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ رَهَنَ مِلْكَ نَفْسِهِ، ثُمَّ صَارَ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا بِهَلَاكِهِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُرْتَهِنَ يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ مِنْ الْقِيمَةِ وَبِدَيْنِهِ عَلَى الرَّاهِنِ أَمَّا بِالْقِيمَةِ فَلِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ. وَأَمَّا بِالدَّيْنِ فَلِأَنَّهُ انْتَقَضَ قَضَاؤُهُ فَيَعُودُ حَقُّهُ كَمَا كَانَ، فَإِنْ قِيلَ لِمَا كَانَ قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الرَّاهِنِ بِرُجُوعِ الْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ وَالْمِلْكُ فِي الْمَضْمُونِ ثَبَتَ لِمَنْ عَلَيْهِ قَرَارُ الضَّمَانِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ رَهَنَ مِلْكَ نَفْسِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا ضَمِنَ الْمُسْتَحِقُّ ابْتِدَاءً قُلْنَا هَذَا طَعْنُ أَبِي حَازِمٍ الْقَاضِي وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِسَبَبِ الْغُرُورِ، وَالْغُرُورُ بِالتَّسْلِيمِ لِلْمُرْتَهِنِ وَيَمْلِكُ الرَّاهِنُ الْعَيْنَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَعَقْدُ الرَّهْنِ كَانَ سَابِقًا عَلَيْهِ فَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ رَهَنَ مِلْكَ نَفْسِهِ بَلْ رَهَنَ مِلْكًا لِغَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا بِمُلْكِ الْعَيْنِ وَلِأَنَّ الرَّاهِنَ يَمْلِكُ الْعَيْنَ بِالتَّلَقِّي مِنْ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَمْلِكُ أَوَّلًا بِأَدَاءِ الضَّمَانِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الرَّاهِنِ كَمَا فِي الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ كَانَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَاهُ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ غَاصِبٌ فِي حَقِّ الْمُسْتَحِقِّ، فَإِذَا ضَمِنَ يَمْلِكُ الْمَضْمُونَ ضَرُورَةً لِكَيْ لَا يَجْتَمِعَ الْبَدَلَانِ فِي مِلْكِ وَاحِدٍ، ثُمَّ الرَّاهِنُ يَتَلَقَّاهُ فَيَكُونُ مِلْكُهُ بَعْدَهُ وَعَقْدُ الرَّهْنِ سَابِقٌ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ رَهَنَ مِلْكَ غَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا بِالْهَلَاكِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهُوَ مَا إذَا ضَمِنَ الْمُسْتَحِقُّ الرَّاهِنَ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ الْقَبْضِ السَّابِقِ عَلَى الرَّهْنِ فَيَسْتَنِدُ الْمِلْكُ إلَيْهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ رَهَنَ مِلْكَ نَفْسِهِ فَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ التَّصَرُّفِ فِي الرَّهْنِ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ وَجِنَايَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ]
لَمَّا كَانَ التَّصَرُّفُ فِي الرَّهْنِ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ وَجِنَايَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ مُتَأَخِّرًا طَبْعًا عَنْ كَوْنِهِ رَهْنًا أَخَّرَهُ وَضْعًا لِيُوَافِقَ الْوَضْعُ الطَّبْعَ قَالَ ﵀ (وَيَتَوَقَّفُ بَيْعُ الرَّهْنِ عَلَى إجَازَةِ مُرْتَهِنِهِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ) اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ فِي مَوْضِعٍ بَيْعُ الْمَرْهُونِ فَاسِدٌ وَفِي مَوْضِعٍ جَائِزٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ جَائِزٌ مَوْقُوفٌ. وَقَوْلُهُ فَاسِدٌ مَحْمُولٌ عَلَى إذَا لَمْ يُجِزْ الْمُرْتَهِنُ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُفْسِدُهُ إذَا خُوصِمَ إلَيْهِ وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي تَسْلِيمَهُ. وَقَوْلُهُ جَائِزٌ بِمَعْنَى نَافِذٌ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَجَازَ وَسَلَّمَهُ، وَفِي الْجَامِعِ بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ قِيلَ مَعْنَاهُ سَيَبْطُلُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَنْفُذُ سَوَاءٌ عَلِمَ الْمُرْتَهِنُ بِالْبَيْعِ أَوْ لَا وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ، وَفِي بَقَائِهِ إبْطَالُ حَقِّهِ فَلَا يَنْفُذُ إلَّا بِإِجَازَتِهِ أَوْ بِقَضَاءِ الرَّاهِنِ الدِّينَ لِزَوَالِ الْمَعْنَى وَهُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ أَرَادَ بِالْبَيْعِ مَا هُوَ مِثْلُهُ مِمَّا تَعَلَّقَ بِنَفَاذِهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْحَبْسِ بِخِلَافِ مَا لَوْ زَوَّجَهَا الرَّاهِنُ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَهَا عَنْ الزَّوْجِ كَمَا أَنَّ لِلْمَوْلَى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُمْ فِي التَّعْلِيلِ إنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ إلَى آخِرِهِ أَقُولُ: فِي تَمَامِ هَذَا التَّعْلِيلِ مِنْ الْقَدْرِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ بِمَا إذَا أَعْتَقَ الرَّاهِنُ عَبْدَ الرَّهْنِ يَنْفُذُ عِتْقُهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ مَعَ جَرَيَانِ هَذَا التَّعْلِيلِ هُنَاكَ أَيْضًا فَالْوَجْهُ فِي التَّعْلِيلِ هَاهُنَا أَنْ يُقَالَ لِانْعِدَامِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا فَصَلَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ الْإِعْتَاقِ بِانْعِدَامِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِ تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ الْإِعْتَاقِ مِنْ قَبْلِ أَصْحَابِنَا وَامْتِنَاعُ النَّفَاذِ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ لِانْعِدَامِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ فَتَدَبَّرْ قَوْلَهُ وَامْتِنَاعُ النَّفَاذِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ لِانْعِدَامِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُرْتَهِنِ مَانِعَةٌ عَنْ التَّسْلِيمِ وَالْبَيْعُ كَمَا يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ يَفْتَقِرُ إلَى الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَإِذَا انْعَقَدَ الْبَيْعُ بِإِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ انْتَقَلَ حَقُّهُ إلَى الثَّمَنِ فَيَكُونُ مَحْبُوسًا بِالدَّيْنِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ رَهْنًا عِنْدَ الْإِجَازَةِ كَانَ رَهْنًا وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ بِالْإِجَازَةِ نَفَذَ الْبَيْعُ وَمَلَكَ الرَّاهِنُ الثَّمَنَ وَأَنَّ مَا لَهُ أَخَذَهُ فَمَلَكَهُ
стр. 2830
بِسَبَبٍ جَدِيدٍ فَلَا يَصِيرُ رَهْنًا إلَّا بِالشَّرْطِ كَمَا إذَا أَجَرَهُ الرَّاهِنُ فَأَجَازَ الْمُرْتَهِنُ الْإِجَارَةَ لَا تَصِيرُ الْأُجْرَةُ رَهْنًا إلَّا بِالشَّرْطِ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ الثَّمَنَ قَائِمٌ مَقَامَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّهُ وَهُوَ بَدَلُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ وَمَحِلٌّ لِحَقِّهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ وَلِلْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ فَوَجَبَ انْتِقَالُ حَقِّهِ إلَيْهِ كَالْعَبْدِ الْمَدْيُونِ إذَا بِيعَ بِرِضَا الْغُرَمَاءِ يَنْتَقِلُ حَقُّهُمْ إلَى الْبَدَلِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ لِعَدَمِ رِضَاهُمْ بِذَلِكَ ظَاهِرٌ أَوْ الرِّضَا بِالْبَيْعِ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا لِسُقُوطِ الْحَقِّ رَأْسًا فَيَبْقَى الْحَقُّ عَلَى غَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ لَيْسَتْ بِبَدَلِ حَقِّهِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ فَأَجَازَ الْمُسْتَأْجِرُ الْبَيْعَ حَيْثُ لَا يُنْقَلُ حَقُّهُ إلَى الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلِ الْعَيْنِ وَحَقُّهُ فِي الْعَيْنِ فَافْتَرَقَا.
وَإِنْ لَمْ يُجِزْ الْمُرْتَهِنُ الْبَيْعَ وَفَسَخَهُ انْفَسَخَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ حَتَّى إذَا افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ لَا سَبِيلَ لِلْمُشْتَرِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ الثَّابِتَ لِلْمُرْتَهِنِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْكِ فَصَارَ كَالْمَالِكِ فَلَهُ أَنْ يُجِيزَ وَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ، وَفِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَنْفَسِخُ بِفَسْخِهِ، وَفِي الْمُخْتَصَرِ إشَارَةٌ إلَيْهِ حَيْثُ قَالَ تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ جَعَلَ الْإِجَازَةَ إلَيْهِ دُونَ الْفَسْخِ وَجَعَلَهُ مُتَوَقِّفًا عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَسْخَهُ لَا يَنْفُذُ، وَوَجْهُ الِامْتِنَاعِ لِحَقِّهِ كَيْ لَا يَتَضَرَّرَ وَالتَّوَقُّفُ لَا يَضُرُّهُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْحَبْسِ لَا يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ الِانْعِقَادِ مِنْ غَيْرِ نُفُوذٍ فَبَقِيَ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْمُشْتَرِي، ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَفْتَكَّ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ إذْ الْعَجْزُ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ، وَإِنْ شَاءَ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي وَلِلْقَاضِي أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ لِفَوَاتِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْفَسْخِ لَهُ لَا إلَى الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ وَهُوَ الرَّاهِنُ وَصَارَ كَالْعَبْدِ الْمَبِيعِ إذَا أَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَرْجِعَ.
وَإِنْ شَاءَ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي وَالْإِجَارَةُ مِثْلُ الرَّهْنِ حَتَّى لَا يَنْفُذَ بَيْعُ الْمُؤَجِّرِ، وَلَوْ بَاعَهُ الرَّاهِنُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ آخَرَ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ الْمُرْتَهِنُ فَالثَّانِي مَوْقُوفٌ أَيْضًا عَلَى إجَازَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَنْفُذْ وَالْمَوْقُوفُ لَا يَمْنَعُ تَوَقُّفَ الثَّانِي فَأَيَّهُمَا أَجَازَ لَزِمَ ذَلِكَ وَبَطَلَ الْآخَرُ، وَلَوْ بَاعَهُ الرَّاهِنُ، ثُمَّ أَجَّرَهُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ وَهَبَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَأَجَازَ الْمُرْتَهِنُ الْإِجَارَةَ أَوْ الرَّهْنَ أَوْ الْهِبَةَ جَازَ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ دُونَ هَذِهِ الْعُقُودِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَهُ مَنْفَعَةٌ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ يَتَحَوَّلُ إلَى الثَّمَنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ أَنْفَعَ مِنْ الْآخَرِ فَيُعْتَبَرُ تَعْيِينُهُ لِتَعَلُّقِ الْفَائِدَةِ بِهِ أَمَّا هَذِهِ الْعُقُودُ فَلَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَا يُنْقَلُ إلَى الْآخَرِ لِمَا بَيَّنَّا وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ فَكَانَ إجَازَتُهُ إسْقَاطًا لِحَقِّهِ فَزَالَا لِمَانِعٍ فَنَفَذَ الْبَيْعُ كَمَا لَوْ بَاعَ الْمُؤَجِّرُ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ مِنْ اثْنَيْنِ فَأَجَازَ الْمُسْتَأْجِرُ الْبَيْعَ الثَّانِيَ نَفَذَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ لَهُ فِي الْبَيْعِ إذْ لَا يُنْقَلُ حَقُّهُ إلَى الْبَدَلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَكَانَ إجَازَتُهُ إسْقَاطًا لِحَقِّهِ فَنَفَذَ الْأَوَّلُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ هَذَا إذَا تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ الْمُرْتَهَنَةِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ بِحَقٍّ بَاشَرَهُ الرَّاهِنُ
وَأَمَّا لَوْ تَعَلَّقَ بِإِقْرَارِهِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ هَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي إقْرَارِ الرَّاهِنِ بِالْمَرْهُونِ لِلْغَيْرِ.
