Полный текст (3 122 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِإِجَارَةٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ إجَارَةٌ وَشَرِكَةٌ حَتَّى إذَا لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا لَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ شَيْءٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِاسْمِ الْغَلَّةِ تَنْصَرِفُ إلَى الْإِجَارَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَمْ تَنْصَرِفْ إلَى الْمُزَارَعَةِ.
وَإِذَا أَوْصَى أَنْ تُؤَاجَرَ أَرْضِهِ مُنْذُ سِنِينَ مُسَمَّاةً كُلَّ سَنَةٍ بِكَذَا وَهِيَ جَمِيعُ مَالِهِ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلَى أُجْرَتِهَا فَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَجْرَ مِثْلِهَا وَجَبَ تَنْفِيذُ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَقَلَّ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهَا فَإِنْ كَانَتْ الْمُحَابَاةُ بِحَيْثُ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ تَنْفُذُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ وَإِنْ كَانَتْ الْمُحَابَاةُ بِحَيْثُ لَا تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ يُقَالُ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْإِجَارَةِ إنْ أَرَدْت أَنْ نُؤَجِّرَ مِنْك هَذِهِ الْأَرْضَ فَبَلَغَ الْأَجْرُ إلَى تَمَامِ الثُّلُثَيْنِ.
فَإِنْ بَلَغَ تُؤَجَّرُ الْأَرْضُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ لَا تُؤَجَّرُ الْأَرْضُ مِنْهُ وَكَانَ الْجَوَابُ فِي الْإِجَارَةِ كَالْجَوَابِ فِيمَا إذَا أَوْصَى أَنْ تُبَاعَ أَرْضُهُ مِنْ فُلَانٍ بِكَذَا وَذَلِكَ جَمِيعُ مَالِهِ هُنَاكَ إنْ كَانَ الْمُسَمَّى مِثْلَ قِيمَةِ الْأَرْضِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْأَرْضِ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ تُبَاعُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فَإِنْ كَانَ الْمُحَابَاةُ بِحَيْثُ لَا تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ يُقَالُ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْبَيْعِ إنْ أَرَدْت أَنْ تُبَاعَ مِنْك هَذِهِ الْأَرْضُ فَبَلَغَ الثَّمَنُ إلَى تَمَامِ ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ فَإِنْ بَلَغَ تُبَاعُ الْأَرْضُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ فَإِنَّهَا لَا تُبَاعُ الْأَرْضُ مِنْهُ فَكَذَا فِي الْإِجَارَةِ، وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي الْإِجَارَةِ كَالْجَوَابِ فِي الْبَيْعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ الْجَوَابِ صَحِيحٌ فِي الْإِجَارَةِ وَإِذَا أَوْصَى وَلَيْسَ لَهُ بُسْتَانٌ ثُمَّ اشْتَرَى بُسْتَانًا ثُمَّ مَاتَ فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ مِنْ الثُّلُثِ.
وَإِذَا أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهِ وَلَمْ يَقُلْ يَوْمَ الْمَوْتِ إنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ وَتَعَلَّقَ بِهَا حَتَّى إذَا هَلَكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ غَنَمٌ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لَك بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِي يَوْمَ الْمَوْتِ فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ غَنَمٌ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِغَلَّةِ بُسْتَانِهِ فَأَغَلَّ الْبُسْتَانَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي فَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ تِلْكَ الْغَلَّةِ شَيْءٌ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْغَلَّةِ مَا يَكُونُ فِي الْبُسْتَانِ يَوْمَ مَاتَ الْمُوصِي وَمَا يَحْدُثُ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إلَى أَنْ يَمُوتَ الْمُوصَى لَهُ فَأَمَّا مَا يُوجَدُ مِنْ غَلَّةِ الْبُسْتَانِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي بَعْدَ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.
وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِغَلَّةِ بُسْتَانِهِ ثُمَّ إنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْغَلَّةِ اشْتَرَى الْبُسْتَانَ مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَتَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ تَبِعْهُ الْوَرَثَةُ وَلَكِنَّهُمْ تَرَاضَوْا عَلَى شَيْءٍ دَفَعُوهُ إلَيْهِ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ الْغَلَّةَ وَيَبْرَأَ مِنْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَكَذَلِكَ الصُّلْحُ عَنْ سُكْنَى الدَّارِ وَخِدْمَةِ الْعَبْدِ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ بَيْعُ هَذِهِ الْحُقُوقِ لَا يَجُوزُ وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ الصُّلْحِ عَنْ مَسْأَلَةِ النَّخِيلِ، وَفِي نَوَادِرِ بِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَذَكَرَ فِيهَا الْقِيَاسَ، وَالِاسْتِحْسَانَ وَصُورَةُ مَا ذُكِرَ عَنْهُ: " إذَا أَوْصَى بِغَلَّةِ نَخْلَةٍ ثَلَاثَ سِنِينَ وَصَالَحَ عَنْهَا وَقَبَضَ الدَّرَاهِمَ مِنْهُمْ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ هَذَا صَالَحَ عَنْ مَجْهُولٍ لَا يَدْرِي أَيَكُونُ أَوْ لَا يَكُونُ لَكِنْ اُسْتُحْسِنَ وَأُجِيزَ هَذَا الصُّلْحُ.
وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ بِغَلَّةِ دَارِهِ أَوْ بِغَلَّةِ عَبْدِهِ لِلْمَسَاكِينِ جَازَ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْغَلَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى جَائِزَةٌ كَالْمَنْفَعَةِ وَإِذَا أَوْصَى بِظَهْرِ دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ جَازَتْ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا فَأَمَّا إذَا أَوْصَى بِظَهْرِ دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْخِلَافِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَمَّنْ أَوْصَى بِغَلَّةِ كَرْمِهِ لِإِنْسَانٍ قَالَ يَدْخُلُ فِيهِ الْقَوَائِمُ، وَالْأَوْرَاقُ، وَالْحَطَبُ، وَالثَّمَرُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ الْكَرْمَ مُعَامَلَةً فَكُلُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَكُونُ بَيْنَهُمَا كَذَا هَذَا.
وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ إذَا أَوْصَى بِثَمَرِ كَرْمِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ لِلْمَسَاكِينِ فَمَاتَ وَلَمْ يَحْمِلْ كَرْمُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ شَيْئًا قَالَ نُصَيْرٌ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَفِي النَّوَازِلِ: وَلَيْسَ عَلَى الْوَرَثَةِ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةً يُوقَفُ ذَلِكَ الْكَرْمُ وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ بِتَصَدُّقِ بِغَلَّتِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ قَالَ الْفَقِيهُ: قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةً مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِيمَنْ أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً لِفُلَانٍ وَفُلَانٌ غَائِبٌ فَمَتَى رَجَعَ فَإِنَّ الْعَبْدَ يَخْدُمُهُ سَنَةً فَلَوْ قَالَ يَخْدُمُهُ هَذِهِ السَّنَةَ فَقَدِمَ فُلَانٌ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ الْغَلَّةُ.
وَفِي الْعُيُونِ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ أَنْ يَزْرَعَ لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي أَرْضِهِ فَالْبَذْرُ، وَالْخَرَاجُ، وَالسَّقْيُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ فَإِنْ أَوْصَى لَهُ أَنْ يَزْرَعَ كُلَّ سَنَةٍ عَشْرَةَ أَجْرِبَةٍ فَالْبَذْرُ، وَالسَّقْيُ، وَالْخَرَاجُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ، وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثَمَرِ نَخْلٍ قَدْ بَلَغَ أَوْ زَرَعَ اُسْتُحْصِدَ أَوْ لَمْ يُحْصَدْ فَالْخَرَاجُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ فَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَوْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ لَمْ يَلْزَمْ صَاحِبَ الْأَرْضِ
стр. 3047
الْخَرَاجُ فَإِذَا أَوْصَى بِهِ لِغَيْرِهِ فَعَلَى الْمُوصَى لَهُ الْخَرَاجُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى بِثَمَرَةِ نَخْلِهِ أَوْ زَرْعٍ قَدْ أَدْرَكَ فَخَرَاجُهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ وَلَوْ قَطَعَ الثَّمَرَةَ وَحَصَدَ الزَّرْعَ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ فَالْخَرَاجُ عَلَى الْمُوصِي وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِهَذَا الْفَصْلِ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ: رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ عَبْدًا لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ وَأَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً لِرَجُلٍ وَأَوْصَى بِخِدْمَتِهِ سَنَتَيْنِ لِرَجُلٍ آخَرَ ثُمَّ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ فَلِلْوَرَثَةِ أَنْ يُجِيزُوا ذَلِكَ لَهُمْ خِدْمَةً لِلْعَبْدِ تُقَسَّمُ عَلَى تِسْعَةِ أَيَّامٍ لِلْوَرَثَةِ سِتَّةُ أَيَّامٍ وَلَهُمَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَإِذَا مَضَى ثَلَاثُ سِنِينَ سَلَّمَ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ رَقَبَتَهُ وَمَنْفَعَتَهُ؛ لِأَنَّهُ مَالُ الْمَيِّتِ وَقَدْ خَلَا عَنْ الدَّيْنِ، وَالْوَصِيَّةِ فَيَكُونُ لِلْوَرَثَةِ.
وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ بَلْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ قُسِّمَتْ خِدْمَةُ الْعَبْدِ أَثْلَاثًا يَوْمًا لِلْمُوصَى لَهُ بِالسَّنَةِ وَيَوْمَيْنِ لِلْمُوصَى لَهُ بِالسَّنَتَيْنِ فَيَحْصُلُ اسْتِيفَاءُ الْوَصِيَّتَيْنِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَلَا حَقَّ لِلْوَرَثَةِ فِي خِدْمَةِ الْعَبْدِ، وَلَوْ كَانَ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ وَلِآخَرَ سَنَةَ إحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَالْخِدْمَةُ، وَالْعَبْدُ لَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ قُسِّمَتْ الْخِدْمَةُ فِي سَنَةِ إحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ عَلَى سِتَّةِ أَيَّامٍ لِلْوَرَثَةِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوصَى لَهُمَا يَوْمٌ وَإِذَا مَضَتْ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ تَبْطُلُ وَصِيَّةُ الْمُوصَى لَهُ بِسَنَةِ سَبْعِينَ، وَفِي سَنَةِ إحْدَى وَسَبْعِينَ تُقْسَمُ خِدْمَةُ الْعَبْدِ أَثْلَاثًا عَلَى ثَلَاثَةٍ يَوْمٌ لِلْمُوصَى لَهُ بِسَنَةِ إحْدَى وَسَبْعِينَ وَيَوْمَانِ لِلْوَرَثَةِ فَإِذَا مَضَتْ هَذِهِ السَّنَةُ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لَا يَخْرُجُ لَكِنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ كَانَتْ خِدْمَةُ الْعَبْدِ كُلُّهَا فِي سَنَةِ سَبْعِينَ لَهُ.
وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا: رَجُلٌ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِسُكْنَى دَارِهِ سَنَةً وَأَوْصَى لِآخَرَ بِسُكْنَاهَا سَنَتَيْنِ ثُمَّ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُ الدَّارِ وَأَبَى الْوَرَثَةُ أَنْ يُجِيزُوا ذَكَرَ أَنَّ الدَّارَ تُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ ثُلُثَا الدَّارِ تَسْكُنُهَا الْوَرَثَةُ وَثُلُثُ الدَّارِ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا نِصْفَيْنِ يَسْكُنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُدُسَ الدَّارِ حَتَّى تَمْضِي سَنَةٌ فَإِذَا مَضَى سَنَةٌ فَالْمُوصَى لَهُ بِسُكْنَى الدَّارِ سَنَةً يَدْفَعُ السُّدُسَ إلَى الْمُوصَى لَهُمَا بِسُكْنَى الدَّارِ سَنَتَيْنِ فَيَسْكُنُ ثُلُثَ الدَّارِ سَنَةً أُخْرَى ثُمَّ تَعُودُ الدَّارُ إلَى الْوَرَثَةِ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ لَا تَتَحَمَّلُ الْقِسْمَةَ كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا كَالْحُكْمِ فِي الْعَبْدِ وَهَذَا إذَا لَمْ تَخْرُجْ الدَّارُ، وَالْعَبْدُ، وَالثَّمَرَةُ مِنْ الثُّلُثِ فَأَمَّا إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ قُسِّمَتْ الدَّارُ، وَالْغَلَّةُ، وَالسُّكْنَى كُلُّهَا فِي السَّنَةِ الْأُولَى بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ كُلُّهَا لِصَاحِبِ السَّنَتَيْنِ قَالَ ﵀ (فَإِنْ خَرَجَ الْعَبْدُ مِنْ ثُلُثِهِ سُلِّمَ إلَيْهِ لِيَخْدُمَهُ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ فِي الثُّلُثِ لَا يُزَاحِمُهُ الْوَرَثَةُ فِيهِ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا فِيهِ قَالَ ﵀ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ (خِدْمَةَ الْوَرَثَةِ يَوْمَيْنِ، وَالْمُوصَى لَهُ يَوْمًا) ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الثُّلُثِ وَحَقَّهُمْ فِي الثُّلُثَيْنِ كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعَيْنِ وَلَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ فَصِرْنَا إلَى الْمُهَايَأَةِ فَيَخْدُمُهُمْ أَثْلَاثًا وَقَدْ قَدَّمْنَا تَفَاصِيلَ الْمَسْأَلَةِ قَالَ ﵀ (وَبِمَوْتِهِ يَعُودُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي) أَيْ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ يَعُودُ الْعَبْدُ أَوْ الدَّارُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْحَقَّ لِلْمُوصَى لَهُ لِيَسْتَوْفِيَ الْمَنَافِعَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ فَلَوْ انْتَقَلَ إلَى وَارِثِ الْمُوصَى لَهُ اسْتَحَقَّهَا أَبَدًا مِنْ مِلْكِ الْمُوصِي بِغَيْرِ رِضَاهُ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ مَاتَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي بَطَلَتْ) أَيْ لَوْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَفِي الْحَالِ مِلْكُ الْمُوصِي ثَابِتٌ فِيهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ تَمَلُّكُ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَبَطَلَتْ وَقَدَّمْنَاهُ.
قَالَ ﵀ (وَبِثَمَرَةِ بُسْتَانِهِ فَمَاتَ، وَفِيهِ ثَمَرَةٌ لَهُ هَذِهِ الثَّمَرَةُ وَإِنْ زَادَ أَبَدًا لَهُ هَذِهِ الثَّمَرَةُ وَمَا يَسْتَقْبِلُ كَغَلَّةِ بُسْتَانِهِ) أَيْ إذَا أَوْصَى بِثَمَرَةِ بُسْتَانِهِ ثُمَّ مَاتَ، وَفِيهِ ثَمَرَةٌ كَانَ لَهُ هَذِهِ الثَّمَرَةُ وَحْدَهَا وَإِنْ قَالَ لَهُ ثَمَرَةُ بُسْتَانِي أَبَدًا كَانَ لَهُ هَذِهِ الثَّمَرَةُ وَثَمَرَتُهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ مَا عَاشَ، وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِغَلَّةِ بُسْتَانِهِ فَلَهُ الْغَلَّةُ الْقَائِمَةُ عَلَيْهِ، وَمَا يَسْتَقْبِلُ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِالْغَلَّةِ اسْتَحَقَّ الْقَائِمَ، وَالْحَادِثَ وَإِنْ أَوْصَى بِالثَّمَرَةِ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا الْقَائِمُ إلَّا إذَا زَادَ أَبَدًا فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ كَالْغَلَّةِ فَيَسْتَحِقُّهُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ زَادَ أَبَدًا لَهُ هَذِهِ الثَّمَرَةُ وَمَا يَسْتَقْبِلُ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الثَّمَرَةَ اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ عُرْفًا فَلَا يَتَنَاوَلُ الْمَعْدُومَ إلَّا بِدَلَالَةٍ زَائِدَةٍ مِثْلَ التَّنْصِيصِ عَلَى الْأَبَدِ فَتَتَنَاوَلُ الْمَعْدُومَ، وَالْمَوْجُودَ بِذِكْرِهِ عُرْفًا وَأَمَّا الْغَلَّةُ فَتَنْتَظِمُ الْمَوْجُودَ وَمَا يَكُونُ بِعَرْضِ الْوُجُودِ وَلَا يُرَادُ الْمَعْدُومُ إلَّا بِدَلِيلٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ، وَفِيهِ ثَمَرَةٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبُسْتَانِ ثَمَرَةٌ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَهِيَ كَمَسْأَلَةِ الْغَلَّةِ فِي تَنَاوُلِهَا لِلثَّمَرَةِ الْمَعْدُومَةِ مَا عَاشَ الْمُوصَى لَهُ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ حَقِيقَةً وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمَعْدُومَ إلَّا مَجَازًا فَإِذَا كَانَ فِي الْبُسْتَانِ ثَمَرَةٌ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي صَارَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْحَقِيقَةِ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْمَجَازَ وَإِذَا لَمْ
стр. 3048
يَكُنْ فِيهِ يَتَنَاوَلُ الْمَجَازَ وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنَّهُ إذَا ذُكِرَ لَفْظُ الْأَبَدِ فَيَتَنَاوَلُهُمَا عَمَلًا بِعُمُومِ الْمَجَازِ لَا جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ وَقَدْ قَدَّمْنَا تَفَاصِيلَهُ.
قَالَ ﵀ (وَبِصُوفِ غَنَمِهِ وَوَلَدِهَا وَلَبَنِهَا لَهُ الْمَوْجُودُ عِنْدَ مَوْتِهِ قَالَ أَبَدًا أَوَّلًا) أَيْ إذَا أَوْصَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَانَ لَهُ الْمَوْجُودُ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَا يَسْتَحِقُّ مَا سَيَحْدُثُ بَعْدَ مَوْتِهِ سَوَاءٌ قَالَ أَبَدًا أَوْ لَمْ يَقُلْ؛ لِأَنَّهُ إيجَابٌ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيُعْتَبَرُ وُجُودُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عِنْدَهُ فَهَذَا هُوَ الْحَرْفُ لَكِنْ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ فِي الْغَلَّةِ الْمَعْدُومَةِ، وَالثَّمَرَةِ الْمَعْدُومَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا؛ لِأَنَّهَا تُسْتَحَقُّ بِغَيْرِ الْوَصِيَّةِ مِنْ الْعُقُودِ كَالْمُزَارَعَةِ، وَالْمُعَامَلَةِ فَلَأَنْ تُسْتَحَقَّ بِالْوَصِيَّةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَوْسَعُ بَابًا مِنْ غَيْرِهَا وَكَذَا الصُّوفُ عَلَى الظَّهْرِ، وَاللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَالْوَلَدُ الْمَوْجُودُ فِي الْبَطْنِ يَسْتَحِقُّ بِجَمِيعِ الْعُقُودِ تَبَعًا وَيُجْعَلُ مَقْصُودًا فَكَذَا بِالْوَصِيَّةِ ثُمَّ مَسَائِلُ هَذَا الْبَابِ عَلَى وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ مِنْهَا مَا يَقَعُ عَلَى الْمَوْجُودِ، وَالْمَعْدُومِ وَذَكَرَ الْأَبَدَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ كَالْوَصِيَّةِ بِالْخِدْمَةِ، وَالسُّكْنَى، وَالْغَلَّةِ، وَالثَّمَرَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبُسْتَانِ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَرَةِ عِنْدَ مَوْتِهِ وَمِنْهَا عَلَى الْمَوْجُودِ دُونَ الْمَعْدُومِ ذَكَرَ الْأَبَدَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ كَالْوَصِيَّةِ بِاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفِ عَلَى الظُّهْرِ وَمِنْهَا مَا يَقَعُ عَلَى الْمَوْجُودِ، وَالْمَعْدُومِ إنْ ذَكَرَ الْأَبَدَ وَإِلَّا فَعَلَى الْمَوْجُودِ فَقَطْ كَالْوَصِيَّةِ بِثَمَرَةِ بُسْتَانِهِ، وَفِيهِ ثَمَرَةٌ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِلْوَصِيَّةِ بِالْكَفَنِ، وَالدَّفْنِ وَبِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْقُبُورِ وَنَحْوِهِ فَنَذْكُرُ ذَلِكَ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ قَالَ فِي وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ: إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُكَفَّنَ بِأَلْفِ دِينَارٍ أَوْ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَلَهُ أَنْ يُكَفَّنَ بِالْوَسَطِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إسْرَافٌ وَلَا تَقْتِيرٌ وَلَا تَضْيِيقٌ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُكَفَّنُ بِكَفَنِ الْمِثْلِ وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى ثِيَابِهِ حَالَ حَيَاتِهِ لِلْخُرُوجِ لِلْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَالْوَلِيمَةِ وَقِيلَ لِلْفَقِيهِ أَبِي بَكْرٍ الْبَلْخِيّ لِمَ اُعْتُبِرَتْ ثِيَابُ الْجُمُعَةِ، وَالْوَلِيمَةِ وَلَمْ تُعْتَبَرْ ثِيَابُ الْبِذْلَةِ كَمَا قَالَ الصِّدِّيقُ: الْحَيُّ أَحْوَجُ إلَى الْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ قَالَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَفِي النَّوَازِلِ سُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ عَنْ امْرَأَةٍ صَاحِبَةِ فِرَاشٍ أَوْصَتْ ابْنَتَهَا أَنْ تُكَفِّنَهَا بِسِتِّينَ دِرْهَمًا بِمَا يُسَاوِي ثَلَثَمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ: إنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ بِإِذْنِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ وَهُمْ كِبَارٌ ضَمَنَتْهَا جُمْلَةَ الثِّيَابِ إنْ كَانَتْ الْكُلُّ وَضِيعَةً وَلَا يُحْسَبُ مِنْهَا شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ رَفِيعَةً دُونَ الْبَعْضِ مِمَّا كَانَ فِيهِ يُكَفَّنُ مِثْلُهَا لَمْ تَضْمَنْ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ضَمِنَتْهُ، وَفِي فَتَاوَى الْخُلَاصَةِ، وَالْمُخْتَارِ: أَنَّهَا مُتَبَرِّعَةٌ فِي الْكُلِّ إنْ فَعَلَتْ مِنْ مَالِهَا أَوْ مِنْ التَّرِكَةِ تَضْمَنُ وَسُئِلَ أَيْضًا عَمَّنْ أَوْصَى بِأَنْ يُكَفَّنَ لَهُ بِثَمَنِ كَذَا وَفَعَلَ الْمُوصَى لَهُ ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَوْ وَجَدَ مِيرَاثًا وَذَلِكَ الشَّيْءُ لِلْوَرَثَةِ، وَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ امْرَأَةٍ أَوْصَتْ إلَى زَوْجِهَا أَنْ يُكَفِّنَهَا مِنْ مَهْرِهَا الَّذِي لَهَا عَلَيْهِ قَالَ أَمْرُهَا وَنَهْيُهَا فِي بَابِ الْكَفَنِ بَاطِلٌ، وَفِي فَتَاوَى الْخُلَاصَةِ قَالَ وَصِيَّتُهَا فِي تَكْفِينَهَا بَاطِلَةٌ.
وَلَوْ لَمْ تَتْرُكْ مَالًا يَكُونُ كَفَنُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ دُونَ الزَّوْجِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ عُلَمَاؤُنَا قَالَ فِي الْفَقِيهِ أَبُو اللَّيْثِ ﵀ هَذَا الْجَوَابُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَرَوَى خَلَفٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْكَفَنَ عَلَى الزَّوْجِ كَالْكِسْوَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَالَ: وَبِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ نَأْخُذُ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ فِيمَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبٍ أَنَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبِ كَذَا وَيُدْفَنَ فِي مَوْضِعِ كَذَا فَالْوَصِيَّةُ فِي تَعْيِينِ الْكَفَنِ وَمَوْضِعِ الْقَبْرِ بَاطِلَةٌ، وَفِي رَوْضَةِ الزَّنْدُوسَنِيِّ إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُكَفَّنَ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ أَوْ فِي سِتَّةِ أَثْوَابٍ جَازَتْ وَصِيَّتُهُ وَيُرَاعَى شَرَائِطُهُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ: وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُدْفَنَ فِي مَقْبَرَةِ كَذَا تُعْرَفُ لِفُلَانٍ الزَّاهِدِ تُرَاعَى شَرَائِطُهُ وَإِنْ أَوْصَى بِأَنْ يُدْفَنَ مَعَ فُلَانٍ لَا يَصِحُّ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ فِيمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا قَالَ إنْ مَاتَ وَتَرَكَ ثَوْبًا وَاحِدًا يُكَفَّنُ فِيهِ وَإِلَّا يُسْأَلُ قَدْرُ ثَوْبٍ وَيُكَفَّنُ فِيهِ وَلَا يُسْأَلُ الزِّيَادَةُ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً قَالَ الْفَقِيهُ هَذَا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ، وَقَالَ ابْنُ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُ: يُكَفَّنُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ حَسَنٌ أَوْصَى بِأَنْ يُدْفَنَ فِي دَارِهِ فَوَصِيَّتُهُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وَصِيَّتِهِ مَنْفَعَةٌ لَهُ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَوْ دُفِنَ فِيهَا فَهُوَ كَدَفْنِهِمْ بِغَيْرِ وَصِيَّةٍ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَإِنْ رَأَى الْأَمْرَ بِرَفْعِهِ فَعَلَ وَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِي دَارِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يُوصِيَ أَنْ تُجْعَلَ دَارُهُ مَقْبَرَةً لِلْمُسْلِمِينَ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُدْفَنَ فِي بَيْتِهِ لَا يَصِحُّ وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فُلَانٌ فَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْعُيُونِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ، وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ وَيُؤْجَرُ إنْ صَلَّى عَلَيْهِ، وَالْفَتْوَى عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْعُيُونِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فِي أَكْفَانِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي حَفْرِ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي سِقَايَةِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ هَذَا بَاطِلٌ.
وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي أَكْفَانِ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي حَفْرِ مَقَابِرِهِمْ فَهَذَا جَائِزٌ.
وَفِي فَتَاوَى الْخُلَاصَةِ وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ تُتَّخَذَ دَارُهُ مَقْبَرَةً فَمَاتَ
стр. 3049
فَوَارِثُهُ مُخَيَّرٌ فِي دَفْنِهِ فِيهَا، وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ يَتَّخِذَ دَارِهِ خَانًا يَنْزِلُ فِيهِ النَّاسُ لَا يَصِحُّ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَى بِأَنْ تُتَّخَذَ سِقَايَةَ رَجُلٍ مَاتَ وَلَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ فَبَاعَتْ امْرَأَتُهُ دَارًا مِنْ تَرِكَتِهِ لَكِنْ بِغَيْرِ إذْنِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ فَالْبَيْعُ فِي نَصِيبِهَا جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُ إنْ كَفَّنْته بِكَفَنٍ مِثْلِهِ تَرْجِعُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ وَإِنْ كَفَّنْته بِأَكْثَرَ مِنْ كَفَنِ الْمِثْلِ لَا تَرْجِعُ إلَّا بِقَدْرِ كَفَنِ الْمِثْلِ رَجُلٌ أَوْصَى بِأَنْ يُكَفَّنَ لَهُ مِنْ ثَمَنٍ كَذَا فَلَمْ يَفْعَلْ الْوَصِيُّ مِنْ ثَمَنِ كَذَا وَكَأَنْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَجِدْ لَا يَضْمَنُ الْوَصِيُّ ذَلِكَ الشَّيْءَ، وَلَوْ اشْتَرَى الْوَصِيُّ كَفَنًا فَدُفِنَ فِيهِ الْمَيِّتُ فَظَهَرَ فِيهِ عَيْبٌ فَهُوَ وَالْوَصِيُّ يَرْجِعَانِ عَلَى الْبَائِعِ بِالنُّقْصَانِ.
وَالْأَجْنَبِيُّ لَا يَرْجِعُ وَإِذَا أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِي مَسْحٍ كَأَنْ اشْتَرَى وَتُغَلُّ يَدُهُ وَتُقَيَّدُ رِجْلُهُ فَهَذِهِ وَصِيَّةٌ بِمَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ فَبَطَلَتْ وَيُكَفَّنُ كَفَنَ مِثْلِهِ وَيُدْفَنُ كَمَا يُدْفَنُ سَائِرُ النَّاسِ إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرٍ فِيهِ مَيِّتٌ آخَرُ قَالَ إذَا بَلِيَ الْأَوَّلُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْعِظَامِ وَغَيْرُهُ يَجُوزُ وَإِنْ بَقِيَ فِيهِ الْعِظَامُ فَإِنَّهُ يُهَالُ عَلَيْهِ التُّرَابُ وَلَا تُحَرَّكُ الْعِظَامُ وَيُدْفَنُ الثَّانِي بِقُرْبِ الْأَوَّلِ إنْ شَاءُوا وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ الصَّعِيدِ وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُحْمَلَ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَيُدْفَنُ هُنَاكَ وَيُبْنَى هُنَاكَ رِبَاطٌ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ فَمَاتَ وَلَمْ يُحْمَلْ إلَى هُنَاكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَصِيَّتُهُ بِالرِّبَاطِ جَائِزَةٌ، وَوَصِيَّتُهُ بِالْحَمْلِ بَاطِلَةٌ وَلَوْ حَمَلَهُ الْوَصِيُّ يَضْمَنُ مَا أَنْفَقَ فِي حَمْلِهِ قَالَ الْفَقِيهُ: هَذَا إذَا حُمِلَ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَرَثَةِ وَلَوْ حُمِلَ بِإِذْنِهِمْ وَهُمْ كِبَارٌ فَلَا ضَمَانَ إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُطَيَّنَ قَبْرُهُ وَيُوضَعَ عَلَى قَبْرِهِ قُبَّةٌ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ يَحْتَاجُ إلَى التَّطْيِينِ فَيَجُوزُ سُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ عَمَّنْ دَفَعَ إلَى ابْنَتِهِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا فِي مَرَضِهِ، وَقَالَ: إنْ مِتّ أَنَا فَاعْمُرِي قَبْرًا بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ وَاشْتَرِي بِالْبَاقِي حِنْطَةً وَتَصَدَّقِي بِهَا قَالَ الْخَمْسَةُ الْوَصِيَّةُ بِهَا لَا تَجُوزُ وَيُنْظَرُ إلَى الْقَبْرِ الَّذِي أَمَرَ بِعِمَارَتِهِ فَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى الْعِمَارَةِ لِلتَّخْصِيصِ لَا لِلزِّنْيَةِ عُمِّرَ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَالْبَاقِي يَصَّدَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَإِنْ كَانَ أَمَرَ بِعِمَارَتِهِ عَلَى الْحَاجَةِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا فَوَصِيَّتُهُ جَائِزَةٌ وَإِذَا أَوْصَى أَنْ يَدْفَعَ إلَى إنْسَانِ كَذَا مِنْ مَالِهِ لِيَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى قَبْرِهِ فَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ.
قَالَ إنْ كَانَ الْقَارِئُ مُعَيَّنًا يَنْبَغِي أَنْ تَجُوزَ الْوَصِيَّةُ لَهُ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ دُونَ الْأَجْرِ قَالَ أَبُو نَصْرٍ وَكَانَ يَقُولُ لَا مَعْنَى لِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْأُجْرَةِ، وَالْإِجَارَةُ فِي ذَلِكَ بَاطِلَةٌ وَهُوَ بِدْعَةٌ وَلَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ.
وَقَدْ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْقُبُورِ فِي الِاسْتِحْسَانِ سُئِلَ أَبُو النَّصْرِ عَنْ شَيْءٍ يُلْقَى فِي الْقَبْرِ بِجَنْبِ الْمَيِّتِ مِثْلَ الْمَضْرَبَةِ وَنَحْوِهَا قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الزِّيَادَةِ فِي الْكَفَنِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ وَبَعْضُهُمْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ إذَا كَانَ مَحْشُوًّا لَا تَبْقَى تَحْتَهُ، وَالْمَحْشُوُّ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ فَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي حَقِّ الشَّهِيدِ يُنْزَعُ عَنْهُ السِّلَاحُ، وَالْفَرْوُ، وَالْحَشْوُ وَلَوْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ لَمَا أَمَرَ بِنَزْعِهِ وَسُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ عَمَّنْ أَوْصَى أَنْ نَحْفِرَ عَشَرَةَ أَقْبُرٍ قَالَ إنْ عَيَّنَ مَقْبَرَةً لِيُدْفَنَ فِيهَا الْمَوْتَى فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِمَارَةُ الْمَقْبَرَةِ وَأَنَّهَا قُرْبَةٌ وَإِنْ كَانَ الْحَفْرُ لِدَفْنِ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ وَلِلْفُقَرَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ مَوْضِعًا فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَفِي الْوَاقِعَاتِ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا أَوْصَى بِأَنْ يَحْفِرَ مِائَةَ قَبْرٍ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ فِي مَحَلَّتِهِ وَيَكُونُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالصَّغِيرِ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا اخْتَارُوا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَيِّنْ الْمَقْبَرَةَ لَا يَجُوزُ وَإِذَا أَوْصَى أَنْ تُدْفَنَ كُتُبُهُ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا شَيْءٌ لَا يَفْهَمُهُ أَحَدٌ وَيَكُونُ فِيهِ فَسَادٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُدْفَنَ، وَالْكُتُبُ الَّتِي فِيهَا الرُّسُلُ، وَفِيهَا اسْمُ اللَّهِ وَيَسْتَغْنِي عَنْهَا صَاحِبُهَا بِحَيْثُ أَنْ لَا يَقْرَأَهَا وَاجِبٌ مَحْوُ مَا فِيهَا مِنْ اسْمِ اللَّهِ وَلَمْ يَحْفِرْ لَهَا وَيُلْقِيهَا فِي الْمَاءِ الْجَارِي الْكَثِيرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَدَفَنَهَا فِي أَرْضٍ طَاهِرَةٍ وَلَا يَنَالُهَا قَذَرٌ كَانَ حَسَنًا.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْرِقَهَا بِالنَّارِ حَتَّى يَمْحُوَ مَا كَانَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَاءِ رُسُلِهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ: وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْفَضْلِ رَجُلٌ أَوْصَى بِأَنْ تُبَاعَ كُتُبُهُ مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الْعِلْمِ وَتُوقَفُ كُتُبُ الْعِلْمِ فَفَتَّشَ كُتُبَهُ فَكَانَ فِيهَا كُتُبُ الْكَلَامِ فَكَتَبُوا إلَى أَبِي الْقَاسِمِ الصَّفَّارِ أَنَّ كُتُبَ الْكَلَامِ تُبَاعُ؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ الْعِلْمِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ أَهْلُ الْأُصُولِ وَقَدْ ذَكَرْنَا شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَعَ مَسْأَلَةِ دَفْعِ الْمُصْحَفِ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ.
[بَابُ وَصِيَّةِ الذِّمِّيِّ]
(بَابُ وَصِيَّةِ الذِّمِّيِّ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ شَرَعَ فِي وَصِيَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَتَرْجَمَ بِالذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْمُسْلِمِينَ فِي الْمُعَامَلَاتِ قَالَ ﵀ (ذِمِّيٌّ جَعَلَ دَارِهِ بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً فِي صِحَّتِهِ فَمَاتَ فَهِيَ مِيرَاثٌ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْوَقْفُ عِنْدَهُ
стр. 3050
لَا يَلْزَمُ فَيُورَثُ فَكَذَا هَذَا وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَا لِأَنَّ هَذَا مَعْصِيَةٌ فَلَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَتْ قُرْبَةً فِي مُعْتَقَدِهِمْ بَقِيَ إشْكَالٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ أَنَّ هَذَا عِنْدَهُمْ كَالْمَسْجِدِ عِنْدَنَا، وَالْمُسْلِمُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْمَسْجِدَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الذِّمِّيُّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ عِنْدَهُ يَتْرُكُونَ وَمَا يَعْتَقِدُونَ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ مُحَرَّزٌ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَصَارَ خَالِصًا لِلَّهِ وَلَا كَذَلِكَ الْبِيَعُ فِي حَقِّهِمْ فَلِأَنَّهَا لِمَنَافِعِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْكُنُونَ فِيهَا وَيُدْفَنُونَ فِيهَا أَمْوَاتَهُمْ فَلَمْ تَصِرْ مُحَرَّزَةً عَنْ حُقُوقِهِمْ فَكَانَ مِلْكُهُ فِيهَا تَامًّا.
وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُورَثُ الْمَسْجِدُ أَيْضًا عَلَى مَا يَجِيءُ بَيَانُهُ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَوْصَى بِذَلِكَ لِقَوْمٍ مُسَمَّيْنَ فَهُوَ مِنْ الثُّلُثِ) أَيْ إذَا أَوْصَى أَنْ يَبْنِيَ دَارِهِ بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً لِمُعَيَّنِينَ فَهُوَ جَائِزٌ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ فِيهَا مَعْنَى الِاسْتِخْلَافِ وَمَعْنَى التَّمْلِيكِ فَأَمْكَنَ تَصْحِيحُهَا عَلَى اعْتِبَارِ الْمَعْنَيَيْنِ قَالَ ﵀ (وَبِدَارِهِ كَنِيسَةً لِقَوْمٍ غَيْرِ مُسَمَّيْنَ صَحَّتْ كَوَصِيَّةِ حَرْبِيٍّ مُسْتَأْمَنٍ بِكُلِّ مَالِهِ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ) يَعْنِي إذَا أَوْصَى بِدَارِهِ أَنْ تُبْنَى كَنِيسَةً لِقَوْمٍ غَيْرِ مُسَمَّيْنَ صَحَّتْ كَمَا تَصِحُّ لِحَرْبِيٍّ. . . إلَخْ أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا إذَا أَوْصَى إلَى قَوْمٍ مُسَمَّيْنَ فَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ فِي مُعْتَقَدِهِمْ قُرْبَةٌ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَعْصِيَةِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ تَنْفِيذَهَا تَقْرِيرٌ لِلْمَعْصِيَةِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذِهِ قُرْبَةٌ فِي مُعْتَقَدِهِمْ وَنَحْنُ أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ فَيَجُوزُ بِنَاءً عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ حَقِيقَةً وَهُوَ مَعْصِيَةٌ فِي مُعْتَقَدِهِمْ لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ اعْتِبَارًا لِاعْتِقَادِهِمْ فَكَذَا عَكْسُهُ.
ثُمَّ الْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ بِنَائِهَا وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِهَا أَنَّ الْبِنَاءَ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِزَوَالِ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا يَزُولُ مِلْكُ الْبَاقِي بِأَنْ يَصِيرَ مُحَرَّزًا خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْكَنِيسَةُ لَا تُحْرَزُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فَيُورَثُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ غَيْرَ أَنَّ ثُبُوتَ مُقْتَضَى الْوَصِيَّةِ وَهُوَ الْمِلْكُ امْتَنَعَ فِيمَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ عِنْدَهُمْ فَيَبْقَى فِيمَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ عَلَى مُقْتَضَاهُ فَيَزُولُ مِلْكُهُ فَلَا يُورَثُ قَالَ مَشَايِخُنَا: هَذَا فِيمَا أَوْصَى بِبِنَائِهَا فِي الْقُرَى وَأَمَّا فِي الْمِصْرِ فَلَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ إحْدَاثِ الْبِيعَةِ فِي الْأَمْصَارِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ.
إذَا أَوْصَى بِأَنْ يَذْبَحَ خَنَازِيرَهُ وَيُطْعِمَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانَ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ جَازَ بِالِاتِّفَاقِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ وَصَايَا الذِّمِّيِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ وَهُوَ مَا إذَا أَوْصَى بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ كَمَا إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُسْرِجَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ بِأَنْ يُغْزِيَ التَّرْكَ وَهُوَ مِنْ الرُّومِ سَوَاءٌ كَانَ الْقَوْمُ مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنِينَ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا، وَفِي مُعْتَقَدِهِمْ أَيْضًا قُرْبَةٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ مَا إذَا أَوْصَى بِمَا هُوَ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَهُمْ كَمَا إذَا أَوْصَى لِلْمُغَنِّيَاتِ، وَالنَّائِحَاتِ أَوْ أَوْصَى بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا وَلَيْسَ فِي مُعْتَقَدِهِمْ كَمَا إذَا أَوْصَى بِالْحَجِّ وَبِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ بِأَنْ تُسْرَجَ مَسَاجِدُنَا؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ عِنْدَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَيَصِحُّ بِاعْتِبَارِ التَّمْلِيكِ وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ مَا إذَا أَوْصَى بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ.
وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ عِنْدَنَا كَبِنَاءِ الْكَنِيسَةِ لِقَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ وَنَحْوِهِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ فَإِنْ كَانَ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ يَجُوزُ فِي الْكُلِّ عَلَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لَهُمْ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْجِهَةِ مِنْ تَسْرِيجِ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهِ خَرَجَ مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الْمَشُورَةِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْإِلْزَامِ حَتَّى لَا يَلْزَمَهُمْ أَنْ يَصْرِفُوهُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا هُوَ بَلْ يَفْعَلُونَ بِهِ مَا شَاءُوا وَلِأَنَّهُ مِلْكُهُمْ، وَالْوَصِيَّةُ إنَّمَا صَحَّتْ بِاعْتِبَارِ التَّمْلِيكِ لَهُمْ وَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ إذَا كَانَ لَا يَكْفُرُ فَهُوَ فِي حَقِّ الْوَصِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِبِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ يَكْفُرُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ فَيَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: فِي الْمُرْتَدَّةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ تَصِحُّ وَصَايَاهَا؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى عَلَى الرِّدَّةِ بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ؛ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُسْلِمُ فَجَعَلَهَا كَالذِّمِّيَّةِ، وَقَالَ السِّغْنَاقِيُّ فِي النِّهَايَةِ: ذَكَرَ صَاحِبُ الْكِتَابِ فِي الزِّيَادَاتِ الْخِلَافَ عَلَى هَذَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ حَتَّى لَا تَصِحَّ مِنْهَا وَصِيَّةٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الذِّمِّيَّةِ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ تُقِرُّ عَلَى اعْتِقَادِهَا، وَأَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَلَا تُقِرُّ عَلَى اعْتِقَادِهَا. اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: بَعْدَ أَنْ نَقَلَ هَذَا مِنْ النِّهَايَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ هُنَاكَ الصَّحِيحُ وَهَاهُنَا الْأَصَحُّ وَهُمَا يَصْدُقَانِ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مُرَادَ مَنْ قَالَ فِي الْخِلَافِيَّاتِ هُوَ الصَّحِيحُ تَرْجِيحُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لَا بَيَانُ مُجَرَّدِ صِحَّتِهِ مَعَ رُجْحَانِ الْآخَرِ كَمَا أَنَّ مُرَادَ مَنْ قَالَ هُوَ الْأَصَحُّ تَرْجِيحُهُ عَلَى الْآخَرِ بَلْ قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ أَدَلُّ عَلَى التَّرْجِيحِ مِنْ قَوْلِهِ هُوَ الْأَصَحُّ وَلَا رَيْبَ أَنَّ تَرْجِيحَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ يُنَافِي
стр. 3051
تَرْجِيحَ الْآخَرِ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَدَّقَا مَعًا قَالَ الرَّاجِي عَفْوَ رَبِّهِ: الْأَشْبَهُ أَنْ تَكُونَ كَالذِّمِّيَّةِ تَجُوزُ وَصِيَّتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ وَلِهَذَا يَجُوزُ جَمِيعُ تَصَرُّفَاتِهَا وَكَذَا الْوَصِيَّةُ كَأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: صَاحِبُ الْكِتَابِ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ وَذَكَرَ السِّغْنَاقِيُّ أَنَّ مَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ الْيَهُودِيَّةِ أَوْ الْمَجُوسِيَّةِ فَحُكْمُ وَصَايَاهُ حُكْمُ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ فَمَا صَحَّ مِنْهُمْ صَحَّ مِنْهُ وَهَذَا عِنْدَهُمَا، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَوَصِيَّتُهُ مَوْقُوفَةٌ وَوَصَايَا الْمُرْتَدَّةِ نَافِذَةٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ عِنْدَنَا، وَقَالَ قَاضِي خَانْ: الْمُرْتَدَّةُ الصَّحِيحُ أَنَّهَا كَالذِّمِّيَّةِ فَيَجُوزُ مِنْهَا مَا جَازَ مِنْ الذِّمِّيَّةِ وَمَا لَا فَلَا، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا أَوْصَى الْحَرْبِيُّ لِمُسْلِمٍ فَلِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلتَّمْلِيكِ مُنَجِّزًا كَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا فَكَذَا مُضَافًا.
