← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 12227

البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري

زين الدين ابن نجيم

Полный текст (3 122 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

عَلَى الْأَرْضِ فَاسْجُدْ وَإِلَّا فَأَوْمِ بِرَأْسِك وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ دَخَلَ عَلَى أَخِيهِ يَعُودُهُ فَوَجَدَهُ يُصَلِّي وَيُرْفَعُ إلَيْهِ عُودٌ فَيَسْجُدُ عَلَيْهِ فَنَزَعَ ذَلِكَ مِنْ يَدِ مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ وَقَالَ هَذَا شَيْءٌ عَرَضَ لَكُمْ الشَّيْطَانُ أَوْمِ بِسُجُودِك وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى ذَلِكَ مِنْ مَرِيضٍ فَقَالَ أَتَتَّخِذُونَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً اهـ. وَاسْتَدَلَّ لِلْكَرَاهَةِ فِي الْمُحِيطِ بِنَهْيِهِ ﵇ عَنْهُ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ وَأَرَادَ بِخَفْضِ الرَّأْسِ خَفْضَهَا لِلرُّكُوعِ ثُمَّ لِلسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ حَتَّى لَوْ سَوَّى لَمْ يَصِحَّ كَمَا ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَلَوْ رَفَعَ الْمَرِيضُ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُخْفِضَ بِرَأْسِهِ لِسُجُودِهِ أَكْثَرَ مِنْ رُكُوعِهِ ثُمَّ يَلْزَقُهُ بِجَبِينِهِ فَيَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمَّا عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِيمَاءُ وَالسُّجُودُ عَلَى الشَّيْءِ الْمَرْفُوعِ لَيْسَ بِالْإِيمَاءِ إلَّا إذَا حَرَّكَ رَأْسَهُ فَيَجُوزُ لِوُجُودِ الْإِيمَاءِ لَا لِوُجُودِ السُّجُودِ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ اهـ. وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ قُيِّدَ بِكَوْنِ فَرْضِهِ الْإِيمَاءَ لِعَجْزِهِ عَنْ السُّجُودِ إذْ لَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَرُفِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ فَسَجَدَ عَلَيْهِ قَالُوا إنْ كَانَ إلَى السُّجُودِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى الْقُعُودِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ ثُمَّ إذَا وُجِدَ الْإِيمَاءُ فَهُوَ مُصَلٍّ بِالْإِيمَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ لَا بِالسُّجُودِ حَتَّى لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ مَنْ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ بِهِ. (قَوْلُهُ وَإِنْ تَعَذَّرَ الْقُعُودُ أَوْمَأَ مُسْتَلْقِيًا أَوْ عَلَى جَنْبِهِ) لِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ وَالتَّخَيُّرُ بَيْنَ الِاسْتِلْقَاءِ عَلَى الْقَفَا وَالِاضْطِجَاعِ عَلَى الْجَنْبِ جَوَابُ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ كَالْهِدَايَةِ وَشُرُوحِهَا وَفِي الْقُنْيَةِ مَرِيضٌ اضْطَجَعَ عَلَى جَنْبِهِ وَصَلَّى وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِاسْتِلْقَاءِ قِيلَ يَجُوزُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ تَعَذَّرَ الِاسْتِلْقَاءُ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ اهـ. وَهَذَا الْأَظْهَرُ خَفِيٌّ وَالْأَظْهَرُ الْجَوَازُ وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ الِاسْتِلْقَاءَ لِبَيَانِ الْأَفْضَلِ وَهُوَ جَوَابُ الْمَشْهُورِ مِنْ الرِّوَايَاتِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ السَّابِقِ وَلِلتَّصْرِيحِ بِهِ فِي الْآيَةِ وَلِأَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ يَحْصُلُ بِهِ وَلِهَذَا يُوضَعُ فِي الْحَدِّ هَكَذَا لِيَكُونَ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ فَأَمَّا الْمُسْتَلْقِي يَكُونُ مُسْتَقْبِلَ السَّمَاءِ وَإِنَّمَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ رِجْلَاهُ فَقَطْ وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «قَالَ فِي الْمَرِيضِ إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَاعِدًا فَعَلَى الْقَفَا يُومِئُ إيمَاءً» وَلِأَنَّ التَّوَجُّهَ إلَى الْقِبْلَةِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ فَرْضٌ وَذَلِكَ فِي الِاسْتِلْقَاءِ لِأَنَّ الْإِيمَاءَ هُوَ تَحْرِيكُ الرَّأْسِ فَإِذَا صَلَّى مُسْتَلْقِيًا يَقَعُ إيمَاؤُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَإِذَا صَلَّى عَلَى الْجَنْبِ يَقَعُ مُنْحَرِفًا عَنْهَا وَلَا يَجُوزُ الِانْحِرَافُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَقِيلَ إنَّ الْمَرَضَ الَّذِي كَانَ بِعِمْرَانَ بَاسُورٌ فَكَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَلْقِيَ عَلَى قَفَاهُ وَالْمُرَادُ فِي الْآيَةِ الِاضْطِجَاعُ يُقَالُ فُلَانٌ وَضَعَ جَنْبَهُ إذَا نَامَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَلْقِيًا بِخِلَافِ الْوَضْعِ فِي اللَّحْدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمَيِّتِ فِعْلٌ يَجِبُ تَوْجِيهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ لِيُوضَعَ مُسْتَلْقِيًا فَكَانَ الِاسْتِقْبَالُ فِي الْوَضْعِ ــ [منحة الخالق] [تَعَذَّرَ عَلَيَّ الْمَرِيضِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ] (قَوْلُهُ هَذَا شَيْءٌ عَرَضَ لَكُمْ الشَّيْطَانُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ عِبَارَةُ مَجْمَعِ الدِّرَايَةِ هَذَا مَا عَرَضَ لَكُمْ بِهِ الشَّيْطَانُ وَعِبَارَةُ غَايَةِ الْبَيَانِ وَهَذَا مَا عَرَضَ لَكُمْ بِهِ الشَّيْطَانُ (قَوْلُهُ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ) أَقُولُ: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فَإِنْ كَانَتْ الْوِسَادَةُ مَوْضُوعَةً عَلَى الْأَرْضِ وَكَانَ يَسْجُدُ عَلَيْهَا جَازَتْ صَلَاتُهُ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ «أُمَّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - كَانَتْ تَسْجُدُ عَلَى مُرَقَّعَةٍ مَوْضُوعَةٍ بَيْنَ يَدَيْهَا لِعِلَّةٍ كَانَتْ بِهَا وَلَمْ يَمْنَعْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ» اهـ. وَهَذَا يُفِيدُ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْكَرَاهَةُ فِيمَا إذَا رَفَعَهُ شَخْصٌ آخَرُ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَعَدَمُهَا فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ رَأَيْت الْقُهُسْتَانِيَّ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَا يُرْفَعُ إلَى وَجْهِهِ شَيْءٌ يَسْجُدُ عَلَيْهِ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ عَلَى شَيْءٍ مَرْفُوعٍ مَوْضُوعٍ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يُكْرَهْ وَلَوْ سَجَدَ عَلَى دُكَّانٍ دُونَ صَدْرِهِ يَجُوزُ كَالصَّحِيحِ لَكِنْ لَوْ زَادَ يُومِئُ وَلَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَوْ رَفَعَ الْمَرِيضُ شَيْئًا إلَخْ) أَيْ بِأَنْ أَخَذَ بِيَدِهِ عُودًا أَوْ حَجَرًا وَوَضَعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ لَمْ يَجُزْ مَا لَمْ يَخْفِضْ رَأْسَهُ (قَوْلُهُ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ ثُمَّ إذَا وَجَدَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَالَ الشَّارِحُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضُوعُ يَصِحُّ السُّجُودُ عَلَيْهِ كَانَ سُجُودًا وَإِلَّا فَإِيمَاءً اهـ. وَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ خَفْضَ الرَّأْسِ بِالرُّكُوعِ لَيْسَ إلَّا إيمَاءً وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ السُّجُودُ دُونَ الرُّكُوعِ وَلَوْ كَانَ الْمَوْضُوعُ مِمَّا يَصِحُّ السُّجُودُ عَلَيْهِ اهـ. وَأَجَابَ عَنْهُ فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ خَفْضَ الرَّأْسِ إلَخْ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْمَرِيضِ وَغَيْرِهِ حَيْثُ جَعَلَ خَفْضَ الرَّأْسِ لِلرُّكُوعِ مِنْ الصَّحِيحِ رُكُوعًا وَمِنْ الْمَرِيضِ إيمَاءً. اهـ. قُلْت بَلْ مَا ذَكَرَهُ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ قَدْ مَرَّ أَنَّ الْمَفْرُوضَ مِنْ الرُّكُوعِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَأَكْثَرُ الْكُتُبِ أَصْلُ الِانْحِنَاءِ وَالْمَيْلِ وَعَنْ الْحَاوِي الرُّكُوعُ انْحِنَاءُ الظَّهْرِ وَأَمَّا مَا فِي الْمُنْيَةِ أَنَّهُ طَأْطَأَةُ الرَّأْسِ فَالْمُرَادُ بِهِ مَعَ انْحِنَاءِ الظَّهْرِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ فِي شَرْحِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ مَبْسُوطًا فِي مَحَلِّهِ وَسَيَأْتِي مَا يُوَضِّحُهُ فَالْأَوْلَى حَمْلُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ عَلَى مَا إذَا وَجَدَ أَدْنَى انْحِنَاءِ الظَّهْرِ لِيَكُونَ رُكُوعًا حَقِيقَةً فَالثَّمَرَةُ صِحَّةُ اقْتِدَاءِ الرَّاكِعِ السَّاجِدِ بِهِ لِأَنَّهُ اقْتِدَاءُ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ الَّذِي يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَذَلِكَ صَحِيحٌ. [تَعَذَّرَ عَلَيَّ الْمَرِيضِ الْقُعُودُ فِي الصَّلَاةُ] (قَوْلُهُ وَلَنَا مَا رُوِيَ إلَخْ) قُلْت هَذَا الِاسْتِدْلَال إنَّمَا يُنَاسِبُ مَا اسْتَظْهَرَهُ فِي الْقُنْيَةِ تَأَمَّلْ

стр. 527

عَلَى الْجَنْبِ وَأَطْلَقَ فِي تَعَذُّرِ الْقُعُودِ فَشَمِلَ التَّعَذُّرَ الْحُكْمِيَّ كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ وَلَكِنْ بَزَغَ الْمَاءُ مِنْ عَيْنَيْهِ فَأَمَرَهُ الطَّبِيبُ أَنْ يَسْتَلْقِيَ أَيَّامًا عَلَى ظَهْرِهِ وَنَهَاهُ عَنْ الْقُعُودِ وَالسُّجُودِ أَجْزَأَهُ أَنْ يَسْتَلْقِيَ وَيُصَلِّيَ بِالْإِيمَاءِ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْأَعْضَاءِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقُعُودِ صَلَّى مُضْطَجِعًا عَلَى قَفَاهُ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَرَأْسُهُ إلَى الْمَشْرِقِ وَرِجْلَاهُ إلَى الْمَغْرِبِ وَفِي الْمُجْتَبَى وَيَنْبَغِي لِلْمُسْتَلْقِي أَنْ يَنْصِبَ رُكْبَتَيْهِ إنْ قَدَرَ حَتَّى لَا يَمُدُّ رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَفِي الْعِنَايَةِ يَجْعَلُ وِسَادَةً تَحْتَ رَأْسِهِ حَتَّى يَكُونَ شَبَهَ الْقَاعِدِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِيمَاءِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِلْقَاءِ تَمْنَعُ الْأَصِحَّاءَ عَنْ الْإِيمَاءِ فَكَيْفَ بِالْمَرْضَى وَاقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ عَلَى بَيَانِ الْبَدَلِ لِلْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ أَعْنِي الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا بَدَلَ لَهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا فَيُصَلِّي بِغَيْرِ الْقِرَاءَةِ وَفِي الْمُجْتَبَى قِيلَ فِي الْأُمِّيِّ وَالْأَخْرَسِ يَجِبُ تَحْرِيكُ الشَّفَةِ وَاللِّسَانِ كَتَلْبِيَةِ الْحَجِّ وَقِيلَ لَا يَجِبُ وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ إلَّا قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَأْتِي بِهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَلَا يُكَرِّرُهَا بِخِلَافِ التَّحِيَّاتِ فِي التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يُكَرِّرُهَا قَدْرَ التَّشَهُّدِ لِكَوْنِ الْقُعُودِ مُقَدَّرًا اهـ. وَأَشَارَ بِسُقُوطِ الْأَرْكَانِ عِنْدَ الْعَجْزِ إلَى سُقُوطِ الشَّرَائِطِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا بِالْأَوْلَى فَلَوْ كَانَ وَجْهُ الْمَرِيضِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّحْوِيلِ إلَيْهَا بِنَفْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ يُصَلِّي كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إلَّا ذَلِكَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبُرْءِ فِي ظَاهِرِ الْجَوَابِ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ تَحْصِيلِ الشَّرَائِطِ لَا يَكُونُ فَوْقَ الْعَجْزِ عَنْ تَحْصِيلِ الْأَرْكَانِ وَثَمَّةَ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ فَهَاهُنَا أَوْلَى كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِي الْخُلَاصَةِ فَإِنْ وَجَدَ أَحَدًا يُحَوِّلُهُ فَلَمْ يَأْمُرْهُ وَصَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ بِقُوَّةِ الْغَيْرِ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ عِنْدَهُ وَعَلَى هَذَا لَوْ صَلَّى عَلَى فِرَاشٍ نَجِسٍ وَوَجَدَ أَحَدًا يُحَوِّلُهُ إلَى مَكَان طَاهِرٍ ثُمَّ قَالَ مَرِيضٌ مَجْرُوحٌ تَحْتَهُ ثِيَابٌ نَجِسَةٌ إنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يُبْسَطُ تَحْتَهُ شَيْءٌ إلَّا تَنَجَّسَ مِنْ سَاعَتِهِ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَالِهِ وَكَذَا لَوْ لَمْ يَتَنَجَّسْ الثَّانِي إلَّا أَنَّهُ يَزْدَادُ مَرَضُهُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ اهـ. وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ الْمَرِيضُ إذَا كَانَ لَا يُمْكِنْهُ الْوُضُوءُ أَوْ التَّيَمُّمُ وَلَهُ جَارِيَةٌ فَعَلَيْهَا أَنْ تُوَضِّئَهُ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ وَطَاعَةُ الْمَالِكِ وَاجِبَةٌ إذَا عَرِيَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَإِذَا كَانَ لَهُ امْرَأَةٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُوَضِّئَهُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ إلَّا إذَا تَبَرَّعَتْ فَهُوَ إعَانَةٌ عَلَى الْبِرِّ وَالْعَبْدُ الْمَرِيضُ إذَا كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَوَضَّأَ يَجِبُ عَلَى مَوْلَاهُ أَنْ يُوَضِّئَهُ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ الْمَرِيضَةِ حَيْثُ لَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَتَعَاهَدَهَا لِأَنَّ الْمُعَاهَدَةَ إصْلَاحُ الْمِلْكِ وَإِصْلَاحُ الْمِلْكِ عَلَى الْمَالِكِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ حُرَّةٌ فَكَانَ إصْلَاحُهَا عَلَيْهَا اهـ. وَفِي التَّجْنِيسِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مُتَوَضِّئٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَكَان طَاهِرٍ وَقَدْ حَضَرَتْ الصَّلَاةُ صَلَّى بِالْإِيمَاءِ ثُمَّ يُعِيدُ مَا صَلَّى بِالْإِيمَاءِ قَضَاءً لِحَقِّ الْوَقْتِ بِالتَّشَبُّهِ وَإِنَّمَا يُعِيدُ لِأَنَّ الْعُذْرَ جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْعَبْدِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يُصَلِّي الْمَاشِي وَهُوَ يَمْشِي وَلَا السَّابِحُ وَهُوَ يَسْبَحُ فِي الْبَحْرِ وَلَا السَّائِفُ وَهُوَ يَضْرِبُ بِالسَّيْفِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ مُنَافِيَةٌ لِلصَّلَاةِ وَلِهَذَا «شُغِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَلَاتِهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ لِأَجْلِ الْقِتَالِ ثُمَّ قَالَ الْغَرِيقُ فِي الْبَحْرِ إذَا حَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ إنْ وَجَدَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَوْ كَانَ مَاهِرًا فِي السِّبَاحَةِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ بِالْإِيمَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَاجَ فِيهِ إلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ أَدَاءُ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ مَاهِرًا فِي السِّبَاحَةِ يُعْذَرُ بِالتَّأْخِيرِ إلَى أَنْ يَخْرُجَ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ» اهـ. وَفِي الْقُنْيَةِ مَرِيضٌ لَا يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ إلَّا بِأَصْوَاتٍ مِثْلَ أُوهْ وَنَحْوِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ وَلَوْ اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَصَلَّى صَلَاةَ الْأَخْرَسِ ثُمَّ انْطَلَقَ لِسَانُهُ لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ. (قَوْلُهُ وَإِلَّا أُخِّرَتْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ أُخِّرَتْ الصَّلَاةُ إلَى الْقُدْرَةِ وَفِي الْهِدَايَةِ وَقَوْلُهُ أُخِّرَتْ عَنْهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إذَا كَانَ مُفِيقًا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ يَفْهَمُ مَضْمُونَ الْخِطَابِ بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ اهـ. ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَرَأْسُهُ إلَى الْمَشْرِقِ إلَخْ) هَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي بِلَادِهِمْ كَبُخَارَى وَمَا وَالَاهَا مِمَّا هُوَ جِهَةُ الْمَشْرِقِ فَإِنَّ قِبْلَتَهُمْ تَكُونُ إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ وَأَمَّا فِي بِلَادِنَا الشَّامِيَّةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ بَلْ إذَا اضْطَجَعَ عَلَى قَفَاهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ يَكُونُ رَأْسُهُ إلَى الشِّمَالِ وَالْمَغْرِبُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَشْرِقُ عَنْ يَسَارِهِ وَعَلَى مَا ذُكِرَ فَمَنْ كَانَ فِي جِهَةِ الْمَغْرِبِ يَكُونُ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى عَكْسِ مَا قَالَهُ (قَوْلُهُ وَفِي التَّجْنِيسِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَحْبُوسُ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ آخِرُ الْكَلَامِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً) اُنْظُرْ مَا فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِهِ.

