Полный текст (3 122 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
هَلَكَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ هَلَكَ مَجَّانًا) لِارْتِفَاعِ الْقَبْضِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَفِي الْفَتَاوَى الْغِيَاثِيَّةِ لَوْ قَضَى الرَّاهِنُ دَيْنَ الْمُرْتَهِنِ، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي الْعَارِيَّةِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ رَدَّ مَا قَبَضَ قَالَ ﵀ (بِرُجُوعِهِ عَادَ ضَمَانُهُ) يَعْنِي بِرُجُوعِ الرَّهْنِ إلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ عَادَ الضَّمَانُ حَتَّى يَذْهَبَ الدَّيْنُ بِهَلَاكِهِ لِعَوْدِ الْقَبْضِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ إلَى يَدِهِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ بَاقٍ إلَّا فِي حَقِّ الضَّمَانِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ كَانَ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ غُرَمَائِهِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْعَارِيَّةِ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ وَالضَّمَانُ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَكُّ عَنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ وَلَدَ الرَّهْنِ رَهْنٌ، وَلَيْسَ بِمَضْمُونٍ قَالَ ﵀ (لَوْ أَعَارَهُ أَحَدُهُمَا أَجْنَبِيًّا بِإِذْنِ الْآخَرِ سَقَطَ الضَّمَانُ) لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ ﵀ (وَلِكُلٍّ أَنْ يَرُدَّهُ رَهْنًا) يَعْنِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ حَقٌّ فِي الرَّهْنِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ رَهْنًا مَكَانَهُ لِبَقَاءِ عَقْدِ الرَّهْنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا بِخِلَافِ مَا إذَا أَجَّرَهُ أَحَدُهُمَا أَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ قَبْلَ أَنْ يَرْهَنَهُ ثَانِيًا حَيْثُ لَا يَعُودُ رَهْنًا إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ كَانَ الْمُرْتَهِنُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ تُبْطِلُ الرَّهْنَ بِخِلَافِ الْعَارِيَّةِ وَالْإِيدَاعِ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ لَازِمَيْنِ، وَلَوْ أَذِنَ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ بِالِاسْتِعْمَالِ أَوْ الْإِعَارَةِ لِلْعَمَلِ فَهَلَكَ الرَّهْنُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي الْعَمَلِ هَلَكَ بِالدَّيْنِ لِبَقَاءِ عَقْدِ الرَّهْنِ، وَكَذَا إنْ هَلَكَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ لِارْتِفَاعِ يَدِ الْأَمَانَةِ، وَلَوْ هَلَكَ فِي حَالَةِ الْعَمَلِ هَلَكَ أَمَانَةً، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الْهَلَاكِ فَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ هَلَكَ فِي حَالَةِ الْعَمَلِ وَادَّعَى الرَّاهِنُ أَنَّهُ هَلَكَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ.
قَالَ ﵀ (لَوْ اسْتَعَارَ ثَوْبًا لِيَرْهَنَهُ صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِإِثْبَاتِ مِلْكِ الْيَدِ فَيُعْتَبَرُ التَّبَرُّعُ بِإِثْبَاتِ مِلْكِ الْعَيْنِ وَالْيَدِ وَيَجُوزُ أَنْ يَنْفَصِلَ مِلْكُ الْيَدِ عَنْ مِلْكِ الْعَيْنِ ثُبُوتًا لِلْمُرْتَهِنِ كَمَا يَنْفَصِلُ لِحَقِّ الْبِيَعِ زَوَالًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُزِيلُ الْمِلْكَ دُونَ الْيَدِ فَيَكُونُ رَهْنًا بِمَا رَهَنَهُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا حَيْثُ أَطْلَقَ لَهُ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ مَسَائِلُهُ عَلَى فُصُولٍ: أَحَدُهَا فِي كَيْفِيَّةِ الْإِعَارَةِ. وَالثَّانِي فِي اخْتِلَافِهِمَا فِي الْهَلَاكِ وَالنُّقْصَانِ. وَالثَّالِثُ فِي ضَمَانِهِ بِهِمَا.
[فَصْلٌ أَعَارَ ثَوْبًا لِيَرْهَنَهُ]
فَصْلٌ فَإِذَا أَعَارَ ثَوْبًا لِيَرْهَنَهُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ لَمْ يُسَمِّ لَهُ شَيْئًا أَوْ سَمَّى لَهُ مَالًا أَوْ عَيَّنَ لَهُ مَتَاعًا أَوْ شَخْصًا، فَإِنْ أَعَارَ ثَوْبًا لِيَرْهَنَهُ وَعَيَّنَ لَهُ مَكَانًا أَوْ شَخْصًا، وَلَمْ يُسَمِّ مَا يَرْهَنُهُ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَرْهَنَ بِأَيِّ قَدْرٍ وَبِأَيِّ نَوْعٍ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ قَضَاءَ دَيْنِهِ مِنْ هَذَا الْمَالِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ إيفَاءٌ وَاسْتِيفَاءٌ حُكْمًا، وَلَوْ طَلَبَ مِنْهُ قَضَاءَ دَيْنِهِ مِنْ مَالِهِ جَازَ فَكَذَا هَذَا وَالِاسْتِعَارَةُ وُجِدَتْ مُطْلَقَةً فَقَدْ رَضِيَ الْمُعِيرُ بِأَنْ يَرْهَنَ بِمَا شَاءَ كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً وَلَمْ يُسَمِّ مَا يَعْمَلُ بِهَا فَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ وَيُرْكِبَ غَيْرَهُ وَيَحْمِلَ عَلَيْهَا فَكَذَا هَذَا، وَإِذَا سَمَّى مَالًا مَقْدُورًا فَرَهَنَ بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا سَوَاءً أَوْ أَكْثَرَ فَرَهَنَهُ بِأَقَلَّ مِمَّا سُمِّيَ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُعِيرُ، فَإِنَّ بَعْضَهُ يَكُونُ أَمَانَةً عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ بَلْ طَلَبَ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّهُ مَضْمُونًا، وَأَمَّا إذَا رَهَنَهُ بِأَكْثَرَ فَلِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ الْمُعِيرُ إلَى الْفِكَاكِ لِيَصِيرَ إلَى مِلْكِهِ وَرُبَّمَا يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ الْفِكَاكُ مَتَى زَادَتْ عَلَى الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَجِدُ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُسَمَّى فَيَتَضَرَّرُ بِهِ وَهُوَ قَدْ رَضِيَ بِضَمَانٍ قَلِيلٍ، وَلَمْ يَرْضَ بِقَضَاءِ دَيْنٍ كَثِيرٍ فَصَارَ مُخَالِفًا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أَقَلَّ مِنْ الْمُسَمَّى بِأَنْ أَعَارَ ثَوْبًا لِيَرْهَنَهُ بِعَشْرَةٍ وَقِيمَتُهُ تِسْعَةٌ، فَإِنْ رَهَنَ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ تِسْعَةً لَا يَضْمَنُ وَأَمَّا إذَا رَهَنَهُ بِجِنْسٍ آخَرَ ضَمِنَ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ تَسْمِيَةِ الدَّرَاهِمِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالدَّرَاهِمِ مَتَى هَلَكَ الثَّوْبُ وَمَتَى رَهَنَ بِالطَّعَامِ لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالدَّرَاهِمِ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى انْفِكَاكِ وَرُبَّمَا يَتَيَسَّرُ لَهُ الْفِكَاكُ بِالدَّرَاهِمِ وَيَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ الْفِكَاكُ بِالطَّعَامِ فَيُلْحِقُهُ زِيَادَةَ ضَرَرٍ وَأَمَّا إذَا أَعَارَهُ لِيَرْهَنَهُ مِنْ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ فَرَهَنَهُ مِنْ غَيْرِهِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ لِاسْتِخْلَاصِ مِلْكِهِ وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْقَضَاءِ وَالِاقْتِضَاءِ فَكَذَلِكَ فِي الْحِفْظِ وَالْأَمَانَةِ فَالرِّضَا بِحِفْظِ زَيْدٍ لَا يَكُونُ رِضًا بِحِفْظِ عَمْرٍو فَالْخِلَافُ يُخْلِفُهُ زِيَادَةُ ضَرَرٍ، وَلَوْ أَعَارَهُ لِيَرْهَنَهُ بِالْكُوفَةِ فَرَهَنَهُ بِالْبَصْرَةِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْبُلْدَانَ وَالْأَمْكِنَةَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الْحِفْظِ وَالصِّيَانَةِ وَلِأَنَّهُ يَخَافُ خَطَرَ الطَّرِيقِ مَتَى نُقِلَ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتَيَسَّرُ لَهُ الْفِكَاكُ فِي الْمَكَانِ الْمَشْرُوطِ وَيَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ الْفِكَاكُ فِي غَيْرِهِ.
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْهَلَاكِ أَوْ النُّقْصَانِ قَبْلَ الِاسْتِرْدَادِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ بَعْدَهُ فَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَعِيرِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْمُعِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي قَضَاءَ دَيْنِهِ مِنْ مَالِهِ وَالْمُسْتَعِيرُ يُنْكِرُ، فَإِنْ ادَّعَى الرَّاهِنُ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ اسْتَرَدَّ الرَّهْنَ قَبْلَ الِافْتِكَاكِ وَصَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ يُصَدَّقُ الرَّاهِنُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ وَالْمُرْتَهِنَ تَصَادَقَا عَلَى فَسْخِ الرَّهْنِ وَالرَّهْنُ عَقْدٌ جَرَى بَيْنَهُمَا
стр. 2837
فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُهُمَا أَنَّهُمَا فَسَخَا ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ وَلِأَنَّ الْمُعِيرَ ادَّعَى أَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَيَرْجِعُ الْمُعِيرُ عَلَى الرَّاهِنِ بِقَدْرِ مَا يَذْهَبُ عَنْهُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ قَاضِيًا دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ بِهَذَا الْقَدْرِ بِأَمْرِهِ، فَإِذَا هَلَكَ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ قَبْلَ الرَّهْنِ أَوْ بَعْدَ الْفِكَاكِ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إنَّمَا يَضْمَنُ الْعَارِيَّةَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِالْخِلَافِ أَوْ بِأَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ مِنْهُ، وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدُهُمَا وَإِمَّا لَا يَضْمَنُ بِالْقَبْضِ وَالدَّفْعِ إلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ قَضَى الرَّاهِنُ دَيْنَهُ وَبَعَثَ وَكِيلًا يَقْبِضُ الْعَبْدَ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْوَكِيلِ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ عِيَالِهِ كَالْمُودَعِ، وَهَذِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُودِعَ مَنْ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ أَنْ يُعِيرَ مَنْ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ، وَفِي الْحَالَيْنِ دَفَعَ الْأَمَانَةَ إلَى مِنْ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَى الْأَجْنَبِيِّ فِي الْعَارِيَّةِ إنَّمَا حَصَلَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِالْإِعَارَةِ مَنْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِغَيْرِ بَدَلٍ لَمْ يَمْلِكْ الْمَنْفَعَةَ الْوَدِيعَةِ لِيَحْصُلَ لَهُ الْإِذْنُ تَبَعًا لِتَمَلُّكِ الْمَنْفَعَةِ رَهَنَ الْمُسْتَعَارَ بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ، وَلَمْ يَقْبِضْ الْمَالَ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَعَلَى الرَّاهِنِ أَلْفٌ لِلْمُعِيرِ وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ أَلْفٌ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ عَلَى سَوْمِ الرَّهْنِ مَضْمُونٌ عَلَى الْقَابِضِ كَالْمَقْبُوضِ بِحَقِيقَةِ الرَّهْنِ فَضَمِنَ الْمُرْتَهِنُ مِثْلَ الْمُسَمَّى وَهُوَ أَلْفٌ لِلرَّاهِنِ وَمَا أُخِذَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ بَدَلُ الْعَبْدِ فَيَكُونُ لِمَالِكِ الْعَبْدِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَدَلُ مِلْكِهِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِلْمُرْتَهِنِ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلَيْنِ مَتَاعًا لِلرَّهْنِ، ثُمَّ قَضَى نِصْفَ الْمَالِ، وَقَالَ هَذَا عَنْ نَصِيبِ فُلَانٍ يَكُونُ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الرَّهْنِ مَحْبُوسٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ إذْ لَوْ جَعَلْنَا كُلَّ جُزْءٍ مَحْبُوسًا بِبَعْضِ الدَّيْنِ يُمْكِنُ الشُّيُوعُ فِي الرَّهْنِ وَأَنَّهُ يُوجِبُ بُطْلَانَ الرَّهْنِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْبَعْضُ مَحْبُوسًا بِبَعْضِ الدَّيْنِ فَلِهَذَا لَوْ قَضَى كَانَ مَا قَضَى عَنْ جَمِيعِ الْعَبْدِ.
رَهَنَ الْمُسْتَعَارَ بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ فَقَضَى الدَّيْنَ وَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَالْمُرْتَهِنُ ضَامِنٌ فِي الْأَلْفِ يَرُدُّهَا عَلَى مَوْلَى الْعَبْدِ وَلَا ضَمَانَ لِلْمُعِيرِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ رَدَّهَا عَلَى الرَّاهِنِ وَرَدَّهَا الرَّاهِنُ عَلَى الْمُعِيرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ صَارَ قَاضِيًا دَيْنَهُ بِهَلَاكِ الرَّاهِنِ مِنْ وَقْتِ الِارْتِهَانِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا لِلدَّيْنِ فِي حَقِّ مِلْكِ الْيَدِ وَالْحَبْسُ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ فَظَهَرَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى مِنْهُ الْأَلْفَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ فَوَجَبَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ رَدُّهَا عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَاهَا مِنْهُ، ثُمَّ يَرُدُّهَا عَلَى مَوْلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ بِأَمْرِهِ قَبَضَ دَابَّةً عَارِيَّةً لِيَرْهَنَهَا فَرَكِبَهَا ثُمَّ رَهَنَهَا، ثُمَّ قَضَى الْمَالَ، وَلَمْ يَقْبِضْ الرَّهْنَ حَتَّى هَلَكَتْ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ لَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لِلرَّهْنِ مُودِعٌ خَالَفَ بِالرُّكُوبِ، وَقَدْ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ فَيَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ.
وَفِي الْجَامِعِ أَصْلُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ نُصِبَ لِإِيفَاءِ الْحُقُوقِ الْمُحْتَرَمَةِ إلَى أَرْبَابِهَا لَا لِإِبْطَالِهَا وَإِهْدَارِهَا مَاتَ الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ الِاسْتِرْدَادُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إزَالَةَ يَدِهِ وَإِبْطَالَ حَقِّهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْمُعِيرِ دَيْنٌ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ وَفِيهِ فَضْلٌ عَنْ دَيْنِ الْمُسْتَعِيرِ لَمْ يَبِعْ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْغُرَمَاءُ وَالْوَرَثَةُ؛ لِأَنَّ أَبَاهُمْ يَكُونُ مُفِيدًا؛ لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَبِعْ الرَّهْنَ رُبَّمَا يَقْضِي الْمُسْتَعِيرُ دَيْنَ نَفْسِهِ أَوْ يُبْرِئُهُ الْمُرْتَهِنُ عَنْ دَيْنِهِ فَيُسَلِّمُ الرَّهْنَ لَهُمْ فَيَبِيعُونَ وَيَقْضُونَ حَقَّ غَرِيمِ الْمُعِيرِ وَيَبْقَى الْفَضْلُ لَهُمْ، وَلَوْ بِيعَ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ رُبَّمَا لَا يَصِلُ إلَيْهِمْ شَيْءٌ أَوْ يَصِلُ إلَيْهِمْ أَقَلُّ مِمَّا يَصِلُ إلَيْهِ إذَا بَاعُوا بَعْدَ قَضَاءِ الْمُسْتَعِيرِ دَيْنَهُ فَكَانَ أَبَاهُمْ مُفِيدًا فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ لَمْ يَبِعْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُرْتَهِنُ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ عَيَّنَّ قَدْرًا أَوْ جِنْسًا أَوْ بَلَدًا فَخَالَفَ ضَمَّنَ الْمُعِيرُ الْمُسْتَعِيرَ أَوْ الْمُرْتَهِنَ) أَيْ لَوْ عَيَّنَ الْمُعِيرِ قَدْرَ مَا يَرْهَنُهُ بِهِ أَوْ جِنْسِهِ أَوْ الْبَلَدِ الَّذِي يَرْهَنُهُ فِيهِ فَخَالَفَ كَانَ الْمُعِيرُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُسْتَعِيرَ قِيمَتَهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُرْتَهِنَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ فِي حَقِّهِ فَصَارَ الرَّاهِنُ كَالْغَاصِبِ وَالْمُرْتَهِنُ كَغَاصِبِ الْغَاصِبِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ مُفِيدٌ وَهُوَ نَفْيُ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ الِاحْتِبَاسُ بِمَا تَيَسَّرَ أَدَاؤُهُ وَبَقِيَ النُّقْصَانُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ أَنْ يَصِيرَ مُسْتَوْفِيًا لِلْأَكْثَرِ بِمُقَابَلَتِهِ عِنْدَ الْهَلَاكِ لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالْكَثِيرِ وَالنُّقْصَانُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا فَيَضْمَنُ إلَّا إذَا عَيَّنَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ فَرَهَنَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافٌ إلَى خَيْرٍ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ مَعَ تَيْسِيرِ أَدَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَّا بِقَدْرِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لَمْ يَقَعْ إلَّا بِهِ فَتَعْيِيبُهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ غَيْرُ مُفِيدٍ فِي حَقِّهِ بَلْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ لِتَعَسُّرِ أَدَائِهِ.
وَكَذَلِكَ التَّقْيِيدُ بِالْجِنْسِ وَالشَّخْصِ وَالْبَلَدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُفِيدٌ لِتَيْسِيرِ بَعْضِ الْأَجْنَاسِ فِي التَّحْصِيلِ
стр. 2838
دُونَ الْبَعْضِ وَتَفَاوُتِ الْأَشْخَاصِ وَالْبُلْدَانِ فِي الْحِفْظِ وَالْإِعَانَةِ فَيَضْمَنُ بِالْمُخَالَفَةِ فَلَوْ قَالَ ضَمِنَ حَيْثُ كَانَ التَّقْيِيدُ مُفِيدًا لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَإِذَا ضَمَّنَ الْمُسْتَعِيرَ، ثُمَّ عَقَدَ الرَّهْنَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ رَهَنَ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُرْتَهِنَ رَجَعَ الْمُرْتَهِنُ بِمَا ضَمِنَ وَبِالدَّيْنِ عَلَى الرَّاهِنِ عَلَى مَا بَيِّنَاهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ فَرَاجِعْهُ قَالَ ﵀ (وَإِنْ وَافَقَ وَهَلَكَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا وَوَجَبَ مِثْلُهُ لِلْمُعِيرِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ) ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءٌ وَبِالْهَلَاكِ يَتِمُّ الِاسْتِيفَاءُ فَيَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْ الرَّاهِنِ وَيَضْمَنُ لِلْمُعِيرِ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ الْقَدْرَ دَيْنَهُ إنْ كَانَ كُلُّهُ مَضْمُونًا وَإِلَّا يَضْمَنُ قَدْرَ الْمَضْمُونِ وَالْبَاقِي أَمَانَةٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَكَذَا لَوْ نَقَصَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ بِعَيْبٍ أَصَابَهُ يَذْهَبُ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِهِ وَيَرْجِعُ الْمُعِيرُ بِذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ وَوَجَبَ مِثْلُهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ مِنْ الْقِيَمِيِّ لَا مِنْ الْمِثْلِيِّ. وَقَوْلُ مُنْلَا مِسْكِينٍ أَيْ وَجَبَ مِثْلُ الدَّيْنِ لِلْمُعِيرِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ كَلَامٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لِلْمُعِيرِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ هُنَا قِيمَةُ الثَّوْبِ.
وَلَوْ قَالَ وَجَبَ بَدَلُهُ لَكَانَ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ ﵀ (وَلَوْ افْتَكَّهُ الْمُعِيرُ لَا يَمْتَنِعُ الْمُرْتَهِنُ إنْ قَضَى دَيْنَهُ) ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ غَيْرُ مُتَبَرِّعٍ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ لَا فِيهِ مِنْ تَخْلِيصِ مِلْكِهِ وَلِهَذَا يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَا أَدَّى الدَّيْنَ. وَقَوْلُهُ لَا يَمْتَنِعُ مَحِلُّهُ إذَا رَهَنَهُ وَحْدَهُ فَلَوْ رَهَنَ مَا اسْتَعَارَهُ مَعَ شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَأْخُذْهُ الْمُعِيرُ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ، فَإِذَا قَضَى يَأْخُذُ مِلْكَهُ لَا غَيْرُ قَيَّدْنَا بِكَوْنِ الْمُعِيرِ قَضَى الدَّيْنَ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ إذَا قَضَى الدَّيْنَ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَمْنَعَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ، وَلَيْسَ بِسَاعٍ فِي خَلَاصِ مِلْكِهِ، وَفِي النِّهَايَةِ إذَا افْتَكَّهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ بِأَنْ كَانَ الدَّيْنُ الْمَرْهُونُ بِهِ أَكْثَرَ لَا يَرْجِعُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى قِيمَتِهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ مُضْطَرٌّ إلَى دَفْعِ الزِّيَادَةِ لِخَلَاصِ حَقِّهِ فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ مَعَ وُجُودِ التَّضَرُّر وَأَجَابَ فِي النِّهَايَة قَالَ قُلْنَا الضَّمَانُ إنَّمَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بِاعْتِبَارِ إيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مِلْكِهِ فَكَانَ الرُّجُوعُ بِقَدْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِيفَاءُ فَعَلَى الشَّارِحِ أَنْ يَعْزِيَ لَهُ الْجَوَابَ وَالسُّؤَالُ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الْهَلَاكِ أَوْ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَرَاجِعْهُ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَارِيَّةُ عَبْدًا فَعَتَقَهُ الْمُعِيرُ نَفَذَ إعْتَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ وَالْمُرْتَهِنُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَجَعَ بِالدَّيْنِ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي حَقَّهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُعِيرَ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَقَدْ أَتْلَفَهُ بِالْإِعْتَاقِ، وَلَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً لِيَرْهَنَهُ فَاسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْهَنَهُ ثُمَّ رَهَنَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَهَنَهُ أَزَالَ التَّعَدِّيَ.
وَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ عَنْ ضَمَانِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ خَالَفَ، ثُمَّ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ فَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الرَّهْنِ وَقَدْ هَلَكَ عِنْدَ الرَّاهِنِ بَعْدَ الِاسْتِرْدَادِ وَلَا يَضْمَنُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ أَمِينٌ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَدِيعَةِ عِنْدَهُ لَا حُكْمُ الْعَارِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا حُكْمُ الْعَارِيَّةِ بِانْفِكَاكٍ فَصَارَتْ يَدُهُ يَدَ الْمَالِكِ لِكَوْنِهِ عَامِلًا لِلْمَالِكِ لِتَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ وَهُوَ الرُّجُوعُ عِنْدَ الْهَلَاكِ بِخِلَافِ الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ يَدُ نَفْسِهِ، وَإِذَا تَعَدَّى لَا يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ حَتَّى يُوصِلَهُ إلَى يَدِ الْمَالِكِ عَلَى هَذَا عَامَّةُ الْمَشَايِخِ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَاخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْكَرْخِيُّ وَاخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَبْرَأُ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إنَّهُ يَبْرَأ الْمُسْتَعِيرُ إذَا زَالَ التَّعَدِّي كَالْوَدِيعَةِ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ وَهُوَ بِمَسْأَلَةِ الْمُسْتَعِيرِ مُفْلِسًا وَأَرَادَ الْمُعِيرُ الْبَيْعَ وَأَبَى الرَّاهِنُ مِنْ بَيْعِهِ بِيعَ بِغَيْرِ رِضَاهُ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي الْحَبْسِ مَنْفَعَةً فَلَعَلَّ الْمُعِيرَ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى الرَّهْنِ فَيُخَلِّصُهُ بِالْإِيفَاءِ أَوْ تَزْدَادُ قِيمَتُهُ بِتَغَيُّرِ السِّعْرِ فَيَسْتَوْفِي مِنْهُ حَقَّهُ. وَقَوْلُهُ، وَلَوْ افْتَكَّهُ الْمُعِيرُ لَا يَمْتَنِعُ إلَى آخِرِهِ صَادِقٌ بِمَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْرَ الدَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ فَأَرَادَ الْمُعِيرُ أَنْ يَفْتَكَّهُ جَبْرًا عَنْ الرَّاهِنِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ إذَا قَضَى دَيْنَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ جَبْرًا عَنْ الرَّاهِنِ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ تَعَلُّقَاتِ هَذَا الْكِتَابِ وَكَانَ لَفْظُ مُحَمَّدٍ بَدَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حِينَ أَعْسَرَ الرَّاهِنُ كَمَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ.
وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَصَاحِبُ الْكِفَايَةِ وَعَنْ هَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ لَعَلَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ جَبْرًا عَنْ الرَّاهِنِ تَصْحِيفٌ عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ حِينَ أَعْسَرَ الرَّاهِنُ وَقَعَ مِنْ الْكَاتِبِ وَالْقَارِئِ، وَقَالَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْنَى قَوْلِهِ جَبْرًا عَنْ الرَّاهِنِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَيُوَافِقُ تَقْرِيرَ صَاحِبِ الْكَافِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ فَأَرَادَ الْمُعِيرُ أَنْ يَفْتَكَّهُ جَبْرًا بِغَيْرِ رِضَا الرَّاهِنِ لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَمْتَنِعَ إذَا قَضَى دَيْنَهُ قَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ مَعْنَى قَوْلِهِ فَأَرَادَ الْمُعِيرُ أَنْ يَفْتَكَّهُ جَبْرًا عَنْ الرَّاهِنِ أَرَادَ إنْ يَفْتَكَّهُ نِيَابَةً عَنْ الرَّاهِنِ جَبْرًا عَنْ الْمُرْتَهِنِ، وَقَالَ
стр. 2839
صَاحِبُ الْعِنَايَةِ قَوْلُهُ افْتَكَّهُ جَبْرًا عَنْ الرَّاهِنِ قِيلَ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَقِيلَ نِيَابَةً وَلَعَلَّهُ مِنْ الْجُبْرَانِ يَعْنِي جُبْرَانًا لِمَا فَاتَ عَنْ الرَّهْنِ مِنْ الْقَضَاءِ بِنَفْسِهِ اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مَا اخْتَارَهُ مِنْ الْمَعْنَى لَا يَتَمَشَّى فِيمَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَفْتَكَّهُ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِ دَيْنِ الرَّاهِنِ إذَا لَمْ يَفُتْ عَنْ الرَّاهِنِ بِإِزَاءِ ذَاكَ الْقَضَاءِ بِنَفْسِهِ لِعَدَمِ مَجِيءِ أَوَانِهِ حَتَّى يَكُونَ افْتِكَاكُ الْمُعِيرِ الرَّهْنَ هُنَاكَ بِقَضَاءِ دَيْنِ الرَّاهِنِ جُبْرَانًا لِمَا فَاتَ عَنْهُ مِنْ الْقَضَاءِ بِنَفْسِهِ مَعَ أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ أَيْضًا دَاخِلَةٌ فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فِي الْعَرَبِيَّةِ جَبْرٌ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْجَبْرِ بِمَعْنَى الْقَهْرِ أَوْ مِنْ الْجَبْرِ بِمَعْنَى الْجُبْرَانِ، وَمَحِلُّ الْإِغْلَاقِ فِي تَرْكِيبِ الْمُصَنِّفِ إنَّمَا هُوَ كَلِمَةُ عَنْ الدَّاخِلَةُ عَلَى الرَّهْنِ لَا لِكَوْنِ الْجَبْرِ بِمَعْنَى الْقَهْرِ إذْ هُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي مَسْأَلَتِنَا بِالنَّظَرِ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَعَلَى الْمَعْنَى الَّذِي اخْتَارَهُ لَا يَظْهَرُ لِكَلِمَةِ عَنْ مُتَعَلَّقٌ إلَّا أَنْ يُصَارَ إلَى تَقْدِيرٍ لِمَا فَاتَ جُمْلَةً وَجَعْلِهِ كَلِمَةَ عَنْ مُتَعَلِّقَةً بِلَفْظِ فَاتَ الْمُنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ جِدًّا فَكَيْفَ يَرْتَكِبُ مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ بِتَقْدِيرِ مُتَعَلَّقِ كَلِمَةِ عَنْ نِيَابَةً وَحْدَهُ كَمَا فَعَلَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ.
وَظَهَرَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ قَوْلَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ مِثْلُ الدَّيْنِ قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ لَا احْتِرَازِيٌّ.
قَالَ ﵀ (وَجِنَايَةُ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّهْنِ مَضْمُونَةٌ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَرَمٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مَالِكٌ، وَقَدْ تَعَدَّى عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ فَيَضْمَنُهُ وَالْمُرْتَهِنُ حَقُّهُ لَازِمٌ مُحْتَرَمٌ وَتَعَلَّقَ مِثْلُهُ بِالْمَالِ فَيُجْعَلُ الْمَالِكُ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي حَقِّ الضَّمَانِ كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ إذَا أَتْلَفَهُ الْوَرَثَةُ ضَمِنُوا قِيمَتَهُ لِيَشْتَرِيَ بِهِ عَبْدًا يَقُومُ مَقَامَ الْأَوَّلِ وَلِهَذَا يُمْنَعُ الْمَرِيضُ مِنْ التَّبَرُّعِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، ثُمَّ الْمُرْتَهِنُ يَأْخُذُ الضَّمَانَ بِدَيْنِهِ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ وَكَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا يَحْبِسُهُ بِالدَّيْنِ، فَإِذَا حَلَّ بِدَيْنِهِ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ وَإِلَّا حَبَسَهُ بِدَيْنِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِمَا إذَا جَنَى الرَّهْنُ عَلَى الْحُرِّ الْأَجْنَبِيِّ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ الْعَبْدُ الرَّهْنُ قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً فَهَذَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ فَالرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ يُخَاطَبَانِ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ لِأَحَدِهِمَا حَقِيقَةَ مِلْكٍ وَلِلْآخِرِ حَقٌّ يُضَاهِي حَقِيقَةَ الْمِلْكِ فَانْتَصَبَا خَصْمًا فَاشْتُرِطَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي خِطَابِ الدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ، فَإِنْ دَفَعَاهُ بَطَلَ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ زَالَ عَنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَفِي ضَمَانِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ فَيَتَقَرَّرُ الِاسْتِيفَاءُ.
فَإِنْ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الدَّفْعَ وَأَبَى الْآخَرُ لَا يَدْفَعُ؛ لِأَنَّهُ إنْ اخْتَارَ الرَّاهِنُ الدَّفْعَ فَقَدْ رَامَ إزَالَةَ مِلْكِ الرَّاهِنِ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَالْفِدَاءُ كُلُّهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ لِدَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْ الْعَبْدِ وَأَحْيَا بِهِ حَقَّهُ لِتَطْهِيرِهِ عَنْ الْجِنَايَةِ كَاتِّخَاذِ الدَّوَاءِ لِدَفْعِ الْهَلَاكِ وَثَمَنُ الدَّوَاءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْفِدَاءُ وَصَارَ كَالْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ إذَا جَنَى فَالْجِنَايَةُ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ عَلَيْهِ فَكَذَا هَذَا وَلَا يَرْجِعُ بِالْفِدَاءِ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَإِنْ فَدَاهُ الرَّاهِنُ كَانَ قَضَاءً بِالدَّيْنِ إنْ بَلَغَ الْفِدَاءُ كُلَّ الدَّيْنِ وَلَا يَبْقَى رَهْنًا، وَإِنْ بَلَغَ بَعْضُهُ فَبِقَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَبَرِّعٍ فِي الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ فِيهِ اسْتِصْلَاحَ مِلْكِهِ وَاسْتِخْلَاصَ حَقِّهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ مَشْغُولٌ بِالْجِنَايَةِ وَالْعَبْدُ يَظْهَرُ عَنْ الْجِنَايَةِ وَيَحْيَى مِلْكُهُ وَالْمَالِكُ لَا يُوصَفُ بِالتَّبَرُّعِ فِي إصْلَاحِ مِلْكِهِ وَإِحْيَائِهِ فَقَدْ قَضَى وَاجِبًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فِيهِ فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ كَمَنْ أَعَارَهُ عِنْدَ رَهْنِهِ بِدَيْنِهِ، ثُمَّ قَضَى الْمُعِيرُ دَيْنَ الْمُسْتَعِيرِ يَرْجِعُ بِمَا قَضَى عَلَى الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَخْلِيصِ مِلْكِهِ فَيُطَهِّرُهُ عَنْ شَغْلِ الرَّهْنِ فَكَذَا هَذَا، فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَمَا فَدَاهُ الرَّاهِنُ يَرُدُّ عَلَى الرَّاهِنِ الْفِدَاءَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ بَرِيءٌ عَنْ الدَّيْنِ بِالْإِيفَاءِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُوَفِّيًا دَيْنَهُ بِالْفِدَاءِ، قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إنَّهُ يَرُدُّ الْأَلْفَ الْمُسْتَوْفَاةَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ وَمَا وُجِدَ بَعْدَ الْأَلْفِ لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى وَقْتِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ لِلْفِدَاءِ حُكْمَ الْجِنَايَةِ وَالْجِنَايَةُ فِعْلٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَالْإِسْنَادُ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَاحْتَمَلَ فَاقْتَصَرَ الِاسْتِيفَاءُ بِالْهَلَاكِ عَلَى الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِيفَاءُ بِالْهَلَاكِ آخِرَهُمَا فَيَرُدُّ مَا اسْتَوْفَاهُ آخِرًا وَصَارَ كَمَا.
لَوْ رَهَنَ بِالْمَهْرِ أَوْ بِبَدَلِ الْخُلْعِ، ثُمَّ اسْتَوْفَى الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ يَرُدُّ مَا قَبَضَ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْمَهْرِ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ وُجُوبِ الدَّيْنِ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَهُوَ النِّكَاحُ وَالْخُلْعُ فَكَذَا هَذَا كُلُّهُ إذَا اخْتَارَ الْفِدَاءَ أَوْ الدَّفْعَ، فَإِنْ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْفِدَاءَ وَالْآخَرُ الدَّفْعَ فَالْفِدَاءُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الَّذِي اخْتَارَ الدَّفْعَ مُتَعَنِّتٌ فِيهِ أَمَّا الرَّاهِنُ فَلِأَنَّ فِي الدَّفْعِ إبْطَالَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْحَبْسِ وَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ الْعَبْدِ وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ الْفِدَاءِ إلَى خَلَفٍ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ
стр. 2840
فَكَانَ الْفِدَاءُ لَهُ أَنْفَعَ مِنْ الدَّفْعِ وَالْمُرْتَهِنُ بِالدَّفْعِ قَصَدَ إلْحَاقَ الضَّرَرِ بِالرَّاهِنِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ لَهُ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ يَسْقُطُ فِي الْحَالَيْنِ، وَفِي الدَّفْعِ إزَالَةُ مِلْكِ الرَّاهِنِ، وَفِي الْفِدَاءِ إبْقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ فَكَانَ مُتَعَنِّتًا وَلَا عِبْرَةَ لِاخْتِيَارِ الْمُتَعَنِّتِ، هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفَيْنِ وَالدَّيْنُ أَلْفٌ، فَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَالْفِدَاءُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَنِصْفُهُ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ فَيُقَدَّرُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَتُقَدَّرُ الْأَمَانَةُ عَلَى الرَّاهِنِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ، فَإِنْ فَدَاهُ الرَّاهِنُ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ إنْ كَانَ الرَّاهِنُ حَاضِرًا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِنِصْفِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا لَا يَرْجِعُ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنًا عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ فِيهِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ يُجْبَرُ عَلَى فِدَاءِ النِّصْفِ مَتَى أَجَازَ الْمُرْتَهِنُ الْفِدَاءَ وَلَا يَصْلُحُ مِلْكُهُ وَلَا يَحْيَى حَقُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِي الْعَبْدِ وَلَا حَقَّ لَهُ فِي نِصْفِ الْأَمَانَةِ وَلَا كَذَلِكَ الرَّاهِنُ وَلَهُ أَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ فِي نِصْفِ الْأَمَانَةِ حَقَّ الْحَبْسِ وَالْإِمْسَاكِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى إحْيَاءِ حَقِّهِ وَإِصْلَاحِهِ، وَفِي الْفِدَاءِ إحْيَاءُ حَقِّهِ مِنْ وَجْهٍ، فَإِنَّهُ يَصِلُ إلَى حَقِّهِ بِإِمْسَاكِهِ فَيَكُونُ مُحْتَاجًا إلَى الْفِدَاءِ فَلَا يُوصَفُ بِالتَّبَرُّعِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفِدَاءِ، وَلَوْ فَدَاهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ غَائِبٌ لَمْ يَكُنْ مُتَطَوِّعًا اتِّفَاقًا وَخَرَجَ عَنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ يُصْلِحُ مِلْكَ نَفْسِهِ وَيُحْيِي حَقَّهُ.
وَالْمَالِكُ فِي إصْلَاحِ مِلْكِهِ لَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُؤَدِّيَ نِصْفَ الْفِدَاءِ، وَلَوْ دَفَعَهُ الرَّاهِنُ فَلِلْمُرْتَهِنِ إنْ حَضَرَ أَنْ يُبْطِلَ دَفْعَهُ وَيَفْدِيَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالدَّفْعِ لِمَا بَيَّنَّا.
وَإِذَا رَهَنَ عَبْدًا قِيمَتُهُ أَلْفٌ بِأَلْفٍ فَفَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ فَدَفَعَ بِهِ وَأَخَذَ الْأَعْمَى فَهُوَ رَهْنٌ بِأَلْفٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَدْفَعُ الْعَبْدَ بِجِنَايَتِهِ وَالْعَبْدُ الْمَدْفُوعُ يُقَوَّم صَحِيحًا وَأَعْمَى فَيَبْطُلُ مِنْ الرَّهْنِ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ كَانَ ثُلُثَانِ فَيَبْطُلُ ثُلُثَا الدَّيْنِ وَيَصِيرُ الْأَعْمَى رَهْنًا بِمَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ الرَّاهِنُ سَلَّمَهُ لِلْمُرْتَهِنِ بِمَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِمَا بَقِيَ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْجُثَّةَ الْعَمْيَاءَ تَقُومُ مَقَامَ الصَّحِيحَةِ لَحْمًا وَدَمًا، وَكَذَلِكَ تَقُومُ مَقَامَ الْقِيمَةِ لُزُومًا وَحَتْمًا حَتَّى لَا يَكُونَ لِصَاحِبِ الْجُثَّةِ الْعَمْيَاءِ أَنْ يُمْسِكَ الْجُثَّةَ وَيَضْمَنَ النُّقْصَانَ فَيَصِيرَ كَأَنَّ التَّامَّةَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ إلَّا أَنَّهُ اُنْتُقِصَتْ قِيمَتُهُ بِتَرَاجُعِ السِّعْرِ فَيَبْقَى بِجَمِيعِ الدَّيْنِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قِيمَةُ الْجُثَّةِ الْعَمْيَاءِ لَا تَقُومُ مَقَامَ الْجُثَّةِ وَالْعَيْنَيْنِ جَمِيعًا وَلَا تَكُونُ بَدَلًا عَنْهُمَا حَتَّى إنَّ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ الْجُثَّةَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ النُّقْصَانِ فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْجَانِي يَكُونُ بَعْضُهُ بِإِزَاءِ الْجُثَّةِ وَبَعْضُهُ بِإِزَاءِ الْعَيْنَيْنِ فَمَا كَانَ بِإِزَاءِ الْعَيْنَيْنِ فَاتَ لَا إلَى بَدَلٍ وَمَا كَانَ بِإِزَاءِ الْجُثَّةِ فَاتَ إلَى بَدَلِهِ فَسَقَطَ مَا كَانَ بِإِزَاءِ الْعَيْنَيْنِ وَيَبْقَى مَا كَانَ بِإِزَاءِ الْجُثَّةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَذَلِكَ الْقِيمَةُ بِإِزَاءِ الْجُثَّةِ وَالْعَيْنَيْنِ مَتَى اخْتَارَ الْمَفْقُوءُ عَيْنَيْهِ إمْسَاكَ الْجُثَّةِ وَتَضْمِينَ النُّقْصَانِ.
فَأَمَّا إذَا اخْتَارَ دَفْعَ الْجُثَّةِ وَأَخْذَ الْجَانِيَ فَالْجَانِي كُلُّهُ يَكُونُ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنَيْنِ لَا عَنْ الْجُثَّةِ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ إنَّمَا وَجَبَ دَفْعُهُ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْفَائِتِ بِالْجِنَايَةِ وَالْفَائِتُ بِالْجُثَّةِ الْعَيْنَانِ لَا الْجُثَّةُ وَكَانَ كَمَا لَوْ فَقَأَ عَيْنًا وَاحِدَةً وَأَخَذَ نِصْفَ قِيمَةِ الْمَفْقُوءِ كَانَ الْمَأْخُوذُ بَدَلًا عَنْ الْفَائِتِ فَكَذَا إذَا فَقَأَ الْعَيْنَيْنِ إلَّا أَنَّ بَدَلَ الْعَيْنَيْنِ بَدَلُ جَمِيعِ الرَّقَبَةِ كَمَا فِي الْحُرِّ وَالْأَصْلُ إنْ تَوَفَّرَ عَلَى الْمَالِكِ بَدَلُ مِلْكِهِ، فَإِنَّهُ يُزَالُ الْمُبْدَلُ عَنْ مِلْكِهِ حَتَّى لَا يَجْتَمِعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إزَالَةُ الْعَيْنِ عَنْ مِلْكِ الْمَفْقُوءَةِ لِفَوَاتِهَا عَنْ مِلْكِهِ فَجَعَلْنَا الْجُثَّةَ قَائِمَةً مَقَامَ الْعَيْنَيْنِ وَالْمَدْفُوعُ كَانَ بِإِزَاءِ الْعَيْنَيْنِ فَصَارَ الرَّهْنُ فَائِتًا إلَى خَلَفٍ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ قِيمَةً فَيَبْقَى بِجَمِيعِ الدَّيْنِ عَبْدُ الرَّهْنِ أَتْلَفَ مَتَاعًا لِرَجُلٍ يُبَاعُ فِيهِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْءٌ فَهُوَ رَهْنٌ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ بَعْضِ الرَّهْنِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ كَأَرْشِ طَرَفِهِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ فَهُوَ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ بِالْبَيْعِ صَارَ كَالْهَالِكِ فِي حَقِّهِ فَصَارَ مُسْتَوْفِيًا وَمُتَمَلِّكًا لَهُ فَيَكُونُ الثَّمَنُ بَدَلَ مِلْكِهِ فَيَكُونُ لَهُ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِمَسَائِلِ جِنَايَةِ الرَّهْن بِالْحَفْرِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ رَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفٍ فَحَفَرَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ، ثُمَّ افْتَكَّ الرَّهْنَ وَأَخَذَ الْعَبْدَ فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ وَقَعَ فِيهَا دَابَّةٌ، ثُمَّ دَابَّةٌ أَوْ وَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ، ثُمَّ إنْسَانٌ أَوْ وَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ، ثُمَّ دَابَّةٌ، فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا دَابَّةٌ وَتَلِفَتْ وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفًا فَالْعَبْدُ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ أَتْلَفَ الدَّابَّةَ بِالْحَفْرِ وَالْعَبْدُ إذَا أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ يُقَالُ لِمَوْلَاهُ إمَّا أَنْ تَبِيعَ الْعَبْدَ أَوْ تَقْضِيَ دَيْنَهُ.