وَلَوْ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ بِمَالِهِ كُلِّهِ جَازَ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لَحِقَ الْوَرَثَةَ، وَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ؛ لِأَنَّهُمْ أَمْوَاتٌ فِي حَقِّنَا وَلِأَنَّ حُرْمَةَ مَالِهِ بِاعْتِبَارِ الْأَمَانِ، وَالْأَمَانُ كَانَ لِحَقِّهِ لَا لِحَقِّ وَرَثَتِهِ وَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ وَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ فَيَجُوزُ وَقِيلَ إذَا كَانَ وَرَثَتُهُ مَعَهُ لَا يَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا بِإِجَازَةٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ بِالْأَمَانِ الْتَزَمَ أَحْكَامَنَا، فَصَارَ
كَالذِّمِّيِّ. وَلَوْ أَوْصَى بِبَعْضِ مَالِهِ نَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ فِي الثُّلُثِ وَرَدَّ الْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ وَكَذَا لَوْ أَوْصَى لِمُسْتَأْمَنٍ مِثْلِهِ وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ دَبَّرَهُ جَازَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالثُّلُثِ لِمَا بَيَّنَّا وَكَذَا إذَا أَوْصَى لَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ بِوَصِيَّةٍ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَالذِّمِّيِّ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَلِهَذَا تَصِحُّ عُقُودُ التَّمْلِيكَاتِ مِنْهُ وَتَبَرُّعَاتُهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَكَذَا عِنْدَ مَمَاتِهِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَصِيَّةٌ الذِّمِّيِّ لِلْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ فِي دَارِهِمْ حُكْمًا حَتَّى يُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَيْهَا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ مُبْتَدَأٌ وَلِهَذَا يَجُوزُ لِلذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ.
وَلَوْ أَوْصَى لِخِلَافِ مِلَّتِهِ جَازَ اعْتِبَارًا بِالْإِرْثِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ أَوْصَى لِحَرْبِيٍّ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ مُمْتَنِعٌ كَتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ فَكَذَا الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُهُ وَعَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَنْبَغِي أَنْ تَجُوزَ كَالْمُسْلِمِ وَلَوْ أَوْصَى لِمُسْتَأْمَنٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْمُسْلِمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْوَصِيِّ وَمَا يَمْلِكُهُ]
(بَابُ الْوَصِيِّ وَمَا يَمْلِكُهُ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُوصَى لَهُ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُوصِي إلَيْهِ وَهُوَ الْوَصِيُّ وَقَدَّمَ أَحْكَامَ الْمُوصَى لَهُ لِكَثْرَتِهَا وَكَثْرَةِ وُقُوعِهَا فَكَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَتِهَا أَمَسَّ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَقَبِلَ عِنْدَهُ وَرَدَّ عِنْدَهُ يَرْتَدُّ) يَعْنِي قَبِلَ عِنْدَ الْمُوصِي؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إلْزَامِهِ التَّصَرُّفَ وَلَا عُذْرَ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُوَصِّيَ إلَى غَيْرِهِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: الْمُرَادُ بِعِنْدِهِ يَعْنِي بِعِلْمِهِ وَرَدَّهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ سَوَاءٌ كَانَ عِنْدَهُ أَوْ فِي مَجْلِسٍ غَيْرِهِ، قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ مَسَائِلُهُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى فُصُولِ فَصْلٍ فِي حَقِّ الْإِيصَاءِ وَكَيْفِيَّتُهُ، وَفَصْلٍ فِي قَبُولِهِ وَرَدِّهِ، وَفَصْلٍ فِيمَنْ يَجُوزُ إلَيْهِ الْإِيصَاءُ وَمَنْ لَا يَجُوزُ، وَفَصْلٍ فِي عَزْلِهِ الرَّجُلَ إذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ يَنْبَغِي أَنْ يُوَصِّيَ وَيَكْتُبَ وَصِيَّتَهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يَبِيتُ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ تَحْتَ رَأْسِهِ» وَيَكْتُبُ كِتَابَ الْوَصِيَّةِ هَذَا مَا أَوْصَى فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَشْهَدُ: أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا اعَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أَيْ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلِمَتِهِ شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» ثُمَّ يَكْتُبُ وَأَنَا الْعَبْدُ الْمُذْنِبُ الضَّعِيفُ الْمُفَرِّطُ فِي طَاعَتِهِ الْمُقَصِّرُ فِي خِدْمَتِهِ الْمُفْتَقِرُ إلَى رَحْمَتِهِ الرَّاجِي لِفَضْلِهِ، وَالْهَارِبُ مِنْ عَدْلِهِ تَرَكَ مِنْ الْمَالِ الصَّامِتِ كَذَا، وَمِنْ الرَّقِيقِ كَذَا وَمِنْ الدُّورِ كَذَا وَعَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ.
كَذَا إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَيُسَمِّي الْغَرِيمَ وَاسْمَ أَبِيهِ كَيْ لَا تَجْحَدَ الْوَرَثَةُ دَيْنَهُ فَيَبْقَى الْمَيِّتُ تَحْتَ عُهْدَتِهِ وَيَكْتُبُ إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَأَوْصَيْت بِأَنْ يُصْرَفَ مَالِي إلَى وُجُوهِ الْخَيْرَاتِ وَأَبْوَابِ الْبِرِّ تَدَارُكًا لِمَا فَرَّطَ فِي حَيَاتِهِ وَتَزَوُّدًا وَذُخْرًا لِآخِرَتِهِ وَأَنَّهُ أَوْصَى إلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ لِيَقُومَ بِقَضَاءِ دُيُونِهِ وَتَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ وَتَمْهِيدِ أَسْبَابِ وَرَثَتِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا يَتَقَاعَدَ فِي أُمُورِهِ فِي وَصِيَّتِهِ وَلَا يَتَقَاصَرَ عَنْ إيفَاءِ حُقُوقِهِ وَاسْتِيفَائِهِ فَإِنْ تَقَاعَدَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَسِيبٌ عَلَيْهِ وَيَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْإِشْهَادُ إذَا عَلِمَ الشُّهُودُ بِمَا فِي الصَّكِّ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِدُونِ الْعِلْمِ لَا تَجُوزُ لِقَوْلِهِ ﵊ لِلشَّاهِدِ «إذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ» ، وَلَوْ قَالَ الشُّهُودُ بَعْدَ
стр. 3052
مَا قَرَءُوا الصَّكَّ: نَشْهَدُ عَلَيْك فَحَرَّكَ رَأْسَهُ بِنَعَمْ، وَلَمْ يَنْطِقْ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ فَإِنْ اعْتَقَلَ وَاحْتَبَسَ لِسَانُهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تَجُوزُ وَتُعْتَبَرُ إشَارَتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لَهُ أَنَّ الْإِشَارَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْعِبَارَةِ حَالَةَ عَجْزِهِ عَنْ النُّطْقِ، وَالْعِبَادَةِ قِيَاسًا عَلَى الْأَخْرَسِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ النُّطْقِ مِنْ تَحَقُّقٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْعَارِضُ، وَالْأَصْلِيُّ فِيمَا تَتَعَلَّقُ صِحَّتُهُ بِالنُّطْقِ كَالْعَجْزِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ تَجُوزُ صَلَاةُ الْأَخْرَسِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، وَتَجُوزُ صَلَاةُ مَنْ اعْتَقَلَ لِسَانُهُ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ فَكَذَا هَذَا وَلَنَا أَنَّ الْإِشَارَةَ تَدُلُّ عَلَى النُّطْقِ، وَالْعِبَادَةُ إنَّمَا تَتَّصِلُ إلَى الْبَدَلِ حَالَةَ الْيَأْسِ عَنْ النُّطْقِ وَهُنَا لَمْ يَقَعْ الْيَأْسُ عَنْ النُّطْقِ؛ لِأَنَّ اعْتِقَالَ لِسَانِهِ وَاحْتِبَاسَهُ لَا يَدُومُ بَلْ بِعَرْضِ الزَّوَالِ، وَالِانْتِقَالِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ فَلَا تَقُومُ الْإِشَارَةُ مَقَامَ الْعِبَارَةِ وَأَنَّ الْإِشَارَةَ مُحْتَمِلَةٌ غَيْرُ مُعْلِمَةٍ.
إلَّا أَنَّ فِي الْأَخْرَسِ تُقَدَّمُ مِنْهُ إشَارَاتٌ مَفْهُومَةٌ وَآلَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى مُرَادَاتِهِ الْبَاطِنَةِ فَزَالَ الِاحْتِمَالُ عَنْ إشَارَاتِهِ فَقَامَتْ مَقَامَ نُطْقِهِ وَعِبَارَتِهِ وَهُنَا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ إشَارَاتٌ مَعْلُومَةٌ حَتَّى يُعْلَمَ بِإِشَارَاتِهِ مُرَادَاتُهُ فَبَقِيَتْ إشَارَتُهُ مُحْتَمِلَةً غَيْرَ مُفْهِمَةٍ فَلَا تَقُومُ مَقَامَ عِبَارَتِهِ فَأَمَّا إذَا طَالَتْ الْغَفْلَةُ أَوْ الْحَبْسَةُ فِي لِسَانِهِ وَدَامَ هَلْ تُعْتَبَرُ إشَارَتُهُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قِيلَ لَا تُعْتَبَرُ اعْتِبَارًا لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْيَأْسُ عَنْ النُّطْقِ فَلَا تَقُومُ إشَارَتُهُ مَقَامَ عِبَارَتِهِ وَقِيلَ تُعْتَبَرُ، وَقَدْ رَوَى هَذَا أَبُو عُمَرَ وَالصَّغَانِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارًا لِلْمَعْنَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا طَالَتْ الْغَفْلَةُ صَارَ لَهُ إشَارَةٌ مَعْهُودَةٌ فَتَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ كَمَا فِي الْأَخْرَسِ وَإِضَافَةُ الْوَكَالَةِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْإِيصَاءَ تَوْكِيلٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْوِصَايَةُ قَبْلَ الْمَوْتِ وَكَالَةٌ.
وَلَوْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فِي مَالِهِ كَانَ وَصِيًّا فِيهِ، وَفِي وَلَدِهِ وَإِذَا أَوْصَى إلَيْهِ فِي أَنْوَاعٍ وَسَكَتَ عَنْ نَوْعٍ فَالْوَصِيُّ فِي نَوْعٍ يَكُونُ وَصِيًّا فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَعُمَّ وِصَايَتُهُ تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى نَصْبِ وَصِيٍّ آخَرَ فَجَعْلُ مَنْ اخْتَارَهُ الْمَيِّتُ وَصِيًّا بِبَعْضِ أُمُورِهِ وَصِيًّا فِي كُلِّهَا أَوْلَى مِنْ جَعْلِ غَيْرِهِ وَصِيًّا؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ بِتَصَرُّفِ غَيْرِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأُمُورِ وَرَضِيَ بِتَصَرُّفِ هَذَا فِي بَعْضِ الْأُمُورِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَصْلَحَهُ وَاسْتَصْوَبَهُ فِي الْوِصَايَةِ فَكَوْنُ هَذَا وَصِيًّا عَلَى الْعُمُومِ أَوْلَى.
وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ وَصِيٌّ إلَى أَنْ يَقْدَمَ فُلَانٌ فَهُوَ كَمَا قَالَ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ الْأَوَّلُ وَصِيٌّ مَعَ الثَّانِي وَلَا يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْإِيصَاءَ قَابِلٌ لِلتَّوْقِيتِ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ أَوْ إثْبَاتُ وِلَايَةٍ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ قَابِلٌ لِلتَّوْقِيتِ فَيَتَوَقَّتُ وِصَايَةُ الْأَوَّلِ بِقُدُومِ فُلَانٍ فَإِذَا قَدِمَ فُلَانٌ انْعَزَلَ الْأَوَّلُ كَمَا لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا إلَى أَنْ يَقْدُمَ فُلَانٌ، وَصَارَ الثَّانِي وَصِيًّا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ وَصِيَّةَ الْأَوَّلِ بِالشَّرْطِ وَتَعْلِيقُ الْإِيصَاءِ بِالشَّرْطِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهَا وَكَالَةٌ وَتَعْلِيقُ الْوَكَالَةِ، وَالنِّيَابَةِ بِالشَّرْطِ جَائِزٌ كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ سَافَرْت فَأَنْت وَكِيلِي فِي أَمْرِي صَحَّ كَمَا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت إلَى عَمْرٍو مَا لَمْ يَقْدَمْ زَيْدٌ وَسَكَتَ فَقَدِمَ زَيْدٌ كَانَ عَمْرٌو وَصِيًّا بَعْدَ قُدُومِ زَيْدٍ وَكَانَ أَقَامَ عَمْرًا وَصِيًّا؛ لِأَنَّهُ مُخْتَارُ الْمَيِّتِ وَوَصِيُّهُ أَوْلَى مِنْ إقَامَةِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ أَوْصَيْت إلَى عَمْرٍو مَا لَمْ يَقْدَمْ زَيْدٌ فَإِذَا قَدِمَ زَيْدٌ فَقَدْ أَوْصَيْت إلَى زَيْدٍ كَانَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَمْرٌو وَصِيًّا مَعَهُ بَعْدَ قُدُومِ زَيْدٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ مَنْ لَيْسَ بِمُخْتَارِ الْمَيِّتِ مَقَامَ عَمْرٍو وَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ الْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالْعَمَلِ وَيَلْحَقُهُ ضَرَرُ الْعُهْدَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهِ، وَالْتِزَامِهِ، وَإِذَا أَوْصَى إلَيْهِ فَقَبِلَ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ رَدَّ لَمْ يَخْرُجْ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ مَا أَوْصَى إلَّا إلَى مَنْ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَصْدِقَاءِ، وَالْأُمَنَاءِ فَلَوْ اعْتَبَرَ الْقَبُولَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَرُبَّمَا لَا يَقْبَلُ فَلَا يَحْصُلُ غَرَضُهُ وَهُوَ الْوَصِيُّ الَّذِي اخْتَارَهُ.
وَقِيلَ لَوْ صَحَّ رَدُّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ تَضَرَّرَ بِهِ وَصَارَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى قَبُولِهِ بِأَنْ يَقُومَ بِجَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَالْوَصِيُّ بِقَبُولِ الْوِصَايَةِ الْتَزَمَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْهُ فَلَوْ صَحَّ رَدُّهُ وَقَعَ الْمُوصِي فِي ضَرَرٍ وَيَصِيرُ مَغْرُورًا مِنْ جِهَةِ الْوَصِيِّ فَصَارَتْ الْوِصَايَةُ لَازِمَةً عَلَيْهِ شَرْعًا بِالْتِزَامِهِ نَظَرًا لِلْمُوصِي دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَّةَ لَوْ لَمْ يَصِحَّ رَدُّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا يَتَضَرَّرُ الْمَيِّتُ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ الثُّلُثُ إلَى الْوَرَثَةِ بَلْ الضَّرَرُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ وَلَوْ قَبِلَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي ثُمَّ رَدَّهُ فِي حَيَاتِهِ مُوَاجِهَةً يَصِحُّ وَلَا يَصِحُّ بِدُونِ مَحْضَرِ الْمُوصِي أَوْ عِلْمِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغُرُورِ كَمَا فِي الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ طَلَبَ مِنْهُ الِالْتِزَامَ بَعْدَ الْوَفَاةِ لِإِحَالَةِ الْحَيَاةِ وَلَا يُمْكِنُهُ فِي الْأَخِيرَةِ أَنْ يُوَصِّيَ إلَى غَيْرِهِ فَتَضَرَّرَ بِهِ وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ فِي حَيَاتِهِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَعْدَ مَوْتِهِ إنْ شَاءَ قَبِلَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْمَيِّتَ مَغْرُورٌ وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْأَلَ أَنْ يَقْبَلَهُ أَوْ لَا يَقْبَلَهُ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ وَاعْتَمَدَ عَلَى أَنَّهُ يَقْبَلُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَمْ يُوصِ إلَى غَيْرِهِ فَقَدْ قَصَّرَ فِي أَمْرِهِ فَصَارَ مُغْتَرًّا مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ لَا مَغْرُورًا مِنْ جِهَةِ الْوَصِيِّ، وَالْقَبُولُ تَارَةً يَكُونُ بِالْقَبُولِ وَتَارَةً بِالْفِعْلِ فَالْقَبُولُ
стр. 3053
بِالْفِعْلِ كَتَنْفِيذٍ فِي وَصِيَّتِهِ أَوْ شِرَاءِ شَيْءٍ لِلْوَرَثَةِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ كَقَبُولِهِ بِالْقَوْلِ إذْ الْوِصَايَةُ قَدْ تَمَّتْ وَتَقَرَّرَتْ بِمَوْتِ الْوَصِيِّ شَرْعًا فَإِنَّهَا لَا تَقْبَلُ الْبُطْلَانَ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي.
إلَّا أَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ وِلَايَةَ الرَّدِّ حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ ضَرَرُ الْوِصَايَةِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَلَيْسَ مِنْ صَيْرُورَتِهِ وَصِيًّا بِغَيْرِ عِلْمِهِ ضَرَرٌ عَلَى الْوَصِيِّ إذَا كَانَتْ لَهُ وِلَايَةُ الرَّدِّ، وَالْإِبْطَالُ كَمَنْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِمَالٍ يَثْبُتُ حُكْمُهُ حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمُقِرُّ قَبْلَ الْقَبُولِ تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِ الْمُقِرِّ لَهُ فَإِذَا تَصَرَّفَ الْوَصِيُّ فِي التَّرِكَةِ تَصَرُّفًا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِهِ تَلْزَمُهُ الْوِصَايَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرَّدِّ إلَّا بِرَدِّ التَّصَرُّفِ وَلَا يُمْكِنُهُ رَدُّ التَّصَرُّفِ فَلَا يَبْقَى لَهُ وِلَايَةُ الرَّدِّ لَزِمَتْهُ الْوِصَايَةُ ضَرُورَةً وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمُنْتَقَى الدُّخُولُ فِي الْوَصِيَّةِ أَوَّلَ مَرَّةٍ غَلَطٌ، وَالثَّانِي خِيَانَةٌ، وَالثَّالِثُ سَرِقَةٌ وَإِذَا ظَهَرَتْ مِنْ الْوَصِيِّ خِيَانَةٌ عَزَلَهُ الْقَاضِي، وَنَصَبَ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَةَ فِي الْإِيصَاءِ أَصْلٌ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْإِيصَاءِ وَفَائِدَتَهَا تَحْصُلُ بِهَا ثُمَّ الْأَوْصِيَاءُ ثَلَاثَةٌ عَدْلٌ كَافٍ، وَغَيْرُ عَدْلٍ كَافٍ، وَفَاسِقٌ مَخُوفٌ عَلَى مَالِهِ فَالْعَدْلُ الْكَافِي لَا يَعْزِلُهُ الْقَاضِي وَإِنْ عَزَلَهُ يَنْعَزِلُ وَصَارَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ لَلْقَاضِيَ سَطْوَةَ يَدٍ، وَوِلَايَةً شَامِلَةً عَلَى الْكَافَّةِ خُصُوصًا عَلَى مَالِ الْمَيِّتِ، وَالصِّغَارِ فَيَكُونُ عَزْلُ الْقَاضِي كَعَزْلِ الْمَيِّتِ لَوْ كَانَ حَيًّا، قَالَ صَاحِبُ الْفُصُولَيْنِ: الْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ.
وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي أَنَّ لِلْمَيِّتِ وَصِيًّا، وَالْوَصِيُّ غَائِبٌ فَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَالْوَصِيُّ هُوَ وَصِيُّ الْمَيِّتِ دُونَ وَصِيِّ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ اتَّصَلَ بِهِ اخْتِيَارُ الْمَيِّتِ دُونَ وَصِيِّ الْقَاضِي كَمَا إذَا كَانَ الْقَاضِي عَالِمًا، وَالْعَدْلُ الَّذِي لَيْسَ بِكَافٍ أَوْ ضَعِيفٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ وَحِفْظِ التَّرِكَةَ بِنَفْسِهِ يَضُمُّ إلَيْهِ غَيْرَهُ.
وَلَا يَعْزِلُهُ لِاعْتِمَادِ الْمُوصِي عَلَيْهِ لِأَمَانَتِهِ وَصِيَانَتِهِ حَتَّى لَا يَنْقَطِعَ عَنْ الْمَيِّتِ مَنْفَعَةُ عَدَالَتِهِ وَيَضُمُّ إلَيْهِ آخَرَ حَتَّى يَزُولَ ضَرَرُ عَدَمِ كِفَايَتِهِ وَهِدَايَتِهِ، وَالْفَاسِقُ الْمَخُوفُ عَلَى مَالِهِ يَعْزِلُهُ الْقَاضِي وَنَصَبَ آخَرَ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّ فِي إبْقَائِهِ عَلَى الْوَصِيَّةِ إضْرَارًا بِالْمَيِّتِ، وَالْمَيِّتُ لَا يَقْدِرُ عَلَى عَزْلِهِ فَقَامَ الْقَاضِي مَقَامَهُ فِي الْعَزْلِ.
وَفِي الْفَتَاوَى: وَلَوْ قَالَ الْوَصِيُّ لِي عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ قِيلَ بِأَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الْوِصَايَةِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِلُّ الْأَخْذَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَقِيلَ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا إذَا ادَّعَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ لِلْمُوصَى لَهُ إمَّا أَنْ تُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ، وَأَمَّا أَنْ تُبْرِئَهُ مِنْ الدَّيْنِ وَإِمَّا أَنْ أُخْرِجَك مِنْ الْوِصَايَةِ فَإِنْ أَبْرَأهُ وَإِلَّا أَخْرَجَهُ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي آدَابِ الْقَاضِي أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَجْعَلَ لِلْمَيِّتِ وَصِيًّا آخَرَ فِي مِقْدَارِ ذَلِكَ الدَّيْنِ خَاصَّةً حَتَّى يُقِيمَ الْأَوَّلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَصِيِّ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُقْبَلُ إلَّا عَلَى الْخَصْمِ وَلَا يَخْرُجُهُ مِنْ الْوِصَايَةِ مَرِيضٌ.
قَالَ لِآخَرَ: اقْتَضِ دُيُونِي صَارَ وَصِيًّا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ مَا لَمْ يَقُلْ اقْضِ دُيُونِي وَنَفِّذْ وَصَايَايَ لَا يَصِيرُ وَصِيًّا سُئِلَ نُصَيْرُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَوْمٍ ادَّعُوا عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ، وَالْوَصِيُّ يَعْلَمُ بِذَلِكَ قَالَ يَبِيعُ الْوَصِيُّ بَعْضَ التَّرِكَةِ مِنْ الْغَرِيمِ ثُمَّ يَجْحَدُ الْغَرِيمُ الثَّمَنَ فَيَصِيرُ قِصَاصًا عَنْ مَالِهِ وَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ مَتَاعًا أَوْدَعَهُمْ ثُمَّ يَجْحَدُونَ.
وَقَالَ نُصَيْرُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَصِيٌّ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلٌ أَنَّ لِهَذَا عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَالَ يَسَعُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ خَافَ الضَّمَانَ وَسِعَهُ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ فَإِنْ كَانَ هَذَا شَيْئًا بِعَيْنِهِ كَجَارِيَةٍ وَنَحْوِهَا فَعَلِمَ الْوَصِيُّ أَنَّهَا لِهَذِهِ أَوْ كَانَ الْمَيِّتُ غَصَبَهَا قَالَ هَذَا يَدْفَعُهَا إلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ قَالَ ﵀ (وَإِلَّا لَا) أَيْ إنْ لَمْ يَرُدَّ عَنْهُ بَلْ رَدَّهَا فِي غَيْرِ وَجْهِهِ لَا تَرْتَدُّ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ مَاتَ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ وَلَمْ يَصِحَّ رَدُّهُ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ فَيَرُدُّ رَدَّهُ عَلَيْهِ فَيَبْقَى وَصِيًّا عَلَى مَا كَانَ كَالْوَكِيلِ إذَا عَزَلَ نَفْسَهُ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ وَلَمْ يَقْبَلْ وَلَمْ يَرُدَّ حَتَّى مَاتَ الْمُوصِي فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَبِلَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إلْزَامِهِ فَيَكُونُ مُخَيَّرًا.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ احْتِرَازًا عَنْ الْوَكِيلِ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ عَزْلَ نَفْسِهِ فَاعْتَبَرَ عِلْمَ الْمُوَكِّلِ كَمَا فِي الْوَصِيِّ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى غُرُورِ الْمُوَكِّلِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ مَحْضَرِ الْمُوَكِّلِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ فِي فَصْلِ الشِّرَاءِ بِقَوْلِهِ وَلَا يَمْلِكُهُ عَلَى مَا قِيلَ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْمُوَكِّلِ عَلَى هَذَا عَرَفْت أَنَّ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي شَرْحِهِ قَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ مُخَالِفًا لِعَامَّةِ رِوَايَاتِ الْكُتُبِ كَالتَّتِمَّةِ، وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهِمَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مُرَادَ مَا ذُكِرَ فِي التَّتِمَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ قَوْلِهِمْ الْوَكِيلُ لَا يَمْلِكُ إخْرَاجَ نَفْسِهِ عَنْ الْوَكَالَةِ بِغَيْرِ عِلْمِ الْمُوَكِّلِ مَا إذَا كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَمُرَادُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ هُنَا مَا إذَا كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَتَوَاقَفَتْ الرِّوَايَاتُ جَمْعًا وَلَمْ تَخْتَلِفْ إلَى هُنَا كَلَامُ صَاحِبِ الْغَايَةِ وَإِلَى هَذَا مَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَيْضًا كَمَا يَظْهَرُ مِنْ تَقْرِيرِهِ فِي شَرْحِهِ.
قَالَ ﵀ (وَبَيْعُ التَّرِكَةِ كَقَبُولِهِ) شَرَعَ الْمُؤَلِّفُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْقَبُولَ تَارَةً يَكُونُ بِاللَّفْظِ وَتَارَةً يَكُونُ بِالْفِعْلِ
стр. 3054
فَالْقَبُولُ بِالْفِعْلِ بِأَنْ يَبِيعَ الْوَصِيُّ التَّرِكَةَ قَبْلَ الْقَبُولِ بِاللَّفْظِ فَهُوَ قَبُولُ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِالْمَوْتِ وَيَنْفُذُ الْبَيْعُ لِصُدُورِهِ مِنْ الْمُوصِي سَوَاءٌ عَلِمَ بِالْإِيصَاءِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ حَيْثُ لَا يَكُونُ وَكِيلًا مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ إنَابَةٌ فِي حَالِ قِيَامِ وِلَايَةِ الْمُوَكِّلِ.
وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ كَإِثْبَاتِ الْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ وَطَرِيقُ الْعِلْمِ بِهِ أَنْ يُخْبِرَهُ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَمَّا الْإِيصَاءُ فَخِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِحَالِ انْقِطَاعِ وِلَايَةِ الْمَيِّتِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ كَالْوِرَاثَةِ قَالَ ﵀ (وَإِنْ مَاتَ الْمُوصِي فَقَالَ لَا أَقْبَلُ ثُمَّ قَبِلَ صَحَّ إنْ لَمْ يُخْرِجَهُ قَاضٍ مُنْذُ قَالَ لَا أَقْبَلُ) أَيْ الْمُوصِي إلَيْهِ إنْ لَمْ يَقْبَلْ حَتَّى مَاتَ الْمُوصِي فَقَالَ لَا أَقْبَلُ ثُمَّ قَالَ أَقْبَلُ فَلَهُ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي أَخْرَجَهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ حِينَ قَالَ لَا أَقْبَلُ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ لَا أَقْبَلُ لَا يُبْطِلُ الْإِيصَاءُ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِالْمَيِّتِ وَضَرَرُ الْمُوصَى لَهُ فِي الْإِبْقَاءِ مَجْبُورٌ بِالثَّوَابِ وَدَفْعُ الضَّرَرِ الْأَوَّلِ أَوْلَى إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا أَخْرَجَهُ عَنْ الْوَصِيَّةِ يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ فَكَانَ لَهُ إخْرَاجُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا أَقْبَلُ كَمَا أَنَّ لَهُ إخْرَاجَهُ بَعْدَ قَبُولِهِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ نُصِبَ نَاظِرًا فَإِذَا رَأَى غَيْرَهُ أَصْلَحَ مِنْهُ كَانَ لَهُ عَزْلُهُ وَنَصَبَ غَيْرَهُ وَرُبَّمَا يَعْجِزُ هُوَ عَنْ ذَلِكَ فَيَتَضَرَّرُ بِالْوَصِيَّةِ فَيَدْفَعُ الْقَاضِي الضَّرَرَ وَيَنْصِبُ حَافِظًا لِمَالِ الْمَيِّتِ مُتَصَرِّفًا فِيهِ فَيَدْفَعُ الضَّرَرَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: أَقْبَلُ بَعْدَمَا أَخْرَجَهُ الْقَاضِي لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَبِلَ بَعْدَمَا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ بِإِخْرَاجِ الْقَاضِي إيَّاهُ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ، وَالْمُوصِي إلَيْهِ.
فَإِنَّ قَبُولَ الْأَوَّلِ فِي الْحَالِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ حَتَّى لَوْ قَبِلَ حَالَ حَيَاةِ الْمُوصِي ثُمَّ رَدَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَانَ صَحِيحًا بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ إذَا قَبِلَهُ فِي حَالَ الْحَيَاةِ ثُمَّ رَدَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَصِحُّ، وَفِي أَنَّ قَبُولَهُ حَالَ حَيَاتِهِ مُعْتَبَرٌ وَقَبُولُ الْأَوَّلِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِيصَاءَ يَقَعُ لِلْمَيِّتِ فَكَانَ رَدُّهَا بِغَيْرِ عِلْمِهِ إضْرَارًا بِهِ فَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِشِرَاءِ عَبْدِهِ بِغَيْرِ عَيْنِهِ أَوْ يَبِيعُ مَالَهُ حَيْثُ يَصِحُّ رَدُّهُ فِي غَيْبَتِهِ وَبِغَيْرِ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُخَالِفٌ لِعَامَّةِ رِوَايَاتِ الْكُتُبِ مِنْ الذَّخِيرَةِ وَأَدَبِ الْقَاضِي لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ، وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمَحْبُوبِيِّ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا عَزَلَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الْمُوَكِّلِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْوَكَالَةِ حَالَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ إنْ لَمْ يُخْرِجْهُ قَاضٍ إلَى آخِرِهِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي هَذَا الْإِخْرَاجِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ حُكْمٌ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّمَا صَحَّ؛ لِأَنَّهَا لَوْ صَحَّتْ بِقَبُولِهِ كَانَ لِلْقَاضِي أَنْ يُخْرِجَهُ وَيَصِحُّ الْإِخْرَاجُ فَهَذَا أَوْلَى وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَلْوَانِيُّ.
قَالَ ﵀ (وَإِلَى عَبْدٍ وَكَافِرٍ وَفَاسِقٍ بَدَّلَ بِغَيْرِهِمْ) أَيْ إذَا أَوْصَى إلَى هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ أَخْرَجَهُمْ الْقَاضِي وَيَسْتَبْدِلُ غَيْرَهُمْ مَكَانَهُمْ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى شُرُوطِ الْوِلَايَةِ فَالْأَوَّلُ: الْحُرِّيَّةُ، وَالثَّانِي: الْإِسْلَامُ.
وَالثَّالِثُ: الْعَدَالَةُ فَلَوْ وَلَّى مَنْ ذُكِرَ صَحَّ وَيَسْتَبْدِلُ غَيْرَهُ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُخْرِجَهُمْ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوِلَايَةَ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ يَكُونُ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ قِيلَ مَعْنَاهُ سَتَبْطُلُ، وَقِيلَ فِي الْعَبْدِ بَاطِلَةٌ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي غَيْرِهِ مَعْنَاهُ سَتَبْطُلُ وَقِيلَ فِي الْكَافِرِ بَاطِلَةٌ أَيْضًا لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَوَجْهُ الصِّحَّةِ ثُمَّ الْإِخْرَاجُ أَنَّ أَصْلَ النَّظَرِ ثَابِتٌ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ حَقِيقَةً وَوِلَايَةُ الْفَاسِقِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا وَوِلَايَةُ الْكَافِرِ تَتِمُّ فِي الْجُمْلَةِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ النَّظَرُ لِتَوَقُّفِ وِلَايَةِ الْعَبْدِ عَلَى إجَازَةِ مَوْلَاهُ وَتَمَكُّنُهُ مِنْ الْحَجْرِ بَعْدَهَا، وَالْمُعَادَةُ الدِّينِيَّةُ دَالَّةٌ عَلَى تَرْكِ النَّظَرِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَاتِّهَامِ الْفَاسِقِ بِالْخِيَانَةِ فَيُخْرِجُهُمْ الْقَاضِي عَنْ الْوَصِيَّةِ وَيُقِيمُ غَيْرَهُمْ مَقَامَهُمْ إتْمَامًا لِلنَّظَرِ وَشَرَطَ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ الْفَاسِقُ مَخُوفًا مِنْهُ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عُذْرًا فِي إخْرَاجِهِ وَتَبْدِيلِهِ بِغَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى إلَى مُكَاتَبِهِ أَوْ مُكَاتَبِ غَيْرِهِ حَيْثُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ فِي مَنَافِعِهِ كَالْحُرِّ وَإِنْ رَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الْقِنِّ، وَالصَّبِيِّ كَالْقِنِّ لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَعَتَقَ الْعَبْدُ وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ لَمْ يُخْرِجْهُمْ الْقَاضِي عَنْ الْوَصِيَّةِ وَإِذَا تَصَرَّفَ الصَّبِيُّ أَوْ الْعَبْدُ أَوْ الذِّمِّيُّ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ الْقَاضِي مِنْ الْوِصَايَةِ هَلْ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُمْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَنْفُذُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَنْفُذُ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَلَوْ أَوْصَى إلَى عَاقِلٍ فَجُنَّ جُنُونًا مُطْبِقًا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُجْعَلَ مَكَانَهُ وَصِيٌّ لِلْمَيِّتِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْقَاضِي حَتَّى أَفَاقَ الْوَصِيُّ كَانَ وَصِيًّا عَلَى حَالِهِ، وَفِي نَوَادِرِ إبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَقَالَ إنْ مِتّ أَنْت فَالْوَصِيُّ بَعْدَك فُلَانٌ فَجُنَّ الْأَوَّلُ جُنُونًا مُطْبِقًا فَالْقَاضِي يَجْعَلُ مَكَانَهُ وَصِيًّا حَتَّى يَمُوتَ الَّذِي جُنَّ فَيَكُونُ
стр. 3055
الَّذِي سَمَّاهُ الْمُوصِي وَصِيًّا فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي نَوَادِره فِيمَنْ أَوْصَى إلَى ابْنٍ صَغِيرٍ لَهُ قَالَ يَجْعَلُ الْقَاضِي لَهُ وَصِيًّا يَجُوزُ أَمْرُهُ وَإِذَا بَلَغَ ابْنُهُ جَعَلَهُ وَصِيًّا وَأَخْرَجَ الْأَوَّلَ إنْ شَاءَ وَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِالْإِخْرَاجِ.
قَالَ ﵀ (وَإِلَى عَبْدِهِ وَوَرَثَتُهُ صِغَارٌ صَحَّ) أَيْ إذَا أَوْصَى إلَى عَبْدِ نَفْسِهِ وَوَرَثَتُهُ صِغَارٌ جَازَ الْإِيصَاءُ إلَيْهِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ مُنْعَدِمَةٌ لِمَا أَنَّ الرِّقَّ يُنَافِيهَا وَلِأَنَّ فِيهِ الْوِلَايَةَ لِلْمَمْلُوكِ عَلَى الْمَالِكِ، وَفِي هَذَا قَلْبُ الْمَشْرُوعِ وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ الصَّادِرَةَ مِنْ الْأَبِ لَا تَتَجَزَّأُ فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ تَجَزُّؤُهَا لَا يَمْلِكُ بَيْعَ رَقَبَتِهِ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَوْضُوعِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ مُسْتَبِدٌّ بِالتَّصَرُّفِ فَيَكُونُ أَهْلًا لِلْوِصَايَةِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ فَإِنَّ الصِّغَارَ وَإِنْ كَانُوا مُلَّاكًا فَلَيْسَ لَهُمْ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فَلَا مُنَافَاةَ فَإِنْ قِيلَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَبِيعَهُ فَيَتَحَقَّقُ الْمَنْعُ، وَالْمُنَافَاةُ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْإِيصَاءُ لَمْ يَبْقَ لِلْقَاضِي وِلَايَةٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ كِبَارٌ أَوْ أَوْصَى إلَى عَبْدِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَبِدُّ إذَا كَانَ لِلْمَوْلَى مَنْعُهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ وَإِيصَاءُ الْمَوْلَى إلَيْهِ يُؤْذِنُ بِكَوْنِهِ نَاظِرًا لَهُمْ فَصَارَ كَالْمُكَاتَبِ، وَالْوَصَايَا قَدْ تُجَزَّأُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا إذَا أَوْصَى لِرَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا يَكُونُ فِي الدَّيْنِ، وَالْآخَرُ فِي الْعَيْنِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيًّا فِيمَا أَوْصَى إلَيْهِ خَاصَّةً أَوْ نَقُولُ يُصَارُ إلَيْهِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى إبْطَالِ أَصْلِهِ وَتَعْيِينُ الْوَصْفِ بِإِبْطَالِ عُمُومِ الْوِلَايَةِ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِ أَصْلِ الْإِيصَاءِ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ فِيهِ مُضْطَرِبٌ، وَيُرْوَى مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُرْوَى مَعَ أَبِي يُوسُفَ قَالَ ﵀ (وَإِلَّا لَا) يَعْنِي إنْ لَمْ تَكُنْ الْوَرَثَةُ صِغَارًا بِأَنْ كَانُوا كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ كِبَارًا لَا يَجُوزُ الْإِيصَاءُ؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ أَوْ يَبِيعُ نَصِيبَهُ فَيَمْنَعُهُ الْمُشْتَرِي فَيَعْجَزُ عَنْ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَ فَلَا يَفْسُدُ.
قَالَ ﵀ (وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ ضَمَّ إلَيْهِ غَيْرَهُ) ؛ لِأَنَّ فِي الضَّمِّ رِعَايَةَ الْحَقَّيْنِ حَقِّ الْوَصِيِّ وَحَقِّ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ تَكْمِيلَ النَّظَرِ يَحْصُلُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ يَتِمُّ بِإِعَانَةِ غَيْرِهِ وَلَوْ شَكَا الْوَصِيُّ إلَيْهِ ذَلِكَ فَلَا يُجِيبُهُ حَتَّى يَعْرِفَ ذَلِكَ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الشَّاكِيَ قَدْ يَكُونُ كَاذِبًا عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ ظَهَرَ لِلْقَاضِي عَجْزُهُ أَصْلًا اسْتَبْدَلَ بِهِ غَيْرَهُ رِعَايَةً لِلنَّظَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّصَرُّفِ وَهُوَ أَمِينٌ فِيهِ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُخْرِجَهُ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَارُ الْمَيِّتِ، وَلَوْ اخْتَارَ غَيْرَهُ كَانَ دُونَهُ فَكَانَ إبْقَاؤُهُ أَوْلَى أَلَا تَرَى أَنَّهُ قُدِّمَ عَلَى أَبِ الْمَيِّتِ مَعَ وُفُورِ شَفَقَتِهِ فَأَوْلَى أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَا إذَا شَكَا الْوَرَثَةُ أَوْ بَعْضُهُمْ الْوَصِيَّ إلَيْهِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ حَتَّى تَبْدُوَ لَهُ مِنْهُ خِيَانَةٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ الْوِلَايَةَ مِنْ الْمَيِّتِ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا ظَهَرَتْ الْخِيَانَةُ فَاتَتْ الْأَمَانَةُ، وَالْمَيِّتُ إنَّمَا اخْتَارَهُ لِأَجْلِهَا وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ إبْقَاؤُهُ بَعْدَ فَوَاتِهَا وَلَوْ كَانَ حَيًّا لَأَخْرَجَهُ مِنْهَا فَيَنُوبُ الْقَاضِي مَنَابَهُ عِنْدَ عَجْزِهِ وَيُقِيمُ غَيْرَهُ مَقَامَهُ كَأَنَّهُ مَاتَ وَلَا وَصِيَّ لَهُ.