стр. 528

وَذَهَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَقَاضِي خَانْ وَقَاضِي غَنِيٍّ إلَى أَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ السُّقُوطُ عَنْ الْكَثْرَةِ لَا الْقِلَّةِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي الْخُلَاصَةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْلِ لَا يَكْفِي لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ وَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ وَجَزَمَ بِهِ الْوَلْوَالِجِيُّ وَصَاحِبُ التَّجْنِيسِ مُخَالِفًا لِمَا فِي الْهِدَايَةِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي وَصَحَّحَهُ فِي الْيَنَابِيعِ وَرَجَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ اهـ. وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِقَبُولِ الْعُذْرِ أَيْ عُذْرِ السُّقُوطِ وَعَلَى مَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مَعْنَاهُ بِقَبُولِ عُذْرِ التَّأْخِيرِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَاسْتَشْهَدَ قَاضِي خَانْ بِمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِيمَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ وَرِجْلَاهُ مِنْ السَّاقَيْنِ لَا صَلَاةَ عَلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْلِ لَا يَكْفِي لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ وَرَدَّهُ فِي التَّبْيِينِ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى السُّقُوطِ لِأَنَّ هُنَاكَ الْعَجْزَ مُتَّصِلٌ بِالْمَوْتِ وَكَلَامُنَا فِيمَا إذَا صَحَّ الْمَرِيضُ حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمَرِيضُ أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ الْإِيصَاءُ بِهِ فَصَارَ كَالْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ إذَا أَفْطَرَا فِي رَمَضَانَ وَمَاتَا قَبْلَ الْإِقَامَةِ وَالصِّحَّةِ اهـ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ مَا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ يُوهِمُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ عَدَمُ السُّقُوطِ مُطْلَقًا وَالسُّقُوطُ مُطْلَقًا وَالتَّفْصِيلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْفَوَائِتَ إذَا كَانَتْ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ أَقَلَّ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ إنَّمَا مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ فِيمَا إذَا كَثُرَتْ وَزَادَتْ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا قَوْلَانِ وَلِأَنَّ قَاضِي خَانْ صَحَّحَ التَّفْصِيلَ فِي الْفَتَاوَى وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ صَحَّحَ عَدَمَ السُّقُوطِ مُطْلَقًا فِيمَا إذَا بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ أَمَّا إذَا مَاتَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَلْقَى اللَّهَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّ مَحِلَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ فِي مَرَضِهِ عَلَى الْإِيمَاءِ بِالرَّأْسِ أَمَّا إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ عَجْزِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ يَجِبُ مُوسِعًا لِتَظْهَرَ فَائِدَتُهُ فِي الْإِيصَاءِ بِالْإِطْعَامِ عَنْهُ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ هَذَا الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ إنْ دَامَ بِهِ الْمَرَضُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ لَا يَقْضِي إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَهُوَ يَعْقِلُ قَضَى إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ وَهُوَ يَعْقِلُ أَوْ أَقَلَّ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ فَهُوَ مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ وَفِي الْقُنْيَةِ وَلَا فِدْيَةَ فِي الصَّلَاةِ حَالَةَ الْحَيَاةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَلَوْ كَانَ يَشْتَبِهُ عَلَى الْمَرِيضِ أَعْدَادُ الرَّكَعَاتِ أَوْ السَّجَدَاتِ لِنُعَاسٍ يَلْحَقُهُ لَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ وَلَوْ أَدَّاهَا بِتَلْقِينِ غَيْرِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَهُ اهـ. (قَوْلُهُ وَلَمْ يُومِ بِعَيْنِهِ وَقَلْبِهِ وَحَاجِبِهِ) وَقَالَ زُفَرُ يُومِئُ بِحَاجِبِهِ فَإِنْ عَجَزَ فَبِعَيْنَيْهِ فَإِنْ عَجَزَ فَبِقَلْبِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِعَيْنَيْهِ وَقَلْبِهِ وَقَالَ الْحَسَنُ بِحَاجِبِيهِ وَقَلْبِهِ وَيُعِيدُ إذَا صَحَّ وَالصَّحِيحُ مَذْهَبُنَا لِحَدِيثِ عِمْرَانَ وَابْنِ عُمَرَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْإِيمَاءَ بِرَأْسِهِ فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنْهُ وَلِأَنَّ فَرْضَ السُّجُودِ تَعَلَّقَ بِالرَّأْسِ دُونَ الْعَيْنِ وَالْقَلْبِ وَالْحَاجِبِ فَلَا يُنْقَلُ إلَيْهَا كَالْيَدِ وَاعْتِبَارًا بِالصَّوْمِ وَالْحَجِّ حَيْثُ لَا يَنْتَقِلَانِ إلَى الْقَلْبِ بِالْعَجْزِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الْمَرِيضُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ــ [منحة الخالق] [لَمْ يَقْدِرْ المصلي الْمَرِيض عَلَى الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ] (قَوْلُهُ وَرَدَّهُ فِي التَّبْيِينِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا الْفَرْقُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ عَلَيْهِ لَكِنْ قَدَّمْنَا فِي الطَّهَارَةِ تَرْجِيحَ الْوُجُوبِ بِلَا طَهَارَةٍ (قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ إلَخْ) أَقُولُ: قَدْ ذَكَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة بَعْدَ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَسْقُطُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ. اهـ. (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّ مَحَلَّهُ إلَخْ) هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَا إشْكَالَ فِيهِ وَيُوجَدُ زِيَادَةٌ فِي بَعْضِهَا وَنَصُّهَا وَقَدْ بَحَثَ فِيهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ كَلَامَهُمْ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حَتَّى يَجِبَ الْإِيصَاءُ عَلَيْهِ إذَا قَدَرَ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إلَخْ قَالَ الرَّمْلِيُّ قَوْلُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ إلَخْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ غَلَطٌ وَاَلَّذِي فِي الْبَدَائِعِ ثُمَّ إذَا سَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَاةُ بِحُكْمِ الْعَجْزِ فَإِنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ وَقْتَ الْقَضَاءِ وَأَمَّا إذَا بَرِئَ وَصَحَّ فَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ أَقَلَّ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِالْإِجْمَاعِ إلَى آخِرِ مَا فِيهَا فَهَذَا وَارِدٌ عَلَى بَحْثِ الْكَمَالِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ اهـ. قُلْت لَمْ يَظْهَرْ لِي الْمُخَالَفَةُ فِي كَلَامِ الْفَتْحِ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ فَإِنَّ نَصَّ كَلَامِهِ بَعْدَ نَقْلِهِ عِبَارَةَ التَّبْيِينِ السَّابِقَةَ هَكَذَا وَمَنْ تَأَمَّلَ تَعْلِيلَ الْأَصْحَابِ فِي الْأُصُولِ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَجْنُونَ يُفِيقُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ وَلَوْ سَاعَةً يَلْزَمُهُ قَضَاءُ كُلِّ الشَّهْرِ وَكَذَا الَّذِي جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَقْضِي وَفِيمَا دُونَهَا يَقْضِي انْقَدَحَ فِي ذِهْنِهِ إيجَابُ الْقَضَاءِ عَلَى هَذَا الْمَرِيضِ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حَتَّى يَلْزَمَ الْإِيصَاءُ بِهِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ وَسُقُوطُهُ إنْ زَادَ ثُمَّ رَأَيْت عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ إنْ كَانَتْ الْفَوَائِتُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ وَجَبَ قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ. كَلَامُ الْفَتْحِ فَأَنْتَ تَرَاهُ مَاشٍ عَلَى مَا صَحَّحَهُ قَاضِي خَانْ غَيْرَ أَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ مَا دُونَ الْأَكْثَرِ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَقْضِهِ يَلْزَمُهُ الْإِيصَاءُ بِهِ وَهُوَ مَا بَحَثَهُ الْمُؤَلِّفُ وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الصَّحِيفَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ وَعَدَمُ كَرَاهَةِ الْقُعُودِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ هَكَذَا هُوَ فِي نُسْخَةِ الْمُحَشِّيِّ وَأَثْبَتْنَاهُ تَبَعًا لَهَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سَاقِطٌ وَعَلَيْهِ ظُهُورُ الْمَعْنَى تَأَمَّلْ اهـ. مُصَحِّحُهُ.

стр. 529

لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْفِعْلُ اهـ. فَعَلَى هَذَا حَقِيقَةُ الْإِيمَاءِ إنَّمَا هِيَ طَأْطَأَةُ الرَّأْسِ. (قَوْلُهُ وَإِنْ تَعَذَّرَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لَا الْقِيَامُ أَوْمَأَ قَاعِدًا) لِأَنَّ رُكْنِيَّةَ الْقِيَامِ لِلتَّوَصُّلِ بِهِ إلَى السَّجْدَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ نِهَايَةِ التَّعْظِيمِ وَإِذَا كَانَ لَا يَتَعَقَّبُهُ السُّجُودُ لَا يَكُونُ رُكْنًا فَيَتَخَيَّرُ وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْإِيمَاءُ قَاعِدًا لِأَنَّهُ أَشْبَهَ بِالسُّجُودِ وَلَا تُرَدُّ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ حَيْثُ لَمْ يَلْزَمْهُ ثَمَّةَ سُقُوطُ الْقِيَامِ بِسَبَبِ سُقُوطِ السُّجُودِ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ حَقِيقَةً بَلْ هِيَ دُعَاءٌ وَفِي الْمُجْتَبَى وَإِنْ أَوْمَأَ بِالسُّجُودِ قَائِمًا لَمْ يُجْزِهِ وَهَذَا أَحْسَنُ وَأَقْيَسُ كَمَا لَوْ أَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ جَالِسًا لَا يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ. اهـ. وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ جَوَازُ الْإِيمَاءِ بِهِمَا قَائِمًا وَقَاعِدًا كَمَا لَا يَخْفَى وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ إنْ صَلَّى بِالْإِيمَاءِ قَائِمًا لَا يَسِيلُ جُرْحُهُ وَإِنْ رَكَعَ وَسَجَدَ يَسِيلُ جُرْحُهُ يُصَلِّي قَائِمًا وَيُومِئُ لِلرُّكُوعِ ثُمَّ يَجْلِسُ وَيُومِئُ لِلسُّجُودِ لِيَكُونَ أَدَاءُ الصَّلَاةِ مَعَ الطَّهَارَةِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَلِكَ وَصَلَّى قَائِمًا هَكَذَا وَيُومِئُ إيمَاءً لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْإِيمَاءَ لِلسُّجُودِ جَالِسًا أَقْرَبُ إلَى حَقِيقَةِ السُّجُودِ اهـ. وَأَوْمَأَ بِالْهَمْزِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ. (قَوْلُهُ وَلَوْ مَرِضَ فِي صَلَاتِهِ يُتِمُّ بِمَا قَدَرَ) يَعْنِي قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ أَوْ مُومِئًا إنْ تَعَذَّرَ أَوْ مُسْتَلْقِيًا إنْ لَمْ يَقْدِرْ لِأَنَّهُ بِنَاءُ الْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى فَصَارَ كَالِاقْتِدَاءِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا صَارَ إلَى حَالَةِ الْإِيمَاءِ يَسْتَقْبِلُ الصَّلَاةَ لِأَنَّ تَحْرِيمَتَهُ انْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا تَجُوزُ بِدُونِهِمَا وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ إذَا بَنَى كَانَ بَعْضُ الصَّلَاةِ كَامِلًا وَبَعْضُهَا نَاقِصًا وَإِذَا اسْتَقْبَلَ كَانَتْ كُلُّهَا نَاقِصَةً فَلَأَنْ يُؤَدِّيَ بَعْضَهَا كَامِلًا أَوْلَى وَهُوَ الصَّحِيحُ (قَوْلُهُ وَلَوْ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ فَصَحَّ بَنَى وَلَوْ كَانَ مُومِيًا لَا) أَيْ لَوْ كَانَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ فَصَحَّ لَا يَبْنِي لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الرَّاكِعِ بِالْمُومِئِ فَكَذَا الْبِنَاءُ وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ الَّذِي يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَمَا سَبَقَ قَيَّدَ بِكَوْنِهِ صَلَّى بِالْإِيمَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ افْتَتَحَهَا بِالْإِيمَاءِ ثُمَّ قَدَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ بِالْإِيمَاءِ جَازَ لَهُ أَنْ يُتِمَّهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ رُكْنًا بِالْإِيمَاءِ وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ تَحْرِيمَةٍ فَلَا يَكُونُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُومِئُ مُضْطَجِعًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّ حَالَةَ الْقُعُودِ أَقْوَى فَلَا يَجُوزُ بِنَاؤُهُ عَلَى الضَّعِيفِ. (قَوْلُهُ وَلِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يَتَّكِئَ عَلَى شَيْءٍ إنْ أَعْيَا) أَيْ تَعِبَ لِأَنَّهُ عُذْرٌ أُطْلِقَ فِي الشَّيْءِ فَشَمِلَ الْعَصَا وَالْحَائِطَ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْقُعُودُ إلَّا إذَا عَجَزَ لِمَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ إنْ أَعْيَا لِأَنَّ الِاتِّكَاءَ مَكْرُوهٌ بِغَيْرِ عُذْرٍ لِأَنَّهُ إسَاءَةٌ فِي الْأَدَبِ وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَالصَّحِيحُ كَرَاهَتُهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَعَدَمُ كَرَاهَةِ الْقُعُودِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ عِنْدَهُ. [صَلَّى فِي فُلْكٍ قَاعِدًا بِلَا عُذْرٍ] (قَوْلُهُ وَلَوْ صَلَّى فِي فُلْكٍ قَاعِدًا بِلَا عُذْرٍ صَحَّ) يَعْنِي صَلَّى فَرْضًا قَاعِدًا بِلَا عُذْرٍ صَحَّتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَدْ أَسَاءَ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَقَالَا لَا يُجْزِئُهُ إلَّا مِنْ عِلَّةٍ لِأَنَّ الْقِيَامَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فَلَا يُتْرَكُ وَلَهُ أَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا دَوَرَانُ الرَّأْسِ وَهُوَ كَالْمُحَقَّقِ الْآنَ أَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ وَالْخُرُوجُ أَفْضَلُ إنْ أَمْكَنَهُ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِقَلْبِهِ وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْمَرْبُوطَةِ وَالْمَرْبُوطَةُ كَالشَّطِّ هُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْمَرْبُوطَةِ بِالشَّطِّ أَمَّا إذَا كَانَتْ مَرْبُوطَةً فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ فَالْأَصَحُّ إنْ كَانَ الرِّيحُ يُحَرِّكُهَا شَدِيدًا فَهِيَ كَالسَّائِرَةِ وَإِلَّا فَكَالْوَاقِفَةِ ثُمَّ ظَاهِرُ الْهِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَالِاخْتِيَارِ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي الْمَرْبُوطَةِ فِي الشَّطِّ مُطْلَقًا وَفِي الْإِيضَاحِ فَإِنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً فِي الشَّطِّ وَهِيَ عَلَى قَرَارِ الْأَرْضِ فَصَلَّى قَائِمًا جَازَ لِأَنَّهَا إذَا ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ فَعَلَى هَذَا إلَخْ) أَقُولُ: هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ طَأْطَأَةِ الرَّأْسِ لَا تَكُونُ رُكُوعًا وَإِلَّا لَسَمَّوْهُ رُكُوعًا وَاقْتَصَرُوا عَلَى ذِكْرِ الْإِيمَاءِ لِلسُّجُودِ فَلَا بُدَّ فِي الرُّكُوعِ مِنْ انْحِنَاءٍ كَمَا مَرَّ وَإِلَّا فَهُوَ إيمَاءٌ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفُ أَوْمَأَ قَاعِدًا) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ صَلَّى قَاعِدًا إذْ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ لِلْقِرَاءَةِ فَإِذَا جَاءَ أَوَانُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْمَأَ قَاعِدًا. اهـ. قُلْت: وَمُقْتَضَاهُ افْتِرَاضُ التَّحْرِيمَةِ قَائِمًا أَيْضًا وَلَمْ أَرَ مَا ذَكَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ الَّتِي عِنْدِي مِنْ فَتَاوَى وَشُرُوحٍ وَغَيْرِهَا بَلْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى سُقُوطِ رُكْنِيَّةِ الْقِيَامِ وَإِنْ شَرْعِيَّتُهُ لِلتَّوَصُّلِ إلَى السُّجُودِ عَلَى أَنَّ الْقُعُودَ قِيَامٌ مِنْ وَجْهٍ وَلِذَا جَوَّزُوا اقْتِدَاءَ الرَّاكِعِ السَّاجِدِ بِالْقَاعِدِ وَمِمَّنْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ صَلَّى قَاعِدًا يُومِئُ إيمَاءً الْقُدُورِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ فِي كِتَابِهِ الْهِدَايَةِ وَكِتَابِهِ مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ وَهِيَ عِبَارَةُ الْكَرْخِيِّ أَيْضًا كَمَا فِي السِّرَاجِ بَلْ يَلْزَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنْ لَا يَسْقُطَ الرُّكُوعُ عَنْهُ إذَا عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ فَقَطْ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهُ قَائِمًا كَالْقِرَاءَةِ مَعَ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ كَمَا مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ وَبَعْدَ هَذَا فَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ مَنْقُولًا فَهُوَ مَقْبُولٌ وَإِنْ كَانَ قَالَهُ قِيَاسًا عَلَى مَا إذَا قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الْقِيَامِ حَيْثُ يَلْزَمُهُ وَتَلْزَمُهُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ فَالْفَرْقُ جَلِيٌّ لَا يَخْفَى فَلْيُرَاجِعْ. (قَوْلُهُ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِي هَذِهِ الْإِشَارَةِ نَظَرٌ قُلْت

стр. 530