فَإِنْ بَاعَ الْعَبْدَ بِأَلْفٍ وَأَخَذَهَا صَاحِبُ الدَّابَّةِ يَرْجِعُ الرَّاهِنُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِالدَّيْنِ الَّذِي قَضَاهُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ تَلِفَ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ زَالَ عَنْ مِلْكِ الْمَوْلَى بِسَبَبٍ تَحَقَّقَ فِي مِلْكِ الْمُرْتَهِنِ فَيُعْتَبَرُ كَمَا لَوْ زَالَ عَنْ مِلْكِهِ بِالْمَوْتِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَقَدْ اسْتَوْفَى
стр. 2841
دَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَرْجِعُ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ بِمَا قَبَضَهُ بِحَقِيقَةِ الِاسْتِيفَاءِ وَصَارَ كَالْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ إذَا حَفَرَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى مَوْلَاهُ، ثُمَّ تَلِفَ فِي الْبِئْرِ دَابَّةٌ فَالْحُكْمُ كَمَا وَصَفّنَا فَكَذَا هَذَا، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ دَابَّةٌ أُخْرَى قِيمَتُهَا أَلْفٌ شَارَكَ صَاحِبَ الدَّابَّةِ الْأُولَى وَيَأْخُذُ نِصْفَ مَا أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُتْلِفًا الدَّابَّتَيْنِ بِالْحَفْرِ مِنْ وَقْتِ تَسَبَّبَا؛ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ سِوَى الْحَفْرِ فَكَانَ سَبَبُ تَلَفِ الدَّابَّتَيْنِ الْحَفْرَ فَصَارَ مُتْلِفًا الدَّابَّتَيْنِ مَعًا فَصَارَتْ قِيمَتُهُمَا دَيْنًا عَلَى الْعَبْدِ وَلَا يَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَى الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ثَمَنِ الْعَبْدِ وَاكْتِسَابَهُ وَمَا أَخَذَهُ الرَّاهِنُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ لَيْسَ ثَمَنَ الْعَبْدِ وَلَا كَسْبَهُ. وَأَمَّا إذَا أَتْلَفَ فِيهَا إنْسَانٌ فَدَفَعَ الْعَبْدَ بِهِ رَجَعَ الرَّاهِنُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِمَا قَضَاهُ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ تَلِفَ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِهِ فَيَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا الدَّيْنَ مِنْ وَقْتِ الرَّهْنِ اسْتَوْفَى مَرَّةً أُخْرَى قَبْلَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ رَدُّ أَحَدِ الدِّيَتَيْنِ، فَإِنْ تَلِفَ فِيهَا إنْسَانٌ آخَرُ بَعْدَمَا دَفَعَ الْعَبْدَ فَوَلَّى الثَّانِي يُشَارِكُ الْأَوَّلُ فِي الْعَبْدِ لِمَا بَيَّنَّا، فَإِذَا وَقَعَ فِيهَا دَابَّةٌ فَبِيعَ الْعَبْدُ وَصُرِفَ ثَمَنُهُ إلَى صَاحِبِهَا، ثُمَّ وَقَعَ إنْسَانٌ فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُنْقَضَ الْبَيْعُ، ثُمَّ يُدْفَعَ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ثُمَّ يُبَاعَ بِدَيْنِ الْعَبْدِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ إنْ نُقِضَ الْبَيْعُ لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّا لَوْ نَقَضْنَاهُ احْتَجْنَا إلَى إعَادَةِ مِثْلِهِ ثَانِيًا فَيَكُونُ اشْتِغَالًا مِنْ الْقَاضِي بِمَا لَا يُفِيدُ وَالْقَاضِي لَا يَشْتَغِلُ بِمَا لَا يُفِيدُ. وَأَمَّا إذَا وَقَعَ فِيهَا آدَمِيٌّ وَمَاتَ فَدُفِعَ الْعَبْدُ بِالْجِنَايَةِ، ثُمَّ وَقَعَ فِيهَا دَابَّةٌ فَيُقَالُ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ إمَّا أَنْ تَبِيعَ الْعَبْدَ أَوْ تَقْضِيَ الدَّيْنَ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَتَيْنِ اسْتَنَدَتَا إلَى وَقْتِ الْحَفْرِ فَكَأَنَّهُمَا وَقَعَا مَعًا فَيُدْفَعُ الْعَبْدُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ وَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْفِدَاءِ فَكَذَا هَذَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَوَّلًا أَنَّ الْعَبْدَ إذَا جَنَى إمَّا أَنْ تَكُونَ جِنَايَتُهُ عَلَى آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَالِ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ إذَا جَنَى الْعَبْدُ عَلَى آدَمِيٍّ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ فَمَوْلَاهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ دَفَعَهُ بِهَا، وَإِنْ شَاءَ فَدَاهُ بِدَفْعِ أَرْشِهَا وَفَرَّقَ بَيْنَ جِنَايَتِهِ عَلَى آدَمِيٍّ وَجِنَايَتُهُ عَلَى الْمَالِ فَفِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْآدَمِيِّ يُخَيَّرُ الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ، وَفِي جِنَايَتِهِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ يُخَيَّرُ الْمَوْلَى بَيْنَ الْبَيْعِ وَدَفْعِ الثَّمَنِ وَبَيْنَ فِدَائِهِ فَفِي حَفْرِ الْبِئْرِ فِي الطَّرِيقِ مَثَلًا إذَا وَقَعَ فِيهَا دَابَّةٌ مَثَلًا فَتَلِفَتْ فَبَاعَ الْمَوْلَى الْعَبْدَ وَدَفَعَ ثَمَنَهُ فِي الْجِنَايَةِ لِرَبِّ الدَّابَّةِ، ثُمَّ تَلِفَتْ فِيهَا دَابَّةٌ أُخْرَى يَتْبَعُ رَبُّ الدَّابَّةِ الثَّانِيَةِ رَبَّ الدَّابَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَمَّا بَاعَهُ وَدَفَعَ ثَمَنَهُ فَقَدْ فَعَلَ مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَخَرَجَ مِنْ الْعُهْدَةِ فَلَمَّا وَقَعَ الْآدَمِيُّ ثَانِيًا فَقَدْ هَدَرَ دَمُهُ لِتَعَذُّرِ الطَّلَبِ عَلَى الْمَالِكِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْعُهْدَةِ وَثَمَنُهُ قَامَ مَقَامَ مُخَلِّصِ الْعَبْدِ لِلْمُشْتَرِي، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لَمَّا دَفَعَهُ بِعَيْنِهِ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ إنْسَانٌ آخَرُ وَالْعَبْدُ بِعَيْنِهِ بَاقٍ فِي مِلْكِ صَاحِبِ الْجِنَايَةِ الْأُولَى، وَقَدْ تَجَدَّدَ عَلَيْهِ جِنَايَةٌ بِوُقُوعِ الثَّانِي فِيهِ وَتَلِفَ بِسَبَبِ حَفْرِهِ السَّابِقِ، وَقَدْ دَفَعَ بِعَيْنِهِ لِلْأَوَّلِ فَيُخَاطَبُ مَالِكُهُ، وَفِي الْجِنَايَةِ الْأُولَى بِمَا هُوَ الْأَصْلُ مِنْ الدَّافِعِ أَوْ الْفِدَاءِ وَيَتَّجِهُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَتَيْنِ اسْتَنَدَتَا إلَى وَقْتِ الْحَفْرِ إلَى آخِرِهِ هَذَا،.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُهْدَرُ دَمُهُ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَبْسُوطِ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ فِي الْحَفْرِ لَوْ حَفَرَ عَبْدٌ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَأَعْتَقَ فَأُوقِعَ فِيهِ رَجُلٌ فَمَاتَ فَعَلَى الْمَوْلَى قِيمَتُهُ لِجِنَايَتِهِ فِي مِلْكِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا آخَرُ اشْتَرَكَا فِي الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِعْتَاقِ أَتْلَفَ رَقَبَةً وَاحِدَةً فَعَلَيْهِ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ فَهِيَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا الْعَبْدُ نَفْسُهُ فَوَارِثُهُ يُشَارِكُ الْأَوَّلَ فِي مِلْكِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ بَعْدَ الْعِتْقِ ظَهَرَ فِي تِلْكَ الْجِنَايَةِ وَصَارَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَجَانِبِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ دَمَهُ هَدَرٌ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ، ثُمَّ أَعْتَقَ، ثُمَّ وَقَعَ فِيهَا فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ كَجَانٍ عَلَى نَفْسِهِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ عَلَى الْمَوْلَى قِيمَتَهُ لِوَرَثَتِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمَّا عَتَقَ ظَهَرَ مِنْ الْجِنَايَةِ عَبْدَانِ حَفَرَا بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَوَقَعَ فِيهَا عَبْدُ الرَّهْنِ فَدُفِعَا بِهِ، ثُمَّ وَقَعَ أَحَدُهُمَا فِيهَا فَمَاتَ بَطَلَ نِصْفُ الدَّيْنِ وَهَدَرَ دَمُهُ؛ لِأَنَّهُمَا قَامَا مَقَامَ الْعَبْدِ الْأَوَّلِ وَأَخَذَا حُكْمَ الْأَوَّلِ، وَلَوْ وَقَعَ الْعَبْدُ الْأَوَّلُ فِي الْبِئْرِ وَذَهَبَ نِصْفُهُ بِأَنْ ذَهَبَتْ عَيْنُهُ أَوْ شُلَّتْ يَدُهُ وَسَقَطَ نِصْفُ الدَّيْنِ فَكَذَا هَذَا.
قَالَ ﵀ (وَجِنَايَةُ الرَّهْنِ عَلَيْهِمَا وَعَلَى مَالِهِمَا هَدَرٌ) وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ وَجِنَايَتُهُ عَلَى الرَّهْنِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ وَعَلَى مَالِهِ هَدَرٌ وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ أَوْ فِي مَالِهِ هَدَرٌ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الرَّاهِنِ الْمُوجِبَةَ لِلْقِصَاصِ مُعْتَبَرَةٌ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ فِيمَا تُوجِبُهُ وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي النَّفْسِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ مُعْتَبَرَةٌ.
وَمَحِلُّ كَوْنِهَا هَدَرًا فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ حَيْثُ لَا فَضْلَ فِي قِيمَتِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ قَالَ الشَّارِحُ أَطْلَقَ الْجَوَابَ وَالْمُرَادُ جِنَايَةٌ لَا تُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَإِنْ كَانَتْ تُوجِبُهُ مُعْتَبَرَةٌ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَمَّا الْمُرْتَهِنُ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُ
стр. 2842
وَكَذَا الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ كَالْأَجْنَبِيِّ عَنْهُ فِي حَقِّ الدَّمِ إذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ لَا مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ، أَلَا تَرَى أَنَّ إقْرَارَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ بَاطِلٌ وَإِقْرَارَ الْعَبْدِ بِهَا جَائِزٌ، وَالْإِقْرَارُ بِالْمَالِ عَلَى عَكْسِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ صَارَ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ بِخِلَافِ مَا يُوجِبُ الْمَالَ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ مِلْكُ الْمَوْلَى وَيَسْتَحِقُّ الْمُرْتَهِنُ فَلَا فَائِدَةَ فِي اعْتِبَارِهَا إذْ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مُحَالٌ بِخِلَافِ جِنَايَةِ الْمَغْصُوبِ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ حَيْثُ تُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ يَثْبُتُ لِلْغَاصِبِ مُسْتَنَدًا حَتَّى يَكُونَ الْكَفَنُ عَلَى الْغَاصِبِ فَكَانَتْ كَجِنَايَتِهِ عَلَى غَيْرِ مِلْكِهِ فَاعْتُبِرَتْ، وَهَذَا الْحُكْمُ فِيهَا فِيمَا إذَا كَانَتْ جِنَايَةُ الرَّهْنِ مُوجِبَةً لِلدَّيْنِ عَلَى الْعَبْدِ لَا دَفْعِ الرَّقَبَةِ بِأَنْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الْآدَمِيِّ فِي النَّفْسِ خَطَأً أَوْ فِيمَا دُونَهَا فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا إنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَمُعْتَبَرَةٌ؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهَا فَائِدَةَ تَمَلُّكِ رَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَالْمُرْتَهِنُ غَيْرُ مَالِكٍ حَقِيقَةً فَكَانَتْ جِنَايَةُ الْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ جِنَايَةً عَلَى غَيْرِ الْمَالِكِ غَيْرَ أَنَّهَا سَقَطَتْ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي جِنَايَةٍ لَا تُوجِبُ دَفْعَ الْعَبْدِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَهَذِهِ أَفَادَتْ مِلْكَ رَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ يَسْقُطُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَارُ مِلْكَ رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَرُبَّمَا يَكُونُ بَقَاءُ الدَّيْنِ أَنْفَعَ لَهُ فَيَخْتَارُ أَيَّهُمَا شَاءَ.
ثُمَّ إذَا اخْتَارَ أَخَذَهُ وَوَافَقَهُ الرَّاهِنُ عَلَى ذَلِكَ بَطَلَ الرَّهْنُ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ بِهَلَاكِهِ؛ لِأَنَّ دَفْعَهُ بِالْجِنَايَةِ يُوجِبُ هَلَاكَهُ عَلَى الرَّاهِنِ فَيَسْقُطُ بِهِ الدَّيْنُ وَلِهَذَا لَوْ جَنَى عَلَى الْأَجْنَبِيِّ فَدَفَعَ بِهَا سَقَطَ الدَّيْنُ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ بِالْجِنَايَةِ فَهُوَ رَهْنٌ عَلَى حَالِهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ لَوْ اعْتَبَرْنَاهَا لِلْمُرْتَهِنِ كَانَ عَلَيْهِ التَّطْهِيرُ مِنْ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي ضَمَانِهِ فَلَا تُفِيدُ وُجُوبَ الضَّمَانِ مَعَ وُجُوبِ التَّخْلِيصِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ نَظِيرُ الِاخْتِلَافِ فِي الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ، فَإِنَّ جِنَايَتَهُ عَلَى الْغَاصِبِ لَا تُعْتَبَرُ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا تُعْتَبَرُ وَمَا ذَكَرَا مِنْ الْفَائِدَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْعَبْدِ بِالْجِنَايَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاخْتِيَارِ الْمَالِكِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ مُعْتَبَرَةً بِحِسَابِهَا؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ أَمَانَةٌ فَصَارَ كَجِنَايَةِ الْعَبْدِ الْمُودَعِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ عَلَى أَوْلَادِهِمَا مُعْتَبَرَةٌ فَلَوْ جَنَى الرَّهْنُ عَلَى ابْنِ الرَّاهِنِ أَوْ عَلَى ابْنِ الْمُرْتَهِنِ فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الصَّحِيحِ حَتَّى يُدْفَعَ بِهَا أَوْ يُفْدَى، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمَالِ فَيُبَاعُ كَمَا إذَا جَنَى عَلَى الْأَجْنَبِيِّ إذْ هُوَ أَجْنَبِيٌّ كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ هَذَا.
وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِبَقِيَّةِ الْجِنَايَةِ الَّتِي تَكُونُ هَدَرًا أَوْ لِجِنَايَةِ بَعْضِ الرَّهْنِ عَلَى بَعْضٍ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ أَصْلُهُ أَنَّ جِنَايَةَ الْمَشْغُولِ عَلَى الْمَشْغُولِ هَدَرٌ لَكِنْ يَسْقُطُ الدَّيْنُ فِي الْمَجْنِيِّ بِقَدْرِهِ.
وَجِنَايَةُ الْمَشْغُولِ عَلَى الْفَارِغِ وَالْفَارِغُ عَلَى الْفَارِغِ وَجِنَايَةُ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ مُعْتَبَرَةٌ وَيَنْتَقِلُ مَا فِي الْمَشْغُولِ مِنْ الدَّيْنِ إلَى الْفَارِغِ فَيَصِيرُ رَهْنًا مَكَانَهُ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا لِحَقِّ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ كِلَاهُمَا مِلْكُهُ وَاعْتِبَارُ الْجِنَايَةِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ لَا يُفِيدُ إلَّا فِي جِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُعْتَبَرُ لِيَشْتَغِلَ الْجَانِي بِمَا كَانَ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَهُوَ الْحَبْسُ، وَهَذَا ثَابِتٌ قَبْلَ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّ الْجَانِيَ كَانَ مَحْبُوسًا بِالدَّيْنِ الَّذِي كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مَحْبُوسًا بِهِ وَلِهَذَا جِنَايَةُ الْفَارِغِ عَلَى الْفَارِغِ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا شَغْلَ فِيهَا بِحَقِّ الْحَبْسِ، وَإِذَا لَمْ يُفِدْ اعْتِبَارَهَا صَارَ كَأَنَّهُ فَاتَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَإِنَّ جِنَايَةَ الْفَرَاغِ عَلَى الْمَشْغُولِ تُفِيدُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ تَحَوَّلَ إلَيْهِ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَقَامَ مَقَامَهُ ثُمَّ الْمَسَائِلُ عَلَى فُصُولٍ: أَحَدُهَا فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الرَّهْنِ، وَالثَّانِي فِي جِنَايَةِ وَلَدِ الرَّهْنِ، وَالثَّالِثُ فِي جِنَايَةِ الرَّهْنِ الْمُسْتَعَارِ. وَإِذَا ارْتَهَنَ دَابَّتَيْنِ فَأَتْلَفَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدَيْنِ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَتَحَوَّلُ بَيْنَ الْمَقْتُولِ إلَى الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» فَكَانَ قَتْلُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهَا حَتْفَ أَنْفِهَا وَأَمَّا جِنَايَةُ الرَّقِيقِ عَلَى الرَّقِيقِ فَمُعْتَبَرَةٌ حَتَّى يَجِبَ الْقِصَاصُ أَوْ يَجِبَ الدَّفْعُ أَوْ الْفِدَاءُ فَقَامَ الْقَاتِلُ مَقَامَ الْمَقْتُولِ فَيَتَحَوَّلُ دَيْنُ الْمَقْتُولِ إلَى الْقَاتِلِ، ثُمَّ بِأَيِّ قَدْرٍ يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ سَيَأْتِي ارْتَهَنَ عَبْدَيْنِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ ارْتَهَنَهُمَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي صَفْقَتَيْنِ، فَإِنْ ارْتَهَنَهُمَا فِي صَفْقَةٍ بِأَلْفٍ وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَالْبَاقِي رَهْنٌ بِتِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ مَشْغُولٌ وَنِصْفُهُ فَارِغٌ فَالنِّصْفُ الْفَارِغُ مِنْ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ وَبِجِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْفَارِغِ.
وَذَلِكَ كُلُّهُ هَدَرٌ وَالنِّصْفُ مِنْ النِّصْفِ الْمَشْغُولِ تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْمَشْغُولِ عَلَى الْمَشْغُولِ وَذَلِكَ هَدَرٌ فَصَارَ كَأَنَّهُ رَهْنٌ بِسَبْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَلَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ وَلَكِنْ فَقَأَ عَيْنَهُ فَلَا يَخْلُو إمَّا
стр. 2843
أَنْ يَكُونَ فَقَأَ عَيْنَ الْآخَرِ لَا غَيْرُ أَوْ فَقَأَ كُلُّ وَاحِدٍ عَيْنَ الْآخَرِ مُتَعَاقِبًا أَوْ مَعًا، فَإِنْ فَقَأَ أَحَدُهُمَا عَيْنَ الْآخَرِ لَا غَيْرُ كَانَ الْفَاقِئُ رَهْنًا بِسِتِّمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَالْآخَرُ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَلَا يَفْتَكُّهُمَا إلَّا جَمِيعًا أَمَّا الْمَفْقُوءَةُ عَيْنُهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَهْنًا بِخَمْسِمِائَةٍ وَالْفَاقِئُ بِالْفَقْءِ أَتْلَفَ مِنْهُ نِصْفَهُ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مِنْ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ وَنِصْفُهُ فَارِغٌ وَنِصْفُهُ مَشْغُولٌ فَيَبْقَى نِصْفُ الدَّيْنِ بِإِزَاءِ النِّصْفِ الْقَائِمِ وَالْجِنَايَةُ عَلَى النِّصْفِ الْفَارِغِ مِنْ الْعَيْنِ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْفَارِغِ أَوْ بِجِنَايَةِ الْمَشْغُولِ عَلَى الْفَارِغِ، وَهَذَا كُلُّهُ هَدَرٌ وَالْجِنَايَةُ عَلَى نِصْفِ الْمَشْغُولِ هَدَرٌ؛ لِأَنَّ نِصْفَ نِصْفِهِ تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْمَشْغُولِ؛ لِأَنَّ الْفَاقِئَ نِصْفُهُ مَشْغُولٌ وَنِصْفُهُ فَارِغٌ وَجِنَايَةُ الْمَشْغُولِ عَلَى الْمَشْغُولِ هَدَرٌ فَيَسْقُطُ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَذَلِكَ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَالْجِنَايَةُ عَلَى نِصْفِ نِصْفِ الْمَشْغُولِ مُعْتَبَرَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ فَتَحَوَّلَ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ إلَى الْقَاتِلِ وَذَلِكَ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَالْجِنَايَةُ عَلَى نِصْفِ نِصْفِ الْمَشْغُولِ مُعْتَبَرَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ فَتَحَوَّلَ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ إلَى الْقَاتِلِ وَذَلِكَ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَبَقِيَ دَيْنُ الْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ فَكَانَ رَهْنًا وَتَحَوَّلَ مِنْ دَيْنِهِ إلَى الْفَاقِئِ قَدْرَ رُبُعِهِ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَكَانَ الْفَاقِئُ رَهْنًا بِسِتِّمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَسَقَطَ مِنْ دَيْنِ الْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ قَدْرُ رُبُعِهِ وَذَلِكَ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَلَا يَفْتَكُّهُمَا إلَّا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَاحِدٌ، وَلَوْ أَنَّ الْمَفْقُوءَةَ عَيْنُهُ فَقَأَ عَيْنَ الْفَاقِئِ الْأَوَّلِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَاثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ.
وَالْفَاقِئُ الْآخَرُ يَكُونُ رَهْنًا بِأَرْبَعِمِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَرُبُعٍ؛ لِأَنَّ الْفَاقِئَ الْآخَرَ أَتْلَفَ نِصْفَ الْفَاقِئِ الْأَوَّلِ وَبَقِيَ نِصْفُهُ فَيَبْقَى نِصْفُ الدَّيْنِ بِإِزَاءِ نِصْفِ الْبَاقِي وَذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَاثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى النِّصْفِ الْفَارِغِ هَدَرٌ وَعَلَى نِصْفِ نِصْفِ الْمَشْغُولِ أَيْضًا هَدَرٌ يَسْقُطُ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَذَلِكَ رُبُعُهُ وَهُوَ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ وَعَلَى نِصْفِ نِصْفِ الْمَشْغُولِ مُعْتَبَرَةٌ لِمَا مَضَى فَتَحَوَّلَ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ إلَى الْفَاقِئِ الْآخَرِ وَهُوَ رُبُعُهُ ذَلِكَ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ بَقِيَ الْفَاقِئُ الْأَوَّلُ بِأَرْبَعِمِائَةِ وَسِتَّةٍ وَرُبُعٍ، وَلَوْ فَقَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَيْنَ الْآخَرِ بَقِيَ الْفَاقِئُ الْأَوَّلُ رَهْنًا بِثَلَاثِمِائَةٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ وَنِصْفٍ وَصَارَ الْفَاقِئُ الثَّانِي رَهْنًا بِأَرْبَعِمِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَرُبُعٍ، وَلَوْ فَقَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَيْنَ الْآخَرِ مَعًا ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ رُبُعُهُ وَبَقِيَ كُلُّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ خَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْغَرَ لَمَّا فَقَأَ عَيْنَ الْأَكْبَرِ فَقَدْ أَتْلَفَ مِنْهُ نِصْفَهُ فَيَبْقَى نِصْفُ نِصْفِ الدَّيْنِ بِإِزَاءِ النِّصْفِ الْبَاقِي وَالنِّصْفُ التَّالِفُ مِنْ الْأَكْبَرِ نِصْفُهُ فَارِغٌ وَنِصْفُهُ مَشْغُولٌ وَالْجِنَايَةُ عَلَى النِّصْفِ الْفَارِغِ هَدَرٌ وَالْجِنَايَةُ عَلَى نِصْفِ النِّصْفِ الْمَشْغُولِ هَدَرٌ فَسَقَطَ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَذَلِكَ رُبُعُهُ وَالْجِنَايَةُ عَلَى نِصْفِ النِّصْفِ الْمَشْغُولِ مُعْتَبَرَةٌ فَيَتَحَوَّلُ مَا بِإِزَائِهِ إلَى الْأَصْغَرِ وَذَلِكَ رُبُعُهُ وَسَقَطَ مِنْ دَيْنِ الْأَصْغَرِ رُبُعُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى نِصْفِ النِّصْفِ الْمَشْغُولِ هَدَرٌ فَسَقَطَ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ فَالْحَاصِل أَنَّهُ بَقِيَ مِنْ دَيْنِهِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ وَتَحَوَّلَ إلَيْهِ مِنْ دَيْنِ الْأَكْبَرِ رُبُعُهُ فَصَارَ رَهْنًا بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ خَمْسِمِائَةٍ.
وَأَمَّا إذَا ارْتَهَنَ عَبْدَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ بِخَمْسِمِائَةٍ بِصَفْقَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا فَضْلٌ عَنْ الدَّيْنِ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَسْقُطُ مَا فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الدَّفْعِ لِلْمُرْتَهِنِ وَهَدَرَتْ الْجِنَايَةُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا فَضْلٌ يُخَيَّرُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ إنْ شَاءَ جَعَلَا الْقَاتِلَ مَكَانَ الْمَقْتُولِ وَبَطَلَ مَا فِي الْمَقْتُولِ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ أَفْدَيَا الْقَاتِلَ بِقِيمَةِ الْمَقْتُولِ وَغَرِمَ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسَمِائَةٍ فَكَانَتْ الْقِيمَةُ رَهْنًا مَكَانَ الْمَقْتُولِ وَالْقَاتِلُ رَهْنٌ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ كُلَّهُ تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْفَارِغِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ مَتَى تَفَرَّقَتْ فَالْحَقُّ الْمُتَعَلِّقُ بِأَحَدِهِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخَرِ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَارِغًا عَنْ الْآخَرِ وَلِهَذَا لَوْ قَضَى دَيْنَ أَحَدِهِمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَفْتَكَّهُ وَجِنَايَةُ الْمَشْغُولِ عَلَى الْفَارِغِ مُعْتَبَرَةٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ جَنَى أَحَدُهُمَا عَلَى عَبْدٍ لِأَجْنَبِيٍّ يُخَيَّرُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ فَكَذَا هَذَا، وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ غَرِمَ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسَمِائَةٍ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْقَاتِلِ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَعَبْدُهُ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ فَكَانَ الْفِدَاءُ عَلَيْهِمَا اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ، وَإِنْ كَانَ فَقَأَ أَحَدُهُمَا عَيْنَ الْآخَرِ فَقِيلَ لَهُمَا ادْفَعَاهُ أَوْ افْدِيَاهُ بِأَرْشِ عَيْنِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ الْبَعْضِ يُعْتَبَرُ بِإِتْلَافِ الْكُلِّ، وَفِي إتْلَافِ الْكُلِّ يُخَيَّرُ فَكَذَا فِي إتْلَافِ الْبَعْضِ، فَإِنْ دَفَعَهُ بَطَلَ مَا فِيهِ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ فَدَيَاهُ كَانَ الْفِدَاءُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ رَهْنًا مَعَ الْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ، وَلَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ لَا أَفْدِي وَأَدَعُ الرَّهْنَ عَلَى حَالِهِ لَهُ ذَلِكَ وَالْمَفْقُوءَةُ عَيْنُهُ ذَهَبَ نِصْفُ بَاقِيهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ لَا لِحَقِّ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 2844
لَوْ طَلَبَ الْجِنَايَةَ وَدَفَعَ الْجَانِيَ سَقَطَ نِصْفُ الدَّيْنِ، وَلَوْ تَرَكَ الْجِنَايَةَ يَسْقُطُ رُبُعُ الدَّيْنِ فَكَانَ فِي طَلَبِ الْجِنَايَةِ ضَرَرٌ بِالْمُرْتَهِنِ، فَإِذَا رَضِيَ بِإِبْطَالِ حَقِّهِ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْجِنَايَةِ، وَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ أَفْدِيهِ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ لَا أَفْدِيهِ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى الْفِدَاءِ لِيُخَلِّصَ عَبْدَ الرَّهْنِ عَنْ الْجِنَايَةِ، فَإِنْ فَدَاهُ يَكُونُ لَهُ نِصْفُ ذَلِكَ عَمَّا عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي وَيَبْطُلُ فِي حَقِّهِ مِنْ الْعَبْدِ الْجَانِي نِصْفُهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مُضْطَرٌّ إلَى الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ بِالْفِدَاءِ يُحْيِي مِلْكَهُ وَالْإِنْسَانُ فِيمَا يُحْيِي مِلْكَهُ لَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فَيَكُونُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ وَلِلْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَيَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا فَيَصِيرُ مُؤَدِّيًا دَيْنَ الْقَاتِلِ فَيَخْرُجُ الْقَاتِلُ مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ أَبَى الرَّاهِنُ الْفِدَاءَ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ أَفْدِي وَفَدَى يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِيهِ إذَا كَانَ الرَّاهِنُ حَاضِرًا؛ لِأَنَّ بِقَدْرِ الْمَضْمُونِ أَدَّى عَنْ نَفْسِهِ وَبِقَدْرِ الْأَمَانَةِ أَدَّى عَنْ الرَّاهِنِ وَهُوَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَجِيءِ مِلْكِهِ فَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا، وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ غَائِبًا كَانَ عَلَى الرَّاهِنِ نِصْفُ الْفِدَاءِ دَيْنًا قِيلَ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا كَانَ الرَّاهِنُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا لِمَا يَأْتِي.
وَلَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ نَفْسَهُ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ مَاتَ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ هَدَرٌ لِمَا تَبَيَّنَ.
وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ أَمَتَيْنِ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ أَلْفٌ فَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِنْتًا تُسَاوِي أَلْفًا وَالدَّيْنُ أَلْفٌ فَقَتَلَتْ إحْدَى الْبِنْتَيْنِ صَاحِبَتَهَا لَمْ يَبْطُلْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ وَالْبَاقِي رَهْنٌ بِأَلْفٍ كُلُّهَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمْ يَنْقَسِمْ عَلَيْهِمَا وَعَلَى وَلَدَيْهِمَا أَرْبَاعًا عَلَى سَبِيلِ التَّرَقُّبِ وَالِانْتِظَارِ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ فَصَارَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ فَارِغَةً وَرُبُعُهَا مَشْغُولٌ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِثْلَ الدَّيْنِ وَالْمَقْتُولَةُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا فَارِغَةٌ وَرُبُعُهَا مَشْغُولٌ وَالْجِنَايَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهَا هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْفَارِغِ وَبِجِنَايَةِ الْمَشْغُولِ عَلَى الْفَارِغِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَلَكِنْ يَلْحَقُ بَاقِيهَا؛ لِأَنَّ بِفَوَاتِ الدَّيْنِ يَتَحَوَّلُ مَا فِيهِ مِنْ الدَّيْنِ إلَى الْأُمِّ وَالْجِنَايَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعٍ رُبُعُ الْمَشْغُولِ مُعْتَبَرَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ فَتَحَوَّلَ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ إلَى الْقَاتِلَةِ فَصَارَتْ الْقَاتِلَةُ رَهْنًا بِسَبْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَأَمَّا الْقَاتِلَةُ كَانَتْ رَهْنًا بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَذَلِكَ كُلُّهُ أَلْفٌ، فَإِنْ مَاتَتْ أُمُّ الْمَقْتُولَةِ بَقِيَتْ الْقَاتِلَةُ وَأُمُّهَا بِسَبْعِمِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَثَمَانِينَ وَنِصْفٍ لِحَقِّهَا مِنْ الْجِنَايَةِ وَافْتَكَّهَا بِذَلِكَ أَمَةً مَرْهُونَةً بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهَا أَلْفٌ فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا فَجَنَى الْوَلَدُ فَدَفَعَ بِهَا لَمْ يَبْطُلْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ الْهَلَاكِ، وَلَوْ هَلَكَ الْوَلَدُ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ فَكَذَا هَذَا.
وَإِنْ فَقَأَتْ الْأُمُّ عَيْنَيْ الْبِنْتِ فَدُفِعَتْ الْأُمُّ وَأُخِذَتْ الْبِنْتُ فَهِيَ رَهْنٌ بِأَلْفٍ كَامِلَةٍ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ إنْ مَاتَتْ مَاتَتْ بِجَمِيعِ الْأَلْفِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ نُقْصَانِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ فِي الْجُثَّةِ الْعَمْيَاءِ إذَا اخْتَارَ مَوْلَى الْفَاقِئِ الدَّفْعَ وَأَخَذَ الْجُثَّةَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِمَوْلَى الْمَفْقُوءَةِ إمْسَاكُ الْجُثَّةِ وَيَضْمَنُ النُّقْصَانَ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا اخْتَارَ مَوْلَى الْمَفْقُوءَةِ دَفْعَ الْجُثَّةِ وَأَخَذَ الْفَاقِئَ فَالرَّهْنُ كُلُّهُ فَاتَ إلَى خَلَفٍ فَيَقُومُ الْخَلَفُ مَقَامَهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لِمَوْلَى الْمَفْقُوءَةِ إمْسَاكُ الْجُثَّةِ وَيَضْمَنُ النُّقْصَانَ وَكَانَ الْفَاقِئُ بَدَلًا عَنْ الْجُثَّةِ وَعَنْ الْعَيْنَيْنِ جَمِيعًا فَمَا بِإِزَاءِ الْعَيْنَيْنِ مِنْ الرَّهْنِ قَدْ بَطَلَ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَيْنِ لَمْ تَصِرْ مِلْكًا لِلرَّاهِنِ وَلَا وَصَلَ إلَى الْمُرْتَهِنِ فَكَانَ الرَّهْنُ بِقَدْرِ الْجُثَّةِ فَائِتًا بِخَلَفٍ فَيَكُونُ رَهْنًا بِهِ.
فَإِنْ فَقَأَتْ الْأُمُّ بَعْدَ ذَلِكَ عَيْنَيْ الْبِنْتِ فَدُفِعَتْ وَأُخِذَتْ الْأُمُّ عَمْيَاءَ فَفِي الْقِيَاسِ تَكُونُ رَهْنًا بِجَمِيعِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْبِنْتَ قَامَتْ مَقَامَ الْأُمِّ بِالدَّفْعِ كَمَا قَامَتْ الْأُمُّ مَقَامَ الْبِنْتِ بِالدَّفْعِ فِي جَمِيعِ الرَّهْنِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَعُودُ الرَّهْن الْأَوَّلُ عَلَى حَالِهِ وَيَذْهَبُ مِنْهُ بِحِسَابِ مَا نَقَصَ مِنْ الْعَيْنَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ كَانَتْ أَصْلًا فِي الرَّهْنِ وَالْبِنْتُ جُعِلَتْ بَدَلًا عَنْهَا وَتَبَعًا لَهَا، فَإِذَا دُفِعَتْ الْأُمُّ بِالْبِنْتِ فَقَدْ وَقَعَتْ الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ الْإِيفَاءُ، وَلَمْ يُوجَدُ الْإِيفَاءُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْبَدَلِ فَبَقِيَتْ الْأُمُّ أَصْلًا فِي الرَّهْنِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الدَّفْعِ لَا بَدَلًا عَنْ الْبِنْتِ فَكَانَتْ أَصْلًا.
وَلَوْ ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِ الْعَمْيَاءِ فَكَذَا هَذَا وَلِأَنَّ الْبِنْتَ لَمَّا جُعِلَتْ بَدَلًا وَتَبَعًا لِلْأُمِّ فِي الرَّهْنِ فَلَوْ قَامَتْ الْأُمُّ مَقَامَ الْبِنْتِ يَكُونُ فِي هَذَا الْمَتْبُوع تَبَعًا لِتَبَعِيَّتِهِ، وَهَذَا خِلَافُ مَوْضُوعِ الشَّرْعِ فَلَا تَقُومُ الْأُمُّ مَقَامَ الْبِنْتِ بَلْ تَبْقَى أَصْلًا وَتَبْقَى رَهْنًا كَمَا كَانَتْ.
رَهَنَ أَمَةً تُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ فَوَلَدَتْ وَلَدَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ يُسَاوِي أَلْفًا فَجَنَى أَحَدُهُمَا فَدُفِعَ، ثُمَّ فَقَأَتْ الْأُمُّ عَيْنَهُ فَدُفِعَتْ الْأُمُّ وَأُخِذَ الْوَلَدُ مَكَانَهَا فَالْوَلَدَانِ بِأَلْفٍ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الِابْنَ الْأَعْمَى يَقُومُ
стр. 2845
مَقَامَ الْأُمِّ وَالْأُمُّ مَعَ الِابْنِ الصَّحِيحِ كَأَنَّهَا رَهْنًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ الِابْنَانِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَسْقُطُ مَعَ الدَّيْنِ بِقَدْرِ نُقْصَانِ الْأَعْمَى، فَإِنْ مَاتَ الْأَعْمَى ذَهَبَ نِصْفُ الدَّيْنِ، فَإِنْ جَنَى الْوَلَدُ الْبَاقِي عَلَى الْأُمِّ فَدُفِعَ وَأُخِذَ عَادَ الرَّهْنُ إلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ وَذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِ مَا ذَهَبَ مِنْ الْأُمِّ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ يَكُونُ بِمَا كَانَ مِنْ الْوَلَدِ لِمَا بَيَّنَّا.
رَهَنَ أَمَتَيْنِ تُسَاوِي كُلُّ وَاحِدَةٍ أَلْفًا فَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ إنَّ أَحَدَ الْوَلَدَيْنِ قَتَلَ أُمَّهُ لَمْ يَلْحَقْهُ مِنْ الْجِنَايَةِ شَيْءٌ وَكَانَ رَهْنًا بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَذَهَبَتْ الْأُمُّ بِمَا فِيهَا مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ وَلَدِ الرَّهْنِ عَلَى الْأُمِّ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْأُمِّ، وَفِي حَقِّ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا صَارَ رَهْنًا تَبَعًا لِلْأُمِّ فَصَارَ كَسَائِرِ أَطْرَافِهَا وَجِنَايَتُهَا عَلَى طَرَفِهَا هَدَرٌ فَسَقَطَ مَا فِيهَا فَكَذَا هَذَا، وَلَوْ أَنَّ الْأُمَّ قَتَلَتْ وَلَدَهَا عَادَ نَصِيبُهُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهَا عَلَى وَلَدِهَا إنْ كَانَتْ مُهْدَرَةً صَارَ كَأَنَّ الْوَلَدَ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ وَيَخْلُفُ مَا فِيهِ إلَى أُمِّهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكِنَّ أَحَدَ الْوَلَدَيْنِ قَتَلَ الْوَلَدَ الْآخَرَ كَانَتْ أُمُّ الْمَقْتُولِ وَثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الْقَاتِلِ رَهْنًا بِخَمْسِمِائَةٍ وَخَمْسَةُ أَثْمَانِ الْقَاتِلِ وَأُمُّهُ رَهْنٌ بِخَمْسِمِائَةٍ قَالَ وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ ثَمَنَ الْقَاتِلِ وَنِصْفَ ثَمَنِهِ مَعَ أُمِّ الْمَقْتُولِ رَهْنًا بِخَمْسِمِائَةٍ وَسِتَّةُ أَثْمَانِ الْقَاتِلِ وَنِصْفُ أُمِّ الْقَاتِلِ بِخَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ انْقَسَمَ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا لِاسْتِوَاءِ قِيمَتِهِمْ فَصَارَ بِإِزَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَقْتُولِ فَارِغٌ عَنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ أَلْفٌ وَرُبُعُهُ مَشْغُولٌ وَالْقَاتِلُ كَذَلِكَ وَالْجِنَايَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْفَارِغِ هَدَرٌ وَالْجِنَايَةُ عَلَى رُبُعِ الرُّبُعِ الْمَشْغُولِ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْمَشْغُولِ عَلَى الْمَشْغُولِ فَيَتَحَوَّلُ مَا بِإِزَائِهِ إلَى أُمِّ الْمَقْتُولِ وَذَلِكَ اثْنَانِ وَسِتُّونَ وَنِصْفٌ وَالْجِنَايَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ هَذَا الرُّبُعِ مُعْتَبَرَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ فَيَتَحَوَّلُ مَا بِإِزَائِهِ إلَى الْقَاتِلِ وَذَلِكَ مِائَةٌ وَسَبْعَةٌ وَثَمَانُونَ وَنِصْفٌ وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ فَصَارَ مَا فِي الْمَقْتُولِ وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ فَصَارَ الْأَلْفُ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ، وَقَدْ تَحَوَّلَ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا إلَى الْقَاتِلِ وَثَلَاثَةٌ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ يَكُونُ ثَمَنَهُ وَنِصْفَ ثَمَنِهِ وَالْبَاقِي سِتَّةُ أَثْمَانٍ وَنِصْفُ ثَمَنِهِ، فَإِنْ مَاتَ الْقَاتِلُ لَمْ يَسْقُطْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ بِهَلَاكِ وَلَدِ الرَّهْنِ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ، فَإِنْ لَمْ يَمُتْ وَمَاتَتْ أُمُّهُ ذَهَبَ رُبُعُ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِإِزَائِهَا رُبُعُ الدَّيْنِ، وَلَوْ لَمْ تَمُتْ أُمُّهُ وَلَكِنْ مَاتَتْ أُمُّ الْمَقْتُولِ ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ خَمْسَةُ أَثْمَانِ خَمْسِمِائَةٍ أَرْبَعَةُ أَثْمَانِهَا دَيْنُ نَفْسِهَا وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ وَثَمَنُهَا سَبَبُ الْجِنَايَةِ وَعَلَى وَلَدِهَا وَبَقِيَ الْقَاتِلُ رَهْنًا بِسَبْعَةِ أَثْمَانِ خَمْسِمِائَةٍ أَرْبَعَةُ أَثْمَانٍ دَيْنُ نَفْسِهَا وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ وَثَلَاثَةُ أَثْمَانِ تَحَوَّلَ إلَيْهِ مِنْ دَيْنِ الْمَقْتُولِ وَذَلِكَ مِائَةٌ وَسَبْعَةٌ وَثَمَانُونَ وَنِصْفٌ وَخَمْسُونَ وَمِائَتَانِ فِي عِتْقِ أُمِّهِ فَيَفْتَكُّهُمْ بِهِ الرَّاهِنُ.