قَالَ ﵀ (وَيَبْطُلُ فِعْلُ أَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ) أَيْ إذَا أَوْصَى إلَى اثْنَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ فَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالتَّصَرُّفِ ثُمَّ قِيلَ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا أَوْصَى إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَقْدٍ وَأَمَّا إذَا أَوْصَى إلَيْهِمَا مَعًا أَوْ أَوْصَى إلَيْهِمَا بِعَقْدٍ عَلَى حَدِّهِ وَمَحِلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي عَقْدَيْنِ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْإِجْمَاعِ فَكَذَا ذَكَرَهُ الْكَيْسَانِيُّ وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ، وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْبُطْلَانِ التَّوَقُّفُ عَلَى إجَازَةِ الْآخَرِ أَوْ رَدَّهُ بِخِلَافِ الْوَكِيلَيْنِ إذَا وَكَّلَهُمَا مُتَفَرِّقًا حَيْثُ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالتَّصَرُّفِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ ضَمَّ الثَّانِي فِي الْإِيصَاءِ دَلِيلٌ عَلَى عَجْزِ الْأَوَّلِ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ وَحْدَهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ ضَمَّ الْإِيصَاءِ إلَى الثَّانِي يَقْصِدُ بِهِ الِاشْتِرَاكَ مَعَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ لِلْأَوَّلِ فَيَمْلِكُ اشْتَرَاكَ الثَّانِي مَعَهُ، وَقَدْ يُوصِي الْإِنْسَانُ إلَى غَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إتْمَامِ مَقْصُودِهِ وَحْدَهُ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ عَجْزُهُ عَنْ ذَلِكَ فَيَضُمُّ إلَيْهِ غَيْرَهُ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْإِيصَاءِ إلَيْهِمَا مَعًا وَلَا كَذَلِكَ الْوَكَالَةُ فَإِنَّ رَأْيَ الْمُوَكِّلِ قَائِمٌ وَلَوْ كَانَ الْوَكِيلُ عَاجِزًا لَبَاشَرَ بِنَفْسِهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَمَّا وَكَّلَ عَلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالتَّصَرُّفِ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَثْبُتُ لَهُمَا مَعًا بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ الْمُتَعَاقِبَةِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِمَا مَعًا فَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: إنَّ الْوَصَايَا سَبِيلُهَا الْوِلَايَةُ وَهِيَ وَصْفٌ شَرْعِيٌّ لَا يَتَجَزَّأُ فَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ كَامِلًا كَوِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ لِلْأَخَوَيْنِ وَهَذِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصَايَا خِلَافَةٌ، وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ الْخِلَافَةُ إذَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ كَذَلِكَ فَلِأَنَّ اخْتِيَارَ الْمُوصِي أَيُّهُمَا يُؤْذِنُ بِاخْتِصَاصِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالشَّفَقَةِ
стр. 3056
إلَيْهِ وَلَهُمَا أَنَّ الْوِلَايَةَ تَثْبُتُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيُرَاعَى وَصْفُ ذَلِكَ، وَهُوَ وَصْفُ الِاجْتِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُفِيدٌ؛ لِأَنَّ رَأْيَ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ كَرَأْيِ الِاثْنَيْنِ وَلَمْ يَرْضَ الْمُوصِي إلَّا بِالِاثْنَيْنِ فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي هَذَا السَّبَبِ بِمَنْزِلَةِ شَطْرِ الْعِلَّةِ وَهُوَ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ فَكَانَ بَاطِلًا بِخِلَافِ الْأَخَوَيْنِ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُنَاكَ الْقَرَابَةُ، وَقَدْ قَامَتْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَلَا وَلِأَنَّ الْإِنْكَاحَ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ لَهَا عَلَى الْوَلِيِّ حَتَّى لَوْ طَالَبَتْهُ بِإِنْكَاحِهَا مِنْ كُفْءٍ يَخْطُبُهَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَهَاهُنَا حَقُّ التَّصَرُّفِ لِلْوَصِيِّ.
وَلِهَذَا بَقِيَ مُخَيَّرًا فِي التَّصَرُّفِ فَفِي الْوَلِيَّيْنِ أَوْلَى حَتْمًا عَلَى صَاحِبِهِ، وَفِي الْوَصِيَّيْنِ اسْتَوْفَى حَقًّا لِصَاحِبِهِ، فَلَا يَصِحُّ نَظِيرُ الْأَوَّلِ إيفَاءُ دَيْنٍ عَلَيْهِمَا وَنَظِيرُ الثَّانِي اسْتِيفَاءُ دَيْنٍ لَهُمَا حَيْثُ يَجُوزُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي بِخِلَافِ مَوَاضِعِ الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ لَا مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ وَمَوَاضِعُ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنَاةٌ دَائِمًا أَبَدًا وَهُوَ مَا اسْتَثْنَاهُ فِي الْكِتَابِ وَأَخَوَاتُهَا.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة رَجُلٌ أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، وَأَوْصَى إلَى صَاحِبِهِ جَازَ وَيَكُونُ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ وَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ: إذَا أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا وَسَكَتَ الْآخَرُ فَقَالَ الَّذِي قَبِلَ لِلسَّاكِتِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي: اشْتَرِ هَذَا لِلْمَيِّتِ فَقُلْ نَعَمْ كَانَ قَبُولًا لِلْوَصِيَّةِ وَإِذَا أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ، وَقَالَ لَهُمَا ضَعَا ثُلُثَ مَالِي حَيْثُ شِئْتُمَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَا ذَلِكَ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَيَرْجِعُ الثُّلُثُ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ، وَلَوْ قَالَ جَعَلَتْ ثُلُثَ مَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا قَالَ يَجْعَلُ الْقَاضِي وَصِيًّا آخَرَ، وَإِنْ شَاءَ يَقُولُ لِلثَّانِي مِنْهُمَا أَقْسِمْ أَنْتَ وَحْدَك وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَحْدَهُ، وَفِيهِ أَيْضًا سُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ عَمَّنْ أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ بِأَنْ يَشْتَرِيَا مِنْ مَالِهِ عَبْدًا بِكَذَا دِرْهَمًا وَلِأَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ عَبْدٌ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِمَّا سَمَّاهُ الْمُوصِي هَلْ لِلْوَصِيِّ الْآخَرِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَبْدَ بِمَا نَصَّ الْمُوصِي.
قَالَ إنْ فَوَّضَ الْمُوصِي إلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَنْفَرِدَ فِي ذَلِكَ فَشِرَاؤُهُ مِنْ صَاحِبِهِ جَائِزٌ، وَلَوْ بَاعَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْعَبْدِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ لَمْ يَشْتَرِيَا جَمِيعًا لِلْمَيِّتِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ: فَهَذَا أَصْوَبُ.
وَفِيهِ أَيْضًا سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَمَّنْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ، وَقَالَ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِ فُلَانٍ قَالَ هُوَ وَصِيٌّ تَامٌّ، وَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِغَيْرِ رَأْيِ فُلَانٍ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ الثَّانِي هُوَ الْوَصِيُّ التَّامُّ، وَالْأَوَّلُ هُوَ وَصِيٌّ نَاقِصٌ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَبَعْضُهُمْ قَالُوا كِلَاهُمَا وَصِيَّانِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَوَّلُ هُوَ الْوَصِيُّ وَبِهِ قَالَ نُصَيْرٌ، وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ إنْ قَالَ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِ فُلَانٍ فَهُوَ الْوَصِيُّ خَاصَّةً وَإِنْ قَالَ لَا تَعْمَلْ إلَّا بِرَأْيِ فُلَانٍ فَهُمَا وَصِيَّانِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِقَوْلِ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِيمَنْ وَكَّلَ آخَرَ بِبَيْعِ عَبْدِهِ، وَقَالَ بِالشُّهُودِ فَبَاعَهُ الْوَكِيلُ بِغَيْرِ شُهُودٍ جَازَ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ بِعْهُ بِمَحْضَرِ فُلَانٍ فَبَاعَهُ بِغَيْرِ مَحْضَرِ فُلَانٍ يَجُوزُ وَلَوْ قَالَ لَا تَبِعْ إلَّا بِالشُّهُودِ أَوْ قَالَ لَا تَبِعْ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ فُلَانٍ فَبَاعَ بِغَيْرِ شُهُودٍ أَوْ بِغَيْرِ مَحْضَرِ فُلَانٍ لَا يَجُوزُ وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ الْمُوصِي بِعِلْمِ فُلَانٍ أَوْ قَالَ إلَّا بِعِلْمِ فُلَانٍ.
وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ إلَى رَجُلَيْنِ، وَقَالَ لَهُمَا: ضَعَا ثُلُثَ مَالِي حَيْثُ شِئْتُمَا أَوْ قَالَ أَعْطَيَاهُ مِمَّنْ شِئْتُمَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا أُعْطِيه فُلَانًا، وَقَالَ الْآخَرُ: أُعْطِيه فُلَانًا آخَرَ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَفِي الْخَانِيَّةِ: رَجُلٌ أَوْصَى بِنَصِيبِ بَعْضِ وَلَدِهِ إلَى رَجُلٍ وَبِنَصِيبِ الْبَعْضِ إلَى رَجُلٍ آخَرَ فَهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْكُلِّ وَلَوْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ وَإِلَى آخَر أَنْ يُعْتِقَ عَبْدَهُ أَوْ يُنْفِذَ وَصِيَّتَهُ فَهُمَا وَصِيَّانِ فِي كُلِّ شَيْءٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيٌّ عَلَى مَا سُمِّيَ لَهُ لَا يَدْخُلُ الْآخَرُ مَعَهُ.
وَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِمِيرَاثِهِ فِي بَلَدِ كَذَا إلَى رَجُلٍ وَبِمِيرَاثِهِ فِي بَلَدِ كَذَا إلَى رَجُلٍ وَبِمِيرَاثِهِ فِي بَلَدٍ أُخْرَى إلَى آخَرَ، وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ إذَا جَعَلَ الرَّجُلُ رَجُلًا وَصِيًّا عَلَى ابْنِهِ وَجَعَلَ رَجُلًا آخَرَ وَصِيًّا عَلَى ابْنِهِ أَوْ جَعَلَ أَحَدَهُمَا وَصِيًّا فِي مَالِهِ الْحَاضِرِ وَجَعَلَ الْآخَرَ وَصِيًّا فِي مَالِهِ الْغَائِبِ فَإِنْ كَانَ شَرَطَ أَنْ لَا يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيًّا فِيمَا أَوْصَى إلَى الْآخَرِ يَكُونُ الْأَمْرُ عَلَى مَا شَرَطَ عِنْدَ الْكُلِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْوَصِيَّتَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْأَبَوَيْنِ، وَمَعَهُمْ وَصِيُّ الْأُمِّ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ: جَارِيَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَيَاهُ جَمِيعًا حَتَّى ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْهُمَا وَصَارَتْ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا عَلَى مَا عُرِفَ ثُمَّ أَنَّهُمَا أَعْتَقَا الْجَارِيَةَ وَاكْتَسَبَتْ اكْتِسَابًا ثُمَّ مَاتَتْ وَأَوْصَتْ إلَى رَجُلٍ وَلَمْ تَدَعْ وَارِثًا غَيْرَ ابْنِهَا هَذَا وَهُوَ صَغِيرٌ لَمْ يَبْلُغْ كَانَ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْوَلَدِ وَحِفْظُهُ لِلْوَلَدَيْنِ لَا لِوَصِيِّ الْأُمِّ فَإِنْ غَابَ الْوَالِدَانِ تَظْهَرُ وِلَايَةُ وَصِيِّ الْأُمِّ فَتَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ
стр. 3057
وَلَكِنْ إنَّمَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ فِيمَا وَرِثَ الصَّغِيرُ مِنْ الْإِمَامِ، وَفِيمَا كَانَ لِلصَّغِيرِ قَبْلَ مَوْتِ الْأُمِّ لَا فِيمَا وَرِثَ الصَّغِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَمَا ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ كُلِّ تَصَرُّفٍ هُوَ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ كَبَيْعِ الْمَنْقُولِ وَبَيْعِ مَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ وَإِنْ غَابَ أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ، وَالْآخَرُ حَاضِرٌ.
فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ يَنْفَرِدُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ فَوِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ وَحِفْظِهِ لِلْوَالِدِ دُونَ وَصِيِّ الْأُمِّ.
وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ بَعْدَ مَوْتِ الْأُمِّ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا غَيْرَ هَذَا الصَّغِيرِ وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ، وَالْوَالِدُ الْآخَرُ حَاضِرٌ فَالْمِيرَاثُ كُلُّهُ لِلصَّغِيرِ وَوِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي التَّرِكَتَيْنِ لِلْأَبِ الثَّانِي لَا لِوَصِيٍّ وَإِنْ كَانَ الْوَالِدُ الثَّانِي غَائِبًا فَلِوَصِيِّ الْأُمِّ حِفْظُ مَا تَرَكَتْ الْأُمُّ فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ وَإِنْ مَاتَ الْوَارِثُ الثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَوَصِيُّهُ يَكُونُ أَوْلَى مِنْ وَصِيِّ الْأَبِ الَّذِي مَاتَ قَبْلَهُ وَأَوْلَى مِنْ وَصِيِّ الْأُمِّ فَإِنْ كَانَ لِلْأَبِ الَّذِي مَاتَ أَوَّلًا أَبٌ وَهُوَ جَدُّ هَذَا الْغُلَامِ وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا فَوَصِيُّ الْأَبِ الَّذِي مَاتَ آخِرًا أَوْلَى بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْأَبُ الَّذِي مَاتَ آخِرًا أَبًا وَهُوَ جَدُّ الْغُلَامِ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ أَوْلَى مِنْ أَبِيهِ وَإِنْ مَاتَ وَوَصِيُّ الْأَبِ الَّذِي مَاتَ آخِرًا وَلَمْ يُوَصِّ إلَى أَحَدٍ وَمَاتَ الْأَبُ الَّذِي مَاتَ آخِرًا وَلَمْ يُوَصِّ إلَى أَحَدٍ، وَقَدْ تَرَكَ الْأَبُ الَّذِي مَاتَ أَوَّلًا أَبًا جَدَّ هَذَا الْغُلَامِ وَوَصِيًّا فَإِنَّ وَصِيَّ الْأَبِ الَّذِي مَاتَ أَوَّلًا أَوْلَى مِنْ وَصِيِّهِ فَإِنْ كَانَ مَاتَ الْوَالِدَانِ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَبٌ وَأَوْصَى كُلُّ وَاحِدٍ إلَى رَجُلٍ إنْ عَرَفَ الَّذِي مَاتَ أَوَّلًا مِنْ الَّذِي مَاتَ آخِرًا فَوِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ لِوَصِيٍّ الَّذِي مَاتَ آخِرًا وَإِنْ مَاتَ هَذَا الْمُوَصِّي وَلَمْ يُوَصِّ إلَى أَحَدٍ وَمَاتَ الْأَبُ الَّذِي عُرِفَ مَوْتُهُ آخِرًا وَلَمْ يُوَصِّ إلَى أَحَدٍ وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا فَوِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ لِلْجَدَّيْنِ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِهِ.
قَالَ ﵀ (إلَّا فِي التَّجْهِيزِ وَشِرَاءِ الْكَفَنِ) ؛ لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ فَسَادَ الْمَيِّتِ، وَلِهَذَا يَمْلِكُهُ الْجِيرَانُ أَيْضًا فِي الْحَضَرِ، وَالرُّفْقَةُ فِي السَّفَرِ قَالَ ﵀ (وَحَاجَةُ الصِّغَارِ، وَالِاتِّهَابُ لَهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ هَلَاكَهُمْ مِنْ الْجُوعِ، وَالْعُرْيِ وَانْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِذَلِكَ خَيْرٌ، وَلِهَذَا يَمْلِكُهُ كُلُّ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ قَالَ ﵀ (وَرَدُّ وَدِيعَةِ عَيْنٍ وَقَضَاءُ دَيْنٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْإِعَانَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ يَمْلِكُهُ إذَا ظَفِرَ بِهِ بِخِلَافِ اقْتِضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا جَمِيعًا فِي الْقَبْضِ وَلِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ وَعِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ حَقِيقَةُ الْمُبَادَلَةِ وَرَدُّ الْمَغْصُوبِ وَرَدُّ الْمَبِيعِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَكَذَا حِفْظُ الْمَالِ فَلِذَلِكَ يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ وَمَا اسْتَثْنَاهُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ إلَّا فِي شِرَاءِ الْكَفَنِ لِلْمَيِّتِ وَتَجْهِيزُهُ وَطَعَامُ الصِّغَارِ وَكِسْوَتُهُمْ وَرَدُّ وَدِيعَةٍ بِعَيْنِهَا وَقَضَاءُ دَيْنٍ وَتَنْفِيذُ وَصِيَّةٍ بِعَيْنِهَا وَعِتْقُ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، وَالْخُصُومَةُ فِي حُقُوقِ الْمَيِّتِ. اهـ.
وَهَذِهِ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ كَمَا تَرَى قَصَرَ الْقُدُورِيُّ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَيْهَا فِي مُخْتَصَرِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَزَادَ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءَ بِقَوْلِهِ وَرَدُّ الْمَغْصُوبِ، وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا، وَحِفْظُ الْأَمْوَالِ وَقَبُولُ الْهِبَةِ وَبَيْعُ مَا يَخْشَى عَلَيْهِ التَّوَى، وَالتَّلَفَ وَجَمْعُ الْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ وَهَذِهِ الَّتِي زَادَهَا فِي الْهِدَايَةِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ فَيَصِيرُ مَجْمُوعُ الْأَشْيَاءِ الْمَعْدُودَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ. اهـ. .
قَالَ ﵀ (وَتَنْفِيذُ وَصِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَعِتْقُ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى رَأْيٍ قَالَ ﵀ (وَالْخُصُومَةُ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ) ؛ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِيهِ مُتَعَذَّرٌ وَلِهَذَا يَنْفَرِدُ بِهَا أَحَدُ الْوَكِيلَيْنِ أَيْضًا وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا جَعَلَ الْقَاضِيَ مَكَانَهُ وَصِيًّا آخَرَ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنْهُمَا عَاجِزٌ عَنْ الِانْفِرَادِ بِالتَّصَرُّفِ فَيَضُمُّ الْقَاضِي إلَيْهِ وَصِيًّا يَنْظُرُ إلَى الْمَيِّتِ عِنْدَ عَجْزِ الْمَيِّتِ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلِأَنَّ الْحَيَّ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ فَالْمُوصِي قَدَرَ أَنْ يَجْعَلَ وَصِيَّيْنِ يَتَصَرَّفَانِ وَذَلِكَ مُمْكِنٌ لِتَحْقِيقِ نَصْبِ وَصِيٍّ آخَرَ مَكَانَ الْأَوَّلِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَقَضَاءُ دَيْنٍ قَالَ فِي الْغَايَةِ: وَالْمُرَادُ بِالتَّقَاضِي الِاقْتِضَاءُ وَكَذَا كَانَ الْمُرَادُ فِي عُرْفِهِمْ اهـ.
وَهَذَا يُوهِمُ أَنْ لَا يَكُونَ الِاقْتِضَاءُ الَّذِي هُوَ الْقَبْضُ مَعْنَى التَّقَاضِي فِي الْوَضْعِ، وَاللُّغَةِ بَلْ كَانَ مَعْنَاهُ فِي الْعُرْفِ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِالْخُصُومَةِ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ حَيْثُ قَالَ: الْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي يَمْلِكُ الْقَبْضَ عَلَى أَصْلِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَضْعًا إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ بِخِلَافِهِ وَهُوَ قَاضٍ عَلَى الْوَضْعِ. اهـ.
وَيَدُلُّك عَلَى كَوْنِ مَعْنَاهُ ذَلِكَ فِي الْوَضْعِ مَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: تَقَاضَاهُ الدَّيْنَ قَبَضَهُ مِنْهُ، وَقَالَ فِي الْأَسَاسِ تَقَاضَيْته دَيْنِي وَبِدَيْنِي، وَاقْتَضَيْته دَيْنِي وَاقْتَضَيْت مِنْهُ حَقِّي أَيْ أَخَذْتُهُ اهـ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِتَصَرُّفَاتِ الْأَبِ وَوَكِيلِ
стр. 3058
الْأَبِ، وَالْجَدِّ، وَالْقَاضِي وَأَمِينِ الْقَاضِي فِي مَالِ الصَّغِيرِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ ذَلِكَ قَالَ فِي الْأَصْلِ: الْأَبُ إذَا بَاعَ مَالَ نَفْسِهِ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ اشْتَرَى مَالَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ جَازَ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ لِإِتْمَامِ هَذَا الْعَقْدِ الْإِيجَابُ، وَالْقَبُولُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ حَتَّى إنَّ الْأَبَ إذَا قَالَ بِعْت هَذَا مِنْ وَلَدِي بِكَذَا أَوْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْهُ هَذَا بِكَذَا فَإِنَّهُ يَتِمُّ الْعَقْدُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَقُولَ بِعْت وَاشْتَرَيْت، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْكِتَابِ فَإِنَّهُ قَالَ إذَا بَاعَ مِنْ وَلَدِهِ وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ جَازَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْقَبُولَ هَكَذَا ذَكَرَ النَّاطِفِيُّ فِي وَاقِعَاتِهِ ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا مَا ذَكَرَ الْإِشْهَادَ فِي الْكِتَابِ عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ لِجَوَازِ هَذَا الْبَيْعِ وَتَمَامِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِيثَاقِ لِحَقِّ الصَّغِيرِ حَتَّى يَتِمَّ مُعَامَلَةُ الصَّغِيرِ وَيَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ مِنْ الِابْنِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ هَذَا الْعَقْدُ إلَّا بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، وَفِي هَذَا الْغَبْنِ الْيَسِيرِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَمْنَعُ وَلَكِنْ مَا ذَكَرَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَصَحُّ.
وَلَوْ وَكَّلَ الْأَبُ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدٍ لَهُ مِنْ ابْنٍ لَهُ، وَالِابْنُ صَغِيرٌ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَفَعَلَ الْوَكِيلُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ وَكَّلَ الصَّغِيرُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَكِيلًا وَوَكَّلَ الْأَبُ أَيْضًا ذَلِكَ الْوَكِيلَ فَبَاعَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَذَا هُنَا وَلَوْ كَانَ الْأَبُ حَاضِرًا وَقَبِلَ مِنْ الْوَكِيلِ جَازَ، وَتَكُونُ الْعُهْدَةُ مِنْ جَانِبِ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ، وَمِنْ جَانِبِ الْأَبِ عَلَى الْوَكِيلِ وَقِيلَ عَلَى الْعَكْسِ ذَكَرَ هِشَامٌ فِي نَوَادِرِهِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ: إذَا اشْتَرَى الْأَبُ عَبْدَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ شِرَاءً فَاسِدًا فَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْعَبْدَ أَوْ يَقْبِضَهُ أَوْ يَأْمُرَهُ بِعَمَلٍ مَاتَ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ، وَفِي الْمُنْتَقَى اشْتَرَى مِنْ ابْنِهِ عَبْدًا، وَالْعَبْدُ فِي يَدِ الْأَبِ فَمَاتَ الْعَبْدُ فَهُوَ مِنْ مَالِ الِابْنِ حَتَّى يَأْمُرَهُ الْوَالِدُ بِعَمَلٍ أَوْ يَقْبِضَهُ وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ ابْنَانِ فَبَاعَ مَالَ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ وَهُمَا صَغِيرَانِ فَإِنْ قَالَ: بِعْت عَبْدَا بَنِي فُلَانٍ مِنْ فُلَانٍ جَازَ ذَلِكَ هَكَذَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي الدِّيَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ ثَمَّةَ إنَّهُمَا إذَا بَلَغَا فَالْعُهْدَةُ عَلَى مَنْ تَكُونُ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعُهْدَةَ عَلَيْهِمَا وَلَوْ وَكَّلَ الْأَبُ رَجُلًا حَتَّى بَاعَ مَالَ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ يَجُوزُ، وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلًا بِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَجُوزَ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْأَبَ لِكَمَالِ شَفَقَتِهِ مَلَّكَ هَؤُلَاءِ وَكِيلَهُ لِفَقْدِهَا.
وَلَوْ وَكَّلَ الْأَبُ وَكِيلًا بِالْبَيْعِ وَوَكِيلًا بِالشِّرَاءِ فَبَاعَ الْوَكِيلُ يَجُوزُ، وَفِي الزِّيَادَاتِ الْأَبُ إذَا بَاعَ مَالَ الصَّغِيرِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فَإِنْ كَانَ الْأَبُ عَدْلًا عِنْدَ النَّاسِ أَوْ كَانَ مَسْتُورًا بِحَالٍ يَجُوزُ الْبَيْعُ حَتَّى لَوْ كَبِرَ الِابْنُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُنْقَضَ الْبَيْعُ عِنْدَ الْمَشَايِخِ وَبِهِ أَخَذَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ إذَا كَانَ خَيْرًا لِلصَّغِيرِ بِأَنْ بَاعَ بِضَعْفِ قِيمَتِهِ، وَإِنْ بَاعَ مَا سِوَى الْعَقَارِ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ: يَجُوزُ وَيُؤْخَذُ الثَّمَنُ وَيُوضَعُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ خَيْرًا لِلصَّغِيرِ عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا، وَفِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ الْأَبُ إذَا بَاعَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ مَا ثَمَنُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِدِرْهَمٍ يَجُوزُ وَإِنْ اشْتَرَى لَهُ مَا ثَمَنُهُ دِرْهَمٌ بِعَشَرَةٍ دَرَاهِمَ لَمْ يَجُزْ، وَفِي الْأَصْلِ سَوَّى بَيْنَ الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَأَشْبَاهِهَا وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ فِي أَدَبِ الْقَاضِي فِي أَبْوَابِ الْوَصَايَا أَنَّ الصَّغِيرَ إذَا وَرِثَ مَالًا، وَالْأَبُ مُبَذِّرٌ مُسْتَحِقُّ الْحَجْرِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ لَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ لِلْأَبِ، وَفِي الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدٍ: رَجُلٌ بَاعَ عَبْدَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ مِنْ رَجُلٍ بِأَلْفٍ ثُمَّ قَالَ فِي مَرَضِهِ: قَدْ قَبَضْت مِنْ فُلَانٍ مِنْ الثَّمَنِ مِائَتَيْنِ فَمَاتَ فِي مَرَضِهِ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُ الْأَبِ وَكَانَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي كَمَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ هَذَا الْإِقْرَارُ مِنْ الْمَرِيضِ وَلَوْ قَالَ فِي مَرَضِهِ قَبَضْتهَا مِنْ فُلَانٍ فَضَاعَتْ كَانَ مُصَدَّقًا وَلَوْ قَالَ: قَبَضْتهَا وَاسْتَهْلَكْتهَا لَمْ يَكُنْ مُصَدَّقًا.
وَلَا يَبْرَأُ الْمُشْتَرِي مِنْهَا وَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي إذَا أَخَذَ مِنْهُ الثَّمَنَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْأَبِ أَوْ فِي مَالِهِ الزِّيَادَاتِ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا اشْتَرَى الْأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ شَيْئًا وَنَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ يَنْوِي أَنْ يَرْجِعَ وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقْضِ لَهُ الْقَاضِي بِالرُّجُوعِ وَسِعَهُ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ رَبِّهِ أَنْ يَرْجِعَ، وَفِي الْمُنْتَقَى: عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَجُلٌ اشْتَرَى دَارًا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَعَلَى الْأَبِ أَنْ يَنْقُدَ الثَّمَنَ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَنْفُذَ فَهُوَ فِي مَالِهِ خَاصَّةً يَعْنِي مَالَ الْأَبِ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ فِي مَالِ الِابْنِ، وَلَوْ اشْتَرَى لِابْنِهِ دَارًا وَأَشْهَدَ عِنْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ يَشْتَرِيهِ مِمَّا لَا يُجْبَرُ الْأَبُ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ دَيْنٍ كَانَ عَلَى الْأَبِ، وَضَمِنَ لِلْأَبِ عَنْهُ، وَذُكِرَ فِي نَوَادِرِ بِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ تَفْصِيلًا فِيمَا اشْتَرَى الْأَبُ لِابْنِهِ قَالَ إنْ كَانَ اشْتَرَى شَيْئًا يُجْبَرُ الْأَبُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً وَلَا مَالَ لِلصَّغِيرِ لَا يَرْجِعُ الْأَبُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَشْهَدَ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي شَيْئًا يُجْبَرُ الْأَبُ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ الْمُشْتَرَى طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً وَلِلصَّغِيرِ مَالٌ أَوْ كَانَ الْمُشْتَرَى دَارًا أَوْ ضَيَاعًا إنْ كَانَ الْأَبُ
стр. 3059
شَهِدَ وَقْتَ الشِّرَاءِ أَنَّهُ يَرْجِعُ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَا يَرْجِعُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا اشْتَرَى دَارًا أَوْ ضَيْعَةً أَوْ مَمْلُوكًا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَإِنْ كَانَ لِلِابْنِ مَالٌ فَالرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ أَشْهَدَ وَقْتَ الشِّرَاءِ أَنَّهُ يَرْجِعُ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ لَا يَرْجِعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ مَالٌ لَا يَرْجِعُ أَشْهَدَ عَلَى الرُّجُوعِ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ ثُمَّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ يُشْتَرَطُ الْإِشْهَادُ وَقْتَ الشِّرَاءِ، وَفِي بَعْضِهَا: يُشْتَرَطُ الْإِشْهَادُ وَقْتَ نَقْدِ الثَّمَنِ.
وَنَقُولُ: إذَا أَشْهَدَ وَقْتَ نَقْدِ الثَّمَنِ إنَّمَا نَقَدَ الثَّمَنَ لِيَرْجِعَ إلَيْهِ، وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَجُلٌ اشْتَرَى لِابْنِهِ الصَّغِيرِ ثَوْبًا وَدَفَعَهُ إلَيْهِ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ أَدَّى الثَّمَنَ فِي مَرَضِهِ لَا يَرْجِعُ عَلَى الِابْنِ بِشَيْءٍ.
وَرَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَمَةً لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِذَا أَسْلَمَ الْأَمَةَ يَصِيرُ مُتَعَدِّيًا، وَيَضْمَنُ قِيمَةَ الْأَمَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يَصِحُّ إمْهَارُ الْأَمَةِ وَيَكُونُ عَلَى الْأَبِ قِيمَتُهَا لِلزَّوْجَةِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ: اشْتَرَى الْأَبُ قَرِيبَ الصَّبِيِّ أَوْ الْمَعْتُوهِ لَا يَجُوزُ عَلَى الصَّبِيِّ، وَالْمَعْتُوهِ وَيَجُوزُ عَلَى الْأَبِ، وَلَوْ اشْتَرَى لِلْمَعْتُوهِ أَمَةً كَانَ اسْتَوْلَدَهَا بِحُكْمِ النِّكَاحِ يَلْزَمُ الْأَبُ قِيَاسًا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ وَهَذَا الْقِيَاسُ، وَالِاسْتِحْسَانُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ أَصْلًا فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْأَبَ إذَا بَاعَ مَالَ الصَّغِيرِ بِدَيْنِ نَفْسِهِ مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ بِمِثْلِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ يَجُوزُ وَيَصِيرُ الثَّمَنُ قِصَاصًا بِدَيْنِهِ وَيَصِيرُ هُوَ ضَامِنًا لِلصَّغِيرِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَبَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُوَفِّيَ دَيْنَهُ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ هَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الْأَبَ لَا يَمْلِكُ قَضَاءَ دَيْنِ نَفْسِهِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ، وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ كِتَابِ الرَّهْنِ أَنَّهُ يَجُوزُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ وَإِذَا صَحَّ رَهْنُ الْأَبِ مَتَاعَ الصَّغِيرِ بِدَيْنِ نَفْسِهِ عِنْدَهُمَا فَهَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ هَلَكَ بِمَا فِيهِ وَيَضْمَنُ الْأَبُ لِلصَّغِيرِ قِيمَةَ الرَّهْنِ إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ أَقَلَّ أَمَّا إذَا كَانَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ يَضْمَنُ مِقْدَارَ الدَّيْنِ، وَلَا يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ كِتَابِ الرَّهْنِ أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَسْتَقْرِضَ مَالَ وَلَدِهِ لِنَفْسِهِ، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يَسْتَقْرِضَ مَالَ الصَّغِيرِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَفِي الذَّخِيرَةِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْأَبِ فِي اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَبَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ لَا بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي، وَالْأَبُ إذَا أَقْرَضَ مَالَ نَفْسِهِ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَأَخَذَ رَهْنًا مِنْ مَالِ وَلَدِهِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ هَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَخُوَاهَرْ زَادَهْ، وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ: عَنْ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ مَسَائِلَ الْمَعْتُوهُ وَالتَّصَرُّفُ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ حَتَّى تَمْضِيَ عَلَيْهِ سَنَةٌ مِنْ يَوْمِ صَارَ مَعْتُوهًا، قَالَ وَلَا أَحْفَظُ فِيهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ شَيْئًا، قَالَ ابْنُ سِمَاعَةَ قَالَ مُحَمَّدٌ وَقَّتَ فِي ذَلِكَ شَهْرًا ثُمَّ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ الَّذِي قَدَّرَهُ بِسَنَةٍ وَكُلُّ جَوَابٍ عَرَفْته فِي الْجُنُونِ فَهُوَ الْجَوَابُ فِي الْمَعْتُوهِ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْأَحْكَامِ.
وَإِذَا أَرْسَلَ الْأَبُ غُلَامَهُ فِي حَاجَةٍ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ ابْنِ صَغِيرٍ لَهُ جَازَ وَلَا يَصِيرُ الْأَبُ قَابِضًا مِنْ ابْنِهِ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْغُلَامُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْوَلَدِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْوَالِدِ بِخِلَافِ مَا إذَا وَهَبَهُ مِنْهُ حَيْثُ يَصِيرُ قَابِضًا لَهُ عَنْ الِابْنِ بِنَفْسِ الْهِبَةِ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ الْعَبْدُ حَتَّى بَلَغَ الْوَلَدُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْوَلَدِ لَا يَصِيرُ الْوَالِدُ قَابِضًا حَتَّى لَوْ هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْوَالِدُ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ وَإِنْ انْتَقَضَ الْبَيْعُ، وَفِي حِيَلِ الْأَصْلِ ذَكَرَ طَرِيقَ بَرَاءَةِ الْأَبِ عَنْ الثَّمَنِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَقَالَ يُخْرِجُ الْأَبُ مِقْدَارَ الثَّمَنِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ثُمَّ يَقُولُ الْأَبُ إنِّي اشْتَرَيْت وَقَدْ قَبَضْتهَا لِابْنِي بِكَوْنِهِ فِي يَدَيَّ وَيُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّهُ قَالَ لَا يَبْرَأُ عَنْ الثَّمَنِ مَا لَمْ يَشْتَرِ لِابْنِهِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ شَيْئًا وَعَلَى هَذَا إذَا أَنْفَقَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبْرَأَ عَنْهُ فَهُوَ عَلَى مَا قُلْنَا، وَفِي الْهَارُونِيِّ الثَّمَنُ الَّذِي لَزِمَ الْأَبَ بِشِرَاءِ مَالِ وَلَدِهِ فَلَا يَبْرَأُ الْأَبُ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ فِي يَدِهِ عَنْ ابْنِهِ وَدِيعَةً وَإِذَا بَاعَ دَارِهِ مِنْ ابْنِهِ فِي عِيَالِهِ، وَالْأَبُ سَاكِنٌ فِيهَا لَا يَصِيرُ الِابْنُ قَابِضًا حَتَّى يُفَرِّغَهَا الْأَبُ حَتَّى لَوْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ، وَالْأَبُ فِيهَا يَكُونُ الْهَلَاكُ عَلَى الْأَبِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِيهَا مَتَاعُ الْأَبِ أَوْ عِيَالُهُ وَهُوَ غَيْرُ سَاكِنٍ فِيهَا فَإِنْ فَرَّغَهَا الْأَبُ صَارَ الِابْنُ قَابِضًا فَإِنْ عَادَ الْأَبُ بَعْدَمَا تَحَوَّلَ مِنْهَا فَسَكَنَهَا أَوْ جَعَلَ فِيهَا مَتَاعًا أَوْ سَكَّنَهَا عِيَالَهُ وَكَانَ غَنِيًّا صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ، وَفِي الْهَارُونِيِّ.
وَلَوْ بَاعَ الْأَبُ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ جُبَّةً، وَهِيَ عَلَى الْأَبِ
стр. 3060
أَوْ طَيْلَسَانًا هُوَ لَابِسُهُ أَوْ خَاتَمًا فِي أُصْبُعِهِ لَا يَصِيرُ الِابْنُ قَابِضًا حَتَّى يَنْزِعَ ذَلِكَ الْأَبُ وَكَذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ، وَالْأَبُ رَاكِبُهَا وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَيْهَا حِمْلٌ حَتَّى يَنْزِعَهُ عَنْهَا.
وَلَوْ قَالَ الْأَبُ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ اشْتَرَيْت جَارِيَةَ ابْنِي هَذَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَابْنُهُ صَغِيرٌ فِي عِيَالِهِ جَازَ الشِّرَاءُ وَيَصِيرُ الْأَبُ قَابِضًا بِنَفْسِ الشِّرَاءِ إنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَالثَّمَنُ دَيْنٌ عَلَيْهِ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا، وَفِي الذَّخِيرَةِ وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الْأَبُ لِلصَّغِيرِ أَجِيرًا بِأَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهِ فَالْأُجْرَةُ عَلَى الْأَبِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ السِّيَرِ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفُذُ عَلَى الصَّغِيرِ قَالَ الْقَاضِي رُكْنُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ السُّغْدِيُّ لَوْ غَصَبَ إنْسَانٌ دَارَ صَبِيٍّ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَمَا ظَنَّك فِي هَذَا وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ رَوَى وُجُوبَ أَجْرِ الْمِثْلِ إلَّا إذَا كَانَ النُّقْصَانُ خَيْرًا لِلصَّغِيرِ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ النُّقْصَانُ وَإِذَا هَلَكَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ أَبًا وَأَوْصَى كَانَ لِلْأَبِ أَنْ يُنَفِّذَ وَصَايَاهُ وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ كَثِيرَةٌ وَوَرَثَةٌ صِغَارٌ وَتَرَكَ مَتَاعًا وَعَقَارًا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي، وَفِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ لَمْ يُذْكَرْ هَذَا الْفَصْلَ فِي الْمَبْسُوطِ عَلَى هَذَا الْبَيَانِ فَإِنَّهُ أَقَامَ الْجَدَّ مَقَامَ الْأَبِ فَإِنَّهُ قَالَ إذَا تَرَكَ وَصِيًّا، وَأَبًا فَالْوَصِيُّ أَوْلَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَصِيٌّ فَالْأَبُ أَوْلَى.
وَإِنْ مَاتَ الْأَبُ وَأَوْصَى لِوَصِيِّهِ فَهُوَ أَوْلَى ثُمَّ وَصَّى الْقَاضِي، وَعَنْ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي إذَا بَاعَ مَالَ الصَّغِيرِ مِنْ رَجُلٍ وَسَلَّمَهُ لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي عَيْبًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْقَاضِيَ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَ بَعْضُ أُمَنَاءِ الْقَاضِي مَالَ الْيَتِيمِ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي خُصُومَةٌ مَعَهُ فِي الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْقَاضِي وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَنُوبِ عَنْهُ الْقَاضِي إذَا بَاعَ عَلَى صَغِيرٍ دَارًا فَإِذَا هِيَ لِصَغِيرٍ آخَرَ هُوَ فِي وِلَايَتِهِ لَا يَجُوزُ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَفِي الْمُنْتَقَى: الْقَاضِي إذَا بَاعَ مَالَ الْيَتِيمِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ بَاعَ مَالَ نَفْسِهِ مِنْ الْيَتِيمِ ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَأَشَارَ إلَى الْمَعْنَى، وَقَالَ: لِأَنَّ بَيْعَ الْقَاضِي مَالَ الصَّغِيرِ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ وَحُكْمُ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ بَاطِلٌ وَذُكِرَ فِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ فِي أَوَّلِ مَسَائِلِ النِّكَاحِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا زَوَّجَ الصَّغِيرَةَ الْيَتِيمَةَ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّجَهَا مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْقَاضِي يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ، وَلَا يَجُوزُ حُكْمُهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَلَا لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ قَالَ النَّاطِفِيُّ فِي أَجْنَاسِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْبُيُوعِ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ بَيْعَ الْقَاضِي مَالَ الصَّغِيرِ مِنْ نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ، وَفِي وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ: إذَا اشْتَرَى مَالَ الْيَتِيمِ لِنَفْسِهِ مِنْ وَصِيِّ الْيَتِيمِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي جَعَلَهُ وَصِيًّا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ نَائِبٌ عَنْ الْمَيِّتِ لَا عَنْ الْقَاضِي إذَا بَاعَ أَمِينُ الْقَاضِي مَالَ الصَّغِيرِ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَلَمْ يُسَلِّمْ الثَّمَنَ حَتَّى أَمَرَ الْقَاضِي الْأَمِينَ أَنْ يَضْمَنَ الثَّمَنَ عَنْ الْمُشْتَرِي فَضَمِنَ صَحَّ ضَمَانَهُ وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي
أَمِينِ الْقَاضِي. وَالْأَبُ إذَا بَاعَ مَالَ الصَّغِيرِ وَضَمِنَ الثَّمَنَ عَنْ الْمُشْتَرِي لَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ وَإِذَا أَرَادَ الْقَاضِي نَصْبَ الْوَصِيِّ فَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ يَنْصِبُ فَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْفَصْلَ بِتَمَامِهِ فِي أَدَبِ الْقَاضِي وَذَكَرْنَا ثَمَّةَ: أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا أَرَادَ نَصْبَ الْوَصِيِّ لِصَغِيرٍ هَلْ يُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الصَّغِيرِ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ وَإِذَا نَصَبَ الْقَاضِي وَصِيًّا لِلصَّغِيرِ، وَخَصَّ لَهُ نَوْعًا مِنْ الْأَنْوَاعِ تَقْتَصِرُ وِصَايَتُهُ عَلَى ذَلِكَ النَّوْعِ فَالْوِصَايَةُ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي قَابِلَةٌ لِلتَّخْصِيصِ بِخِلَافِ الْوِصَايَةِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، وَفِي الْفَتَاوَى رَجُلٌ عَنْ غَيْرِ وَصِيٍّ فَقَالَ الْقَاضِي لِرَجُلٍ: جَعَلْتُك وَكِيلًا فِي تَرِكَةِ فُلَانٍ فَهُوَ وَكِيلٌ فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ خَاصَّةً حَتَّى يَقُولَ لَهُ: بِعْ وَاشْتَرِ وَلَوْ قَالَ: جَعَلْتُك وَصِيًّا فَهُوَ وَصِيٌّ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَبِهِ نَأْخُذُ، وَفِي نَوَادِرِ بِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا اشْتَرَى الْقَاضِي مِنْ مَتَاعِ الْيَتِيمِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ فَإِذَا رَفَعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ نَظَرَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ أَجَازَهُ وَإِلَّا لَمْ يُجِزْهُ وَكَرِهَ الْقَاضِي شِرَاءَهُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ: الْقَاضِي إذَا اسْتَأْجَرَ لِلْيَتِيمِ أَجِيرًا بِأَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ بِحَيْثُ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي بِذَلِكَ فَلِلْأَجِيرِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَلَوْ قَالَ الْقَاضِي تَعَمَّدْت الْجَوَازَ تَنْفُذُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْقَاضِي وَيَجِبُ جَمِيعُ الْأَجْرِ فِي مَالِ الْقَاضِي وَإِذَا أَقْرَضَ مَالَ الْيَتِيمِ صَحَّ.
قَالَ ﵀ (وَوَصِيُّ الْوَصِيِّ وَصِيُّ التَّرِكَتَيْنِ) أَيْ إذَا مَاتَ الْوَصِيُّ فَأَوْصَى إلَى غَيْرِهِ فَهُوَ وَصِيٌّ فِي تَرِكَتِهِ وَتَرِكَةِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَكُونُ وَصِيًّا فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ فَوَّضَ إلَيْهِ التَّصَرُّفَ وَلَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ الْإِيصَاءَ إلَى غَيْرِهِ فَلَا يَمْلِكْهُ وَلِأَنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِهِ وَلَمْ يَرْضَ بِرَأْيِ غَيْرِهِ فَصَارَ كَوَصِيِّ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ يَكُونُ وَصِيًّا فِي مَالِ الْوَكِيلِ خَاصَّةً دُونَ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَلِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَقْتَضِي
стр. 3061
مِثْلَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ وَلَا لِلْمُضَارِبِ أَنْ يُضَارِبَ.