وَالثَّانِي فِي إقْرَارِ الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ لِغَيْرِ الرَّاهِنِ، أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ رَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفٍ، ثُمَّ قَالَ هُوَ لِفُلَانٍ لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَأَنَّهُ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَالْإِبْطَالَ فَلَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، ثُمَّ الْمُقَرُّ لَهُ إنْ شَاءَ أَدَّى الْمَالَ وَقَبَضَ الرَّهْنَ؛ لِأَنَّ عَدَمَ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَإِذَا زَالَ حَقُّهُ صَحَّ الْإِقْرَارُ كَمَا فِي الْبَيْعِ فَكَمَا أَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقْضِيَ الدَّيْنَ وَيَأْخُذَ الْمَبِيعَ فَكَذَا هَذَا وَيَرْجِعُ بِمَا قَضَى عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فِيهِ لِإِحْيَاءِ حَقِّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى مِلْكِهِ إلَّا بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَكَانَ كَالْمُعِيرِ لِلرَّهْنِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ فَكَذَا هَذَا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الرَّاهِنَ قِيمَةَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ زَعَمَ أَنَّهُ مِلْكُهُ رَهَنَهُ بِمَالِهِ وَسَلَّمَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَقَدْ عَجَزَ عَنْ رَدِّهِ إلَيْهِ لِلْحَالِ لِحَقٍّ الْمُرْتَهِنِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ وَلِلْمُقِرِّ أَنْ يَسْتَخْلِفَ الْمُرْتَهِنَ عَلَى عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ مَعْنًى لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ، فَإِنْ أَنْكَرَ اُسْتُحْلِفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ الْمَالَ وَأَعْتَقَ الْعَبْدَ جَازَ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ وَالْمُرْتَهِنَ تَصَادَقَا عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ زَعَمَ أَنَّهُ مِلْكُ الْمُقَرِّ لَهُ وَإِعْتَاقُ الْمَالِكِ نَافِذٌ، وَالْمُرْتَهِنُ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَ الرَّاهِنِ لَا الْمُقَرِّ لَهُ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ لَهُ فَقَدْ سَلَّطَهُ عَلَى إعْتَاقِهِ بِإِقْرَارِهِ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالْإِعْتَاقِ، ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ لَهُ وَالرَّاهِنُ مُوسِرَيْنِ أَوْ مُعْسِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُوسِرٌ وَالْآخَرُ مُعْسِرٌ وَالدَّيْنُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ.
فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ وَالدَّيْنُ حَالٌّ فَالْمُرْتَهِنُ فِيهِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الدَّيْنَ مِنْ الرَّاهِنِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُعْتَقَ الْقِيمَةَ وَيَكُونُ رَهْنًا وَكَانَ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُرْتَهِنِ تَضْمِينُ الْمُعْتِقِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مِنْ زَعْمِ الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ
стр. 2831
وَإِنَّمَا جَازَ عِتْقُهُ بِتَسْلِيطِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ لَهُ بِالْمِلْكِ فَقَدْ سَلَّطَهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ فَصَارَ كَمَا لَوْ سَلَّطَهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ بِالْوَكَالَةِ، فَإِنَّ الرَّاهِنَ لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِإِعْتَاقِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ وَنَقْدِ الثَّمَنِ فَأَعْتَقَهُ الْوَكِيلُ لَا يَضْمَنُ الْوَكِيلُ عِنْدَ هُمَا فَيَضْمَنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ الْمُعْتِقُ يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الرَّاهِنِ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ قَائِمًا كَانَ لَهُ تَضْمِينُ الرَّاهِنِ لِمَا أَحْدَثَ فِي مَالِهِ مِنْ الِارْتِهَانِ وَتَسْلِيمِ مَالِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَصَارَ غَاصِبًا فِي حَقِّهِ وَصَارَ مَا أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الْمُعْتِقِ مِلْكًا لِلرَّاهِنِ لَمَا ضَمِنَ ذَلِكَ لِلْمُعْتِقِ بِخِلَافِ الْمُعِيرِ إذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَهُوَ مُعْسِرٌ وَالدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ فَضَمِنَهُ الْمُرْتَهِنُ لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ حَتَّى يَحِلَّ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فِيهِ، وَقَدْ قَضَى دَيْنَهُ الْمُؤَجَّلَ فَلَا يَرْجِعُ بِالْمُعَجَّلِ.
وَإِذَا كَانَا مُعْسِرَيْنِ وَالدَّيْنُ حَالٌّ يَسْعَى الْعَبْدُ لِلْمُرْتَهِنِ وَيَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ دُونَ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِ الْعَبْدِ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِهِ أَنَّ الْمُعْتِقَ لَمْ يَصِرْ مُتْلِفًا حَقَّ الْمُرْتَهِنِ بِالْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ رَهَنَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا وَالرَّاهِنُ مُعْسِرًا وَالدَّيْنُ حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ بِتَسْلِيطِ الرَّاهِنِ فَكَانَ الرَّاهِنُ أَعْتَقَهُ بِنَفْسِهِ وَهُوَ مُعْسِرٌ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُعْتِقَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ عَنْهُ بِالْإِعْتَاقِ وَيَرْجِعُ الْمُعْتِقُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فِيهِ وَالْعَبْدُ يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ دُونَ الْمُعْتِقِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا وَالرَّاهِنُ مُوسِرًا وَالدَّيْنُ حَالٌّ فَالرَّاهِنُ يَأْخُذُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، فَإِذَا قَضَى الدَّيْنَ خَرَجَ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الْوَسَطِ فَهَذَا رَجُلٌ أَعْتَقَ عَبْدًا كُلَّهُ لَهُ فَارِغًا عَارِيًّا عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا فَالْمُرْتَهِنُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الرَّاهِنَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسَلَّطُ عَلَى الْعِتْقِ فَكَأَنَّهُ وَكَّلَ الْمُقَرَّ لَهُ بِإِعْتَاقِهِ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ وَالْعَبْدُ يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى الدَّيْنَ لَا عَلَى الْمُعْتِقِ لِمَا بَيَّنَّا. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِرَقَبَةِ الرَّهْنِ لِرَجُلٍ أَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ فِي رَقَبَتِهِ وَكُلُّ وَجْهٍ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَفْتَكَّهُ الرَّاهِنُ أَوْ يَهْلِكَ الرَّهْنُ أَوْ يُبَاعَ الرَّهْنُ بِالدَّيْنِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِرَقَبَتِهِ لِرَجُلٍ، وَقَالَ الرَّهْنُ لِفُلَانٍ اغْتَصَبَهُ الرَّاهِنُ.
فَإِنْ افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ فَلَا سَبِيلَ لِلْمُقِرِّ عَلَى الْعَبْدِ وَلَا عَلَى مَا أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمُرْتَهِنِ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ وَمَا أَخَذَهُ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ الرَّهْنِ بَلْ هُوَ دَيْنُهُ اسْتَوْفَاهُ، وَإِنْ كَانَ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ضَمِنَ جَمِيعَ قِيمَتِهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ وَبَطَلَ دَيْنُهُ؛ لِأَنَّهُ لِمَا أَنَّ الرَّاهِنَ اغْتَصَبَهُ مِنْ فُلَانٍ وَرَهَنَهُ مِنْهُ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ مُودِعُ الْغَاصِبِ أَوْ غَاصِبِ الْغَاصِبِ وَأَيَّامًا كَانَ فَهُوَ غَاصِبٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ افْتَكَّهُ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهُ إلَى يَدِ مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ فَيَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ وَيَبْطُلُ دَيْنُهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ لَمْ يَصِحَّ فَصَحَّ الرَّهْنُ فِي حَقِّهِ وَأَمَّا إذَا بِيعَ الْعَبْدُ إمَّا الرَّاهِنُ أَوْ الْعَدْلُ وَأَخَذَ الْمُرْتَهِنُ الثَّمَنَ، فَإِنْ أَجَازَ الْمُقَرُّ لَهُ الْبَيْعَ أَخَذَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْ فَلَا؛ لِأَنَّ مِنْ زَعْمِ الْمُرْتَهِنِ أَنَّ الْعَبْدَ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَقَدْ بِيعَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتِهِ، فَإِنْ أَجَازَ يَكُونُ ثَمَنُ عَبْدِهِ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْ فَلَيْسَ بِثَمَنِ عَبْدِهِ وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ لِرَجُلٍ إنْ افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ وَأَخَذَ مِنْهُ الْعَبْدَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ الْعَبْدَ إلَى مَنْ أَخَذَ مِنْهُ، فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ يَرْجِعُ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِدَيْنِهِ لَا غَيْرُ وَلَمْ يَفْصِلْ فِي الْكِتَابِ بَيْنَ مَا إذَا وَجَبَ دَيْنُ الْمُقَرِّ لَهُ قَبْلَ الرَّهْنِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقِيلَ هَذَا إذَا وَجَبَ دَيْنُهُ قَبْلَ الرَّهْنِ.
وَإِنْ وَجَبَ بَعْدَهُ فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ بِالْهَلَاكِ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ مَالِيَّةِ الْعَبْدِ، فَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ وَاجِبًا قَبْلَ رَهْنِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ وَمَالِيَّةُ الْعَبْدِ دَيْنٌ عَلَى الْعَبْدِ وَجَبَ اسْتِيفَاؤُهُ وَدَيْنُ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى دَيْنِ الْمَوْلَى، فَأَمَّا إذَا وَجَبَ الدَّيْنُ بَعْدَ رَهْنِهِ فَحِينَئِذٍ صَارَ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ مِنْ مَالِيَّتِهِ لَيْسَ فِي مَالِيَّةِ الْعَبْدِ دَيْنٌ وَجَبَ اسْتِيفَاؤُهُ فَصَحَّ اسْتِيفَاؤُهُ فَصَحَّ الِاسْتِيفَاءُ. وَأَمَّا إذَا بِيعَ الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ فَلِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَجَازَ الْبَيْعَ أَوْ لَمْ يُجِزْ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ هَاهُنَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمُقَرِّ لَهُ فِي الْعَبْدِ، وَإِذَا جَازَ الْبَيْعُ يَقُومُ الثَّمَنُ مَقَامَهُ وَمِنْ زَعْمِ الْمُرْتَهِنِ أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ أَحَقُّ بِثَمَنِ الْعَبْدِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ دَيْنُ الْعَبْدِ وَدَيْنَ الْمَوْلَى وَدَيْنَ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى دَيْنِ الْمَوْلَى فَيَدْفَعُهُ إلَيْهِ.
قَالَ ﵀ (وَنَفَذَ عِتْقُهُ) أَيْ نَفَذَ عِتْقُ الرَّاهِنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَا يَنْفُذُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّ فِي تَنْفِيذِهِ إبْطَالَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَلَنَا أَنَّ الْعِتْقَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحِلِّهِ وَهُوَ مِلْكُهُ وَوَجَبَ الْقَوْلُ بِنَفَاذِهِ وَلَا يَلْغُو تَصَرُّفُهُ لِعَدَمِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ كَمَا إذَا أَعْتَقَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ
стр. 2832
الْآبِقَ أَوْ الْمَغْصُوبَ، وَإِذَا زَالَ مِلْكُ الرَّاهِنِ عَنْ رَقَبَتِهِ بِإِعْتَاقِهِ يَزُولُ مِلْكُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ كَإِعْتَاقِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ الْيَدِ، فَإِذَا لَمْ يَمْنَعْ الْأَعْلَى فَالْأَدْنَى أَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَهُ وَلَا يَلْزَمُنَا إعْتَاقُ الْوَارِثِ الْعَبْدَ الْمُوصَى بِرَقَبَتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَنْفُذُ مَعَ أَنَّهُ أَعْتَقَ مِلْكَهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يَعْتِقُ عِنْدَ الثَّانِي. وَالثَّالِثِ فِي الْحَالِ.
وَعِنْدَ الْإِمَامِ يُؤَخَّرُ إلَى أَدَاءِ السِّعَايَةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي إعْتَاقِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، وَلَمْ يَكُنْ إعْتَاقُهُ لَغْوًا وَهُوَ هَاهُنَا جَعَلَهُ لَغْوًا وَلَا يُقَالُ الْمَرْهُونُ كَالْخَارِجِ عَنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَوْلَى إذَا أَتْلَفَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ فَكَذَا لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ إذَا أَتْلَفَ الْمَالِيَّةَ الْمَشْغُولَةَ بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ كَالْمَوْلَى يُتْلِفُ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ لَهُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْغُرَمَاءِ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ فِيهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلِهَذَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، وَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ وَنَفَذَ تَدْبِيرُهُ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إذَا عُلِمَ نَفَاذُ التَّدْبِيرِ مِنْ الرَّاهِنِ وَالتَّدْبِيرُ أَدْنَى حَالًا مِنْ الِاسْتِيلَادِ عُلِمَ نَفَاذُ الِاسْتِيلَادِ وَالْإِعْتَاقِ مِنْ بَابِ أَوْلَى قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ إعْتَاقُ الرَّاهِنِ وَتَدْبِيرُهُ وَاسْتِيلَادُهُ يَنْفُذُ وَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ وَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا، ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَالُ حَالًّا اقْتَضَاهُ مِنْ الْقِيمَةِ.
وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُعْسِرًا فَلِلرَّاهِنِ اسْتِسْعَاءُ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فِي جَمِيعِ الدَّيْنِ وَالْمُعْتَقُ فِي قِيمَتِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُعْتَقُ بِمَا أَدَّى عَلَى الْمَوْلَى.