رَهَنَ عَبْدًا وَأَمَةً بِأَلْفٍ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ أَلْفٌ وَلَدَتْ الْجَارِيَةُ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا فَجَنَى الْوَلَدُ وَدُفِعَ بِهِ، ثُمَّ فَقَأَ الْوَلَدُ عَيْنَيْ الْعَبْدِ وَأَخَذَ مَكَانَهُ فَيَكُونُ مَعَ الْأُمِّ رَهْنًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ قَامَ مَقَامَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ الرَّهْنُ، فَإِنْ نَكَلَهُ وَأَخْلَفَ بَدَلًا؛ لِأَنَّهُ فَاتَ الْعَبْدَ وَأَخَذَ بِإِزَائِهِ بَدَلًا صَحِيحَ الْعَيْنَيْنِ فَقَدْ فَاتَ كُلَّ الرَّهْنِ إلَى خَلَفٍ فَيَقُومُ مَقَامَ الْأَصْلِ فِي الرَّهْنِ، فَإِنْ قَتَلَ الْوَلَدُ أُمَّهُ أَوْ الْأُمُّ الْوَلَدَ فَالْقَاتِلُ رَهْنٌ بِسَبْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَهْنٌ بِخَمْسِمِائَةٍ فَيَكُونُ نِصْفُهُ فَارِغًا وَنِصْفُهُ مَشْغُولًا وَالْجِنَايَةُ عَلَى النِّصْفِ الْفَارِغِ وَعَلَى نِصْفِ النِّصْفِ الْمَشْغُولِ هَدَرٌ فَسَقَطَ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ وَالْجِنَايَةُ عَلَى نِصْفِ النِّصْفِ الْمَشْغُولِ مُعْتَبَرَةٌ فَيَتَحَوَّلُ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ إلَى الْقَاتِلِ فَيَصِيرُ الْقَاتِلُ أَيَّهُمَا كَانَ رَهْنًا بِسَبْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَلَوْ جَاءَ الْعَبْدُ الْأَعْمَى فَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَدُفِعَ بِهِ كَانَ رَهْنًا بِسَبْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَهَذَا قِيَاسٌ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ نُقْصَانِ الْعَيْنَيْنِ، وَقَدْ مَرَّ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَإِذَا اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلَيْنِ عَبْدَيْنِ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ أَلْفٌ فَرَهَنَهُمَا بِأَلْفٍ فَفَقَأَ أَحَدُهُمَا عَيْنَ الْآخَرِ، ثُمَّ الْمَفْقُوءَةُ عَيْنُهُ فَقَأَ عَيْنَ الْفَاقِئِ فَهُنَا أَحْكَامٌ ثَلَاثَةٌ حُكْمٌ بَيْنَ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُرْتَهِنِ وَحُكْمٌ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُعِيرَيْنِ وَحُكْمٌ فِيمَا بَيْنَ الْمُعِيرَيْنِ. أَمَّا الْحُكْمُ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُرْتَهِنِ فَنَقُولُ إنَّ كُلَّ عَبْدٍ نِصْفُهُ فَارِغٌ وَنِصْفُهُ مَشْغُولٌ فَلَمَّا فَقَأَ عَيْنَ الْأَكْبَرِ الْأَصْغَرِ فَقَدْ أَتْلَفَ نِصْفَهُ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مِنْ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ فَالْجِنَايَةُ عَلَى النِّصْفِ الْفَارِغِ وَعَلَى النِّصْفِ الْمَشْغُولِ هَدَرٌ لِمَا بَيَّنَّا فَسَقَطَ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَذَلِكَ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَالْجِنَايَةُ عَلَى نِصْفِ النِّصْفِ الْمَشْغُولِ مُعْتَبَرَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ فَيَتَحَوَّلُ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ إلَى الْقَاتِلِ وَذَلِكَ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَبَقِيَ الْأَصْغَرُ رَهْنًا بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ فَصَارَ الْأَكْبَرُ رَهْنًا بِسِتِّمِائَةٍ
стр. 2846
وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ثُمَّ لَمَّا فَقَأَ الْأَصْغَرُ عَيْنَ الْأَكْبَرِ فَقَدْ أَتْلَفَ نِصْفَ الْأَكْبَرِ وَبِإِزَاءِ نِصْفِهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَاثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ فَسَقَطَ نِصْفُ ذَلِكَ وَذَلِكَ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ وَرُبُعٌ وَيَتَحَوَّلُ نِصْفُ الْآخَرِ وَذَلِكَ رُبُعُ الْأَصْغَرِ فَبَقِيَ الْأَكْبَرُ رَهْنًا بِثَلَاثِمِائَةٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ وَنِصْفٍ وَصَارَ الْأَصْغَرُ رَهْنًا بِأَرْبَعِمِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَرُبُعٍ فَيَكُونُ جُمْلَةُ ذَلِكَ سَبْعَمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَةَ أَرْبَاعٍ وَسَقَطَ مِائَتَانِ وَوَاحِدٌ وَثَمَانُونَ وَرُبُعٌ. وَأَمَّا الْحُكْمُ فِيمَا بَيْنَ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ فَالْمُسْتَعِيرُ يَفْتَكُّ الْعَبْدَ بِسَبْعِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ أَيْضًا لِوَلِيِّ الْعَبْدِ الْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ أَوَّلًا مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَلِوَلِيِّ الْعَبْدِ الْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ آخِرًا مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ وَرُبُعٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْلَيَيْنِ صَارَ قَاضِيًا دَيْنَهُ مِنْ عَبْدِهِ هَذَا الْقَدْرَ وَأَمَّا الْحُكْمُ فِيمَا بَيْنَ الْمُعِيرَيْنِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَوْلَى الْعَبْدِ الْأَكْبَرِ ادْفَعْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ عَبْدِكَ إلَى الثَّانِي وَافْدِهِ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ أَرْشِ الْفَاقِئِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ رُبُعُ أَرْشِ الْعَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَعِيرِ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَذَلِكَ رُبُعُ أَرْشِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ خَمْسُمِائَةٍ مَتَى كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفًا، وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ أَرْشِ الْعَيْنِ، فَإِنْ فَدَى يُقَالُ لِمَوْلَى الْأَصْغَرِ ادْفَعْ مِنْ عَبْدِك ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِهِ وَثَلَاثَةَ أَثْمَانِ خُمُسِهِ وَنِصْفُ ثُمُنِ خُمُسِهِ أَوْ افْدِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنْ أَرْشِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى مَوْلَى الْأَكْبَرِ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَعِيرِ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ وَرُبُعُ أَرْشِ الْعَيْنِ وَأَرْبَعَةُ أَثْمَانِ أَخْمَاسِهِ وَنِصْفُ ثُمُنِ خُمُسٍ، فَإِذَا دَفَعَ أَوْ فَدَى فَقَدْ بَرِئَ حَيٌّ مِنْ حَيٍّ فَظَهَرَ كُلُّ عَبْدَيْنِ بِجِنَايَتَيْنِ وَعُشْرٍ وَلَا يَرْجِعُ وَاحِدٌ عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ رَهَنَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ وَرَجَعَتْ قِيمَتُهُ إلَى مِائَةٍ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ خَطَأً وَغَرِمَ مِائَةً وَحَلَّ الْأَجَلُ فَالْمُرْتَهِنُ يَقْبِضُ الْمِائَةَ قَضَاءً لِحَقِّهِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ) أَصْلُهُ أَنَّ النُّقْصَانَ مِنْ حَيْثُ السِّعْرُ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الدَّيْنِ عِنْدَنَا، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَهُوَ يَقُولُ إنَّ الْمَالِيَّةَ قَدْ انْتَقَصَتْ فَأَشْبَهَ انْتِقَاصَ الْعَيْنِ وَلَنَا أَنَّ نُقْصَانَ السِّعْرِ عِبَارَةٌ عَنْ فُتُورِ رَغَبَاتِ النَّاسِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْمَبِيعِ حَتَّى إذَا حَصَلَ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، وَلَوْ حَصَلَ فِي الْغَصْبِ لَا يُوجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانَ مَا نَقَصَ بِالسِّعْرِ عِنْدَ رَدِّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ بِخِلَافِ نُقْصَانِ الْعَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِذَا قَتَلَهُ حُرٌّ غَرِمَ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْإِتْلَافِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تُعْتَبَرُ يَوْمَ الْإِتْلَافِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى اسْتَحَقَّهُ بِسَبَبِ الْمَالِيَّةِ بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِيَّةِ فَكَذَا فِيمَا قَامَ مَقَامَهُ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ يَدَ الرَّاهِنِ يَدُ اسْتِيفَاءٍ مِنْ الِابْتِدَاءِ أَوْ يَقُولَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُسْتَوْفِيًا لِلْأَلْفِ بِمِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا فَيَصِيرَ مُسْتَوْفِيًا الْمِائَةَ وَبَقِيَ تِسْعُمِائَةٍ فِي الْعَيْنِ، فَإِذَا هَلَكَتْ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِتِسْعِمِائَةٍ بِالْهَلَاكِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ قَتْلِ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِلْكُلِّ بِالْعَبْدِ وَلَا يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ مُسْتَوْفِيًا لِلْأَلْفِ بِمِائَةٍ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا فَجَعَلْنَاهُ مُسْتَوْفِيًا تِسْعَمِائَةٍ بِالْعَبْدِ الْهَالِكِ وَهُوَ الْمَقْتُولُ وَالْمِائَةُ بِالْمِائَةِ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ بَاعَهُ بِمِائَةٍ بِأَمْرِهِ قَبَضَ الْمِائَةَ قَضَاءً مِنْ حَقِّهِ وَرَجَعَ بِتِسْعِمِائَةٍ) أَيْ لَوْ بَاعَ الْمُرْتَهِنُ الْعَبْدَ الَّذِي يُسَاوِي أَلْفًا بِمِائَةٍ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ وَكَانَ رَهْنًا بِأَلْفٍ قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ تِلْكَ الْمِائَةَ الَّتِي هِيَ الثَّمَنُ قَضَاءً لِحَقِّهِ وَرَجَعَ عَلَى الرَّاهِنِ بِتِسْعِمِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَاعَهُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ صَارَ كَأَنَّ الرَّهْنَ اسْتَرَدَّهُ وَبَاعَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ بَطَلَ الرَّهْنُ وَبَقِيَ الدَّيْنُ إلَّا بِقَدْرِ مَا اسْتَوْفَاهُ فَكَذَا هُنَا هَذَا فِيمَا إذَا نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِتَغْيِيرِ السِّعْرِ فَجَنَى عَلَيْهِ. وَأَمَّا إذَا زَادَ ثُلُثُ قِيمَتِهِ بِتَغْيِيرِ السِّعْرِ فَجَنَى عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ أَوْ جَنَى الْمَرْهُونَةُ وَلَدُهَا أَوْ اعْوَرَّ الْمَرْهُونُ أَوْ زَالَ عَوَرُهُ فَجَنَى عَلَيْهِ فَنَذْكُرُ ذَلِكَ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ عَبْدٌ مَرْهُونٌ صَارَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَيْنِ فَصَارَ كَمَا لَوْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ يَضْمَنُ أَلْفَيْنِ فَكَذَا هَذَا، فَإِنْ أَدَّى أَلْفًا وَتَوِيَ أَلْفٌ كَانَ الْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِهَا؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ الْأَصْلِيَّةَ كَانَتْ أَلْفًا، ثُمَّ زَادَتْ أَلْفًا أُخْرَى فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَلْفُ الزَّائِدَةُ تَبَعًا لِلْأَلْفِ الْأَصْلِيَّةِ حَيْثُ وُجِدَتْ بِسَبَبِ وُجُودِهَا، فَإِذَا وَرَدَ الْهَلَاكُ يُصْرَفُ إلَى التَّابِعِ لَا إلَى الْأَصْلِ وَالتَّابِعُ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ فِيهِ إلْحَاقَ التَّابِعِ بِالْأَصْلِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ إلَى الْأَصْلِ دُونَ التَّابِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيفَاءُ التَّابِعِ دُونَ الْأَصْلِ وَلِأَنَّ فِيهِ تَرْجِيحَ التَّابِعِ عَلَى الْأَصْلِ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فَصَرَفْنَا الْهَلَاكَ إلَى التَّابِعِ ضَرُورَةً تَحْقِيقًا لِلتَّبَعِيَّةِ كَمَا فِي الْمُضَارَبَةِ يُصْرَفُ الْهَلَاكُ إلَى الرِّبْحِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ فِي الْأَصْلِ أَلْفَيْنِ فَمَا يَخْرُجُ مِنْ قِيمَتِهِ بَيْنَ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ نِصْفَيْنِ وَمَا تَوِيَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلٌ بِنَفْسِهِ فَمَا تَوِيَ يَتْوَى عَلَى الْحَقَّيْنِ وَمَا
стр. 2847
يَخْرُجُ يَخْرُجُ عَلَى الْحَقَّيْنِ.
عَبْدٌ مَرْهُونٌ بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ فَقَتَلَهُ عَبْدَانِ فَدُفِعَا بِهِ فَهُمَا جَمِيعًا رَهْنٌ بِأَلْفٍ؛ لِأَنَّهُمَا قَامَا مَقَامَ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ حُكْمُهُمَا كَالْأَوَّلِ فَتَكُونُ جِنَايَةُ أَحَدِهِمَا إلَى صَاحِبِهِ كَجِنَايَةِ الْأَوَّلِ عَلَى نَفْسِهِ وَذَلِكَ هَدَرٌ وَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَيُجْعَلُ التَّالِفُ كَالتَّالِفِ بِلَا جِنَايَةٍ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ.
عَبْدَانِ رُهِنَا بِأَلْفٍ يُسَاوِي كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسَمِائَةٍ فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ يُسَاوِي أَلْفًا، ثُمَّ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ كَانَ الْبَاقِي رَهْنًا وَبِسَبْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ فَارِغٌ وَنِصْفُهُ مَشْغُولٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفًا يَوْمَ الِارْتِهَانِ يَصِيرُ الْقَاتِلُ رَهْنًا بِسَبْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَكَذَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفًا يَوْمَ الْجِنَايَةِ إذْ الْمَعْنَى يَجْمَعُهُمَا لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ قَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدًا فَدُفِعَ بِهِ وَقِيمَةُ الْمَدْفُوعِ قَلِيلَةٌ أَوْ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ قَتَلَ أَحَدُ الْمَدْفُوعَيْنِ صَاحِبَهُ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا قَامَا مَقَامَ الْأَصْلَيْنِ فَكَأَنَّ الْأَصْلَيْنِ قَائِمَيْنِ فَازْدَادَتْ قِيمَتُهُمَا، ثُمَّ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْبَدَلِ لَا يُخَالِفُ حُكْمَ الْأَصْلِ، وَفِي الْمُنْتَقَى رَجُلٌ قَطَعَ يَدَ أَمَةِ إنْسَانٍ قِيمَتُهَا أَلْفٌ، ثُمَّ رَهَنَهَا الْمَوْلَى بِخَمْسِمِائَةٍ وَهِيَ قِيمَتُهَا فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ، وَلَمْ تَنْقُصْهَا الْوِلَادَةُ شَيْئًا، ثُمَّ مَاتَتْ مِنْ الْجِنَايَةِ، فَإِنْ شَاءَ الْمَوْلَى حَاسَبَ الْمُرْتَهِنَ فَيَذْهَبُ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْجَانِي، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْ الْجَانِي قِيمَتَهَا يَوْمَ قَطْعِ يَدِهَا وَهِيَ أَلْفٌ وَيَرْجِعُ الْجَانِي عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِقِيمَتِهَا مَقْطُوعَةً وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ؛ لِأَنَّهَا مَاتَتْ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ فَتَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ رَهْنَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ يَقْطَعُ حُكْمَ السِّرَايَةِ وَيَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَا ضَمِنَ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ اُنْتُقِضَ فِي الْأُمِّ بِالْهَلَاكِ وَيَرْجِعُ أَيْضًا عَلَيْهِ بِحِصَّةِ الْأُمِّ مِنْ الدَّيْنِ وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ وَيَبْقَى لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ حِصَّةَ الْوَلَدِ، فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ بَطَلَ الرَّهْنُ فِيهِ وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ بِهَذِهِ الْمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ كُلَّهُ عَادَ إلَى الْأُمِّ ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَجُلٌ رَهَنَ رَجُلًا كُرًّا مِنْ شَعِيرٍ وَغُلَامًا وَبِرْذَوْنًا كُلُّ وَاحِدٍ يُسَاوِي مِائَةً بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَ الْمُرْتَهِنُ فَأَقْضَمَ الْغُلَامُ الْبِرْذَوْنَ الشَّعِيرَ، فَإِنَّ ثُلُثَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَهْنٌ بِثُلُثِ الْمِائَةِ؛ لِأَنَّ الْمِائَةَ مَقْسُومَةٌ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَقِيمَتُهَا مُسْتَوِيَةٌ فَيُصِيبُ كُلَّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ وَالثُّلُثَانِ لِلرَّاهِنِ فَجِنَايَةُ ثُلُثِ الْعَبْدِ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ الرَّهْنِ هَدَرٌ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الرَّهْنِ عَلَى الرَّهْنِ مُهْدَرَةٌ وَجِنَايَةُ ثُلُثَيْ الْعَبْدِ مُعْتَبَرَةٌ فَتَكُونُ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ عَبْدِ الرَّاهِنِ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَتَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ فَبَقِيَ الْبِرْذَوْنُ ثَلَاثَةَ أَتْسَاعِ الْمِائَةِ وَسَقَطَ تُسْعُهُ وَهِيَ ثُلُثُهَا وَفِي الْعَبْدِ ثَلَاثَةُ أَتْسَاعِ الْمِائَةِ وَهِيَ ثُلُثُهَا، وَفِي الشَّعِيرِ ثَلَاثَةُ أَتْسَاعِ الْمِائَةِ وَهِيَ ثُلُثُهَا فَجِنَايَةُ الْعَبْدِ عَلَى تُسْعٍ وَاحِدٍ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةُ الرَّهْنِ فَيَلْزَمُ التُّسْعَانِ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ ثُلُثَيْهِ جِنَايَةُ غَيْرِ الرَّهْنِ عَلَى الرَّهْنِ فَيَكُونُ مَا بَقِيَ ثَلَاثَةُ أَتْسَاعِ الْمِائَةِ وَسَقَطَ تُسْعُهُ، وَلَوْ كَانَ الْبِرْذَوْنُ ضَرَبَ الْغُلَامَ فَفَقَأَ عَيْنَهُ يَذْهَبُ نِصْفُ ثُلُثِ الدَّيْنِ وَهُوَ تُسْعٌ وَنِصْفٌ، ثُمَّ أَقْضَمَ الْغُلَامُ الْبِرْذَوْنَ الشَّعِيرَ فَيَلْزَمُهُ أَيْضًا مِنْ جِنَايَةٍ فِي الشَّعِيرِ تُسْعَانِ فَيَكُونُ فِي الْعَبْدِ ثَلَاثَةُ أَتْسَاعٍ وَنِصْفُ، وَفِي الْبِرْذَوْنِ ثَلَاثَةُ أَتْسَاعٍ فَيَكُونُ جُمْلَتُهُ سِتَّةَ أَتْسَاعٍ.
وَفِي الْجَامِعِ مَسَائِلُهُ عَلَى فُصُولٍ مُخْتَلِفَةٍ: أَحَدُهَا فِي هَلَاكِ الْمَرْهُونِ بِسِرَايَةِ الْجِنَايَةِ الْوَاقِعَةِ فِي يَدِ الرَّاهِنِ. وَالثَّانِي فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَرْهُونَةِ وَوَلَدِهَا. وَالثَّالِثُ فِي إعْوَارِ الْمَرْهُونَةِ، وَفِي رَهْنِ الْعَوَارِ ثُمَّ انْجِلَاءِ الْبَيَاضِ أَصْلُهُ إنْ رَهَنَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ يَقْطَعُ حُكْمَ السِّرَايَةِ وَيُبْرِئُ الْجَانِيَ عَنْ ضَمَانِهَا كَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إيجَابُ ضَمَانِ السِّرَايَةِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ حَصَلَتْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَتَعَذَّرَ إيجَابُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الِانْتِهَاءِ فَتَصِيرُ الْجِنَايَةُ مُخَالِفَةً لِلْجِنَايَةِ وَالنِّهَايَةُ مُبَايِنَةٌ عَنْ الْبِدَايَةِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَالرَّهْنُ كَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ مَلَكَ الْمَرْهُونَ عِنْدَ الْهَلَاكِ بِالدَّيْنِ فَيَتَبَدَّلُ الْمِلْكُ عِنْدَ الْهَلَاكِ فَالْبَرَاءَةُ عَنْ ضَمَانِ السِّرَايَةِ إنَّمَا تَحْصُلُ عِنْدَ الْهَلَاكِ لَا قَبْلَهُ حَتَّى إنَّ الرَّاهِنَ لَوْ افْتَكَّ الرَّهْنَ قَبْلَ السِّرَايَةِ، ثُمَّ سَرَى ضَمِنَ الْجَانِي جَمِيعَ بَدَلِ الرَّهْنِ لَا بَدَلَ الطَّرَفِ قَطَعَ يَدَ جَارِيَةٍ قِيمَتُهَا خَمْسُمِائَةٍ وَغَرِمَ الْقَاطِعُ لِنَفْسِهِ خَمْسَمِائَةٍ لِلرَّاهِنِ حَالًّا وَلَا يَغْرَمُ بِالسِّرَايَةِ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ بِالرَّهْنِ بَرِئَ عَنْ ضَمَانِ السِّرَايَةِ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي مِلْكِ الْمُرْتَهِنِ فَبَقِيَ عَلَيْهِ أَرْشُ الْيَدِ وَتَجِبُ فِي مَالِهِ حَالَّةً كَضَمَانِ إتْلَافِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ أَطْرَافَ الْعَبْدِ مُلْحَقَةٌ بِالْأَمْوَالِ فَإِتْلَافُهَا يُوجِبُ ضَمَانَ الْمَالِ وَالْمُرْتَهِنُ بِالْهَلَاكِ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ بِقَدْرِ خَمْسِمِائَةٍ فَسَقَطَ ذَلِكَ، وَلَوْ مَاتَتْ بَعْدَمَا وَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ فَوَلَدُهَا رَهْنٌ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ فَيُدْفَعُ إلَى الْمُرْتَهِنِ فَيَكُونُ رَهْنًا فِي يَدِهِ مَعَ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ انْقَسَمَ عَلَى الْأُمِّ وَالْوَلَدِ نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَاءِ قِيمَتِهِمَا لِلْحَالِّ، وَبَقِيَّةُ قِيمَةِ الْوَلَدِ خَمْسُمِائَةٍ وَإِلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ فَتَحَوَّلَ
стр. 2848
نِصْفُ الدَّيْنِ إلَيْهِ وَذَهَبَ نِصْفُهُ بِذَهَابِ الْأُمِّ، فَإِذَا مَاتَتْ الْأُمُّ بَعْدَمَا تَحَوَّلَ نِصْفُ الدَّيْنِ إلَى الْوَلَدِ ظَهَرَ أَنَّ الدَّيْنَ كَانَ فِي نِصْفِ الْجَارِيَةِ عِنْدَ قَضَاءٍ وَاقْتِضَاءٍ وَإِيفَاءٍ وَاسْتِيفَاءٍ، وَفِي نِصْفِهَا عَقْدُ وَدِيعَةٍ وَأَمَانَةٍ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ نِصْفَهَا كَانَ مَضْمُونًا وَنِصْفَهَا أَمَانَةٌ وَعَقْدُ الرَّهْنِ يُوجِبُ الْبَرَاءَةَ عَنْ ضَمَانِ السِّرَايَةِ وَعَقْدُ الْأَمَانَةِ يُوجِبُ عَلَى الْقَاطِعِ ضَمَانَ نِصْفِ السِّرَايَةِ وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ وَضَمَانُ نِصْفِ الْجِنَايَةِ وَهِيَ الْقَطْعُ وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ فَيَكُونُ جُمْلَتُهُ سَبْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ.
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ خَمْسَمِائَةٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي مُؤَجَّلًا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ تَجِبُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ خَمْسَمِائَةٍ ضَمَانُ نِصْفِ النِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُهْدَرْ نِصْفُ السِّرَايَةِ وَضَمَانُ النَّفْسِ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلًا وَمِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ضَمَانُ الْمَالِ وَضَمَانُ الْمَالِ يَجِبُ فِي مَالِهِ حَالًّا وَيُدْفَعُ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ إلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ هَذَا بَدَلُ نِصْفِ نَفْسِ الْجَارِيَةِ وَنِصْفُهَا كَانَ مَحْبُوسًا فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ كَانَ أَمَانَةً فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا يُدْفَعُ إلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ مَعَ الْوَلَدِ، فَإِنْ هَلَكَ الْمِائَتَانِ وَالْخَمْسُونَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ هَلَكَتْ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ بَدَلًا كَمَا كَانَتْ أَمَانَةً فِي يَدِهِ وَلِلْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ فَيَهْلِكُ أَمَانَةً، فَإِنْ هَلَكَ الْوَلَدُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَرُدَّ الْمُرْتَهِنُ الْمِائَتَيْنِ وَالْخَمْسِينَ عَلَى الرَّاهِنِ وَالرَّاهِنُ عَلَى الْقَاطِعِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَمَّا هَلَكَ قَبْلَ الْفِكَاكِ تَبَيَّنَ أَنَّا أَخْطَأْنَا فِي الْقِسْمَةِ حَتَّى قَسَمْنَا الدَّيْنَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الدَّيْنَ كُلَّهُ كَانَ بِإِزَاءِ لَازِمٍ حِينَ لَمْ يَبْقَ وَقْتَ الْفِكَاكِ فَقَدْ هَلَكَتْ الْأُمُّ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ وَظَهَرَ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ قَبَضَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ مِنْ الرَّهْنِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَظَهَرَ أَنَّ الْقَاطِعَ كَانَ بَرِيئًا عَنْ السِّرَايَةِ كُلِّهَا وَإِنَّمَا كَانَ عَلَيْهِ أَرْشُ الْيَدِ خَمْسُمِائَةٍ لَا غَيْرُ، وَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ الرَّاهِنُ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَيَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَصْلًا إنَّ الدَّيْنَ مَتَى قُسِمَ عَلَى الْأُمِّ وَالْوَلَدِ لِلْحَالِ يُنْظَرُ إنْ بَقِيَتْ قِيمَتُهُ غَيْرَ مُنْتَقِصَةٍ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ لَا تُعَادُ الْقِسْمَةُ يَوْمَ الْفِكَاكِ.
وَإِنْ اُنْتُقِصْت قِيمَتُهُ تُعَادُ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ الْخَطَأُ فِي الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ تَقْسِيمُ الدَّيْن عَلَى قِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ الْفِكَاكِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ تُعْتَبَرُ يَوْمَ الرَّهْنِ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ تُعْتَبَرُ يَوْمَ الْفِكَاكِ لِمَا بَيَّنَّا.
[الْمَسَائِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ]
ثُمَّ الْمَسَائِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ رَهَنَ جَارِيَةً بِأَلْفٍ تُسَاوِي أَلْفًا فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ فَقَتَلَهَا عَبْدٌ يُسَاوِي أَلْفًا، ثُمَّ ذَهَبَ عَيْنُهُ يَفْتَكُّهُ الرَّاهِنُ بِأَرْبَعَةِ أَتْسَاعِ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ دُفِعَ بِإِزَاءِ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ جَمِيعًا فَيُقْسَمُ الْعَبْدُ الْمَدْفُوعُ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِمَا أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْأُمِّ ضِعْفُ قِيمَةِ الْوَلَدِ، فَإِذَا ذَهَبَ عَيْنُ الْعَبْدِ فَقَدْ ذَهَبَ نِصْفُ بَدَلِ الْوَلَدِ وَلَا يَذْهَبُ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ.
الثَّانِيَةُ رَهَنَ جَارِيَةً بِأَلْفٍ تُسَاوِي أَلْفًا فَوَلَدَتْ وَلَدًا قِيمَتُهُ أَلْفٌ فَقَتَلَتْ الْأُمُّ جَارِيَةً قِيمَتُهَا مِائَةٌ فَدُفِعَتْ فَوَلَدَتْ الْمَدْفُوعَةُ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ اعْوَرَّتْ الْأُمُّ ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَذْهَبُ سُدُسُ الدَّيْنِ وَيَفْتَكُّهُ بِخَمْسَةِ أَسْدَاسٍ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ قِيمَةَ الْمَدْفُوعَةِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ يَوْمَ الدَّفْعِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ بِالدَّفْعِ وَقِيمَتُهَا يَوْمَ الدَّفْعِ مِائَةٌ، وَقَدْ انْدَفَعَ الدَّيْنُ إلَى الْمَقْتُولَةِ وَوَلَدِهَا لِاسْتِوَاءِ قِيمَتِهَا فَتَحَوَّلَ نِصْفُ مَا فِي الْمَقْتُولَةِ مِنْ الدَّيْنِ إلَى وَلَدِهَا وَبَقِيَ نِصْفُ الدَّيْنِ فِيهَا، ثُمَّ الْمَدْفُوعَةُ لَمَّا قَامَتْ مَقَامَ الْمَرْهُونَةِ تَحَوَّلَ مَا فِي الْمَرْهُونَةِ مِنْ الدَّيْنِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْمَدْفُوعَةِ مِائَةٌ يَوْمَ الدَّفْعِ وَقِيمَةَ وَلَدِهَا أَلْفٌ يَوْمَ الْفِكَاكِ فَصَارَ كُلُّ مِائَةٍ سَهْمًا فَصَارَ الدَّيْنُ مَقْسُومًا عَلَى أَحَدَ عَشَرَ فَصَارَ بِإِزَاءِ الْمَدْفُوعَةِ سَهْمٌ، فَإِذَا اعْوَرَّتْ ذَهَبَ نِصْفُهَا فَذَهَبَ نِصْفُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ الدَّيْنِ وَذَلِكَ نِصْفُ سَهْمٍ فَانْكَسَرَ الْحِسَابُ فَاضْرِبْ اثْنَيْنِ فِي أَصْلِ نِصْفِ الْفَرِيضَةِ وَذَلِكَ أَحَدَ عَشَرَ فَصَارَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ بِإِزَاءِ الْوَلَدِ عِشْرُونَ جُزْءًا وَبِإِزَاءِ الْأُمِّ جُزْءَانِ، فَإِذَا صَارَ نِصْفُ الدَّيْنِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ صَارَ النِّصْفُ الْآخَرُ كَذَلِكَ فَصَارَ الْكُلُّ أَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا اثْنَانِ وَعِشْرُونَ بِإِزَاءِ وَلَدِ الْمَرْهُونَةِ وَعِشْرُونَ بِإِزَاءِ وَلَدِ الْمَدْفُوعَةِ وَسَهْمَانِ بِإِزَاءِ الْمَدْفُوعَةِ وَسَقَطَ سَهْمٌ بِذَهَابِ نِصْفِهَا بِالْعَوَرِ فَيَبْقَى ثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ جُزْءًا فَيَفْتَكُّهُ بِذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ تَعْوَرَّ الْأُمُّ الْقَاتِلَةُ حَتَّى قَتَلَهُمْ جَمِيعًا عَبْدٌ قِيمَتُهُ أَلْفٌ فَدَفَعَ بِهِمْ، ثُمَّ اعْوَرَّ الْعَبْدُ فَالرَّاهِنُ يَفْتَكُّهُ بِخَمْسَةِ أَسْهُمٍ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ مَا يَخُصُّ الْقَاتِلَةَ سَهْمٌ وَنِصْفُ عُشْرٍ.
وَمَا يَخُصُّ وَلَدَهَا خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمَدْفُوعَ قَامَ مَقَامَهُمْ وَصَارُوا كَأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ مَعْنًى، وَلَمْ يُنْتَقَصْ مِنْ قِيمَتِهِمْ شَيْءٌ، وَإِنْ اُنْتُقِصَ سِعْرُهُمْ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ صَارَ مَدْفُوعًا بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَمِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ دُفِعَ بِهِمْ وَقِيمَتُهُمْ أَلْفَانِ وَمِائَةٌ فَانْقَسَمَ الْعَبْدُ عَلَى الْأَلْفَيْنِ وَمِائَةٌ عَلَى أَحَدٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا كُلُّ مِائَةِ سَهْمٍ مِنْ ذَلِكَ بِإِزَاءِ الْقَاتِلَةِ وَعَشَرَةٌ بِإِزَاءِ وَلَدِهَا وَعَشَرَةٌ بِإِزَاءِ وَلَدِ الْمَقْتُولَةِ فَلَمَّا ذَهَبَ عَيْنُ الْعَبْدِ فَقَدْ ذَهَبَ مِنْ
стр. 2849
الدَّيْنِ نِصْفُهُ فَذَهَبَ نِصْفُ بَدَلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةُ أَسْهُمٍ فَظَهَرَ أَنَّا أَخْطَأْنَا فِي الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ قِيمَةُ الْوَلَدِ الْمَقْتُولِ إلَى يَوْمِ الْفِكَاكِ اُنْتُقِصَ خَمْسُمِائَةٍ فَتُسْتَأْنَفُ الْقِسْمَةُ فَيُقْسَمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الْمَقْتُولِ يَوْمَ الرَّهْنِ وَعَلَى الْبَاقِي مِنْ قِيمَةِ وَلَدِهَا يَوْمَ الْفِكَاكِ وَذَلِكَ خَمْسَةٌ فَيُقْسَمُ الدَّيْنُ عَلَى سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا؛ لِأَنَّ كُلَّ أَلْفٍ صَارَ عَلَى أَحَدٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا لَمَّا صَارَ الْعَبْدُ عَلَى أَحَدٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا وَقِيمَةُ الْمَقْتُولَةِ أَلْفٌ فَيُجْعَلُ أَحَدًا وَعِشْرِينَ وَقِيمَةُ وَلَدِهَا خَمْسَةٌ فَيَصِيرُ سِتَّةً وَعِشْرِينَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ بِإِزَاءِ الْمَقْتُولَةِ وَخَمْسَةٌ بِإِزَاءِ وَلَدِهَا فَتَحَوَّلَ مَا بِإِزَاءِ الْمَقْتُولَةِ إلَى الْقَاتِلَةِ؛ لِأَنَّهَا قَامَتْ مَقَامَهُمْ، ثُمَّ الْمُحَوَّلُ إلَى الْقَاتِلَةِ انْقَسَمَ عَلَيْهَا وَعَلَى وَلَدِهَا عَلَى تِسْعَةِ أَسْهُمٍ وَعُشْرِ سَهْمٍ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْقَاتِلَةِ يَوْمَ الدَّفْعِ مِائَةٌ وَمِائَةٌ مِثْلُ عُشْرِ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ وَذَلِكَ سَهْمَانِ وَعُشْرُ سَهْمٍ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْمَقْتُولَةِ صَارَتْ عَلَى أَحَدٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا فَتَكُونُ مِائَةً مِنْ ذَلِكَ سَهْمَانِ وَعُشْرُ سَهْمٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ قِيمَةِ وَلَدِهَا خَمْسَةُ أَسْهُمٍ فَتَصِيرُ جُمْلَتُهُ سَبْعَةَ أَسْهُمٍ وَعُشْرَ سَهْمٍ سَهْمَانِ وَعُشْرٌ حِصَّةُ الْقَاتِلَةِ وَخَمْسَةُ أَسْهُمٍ بَدَلُ وَلَدِهَا، فَإِذَا ذَهَبَ عَيْنُ الْعَبْدِ ذَهَبَ نِصْفُ حِصَّتِهَا وَذَلِكَ سَهْمٌ وَنِصْفٌ وَعُشْرُ سَهْمٍ وَمِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ فَيَبْقَى عِشْرُونَ غَيْرَ نِصْفِ عُشْرِ سَهْمٍ فَيَفْتَكُّهُ الرَّاهِنُ بِهَذَا.
وَالثَّالِثَةُ جَارِيَةٌ مَرْهُونَةٌ بِأَلْفٍ وَهِيَ قِيمَتُهَا قَطَعَتْ يَدَهَا جَارِيَةٌ قِيمَتُهَا خَمْسُمِائَةٍ فَدُفِعَتْ بِهَا، ثُمَّ وَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَلَدًا يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ فَقَتَلَهُمْ جَمِيعًا عَبْدٌ وَدُفِعَ بِهِمْ فَذَهَبَ عَيْنُهُ افْتَكَّهُ بِسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ شِئْت قُلْتُ: يَفْتَكُّهُ بِثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الدَّيْنِ وَتَخْرِيجُهُ أَنَّ الْقَاطِعَةَ لَمَّا دُفِعَتْ قَامَتْ مَقَامَ يَدِ الْمَقْطُوعَةِ وَكَانَ فِي يَدِ الْمَقْطُوعَةِ قَبْلَ الْقَطْعِ نِصْفُ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ مِنْ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ فَيَتَحَوَّلُ نِصْفُ الدَّيْنِ إلَى الْقَاطِعَةِ، وَإِنْ قَامَتْ قِيمَةُ الْقَاطِعَةِ عَنْ خَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّهَا قَامَتْ مَقَامَ الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ وَصَارَ كَأَنَّ يَدَ الْمَقْطُوعَةِ قَائِمَةٌ إلَّا أَنَّهُ تَرَاجَعَ سِعْرُهَا وَبَقِيَ فِي الْمَقْطُوعَةِ يَدُهَا نِصْفُ الدَّيْنِ فَلَمَّا وَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجَارِيَتَيْنِ وَلَدًا يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ انْقَسَمَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ الدَّيْنِ عَلَيْهِمَا وَعَلَى وَلَدِهِمَا نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَاءِ قِيمَتِهِمَا فَصَارَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رُبُعُ الدَّيْنِ وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ فَلَمَّا قَتَلَهُمْ جَمِيعًا عَبْدٌ يُسَاوِي أَلْفًا وَدُفِعَ بِهِمْ قَامَ رُبُعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدِ مَقَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُمْ مُتَسَاوِيَةٌ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَوْمَ دُفِعَ الْعَبْدُ خَمْسُمِائَةٍ فَصَارَ كَأَنَّ الْأَرْبَعَةَ كُلَّهُمْ أَحْيَاءٌ، وَلَمْ يُنْتَقَصْ مِنْهُمْ شَيْءٌ بَدَنًا وَانْتُقِصَ سِعْرًا فَلَمَّا ذَهَبَ عَيْنُ الْعَبْدِ فَقَدْ ذَهَبَ مِنْ بَدَلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصْفُهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَذْهَبُ بِذَهَابِ نِصْفِ بَدَلِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجَارِيَتَيْنِ نِصْفُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ الدَّيْنِ فَظَهَرَ أَنَّا أَخْطَأْنَا فِي الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ قِيمَةُ وَلَدِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةٍ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ بَلْ بَقِيَ قَدْرُ مِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ لَمَّا ذَهَبَ مِنْ بَدَلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَلَدَيْنِ نِصْفُهُ.
وَبَقِيَ نِصْفُهُ وَهُوَ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَتُسْتَأْنَفُ الْقِسْمَةُ فَيُقْسَمُ جَمِيعُ الدَّيْنِ عَلَى قِيمَةِ الْجَارِيَةِ الْمَقْطُوعَةِ يَوْمَ الرَّهْنِ وَذَلِكَ أَلْفٌ وَعَلَى قِيمَةِ وَلَدِهَا يَوْمَ الْفِكَاكِ وَذَلِكَ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَيُجْعَلُ أَقَلُّ الْمَالَيْنِ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا فَصَارَتْ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ ثَمَانِيَةَ أَسْهُمٍ وَقِيمَةُ وَلَدِهَا سَهْمٌ فَصَارَتْ تِسْعَةٌ فَيُجْعَلُ الدَّيْنُ عَلَى تِسْعَةِ أَسْهُمٍ فَيَصِيرُ بِإِزَاءِ الْوَلَدِ سَهْمٌ بِإِزَاءِ الْأُمِّ وَهِيَ ثَمَانِيَةُ أَتْسَاعِ الدَّيْنِ، ثُمَّ تُقْسَمُ ثَمَانِيَةُ أَتْسَاعِ الدَّيْنِ عَلَى الْمَقْطُوعَةِ وَالْقَاطِعَةِ نِصْفَيْنِ ثُمَّ يُقْسَمُ نِصْفُ الْقَاطِعَةِ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعِ الدَّيْنِ عَلَى قِيمَتِهَا وَهِيَ خَمْسُمِائَةٍ يَوْمَ الرَّهْنِ وَعَلَى قِيمَةِ بَدَلِ وَلَدِهَا يَوْمَ الْفِكَاكِ وَذَلِكَ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا وَقِسْمَةُ أَرْبَعَةٍ عَلَى خَمْسَةٍ لَا يَسْتَقِيمُ فَاضْرِبْ أَصْلَ فَرِيضَةِ الْمَقْطُوعَةِ وَوَلَدِهَا وَذَلِكَ تِسْعَةٌ فِي خَمْسَةٍ فَيَصِيرُ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ لِلْمَقْطُوعَةِ أَرْبَعُونَ وَلِوَلَدِهَا خَمْسَةٌ، ثُمَّ تَحَوَّلَ نِصْفُ أَرْبَعِينَ إلَى الْقَاطِعَةِ وَهُوَ عِشْرُونَ، ثُمَّ تُقْسَمُ عِشْرُونَ عَلَى الْقَاطِعَةِ وَوَلَدِهَا عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ بِإِزَاءِ وَلَدِهَا وَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ بِإِزَاءِ الْقَاطِعَةِ وَذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ، فَإِذَا ذَهَبَ عَيْنُ الْعَبْدِ فَقَدْ ذَهَبَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ وَكَانَ بِإِزَاءِ الْمَقْطُوعَةِ عِشْرُونَ سَهْمًا مِنْ الدَّيْنِ فَسَقَطَ عَشَرَةٌ وَكَانَ بِإِزَاءِ الْقَاطِعَةِ سِتَّةَ عَشَرَ فَسَقَطَ ثَمَانِيَةٌ.
وَكَانَ السَّاقِطُ مِنْ الدَّيْنِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَالْبَاقِي سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ فَيُفْتَكُّ الْعَبْدُ بِذَلِكَ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ خُمُسًا جَمِيعُ الدَّيْنِ كُلُّ خُمُسٍ تِسْعَةٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ.
وَالرَّابِعَةُ جَارِيَةٌ مَرْهُونَةٌ بِأَلْفٍ هِيَ قِيمَتُهَا فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ قَتَلَتْ الْأُمُّ جَارِيَةً تُسَاوِي مِائَةً فَدُفِعَتْ، ثُمَّ وَلَدَتْ الْمَدْفُوعَةُ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا، ثُمَّ قَتَلَتْ الْمَدْفُوعَةُ جَارِيَةً قِيمَتُهَا أَلْفٌ فَدُفِعَتْ بِهِمْ فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمُّ قُسِمَ الدَّيْنُ عَلَى أَحَدٍ وَثَلَاثِينَ فَمَا
стр. 2850
أَصَابَ عَشَرَةً فَهُوَ بِحِصَّةِ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ مِنْ الْوَلَدِ الْحَيِّ يُؤَدِّيهِ الرَّاهِنُ وَمَا أَصَابَ أَحَدًا وَعِشْرِينَ قُسِمَ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ وَعُشْرِ سَهْمٍ فَمَا أَصَابَ عَشَرَةً فَهُوَ حِصَّةُ الْوَلَدِ الثَّانِي يُؤَدِّيهِ الرَّاهِنُ وَمَا أَصَابَ سَهْمًا وَعُشْرًا أَبْطَلَ عَنْ الرَّاهِنِ نِصْفَهُ وَأَدَّى نِصْفَهُ، وَتَخْرِيجُهُ أَنَّ الدَّيْنَ يُقْسَمُ عَلَى الْمَقْتُولَةِ الْأُولَى وَوَلَدِهَا نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَاءِ قِيمَتِهِمَا وَعَلَى وَلَدِهَا أَحَدَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْقَاتِلَةِ مِائَةٌ وَقِيمَةَ وَلَدِهَا أَلْفٌ كُلُّ مِائَةِ سَهْمٍ، وَإِذَا صَارَ نِصْفُ دَيْنِ الْقَاتِلَةِ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ صَارَ نِصْفُ دَيْنِ وَلَدِ الْمَقْتُولَةِ كَذَلِكَ فَصَارَ كُلُّ الدَّيْنِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ سَهْمًا، ثُمَّ الْقَاتِلَةُ الثَّانِيَةُ لَمَّا قَتَلَتْ الْقَاتِلَةَ الْأُولَى وَوَلَدَيْهِمَا فَقَدْ قَامَ مَقَامَهُمْ وَقِيمَتُهُمْ أَلْفَانِ وَمِائَةٌ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ أَلْفٌ وَقِيمَةُ الْقَاتِلَةِ الْأُولَى مِائَةٌ فَجَعَلْنَا كُلَّ مِائَةٍ سَهْمًا فَصَارَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ سَهْمًا فَصَارَتْ قَاتِلَةُ الثَّانِيَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ سَهْمًا بَدَلُ كُلِّ الْوَلَدَيْنِ عَشَرَةُ أَسْهُمٍ وَبَدَلُ أَسْهَامِهِمْ، ثُمَّ يُجْعَلُ وَلَدُ الْقَاتِلَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَحَدٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا فَالْأُمُّ لِاسْتِوَاءِ قِيمَتِهِمَا؛ لِأَنَّ وَلَدَهَا مُتَوَلِّدٌ عِنْدَ بَدَلِ الْأَشْخَاصِ الثَّلَاثَةِ.
وَالْمُتَفَرِّعُ وَالْمُتَوَلِّدُ عَنْ مِلْكِ إنْسَانٍ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ فَصَارَ بَدَلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَلَدَيْنِ عِشْرِينَ جُزْءًا عَشَرَةٌ مِنْ الْقَاتِلَةِ الْأَخِيرَةِ وَعَشَرَةٌ مِنْ وَلَدِهَا وَبَدَلُ أُمِّهَا سَهْمَانِ، فَإِذَا مَاتَتْ الْقَاتِلَةُ الثَّانِيَةُ فَقَدْ ذَهَبَ نِصْفُ بَدَلِهِمْ، فَإِذَا ذَهَبَ نِصْفُ بَدَلِ الْوَلَدَيْنِ ظَهَرَ أَنَّا أَخْطَأْنَا فِي الْقِسْمَةِ فَتُسْتَأْنَفُ الْقِسْمَةُ فَيُقْسَمُ الدَّيْنُ مُسْتَأْنَفًا عَلَى قِيمَةِ الْمَقْتُولَةِ الْأُولَى وَعَلَى أَلْفٍ يَوْمَ الرَّهْنِ صَارَتْ مُنْقَسِمَةً عَلَى أَحَدٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا وَعَلَى قِيمَةِ مَا بَقِيَ مِنْ بَدَلِ وَلَدِهَا يَوْمَ الْفِكَاكِ وَذَلِكَ عَشَرَةٌ فَيَكُونُ مَبْلَغُ جَمِيعِهِ أَحَدًا وَثَلَاثِينَ سَهْمًا عَشَرَةٌ حِصَّةُ الْوَلَدِ وَأَحَدٌ وَعِشْرُونَ حِصَّةُ الْأُمِّ.
ثُمَّ تُقْسَمُ حِصَّةُ الْمَقْتُولَةِ الْأُولَى عَلَى قِيمَةِ الْقَاتِلَةِ الْأُولَى وَعَلَى قِيمَةِ وَلَدِهَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا وَعُشْرِ سَهْمٍ قِيمَةُ الْقَاتِلَةِ الْأُولَى مِائَةٌ وَقِيمَةُ الْمَقْتُولَةِ الْأُولَى صَارَتْ عَلَى أَحَدٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا فَعَشْرٌ مِنْهَا يَكُونُ سَهْمَيْنِ وَعُشْرَ سَهْمٍ وَبَدَلُ وَلَدِهَا الْقَاتِلَةُ الْأَخِيرَةُ عَشْرُ أَسْهُمٍ مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا فَلِذَا يُقْسَمُ دَيْنُ الْقَاتِلَةِ الْأُولَى عَلَيْهَا وَعَلَى وَلَدِهَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا وَعُشْرٍ سَهْمَانِ وَعُشْرٌ حِصَّةُ الْقَاتِلَةِ وَعَشَرَةُ أَسْهُمٍ حِصَّةُ وَلَدِهَا، ثُمَّ يُقْسَمُ حِصَّةُ الْقَاتِلَةِ الْأُولَى وَهِيَ سَهْمَانِ وَعُشْرِ سَهْمٍ عَلَى بَدَلِهَا وَهُوَ جُزْءَانِ أَحَدُهُمَا فِي الْقَاتِلَةِ الْأَخِيرَةِ وَعَلَى وَلَدِهَا عَلَى السَّوَاءِ، وَإِذَا كَانَتْ جَارِيَةً بِإِحْدَى عَيْنَيْهَا بَيَاضٌ مَرْهُونَةٌ بِأَلْفٍ وَهِيَ قِيمَتُهَا فَذَهَبَتْ الْعَيْنُ الْأُخْرَى وَصَارَتْ تُسَاوِي مِائَتَيْنِ ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ، فَإِنْ ذَهَبَ الْبَيَاضُ عَنْ الْعَيْنِ الْأُولَى لَمْ يَعُدْ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَ الرَّهْنِ فَلَا تَكُونُ مَضْمُونَةً، فَإِنْ ضَرَبَ رَجُلٌ هَذِهِ الْعَيْنَ فَصَارَتْ بَيْضَاءَ غَرِمَ ثَمَانِمِائَةٍ وَيَفْتَكُّ الرَّاهِنُ الْجَارِيَةَ الْأَرْشَ بِخَمْسَةِ أَتْسَاعِ الدَّيْنِ، فَإِنْ عَمِيَتْ الْجَارِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنْ ذَهَبَتْ الْعَيْنُ الَّتِي كَانَتْ صَحِيحَةً بَعْدَ الرَّهْنِ فَالْعَمَى يُوجِبُ نُقْصَانَ ثَمَانِ مِائَةٍ مِنْ قِيمَتِهَا، وَقَدْ ذَهَبَ عَنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا فَذَهَبَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الدَّيْنِ وَيَبْقَى خَمْسَةٌ وَيَبْقَى أَيْضًا حِصَّةُ الْأَرْشِ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الدَّيْنِ كَذَلِكَ الْبَاقِي مِنْ الدَّيْنِ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ مِنْ تِسْعَةٍ فَيَفْتَكُّ الرَّهْنَ خَمْسَةَ أَتْسَاعٍ.
رَجُلٌ رَهَنَ جَارِيَةً بِأَحَدِ عَيْنَيْهَا بَيَاضٌ قِيمَتُهَا أَلْفٌ بِأَلْفٍ فَذَهَبَ الْبَيَاضُ وَصَارَتْ قِيمَتُهَا أَلْفَيْنِ، ثُمَّ ابْيَضَّتْ الصَّحِيحَةُ وَعَادَتْ قِيمَتُهَا إلَى أَلْفٍ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يُنْظَرُ إلَى مَا كَانَ يَنْقُصُ هَذَا الْبَيَاضَ، وَلَوْ كَانَ الْبَيَاضُ عَلَى حَالِهِ، فَإِنْ نَقَصَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْقِيمَةِ بَطَلَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الدَّيْنِ وَبَيَانُ تَعْلِيلِ كُلِّ الْمَسَائِلِ يُنْظَرُ فِي الْمَبْسُوطِ.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ قَتَلَهُ عَبْدٌ قِيمَتُهُ مِائَةٌ فَدَفَعَهُ بِهِ افْتَكَّهُ بِكُلِّ الدَّيْنِ) ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ افْتَكَّهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ الْعَبْدَ الْمَدْفُوعَ إلَى الْمُرْتَهِنِ بِدَيْنِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ،.
وَقَالَ زُفَرُ يَصِيرُ رَهْنًا بِمِائَةٍ وَسَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ الْغَايَةِ قُلْنَا إنَّ الْعَبْدَ الثَّانِيَ قَامَ مَقَامَ الْأَوَّلِ لَحْمًا وَدَمًا، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ قَائِمًا وَانْتُقِصَ السِّعْرُ لَا يُنْتَقَصُ الدَّيْنُ وَهِيَ عَلَى الْخِلَافِ وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَرْهُونَ تَغَيَّرَ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ فَيُخَيَّرُ الرَّاهِنُ كَالْبَيْعِ وَالْمَغْصُوبُ إذَا كَانَ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ وَقَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْقَاتِلَ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ وَرَجَعَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ وَلَهُمَا أَنَّ التَّغْيِيرَ لَمْ يَظْهَرْ فِي نَفْسِ الْعَبْدِ لِقِيَامِ الثَّانِي مَقَامَ الْأَوَّلِ لَحْمًا وَدَمًا فَلَا يَجُوزُ تَمْلِيكُهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ تَرَاجَعَ سِعْرُهُ حَتَّى صَارَ يُسَاوِي مِائَةً، ثُمَّ قَتَلَ عَبْدًا يُسَاوِي مِائَةً فَدُفِعَ بِهِ.
قَالَ ﵀ (، وَإِنْ
стр. 2851
مَاتَ الرَّاهِنُ بَاعَ وَصِيُّهُ الرَّهْنَ وَقَضَى الدَّيْنَ) ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوصِي وَكَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الرَّهْنَ فَكَذَا الْوَصِيَّةُ قَالَ ﵀ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَصِيٌّ نَصَبَ الْقَاضِي لَهُ وَصِيًّا وَأَمَرَ بِبَيْعِهِ) وَفَعَلَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ نُصِبَ نَاظِرًا لِحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ إذَا عَجَزُوا عَنْ النَّظَرِ؛ لِأَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ تَعَيَّنَ النَّظَرُ فِي نَصِيبِ الْوَصِيِّ لِيُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ وَيَسْتَوْفِي حُقُوقَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ فَرَهَنَ الْوَصِيُّ بَعْضَ التَّرِكَةِ عِنْدَ غَرِيمٍ لَهُ مِنْ غُرَمَائِهِ لَمْ يَجُزْ وَلِلْآخَرِينَ أَنْ يَرُدُّوهُ؛ لِأَنَّهُ إيثَارٌ لِبَعْضِ الْغُرَمَاءِ بِالْإِيفَاءِ الْحُكْمِيِّ فَأَشْبَهَهُ الْإِيثَارُ بِالْإِيفَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَالْجَامِعُ مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ إبْطَالِ حَقِّ غَيْرِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَيِّتَ بِنَفْسِهِ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِمَرَضِ مَوْتِهِ فَكَذَا مَنْ قَامَ مَقَامَهُ.
وَإِنْ قُضِيَ دَيْنُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَرُدُّوهُ جَازَ لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَوُصُولِ حَقِّهِمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ غَرِيمٌ آخَرُ جَازَ الرَّهْنُ اعْتِبَارًا بِالْإِيفَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَبِيعَ فِي دِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يُبَاعُ فِيهِ قَبْلَ الرَّهْنِ فَكَذَا بَعْدَهُ، وَإِذَا ارْتَهَنَ الْوَصِيُّ بِدَيْنٍ لِلْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ؛ لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءٌ فَيَمْلِكُهُ وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَاخِرِ الْكُتُبِ]
(فَصْلٌ) هَذَا الْفَصْلُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَاخِرِ الْكُتُبِ فَلِذَا أَخَّرَهُ اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَهُ فِيمَا سَبَقَ قَالَ ﵀ (رَهَنَ عَصِيرًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ بِعَشَرَةٍ فَتَخَمَّرَ، ثُمَّ تَخَلَّلَ وَهُوَ يُسَاوِي عَشَرَةً فَهُوَ رَهْنٌ بِعَشَرَةٍ) يَعْنِي إذَا رَهَنَ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَصِيرًا إلَى آخِرِهَا قَالُوا مَا كَانَ مَحِلًّا لِلْبَيْعِ بَقَاءً يَكُونُ مَحِلًّا لِلرَّهْنِ بَقَاءً كَمَا أَنَّ مَا يَكُونُ مَحِلًّا لِلْبَيْعِ ابْتِدَاءً يَكُونُ مَحِلًّا لِلرَّهْنِ ابْتِدَاءً وَالْخَمْرُ مَحَلٌّ لِلْبَيْعِ بَقَاءً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحِلًّا لَهُ ابْتِدَاءً أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَوْ كَانَ مَدَارُ مَسْأَلَتِنَا الْمَذْكُورَةِ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ التَّعْلِيلِ لَمَا ظَهَرَ فَائِدَةُ قَوْلِهِ، ثُمَّ صَارَ خَلًّا فِي وَضْعِ مَسْأَلَةٍ بَلْ كَانَ يَكْفِي أَنْ يُقَالَ وَمَنْ رَهَنَ عَصِيرًا بِعَشَرَةٍ فَتَخَمَّرَ فَهُوَ رَهْنٌ بِعَشَرَةٍ لِكِفَايَةِ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ بِعَيْنِهِ فِي إثْبَاتِ هَذَا الْمَعْنَى الْعَامِّ فَتَأَمَّلْ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَا يَرْجِعُ إلَى الْمَحِلِّ فَالِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ فِيهِ سَوَاءٌ فَمَا بَالُ هَذَا تَخَلَّفَ عَنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ، وَقَالَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ كَذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ الْمَحِلُّ بَاقِيًا وَهَاهُنَا يَتَبَدَّلُ الْمَحِلُّ حُكْمًا بِتَبَدُّلِ الْوَصْفِ فَكَذَلِكَ تَخَلَّفَ عَنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ اهـ.
أَقُولُ: قَوْلُهُ: ثُمَّ تَخَلَّلَ وَهِيَ تُسَاوِي عَشَرَةً يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ الْقِيمَةُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُعْتَبَرُ الْقَدْرُ؛ لِأَنَّ الْعَصِيرَ وَالْخَلَّ مِنْ الْمُقَدَّرَاتِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ وَفِيهَا نُقْصَانُ الْقِيمَةِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ كَمَا مَرَّ فِي انْكِسَارِ الْقُلْبِ وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْخِيَارَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ فِيهِ مُجَرَّدُ الْوَصْفِ وَفَوَاتُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْوَصْفِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ شَيْءٍ مِنْ الدَّيْنِ بِإِجْمَاعٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ إنْ نَقَصَ شَيْءٌ مِنْ الْقَدْرِ سَقَطَ بِقَدْرِهِ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ وَإِلَّا فَلَا وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ، ثُمَّ تَخَلَّلَ إلَى أَنَّ الْمَرْهُونَ عِنْدَهُ مُسَلَّمٌ وَالرَّاهِنُ فَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ رَهَنَ ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا فَصَارَتْ خَلًّا لَا يَنْقُصُ مِنْ قِيمَتِهِ بِقَدْرِهِ وَيَبْقَى رَهْنًا؛ لِأَنَّ بِالتَّغْيِيرِ مِنْ وَصْفِ الْمَرَارَةِ إلَى الْحُمُوضَةِ نَقَصَتْ الْمَالِيَّةُ عِنْدَهُمْ وَمُقَوِّمُهَا مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ بِحَالِهَا وَبِتَبَدُّلِ الصِّفَةِ لَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ كَمَا لَوْ كَانَ الرَّهْنُ قُلْبًا فَانْكَسَرَ وَبَقِيَ الْوَزْنُ عَلَى حَالِهِ.
ثُمَّ عِنْدَهُمَا يَتَخَيَّرُ الرَّاهِنُ إنْ شَاءَ افْتَكَّهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ وَأَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ خَمْرًا مِثْلَ خَمْرِهِ فَيَصِيرُ الْخَلُّ مِلْكًا لِلْمُرْتَهِنِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ شَاءَ افْتَكَّهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ بِالدَّيْنِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْقُلْبِ إذَا انْكَسَرَ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا رَهَنَ مُسْلِمٌ عَصِيرًا؛ لِأَنَّ رَهْنَ الْكَافِرِ الْخَمْرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَوْ رَهْنُ الْمُسْلِمِ الْخَمْرَ عِنْدَ كَافِرٍ بَاطِلٌ قَالَ ارْتَهَنَ الْمُسْلِمُ مِنْ كَافِرٍ خَمْرًا فَصَارَ خَلًّا فِي الرَّهْنِ بَاطِلٌ وَيَكُونُ الْخَلُّ أَمَانَةً فِي يَدِهِ لِلرَّاهِنِ وَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ قَضَاءَ دَيْنِهِ، وَإِنْ شَاءَ يَدَعُ الْخَلَّ بِدَيْنِهِ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْخَلِّ يَوْمَ الرَّهْنِ كَالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَ الْخَمْرَ بِالرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ ضَمَانٍ وَالْمَضْمُونُ مَتَى نُصِبَ فِي يَدِ الضَّمِينِ يُخَيَّرُ مَنْ لَهُ الضَّمَانُ كَمَا لَوْ غَصَبَ الْمُسْلِمُ خَمْرًا مِنْ ذِمِّيٍّ فَصَارَتْ خَلًّا فِي يَدِهِ يُخَيَّرُ الذِّمِّيُّ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ عِنْدَ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَصْلُحُ لِمَنَافِعَ مَا لَا يَصْلُحُ لَهُ الْخَلُّ وَلَا وَجْهَ فَصَارَ الْخَمْرُ كَالْهَالِكِ مِنْ وَجْهٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُرْتَهِنَ خَمْرًا مِثْلَ خَمْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَنْهِيٌّ عَنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ، وَلَا وَجْهَ أَنْ يُتْرَكَ الْخَلَّ عَلَيْهِ وَيَضْمَنَ النُّقْصَانَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا. وَالْأَوْجَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْخَلَّ وَيَضْمَنَ الدَّيْنَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِهِ فَقُلْنَا بِأَنَّهُ يَجْعَلُهُ بِالدَّيْنِ لِيَدْفَعَ الضَّرَرَ عَنْهُ، وَلَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَكَذَا هَذَا، فَإِذَا وَجَبَتْ قِيمَةُ الْخَمْرِ لِلرَّاهِنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَلَهُ عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ فَيَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا.
وَلَوْ ارْتَهَنَ الْكَافِرُ خَمْرًا مِنْ مُسْلِمٍ لَا يَجُوزُ وَيَكُونُ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَى الْكَافِرِ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ قَبَضَهَا بِجِهَةِ الضَّمَانِ كَمَا فِي الْغَصْبِ
стр. 2852
وَالْإِتْلَافِ ارْتَهَنَ مُسْلِمٌ مِنْ مُسْلِمٍ عَصِيرًا فَصَارَ خَمْرًا فَلِلْمُرْتَهِنِ تَخْلِيلُهَا وَتَكُونُ رَهْنًا وَيَبْطُلُ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِ مَا نَقَصَ يَعْنِي مِنْ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ بِقَذْفِ الزَّبَدِ؛ لِأَنَّ مِنْ التَّخْلِيلِ إحْيَاءَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَإِصْلَاحَ الْفَاسِدِ فَلَهُ ذَلِكَ وَفِي إبْقَاءِ الْعَقْدِ بَعْدَ التَّخْمِيرِ فَائِدَةٌ لِجَوَازِ التَّخْلِيلِ فَيَبْقَى كَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ قَبْلَ الْقَبْضِ يَبْقَى الْبَيْعُ فَكَذَا هَذَا وَالدَّيْنُ يَسْقُطُ بِانْتِقَاصِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ احْتَبَسَ عِنْدَهُ بَعْضَ الرَّهْنِ وَلَا يَنْقُصُ بِانْتِقَاصِ الْقِيمَةِ كَمَا إذَا تَغَيَّرَ السِّعْرُ وَقَيَّدْنَا بِذِكْرِ الْعَصِيرِ فِي الْمُسْلِمِ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ كَافِرًا يَأْخُذُ الْخَمْرَ وَالدَّيْنُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُخَلِّلَهَا، فَإِنْ خَلَّلَهَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا يَوْمَ خَلَّلَ وَرَجَعَ بِدَيْنِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الرَّاهِنُ مُسْلِمًا فَخَلَّلَهَا لَمْ يَضْمَنْ وَالْفَرْقُ أَنَّ هُنَاكَ لَا ضَرَرَ عَلَى الرَّاهِنِ فِي إبْقَاءِ عَقْدِ الرَّهْنِ إلَى مَا بَعْدَ التَّخْمِيرِ بَلْ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ؛ لِأَنَّ مَالَهُ يَصِيرُ مُتَقَوِّمًا بِالتَّخْلِيلِ، وَلَمْ يَصِرْ الْمُرْتَهِنُ مُتْلِفًا لِمَا لَهُ بَلْ إضْرَارٌ بِالرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ رَغَائِبُ فِي الْخَمْرِ مَا لَيْسَ مِثْلَهَا فِي الْعَصِيرِ وَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِكَوْنِ الْخَمْرِ رَهْنًا فَلَوْ بَقَّيْنَا عَقْدَ الرَّهْنِ بَعْدَ تَغْيِيرِ مِلْكِهِ فِي حَقِّهِ يُؤَدِّي إلَى الضَّرَرِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ بِالْعَصِيرِ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَهُوَ لَمْ يَعْقِدْ الرَّهْنَ عَلَى الْخَمْرِ وَإِنَّمَا عَقَدَ عَلَى الْعَصِيرِ فَلَا يَبْقَى الْعَقْدُ فَيَكُونُ لِلرَّاهِنِ أَخْذُ الْخَمْرِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ.
فَإِنْ خَلَّلَهَا يَضْمَنُ قِيمَتَهَا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ الْخَمْرَ بِالتَّخْلِيلِ عَلَى الذِّمِّيِّ لِمَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
رَهَنَ ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا وَأَخَذَهُ الرَّاهِنُ وَأَعْطَاهُ أُجْرَةَ الدِّبَاغَةِ إنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ؛ لِأَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ لَيْسَ بِمَالٍ عِنْدَ أَحَدٍ فَلَمْ يَنْعَقِدْ الْعَقْدُ لِفَوَاتِ الْمَحِلِّ فَلَا يَعُودُ جَائِزًا بِحُدُوثِ الْمَحَلِّيَّةِ مِنْ بَعْدُ كَمَا لَوْ رَهَنَ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا فَصَارَتْ خَلًّا، فَإِذَا دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ بَقِيَ أَثَرُهُ فِي الْجِلْدِ فَيَكُونُ لَهُ عَلَى صَاحِبِ الْجِلْدِ قِيمَةُ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ كَمَنْ صَبَغَ ثَوْبَ إنْسَانٍ بِصَبْغِهِ فَصَاحِبُ الثَّوْبِ يَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ فَكَذَا هَذَا.
رَهَنَ ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا، ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَبْقَ رَهْنًا أَيْ لَمْ يَبْقَ مَضْمُونًا، فَإِنْ خَلَّلَهَا وَتَخَلَّلَتْ فَهِيَ رَهْنٌ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً لِمَعْنًى يُتَوَهَّمُ زَوَالُهُ، فَإِذَا زَالَ الْعَارِضُ بِأَنْ صَارَتْ خَلًّا يَكُونُ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ فِي إبْقَاءِ الرَّهْنِ فَائِدَةً وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُرْتَهِنِ وِلَايَةُ الْحَبْسِ لِلتَّخَلُّلِ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ رَهَنَ شَاةً قِيمَتُهَا عَشَرَةٌ بِعَشَرَةٍ فَمَاتَتْ فَدَبَغَ جِلْدَهَا وَهُوَ يُسَاوِي دِرْهَمًا فَهُوَ رَهْنٌ بِدِرْهَمٍ) ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَتَعَذَّرُ بِالْهَلَاكِ، وَإِذَا أَحْيَا بَعْضَ الْمَحِلِّ يَعُودُ الْحُكْمُ بِقَدْرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَتْ الشَّاةُ الْمَبِيعَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَدَبَغَ جِلْدَهَا حَيْثُ لَا يَعُودُ الْبَيْعُ بِقَدْرِهِ وَلِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِالْهَلَاكِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَدَبَغَ جِلْدَهَا حَيْثُ لَا يَعُودُ صَحِيحًا وَأَمَّا الرَّهْنُ فَيَتَعَذَّرُ بِالْهَلَاكِ.
وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ يَقُولُ بِعَوْدِ الْبَيْعِ. وَقَوْلُهُ وَهُوَ يُسَاوِي دِرْهَمًا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْقِيمَةِ حَالَ الدِّبَاغِ، وَكَذَا قَوْلُهُ فَهُوَ رَهْنٌ بِدِرْهَمٍ قَالُوا هَذَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْجِلْدِ يَوْمَ الرَّهْنِ دِرْهَمًا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الرَّهْنِ دِرْهَمَيْنِ كَانَ الْجِلْدُ رَهْنًا بِدِرْهَمَيْنِ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالتَّقْوِيمِ وَأَنْ تُقَوَّمَ الشَّاةُ الْمَرْهُونَةُ غَيْرَ مَسْلُوخَةٍ ثُمَّ تُقَوَّمَ مَسْلُوخَةً فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا هُوَ قِيمَةُ الْجِلْدِ هَذَا إذَا كَانَتْ الشَّاةُ كُلُّهَا مَضْمُونَةً، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَمَانَةً بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ يَكُونُ الْجِلْدُ أَيْضًا بَعْضُهُ أَمَانَةً بِحِسَابِهِ فَيَكُونُ رَهْنًا بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ قَالُوا هَذَا دَبَغَهُ الْمُرْتَهِنُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَإِنْ دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ حَقُّ حَبْسِهِ بِمَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ كَمَا لَوْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ وَدَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ.
ثُمَّ قِيلَ يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِيهِ حَتَّى إذَا أَدَّى الرَّاهِنُ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ أَخَذَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَبَسَهُ بِالدَّيْنِ الثَّانِي فَصَارَ بِهِ مَحْبُوسًا حُكْمًا خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا بِالْأَوَّلِ حُكْمًا كَمَا إذَا رَهَنَهُ حَقِيقَةً بِأَنْ رَهَنَ الرَّهْنَ بِدَيْنٍ آخَرَ غَيْرِ مَا كَانَ مَحْبُوسًا بِهِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْأَوَّلِ وَيَكُونُ رَهْنًا بِالثَّانِي فَكَذَا هَذَا، وَقِيلَ لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يَبْطُلُ بِمَا هُوَ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلُهُ وَلَا يَبْطُلُ بِمَا هُوَ دُونَهُ كَالْمَبِيعِ بِأَلْفٍ إذَا بَاعَهُ ثَانِيًا مِنْهُ بِأَقَلَّ أَوْ بِأَكْثَرَ يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ وَلَا يَبْطُلُ بِالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ حَبْسَ الْجِلْدِ بِالْمِائَةِ الَّتِي اتَّصَلَتْ بِالْجِلْدِ بِحُكْمِ الدِّبَاغِ وَتِلْكَ الْمَالِيَّةُ تَبَعٌ لِلْجِلْدِ؛ لِأَنَّهَا وَصْفٌ لَهُ وَالْوَصْفُ دَائِمًا يَتْبَعُ الْأَصْلَ فَالرَّهْنُ الْأَوَّلُ رَهْنٌ بِمَا هُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ بِتَبَعٍ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الدَّيْنُ فَيَكُونُ أَقْوَى مِنْ الثَّانِي فَلَمْ يَرْتَفِعْ الْأَوَّلُ بِالثَّانِي.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ بِأَنْ كَانَتْ عِشْرِينَ وَالدَّيْنُ عَشَرَةً يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْجِلْدُ يُسَاوِي دِرْهَمًا وَالْبَاقِي تِسْعَةَ عَشَرَ فَالْجِلْدُ رَهْنٌ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ بِأَنْ كَانَتْ تُسَاوِي خَمْسَةً وَالْجِلْدُ دِرْهَمًا وَاللَّحْمُ أَرْبَعَةً سَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ أَرْبَعَةٌ وَبَقِيَ الْجِلْدُ رَهْنًا بِسِتَّةٍ؛ لِأَنَّ بِالْهَلَاكِ سَقَطَ خَمْسَةٌ مِنْ
стр. 2853
الدَّيْنِ مِقْدَارُ قِيمَةِ الرَّهْنِ وَبَقِيَ الدَّيْنُ خَمْسَةً، فَإِذَا دَفَعَ الْجِلْدَ فَقَدْ أَحْيَا خُمُسَ الرَّهْنِ فَعَادَ خُمُسُ الدَّيْنِ الَّذِي كَانَ بِإِزَائِهِ وَهُوَ دِرْهَمٌ وَسَقَطَ أَرْبَعَةٌ الَّتِي بِإِزَاءِ اللَّحْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُزِلْ التَّوَى عَنْ اللَّحْمِ وَكَانَ الْبَاقِي مِنْ الدَّيْنِ سِتَّةً فَصَارَ الْجِلْدُ مَرْهُونًا بِسِتَّةٍ مَضْمُونًا بِدِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الشَّاةِ مَرْهُونٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ مَضْمُونٌ بِمِقْدَارِ قِيمَتِهِ فَكَذَا الْجِلْدُ هَذَا إذَا دُبِغَ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ.
فَإِنْ دُبِغَ بِشَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمُرْتَهِنُ الْحَبْسَ بِمَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ كَالْغَصْبِ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ الْحَبْسَ بِدَيْنٍ آخَرَ حَادِثٍ هَلْ يَبْطُلُ الرَّهْنُ الْأَوَّلُ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يَبْطُلُ الرَّهْنُ الْأَوَّلُ فِي حَقِّ الْجِلْدِ وَيَصِيرُ الْجِلْدُ رَهْنًا بِمَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ كَمَا رَهَنَ الرَّاهِنُ هَذِهِ الْعَيْنَ بِدَيْنٍ حَادِثٍ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يَبْقَى الرَّهْنُ الْأَوَّلُ وَيَصِيرُ مَحْبُوسًا بِقِيمَةِ الدِّبَاغِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَفْتَكَّهُ مَا لَمْ يَرُدَّ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَقِيمَةِ الدِّبَاغِ. قَالَ فِي الْمُنْتَقَى رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَهَنَ أَجْنَبِيٌّ بِدَيْنٍ آخَرَ وَهُوَ أَلْفٌ عَبْدًا بِغَيْرِ أَمْر الْمَطْلُوبِ ثُمَّ أَجْنَبِيٌّ آخَرُ رَهَنَهُ عَبْدًا آخَرَ بِغَيْرِ أَمْر الْمَطْلُوبِ فَهُوَ جَائِزٌ وَالْأَوَّلُ رَهْنٌ بِأَلْفٍ.
وَالثَّانِي رَهْنٌ بِخَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَبَعٌ بِالرَّهْنِ وَلَا رَهْنَ بِالدَّيْنِ فَيَكُونُ رَهْنًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ. وَالثَّانِي رَهْنٌ وَبِالدَّيْنِ رَهْنٌ فَلَا يَصِيرُ رَهْنًا إلَّا بِخَمْسِمِائَةٍ، وَذَكَرَ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ الرَّهْنَ، ثُمَّ وُجِدَ بَطَلَ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ نُقْصَانِ الْآبِقِ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِبَاقِ صَارَ مَعِيبًا، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَى بَعْدَ الْإِبَاقِ بِمِثْلِ مَا يُشْتَرَى قَبْلَهُ.
قَالَ ﵀ (، وَإِنْمَاءُ الرَّهْنُ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرِ وَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ لِلرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مِلْكِهِ قَالَ ﵀ (وَهُوَ رَهْنٌ مَعَ الْأَصْلِ) وَهُوَ تَبَعٌ لَهُ وَالرَّهْنُ حَقٌّ مُتَأَكِّدٌ لَازِمٌ يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَمْلِكُ بِهِ إبْطَالَهُ بِخِلَافِ وَلَدِ الْجَارِيَةِ حَيْثُ لَا يَسْرِي حُكْمُ الْجِنَايَةِ إلَى الْوَلَدِ وَلَا يَتْبَعُ أُمَّهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ فِيهَا غَيْرُ مُتَأَكِّدٍ حَتَّى يَنْفَرِدَ الْمَالِكُ بِإِبْطَالِهِ بِالْفِدَاءِ بِخِلَافِ وَلَدِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْكَفِيلَةِ وَالْمَغْصُوبَةِ وَوَلَدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ حَقُّهُ فِي الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْعَيْنِ وَفِي الْكَفَالَةِ الْحَقُّ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ وَالْوَلَدُ لَا يَتَوَلَّدُ مِنْ الذِّمَّةِ، وَفِي الْغَصْبِ إثْبَاتُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ بِإِزَالَةِ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي الْوَلَدِ وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِيهِ تَبَعًا؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ وَالتَّبَعِيَّةُ لَا تَجْرِي فِي الْأَوْصَافِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَفِي الْجَارِيَةِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهَا الْمُسْتَحَقُّ لَهُ الْخِدْمَةُ وَهِيَ مَنْفَعَةُ الْأُمِّ وَالْوَلَدُ غَيْرُ صَالِحٍ لَهَا قَبْلَ الِانْفِصَالِ فَلَا يَكُونُ تَبَعًا وَبَعْدَهُ لَا يَنْقَلِبُ مُوجِبًا أَيْضًا بَعْدَ أَنْ انْعَقَدَ غَيْرَ مُوجِبٍ. قَالَ ﵀ (وَيَهْلِكُ مَجَّانًا) أَيْ إذَا هَلَكَ النَّمَاءُ يَهْلِكُ مَجَّانًا بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْأَتْبَاعَ لَا قِسْطَ لَهَا مِمَّا يَتَقَابَلُ بِالْأَصْلِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ الْعَقْدِ مَقْصُودًا.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ هَلَكَ الْأَصْلُ وَبَقِيَ النَّمَاءُ فُكَّ بِحِصَّتِهِ) يَعْنِي إذَا هَلَكَ الْأَصْلُ وَهُوَ الرَّهْنُ وَبَقِيَ النَّمَاءُ وَهُوَ الْوَلَدُ يُفْتَكُّ الْوَلَدُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالْفِكَاكِ وَالنَّمَاءُ إذَا صَارَ مَقْصُودًا بِالْفِكَاكِ يَكُونُ لَهُ قِسْطٌ كَوَلَدِ الْمَبِيعِ لَا حِصَّةَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ، ثُمَّ إذَا صَارَ مَقْصُودًا بِالْقَبْضِ صَارَ لَهُ حِصَّةٌ حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ الْأُمُّ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَقِيَ الْوَلَدُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَوْ هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ. قَالَ ﵀ (وَيُقْسَمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ الْفِكَاكِ وَقِيمَةُ الْأَصْلِ يَوْمَ الْقَبْضِ وَسَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ حِصَّةُ الْأَصْلِ وَفُكَّ النَّمَاءُ بِحِصَّتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ صَارَ لَهُ حِصَّةٌ بِالْفِكَاكِ وَالْأُمُّ دَخَلَتْ فِي الضَّمَانِ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ فَيُعْتَبَرُ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي وَقْتِ اعْتِبَارِهِ وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ الْوَلَدُ بَعْدَ هَلَاكِ أُمِّهِ قَبْلَ الْفِكَاكِ هَلَكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ إلَّا عِنْدَ الْفِكَاكِ.
وَلَوْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي أَكْلِ زَوَائِدِ الرَّهْنِ بِأَنْ قَالَ مَهْمَا زَادَ فَكُلْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، وَهَذِهِ إبَاحَةٌ وَالْإِطْلَاقُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ وَالْخَطَرُ بِخِلَافِ التَّمْلِيكِ، وَإِنْ لَمْ يُفْتَكَّ الرَّهْنُ حَتَّى هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ قُسِمَ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الزِّيَادَةِ الَّتِي أَكَلَهَا الْمُرْتَهِنُ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْأَصْلِ فَمَا أَصَابَ الْأَصْلَ سَقَطَ وَمَا أَصَابَ الزِّيَادَةَ أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَلِفَتْ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ بِفِعْلِ الْمُرْتَهِنِ بِتَسْلِيطٍ مِنْهُ فَصَارَ كَأَنَّ الرَّاهِنَ أَخَذَهُ وَأَتْلَفَهُ وَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فَكَانَ لَهُ الدَّيْنُ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَالْمُحِيطِ وَعَزَاهُ إلَى الْجَامِعِ، وَلَوْ نَقَصَتْ قِيمَةُ الْأُمِّ بِتَغَيُّرِ السِّعْرِ فَصَارَتْ تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ أَوْ زَادَتْ فَصَارَتْ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ وَالْوَلَدُ عَلَى حَالِهِ يُسَاوِي أَلْفًا فَالدَّيْنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَلَا يَتَغَيَّرُ عَمَّا كَانَ.
وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ عَلَى حَالِهَا وَانْتُقِصَتْ قِيمَةُ الْوَلَدِ بِعَيْبٍ دَخَلَهُ أَوْ بِتَغَيُّرِ السِّعْرِ فَصَارَتْ خَمْسَمِائَةٍ فَالدَّيْنُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ثُلُثَانِ فِي الْأُمِّ وَالثُّلُثُ فِي الْوَلَدِ، وَلَوْ زَادَتْ قِيمَةُ الْوَلَدِ فَصَارَ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ
стр. 2854
فَثُلُثَا الدَّيْنِ فِي الْوَلَدِ وَالثُّلُثُ فِي الْأُمِّ حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ الْأُمُّ بَقِيَ الْوَلَدُ بِثُلُثَيْ الدَّيْنِ، وَلَوْ وَلَدَتْ الْأُمُّ وَلَدًا وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ ثُمَّ اعْوَرَّتْ الْأُمُّ بَعْدَ الْوِلَادَةِ أَوْ قَبْلَهَا ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ رُبُعُهُ وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ فَيَذْهَبُ نِصْفُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الدَّيْنِ، وَفِي الْمُنْتَقَى رَهَنَ أَرْضًا وَنَخْلًا بِدَيْنٍ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ خَمْسُمِائَةٍ فَاحْتَرَقَ النَّخْلُ وَنَبَتَ فِي الْأَرْضِ نَخْلٌ آخَرُ يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ قَالَ يَذْهَبُ مِنْ الدَّيْنِ نِصْفُهُ بِاحْتِرَاقِ النَّخْلِ وَمَا نَبَتَ فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ رَهَنَ أَمَتَيْنِ فَمَاتَتْ إحْدَاهُمَا، ثُمَّ وَلَدَتْ الْبَاقِيَةُ جَارِيَةً بِأَلْفٍ فَقَتَلَتْهَا أَمَةٌ تُسَاوِي مِائَةً فَدُفِعَتْ بِهَا، ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا فَالدَّيْنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ الْأُولَى عَلَى حَالِهَا وَالزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْأَصْلِ مَحْبُوسَةً مَضْمُونَةً كَالْأَصْلِ؛ لِأَنَّهَا تُلْحَقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ وَصَارَتْ كَالْمَوْجُودَةِ فِي الْعَقْدِ كَمَا فِي زَوَائِدِ الْمَبِيعِ وَيُقْسَمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الْأَصْلِ يَوْمَ الْقَبْضِ وَعَلَى قِيمَةِ الزِّيَادَةِ يَوْمَ قُبِضَتْ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْأَصْلِ وَقِيمَةُ الزِّيَادَةِ يَوْمَ قُبِضَتْ خَمْسَمِائَةٍ انْقَسَمَ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ بِالْقَبْضِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَوْمَ الْقَبْضِ، فَإِنْ نَقَصَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ.
ثُمَّ زَادَ آخَرُ قُسِمَ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى قِيمَةِ الْبَاقِي وَقِيمَةُ الزِّيَادَةِ يَوْمَ قُبِضَتْ مِثَالُهُ إذَا رَهَنَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ فَاعْوَرَّ، ثُمَّ زَادَهُ رَهْنًا آخَرَ قُسِمَ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى قِيمَةِ الْبَاقِي وَهُوَ الْعَبْدُ الْأَعْوَرُ وَعَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ الزَّائِدِ أَثْلَاثًا ثُلُثُهُ بِإِزَاءِ الْعَبْدِ الْقَدِيمِ وَثُلُثَاهُ بِإِزَاءِ الْعَبْدِ الزَّائِدِ بِخِلَافِ مَا إذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ الْمَرْهُونَةُ بَعْدَمَا اعْوَرَّتْ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا، فَإِنَّهُ يُقْسَمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ الْقَبْضِ وَعَلَى قِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ الْفِكَاكِ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ مَا أَصَابَ الْأُمَّ سَقَطَ نِصْفُهُ بِالِاعْوِرَارِ فَبَقِيَ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الدَّيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ ثَمَنِيَّةَ الْوَلَدِ تَتَفَرَّعُ عَنْهَا فَيَسْرِي إلَيْهِ حُكْمُ الْأَصْلِ تَبَعًا كَانَ الْوَلَدَ مُتَّصِلًا بِهَا فَيُعْتَبَرُ فِي الْقِسْمَةِ قِيمَةُ الْأُمِّ يَوْمَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ التَّحَكُّمَ فِي الزِّيَادَةِ تَثْبُتُ أَصْلًا لَا بِطَرِيقِ السِّعَايَةِ وَالتَّبَعِيَّةُ فَيُعْتَبَرُ فِي الْقِسْمَةِ قَدْرُ الْبَاقِي مِنْ الدَّيْنِ وَقْتَ الزِّيَادَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَضَى الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ خَمْسَمِائَةٍ فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ رَهْنًا بِثُلُثَيْ خَمْسِمِائَةٍ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي مِنْ الْعَبْدِ الْقَدِيمِ، وَفِي الْمُنْتَقَى رَجُلٌ رَهَنَ عِنْدَ رَجُلٍ دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، ثُمَّ زَادَهُ الرَّاهِنُ دِينَارًا آخَرَ وَزَادَهُ الْمُرْتَهِنُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الدِّينَارَانِ رَهْنًا بِالْخَمْسَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّهُمَا جَعَلَاهُمَا كَذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الدِّينَارُ الْأَوَّلُ وَثُلُثَا الدِّينَارِ الثَّانِي يَكُونُ رَهْنًا بِالْعَشَرَةِ الْأُولَى وَيَكُونُ ثُلُثُ الدِّينَارِ الثَّانِي رَهْنًا بِنِصْفِ الْخَمْسَةِ وَيَكُونُ نِصْفُهُ الثَّانِي دَيْنًا عَلَيْهِ بِلَا رَهْنٍ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الزِّيَادَةُ فِي دَيْنِ الرَّهْنِ غَيْرُ جَائِزَةٍ فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ ابْتِدَاءً إيجَابًا لِلدَّيْنِ فَلَا يَكُونُ الدِّينَارُ الْأَوَّلُ رَهْنًا بِالْخَمْسَةِ الزَّائِدَةِ وَيَكُونُ قَدْ جَعَلَا الدِّينَارَ الزَّائِدَ رَهْنًا بِالْعَشَرَةِ الْأُولَى وَالْخَمْسَةِ الزَّائِدَةِ فَصَارَ ثُلُثَا الدِّينَارِ الْأَوَّلِ وَثُلُثُ الدِّينَارِ الثَّانِي.
وَلَمْ يَصِحَّ رَهْنُ ثُلُثِ الدِّينَارِ الْأَوَّلِ بِهَا فَصَحَّ الرَّهْنُ فِي نِصْفِهَا وَبَطَلَ فِي نِصْفِهَا الزِّيَادَاتُ، أَصْلُهُ أَنَّ الدَّيْنَ يُقْسَمُ عَلَى الْأَمَةِ الْمَرْهُونَةِ وَوَلَدِهَا الْمَوْلُودِ فِي الرَّهْنِ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْوَلَدِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ، وَإِنْ صَارَ مَرْهُونًا وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ لَهُ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ مَا لَمْ يَصِرْ مَقْصُودًا وَإِنَّمَا يَصِيرُ مَقْصُودًا وَقْتَ الْفِكَاكِ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ الْقَبْضَ الَّذِي لَهُ شُبْهَةٌ بِالْعَقْدِ.
[مَسَائِلُهُ عَلَى فُصُولٍ]
ٍ: أَحَدُهَا فِي الْأَمَةِ الْمَرْهُونَةِ إذَا وَلَدَتْ، ثُمَّ زِيدَ فِي الرَّهْنِ. وَالثَّانِي فِي إحْدَى الْأَمَتَيْنِ الْمَرْهُونَتَيْنِ إذَا وَلَدَتَا، ثُمَّ زِيدَ فِي الرَّهْنِ. وَالثَّالِثُ فِي الْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ إذَا اعْوَرَّتْ، ثُمَّ زِيدَ فِي الرَّهْنِ، وَلَوْ رَهَنَ جَارِيَةً بِأَلْفٍ تُسَاوِي أَلْفًا فَوَلَدَتْ مَا يُسَاوِي أَلْفًا، ثُمَّ مَاتَتْ الْأَمَةُ فَزَادَ الرَّهْنُ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا افْتَكَّهُمَا مِنْ الْمُرْتَهِنِ بِنِصْفِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ انْقَسَمَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقِيمَةِ، ثُمَّ حِصَّةُ الْأُمِّ وَهِيَ خَمْسُمِائَةٍ قَدْ سَقَطَتْ بِهَلَاكِهَا وَصَارَ الْوَلَدُ أَصْلًا فِي الرَّهْنِ بِشَرْطِ بَقَائِهِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ فَدَخَلَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَانْقَسَمَتْ الْخَمْسُمِائَةِ الْبَاقِيَةُ عَلَى الْعَبْدِ الزَّائِدِ وَالْوَلَدِ نِصْفَيْنِ، وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ اُسْتُرِدَّ الْعَبْدُ بِلَا شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا هَلَكَ الْوَلَدُ صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ أَصْلًا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا قِسْطَ لَهُ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ كُلَّ الدَّيْنِ سَاقِطٌ بِهَلَاكِ الْأُمِّ وَأَنَّهُ زَادَ الْعَبْدَ، وَلَيْسَ هُنَاكَ دَيْنٌ قَائِمٌ فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ بَاطِلَةً فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
وَلَوْ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّهُ زَادَ حَتَّى صَارَ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ يَفْتَكُّ الْأَوَّلَ وَالْعَبْدَ بِثُلُثَيْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ فِي انْقِسَامِ الدَّيْنِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْوَلَدِ وَقْتَ الْفِكَاكِ وَقِيمَةُ الْأُمِّ وَقْتَ الْعَقْدِ أَلْفٌ فَانْقَسَمَ الدَّيْنُ أَثْلَاثًا فَسَقَطَ ثُلُثُهُ بِهَلَاكِ الْأُمِّ وَبَقِيَ ثُلُثَاهُ تَبَعًا لِلْوَلَدِ، وَلَوْ نَقَصَ فَصَارَ يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ افْتَكَّهُ بِثُلُثِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سَقَطَ بِهَلَاكِ الْأُمِّ ثُلُثَا الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ انْقَسَمَ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا ثُلُثُهُ بِإِزَاءِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ
стр. 2855
يَوْمَ الْفِكَاكِ ثُلُثُ قِيمَةِ الْأُمِّ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَلَوْ نَمَتْ الْأُمُّ وَزَادَ الْعَبْدُ فَفِيهِ نِصْفُ الدَّيْنِ، وَفِي الْأُمِّ وَوَلَدِهَا نِصْفُهُ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ لَمَّا كَانَتْ قَائِمَةً كَانَ الْوَلَدُ تَبَعًا لَهَا فِي الرَّهْنِ فَمَا لَمْ يَظْهَرْ نَصِيبُ الْأَصْلِ لَا يُعْتَبَرُ التَّبَعُ فِي الِانْقِسَامِ؛ لِأَنَّ التَّبَعَ يَدْخُلُ مَعَ الْأَصْلِ فِي الِانْقِسَامِ فَانْقَسَمَ الدَّيْنُ عَلَى الْجَارِيَةِ وَعَلَى الْعَبْدِ الزَّائِدِ نِصْفَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَتْ الْجَارِيَةُ، ثُمَّ زِيدَ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ صَارَ أَصْلًا فِي الرَّهْنِ بِفَوَاتِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ اتِّبَاعَ الْقَائِمِ لِلْهَلَاكِ لَا يُتَصَوَّرُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا فَاعْتَبَرْنَاهُ فِي الِانْقِسَامِ أَصْلًا فَانْقَسَمَ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى الْوَلَدِ وَالْعَبْدِ الزِّيَادَةِ.
رَهَنَ جَارِيَةً تُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ فَقَضَاهُ مِنْ الدَّيْنِ خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ زَادَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا فَالْعَبْدُ رُهِنَ بِثُلُثَيْ الْخَمْسِمِائَةِ الْبَاقِيَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الرَّهْنِ إنَّمَا تَصِحُّ فِي حَقِّ الْقَائِمِ مِنْ الدَّيْنِ دُونَ السَّاقِطِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ اسْتِيفَاءٌ وَإِيفَاءُ السَّاقِطِ وَالْمُتَوَفَّى لَا يُتَصَوَّرُ وَالْقَائِمُ مِنْ الدَّيْنِ خَمْسُمِائَةٍ فَيُقْسَمُ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ وَعَلَى نِصْفِ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ نِصْفَهَا بَقِيَ مَشْغُولًا بِالْخَمْسِمِائَةِ الْمُسْتَوْفَاةِ مَضْمُونًا وَنَابَهَا، فَإِنَّ اسْتِيفَاءَ الدَّيْنِ لَا يُخْرِجُ الرَّهْنَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا حَتَّى لَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ يَسْتَرِدُّ الرَّاهِنُ الْمُسْتَوْفَى فَانْقَسَمَتْ الْخَمْسُمِائَةِ الْبَاقِيَةُ أَثْلَاثًا ثُلُثَاهُ فِي الْعَبْدِ الزِّيَادَةِ، فَإِنْ وَجَدَ الْمُرْتَهِنُ مَا اقْتَضَاهُ سَتُّوقَةً.
فَالْعَبْدُ وَالْجَارِيَةُ رَهْنٌ بِأَلْفٍ؛ لِأَنَّ السَّتُّوقَةَ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَبِقَبْضِهَا لَا يَصِيرُ مُقْتَضِيًا وَمُسْتَوْفِيًا فَتَبَيَّنَ أَنَّ جَمِيعَ الدَّيْنِ كَانَ قَائِمًا حَتَّى زَادَهُ الْعَبْدُ، وَإِنْ وَجَدَهُ زُيُوفًا أَوْ مُسْتَحَقًّا فَرَدَّهُ فَالْجَارِيَةُ رَهْنٌ بِأَلْفٍ وَالْعَبْدُ رَهْنٌ مَعَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ، وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ أَخْذُ الْجَارِيَةِ بِخَمْسِمِائَةٍ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْأَلْفَ، وَإِنْ أَدَّى خَمْسَمِائَةٍ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّ الزُّيُوفَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ إلَّا أَنَّ بِهِ عَيْبًا وَوُجُودُ الْعَيْبِ لَا يُبَدِّلُ جِنْسَهُ كَمَا فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ فَصَارَ مُقْتَضِيًا وَمُسْتَوْفِيًا لَا مُسْتَبْدِلًا فَحِينَ زَادَ الْعَبْدُ كَانَ الْقَائِمُ مِنْ الدَّيْنِ خَمْسَمِائَةٍ فَصَارَ الْعَبْدُ زِيَادَةَ قِيمَةٍ فَانْقَسَمَتْ الْخَمْسُمِائَةِ عَلَيْهَا وَالرَّدُّ بِعَيْبِ الزِّيَادَةِ يَنْقُصُ الْقَبْضَ مِنْ الْأَصْلِ وَلَكِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَابِضًا، أَلَا تَرَى أَنَّ عِتْقَ الْمُكَاتَبِ لَا يَبْطُلُ بِرَدِّ الْمَوْلَى الْمَالَ بِعَيْبِ الزِّيَافَةِ فَلِهَذَا كَانَ الْعَبْدُ زِيَادَةً فِي الْخَمْسِمِائَةِ خَاصَّةً.
رَهَنَ جَارِيَتَيْنِ بِأَلْفٍ تُسَاوِي كُلُّ وَاحِدَةٍ أَلْفًا وَزَادَهُ عَبْدٌ فَوَلَدَتْ إحْدَاهُمَا وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا، ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمُّ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ يَمُوتُ خَمْسُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْأَلْفِ يَسْقُطُ بِهَلَاكِ إحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهَا أَلْفٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ انْقَسَمَ عَلَيْهَا وَعَلَى وَلَدِهَا نِصْفَيْنِ فَسَقَطَ بِهَلَاكِهَا حِصَّتُهَا وَهِيَ خَمْسُمِائَةٍ وَبَقِيَ الْوَلَدُ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَفِي الْجَارِيَةِ الْبَاقِيَةِ أَلْفٌ وَالْعَبْدُ الزَّائِدُ يَدْخُلُ ثُلُثَاهُ مَعَ الْجَارِيَةِ الْبَاقِيَةِ وَثُلُثُهُ مَعَ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ صَارَ أَصْلًا لِفَوَاتِ مَتْبُوعِهِ فَدَخَلَ فِي الْخَمْسِمِائَةِ الَّتِي فِي الْوَلَدِ فَيُقْسَمُ ذَلِكَ عَلَى قِيمَةِ الْوَلَدِ وَهِيَ أَلْفٌ وَعَلَى ثُلُثِ قِيمَةُ الْعَبْدِ وَذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ فَاجْعَلْ هَذَا الْقَدْرَ بَيْنَهُمَا فَتَكُونُ قِيمَةُ الْوَلَدِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ وَانْقَسَمَتْ الْخَمْسُمِائَةِ أَرْبَاعًا رُبُعُهَا فِي ثُلُثِ الْعَبْدِ الزَّائِدِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا فِي الْوَلَدِ.
وَأَمَّا الْأَلْفُ الَّتِي فِي الْجَارِيَةِ الْبَاقِيَةِ انْقَسَمَتْ عَلَى قِيمَتِهَا وَهِيَ أَلْفٌ وَعَلَى قِيمَةِ ثُلُثَيْ الْعَبْدِ الزِّيَادَةِ وَذَلِكَ سِتُّمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ فَاجْعَلْ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ فَصَارَ ثُلُثَا الْعَبْدِ الزَّائِدِ سَهْمَيْنِ وَالْجَارِيَةُ الْبَاقِيَةُ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ فَيَكُونُ كُلُّهُ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ فَانْقَسَمَتْ الْأَلْفُ عَلَيْهِمَا أَخْمَاسًا وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةٍ فِي ثُلُثَيْ الْعَبْدِ الزَّائِدِ وَثَلَاثَةِ أَخْمَاسِهِ وَذَلِكَ سِتُّمِائَةٍ فِي الْجَارِيَةِ الْبَاقِيَةِ فَصَارَ جُمْلَةُ مَا فِي الْعَبْدِ خَمْسَمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَلَوْ لَمْ يَمُتْ الْعَبْدُ وَمَاتَ الْوَلَدُ فَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ الْبَاقِيَةُ بِالْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ الْوَلَدُ صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ سَقَطَ بِمَوْتِ أُمِّهِ مَا كَانَ فِيهَا وَذَلِكَ أَلْفٌ وَبَقِيَ الْعَبْدُ الزَّائِدُ مَعَ الْجَارِيَةِ الْبَاقِيَةِ رَهْنًا بِأَلْفٍ، وَلَوْ لَمْ يَمُتْ الْوَلَدُ وَمَاتَتْ الْجَارِيَةُ الْبَاقِيَةُ تَمُوتُ بِسِتِّمِائَةٍ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهَا سِتُّمِائَةٍ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَهَا يَمُوتُ بِخَمْسِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قِيمَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ إلَّا الْجَارِيَةُ الْأُولَى وَبَلَغَتْ قِيمَةُ الْوَلَدِ أَلْفَيْنِ، فَإِنَّهُمْ جَمِيعًا بِأَلْفَيْنِ وَثُلُثِ أَلْفٍ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الِانْقِسَامِ قِيمَةُ الْوَلَدِ يَوْمَ الْفِكَاكِ وَيَبْقَى أَلْفَانِ فَانْقَسَمَ مَا كَانَ فِي أُمِّهِ عَلَى قِيمَةِ الْأُمِّ يَوْمَ الْعَقْدِ وَعَلَى قِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ الْفِكَاكِ أَثْلَاثًا سَقَطَ بِمَوْتِ أُمِّهِ ثُلُثَاهُ وَذَلِكَ أَلْفٌ بَقِيَ وَثُلُثُ أَلْفٍ فَصَارُوا رَهْنًا بِمَا بَقِيَ، فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ مَاتَ بِأَرْبَعِمِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَتِسْعِينَ وَتُسْعٍ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ كَانَ زِيَادَةً فِي الْقَائِمِ مِنْ الدَّيْنِ فَدَخَلَ عَلَى الْوَلَدِ وَالْجَارِيَةِ الْقَائِمَةِ أَخْمَاسًا خُمُسَاهُ مَعَ الْوَلَدِ وَقِيمَةُ ذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةٍ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ مَعَ الْجَارِيَةِ وَقِيمَةُ ذَلِكَ سِتُّمِائَةٍ، ثُمَّ انْقَسَمَ مَا فِي الْوَلَدِ
стр. 2856
وَذَلِكَ ثُلُثَا الْأَلْفِ عَلَى قِيمَةِ الْوَلَدِ وَهِيَ أَلْفَانِ وَعَلَى خُمُسَيْ الْعَبْدِ الزَّائِدِ وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةٍ فَاجْعَلْ مِقْدَارَهُ أَرْبَعَمِائَةِ سَهْمٍ فَصَارَ قِيمَةُ الْوَلَدِ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ فَانْقَسَمَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا أَسْدَاسًا سُدُسُهُ وَهُوَ مِائَةٌ وَأَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَتُسْعٌ فِي خُمُسِ الْعَبْدِ وَخَمْسَةِ أَسْدَاسِهِ وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ وَخَمْسَةُ أَتْسَاعِ حِصَّةِ الْوَلَدِ وَانْقَسَمَ مَا فِي الْجَارِيَةِ الْبَاقِيَةِ عَلَى قِيمَتِهَا وَهِيَ أَلْفٌ وَعَلَى قِيمَةِ ثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الْعَبْدِ وَذَلِكَ سِتُّمِائَةٍ فَاجْعَلْ كُلَّ مِائَتَيْنِ سَهْمًا فَصَارَتْ الْجَارِيَةُ الْبَاقِيَةُ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الْعَبْدِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ فَصَارَ كُلُّهُ ثَمَانِيَةَ أَسْهُمٍ يَكُونُ لِكُلِّ سَهْمٍ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَتُسْعٌ يَكُونُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَسِتَّةً وَثَمَانِينَ وَتُسْعًا، فَإِنْ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ فَحَصَلَ فِي ثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الْعَبْدِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ إذَا ضَمَمْتَهُ إلَى مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ وَتُسْعٍ يَكُونُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَسِتَّةً وَثَمَانِينَ وَتُسْعًا، فَإِنْ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ وَالْعَبْدُ بَقِيَ الْوَلَدُ بِخَمْسِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسَةِ أَتْسَاعٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حِصَّتُهُ مِنْ الدَّيْنَيْنِ، وَإِنْ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ مَاتَتْ بِخَمْسِمِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَعِشْرِينَ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ أَصْلُهُ أَنَّ الْوَلَدَ الْحَادِثَ وَالْمَرْهُونَةَ بَعْدَ الْعَوَرِ يُجْعَلَانِ كَالْمَوْجُودِ قَبْلَ الْعَوَرِ حَتَّى يَعُودَ بِسَبَبِهِ بَعْضُ مَا كَانَ سَاقِطًا مِنْ الدَّيْنِ وَمَسَائِلُهُ عَلَى أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا فِي الزِّيَادَةِ بَعْدَ الْعَوَرِ.
وَالثَّانِي فِي الزِّيَادَةِ بَعْدَ قَضَاءِ بَعْضِ الْمَالِ الْأَوَّلِ رَهَنَ جَارِيَةً تُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ فَاعْوَرَّتْ فَزَادَ الرَّاهِنُ جَارِيَةً تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ فَوَلَدَتْ الْجَارِيَةُ الْعَوْرَاءُ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا، ثُمَّ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ الزَّائِدَةُ يَفْتَكُّ الْجَارِيَةَ الْعَوْرَاءَ وَلَدُهَا بِتِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ جُزْءًا مِنْ ثَمَانِينَ جُزْءًا وَتَذْهَبُ الْجَارِيَةُ الزَّائِدَةُ بِأَحَدٍ وَعِشْرِينَ مِنْ ثَمَانِينَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ هَذَا الْوَلَدَ الْحَادِثَ بَعْدَ الِاعْوِرَارِ كَالْحَادِثِ قَبْلَ الِاعْوِرَارِ فَانْقَسَمَ جَمِيعُ الدَّيْنِ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ فَلَمَّا اعْوَرَّتْ سَقَطَ بِالِاعْوِرَارِ نِصْفُ مَا فِيهَا وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ وَبَقِيَ سَبْعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ يَعُودُ بَعْدَمَا سَقَطَ فَلَمَّا زَادَتْ زِيَادَةً تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ صَارَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي الْقَائِمِ مِنْ الدَّيْنِ فَانْقَسَمَتْ الْجَارِيَةُ الزَّائِدَةُ أَثْلَاثًا ثُلُثٌ صَارَ مَضْمُومًا إلَى نِصْفِ الْوَلَدِ وَثُلُثٌ صَارَ مَضْمُومًا إلَى الْعَوْرَاءِ، ثُمَّ بَاقِي نِصْفِ الْوَلَدِ وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ انْقَسَمَ عَلَى قِيمَةِ الْوَلَدِ وَثُلُثِ الزَّائِدَةِ الْوَجْهُ الثَّانِي لَوْ لَمْ تَعَوَّرْ الْجَارِيَةُ وَقَضَى الرَّاهِنُ خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ زَادَ جَارِيَةً تُسَاوِيَ خَمْسَمِائَةٍ ثُمَّ وَلَدَتْ الْجَارِيَةُ الْأُولَى وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا فَالْجَارِيَةُ الزَّائِدَةُ رَهْنٌ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ سَوَاءٌ كَانَتْ وَلَدَتْ بَعْدَ الزِّيَادَةِ أَوْ قَبْلَهَا وَالْبَاقِي مِنْ الدَّيْنِ وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ يُقْسَمُ عَلَى قِيمَةِ الْجَارِيَةِ الزَّائِدَةِ وَعَلَى نِصْفِ الْجَارِيَةِ الْأُولَى فَانْقَسَمَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ وَوَلَدُهَا تَبَعٌ لَهَا وَبَيَانُ التَّعْلِيلِ يُؤْخَذُ مِنْ الْمَبْسُوطِ.
قَالَ ﵀ (وَتَصِحُّ الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ لَا فِي الدَّيْنِ) يَعْنِي لَوْ زَادَ عَلَى الرَّهْنِ رَهْنًا آخَرَ جَازَ اسْتِحْسَانًا خِلَافًا لِزُفَرَ وَالزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ لَا تَصِحُّ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ أَيْضًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ دَيْنٌ آخَرُ فَيُجْعَلُ الرَّهْنُ رَهْنًا بِهِمَا وَلِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ تُصَيِّرُ بَعْضَ الرَّهْنِ رَهْنًا بِالزِّيَادَةِ وَهُوَ دَيْنٌ حَادِثٌ مَعَ بَقَاءِ الْقَبْضِ فِي الْأَصْلِ، وَهَذَا تَصَرُّفٌ فِي الرَّهْنِ لَا فِي الدَّيْنِ وَلَهُمَا وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فَيَكُونُ مَشْرُوعًا تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِمَا وَلَهُمَا أَنَّ الرَّاهِنَ تَصَرَّفَ فِي الرَّهْنِ لَا فِي الدَّيْنِ، وَلَوْ صَحَّتْ الزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ تَصِيرُ زِيَادَةً فِي الرَّهْنِ تَبَعًا فَيَنْقَلِبُ الْمَتْبُوعُ تَابِعًا وَفِيهِ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ وَتَبْدِيلُ الْمَوْضُوعِ وَهُوَ بَاطِلٌ وَفِي الْعِنَايَةِ، وَلَوْ قَالَ زِدْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ مَعَ الْأُمِّ قُسِمَ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الْأُمِّ يَوْمَ الْعَقْدِ عَلَى قِيمَةِ الزِّيَادَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ فَمَا أَصَابَ الْأُمَّ قُسِمَ عَلَيْهَا وَعَلَى وَلَدِهَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ دَخَلَتْ مَعَ الْأُمِّ، فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ بَعْدَ الزِّيَادَةِ ذَهَبَ مَا كَانَ فِيهَا وَبَقِيَ الْوَلَدُ وَالزِّيَادَةُ بِمَا فِيهَا فَلَا يَبْطُلُ الْحُكْمُ بِالزِّيَادَةِ، وَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ بَعْدَ الزِّيَادَةِ ذَهَبَ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَفِي الْعِنَايَةِ أَيْضًا، وَلَوْ قَالَ زِدْتُك هَذَا رَهْنًا مَعَ الْوَلَدِ جَازَ الْعَقْدُ وَيَكُونُ رَهْنًا مَعَ الْوَلَدِ دُونَ الْأُمِّ فَيُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ الْفِكَاكِ وَإِلَى قِيمَةِ الْأُمِّ يَوْمَ الْعَقْدِ فَمَا أَصَابَ الْوَلَدَ قُسِمَ عَلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ الْفِكَاكِ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ يَوْمَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِالْقَبْضِ.
فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الزِّيَادَةِ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ إذَا هَلَكَ خَرَجَ مِنْ الْعَقْدِ وَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَيَبْطُلُ الْحُكْمُ فِي الزِّيَادَةِ اهـ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إنَّ الزِّيَادَةَ فِي الدَّيْنِ لَا تَصِحُّ إنْ رَهَنَا لَا يَكُونُ رَهْنًا بِالزِّيَادَةِ وَأَمَّا نَفْسُ زِيَادَةِ الدَّيْنِ عَلَى الدَّيْنِ فَصَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَانَةَ بَعْدَ الِاسْتِدَانَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ جَائِزٌ إجْمَاعًا، وَإِذَا صَحَّتْ الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ، ثُمَّ قُبِضَتْ قُسِمَ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبْضِهَا وَعَلَى قِيمَةِ الْأَوَّلِ يَوْمَ قَبْضِهِ وَظَاهِرُ عِبَارَةِ إطْلَاقِ الْمُؤَلِّفِ زِيَادَةُ الدَّيْنِ شَرْطٌ فِي مُقَابَلَتِهَا رَهْنًا أَوَّلًا وَالْمَنْقُولُ التَّفْصِيلُ، قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ رَهَنَهُ عَبْدًا قِيمَتُهُ
стр. 2857
أَلْفٌ بِخَمْسِمِائَةٍ ثُمَّ زَادَهُ الْمُرْتَهِنُ بِخَمْسِمِائَةٍ عَلَى إنْ زَادَهُ الرَّاهِنُ أَمَةَ الْعَبْدِ بِالرَّهْنِ بِالدَّيْنِ كُلِّهِ فَالْأَمَةُ نِصْفُهَا رَهْنٌ مَعَ الْعَبْدِ بِخَمْسِمِائَةٍ عِنْدَهُمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ هُمَا رَهْنٌ بِالْأَلْفِ رَهَنَهُ عَبْدًا قِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ بِخَمْسِمِائَةٍ مِنْ الدَّيْنِ وَالدَّيْنُ أَلْفٌ، ثُمَّ زَادَهُ أَمَةً قِيمَتُهَا أَلْفٌ بِالْأَلْفِ كُلِّهِ فَوَلَدَتْ وَلَدًا قِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ بَقِيَ وَلَدُهَا بِثُلُثِ الْخَمْسِمِائَةِ الَّتِي كَانَ الْعَبْدُ رَهَنَهَا بِهَا وَبِثُلُثِ الْخَمْسِمِائَةِ الْأُخْرَى الدَّيْنُ أَلْفٌ فَرَهَنَهُ أَمَةً بِخَمْسِمِائَةٍ مِنْهَا قِيمَتُهَا أَلْفٌ، ثُمَّ رَهَنَهُ بِالْأَلْفِ كُلِّهِ أَمَةً تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ فَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَلَدًا قِيمَتُهُ مِثْلُ قِيمَةِ الْأُمِّ فَالْأُولَى وَوَلَدُهَا وَنِصْفُ الثَّانِيَةِ وَنِصْفُ وَلَدِهَا رَهْنٌ بِخَمْسِمِائَةٍ وَالْأَمَةُ الْقَدِيمَةُ، فَإِنْ مَاتَتْ الْأَمَةُ الزَّائِدَةُ ذَهَبَ رُبُعُ الْخَمْسِمِائَةِ الْبَاقِيَةِ وَخَمْسُونَ مِنْ الْخَمْسِمِائَةِ الْأُولَى وَبَقِيَ نِصْفُ وَلَدِهَا رَهْنًا بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْخَمْسِمِائَةِ الْبَاقِيَةِ رَجُلٌ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفٌ فَرَهَنَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ مِنْهَا أَمَةٌ تُسَاوِي مِائَتَيْنِ ثُمَّ زَادَهُ أَمَةً تُسَاوِي ثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَهُمَا رَهْنٌ بِالْمَالِ كُلِّهِ فَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَلَدًا قِيمَتُهُ مِثْلُ قِيمَةِ أُمِّهِ، ثُمَّ مَاتَتْ الْأُولَى ذَهَبَ مِنْ الْخَمْسِمِائَةِ الْأُولَى ثُلُثُهَا وَمِنْ الْخَمْسِمِائَةِ الْأَخِيرَةِ خُمُسُهَا وَبَيَانُ الدَّلِيلِ وَالتَّعْلِيلِ يُطْلَبُ مِنْ الْمُطَوَّلَاتِ.
قَالَ ﵀ (وَمَنْ رَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفٍ فَدَفَعَ عَبْدًا آخَرَ رَهْنًا مَكَانَ الْأَوَّلِ وَقِيمَةُ كُلٍّ أَلْفٌ فَالْأَوَّلُ رَهْنٌ حَتَّى يَرُدَّهُ إلَى الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنُ مِنْ الْآخَرِ أَمِينٌ حَتَّى يَجْعَلَهُ مَكَانَ الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِالْقَبْضِ وَالدَّيْنِ وَهُمَا بَاقِيَانِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الضَّمَانِ إلَّا بِرَفْعِهِمَا، وَإِذَا دَخَلَ بَقِيَ الْأَوَّلُ فِي ضَمَانِهِ وَلَا يَدْخُلُ الثَّانِي فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِأَحَدِهِمَا، فَإِذَا رَدَّ الْأَوَّلَ دَخَلَ الثَّانِي فِي ضَمَانِهِ، ثُمَّ قِيلَ يُشْتَرَطُ تَجْدِيدُ الْعَقْدِ فِيهِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْأَمَانَةِ لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ، وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ تَبَرَّعَ وَعَيْنُهُ أَمَانَةٌ عَلَى مَا عُرِفَ وَقَبْضُ الْأَمَانَةِ يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْأَمَانَةِ، وَلَوْ أَبْرَأ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ عَنْ الدَّيْنِ أَوْ وَهَبَهُ مِنْهُ، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ هَلَكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ اسْتِحْسَانًا خِلَافًا لِزُفَرَ وَقَدْ مَرَّ، وَإِذَا اشْتَرَى بِالدَّيْنِ عَيْنًا أَوْ صَالَحَ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى عَيْنٍ أَوْ أَحَالَ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ بِالدَّيْنِ عَلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ وَهَلَكَ بِالدَّيْنِ وَبَطَلَ الشِّرَاءُ وَالصُّلْحُ، وَإِذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ، ثُمَّ هَلَكَ يَهْلِكُ بِالدَّيْنِ لِتَوَهُّمِ وُجُوبِ الدَّيْنِ بِالتَّصَادُقِ فَتَكُونُ الْجِهَةُ بَاقِيَةً، وَفِي الْكَافِي ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ إذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ بَقِيَ ضَمَانُ الرَّهْنِ إذَا كَانَ تَصَادُقُهُمَا بَعْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ كَانَ وَاجِبًا ظَاهِرًا وَظُهُورُهُ يَكْفِي لِضَمَانِ الرَّهْنِ وَأَمَّا إذَا تَصَادَقَا قَبْلَهُ يَبْقَى الدَّيْنُ مِنْ الْأَصْلِ وَضَمَانُ الرَّهْنِ لَا يَبْقَى بِدُونِ الرَّهْنِ، وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُمَا إذَا تَصَادَقَا قَبْلَ الْهَلَاكِ، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِيهِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَهْلِكُ مَضْمُونًا رَجُلٌ دَفَعَ مَهْرَ امْرَأَةٍ غَيْرَ مُتَطَوِّعًا فَطَلُقَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الْوَطْءِ رَجَعَ الْمُتَطَوِّعُ بِنِصْفِ مَا أَدَّى، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا وَتَطَوَّعَ رَجُلٌ بِأَدَاءِ ثَمَنِهِ، ثُمَّ رَدَّ الْعَبْدَ بِعَيْبٍ رَجَعَ الْمُتَطَوِّعُ بِمَا أَدَّى عَنْهُمَا فَصَارَ كَأَدَائِهِمَا بِإِذْنِهِمَا قُلْنَا إنَّهُ إذَا قَضَى بِأَمْرِهِمَا رَجَعَ عَلَيْهَا بِمَا أَدَّى فَمَلَكَاهُ بِالضَّمَانِ وَهُنَا لَمْ يَمْلِكَاهُ فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْمُتَطَوِّعِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ]
أَوْرَدَ الْجِنَايَاتِ عَقِيبَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْوِقَايَةِ وَالصِّيَانَةِ، فَإِنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ لِصِيَانَةِ الْمَالِ وَحُكْمُ الْجِنَايَةِ لِصِيَانَةِ النَّفْسِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وَلَمَّا كَانَ الْمَالُ وَسِيلَةً لِبَقَاءِ النَّفْسِ قَدَّمَ الرَّهْنَ عَلَى الْجِنَايَاتِ بِنَاءً عَلَى تَقَدُّمِ الْوَسَائِلِ عَلَى الْمَقَاصِدِ كَذَا فِي أَكْثَرِ الشُّرُوحِ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَلَكِنْ قَدَّمَ الرَّهْنَ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهَا مَحْظُورَةٌ، فَإِنَّهَا عِبَارَةٌ عَمَّا لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ فِعْلُهُ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْبَيَانِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ إنَّمَا هُوَ أَحْكَامُ الْجِنَايَاتِ دُونَ أَنْفُسِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحْكَامَهَا مَشْرُوعَةٌ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَيْضًا فَلَا مَعْنَى لِتَأْخِيرِهَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ الْجِنَايَةَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا تَجْنِيهِ مِنْ شَيْءٍ أَيْ تَكْسِبُهُ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ جَنَى عَلَيْهِ شَرًّا جِنَايَةً وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يَقْبُحُ وَيَسُوءُ إلَّا أَنَّهُ فِي الشَّرْعِ خُصَّ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ حَلَّ بِالنُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ وَالْأَوَّلُ يُسَمَّى قَتْلًا وَهُوَ فِعْلٌ مِنْ الْعِبَادِ تَزُولُ بِهِ الْحَيَاةُ. وَالثَّانِي يُسَمَّى قَطْعًا وَجُرْحًا هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي الْكِتَابِ وَالشُّرُوحِ. الْكَلَامُ فِي الْجِنَايَةِ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ مَشْرُوعِيَّتِهَا، وَالثَّانِي فِي سَبَبِ وُجُوبِهَا، وَالثَّالِثُ فِي تَفْسِيرِهَا لُغَةً، وَالرَّابِعُ فِي تَفْسِيرِهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَالْخَامِسُ فِي رُكْنِهَا وَالسَّادِسُ فِي شَرْطِهَا، وَالسَّابِعُ فِي حُكْمِهَا. أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مَعْرِفَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ ﷺ «الْعَمْدُ قَوَدٌ وَالْقَتْلُ عُدْوَانٌ» وَسَبَبُ
стр. 2858
مَشْرُوعِيَّةِ الْقِصَاصِ رَفْعُ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَأَمَّا مَعْنَاهَا لُغَةً فَهِيَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يَجْنِيهِ الْمَرْءُ مِنْ شَرٍّ وَمَا اكْتَسَبَهُ تَسْمِيَةً لِلْمَصْدَرِ مِنْ جَنَى عَلَيْهِ شَرًّا وَهُوَ عَامٌّ إلَّا أَنَّهُ خُصَّ بِمَا يَحْرُمُ مِنْ الْفِعْلِ وَأَصْلُهُ مِنْ جَنَى الثَّمَرَ وَهُوَ أَخْذُهُ مِنْ الشَّجَرَةِ وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَهُوَ اسْمٌ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ لَكِنَّهُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ يُرَادُ بِهِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ اسْمُ الْجِنَايَةِ الْوَاقِعَةِ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ مِنْ الْآدَمِيِّ وَالْجِنَايَةُ الْوَاقِعَةُ فِي الْمَالِ تُسَمَّى غَصْبًا وَالْجِنَايَةُ الْوَاقِعَةُ مِنْ الْمُحْرِمِ أَوْ فِي الْحَرَمِ عَلَى الصَّيْدِ جِنَايَةُ الْمُحْرِمِ. وَأَمَّا رُكْنُهُ فَهُوَ الْقَتْلُ وَهُوَ فِعْلٌ مُضَافٌ إلَى الْعِبَادِ تَزُولُ بِهِ الْحَيَاةُ بِمُجَرَّدِ الْعَادَةِ. وَأَمَّا شَرْطُهُ فَالْمُمَاثَلَةُ وَالْمُعَادَلَةُ فِي الِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ مَشْرُوطَةٌ فِي أَجْزِيَةِ السَّيِّئَاتِ وَضَمَانِ الْعُدْوَانَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَلِأَنَّ فِي إيجَابِ النَّاقِضِ بَخْسًا بِحَقِّ الْمَظْلُومِ.
وَفِي إيجَابِ الزِّيَادَةِ جَوْرٌ عَلَى الظَّالِمِ وَالنَّجَسُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَالْحَيْفُ حَرَامٌ فَكَانَ الْإِنْصَافُ وَالِانْتِصَافُ فِي إيجَابِ الْمُمَاثَلَةِ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي مَحَالِّ الْأَفْعَالِ فِي الْأَنْفُسِ فِي نَوْعِ ضَرُورَةٍ وَهُوَ أَنَّ قَتْلَ الْوَاحِدِ بِطَرِيقِ الِاجْتِمَاعِ غَالِبٌ وُجُودًا وَيَظْهَرُ مِنْ الْأَفْرَادِ نَادِرًا وُقُوعُهَا فَقَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، وَلَوْ اعْتَبَرْنَا الْمُمَاثَلَةَ فِي مَحَلِّ الْأَفْعَالِ لَأَدَّى إلَى فَتْحِ بَابِ الْعُدْوَانِ وَسَدِّ بَابِ الْقِصَاصِ وَأَيَّةُ فَائِدَةٍ فِي شَرْعِ الْقِصَاصِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْأَنْفُسِ لِلضَّرُورَةِ وَبَقِيَتْ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْأَطْرَافِ مُعْتَبَرَةً، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى إتْلَافِ الطَّرَفِ لَيْسَ بِغَالِبٍ بَلْ هُوَ نَادِرٌ.
وَأَمَّا حُكْمُهُ فَهُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَالْإِثْمِ، قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْقَتْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: عَمْدٌ وَخَطَأٌ وَشِبْهُ عَمْدٍ، فَالْعَمْدُ وَهُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِمَّا لَهُ حَدٌّ يَقْطَعُ وَيَجْرَحُ؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْقَصْدَ مِمَّا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ الضَّرْبَ بِآلَةٍ جَارِحَةٍ قَابِلَةٍ قَاطِعَةٍ دَلِيلٌ عَلَى الْقَتْلِ فَيُقَامُ مَقَامَ الْعَمْدِ، ثُمَّ آلَةُ الْقَتْلِ عَلَى ضَرْبَيْنِ آلَةُ السِّلَاحِ وَغَيْرُ السِّلَاحِ أَمَّا السِّلَاحُ فَكُلُّ آلَةٍ جَارِحَةٍ كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَنَحْوِهِمَا فَيُقْتَلُ بِهِ وَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ، وَلَوْ قَتَلَهُ بِحَدِيدٍ لَا حَدَّ لَهُ، نَحْوُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِعَمُودٍ أَوْ بِصَنْجَةٍ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ صُفْرٍ فَعَلَى رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ يَكُونُ عَمْدًا مَحْضًا؛ لِأَنَّ الْحَدِيدَ إذَا لَمْ يَجْرَحْ يَكُونُ عَمْدًا لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا قَوَدَ إلَّا مِنْ حَدِيدٍ» وَالْحَدِيدُ أَصْلٌ فِي الْقَتْلِ بِهِ وَأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي إيجَابِ الْقَوَدِ بِهِ وَالْحُكْمُ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ النَّصِّ لَا بِالْمَعْنَى وَالنَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْحَدِيدِ وَالسَّيْفِ يَكُونُ وَارِدًا فِيمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ دَلَالَةً وَالنُّحَاسُ يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ السِّلَاحُ كَمَا يُسْتَعْمَلُ مِنْ الْحَدِيدِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ ثَابِتًا بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا بِعَيْنِهِ، وَلَوْ ضَرَبَهُ بِصَنْجَةٍ رَصَاصٍ لَا يَكُونُ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ اسْتِعْمَالَ الْحَدِيدِ وَهُوَ السِّلَاحُ، وَأَمَّا غَيْرُ السِّلَاحِ كَاللِّيطَةِ وَالْمَرْوَةِ وَالرُّمْحِ الَّذِي لَا سِنَانَ فِيهِ وَنَحْوِهِ إذَا جَرَحَهُ فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَرَّقَ الْأَجْزَاءَ عَمِلَ عَمَلَ السَّيْفِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحَدِيدِ بِمَا هُوَ مُعْتَادٌ لَهُ فَلَا تَكُونُ شُبْهَةُ الْعَمْدِ اعْتِبَارَ قُصُورِ الْآلَةِ وَلِهَذَا قَالَ إذَا أَحْرَقَ رَجُلًا بِالنَّارِ يُقْتَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّارَ تُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ وَتُبَعِّضُهَا وَتَعْمَلُ عَمَلَ الْحَدِيدِ، وَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ وَهُوَ الْقَتْلُ بِآلَةٍ لَمْ تُوْضَعْ لَهُ، وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ الْمَوْتُ غَالِبًا مِثْلُ السَّوْطِ الصَّغِيرِ وَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ وَنَحْوِهِ.
فَأَمَّا الْقَتْلُ بِالْعَصَا الْكَبِيرِ وَبِكُلِّ آلَةٍ مُثْقَلَةٍ يَحْصُلُ بِهَا الْمَوْتُ غَالِبًا لَكِنَّهَا غَيْرُ جَارِحَةٍ قَاطِعَةٍ بَلْ هِيَ مُدَقِّقَةٌ مُكَسِّرَةٌ وَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لَهُمْ لِمَا يَأْتِي. وَأَمَّا الْخَطَأُ وَهُوَ مَا لَوْ تَعَمَّدَ شَبَهًا فَيُصِيبُ آدَمِيًّا أَوْ يَقْصِدُهُ فَيَظُنُّهُ صَيْدًا أَوْ حَرْبِيًّا، فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ وَنَوْعُ مَا هُوَ مُلْحَقٌ بِالْخَطَأِ كَالنَّائِمِ إذَا انْقَلَبَ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ، وَكَذَا الْقَتْلُ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ كَحَفْرِ الْبِئْرِ وَوَضْعِ الْحَجَرِ فِي الطَّرِيقِ الْمَمَرِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَسَبَّبَ لِلْقَتْلِ صَارَ كَالْمُوقِعِ وَالدَّافِعِ وَلَمَّا لَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ هُوَ كَالْخَطَأِ فِي الْحُكْمِ وَلَا يَكُونُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ لَا يَخْتَصُّ إتْلَافُهُ بِآلَةٍ دُونَ آلَةٍ بَلْ يَخْتَصُّ بِآلَةٍ جَارِحَةٍ قَاطِعَةٍ، فَأَمَّا الْقَتْلُ يَخْتَصُّ بِآلَاتٍ بَعْضُهَا جَارِحَةٌ قَاطِعَةٌ وَبَعْضُهَا لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ النَّفْسِ بِاخْتِلَافِ الْآلَاتِ، وَأَمَّا حُكْمُهَا فَسَيَأْتِي، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَتْلَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: عَمْدٌ وَخَطَأٌ وَشِبْهُ عَمْدٍ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ، قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَجْهُ الِانْحِصَارِ فِي هَذِهِ الْخَمْسَةِ هُوَ أَنَّ الْقَتْلَ إذَا صَدَرَ عَنْ إنْسَانٍ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ حَصَلَ بِسِلَاحٍ أَوْ بِغَيْرِ سِلَاحٍ، وَإِنْ حَصَلَ بِسِلَاحٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ قَصْدُ الْقَتْلِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ عُدْوَانٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ خَطَأٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِسِلَاحٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ جَارِيًا مَجْرَى الْخَطَأِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ قَصْدُ التَّأْدِيبِ أَوْ الضَّرْبِ أَوْ لَا.
فَإِنْ كَانَ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ جَارِيًا مَجْرَى الْخَطَأِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ الْخَطَأُ، وَإِنْ لَمْ
стр. 2859
يَكُنْ فَهُوَ الْقَتْلُ بِسَبَبٍ وَبِهَذَا الِاخْتِصَارِ يُعْرَفُ تَفْسِيرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْقَتْلَ خَطَأً مَخْصُوصًا بِمَا حَصَلَ بِسِلَاحٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْقَتْلَ الْخَطَأَ كَمَا يَكُونُ بِسِلَاحٍ يَكُونُ أَيْضًا بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ كَالْحَجَرِ الْعَظِيمِ وَالْخَشَبَةِ الْعَظِيمَةِ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا مَجْرَى الْخَطَأِ فَهُوَ الْقَتْلُ بِسَبَبٍ لَيْسَ بِتَامٍّ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ جَارِيًا مَجْرَى الْخَطَأِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ بِسَبَبٍ أَلْبَتَّةَ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ بِخَطَإٍ مَحْضٍ أَيْضًا فَلَا يَتِمَّ الْحَصْرُ فِي الْقَتْلِ بِسَبَبٍ وَلَمَّا تَنَبَّهْ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ لِمَا فِي وَجْهِ الْحَصْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مِنْ الْقُصُورِ، قَالَ فِي بَيَانِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْقَتْلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ وَذَلِكَ أَنَّا اسْتَقْرَيْنَا فَوَجَدْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ أَحَدَ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْمَذْكُورَةِ، وَنَقَلَ مَا ذَكَرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مِنْ وَجْهِ الْحَصْرِ، فَقَالَ وَضَعْفُهُ وَرَكَاكَتُهُ ظَاهِرَانِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَبَيَانٍ، وَالْمُرَادُ بَيَانُ قَتْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ أَنْوَاعَ الْقَتْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قَتْلٌ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى ضَمَانِ الْقَتْلِ وَعَدَمِ ضَمَانِهِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ كَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَالْقَتْلِ قِصَاصًا وَالْقَتْلِ رَجْمًا وَالْقَتْلِ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ وَقَتْلِ الْحَرْبِيِّ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ.
الْأَيْمَانُ ثَلَاثَةٌ، وَلَمْ يُرِدْ جِنْسَ الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ يَمِينٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَيَمِينٌ بِالطَّلَاقِ وَيَمِينٌ بِالْعَتَاقِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْأَيْمَانَ بِاَللَّهِ تَعَالَى اهـ.
قَالَ قَاضِي خان أَقُولُ: فِيمَا قَالُوا نَظَرٌ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ بَلْ يَدْخُلُ كُلٌّ مِنْ ذَلِكَ فِي وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْجُهِ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَقَتْلِ الْحَرْبِيِّ وَالْقَتْلِ قِصَاصًا أَوْ رَجْمًا أَوْ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ يَكُونُ قَتْلًا عَمْدًا إنْ تَعَمَّدَ الْقَاتِلُ ضَرْبَ الْمَقْتُولِ بِسِلَاحٍ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ، وَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ إنْ تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ وَلَا مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ وَيَكُونُ خَطَأً إنْ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ التَّعَمُّدِ بَلْ كَانَ بِطَرِيقِ الْخَطَإِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْجُهِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنَّمَا تَكُونُ تِلْكَ الْأَنْوَاعُ الْمُبَاحَةُ مِنْ الْقَتْلِ خَارِجَةً عَنْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ لِهَذِهِ الْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ فَلَا مَعْنَى لِلْقَوْلِ بِأَنَّ أَنْوَاعَ الْقَتْلِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةٍ، وَإِنْ قُلْتُ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ خُرُوجُ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ مِنْ الْأَحْكَامِ لِلْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ لِلْقَتْلِ إلَّا مِنْ نَفْسِ هَذِهِ الْأَوْجُهِ، وَحُكْمُ الشَّيْءِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ قُلْتُ: قَدْ يَكُونُ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى شَيْءٍ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا وُجُوبَ الْقَوَدِ مِنْ أَحْكَامِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ مَعَ أَنَّهُ لَهُ شُرُوطٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا كَوْنُ الْقَاتِلِ عَاقِلًا بَالِغًا إذْ لَا يَجِبُ الْقَوَدُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ أَصْلًا وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْمَقْتُولُ جُزْءَ الْقَاتِلِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ الْأَبُ وَلَدَهُ عَمْدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
وَكَذَا لَوْ قَتَلَتْ الْأُمُّ وَلَدَهَا، وَكَذَا الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مِلْكَ الْقَاتِلِ حَتَّى لَا يُقْتَلَ الْمَوْلَى بِعَبْدِهِ، وَمِنْهَا كَوْنُ الْمَقْتُولِ مَعْصُومَ الدَّمِ مُطْلَقًا فَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ وَلَا ذِمِّيٌّ بِالْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ وَلَا بِالْمُرْتَدِّ لِعَدَمِ الْعِصْمَة أَصْلًا وَلَا بِالْمُسْتَأْمِنِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ عِصْمَتَهُ مَا ثَبَتَتْ مُطْلَقَةً بَلْ مُؤَقَّتَةً إلَى غَايَةِ مَقَامِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ صَرَّحَ بِذَلِكَ كُلُّ مَا فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَكَذَا كَوْنُ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ شَرْطًا لِتَرْتِيبِ كُلٍّ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ لِلْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ مِنْ الْقَتْلِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوا مِنْ الْأَحْكَامِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ لَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ انْتِفَاءَ شَرْطِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَهُوَ كَوْنُ الْقَتْلِ مَعْصُومَ الدَّمِ وَكَوْنُ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَقْدَحُ فِي شَيْءٍ فَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ وَالْمُرَادُ بَيَانُ قَتْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ هُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْبَيَانِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ إنَّمَا هُوَ أَحْوَالٌ بِغَيْرِ حَقٍّ إذْ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مِنْ الْجِنَايَاتِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهَا دُونَ أَحْوَالِ مُطْلَقِ الْقَتْلِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْجُهُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ تَتَنَاوَلُ كُلَّ ذَلِكَ.
قَالَ ﵀ (مُوجِبُ الْقَتْلِ عَمْدًا وَهُوَ مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ وَنَحْوِهِ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ كَالْمُحَدَّدِ مِنْ الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ وَالنَّارِ الْإِثْمُ وَالْقَوَدُ عَيْنًا) أَيْ الْقَتْلُ الْمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُوجِبُ الْإِثْمَ وَالْقِصَاصُ مُتَعَيِّنٌ، قَالَ السِّغْنَاقِيُّ الْقَتْلُ فِعْلٌ يُضَافُ إلَى الْعِبَادِ تَزُولُ بِهِ الْحَيَاةُ.