وَكَذَا الْوَصِيُّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَصِّيَ فِي مَالِ الْمُوصَى لَهُ وَلَنَا أَنَّ الْوَصِيَّ تَصَرَّفَ بِوَصِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ إلَيْهِ فَيَمْلِكُ الْإِيصَاءَ إلَى غَيْرِهِ كَالْجَدِّ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوِلَايَةَ الَّتِي كَانَتْ ثَابِتَةً لِلْمُوصِي تَنْتَقِلُ إلَى الْوَصِيِّ وَلِهَذَا يُقَدَّمُ عَلَى الْجَدِّ وَلَوْ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَيْهِ كَالْوَكِيلِ لَمَّا لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ الْوِلَايَةُ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَى الْجَدِّ فَإِذَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ الْوِلَايَةُ يَمْلِكُ الْإِيصَاءَ وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الْوِلَايَةَ الَّتِي كَانَتْ لِلْوَصِيِّ تَنْتَقِلُ إلَى الْجَدِّ فِي النَّفْسِ وَإِلَى الْوَصِيِّ فِي الْمَالِ ثُمَّ الْجَدِّ قَامَ مَقَامَ الْأَبِ فِيمَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ حَتَّى مَلَكَ الْإِيصَاءَ فِيهِ فَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ ثُمَّ الْجَدُّ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِيصَاءَ إقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَهُ فِيمَا لَهُ وِلَايَتُهُ، وَعِنْدَ الْمَوْتِ كَانَتْ لَهُ وِلَايَةٌ فِي التَّرِكَتَيْنِ فَيَنْزِلُ الثَّانِي مَنْزِلَتَهُ فِي التَّرِكَتَيْنِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِرَأْيِ مَنْ أَوْصَى إلَيْهِ الْوَصِيُّ بَلْ وَجَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَعَانَ بِهِ فِي ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ تَعْتَرِيهِ الْمَنِيَّةُ صَارَ رَاضِيًا بِإِضَافَتِهِ إلَى غَيْرِهِ لَا سِيَّمَا عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِ الْمَوْتِ قَبْلَ تَتْمِيمِ مَقْصُودِهِ وَهُوَ مَا فَوَّضَ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ فِيهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْصُلَ مَقْصُودُهُ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يُوجَدْ دَلَالَةُ الرِّضَا بِالتَّفْوِيضِ إلَى غَيْرِهِ بِالتَّوْكِيلِ.
قَالَ ﵀ (وَتَصِحُّ قِسْمَتُهُ عَنْ الْوَرَثَةِ مَعَ الْمُوصَى لَهُ وَلَوْ عَكَسَ لَا) يَعْنِي قِسْمَةُ الْوَصِيِّ مَعَ الْمُوصَى لَهُ عَنْ الْوَرَثَةِ جَائِزَةٌ وَعَكْسُهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مَا إذَا قَاسَمَ الْوَصِيُّ الْوَرَثَةَ عَنْ الْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ حَتَّى يَرُدَّ بِالْعَيْبِ وَيُرَدَّ عَلَيْهِ وَيَصِيرَ مَغْرُورًا بِشِرَاءِ الْمَيِّتِ شَيْئًا غَرَّ فِيهِ الْمَيِّتُ.
وَالْوَصِيُّ أَيْضًا خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ حَتَّى يَرُدَّ بِالْعَيْبِ حَتَّى يَكُونَ خَصْمًا عَنْ الْوَارِثِ إذَا كَانَ غَائِبًا فَتَنْفُذُ قِسْمَتُهُ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَقَدْ هَلَكَ مَا فِي يَدِ الْوَصِيِّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ الْمُوصَى لَهُ أَمَّا الْمُوصَى لَهُ فَلَيْسَ بِخَلِيفَةٍ عَنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، وَلِهَذَا لَا يَرُدُّ بِالْعَيْبِ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ وَلَا يَصِيرُ مَغْرُورًا بِشِرَاءِ الْمَيِّتِ فَلَا يَكُونُ خَصْمًا عِنْدَ غَيْبَتِهِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ مَا قَرَّرَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُوصِي كَانَ لَهُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَمْ تُنَفَّذْ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيهِ وَلَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ فِي التَّرِكَةِ كَمَا إذَا هَلَكَ بَعْضُ التَّرِكَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَيَكُونُ لَهُ ثُلُثُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ شَرِيكُ الْوَرَثَةِ فَيَتْوَى مَا تَوَى مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى الشَّرِكَةِ وَيَبْقَى مَا بَقِيَ مِنْ عَلَى الشَّرِكَةِ وَلَهُ الْبَيْعُ فِي مَالِ الصِّغَارِ، وَالْقِسْمَةُ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ وَلَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ فِي مَالِ الْكِبَارِ فَجَازَ لَهُ بَيْعُهُ لِلْحِفْظِ إلَّا الْعَقَارَ فَإِنَّهُ مَحْفُوظٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَقِسْمَتُهُ عَلَى الْوَرَثَةِ الْكِبَارِ حَالَ غَيْبَتِهِمْ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فَلَا يَضْمَنُ إذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ وَقِسْمَةُ الْوَصِيِّ إمَّا أَنْ تَكُونَ مَعَ الْمُوصَى لَهُ أَوْ فِيمَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ أَمَّا قِسْمَتُهُ مَعَ الْمُوصَى لَهُ جَائِزَةٌ مَعَ الصِّغَارِ، وَفِي الْمَنْقُولِ وَقَبْضُ نَصِيبِهِمْ وَأَمَّا فِي الْعَقَارِ لَا تَجُوزُ عَلَى الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعُ مَعْنًى وَلَهُ وِلَايَةُ بَيْعِ الْمَنْقُولِ عَلَى الْكِبَارِ دُونَ بَيْعِ الْعَقَارِ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَذَكَرَ فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ أَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْعَقَارِ لَا تَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ تَجُوزُ قِسْمَةُ الْوَصِيِّ عَلَى الْمُوصَى لَهُ الْغَائِبُ مَعَ الْوَرَثَةِ وَذَكَرَ فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوب أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ أَقَامَ الْوَصِيَّ مَقَامَ نَفْسِهِ وَأَثْبَتَ الْوِلَايَةَ لَهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عِنْدَ عَجْزِهِ بِنَفْسِهِ وَهُوَ يَحْتَاجُ فِي تَنْفِيذِ وَصَايَاهُ إلَى إيصَالِ التَّرِكَةِ إلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ يُثَابُ بِوُصُولِ التَّرِكَةِ إلَى الْوَرَثَةِ كَمَا يُثَابُ بِوُصُولِ الْوَصِيَّةِ إلَى الْمُوصَى لَهُ فَيَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ نَظَرًا لِلْمُوصَى وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ الْقِسْمَةَ عَلَى الْكِبَارِ الْحُضُورِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ الْحَاجَةِ الْفَاضِلَةِ فَيُمْكِنُ تَأْخِيرُهَا إذَا امْتَنَعُوا عَنْ الْقِسْمَةِ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ بِخِلَافِ الْحَاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ لَا يُمْكِنُ تَأْخِيرُهَا؛ لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ تَوَهُّمَ الضَّيَاعِ، وَفِي الضَّيَاعِ ضَرَرٌ عَلَى الْمَيِّتِ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا، وَفِي تَأْخِيرِ الْحَاجَةِ الْفَاضِلَةِ وَإِنْ كَانَتْ تُوهِمُ الضَّيَاعَ، وَفِي الضَّيَاعِ ضَرَرٌ عَلَى الْمَيِّتِ إلَّا أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَيِّتِ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا تَحِلُّ الْقِسْمَةُ إذَا ضَاعَ أَحَدُ النَّصِيبَيْنِ يَضِيعُ عَلَى الشَّرِكَةِ وَمَا يَبْقَى يَبْقَى عَلَى الشَّرِكَةِ.
وَقِسْمَةُ الْوَصِيِّ الْمِيرَاثَ بَيْنَ الصِّغَارِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ بِمَعْنَى الْبَيْعِ وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْوَصِيِّ مَالَ أَحَدِ الصَّغِيرَيْنِ لِلصَّغِيرِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلصَّغِيرِ فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ يَكُونُ الْآخَرُ فِيهِ مَضَرَّةٌ ظَاهِرَةٌ فَلَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ فَلَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَلِي الْعَقْدَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ، وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِ هَذِهِ الْقِسْمَةِ أَنْ يَبِيعَ حِصَّةَ أَحَدِ الصَّغِيرَيْنِ مَشَاعًا وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً بَاعَ حِصَّةَ أَحَدِ الصِّغَارِ مِنْ آخَرَ ثُمَّ يُقَاسِمُ مَعَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ حِصَّةُ أَحَدِ الصَّغِيرَيْنِ كَيْ يَمْتَازَ حَقُّ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانُوا الْوَرَثَةُ صِغَارًا وَكِبَارًا، وَالْكِبَارُ غُيَّبٌ
стр. 3062
لَا تَجُوزُ قِسْمَتُهُ فِي الْعَقَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِي بَيْعَهُ عَلَى الْكِبَارِ فَكَذَلِكَ قِسْمَتُهُ، وَفِي الْعُرُوضِ لَهُ وِلَايَةُ الْقِسْمَةِ كَمَا يَلِي بَيْعَهَا؛ لِأَنَّ الْكِبَارَ الْغُيَّبَ الْتَحَقُوا بِالصِّغَارِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَصَارَ كَأَنَّ الْكُلَّ صِغَارٌ وَلَوْ كَانَ الْكُلُّ صِغَارًا تَجُوزُ قِسْمَتُهُ فَكَذَا هَذَا وَإِنْ كَانَ الْكِبَارُ حُضُورًا جَازَ قِسْمَتُهُ عَنْ الصِّغَارِ مَعَ الْكِبَارِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ جَرَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَالْقِسْمَةُ بَيْنَ الصِّغَارِ جَرَتْ مِنْ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِي الْقِسْمَةَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَلَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ فِي حَقِّ الصِّغَارِ جُمْلَةً فَالْقِسْمَةُ فِي حَقِّ الْكِبَارِ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهَا جَرَتْ بَيْنَ الْكَبِيرِ، وَالْوَصِيِّ فِي نَصِيبِ الصِّغَارِ وَإِذَا قَسَّمَ الْوَصِيَّانِ التَّرِكَةَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ بَعْضِهِمْ فَالْقِسْمَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ وَكِلَاهُمَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ لَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا التَّفَرُّدَ بِالْقِسْمَةِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَإِنْ كَانَ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْقِسْمَةِ إلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ وَكَّلَ صَاحِبَهُ فِي الْقِسْمَةِ فَتَصِيرُ قِسْمَتُهُ مَعَ صَاحِبِهِ كَقِسْمَتِهِ مَعَ نَفْسِهِ.
قَالَ ﵀ (فَلَوْ قَاسَمَ الْوَرَثَةَ وَأَخَذَ نَصِيبَ الْمُوصَى لَهُ فَضَاعَ رَجَعَ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ) أَيْ لَوْ قَاسَمَ الْوَصِيُّ الْوَرَثَةَ وَأَخَذَ نَصِيبَ الْمُوصَى لَهُ فَضَاعَ ذَلِكَ فِي يَدِهِ رَجَعَ الْمُوصَى لَهُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُوصَى لَهُ شَرِيكُ الْوَرَثَةِ فَيَرْجِعُ الْمُوصَى لَهُ عَلَى مَا فِي يَدِ الْوَرَثَةِ إنْ كَانَ بَاقِيًا فَيَأْخُذُ بِثُلُثِهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْقِسْمَةِ فِي حَقِّهِ وَإِذَا هَلَكَ فِي أَيْدِيهِمْ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُمْ قَدْرَ الثُّلُثِ مَا قَبَضُوا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْوَصِيَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيهِ بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ، وَالْوَرَثَةُ بِالْقَبْضِ فَيُضَمِّنُ أَيَّهُمَا شَاءَ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَوْصَى الْمَيِّتُ بِحَجَّةٍ فَقَاسَمَ الْوَرَثَةُ فَهَلَكَ مَا فِي يَدِهِ أَوْ دَفَعَ إلَى مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فَضَاعَ فِي يَدِهِ يَحُجُّ عَنْهُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ) أَيْ إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَقَاسَمَ الْوَصِيُّ الْوَرَثَةَ فَهَلَكَ مَا فِي يَدِ الْوَصِيِّ فَإِنَّهُ يَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ وَكَذَلِكَ إذَا دَفَعَهُ إلَى رَجُلٍ لِيَحُجَّ عَنْهُ فَضَاعَ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ يَحُجُّ عَنْهُ بِثُلُثِ الْبَاقِي وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ الْمُقَرَّرُ مُسْتَغْرِقًا لِلثُّلُثِ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَلَمْ يَحُجَّ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا لِلثُّلُثِ يَحُجُّ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ إلَى تَمَامِ الثُّلُثِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَحُجُّ عَنْهُ بِشَيْءٍ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي الْمَنَاسِكِ.
قَالَ ﵀ (وَصَحَّ قِسْمَةُ الْقَاضِي وَأَخَذُ حَظَّ الْمُوصَى لَهُ إنْ غَابَ) أَيْ إنْ غَابَ الْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبُولِ وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ تَصِيرُ الْوَصِيَّةَ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ.
وَالْقَاضِي نَاظِرٌ فِي حَقِّ الْعَاجِزِ وَإِقْرَارُ نَصِيبِ الْغَائِبِ وَقَبْضُهُ مِنْ النَّظَرِ فَيُنَفَّذُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَقَدْ هَلَكَ الْمَقْبُوضُ فِي يَدِ الْقَاضِي أَوْ أَمِينِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْوَرَثَةِ سَبِيلٌ وَلَا عَلَى الْقَاضِي وَهَذَا فِي الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ، وَمَعْنَى الْمُبَادَلَةِ فِيهِ تَابِعٌ حَتَّى جَازَ أَخْذُهُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضًا وَلِهَذَا يَجُوزُ بَيْعُ نَصِيبِهِ مُرَابَحَةً وَأَمَّا مَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِيهِ مُبَادَلَةٌ كَالْبَيْعِ وَبَيْعُ مَالِ الْغَيْرِ لَا يَجُوزُ فَكَذَا الْقِسْمَةُ.
قَالَ ﵀ (وَبَيْعُ الْوَصِيِّ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ بِغَيْبَةِ الْغُرَمَاءِ) أَيْ يَصِحُّ بَيْعُ الْوَصِيِّ عَبْدًا لِأَجْلِ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوصِي وَلَوْ تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ حَالَ حَيَاتِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا مَرَضَ الْمَوْتِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ عَنْ الْغُرَمَاءِ فَكَذَا الْوَصِيُّ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ لَا بِالصُّورَةِ، وَالْبَيْعُ لَا يُبْطِلُ الْمَالِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ أَخْلَفَ شَيْئًا، وَهُوَ الثَّمَنُ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لِلْمَوْلَى بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ لَهُمْ حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ.
قَالَ ﵀ (وَضَمِنَ الْوَصِيُّ إنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْصَى بِبَيْعِهِ، وَالتَّصَدُّقِ بِثَمَنِهِ إنْ اسْتَحَقَّ الْعَبْدَ بَعْدَ هَلَاكِ ثَمَنِهِ عِنْدَهُ) مَعْنَاهُ إذَا أَوْصَى بِبَيْعِ عَبْدِهِ، وَالتَّصَدُّقِ بِثَمَنِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَبَاعَ الْوَصِيُّ الْعَبْدَ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَضَاعَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْهَلَاكِ الْمَذْكُورِ فِي الْمُخْتَصَرِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْعَبْدَ بَعْدَ ذَلِكَ ضَمِنَ الْوَصِيُّ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْعَاقِدُ فَتَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْهُ لَمْ يَرْضَ بِبَدَلِ الثَّمَنِ إلَّا لِيُسَلِّمَ لَهُ الْمَبِيعَ وَلَمْ يُسَلِّمْ فَقَدْ أَخَذَ الْبَائِعُ وَهُوَ الْوَصِيُّ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِضَمَانِ الْوَصِيِّ فِي الِاسْتِقْرَاضِ وَلَا فِي الطَّعَامِ، الْوَدِيعَةِ، وَالْبَيْعِ بِطَلَبِ الْغُرَمَاءِ أَوْ بِغَيْرِ طَلَبٍ وَنَحْنُ نَذْكُرُ ذَلِكَ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: فَالْوَصِيُّ تَارَةً يَضْمَنُ وَتَارَةً لَا يَضْمَنُ فَإِذَا أَمَرَ الْوَصِيُّ الْمُسْتَوْدِعَ أَنْ يُقْرِضَ مَالَ الْيَتِيمِ فَأَقْرَضَ ضَمِنَ الْمُسْتَوْدِعُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَمْلِكُ الْإِقْرَاضَ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ فَلَا يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ وَالْأَمْر بِهِ فَلَمْ يَصِحَّ الْأَمْرُ بِالْإِقْرَاضِ، وَلَوْ قَضَى الْوَصِيَّانِ دَيْنًا لِرَجُلٍ ثُمَّ شَهِدَا أَنَّ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا لَمْ يَحُزْ وَيَضْمَنَانِ إنْ ظَهَرَ دَيْنٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُمَا بِشَهَادَتِهِمَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا مَغْرَمًا؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا ضَامِنَيْنِ مَا دَفَعَا إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمَا دَفَعَا بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي وَلَوْ شَهِدَا بِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَا جَازَ؛ لِأَنَّهُمَا
стр. 3063
بِشَهَادَتِهِمَا لَمْ يَجُرَّا إلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا وَلَا يَدْفَعَانِ مَغْرَمًا وَهُوَ لُزُومُ قَضَاءِ الدَّيْنِ.
وَمَسَائِلُ الْإِطْعَامِ عَلَى فُصُولٍ: الْأَوَّلِ: لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُطْعِمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ لِكَفَّارَةِ يَمِينِهِ، وَغَدَّى الْوَصِيُّ عَشَرَةَ ثُمَّ مَاتُوا قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ يُغَدِّي وَيُعَشِّي عَشَرَةً أُخْرَى وَلَا يَضْمَنُ الْوَصِيُّ؛ لِأَنَّهُ غَدَّاهُمْ بِأَمْرِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّ التَّغْدِيَةَ إطْعَامٌ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ، وَفَاتَ الْإِكْمَالُ لَا بِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ فَلَا يَصِيرُ مُتَعَدِّيًا وَإِنْ قَالَ: أَطْعِمُوا عَنِّي عَشَرَةَ مَسَاكِينَ غَدَاءً وَعَشَاءً، وَلَمْ يُسَمِّ كَفَّارَةً فَغَدَّى عَشَرَةً ثُمَّ مَاتُوا فَإِنَّهُ يُعَشِّي عَشَرَةً سِوَاهُمْ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ سَدُّ عَشَرَةِ خُلَّاتٍ وَرَدُّ عَشَرَةِ جَوْعَاتٍ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالتَّغْدِيَةِ، وَالتَّعْشِيَةِ وَبِالْمَوْتِ فَاتَ ذَلِكَ فَيُغَدِّي وَيُعَشِّي غَيْرَهُمْ فَأَمَّا إذَا نَصَّ عَلَى الْإِطْعَامِ غَدَاءً وَعَشَاءً فَالْجَمْعُ، وَالتَّفْرِيقُ سَوَاءٌ وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إنْ قَالَ: أَطْعِمْ عَنِّي عَشَرَةَ مَسَاكِينَ فَغَدَّى عَشَرَةً ثُمَّ مَاتُوا يَضْمَنُ الْوَصِيُّ قِيَاسًا وَلَا يَضْمَنُ اسْتِحْسَانًا وَيُعَشِّي غَيْرَهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْإِطْعَامِ مُطْلَقًا فَالْتَحَقَ بِالْإِطْعَامِ الْوَاجِبِ شَرْعًا فِي الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْغَدَاءِ، وَالْعِشَاءِ فَسَوَاءٌ فَرَّقَ أَوْ جَمَعَ جَازَ.
رَجُلٌ أَوْدَعَ رَجُلًا مَالًا، وَقَالَ: إنْ مِتُّ فَادْفَعْهُ إلَى ابْنِي فَدَفَعَهُ إلَيْهِ وَلَهُ وَارِثٌ غَيْرَهُ ضَمِنَ حِصَّتَهُ وَلَا يَكُونُ هَذَا وَصِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوَّضْ إلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي التَّرِكَةِ فَبَقِيَ أَمِينًا لِلْوَرَثَةِ، وَالْأَمِينُ إذَا دَفَعَ مَالَ الْوَرَثَةِ إلَى أَحَدِهِمْ ضَمِنَ، وَإِنْ قَالَ أَدْفَعُهُ إلَى فُلَانٍ غَيْرِ وَارِثٍ ضَمِنَ الْمَالَ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا خَلَطَ الْوَصِيُّ مَالَ الْيَتِيمِ بِمَالِهِ، فَضَاعَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ حِفْظِهِ كَيْفَمَا كَانَ مَرِيضٌ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ قَرَابَتُهُ يَأْكُلُونَ مِنْ مَالِهِ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ: إنْ أَكَلُوا بِأَمْرِ الْمَرِيضِ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ وَارِثًا ضَمِنَ وَمَنْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ حُسِبَ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِهِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: احْتَاجَ الْمَرِيضُ إلَى تَعَاهُدِهِمْ فِي مَرَضِهِ فَأَكَلُوا مَعَهُ وَمَعَ عِيَالِهِ بِغَيْرِ إسْرَافٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ.
رَجُلٌ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَبَاعَ وَصِيَّهُ رَقِيقَهُ لِلْغُرَمَاءِ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَضَاعَ عِنْدَهُ أَوْ مَاتَ بَعْضُ الرَّقِيقِ فِي يَدِ الْوَصِيِّ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ إلَى الْمُشْتَرِي فَالْمُشْتَرِي يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَصِيِّ وَيَرْجِعُ بِهِ الْوَصِيُّ عَلَى الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْبَيْعِ عَامِلٌ لِلْغُرَمَاءِ وَمَنْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ وَلَحِقَهُ فِيهِ ضَمَانٌ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمَعْمُولِ لَهُ وَلَوْ اسْتَحَقَّ الْعَبْدَ وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَصِيِّ لَمْ يَرْجِعْ الْوَصِيُّ بِالثَّمَنِ عَلَى الْغُرَمَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغُرَمَاءُ أَمَرُوهُ بِبَيْعِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْغُرَمَاءُ لَهُ بِعْ رَقِيقَ الْمَيِّتِ وَاقْضِنَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِمْ وَلَوْ كَانُوا قَالُوا: بِعْ عَبْدَ فُلَانٍ هَذَا رَجَعَ بِالثَّمَنِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَيَّنُوهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مِنْ دَيْنِهِمْ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِأَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِمْ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ: بِعْ هَذَا الْعَبْدَ فَإِنَّهُ لِفُلَانٍ فَقَالَ الْوَصِيُّ لَا أَبِيعُهُ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّ، وَقَدْ ضَاعَ الثَّمَنُ رَجَعَ بِهِ الْوَصِيُّ عَلَى الْغَرِيمِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَلَكِنَّ الْوَصِيَّ بَاعَ الرَّقِيقَ لِلْوَرَثَةِ الْكِبَارِ فَهُمْ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا بِمَنْزِلَةِ الْغُرَمَاءِ وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِمْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَوْ بَاعَ الْقَاضِي رَقِيقَ الْمَيِّتِ لِلْغُرَمَاءِ فَضَاعَ الثَّمَنُ عِنْدَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الرَّقِيقَ رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْغُرَمَاءِ لَا عَلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ الْغُرَمَاءِ كَأَنَّهُمْ نَالُوا الْبَيْعَ بِأَنْفُسِهِمْ.
رَجُلٌ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ ثُمَّ جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَأَعْتَقَهُ الْوَصِيُّ وَهُوَ يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ فَهُوَ ضَامِنٌ أَرْشَ الْجِنَايَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ضَمِنَ قِيمَتَهُ وَلَا يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ إنَّمَا أَوْصَى بِعِتْقِهِ قَبْلَ أَنْ يَجْنِيَ فَلَمَّا جَنَى لَمْ يَكُنْ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُعْتِقَهُ إلَّا أَنْ يَضْمَنَ الْجِنَايَةَ عَنْهُ فَإِذَا أَعْتَقَهُ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي عِتْقِهِ، وَالْجِنَايَةُ لَازِمَةٌ لَهُ فَإِنْ قَالَ الْوَصِيُّ عِنْدَ الْقَاضِي: قَدْ اخْتَرْت إمْسَاكَ الْعَبْدِ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ شُهُودًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ، وَيَدْفَعَ الْعَبْدَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ غَيْرَ الْعَبْدِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ وَيُؤَدِّيَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مِنْ ثَمَنِهِ فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ بَعْد مَا اخْتَارَهُ فَالْجِنَايَةُ دَيْنٌ عَلَى الْأَيْتَامِ حَتَّى يُؤَدُّوهَا.
قَالَ ﵀ (وَيَرْجِعُ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ) ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ فَيَرْجِعُ بِهِ فِي تَرِكَتِهِ كَالْوَكِيلِ.
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَوَّلًا لَا يَرْجِعُ الْوَصِيُّ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ بِاسْتِحْقَاقِ الْعَبْدِ فَلَمْ يَكُنْ عَامِلًا لِلْوَرَثَةِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَا ذَكَرَهُ هُنَا، وَيَرْجِعُ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَيَأْخُذُ حُكْمَهَا وَمَحَلُّ الْوَصِيَّةِ الثُّلُثُ وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ بَلْ بِحُكْمِ الْغُرُورِ، وَذَلِكَ دَيْنٌ عَلَيْهِ، وَالدَّيْنُ عَلَيْهِ يُقْضَى مِنْ جَمِيعِ التَّرِكَةِ، وَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ قَدْ هَلَكَتْ أَوْ لَمْ يَكُنْ بِهَا وَفَاءٌ فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ كَمَا فِي سَائِرِ دُيُونِ الْمَيِّتِ، وَفِي الْمُنْتَقَى: لَا يَرْجِعُ الْوَصِيُّ فِي مَالِ الْمَيِّتِ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ تَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُمْ فَكَانَ غُرْمُهُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ ﵀ (وَفِي مَالِ الطِّفْلِ إنْ بَاعَ مَالَهُ وَاسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ
стр. 3064
رَجَعَ فِي مَالِ الصَّغِيرِ) ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ قَالَ ﵀ (وَهُوَ عَلَى الْوَرَثَةِ فِي حِصَّتِهِمْ) أَيْ الصَّبِيُّ يَرْجِعُ عَلَى الْوَرَثَةِ بِحِصَّتِهِ لِانْتِقَاضِ الْقِسْمَةِ بِاسْتِحْقَاقِ مَا أَصَابَهُ قَالَ ﵀ (وَصَحَّ احْتِيَالُهُ بِمَالِهِ لَوْ خَيْرًا لَهُ) أَيْ يَجُوزُ احْتِيَالُ الْوَصِيِّ بِمَالِ الْيَتِيمِ إذَا كَانَ فِيهِ خَيْرٌ بِأَنْ يَكُونَ الثَّانِي أَمْلَأَ إذْ الْوِلَايَةُ نَظَرِيَّةٌ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَمْلَأَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَضْيِيعَ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ إنْ حَكَمَ بِسُقُوطِهِ حَاكِمٌ يَرَى سُقُوطَ الدَّيْنِ إذَا مَاتَ الثَّانِي مُفْلِسًا أَوْ جَحَدَ الْحَوَالَةَ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَلَا يَرَى رُجُوعَ الدَّيْنِ عَلَى الْأَوَّلِ.
وَقَوْلُهُ لَوْ خَيْرًا بَيَّنَ أَنَّهُ يَصِحُّ احْتِيَالُهُ إذَا كَانَ الثَّانِي خَيْرًا مِنْ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ مَا إذَا كَانُوا سَوَاءً فَفِي الذَّخِيرَةِ: وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ذَكَرَ الْمَحْبُوبِيُّ إنْ كَانَ الثَّانِي مِثْلَ الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ بَيْعِهِ مَالَ الْيَتِيمِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ حَيْثُ يَجُوزُ، وَالْحَوَالَةُ لَا تَجُوزُ قَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ اعْلَمْ أَنَّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَ الْكَفِيلَ بِدَيْنِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لَا تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ وَلَوْ احْتَالَ بِمَالِهِ وَأَخَذَ الْكَفِيلَ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إنْ كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إذَا كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَمْلَأَ حَتَّى لَوْ أَدْرَكَ، وَقَدْ أَخَذَ الدَّيْنَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْحَوَالَةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمْلَأَ مِنْ الْمُحِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ هَذَا إذَا ثَبَتَ الدَّيْنُ بِمُدَايِنَةِ الْمَيِّتِ وَأَمَّا إذَا ثَبَتَ بِمُدَايِنَةِ الْوَصِيِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ أَوْ شَرًّا لَهُ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ خَيْرًا لَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى إنَّهُ إذَا أَدْرَكَ وَأَرَادَ أَنْ يَنْقُضَ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ شَرًّا لَهُ جَازَ ذَلِكَ وَيَضْمَنُ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ إذَا كَانَ شَرًّا.
قَالَ ﵀ (أَوْ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ بِمَا يَتَغَابَنُ) أَيْ يَجُوزُ بَيْعُ الْوَصِيِّ وَشِرَاؤُهُ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ وَلَا يَجُوزُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ نَظَرِيَّةٌ وَلَا نَظَرَ فِي الْغَبْنِ الْفَاحِشِ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَفِي اعْتِبَارِهِ انْسِدَادُ بَابِ الْوِصَايَةِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ، وَالصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ لَهُمَا فِي التِّجَارَةِ، وَالْمُكَاتَبِ حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُهُمْ وَشِرَاؤُهُمْ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ بِحُكْمِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْإِذْنُ فَكَّ الْحَجْرَ، وَالصَّبِيُّ يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ الشَّرْعِيَّةِ نَظَرًا فَيَتَقَيَّدُ بِمَوْضِعِ النَّظَرِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَمْلِكُونَهُ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ تَبَرُّعٌ وَهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِمَا وَلَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ وَهَذَا إذَا تَبَايَعَ الْوَصِيُّ لِلصَّغِيرِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ لِنَفْسِهِ أَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ نَفْسِهِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ مَا يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ بِعَشَرَةٍ وَيَشْتَرِي مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بَخَمْسَةَ عَشَرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفْعٌ فَلَا يَجُوزُ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ نَفْسِهِ بِكُلِّ حَالٍ هَذَا فِي وَصِيِّ الْأَبِ وَأَمَّا وَصِيُّ الْقَاضِي فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ نَفْسِهِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ وَلِلْأَبِ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الصَّغِيرِ بِأَنْ كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، وَالْغَبْنُ يَسِيرٌ، وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ بَيْعُ عَقَارِ الصَّغِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ يَرْغَبَ الْمُشْتَرِي فِيهِ بِضَعْفِ الثَّمَنِ أَوْ يَكُونُ لِلصَّغِيرِ حَاجَةٌ إلَى الثَّمَنِ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَبِهِ يُفْتَى وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ فَشَمِلَ الْعُرُوضَ، وَالْعَقَارَ وَمَا يُخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْعَقَارِ.
وَإِذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ صِغَارًا وَسَيَأْتِي حُكْمُ تَصَرُّفِهِ وَإِذَا كَانُوا كِبَارًا أَوْ مُخْتَلَطِينَ وَإِذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ ثُمَّ مَسَائِلُهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يُصَدَّقُ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَقِسْمٌ لَا يُصَدَّقُ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَقِسْمٌ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَمَّا الْأَوَّلُ إذَا قَالَ الْوَصِيُّ: إنَّ أَبَاك تَرَكَ رَقِيقًا وَأَنْفَقْت عَلَيْهِمْ أَوْ قَالَ اشْتَرَيْت رَقِيقًا وَأَدَّيْت الثَّمَنَ ثُمَّ مَاتُوا فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا هُوَ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى مَا فِيهِ إصْلَاحُ الصَّغِيرِ، وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ وَعَلَى رَقِيقِهِ مِقْدَارَ حَاجَتِهِمْ إصْلَاحٌ لَهُمْ فَيُصَدَّقُ فِيهِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرَيْت مِنْ فُلَانٍ الْعَبِيدَ الَّذِي فِي يَدِهِ وَدَفَعْت الثَّمَنَ وَأَنْكَرَ ذُو الْيَدِ يُصَدَّقُ عَلَى الصَّبِيِّ دُونَ ذُو الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى الشِّرَاءِ، وَالْبَيْعِ وَتَنْمِيَةِ مَالِ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ إصْلَاحٌ لَهَا لِكَيْ لَا يَسْتَأْصِلَهَا النَّفَقَةُ، وَلَوْ قَالَ اسْتَأْجَرْت رَجُلًا لِرَدِّ الْآبِقِ صُدِّقَ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ فِعْلٌ هُوَ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ شَرْعًا لِمَا فِيهِ مِنْ إصْلَاحِ الصَّغِيرِ وَإِحْيَائِهِ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي لَوْ قَالَ أَنْفَقْت مِنْ مَالِي لِأَرْجِعَ عَلَيْك لَمْ يُصَدَّقْ وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ: اسْتَهْلَكْت مَالًا فَأَدَّيْت ضَمَانَهُ وَأَنْفَقْت عَلَى أَخٍ لَك كَانَ زَمَنًا لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا لَمْ يَكُنْ مُسَلَّطًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّطٍ عَلَى الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَلَا عَلَى الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَى مَحَارِمِهِ قَبْلَ فَرْضِ الْقَاضِي وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ لَوْ
قَالَ أَبَقَ غُلَامُك وَأَدَّيْت جُعْلَ الْآبِقِ وَأَدَّيْت
стр. 3065
خَرَاجَ أَرْضِك عَشْرَ سِنِينَ. وَقَالَ الْوَارِثُ: لَمْ تُؤَدِّ إلَّا حَظَّ سَنَةٍ صُدِّقَ الْوَصِيُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَصَمَا، وَالْأَرْضُ لَا تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ بِأَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا الْمَاءُ، وَقَالَ الصَّبِيُّ: كَانَتْ كَذَلِكَ، وَقَالَ الْوَصِيُّ: كَانَتْ صَالِحَةً فَعَلَى الْخِلَافِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ كَانَتْ تَصْلُحُ لِلْحَالِ يُصَدَّقُ الْوَصِيُّ إجْمَاعًا بَعْدَمَا أَنْفَقَا عَلَى مُدَّةِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ أَقَرَّ بِمَا لَيْسَ بِمُسَلَّطٍ عَلَيْهِ شَرْعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْغَلَّةِ، وَالتَّسْلِيطُ يَتَحَقَّقُ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ فَلَا يُصَدَّقُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ إنَّ عَبْدَك جَنَى فَفِدْيَتُهُ بِكَذَا أَوْ اسْتَهْلَكَ مَالَ إنْسَانٍ فَأَدَّيْت ضَمَانَهُ مِنْ مَالِك لَا يُصَدَّقُ فَكَذَا هَذَا لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا هُوَ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ شَرْعًا فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ بَدَّلَ مَالَ الصَّبِيِّ وَأَخَذَ بِإِزَائِهِ عِوَضًا يُعَدُّ لَهُ أَوْ مَنْفَعَةً فَإِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْمُزَارَعَةِ إلَّا بِالْخَرَاجِ فَكَانَ الْخَرَاجُ بَدَلَ مَالِهِ لِيَقَعَ مُقَابِلَهُ وَكَذَلِكَ إصْلَاحُ أَمْرِ أَرْضِهِ، وَالْوَصِيُّ مُسَلَّطٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ إذَا كَانَ فِيهِ إصْلَاحٌ وَإِرْفَاقٌ وَلَوْ أَحْضَرَ الْوَصِيُّ رَجُلًا إلَى الْقَاضِي فَقَالَ إنَّ هَذَا رَدُّ عَبْدِ الصَّبِيِّ مِنْ الْإِبَاقِ فَوَجَبَ لَهُ الْجُعْلُ، وَفِي يَدِي مَالُ هَذَا الصَّبِيِّ فَأُعْطِيهِ هَلْ يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي قِيلَ هَذَا عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا وَقِيلَ: لَا يُصَدِّقُهُ بِالْإِنْفَاقِ فَيَحْتَاجُ أَبُو يُوسُفَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ ثَمَّةَ ادَّعَى وُجُوبَ الْجُعْلِ فِي مَالِهِ لِغَيْرِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّطٍ عَلَى الدَّعْوَى لِغَيْرِهِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَهُنَا ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ وَلَمْ يَدَّعِ الْجُعْلَ فِي مَالِهِ لِلْحَالِ فَكَانَ مُسَلَّطًا عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ لِإِحْيَاءِ مَالِهِ وَإِصْلَاحِهِ.
قَالَ ﵀ (وَبَيْعُهُ عَلَى الْكَبِيرِ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ) أَيْ بَيْعُ الْوَصِيِّ عَلَى الْكَبِيرِ الْغَائِبِ جَائِزٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي الْعَقَارِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَا يَلِي الْعَقَارَ وَيَلِي مَا سِوَاهُ فَكَذَا وَصِيُّهُ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْوَصِيُّ غَيْرَ الْعَقَارِ أَيْضًا وَلَا الْأَبُ كَمَا لَا يَمْلِكُ عَلَى الْكَبِيرِ الْحَاضِرِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِيهِ حِفْظُ مَالِهِ جَازَ اسْتِحْسَانًا فِيمَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ؛ لِأَنَّ حِفْظَ ثَمَنِهَا أَيْسَرُ، وَهُوَ يَمْلِكُ الْحِفْظَ، وَأَمَّا الْعَقَارُ فَمَحْفُوظٌ بِنَفْسِهِ فَلَا حَاجَةَ فِيهِ لِلْبَيْعِ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بَاعَ الْعَقَارَ ثُمَّ إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا بَاعَ كُلُّهُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا بَاعَ بِقَدْرِ الدَّيْنِ عِنْدَهُمَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الْأَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُهُ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ فَإِذَا ثَبَتَ فِي الْبَعْضِ ثَبَتَ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَجَزَّأُ وَلَوْ كَانَ يَخَافُ هَلَاكَ الْعَقَارِ وَيَمْلِكُ بَيْعَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ حِفْظًا لِلْمَنْقُولِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ لِأَنَّهُ نَادِرٌ، وَقَالَ فِي الْغَايَةِ: فَإِنْ قُلْت عِلْمُ حُكْمِ مَا إذَا كَانَ الْكُلُّ كِبَارًا غَيْبًا أَوْ الْكُلُّ صِغَارًا بَقِيَ حُكْمُ مَا إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ كِبَارًا وَبَعْضُهُمْ صِغَارًا قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَإِنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ صِغَارًا وَكِبَارًا، وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ أَوْصَى لِوَصِيِّهِ بَيْعَ الْعُرُوضِ، وَالْعَقَارِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَبِيعُ الْمَنْقُولَ وَحِصَّةَ الصَّغِيرِ فِي الْعَقَارِ وَأَمَّا حِصَّةُ الْكِبَارِ الْحَضَرُ فَلَا يَمْلِكُ بَيْعَهَا، وَإِنْ كَانُوا غَائِبِينَ فَيَمْلِكُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
قَالَ ﵀ (وَلَا يَتَّجِرُ فِي مَالِهِ) أَيْ الْوَصِيُّ لَا يَتَّجِرُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّ الْمُفَوَّضَ إلَيْهِ الْحِفْظُ دُونَ التِّجَارَةِ فَإِنْ قُلْتَ هَذِهِ الْعِبَارَةُ عَلَى إطْلَاقِهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَفِي غَيْرِهِ أَنَّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ، وَلَا يَتَّجِرُ لِنَفْسِهِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ وَوَصِيُّ الْأَخِ، وَالْعَمِّ، وَالْأُمِّ فِي مَالِ تَرِكَتِهِمْ مِيرَاثًا لِلصَّغِيرِ بِمَنْزِلَةِ وَصِيِّ الْأَبِ فِي الْكَبِيرِ الْغَائِبِ بِخِلَافِ مَالٍ آخَرَ لِلصَّغِيرِ غَيْرُ مَا تَرَكَهُ الْمُوصِي حَيْثُ لَا يَمْلِكُ الْوَصِيُّ بَيْعَهُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوصِي وَهُوَ الْأَخُ وَمَنْ بَعْدَهُ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ الصَّغِيرِ فَكَذَا وَصِيُّهُمْ بِخِلَافِ الْأَبِ، وَالْجَدِّ حَيْثُ يَكُونُ لَهُمْ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ فِيمَا تَرَكَهُ مِيرَاثًا.
فَكَذَا وَصِيُّهُ يَمْلِكُ ذَلِكَ وَيُشْهِدُ لِلْقَيْدِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مَا فِي الْمَبْسُوطِ: وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ الصَّغِيرِ مُضَارَبَةً؛ لِأَنَّهَا تِجَارَةٌ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ مِنْ الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ بِمَصَالِح الْيَتِيمِ وَاجِبٌ عَلَى الْوَصِيِّ فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِئْجَارِهِ وَصِيٌّ كَانَ فِي يَدِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِأَخَوَيْنِ فَقَالَ دَفَعْت إلَى أَحَدِهِمَا نَصِيبَهُ وَكَذَّبَهُ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ فَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَلَا يَضْمَنُ الْوَصِيُّ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيهِ وَهُوَ مُسَلَّطٌ عَلَى الدَّفْعِ، وَالرَّدِّ فَيُصَدَّقُ فِيهِ، وَصِيٌّ عِنْدَهُ أَلْفَانِ لِيَتِيمَيْنِ فَأَدْرَكَا فَدَفَعَ إلَى أَحَدِهِمَا أَلْفًا وَصَاحِبُهُ الْآخَرُ حَاضِرٌ وَجَحَدَ الْقَابِضُ الْقَبْضَ مِنْهُ يَغْرَمُ الْوَصِيُّ خَمْسَمِائَةٍ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ قِسْمَتَهُ لَا تَجُوزُ وَلَوْ كَانَ الْقَابِضُ مُقِرًّا كَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْوَصِيُّ وَرَجَعَ بِهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ بَقِيَ الْآخَرُ شَرِيكًا فِيمَا قَبَضَهُ صَاحِبُهُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْهُ، وَالْوَصِيُّ بِالدَّفْعِ صَارَ ضَامِنًا وَمَتَى أَدَّى الضَّمَانَ مَلَكَ الْمَضْمُونَ وَهُوَ نَصِيبُ الْجَاحِدِ
стр. 3066
رَجَعَ بِنَصِيبِهِ عَلَى صَاحِبِهِ.
وَلَوْ قَالَ لَهُمَا بَعْدَمَا كَبِرَا قَدْ دَفَعْت إلَيْكُمَا أَلْفًا فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ رَجَعَ الْمُنْكِرُ عَلَى أَخِيهِ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَإِنْ أَنْكَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا عَلَى الْوَلِيِّ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ ادَّعَى رَدَّ الْأَمَانَةِ إلَى صَاحِبِهَا، وَلَوْ قَالَ الْوَصِيُّ دَفَعْت إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا خَمْسَمِائَةٍ عَلَى حِدَةٍ وَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ.