قَالَ ﵀ (وَطُولِبَ بِدَيْنِهِ لَوْ حَالًّا) يَعْنِي إذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا طَالَبَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ بَعْدَ الْعِتْقِ بِالدَّيْنِ إذَا كَانَ مُوسِرًا؛ لِأَنَّهُ إذَا طُولِبَ بِالرَّهْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِدَيْنِهِ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَيَكُونُ إيفَاءً وَاسْتِيفَاءً فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ قَالَ ﵀ (وَلَوْ مُؤَجَّلًا أُخِذَ قِيمَةُ الْعَبْدِ وَجُعِلَتْ رَهْنًا مَكَانَهُ) يَعْنِي لَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُعْتِقِ قِيمَةُ الْعَبْدِ وَتُجْعَلُ رَهْنًا مَكَانَ الْعَبْدِ إذَا كَانَ مُوسِرًا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ تَحَقَّقَ، وَفِي التَّضْمِينِ فَائِدَةٌ وَهِيَ حُصُولُ الِاسْتِيثَاقِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ وَيَحْبِسُهَا إلَى حُلُولِ الْأَجَلِ، فَإِذَا حَلَّ اقْتَضَاهُ بِحَقِّهِ إذَا كَانَ بِجِنْسِهِ؛ لِأَنَّ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ رَدَّهُ لِانْتِهَاءِ حُكْمِ الرَّهْنِ بِالِاسْتِيفَاءِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ رَجَعَ بِالزِّيَادَةِ لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ مُعْسِرًا سَعَى الْعَبْدُ فِي الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُعْتِقِ لِعُسْرَتِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِهَذَا الْعِتْقِ كَمَا فِي عِتْقِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَكَ وَلِأَنَّ الضَّمَانَ بِالْخَرَاجِ وَالْغُرْمُ بِالْغُنْمِ وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ يَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ الشَّيْئَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَالْمَنْقُولُ فِي غَيْرِهِ أَنَّهُ يَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ قَالَ فِي الْجَامِعِ أَصْلُهُ أَنَّ الرَّاهِنَ إذَا أَعْتَقَ الْمَرْهُونَ وَهُوَ مُعْسِرٌ يُنْظَرُ إلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: إلَى قِيمَتِهِ يَوْمِ الْعِتْقِ وَإِلَى مَا كَانَ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ وَإِلَى مَا كَانَ مَحْبُوسًا بِهِ، فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَمَّا الْقِيمَةُ فَلِأَنَّهُ أَحْبَسَ بِالْعِتْقِ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ هَذَا الْقَدْرَ فَلَا تَلْزَمُهُ السِّعَايَةُ إلَّا فِي هَذَا الْقَدْرِ كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ إذَا أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُعْسِرٌ وَأَمَّا الْمَضْمُونُ بِالدَّيْنِ إذَا كَانَ أَقَلَّ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَضْمُونٌ بِقَدْرِ الدَّيْنِ بِالْعِتْقِ وَمَا يَحْدُثُ بِالزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَمْ تَصِرْ مَضْمُونَةً، وَهَذَا؛ لِأَنَّ السِّعَايَةَ فِي حَقِّ الزِّيَادَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مَحْبُوسَةً بِالدَّيْنِ فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ السِّعَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي حَقِّ الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَحْبُوسُ أَقَلَّ مِنْ الْمَضْمُونِ وَمِنْ قِيمَتِهِ يَسْعَى بِقَدْرِهِ بِأَنْ رَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ فَأَدَّى الرَّاهِنُ تِسْعَمِائَةٍ مِنْ الرَّهْنِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ يَسْعَى الْعَبْدُ فِي مِائَةٍ، فَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا بِأَلْفٍ حَتَّى لَوْ هَلَكَ يَهْلِكُ بِأَلْفٍ؛ لِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِمِائَةٍ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْتَكَّ بِقَدْرِ مِائَةٍ فَكَانَ الْعَبْدُ مَضْمُونًا بِمِائَةٍ مِنْ حَيْثُ اعْتِبَارُ حَالَةِ الْإِعْتَاقِ رَهَنَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ فَصَارَ يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ بِتَرَاجُعِ السِّعْرِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ الرَّاهِنُ وَهُوَ مُعْسِرٌ يَسْعَى الْعَبْدُ فِي خَمْسِمِائَةٍ لَا غَيْرُ، وَلَوْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا ضَمِنَ الْأَلْفَ كُلَّهَا؛ لِأَنَّ السِّعَايَةَ هُنَا أَقَلُّ مِنْ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ السِّعَايَةَ خَمْسُمِائَةٍ وَالْعَبْدُ مَضْمُونٌ بِالدَّيْنِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ يَهْلِكُ بِأَلْفٍ، فَإِذَا اُنْتُقِصَ سِعْرُهُ وَهُوَ مَحْبُوسٌ بِأَلْفٍ، فَإِنَّ الرَّاهِنَ مَا لَمْ يُؤَدِّ الْأَلْفَ لَمْ يَفْتَكَّ الرَّهْنَ، ثُمَّ يَقْضِي بِالسِّعَايَةِ الدَّيْنَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ وَكَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ صَرَفَهُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا جُعِلَتْ السِّعَايَةُ رَهْنًا، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ قُضِيَ بِهِ الدَّيْنُ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، وَفِي الْأَصْلِ إنْ كَانَ مَكَانَ الْإِعْتَاقِ تَدْبِيرٌ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الْإِعْتَاقِ إلَّا فِي فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ فِي فَصْلِ الْإِعْتَاقِ إنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا فَالْعَبْدُ يَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، وَفِي
стр. 2833
التَّدْبِيرِ يَسْعَى فِي جَمِيعِ الدَّيْنِ بَالِغًا مَا بَلَغَ الثَّانِي أَنَّ فِي التَّدْبِيرِ لَا يَرْجِعُ الْمُدَبَّرُ بِمَا سَعَى وَأَدَّى عَلَى الْمَوْلَى، وَفِي الْيَنَابِيعِ، وَلَوْ دَبَّرَهُ إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا سَعَى فِي الدَّيْنِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا سَعَى فِي قِيمَتِهِ فَتَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ.
وَفِي الْمُحِيطِ رَهَنَ جَارِيَةً تُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفَيْنِ فَصَارَتْ إلَى أَلْفَيْنِ بِزِيَادَةِ السِّعْرِ وَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا يَفْتَكُّهَا بِأَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَزِدْ لَا يَفْتَكُّهَا إلَّا بِأَلْفَيْنِ، فَإِنْ زَادَتْ أَوْلَى، وَإِذَا هَلَكَتْ هَلَكَتْ بِأَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْعَقْدِ أَلْفٌ وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهَا عَقْدٌ وَلَا قَبْضٌ مَقْصُودٌ فَكَانَ وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا بِمَنْزِلَةٍ، وَإِنْ أَعْتَقَهَا الْمَوْلَى وَهُوَ مُعْسِرٌ سَعَتْ فِي الْأَلْفِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَهَا سَعَيَا فِي الْأَلْفِ وَرَجَعَا بِذَلِكَ عَلَى الْمَوْلَى وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ بِبَقِيَّةِ دَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَمَّا أَعْتَقَهُمَا صَارَ بِإِعْتَاقِ الْوَلَدِ قَابِضًا لِلْوَلَدِ حُكْمًا كَالْمُشْتَرِي إذَا أَعْتَقَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَيُقْسَمُ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا فَيَسْعَيَانِ فِي الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِمَا يَوْمَ الْعِتْقِ وَرَجَعَا بِذَلِكَ عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا أَدَّيَا دَيْنَهُ مِنْ خَالِصِ مِلْكِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَسْعَيَانِ وَهُمَا حُرَّانِ.
وَمَنْ أَدَّى دَيْنَ الْغَيْرِ مِنْ خَالِصِ مِلْكِهِ وَهُوَ مُجْبَرٌ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الْعِوَضَ، وَلَمْ يُسَلِّمْ لِلْعَبْدِ مَا كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ مِنْ حَقِّ الْحَبْسِ فِي الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ، وَإِذَا رَهَنَ أَمَةً قِيمَتُهَا أَلْفٌ بِأَلْفٍ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ يُسَاوِي أَلْفًا فَادَّعَاهُ الرَّاهِنُ وَهُوَ مُوسِرٌ ضَمِنَ الْمَالَ لِإِتْلَافِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَتْ الْأَمَةُ فِي نِصْفِ الْمَالِ وَالْوَلَدُ فِي نِصْفِهِ؛ لِأَنَّ فِي حَالَةِ الْإِعْسَارِ لَا يَجِبُ إلَّا السِّعَايَةُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ أَصْلًا الْأُمُّ بِالِاسْتِيلَادِ وَالْوَلَدُ بِالْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِعْتَاقِ صَارَ مُشْتَرِيًا الْوَلَدَ فَيَصِيرُ الْوَلَدُ أَصْلًا فِي الرَّهْنِ كَالْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَمَّا حَدَثَ سَرَى إلَيْهِ مَا كَانَ فِي الْأُمِّ مِنْ حَقِّ الْحَبْسِ فَصَارَ مَرْهُونًا كَالْأُمِّ، فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ الْوَلَدُ حَتَّى مَاتَتْ الْأُمُّ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ مِنْ السِّعَايَةِ يَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَنِصْفِ الدَّيْنِ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِمَوْتِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ حَدَثَ قَبْلَ وُجُودِ السِّعَايَةِ عَلَى الْأُمِّ فَلَا يَكُونُ تَبَعًا لَهَا فِي السِّعَايَةِ،.
وَلَوْ زَوَّجَ الرَّاهِنُ الْأَمَةَ الْمَرْهُونَةَ جَازَ وَلَا يَقْرَبُهَا الزَّوْجُ إلَّا إذَا زَوَّجَهَا قَبْلَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَمْ يَسْتَحِقَّ مَنَافِعَهَا وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي نَفَاذِ النِّكَاحِ فَنَفَذَ وَغَشَيَانُ الزَّوْجِ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّهِ فِي الْحَبْسِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ حَبْسَهَا فَصَارَ كَالْمَالِكِ فِي حَقِّ الْحَبْسِ فَلَهُ مَنْعُهُ عَنْ الْوَطْءِ وَحَبْسُهَا عَنْهُ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ مَلَكَ غَشَيَانَهَا قَبْلَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ مَنَافِعَ بُضْعِهَا مُطْلَقًا فَلَا يَتَمَكَّنُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ إبْطَالِ حَقِّهِ فِي الْقُرْبَانِ، فَإِنْ وَطِئَهَا فَوَلَدَتْ وَمَاتَتْ ضَمِنَ الرَّاهِنُ قِيمَتَهَا؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَ الزَّوْجَ عَلَى إتْلَافِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ بِالنِّكَاحِ سَلَّطَهُ عَلَى الْوَطْءِ فَيُجْعَلُ وَطْءُ الزَّوْجِ كَوَطْءِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِتَسْلِيطِهِ، وَلَوْ وَطِئَهَا الرَّاهِنُ صَارَ مُسْتَرِدًّا لِلرَّهْنِ وَلِهَذَا لَوْ زَوَّجَ الْأَمَةَ الْمَبِيعَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ صَارَ الْمُشْتَرِي قَابِضًا لَهَا فَصَارَ كَأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ فَيَضْمَنُ.
وَلَوْ زَوَّجَهَا، ثُمَّ رَهَنَ فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ، ثُمَّ مَاتَتْ كَانَتْ مِنْ مَالِ الْمُرْتَهِنِ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ حَصَلَ بِتَسْلِيطِ الرَّاهِنِ فَيَصِيرُ وَطْؤُهُ كَوَطْءِ الْمَوْلَى وَلِهَذَا يَهْلِكُ عَلَى الرَّاهِنِ إذَا زَوَّجَهَا بَعْدَ الرَّهْنِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الرَّاهِنَ لَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَى إتْلَافِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ زَوَّجَهَا لَمْ يَكُنْ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ ثَابِتًا فِيهَا بَلْ سَلَّطَهُ عَلَى إتْلَافِ حَقِّ نَفْسِهِ فَلَا يُجْعَلُ وَطْؤُهُ كَوَطْءِ الرَّاهِنِ وَلِأَنَّ الرَّاهِنَ سَلَّطَهُ عَلَى الْوَطْءِ قَبْلَ الرَّهْنِ وَبِالْوَطْءِ قَبْلَ الرَّهْنِ لَا يَصِيرُ مُتْلِفًا حَقَّهُ؛ لِأَنَّ بِهِ لَا يَصِيرُ مُسْتَرِدًّا لِلرَّهْنِ.
وَإِذَا رَهَنَ أَمَةً بِأَلْفٍ وَقِيمَتهَا خَمْسُمِائَةٍ فَكَاتَبَهَا الْمَوْلَى فَلِلْمُرْتَهِنِ فَسْخُهَا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَمْ يَصْلُحْ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَدَّى بَدَلَ الْكِتَابَةِ عَتَقَ وَيَبْطُلُ الرَّهْنُ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَفَذَتْ الْكِتَابَةُ يَبْطُلُ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْبَيْعُ وَالْكِتَابَةُ مِمَّا تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَتَنْفَسِخُ فَلَوْ لَمْ يُكَاتِبْهَا وَلَكِنْ دَبَّرَهَا فَسَعَتْ فِي قِيمَتِهَا، ثُمَّ مَاتَتْ عَنْ بِنْتٍ تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ فَعَلَى وَلَدِهَا أَنْ يَسْعَى فِي خَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَسْرِي مَا فِيهَا مِنْ الدَّيْنِ إلَى الَّتِي وَلَدَتْهَا أَمَتِي وَلَدَتْ فَيَصِيرُ مُدَبَّرًا تَبَعًا لِلْأَصْلِ.