وَفِي الْمُنْتَقَى ذَكَرَ مَا يُعْرَفُ بِهِ الْعَمْدُ مِنْ غَيْرِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ رَجُلٌ تَعَمَّدَ أَنْ يَضْرِبَ يَدَ رَجُلٍ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ بِالسَّيْفِ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ عُنُقَهُ وَأَبَانَ رَأْسَهُ فَهُوَ عَمْدٌ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَضْرِبَ يَدَ رَجُلٍ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ بِالسَّيْفِ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ عُنُقَ غَيْرِهِ فَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ أَصَابَ غَيْرَ مَا تَعَمَّدَ، وَفِي الْأَوَّلِ أَصَابَ مَا تَعَمَّدَ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إتْلَافَ طَرَفِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَلَوْ رَمَى قَلَنْسُوَةً عَلَى رَأْسِهِ فَأَصَابَ عُنُقَ غَيْرِهِ فَهُوَ خَطَأٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَصَدَ ضَرْبَ الْقَلَنْسُوَةِ فَأَصَابَهُ السَّيْفُ فَهُوَ خَطَأٌ، وَلَوْ رَمَى رَجُلًا فَأَصَابَ حَائِطًا، ثُمَّ رَجَعَ السَّهْمُ فَأَصَابَ الرَّجُلَ فَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِي إصَابَةِ الْحَائِطِ وَرُجُوعُ السَّهْمِ مَبْنِيٌّ
стр. 2860
عَلَى إصَابَةِ الْحَائِطِ لَا عَلَى الرَّمْيِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ السَّبَبَيْنِ وَالْحُكْمُ يُضَافُ فِي آخِرِ السَّبَبَيْنِ وُجُودًا، وَقَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ الْأَخِيرَةِ إصَابَةُ الْحَائِطِ فَقَطَعَ حُكْمَ الْإِصَابَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى الرَّمْيِ السَّابِقِ، وَلَوْ لَفَّ ثَوْبًا فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ إنْسَانٍ فَشَجَّهُ مُوضِحَةً فَهُوَ عَمْدٌ سَوَاءٌ اقْتَصَرَ عَلَى الشَّجَّةِ أَوْ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ أَصَابَ مَا تَعَمَّدَ بِهِ، وَقَدْ عَمِلَتْ الْآلَامُ عَمَلَهَا أَثَّرَتْ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ جَمِيعًا، وَقَدْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْرَحَ قَالَ صَارَ خَطَأً، وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الدِّيَاتِ رَجُلٌ ضَرَبَ رَجُلًا بِسَيْفٍ بِغِمْدِهِ فَخَرَقَ السَّيْفُ الْغِمْدَ فَقَتَلَهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَ الْغِمْدُ يَقْتُلُ لَوْ ضُرِبَ بِهِ وَحْدَهُ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ الْغِمْدَ لَا يُقْصَدُ بِهِ إلَّا الضَّرْبُ إذَا كَانَ يَقْتُلُ بِهِ وَهُوَ قَاصِدٌ إلَى الْقَتْلِ، وَقَدْ أَصَابَ الْمَقْتَلَ فَوَجَبَ الْقِصَاصُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَصَابَ الضَّرْبَ دُونَ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْغِمْدَ لَا يُقْصَدُ بِهِ إلَّا الضَّرْبُ عَادَةً فَصُورَةُ الْخَطَإِ هُوَ أَنْ يُصِيبَ خِلَافَ مَا قَصَدَ.
وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى رَجُلٌ ضَرَبَ رَجُلًا بِإِبْرَةٍ أَوْ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْإِبْرَةَ تَعَمُّدًا فَقَتَلَهُ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ضَرَبَهُ بِمِسَلَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَةَ مِمَّا لَا يُقْصَدُ بِهَا الْقَتْلُ عَادَةً، وَإِنْ كَانَتْ الْآلَةُ جَارِحَةً؛ لِأَنَّ آلَةَ الْخِيَاطَةِ دُونَ الْقَتْلِ، فَإِذَا تَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةُ عَدَمِ الْعَمْدِيَّةِ امْتَنَعَ وُجُوبُ مَا لَا يُجَامَعُ فَأَمَّا الْمِسَلَّةُ فَهِيَ آلَةٌ جَارِحَةٌ يُقْصَدُ بِهَا الْقَتْلُ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ إنْ غَرَزَ بِالْإِبْرَةِ فِي الْمَقْتَلِ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ غَرْزَ الْإِبْرَةِ فِي الْمَقْتَلِ يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ لَا التَّأْدِيبُ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى ضَرَبَ بِحَدِيدٍ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ شِبْهِهِ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ صُفْرٍ فَجَرَحَهُ وَمَاتَ أَنَّهُ يُقْتَلُ، وَإِنْ رَمَاهُ بِصَنْجَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَجَرَحَهُ أَوْ لَمْ يَجْرَحْهُ فَمَاتَ مِنْهُ قُتِلَ، وَلَوْ ضَرَبَ بِعَصًا رَأْسُهَا مُضَبَّبٌ بِالْحَدِيدِ، وَقَدْ أَصَابَ الْحَدِيدُ حَتَّى جَرَحَهُ أَوْ أَزْهَقَ سَائِرَ جَسَدِهِ أَوْ ضَرَبَهُ بِقُفَّةٍ حَدِيدٍ أَوْ شِبْهِهِ أَوْ بِقِدْرٍ حَدِيدٍ فَمَاتَ مِنْهُ قُتِلَ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قِيَاسِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَلَوْ ضَرَبَهُ بِعَصًا مِنْ خَشَبٍ قَادَ مَعَهُ أَوْ بِحَجَرٍ غَيْرِ مَمْدُودٍ لَا يُقْتَلُ، وَإِنْ كَانَ مَمْدُودًا حَتَّى جَرَحَهُ يُقْتَلُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمُجَرَّدِ لَوْ أَلْقَى رَجُلًا فِي الْمَاءِ، ثُمَّ أُخْرِجَ وَبِهِ رَمَقٌ فَمَكَثَ أَيَّامًا حَتَّى مَاتَ يُقْتَلُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَجِيءُ وَيَذْهَبُ حَتَّى مَاتَ لَمْ يُقْتَلْ، وَلَوْ قَمَطَ رَجُلًا وَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَغَرِقَ تَجِبُ الدِّيَةُ، وَلَوْ سَبَحَ سِبَاحَةً، ثُمَّ غَرِقَ لَا دِيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَرِقَ بِعَجْزِهِ وَفِي الْأَوَّلِ نَظَرٌ جَيِّدٌ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى مَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي سَبَبٍ دُونَ سَبَبٍ لَفَّ ثَوْبًا فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ رَجُلٍ فَشَجَّهُ مُوضِحًا وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَلَوْ مَاتَ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَلَوْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَمَا يَجِبُ فِي سَبَبِهِ وَمُسَبِّبِهِ أَنْ شَجَّهُ مُوضِحَةً بِحَدِيدٍ فِيهَا قِصَاصٌ، وَإِنْ مَاتَ مِنْهَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَعَلَى عَكْسِهِ مَا لَا يَجِبُ فِي سَبَبٍ وَلَا فِي مُسَبِّبِهِ أَنْ يَجْرَحَهُ بِخَشَبَةٍ عَظِيمَةٍ فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَلَوْ مَاتَ كَذَلِكَ، وَفِي الْأَجْنَاسِ وَمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ عَمْدٌ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ قَوْلَهُ مُوجِبُ هَذَا أَثَرُ الْعَمْدِ وَالْأَثَرُ مُتَأَخِّرُ وَفَصَلَ بَيْنَ الْمُبْتَدَإِ وَهُوَ قَوْلُهُ مُوجِبُهُ وَخَبَرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْإِثْمُ بِأَجْنَبِيٍّ وَهُوَ قَوْلُهُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّمِيرَ جَازَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمُضَافِ وَأَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَالضَّمِيرُ إذَا احْتَمَلَ فَسَدَ الْمَعْنَى عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فَيَتَعَيَّنُ الْإِظْهَارُ بِأَنْ يَقُولَ الْعَمْدُ أَنْ يَتَعَمَّدَ وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ مُوجِبُهُ دُونَ أَنْ يَقُولَ حُكْمُهُ وَأَثَرُهُ لِيُفِيدَ أَنَّ صِفَتَهُ الْوُجُوبُ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَحْكَامُ لَا الْحَقَائِقُ فَكَذَا قَدَّمَ الْحُكْمَ عَلَى التَّعْرِيفِ، وَهَذَا فَصْلٌ بِغَيْرِ أَجْنَبِيٍّ فَلَا يَضُرُّ وَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلَى الْأَقْرَبِ وَهُوَ الْقَتْلُ؛ لِأَنَّهُ مَحِلٌّ لِلتَّعَمُّدِ فَلَا فَسَادَ. قَوْلُهُ ضَرَبَهُ أَيْ ضَرَبَ الْمَقْتُولَ قَالُوا فَيَخْرُجُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ قَوْلُهُ ضَرَبَهُ أَيْ ضَرَبَ الْمَقْتُولَ قَالَهُ قَاضِي زَادَهْ أَقُولُ: بِرَدٍّ عَلَى الْمَقْتُولِ فِي الْمُنْتَقَى كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمُحِيطِ إذَا تَعَمَّدَ أَنْ يَضْرِبَ يَدَ رَجُلٍ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ عُنُقَ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَإِنْ بَانَ رَأْسُهُ وَقَتَلَهُ فَهُوَ عَمْدٌ وَفِيهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ أَصَابَ عُنُقَ غَيْرِهِ فَهُوَ خَطَأٌ، وَوَجْهُ الْوُرُودِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْقَتْلَ بَلْ تَعَمَّدَ ضَرْبَ الْيَدِ وَجَرَى عَمْدًا فَظَهَرَ أَنَّ الشَّرْطَ، وَلَوْ لِلْقَطْعِ لَا لِتَقْيِيدِ الْقَتْلِ كَمَا قَالُوا أَمَّا اشْتِرَاطُ الْعَمْدِ فَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَا تَتَحَقَّقُ دُونَهَا وَلَا بُدَّ مِنْهَا لِيَتَرَتَّب عَلَيْهَا الْعُقُوبَةُ لِقَوْلِهِ ﵊ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» الْحَدِيثَ.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ السِّلَاحِ فَلِأَنَّ الْعَمْدَ هُوَ الْقَصْدُ وَهُوَ فِعْلٌ قَدْ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَخْفَى فَأُقِيمَ اسْتِعْمَالُ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ غَالِبًا مَقَامَهُ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إذَا قَتَلَ بِهَذِهِ الْآلَةِ، ثُمَّ قَالَ لَمْ أَقْصِدْ قَتْلَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَالْمَنْقُولُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ قَالَ فِي الْمُجَرَّدِ قَتَلْت فُلَانًا بِسَيْفِي ثُمَّ قَالَ إنَّمَا أَرَدْت غَيْرَهُ فَأَصَابَتْهُ دُرِئَ عَنْهُ الْقِصَاصُ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الْوُرُودِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ضَرَبَهُ لَا أَنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ تَعَمُّدٌ لِلضَّرْبِ لَا تَعَمُّدٌ لِلْقَتْلِ بِدَلِيلِ تَعَمُّدِ قَطْعِ الْيَدِ أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ التَّعْلِيلِ يُشْكِلُ بِمَا إذَا اسْتَعْمَلَ الْآلَةَ
стр. 2861
الْقَاتِلَةَ فِي الْقَتْلِ الْخَطَإِ كَمَا إذَا رَمَى شَخْصًا بِسَهْمٍ أَوْ ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ يَظُنُّهُ صَيْدًا، فَإِذَا هُوَ آدَمِيٌّ أَوْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا، فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ، وَهَذَا فِي نَوْعِ الْخَطَإِ فِي الْقَصْدِ، وَكَذَا إذَا رَمَى عَرَضًا بِآلَةٍ قَاتِلَةٍ فَأَصَابَ آدَمِيًّا، وَهَذَا فِي نَوْعِ الْخَطَإِ فِي الْفِعْلِ، فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ الَّذِي جُعِلَ دَلِيلًا عَلَى الْقَصْدِ قَدْ تَحَقَّقَ هُنَاكَ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ بَلْ هُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ عَلَى مَا نَصُّوا عَلَيْهِ قَاطِبَةً، فَإِنْ قُلْتُ: الْمُرَادُ بِاسْتِعْمَالِ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ فِي التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ اسْتِعْمَالُهَا لِضَرْبِ الْمَقْتُولِ لَا اسْتِعْمَالُهَا فِيهِ أَيْضًا لِضَرْبِ الْمَقْتُولِ لَكِنَّ الْخَطَأَ فِي وَصْفِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ قُلْتُ: الْمُرَادُ اسْتِعْمَالُهَا لِضَرْبِ الْمَقْتُولِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ لَا اسْتِعْمَالُهَا لِضَرْبِهِ مُطْلَقًا، وَفِي نَوْعِ الْخَطَإِ فِي الْقَصْدِ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْحَيْثِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ قُلْتُ: كَوْنُ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ أَمْرٌ مُضْمَرٌ رَاجِعٌ إلَى النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ فَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ كَمَا لَا يُوقَفُ عَلَى الْعَمْدِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ خَارِجِيٍّ فَتَدَبَّرْ، وَذَكَرَ قَاضِي خان أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْجُرْحُ فِي الْحَدِيدِ وَمَا يُشْبِهُ الْحَدِيدَ مِنْ النُّحَاس وَغَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ الرَّاوِيَةِ.
وَأَمَّا الْإِثْمُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] الْآيَةَ، أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الدَّلِيلُ خَاصٌّ وَالْمُدَّعَى عَامٌّ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْقَتْلِ الْمُؤْثِمُ وَالْقَوَدُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ لُزُومِ الْمَأْثَمِ وَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ مَخْصُوصَةٌ بِقَتْلِ الْمُؤْمِنِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَإِنْ أَفَادَتْ الْمَأْثَمَ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا فَقَطْ بِعِبَارَتِهَا إلَّا أَنَّهَا تُفِيدُ الْمَأْثَمَ فِي قَتْلِ الذِّمِّيِّ أَيْضًا بَدَلًا بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْعِصْمَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ نَظَرًا إلَى التَّكْلِيفِ أَوْ الدَّارِ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ، فَإِنْ قِيلَ بَقِيَ خُصُوصُ الدَّلِيلِ مَعَ عُمُومِ الْمُدَّعَى مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ، وَإِنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، وَلَمْ يَثْبُتْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْ يَقْتُلُ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ الْمُسْتَحِلُّ بِدَلَالَةِ خَالِدًا فِيهَا فَكَانَ الْقَتْلُ بِدُونِ الِاسْتِحْلَالِ خَارِجًا عَنْ مَدْلُولِ الْآيَةِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ ظُهُورَ كَوْنِ الْمُرَادِ بِمَنْ يَقْتُلُ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ الْمُسْتَحِلُّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْخُلُودِ الْمَذْكُورِ فِيهَا هُوَ الْمُكْثُ الطَّوِيلُ كَمَا ذُكِرَ فِي التَّفَاسِيرِ فَلَا يُنَافِي التَّعْمِيمُ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَلَئِنْ سَلِمَ كَوْنُ الْمُرَادِ بِذَلِكَ هُوَ الْمُسْتَحِلُّ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكُتُبِ الْكَلَامِيَّةِ وَفِي التَّفَاسِيرِ أَيْضًا فَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ تِلْكَ الْجِنَايَةِ وَتَحَقُّقِ الْإِثْمِ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا بِدُونِ الِاسْتِحْلَالِ أَيْضًا وَإِلَّا لَمَا لَزِمَ مِنْ اسْتِحْلَالِهِ الْخُلُودُ فِي النَّارِ.
وَأَمَّا الْقَوَدُ فَلِقَوْلِهِ ﵊ الْعَمْدُ قَوَدٌ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] الْآيَةَ إلَّا أَنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِوَصْفِ الْعَمْدِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ مُوجِبُهُ يَعْنِي أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يُوجِبُ الْقَوَدَ بِالْقِصَاصِ أَيْنَمَا يُوجَدُ الْقَتْلُ وَلَا يُفْصَلُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ إلَّا أَنَّهُ تَقَيَّدَ بِوَصْفِ الْعَمْدِيَّةِ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ مُوجِبُهُ قَوَدٌ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ قَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» لَا يُوجِبُ التَّقْيِيدَ؛ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالذِّكْرِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ لَمْ يُوجِبْ هَذَا الْخَبَرُ تَقْيِيدَ الْآيَةِ لَمْ يَكُنْ الْقَوَدُ مُوجِبَ الْعَمْدِ فَقَطْ فَلَا يَكُونُ لِذِكْرِ لَفْظِ الْعَمْدِ فَائِدَةٌ اهـ.
أَقُولُ: سُؤَالٌ ظَاهِرُ الْوُرُودِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْطِرَ بِبَالِ كُلِّ ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ وَلَكِنْ لَمْ أَرَ أَحَدًا سِوَاهُ حَاوَلَ ذِكْرَهُ وَأَمَّا جَوَابُهُ فَمَنْظُورٌ فِيهِ عِنْدِي لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ حُكْمِ الْعَمْدِ فَقَطْ بِأَنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ قَتْلَ الْعَمْدِ فَصَارَ قَوْلُهُ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِمْ فَفَائِدَةُ ذِكْرِ لَفْظِ الْعَمْدِ حِينَئِذٍ تَطْبِيقُ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ كَيْفَ يَتَعَيَّنُ تَقْيِيدُ كِتَابِ اللَّهِ بِالْحَدِيثِ الْمَزْبُورِ.
قَالَ ﵀ (إلَّا أَنْ يَعْفُونَ) يَعْنِي يَجِبُ الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْأَوْلِيَاءُ فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ بِعَفْوِهِمْ وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ هَذَا إذَا كَانَ الْعَفْوُ بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَإِنْ كَانَ بِبَدَلٍ يَجِبُ الْمَشْرُوطُ وَيَتَعَيَّنُ بِالصُّلْحِ لَا بِالْقَتْلِ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ وَيَتَعَيَّنُ بِاخْتِيَارِ الْوَلِيِّ وَلَنَا مَا تَلَوْنَا وَرَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» فَيَقْتَضِي أَنَّ جِنْسَ الْعَمْدِ وُجُودُ الْقَوَدِ لَا لِلْمَالِ وَمَنْ جَعَلَهُ مُوجِبًا لِلْمَالِ فَقَدْ زَادَ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ بِقَوْلِهِ الْعَمْدُ قَوَدٌ لَا مَالَ فِيهِ وَلِأَنَّ الْمَالَ لَا يَصْلُحُ مُوجِبًا لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآدَمِيِّ صُورَةً وَمَعْنًى إذْ الْآدَمِيُّ خُلِقَ مُكَرَّمًا لِيَتَحَمَّلَ التَّكْلِيفَ وَيَشْتَغِلَ بِالطَّاعَةِ وَلِيَكُونَ خَلِيفَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ وَالْمَالُ خُلِقَ لِإِقَامَةِ مَصَالِحِهِ وَمُبْتَذَلًا لَهُ فِي حَوَائِجِهِ فَلَا يَصْلُحُ جَابِرًا وَقَائِمًا مَقَامَهُ وَالْقِصَاصُ يَصْلُحُ لِلْمُمَاثَلَةِ صُورَةً؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِقَوَدٍ، وَكَذَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقَتْلِ الِانْتِقَامُ. وَالثَّانِي
стр. 2862
فِيهِ كَالْأَوَّلِ وَلِهَذَا سُمِّيَ قِصَاصًا وَبِهِ تَحْصُلُ مَنْفَعَةُ الْأَحْيَاءِ بِكَوْنِهِ زَاجِرًا فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْمَالِ وَلِهَذَا يُضَافُ مَا يُوجِبُ مِنْ الْمَالِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ إلَى الصُّلْحِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ ﵊ «لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا صُلْحًا» ، وَلَوْ كَانَ عَمْدًا مُوجِبًا لِلْمَالِ لَمَا أَضَافَهُ إلَى الصُّلْحِ وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لِلْمَوْلَى عِنْدَ إعْطَاءِ الْقَاتِلِ الدِّيَةَ وَتَخْيِيرُهُ لَا يُنَافِي رِضَا الْآخَرِ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ لِلدَّائِنِ خُذْ بِدَيْنِك إنْ شِئْت دَرَاهِمَ، وَإِنْ شِئْت دَنَانِيرَ، وَإِنْ شِئْت عُرُوضًا وَمَعْنَاهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ غَيْرَ حَقِّهِ إلَّا بِرِضَا الْمَدِينِ، وَهَذَا شَائِعٌ فِي الْكَلَامِ.
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ ﵊ «لَا تَأْخُذْ إلَّا سَلَمَك أَوْ رَأْسَ مَالِك» أَيْ لَا تَأْخُذْ إلَّا سَلَمَك عِنْدَ الْمُضِيِّ فِي الْعَقْدِ وَلَا تَأْخُذْ إلَّا رَأْسَ مَالِك عِنْدَ التَّفَاسُخِ فَخَيَّرَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ إلَّا بِرِضَا الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِاتِّفَاقِهِمْ، فَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ ذَلِكَ أَوْ احْتَمَلَهُ لَا يَبْقَى حُجَّةٌ، وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ كَانَ الْقِصَاصُ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ، وَلَمْ تَكُنْ الدِّيَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وَالْعَفْوُ فِي أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٨] فِيمَا كَانَ كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَأَخْبَرَ أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ دِيَةٌ أَيْ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ أَخْذُهُ عِوَضًا عَنْ الْآدَمِيِّ وَيَتْرُكُوهُ فَخَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَنَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] الْآيَةَ وَنَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْجِهَةِ بَلْ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ وَيَأْخُذَ الدِّيَةَ الَّتِي أُبِيحَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَجَعَلَ لَهُمْ أَخْذَهَا إذَا أَعْطَوْهَا وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ عَمَّةَ الرُّبَيِّعِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا، فَقَالَ ﵊ حِينَ اخْتَصَمُوا إلَيْهِ كَتَبَ اللَّهُ الْقِصَاصَ» ، وَلَمْ يُخَيِّرْ، وَلَوْ كَانَ الْمَالُ وَاجِبًا بِهِ لَخَيَّرَ إذْ مَنْ وَجَبَ لَهُ أَخْذُ شَيْئَيْنِ عَلَى الْخِيَارِ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِأَحَدِهِمَا مُعَيَّنًا وَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِأَنْ يَخْتَارَ أَيَّهُمَا شَاءَ وَاَلَّذِي يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْوَلِيَّ إنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ قَبْلَ اخْتِيَارِ الْقِصَاصِ صَحَّ عَفْوُهُ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْوَاجِبَ بِالْقَتْلِ لَمَا صَحَّ عَفْوُهُ قَبْلَ تَعَيُّنِهِ وَاخْتِيَارُهُ إذْ الْعَفْوُ عَنْ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُوبِهِ بَاطِلٌ، فَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ هُوَ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ لَا يَنْفَرِدُ الْوَلِيُّ بِالْعُدُولِ عَنْهُ إلَى الْمَالِ بَدَلًا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ وَلَا يُجْبَرُ أَحَدٌ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ وَلِهَذَا لَوْ تَرَكَ الْمَوْلَى الْقِصَاصَ بِمَالٍ آخَرَ غَيْرِ الدِّيَةِ كَالدَّارِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْأَعْيَانِ لَا يُجْبَرُ الْقَاتِلُ عَلَى الدَّفْعِ وَأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَ نَفْسِهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُضْطَرَّ الَّذِي ذَكَرَهُ يُجْبَرُ عَلَى الشِّرَاءِ بِحَيْثُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَإِنَّمَا نَقُولُ يَأْثَمُ إذَا تَرَكَ الشِّرَاءَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَمَاتَ، وَكَذَا نَقُولُ هُنَا أَيْضًا يَأْثَمُ، ثُمَّ إذَا لَمْ يُخَلِّصْ نَفْسَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ وَالْآدَمِيُّ قَدْ يَضْمَنُ بِالْمَالِ كَمَا فِي الْخَطَإِ قُلْنَا وُجُوبُ الضَّمَانِ فِي الْخَطَإِ ضَرُورَةَ صَوْنِ الدَّمِ عَنْ الْإِهْدَارِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِثْلٌ لَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْعُقُوبَةُ وَهُوَ الْقِصَاصُ لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ صِيرَ إلَيْهِ لِصَوْنِ الدَّمِ عَنْ الْإِهْدَارِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَخَلَّطَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَأَدَّى إلَى الْتَفَانِي وَلِأَنَّ النَّفْسَ مُحْتَرَمَةٌ فَلَا تَسْقُطُ حُرْمَتُهَا بِعُذْرِ الْخَاطِئِ كَمَا فِي الْمَالِ فَيَجِبُ الْمَالُ صِيَانَةً لَهَا عَنْ الْإِهْدَارِ وَلَا يُقَالُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ لَا يُنَافِي وُجُوبَ الْمَالِ وَلَا الْعُدُولَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْجَانِي، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وَهِيَ صَحِيحَةٌ وَيَدُ الْقَاطِعِ شَلَّاءُ فَالْمَقْطُوعُ يَدُهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْشَ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ الشَّلَّاءَ.
وَكَذَا لَوْ عَفَا أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ بَطَلَ حَقُّ الْبَاقِينَ فِي الْقِصَاصِ وَوَجَبَ لَهُمْ الدِّيَةُ، وَلَوْ أَنَّهُ وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ لَمَا وَجَبَ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِمْ كَامِلًا.
قَالَ ﵀ (لَا الْكَفَّارَةُ) أَيْ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ تَجِبُ اعْتِبَارًا بِالْخَطَإِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ تَمْحُو الْإِثْمَ وَهُوَ فِي الْعَمْدِ أَكْثَرُ فَكَانَ أَدْعَى إلَى إيجَابِهَا وَلَنَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهَا أَيْضًا دَائِرًا بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ لِتَعَلُّقِ الْعِبَادَةِ بِالْمُبَاحِ وَالْعُقُوبَةِ بِالْمَحْظُورِ وَقَتْلُ الْعَمْدِ كَبِيرَةٌ مَحْضٌ فَلَا تُنَاطُ بِهِ كَسَائِرِ الْكَبَائِرِ مِثْلِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالرِّبَا قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ، فَإِنْ قُلْتُ: يُشْكِلُ بِكَفَّارَةِ قَتْلِ صَيْدِ الْمُحْرِمِ، فَإِنَّهُ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ وَمَعَ هَذَا تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ قُلْتُ: هُوَ جِنَايَةٌ عَلَى الْمَحِلِّ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ يَلْزَمُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ كَانَ جِنَايَةُ الْفِعْلِ لَوَجَبَ جَزَاءَانِ وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْمَحِلِّ يَسْتَوِي فِيهَا الْعَمَلُ وَالْخَطَأُ اهـ.
أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ بَحْثٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ السُّؤَالَ الْمَذْكُورَ؛ لِأَنَّ مَوْرِدَهُ مَضْمُونُ الدَّلِيلِ الْمَزْبُورِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ لَا تُنَاطُ بِمَا هُوَ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ لَا أَصْلُ الْمُدَّعَى وَهُوَ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ، فَإِذَا سَلِمَ كَوْنُ قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ كَبِيرَةً مَحْضَةً يَلْزَمُ أَنْ
стр. 2863
يُشْكِلَ الدَّلِيلُ الْمَزْبُورُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي جِنَايَةِ الْفِعْل أَوْ جِنَايَةِ الْمَحِلِّ.
وَكَوْنُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَحِلِّ يَسْتَوِي فِيهَا الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ إنَّمَا يُفِيدُ لَوْ وَرَدَ السُّؤَالُ عَلَى أَصْلِ الْمُدَّعَى، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ حِينَئِذٍ بِأَنَّ مَا قُلْنَاهُ فِي جِنَايَةِ الْفِعْلِ دُونَ جِنَايَةِ الْمَحِلِّ وَقَتْلُ صَيْدِ الْحَرَمِ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ جَزَاءُ الْفِعْلِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ لَا جَزَاءُ الْمَحِلِّ أَصْلًا فَلَوْ كَانَ قَتْلُ صَيْدِ الْحَرَمِ جِنَايَةً عَلَى الْمَحِلِّ لَا جِنَايَةَ الْفِعْلِ لَزِمَ أَنْ لَا تَصْلُحَ الْكَفَّارَةُ لِكَوْنِ الْكَفَّارَةِ جَزَاءَ الْفِعْلِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ لَا جَزَاءَ الْمَحِلِّ أَصْلًا وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى الْخَطَإِ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ فِي الْإِثْمِ فَشَرَعَهُ لِدَفْعِ الْأَدْنَى لَا يَدُلُّ عَلَى دَفْعِ الْأَعْلَى وَلِأَنَّ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَعِيدًا مُحْكَمًا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يَرْتَفِعُ الْمَأْثَمُ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ مَعَ وُجُودِ الشِّدَّةِ فِي الْوَعِيدِ بِنَصٍّ قَاطِعٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ مُحْكَمًا فِيهِ بِلَا دَلِيلٍ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مِنْ الْمَقْدُورَاتِ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] الْآيَةَ كُلُّ مُوجِبِهِ إذْ هُوَ مَذْكُورٌ فِي سِيَاقِ الْجَزَاءِ لِلشَّرْطِ فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ نَسْخًا وَلَا يَجُوزُ بِالرَّأْيِ.
قَالَ ﵀ (وَشِبْهُهُ وَهُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ الْإِثْمُ وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْقَاتِلِ وَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَا الْقَوَدُ) أَيْ مُوجِبُ الْقَتْلِ شِبْهِ الْعَمْدِ الْإِثْمُ وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ. وَقَوْلُهُ وَهُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ أَيْ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ فِي الْعَمْدِ وَاَلَّذِي فِي الْعَمْدِ هُوَ الْمُحَدَّدُ وَغَيْرُهُ هُوَ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَكَالْحَجَرِ وَالْعَصَا وَكُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ شِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَ الْإِمَامِ تَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى السِّلَاحِ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَيَكُونُ قَصْدُهُ الضَّرْبَ وَالتَّأْدِيبَ، وَقَالَا إذَا ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ عَظِيمٍ أَوْ بِخَشَبَةٍ عَظِيمَةٍ فَهُوَ عَمْدٌ وَشِبْهُ الْعَمْدِ أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يُقْتَلُ بِهِ غَالِبًا وَلَهُمَا أَنَّ مَعْنَى الْعَمْدِيَّةِ يَتَقَاصَرُ بِاسْتِعْمَالِ آلَةٍ لَا تَقْتُلُ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ التَّأْدِيبَ، أَمَّا الَّتِي تَقْتُلُ غَالِبًا كَالسَّيْفِ فَكَانَ عَمْدًا فَوَجَبَ الْقَوَدُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵊ رَضَّ بَيْن حَجَرَيْنِ رَأْسَ يَهُودِيٍّ وَرَضَّ رَأْسَ صَبِيٍّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، وَكَذَا قَتَلَ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَتَلَتْ امْرَأَةً بِمِسْطَحٍ وَهُوَ عَمُودُ الْفُسْطَاطِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلُهُ ﵊ أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَإِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ وَفِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خِلْفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا وَبِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ الْعَصَا الْكَبِيرَ وَالْكَلَامُ فِي مِثْلِهَا وَلِأَنَّ قَضِيَّةَ الْقَتْلِ أَمْرٌ مُبَطَّنٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَهَذِهِ الْآلَةُ لَا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى قَصْدِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لَهُ وَلَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهِ إذْ لَا يُمْكِنُ الْقَتْلُ بِهَا عَلَى غَفْلَةٍ مِنْهُ وَلَا يَقَعُ الْقَتْلُ بِهَا غَالِبًا فَقُدِّمَتْ الْعَمْدِيَّةُ كَذَلِكَ فَصَارَ كَالْعَصَا الصَّغِيرِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَهُوَ الْآلَةُ الْمَحْدُودَةُ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ الصَّغِيرِ مِنْهُمَا وَالْكَبِيرِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ صَالِحٌ لِلْقَتْلِ لِتَخْرِيبِ الْبِنْيَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَكَذَا مَا لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَجَبَ أَنْ يُسَوَّى بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْهُ حَتَّى لَا يُوجِبَ الْكُلُّ الْقِصَاصَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَدٍّ لِلْقَتْلِ وَلَا صَالِحَ لَهُ لِعَدَمِ نَقْضِ الْبِنْيَةِ ظَاهِرًا وَكَانَ فِي قَصْدِ الْقَتْلِ شَكٌّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْقُصُورِ وَالْقِصَاصُ نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ فَلَا يَجِبُ مَعَ الشَّكِّ.
وَمَا رَوَيَاهُ مِنْ رَضِّ الْيَهُودِيِّ يَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ أَنَّ الْيَهُودِيَّ كَانَ قَاطِعَ الطَّرِيقِ إذَا قَتَلَ بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا أَوْ غَيْرِهِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يُقْتَلُ بِهِ حَدًّا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ جَعَلَهُ كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ لِكَوْنِهِ سَاعِيًا فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ فَقَتَلَهُ حَدًّا كَمَا يُقْتَلُ قَاطِعُ الطَّرِيقِ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ فَضِيلَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ ضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ فَقَتَلَتْهَا فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالدِّيَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ وَقَضَى فِيمَا فِي بَطْنِهَا بِغُرَّةٍ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ أَغْرَمُ مَنْ لَا طَعِمَ وَلَا شَرِبَ وَلَا صَاحَ فَاسْتَهَلَّ وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ هَذَا مِنْ إخْوَانِ الْكُهَّانِ» مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا رَوَيَاهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى زَعْمِهِمْ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا «قَالَ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ كُنْت بَيْنَ بِنْتَيْ امْرَأَتِي فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمِسْطَحٍ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا فَقَضَى رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي جَنِينِهَا بِغُرَّةٍ وَأَنْ تُقْتَلَ بِهِ» هَكَذَا رَوَوْهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَضَرَبَتْ أَحَدُهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا عَبْدٌ وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى
стр. 2864
عَاقِلَتِهَا وَوَرِثَهَا وَلَدُهَا، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ ﵊ هَذَا مِنْ إخْوَانِ الْكُهَّانِ» ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُتَصَوَّرَ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ.
ثُمَّ لَا فَرْقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَبَيْنَ أَنْ يُوَالِيَ عَلَيْهِ ضَرَبَاتٍ حَتَّى مَاتَ كُلُّ ذَلِكَ شِبْهُ عَمْدٍ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِهِمَا فِي الْمُوَالَاةِ، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَصِيرُ عَمْدًا بِهَا فَوَجَبَ الْقِصَاصُ، وَلَوْ أَلْقَاهُ مِنْ جَبَلٍ أَوْ سَطْحٍ أَوْ غَرَّقَهُ فِي الْمَاءِ أَوْ خَنَقَهُ حَتَّى مَاتَ كَانَ ذَلِكَ شِبْهَ عَمْدٍ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا عَمْدٌ وَإِنَّمَا كَانَ إثْمًا فِي شِبْهِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا فِي دِينِهِ قَاصِدًا لَهُ وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ مِنْ وَجْهٍ فَيَدْخُلُ تَحْتَ النَّصِّ عَلَى الْخَطَإِ أَقُولُ: الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْخَطَإِ أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ بِاعْتِبَارِ الدُّخُولِ، فَإِنْ قُلْتُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ تَعَيُّنَ الْكَفَّارَةِ لِدَفْعِ الذَّنْبِ الْأَدْنَى بِالشَّرْعِ لَا تَعَيُّنُهَا كَمَا قَالُوا فِي الْعَمْدِ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ أَعْلَى ذَنْبًا مِنْ الْخَطَإِ الْمَحْضِ، فَإِنَّ الْجَانِيَ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ قَدْ قَصَدَ الضَّرْبَ وَفِي الْخَطَإِ لَمْ يَقْصِدْ الضَّرْبَ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ ذَنْبَ شِبْهِ الْعَمْدِ دَائِرٌ بَيْنَ الْأَدْنَى وَالْأَعْلَى فَإِلْحَاقُهُ بِالْأَدْنَى أَوْلَى طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ فَلِذَا وَجَبَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَنَّ صَاحِبَ الْإِيضَاحِ قَالَ فِي الْإِيضَاحِ وَجَدْت فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ لَا تَجِبُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّ الْإِثْمَ كَامِلٌ وَتَنَاهِيَهُ يَمْنَعُ شَرْعَ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّخْفِيفِ وَجَوَابُهُ عَلَى الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ إثْمُ الضَّرْبِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَهُ لَا إثْمُ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ، وَهَذِهِ الْكَفَّارَةُ تَجِبُ بِالْقَتْلِ وَهُوَ فِيهِ مُخْطِئٌ وَلَا تَجِبُ بِالضَّرْبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِالضَّرْبِ بِدُونِ الْقَتْلِ وَبِعَكْسِهِ تَجِبُ فَكَذَا عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا يُضَافُ الْوُجُوبُ إلَى الْقَتْلِ دُونَ الضَّرْبِ.
وَأَمَّا وُجُوبُ الدِّيَةِ فَلِمَا رَوَيْنَا وَإِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ مِنْ وَجْهٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَيَكُونُ مَعْذُورًا فَيَتَحَقَّقُ التَّخْفِيفُ كَذَلِكَ وَلِأَنَّهَا تَجِبُ بِنَفْسِ الْقَتْلِ فَتَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا فِي الْخَطَإِ وَلِهَذَا أَوْجَبَهَا عُمَرُ ﵁ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْقَتْلِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ كَالْخَطَإِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الْقَتْلِ وَهُوَ أَوْلَى بِالْمُجَازَاةِ لِوُجُودِ الْقَصْدِ مِنْهُ إلَى الْفِعْلِ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ كَالْخَطَإِ إلَّا فِي حَقِّ الْإِثْمِ وَصِفَةِ التَّغْلِيظِ فِي الدِّيَةِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ ﵀ (وَالْخَطَأُ وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا ظَنَّهُ صَيْدًا أَوْ حَرْبِيًّا، فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ أَوْ عَرَضًا فَأَصَابَ آدَمِيًّا وَمَا جَرَى بِمَجْرَاهُ كَالنَّائِمِ إذَا انْقَلَبَ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) قَوْلُهُ وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا إلَى آخِرِهِ تَفْسِيرٌ لِنَفْسِ الْخَطَإِ، فَإِنَّهُ عَلَى نَوْعَيْنِ خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ وَخَطَأٌ فِي الْفِعْلِ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّوْعَيْنِ بِقَوْلِهِ وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا ظَنَّهُ صَيْدًا أَوْ حَرْبِيًّا، فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ تَفْسِيرٌ لِلْخَطَإِ فِي الْقَصْدِ لَا فِي الْفِعْلِ حَيْثُ أَصَابَ مَا رَمَى وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِي الْقَصْدِ أَيْ الظَّنِّ حَيْثُ ظَنَّ الْمُسْلِمَ حَرْبِيًّا وَلَا الْآدَمِيَّ صَيْدًا. وَقَوْلُهُ أَوْ عَرَضًا فَأَصَابَ آدَمِيًّا هَذَا بَيَانٌ لِلْخَطَإِ فِي الْفِعْلِ دُونَ الْقَصْدِ فَيَكُونُ مَعْذُورًا أَقُولُ: فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ وَالْمُصَنِّفِ هُنَا تَسَامَحَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ الْخَطَإِ فِي الْقَصْدِ وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا يَظُنُّهُ صَيْدًا إلَى آخِرِهِ.
وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ الْخَطَإِ فِي الْفِعْلِ وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ عَرَضًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ نَوْعَيْ الْخَطَإِ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِهِ بَلْ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُزْءٌ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ فَكَانَ أَخَصَّ مِنْهُ جِدًّا فَلَمْ يَصْلُحْ؛ لَأَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لَهُ فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُوَ نَحْوُ أَنْ يَرْمِيَ إشَارَةً إلَى الْعُمُومِ كَمَا تَدَارَكَهُ صَاحِبُ الْوِقَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْخَطَإِ قَصْدًا كَرَمْيِهِ مُسْلِمًا ظَنَّهُ صَيْدًا أَوْ حَرْبِيًّا فِعْلًا كَرَمْيِهِ عَرَضًا فَأَصَابَ آدَمِيًّا اهـ.
ثُمَّ إنَّ صَدْرَ الشَّرِيعَةِ قَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ الْخَطَأُ ضَرْبَانِ خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ وَخَطَأٌ فِي الْفِعْلِ فَالْخَطَأُ الَّذِي فِي الْفِعْلِ أَنْ يَقْصِدَ فِعْلًا فَيَصْدُرُ مِنْهُ فِعْلٌ آخَرُ كَمَا إذَا رَمَى الْغَرَضَ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ غَيْرَهُ هَذَا هُوَ الْخَطَأُ فِي الْفِعْلِ وَأَمَّا الْخَطَأُ فِي الْقَصْدِ هُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الْخَطَأُ فِي الْفِعْلِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْخَطَأُ فِي قَصْدِهِ، فَإِنْ قَصَدَ بِهَذَا الْفِعْلَ حَرْبِيًّا لَكِنْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ الْقَصْدِ وَهُوَ الْغَرَضُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ قَصَدَهُ اهـ.
وَرَدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ حَيْثُ قَالَ الْخَطَأُ فِي الْفِعْلِ أَنْ لَا يَصْدُرَ عَنْهُ الْفِعْلُ الَّذِي قَصَدَهُ بَلْ فِعْلٌ آخَرُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ إذَا رَمَى عَرَضًا فَأَصَابَهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ أَوْ تَجَاوَزَ عَنْهُ إلَى مَا وَرَاءَهُ فَأَصَابَ رَجُلًا يَتَحَقَّقُ الْخَطَأُ فِي الْفِعْلِ وَالشَّرْطُ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا مَفْقُودٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، ثُمَّ إنْ أَخْطَأَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ اُعْتُبِرَ الْقَصْدُ فِيهِ وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ، فَإِذَا سَقَطَ مِنْ يَدِهِ خَشَبَةٌ أَوْ
стр. 2865
لَبِنَةٌ فَقَتَلَ رَجُلًا يَتَحَقَّقُ الْخَطَأُ فِي الْفِعْلِ وَلَا قَصْدَ فِيهِ اهـ.
وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ عَرَضًا هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَيَّدَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الرَّمْيَ مُعْتَبَرٌ فِي الْخَطَإِ فِي الْفِعْلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَوْ سَقَطَ مِنْهُ خَشَبَةٌ أَوْ لَبِنَةٌ فَقَتَلَ رَجُلًا هَذَا خَطَأٌ فِي الْفِعْلِ وَلَا رَمْيَ. وَقَوْلُهُ كَنَائِمٍ انْقَلَبَ عَلَى رَجُلٍ تَفْسِيرٌ لِمَا جَرَى مَجْرَى الْخَطَإِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِخَطَإٍ حَقِيقَةً وَلَمَّا وُجِدَ فِعْلُهُ حَقِيقَةً وَجَبَ عَلَيْهِ مَا أَتْلَفَهُ كَفِعْلِ الطِّفْلِ فَجَعَلَهُ كَالْخَطَإِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ كَالْمُخْطِئِ وَإِنَّمَا كَانَ حُكْمُ الْمُخْطِئِ مَا ذَكَرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] ، وَقَدْ قَضَى بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي ثَلَاثِ سِنِينَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَصَارَ إجْمَاعًا.
قَالَ ﵀ (وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَا الْكَفَّارَةُ) أَيْ مُوجِبُ الْقَتْلِ بِسَبَبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَا الْكَفَّارَةُ أَمَّا وُجُوبُ الدِّيَةِ فَلِأَنَّهُ سَبَبُ التَّلَفِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ بِالْحَفْرِ فَجُعِلَ كَالدَّافِعِ الْمُلْقِي فِيهِ فَتَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ صِيَانَةً لِلْأَنْفُسِ فَتَكُونُ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ بِهَذَا الطَّرِيقِ دُونَ الْقَتْلِ بِالْخَطَإِ فَيَكُونُ مَعْذُورًا فَتَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ تَخْفِيفًا عَنْهُ كَمَا فِي الْخَطَإِ بَلْ أَوْلَى لِعَدَمِ الْقَتْلِ مِنْهُ مُبَاشَرَةً وَلِهَذَا لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِيهِ، وَفِي الْأَصْلِ لَوْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ فَوَطِئَ دَابَّتَهُ إنْسَانٌ فَقَتَلَهُ، وَفِي الْيَنَابِيعِ أَوْ سَقَطَ مِنْ سَطْحٍ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ هَذَا كُلُّهُ قَتْلُ خَطَإٍ وَمُبَاشَرَةٍ، وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالْكَفَّارَةُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فِي حَقِّ الْقَادِرِ وَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْقَادِرِ، وَلَوْ أَفْطَرَ يَوْمًا يَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ وَلَا إطْعَامَ فِيهِ فَتُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ وَقْتَ الْأَدَاءِ لَا وَقْتَ الْوُجُوبِ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَالْكُلُّ يُوجِبُ حِرْمَانَ الْإِرْثِ إلَّا هَذَا) أَيْ كُلُّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ الَّتِي تَقَدَّمَ مِنْ عَمْدٍ وَشِبْهِهِ وَخَطَإٍ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ يُوجِبُ حِرْمَانَ الْإِرْثِ إلَّا الْقَتْلَ بِسَبَبٍ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ كَمَا لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ مُلْحَقٌ بِالْخَطَإِ فِي أَحْكَامِهِ.