رَجَعَ الْمُكَذِّبُ عَلَى الْوَصِيِّ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّ قِسْمَتَهُ لَا تَجُوزُ عَلَيْهِمَا، وَهُمَا حَاضِرَانِ وَلَوْ كَانَا غَائِبَيْنِ جَازَتْ الْقِسْمَةُ عَلَيْهِمَا. رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ صَغِيرَيْنِ فَلَمَّا أَدْرَكَا طَلَبًا مِيرَاثَهُمَا، فَقَالَ الْوَصِيُّ: جَمِيعُ تَرِكَةِ أَبِيكُمَا أَلْفٌ، وَقَدْ أَنْفَقْت عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا خَمْسَمِائَةٍ فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ رَجَعَ الْمُكَذِّبُ عَلَى الْمُصَدِّقِ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْوَصِيِّ فِي ذَلِكَ عِنْدَ زُفَرَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ أَمِينٌ ادَّعَى صَرْفَ الْأَمَانَةِ إلَى نَفَقَتِهِمَا وَحَاجَتِهِمَا وَهُوَ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَيُصَدَّقُ فِيهِ فِي حَقِّ بَرَاءَةِ نَفْسِهِ عَنْ الضَّمَانِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْمُكَذِّبِ فِيمَا وَصَلَ إلَى الْمُقِرِّ بِالنَّفَقَةِ فَصَارَ الْمُقِرُّ مُقِرًّا بِالشَّرِكَةِ فِيمَا وَصَلَ إلَيْهِ وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَرْجِعُ الْمُقِرُّ عَلَى الْمُنْكِرِ بِشَيْءٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَصَدَّقَ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْمُنْكِرِ؛ لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مَأْمُورٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَيُصَدَّقُ فِيهِ فَثَبَتَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ خَمْسُمِائَةٍ مُعَايَنَةً، وَفِي الْفَتَاوَى رَجُلٌ بَاعَ ضَيْعَةَ الْيَتِيمِ مِنْ مُفْلِسٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْجَزُ عَنْ اسْتِيفَاءِ ثَمَنِهِ مِنْهُ قَالَ يُؤَجِّلُ الْقَاضِي الْمُشْتَرِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ نَقَدَهُ الثَّمَنَ، وَإِلَّا نَقَضَ الْبَيْعَ، وَقَالَ نَصِيرُ بْنُ يَحْيَى: لِلْمُوصِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَيَرْكَبَ دَابَّتَهُ إذَا ذَهَبَ فِي حَاجَتِهِ.
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: هَذَا إذَا كَانَ مُحْتَاجًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] الْآيَةَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَلَكِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ صَارَتْ مَنْسُوخَةً بِالْأُولَى، وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى لَا يَرْكَبُ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ فِي حَاجَتِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي، وَالنَّفَقَةُ مِنْ مَالِ الْمُوصِي.
، وَفِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ وَصِيٌّ أَخَذَ أَرْضَ الصَّبِيِّ مُزَارَعَةً قَالَ لَا يَجُوزُ إنْ شَرَطَ الْبَذْرَ عَلَى الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُؤَاجِرًا نَفْسَهُ بِبَعْضِ الْخَارِجِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ مِنْ الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا إذَا كَانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَأْجِرًا أَرْضَهُ بِبَعْضٍ مِنْ بَذْرِهِ وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَرْضَ الصَّبِيِّ بِالدَّرَاهِمِ فَكَذَا بِبَعْضِ الْخَارِجِ، وَفِي وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ: قَالَ: وَلَوْ أَخَذَ الْوَصِيُّ مَالَ الْيَتِيمِ وَأَنْفَقَهُ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ ثُمَّ وَضَعَ مِثْلَ مَا أَنْفَقَ لَا يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ الْيَتِيمُ فَيَدْفَعُهُ إلَيْهِ أَوْ يَشْتَرِي لِلْيَتِيمِ شَيْئًا ثُمَّ يَقُولُ لِلشُّهُودِ: كَانَ عَلَيَّ لِلْيَتِيمِ كَذَا وَكَذَا وَأَنَا أَشْتَرِي ذَلِكَ لَهُ فَيَصِيرُ قِصَاصًا وَيَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ. رَجُلٌ بَنَى جِدَارًا بَيْنَ دَارٍ بَيْنَ الصَّغِيرَيْنِ لَهُمَا عَلَيْهِ حُمُولَةٌ وَيَخَافُ السُّقُوطُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيٌّ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا مَرَمَّتَهُ، وَأَبَى الْآخَرُ فَالْقَاضِي يَبْعَثُ أَمِينًا لِيَنْظُرَ فِيهِ فَإِنْ رَأَى فِي تَرِكَتِهِ ضَرَرًا عَلَيْهِمَا أُجْبِرَ الْآبِي حَتَّى يَبْنِيَ مَعَ صَاحِبِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَبَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِإِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ فَلَا يُجْبَرُ.
وَهَاهُنَا أَرَادَ الْوَصِيُّ إدْخَالَ الضَّرَرِ عَلَى الْيَتِيمِ فَيُجْبَرُ. وَصِيٌّ عَلَى يَتِيمَيْنِ فَبَاعَ دَارَ أَحَدِهِمَا فَإِذَا هِيَ لِلْيَتِيمِ الْآخَرِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَتَنْفِيذُ وَصِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَإِذَا بَاعَ الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُمَا لِفُلَانٍ فَإِذَا هِيَ لِآخَرَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذَا قَضَاءٌ، وَالْقَضَاءُ إذَا كَانَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ مَجْهُولًا لَا يَجُوزُ.
قَالَ ﵀ (وَوَصِيُّ الْأَبِ أَحَقُّ بِمَالِ الطِّفْلِ مِنْ الْجَدِّ) ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الْجَدُّ أَحَقُّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَقَامَهُ مَقَامَ الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ حَتَّى أَحْرَزَ مِيرَاثَهُ فَيَتَقَدَّمُ عَلَى وَصِيِّهِ وَلَنَا أَنَّ وِلَايَةَ الْأَبِ تَنْتَقِلُ إلَيْهِ بِالْإِيصَاءِ فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ قَائِمَةً مَعْنًى فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ، وَالْجَدُّ فِي الْوِلَايَةِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ حَتَّى مَلَكَ الْإِنْكَاحَ دُونَ الْوَصِيِّ.
[فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ]
(فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ لَمَّا لَمْ تَكُنْ الشَّهَادَةُ فِي الْوَصِيَّةِ أَمْرًا يَخْتَصُّ بِالْوَصِيَّةِ أَخَّرَ ذِكْرَهَا لِعَدَمِ عَرَاقَتِهَا فِيهَا قَالَ ﵀ (شَهِدَ الْوَصِيَّانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِزَيْدٍ مَعَهُمَا لَغَتْ شَهَادَتُهُمَا) أَيْ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ نَفْعًا لِأَنْفُسِهِمَا بِإِثْبَاتِ الْعَيْنِ لَهُمَا فَتُرَدُّ لِلتُّهْمَةِ فَإِذَا رُدَّتْ ضَمَّ الْقَاضِي إلَيْهِمَا ثَالِثًا؛ لِأَنَّ فِي ضِمْنِ شَهَادَتِهِمَا إقْرَارًا مِنْهُمَا بِوَصِيٍّ آخَرَ مَعَهُمَا لِلْمَيِّتِ وَإِقْرَارُهُمَا حُجَّةٌ عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَلَا يَتَمَكَّنَانِ مِنْ التَّصَرُّفِ بَعْدَ الْوَصِيِّ لِامْتِنَاعِ تَصَرُّفِهِمْ بِدُونِهِ فَصَارَ حَقُّهُمَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ أَحَدُ الْأَوْصِيَاءِ الثَّلَاثَةِ.
وَجَازَ ذَلِكَ لِلْقَاضِي مَعَ وُجُودِ الْوَصِيِّ لِامْتِنَاعِ تَصَرُّفِهِمْ بِدُونِهِ فَصَارَ
стр. 3067
كَأَنَّهُ مَاتَ وَلَمْ يُوصِ لِأَحَدٍ فَيَضُمُّ إلَيْهِمَا ثَالِثًا لِيُمْكِنَهُمْ التَّصَرُّفُ وَهَذَا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فَيَجِبُ الضَّمُّ، قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَصِيَّانِ فَالْقَاضِي لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَنْصِبَ عَنْ الْمَيِّتِ وَصِيًّا آخَرَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ إذَا تَمَكَّنَتْ التُّهْمَةُ فِيهِ قُلْنَا الْقَاضِي وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نَصْبِ الْوَصِيِّ لَكِنَّ الْمُوصَى إلَيْهِمَا مَتَى شَهِدَا بِذَلِكَ كَانَ مِنْ زَعْمِهِمَا أَنَّهُمَا لَا تَدْبِيرَ لَهُمَا فِي هَذَا الْمَالِ إلَّا بِالثَّالِثِ فَأَسْنَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ وَصِيٌّ وَهُنَاكَ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فَكَذَا هُنَا كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ مِنْ قَضَاءِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَإِلَى هُنَا لَفْظُ النِّهَايَةِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الشُّرَّاحِ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ، وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ لَوْ سَأَلَا مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَجْعَلَ هَذَا لِرَجُلٍ وَصِيًّا مَعَهُمَا بِرِضَاهُ فَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يُجِيبَهُمَا إلَى ذَلِكَ اهـ.
ثُمَّ إنَّ هَذَا حَالُ الضَّمِّ إلَى الْوَصِيَّيْنِ مُطْلَقًا وَأَمَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَضُمَّ الثَّالِثَ إلَيْهِمَا أَلْبَتَّةَ وَإِنْ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا كَمَا مَضَى عَلَيْهِ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ. اهـ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا إذَا أَنْكَرَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَوْ صَدَّقَهُ وَلَمْ يَقْبَلْ أَوْ قَبِلَ وَرَدَّ أَوْ لَمْ يَرُدَّ وَنَحْنُ نَذْكُرُهُ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَإِذَا كَذَّبَهُمَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَدْخَلَ مَعَهُمَا رَجُلًا آخَرَ سِوَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ مَا ذَكَرُوا مِنْ أَنَّهُ يُدْخِلُ مَعَهُمَا ثَالِثًا.
هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُدْخِلُ مَعَهُمَا ثَالِثًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا بَلْ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا وَهُوَ الظَّاهِرُ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ خِلَافٌ وَإِنْ صَدَّقَهُمَا، وَقَالَ لَا أَقْبَلُ الْوَصِيَّةَ قَالَ أَدْخَلْت مَعَهُمَا ثَالِثًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَبِلَ ثُمَّ أَبَى لَا يُقْبَلُ رَدُّهُ وَإِبَاؤُهُ إلَى هُنَا لَفْظُ الْمُحِيطِ ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ اسْتَشْكَلَ هَذَا الْمَقَامَ بِوَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ فِيهِ: إنَّ وُجُوبَ كَوْنِ الْمَضْمُومِ هَذَا الْمُدَّعِي إثْرَ شَهَادَةِ الْمُتَّهَمِ مَعَ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُتَّهَمِ فَكَيْفَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا أَثَرٌ اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْمُتَّهَمِ إنَّمَا لَا تُقْبَلُ فِي إثْبَاتِ حَقٍّ شَرْعِيٍّ وَإِيجَابُهُ فِي إسْقَاطِ شَيْءٍ كَمُؤْنَةِ التَّعْيِينِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ شَهَادَتَهُمَا تُسْقِطُ عَنْ الْقَاضِي مُؤْنَةَ التَّعْيِينِ، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ الْوِصَايَةُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ فَيَسْقُطُ بِشَهَادَتِهِمَا مُؤْنَةُ التَّعْيِينِ عَنْهُ أَمَّا الْوِصَايَةُ فَتَثْبُتُ بِنَصْبِ الْقَاضِي وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَكُونُ حُجَّةً فِي الدَّفْعِ وَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِي الْإِثْبَاتِ كَالِاسْتِصْحَابِ وَنَحْوِهِ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَهَادَةُ الْمُتَّهَمِ أَيْضًا كَذَلِكَ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَثَرُ الدَّفْعِ، وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَاضِيَ مَلَكَ نَصْبَ الْوَصِيِّ إذَا كَانَ طَالِبًا، وَالْمَوْتُ مَعْرُوفًا فَلَا يَثْبُتُ لِلْقَاضِي بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وِلَايَةٌ لَمْ تَكُنْ وَإِنَّمَا أَسْقَطْنَا عَنْهُ مُؤْنَةُ التَّعْيِينِ وَمِثَالُهُ أَنَّ الْقُرْعَةَ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا فِي تَعْيِينِ الْأَنْصِبَاءِ لِدَفْعِ التُّهْمَةِ عَنْ الْقَاضِي فَصَلَحَتْ دَافِعَةً لَا مُوجِبَةً فَكَذَلِكَ هَذِهِ الشَّهَادَةُ تَدْفَعُ عَنْهُ مُؤْنَةَ التَّعْيِينِ اهـ.
قَالَ ﵀ (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ زَيْدٌ) أَيْ يَدَّعِي زَيْدٌ أَنَّهُ وَصِيٌّ مَعَهُمَا فَحِينَئِذٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تُقْبَلَ كَالْأَوَّلِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِمَا ثَالِثًا عَلَى مَا بَيَّنَّا آنِفًا وَتَسْقُطُ بِشَهَادَتِهِمَا مُؤْنَةُ التَّعْيِينِ عَنْهُ فَيَكُونُ وَصِيًّا مَعَهُمَا بِنَصْبِ الْقَاضِي إيَّاهُ كَمَا إذَا مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَصِيًّا فَإِنَّهُ يَنْصِبُ وَصِيًّا ابْتِدَاءً فَهَذَا أَوْلَى.
قَالَ ﵀ (وَكَذَا الِابْنَانِ) يَعْنِي لَوْ شَهِدَ الِابْنَانِ أَنَّ أَبَاهُمَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ وَهُوَ مُنْكِرٌ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِقَوْلِ شُرَيْحٍ لَا أَقْبَلُ شَهَادَةَ خَصْمٍ وَلَا مُرْتَابٍ أَيْ مُتَّهَمٍ وَإِنْ ادَّعَى الشُّهُودُ لَهُ الْوِصَايَةَ تُقْبَلُ اسْتِحْسَانًا عَلَى أَنَّهُ نَصَبَ وَصِيًّا ابْتِدَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي شَهَادَةِ الْوَصِيَّيْنِ بِذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَا أَنَّ أَبَاهُمَا وَكَّلَ هَذَا الرَّجُلَ بِقَبْضِ دُيُونِهِ بِالْكُوفَةِ حَيْثُ لَا تُقْبَلُ سَوَاءٌ ادَّعَى الرَّجُلُ الْوَكَالَةَ أَوْ لَمْ يَدَّعِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَمْلِكُ نَصْبَ الْوَكِيلِ عَنْ الْحَيِّ بِطَلَبِهِمَا ذَلِكَ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ.
قَالَ ﵀ (وَكَذَا لَوْ شَهِدَا لِوَلَدٍ صَغِيرٍ بِمَالٍ عَلَى الْمَيِّتِ) أَيْ لَوْ شَهِدَ الْوَصِيَّانِ لِوَارِثٍ صَغِيرٍ بِمَالٍ عَلَى الْمَيِّتِ لَا تُقْبَلُ فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ لِأَنْفُسِهِمَا فِي ذَلِكَ فَصَارَا مُتَّهَمَيْنِ أَوْ خَصْمَيْنِ فَلَا تُقْبَلُ قَالَ ﵀ (أَوْ لِكَبِيرٍ بِمَا لِلْمَيِّتِ) يَعْنِي إذَا شَهِدَ الْوَصِيَّانِ لِوَلَدٍ كَبِيرٍ بِمَالِ الْمَيِّتِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ وِلَايَةَ الْحِفْظِ وَوِلَايَةَ بَيْعِ الْمَنْقُولِ لِأَنْفُسِهِمَا عِنْدَ غَيْبَةِ الْوَارِثِ بِخِلَافِ شَهَادَتِهِمَا لِكَبِيرٍ بِخِلَافِ التَّرِكَةِ لِانْقِطَاعِ وِلَايَتِهِمَا عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ أَقَامَهَا مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَرِكَتِهِ لَا فِي غَيْرِهَا.
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْوَارِثُ صَغِيرًا أَوْ الْمُوصِي أَبًا حَيْثُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ لِوَصِيِّ الْأَبِ التَّصَرُّفَ فِي مَالِ الصَّغِيرِ جَمِيعِهِ فَيَكُونَانِ مُتَّهَمَيْنِ فَلِهَذَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْمَالِ الْمَوْرُوثِ مِنْهُ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ وَقَيَّدَهُ بِهِ فِي الْكَبِيرِ
стр. 3068
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا إذَا شَهِدَا لِوَارِثٍ كَبِيرٍ يَجُوزُ فِي الْوَجْهَيْنِ أَيْ فِي التَّرِكَةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ لَا تَثْبُتُ لَهُمَا فِي مَالِ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ الْوَرَثَةُ كِبَارًا فَعَرَتْ عَنْ التُّهْمَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا صِغَارًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا مَا بَيَّنَّاهُ، وَفِي الْمُحِيطِ.
إذَا شَهِدَ غُرَمَاءُ الْمَيِّتِ أَنَّهُ أَوْصَى لِفُلَانٍ بِكَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ قِيَاسًا وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَوْصَى لِفُلَانٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَقَالَ: اُعْطُوَا مِنْهُ فُلَانًا أَلْفَ دِرْهَمٍ قَالَ مُحَمَّدٌ يُعْطِي الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ الْمَالِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ أَلْفًا فَكَأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الشَّهَادَةِ بِالثُّلُثِ وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِشَهَادَةِ الْأَلْفِ لِفُلَانٍ فَمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ يُقْبَلُ، وَمَا انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِهِ يُرَدُّ؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ بِهِ شَهَادَةُ فَرْدٍ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَثْنَى أَحَدُهُمَا شَيْئًا مِنْ الْأَلْفِ، وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِهَذَيْنِ بِدَرَاهِمِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُمَا بِدَنَانِيرَ أَوْ اثْنَانِ بِعَبْدٍ، وَالْآخَرَانِ بِدَرَاهِمَ جَازَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَشْهَدُ عَلَى عَقْدِ الْوَصِيَّةِ لَا عَلَى الْمِلْكِ وَيُمْكِنُ إثْبَاتُ الْعَقْدَيْنِ وَمَتَى كَانَ الْمُوصَى بِهِ وَاحِدًا بَطَلَتْ الشَّهَادَتَانِ.
كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِالْبَيْعِ مِنْ هَذَا، وَالْآخَرُ بِبَيْعِهِ مِنْ هَذَا لَمْ تُقْبَلْ وَمَتَى كَانَ الْمُوصَى بِهِ مُخْتَلَفًا، فَقَدْ أَمْكَنَ إثْبَاتُ الْوَصِيَّتَيْنِ فَتُقْبَلُ.
وَإِذَا شَهِدَ الْوَصِيَّانِ لِرَجُلٍ كَبِيرٍ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ جَازَ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَمْ يَجُزْ قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُمَا يَقْبِضَانِ مِيرَاثَهُ فَيَكُونَانِ مُتَّهَمَيْنِ، وَتُقْبَلُ اسْتِحْسَانًا عَلَى النَّسَبِ وَعَلَى التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ النَّسَبُ وَاسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ إنَّمَا يُثْبِتُ حُكْمًا لِبَيَانِ النَّسَبِ لَا مَقْصُودًا بِالشَّهَادَةِ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ لِرَجُلَيْنِ عَلَى مَيِّتٍ بِدَيْنٍ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ الْآخَرَانِ لِلْأَوَّلَيْنِ بِمِثْلِهِ تُقْبَلُ وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَةُ كُلِّ فَرِيقٍ بِوَصِيَّةِ أَلْفٍ لَا) وَهَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا تُقْبَلُ فِي الدَّيْنِ أَيْضًا، وَيَرْوِي أَبُو حَنِيفَةَ مَعَ مُحَمَّدٍ وَيَرْوِي مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ إذَا جَاءُوا مَعًا وَشَهِدُوا فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ لِاثْنَيْنِ فَقُبِلَتْ ثُمَّ ادَّعَى الشَّاهِدَانِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْمَيِّتِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَشَهِدَ لَهُمَا الْأَوَّلَانِ تُقْبَلُ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: جِنْسُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ.
الْأَوَّلُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِالدَّيْنِ، وَالثَّانِي مَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِالْوَصِيَّةِ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ التَّرِكَةِ كَالشَّهَادَةِ بِأَلْفٍ مُرْسَلَةً أَوْ بِثُلُثِ الْمَالِ، وَالثَّالِثُ مَا اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهِ وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ الرَّجُلَانِ بِجَارِيَةٍ وَشَهِدَ الْمَشْهُودُ لَهُمَا لِلشَّاهِدَيْنِ بِوَصِيَّةِ عَبْدٍ، وَالرَّابِعُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ آخِرًا هُوَ أَنْ يَشْهَدَ الرَّجُلَانِ بِجَارِيَةٍ وَيَشْهَدَ الْمَشْهُودُ لَهُمَا لِلشَّاهِدَيْنِ بِوَصِيَّةِ عَبْدٍ يَعْنِي وَيَشْهَدُ الْمَشْهُودُ لَهُمَا لِلشَّاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ مُرْسَلَةٍ أَوْ بِثُلُثِ الْمَالِ وَمَبْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى تُهْمَةِ الشَّرِكَةِ فَمَا ثَبَتَ فِيهِ التُّهْمَةُ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِيهِ وَهُوَ الثَّانِي، وَالرَّابِعُ وَمَا لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ التُّهْمَةُ قُبِلَتْ كَالثَّالِثِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا. اهـ.
أَقُولُ: تَقْسِيمُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ وَتَقْرِيرُهُ هُنَا مُخْتَلٌّ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْأَوْجُهِ الْأَقْسَامَ الْكُلِّيَّةَ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ لَا غَيْرُ أَحَدُهُمَا مَا اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهِ وَثَانِيهَا مَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ وَثَالِثُهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَمَا عَدَاهُ وَجْهًا رَابِعًا دَاخِلٌ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي لَا مَحَالَةَ وَإِنْ أَرَادَ بِهَا الْأَمْثِلَةَ فَهِيَ خَمْسَةٌ لَا أَرْبَعَةٌ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْكِتَابِ فَلَا وَجْهَ لِجَعْلِ الِاثْنَيْنِ مِنْهَا وَجْهًا وَاحِدًا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالثَّانِي مَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ، وَالثَّالِثُ مَا اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهِ لَا يُسَاعِدُهُ كَوْنُ مُرَادِهِ بِالْأَوْجُهِ هُوَ الْأَمْثِلَةُ بَلْ يَقْتَضِي كَوْنُ مُرَادِهِ بِهَا هُوَ الْأَقْسَامُ الْكُلِّيَّةُ الْمَذْكُورَةُ.
كَمَا لَا يَخْفَى ثَمَّ أَنَّ صَاحِبَيْ النِّهَايَةِ، وَالْكِفَايَةِ وَإِنْ ذَهَبَا أَيْضًا إلَى كَوْنِ الْأَوْجُهِ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَرْبَعَةً إلَّا أَنَّ تَقْرِيرَهُمَا لَا يُنَافِي كَوْنَ الْمُرَادِ بِالْأَوْجُهِ هُوَ الْأَمْثِلَةُ، وَالْمَسَائِلُ دُونَ الْأَقْسَامِ الْكُلِّيَّةِ، وَالْأُصُولِ كَمَا يُنَافِيهِ تَقْرِيرُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ فَإِنَّهُمَا قَالَ وَجِنْسُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ الرَّجُلَانِ بِوَصِيَّةِ عَيْنٍ أُخْرَى كَالْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَرِكَةَ لِلْمَشْهُودِ فِيهِ فَلَا تَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي: لَا تُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ الرَّجُلَانِ بِالْوَصِيَّةِ بِجُزْءٍ شَائِعٍ كَالْوَصِيَّةِ بِثُلُثِ مَالِهِ وَشَهِدَ الْمَشْهُودُ لَهُمَا لِلشَّاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ مُرْسَلَةٍ أَيْضًا، وَفِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ لَا تُقْبَلُ أَيْضًا وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ الرَّجُلَانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِلشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِثُلُثِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُثْبِتَةٌ لِلشَّرِكَةِ، وَفِي الْوَجْهِ الرَّابِعِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِالدَّيْنِ ثُمَّ إنَّ الْحَقَّ أَنْ تَثْبُتَ الْقِسْمَةُ هَاهُنَا كَمَا فَعَلَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي كِتَابِ نُكَتِ الْوَصَايَا حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ شَهِدَ هَذَانِ لِهَذَيْنِ، وَهَذَانِ لِهَذَيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ فَإِنَّ هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ
стр. 3069
أَوْجُهٍ فِي وَجْهٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي وَجْهٍ لَا تُقْبَلُ بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي وَجْهٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ ثُمَّ فَعَلَ كُلَّ وَجْهٍ بِالثَّلَاثَةِ.
وَدَلِيلُهُ كَمَا فَعَلَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ حَيْثُ قَالَ: وَهَاهُنَا ثَلَاثَةُ فُصُولٍ أَحَدُهَا مَا لَا تُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالِاتِّفَاقِ، وَالثَّانِي مَا تُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالِاتِّفَاقِ، وَالثَّالِثُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَبَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمُحَمَّدٍ أَنَّ الدَّيْنَ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَهِيَ قَابِلَةٌ لِحُقُوقٍ شَتَّى فَلَا شَرِكَةَ فِيهِ إذَا لَمْ يَجِبْ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَلِهَذَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَ وَلَا يَكُونُ لِلْآخَرِ حَقُّ الْمُشَارَكَةِ وَلَا يَنْتَقِلُ بِالْمَوْتِ مِنْ الذِّمَّةِ إلَى التَّرِكَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ التَّرِكَةَ لَوْ هَلَكَتْ لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ وَأَنَّ لِلْوَارِثِ أَنْ يَسْتَخْلِصَ التَّرِكَةَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ فَلَا يُمْكِنُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ فَصَارَ كَمَا لَوْ شَهِدَ الْفَرِيقَانِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ الْمَتْرُوكَةِ حَتَّى لَا يَبْقَى بَعْدَ هَلَاكِ التَّرِكَةِ وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَسْتَخْلِصَ التَّرِكَةَ وَيُعْطِيَهُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ وَلَوْ قَبَضَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ شَيْئًا كَانَ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ حَقُّ الْمُشَارَكَةِ فَكَانَ كُلُّ فَرِيقٍ مُثْبِتًا لِنَفْسِهِ حَقَّ الْمُشَارَكَةِ فِي التَّرِكَةِ فَلَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُمَا وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الدَّيْنَ بِالْمَوْتِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ لِخَرَابِ الذِّمَّةِ وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهَا لِلْوَارِثِ وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهَا إذَا كَانَ مُسْتَغْرَقًا بِالدَّيْنِ فَشَهَادَةُ كُلِّ فَرِيقٍ لِلْآخَرِ تُلَاقِي مَحَلًّا اشْتَرَكَا فِيهِ فَصَارَ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ فَلَا تُقْبَلُ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّتِهِ لِبَقَائِهَا فِي الْمَالِ فَلَا تَتَحَقَّقُ الشَّرِكَةُ وَجْهُ رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّهُمَا إذَا جَاءَ مَعًا كَانَ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فَتَتَفَاحَشُ التُّهْمَةُ فَتُرَدُّ.
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَلَى التَّعَاقُبِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ مَضَى وَثَبَتَ بِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فَلَا تُهْمَةَ، وَالثَّانِي لَا يُزَاحِمُهُ الْأَوَّلُ عِنْدَ صُدُورِهِ فَصَارَ كَالْأَوَّلِ، وَالْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ شَائِعٍ كَالْوَصِيَّةِ بِالدَّرَاهِمِ الْمُرْسَلَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ حَتَّى لَا تُقْبَلَ فِيهَا شَهَادَةُ الْفَرِيقَيْنِ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ التَّرِكَةَ وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّهُ أَوْصَى لِرَجُلَيْنِ بِعَيْنٍ كَالْعَبْدِ وَشَهِدَ الْمَشْهُودُ لَهُمَا أَنَّهُ أَوْصَى لِلشَّاهِدَيْنِ بِثُلُثِ مَالِهِ أَوْ بِالدَّرَاهِمِ الْمُرْسَلَةِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُثْبِتَةٌ لِلشَّرِكَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ لِرَجُلَيْنِ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُمَا بِعَيْنٍ أُخْرَى حَيْثُ تُقْبَلُ الشَّهَادَتَانِ؛ لِأَنَّ لَا شَرِكَةَ فَلَا تُهْمَةَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْخُنْثَى]
وَهُوَ عَلَى وَزْنِ فُعْلَى بِالضَّمِّ مِنْ التَّخَنُّثِ وَهُوَ اللِّينُ، وَالتَّكَسُّرُ، وَمِنْهُ الْمُخَنَّثُ وَتَخَنَّثَ فِي كَلَامِهِ وَسُمِّيَ خُنْثَى؛ لِأَنَّهُ يَتَكَسَّرُ وَيَنْقُصُ حَالُهُ عَنْ حَالِ الرَّجُلِ وَجَمْعُهُ خَنَاثَى، وَفِي الشَّرْعِ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ مَنْ لَهُ آلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ النِّسَاءِ، وَالرِّجَالِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ لَهُ آلَتَانِ فَقَدَّمَ ذِكْرَ الْأَوَّلِ لِمَا أَنَّ الْوَاحِدَ قَبْلَ الِاثْنَيْنِ وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَعَمُّ، وَالْأَغْلَبُ وَهَذَا كَالنَّادِرِ فِيهِ اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مَا ذَكَرَ فِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ مِنْ الْأَحْكَامِ لَيْسَ بِمَخْصُوصٍ بِمَنْ لَهُ آلَةٌ وَاحِدَةٌ بَلْ يَعُمُّ مَنْ لَهُ آلَةٌ وَاحِدَةٌ وَمَنْ لَهُ آلَتَانِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَارَّةَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا مَثَلًا جَارِيَةٌ بِأَسْرِهَا فِي حَقِّ الْخُنْثَى أَيْضًا وَكَذَلِكَ الْحَالُ فِي أَحْكَامِ سَائِرِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ كُلِّهَا أَوْ جُلِّهَا فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَحْكَامِ مَنْ لَهُ آلَةٌ وَاحِدَةٌ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ مَنْ لَهُ آلَتَانِ وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْهِدَايَةِ لِكِتَابِ الْخُنْثَى فَصْلَيْنِ، وَوَضَعَ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ لِبَيَانِهِ، وَالْفَصْلَ الثَّانِيَ لِأَحْكَامِهِ حَيْثُ قَالَ: فَصْلٌ فِي بَيَانِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَصْلٌ فِي أَحْكَامِهِ فَهُوَ فِي هَذَا الْكِتَابِ إنَّمَا شَرَعَ حَقِيقَةً فِي بَيَانِ مَنْ لَهُ آلَتَانِ لَا فِي بَيَانِ أَحْكَامِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَحْكَامَهُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ بَيَانَ نَفْسِهِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَإِنْ صَحَّ أَنْ يُقَالَ شَرَعَ فِي أَحْكَامِهِ أَيْضًا بِتَأْوِيلِ مَا فَمَا مَعْنَى تَخْصِيصِ الشُّرُوعِ بِالثَّانِي فِي قَوْلِهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ مَنْ لَهُ آلَتَانِ.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ: لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَحْكَامِ مَنْ غَلَبَ وُجُودُهُ ذَكَرَ أَحْكَامَ مَنْ هُوَ نَادِرُ الْوُجُودِ. اهـ.
وَإِنَّمَا قَالَ الْمُشْكِلُ، وَلَمْ يَقُلْ الْمُشْكِلَةُ؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يُعْلَمْ تَذْكِيرُهُ وَلَا تَأْنِيثُهُ الْأَصْلُ فِيهِ التَّذْكِيرُ قَالَ ﵀ (هُوَ مَنْ لَهُ فَرْجٌ وَذَكَرٌ) يَعْنِي الْخُنْثَى مَنْ لَهُ فَرْجُ الْمَرْأَةِ وَذَكَرُ الرَّجُلِ، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْآلَتَيْنِ قَالَ الْبَقَّالِيُّ أَوْ لَا يَكُونُ فَرْجٌ وَلَا ذَكَرٌ وَيَخْرُجُ بَوْلُهُ مِنْ ثَقْبٍ فِي الْمَخْرَجِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ فَيَخْلُقُ ذَكَرًا فَقَطْ أَوْ أُنْثَى فَقَطْ أَوْ خُنْثَى.
قَالَ ﵀: (فَإِنْ بَال مِنْ الذَّكَرِ فَغُلَامٌ وَإِنْ بَالَ مِنْ الْفَرْجِ فَأُنْثَى) ؛ لِأَنَّهُ «﵊ سُئِلَ كَيْفَ يُورَثُ فَقَالَ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ» .
وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِثْلُهُ، وَرُوِيَ أَنَّ قَاضِيًا مِنْ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ رُفِعَ عَلَيْهِ
стр. 3070
هَذِهِ الْوَاقِعَةُ فَجَعَلَ يَقُولُ هُوَ ذَكَرٌ وَامْرَأَةٌ فَاسْتُبْعِدَ قَوْلُهُ ذَلِكَ فَتَحَيَّرَ وَدَخَلَ فَجَعَلَ يَتَقَلَّبُ عَلَى فِرَاشِهِ وَلَا يَأْخُذُهُ النَّوْمُ لِتَحَيُّرِهِ وَكَانَتْ لَهُ بِنْتٌ تَغْمِزُ رِجْلَهُ فَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَكَرِهِ فَأَخْبَرَهَا بِذَلِكَ فَقَالَتْ: دَعْ الْمُحَالَ وَأَتْبِعِ الْحُكْمَ الْمَبَالَ فَخَرَجَ إلَى قَوْمِهِ فَحَكَى لَهُمْ ذَلِكَ فَاسْتَحْسَنُوا فَعَرَفَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقَرَّهُ الشَّرْعُ وَلِأَنَّ الْبَوْلَ مِنْ أَيِّ عُضْوٍ كَانَ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْعُضْوُ الْأَصْلِيُّ الصَّحِيحُ، وَالْآخَرُ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَقَعُ بِهِ الْفَصْلُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ تِلْكَ الْآلَةِ خُرُوجُ الْبَوْلِ، وَذَلِكَ عِنْدَ انْفِصَالِهِ مِنْ أُمِّهِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَنَافِعِ يَحْدُثُ بَعْدَهُ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ قَالَ ﵀ (فَإِنْ بَالَ مِنْهُمَا) فَالْحُكْمُ لِلْأَسْبَقِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْعُضْوُ الْأَصْلِيُّ وَلِأَنَّهُ كَمَا خَرَجَ الْبَوْلُ حُكِمَ بِمُوجِبِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ تَامَّةٌ فَلَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخُرُوجِ الْبَوْلِ مِنْ الْآلَةِ الْأُخْرَى قَالَ ﵀ (فَإِنْ اسْتَوَيَا) أَيْ فِي السَّبَقِ (فَمُشْكَلٌ) لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ قَالَ ﵀: (وَلَا عِبْرَةَ بِالْكَثْرَةِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا يُنْسَبُ إلَى أَكْثَرِهِمَا بَوْلًا؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْعُضْوُ الْأَصْلِيُّ وَلِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ فَيَتَرَجَّحُ بِالْكَثْرَةِ وَلَهُ أَنَّ كَثْرَةَ مَا يَخْرُجُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى الْآلَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِاتِّسَاعِ الْمَخْرَجِ وَضِيقِهِ لَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْعُضْوُ الْأَصْلِيُّ وَلِأَنَّ نَفْسَ الْخُرُوجِ دَلِيلٌ بِنَفْسِهِ فَالْكَثْرَةُ لَا يَقَعُ بِهَا التَّرْجِيحُ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ كَالشَّاهِدَيْنِ، وَالْأَرْبَعَةِ.
وَقَدْ اسْتَقْبَحَ أَبُو حَنِيفَةَ اعْتِبَارَ ذَلِكَ فَقَالَ: هَلْ رَأَيْت قَاضِيًا يَكِيلُ الْبَوْلَ بِالْأَوَاقِيِ.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ بَلَغَ وَخَرَجَتْ لَهُ لِحْيَةٌ أَوْ وَصَلَ إلَى النِّسَاءِ فَرَجُلٌ وَكَذَا إذَا احْتَلَمَ مِنْ الذَّكَرِ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ عَلَامَةِ الذَّكَرِ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ ثَدْيٌ أَوْ لَبَنٌ أَوْ أَمْكَنَ وَطْؤُهُ فَامْرَأَةٌ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ عَلَامَاتِ النِّسَاءِ قَالَ ﵀ (وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ عَلَامَةٌ أَوْ تَعَارَضَتْ فَمُشْكَلٌ) لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ التَّرْجِيحَ، وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَعُدُّ أَضْلَاعَهُ فَإِنَّ أَضْلَاعَ الرَّجُلِ تَزِيدُ عَنْ أَضْلَاعِ الْمَرْأَةِ بِوَاحِدَةٍ.
قَالَ ﵀ (فَيَقِفُ بَيْنَ صَفِّ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أُنْثَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ فِي صَفِّ النِّسَاءِ فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ وَلَوْ وَقَفَ فِي صَفِّ الرِّجَالِ تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ يُحَاذِيهِ إنْ كَانَ أُنْثَى فَلَا يَتَخَلَّلُ الرِّجَالَ وَلَا النِّسَاءَ وَإِنْ وَقَفَ فِي صَفِّ النِّسَاءِ فَإِنْ كَانَ بَالِغًا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ مُرَاهِقًا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ، وَالْأَصْلُ فِي أَحْكَامِهِ أَنْ يُؤْخَذَ بِالْأَحْوَطِ فَالْأَحْوَطِ وَيُعِيدُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ وَاَلَّذِي خَلْفَهُ الصَّلَاةَ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ بِقِنَاعٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ وَلَوْ كَانَ بَالِغًا حُرًّا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَيَجْلِسُ فِي صَلَاتِهِ جُلُوسَ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ رَجُلًا فَقَدْ تَرَكَ سُنَّةً.
وَهُوَ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَقَدْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا بِجُلُوسِهِ جُلُوسَ الرِّجَالِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْعِبَادَاتِ قَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَ بِقِنَاعٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ يُرِيدُ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ لَا يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ إلَّا اسْتِحْسَانًا تَخَلُّقًا وَاعْتِبَارًا، وَفِي الْهِدَايَةِ: صَلَّى بِغَيْرِ قِنَاعِ امْرَأَةٍ أَنْ يُعِيدَ، وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ هَذَا إذَا كَانَ الْخُنْثَى مُرَاهِقًا غَيْرَ بَالِغٍ فَإِنْ كَانَ بَالِغًا فَإِنْ بَلَغَ بِالسِّنِّ وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ عَلَامَاتِ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ لَا تُجْزِيْهِ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ قِنَاعٍ إذَا كَانَ الْخُنْثَى حُرًّا، وَفِي السِّغْنَاقِيِّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَإِنْ كَانَ بَالِغًا فَصَلَّى بِغَيْرِ قِنَاعِ امْرَأَةٍ فَإِنَّهُ يُعِيدُ وَهَذَا بِطَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ هَكَذَا لَفْظُ الْمَبْسُوطِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ أَنَّ طَرِيقَ الِاحْتِيَاطِ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الْوُجُوبُ.
قَالَ وَيَجْلِسُ فِي صَلَاتِهِ كَجُلُوسِ الْمَرْأَةِ وَلَوْ أَحْرَمَ هَذَا الْخُنْثَى، وَقَدْ رَاهَقَ وَلَمْ يَبْلُغْ وَلَمْ يَسْتَبِنْ أَنَّهُ امْرَأَةٌ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا عِلْمَ لِي بِلِبَاسِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ لَبِسَ الْمَخِيطَ كَانَ أَحْوَطَ لِجَوَازِ أَنَّهَا أُنْثَى فَلَا يَحِلُّ لَهَا كَشْفُ الْعَوْرَةِ، قَالَ وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْبِسَ الْحُلِيَّ وَأَرَادَ بِهِ مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ إذَا لَمْ يَظْهَرْ بِهِ عَلَامَاتٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى كَوْنِهِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً وَيُكْرَهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ أَيْضًا قَالَ: وَأَكْرَهُ لَهُ أَنْ يَنْكَشِفَ قُدَّامَ الرِّجَالِ أَوْ قُدَّامَ النِّسَاءِ وَمَعْنَاهُ إذَا كَانَ قَدْ رَاهَقَ فَإِنْ قُلْتَ.
وَهَلْ يُكْرَهُ أَنْ يَخْلُوَ بِهِ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ مِنْهُ أَوْ يَخْلُوَ هُوَ بِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ مِنْهَا قُلْت نَعَمْ إذَا خَلَا بِالْخُنْثَى رَجُلٌ مَحْرَمٌ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ وَكَذَلِكَ الْخُنْثَى إذَا خَلَا بِامْرَأَةٍ هُوَ مَحْرَمٌ مِنْهَا وَلَا يُسَافِرُ الْخُنْثَى بِامْرَأَةٍ هِيَ غَيْرُ مَحْرَمٍ مِنْهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُسَافِرَ الْخُنْثَى مَعَ مَحْرَمٍ مِنْ الرِّجَالِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا وَلَا يَخْتِنُهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى صَبِيٌّ أَوْ صَبِيَّةٌ فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ أَنْ تَخْتِنَهُ وَإِنْ كَانَ مُرَاهِقًا يُشْتَهَى أَوْ لَا وَإِنْ كَانَ صَبِيَّةً فَلَا بَأْسَ لِلنِّسَاءِ أَنْ تَخْتِنَهَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُرَاهِقَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تُشْتَهَى، وَإِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُرَاهِقَةٍ وَهِيَ تُشْتَهَى أَوْ لَا.
فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَيَاةِ، وَالْمَوْتِ حَيْثُ قُلْتُمْ إذَا
стр. 3071
مَاتَ الْخُنْثَى يُيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ وَلَا يُغَسِّلُهُ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ وَلَمْ تَقُولُوا أَنَّهُ يُشْتَرَى لَهُ جَارِيَةٌ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَالِ أَبِيهِ أَوْ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا ثَمَّ مَالٌ ثُمَّ يَبِيعُهَا الْإِمَامُ بَعْدَمَا غَسَّلَتْهُ وَيُرَدُّ ثَمَنُهَا إلَى بَيْتِ الْمَالِ قُلْنَا شِرَاءُ الْجَارِيَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْخُنْثَى لِتَغْسِلَهُ لَا تُفِيدُ إبَاحَةَ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا الْخُنْثَى وَلَا يَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ لِحَاجَةِ الْغُسْلِ فَأَمَّا مَا دَامَ حَيًّا فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ فَيَمْلِكُ الْجَارِيَةَ الَّتِي اُشْتُرِيَتْ لَهُ وَإِذَا مَلَكَ الْجَارِيَةَ الَّتِي اُشْتُرِيَتْ لَهُ كَانَ شِرَاءُ الْجَارِيَةِ يُفِيدُ إبَاحَةَ الْخِتَانِ.