فَإِنْ سَعَتْ الْبِنْتُ فِي مِائَةٍ، ثُمَّ وَلَدَتْ بِنْتًا، ثُمَّ مَاتَتْ الْبِنْتُ الْأُولَى وَقِيمَةُ الْأُولَى وَالسُّفْلَى سَوَاءٌ تَسْعَى السُّفْلَى فِي الْبَاقِي كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْرِي مَا فِيهَا إلَى وَلَدِهَا كَمَا يَجْرِي مِنْ الْجَدَّةِ إلَى الْوُسْطَى.
رَهَنَ أَمَتَيْنِ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ أَلْفٌ فَدَبَّرَهَا الْمَوْلَى، ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا سَعَتْ الْبَاقِيَةُ فِي نِصْفِ الدَّيْنِ وَيَضْمَنُ الْمَوْلَى نِصْفَهُ؛ لِأَنَّهَا مَاتَتْ بَعْدَمَا خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ بِالتَّدْبِيرِ وَلَا يَتَحَوَّلُ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِ الْمَيِّتَةِ إلَى الْبَاقِيَةِ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَةَ لَمْ تَكُنْ مُتَوَلِّدَةً مِنْ الْمَيِّتَةِ وَالْمَيِّتَةُ فِي السِّعَايَةِ كَانَتْ مُحْتَمَلَةً عَلَى الْمَوْلَى، فَإِذَا مَاتَتْ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ السِّعَايَةِ فَقَدْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ مِنْ جِهَةِ الْمُحْتَمَلِ وَهُوَ الْكَفِيلُ فَيُطَالَبُ مِنْ الْأَصِيلِ، فَإِنْ وَلَدَتْ هَذِهِ الْبَاقِيَةُ، ثُمَّ مَاتَتْ يَسْعَى
стр. 2834
الْوَلَدُ فِيمَا عَلَى أُمِّهِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَةُ الْأُمِّ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهَا وَلَدَتْ بِمِثْلِ حَالِهَا مُدَبَّرَةً فَيَسْرِي مَا فِيهَا إلَى وَلَدِهَا، وَلَوْ كَانَتْ قَبْلَ التَّدْبِيرِ ثُمَّ دَبَّرَهُمَا جَمِيعًا سَعَتْ فِي مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مِثْلَ قِيمَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ قَبْلَ التَّدْبِيرِ صَارَ رَهْنًا فَانْقَسَمَ مَا فِي الْأُمِّ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ عَلَى سَبِيلِ التَّوْفِيقِ إنْ وَرَدَ عَلَى الْوَلَدِ قَبْضُ الرَّهْنِ بَقِيَ كَذَلِكَ مُنْقَسِمًا.
وَإِنْ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ قَبْضٌ بَطَلَ الِانْقِسَامُ وَظَهَرَ أَنَّ الدَّيْنَ كُلَّهُ كَانَ بِإِزَاءِ الْأُمِّ وَهُنَا وَرَدَ عَلَى الرَّاهِنِ قَبْضٌ عَلَى الْوَلَدِ لِمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ مِنْ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ يَصِيرُ بِهِ قَابِضًا.
رَهَنَ أَمَةً بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهَا أَلْفٌ فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا فَمَاتَتْ الْأُمُّ، ثُمَّ دَبَّرَ الْبِنْتَ عَلَيْهَا السِّعَايَةُ فِي خَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى الْمَيِّتِ قَبْضُ الرَّاهِنِ، فَإِنَّهُ بِالتَّدْبِيرِ صَارَ قَابِضًا لِلْوَلَدِ فَظَهَرَ أَنَّ الدَّيْنَ كَانَ مُنْقَسِمًا عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، فَإِنْ وَلَدَتْ الْبِنْتُ بِنْتًا وَمَاتَتْ الْبِنْتُ الْأُولَى سَعَتْ السُّفْلَى فِي خَمْسِمِائَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً؛ لِأَنَّ السُّفْلَى وَلَدُ الْمُسْتَسْعَاةِ فَسَرَى مَا فِي أُمِّهَا إلَيْهَا، وَلَدَتْ الْأَمَةُ الْمَرْهُونَةُ بِنْتًا، ثُمَّ وَلَدَتْ الْبِنْتُ بِنْتًا وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ أَلْفٌ ثُمَّ دَبَّرَهُنَّ جَمِيعًا، ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمُّ وَالْبِنْتُ الْأُولَى فَعَلَى السُّفْلَى السِّعَايَةُ فِي نِصْفِ الدَّيْنِ وَعَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ قَالَ يَنْبَغِي أَنْ تَسْعَى فِي ثُلُثَيْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَابِضًا لِلْوُسْطَى بِالتَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ قَبْضٌ وَصَارَ بِإِزَاءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثُلُثُ الدَّيْنِ كَمَا لَوْ رَهَنَهُنَّ جَمِيعًا، ثُمَّ دَبَّرَهُنَّ وَهُوَ مُعْسِرٌ، وَقَدْ مَاتَتْ بِنْتَانِ قَبْلَ السِّعَايَةِ تَسْعَى الْبَاقِيَةُ فِي ثُلُثَيْ الدَّيْنِ فَكَذَا هَذَا وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ التَّدْبِيرَ لَيْسَ بِقَبْضٍ حَقِيقَةً وَلَكِنْ اُعْتُبِرَ قَبْضًا حُكْمًا بِحُكْمِ الْإِتْلَافِ كَالْإِعْتَاقِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ قَبْضًا حُكْمًا مَتَى لَمْ يَكُنْ فِي اعْتِبَارِهِ قَبْضًا ضَرَرٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَهُنَا فِي اعْتِبَارِهِ قَبْضًا ضَرَرٌ بِالْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ حَقِّهِ بِالسِّعَايَةِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يُعْتَبَرْ قَبْضًا كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَسْعِي السُّفْلَى فِي نِصْفِ الدَّيْنِ وَمَتَى اُعْتُبِرَ قَبْضًا يَسْتَسْعِيهَا فِي جُزْءٍ وَاحِدٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جَزْءًا مِنْ الدَّيْنِ فَلَا يُعْتَبَرُ قَابِضًا دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ فَصَارَ كَأَنَّ الْوُسْطَى مَاتَتْ قَبْلَ التَّدْبِيرِ فَيَصِيرُ بِإِزَاءِ السُّفْلَى نِصْفُ الدَّيْنِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَا التَّدْبِيرَ قَبْضًا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُرْتَهِنُ وَلَا يَتَضَرَّرُ بِهِ؛ لِأَنَّ السُّفْلَى تَسْعَى فِي جَمِيعِ مَا وَجَبَ عَلَى الْوُسْطَى وَمَتَى لَمْ يُعْتَبَرْ قَبْضًا تَسْعَى فِي جُزْءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جَزْءًا مِنْ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَبَّرَ السُّفْلَى بَعْدَمَا مَاتَتْ الْأُمُّ وَالْجَدَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَسَبُ بِالْوُسْطَى إذَا مَاتَتْ قَبْلَ التَّدْبِيرِ فَكَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَلَدَتْ الْجَدَّةُ إلَّا وَلَدًا وَاحِدًا، ثُمَّ دَبَّرَ الْوَلَدَ وَلَدَتْ أَمَةُ الرَّهْنِ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا، ثُمَّ دَبَّرَهَا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِعَايَةٌ فِي خَمْسِمِائَةٍ لِمَا عُرِفَ، وَإِنْ مَاتَتْ الْبِنْتُ سَعَتْ الْأُمُّ فِي الْأَلْفِ كُلِّهَا طَعَنَ عِيسَى، وَقَالَ بِالتَّدْبِيرِ يُقَرَّرُ الضَّمَانُ فِيهِ وَلَا يَعُودُ إلَى الْأُمِّ. وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّدْبِيرَ مَتَى اُعْتُبِرَ قَبْضًا لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُرْتَهِنُ بَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اُعْتُبِرَ قَبْضًا تَهْلِكُ الْأُمُّ بِخَمْسِمِائَةٍ وَيَسْعَى فِي خَمْسِمِائَةٍ وَمَتَى لَمْ يُعْتَبَرْ قَبْضًا تَهْلِكُ الْأُمُّ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ فَيُعْتَبَرُ قَبْضًا فَيَكُونُ مَقْبُوضًا بِالتَّدْبِيرِ فَصَارَ كَأَنَّهُ رَهَنَهُمَا، ثُمَّ دَبَّرَهُمَا.
رَهَنَ أَمَةً تُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ إلَى أَجَلٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا فَدَبَّرَ الْمَوْلَى الْوَلَدَ وَهُوَ مُوسِرٌ ضَمِنَ قِيمَتَهُ وَيَكُونُ رَهْنًا مَعَ الْأُمِّ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا يَسْعَى الْوَلَدُ فِي خَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى جَانٍ فِي التَّدْبِيرِ أَتْلَفَ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْحَبْسِ كَانَ ثَابِتًا فِي الْكُلِّ فَضَمِنَ قِيمَتَهُ، وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ غَيْرُ جَانٍ فَيَسْعَى بِقَدْرِ حَقِّ الْمُرْتَهَنِ فِي الْوَلَدِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ لَا بِقَدْرِ قِيمَتِهِ لِتَظْهَرَ مَزِيَّةُ غَيْرِ الْجَانِي عَلَى الْجَانِي، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ السِّعَايَةِ كَانَتْ الْأُمُّ رَهْنًا بِالْأَلْفِ، وَإِنْ هَلَكَتْ الْأُمُّ تَهْلِكُ بِنِصْفِ الدَّيْنِ وَعِنْدَ عِيسَى تَسْعَى فِي خَمْسِمِائَةٍ، وَالصَّحِيحُ جَوَابُ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ صَارَ مَحْبُوسًا فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّدْبِيرِ صَارَ مَقْبُوضًا؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي صَيْرُورَتِهِ مَقْبُوضًا مَحْبُوسًا بِالرَّهْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بَلْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهَلَاكِ أَحَدِهِمَا إلَّا نِصْفُ الدَّيْنِ فَصَارَ كَأَنَّهُ رَهَنَهُمَا، ثُمَّ أَخَذَهُمَا وَهُوَ مُعْسِرٌ، ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا صَارَتْ الْبَاقِيَةُ رَهْنًا بِالْأَلْفِ، وَلَوْ مَاتَتْ الْبَاقِيَةُ تَمُوتُ بِخَمْسِمِائَةٍ فَكَذَا هَذَا، وَفِي الْفَتَاوَى الْغِيَاثِيَّةِ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَهَا لَوْ دَبَّرَهَا لَا يُحْبَسُ بِالدَّيْنِ وَيَضْمَنُ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَبِيعَتْ فِي الدَّيْنِ كَانَ مُعْسِرًا وَلَا يُسْتَسْعَى الْوَلَدَانِ كَانَتْ الدَّعْوَى قَبْلَ الِانْفِصَالِ، فَإِنْ قَالَ هُوَ قَضَاءٌ مِنْ دَيْنِك جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ الْحُلُولِ سَعَى فِي قِيمَتِهِ، وَلَوْ رَهَنَا عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ أَحَدُ الرَّاهِنَيْنِ وَهُوَ مُوسِرٌ ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهِ لِشَرِيكِهِ وَنِصْفُهُ لِلْمُرْتَهِنِ وَيُؤَدِّي الشَّرِيكُ ذَلِكَ إلَى الْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَى الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ وَرَجَعَ بِنِصْفِهِ عَلَى الْمُعْتِقِ، وَكَذَا الْمُعْسِرُ الرَّاهِنُ إذَا أَعْتَقَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ وَرَجَعَ عَلَى الرَّاهِنِ أَوْ عَلَى الْمُعْتِقِ، ثُمَّ رَجَعَ هُوَ عَلَى الرَّاهِنِ، وَلَوْ اُنْتُقِصَ سِعْرُهُ فَأَعْتَقَهُ الرَّاهِنُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ أَعْتَقَ، وَلَوْ
стр. 2835
كَانَ زَادَتْ قِيمَتُهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَالسِّعَايَةُ كَذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ وَلَدَتْ الْأَمَةُ فَأَعْتَقَهَا الرَّاهِنُ سَعَى فِي قِيمَةِ الْأُمِّ يَوْمَ الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَكْثَرَ فِي التَّدْبِيرِ سَعَى فِي الدَّيْنِ.