قَالَ ﵀ (وَشِبْهُ الْعَمْدِ فِي النَّفْسِ عَمْدٌ فِيمَا سِوَاهَا) ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ مَا دُونَ النَّفْس لَا يَخْتَصُّ بِآلَةٍ دُونَ آلَةٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ شِبْهُ الْعَمْدِ بِخِلَافِ النَّفْسِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ عَمَّةَ الرُّبَيِّعِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا فَطَلَبُوا إلَيْهِمْ الْعَفْوَ فَأَبَوْا وَالْأَرْشَ فَأَبَوْا إلَّا الْقِصَاصَ وَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» ، وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَنَّنَا عَلِمْنَا أَنَّ اللَّطْمَةَ لَوْ أَتَتْ عَلَى النَّفْسِ لَا تُوجِبُ الْقِصَاصَ وَرَأَيْنَاهَا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ قَدْ أَوْجَبَتْهُ بِحُكْمِهِ ﵊ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ النَّفْسِ شِبْهَ عَمْدٍ فَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا دُونَهَا وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ شِبْهَ عَمْدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَمَا لَا يُوجِبُهُ]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ شَرَعَ فِي تَفْصِيلِ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ مِنْ الْقَتْلِ وَمَا لَا يُوجِبُهُ فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ قَالَ ﵀ (يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِ كُلِّ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ عَمْدًا) لِمَا بَيَّنَّا وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَحْقُونَ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ لِيَدْفَعَ شُبْهَةَ الْإِبَاحَةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ، فَيَسْتَدْعِي الْكَمَالَ فِي الْجِنَايَةِ، فَلَا يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَنْ الْمُسْتَأْمَنِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَفِيهِ الْبَحْثُ مِنْ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ الْعَفْوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَذَلِكَ يُنَافِي وَصْفَ الْقِصَاصِ بِالْوُجُوبِ الثَّانِي أَنَّ حَقْنَ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ يَزُولُ بِالِارْتِدَادِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى الثَّالِثُ أَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِمُسْلِمٍ قَتَلَ ابْنَهُ الْمُسْلِمَ، فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِيهِ، وَلَا قِصَاصَ الرَّابِعُ أَنَّ قَيْدَ التَّأْبِيدِ لِثُبُوتِ الْمُسَاوَاةِ، وَإِذَا قَتَلَ الْمُسْتَأْمَنُ مُسْلِمًا وَجَبَ الْقِصَاصُ وَلَا مُسَاوَاةَ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُودِ ثُبُوتُ الِاسْتِيفَاءِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَفْوِ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقْنِ عَلَى التَّأْبِيدِ مَا هُوَ بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَالِارْتِدَادُ عَارِضٌ لَا يُعْتَبَرُ وَرُجُوعُ الْحَرْبِيِّ أَصْلٌ لَا عَارِضٌ وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ الْقِصَاصَ ثَابِتٌ لَكِنَّهُ انْقَلَبَ لِشُبْهَةِ الْأُبُوَّةِ وَعَنْ الرَّابِعِ بِأَنَّ التَّفَاوُتَ إلَى نُقْصَانٍ غَيْرُ مَانِعٍ عَنْ الِاسْتِيفَاءِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَفِي الْكَافِي الْقِصَاصُ وَاجِبٌ بِقَتْلِ كُلِّ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا شُبْهَةُ الْمِلْكِ وَلَا شُبْهَةُ الْحُرِّيَّةِ يَعْنِي بِهِ
стр. 2866
لَيْسَ الْمَقْتُولُ بِوَلَدِهِ وَلَا هُوَ عَبْدُهُ وَلَا لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الرِّقِّ وَيُقْتَلُ، فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ سَلِيمًا وَالْمَقْتُولُ بِهِ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُبَرْسَمًا أَوْ مَقْطُوعًا أَوْ أَعْمَى أَوْ مَقْطُوعَ الْجَوَارِحِ أَوْ أَشَلَّ الْجَوَارِحِ أَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ وَفِي الْعُيُونِ ضَرَبَ رَجُلًا بِسَيْفٍ فِي غِمْدِهِ فَخَرَقَ السَّيْفُ الْغِمْدَ وَقَتَلَهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ كَانَ الْغِمْدُ لَوْ ضَرَبَ بِهِ وَحْدَهُ قَتَلَ قُتِلَ بِهِ وَفِي الْكُبْرَى وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إذَا حَمِيَ التَّنُّورُ فَأَلْقَى فِيهَا إنْسَانًا أَوْ أَلْقَاهُ فِيمَا لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنْهُ فَأَحْرَقَتْهُ النَّارُ يَجِبُ الْقِصَاصُ فَوَضْعُ الْمَسْأَلَةِ يَصِيرُ إلَى أَنَّ الْإِحْمَاءَ يَكْفِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَارٌ قَالَ الْبَقَّالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: هُوَ الصَّحِيحُ وَفِي الْبَقَّالِيِّ إذَا أَلْقَاهُ فِي النَّارِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ وَبِهِ رَمَقٌ فَبَقِيَ أَيَّامًا مَرِيضًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ قُتِلَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَجِيءُ وَيَذْهَبُ وَفِي الْخَانِيَّةِ فَمَكَثَ أَيَّامًا لَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ، وَإِنْ كَانَ يَجِيءُ وَيَذْهَبُ فَلَا وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَيْضًا وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ دِيَاتِ الْأَصْلِ إنْ غَرَّقَ إنْسَانًا بِالْمَاءِ إنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ غَالِبًا وَيُرْجَى مِنْهُ النَّجَاةُ فِي الْغَالِبِ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ خَطَأُ الْعَمْدِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَاءُ عَظِيمًا إنْ كَانَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ النَّجَاةُ مِنْهُ بِالسِّبَاحَةِ بِأَنْ كَانَ غَيْرَ مَشْدُودٍ وَلَا مُثْقَلٍ، وَهُوَ يُحْسِنُ السِّبَاحَةَ فَمَاتَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ خَطَأَ الْعَمْدِ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ النَّجَاةُ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ خَطَأُ الْعَمْدِ فَلَا قِصَاصَ وَعَلَى قَوْلِهِمَا هُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ وَيَجِبُ الْقِصَاصُ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ فَغَرِقَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا قِصَاصَ فِيهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي قَوْلِ صَاحِبَيْهِ يَجِبُ الْقِصَاصُ.
وَفِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَمَى رَجُلًا مِنْ سَفِينَةٍ فِي بَحْرٍ أَوْ فِي دِجْلَةَ أَوْ غَرِقَ كَمَا وَقَعَ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ، وَإِنْ كَانَ حِينَ أَلْقَاهُ سَبَحَ سَاعَةً ثُمَّ غَرِقَ فَلَا دِيَةَ فِيهِ وَلَوْ أَلْقَاهُ مِنْ سَطْحٍ أَوْ جَبَلٍ أَوْ أَلْقَاهُ فِي بِئْرٍ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ هَذَا خَطَأُ الْعَمْدِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا إنْ كَانَ مَوْضِعًا يُرْجَى مِنْهُ النَّجَاةُ غَالِبًا فَهُوَ خَطَأٌ، وَإِنْ كَانَ لَا تُرْجَى مِنْهُ النَّجَاةُ غَالِبًا فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِهِ عِنْدَهُمَا وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ جَرَحَ رَجُلًا جِرَاحَةً لَا يُتَوَهَّمُ مَعَهَا النَّجَاةُ وَجَرَحَ آخَرَ جِرَاحَةً أُخْرَى فَالْقَاتِلُ هُوَ الَّذِي جَرَحَهُ جِرَاحَةً لَا يُتَوَهَّمُ مَعَهَا النَّجَاةُ هَذَا إذَا كَانَتْ الْجِرَاحَتَانِ مُتَعَاقِبَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَتَا مَعًا وَكِلَاهُمَا قَاتِلَةٌ يُقْتَلَانِ بِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ رَجُلًا جِرَاحَةً لَا يُتَوَهَّمُ مَعَهَا النَّجَاةُ هَذَا إذَا كَانَتْ الْجِرَاحَتَانِ مُتَعَاقِبَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَتَا مَعًا وَكِلَاهُمَا قَاتِلَةٌ يُقْتَلَانِ بِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ رَجُلًا جِرَاحَتَيْنِ وَالْآخَرَ جِرَاحَةً وَاحِدَةً كُلًّا مِنْهَا قَاتِلَةٌ وَإِذَا جَرَحَ رَجُلًا حَتَّى مَاتَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ إنْ اعْتَادَ ذَلِكَ، فَالْإِمَامُ يَقْتُلُهُ حَدًّا، وَهُوَ نَظِيرُ السَّاحِرِ إذَا تَابَ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا إنْ دَامَ عَلَى الْخَنْقِ حَتَّى مَاتَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِحَجَرٍ عَظِيمٍ أَوْ خَشَبَةٍ عَظِيمَةٍ، وَإِنْ كَانَ تَرَكَ الْخَنْقَ قَبْلَ الْمَوْتِ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إنْ دَامَ عَلَى الْخَنْقِ مِقْدَارًا لَا يَمُوتُ الْإِنْسَانُ مِنْهُ غَالِبًا فَلَا قِصَاصَ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ قَمَطَ رَجُلًا ثُمَّ أَغَلَى لَهُ مَاءً فِي قِدْرٍ يُثْخِنُهُ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ نَارًا وَأَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ فَسُلِخَ فَمَاتَ قُتِلَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ حَارًّا لَا يَغْلِي غَلْيًا شَدِيدًا فَأَلْقَاهُ فِيهِ ثُمَّ مَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ مَاتَ وَقَدْ سَقَطَ جِلْدُهُ قُتِلَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ هُوَ أُخْرِجَ مِنْ الْقِدْرِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ وَقَدْ انْسَلَخَ فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ أَوْ يَوْمِهِ أَوْ مَكَثَ أَيَّامًا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ قُتِلَ بِهِ، وَإِنْ عَاشَ حَتَّى يَجِيءَ وَيَذْهَبَ وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُقْتَلْ وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءِ بَارِدٍ فِي يَوْمٍ شَاتٍ فَمَاتَ سَاعَةَ أَلْقَاهُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي سَطْحٍ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْبَرْدِ فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى مَاتَ مِنْ الْبَرْدِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَّهُ فَجَعَلَهُ فِي الثَّلْجِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَمَطَ رَجُلًا أَوْ صَبِيًّا ثُمَّ وَضَعَهُ فِي الشَّمْسِ فَلَمْ يَخْلُصْ حَتَّى مَاتَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدْخَلَ رَجُلًا فِي بَيْتٍ وَأَدْخَلَ مَعَهُ سَبُعًا وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ وَأَخَذَ الرَّجُلَ السَّبُعُ فَقَتَلَهُ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ أَوْ لَسَعَتْهُ عَقْرَبٌ وَكَذَا لَوْ قَمَطَ صَبِيًّا فَأَلْقَاهُ فِي الشَّمْسِ أَوْ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ حَتَّى مَاتَ عَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ، وَلَوْ ضَرَبَ إنْسَانًا ضَرْبَةً لَا أَثَرَ لَهَا فِي نَفْسٍ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا نَصُّ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ.
وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ رَجُلٌ صَاحَ بِآخَرَ فَجَاءَهُ فَمَاتَ مِنْ صَيْحَتِهِ تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ، وَلَوْ سَلَخَ جِلْدَ وَجْهِهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ وَإِذَا سَقَى رَجُلًا سُمًّا فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَوْجَرَهُ عَلَى كُرْهٍ أَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى شُرْبِهِ حَتَّى شَرِبَ أَوْ نَاوَلَهُ وَشَرِبَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكْرِهَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَوْجَرَهُ إيجَارًا أَوْ نَاوَلَهُ وَأَكْرَهَهُ عَلَى شُرْبِهِ حَتَّى شَرِبَ فَلَا قِصَاصَ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ وَفِي الذَّخِيرَةِ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْأَصْلِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ مُقَدَّرًا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا أَوْ لَا يَقْتُلُ، وَهَذَا الْجَوَابُ لَا يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِحَالٍ لَا يَخْرُجُ
стр. 2867
لَا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ وَلَا مِنْ حَيْثُ الِاعْتِبَارُ فَكَانَ خَطَأَ الْعَمْدِ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ الْجَوَابُ عِنْدَهُمَا عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ كَانَ مَا أَوْجَرَهُ مِنْ السُّمِّ مِقْدَارَ مَا يَقْتُلُ مِثْلَهُ غَالِبًا كَانَ عَمْدًا مَحْضًا، وَإِنْ كَانَ قَدْرًا لَا يَقْتُلُ مِثْلَهُ غَالِبًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ خَطَأَ الْعَمْدِ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِمْ جَمِيعًا يَكُونُ خَطَأَ الْعَمْدِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَقْتُلُ مِثْلَهُ غَالِبًا أَوْ لَا يَقْتُلُ، وَكَانَ كَمَنْ أَوْجَرَ رَجُلًا سَقَمُونْيَا لَا تَحْتَمِلُهُ النُّفُوسُ فَمَاتَ لَا يَكُونُ عَمْدًا مَحْضًا وَإِذَا تَنَاوَلَهُ فَشَرِبَ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ سَوَاءٌ عَلِمَ الشَّارِبُ بِكَوْنِهِ سُمًّا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَفِي الْخَانِيَّةِ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ؛ لِأَنَّهُ شَرِبَ بِاخْتِيَارِهِ إلَّا أَنَّ الدَّافِعَ خَدَعَهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا التَّعْزِيرُ وَالِاسْتِغْفَارُ.
وَمَنْ دَفَعَ سِكِّينًا إلَى رَجُلٍ فَقَتَلَ بِهِ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الدَّافِعِ شَيْءٌ وَفِي فَتَاوَى الْخُلَاصَةِ أَدْخَلَ نَائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ صَبِيًّا فِي بَيْتِهِ فَسَقَطَ عَلَيْهِ الْبَيْتُ ضَمِنَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ دُونَ النَّائِمِ، وَإِنْ أَدْخَلَ إنْسَانًا فِي بَيْتٍ حَتَّى مَاتَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا لَا يَضْمَنُ شَيْئًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ الدِّيَةُ وَفِي الْكُبْرَى إذَا طَيَّنَ عَلَى آخَرَ بَيْتًا حَتَّى مَاتَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ مُحَمَّدٌ يُعَاقَبُ الرَّجُلُ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ رَجُلًا فَقَيَّدَهُ وَحَبَسَهُ حَتَّى مَاتَ جُوعًا قَالَ مُحَمَّدٌ أُوجِعُهُ عُقُوبَةً وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَفِي الْمُنْتَقَى سُئِلَ مُحَمَّدٌ عَنْ رَجُلٍ أَلْقَى رَجُلًا حَيًّا فِي قَبْرٍ وَمَاتَ قَالَ فِيهِ دِيَةٌ وَفِي الذَّخِيرَةِ يُقَادُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا وَفِي الْكُبْرَى، وَلَوْ أَلْقَاهُ حَيًّا فِي قَبْرٍ يُقْتَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالْفَتْوَى أَنَّهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي الْمُجَرَّدِ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فُلَانٌ قَتَلَهُ بِحَدِيدَةٍ أَوْ قَالَ بِالسَّيْفِ ثُمَّ قَالَ إنَّمَا أَرَدْت غَيْرَهُ فَأَصَابَتْهُ دُرِئَ عَنْهُ الْقَتْلُ.
وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا قَالَ الرَّجُلُ قَتَلْنَا فُلَانًا بِأَسْيَافِنَا مُتَعَمِّدِينَ ثُمَّ قَالَ كَانَ مَعِي غَيْرِي لَمْ يُصَدَّقْ وَقُتِلَ بِهِ، وَلَوْ قَالَ قَتَلْت فُلَانًا مُتَعَمِّدًا بِحَدِيدَةٍ فَلَمَّا أُخِذَ بِذَلِكَ قَالَ كُنْت يَوْمَئِذٍ غُلَامًا لَمْ يُصَدَّقْ وَقُتِلَ بِهِ، وَلَوْ قَالَ ضَرَبْت فُلَانًا بِالسَّيْفِ مُتَعَمِّدًا ثُمَّ قَالَ لَا أَدْرِي مَاتَ مِنْهَا أَمْ لَا وَلَكِنَّهُ مَاتَ وَقَالَ الْوَلِيُّ مَاتَ مِنْ ضَرْبَتِك فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا قَطَعَ حُلْقُومَ الرَّجُلِ وَبَقِيَ شَيْءٌ قَلِيلٌ مِنْ الْحُلْقُومِ وَفِيهِ الرُّوحُ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ، هَذَا مَيِّتٌ، وَلَوْ مَاتَ ابْنُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَرِثَهُ ابْنُهُ وَلَمْ يَرِثْ هُوَ مِنْ ابْنِهِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ نَائِمٌ، وَهُوَ صَحِيحُ الْبَدَنِ فَذَبَحَهُ إنْسَانٌ وَقَالَ ذَبَحْته، وَهُوَ مَيِّتٌ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ قِيَاسًا وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَجِبُ الدِّيَةُ، وَلَوْ شَقَّ بَطْنَ رَجُلٍ وَخَرَّجَ أَمْعَاءَهُ كُلَّهَا وَسَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ إلَّا أَنَّهُ صَحِيحٌ بَعْدُ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ عَدَا عَلَى رَجُلٍ فَشَقَّ بَطْنَهُ وَأَخْرَجَ أَمْعَاءَهُ ثُمَّ ضَرَبَ رَجُلٌ عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ عَمْدًا فَالْقَاتِلُ هُوَ الَّذِي ضَرَبَ الْعُنُقَ عَمْدًا، وَإِنْ كَانَ خَطَأً تَجِبُ الدِّيَةُ وَعَلَى الَّذِي شَقَّ الْبَطْنَ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ نَفَذَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ يَجِبُ ثُلُثَا الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُمَا حَاشِيَتَانِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، هَذَا إذَا كَانَ مِمَّا يَعِيشُ بَعْدَ الشَّقِّ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فَإِنْ كَانَ الشَّقُّ بِحَالٍ لَا يُتَوَهَّمُ مَعَهُ وُجُودُ الْحَيَاةِ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلَّا اضْطِرَابُ الْمَوْتِ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الَّذِي شَقَّ الْبَطْنَ فَيُقْتَصُّ فِي الْعَمْدِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ، وَلَوْ قَتَلَ رَجُلًا، وَهُوَ فِي النَّزْعِ فَقُتِلَ الْقَاتِلُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَفِي فَصْلِ مُتَفَرِّقَاتِ الْإِسْبِيجَابِيِّ إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ ضَرَبَهُ فَلَمْ يَزَلْ صَاحِبُ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَفِي الْجِنَايَةِ رَجُلٌ جَرَحَ رَجُلًا جِرَاحَةً وَآخَرَ جِرَاحَةً عَمْدًا ثُمَّ صَالَحَ الْمَجْرُوحُ أَحَدَهُمَا عَنْ الْجُرْحِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ عَلَى مَالٍ ثُمَّ مَاتَ مِنْهُمَا جَمِيعًا عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِوَلِيِّهِ.
قَالَ ﵀ (وَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَبِالْعَبْدِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَهَذَا يَقْتَضِي مُقَابَلَةَ الْجِنْسِ بِالْجِنْسِ وَمِنْ ضَرُورَةِ الْمُقَابَلَةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ؛ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا إذْ الْحُرُّ مَالِكٌ وَالْعَبْدُ مَمْلُوكٌ وَالْمَالِكِيَّةُ أَمَارَةُ الْقُدْرَةِ وَالْمَمْلُوكِيَّةُ أَمَارَةُ الْعَجْزِ وَلَنَا الْعُمُومَاتُ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] وَقَوْلُهُ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» وَلَا يُعَارَضُ بِمَا تُلِيَ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُقَابَلَةً مُقَيَّدَةً وَفِيمَا تَلَوْنَا مُقَابَلَةٌ مُطْلَقًا فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ عَلَى أَنَّ مُقَابَلَةَ الْحُرِّ بِالْحُرِّ لَا تُنَافِي الْحُرَّ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا ذِكْرٌ لِبَعْضِ مَا شَمَلَهُ الْعُمُومُ عَلَى مُوَافَقَةِ حُكْمِهِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَخْصِيصَ مَا بَقِيَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَابَلَ الْأُنْثَى بِالْأُنْثَى دَلِيلٌ عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ
стр. 2868
بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَفَائِدَةُ هَذِهِ الْمُقَابَلَةِ فِي الْآيَةِ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَتْ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ مُقَابَلَةٌ وَكَانَ بَنُو قُرَيْظَةَ أَقَلَّ مِنْهُمْ عَدَدًا، وَكَانَ بَنُو النَّضِيرِ أَشْرَفَ عِنْدَهُمْ فَتَرَاضَوْا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ بِمُقَابَلَةِ الْحُرِّ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالْأُنْثَى مِنْهُمْ بِمُقَابَلَةِ الذَّكَرِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ وَبَيَانًا عَلَى أَنَّ الْجِنْسَ يُقْتَلُ بِجِنْسِهِ عَلَى اخْتِلَافِ مُوَاضَعَتِهِمْ مِنْ الْقَبِيلَتَيْنِ جَمِيعًا فَكَانَتْ اللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ لَا لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ؛ وَلِأَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الْعِصْمَةِ إذْ هِيَ بِالدَّيْنِ عِنْدَهُ وَبِالدَّارِ عِنْدَنَا، وَهِيَ الْمُعْتَبَرَةُ فَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا حَسْمًا لِمَادَّةِ الْفَسَادِ وَتَحْقِيقًا لِمَعْنَى الزَّجْرِ، وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ الْمُسَاوَاةُ فِي غَيْرِ الْعِصْمَةِ فِي النَّفْسِ لَمَا جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْقِصَاصُ يَجِبُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ آدَمِيٌّ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْمِلْكِ مِنْ، هَذَا الْوَجْهِ بَلْ هُوَ مَنْفِيٌّ عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ مِنْ، هَذَا الْوَجْهِ؛ وَلِهَذَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَكَذَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ، وَلَوْ كَانَ مَالًا لَمَا قُتِلَ وَكَذَلِكَ عَجْزُهُ وَمَوْتُهُ وَبَقَاءُ أَثَرِ كُفْرِهِ حُكْمِيٌّ فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي سُقُوطِ الْعِصْمَةِ وَلَا يُؤَثِّرُ شُبْهَةً، وَلَوْ أَوْرَثَ شُبْهَةً لَمَا جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَ الْعَبِيدِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَوُجُوبُ الْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْجُزْءِ الْمُبَانِ بَعْدَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْعِصْمَةِ؛ وَلِهَذَا لَا تُقْطَعُ الصَّحِيحَةُ بِالشَّلَّاءِ وَفِي النَّفْسِ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ حَتَّى يُقْتَلُ الصَّحِيحُ بِالزَّمِنِ وَالْمَفْلُوجِ وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ أَطْرَافِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ إلَّا فِي الْعِصْمَةِ فَأَظْهِرَنَّ أَثَرَ الرِّقِّ فِيهَا دُونَ النَّفْسِ لِمَا أَنَّ الْعَبْدَ مِنْ حَيْثُ النَّفْسُ آدَمِيٌّ مُكَلَّفٌ خُلِقَ مَعْصُومًا.
قَالَ ﵀ (وَالْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ) يَعْنِي يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْتَلُ بِهِ لِمَا أَخْرَجَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» الْحَدِيثَ وَلَنَا مَا تَلَوْنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَمَا رَوَيْنَا مِنْ السُّنَّةِ، فَإِنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُهُ وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَمَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ قَتَلَ مُعَاهِدًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ عُنُقُهُ فَقَالَ أَنَا أَوْلَى مَنْ وَافَى بِذِمَّتِهِ» وَالْقِصَاصُ يَعْتَمِدُ الْعِصْمَةَ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْعَبْدِ وَقَدْ وُجِدَتْ نَظَرًا إلَى الدَّارِ وَإِلَى التَّكْلِيفِ؛ وَلِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ الْقُدْرَةُ عَلَى مَا كُلِّفَ بِهِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ مَا كُلِّفَ بِهِ إلَّا بِدَفْعِ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ عَنْهُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مُحَرَّمَ التَّعَرُّضِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْكُفْرَ مُبِيحٌ بِنَفْسِهِ بَلْ بِوَاسِطَةِ الْحِرَابِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَا يُقَاتِلُ مِنْهُمْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ كَالشَّيْخِ الْفَانِي، وَقَدْ انْدَفَعَ الْحِرَابُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ فَكَانَ مَعْصُومًا بِلَا شُبْهَةٍ؛ وَلِهَذَا يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ، وَلَوْ كَانَ فِي عِصْمَتِهِ خَلَلٌ لَمَا قُتِلَ الذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ كَمَا لَا يُقْتَلُ الْمُسْتَأْمَنُ بِالْمُسْتَأْمَنِ وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ ﵁ إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِتَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ مَعْصُومَةً بِلَا شُبْهَةٍ كَالْمُسْلِمِ؛ وَلِهَذَا يُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِسَرِقَةِ مَالِ الذِّمِّيِّ، وَلَوْ كَانَتْ فِي عِصْمَتِهِ شُبْهَةٌ لَمَا قُطِعَ كَمَا لَا يُقْطَعُ فِي سَرِقَةِ مَالِ الْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ تَبَعٌ لِلنَّفْسِ وَأَمْرُ الْمَالِ أَهْوَنُ مِنْ النَّفْسِ، فَلَمَّا قُطِعَ بِسَرِقَتِهِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُقْتَلَ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ النَّفْسِ أَعْظَمُ مِنْ الْمَالِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ مَوْلَاهُ وَيُقْتَلُ بِقَتْلِ مَوْلَاهُ لِمَا ذَكَرْنَا وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى مَا قُلْنَا أَنَّ الذِّمِّيَّ لَوْ قَتَلَ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ قُتِلَ بِهِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَرْبِيُّ إذْ هُوَ لَا يُقْتَلُ بِهِ مُسْلِمٌ وَلَا ذِمِّيٌّ وَلَا يُقَالُ مَعْنَاهُ لَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ مُطْلَقًا أَيْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ فَيَكُونُ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ، هَذَا لَا يَسْتَقِيمُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَا عَهْدٍ مُفْرَدٌ وَقَدْ عُطِفَ عَلَى جُمْلَةٍ فَيَأْخُذُ الْحُكْمُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ النَّاقِصَ يَأْخُذُ الْحُكْمَ مِنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ التَّامِّ كَمَا يُقَالُ قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو أَوْ يُقَالُ قُتِلَ زَيْدٌ بِعَمْرٍو وَخَالِدٍ أَيْ: كِلَاهُمَا قَامَ أَوْ قُتِلَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ لَهُ خَبَرٌ آخَرُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْنَى يَأْبَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِسَوْقِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ نَفْيُ الْقَتْلِ قِصَاصًا لَا نَفْيُ مُطْلَقِ الْقَتْلِ فَكَذَا الثَّانِي تَحْقِيقًا لِلْعَطْفِ إذْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ فِي الْمُفْرَدِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] أَنَّ الْمَنْفِيَّ الِاسْتِوَاءُ فِي الْبَصَرِ وَالْعَمَى لَا فِي كُلِّ وَصْفٍ؛ وَلِهَذَا أُجْرِيَ الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْعِصْمَةِ وَكَذَا نُقْصَانُ حَالِ الْكَافِرِ بِكُفْرِهِ لَا يُزِيلُ عِصْمَتَهُ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ كَسَائِرِ الْأَوْصَافِ النَّاقِصَةِ كَالشَّلَلِ وَالْأُنُوثَةِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُفْرَهُ مُبِيحٌ لِلْقَتْلِ بَلْ حِرَابُهُ هُوَ الْمُبِيحُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمِلْكِ وَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعِ، فَإِنَّهُ مُبِيحٌ لِلْوَطْءِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ فِي الْأُخْتِ الْمَذْكُورَةِ بِعَارِضٍ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً.
قَالَ ﵀ (وَلَا يُقْتَلَانِ بِمُسْتَأْمَنٍ) أَيْ لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ وَلَا الذِّمِّيُّ بِحَرْبِيٍّ دَخَلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ؛ لِأَنَّ دَمَهُ لَيْسَ بِمَحْقُونٍ عَلَى التَّأْبِيدِ فَانْعَدَمَتْ الْمُسَاوَاةُ وَكَذَا كُفْرُهُ بَاعِثٌ عَلَى الْحِرَابِ لِقَصْدِهِ الرُّجُوعَ
стр. 2869
إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَيُقْتَلُ الْمُسْتَأْمَنُ بِالْمُسْتَأْمَنِ قِيَاسًا لِوُجُودِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا وَلَا يُقْتَلُ اسْتِحْسَانًا لِوُجُودِ الْمُبِيحِ قَالَ ﵀ (وَالرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ وَالْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ وَالصَّحِيحُ بِالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ وَنَاقِصِ الْأَطْرَافِ وَبِالْمَجْنُونِ) يَعْنِي يُقْتَلُ الرَّجُلُ الصَّحِيحُ بِهَؤُلَاءِ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ إلَخْ لَا عَلَى مَا يَلِيهِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يُقْتَلَانِ بِمُسْتَأْمِنٍ، وَإِنَّمَا جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمْ لِوُجُودِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمْ فِي الْعِصْمَةِ وَالْمُسَاوَاةُ فِيهَا هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ فِي، هَذَا الْبَابِ، وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ فِيمَا وَرَاءَهَا لَانْسَدَّ بَابُ الْقِصَاصِ وَلَظَهَرَ الْفِتَنُ.
قَالَ ﵀ (وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ) لِمَا تَلَوْنَا وَرَوَيْنَا مِنْ الْعُمُومَاتِ وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعَانِي قَالَ ﵀ (وَلَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْوَلَدِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ وَلَا السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ» ؛ وَلِأَنَّ الْوَالِدَ لَا يَقْتُلُ وَلَدَهُ غَالِبًا لِوُفُورِ شَفَقَتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ؛ وَلِأَنَّ الْأَبَ لَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِوَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِحْيَائِهِ فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ سَبَبًا لِإِفْنَائِهِ؛ وَلِهَذَا لَا يَقْتُلُهُ إذَا وَجَدَهُ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ مُقَاتِلًا أَوْ زَانِيًا، وَهُوَ مُحْصَنٌ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَسْتَحِقُّهُ الْوَارِثُ بِسَبَبٍ انْعَقَدَ لِلْمَيِّتِ خِلَافُهُ، وَلَوْ قُتِلَ بِهِ كَانَ الْقَاتِلُ هُوَ الِابْنَ نِيَابَةً وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ زَنَى بِابْنَتِهِ، وَهُوَ مُحْصَنٌ، فَإِنَّهُ يُرْجَمُ أُجِيبَ بِأَنَّ الرَّجْمَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْخُصُوصِ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ لَا يُقَالُ فَيَجِبُ أَنْ يَحُدَّ إذَا زَنَى بِجَارِيَةِ ابْنِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْمِلْكِ بِقَوْلِهِ ﵊ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» قَالَ ﵀ (وَالْأُمُّ وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ كَالْأَبِ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ جُزْؤُهُمْ فَالنَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْأَبِ يَكُونُ وَارِدًا فِيهِمْ دَلَالَةً فَكَانَتْ الشُّبْهَةُ شَامِلَةً لِلْجَمِيعِ فِي جَمِيعِ صُوَرِ الْقَتْلِ وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ قَتَلَهُ ضَرْبًا بِالسَّيْفِ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَصَدَ تَأْدِيبَهُ، وَإِنْ كَانَ ذَبَحَهُ ذَبْحًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَلَا تَأْوِيلَ بَلْ جِنَايَةُ الْأَبِ أَغْلَظُ؛ لِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ الرَّحِمِ فَصَارَ كَمَنْ زَنَى بِابْنَتِهِ حَيْثُ يُرْجَمُ كَمَا لَوْ زَنَى بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا وَمَا بَيَّنَّا وَلَيْسَ هَذَا كَالزِّنَا بِبِنْتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لِوُفُورِ شَفَقَتِهِ يَجْتَنِبُ مَا يَضُرُّ وَلَدَهُ بَلْ يَتَحَمَّلُ الضَّرَرَ عَنْهُ حَتَّى يَسْلَمَ وَلَدُهُ فَهَذَا هُوَ الْعَادَةُ الْفَاشِيَةُ بَيْنَ النَّاسِ فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنْ يَقْصِدَ قَتْلَ وَلَدِهِ، فَإِنْ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ الْعَوَارِضِ النَّادِرَةِ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِذَلِكَ الْقَوَاعِدُ الشَّرْعِيَّةُ أَلَا تَرَى أَنَّ السَّفَرَ لَمَّا كَانَ فِيهِ الْمَشَقَّةُ غَالِبًا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ بِرُخْصَةِ الْمُسَافِرِينَ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِمَا يَتَّفِقُ فِيهِ لِبَعْضِهِمْ مِنْ الرَّاحَةِ وَلَا كَذَلِكَ الزِّنَا.
قَالَ ﵀ (وَبِعَبْدِهِ وَمُدَبَّرِهِ وَمُكَاتَبِهِ وَبِعَبْدِ وَلَدِهِ وَبِعَبْدٍ مَلَكَ بَعْضَهُ) يَعْنِي لَا يُقْتَلُ بِهَؤُلَاءِ لِمَا رَوَيْنَا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْقِصَاصُ لَوَجَبَ لَهُ كَمَا إذَا قَتَلَهُ غَيْرُهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوجِبَ عَلَى نَفْسِهِ عُقُوبَةً وَكَذَا لَا يَسْتَوْجِبُ وَلَدُهُ الْقِصَاصَ عَلَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا وَالْقِصَاصُ لَا يَتَجَزَّأُ فَيَسْقُطُ فِي الْبَعْضِ لِأَجْلِ أَنَّهُ مَلَكَ الْبَعْضَ فَيَسْقُطُ فِي الْكُلِّ لِعَدَمِ التَّجَزُّؤِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (، وَإِنْ وَرِثَ قِصَاصًا عَلَى أَبِيهِ سَقَطَ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِابْنَ لَا يَسْتَوْجِبُ الْعُقُوبَةَ عَلَى أَبِيهِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا قَتَلَ الْأَبُ أَخَ امْرَأَتِهِ ثُمَّ مَاتَتْ امْرَأَتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ بِهِ، فَإِنَّ ابْنَهُ يَرِثُ الْقِصَاصَ الَّذِي لَهَا عَلَى أَبِيهِ فَسَقَطَ لِمَا ذَكَرْنَا كَمَا إذَا قَتَلَ امْرَأَتَهُ وَلَيْسَ لَهَا ابْنٌ إلَّا ابْنُهَا مِنْهُ فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ.
قَالَ ﵀ (، وَإِنَّمَا يُقْتَصُّ بِالسَّيْفِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقْتَصُّ بِمِثْلِ مَا قَتَلَ إنْ قَتَلَهُ بِفِعْلٍ مَشْرُوعٍ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِغَيْرِ فِعْلٍ مَشْرُوعٍ كَلِوَاطَةٍ يُتَّخَذُ لَهُ خَشَبَةً وَيُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ وَلَنَا مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» ، وَهُوَ نَصٌّ عَلَى نَفْيِ اسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ بِغَيْرِ السَّيْفِ فَكَيْفَ يَلْحَقُ بِهِ دَلَالَةً مَا كَانَ سِلَاحًا مِنْ غَيْرِ السَّيْفِ وَهَلْ يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ يَدُلُّ كَلَامُ وَاحِدٍ عَلَى نَفْيِ شَيْءٍ وَإِثْبَاتِهِ مَعًا وَالْحَقُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسَّيْفِ فِي الْحَدِيثِ الْمَزْبُورِ السِّلَاحَ مُطْلَقًا بِطَرِيقِ الْكِتَابَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ السِّلَاحُ وَصَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ حَيْثُ قَالَا وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» وَالْمُرَادُ بِالسَّيْفِ السِّلَاحُ هَكَذَا فَهِمَتْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ، فَإِنْ قِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثِ لَا قَوَدَ يَجِبُ إلَّا بِالسَّيْفِ لَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَا قَوَدَ يُسْتَوْفَى قُلْنَا الْقَوَدُ اسْمٌ لِفِعْلٍ هُوَ جَزَاءُ الْقَتْلِ دُونَ مَا يَجِبُ شَرْعًا، وَإِنْ حُمِلَ عَلَيْهِ كَانَ مَجَازًا؛ وَلِأَنَّ الْقَوَدَ قَدْ يَجِبُ بِغَيْرِ السَّيْفِ كَالْقَتْلِ بِالنَّارِ وَالْإِبْرَةِ فَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَيْهِ لِوُجُودِ وُجُوبِ الْقَوَدِ بِدُونِ الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ، وَإِنَّمَا السَّيْفُ مَخْصُوصٌ بِالِاسْتِيفَاءِ اهـ.
وَمَا رَوَاهُ كَانَ مَشْرُوعًا ثُمَّ نُسِخَ كَمَا نُسِخَتْ الْمُثْلَةُ أَوْ يَكُونُ الْيَهُودِيُّ سَاعِيًا فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ فَيُقْتَلُ كَمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ لِيَكُونَ أَرْدَعَ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ وَلِأَنَّ الْيَهُودِيَّ كَانَ أَخَذَ الْمَالَ
стр. 2870
أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ عَدَا يَهُودِيٌّ عَلَى جَارِيَةٍ فَأَخَذَهَا بِمَا مَعَهَا الْحَدِيثَ، وَهَذَا شَأْنُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَهَذَا يُقْتَلُ بِأَيٍّ شَاءَ الْإِمَامُ وَيُؤَيِّدُ، هَذَا الْمَعْنَى مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَتَلَ الْيَهُودِيَّ بِخِلَافِ مَا كَانَ قَتَلَ بِهِ الْجَارِيَةَ» وَالِاسْتِيفَاءُ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِحُكْمِ الْإِرْثِ أَوْ الْمِلْكِ أَوْ بِحُكْمِ السَّلْطَنَةِ وَالْوِلَايَةِ وَالْمُسْتَحِقُّ لِلْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ الْوَرَثَةُ مِثْلُ مَا يَسْتَحِقُّ مَالَهُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى.
يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ وَالْوَارِثُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ فِي اسْتِحْقَاقِ كُلِّ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الْأَمْلَاكِ وَالْحُقُوقِ إلَّا أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ حَقًّا لِلْمَيِّتِ ابْتِدَاءً حَتَّى تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَتَنْفُذُ وَصَايَاهُ ثُمَّ تَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ وَالْوِرَاثَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ حَتَّى لَوْ أَقَامَ وَاحِدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْقِصَاصِ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَقْتَصَّ وَحْدَهُ وَلَا يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمْ بِالِاسْتِيفَاءِ إذَا كَانُوا كِبَارًا حَتَّى يَجْتَمِعُوا؛ لِأَنَّا لَوْ أَطْلَقْنَا لِلْبَعْضِ الِاسْتِيفَاءَ مَعَ غَيْبَةِ الْبَاقِينَ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْبَاقِينَ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ اسْتِيفَاؤُهُ مَعَ الْكَبِيرِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا حُجَّتُهُمْ أَنَّ مِلْكَ الْقِصَاصِ ثَابِتٌ فِي الْمَحِلِّ لِلْكُلِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ الِاعْتِيَاضَ وَالْعَفْوَ عَنْهُ وَيُسْتَوْفَى بِحُكْمِ الْمِلْكِ عَنْ الِاخْتِيَارِ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ يُورَثُ نَصِيبُهُ وَهَذِهِ فَوَائِدُ الْمِلْكِ وَثَمَرَاتُهُ وَمِلْكُ الصَّغِيرِ مَعْصُومٌ مُحْتَرَمٌ وَأَثَرُ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى إبْطَالِهِ إلَّا بِعِوَضٍ لَهُ إذْ اسْتِيفَاؤُهُ مُعَجَّلًا مُنَجَّزًا يَكُونُ مُنْتَظِمًا دَافِعًا لِلْمَفْسَدَةِ، وَهِيَ صَوْنُ الْقَوَدِ وَحِفْظُهُ عَنْ نَظِيرِهِ فَالْفَوَاتُ إلَيْهَا إمَّا بِجِهَةِ الْغَيْبَةِ أَوْ بِجِهَةِ الْمَوْتِ، فَإِنَّ مُدَّةَ الصِّبَا مُدَّةٌ مَدِيدَةٌ وَالْمَوْتُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الْمَدِيدَةِ غَيْرُ نَادِرٍ وَتَغْيِيبُ الْقَاتِلِ نَفْسَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَطَّلِعُ أَحَدٌ عَلَيْهِ مَخَافَةً عَلَى نَفْسِهِ غَالِبٌ وَلَيْسَ بَنَادِرُ.
قَالَ ﵀ (مُكَاتَبٌ قُتِلَ عَمْدًا وَتَرَكَ وَفَاءً وَوَارِثُهُ سَيِّدُهُ فَقَطْ أَوْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً لَهُ وَارِثٌ يَقْتَصُّ) أَمَّا الْأَوَّلُ، وَهُوَ مَا إذَا تَرَكَ وَفَاءً وَلَا وَارِثَ لَهُ سِوَى الْمَالِ فَالْمَذْكُورُ هُنَا هُوَ قَوْلُهُمَا وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ قَدْ اخْتَلَفَ؛ وَلِأَنَّ الْمَوْلَى يَسْتَحِقُّهُ بِالْوِلَايَةِ بِأَنْ مَاتَ حُرًّا أَوْ بِالْمِلْكِ إنْ مَاتَ عَبْدًا فَاشْتَبَهَ الْحَالُ فَلَا يَسْتَحِقُّ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ السَّبَبِ كَاخْتِلَافِ الْمُسْتَحَقِّ فَيَسْقُطُ أَصْلًا كَمَا إذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْمَوْلَى فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْنِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِكَذَا وَقَالَ الْمَوْلَى زَوَّجْتهَا مِنْك لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ وَلَهُمَا أَنَّ الْمَوْلَى هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْقِصَاصِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ بِيَقِينٍ، وَهُوَ مَعْلُومٌ فَلَا يَضُرُّ مُجَرَّدُ اخْتِلَافِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَا يُرَادُ لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ لِحُكْمِهِ وَقَدْ حَصَلَ بِخِلَافِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهِ لِاخْتِلَافِ حُكْمِ السَّبَبَيْنِ وَلَا يَدْرِي بِأَيِّهِمَا يَحْكُمُ فَلَا يَثْبُتُ الْحِلُّ بِدُونِ تَعْيِينِ السَّبَبِ، وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْمَوْلَى فَلِأَنَّهُ مَاتَ رَقِيقًا لِانْفِسَاخِ الْكِتَابَةِ بِمَوْتِهِ لَا عَنْ وَفَاءٍ فَظَهَرَ أَنَّهُ قَتَلَ عَبْدًا عَمْدًا فَيَكُونُ الْقِصَاصُ لِلْمَوْلَى بِخِلَافِ مُعْتَقِ الْبَعْضِ إذَا قُتِلَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً لَهُ حَيْثُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْبَعْضِ لَا يُفْسَخُ بِمَوْتِهِ عَاجِزًا؛ وَلِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ يَعْتِقُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ ظَاهِرٌ فَأَشْبَهَ الْمُسْتَحِقَّ فَأَوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً كَالْمُكَاتَبِ إذَا قُتِلَ عَنْ وَفَاءٍ أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ أَنَّ أَصْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هُوَ أَنَّ اخْتِلَافَ السَّبَبِ الَّذِي لَا يُفْضِي إلَى مُنَازَعَةٍ وَلَا إلَى الِاخْتِلَافِ، الْحَكَمُ لَا يُبَالِي بِهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ لِلْمَوْلَى الْقِصَاصُ عِنْدَهُمَا فِيمَا إذَا قُتِلَ الْمُكَاتَبُ عَمْدًا وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ سِوَى الْمَالِ وَتَرَكَ وَفَاءً فَكَيْفَ يَتِمُّ تَعْلِيلُ عَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسْأَلَةِ مُعْتَقِ الْبَعْضِ إذَا مَاتَ عَاجِزًا بِأَنَّ الْمَوْلَى يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ فِي بَعْضِهِ بِالْوِلَايَةِ وَفِي بَعْضِهِ بِالْمِلْكِ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الِاسْتِحْقَاقُ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَلَا إفْضَاءَ إلَى الْمُنَازَعَةِ عَلَى مُقْتَضَى، هَذَا التَّعْلِيلِ وَلَا إلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْحُكْمِ فَمِنْ أَيْنَ لَا يَثْبُتُ لَهُ الِاسْتِحْقَاقُ عِنْدَهُ بِمُجَرَّدِ اخْتِلَافِ السَّبَبِ ثُمَّ أَقُولُ: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ بِخِلَافِ مُعْتَقِ الْبَعْضِ إذَا مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْمَوْلَى يُرْشِدُ إلَيْهِ ذَكَرَ مُخَالِفَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي حَيِّزِ قَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً وَلَهُ وَرَثَةٌ أَحْرَارٌ إلَى آخِرِهِ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ تَتْمِيمُ مَا حَمَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْبَعْضِ لَا يَنْفَسِخُ بِالْعَجْزِ بِأَنْ يُقَالَ فَالْمَوْلَى يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ فِي الْبَعْضِ الْمَمْلُوكِ بِالْمِلْكِ وَالْوَارِثُ يَسْتَحِقُّهُ فِي الْبَعْضِ الْمُعْتَقِ بِالْإِرْثِ فَيَكُونُ السَّبَبَانِ رَاجِعَيْنِ إلَى الشَّخْصَيْنِ فَيُبَالِي بِاخْتِلَافِهِمَا لِلْإِفْضَاءِ إلَى الْمُنَازَعَةِ تَأَمَّلْ تَقَفَّ.