قَالَ ﵀ (وَتُبْتَاعُ لَهُ أَمَةٌ تَخْتِنُهُ) يَعْنِي بِمَالِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِمَمْلُوكِهِ النَّظَرُ إلَيْهِ مُطْلَقًا إنْ كَانَ ذَكَرًا وَلِلضَّرُورَةِ إنْ كَانَ أُنْثَى، وَيُكْرَهُ أَنْ يَخْتِنَهُ رَجُلٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ذَكَرٌ أَوْ امْرَأَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أُنْثَى فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أُنْثَى؛ لِأَنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ أَخَفُّ، وَالْأَصْلُ فِي مَسَائِلِ النِّكَاحِ لَوْ زَوَّجَ الْأَبُ هَذَا الْخُنْثَى امْرَأَةً قَبْلَ بُلُوغِهِ أَوْ زَوْجَةً فَالنِّكَاحُ مَوْقُوفٌ لَا يَفْسُدُ وَلَا يَبْطُلُ وَلَا يَتَوَارَثَانِ حَتَّى يَسْتَبِينَ أَمْرُ الْخُنْثَى؛ لِأَنَّ التَّوَارُثَ حُكْمُ النِّكَاحِ النَّافِذِ لَا حُكْمُ النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ.
فَإِنْ زَوَّجَهُ الْأَبُ امْرَأَةً وَبَلَغَ وَظَهَرَ عَلَامَاتُ الرِّجَالِ وَنَحْوُهُ حُكِمَ بِجَوَازِ النِّكَاحِ إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا فَإِنَّهُ يُؤَجَّلُ سَنَةً كَمَا يُؤَجَّلُ غَيْرُهُ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَى امْرَأَتِهِ وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ تَزَوَّجَ خُنْثَى مِثْلَهُ فَالنِّكَاحُ يَكُونُ مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يَسْتَبِينَ حَالُهُمَا فَإِنْ تَبَيَّنَ حَالُهُمَا فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ مَاتَا قَبْلَ أَنْ يَزُولَ الْإِشْكَالُ لَمْ يَتَوَارَثَا وَإِنْ مَاتَا وَتَرَكَا أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ وَرَثَتِهِمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ هُوَ الزَّوْجُ وَأَنَّ الْآخَرَ هُوَ الزَّوْجَةُ لَا يَقْضِي بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَبَّلَ هَذَا الْخُنْثَى بِشَهْوَةٍ لَيْسَ لِهَذَا الرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِمَحَارِمِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرَهُ.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ تُبَاعُ) ؛ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ أُعِدَّ لِنَوَائِب الْمُسْلِمِينَ فَيَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ تَعَذُّرًا لِلْحَاجَةِ، وَهِيَ حَاجَةُ الْخِتَانِ فَإِذَا خَتَنَتْهُ تُبَاعُ وَيُرَدُّ ثَمَنُهَا إلَى بَيْتِ الْمَالِ فَإِذَا زَوَّجَ امْرَأَةً فَخَتَنَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا صَحَّ النِّكَاحُ وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَنَظَرُ الْجِنْسِ أَخَفُّ ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ذَكَرٌ فَيَصِحُّ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا فَتَحْصُلُ الْفُرْقَةُ ثُمَّ تَعْتَدُّ إنْ خَلَا بِهَا احْتِيَاطًا وَلَوْ حَلَفَ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ بِأَنْ قَالَ: إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْت طَالِقٌ أَوْ فَعَبْدِي حُرٌّ فَوَلَدَتْ خُنْثَى لَمْ يَقَعْ حَتَّى يَسْتَبِينَ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى لَمْ يَثْبُتْ بِالشَّكِّ، وَلَوْ قَالَ: كُلُّ عَبْدٍ لِي حُرٌّ أَوْ قَالَ كُلُّ أَمَةٍ لِي حُرَّةٌ وَلَهُ مَمْلُوكٌ خُنْثَى لَا يُعْتَقُ حَتَّى يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ قَالَ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا عَتَقَ لِلتَّيَقُّنِ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِهِمَا.
وَإِنْ قَالَ الْخُنْثَى: أَنَا رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إذَا كَانَ مُشْكِلًا؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ: إنْ قَالَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ أَنَا ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ أَمِينٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ مَا لَمْ يُعْرَفْ خِلَافُ مَا قَالَ كَمَا إذَا قَالَتْ الْمُعْتَدَّةُ انْقَضَتْ عِدَّتِي وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا مَا لَمْ يُعْرَفْ خِلَافُ قَوْلِهَا بِأَنْ قَالَتْ فِي مُدَّةٍ لَا تَنْقَضِي فِي مِثْلِهَا الْعِدَّةُ، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ.
وَلَا يَحْضُرُ الْخُنْثَى غَسْلَ رَجُلٍ وَلَا امْرَأَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَجَّى قَبْرُهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أُنْثَى أُقِيمَ وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا لَا يَضُرُّهُ التَّسْجِيَةُ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وُضِعَ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، وَالْخُنْثَى خَلْفَهُ، وَالْمَرْأَةُ خَلْفَ الْخُنْثَى وَيُؤَخَّرُ عَنْ الرَّجُلِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ وَيُقَدَّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ وَلَوْ دُفِنَ مَعَ رَجُلٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ لِلْعُذْرِ جُعِلَ خَلْفَ الرَّجُلِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزًا مِنْ صَعِيدٍ لِيَكُونَ فِي حُكْمِ الْقَبْرَيْنِ وَكَذَا الرَّجُلَانِ إذَا دُفِنَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَإِنْ دُفِنَ مَعَ امْرَأَةٍ قُدِّمَ الْخُنْثَى لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أُنْثَى وَيَدْخُلُ قَبْرُهُ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أُنْثَى وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخُنْثَى مِنْ الْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ وَلَا لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَيْمَانِ وَلَا لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الدَّعْوَى، وَالْبَيِّنَةِ وَلَا لِبَيَانِ الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ فِيهِ وَلَا لِبَيَانِ شَهَادَتِهِ قَالَ فِي الْأَصْلِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَذَفَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ قَبْلَ الْبُلُوغِ أَوْ قَذَفَ الْخُنْثَى رَجُلًا فَلَا حَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ أَمَّا إذَا كَانَ الْقَاذِفُ هُوَ الْخُنْثَى فَلِأَنَّهُ صَبِيٌّ أَوْ صَبِيَّةٌ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْقَاذِفُ رَجُلًا آخَرَ فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْصَنٍ؛ لِأَنَّ الْبُلُوغَ مِنْ أَحَدِ شَرَائِطِ إحْصَانِ الْقَذْفِ كَالْإِسْلَامِ وَإِنْ قَذَفَ الْخُنْثَى بَعْدَ بُلُوغِهِ بِالسِّنِّ فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ عَلَامَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى حُدَّ حَدَّ الرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ وَلَوْ قَذَفَ الْخُنْثَى رَجُلًا بَعْدَ ظُهُورِ عَلَامَةِ الرِّجَالِ أَوْ قَذَفَهُ رَجُلٌ فَهُمَا سَوَاءٌ فَيَجِبُ الْحَدُّ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ عَلَامَةٌ فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى وَإِنْ صَارَ مُحْصَنًا بِالْبُلُوغِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْأُنُوثَةِ
стр. 3072
أَوْ الذُّكُورَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا رَجُلًا وَأَنْ يَكُونَ امْرَأَةً فَإِنْ كَانَ امْرَأَةً، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّتْقَاءِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُجَامَعُ كَالرَّتْقَاءِ.
وَمَنْ قَذَفَ رَجُلًا مَجْبُوبًا أَوْ امْرَأَةً رَتْقَاءَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْخُنْثَى هُوَ الْقَاذِفُ يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ مَجْبُوبٌ بَالِغٌ أَوْ رَتْقَاءُ بَالِغَةٌ، وَالْمَجْبُوبُ الْبَالِغُ، وَالرَّتْقَاءُ الْبَالِغَةُ إذَا قَذَفَ إنْسَانًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ سَرَقَ بَعْدَمَا أَدْرَكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ سُرِقَ مِنْهُ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً يُقْطَعُ السَّارِقُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ وَلَوْ قَطَعَ يَدَ هَذَا الْخُنْثَى قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ أَوْ يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ فَلَا قِصَاصَ عَلَى قَاطِعِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْقَاطِعُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا قَتَلَ الْخُنْثَى رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً عَمْدًا كَانَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
وَإِنْ قَطَعَ هَذَا الْخُنْثَى يَدَ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ أَرْشُ ذَلِكَ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ إذَا قَطَعَ يَدَ إنْسَانٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ عَمْدًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَرْشُ فِي مَالِهِ وَإِنْ شَهِدَ مَغْنَمًا يُرْضَخُ لَهُ وَلَا يُسْهِمُ وَإِنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ أَوْ بَعْدَمَا أَدْرَكَ لَا يُقْتَلُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا أَمَّا قَبْلُ فَإِنَّهُ صَبِيٌّ أَوْ صَبِيَّةٌ وَرِدَّةُ الصَّبِيِّ لَا تَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ رِدَّةُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ، وَالصَّبِيَّةِ الْعَاقِلَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ عَلَى الرِّدَّةِ عِنْدَهُمَا وَبَعْدَ الْبُلُوغِ تَصِحُّ رِدَّتُهُ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فَإِنْ كَانَ رَجُلًا حَلَّ قَتْلُهُ وَلَا يَحِلُّ إنْ كَانَ امْرَأَةً فَلَا يَحِلُّ بِالشَّكِّ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يُوضَعُ عَلَيْهِ خَرَاجُ رَأْسِهِ حَتَّى يُدْرِكَ وَيَسْتَبِينَ أَمْرُهُ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْقَامَةِ.
وَلَوْ كَانَ الْخُنْثَى أَبُوهُ حَيًّا فَقَالَ هُوَ غُلَامٌ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ هِيَ جَارِيَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُشْكِلُ الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَبِ وَإِنْ كَانَ مُشْكِلُ الْحَالِ لَمْ يُصَدَّقْ وَإِنْ قَتَلَ الْخُنْثَى خَطَأً قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ قَالَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْقَاتِلِ أَنَّهُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى إنْ كَانَتْ الدِّيَةُ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ وَإِنْ كَانَ لَهُ عَاقِلَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ قَالُوا لَا نَدْرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ دِيَةٌ وَإِنْ قَالُوا: إنَّهُ أُنْثَى وَوَرَثَةُ الْخُنْثَى ادَّعَوْا أَنَّهُ ذَكَرٌ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ عَلَى الْقَاتِلِ، وَالْعَاقِلَةِ زِيَادَةَ خَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَالْقَاتِلُ، وَالْعَاقِلَةُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ فَيُقْضَى عَلَيْهِمْ بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ وَيَتَوَقَّفُ الْعَقْلُ إلَى أَنْ يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ أَنَّهُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ ذَكَرًا وَخُنْثَى وَزَوْجَةً فَمَاتَ الْخُنْثَى بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ فَادَّعَتْ أُمُّ الْخُنْثَى أَنَّهُ ذَكَرٌ وَأَنَّهُ كَانَ وَرِثَ مِنْ أَبِيهِ نِصْفَ الْمَالِ بَعْدَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ وَامْرَأَةً ثُمَّ مَاتَ الْخُنْثَى فَوَرِثَتْ ثُلُثَ ذَلِكَ النِّصْفِ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى مَاتَ وَتَرَكَ أُمًّا وَأَخًا تَرِثُ الْأُمُّ ثُلُثَ ذَلِكَ النِّصْفِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَيِّتِ وَهُوَ أَخُو الْخُنْثَى لَا بَلْ كَانَتْ الْخُنْثَى جَارِيَةً وَوَرِثَتْ الثُّلُثَ مِنْ الْمَيِّتِ بَعْدَ الثُّمُنِ ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثَتْ أَنْتِ ثُلُثَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ أَخِي الْخُنْثَى إلَّا أَنَّ الْأَخَ يَسْتَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ بِاَللَّهِ مَا تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ ذَكَرًا وَإِذَا أَقَامَتْ الْأُمُّ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ يَبُولُ مِنْ مَبَالِ الرِّجَالِ وَلَا يَبُولُ مِنْ مَبَالِ النِّسَاءِ فَإِنَّهُ يَرِثُ مِنْ أَبِيهِ مِيرَاثَ النِّصْفِ بَعْدَ الثُّمُنِ ثُمَّ تَرِثُ الْأُمُّ ثُلُثَ ذَلِكَ النِّصْفِ مِنْ الْخُنْثَى، وَإِنْ أَقَامَ أَخُو الْخُنْثَى الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ يَبُولُ مِنْ مَبَالِ النِّسَاءِ وَلَا يَبُولُ مِنْ مَبَالِ الرِّجَالِ وَأَنَّهَا وَرِثَتْ الثُّلُثَ مِنْ الْأَبِ بَعْدَ الثُّمُنِ فَلِأُمِّ الْخُنْثَى ذَلِكَ الثُّلُثُ.
وَإِنْ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَا الْخُنْثَى كَانَ زَوَّجَهَا مِنْهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَطَلَبَ مِيرَاثَهَا وَصَدَّقَهُ الِابْنُ أَوْ كَذَّبَهُ وَلَمْ تُقِمْ الْأُمُّ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَ الْخُنْثَى عَلَى مَا ادَّعَتْ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ وَيُجْعَلُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ وَوَرِثَ مِنْ الْخُنْثَى مِيرَاثَ الزَّوْجِ وَوَرِثَ أُمَّ الْخُنْثَى، وَأَخُو الْخُنْثَى مِنْ الصَّدَاقِ الَّذِي يَبْقَى عَلَى الزَّوْجِ وَمَا تَرَكَ الْخُنْثَى وَإِنْ أَقَامَ الْأَخُ بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَتْ أَنَّهُ كَانَ يَبُولُ مِنْ مَبَالِ الرِّجَالِ وَلَا يَبُولُ مِنْ مَبَالِ النِّسَاءِ إنْ أَقَامَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا كَانَتْ أُنْثَى وَتَبُولُ مِنْ مَبَالِ النِّسَاءِ وَلَا تَبُولُ مِنْ مَبَالِ الرِّجَالِ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْأَخِ أَوْلَى بِالرَّدِّ وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ الَّذِي مَاتَ صَغِيرًا وَتَرَكَ مَالًا أَقَامَتْ امْرَأَةٌ بَيِّنَةً أَنَّ أَبَاهُ زَوَّجَهَا إيَّاهُ فِي حَيَاتِهِ وَمَهَرَهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَنَّهُ كَانَ غُلَامًا يَبُولُ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ الْغُلَامُ وَلَمْ يَكُنْ يَبُولُ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ النِّسَاءُ وَكَذَّبَهَا الْأَخُ ابْنُ الْمَيِّتِ قَالَ: اُصْدُقْ الْمَرْأَةَ وَاجْعَلْهُ غُلَامًا وَاجْعَلْ صَدَاقَهَا فِي مِيرَاثِهِ مِنْ مِيرَاثِ الْغُلَامِ.
فَإِنْ أَقَامَ الْأَخُ ابْنُ الْمَيِّتِ الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهُ كَانَ جَارِيَةً يَبُولُ مِنْ حَيْثُ تَبُولُ الْجَارِيَةُ قَالَ لَا أَقْبَلُ بَيِّنَتَهُمَا عَلَى ذَلِكَ فَأَقْضِي بِبَيِّنَةِ الْمَرْأَةِ وَهَذَا إذَا جَاءَا مَعًا فَأَمَّا إذَا أَقَامَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ أَوَّلًا وَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ ثُمَّ أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهَا لِتَرْجِيحِ الْأُولَى بِالْقَضَاءِ فَإِنَّ وَقَّتَ أَحَدٌ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ وَقْتًا قَبْلَ الْأُخْرَى فَإِنَّهُ يَقْضِي بِأَسْبَقِهِمَا تَارِيخًا وَإِنْ لَمْ يُوَقِّتْ ذَكَرَ أَنَّهُمَا يَبْطُلَانِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَدَّعِي الصَّدَاقَ وَمَتَى لَمْ تَدَّعِ فَإِنَّهَا تَتَهَاتَرُ الْبَيِّنَتَانِ وَإِنْ كَانَ هَذَا الصَّبِيُّ حَيًّا لَمْ يَمُتْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا.
قَالَ هَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ وَلَا أَقْضِي بِشَيْءٍ مِنْهُ بِلَا
стр. 3073
تَوَقُّفٍ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَبِينَ حَالُهُ مَتَى أَدْرَكَ وَلَيْسَ حَالَةُ الْحَيَاةِ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْخُنْثَى حِينَ مَاتَ بَعْدَ أَبِيهِ وَهُوَ مُرَاهِقٌ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُ زَوَّجَهُ إيَّاهَا عَلَى هَذَا الْوَقْفِ بِأَلْفٍ وَأَمَرَهُ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ وَأَنَّهُ كَانَ يَبُولُ مِنْ حَيْثُ تَبُولُ النِّسَاءُ وَكَذَّبَهُ الْوَرَثَةُ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَمَّا إنْ جَاءَتْ الْبَيِّنَاتُ مَعًا أَوْ جَاءَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَإِنْ جَاءَتَا مَعًا فَلَا يَخْلُو أَمَّا إنْ لَمْ يُوَقِّتَا أَوْ وَقَّتَا وَقْتًا وَوَقْتُهُمَا عَلَى السَّوَاءِ أَوْ كَانَ وَقْتُ أَحَدِهِمَا أَسْبَقَ فَإِنْ لَمْ يُوَقِّتَا أَوْ وَقَّتَا وَوَقْتُهُمَا عَلَى السَّوَاءِ تَهَاتَرَتْ الْبَيِّنَاتُ جَمِيعًا وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَدَّعِ الزَّوْجُ نِصْفَ الصَّدَاقِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِنَّمَا ادَّعَى النِّكَاحَ عَلَى الْخُنْثَى لَا غَيْرَ وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا ذَكَرَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ الْمُثْبِتَةَ أَنَّهَا امْرَأَةٌ أَوْلَى وَإِنْ وَقَّتَا وَقْتًا وَوَقْتُ أَحَدِهِمَا أَسْبَقُ فَالسَّابِقُ أَوْلَى فَإِنْ جَاءَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى إنْ جَاءَتْ الْأُخْرَى قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالْأُولَى فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِيمَا لَوْ جَاءَتَا مَعًا فَأَمَّا إذَا قَضَى الْقَاضِي بِالْأُولَى ثُمَّ جَاءَتْ الْأُخْرَى لَا تُقْبَلُ الْأُخْرَى بِخِلَافِ مَا لَوْ جَاءَتَا مَعًا وَلَمْ يُؤَرِّخَا أَوْ أَرَّخَا فَتَارِيخُهُمَا عَلَى السَّوَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ أَمْرُهُ فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُ زَوَّجَهَا إيَّاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بِرِضَاهَا وَأَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ هَذَا الْوَلَدَ قَالَ أَجَزْت بَيِّنَتَهُ وَأَجْعَلُهَا امْرَأَتَهُ وَأَجْعَلُ الْوَلَدَ ابْنَهَا، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ هَذَا الرَّجُلُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا إيَّاهُ بِرِضًا مِنْهُ وَأَنَّهُ دَخَلَ بِهَا وَأَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ هَذَا الْوَلَدَ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِكَوْنِ الْخُنْثَى رَجُلًا وَأَلْزَمَهُ الْوَلَدُ فَإِنْ اجْتَمَعَتْ الدَّعْوَتَانِ جَمِيعًا وَجَاءَتْ الْبَيِّنَاتُ مَعًا وَلَمْ يُوَقِّتَا أَوْ وَقَّتَا عَلَى السَّوَاءِ فَإِنَّهَا تَهَاتَرَتْ الْبَيِّنَاتُ جَمِيعًا وَجَاءَتْ الْبَيِّنَاتُ مَعًا فَإِنْ قَامَتْ إحْدَى هَاتَيْنِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَقَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ جَاءَتْ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ لَا أَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ الثَّانِيَةَ.
وَإِنْ كَانَ هَذَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَادَّعَى رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَنَّ أَبَاهُ زَوَّجَهُ إيَّاهَا عَلَى مَهْرٍ مُسَمًّى بِرِضَاهَا وَأَقَامَ بَيِّنَةً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ أَقْضِي بِبَيِّنَةِ الْمُسْلِمِ وَأَجْعَلُهَا امْرَأَتَهُ وَأُبْطِلُ بَيِّنَةَ الْمَرْأَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبَيِّنَتُهُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَيَقْضِي لِلرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَعَ الدَّعْوَى فِي الْمَالِ فَادَّعَى الْمُسْلِمُ مَالًا فِي يَدِ ذِمِّيٍّ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدَيْنِ كِتَابِيَّيْنِ وَأَنَّهُ يَقْضِي بِالْمَالِ بَيْنَهُمَا وَلَا تُرَجَّحُ إحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ بِالْإِسْلَامِ.
وَلَوْ مَاتَ أَبُو الْخُنْثَى ثُمَّ مَاتَ هَذَا الْخُنْثَى فَادَّعَتْ أُمُّهُ مِيرَاثَ غُلَامٍ وَأَقَرَّ الْوَصِيُّ بِذَلِكَ وَجَحَدَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ وَقَالُوا هِيَ جَارِيَةٌ قَالَ إذَا جَاءَتْ الدَّعْوَى فِي الْأَمْوَالِ لَمْ يُصَدَّقْ وَعَلَى الْأُمِّ عَلَى مَا ادَّعَى وَإِنْ كَانَ هَذَا الْخُنْثَى حَيًّا لَمْ يَمُتْ فَقَالَ أَنَا غُلَامٌ وَطَلَبَ مِيرَاثَ غُلَامٍ مِنْ أَبِيهِ، وَصَدَّقَهُ الْوَصِيُّ فِي ذَلِكَ وَأَنْكَرَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ ذَلِكَ وَقَالُوا هِيَ جَارِيَةٌ قَالَ لَا أُعْطِيهِ مِيرَاثَ غُلَامٍ وَلَا أُصَدِّقُهُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَإِنْ كَانَ وُصِيُّهُ أَخُوهُ زَوَّجَهُ امْرَأَةً ثُمَّ مَاتَ الْخُنْثَى وَطَلَبَتْ الْمَرْأَةُ مِيرَاثَهَا، وَقَالَ الْوَصِيُّ هُوَ غُلَامٌ وَقَدْ جَازَ النِّكَاحُ وَرِثَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُ، وَقَالَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ: هِيَ جَارِيَةٌ لَا يَلْزَمُ الْوَرَثَةُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا مِيرَاثَ الْغُلَامِ فِي حَقِّهِمْ وَيَلْزَمُ الْوَصِيُّ الْمُقِرُّ مِيرَاثَ غُلَامٍ فِي نَصِيبِهِ وَتَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ الْخُنْثَى مِيرَاثَ الْخُنْثَى مِنْ الْمُقِرِّ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ أَخٌ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ فَأَقَرَّ أَنَّهُ جَارِيَةٌ وَزَوَّجَهَا رَجُلًا ثُمَّ مَاتَ الْخُنْثَى، وَقَدْ رَاهَقَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا امْرَأَةٌ وَزَوَّجَهَا ثُمَّ مَاتَ الْخُنْثَى قَبْلَ أَنْ يُعْرَفَ حَالُهُ فَإِنَّ النِّكَاحُ جَائِزٌ عَلَى الْأَخِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْوَصِيُّ وَلَا يَجُوزُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ مِنْ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، وَالنِّكَاحُ الثَّانِي الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْأَخُ الثَّانِي الَّذِي لَيْسَ بِوَصِيٍّ بَاطِلٌ فِي حَقِّهِ وَلَا يَجُوزُ فِي حَقِّ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ أَيُّ النِّكَاحَيْنِ أَوَّلُ قَالَ أُبْطِلُ هَذَا كُلُّهُ وَلَا أُوَرِّثُ شَيْئًا مِنْهُمَا وَإِنْ عَرَفْت الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهَا امْرَأَةٌ وَزَوَّجَهَا رَجُلًا أَنَّهَا أَوَّلُ قَالَ: أُلْزِمُهُ مِيرَاثَ الْأَخِ فِي نَصِيبِهِ وَلَا أُلْزِمُ غَيْرَهُ وَأُبْطِلُ النِّكَاحَ خُنْثَى مُشْكِلٌ مُرَاهِقٌ وَخُنْثَى مِثْلُهُ مُشْكِلٌ تَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا رَجُلٌ، وَالْآخَرَ امْرَأَةٌ إذَا مَاتَ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ وَرَثَتِهِمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ هُوَ الزَّوْجُ وَأَنَّ الْآخَرَ هُوَ الزَّوْجَةُ قَالَ لَا أَقْضِي بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ جَاءَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ قَبْلَ الْأُخْرَى وَقَضَى بِهَا ثُمَّ جَاءَتْ الْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ أُبْطِلُ الْبَيِّنَةَ الْأُخْرَى وَقَضَاءُ الْأَوَّلِ مَاضٍ عَلَى حَالِهِ بِشَهَادَةِ لِلْخُنْثَى حَتَّى يُدْرِكَ وَبَعْدَمَا أَدْرَكَ إذَا لَمْ يَسْتَبِنْ أَمْرُهُ يُوقَفُ أَمْرُهُ فِي حَقِّ الشَّهَادَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ هَذَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ يُعْطِي لَهُ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَتُوقَفُ الْخَمْسُمِائَةِ الْأُخْرَى إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ حَالُهُ أَوْ يَمُوتُ قَبْلَ التَّبَيُّنِ فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ ذَكَرَ دُفِعَتْ الزِّيَادَةُ إلَيْهِ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ جَارِيَةٌ دُفِعَتْ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَهَذَا قَوْلُ عُلَمَائِنَا قَالَ الشَّيْخُ ﵀: يُعْطِي لَهُ نِصْفَ وَصِيَّةِ الْغُلَامِ خَمْسَمِائَةٍ وَنِصْفَ
стр. 3074
وَصِيَّةُ الْجَارِيَةِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ فَيُعْطَى لَهُ سَبْعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ وَيُوقَفُ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ حَالُهُ فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ ذَكَرٌ يُعْطِي مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أُنْثَى يُؤْخَذُ مِنْهُ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ.
قَالَ ﵀ (وَلَهُ أَقَلُّ النَّصِيبَيْنِ) يَعْنِي لَوْ مَاتَ أَبُوهُ كَانَ لَهُ الْأَقَلُّ مِنْ نَصِيبِ الذَّكَرِ وَمِنْ نَصِيبِ الْأُنْثَى فَإِنَّهُ يَنْظُرُ نَصِيبَهُ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرٌ وَعَلَى أَنَّهُ أُنْثَى فَيُعْطِي الْأَقَلَّ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ مَحْرُومًا عَلَى أَحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِثَالُهُ: أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَحَدُهُمَا خُنْثَى مُشْكِلٌ كَانَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا لِلْأَخِ الثُّلُثَانِ، وَلِلْخُنْثَى الثُّلُثُ فَيُقَدَّرُ أُنْثَى؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ وَلَوْ قُدِّرَ ذَكَرًا كَانَ لَهُ النِّصْفُ.
وَلَوْ تَرَكَتْ امْرَأَةٌ زَوْجًا، وَأُمًّا وَأُخْتًا لِأَبٍ وَأُمٍّ هِيَ خُنْثَى كَانَ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ مِنْ النِّصْفِ الْبَاقِي وَلِلْخُنْثَى مَا بَقِيَ وَهُوَ السُّدُسُ عَلَى أَنَّهُ عَصَبَةٌ، وَلَوْ قُدِّرَ أُنْثَى كَانَ لَهُ النِّصْفُ وَكَانَتْ الْمَسْأَلَةُ تَعُولُ إلَى ثَمَانِيَةٍ.
وَلَوْ تَرَكَتْ زَوْجًا وَأُمًّا وَأَخَوَيْنِ مِنْ أُمٍّ وَأَخًا لِأَبٍ وَأُمٍّ هُوَ خُنْثَى كَانَ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلْأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ الثُّلُثُ وَلَا شَيْءَ لِلْخُنْثَى؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ وَلَمْ يَفْضُلْ لَهُ شَيْءٌ وَلَوْ قُدِّرَ أُنْثَى كَانَ لَهُ النِّصْفُ فَعَالَتْ الْمَسْأَلَةُ إلَى تِسْعَةٍ.
وَلَوْ تَرَكَ الرَّجُلُ وَلَدَ أَخٍ هُوَ الْخُنْثَى وَعَمًّا لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ كَانَ الْمَالُ لِلْعَمِّ وَيُقَدَّرُ الْخُنْثَى أُنْثَى؛ لِأَنَّ بِنْتَ الْأَخِ لَا تَرِثُ وَلَوْ قُدِّرَ ذَكَرًا كَانَ الْمَالُ لَهُ دُونَ الْعَمِّ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْأَخِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَمِّ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لِلْخُنْثَى نِصْفُ مِيرَاثِ ذَكَرٍ وَنِصْفُ مِيرَاثِ أُنْثَى وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَالتَّوْزِيعُ عَلَى أَحْوَالٍ عِنْدَ الْجَهْلِ طَرِيقٌ مَعْهُودَةٌ فِي الشَّرْعِ كَمَا فِي الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ، وَالطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ إذَا تَعَذَّرَ الْبَيَانُ فِيهِ بِمَوْتِ الْمَوْقِعِ قَبْلَ الْبَيَانِ، وَلَنَا أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ الْمِلْكِ ابْتِدَاءً فَلَا يَثْبُتُ مَعَ الشَّكِّ فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ الشَّكُّ فِي وُجُوبِ الْمَالِ بِسَبَبٍ آخَرَ غَيْرَ الْمِيرَاثِ بِخِلَافِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ مُتَيَقَّنٌ بِهِ وَهُوَ الْإِنْشَاءُ السَّابِقُ وَمَحَلِّيَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ، وَالْمُعْتَقَيْنِ بِحُكْمِ ذَلِكَ السَّبَبِ ثَابِتٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى السَّوَاءِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِالشَّكِّ.
قَالَ ﵀ (فَلَوْ مَاتَ أَبُوهُ وَتَرَكَ ابْنًا لَهُ سَهْمَانِ وَلِلْخُنْثَى سَهْمٌ) ؛ لِأَنَّهُ الْأَقَلُّ وَهُوَ مُتَيَقَّنٌ فَيَسْتَحِقُّهُ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ نِصْفُ مِيرَاثِ ذَكَرٍ وَنِصْفُ مِيرَاثِ أُنْثَى وَاخْتَلَفَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي تَخْرِيجِ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ أَرْبَعَةٍ لِلذَّكَرِ وَثَلَاثَةٍ لِلْخُنْثَى اُعْتُبِرَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَالَةَ انْفِرَادِهِ فَإِنَّ الذَّكَرَ لَوْ كَانَ وَحْدَهُ كَانَ كُلُّ الْمَالِ لَهُ، وَالْخُنْثَى إنْ كَانَ ذَكَرًا كَانَ لَهُ كُلُّ الْمَالِ وَإِذَا كَانَ أُنْثَى كَانَ لَهُ نِصْفُ الْمَالِ فَيَأْخُذُ نِصْفَ النَّصِيبَيْنِ نِصْفَ الْكُلِّ وَنِصْفَ النِّصْفِ وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ وَلِلِابْنِ كُلُّ الْمَالِ فَيَجْعَلُ كُلَّ رُبْعٍ سَهْمًا فَبَلَغَ سَبْعَةَ أَسْهُمٍ لِلِابْنِ أَرْبَعَةٌ وَلِلْخُنْثَى ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ وَلَيْسَ لِلْمَالِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ وَأَرْبَعَةُ أَرْبَاعٍ فَيُضْرَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِجَمِيعِ حَقِّهِ اعْتِبَارًا بِطَرِيقِ الْعَوْلِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا سَبْعَةٍ لِلِابْنِ أَيْضًا وَخَمْسَةٍ لِلْخُنْثَى وَيُعْتَبَرُ هُوَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَالَةِ الِاجْتِمَاعِ فَيَقُولُ لَوْ كَانَ الْخُنْثَى ذَكَرًا كَانَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَلَوْ كَانَ أُنْثَى كَانَ أَثْلَاثًا فَالْقِسْمَةُ عَلَى تَقْدِيرِ ذُكُورَتِهِ مِنْ اثْنَيْنِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أُنُوثَتِهِ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مُوَافَقَةٌ فَيُضْرَبُ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى تَبْلُغُ سِتَّةً لِلْخُنْثَى عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أُنْثَى سَهْمَانِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ ذَكَرٌ ثَلَاثَةٌ فَلَهُ نِصْفُ النَّصِيبَيْنِ وَلَيْسَ لِلثَّلَاثَةِ نِصْفٌ صَحِيحٌ فَيُضْرَبُ السِّتَّةُ فِي اثْنَيْنِ تَبْلُغُ اثْنَيْ عَشَرَ فَيَكُونُ لِلْخُنْثَى سِتَّةٌ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ ذَكَرٌ وَلَه أَرْبَعَةٌ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أُنْثَى فَيَأْخُذُ نِصْفَ النَّصِيبَيْنِ خَمْسَةً؛ لِأَنَّ نِصْفَ السِّتَّةِ ثَلَاثَةٌ وَنِصْفَ الْأَرْبَعَةِ اثْنَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ الِابْنَ يَأْخُذُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سَبْعَةً؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الِابْنِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْخُنْثَى ذَكَرٌ سِتَّةٌ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أُنْثَى ثَمَانِيَةٌ فَنِصْفُ النَّصِيبَيْنِ سَبْعَةٌ وَلَوْ كَانَ مَعَهَا بِنْتٌ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ تِسْعَةٍ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الْبِنْتِ النِّصْفُ حَالَةَ انْفِرَادِهَا وَلِلِابْنِ الْكُلُّ وَلِلْخُنْثَى ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ حَالَ انْفِرَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَيُجْعَلُ كُلُّ رُبْعٍ سَهْمًا تَبْلُغُ تِسْعَةً وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهُ خُمُسٌ وَثُمُنٌ؛ لِأَنَّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ ذَكَرٌ كَانَ لَهُ خُمُسَانِ فَلَهُ نِصْفٌ وَهُوَ الْخُمُسُ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أُنْثَى كَانَ لَهُ رُبُعٌ فَلَهُ نِصْفُهُ وَهُوَ الثُّمُنُ فَمَخْرَجُ الْخُمُسِ مِنْ خَمْسَةٍ وَمَخْرَجُ الثُّمُنِ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مُوَافَقَةٌ فَتُضْرَبُ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى تَبْلُغُ أَرْبَعِينَ وَمِنْهَا تَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ لِلْخُنْثَى خُمُسُهَا ثَمَانِيَةٌ وَثُمُنُهَا خَمْسَةٌ فَاجْتَمَعَ لَهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَالْبِنْتُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ ذَكَرٌ خُمُسَانِ وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أُنْثَى رُبُعٌ وَهُوَ عَشْرَةٌ فَيَكُونُ لَهُ نِصْفُ النَّصِيبَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَالِابْنُ خُمُسَانِ عَلَى تَقْدِيرِ ذُكُورَتِهِ وَنِصْفٌ عَلَى تَقْدِيرِ أُنُوثَتِهِ فَلَهُ نِصْفُ النَّصِيبَيْنِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَعَلَى هَذَا تَخْرُجُ الْمَسَائِلُ وَلَوْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ
стр. 3075
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسَائِلُ شَتَّى]
[إيمَاءُ الْأَخْرَسِ وَكِتَابَتُهُ ومسائل متفرقة تتعلق بالكتابة والشهادة]
(مَسَائِلُ شَتَّى)
قَدْ كَانَتْ عَادَةُ الْمُصَنَّفِينَ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ آخِرَ الْكِتَابِ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ مِنْ الْمَسَائِلِ اسْتِدْرَاكًا لِلْفَائِتِ وَيُتَرْجِمُونَ لِتِلْكَ الْمَسَائِلِ بِمَسَائِلَ شَتَّى أَوْ بِمَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ فَعَمِلَ الْمُصَنِّفُ هُنَا أَيْضًا كَذَلِكَ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِمْ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَسَائِلُ شَتَّى أَيْ مُتَفَرِّقَةٍ وَهُوَ جَمْعُ شَتِيتٍ وَهُوَ التَّفَرُّقُ فَإِنْ قُلْت جَاءَنِي الْقَوْمُ شَتَّى يَكُونُ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ أَيْ مُتَفَرِّقِينَ قَالَ ﵀ (إيمَاءُ الْأَخْرَسِ وَكِتَابَتُهُ كَالْبَيَانِ بِخِلَافِ مُعْتَقَلِ اللِّسَانِ فِي وَصِيَّتِهِ وَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَقَوَدٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا فَرْقَ بَيْنَ مُعْتَقَلِ اللِّسَانِ وَالْأَخْرَسِ، وَلَنَا أَنَّ الْإِشَارَةَ إنَّمَا تَقُومُ مَقَامَ الْعِبَارَةِ إذَا صَارَتْ مَعْهُودَةً وَذَلِكَ فِي الْأَخْرَسِ دُونَ مُعْتَقَلِ اللِّسَانِ حَتَّى لَوْ امْتَدَّ ذَلِكَ وَصَارَتْ إشَارَتُهُ مَعْهُودَةً صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْأَخْرَسِ، وَقَدَّرَ مُدَّةَ الِامْتِدَادِ فِي الْمُحِيطِ بِشَهْرٍ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقَدَّرَ التُّمُرْتَاشِيُّ الِامْتِدَادَ بِسَنَةٍ وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَبُو مُحَمَّدٍ رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ إذَا دَامَتْ الْعُقْلَةُ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِالْإِشَارَةِ وَيَجُوزُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ النُّطْقِ بِمَعْنًى لَا يُرْجَى زَوَالُهُ فَكَانَ كَالْأَخْرَسِ قَالَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَأَطْلَقَ فِي الْأَخْرَسِ فَشَمِلَ الْأَصْلِيَّ وَالْعَارِضَ وَالْمُرَادُ الْأَصْلِيُّ أَمَّا الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ حَيْثُ أَخَّرَ الْوَصِيَّةَ إلَى هَذَا الْوَقْتِ بِخِلَافِ الْأَخْرَسِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهِ وَلِأَنَّ الْعَارِضَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ دُونَ الْأَصْلِ فَلَا يُقَاسُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِذَا كَانَ إيمَاءُ الْأَخْرَسِ وَكِتَابَتُهُ كَالْبَيَانِ وَهُوَ النُّطْقُ بِاللِّسَانِ تَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ بِالْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ حَتَّى يَجُوزَ نِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ وَعِتْقُهُ وَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ تَكُونُ بَيَانًا مِنْ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ فَالْعَاجِزُ أَوْلَى وَلِأَنَّهُ ﷺ بَيَّنَ الشَّهْرَ بِالْإِشَارَةِ حَيْثُ قَالَ «الشَّهْرُ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ» قَالُوا وَالْكِتَابُ مِمَّنْ يَأْتِي بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ مِمَّنْ ذَكَرَ أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى بَعْضِ الْمُدَّعِي وَلَا يَدُلُّ عَلَى بَعْضِهِ الْآخَرِ بَلْ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ فَإِنَّ كِتَابَةَ الْأَخْرَسِ حُجَّةٌ فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الْحُدُودِ، وَهَذَا الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ كَوْنِهَا فِي الْحُدُودِ إذْ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْحُدُودِ وَمَا سِوَاهَا بَلْ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهَا حُجَّةً فِي الْحُدُودِ أَيْضًا إذَا كَانَتْ مُسْتَبِينَةً مَرْسُومَةً وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النُّطْقِ فِي الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ عَلَى مَا قَالُوا، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ النُّطْقِ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ أَيْضًا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً ضَرُورَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُجَّةً فِي الْحُدُودِ أَيْضًا كَمَا كَانَ النُّطْقُ حُجَّةً فِيهَا فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الْمَخْلَصِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الدَّلَالَةَ كَالْبَيَانِ هُوَ أَنَّهُ ﷺ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ بِالْكِتَابِ كَالْخِطَابِ فَإِذَا كَانَ خِطَابًا فِي حَقِّ الْقَادِرِ فَفِي حَقِّ الْأَخْرَسِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ عَجْزَهُ ظَاهِرٌ وَأَلْزَمُ عَادَةً؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ يَقْدِرُ عَلَى الْحُضُورِ بَلْ يَقْدِرُ ظَاهِرًا وَالْأَخْرَسُ لَا يَقْدِرُ عَلَى نُطْقٍ وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ عَلَى الدَّوَامِ، ثُمَّ الْكِتَابُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَرَاتِبَ مُسْتَبِينٌ وَمَرْسُومٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُعَنْوَنًا أَيْ مُصَدَّرٌ بِالْعِنْوَانِ وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ فِي صَدْرِهِ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي سَيْرِ الْكُتُبِ فَيَكُونُ هَذَا كَالنُّطْقِ فَيَلْزَمُ حُجَّةً وَمُسْتَبِينٌ غَيْرُ مَرْسُومٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْجُدْرَانِ وَأَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ أَوْ عَلَى الْكَاغِدِ لَا عَلَى وَجْهِ الرَّسْمِ فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ لَغْوًا؛ لِأَنَّهُ لَا عُرْفَ فِي إظْهَارِ الْأَمْرِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً إلَّا بِانْضِمَامِ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ كَالْبَيِّنَةِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ وَالْإِمْلَاءِ عَلَى الْغَيْرِ حَتَّى يَكْتُبَهُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ تَكُونُ تَجْرِبَةً وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّحْقِيقِ وَبِهَذِهِ الْإِشَارَةِ تَتَبَيَّنُ الْجِهَةُ وَقِيلَ الْإِمْلَاءُ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ لَا يَكُونُ حُجَّةً وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَغَيْرُ مُسْتَبِينٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْهَوَاءِ أَوْ الْمَاءِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ كَلَامٍ غَيْرِ مَسْمُوعٍ وَلَا يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ وَإِنْ نَوَى، وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ وَقَوَدٍ وَعَلَّلَ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الْقِصَاصَ فِيهِ مَعْنَى الْعِوَضِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ جَابِرًا فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ مَعَ الشُّبْهَةِ كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي هِيَ حَقُّ الْعَبْدِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فَشُرِعَتْ زَوَاجِرَ وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الْعِوَضِيَّةِ فَلَا تَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَا ذُكِرَ هَا هُنَا مِنْ جَوَازِ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ مَعَ الشُّبْهَةِ مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِيمَا مَرَّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْهَا كِتَابُ الْكَفَالَةِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ وَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْكُلِّ عَلَى الدَّرْءِ فَلَا يَجِبُ فِيهَا الِاسْتِيثَاقُ وَمِنْهَا كِتَابُ الشَّهَادَاتِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ وَلَا تُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ الْبَدَلِيَّةِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ شَهَادَةِ الرِّجَالِ فَلَا تُقْبَلُ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ ثُمَّ قَالَ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ جَائِزَةٌ فِي
стр. 3076
كُلِّ حَقٍّ لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَلَا تُقْبَلُ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَمِنْهَا كِتَابُ الْوَكَالَةِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ وَتَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِالْخُصُومَةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَكَذَا بِإِيفَائِهَا وَاسْتِيفَائِهَا إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَإِنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَصِحُّ بِاسْتِيفَائِهَا مَعَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ عَنْ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَكَذَا فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَمِنْهَا كِتَابُ الْجِنَايَاتِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْهُ بِعَدَمِ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ بِالشُّبْهَةِ بَلْ جَعَلَهَا أَصْلًا مُؤَثِّرًا فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ وَفَرَّعَ عَلَيْهِ كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِ سُقُوطِ الْقِصَاصِ بِتَحَقُّقِ نَوْعٍ مِنْ الشُّبْهَةِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا لَا يَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ فِي تَمَامِ ذَلِكَ الْكِتَابِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَيْدَ الْخَالِصَةِ فِي قَوْلِهِ أَمَّا الْحُدُودُ الْخَالِصَةُ لِلَّهِ تَعَالَى فَشُرِعَتْ زَوَاجِرَ مُسْتَدْرَكٌ فَإِنَّ حَدَّ الْقَذْفِ غَيْرُ خَالِصٍ لِلَّهِ تَعَالَى بَلْ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ.