قَالَ ﵀ (وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى سَيِّدِهِ) يَعْنِي إذَا سَعَى الْعَبْدُ وَأَدَّى يَرْجِعُ الْعَبْدُ بِالسِّعَايَةِ عَلَى سَيِّدِهِ إذَا أَيْسَرَ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا فَصَارَ كَمُعِيرِ الرَّهْنِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُسْتَسْعَى إذَا كَانَ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ وَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ وَالْمُعْتَقُ مُعْسِرٌ وَسَعَى فِي نَصِيبِ الْآخَرِ وَأَدَّى بِحَيْثُ لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي ضَمَانًا وَاجِبًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْعَى فِي تَكْمِيلِ الْعِتْقِ عِنْدَهُمَا وَلِتَحْصِيلِ الْعِتْقِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُنَا يَسْعَى فِي ضَمَانٍ عَلَى عُسْرَةٍ بَعْدَ تَمَامِ إعْتَاقِهِ فَافْتَرَقَا فَالْإِمَامُ أَوْجَبَ السِّعَايَةَ فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ فِي حَالَتَيْ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، وَفِي الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ فِي حَالَةِ الْإِعْسَارِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ لِلْمُرْتَهِنِ حَقُّ الْمِلْكِ وَالثَّابِتَ لَلشَّرِيك حَقِيقَةُ الْمِلْكِ وَحَقُّ الْمِلْكِ أَدْنَى مِنْ حَقِيقَتِهِ فَوَجَبَتْ السِّعَايَةُ فِيهِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ حَالَةُ الضَّرُورَةِ، وَفِي الْأَعْلَى فِي الْحَالَتَيْنِ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ الْمَبِيعِ إذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ حَيْثُ لَا يَسْعَى لِلْبَائِعِ فِي الرِّوَايَةِ الظَّاهِرَةِ وَفِي الْمَرْهُونِ يَسْعَى؛ لِأَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ فِي الْحَبْسِ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُهُ فِي الْأُجْرَةِ وَلَا يَسْتَوْفِي مِنْ عَيْنِهِ، وَهَذَا يُبْطِلُ حَقَّهُ فِي الْحَبْسِ بِالْإِعَارَةِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالْمُرْتَهِنِ وَيَنْقَلِبُ حَقُّهُ مِلْكَهُ وَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِالْإِعَارَةِ، وَلَوْ أَقَرَّ الْمَوْلَى بِرَهْنِ عَبْدِهِ بِأَنْ قَالَ رَهَنْتُ عَبْدِي هَذَا مِنْ فُلَانٍ فَكَذَّبَهُ الْعَبْدُ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ تَجِبُ السِّعَايَةُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ، ثُمَّ إنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا ضَمِنَ قِيمَتَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَى كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ أَعْتَقَ الرَّاهِنُ الْعَبْدَ الَّذِي دَبَّرَهُ أَوْ الْأَمَةَ الَّتِي اسْتَوْلَدَهَا لَمْ يَسْعَيَا إلَّا بِقَدْرِ الْقِيمَةِ سَوَاءٌ أَعْتَقَ الرَّاهِنُ الْعَبْدَ الَّذِي دَبَّرَهُ أَوْ الْأَمَةَ الَّتِي اسْتَوْلَدَهَا لَمْ يَسْعَيَا إلَّا بِقَدْرِ الْقِيمَةِ سَوَاءٌ أَعْتَقَهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمَا أَوْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُمَا بَعْدَ الْعِتْقِ مِلْكُهُمَا وَمَا أَدَّيَا قَبْلَ الْعِتْقِ لَا يَرْجِعَانِ بِهِ عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَالُ الْمَوْلَى وَمَا أَدَّيَاهُ بَعْدَ الْعِتْقِ يَرْجِعَانِ بِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ الْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ بِدَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ وَهُوَ يُنْكِرُهُ سَعَى فِي قِيمَتِهِ مُذْ عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مَالِيَّتِهِ فَيَصِحُّ بِقَدْرِ الْمَالِيَّةِ، وَلَوْ قَتَلَهُ عَبْدٌ قِيمَتُهُ مِائَةٌ، ثُمَّ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ سَعَى فِي الْمِائَةِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْأَوَّلِ.
قَالَ ﵀ (وَإِتْلَافُ الرَّهْنِ كَإِعْتَاقِهِ) يَعْنِي إنَّهُ إذَا أَتْلَفَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ وَالدَّيْنُ حَالٌّ أَدَّى الْقِيمَةَ فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا أَدَّى الْقِيمَةَ وَجُعِلَتْ رَهْنًا مَكَانَهُ حَتَّى يَحِلَّ الدَّيْنُ قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ فَالْمُرْتَهِنُ يُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُ وَتَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ) يَعْنِي أَنَّ الْمُرْتَهِنَ هُوَ الْخَصْمُ فِي تَضْمِينِهِ قِيمَتَهُ فَتَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِعَيْنِ الرَّهْنِ حَالَ قِيَامِهِ فَكَذَا فِي اسْتِرْدَادِ مَا قَامَ مَقَامَهُ، وَالْوَاجِبُ فِي هَذَا الْمُسْتَهْلَكُ قِيمَتُهُ يَوْمَ هَلَكَ بِاسْتِهْلَاكِهِ بِخِلَافِ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ حَتَّى لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الِاسْتِهْلَاكِ خَمْسَمِائَةٍ وَيَوْمَ الِارْتِهَانِ أَلْفًا غَرِمَ خَمْسَمِائَةٍ وَكَانَتْ رَهْنًا وَسَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ خَمْسُمِائَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنُ يَوْمَ قَبْضِهِ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ وَالدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ ضَمِنَ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ الْغَيْرِ وَكَانَتْ رَهْنًا فِي يَدِهِ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ، وَلَوْ حَلَّ الدَّيْنُ وَالْمَضْمُونُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ اسْتَوْفَى الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ مِنْهُ وَيَرُدُّ الْفَضْلَ عَلَى الرَّاهِنِ إذَا كَانَ هُنَاكَ فَضْلٌ، وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ أَكْثَرَ، وَقَدْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الرَّهْنِ قَدْرَ الدَّيْنِ، وَقَدْ رَجَعَتْ قِيمَتُهُ إلَى خَمْسِمِائَةٍ، وَقَدْ كَانَتْ يَوْمَ الْقَبْضِ أَلْفًا ضَمِنَ بِالِاسْتِهْلَاكِ خَمْسَمِائَةٍ وَسَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ خَمْسُمِائَةٍ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ قَالَ الشَّارِحُ وَهُوَ مُشْكِلٌ، فَإِنَّ النُّقْصَانَ بِتَرَاجُعِ السِّعْرِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَلَا مُعْتَبَرًا فَكَيْفَ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ خَمْسُمِائَةٍ وَمِثْلُ هَذَا الِاسْتِشْكَالِ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْعَيْنَ قَدْ تَغَيَّرَتْ بِالِاسْتِهْلَاكِ فَصَارَتْ لَا تَحْتَمِلُ الْعَوْدَ إلَى الْقِيمَةِ الْأُولَى بِتَرَاجُعِ السِّعْرِ، وَلَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً تَرْجِعُ عَلَى مَا كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الْعَيْنُ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى حَالِهَا، وَقَدْ تَرَاجَعَ السِّعْرُ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ الَّتِي قَبَضَهَا بِحَالِهَا فَلَا يَرْجِعُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بِتَرَاجُعِ السِّعْرِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ فَأَفَادَ أَنَّ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَأَمَّا حُكْمُ النُّقْصَانِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الْعَيْنُ يُوجِبُ سُقُوطَ الدَّيْنِ بِقَدْرِ النُّقْصَانِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ السِّعْرُ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ شَيْءٍ مِنْ الدَّيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً، وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِ هَذَا الْكِتَابِ.
قَالَ ﵀ (وَخَرَجَ مِنْ ضَمَانِهِ بِإِعَارَتِهِ مِنْ رَاهِنِهِ) يَعْنِي إذَا أَعَارَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ مِنْ الرَّاهِنِ يَخْرُجُ مِنْ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ كَانَ بِاعْتِبَارِ قَبْضِهِ، وَقَدْ اُنْتُقِضَ بِالرَّدِّ إلَى صَاحِبِهِ فَيَرْتَفِعُ بِالضَّمَانِ قَالَ ﵀ (وَلَوْ
стр. 2836
هَلَكَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ هَلَكَ مَجَّانًا) لِارْتِفَاعِ الْقَبْضِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَفِي الْفَتَاوَى الْغِيَاثِيَّةِ لَوْ قَضَى الرَّاهِنُ دَيْنَ الْمُرْتَهِنِ، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي الْعَارِيَّةِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ رَدَّ مَا قَبَضَ قَالَ ﵀ (بِرُجُوعِهِ عَادَ ضَمَانُهُ) يَعْنِي بِرُجُوعِ الرَّهْنِ إلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ عَادَ الضَّمَانُ حَتَّى يَذْهَبَ الدَّيْنُ بِهَلَاكِهِ لِعَوْدِ الْقَبْضِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ إلَى يَدِهِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ بَاقٍ إلَّا فِي حَقِّ الضَّمَانِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ كَانَ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ غُرَمَائِهِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْعَارِيَّةِ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ وَالضَّمَانُ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَكُّ عَنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ وَلَدَ الرَّهْنِ رَهْنٌ، وَلَيْسَ بِمَضْمُونٍ قَالَ ﵀ (لَوْ أَعَارَهُ أَحَدُهُمَا أَجْنَبِيًّا بِإِذْنِ الْآخَرِ سَقَطَ الضَّمَانُ) لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ ﵀ (وَلِكُلٍّ أَنْ يَرُدَّهُ رَهْنًا) يَعْنِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ حَقٌّ فِي الرَّهْنِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ رَهْنًا مَكَانَهُ لِبَقَاءِ عَقْدِ الرَّهْنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا بِخِلَافِ مَا إذَا أَجَّرَهُ أَحَدُهُمَا أَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ قَبْلَ أَنْ يَرْهَنَهُ ثَانِيًا حَيْثُ لَا يَعُودُ رَهْنًا إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ كَانَ الْمُرْتَهِنُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ تُبْطِلُ الرَّهْنَ بِخِلَافِ الْعَارِيَّةِ وَالْإِيدَاعِ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ لَازِمَيْنِ، وَلَوْ أَذِنَ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ بِالِاسْتِعْمَالِ أَوْ الْإِعَارَةِ لِلْعَمَلِ فَهَلَكَ الرَّهْنُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي الْعَمَلِ هَلَكَ بِالدَّيْنِ لِبَقَاءِ عَقْدِ الرَّهْنِ، وَكَذَا إنْ هَلَكَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ لِارْتِفَاعِ يَدِ الْأَمَانَةِ، وَلَوْ هَلَكَ فِي حَالَةِ الْعَمَلِ هَلَكَ أَمَانَةً، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الْهَلَاكِ فَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ هَلَكَ فِي حَالَةِ الْعَمَلِ وَادَّعَى الرَّاهِنُ أَنَّهُ هَلَكَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ.
قَالَ ﵀ (لَوْ اسْتَعَارَ ثَوْبًا لِيَرْهَنَهُ صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِإِثْبَاتِ مِلْكِ الْيَدِ فَيُعْتَبَرُ التَّبَرُّعُ بِإِثْبَاتِ مِلْكِ الْعَيْنِ وَالْيَدِ وَيَجُوزُ أَنْ يَنْفَصِلَ مِلْكُ الْيَدِ عَنْ مِلْكِ الْعَيْنِ ثُبُوتًا لِلْمُرْتَهِنِ كَمَا يَنْفَصِلُ لِحَقِّ الْبِيَعِ زَوَالًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُزِيلُ الْمِلْكَ دُونَ الْيَدِ فَيَكُونُ رَهْنًا بِمَا رَهَنَهُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا حَيْثُ أَطْلَقَ لَهُ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ مَسَائِلُهُ عَلَى فُصُولٍ: أَحَدُهَا فِي كَيْفِيَّةِ الْإِعَارَةِ. وَالثَّانِي فِي اخْتِلَافِهِمَا فِي الْهَلَاكِ وَالنُّقْصَانِ. وَالثَّالِثُ فِي ضَمَانِهِ بِهِمَا.
[فَصْلٌ أَعَارَ ثَوْبًا لِيَرْهَنَهُ]
فَصْلٌ فَإِذَا أَعَارَ ثَوْبًا لِيَرْهَنَهُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ لَمْ يُسَمِّ لَهُ شَيْئًا أَوْ سَمَّى لَهُ مَالًا أَوْ عَيَّنَ لَهُ مَتَاعًا أَوْ شَخْصًا، فَإِنْ أَعَارَ ثَوْبًا لِيَرْهَنَهُ وَعَيَّنَ لَهُ مَكَانًا أَوْ شَخْصًا، وَلَمْ يُسَمِّ مَا يَرْهَنُهُ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَرْهَنَ بِأَيِّ قَدْرٍ وَبِأَيِّ نَوْعٍ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ قَضَاءَ دَيْنِهِ مِنْ هَذَا الْمَالِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ إيفَاءٌ وَاسْتِيفَاءٌ حُكْمًا، وَلَوْ طَلَبَ مِنْهُ قَضَاءَ دَيْنِهِ مِنْ مَالِهِ جَازَ فَكَذَا هَذَا وَالِاسْتِعَارَةُ وُجِدَتْ مُطْلَقَةً فَقَدْ رَضِيَ الْمُعِيرُ بِأَنْ يَرْهَنَ بِمَا شَاءَ كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً وَلَمْ يُسَمِّ مَا يَعْمَلُ بِهَا فَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ وَيُرْكِبَ غَيْرَهُ وَيَحْمِلَ عَلَيْهَا فَكَذَا هَذَا، وَإِذَا سَمَّى مَالًا مَقْدُورًا فَرَهَنَ بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا سَوَاءً أَوْ أَكْثَرَ فَرَهَنَهُ بِأَقَلَّ مِمَّا سُمِّيَ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُعِيرُ، فَإِنَّ بَعْضَهُ يَكُونُ أَمَانَةً عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ بَلْ طَلَبَ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّهُ مَضْمُونًا، وَأَمَّا إذَا رَهَنَهُ بِأَكْثَرَ فَلِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ الْمُعِيرُ إلَى الْفِكَاكِ لِيَصِيرَ إلَى مِلْكِهِ وَرُبَّمَا يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ الْفِكَاكُ مَتَى زَادَتْ عَلَى الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَجِدُ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُسَمَّى فَيَتَضَرَّرُ بِهِ وَهُوَ قَدْ رَضِيَ بِضَمَانٍ قَلِيلٍ، وَلَمْ يَرْضَ بِقَضَاءِ دَيْنٍ كَثِيرٍ فَصَارَ مُخَالِفًا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أَقَلَّ مِنْ الْمُسَمَّى بِأَنْ أَعَارَ ثَوْبًا لِيَرْهَنَهُ بِعَشْرَةٍ وَقِيمَتُهُ تِسْعَةٌ، فَإِنْ رَهَنَ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ تِسْعَةً لَا يَضْمَنُ وَأَمَّا إذَا رَهَنَهُ بِجِنْسٍ آخَرَ ضَمِنَ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ تَسْمِيَةِ الدَّرَاهِمِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالدَّرَاهِمِ مَتَى هَلَكَ الثَّوْبُ وَمَتَى رَهَنَ بِالطَّعَامِ لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالدَّرَاهِمِ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى انْفِكَاكِ وَرُبَّمَا يَتَيَسَّرُ لَهُ الْفِكَاكُ بِالدَّرَاهِمِ وَيَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ الْفِكَاكُ بِالطَّعَامِ فَيُلْحِقُهُ زِيَادَةَ ضَرَرٍ وَأَمَّا إذَا أَعَارَهُ لِيَرْهَنَهُ مِنْ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ فَرَهَنَهُ مِنْ غَيْرِهِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ لِاسْتِخْلَاصِ مِلْكِهِ وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْقَضَاءِ وَالِاقْتِضَاءِ فَكَذَلِكَ فِي الْحِفْظِ وَالْأَمَانَةِ فَالرِّضَا بِحِفْظِ زَيْدٍ لَا يَكُونُ رِضًا بِحِفْظِ عَمْرٍو فَالْخِلَافُ يُخْلِفُهُ زِيَادَةُ ضَرَرٍ، وَلَوْ أَعَارَهُ لِيَرْهَنَهُ بِالْكُوفَةِ فَرَهَنَهُ بِالْبَصْرَةِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْبُلْدَانَ وَالْأَمْكِنَةَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الْحِفْظِ وَالصِّيَانَةِ وَلِأَنَّهُ يَخَافُ خَطَرَ الطَّرِيقِ مَتَى نُقِلَ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتَيَسَّرُ لَهُ الْفِكَاكُ فِي الْمَكَانِ الْمَشْرُوطِ وَيَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ الْفِكَاكُ فِي غَيْرِهِ.
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْهَلَاكِ أَوْ النُّقْصَانِ قَبْلَ الِاسْتِرْدَادِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ بَعْدَهُ فَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَعِيرِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْمُعِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي قَضَاءَ دَيْنِهِ مِنْ مَالِهِ وَالْمُسْتَعِيرُ يُنْكِرُ، فَإِنْ ادَّعَى الرَّاهِنُ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ اسْتَرَدَّ الرَّهْنَ قَبْلَ الِافْتِكَاكِ وَصَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ يُصَدَّقُ الرَّاهِنُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ وَالْمُرْتَهِنَ تَصَادَقَا عَلَى فَسْخِ الرَّهْنِ وَالرَّهْنُ عَقْدٌ جَرَى بَيْنَهُمَا
стр. 2837
فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُهُمَا أَنَّهُمَا فَسَخَا ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ وَلِأَنَّ الْمُعِيرَ ادَّعَى أَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَيَرْجِعُ الْمُعِيرُ عَلَى الرَّاهِنِ بِقَدْرِ مَا يَذْهَبُ عَنْهُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ قَاضِيًا دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ بِهَذَا الْقَدْرِ بِأَمْرِهِ، فَإِذَا هَلَكَ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ قَبْلَ الرَّهْنِ أَوْ بَعْدَ الْفِكَاكِ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إنَّمَا يَضْمَنُ الْعَارِيَّةَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِالْخِلَافِ أَوْ بِأَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ مِنْهُ، وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدُهُمَا وَإِمَّا لَا يَضْمَنُ بِالْقَبْضِ وَالدَّفْعِ إلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ قَضَى الرَّاهِنُ دَيْنَهُ وَبَعَثَ وَكِيلًا يَقْبِضُ الْعَبْدَ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْوَكِيلِ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ عِيَالِهِ كَالْمُودَعِ، وَهَذِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُودِعَ مَنْ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ أَنْ يُعِيرَ مَنْ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ، وَفِي الْحَالَيْنِ دَفَعَ الْأَمَانَةَ إلَى مِنْ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَى الْأَجْنَبِيِّ فِي الْعَارِيَّةِ إنَّمَا حَصَلَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِالْإِعَارَةِ مَنْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِغَيْرِ بَدَلٍ لَمْ يَمْلِكْ الْمَنْفَعَةَ الْوَدِيعَةِ لِيَحْصُلَ لَهُ الْإِذْنُ تَبَعًا لِتَمَلُّكِ الْمَنْفَعَةِ رَهَنَ الْمُسْتَعَارَ بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ، وَلَمْ يَقْبِضْ الْمَالَ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَعَلَى الرَّاهِنِ أَلْفٌ لِلْمُعِيرِ وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ أَلْفٌ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ عَلَى سَوْمِ الرَّهْنِ مَضْمُونٌ عَلَى الْقَابِضِ كَالْمَقْبُوضِ بِحَقِيقَةِ الرَّهْنِ فَضَمِنَ الْمُرْتَهِنُ مِثْلَ الْمُسَمَّى وَهُوَ أَلْفٌ لِلرَّاهِنِ وَمَا أُخِذَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ بَدَلُ الْعَبْدِ فَيَكُونُ لِمَالِكِ الْعَبْدِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَدَلُ مِلْكِهِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِلْمُرْتَهِنِ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلَيْنِ مَتَاعًا لِلرَّهْنِ، ثُمَّ قَضَى نِصْفَ الْمَالِ، وَقَالَ هَذَا عَنْ نَصِيبِ فُلَانٍ يَكُونُ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الرَّهْنِ مَحْبُوسٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ إذْ لَوْ جَعَلْنَا كُلَّ جُزْءٍ مَحْبُوسًا بِبَعْضِ الدَّيْنِ يُمْكِنُ الشُّيُوعُ فِي الرَّهْنِ وَأَنَّهُ يُوجِبُ بُطْلَانَ الرَّهْنِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْبَعْضُ مَحْبُوسًا بِبَعْضِ الدَّيْنِ فَلِهَذَا لَوْ قَضَى كَانَ مَا قَضَى عَنْ جَمِيعِ الْعَبْدِ.
رَهَنَ الْمُسْتَعَارَ بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ فَقَضَى الدَّيْنَ وَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَالْمُرْتَهِنُ ضَامِنٌ فِي الْأَلْفِ يَرُدُّهَا عَلَى مَوْلَى الْعَبْدِ وَلَا ضَمَانَ لِلْمُعِيرِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ رَدَّهَا عَلَى الرَّاهِنِ وَرَدَّهَا الرَّاهِنُ عَلَى الْمُعِيرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ صَارَ قَاضِيًا دَيْنَهُ بِهَلَاكِ الرَّاهِنِ مِنْ وَقْتِ الِارْتِهَانِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا لِلدَّيْنِ فِي حَقِّ مِلْكِ الْيَدِ وَالْحَبْسُ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ فَظَهَرَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى مِنْهُ الْأَلْفَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ فَوَجَبَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ رَدُّهَا عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَاهَا مِنْهُ، ثُمَّ يَرُدُّهَا عَلَى مَوْلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ بِأَمْرِهِ قَبَضَ دَابَّةً عَارِيَّةً لِيَرْهَنَهَا فَرَكِبَهَا ثُمَّ رَهَنَهَا، ثُمَّ قَضَى الْمَالَ، وَلَمْ يَقْبِضْ الرَّهْنَ حَتَّى هَلَكَتْ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ لَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لِلرَّهْنِ مُودِعٌ خَالَفَ بِالرُّكُوبِ، وَقَدْ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ فَيَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ.
وَفِي الْجَامِعِ أَصْلُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ نُصِبَ لِإِيفَاءِ الْحُقُوقِ الْمُحْتَرَمَةِ إلَى أَرْبَابِهَا لَا لِإِبْطَالِهَا وَإِهْدَارِهَا مَاتَ الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ الِاسْتِرْدَادُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إزَالَةَ يَدِهِ وَإِبْطَالَ حَقِّهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْمُعِيرِ دَيْنٌ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ وَفِيهِ فَضْلٌ عَنْ دَيْنِ الْمُسْتَعِيرِ لَمْ يَبِعْ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْغُرَمَاءُ وَالْوَرَثَةُ؛ لِأَنَّ أَبَاهُمْ يَكُونُ مُفِيدًا؛ لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَبِعْ الرَّهْنَ رُبَّمَا يَقْضِي الْمُسْتَعِيرُ دَيْنَ نَفْسِهِ أَوْ يُبْرِئُهُ الْمُرْتَهِنُ عَنْ دَيْنِهِ فَيُسَلِّمُ الرَّهْنَ لَهُمْ فَيَبِيعُونَ وَيَقْضُونَ حَقَّ غَرِيمِ الْمُعِيرِ وَيَبْقَى الْفَضْلُ لَهُمْ، وَلَوْ بِيعَ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ رُبَّمَا لَا يَصِلُ إلَيْهِمْ شَيْءٌ أَوْ يَصِلُ إلَيْهِمْ أَقَلُّ مِمَّا يَصِلُ إلَيْهِ إذَا بَاعُوا بَعْدَ قَضَاءِ الْمُسْتَعِيرِ دَيْنَهُ فَكَانَ أَبَاهُمْ مُفِيدًا فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ لَمْ يَبِعْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُرْتَهِنُ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ عَيَّنَّ قَدْرًا أَوْ جِنْسًا أَوْ بَلَدًا فَخَالَفَ ضَمَّنَ الْمُعِيرُ الْمُسْتَعِيرَ أَوْ الْمُرْتَهِنَ) أَيْ لَوْ عَيَّنَ الْمُعِيرِ قَدْرَ مَا يَرْهَنُهُ بِهِ أَوْ جِنْسِهِ أَوْ الْبَلَدِ الَّذِي يَرْهَنُهُ فِيهِ فَخَالَفَ كَانَ الْمُعِيرُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُسْتَعِيرَ قِيمَتَهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُرْتَهِنَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ فِي حَقِّهِ فَصَارَ الرَّاهِنُ كَالْغَاصِبِ وَالْمُرْتَهِنُ كَغَاصِبِ الْغَاصِبِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ مُفِيدٌ وَهُوَ نَفْيُ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ الِاحْتِبَاسُ بِمَا تَيَسَّرَ أَدَاؤُهُ وَبَقِيَ النُّقْصَانُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ أَنْ يَصِيرَ مُسْتَوْفِيًا لِلْأَكْثَرِ بِمُقَابَلَتِهِ عِنْدَ الْهَلَاكِ لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالْكَثِيرِ وَالنُّقْصَانُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا فَيَضْمَنُ إلَّا إذَا عَيَّنَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ فَرَهَنَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافٌ إلَى خَيْرٍ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ مَعَ تَيْسِيرِ أَدَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَّا بِقَدْرِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لَمْ يَقَعْ إلَّا بِهِ فَتَعْيِيبُهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ غَيْرُ مُفِيدٍ فِي حَقِّهِ بَلْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ لِتَعَسُّرِ أَدَائِهِ.