وَاشْتِرَاطُ الْوَارِثِ وَقَعَ اتِّفَاقًا، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَيْضًا الْحُكْمُ كَذَلِكَ لِمَوْتِهِ رَقِيقًا، وَذَكَرَ ذَلِكَ لَيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَالَ ﵀ (، وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً وَوَارِثًا لَا) أَيْ لَا يُقْتَصُّ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ اجْتَمَعَ
стр. 2871
الْمَوْلَى وَالْوَارِثُ لِاشْتِبَاهِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ؛ لِأَنَّهُ إنْ مَاتَ حُرًّا كَمَا قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵄ فَالْقِصَاصُ لِلْوَارِثِ، وَإِنْ مَاتَ عَبْدًا كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ فَالْقِصَاصُ لِلْمَوْلَى قَالَ ابْنُ قَاضِي زَادَهْ عَلَى عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ أَقُولُ: أَطْلَقَ الْوَارِثَ هَاهُنَا وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْحُرِّ وَقَيَّدَهُ فِي الصُّورَةِ الْآتِيَةِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً وَلَهُ وَرَثَةٌ أَحْرَارٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَعْكِسَ الْأَمْرَ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْوَارِثُ هَاهُنَا رَقِيقًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ لِلْمَوْلَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لِكَوْنِ حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمَوْلَى خَاصَّةً إذْ لَا وِلَايَةَ لِلْأَرِقَّاءِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فَلَمْ يُشْتَبَهْ مَنْ لَهُ الْحَقُّ هَاهُنَا، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ أَرِقَّاءَ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ لِلْمَوْلَى وَحْدَهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا كَمَا إذَا كَانَتْ وَرَثَتُهُ أَحْرَارًا؛ لِأَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا فِي تِلْكَ الصُّورَةِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْأَحْرَارِ يُشْعِرُ بِكَوْنِ الْحُكْمِ فِي الْأَرِقَّاءِ خِلَافَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ مُعْتَبَرٌ عِنْدَنَا أَيْضًا فِي الرِّوَايَاتِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، فَإِنْ قُلْتُ: الرَّقِيقُ لَا يَكُونُ وَارِثًا؛ لِأَنَّ الرِّقَّ أَحَدُ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي تَمْنَعُ عَنْ الْإِرْثِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ فَلَا احْتِيَاجَ إلَى تَقْيِيدِ الْوَارِثِ بِالْحُرِّ بَلْ لَا وَجْهَ لَهُ لِإِشْعَارِهِ بِكَوْنِ الرَّقِيقِ أَيْضًا وَارِثًا قُلْتُ: الْمُرَادُ بِالْوَارِثِ هُنَا مَنْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَرِثَ وَالرَّقِيقُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُ عِنْدَ زَوَالِ الرِّقِّ لَا مَنْ يَرِثُ بِالْفِعْلِ فَيَحْتَمِلُ التَّقْيِيدَ بِالْحُرِّيَّةِ وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَتِمَّ تَقْيِيدُ الْوَرَثَةِ بِالْأَحْرَارِ فِي الصُّورَةِ الْآتِيَةِ أَيْضًا مَعَ أَنَّهَا قُيِّدَتْ بِهَا فِي الْكِتَابِ بَلْ فِي أَصْلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ الرَّبَّانِيِّ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ قُتِلَ عَبْدُ الرَّهْنِ لَا يُقْتَصُّ حَتَّى يَجْتَمِعَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ) ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَلِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَ الْقَاتِلَ لَبَطَلَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي الدَّيْنِ لِهَلَاكِ الرَّهْنِ بِلَا بَدَلٍ وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ تَصَرُّفًا يُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِ حَقِّ الْغَيْرِ وَذَكَرَ فِي الْعُيُونِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُمَا الْقِصَاصُ، وَإِنْ اجْتَمَعَا فَجَعَلَاهُ كَالْمُكَاتَبِ الَّذِي تَرَكَ وَفَاءً وَارِثًا وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ وَلَا وَفَاءَ فَلَا يُشْبِهُ مَنْ لَهُ الْحَقُّ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَفِي الْعُيُونِ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ إذَا قُتِلَ عَمْدًا، فَإِنْ اجْتَمَعَا عَلَى الْقِصَاصِ فَلَهُمَا أَنْ يَقْتَصَّا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَيَكُونُ الْمُسْتَوْفَى هُوَ الرَّاهِنَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ لَا قِصَاصَ وَعَلَى الْقَاتِلِ الْقِيمَةُ وَفِي الْيَنَابِيعِ رَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الْقَاتِلِ قِيمَتُهُ وَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ وَرَوَى ابْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْقِصَاصِ وَقِيمَتُهُ أَقَلُّ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ مِثْلُهُ فَلَهُمَا ذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَلَهُمَا قِيمَتُهُ وَتَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ ثُمَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إذَا اجْتَمَعَا عَلَى الْقِصَاصِ سَقَطَ الدَّيْنُ عَنْ الْمُرْتَهِنِ فِي الرِّوَايَةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنْ اجْتَمَعَا عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ يَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِدَيْنِهِ كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ.
وَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ، وَإِنْ قُتِلَ عَبْدٌ فِيهِ حَقَّانِ تَامَّانِ لَا يُقْتَصُّ حَتَّى يَجْتَمِعَا لَكَانَ أَوْلَى وَأَخْصَرَ أَمَّا كَوْنُهُ أَوْلَى فَلِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْعَبْدَ الْمُوصَى بِرَقَبَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَبِخِدْمَتِهِ لِآخَرَ وَغَيْرَهُ وَقَوْلُنَا حَقَّانِ لِيُفِيدَ أَنَّهُ إذَا كَانَا مَالِكَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا وَكَوْنُهُ أَخْصَرَ أَظْهَرُ وَقَوْلُنَا تَامَّانِ لِيَخْرُجَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ الْمَقْتُولُ قَبْلَ الْقَبْضِ كَمَا سَيَأْتِي وَفِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ الْمُوصَى بِهِ إذَا قُتِلَ قَبْلَ أَنْ يَقْبَلَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ فَلَا قِصَاصَ لِلْوَارِثِ وَلَا لِلْمُوصَى لَهُ إنْ اتَّفَقَا أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ قَبُولِ الْمُوصَى لَهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُ إنْ قَبِلَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ رَجَعَ عَلَى الْقَاتِلِ بِقِيمَتِهِ وَلَا تَرْجِعُ الْوَرَثَةُ بِذَلِكَ وَالْمُوصَى بِرَقَبَتِهِ لِرَجُلٍ وَبِخِدْمَتِهِ لِآخَرَ إذَا قَتَلَ عَمْدًا فَلَا قِصَاصَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا وَفِي الْكُبْرَى إنْ اتَّفَقَا بَطَلَ حَقُّ صَاحِبِ الْخِدْمَةِ وَيَسْتَوْفِيهِ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ صَاحِبُ الْخِدْمَةِ، فَإِنَّهُ تَجِبُ الْقِيمَةُ عَلَى الْقَاتِلِ وَيَشْتَرِي بِهَا عَبْدًا آخَرَ وَيَكُونُ حَالُهُ مِثْلَ حَالِ الْأَوَّلِ وَفِي الْقُدُورِيِّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ الْعَبْدُ الْمَمْهُورُ إذَا قُتِلَ قَبْلَ قَبْضِ الْمَرْأَةِ وَبَدَلُ الْخُلْعِ إذَا قُتِلَ قَبْلَ قَبْضِ الزَّوْجِ وَبَدَلُ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ إذَا قُتِلَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ عَمْدًا، فَإِنْ شَاءَ الْمَالِكُ اقْتَصَّ مِنْ الْقَاتِلِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ قِيمَةَ عَبْدِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَإِنْ قُتِلَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَالْقِصَاصُ لِلْمُشْتَرِي إنْ أَجَازَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ، وَإِنْ نَقَصَ فَلِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ ارْتَفَعَ وَظَهَرَ أَنَّهُ الْمَالِكُ.
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي الْعُيُونِ وَفِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ إذَا قُتِلَ قَبْلَ الْقَبْضِ عَمْدًا يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الْمُضِيِّ وَالرَّدِّ، فَإِنْ اخْتَارَ الْمُضِيَّ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ وَلَكِنْ لَا يَكُونُ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ إلَّا بَعْدَ نَقْدِ الثَّمَنِ فَقَدْ جَوَّزُوا إجَازَةَ الْبَيْعِ بَعْدَ الْمَوْتِ هُنَا، وَلَوْ رَدَّ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ، لِلْبَائِعِ أَنْ يَقْتَصَّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِذَا أَدَّى الثَّمَنَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَقْتَصُّ الْبَائِعُ، وَعِنْدَ
стр. 2872
مُحَمَّدٍ تَجِبُ الْقِيمَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِاشْتِبَاهِ الْمُسْتَحِقِّ وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَجُلٌ قَطَعَ يَدَ عَبْدِ رَجُلٍ أَوْ شَجَّهُ رَجُلٌ ثُمَّ إنَّ الْمَوْلَى بَاعَهُ ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ أَوْ وَهَبَهُ الْمَوْلَى مِنْ إنْسَانٍ ثُمَّ رَجَعَ فِي الْهِبَةِ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِهِ ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ مِنْ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّ مَوْلَى الْعَبْدِ يَرْجِعُ عَلَى الْجَانِي بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ وَفِي نَوَادِرِ بِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ أَنَّ أَمَةً قُطِعَتْ يَدُهَا خَطَأً وَبَاعَهَا الْمَوْلَى مِنْ إنْسَانٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ وَرُدَّتْ عَلَى الْمَوْلَى فَمَاتَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْقَطْعِ فَعَلَى الْقَاطِعِ قِيمَتُهَا تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ عَمْدًا دَرَأْت الْقِصَاصَ اسْتِحْسَانًا وَفِي نَوَادِرِ دَاوُد بْنِ رَشِيدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَبْدٌ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَهُ ثُمَّ مَاتَ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَاطِعُ وَالْمَوْلَى فِي قِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَطْعِ فَقَالَ الْقَاطِعُ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَطْعِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاطِعِ، فَإِنْ غَرِمَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَغْرَمْ حَتَّى تَلِفَتْ الْيَدُ وَمَاتَ فَعَلَى قَاطِعِ الْيَدِ وَعَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ.
وَأَمَّا النَّفْسُ فَلَا يُصَدَّقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَيْهَا فَيَغْرَمُ الْقَاتِلُ قِيمَةَ النَّفْسِ يَوْمَ تَلِفَتْ وَيَكُونُ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ مِنْهَا أَرْشُ الْيَدِ رَجُلٌ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ وَقَطَعَ الْآخَرُ رِجْلَهُ أَوْ يَدَهُ فَبَرِئَ، وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ عَنْهُمَا مَعًا فَعَلَيْهِمَا قِيمَتُهُ أَثْلَاثًا وَيَأْخُذَانِ الْعَبْدَ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ جِرَاحَةً مِنْ اثْنَيْنِ مَعًا جِرَاحَةُ هَذَا فِي عُضْوٍ وَجِرَاحَةُ هَذَا فِي عُضْوٍ يَسْتَغْرِقُ ذَلِكَ الْقِيمَةَ كُلَّهَا، فَإِنَّهُ يَدْفَعُهُ إلَيْهِمَا وَيَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ عَلَى قَدْرِ أَرْشِ جِنَايَتِهِمَا وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ مَاتَ مِنْهُمَا وَالْجِنَايَةُ خَطَأٌ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْشُ جِرَاحَتِهِ عَلَى حِدَةٍ مِنْ قِيمَةِ عَبْدٍ صَحِيحٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ النَّفْسِ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ إحْدَى الْجِرَاحَتَيْنِ قَبْلَ الْأُخْرَى وَقَدْ مَاتَ مِنْهُمَا فَعَلَى الْجَارِحِ الْأَوَّلِ أَرْشُ جِرَاحَتِهِ مِنْ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَعَلَى الْجَارِحِ الثَّانِي أَرْشُ جِرَاحَتِهِ مِنْ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا الْجِرَاحَةُ الْأُولَى وَمَا بَقِيَ مِنْ قِيمَتِهِ فَعَلَيْهِمَا نِصْفَانِ، وَإِنْ بَرِئَ مِنْهُمَا وَالْجِرَاحَةُ الْأُخْرَى تَسْتَغْرِقُ الْقِيمَةَ وَالْأُولَى تَسْتَغْرِقُ الْقِيمَةَ فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ جِرَاحَتِهِ وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ جِرَاحَتِهِ وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَجُلٌ حَمَلَ عَلَى عَبْدِ رَجُلٍ مَخْتُومًا وَرَجُلٌ آخَرُ حَمَلَ عَلَيْهِ مَخْتُومَيْنِ، وَكَانَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَعَلَى صَاحِبِ الْمَخْتُومِ ثُلُثُ الْقِيمَةِ وَعَلَى صَاحِبِ الْمَخْتُومَيْنِ ثُلُثَا الْقِيمَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَفِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلًا فَجَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى أَنَّهُ عَبْدُهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَشَهِدُوا أَنَّهُ كَانَ عَبْدُهُ فَأَعْتَقَهُ، وَهُوَ حُرٌّ الْيَوْمَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ قَضَى لِوَارِثِهِ بِالْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ وَبِالدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَلِمَوْلَاهُ قِيمَتُهُ فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ عَبْدٌ مَقْطُوعُ الْيَدِ جَاءَ إنْسَانٌ وَقَطَعَ رِجْلَهُ إنْ قَطَعَ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ فَعَلَى الْقَاطِعِ نُقْصَانُ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَقْطُوعَةِ يَدُهُ، وَإِنْ قَطَعَهَا مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَقْطُوعِ يَدُهُ وَفِي مُخْتَصَرِ الْكَافِي وَعَلَى هَذَا: الْبَائِعُ إذَا قَطَعَ يَدَ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُشْتَرِي فَيَسْقُطُ نِصْفُ الثَّمَنِ، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ مَقْطُوعَ الْيَدِ فَقَطَعَ الْبَائِعُ يَدَهُ الثَّانِيَةَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ يَغْرَمُ النُّقْصَانَ وَيَسْقُطُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِقَدْرِهِ مِنْ الثَّمَنِ حَتَّى لَوْ انْتَقَضَ ثُلُثٌ لَسَقَطَ ثُلُثُ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَكَانَ قَطْعِ الْيَدِ فَقْءُ الْعَيْنِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ مَقْطُوعَ الْيَدِ فَقَطَعَ إنْسَانٌ يَدَهُ الْأُخْرَى كَانَ عَلَى قَاطِعِ الْيَدِ الثَّانِيَةِ نُقْصَانُ قِيمَتِهِ مَقْطُوعَ الْيَدِ.
قَالَ ﵀ (وَلِأَبِي الْمَعْتُوهِ الْقَوَدُ وَالصُّلْحُ لَا الْعَفْوُ بِقَتْلِ وَلِيِّهِ) يَعْنِي إذَا قَتَلَ رَجُلٌ قَرِيبًا لِلْمَعْتُوهِ فَلِوَلِيِّ الْمَعْتُوهِ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ؛ لِأَنَّ لَهُ تَمَامَ الشَّفَقَةِ وَالرَّأْفَةِ وَلَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْمَعْتُوهِ فَقَامَ مَقَامَهُ؛ وَلِأَنَّ فِي الصُّلْحِ مَنْفَعَةُ الْمَعْتُوهِ قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ، هَذَا إذَا صَالَحَا عَلَى مِثْلِ الدِّيَةِ أَمَّا إذَا صَالَحَا عَلَى أَقَلِّ مِنْ الدِّيَةِ لَمْ يَجُزْ وَيَجِبُ كَمَالُ الدِّيَةِ وَلَنَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُطْلَقٌ حَيْثُ جَوَّزَ صُلْحَ أَبِي الْمَعْتُوهِ وَعَنْ دَمِ قَرِيبِهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِقَدْرِ الدِّيَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الصُّلْحُ عَلَى أَقَلِّ مِنْ الدِّيَةِ عَمَلًا بِإِطْلَاقِهِ، وَإِنَّمَا جَازَ صُلْحُهُ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْمَعْتُوهِ مِنْ الْقِصَاصِ فَإِذَا جَازَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فَالصُّلْحُ أَوْلَى وَالنَّفْعُ يَحْصُلُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَرْخِيَّ قَالَ فِي مُخْتَصَرِهِ وَإِذَا وَجَبَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ قِصَاصٌ فِي نَفْسٍ أَوْ فِيمَا دُونَهَا فَصَالَحَ صَاحِبُ الْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَالٍ، فَذَلِكَ جَائِزٌ قَلِيلًا كَانَ الْمَالُ أَوْ كَثِيرًا كَانَ ذَلِكَ دُونَ دِيَةِ النَّفْسِ أَوْ أَرْشِ الْجِرَاحَةِ أَوْ أَكْثَرَ إلَى هُنَا لَفْظُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ أَقُولُ: نَظَرُهُ سَاقِطٌ جِدًّا، فَإِنَّ لِأَصْحَابِ التَّخْرِيجِ مِنْ الْمَشَايِخِ صَرْفُ إطْلَاقِ كَلَامِ الْمُجْتَهِدِ إلَى التَّقْيِيدِ إذَا اقْتَضَاهُ الْفِقْهُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
أَمَّا الْقَتْلُ فَلِأَنَّ الْقِصَاصَ شُرِعَ لِلتَّشَفِّي وَدَرْكِ الثَّأْرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى
стр. 2873
النَّفْسِ بِوِلَايَتِهِ وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهِ فَيَلِيهِ كَالْإِنْكَاحِ بِخِلَافِ الْأَخِ وَأَمْثَالِهِ حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُمْ اسْتِيفَاءُ قِصَاصٍ وَجَبَ لِلْمَعْتُوهِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لِوُفُورِ شَفَقَتِهِ جَعَلَ التَّشَفِّيَ الْحَاصِلَ لِلِابْنِ؛ وَلِهَذَا يُعِدُّ ضَرَرَ وَلَدِهِ ضُرًّا عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا الْعَفْوُ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إبْطَالٌ لِحَقِّهِ بِلَا عِوَضٍ وَلَا مَصْلَحَةٍ فَلَا يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ إنْ قُطِعَتْ يَدُ الْمَعْتُوهِ عَمْدًا لِمَا بَيَّنَّا وَالْوَصِيُّ كَالْأَبِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا فِي الْقَتْلِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ عَلَى النَّفْسِ حَتَّى لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهُ وَيَدْخُلُ تَحْتَ، هَذَا الْإِطْلَاقِ الصُّلْحُ عَنْ النَّفْسِ وَاسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ إذَا لَمْ يَسْرِ الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَمْلِكُ الصُّلْحَ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِيفَاءَ وَجْهُ الْمَذْكُورِ هُنَا.
وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الصُّلْحِ الْمَالُ وَالْوَصِيُّ يَتَوَلَّى التَّصَرُّفَ فِيهِ كَمَا يَتَوَلَّى الْأَبُ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّشَفِّي، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْأَبِ وَلَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَا يَمْلِكُهُ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مُتَّحِدٌ، وَهُوَ التَّشَفِّي، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ فِيهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ وِقَايَةً لِلْأَنْفُسِ كَالْمَالِ فَكَانَ اسْتِيفَاؤُهُ بِمَنْزِلَةِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَالْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِيهِ فِي الصَّحِيحِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قُتِلَ وَلَا وَلِيَّ لَهُ يَسْتَوْفِيهِ السُّلْطَانُ وَالْقَاضِي بِمَنْزِلَتِهِ فِيهِ، وَهَذَا أَوْلَى وَالصَّبِيُّ كَالْمَعْتُوهِ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ.
قَالَ ﵀ (وَالْقَاضِي كَالْأَبِ وَالْوَصِيُّ يُصَالِحُ فَقَطْ وَالصَّبِيُّ كَالْمَعْتُوهِ) يَعْنِي أَنَّ الْقَاضِيَ يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ فِي الصَّغِيرِ الَّذِي لَا وَلِيَّ لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَذَكَرَ النَّاطِفِيُّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَالْوَصِيُّ يَمْلِكُ الصُّلْحَ وَلَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ، هَذَا الْكَلَامُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مَوْلَى الصَّغِيرِ أَوْ الْمَعْتُوهِ فَلَوْ جَنَى صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونٌ عَلَى نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ وَأَرَادَ الْأَبُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ ذَلِكَ فَلَهُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ وَالْوَصِيُّ يُصَالِحُ فَقَطْ، هَذَا إذَا كَانَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الْأَطْرَافِ فَفِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَهُ ذَلِكَ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يَمْلِكُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ وَقَوْلُهُ وَالصَّبِيُّ كَالْمَعْتُوهِ يَعْنِي وَلِيَّ الصَّبِيِّ يَمْلِكُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَنَّ وَلِيَّ الْمَعْتُوهِ يَمْلِكُهُ وَفِي الْعُيُونِ إذَا ثَبَتَ الْقَتْلُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَنَى الْقَاتِلُ قَالَ مُحَمَّدٌ: فِي الْقِيَاسِ يُقْتَلُ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تُؤْخَذُ مِنْهُ الدِّيَةُ.
قَالَ ﵀ (وَلِلْكِبَارِ الْقَوَدُ قَبْلَ كِبَرِ الصِّغَارِ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْقِصَاصُ مُشْتَرَكًا بِأَنْ قُتِلَ رَجُلٌ وَلَهُ أَوْلَادٌ كِبَارٌ وَصِغَارٌ فَلِلْكِبَارِ أَنْ يَقْتُلُوا الْقَاتِلَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الصِّغَارُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ الصِّغَارُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ؛ وَلِأَنَّ الْكِبَارَ لَيْسَ لَهُمْ وِلَايَةٌ عَلَى الصِّغَارِ حَتَّى يَسْتَوْفُوا حَقَّهُمْ فَتَعَيَّنَ التَّأْخِيرُ كَمَا لَوْ كَانَ الْكُلُّ كِبَارًا وَفِيهِمْ كَبِيرٌ غَائِبٌ أَوْ كَانَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ غَائِبًا فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَفَا الْكَبِيرُ حَيْثُ صَحَّ عَفْوُهُ، وَإِنْ بَطَلَ حَقُّ الصَّغِيرِ فِي الْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ بَطَلَ بِعِوَضٍ فَجُعِلَ كَلَا بُطْلَانٍ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رَوَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ مُلْجِمٍ حِينَ قَتَلَ عَلِيًّا قُتِلَ بِهِ، وَكَانَ فِي أَوْلَادِ عَلِيٍّ صِغَارٌ، وَكَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ؛ وَلِهَذَا لَوْ اسْتَوْفَى بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ الْقَتْلَ بِنَفْسِهِ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لَضَمِنَ كَمَا لَوْ قَتَلَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ أَجْنَبِيٌّ فَافْتَرَقَا وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ وَأَحَدُهُمَا صَغِيرٌ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ أَوْ الْوَلَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَكَامِلٍ وَفِي مَسْأَلَتِنَا الْقَرَابَةُ، وَهِيَ مُتَكَامِلَةٌ قَالَ الشَّارِحُ؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَا يَتَجَزَّأُ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ، وَهِيَ الْقَرَابَةُ لَا تَتَجَزَّأُ أَقُولُ: فِي تَمَامِ الِاسْتِدْلَالِ بِعَدَمِ تَجَزُّؤِ سَبَبِ الْقِصَاصِ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ عَلَى عَدَمِ تَجَزُّؤِ الْقِصَاصِ نَفْسِهِ فِيهِ خَفَاءٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يَجِدُ مَحْذُورًا فِي كَوْنِ السَّبَبِ بَسِيطًا وَالْمُسَبَّبِ مُرَكَّبًا كَيْفَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَرَابَةَ الَّتِي لَا تَتَجَزَّأُ كَمَا أَنَّهَا سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ كَذَلِكَ هِيَ سَبَبٌ أَيْضًا لِاسْتِحْقَاقِ الدِّيَةِ فِي الْقَتْلِ الْخَطَأِ مَعَ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الدِّيَةَ تَتَجَزَّأُ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ، وَالْمَالُ يَتَجَزَّأُ بِلَا رَيْبٍ، فَالْأَظْهَرُ فِي بَيَانِ كَوْنِ الْقِصَاصِ حَقًّا لَا يَتَجَزَّأُ مَا ذَكَرَ فِي الْكَافِي وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ تَقْرِيرَ دَلِيلِ الْإِمَامَيْنِ، وَهُوَ أَنَّ الْقَتْلَ غَيْرُ مُتَجَزِّئٍ ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاء طَعَنَ فِي قَوْلِهِمْ هَاهُنَا إنَّ سَبَبَ الْقِصَاصِ هُوَ الْقَرَابَةُ حَيْثُ قَالَ كَيْفَ يَكُونُ سَبَبُهُ الْقَرَابَةَ، وَهُوَ يَثْبُتُ لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ اهـ.
أَقُولُ: نَعَمْ السَّبَبُ لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ هُوَ الزَّوْجِيَّةُ وَفِي الْعِتْقِ وَالْمُعْتَقَةِ هُوَ الْوَلَاءُ دُونَ الْقَرَابَةِ إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قَوْلَهُمْ هَاهُنَا، وَهُوَ الْقَرَابَةُ إمَّا بِنَاءً عَلَى التَّغْلِيبِ لِيَكُونَ أَوْلِيَاءُ الْقَتْلِ فِي الْأَكْثَرِ قَرَابَةً، وَإِمَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْقَرَابَةِ هَاهُنَا الِاتِّصَالَ الْمُوجِبَ لِلْإِرْثِ دُونَ حَقِيقَةِ الْقَرَابَةِ فَيَعُمُّ الْكُلَّ وَقَيَّدْنَا مَحَلَّ الْخِلَافِ بِكَوْنِ الْقِصَاصِ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ فَلَوْ كَانَ بَيْنَ الْأَبِ
стр. 2874
وَالْأَوْلَادِ الصِّغَارِ أَوْ بَيْتِ الْجَدِّ وَالْأَوْلَادِ الصِّغَارِ فَلِلْأَبِ وَالْجَدِّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي الْجَامِعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَإِنْ كَانَ خَطَأً، فَإِنْ كَانَ الشَّرِيكُ الْكَبِيرُ أَبَا الصَّغِيرِ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ الدِّيَةِ حِصَّةَ نَفْسِهِ بِحُكْمِ الْمِلْكِ وَحِصَّةَ الصَّغِيرِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ، وَإِنْ كَانَ الشَّرِيكُ الْكَبِيرُ أَخًا أَوْ عَمًّا وَلَمْ يَكُ وَصِيًّا لِلصَّغِيرِ يَسْتَوْفِي حِصَّةَ نَفْسِهِ وَلَا يَسْتَوْفِي حِصَّةَ الصَّغِيرِ، وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا إنْ كَانَ الشَّرِيكُ الْكَبِيرُ أَبًا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ الشَّرِيكُ الْكَبِيرُ أَجْنَبِيًّا بِأَنْ قُتِلَ عَبْدٌ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ أَجْنَبِيَّيْنِ أَحَدُهُمَا صَغِيرٌ وَالْآخَرُ كَبِيرٌ لَيْسَ لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي الْمُنْتَقَى إلَّا أَنْ يَكُونَ الصَّغِيرُ ابْنًا فَيُسْتَوْفَى حِينَئِذٍ، وَإِنْ كَانَ الشَّرِيكُ الْكَبِيرُ أَخًا أَوْ عَمًّا فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّغِيرِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ، وَعَلَى، هَذَا الِاخْتِلَافِ إذَا كَانَ الشَّرِيكُ الْكَبِيرُ مَعْتُوهًا أَوْ مَجْنُونًا وَالْكَبِيرُ أَخُو الْمَعْتُوهِ أَوْ عَمُّهُ وَأَرَادَ السُّلْطَانُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حِصَّةَ الصَّغِيرِ مَعَ الْكَبِيرِ لَا شَكَّ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ إذَا كَانَ كُلُّهُ لِلصَّغِيرِ لَيْسَ لِلْأَخِ الْكَبِيرِ وِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ وَالْعَبْدُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ إذَا قُتِلَ عَمْدًا حَتَّى وَجَبَ الْقِصَاصُ فَأَرَادَ الْكَبِيرُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالَ إنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ وَبَعْضُهُمْ قَالَ لَا يَسْتَوْفِيهِ الْكَبِيرُ بِالْإِجْمَاعِ رَجُلٌ لَهُ عَبْدَانِ قَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ عَمْدًا فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ مِنْ الْقَاتِلِ ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي آخِرِ إعْتَاقِ الْأَصْلِ فِي بَابِ جِنَايَةِ الرَّقِيقِ قَالَ ﵀ (وَإِنْ قَتَلَهُ بِمَرٍّ يُقْتَصُّ إنْ أَصَابَهُ الْحَدِيدُ وَإِلَّا لَا كَالْخَنْقِ وَالتَّغْرِيقِ) ، هَذَا إذَا أَصَابَهُ بِحَدِّ الْحَدِيدِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِظَهْرِهَا أَوْ بِالْعُودِ لَا كَالْخَنْقِ وَالتَّغْرِيقِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَالْمَرُّ عُودٌ فِي طَرَفِهَا حَدِيدَةٌ قَالَ الْعَيْنِيُّ الْمَرُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَهُوَ خَشَبَةٌ طَوِيلَةٌ فِي رَأْسِهَا حَدِيدَةٌ عَرِيضَةٌ مِنْ فَوْقِهَا خَشَبَةٌ عَرِيضَةٌ يَضَعُ الرَّجُلُ رِجْلَهُ عَلَيْهَا وَيَحْفِرُ بِهَا الْأَرْضَ وَبِالْفَارِسِيَّةِ تُسَمَّى بيل.
قَالَ ﵀ (، وَمَنْ جَرَحَ رَجُلًا عَمْدًا فَصَارَ ذَا فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ يُقْتَصُّ) يَعْنِي إذَا جَرَحَ إنْسَانٌ آخَرَ فَصَارَ الْمَجْرُوحُ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْ الْجَارِحِ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ لِمَوْتِهِ فَيُحَالُ الْمَوْتُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَقْطَعُهُ كَحَزِّ الرَّقَبَةِ أَوْ الْبُرْءِ مِنْهُ قَالَ ﵀ (، وَإِنْ مَاتَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَزَيْدٍ وَأَسَدٍ وَحَيَّةٍ ضَمِنَ زَيْدٌ نِصْفَ الدِّيَةِ) ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْأَسَدِ وَالْحَيَّةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ لِكَوْنِهِ هَدَرًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَفِعْلُهُ بِنَفْسِهِ جِنْسٌ آخَرُ لِكَوْنِهِ هَدَرًا فِي الدُّنْيَا مُعْتَبَرًا فِي الْآخِرَةِ حَتَّى يَأْثَمَ بِهِ وَفِعْلُ زَيْدٍ مُعْتَبَرٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَصَارَتْ ثَلَاثَةُ أَجْنَاسٍ هَدَرٌ مُطْلَقًا وَمُعْتَبَرٌ مُطْلَقًا وَمُعْتَبَرٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَهُوَ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ الثَّابِتُ فِعْلًا وَاحِدًا فَيَجِبُ عَلَى زَيْدٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ ثُمَّ إنْ كَانَ فِعْلُ زَيْدٍ عَمْدًا تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَإِلَّا فَعَلَى الْعَاقِلَةِ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ الْمُشَارَكَةُ فِي الْقَتْلِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُشَارِكَ الْقَاتِلُ مَنْ لَا يَكُونُ فِعْلُهُ مَضْمُونًا أَوْ يُشَارِكَهُ مَنْ يَكُونُ فِعْلُهُ مَضْمُونًا، فَإِنْ شَارَكَهُ مَنْ لَا يَكُونُ فِعْلُهُ مَضْمُونًا كَالسَّبُعِ وَالْبَهِيمَةِ وَالْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ أَوْ جَرَحَ إنْسَانٌ نَفْسَهُ ثُمَّ جَرَحَهُ آخَرُ أَوْ قَطَعَ الْإِمَامُ يَدَ السَّارِقِ فِي سَرِقَةٍ ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ يَدَهُ أَوْ جَرَحَهُ وَمَاتَ فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْقَاتِلِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ شَارَكَهُ مَنْ يَكُونُ فِعْلُهُ مَضْمُونًا كَالْخَاطِئِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْعَمْدِ خَطَأٌ تَجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ جَرَحَهُ رَجُلَانِ عَامِدًا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الْجَارِحَيْنِ ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ أَوْ رَمَى رَجُلَانِ إلَى آخَرَ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ أَصَابَ السَّهْمَانِ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ هَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْحَيِّ قَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجِبٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا إنَّمَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا بَعْدَ الْإِصَابَةِ فَلَا يَنْعَقِدُ أَحَدُهُمَا مُوجِبًا بِانْفِرَادِهِ.
رَجُلَانِ قَتَلَا رَجُلًا أَحَدُهُمَا بِالسَّيْفِ، وَالْآخَرُ بِالْعِصَابَةِ يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبِ الْعَصَا وَالْقِصَاصِ عَلَى صَاحِبِ السَّيْفِ وَفِي الْمَبْسُوطِ أَصْلُهُ أَنَّ النَّفْسَ مَتَى تَلِفَتْ بِجِنَايَاتٍ وَوَجَبَ الْمَالُ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ تَلِفَتْ بِجِنَايَاتِ بَنِي آدَمَ فَالْعِبْرَةُ فِيهَا بِعَدَدِ الْجَانِي وَلَا عِبْرَةَ بِعَدَدِ الْجِنَايَاتِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ حَتَّى لَوْ جُرِحَ وَاحِدٌ عَشْرُ جِرَاحَاتٍ خَطَأً وَجَرَحَهُ آخَرُ وَاحِدَةً خَطَأً فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ مُعْتَبَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ عَنْ حُكْمِهِ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ أَوْ الْإِثْمُ فِي الْآخِرَةِ فَاعْتُبِرَ عَدَدُ الْجَانِي لَا عَدَدُ الْجِنَايَاتِ؛ لِأَنَّ كُلَّ جِنَايَةٍ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ سَبَبَ الْمَوْتِ لَوْ انْفَرَدَتْ وَالْعِلَّةُ
стр. 2875
لَا تَتَرَجَّحُ بِالزِّيَادَةِ مِنْ جِنْسِهَا فَاعْتُبِرَ الْكُلُّ جِنَايَةً وَاحِدَةً وَإِذَا تَلِفَتْ بِجِنَايَاتِ الْبَهَائِمِ وَبِجِنَايَاتِ بَنِي آدَمَ فَلَا عِبْرَةَ بِعَدَدِ الْجِنَايَاتِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْبَهَائِمِ هَدَرٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَاطُ بِهِ حُكْمٌ مَا فَاعْتُبِرَ جِنَايَاتُ الْبَهَائِمِ كُلِّهَا كَجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْكُلِّ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْهَدَرُ، هَذَا كَرَجُلٍ بِهِ جُرُوحٌ وَدَمَامِيلُ قَاتِلَةٌ فَجَرَحَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَمَاتَ مِنْ الْكُلِّ يَضْمَنُ الْجَارِحُ نِصْفَ الدِّيَةِ وَيُرْفَعُ النِّصْفُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ اعْتِبَارُ عَدَدِ الدَّمَامِيلِ؛ لِأَنَّهَا مُهْدَرَةٌ، وَلَوْ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَهُ وَلِصَاحِبِهِ فَشَجَّهُ وَعَقَرَهُ كَلْبٌ فَكَسَرَ رِجْلَهُ وَافْتَرَسَهُ سَبُعٌ فَعَلَى الْقَاطِعِ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَلِفَتْ بِجِنَايَاتٍ أَرْبَعٍ وَاحِدَةً فَصَارَ كَأَنَّهَا تَلِفَتْ بِجِنَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مُعْتَبَرَةٌ وَالْأُخْرَى مُهْدَرَةٌ.
وَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ رَجُلٌ وَجَرَحَهُ آخَرُ وَجَرَحَ هُوَ أَيْضًا نَفْسَهُ وَافْتَرَسَهُ سَبُعٌ ضَمِنَ الْقَاطِعُ رُبْعَ الدِّيَةِ وَالْجَارِحُ رُبْعَهَا؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَلِفَتْ بِجِنَايَاتٍ أَرْبَعَةٍ ثِنْتَانِ مِنْهَا مِنْ بَنِي آدَمَ وَهُمَا مُعْتَبَرَتَانِ وَوَاحِدَةٌ مِنْ غَيْرِ بَنِي آدَمَ، وَهِيَ مُهْدَرَةٌ فَقَدْ تَلِفَتْ بِجِنَايَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَجْنَبِيَّيْنِ رُبْعُهُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ.
قَالَ ﵀ (، وَمَنْ أَشْهَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَيْفًا وَجَبَ قَتْلُهُ) وَلَا شَيْءَ بِقَتْلِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ شَهَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَيْفًا فَقَدْ أَبْطَلَ دَمَهُ» ؛ وَلِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ وَاجِبٌ فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ قَتْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ دَفْعُهُ إلَّا بِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بَاغِيًا بِذَلِكَ وَكَذَا إذَا أَشْهَرَ عَلَى رَجُلٍ سِلَاحًا فَقَتَلَهُ أَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ دَفْعًا عَنْهُ فَلَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ شَيْءٌ لِمَا بَيَّنَّا وَلَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ فِي الْمِصْرِ أَوْ خَارِجَ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ بِاللَّيْلِ وَلَا فِي خَارِجِ الْمِصْرِ، فَكَانَ لَهُ دَفْعُهُ بِالْقَتْلِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْمِصْرِ نَهَارًا وَفِي النَّوَادِرِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَعَنْ الثَّانِي يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ قَالَ ﵀ (، وَمَنْ شَهَرَ عَلَى رَجُلٍ سِلَاحًا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فِي الْمِصْرِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ شَهَرَ عَلَيْهِ عَصًا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فِي غَيْرِهِ فَقَتَلَهُ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ قَالَ ﵀ (، وَمَنْ شَهَرَ عَصًا نَهَارًا فِي مِصْرٍ فَقَتَلَهُ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ قُتِلَ بِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعَصَا خَفِيفَةٌ وَالْغَوْثُ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ فِي الْمِصْرِ فَكَانَ بِالْقَتْلِ مُعْتَدِيًا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالسِّلَاحِ عِنْدَهُ وَقِيلَ عِنْدَهُمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ كَالسِّلَاحِ عِنْدَهُمَا حَتَّى يَجِبَ الْقِصَاصُ بِالْقَتْلِ بِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ وَقِيلَ، هَذَا فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ أَمَّا الْيَوْمُ إذَا شَهَرَ عَلَيْهِ الْعَصَا فِي مِصْرٍ وَقَتَلَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ تَرَكُوا الْإِغَاثَةَ وَالْغَوْثَ.
قَالَ ﵀ (، وَإِنْ شَهَرَ الْمَجْنُونُ عَلَى غَيْرِهِ سِلَاحًا فَقَتَلَهُ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ عَمْدًا تَجِبُ الدِّيَةُ) وَعَلَى هَذَا، الصَّبِيُّ وَالدَّابَّةُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجِبُ الضَّمَانُ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ دَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ فَصَارَ كَالْبَالِغِ الْعَاقِلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَحْمُولًا عَلَى قَتْلِهِ بِفِعْلِهِ كَأَنْ قَالَ لَهُ اُقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُك وَكَوْنُ الدَّابَّةِ مَمْلُوكَةً لِلْغَيْرِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ كَالْعَبْدِ إذَا شَهَرَ سَيْفًا عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ فَكَذَا، هَذَا فَصَارَ كَالْعَبْدِ إذَا صَالَ عَلَى الْحُرِّ فَقَتَلَهُ وَلِأَبِي يُوسُفَ إنَّ فِعْلَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مُعْتَبَرٌ أَصْلًا حَتَّى لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ وُجُوبِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ وَكَذَا عِصْمَتُهَا لِحَقِّهَا وَعِصْمَةُ الدَّابَّةِ لِحَقِّ الْمَالِكِ فَكَانَ فِعْلُهُمَا مُسْقِطًا لِحَقِّهِمَا لِعِصْمَتِهِمَا فَلَا يَضْمَنَانِ وَيَضْمَنُ الدَّابَّةَ بِخِلَافِ الصَّيْدِ إذَا صَالَ عَلَى الْمُحْرِمِ أَوْ صَيْدُ الْحَرَمِ عَلَى الْحَلَالِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَذِنَ فِي قَتْلِهِ وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْنَا تَحَمُّلَ أَذَاهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَمْسَ الْفَوَاسِقَ أَبَاحَ قَتْلَهَا مُطْلَقًا لِتَوَهُّمِ الْأَذَى مِنْهَا فَمَا ظَنُّك إذَا تَحَقَّقَ الْأَذَى وَمَالِكُ الدَّابَّةِ لَمْ يَأْذَنْ فَيَجِبُ الضَّمَانُ وَكَذَا عِصْمَةُ عَبْدِ الْغَيْرِ لِحَقِّ نَفْسِهِ وَفِعْلُهُ مَحْظُورٌ فَتَسْقُطُ بِهِ عِصْمَتُهُ وَلَنَا أَنَّ الْفِعْلَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِالْحُرْمَةِ فَلَمْ يَقَعْ بَغْيًا فَلَا تَسْقُطُ الْعِصْمَةُ بِهِ لِعَدَمِ الِاخْتِيَارِ الصَّحِيحِ؛ وَلِهَذَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بِقَتْلِهِمَا، فَإِذَا لَمْ تَسْقُطْ كَانَ قَضِيَّتُهُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِوُجُودِ الْمُبِيحِ، وَهُوَ دَفْعُ الشَّرِّ فَتَجِبُ الدِّيَةُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَلَوْ ضَرَبَهُ الشَّاهِرُ فَانْصَرَفَ فَقَتَلَهُ الْآخَرُ قُتِلَ الْقَاتِلُ) مَعْنَاهُ إذَا شَهَرَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ سِلَاحًا فَضَرَبَهُ الشَّاهِرُ فَانْصَرَفَ ثُمَّ إنَّ الْمَضْرُوبَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ ضَرَبَ الضَّارِبَ، وَهُوَ الشَّاهِرُ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الشَّاهِرَ لَمَّا انْصَرَفَ بَعْدَ الضَّرْبِ عَادَ مَعْصُومًا مِثْلَ مَا كَانَ؛ لِأَنَّ حِلَّ دَمِهِ كَانَ بِاعْتِبَارِ شَهْرِهِ وَضَرْبِهِ، فَإِذَا رَجَعَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُرِيدُ ضَرْبَهُ ثَانِيًا انْدَفَعَ شَرُّهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَتْلِهِ لِارْتِفَاعِ شَرِّهِ بِدُونِهِ فَعَادَتْ عِصْمَتُهُ، فَإِذَا قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدْ قَتَلَ رَجُلًا مَعْصُومًا ظُلْمًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
قَالَ ﵀ (وَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ
следующие страницы →