كَمَا صَرَّحُوا بِهِ عَلَى أَنَّهُ زَاجِرٌ لَا يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ وَلَا تَكُونُ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ حُجَّةً فِيهِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ لَا يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ فِيمَا مَرَّ آنِفًا فَلَا يَتِمُّ التَّفْرِيقُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ الْإِشَارَةُ وَالْكِتَابَةُ كَالْبَيَانِ دَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ مُعْتَبَرَةٌ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ أَشَارَ وَكَتَبَ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَلَنَا فِي دَعْوَى الْجَمِيعِ بَيْنَهُمَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَإِذَا كَانَ الْأَخْرَسُ يَكْتُبُ أَوْ يُومِئُ وَكَلِمَةُ أَوَّلًا حَدُّ الشَّيْئَيْنِ لَا لِلْجَمْعِ عَلَى أَنَّا نَقُولُ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَ الْأَخْرَسُ لَا يَكْتُبُ وَكَانَتْ لَهُ إشَارَةٌ تُعْرَفُ فِي نِكَاحِهِ وَطَلَاقِهِ وَشِرَائِهِ وَبَيْعِهِ فَهُوَ جَائِزٌ وَيُعْلَمُ مِنْ إشَارَةِ رِوَايَةِ الْأَصْلِ أَنَّ الْإِشَارَةَ مِنْ الْأَخْرَسِ لَا تُعْتَبَرُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ حُكْمُ إشَارَةِ الْأَخْرَسِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكْتُبَ فَافْهَمْ إلَى هُنَا قَالَ ﵀ (لَا فِي حَدٍّ) يَعْنِي إشَارَتَهُ لَا تَكُونُ كَالْبَيَانِ فِي الْحُدُودِ لِأَنَّهَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبْهَةِ لِكَوْنِهَا حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِهَا وَلَعَلَّهُ كَانَ مُصَدِّقًا لِلْقَاذِفِ إنْ قَذَفَ هُوَ فَلَا يَتَيَقَّنُ بِطَلَبِهِ الْحَدُّ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْقَاذِفَ فَقَذْفُهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَالْحَدُّ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْقَذْفِ بِصَرِيحِ الزِّنَا، وَفِي الْقِصَاصِ اُعْتُبِرَ طَلَبُهُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ وَهَذَا لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَثْبُتُ بِبَيَانٍ فِيهِ شُبْهَةٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الشُّهُودَ لَوْ شَهِدُوا بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ أَوْ أَقَرَّ هُوَ بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَوْ شَهِدُوا بِالْقَتْلِ الْمُطْلَقِ أَوْ أَقَرَّ بِمُطْلَقِ الْقَتْلِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِالتَّعَمُّدِ وَهَذَا لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ جَابِرًا فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ مَعَ الشُّبْهَةِ كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي هِيَ حَقُّ الْعَبْدِ، أَمَّا الْحُدُودُ الْخَالِصَةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى جُعِلَتْ زَاجِرَةً لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الْبَدَلِيَّةِ أَصْلًا فَلَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ أَنَّ الْكِتَابَ مِنْ الْغَائِبِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي قِصَاصٍ يَجِبُ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي الْأَخْرَسِ كَذَلِكَ فَيَكُونُ فِي الْغَائِبِ وَالْأَخْرَسِ رِوَايَتَانِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُفَارِقًا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ فِي الْجُمْلَةِ فَيُعْتَبَرُ بِالنُّطْقِ وَلَا كَذَلِكَ الْأَخْرَسُ لِتَعَذُّرِ وُجُودِ النُّطْقِ فِي حَقِّهِ لِلْآفَةِ الَّتِي بِهِ فَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ مُعْتَبَرَةٌ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكِتَابَةِ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ أَنَّ الْإِشَارَةَ لَا تُعْتَبَرُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكِتَابَةِ قَالُوا: لِأَنَّ الْإِشَارَةَ حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ وَلَا ضَرُورَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكِتَابَةِ قُلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَفِي الْكِتَابَةِ زِيَادَةُ بَيَانٍ لَمْ تُوجَدْ فِي الْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الْبَيَانِ فِي الْكِتَابَةِ مَعْلُومَةٌ حِسًّا وَعَيَانًا، وَفِي الْإِشَارَةِ زِيَادَةُ أَثَرٍ لَمْ تُوجَدْ فِي الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيَانِ هُوَ الْكَلَامُ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ لَهُ وَالْإِشَارَةُ أَقْرَبُ إلَيْهِ لِأَنَّ الْعِلْمَ الْحَاصِلَ بِهَا حَاصِلٌ بِمَا هُوَ مُفَصَّلٌ بِالتَّكَلُّمِ وَهُوَ إشَارَتُهُ بِيَدِهِ أَوْ بِرَأْسِهِ صَارَتْ أَقْرَبَ إلَى النُّطْقِ مِنْ آثَارِ الْأَقْلَامِ فَاسْتَوَيَا وَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْآخَرِ بَلْ يُخَيَّرُ وَلِهَذَا ذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ أَوْ الَّتِي لِلتَّخْيِيرِ وَقَالُوا فِيمَنْ صَمَتَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ الْحُكْمُ كَالْمُعْتَقَلِ اللِّسَانِ.
[مسائل متفرقة في التحري في الذكاة والنجاسة]
قَالَ ﵀ (غَنَمٌ مَذْبُوحَةٌ وَمَيِّتَةٌ فَإِنْ كَانَتْ الْمَذْبُوحَةُ أَكْثَرَ تَحَرَّى وَأَكَلَ وَإِلَّا لَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَلَنَا أَنَّ الْغَلَبَةَ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ فِي إفَادَةِ الْإِبَاحَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَسْوَاقَ الْمُسْلِمِينَ لَا تَخْلُو عَنْ الْمُحَرَّمِ مِنْ مَسْرُوقٍ وَمَغْصُوبٍ وَمَعَ ذَلِكَ يُبَاحُ التَّنَاوُلُ اعْتِمَادًا عَلَى الظَّاهِرِ وَهَذَا لِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَلَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ كَقَلِيلِ النَّجَاسَةِ فِي الْبَدَنِ أَوْ الثَّوْبِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْمَيْتَةُ أَكْثَرَ أَوْ اسْتَوَيَا؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ فَيُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ فَلَا تُؤْكَلُ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ طُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الثِّيَابِ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إذَا كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ أَحَدُهُمَا نَجِسٌ وَالْآخَرُ طَاهِرٌ وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ مَعَهُ ثَوْبٌ غَيْرُهُمَا فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى وَيُصَلِّي فِي الَّذِي يَقَعُ تَحَرِّيهِ أَنَّهُ طَاهِرٌ
стр. 3077
فَقَدْ جَوَّزَ هُنَاكَ التَّحَرِّيَ فِيمَا إذَا كَانَ الثَّوْبُ النَّجِسُ وَالطَّاهِرُ نِصْفَيْنِ وَفِي الْمُذْكِيَةِ وَالْمَيْتَةِ لَمْ يُجَوِّزْ وَأُجِيبَ بِأَنَّ وَجْهَ الْفَرْقِ هُوَ أَنَّ حُكْمَ الثِّيَابِ أَخَفُّ مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّ الثِّيَابَ لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا نَجِسَةً كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَعْضِهَا ثُمَّ لَا يُعِيدُ صَلَاتَهُ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ عَلَى الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْغَنَمِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا ثَوْبٌ نَجِسٌ فَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ نَجِسًا وَرُبْعُهُ طَاهِرًا يُصَلِّي فِيهِ وَلَا يُصَلِّي عُرْيَانًا بِالْإِجْمَاعِ فَلَمَّا جَازَتْ صَلَاتُهُ وَهُوَ نَجِسٌ بِيَقِينٍ فَلَأَنْ يَجُوزَ بِالتَّحَرِّي حَالَةَ الِاشْتِبَاهِ أَوْلَى. اهـ.
أَقُولُ: الْجَوَابُ عِنْدِي وَالسُّؤَالُ فِيهِمَا نَظَرٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ تَجْوِيزَ التَّحَرِّي فِيمَا إذَا كَانَ الثَّوْبُ النَّجِسُ وَالطَّاهِرُ نِصْفَيْنِ إنَّمَا هُوَ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَصَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْحَالَةُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ فَيُبَاحُ لَهُ التَّنَاوُلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَلَا تَتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ رَأْسًا لِظُهُورِ اخْتِلَافِ حُكْمِ الْحَالَيْنِ الِاخْتِيَارِ وَالِاضْطِرَارِ قَطْعًا، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِيهِ لَا يَقْتَضِي كَوْنَ حُكْمِ الثِّيَابِ أَخَفَّ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهَا لِأَنَّ جَوَازَ الصَّلَاةِ فِي بَعْضِ الثِّيَابِ عِنْدَ كَوْنِ كُلِّهَا نَجِسَةً فَعَدَمُ لُزُومِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ إذْ ذَاكَ إذْ هُوَ فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ الْمُجِيبُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى الصَّلَاةِ فِيهَا وَكَوْنُ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْغُنْمِ بِخِلَافِ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ كَمَا تَحَقَّقَتْهُ فَمِنْ أَيْنَ يَثْبُتُ حُكْمُ كَوْنِ الثِّيَابِ أَخَفَّ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهَا مُطْلَقًا حَتَّى يَصْلُحَ أَنْ يُجْعَلَ مَدَارًا لِلْفَرْقِ بَيْنَ تِلْكَ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
قَالَ ﵀ (لَفُّ ثَوْبٍ نَجِسٍ رَطْبٍ فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ يَابِسٍ فَظَهَرَ رُطُوبَتُهُ عَلَى الثَّوْبِ وَلَكِنْ لَا يَسِيلُ إذَا عُصِرَ لَا يَتَنَجَّسُ) وَذَكَرَ الْمَرْغِينَانِيُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْيَابِسُ هُوَ الطَّاهِرَ يَتَنَجَّسُ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ قَلِيلًا مِنْ النَّجِسِ الرَّطْبِ وَإِنْ كَانَ الْيَابِسُ هُوَ النَّجِسَ وَالطَّاهِرُ هُوَ الرَّطْبَ لَا يَتَنَجَّسُ؛ لِأَنَّ الْيَابِسَ هُوَ النَّجِسُ يَأْخُذُ مِنْ الطَّاهِرِ وَلَا يَأْخُذُ الرَّطْبُ مِنْ الْيَابِسِ شَيْئًا وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّطْبُ يَنْفَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ وَفِي لَفْظِهِ إشَارَةٌ إلَيْهِ حَيْثُ نَصَّ عَلَى أَخْذِ اللَّيْلَةِ وَعَلَى هَذَا إذَا نُشِرَ الثَّوْبُ الْمَبْلُولُ عَلَى مَحَلٍّ نَجِسٍ هُوَ يَابِسٌ لَا يَتَنَجَّسُ الثَّوْبُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى وَقَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ إذَا نَامَ الرَّجُلُ عَلَى فِرَاشٍ فَأَصَابَهُ مَنِيٌّ وَيَبِسَ وَعَرِقَ الرَّجُلُ وَابْتَلَّ الْفِرَاشُ مِنْ عَرَقِهِ إنْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ الْبَلَلِ فِي بَدَنِهِ لَا يَتَنَجَّسُ بَدَنُهُ، وَإِنْ كَانَ الْعَرَقُ كَثِيرًا حَتَّى ابْتَلَّ الْفِرَاشُ ثُمَّ أَصَابَ تِلْكَ الْفِرَاشُ جَسَدَهُ فَظَهَرَ أَثَرُهُ فِي جَسَدِهِ يَتَنَجَّسُ بَدَنُهُ، وَكَذَا الرَّجُلُ إذَا غَسَلَ رِجْلَهُ وَمَشَى عَلَى أَرْضٍ نَجِسَةٍ بِغَيْرِ مُكَعَّبٍ فَابْتَلَّ الْأَرْضُ مِنْ بَلَلِ رِجْلِهِ وَاسْوَدَّ وَجْهُ الْأَرْضِ لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ تِلْكَ الْأَرْضِ فِي رِجْلِهِ وَصَلَّى جَازَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ بَلَلُ الْمَاءِ فِي الرِّجْلِ كَثِيرًا حَتَّى ابْتَلَّ وَجْهُ الْأَرْضِ وَصَارَ طِينًا ثُمَّ أَصَابَ الطِّينُ رِجْلَهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَلَوْ مَشَى عَلَى أَرْضٍ نَجِسَةٍ رَطْبَةٍ وَرِجْلُهُ يَابِسَةٌ تَنَجَّسَ.
قَالَ ﵀ (رَأْسُ شَاةٍ مُتَلَطِّخٌ بِدَمٍ أُحْرِقَ وَزَالَ عَنْهُ الدَّمُ فَاِتَّخَذَ مِنْهُ مَرَقَةً جَازَ وَالْحَرْقُ كَالْغُسْلِ) لِأَنَّ النَّارَ تَأْكُلُ مَا فِيهِ مِنْ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ أَوْ يُحِيلُهُ فَيَصِيرُ الدَّمُ رَمَادًا فَيَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ، وَلِهَذَا لَوْ حُرِقَتْ الْعَذِرَةُ وَصَارَتْ رَمَادًا طَهُرَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ كَالْخَمْرِ إذَا تَخَلَّلَتْ وَكَالْخِنْزِيرِ إذَا وَقَعَ فِي الْمُمَلَّحَةِ وَصَارَ مِلْحًا وَعَلَى هَذَا قَالُوا إذَا تَنَجَّسَ التَّنُّورُ يَطْهُرُ بِالنَّارِ حَتَّى لَا يُنَجِّسَ الْخُبْزَ وَكَذَلِكَ آلَةُ الْخَبَّازِ تَطْهُرُ بِالنَّارِ.
[مسائل متفرقة في الخراج والعشر]
وَقَالَ ﵀ (سُلْطَانٌ جَعَلَ الْخَرَاجَ لِرَبِّ الْأَرْضِ جَازَ وَإِنْ جَعَلَ الْعُشْرَ لَا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ صَاحِبَ الْخَرَاجِ لَهُ حَقٌّ فِي الْخَرَاجِ فَصَحَّ تَرْكُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صِلَةٌ مِنْ الْإِمَامِ وَالْعُشْرُ حَقُّ الْفُقَرَاءِ عَلَى الْخُلُوصِ كَالزَّكَاةِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْفَتْوَى.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ دَفَعَ الْأَرَاضِيَ الْمَمْلُوكَةَ إلَى قَوْمٍ لِيُعْطُوا الْخَرَاجَ جَازَ) مَعْنَاهُ أَنَّ أَصْحَابَ الْأَرَاضِي إذَا عَجَزُوا عَنْ زِرَاعَةِ الْأَرْضِ وَأَدَاءِ الْخَرَاجِ دَفَعَ الْإِمَامُ الْأَرَاضِيَ إلَى غَيْرِهِمْ بِالْأُجْرَةِ، أَيْ يُؤَاجِرُ الْأَرَاضِيَ لِلْقَادِرِينَ عَلَى الزِّرَاعَةِ وَيَأْخُذُ الْخَرَاجَ مِنْ أُجْرَتِهَا فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ أُجْرَتِهَا يُدْفَعُ إلَى أَرْبَابِهَا وَهُمْ الْمُلَّاكُ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِإِزَالَةِ مِلْكِهِمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا وَجْهَ إلَى تَعْطِيلِ حَقِّ الْمُقَاتَلَةِ فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَأْجِرُهَا بَاعَهَا الْإِمَامُ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الزِّرَاعَةِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَبِعْهَا يَفُوتُ حَقُّ الْمُقَاتَلَةِ فِي الْخَرَاجِ أَصْلًا، وَلَوْ بَاعَ يَفُوتُ حَقُّ الْمَالِكِ فِي الْعَيْنِ وَالْفَوَاتُ إلَى خَلَفٍ كَلَا فَوَاتٍ فَيَبِيعُ تَخْفِيفًا لِلنَّظَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَهَا غَيْرَهُمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَإِذَا بَاعَهَا يَأْخُذُ الْخَرَاجَ الْمَاضِيَ مِنْ الثَّمَنِ إذَا كَانَ عَلَيْهِمْ خَرَاجٌ وَرَدَّ الْفَضْلَ إلَى أَصْحَابِهَا ثُمَّ قِيلَ هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الْقَاضِي يَمْلِكُ بَيْعَ مَالِ الْمَدْيُونِ بِالدَّيْنِ وَالنَّفَقَةِ
стр. 3078
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ فَلَا يَبِيعُهَا لَكِنْ يَأْمُرُ صَاحِبَهَا بِبَيْعِهَا وَقِيلَ هَذَا قَوْلُ الْكُلِّ وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ أَنَّ فِي هَذَا إضْرَارًا خَاصًّا وَنَفْعًا عَامًا وَالنَّفْعُ الْعَامُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الضَّرَرِ الْخَاصِّ وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَةِ الْأَرْضِ فَصَارَ كَدَيْنِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَدَيْنِ الْمَيِّتِ فِي التَّرِكَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَمْلِكُ الْبَيْعَ فِيهِمَا لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِالرَّقَبَةِ فَكَذَا هَذَا وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ أَهْلَ الْخَرَاجِ إذَا هَرَبُوا إنْ شَاءَ الْإِمَامُ عَمَّرَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَالْغَلَّةُ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ إلَى قَوْمٍ وَأَطْعَمَهُمْ عَلَى شَيْءٍ إذْ كَأَنَّهُ مَا يَأْخُذُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ فِيهِ حِفْظَ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْمِلْكِ عَلَى أَرْبَابِهَا فَإِذَا عَمَّدَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ يَكُونُ بِقَدْرِ مَا يُنْفِقُ فِي عِمَارَتِهَا قَرْضًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ مَأْمُورٌ بِتَهْيِئَةِ بَيْتِ الْمَالِ بِأَيِّ وَجْهٍ يَتَهَيَّأُ لَهُ.
[مسائل متفرقة في قضاء الصيام والصلاة]
قَالَ ﵀ (وَلَوْ نَوَى قَضَاءَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْيَوْمَ صَحَّ وَلَوْ عَنْ رَمَضَانَيْنِ كَقَضَاءِ الصَّلَاةِ صَحَّ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ أَوَّلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَوْ آخِرَ صَلَاةٍ عَلَيْهِ) مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَوْمِ يَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ فَقَضَاهُ نَاوِيًا عَنْهُ وَلَمْ يُعَيِّنْ أَنَّهُ عَنْ يَوْمِ كَذَا جَازَ فَكَذَا لَوْ صَامَ وَنَوَى عَنْ يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ عَنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ وَلَوْ نَوَى عَنْ رَمَضَانَيْنِ أَيْضًا يَجُوزُ وَكَذَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الصَّلَاةَ وَيَوْمَهَا وَلَمْ يَنْوِ أَوَّلَ صَلَاةٍ عَلَيْهِ وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي رَمَضَانَ وَاحِدٍ وَلَا يَجُوزُ فِي رَمَضَانَيْنِ مَا لَمْ يُعَيَّنْ أَنَّهُ صَائِمٌ عَنْ رَمَضَانَ سَنَةَ كَذَا عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَكَذَا فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يُعَيِّنْ الصَّلَاةَ وَيَوْمَهَا بِأَنْ عَيَّنَ ظُهْرَ يَوْمِ كَذَا مَثَلًا وَلَوْ نَوَى أَوَّلَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ أَوْ آخِرَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ تَعَيَّنَتْ بِتَعَيُّنِهِ، وَكَذَا الْوَقْتُ يُعَيَّنُ لِكَوْنِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا فَإِنْ نَوَى أَوَّلَ صَلَاةٍ عَلَيْهِ وَصَلَّى مِمَّا يَلِيهِ يَصِيرُ أَوَّلًا أَيْضًا فَيَدْخُلُ فِي نِيَّتِهِ أَوَّلُ ظُهْرٍ عَلَيْهِ ثَانِيًا وَكَذَلِكَ ثَالِثًا إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى، وَكَذَا الْآخَرُ وَهَذَا مَخْلَصُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْأَوْقَاتَ الَّتِي فَاتَتْهُ أَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ أَوْ أَرَادَ التَّسْهِيلَ عَلَى نَفْسِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْفُرُوضَ مُتَزَاحِمَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ مَا يُرِيدُ أَدَاءَهُ حَتَّى تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ فَرْضًا مِنْ الْفُرُوضِ لَا يَتَأَدَّى بِنِيَّةِ فَرْضٍ آخَرَ فَكَذَا هَذَا وَوَجَبَ التَّعْيِينُ وَالشَّرْطُ تَعْيِينُ الْجِنْسِ بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِتَمْيِيزِ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ وَلِهَذَا يَكُونُ التَّعْيِينُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَغْوًا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَالتَّصَرُّفِ إذَا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ يَكُونُ نِيَّتُهُ لَغْوًا وَيُعْرَفُ اخْتِلَافُ الْجِنْسِ بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ وَالصَّلَوَاتُ كُلُّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمُخْتَلِفِ حَتَّى الظُّهْرَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ وَالْعَصْرَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمٍ غَيْرُ وَقْتِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمٍ آخَرَ حَقِيقَةً وَحُكْمًا؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِوَقْتٍ يَجْمَعُهُمَا بَلْ بِدُلُوكِ الشَّمْسِ وَنَحْوِهِ.
وَالدُّلُوكُ فِي يَوْمٍ غَيْرُ الدُّلُوكِ فِي يَوْمٍ آخَرَ بِخِلَافِ صَوْمِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِشُهُودِ الشَّهْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَهُوَ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا فَلِذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى تَعْيِينِ صَوْمِ كَذَا حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فَصَامَهُ بِنِيَّةِ يَوْمٍ آخَرَ وَكَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَوْمِ يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَصَامَ نَاوِيًا عَنْ قَضَاءِ يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ، بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى عَنْ رَمَضَانَيْنِ أَوَعَنْ رَمَضَانَ آخَرَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ وَصَارَ كَمَا إذَا نَوَى ظُهْرَيْنِ أَوْ ظُهْرًا عَنْ عَصْرٍ أَوْ نَوَى ظُهْرَ يَوْمِ السَّبْتِ وَعَلَيْهِ ظُهْرُ يَوْمِ الْخَمِيسِ، وَعَلَى هَذَا أَدَاءُ الْكَفَّارَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّعْيِينِ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ وَلَوْ عَيَّنَ لَغَا وَفِي الْأَجْنَاسِ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَفَاصِيلَهَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ فِي كِتَابِ الْكَفَّارَاتِ نِيَّةَ التَّعَيُّنِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تُشْتَرَطْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْوَاجِبَ مُخْتَلِفٌ مُتَعَدِّدٌ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ إلَّا بِنِيَّةِ التَّعَيُّنِ حَتَّى لَوْ سَقَطَ التَّرْتِيبُ بِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ يَكْفِيهِ نِيَّةُ الظُّهْرِ لَا غَيْرُ وَهَذَا مُشْكِلٌ، وَمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا مِثْلُ قَاضِي خَانْ وَغَيْرُهُ خِلَافُ ذَلِكَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى وَلِأَنَّ الْأَمْرَ كَمَا كَانَ قَالَهُ لِجَوَازِهِ مَعَ وُجُودِ التَّرْتِيبِ أَيْضًا لِإِمْكَانِ صَرْفِهِ إلَى الْأَوَّلِ إذْ لَا يَجِبُ التَّعْيِينُ عِنْدَهُ وَلَا يُفِيدُ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ ابْتَلَعَ رِيقَ غَيْرِهِ كَفَّرَ لَوْ صَدِيقَهُ وَإِلَّا لَا) أَيْ لَوْ ابْتَلَعَ الصَّائِمُ رِيقَ غَيْرِهِ.
فَإِنْ كَانَ بُزَاقَ صَدِيقِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَدِيقَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الرِّيقَ تَعَافُّهُ النَّفْسُ وَتَسْتَقْذِرُهُ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ صَدِيقِهِ فَصَارَ كَالْعَجِينِ وَنَحْوِهِ مِمَّا تَعَافُّهُ النَّفْسُ وَإِنْ كَانَ مِنْ صَدِيقِهِ لَا تَعَافُّهُ فَصَارَ كَالْخُبْزِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ.
[قَتْلُ بَعْضِ الْحَاجِّ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْحَجِّ]
قَالَ ﵀ (قَتْلُ بَعْضِ الْحَاجِّ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْحَجِّ) ؛ لِأَنَّ أَمْنَ الطَّرِيقِ شَرْطُ الْوُجُوبِ أَوْ شَرْطٌ لِلْأَدَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْمَنَاسِكِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ قَتْلِ بَعْضِ الْحُجَّاجِ فِي الطَّرِيقِ لِلْحَجِّ فَكَانَ مَعْذُورًا فِي تَرْكِ الْحَجِّ فَلَا يَأْثَمُ بِذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا مُسْتَوْفَاةً فِي الْمَنَاسِكِ وَذَكَرْنَا الْخِلَافَ فَلَا نُعِيدُهَا وَلَك
стр. 3079
أَنْ تَقُولَ الْقَوْلُ الْمُخْتَارُ فِيمَا إذَا كَانَ بَيْنَك وَبَيْنَ مَكَّةَ بَحْرٌ كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ السَّلَامَةَ يَجِبُ الْحَجُّ وَإِلَّا لَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ هُنَا وَيُقَالُ إنْ كَانَ الْغَالِبُ فِي الطَّرِيقِ إلَّا مَنْ يَجِبُ وَإِلَّا لَا.
[مسائل متفرقة في انعقاد النكاح والنشوز]
قَالَ ﵀ (تُوزَنُ مِنْ شَدِّي) يَعْنِي أَنْت صِرْت زَوْجَةً لِي (فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ شدم) يَعْنِي صِرْت لَمْ يَنْعَقِدْ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَقَوْلُهُ تَوّ بِضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَسُكُونِ الْوَاوِ مَعْنَاهُ أَنْتِ وَقَوْلُهُ زَنْ بِفَتْحِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالنُّونِ هُوَ اسْمٌ لِلْمَرْأَةِ وَقَوْلُهُ مَنْ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالنُّونِ وَمَعْنَاهُ أَنَا وَقَوْلُهُ شدم بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فِي آخِرِهِ مِيمٌ آخِرُ الْحُرُوفِ سَاكِنَةً مَعْنَاهُ صِرْت وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَتَصَرَّفُ كَاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ فَمَصْدَرُهُ شِدَّن وَالْمَاضِي شُدْ وَالْمُضَارِعُ شُودَا إذَا أُرِيدَ الْإِخْبَارُ عَنْ الْجَمْعِ يُقَال شُدِيمْ بِكَسْرِ الدَّالِ وَزِيَادَةِ الْيَاءِ آخِرَ الْحَرْفِ بَعْدَ الدَّالِ قَبْلَ مِيمِ الْمُتَكَلِّمَ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَةٍ خويشتن رازن مِنْ كردا يندى) مَعْنَاهُ هَلْ جَعَلْت نَفْسَك لِي زَوْجَةً فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ فِي جَوَابِهِ كردا يندم يَعْنِي جَعَلْت وَقَالَ الرَّجُلُ بِزَيْرِ فَتِمْ يَعْنِي قَبِلْت يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ مُتَمَّمًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ قَوْلُهُ خويشتن يُؤَدِّي مَعْنَى " نَفْسُك " وَهُوَ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ يُكْتَبُ بِالْوَاوِ بَعْدَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهَا وَكَذَلِكَ الْيَاءُ بَعْدَ الْوَاوِ وَشِينٌ مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَهَا تَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقُ مَفْتُوحَةٌ وَفِي آخِرِهِ نُونٌ وَقَوْلُهُ را بِفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا أَلِفٌ سَاكِنَةٌ تُؤَدِّي مَعْنَى التَّخْصِيصِ لِلْإِشَارَةِ بِهَا وَهِيَ مَفْعُولٌ وَقَوْلُهُ مِنْ يَعْنِي أَنَا وَقَوْلُهُ كردانيدي بِالْكَافِ الصَّمَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَالرَّاءِ السَّاكِنَةِ وَالدَّالِ الْمَفْتُوحَةِ وَالنُّونِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا أَلِفٌ وَبَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ وَدَالٌ مُهْمَلَةٌ مَكْسُورَةٌ وَفِي آخِرِهِ يَاءٌ أُخْرَى سَاكِنَةٌ وَهَذِهِ لِلْخِطَابِ تُؤَدِّي مَعْنَى الْجَعْلِ وَالتَّصْيِيرِ وَقَوْلُهُ كردايندم كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لِلْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ، وَكَذَلِكَ لِلْمُخَاطَبَةِ إذَا زِيدَ يَاءٌ بَعْدَ الدَّالِ مِثْلُ كردانيدي وَإِذَا أُرِيدَ جَمْع الْمُخَاطَبِ يُزَادُ بَعْدَ الدَّالِ يَاءُ الْمُخَاطَبِ مِثْلُ كردانيد بد وَإِذَا أُرِيدَ الْمُتَكَلِّمُ مَعَ الْغَيْرِ يُزَادُ فِيهِ يَاءٌ بَعْدَ الدَّالِ وَقَبْلَ الْمِيمِ وَيُقَالُ كردانيديم وَقَوْلُهُ بزير فتم بِفَتْحِ الْبَاءِ الصَّمَّاءِ يَكُونُ مَخْرَجُهُ قَرِيبًا مِنْ مَخْرَجِ الْفَاءِ وَبِكَسْرِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ وَبَعْدَهَا رَاءٌ مَفْتُوحَةٌ وَبَعْدَهَا فَاءٌ سَاكِنَةٌ وَبَعْدَهَا تَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقُ مَفْتُوحَةٌ وَفِي آخِرٍ مِيمٌ سَاكِنَةٌ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ دوختر خويشتن رابيسر مِنْ أَرَزَانِي داشتي) مَعْنَاهُ هَلْ جَعَلْت ابْنَتَك لَائِقَةً لِابْنِي فَقَالَ أَبُو الْبِنْتِ فِي جَوَابِهِ داشتم يَعْنِي جَعَلْت لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُشْتَمِلٍ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِ ابْنَتِهِ لَائِقَةً لِابْنِهِ حُصُولُ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ دختر بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَفِي آخَرَ رَاءٌ مَعْنَاهُ الْبِنْتُ وَقَوْلُهُ بِيُسْرٍ لَفْظَانِ مُرَكَّبَانِ الْأَوَّلُ لَفْظُ بَاءِ الْوِحْدَةِ يُؤَدِّي مَعْنَى لَامِ الِاخْتِصَاصِ وَالثَّانِي لَفْظُ بِيُسْرٍ بِضَمِّ الْبَاءِ الْفَارِسِيَّةِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفِي آخِرِهِ رَاءٌ مَعْنَاهُ الِابْنُ قَوْلُهُ أرزاني بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَ الْأَلِفِ السَّاكِنَةِ وَفِي آخِرِهِ يَاءٌ آخِرُ الْحُرُوفِ سَاكِنَةٌ وَمَعْنَاهُ هَا هُنَا مَعْنَى اللَّائِقِ وَقَوْلُهُ داشتى بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْأَلِفِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي لُغَتِهِمْ شَائِعٌ وَكَسْرُ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَفِي آخِرِهِ يَاءٌ آخِرُ الْحَرْفِ سَاكِنَةٌ وَقَوْلُهُ داشتم بِزِيَادَةِ التَّاءِ آخِرَ الْحُرُوفِ قَبْلَ الْمِيمِ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ عِنْدَهُمْ.
قَالَ ﵀ (مَنْعُهَا) كَلَامٌ إضَافِيٌّ مُبْتَدَأٌ أَيْ مَنْعُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا (عَنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (هُوَ) أَيْ الزَّوْجُ (يَسْكُنُ مَعَهَا فِي بَيْتِهَا نُشُوزٌ) لِأَنَّهَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ لَهَا مَا دَامَتْ عَلَى مَنْعِهِ فَيَتَحَقَّقُ النُّشُوزُ مِنْهَا فَصَارَ كَحَبْسِهَا نَفْسَهَا فِي مَنْزِلِ غَيْرِهَا هَذَا إذَا مَنَعَتْهُ وَمُرَادُهَا السُّكْنَى فِي مَنْزِلِهَا وَإِنْ كَانَ الْمَنْعُ لِيَنْقُلَهَا إلَى مَنْزِلِهِ لَا تَكُونُ نَاشِزَةً؛ لِأَنَّ السُّكْنَى وَاجِبَةٌ لَهَا عَلَيْهِ فَكَانَ حَبْسُهَا نَفْسَهَا مِنْهُ بِحَقٍّ فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ جَاءَ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا لِاسْتِيفَاءِ مَهْرِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا حُبِسَتْ بِسَبَبِ دَيْنٍ عَلَيْهَا أَوْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ وَذَهَبَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْفَوَاتَ لَيْسَ مِنْ قِبَلِهِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ سَاكِنَةً مَعَهُ فِي مَنْزِلِهِ وَلَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ كُرْهًا غَالِبًا فَلَا يُعَدُّ مَنْعًا.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ سَكَنَ فِي بَيْتِ الْغَصْبِ فَامْتَنَعَتْ لَا تَكُونُ نَاشِزَةً) لِأَنَّهَا مُحِقَّةٌ؛ لِأَنَّ السُّكْنَى فِيهِ حَرَامٌ.
قَالَ ﵀ (قَالَتْ لَا أَسْكُنُ مَعَ أَمَتِك وَأُرِيدُ بَيْتًا عَلَى حِدَةٍ وَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِمَّنْ يَخْدُمُهُ فَلَا يُمْكِنُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ.
[مسائل متفرقة في الطلاق]
قَالَ ﵀ (قَالَتْ الزَّوْجَةُ لِزَوْجِهَا مرا طَلَاق بَغْلِيٌّ) يَعْنِي اعْطِنِي طَلَاقًا (فَقَالَ الزَّوْجُ داده كيرا وكرده كيرا وداده باد وكرده
стр. 3080
باد يَنْوِي يَقَعْ) مَعْنَاهُ الِاعْتِبَارُ لِلنِّيَّةِ وَعَدَمِهَا فَإِنْ نَوَى بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الطَّلَاقَ وَقَعَ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ عِنْدَهُمْ فَلِأَنَّهُ مِنْ النِّيَّةِ قَوْلُهُ داده بِفَتْحِ الدَّالِ بَعْدَهَا أَلِفٌ سَاكِنَةٌ وَمَعْنَاهُ الْإِعْطَاءُ وَقَوْلُهُ كير بِكَسْرِ الْكَافِ الصَّمَّاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرَ الْحُرُوفِ وَفِي آخِرِهِ رَاءٌ مَعْنَاهُ الْأَصْلُ امْسِكْ وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ هُنَا افْرِضِي وَقَدِّرِي يَعْنِي قَدِّرِي الطَّلَاقَ قَدْ أَعْطَى قَوْلَهُ كرده بِفَتْحٍ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ كرداني الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ وَمَعْنَاهُ الْفِعْلُ وَالْعَمَلُ قَوْلُهُ باز بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْأَلِفِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ مَعْنَاهُ فَلْيُمْكِنْ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ داده است وَكَرْده است يَقَعُ) الطَّلَاقُ (نَوَى) الْوُقُوعَ (أَوَّلًا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ قَالَ ﵀ (وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ داده أَنْكَار وَكَرْده أَنْكَار) لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ (وَإِنْ نَوَى الْوُقُوعَ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي الْأُولَى إخْبَارًا عَنْ وُقُوعٍ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَفِي الثَّانِي لَيْسَ بِإِخْبَارٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ داده أَنْكَار افْرِضِي أَنَّهُ وَقَعَ أَوْ احْسِبِي فَلَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ وَأَنْكَار بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْكَافِ الصَّمَّاءِ وَفِي آخِرِهِ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَمَعْنَاهُ افْرِضْ وَقَدِّرِي قَوْلُهُ (وي مرانشا يَد تاقيامت أَوْ هَمَّهُ عمر) لَا يَقَعُ طَلَاقٌ (إلَّا بِنِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ قَوْلُهُ وي بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ بِمَعْنَى هِيَ الَّتِي هُوَ ضَمِيرُ الْغَائِبِ وَقَوْلُهُ مرا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ مَقْصُورَةً وَمَعْنَاهُ لَا خَلَّى وَقَوْلُهُ نشايد بِفَتْحِ النُّونِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ يَاءٍ مَفْتُوحَةٍ آخِرَ الْحُرُوفِ وَدَالٌ مُهْمَلَةٌ وَمَعْنَاهُ لَا يَلِيقُ قَوْلُهُ أَوْ همه بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَمَعْنَاهُ الْجَمِيعُ وَالْمَعْنَى يَعْنِي لَا يَلِيقُ فِي جَمِيعِ عُمْرَى أَوْ مُدَّةِ عُمْرِي أَوْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَوْلُهُ تا بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ مَقْصُورَةٌ وَمَعْنَاهُ إلَى يَوْمِ الْقَائِمَةِ، وَالْحَاصِلُ فِي مَعْنَى هَذَا التَّرْكِيبِ لَا يَلِيقُ بِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ حِيلَة زِنَانِ كُنَّ إقْرَارًا بِالثَّلَاثِ) أَيْ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ افْعَلِي حِيلَةَ النِّسَاءِ مَقْصُودُهُمْ بِهَذَا احْفَظِي عِدَّتَك أَوْ عُدِّي أَيَّامَ عِدَّتِك فَإِنَّ هَذَا عِنْدَهُمْ كِنَايَةٌ عَنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَشْتَغِلُ بِأُمُورِ الْعِدَّةِ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ قَالَ حِيَله خويش كُنَّ لَا) يَعْنِي لَيْسَ بِإِقْرَارٍ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِكِنَايَةٍ عَنْ الطَّلَاقِ عِنْدَهُمْ بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى قَوْلُهُ خويش بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ وَلَا يُتَلَفَّظُ بِهَا عِنْدَهُمْ وَبَعْدَهَا يَاءٌ آخِرَ الْحُرُوفِ سَاكِنَةً وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَمَعْنَاهُ أَنْتَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ يَجِيءُ بِمَعْنًى آخَرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضُوعِ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ كَابِينَ مِنْ ترابخشيدم) مَعْنَاهُ وَهَبْت لَك الْمَهْرَ (مراجنك بادزار) مَعْنَاهُ خَلِّصْنِي مِنْ نِزَاعِك فَاحْكُمْ عَلَيَّ بِالْمَهْرِ (إنْ طَلَّقَهَا سَقَطَ الْمَهْرُ وَإِلَّا لَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَهَا إلَى سُؤَالِهَا هُوَ الطَّلَاقُ حَتَّى يَسْقُطَ الْمَهْرُ وَقَوْلُهُ تُرَى بِضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَبِالرَّاءِ الْمَقْصُورَةِ مَعْنَاهُ لَك وَقَوْلُهُ بخشيدم بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفِي آخِرِهِ مِيمٌ سَاكِنَةُ وَمَعْنَاهُ وَهَبْت وَمَصْدَرُهُ وَهَبْت بخشيدن.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ قَالَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ يَا مَالِكِي أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَنَا عَبْدُك لَا يُعْتَقُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ لِلْعِتْقِ وَلَا كِنَايَةٍ لَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ يَا مُولَايَ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ تُنْبِئُ عَنْ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ عَلَى الْعَبْدِ وَذَلِكَ بِالْعِتْقِ فَيُعْتَقُ (وَلَوْ قَالَ شَخْصٌ بِرّ مِنْ سوكند لَسْت كه) يَعْنِي عَلَى الْيَمِينِ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ قَالَ ابْن كَارِ) يَعْنِي هَذَا الْفِعْلُ (نكنم) يَعْنِي لَا أَفْعَلُ (فَهَذَا إقْرَارٌ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى) ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ عَنْ يَمِينِهِ عَلَى تَرْكِ هَذَا الْفِعْلِ فَيَكُونُ إقْرَارًا بِالْيَمِينِ مِنِّي فَهَلْ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ قَوْلُهُ بِرّ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ تُؤَدِّي مَعْنَاهُ عَلَيَّ، وَقَوْلُهُ مِنْ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَمَعْنَاهُ أَنَا وَقَوْلُهُ سوكند بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الْكَافِ الصَّمَّاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَآخِرَهُ دَالٌ سَاكِنَةٌ مَعْنَاهُ الْيَمِينُ وَقَوْلُهُ أَيْنَ بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرَ الْحُرُوفِ وَفِي آخِرِهِ نُونٌ سَاكِنَةٌ أَيْضًا تُؤَدِّي مَعْنَى هَذَا وَقَوْلُهُ كار بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْأَلِفِ وَالرَّاءِ وَهُوَ الْفِعْلُ وَقَوْلُهُ نكنم مُضَارِعٌ مَنْفِيٌّ؛ لِأَنَّ النُّونَ الْمَفْتُوحَةَ فِي الْأَوَّلِ هِيَ حَرْفُ النَّفْيِ وكنم مَعْنَاهُ افْعَلْ لِلْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ كردن الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ فَالْمَاضِي كرد وَالْمُتَكَلِّمُ وحدة كنم وَمَعَ الْغَيْرُ كنيم بِزِيَادَةِ الْيَاءِ قَبْلَ الْمِيمِ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ قَالَ شَخْصٌ برمن سوكندا سِتّ بِطَلَاقٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ فَإِنْ قَالَ قُلْت ذَلِكَ) أَيْ هَذَا الْقَوْلُ (كَذِبًا لَا يُصَدَّقُ) لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُلْت ذَلِكَ كَذِبًا رُجُوعٌ مِنْهُ فَلَا يُصَدَّقُ وَلَوْ قَالَ
стр. 3081
(مراسو كند خانه است كه أَيْنَ كار نكنم) مَعْنَاهُ أَنَا حَالِفٌ بِيَمِينِ الْبَيْتِ أَنْ لَا أَفْعَلَ هَذَا الْفِعْلَ (فَهُوَ إقْرَارٌ بِالْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ) لِأَنَّ الْيَمِينَ مَبْنَاهُ عَلَى الْعُرْفِ وَفِي الْعُرْفِ يُكَنُّونَ عَنْ الْمَرْأَةِ يُقَالُ بَيْتِي قَالَ كَذَا يُكَنُّونَ بِهِ الْمَرْأَةَ فَقَوْلُهُ خانه يُقَالُ لِلْبَيْتِ وَكُنِّيَ بِهِ عَنْ امْرَأَتِهِ وَبَقِيَتْ أَلْفَاظُهُ فَسَّرْنَاهَا.
[مسائل متفرقة في البيع]
(قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعٍ بِهَا بازاده) مَعْنَاهُ رُدَّ الثَّمَنَ (فَقَالَ الْبَائِعُ بُدّهمْ) يَعْنِي أَرُدُّ (يَكُونُ فَسْخًا لِلْبَيْعِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّ اسْتِرْدَادَهُ الثَّمَنَ رَدٌّ وَفَسْخٌ لِلْعَقْدِ قَوْلُهُ بِهَا بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْهَاءِ الْمَقْصُورَةِ مَعْنَاهُ الثَّمَنُ وَقَوْلُهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ يُؤَدِّي مَعْنَى تَخْصِيصِ الْإِشَارَةِ كَمَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُ بازده بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْأَلِفِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ مَعْنَاهُ أُعْطِ.
قَالَ ﵀ (الْعَقَارُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ لَا يَخْرُجُ مِنْ يَدِ ذِي الْيَدِ مَا لَمْ يُبَرْهِنْ الْمُدَّعِي) أَيْ إذَا ادَّعَى عَقَارًا لَا يَكْتَفِي بِذِكْرِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ دَعْوَاهُ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُبَرْهِنَ أَنَّهُ فِي يَدِهِ أَوْ يَعْلَمَ الْقَاضِي بِذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِتَصِحَّ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَهُوَ شَرْطٌ فِيهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَبِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَتَبْقَى تُهْمَةُ الْمُوَاضَعَةِ فَيَقْضِي الْقَاضِي عَلَيْهِ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ يَدِهِ لِتَحْقِيقِ يَدِهِ بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهَا بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ مُكَرَّرَةٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَلَا تَثْبُتُ الْيَدُ فِي الْعَقَارِ بِتَصَادُقِهَا بَلْ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إعْلَامِ قَاضٍ بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ قُلْنَا لَا تَكْرَارَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ بِالنَّظَرِ إلَى ثُبُوتِ الْيَدِ وَهَذِهِ بِالنَّظَرِ إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ هَلْ يَمْلِكُ إخْرَاجَهَا مِنْ ذِي الْيَدِ.
قَالَ ﵀ (عَقَارٌ لَا فِي وِلَايَةِ الْقَاضِي) لَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ هَلْ يُعْتَبَرُ الْمَكَانُ أَوْ لَا فَقِيلَ يُعْتَبَرُ الْمَكَانُ وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الْأَهْلُ حَتَّى لَا يَنْفُذَ قَضَاؤُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ الْمَكَانَ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْأَهْلُ عَلَى قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ الْأَهْلَ وَإِنْ خَرَجَ الْقَاضِي مَعَ الْخَلِيفَةِ مِنْ الْمِصْرِ قَضَى وَإِنْ خَرَجَ وَحْدَهُ لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى قَوْلِ مَنْ اُعْتُبِرَ الْمَكَانَ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مِنْ إعْلَامِ الدِّينِ فَيَكُونُ الْمِصْرُ شَرْطًا فِيهِ كَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمِصْرَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي فَقَالَ إنَّ الْمِصْرَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِنُفُوذِ الْقَضَاءِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْأَهْلُ لَا الْمَكَانُ حَتَّى لَوْ قَضَى عَلَى الْأَهْلِ وَالْعَقَارِ فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِ نَفَذَ وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْقَضَاءِ الْآنَ.
[قَضَى الْقَاضِي فِي حَادِثَةٍ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ قَالَ رَجَعْت عَنْ قَضَائِي أَوْ بَدَا لِي غَيْرُ ذَلِكَ]
قَالَ ﵀ (إذَا قَضَى الْقَاضِي فِي حَادِثَةٍ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ قَالَ رَجَعْت عَنْ قَضَائِي أَوْ بَدَا لِي غَيْرُ ذَلِكَ أَوْ وَقَعْت فِي تَلْبِيسِ الشُّهُودِ أَوْ أَبْطَلْت حُكْمِي وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ وَالْقَضَاءُ مَاضٍ إنْ كَانَ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ وَشَهَادَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ) ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ الْأَوَّلِ قَدْ تُرَجَّحُ بِالْقَضَاءِ فَلَا يُنْقَضُ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ وَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْهُ وَلَا إبْطَالَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ وَهُوَ الْمُدَّعِي، أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَمَّا اتَّصَلَتْ بِالْقَضَاءِ لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ وَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَهَا لِمَا ذَكَرْنَا فَكَذَا الْقَضَاءُ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي بِالْقَضَاءِ ثُمَّ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخِلَافِهِ فَلَا يَرُدُّ قَضَاءَهُ» وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِاجْتِهَادٍ فِي حَادِثَةٍ لَا نَصَّ فِيهَا ثُمَّ تَحَوَّلَ عَنْ رَأْيِهِ فَإِنَّهُ يَقْضِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ عِنْدَهُ وَلَا يَنْقُضُ الْقَضَاءَ الَّذِي قَضَاهُ بِالرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضْ بِالْقُرْآنِ بَعْدَهُ فَهَذَا أَوْلَى، بِخِلَافِ مَا إذَا قَضَى بِاجْتِهَادِهِ فِي حَادِثَةٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ ذَلِكَ الْقَضَاءَ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَاضِيَ حَالَ مَا قَضَى بِاجْتِهَادِهِ فَالنَّصُّ الَّذِي هُوَ مُخَالِفٌ لِاجْتِهَادِهِ كَانَ مَوْجُودًا مُنَزَّلًا إلَّا أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ وَكَانَ الِاجْتِهَادُ فِي مَحَلِّ النَّصِّ فَلَا يَصِحُّ وَحَالَ مَا قَضَى بِاجْتِهَادِهِ كَانَ الِاجْتِهَادُ فِي مَحَلٍّ لَا نَصَّ فِيهِ فَصَحَّ وَصَارَ ذَلِكَ شَرِيعَةً لَهُ فَإِذَا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِخِلَافِهِ صَارَ نَاسِخًا لِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ.
[مسائل متفرقة في الإقرار والدعوى]
قَالَ ﵀ (خَبَا قَوْمًا ثُمَّ سَأَلَ رَجُلًا عَنْ شَيْءٍ فَأَقَرَّ بِهِ وَهُمْ يَرَوْنَهُ وَيَسْمَعُونَ كَلَامَهُ وَهُوَ لَا يَرَاهُمْ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ) ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ وَقَدْ عَلِمُوهُ وَهُوَ يَكْفِي فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وَقَالَ ﵊ «إذَا عَلِمْت مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ» قَالَ ﵀ (وَإِنْ سَمِعُوا كَلَامَهُ وَلَمْ يَرَوْهُ لَا) أَيْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ النَّغْمَةَ تُشْبِهُ النَّغْمَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ غَيْرَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ مَعَ الِاحْتِمَالِ إلَّا إذَا كَانُوا دَخَلُوا الْبَيْتَ وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ سِوَاهُمْ ثُمَّ جَلَسُوا عَلَى الْبَابِ وَلَيْسَ لِلْبَيْتِ مِلْكٌ غَيْرُهُ ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ فَسَمِعُوا إقْرَارَ الدَّاخِلِ وَلَمْ يَرَوْهُ وَقْتَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ حَصَلَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَجَازَ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ.
قَالَ ﵀ (بَاعَ عَقَارًا وَبَعْضُ أَقَارِبِهِ حَاضِرٌ يَعْلَمُ الْبَيْعَ ثُمَّ ادَّعَى لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ) أَطْلَقَ الْقَرِيبَ هُنَا
стр. 3082
وَفِي الْفَتَاوَى لِأَبِي اللَّيْثِ عَنْهُ فَقَالَ لَوْ بَاعَ عَقَارًا وَابْنُهُ أَوْ امْرَأَتُهُ حَاضِرَةٌ تَعْلَمُ بِهِ وَتَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِيهِ زَمَانًا ثُمَّ ادَّعَى الِابْنُ أَنَّهُ مَلَكَهُ وَلَمْ يَكُنْ مِلْكُ أَبِيهِ وَقْتَ الْبَيْعِ اتَّفَقَ مَشَايِخُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا تُسْمَعُ مِثْلُ هَذِهِ الدَّعْوَةِ؛ لِأَنَّ حُضُورَهُ عِنْدَ الْبَيْعِ وَتَرْكَهُ فِيمَا يَصْنَعُ إقْرَارٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ مِلْكُ الْبَائِعِ وَأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْمَبِيعِ وَجَعَلَ سُكُوتَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْإِفْصَاحِ بِالْإِقْرَارِ قَطْعًا لِلْأَطْمَاعِ الْفَاسِدَةِ لِأَهْلِ الْعَصْرِ فِي الْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ وَتَقْيِيدُ الْقَرِيبِ يَقْتَضِي جَوَازَ ذَلِكَ مَعَ الْقَرِيبِ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تُسْمَعُ مِنْ الْقَرِيبِ وَغَيْرِهِ وَذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ قَبْلَ الْفَصْلِ فِي الضَّمَانِ قَالَ: وَمَنْ بَاعَ دَارًا وَكَفَلَ عَنْهُ رَجُلٌ بِالدَّرَكِ فَهُوَ تَسْلِيمٌ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لَوْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً فِيهِ فَتَمَامُهُ بِقَبُولِهِ ثُمَّ بِالدَّعْوَى يَسْعَى فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوطَةً فِيهِ فَالْمُرَادُ بِهَا أَحْكَامُ الْبَيْعِ وَتَرْغِيبُ الْمُشْتَرِي فِيهِ إذْ لَا يَرْغَبُ فِيهِ بِدُونِ الْكَفَالَةِ فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الْإِقْرَارِ بِمِلْكِ الْبَائِعِ وَلَوْ شَهِدَ وَخَتَمَ وَلَمْ يَكْفُلْ لَمْ يَكُنْ تَسْلِيمًا وَهُوَ عَلَى دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَكُونُ مَشْرُوطَةً فِي الْبَيْعِ وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهِ وَلَا هِيَ بِإِقْرَارِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَرَّةً يُوجَدُ مِنْ الْمَالِكِ وَتَارَةً مِنْ غَيْرِهِ وَلَعَلَّهُ كَتَبَ شَهِدَ بِذَلِكَ فَهُوَ تَسْلِيمٌ إلَّا إذَا كَتَبَ الشَّهَادَةَ عَلَى إقْرَارِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَلَوْ بَاعَ ضَيْعَةً ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا وَقْفٌ عَلَيْهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِلتَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الْبَيْعِ إقْرَارٌ مِنْهُ وَإِذَا أَرَادَ تَحْلِيفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ قِيلَ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْوَقْفِ تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْحِسْبَةِ فَإِذَا قُبِلَتْ انْتَقَضَ الْبَيْعُ وَقِيلَ لَا تُقْبَلُ وَهُوَ أَصْوَبُ وَأَحْوَطُ؛ لِأَنَّهُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَنَّ الضَّيْعَةَ وَقْفٌ عَلَيْهِ يَدَّعِي فَسَادَ الْبَيْعِ وَحَقًّا لِنَفْسِهِ فَلَا تُقْبَلُ لِلتَّنَاقُضِ وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذَا بِيعَ مَتَاعُ إنْسَانٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَنْظُرُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ سُكُوتٌ يَحْتَمِلُ الرِّضَا وَالسَّخَطَ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى سُكُوتُهُ يَكُونُ إجَازَةً مِنْهُ لِلْبَيْعِ، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ سُكُوتَهُ لَا يَكُونُ تَسْلِيمًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ إنَّمَا سَكَتَ لِغَيْبَةِ شُهُودِهِ أَوْ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ خَاصَمَ عِنْدَهُ لَا يَقْضِي لَهُ لِمَا عُلِمَ مِنْ حَالِ الْقَاضِي.
قَالَ ﵀ (وَهَبَتْ مَهْرَهَا لِزَوْجِهَا فَمَاتَتْ فَطَالَبَ وَرَثَتُهَا بِمَهْرِهَا وَقَالُوا كَانَتْ الْهِبَةُ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا وَقَالَ بَلْ فِي الصِّحَّةِ فَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ حَادِثَةٌ وَالْحَوَادِثُ تُضَافُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى سُقُوطِ الْمَهْرِ عَنْ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ تُفِيدُ الْمِلْكَ وَإِنْ كَانَتْ لِلْوَارِثِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا وَهَبَ عَبْدَهُ لِوَارِثِهِ فَأَعْتَقَهُ الْوَارِثُ أَوْ بَاعَهُ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ إنْ مَاتَ الْمُوَرِّثُ وَفِي ذَلِكَ الْمَرَضِ رَدًّا لِلْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ فَإِذَا سَقَطَ عَنْهُ الْمَهْرُ بِالِاتِّفَاقِ فَالْوَارِثُ يَدَّعِي الْعَوْدَ عَلَيْهِ وَالزَّوْجُ يُنْكِرُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
قَالَ ﵀ (أَقَرَّ بِدَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ قَالَ كُنْت كَاذِبًا فِيمَا أَقْرَرْت حَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى أَنَّ الْمُقِرَّ مَا كَانَ كَاذِبًا فِيمَا أَقَرَّ بِهِ وَلَسْت بِمُبْطِلٍ فِيمَا أَدَّعِيهِ عَلَيْهِ وَالْإِقْرَارُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْمِلْكِ) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَا: لَا يَحْلِفُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ مُلْزِمَةٌ شَرْعًا فَلَا يُصَارُ مَعَهُ إلَى الْيَمِينِ كَالْبَيِّنَةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْكَذِبِ فِيهِ أَبْعَدُ لِتَضَرُّرِهِ بِذَلِكَ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ الصَّكَّ إذَا أَرَادُوا الِاسْتِدَانَةَ قَبْلَ الْأَخْذِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ الْمَالَ فَلَا يَكُونُ الْإِقْرَارُ لَيْلًا، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى وَارِثُ الْمُقِرِّ يَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ ادَّعَى الْجُزْءَ الَّذِي فِي يَدِ الْمُقَرِّ لَهُ فَالْيَمِينُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ أَنَّنَا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فَيَحْلِفُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَكَثْرَةِ الْخِدَاعِ وَالْخِيَانَاتِ وَهُوَ يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ وَالْمُدَّعِي لَا يَضُرُّهُ الْيَمِينُ إنْ كَانَ صَادِقًا فَيُصَارُ إلَيْهِ.
[مسائل متفرقة في الوكالة]
قَالَ ﵀ (لَوْ قَالَ لِآخَرَ وَكَّلْتُك بِبَيْعِ هَذَا فَسَكَتَ صَارَ وَكِيلًا) ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ وَعَدَمَ رَدِّهِ مِنْ سَاعَتِهِ دَلِيلُ الْقَبُولِ عَادَةً وَنَظِيرُهُ هِبَةُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَإِنَّهُ إذَا سَكَتَ صَحَّتْ الْهِبَةُ وَسَقَطَ الدَّيْنُ لِمَا بَيَّنَّا وَإِنْ قَالَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا أَقْبَلُ بَطَلَ وَبَقِيَ الدَّيْنُ عَلَى حَالِهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ جَعَلْت أَرْضِي عَلَيْك وَقْفًا فَسَكَتَ صَحَّتْ وَلَوْ قَالَ لَا أَقْبَلُ بَطَلَ وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ الْوَقْفُ لَا يَبْطُلُ بِقَوْلِهِ لَا أَقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ وَقْفٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّهُ يَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ وَقَفْت دَارِي.
قَالَ (وَكَّلَهَا بِطَلَاقِهَا لَا يَمْلِكُ عَزْلَهَا) لِأَنَّهُ يَمِينٌ مِنْ جِهَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِفِعْلِهَا وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ الْيَمِينِ وَهُوَ تَمْلِيكٌ مِنْ جِهَتِهَا؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ هُوَ الَّذِي يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ وَهِيَ عَامِلَةٌ لِنَفْسِهَا فَلَا تَكُونُ وَكِيلَةً بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ.
قَالَ ﵀ (وَكَّلْتُك بِكَذَا عَلَى أَنِّي مَتَى عَزَلْتُك فَأَنْت وَكِيلِي) يَقُولُ فِي عَزْلِهِ عَزَلْتُك ثُمَّ عَزَلْتُك أَيْ ثُمَّ يَقُولُ عَزَلْتُك؛ لِأَنَّ
стр. 3083
الْوَكَالَةَ يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ فَيَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالْعَزْلِ عَنْ الْوَكَالَةِ فَإِنْ عَزَلَهُ انْعَزَلَ عَنْ الْوَكَالَةِ الْمُنْجَزَةِ ثُمَّ تَنَجَّزَتْ الْمُعَلَّقَةُ فَصَارَ تَوْكِيلًا جَدِيدًا تَمَّ بِالْعَزْلِ الثَّانِي قَدْ رَجَعَ عَنْ الْوَكَالَةِ الثَّانِيَةِ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ قَالَ كُلَّمَا عَزَلْتُك فَأَنْت وَكِيلِي يَقُولُ رَجَعْت عَنْ الْوَكَالَةِ الْمُعَلَّقَةِ وَعَزَلْت عَنْ الْوَكَالَةِ الْمُنْجَزَةِ) وَقِيلَ يَقُولُ فِي عَزْلِهِ كُلَّمَا وَكَّلْتُك فَأَنْت مَعْزُولٌ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا صَارَ وَكِيلًا انْعَزَلَ فَيَحْصُلُ مَقْصُودٌ بِذَلِكَ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ.
[مسائل متفرقة في الصلح]
قَالَ ﵀ (قَبَضَ بَدَلَ الصُّلْحِ شَرْطًا إنْ كَانَ دَيْنًا بِدَيْنٍ) بِأَنْ وَقَعَ عَلَى دَرَاهِمَ عَنْ دَنَانِيرَ أَوْ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى غَيْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الدَّائِنُ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ يُحْمَلُ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ صَارَ صَرْفًا أَوْ بَيْعًا وَفِيهِ لَا يَجُوزُ الِافْتِرَاقُ عَنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ «لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ» وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ وَغَيْرِهِ قَالَ ﵀ (وَإِلَّا لَا) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ دَيْنًا بِدَيْنٍ لَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ إذَا وَقَعَ عَلَى عَيْنٍ مُتَعَيِّنَةٍ لَا يَبْقَى دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فَجَازَ الِافْتِرَاقُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَالُ الرِّبَا كَمَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى شَعِيرٍ بِعَيْنِهِ عَنْ حِنْطَةٍ فِي الذِّمَّةِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ ﵀ (ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى صَبِيٍّ دَارًا فَصَالَحَهُ أَبُوهُ عَلَى مَالِ الصَّبِيِّ فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ جَازَ إنْ كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ) لِأَنَّ لِلصَّبِيِّ فِيهِ مَنْفَعَةً وَهِيَ سَلَامَةُ الْعَيْنِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُصَالِحْ يَسْتَحِقُّهُ الْمُدَّعِي فَتَنْقُدُ بِالْمِثْلِ وَبِقَدْرِ مَا يُتَغَابَنُ فِيهِ عَادَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ قَالَ ﵀ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ أَوْ كَانَتْ غَيْرَ عَادِلَةٍ لَا) يَعْنِي لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِمَالِ الصَّبِيِّ بِالصُّلْحِ لَا مُشْتَرِيًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُدَّعِي شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لَوْلَا الصُّلْحُ فَلَا مَنْفَعَةَ لِلصَّبِيِّ فِي هَذَا الصُّلْحِ بَلْ فِيهِ ضَرَرٌ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ نَظَرِيَّةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وَإِنْ كَانَ الْأَبُ هُوَ الْمُدَّعِي لِلصَّغِيرِ وَلَا بَيِّنَةَ يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِلصَّبِيِّ فِيمَا ادَّعَاهُ الْأَبُ لَهُ مِلْكٌ وَلَا مَعْنَى الْمِلْكِ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْأَخْذِ فَكَانَ مُحَصِّلًا لَهُ مَالًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مِلْكِ الصَّبِيِّ شَيْئًا بِمُقَابَلَتِهِ فَكَانَ نَفْعًا مَحْضًا، فَإِنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ لَا تَجُوزُ إلَّا بِالْمِثْلِ وَبِأَقَلَّ لِقَدْرِ مَا يُتَغَابَنُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي مَعْنَى الْمِلْكِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْأَخْذِ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ وَوَصِيُّ الْأَبِ فِي هَذَا كَالْأَبِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ قَالَ ﵀ (قَالَ لَا بَيِّنَةَ فَبَرْهَنَ أَوْ لَا شَهَادَةَ لِي فَشَهِدَ تُقْبَلُ) وَمَعْنَى الْأَوَّلِ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي لَيْسَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى دَعْوَايَ هَذَا الْحَقَّ ثُمَّ جَاءَ بِالْبَيِّنَةِ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ بِأَنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَنَسِيَ ثُمَّ ذَكَرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ كَانَ لَا يَعْلَمُهَا ثُمَّ عَلِمَهَا وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ بَيِّنَتَهُ وَمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ لَا شَهَادَةَ لِفُلَانٍ عِنْدِي فِي حَقٍّ لَهُ ثُمَّ يَشْهَدُ لَهُ بِهِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ رَوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لَهُ شَهَادَةٌ قَدْ نَسِيَهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْهَا ثُمَّ عَلِمَهَا وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لَا أَعْلَمُ لِي حَقًّا عَلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ حَقًّا تُقْبَلُ لِإِمْكَانِ التَّوْفِيقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَيْسَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ ثُمَّ ادَّعَى حَقًّا حَتَّى لَا تُسْمَعَ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ الْمُنَاقَضَةَ بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَالدَّعْوَى ثَابِتَةٌ فَلَا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا وَنَفْيُ الْحُجَّةِ فِي هَذَا كَنَفْيِ الشَّهَادَةِ لَا كَنَفْيِ الْحَقِّ، حَتَّى إذَا قَالَ لَا حُجَّةَ لِي عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ أَتَى بِحُجَّةٍ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ نَسِيت وَلَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ لِي أَوْ قَالَ ذَلِكَ الْعَبْدُ ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ الدَّارَ وَالْعَبْدَ لَهُ تُقْبَلُ بِبَيِّنَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ بِإِقْرَارِهِ حَقًّا لِأَحَدٍ وَكُلُّ إقْرَارٍ لَمْ يُثْبِتْ بِهِ لِغَيْرِهِ حَقًّا كَانَ لَغْوًا وَلِهَذَا يَصِحُّ دَعْوَى الْمُلَاعِنِ نَسَبَ وَلَدٍ نُفِيَ بِلِعَانِهِ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ نَفَاهُ لَمْ يُثْبِتْ فِيهِ حَقًّا لِأَحَدٍ.
[مسائل متفرقة في تصرفات السلطان]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (لِلْإِمَامِ الَّذِي وَلَّاهُ الْخَلِيفَةُ أَنْ يَقْطَعَ أَغْصَانًا مِنْ الطَّرِيقِ الْجَادَّةِ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ) ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ فِيمَا فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِذَا رَأَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً لَهُمْ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْحِقَ ضَرَرًا بِأَحَدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا رَأَى أَنْ يُدْخِلَ بَعْضَ الطُّرُقِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ بِالْعَكْسِ وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَالْإِمَامُ الَّذِي وَلَّاهُ الْخَلِيفَةُ بِمَنْزِلَةِ الْخَلِيفَةِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ فَكَانَ فِيهِ مِثْلُهُ.
قَالَ ﵀ (مَنْ صَادَرَهُ السُّلْطَانُ وَلَمْ يُعَيِّنْ بَيْعَ مَالُهُ فَبَاعَ مَالَهُ صَحَّ) أَيْ جَازَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْبَيْعِ وَإِنَّمَا بَاعَ بِاخْتِيَارِهِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ صَارَ مُلْجَأً إلَى بَيْعِهِ لَا يُقَالُ لِمَا طُلِبَ مِنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ أَكْرَهَهُ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْإِكْرَاهَ كَالدَّائِنِ إذَا حَبَسَهُ الْمَدِينُ فَبَاعَ مَالَهُ لِيَقْضِيَ بِثَمَنِهِ دَيْنَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْكُرْهُ فِي الْإِيفَاءِ لَا فِي الْبَيْعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي التَّسْعِيرِ وَفِي الْفَتَاوَى لَوْ أَدْخَلَ نَفْسَهُ فِي مَالِ السَّلْطَنَةِ ثُمَّ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إكْرَاهًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ بِاخْتِيَارِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا تَأَخَّرَ لَهُ مَالٌ يَبِيعُ دَارِهِ وَأَمْتِعَتَهُ صَارَ رَاضِيًا بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الدُّخُولِ فَلَا يَكُونُ إكْرَاهًا.
[مسائل متفرقة في الإكراه]
قَالَ ﵀ -
стр. 3084
(خَوَّفَهَا بِالضَّرْبِ حَتَّى وَهَبَتْهُ مَهْرَهَا لَمْ يَصِحَّ إنْ قَدَرَ عَلَى الضَّرْبِ) ؛ لِأَنَّهَا مُكْرَهَةٌ عَلَيْهِ إذْ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْمَالِ يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ التَّرَاضِيَ شَرْطٌ فِي تَمْلِيكِ الْأَمْوَالِ وَالرِّضَا يَنْتَفِي بِمِثْلِهِ فَلَا يَصِحُّ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَكْرَهَهَا عَلَى الْخُلْعِ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَا يَسْقُطُ الْمَالُ) ؛ لِأَنَّ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ وَاقِعٌ وَلَا يَلْزَمُهَا الْمَالُ بِهِ إذْ الرِّضَا شَرْطٌ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ.
[أَحَالَتْ إنْسَانًا عَلَى الزَّوْجِ بِالْمَهْرِ، ثُمَّ وَهَبَتْ الْمَهْرَ لِلزَّوْجِ]
قَالَ ﵀ (وَلَوْ أَحَالَتْ إنْسَانًا عَلَى الزَّوْجِ بِالْمَهْرِ، ثُمَّ وَهَبَتْ الْمَهْرَ لِلزَّوْجِ لَا يَصِحُّ) لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُحْتَالِ عَلَى مِثَالِ الرَّهْنِ وَإِنْ كَانَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ عِنْدَ مَوْتِهَا فَيُرَدُّ تَصَرُّفُهَا فِيهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَرْهُونَ أَوْ وَهَبَهُ.
[اتَّخَذَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ أَوْ بَالُوعَةً فَنَزَّ مِنْهَا حَائِطُ جَارِهِ فَطَلَبَ تَحْوِيلَهُ]
قَالَ ﵀ (اتَّخَذَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ أَوْ بَالُوعَةً فَنَزَّ مِنْهَا حَائِطُ جَارِهِ فَطَلَبَ تَحْوِيلَهُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَإِنْ سَقَطَ الْحَائِطُ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ وَلِأَنَّ هَذَا تَسَبُّبٌ وَبِهِ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ إلَّا إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا كَوَضْعِ الْحَجَرِ عَلَى الطَّرِيقِ وَاِتِّخَاذُ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ لَيْسَ بِتَعَدٍّ فَلَا يَضْمَنُ.
[عَمَّرَ دَارَ زَوْجَتِهِ بِمَالِهِ بِإِذْنِهَا فَالْعِمَارَةُ لَهَا وَالنَّفَقَةُ دَيْنٌ عَلَيْهَا]
قَالَ ﵀ (وَلَوْ عَمَّرَ دَارَ زَوْجَتِهِ بِمَالِهِ بِإِذْنِهَا فَالْعِمَارَةُ لَهَا وَالنَّفَقَةُ دَيْنٌ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهَا) وَقَدْ صَحَّ أَمْرُهَا بِذَلِكَ فَيَنْتَقِلُ الْفِعْلُ إلَيْهَا فَتَكُونُ كَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي عَمَّرَتْهُ فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهَا وَهُوَ غَيْرُ مُتَطَوِّعٍ بِالْإِنْفَاقِ فَيَرْجِعُ لِصِحَّةِ أَمْرِهَا فَصَارَ كَالْمَأْمُورِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ قَالَ ﵀ (وَلِنَفْسِهِ بِلَا إذْنِهَا فَلَهُ) أَيْ إذَا عَمَّرَ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمَرْأَةِ كَانَتْ الْعِمَارَةُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْآلَةَ الَّتِي بَنَى بِهَا مِلْكَهُ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِالْبِنَاءِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ وَيَكُونُ غَاصِبًا لِلْعَرْصَةِ وَشَاغِلًا مِلْكَ غَيْرِهِ بِمِلْكِهِ فَيُؤْمَرُ بِالتَّفْرِيغِ إنْ طَلَبَتْ زَوْجَتُهُ ذَلِكَ قَالَ ﵀ (وَلَوْ عَمَّرَهَا لَهَا بِلَا إذْنِهَا فَالْعِمَارَةُ لَهَا وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ) أَيْ عَمَّرَهَا لَهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا كَانَ لَهَا الْبِنَاءُ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِالْبِنَاءِ فَلَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي إيجَابِ ذَلِكَ عَلَيْهَا.
[أَخَذَ غَرِيمَهُ فَنَزَعَهُ إنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْ]
قَالَ ﵀ (وَلَوْ أَخَذَ غَرِيمَهُ فَنَزَعَهُ إنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْ) أَيْ لَا يَضْمَنُ النَّازِعُ فَلَا يُضَافُ إلَيْهِ التَّلَفُ كَمَا إذَا حَلَّ قَيْدَ الْعَبْدِ فَائِقٌ فَإِنَّ الْحَالَ لَا يُضْمَنُ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ لَمْ يَحْصُلْ بِفِعْلِهِ وَإِنَّمَا حَصَلَ بِفِعْلِ الْعَبْدِ وَهُوَ مُخْتَارٌ وَكَذَا إذَا دَلَّ السَّارِقُ فَإِنَّ الْفِعْلَ حَصَلَ بِفِعْلِ السَّرِقَةِ لَا بِدَلَالَتِهِ وَكَمَنْ أَمْسَكَ هَارِبًا مِنْ عَدُوٍّ حَتَّى قَتَلَهُ الْعَدُوُّ فَإِنَّ الْمُمْسِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فَكَذَا هَذَا.
[فِي يَدِهِ مَالُ إنْسَانٍ فَقَالَ لَهُ سُلْطَانٌ ادْفَعْ إلَى هَذَا الْمَالَ]
قَالَ ﵀ (فِي يَدِهِ مَالُ إنْسَانٍ فَقَالَ لَهُ سُلْطَانٌ ادْفَعْ إلَى هَذَا الْمَالَ وَإِلَّا أَقْطَعُ يَدَك أَوْ أَضْرِبُك خَمْسِينَ فَدَفَعَ لَمْ يَضْمَنْ) أَيْ لَا يَضْمَنُ الدَّافِعُ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَيْهِ فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُكْرِهِ أَوْ عَلَى الْآخِذِ أَيَّهُمَا شَاءَ الْمَالِكُ إذَا كَانَ الْأَخْذُ مُخْتَارًا وَإِلَّا فَعَلَى الْمُكْرَهِ فَقَطْ.
[وَضَعَ مِنْجَلًا فِي الصَّحْرَاءِ لِيَصِيدَ بِهِ حِمَارَ وَحْشٍ وَسَمَّى عَلَيْهِ فَجَاءَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَوَجَدَا الْحِمَارَ مَجْرُوحًا مَيِّتًا]
قَالَ ﵀ (وَضَعَ مِنْجَلًا فِي الصَّحْرَاءِ لِيَصِيدَ بِهِ حِمَارَ وَحْشٍ وَسَمَّى عَلَيْهِ فَجَاءَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَوَجَدَا الْحِمَارَ مَجْرُوحًا مَيِّتًا لَمْ يُؤْكَلْ) لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَذْبَحَهُ إنْسَانٌ أَوْ يَجْرَحَهُ وَبِدُونِ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ وَهُوَ كَالنَّطِيحَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ حَتَّى لَوْ وَجَدَهُ مَيِّتًا مِنْ سَاعَتِهِ لَا يَحِلُّ لِعَدَمِ شَرْطِهِ.
[يكره مِنْ الشَّاةِ الْحَيَاءُ وَالْخُصْيَةُ وَالْغُدَّةُ وَالْمَثَانَةُ وَالْمَرَارَةُ وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ وَالذَّكَرُ]
قَالَ ﵀ (كُرِهَ مِنْ الشَّاةِ الْحَيَاءُ وَالْخُصْيَةُ وَالْغُدَّةُ وَالْمَثَانَةُ وَالْمَرَارَةُ وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ وَالذَّكَرُ) لِمَا رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ وَاصِلِ بْنِ مُجَاهِدٍ قَالَ «كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الشَّاةِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَالْقُبُلَ وَالْغُدَّةَ وَالْمَرَارَةَ وَالْمَثَانَةَ» قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدَّمُ حَرَامٌ وَكُرِهَ السِّتَّةُ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وَكُرِهَ مَا سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تَسْتَخْبِثُهُ النَّفْسُ وَتَكْرَهُهُ وَهَذَا الْمَعْنَى سَبَبُ الْكَرَاهَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ سُئِلَ عَنْ الْقُنْفُذِ فَتَلَا قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةُ فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ «ذُكِرَ الْقُنْفُذُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ خَبِيثٌ مِنْ الْخَبَائِثِ» .
[لِلْقَاضِي أَنْ يُقْرِضَ مَالَ الْغَائِبِ وَالطِّفْلِ وَاللَّقْطَةِ]
قَالَ ﵀ (لِلْقَاضِي أَنْ يُقْرِضَ مَالَ الْغَائِبِ وَالطِّفْلِ وَاللَّقْطَةِ) ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الِاسْتِخْلَاصِ فَلَا يَفُوتُ الْحِفْظُ بِهِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُكَرَّرَةٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَيُقْرِضُ الْقَاضِي مَالَ الْيَتِيمِ وَيَكْتُبُ الصَّكَّ بِخِلَافِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ وَالْمُلْتَقِطِ؛ لِأَنَّهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ اسْتِخْلَاصِهِ فَيَكُونُ تَضْيِيعًا إلَّا أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إذَا أَنْشَدَ اللُّقَطَةَ وَمَضَى مُدَّةَ النَّشْدِ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهُ الْإِقْرَاضُ مِنْ الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ جَازَ فَالْقَرْضُ أَوْلَى.
[مسائل في الختان والتداوي والزينة]
قَالَ ﵀ (صَبِيٌّ حَشَفَتُهُ ظَاهِرَةٌ بِحَيْثُ لَوْ رَآهُ إنْسَانٌ ظَنَّهُ مَخْتُونًا وَلَا تُقْطَعُ جِلْدَةُ ذَكَرِهِ إلَّا بِتَشْدِيدِ تَرْكٍ كَشَيْخٍ أَسْلَمَ وَقَالَ أَهْلُ النَّظَرِ لَا يُطِيقُ الْخِتَانَ) ؛ لِأَنَّ قَطْعَ جِلْدِهِ لِتَنْكَشِفَ الْحَشَفَةُ، فَإِنْ كَانَتْ الْحَشَفَةُ ظَاهِرَةً فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقَطْعِ، وَإِنْ كَانَ يُوَارِي الْحَشَفَةَ يَقْطَعُ الْفَضْلَ وَلَوْ خُتِنَ وَلَمْ تُقْطَعْ الْجَلْدَةُ كُلُّهَا يُنْظَرُ إنْ قُطِعَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ يَكُونُ خِتَانًا؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ، وَإِنْ قُطِعَ النِّصْفُ فَمَا دُونَهُ
стр. 3085
لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِعَدَمِ الْخِتَانِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَالْأَصْلُ أَنَّ الْخِتَانَ سُنَّةٌ كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ وَهُوَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَخَصَائِصِهِ حَتَّى لَوْ اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِ يُحَارِبُهُمْ الْإِمَامُ فَلَا يُتْرَكُ إلَّا لِلضَّرُورَةِ وَعُذْرُ الشَّيْخِ الَّذِي لَا يُطِيقُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فَيُتْرَكُ.
قَالَ ﵀ (وَوَقْتُهُ سَبْعُ سِنِينَ) أَيْ وَقْتُ الْخِتَانِ سَبْعُ سِنِينَ وَقِيلَ لَا يُخْتَنُ حَتَّى يَبْلُغَ؛ لِأَنَّ الْخِتَانَ لِلطَّهَارَةِ وَلَا طَهَارَةَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ فَكَانَ إيلَامًا قَبْلَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَقِيلَ أَقْصَاهُ اثْنَا عَشَرَ سَنَةً وَقِيلَ تِسْعُ سِنِينَ وَقِيلَ وَقْتُهُ عَشْرُ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغَ عَشْرًا اعْتِيَادًا وَتَخَلُّقًا فَيَحْتَاجُ إلَى الْخِتَانِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلطَّهَارَةِ وَقِيلَ إنْ كَانَ قَوِيًّا يُطِيقُ أَلَمَ الْخِتَانِ يُخْتَنُ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا عِلْمَ لِي بِوَقْتِهِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِيهِ شَيْءٌ وَإِنَّ الْمَشَايِخَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَخِتَانُ الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَإِنَّمَا هُوَ مَكْرُمَةٌ لِلرِّجَالِ فِي لَذَّةِ الْجِمَاعِ وَقِيلَ سُنَّةٌ وَالْأَصْلُ أَنَّ إيصَالَ الْأَلَمِ إلَى الْحَيَوَانِ لَا يَجُوزُ شَرْعًا إلَّا لِمَصَالِحَ تَعُودُ إلَيْهِ وَفِي الْخِتَانِ إقَامَةُ السُّنَّةِ وَتَعُودُ إلَيْهِ أَيْضًا مَصْلَحَتُهُ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «الْخِتَانُ سُنَّةٌ يُحَارَبُ عَلَى تَرْكِهَا» وَكَذَا يَجُوزُ كَيُّ الصَّغِيرِ وَرَبْطُ قُرْحَتِهِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُدَاوَاةِ وَكَذَا يَجُوزُ ثَقْبُ أُذُنِ الْبَنَاتِ الْأَطْفَالِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلزِّينَةِ وَكَانَ يُفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَالْحَامِلُ لَا تَفْعَلُ مَا يَضُرُّ بِالْوَلَدِ وَلَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَحْتَجِمَ مَا لَمْ يَتَحَرَّكْ الْوَلَدُ فَإِذَا تَحَرَّكَ فَلَا بَأْسَ مَا لَمْ تَقْرُبْ الْوِلَادَةُ فَإِذَا قَرُبَتْ فَلَا تَحْتَجِمْ لِأَنَّهُ يَضُرُّهُ وَأَمَّا الْفَصْدُ فَلَا تَفْعَلُهُ مُطْلَقًا مَا دَامَتْ حُبْلَى؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى الْوَلَدِ مِنْهُ وَكَذَا يَجُوزُ فَصْدُ الْبَهَائِمِ وَكَيُّهَا وَكُلُّ عِلَاجٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهَا وَجَازَ قَتْلُ مَا يَضُرُّ مِنْ الْبَهَائِمِ كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالْهِرَّةِ إذَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْحَمَامَ وَالدَّجَاجَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ وَيَذْبَحُهَا وَلَا يَضُرُّ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ فَيَكُونُ مُعَذَّبًا لَهَا بِلَا فَائِدَةٍ.
[مسائل في المسابقة والقمار]
قَالَ ﵀ (وَالْمُسَابَقَةُ بِالْفَرَسِ وَالْإِبِلِ وَالْأَرْجُلِ وَالرَّمْيِ جَائِزَةٌ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا سَبْقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَوْ نَعْلٍ أَوْ حَافِرٍ وَأَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنْ يُسَابِقَ رَجُلًا كَانَ لَا يُسَابَقُ أَبَدًا فَسَبَقَهُ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ» وَقَالَ الزُّهْرِيُّ كَانَتْ الْمُسَابَقَةُ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ ﷺ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ وَالْأَرْجُلِ وَلِأَنَّ الْغُزَاةَ يَحْتَاجُونَ إلَى رِيَاضَةِ خَيْلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَالتَّعَلُّمِ لِلْكَلْبِ وَالْقِدَدِ مُبَاحٌ قَالَ ﵀ (وَحَرُمَ شَرْطُ الْجُعْلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لَا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَبَقَ بِالْخَيْلِ وَرَاهَنَ» وَمَعْنَى شَرْطِ الْجُعْلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَنْ يَقُولَ إنْ سَبَقَ فَرَسُك فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا، وَإِنْ سَبَقَ فَرَسِي فَلِي عَلَيْك كَذَا وَهُوَ قِمَارٌ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقِمَارَ مِنْ الْقَمْرِ الَّذِي يُزَادُ تَارَةً وَيُنْقَصُ أُخْرَى وَسُمِّيَ الْقِمَارُ قِمَارًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِمَارَيْنِ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ مَالُهُ إلَى صَاحِبِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَفِيدَ مَالَ صَاحِبِهِ فَيَجُوزُ الِازْدِيَادُ وَالنُّقْصَانُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَصَارَ ذَلِكَ قِمَارًا وَهُوَ حَرَامٌ بِالنَّصِّ وَلَا كَذَلِكَ إذَا شُرِطَ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ بِأَنْ يَقُولَ إنْ سَبَقْتنِي فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا، وَإِنْ سَبَقْتُك فَلَا شَيْءَ لِي عَلَيْك؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ وَالزِّيَادَةَ لَا يُمْكِنُ فِيهِمَا وَإِنَّمَا فِي أَحَدِهِمَا يُمْكِنُ الزِّيَادَةُ وَفِي الْأُخْرَى النُّقْصَانُ فَلَا يَكُونُ مُقَامَرَةً؛ لِأَنَّ الْمُقَامَرَةَ مُفَاعَلَةٌ مِنْهُ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُ جَازَ اسْتِحْسَانًا لِمَا رَوَيْنَا وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْلِيقِ الْمِلْكِ عَلَى الْخَطَرِ وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ فِيمَا عَدَا الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ كَالْبَغْلِ، وَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مَشْرُوطًا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَفِي الْحَدِيثِ إشَارَةٌ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَصَّصَ هَؤُلَاءِ وَالْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِبَاقُ بِلَا جُعْلٍ يَجُوزُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُ مَا شُرِطَ فِيهِ الْجُعْلُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ الْقِمَارُ وَالتَّعْلِيقُ بِالْخَطَرِ، وَفِي الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ هُوَ التَّعْلِيقُ بِالْخَطَرِ لَا غَيْرُ فَلَيْسَ بِمَثَلٍ لَهُ حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهِ وَشَرْطُهُ أَنْ تَكُونَ الْغَايَةُ مِمَّا تَتَحَمَّلُهَا الْفَرَسُ، وَكَذَا شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرَسَيْنِ احْتِمَالُ السَّبْقِ.
أَمَّا إذَا عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَسْبِقُ لَا مَحَالَةَ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ لِحَاجَةِ الرِّيَاضَةِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَلَيْسَ فِي هَذَا إيجَابُ الْمَالِ لِلْغَيْرِ عَلَى نَفْسِهِ بِشَرْطٍ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ وَلَوْ شَرَطَ الْجُعْلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَأَدْخَلَا ثَالِثًا مُحَلِّلًا جَازَ إذَا كَانَ فَرَسُ الْمُحَلِّلِ كُفُؤًا لِفَرَسَيْهِمَا يَجُوزُ أَنْ يَسْبِقَ أَوْ سَبَقَ فَلَا مَحَالَةَ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ الْفَرَسَيْنِ وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَا بَأْسَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا وَصُورَةُ إدْخَالِ الْمُحَلِّلِ أَنْ يَقُولَ لِلثَّالِثِ إنْ سَبَقْتنَا فَالْمَالَانِ لَك، وَإِنْ سَبَقْنَاك فَلَا شَيْءَ لَنَا عَلَيْك وَلَكِنَّ الشَّرْطَ الَّذِي شَرَطْنَاهُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَنَّ أَيَّهُمَا سَبَقَ كَانَ لَهُ الْجُعْلُ عَلَى صَاحِبِهِ
следующие страницы →