وَكَذَلِكَ التَّقْيِيدُ بِالْجِنْسِ وَالشَّخْصِ وَالْبَلَدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُفِيدٌ لِتَيْسِيرِ بَعْضِ الْأَجْنَاسِ فِي التَّحْصِيلِ
стр. 2838
دُونَ الْبَعْضِ وَتَفَاوُتِ الْأَشْخَاصِ وَالْبُلْدَانِ فِي الْحِفْظِ وَالْإِعَانَةِ فَيَضْمَنُ بِالْمُخَالَفَةِ فَلَوْ قَالَ ضَمِنَ حَيْثُ كَانَ التَّقْيِيدُ مُفِيدًا لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَإِذَا ضَمَّنَ الْمُسْتَعِيرَ، ثُمَّ عَقَدَ الرَّهْنَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ رَهَنَ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُرْتَهِنَ رَجَعَ الْمُرْتَهِنُ بِمَا ضَمِنَ وَبِالدَّيْنِ عَلَى الرَّاهِنِ عَلَى مَا بَيِّنَاهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ فَرَاجِعْهُ قَالَ ﵀ (وَإِنْ وَافَقَ وَهَلَكَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا وَوَجَبَ مِثْلُهُ لِلْمُعِيرِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ) ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءٌ وَبِالْهَلَاكِ يَتِمُّ الِاسْتِيفَاءُ فَيَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْ الرَّاهِنِ وَيَضْمَنُ لِلْمُعِيرِ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ الْقَدْرَ دَيْنَهُ إنْ كَانَ كُلُّهُ مَضْمُونًا وَإِلَّا يَضْمَنُ قَدْرَ الْمَضْمُونِ وَالْبَاقِي أَمَانَةٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَكَذَا لَوْ نَقَصَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ بِعَيْبٍ أَصَابَهُ يَذْهَبُ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِهِ وَيَرْجِعُ الْمُعِيرُ بِذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ وَوَجَبَ مِثْلُهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ مِنْ الْقِيَمِيِّ لَا مِنْ الْمِثْلِيِّ. وَقَوْلُ مُنْلَا مِسْكِينٍ أَيْ وَجَبَ مِثْلُ الدَّيْنِ لِلْمُعِيرِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ كَلَامٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لِلْمُعِيرِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ هُنَا قِيمَةُ الثَّوْبِ.
وَلَوْ قَالَ وَجَبَ بَدَلُهُ لَكَانَ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ ﵀ (وَلَوْ افْتَكَّهُ الْمُعِيرُ لَا يَمْتَنِعُ الْمُرْتَهِنُ إنْ قَضَى دَيْنَهُ) ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ غَيْرُ مُتَبَرِّعٍ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ لَا فِيهِ مِنْ تَخْلِيصِ مِلْكِهِ وَلِهَذَا يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَا أَدَّى الدَّيْنَ. وَقَوْلُهُ لَا يَمْتَنِعُ مَحِلُّهُ إذَا رَهَنَهُ وَحْدَهُ فَلَوْ رَهَنَ مَا اسْتَعَارَهُ مَعَ شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَأْخُذْهُ الْمُعِيرُ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ، فَإِذَا قَضَى يَأْخُذُ مِلْكَهُ لَا غَيْرُ قَيَّدْنَا بِكَوْنِ الْمُعِيرِ قَضَى الدَّيْنَ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ إذَا قَضَى الدَّيْنَ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَمْنَعَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ، وَلَيْسَ بِسَاعٍ فِي خَلَاصِ مِلْكِهِ، وَفِي النِّهَايَةِ إذَا افْتَكَّهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ بِأَنْ كَانَ الدَّيْنُ الْمَرْهُونُ بِهِ أَكْثَرَ لَا يَرْجِعُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى قِيمَتِهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ مُضْطَرٌّ إلَى دَفْعِ الزِّيَادَةِ لِخَلَاصِ حَقِّهِ فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ مَعَ وُجُودِ التَّضَرُّر وَأَجَابَ فِي النِّهَايَة قَالَ قُلْنَا الضَّمَانُ إنَّمَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بِاعْتِبَارِ إيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مِلْكِهِ فَكَانَ الرُّجُوعُ بِقَدْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِيفَاءُ فَعَلَى الشَّارِحِ أَنْ يَعْزِيَ لَهُ الْجَوَابَ وَالسُّؤَالُ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الْهَلَاكِ أَوْ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَرَاجِعْهُ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَارِيَّةُ عَبْدًا فَعَتَقَهُ الْمُعِيرُ نَفَذَ إعْتَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ وَالْمُرْتَهِنُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَجَعَ بِالدَّيْنِ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي حَقَّهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُعِيرَ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَقَدْ أَتْلَفَهُ بِالْإِعْتَاقِ، وَلَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً لِيَرْهَنَهُ فَاسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْهَنَهُ ثُمَّ رَهَنَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَهَنَهُ أَزَالَ التَّعَدِّيَ.
وَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ عَنْ ضَمَانِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ خَالَفَ، ثُمَّ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ فَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الرَّهْنِ وَقَدْ هَلَكَ عِنْدَ الرَّاهِنِ بَعْدَ الِاسْتِرْدَادِ وَلَا يَضْمَنُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ أَمِينٌ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَدِيعَةِ عِنْدَهُ لَا حُكْمُ الْعَارِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا حُكْمُ الْعَارِيَّةِ بِانْفِكَاكٍ فَصَارَتْ يَدُهُ يَدَ الْمَالِكِ لِكَوْنِهِ عَامِلًا لِلْمَالِكِ لِتَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ وَهُوَ الرُّجُوعُ عِنْدَ الْهَلَاكِ بِخِلَافِ الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ يَدُ نَفْسِهِ، وَإِذَا تَعَدَّى لَا يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ حَتَّى يُوصِلَهُ إلَى يَدِ الْمَالِكِ عَلَى هَذَا عَامَّةُ الْمَشَايِخِ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَاخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْكَرْخِيُّ وَاخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَبْرَأُ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إنَّهُ يَبْرَأ الْمُسْتَعِيرُ إذَا زَالَ التَّعَدِّي كَالْوَدِيعَةِ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ وَهُوَ بِمَسْأَلَةِ الْمُسْتَعِيرِ مُفْلِسًا وَأَرَادَ الْمُعِيرُ الْبَيْعَ وَأَبَى الرَّاهِنُ مِنْ بَيْعِهِ بِيعَ بِغَيْرِ رِضَاهُ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي الْحَبْسِ مَنْفَعَةً فَلَعَلَّ الْمُعِيرَ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى الرَّهْنِ فَيُخَلِّصُهُ بِالْإِيفَاءِ أَوْ تَزْدَادُ قِيمَتُهُ بِتَغَيُّرِ السِّعْرِ فَيَسْتَوْفِي مِنْهُ حَقَّهُ. وَقَوْلُهُ، وَلَوْ افْتَكَّهُ الْمُعِيرُ لَا يَمْتَنِعُ إلَى آخِرِهِ صَادِقٌ بِمَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْرَ الدَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ فَأَرَادَ الْمُعِيرُ أَنْ يَفْتَكَّهُ جَبْرًا عَنْ الرَّاهِنِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ إذَا قَضَى دَيْنَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ جَبْرًا عَنْ الرَّاهِنِ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ تَعَلُّقَاتِ هَذَا الْكِتَابِ وَكَانَ لَفْظُ مُحَمَّدٍ بَدَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حِينَ أَعْسَرَ الرَّاهِنُ كَمَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ.
وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَصَاحِبُ الْكِفَايَةِ وَعَنْ هَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ لَعَلَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ جَبْرًا عَنْ الرَّاهِنِ تَصْحِيفٌ عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ حِينَ أَعْسَرَ الرَّاهِنُ وَقَعَ مِنْ الْكَاتِبِ وَالْقَارِئِ، وَقَالَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْنَى قَوْلِهِ جَبْرًا عَنْ الرَّاهِنِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَيُوَافِقُ تَقْرِيرَ صَاحِبِ الْكَافِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ فَأَرَادَ الْمُعِيرُ أَنْ يَفْتَكَّهُ جَبْرًا بِغَيْرِ رِضَا الرَّاهِنِ لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَمْتَنِعَ إذَا قَضَى دَيْنَهُ قَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ مَعْنَى قَوْلِهِ فَأَرَادَ الْمُعِيرُ أَنْ يَفْتَكَّهُ جَبْرًا عَنْ الرَّاهِنِ أَرَادَ إنْ يَفْتَكَّهُ نِيَابَةً عَنْ الرَّاهِنِ جَبْرًا عَنْ الْمُرْتَهِنِ، وَقَالَ
стр. 2839
صَاحِبُ الْعِنَايَةِ قَوْلُهُ افْتَكَّهُ جَبْرًا عَنْ الرَّاهِنِ قِيلَ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَقِيلَ نِيَابَةً وَلَعَلَّهُ مِنْ الْجُبْرَانِ يَعْنِي جُبْرَانًا لِمَا فَاتَ عَنْ الرَّهْنِ مِنْ الْقَضَاءِ بِنَفْسِهِ اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مَا اخْتَارَهُ مِنْ الْمَعْنَى لَا يَتَمَشَّى فِيمَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَفْتَكَّهُ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِ دَيْنِ الرَّاهِنِ إذَا لَمْ يَفُتْ عَنْ الرَّاهِنِ بِإِزَاءِ ذَاكَ الْقَضَاءِ بِنَفْسِهِ لِعَدَمِ مَجِيءِ أَوَانِهِ حَتَّى يَكُونَ افْتِكَاكُ الْمُعِيرِ الرَّهْنَ هُنَاكَ بِقَضَاءِ دَيْنِ الرَّاهِنِ جُبْرَانًا لِمَا فَاتَ عَنْهُ مِنْ الْقَضَاءِ بِنَفْسِهِ مَعَ أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ أَيْضًا دَاخِلَةٌ فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فِي الْعَرَبِيَّةِ جَبْرٌ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْجَبْرِ بِمَعْنَى الْقَهْرِ أَوْ مِنْ الْجَبْرِ بِمَعْنَى الْجُبْرَانِ، وَمَحِلُّ الْإِغْلَاقِ فِي تَرْكِيبِ الْمُصَنِّفِ إنَّمَا هُوَ كَلِمَةُ عَنْ الدَّاخِلَةُ عَلَى الرَّهْنِ لَا لِكَوْنِ الْجَبْرِ بِمَعْنَى الْقَهْرِ إذْ هُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي مَسْأَلَتِنَا بِالنَّظَرِ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَعَلَى الْمَعْنَى الَّذِي اخْتَارَهُ لَا يَظْهَرُ لِكَلِمَةِ عَنْ مُتَعَلَّقٌ إلَّا أَنْ يُصَارَ إلَى تَقْدِيرٍ لِمَا فَاتَ جُمْلَةً وَجَعْلِهِ كَلِمَةَ عَنْ مُتَعَلِّقَةً بِلَفْظِ فَاتَ الْمُنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ جِدًّا فَكَيْفَ يَرْتَكِبُ مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ بِتَقْدِيرِ مُتَعَلَّقِ كَلِمَةِ عَنْ نِيَابَةً وَحْدَهُ كَمَا فَعَلَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ.
وَظَهَرَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ قَوْلَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ مِثْلُ الدَّيْنِ قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ لَا احْتِرَازِيٌّ.
قَالَ ﵀ (وَجِنَايَةُ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّهْنِ مَضْمُونَةٌ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَرَمٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مَالِكٌ، وَقَدْ تَعَدَّى عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ فَيَضْمَنُهُ وَالْمُرْتَهِنُ حَقُّهُ لَازِمٌ مُحْتَرَمٌ وَتَعَلَّقَ مِثْلُهُ بِالْمَالِ فَيُجْعَلُ الْمَالِكُ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي حَقِّ الضَّمَانِ كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ إذَا أَتْلَفَهُ الْوَرَثَةُ ضَمِنُوا قِيمَتَهُ لِيَشْتَرِيَ بِهِ عَبْدًا يَقُومُ مَقَامَ الْأَوَّلِ وَلِهَذَا يُمْنَعُ الْمَرِيضُ مِنْ التَّبَرُّعِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، ثُمَّ الْمُرْتَهِنُ يَأْخُذُ الضَّمَانَ بِدَيْنِهِ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ وَكَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا يَحْبِسُهُ بِالدَّيْنِ، فَإِذَا حَلَّ بِدَيْنِهِ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ وَإِلَّا حَبَسَهُ بِدَيْنِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِمَا إذَا جَنَى الرَّهْنُ عَلَى الْحُرِّ الْأَجْنَبِيِّ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ الْعَبْدُ الرَّهْنُ قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً فَهَذَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ فَالرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ يُخَاطَبَانِ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ لِأَحَدِهِمَا حَقِيقَةَ مِلْكٍ وَلِلْآخِرِ حَقٌّ يُضَاهِي حَقِيقَةَ الْمِلْكِ فَانْتَصَبَا خَصْمًا فَاشْتُرِطَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي خِطَابِ الدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ، فَإِنْ دَفَعَاهُ بَطَلَ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ زَالَ عَنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَفِي ضَمَانِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ فَيَتَقَرَّرُ الِاسْتِيفَاءُ.
فَإِنْ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الدَّفْعَ وَأَبَى الْآخَرُ لَا يَدْفَعُ؛ لِأَنَّهُ إنْ اخْتَارَ الرَّاهِنُ الدَّفْعَ فَقَدْ رَامَ إزَالَةَ مِلْكِ الرَّاهِنِ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَالْفِدَاءُ كُلُّهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ لِدَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْ الْعَبْدِ وَأَحْيَا بِهِ حَقَّهُ لِتَطْهِيرِهِ عَنْ الْجِنَايَةِ كَاتِّخَاذِ الدَّوَاءِ لِدَفْعِ الْهَلَاكِ وَثَمَنُ الدَّوَاءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْفِدَاءُ وَصَارَ كَالْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ إذَا جَنَى فَالْجِنَايَةُ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ عَلَيْهِ فَكَذَا هَذَا وَلَا يَرْجِعُ بِالْفِدَاءِ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَإِنْ فَدَاهُ الرَّاهِنُ كَانَ قَضَاءً بِالدَّيْنِ إنْ بَلَغَ الْفِدَاءُ كُلَّ الدَّيْنِ وَلَا يَبْقَى رَهْنًا، وَإِنْ بَلَغَ بَعْضُهُ فَبِقَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَبَرِّعٍ فِي الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ فِيهِ اسْتِصْلَاحَ مِلْكِهِ وَاسْتِخْلَاصَ حَقِّهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ مَشْغُولٌ بِالْجِنَايَةِ وَالْعَبْدُ يَظْهَرُ عَنْ الْجِنَايَةِ وَيَحْيَى مِلْكُهُ وَالْمَالِكُ لَا يُوصَفُ بِالتَّبَرُّعِ فِي إصْلَاحِ مِلْكِهِ وَإِحْيَائِهِ فَقَدْ قَضَى وَاجِبًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فِيهِ فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ كَمَنْ أَعَارَهُ عِنْدَ رَهْنِهِ بِدَيْنِهِ، ثُمَّ قَضَى الْمُعِيرُ دَيْنَ الْمُسْتَعِيرِ يَرْجِعُ بِمَا قَضَى عَلَى الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَخْلِيصِ مِلْكِهِ فَيُطَهِّرُهُ عَنْ شَغْلِ الرَّهْنِ فَكَذَا هَذَا، فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَمَا فَدَاهُ الرَّاهِنُ يَرُدُّ عَلَى الرَّاهِنِ الْفِدَاءَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ بَرِيءٌ عَنْ الدَّيْنِ بِالْإِيفَاءِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُوَفِّيًا دَيْنَهُ بِالْفِدَاءِ، قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إنَّهُ يَرُدُّ الْأَلْفَ الْمُسْتَوْفَاةَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ وَمَا وُجِدَ بَعْدَ الْأَلْفِ لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى وَقْتِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ لِلْفِدَاءِ حُكْمَ الْجِنَايَةِ وَالْجِنَايَةُ فِعْلٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَالْإِسْنَادُ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَاحْتَمَلَ فَاقْتَصَرَ الِاسْتِيفَاءُ بِالْهَلَاكِ عَلَى الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِيفَاءُ بِالْهَلَاكِ آخِرَهُمَا فَيَرُدُّ مَا اسْتَوْفَاهُ آخِرًا وَصَارَ كَمَا.
لَوْ رَهَنَ بِالْمَهْرِ أَوْ بِبَدَلِ الْخُلْعِ، ثُمَّ اسْتَوْفَى الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ يَرُدُّ مَا قَبَضَ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْمَهْرِ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ وُجُوبِ الدَّيْنِ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَهُوَ النِّكَاحُ وَالْخُلْعُ فَكَذَا هَذَا كُلُّهُ إذَا اخْتَارَ الْفِدَاءَ أَوْ الدَّفْعَ، فَإِنْ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْفِدَاءَ وَالْآخَرُ الدَّفْعَ فَالْفِدَاءُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الَّذِي اخْتَارَ الدَّفْعَ مُتَعَنِّتٌ فِيهِ أَمَّا الرَّاهِنُ فَلِأَنَّ فِي الدَّفْعِ إبْطَالَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْحَبْسِ وَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ الْعَبْدِ وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ الْفِدَاءِ إلَى خَلَفٍ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ
стр. 2840
فَكَانَ الْفِدَاءُ لَهُ أَنْفَعَ مِنْ الدَّفْعِ وَالْمُرْتَهِنُ بِالدَّفْعِ قَصَدَ إلْحَاقَ الضَّرَرِ بِالرَّاهِنِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ لَهُ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ يَسْقُطُ فِي الْحَالَيْنِ، وَفِي الدَّفْعِ إزَالَةُ مِلْكِ الرَّاهِنِ، وَفِي الْفِدَاءِ إبْقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ فَكَانَ مُتَعَنِّتًا وَلَا عِبْرَةَ لِاخْتِيَارِ الْمُتَعَنِّتِ، هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفَيْنِ وَالدَّيْنُ أَلْفٌ، فَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَالْفِدَاءُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَنِصْفُهُ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ فَيُقَدَّرُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَتُقَدَّرُ الْأَمَانَةُ عَلَى الرَّاهِنِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ، فَإِنْ فَدَاهُ الرَّاهِنُ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ إنْ كَانَ الرَّاهِنُ حَاضِرًا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِنِصْفِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا لَا يَرْجِعُ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنًا عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ فِيهِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ يُجْبَرُ عَلَى فِدَاءِ النِّصْفِ مَتَى أَجَازَ الْمُرْتَهِنُ الْفِدَاءَ وَلَا يَصْلُحُ مِلْكُهُ وَلَا يَحْيَى حَقُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِي الْعَبْدِ وَلَا حَقَّ لَهُ فِي نِصْفِ الْأَمَانَةِ وَلَا كَذَلِكَ الرَّاهِنُ وَلَهُ أَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ فِي نِصْفِ الْأَمَانَةِ حَقَّ الْحَبْسِ وَالْإِمْسَاكِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى إحْيَاءِ حَقِّهِ وَإِصْلَاحِهِ، وَفِي الْفِدَاءِ إحْيَاءُ حَقِّهِ مِنْ وَجْهٍ، فَإِنَّهُ يَصِلُ إلَى حَقِّهِ بِإِمْسَاكِهِ فَيَكُونُ مُحْتَاجًا إلَى الْفِدَاءِ فَلَا يُوصَفُ بِالتَّبَرُّعِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفِدَاءِ، وَلَوْ فَدَاهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ غَائِبٌ لَمْ يَكُنْ مُتَطَوِّعًا اتِّفَاقًا وَخَرَجَ عَنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ يُصْلِحُ مِلْكَ نَفْسِهِ وَيُحْيِي حَقَّهُ.
وَالْمَالِكُ فِي إصْلَاحِ مِلْكِهِ لَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُؤَدِّيَ نِصْفَ الْفِدَاءِ، وَلَوْ دَفَعَهُ الرَّاهِنُ فَلِلْمُرْتَهِنِ إنْ حَضَرَ أَنْ يُبْطِلَ دَفْعَهُ وَيَفْدِيَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالدَّفْعِ لِمَا بَيَّنَّا.
وَإِذَا رَهَنَ عَبْدًا قِيمَتُهُ أَلْفٌ بِأَلْفٍ فَفَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ فَدَفَعَ بِهِ وَأَخَذَ الْأَعْمَى فَهُوَ رَهْنٌ بِأَلْفٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَدْفَعُ الْعَبْدَ بِجِنَايَتِهِ وَالْعَبْدُ الْمَدْفُوعُ يُقَوَّم صَحِيحًا وَأَعْمَى فَيَبْطُلُ مِنْ الرَّهْنِ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ كَانَ ثُلُثَانِ فَيَبْطُلُ ثُلُثَا الدَّيْنِ وَيَصِيرُ الْأَعْمَى رَهْنًا بِمَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ الرَّاهِنُ سَلَّمَهُ لِلْمُرْتَهِنِ بِمَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِمَا بَقِيَ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْجُثَّةَ الْعَمْيَاءَ تَقُومُ مَقَامَ الصَّحِيحَةِ لَحْمًا وَدَمًا، وَكَذَلِكَ تَقُومُ مَقَامَ الْقِيمَةِ لُزُومًا وَحَتْمًا حَتَّى لَا يَكُونَ لِصَاحِبِ الْجُثَّةِ الْعَمْيَاءِ أَنْ يُمْسِكَ الْجُثَّةَ وَيَضْمَنَ النُّقْصَانَ فَيَصِيرَ كَأَنَّ التَّامَّةَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ إلَّا أَنَّهُ اُنْتُقِصَتْ قِيمَتُهُ بِتَرَاجُعِ السِّعْرِ فَيَبْقَى بِجَمِيعِ الدَّيْنِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قِيمَةُ الْجُثَّةِ الْعَمْيَاءِ لَا تَقُومُ مَقَامَ الْجُثَّةِ وَالْعَيْنَيْنِ جَمِيعًا وَلَا تَكُونُ بَدَلًا عَنْهُمَا حَتَّى إنَّ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ الْجُثَّةَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ النُّقْصَانِ فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْجَانِي يَكُونُ بَعْضُهُ بِإِزَاءِ الْجُثَّةِ وَبَعْضُهُ بِإِزَاءِ الْعَيْنَيْنِ فَمَا كَانَ بِإِزَاءِ الْعَيْنَيْنِ فَاتَ لَا إلَى بَدَلٍ وَمَا كَانَ بِإِزَاءِ الْجُثَّةِ فَاتَ إلَى بَدَلِهِ فَسَقَطَ مَا كَانَ بِإِزَاءِ الْعَيْنَيْنِ وَيَبْقَى مَا كَانَ بِإِزَاءِ الْجُثَّةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَذَلِكَ الْقِيمَةُ بِإِزَاءِ الْجُثَّةِ وَالْعَيْنَيْنِ مَتَى اخْتَارَ الْمَفْقُوءُ عَيْنَيْهِ إمْسَاكَ الْجُثَّةِ وَتَضْمِينَ النُّقْصَانِ.
فَأَمَّا إذَا اخْتَارَ دَفْعَ الْجُثَّةِ وَأَخْذَ الْجَانِيَ فَالْجَانِي كُلُّهُ يَكُونُ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنَيْنِ لَا عَنْ الْجُثَّةِ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ إنَّمَا وَجَبَ دَفْعُهُ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْفَائِتِ بِالْجِنَايَةِ وَالْفَائِتُ بِالْجُثَّةِ الْعَيْنَانِ لَا الْجُثَّةُ وَكَانَ كَمَا لَوْ فَقَأَ عَيْنًا وَاحِدَةً وَأَخَذَ نِصْفَ قِيمَةِ الْمَفْقُوءِ كَانَ الْمَأْخُوذُ بَدَلًا عَنْ الْفَائِتِ فَكَذَا إذَا فَقَأَ الْعَيْنَيْنِ إلَّا أَنَّ بَدَلَ الْعَيْنَيْنِ بَدَلُ جَمِيعِ الرَّقَبَةِ كَمَا فِي الْحُرِّ وَالْأَصْلُ إنْ تَوَفَّرَ عَلَى الْمَالِكِ بَدَلُ مِلْكِهِ، فَإِنَّهُ يُزَالُ الْمُبْدَلُ عَنْ مِلْكِهِ حَتَّى لَا يَجْتَمِعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إزَالَةُ الْعَيْنِ عَنْ مِلْكِ الْمَفْقُوءَةِ لِفَوَاتِهَا عَنْ مِلْكِهِ فَجَعَلْنَا الْجُثَّةَ قَائِمَةً مَقَامَ الْعَيْنَيْنِ وَالْمَدْفُوعُ كَانَ بِإِزَاءِ الْعَيْنَيْنِ فَصَارَ الرَّهْنُ فَائِتًا إلَى خَلَفٍ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ قِيمَةً فَيَبْقَى بِجَمِيعِ الدَّيْنِ عَبْدُ الرَّهْنِ أَتْلَفَ مَتَاعًا لِرَجُلٍ يُبَاعُ فِيهِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْءٌ فَهُوَ رَهْنٌ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ بَعْضِ الرَّهْنِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ كَأَرْشِ طَرَفِهِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ فَهُوَ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ بِالْبَيْعِ صَارَ كَالْهَالِكِ فِي حَقِّهِ فَصَارَ مُسْتَوْفِيًا وَمُتَمَلِّكًا لَهُ فَيَكُونُ الثَّمَنُ بَدَلَ مِلْكِهِ فَيَكُونُ لَهُ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِمَسَائِلِ جِنَايَةِ الرَّهْن بِالْحَفْرِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ رَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفٍ فَحَفَرَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ، ثُمَّ افْتَكَّ الرَّهْنَ وَأَخَذَ الْعَبْدَ فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ وَقَعَ فِيهَا دَابَّةٌ، ثُمَّ دَابَّةٌ أَوْ وَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ، ثُمَّ إنْسَانٌ أَوْ وَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ، ثُمَّ دَابَّةٌ، فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا دَابَّةٌ وَتَلِفَتْ وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفًا فَالْعَبْدُ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ أَتْلَفَ الدَّابَّةَ بِالْحَفْرِ وَالْعَبْدُ إذَا أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ يُقَالُ لِمَوْلَاهُ إمَّا أَنْ تَبِيعَ الْعَبْدَ أَوْ تَقْضِيَ دَيْنَهُ.
فَإِنْ بَاعَ الْعَبْدَ بِأَلْفٍ وَأَخَذَهَا صَاحِبُ الدَّابَّةِ يَرْجِعُ الرَّاهِنُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِالدَّيْنِ الَّذِي قَضَاهُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ تَلِفَ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ زَالَ عَنْ مِلْكِ الْمَوْلَى بِسَبَبٍ تَحَقَّقَ فِي مِلْكِ الْمُرْتَهِنِ فَيُعْتَبَرُ كَمَا لَوْ زَالَ عَنْ مِلْكِهِ بِالْمَوْتِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَقَدْ اسْتَوْفَى
следующие страницы →