اسْتَقَرَّتْ عَلَى الْأَرْضِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأَرْضِ فَإِنْ كَانَتْ مَرْبُوطَةً وَيُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهَا لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَسْتَقِرَّ فَهِيَ كَالدَّابَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَقَرَّتْ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ كَالسَّرِيرِ وَاخْتَارَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِحَالَةٍ يُدَوِّرُ رَأْسَهُ لَوْ قَامَ تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا قَاعِدًا وَأَرَادَ بِالصَّلَاةِ قَاعِدًا أَنْ تَكُونَ بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بِالْإِيمَاءِ لَا تَجُوزُ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ وَأَطْلَقَهَا فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ بِجَمَاعَةٍ فَلَوْ اقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ فِي سَفِينَةٍ أُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ السَّفِينَتَانِ مَقْرُونَتَيْنِ جَازَ لِأَنَّهُمَا بِالِاقْتِرَانِ صَارَتَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَتَا مُنْفَصِلَتَيْنِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ تَخَلُّلَ مَا بَيْنَهُمَا بِمَنْزِلَةِ النَّهْرِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي سَفِينَةٍ وَالْمُقْتَدُونَ عَلَى الْحَدِّ وَالسَّفِينَةُ وَاقِفَةٌ فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ طَرِيقٌ أَوْ مِقْدَارُ نَهْرٍ عَظِيمٍ لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُمْ بِهِ لِأَنَّ الطَّرِيقَ وَمِثْلَ هَذَا النَّهْرِ يَمْنَعَانِ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ وَمَنْ وَقَفَ عَلَى أَطْلَالِ السَّفِينَةِ يَقْتَدِي بِالْإِمَامِ فِي السَّفِينَةِ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَامَ الْإِمَامِ لِأَنَّ السَّفِينَةَ كَالْبَيْتِ وَاقْتِدَاءُ الْوَاقِفِ عَلَى السَّطْحِ بِمَنْ هُوَ فِي الْبَيْتِ صَحِيحٌ إذَا لَمْ يَكُنْ أَمَامَ الْإِمَامِ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ حَالُهُ كَذَا هَاهُنَا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَقَيَّدَ بِتَرْكِ الْقِيَامِ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ اسْتِقْبَالَ وَجْهِهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ لَا يُجْزِئُهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا بِوَجْهِهِمْ الْقِبْلَةَ كُلَّمَا دَارَتْ السَّفِينَةُ يُحَوِّلُ وَجْهَهُ إلَيْهَا كَذَا فِي الْإِسْبِيجَابِيِّ. (قَوْلُهُ وَمَنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ قَضَى وَلَوْ أَكْثَرَ لَا) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إذَا اسْتَوْعَبَ الْإِغْمَاءَ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلَةٍ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُدَّةَ إذَا طَالَتْ كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ فَيُحْرَجُ فِي الْأَدَاءِ وَإِذَا قَصُرَتْ قُلْت فَلَا حَرَجَ وَالْكَثِيرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ وَالْجُنُونِ كَالْإِغْمَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي تَحْرِيرِ الْأُصُولِ الْجُنُونُ يُنَافِي شَرْطَ الْعِبَادَاتِ وَهِيَ النِّيَّةُ فَلَا تَجِبُ مَعَ الْمُمْتَدِّ مِنْهُ مُطْلَقًا لِلْحَرَجِ وَمَا لَا يَمْتَدُّ طَارِئًا جُعِلَ كَالنَّوْمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَارِضٌ يَمْنَعُ فَهْمَ الْخِطَابِ زَالَ قَبْلَ الِامْتِدَادِ وَلِأَنَّهُ لَا يَنْفِي أَصْلَ الْوُجُوبِ إذْ هُوَ بِالذِّمَّةِ وَهِيَ لَهُ حَتَّى وَرِثَ وَمَلَكَ وَكَانَ أَهْلًا لِلثَّوَابِ كَأَنْ نَوَى صَوْمَ الْغَدِ فَجُنَّ فِيهِ مُمْسِكًا كُلَّهُ صَحَّ فَلَا يَقْضِي لَوْ أَفَاقَ بَعْدَهُ اهـ. قَيَّدَ بِالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ لِأَنَّ النَّوْمَ لَا يُسْقِطُ مُطْلَقًا حَتَّى لَوْ نَامَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ يَقْضِي لَوْ أَفَاقَ بَعْدَهُ اهـ. قَيَّدَ بِالْجُنُونِ وَلَيْلَةً غَالِبًا فَلَا يَحْرَجُ فِي الْقَضَاءِ بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَمْتَدُّ عَادَةً وَقَيَّدَهُ بِدَوَامِ الْإِغْمَاءِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُفِيقُ فِيهَا فَإِنَّهُ يَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ لِإِفَاقَتِهِ وَقْتٌ مَعْلُومٌ مِثْلُ أَنْ يَخِفَّ عَنْهُ الْمَرَضُ عِنْدَ الصُّبْحِ مَثَلًا فَيُفِيقَ قَلِيلًا ثُمَّ يُعَاوِدَهُ فَيُغْمَى عَلَيْهِ تُعْتَبَرُ هَذِهِ الْإِفَاقَةُ فَيَبْطُلُ مَا قَبْلَهَا مِنْ حُكْمِ الْإِغْمَاءِ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِإِفَاقَتِهِ وَقْتٌ مَعْلُومٌ لَكِنَّهُ يُفِيقُ بَغْتَةً فَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ الْأَصِحَّاءِ ثُمَّ يُغْمَى عَلَيْهِ فَلَا عِبْرَةَ بِهَذِهِ الْإِفَاقَةِ أَطْلَقَ فِي الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ بِسَبَبِ فَزَعٍ مِنْ سَبُعٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ عَدُوٍّ فَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ إذَا امْتَدَّ إجْمَاعًا لِأَنَّ الْخَوْفَ بِسَبَبِ ضَعْفِ قَلْبِهِ وَهُوَ مَرَضٌ إلَّا أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا إذَا زَالَ عَقْلُهُ بِالْخَمْرِ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ شُرْبِ الْبَنْجِ أَوْ الدَّوَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ فِي الْأَوَّلِ وَإِنْ طَالَ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ حَصَلَ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ فَلَا يُوجِبُ التَّخْفِيفَ وَلِهَذَا يَقَعُ طَلَاقُهُ وَلَا يَسْقُطُ أَيْضًا فِي الثَّانِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي إغْمَاءٍ حَصَلَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَلَا يَكُونُ وَارِدًا فِي إغْمَاءٍ حَصَلَ بِصُنْعِ الْعِبَادِ لِأَنَّ الْعُذْرَ إذَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ غَيْرِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ لَا يَسْقُطُ الْحَقُّ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَسْقُطُ الْقَضَاءُ إذَا كَثُرَ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَصَلَ بِمَا هُوَ مُبَاحٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْجُنُونُ أَصْلِيًّا كَمَا إذَا بَلَغَ مَجْنُونًا وَزَالَ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فَالْعَارِضُ وَالْأَصْلِيُّ عِنْدَهُ سَوَاءٌ فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ إذَا كَثُرَ وَعَدَمِهِ إذَا قَلَّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الْأَصْلِيُّ كَالصِّبَا فَلَا قَضَاءَ مُطْلَقًا كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَقَيَّدَ بِالصَّلَاةِ فِي تَسْوِيَةِ الْجُنُونِ بِالْإِغْمَاءِ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا ــ [منحة الخالق] يُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا بِتَقْيِيدِ قَوْلِهِ وَلَوْ كَانَ مُومِيًا بِالْحَالِ السَّابِقَةِ أَيْ وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا مُومِيًا فَتَدَبَّرْهُ. [لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يَتَّكِئَ عَلَى شَيْءٍ إنْ تَعِبَ فِي الصَّلَاةِ] (قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَتْ مَرْبُوطَةً وَيُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهَا) وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجُوزَ الصَّلَاةُ فِيهَا إذَا كَانَتْ سَائِرَةً مَعَ إمْكَانِ الْخُرُوجِ إلَى الْبَرِّ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ النَّاسُ عَنْهَا غَافِلُونَ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ عَلَى الْجِدِّ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الْجِدُّ شَاطِئُ النَّهْرِ اهـ. وَهُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ كَمَا فِي ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ عَلَى الْمُنْيَةِ. (قَوْلُهُ فَلَا تَجِبُ مَعَ الْمُمْتَدِّ مِنْهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا أَوْ عَارِضًا بَعْدَ الْبُلُوغِ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ إلَخْ) أَقُولُ: هَذَا الْكَلَامُ هُنَا غَيْرُ مُحَرَّرٍ لِأَنَّهُ بَعْدَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْلِيلِ لَا وُرُودَ لِمَا ذُكِرَ أَصْلًا نَعَمْ يُرَدُّ ظَاهِرًا مَا إذَا كَانَ بِسَبَبِ فَزَعٍ مِنْ سَبُعٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ عَدُوٍّ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَلَا يَكُونُ مِمَّا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ فَيُجَابُ بِالْمَنْعِ لِأَنَّ سَبَبَهُ الْقَرِيبَ ضَعْفُ الْقَلْبِ وَهُوَ مَرَضٌ لَيْسَ مِنْ صُنْعِ الْعِبَادِ

стр. 531

فَرْقًا فِي الصَّوْمِ فَإِنَّهُ إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى مَضَى رَمَضَانُ كُلُّهُ ثُمَّ أَفَاقَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَوْ جُنَّ قَبْلَ رَمَضَانَ وَأَفَاقَ بَعْدَمَا مَضَى شَهْرُ رَمَضَانَ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّوْمِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْأَكْثَرِيَّةَ مِنْ حَيْثُ الصَّلَوَاتُ فَإِنَّ الْأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ سِتٌّ فَأَكْثَرُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ أَيْضًا الْعِبْرَةُ لِلزِّيَادَةِ مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَأَفَاقَ مِنْ الْغَدِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ إذَا أَفَاقَ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ. (بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ) كَانَ مِنْ حَقِّ هَذَا الْبَابِ أَنْ يَقْتَرِنَ بِسُجُودِ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَجْدَةٌ لَكِنْ لَمَّا كَانَ صَلَاةُ الْمَرِيضِ بِعَارِضٍ سَمَاوِيٍّ كَالسَّهْوِ وَأَلْحَقَتْهَا الْمُنَاسِبَةَ بِهِ فَتَأَخَّرَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ ضَرُورَةً، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى سَبَبِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالسَّمَاعِ بَيَانًا سَبَبَيْنِ؛ لِأَنَّ السَّمَاعَ سَبَبٌ أَيْضًا لِمَا أَنَّ التِّلَاوَةَ لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا لِلسَّمَاعِ أَيْضًا كَانَ ذِكْرُهَا مُشْتَمِلًا عَلَى السَّمَاعِ مِنْ وَجْهٍ فَاكْتُفِيَ بِهِ، وَفِي إضَافَةِ السُّجُودِ إلَى التِّلَاوَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا كَتَبَهَا أَوْ تَهَجَّاهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودٌ، وَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِالْهِجَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ وَشَرَائِطُهَا شَرَائِطُ الصَّلَاةِ إلَّا التَّحْرِيمَةَ؛ لِأَنَّهَا لِتَوْحِيدِ الْأَفْعَالِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَرُكْنُهَا وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ الرُّكُوعِ كَمَا سَيَأْتِي أَوْ مِنْ الْإِيمَاءِ لِلْمَرِيضِ أَوْ كَانَ رَاكِبًا عَلَى الدَّابَّةِ فِي السَّفَرِ وَتَلَاهَا أَوْ سَمِعَهَا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ الْإِيمَاءُ عَلَى الرَّاحِلَةِ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَكِنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوهُ؛ لِأَنَّ التِّلَاوَةَ أَمْرٌ دَائِمٌ بِمَنْزِلَةِ التَّطَوُّعِ فَكَانَ فِي اشْتِرَاطِ النُّزُولِ لَهُ حَرَجٌ بِخِلَافِ الْفَرْضِ وَالْمَنْذُورِ، وَمَا وَجَبَ مِنْ السَّجْدَةِ عَلَى الْأَرْضِ لَا يَجُوزُ عَلَى الدَّابَّةِ، وَمَا وَجَبَ عَلَى الدَّابَّةِ يَجُوزُ عَلَى الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ عَلَى الْأَرْضِ وَجَبَتْ تَامَّةً فَلَا تَسْقُطُ بِالْإِيمَاءِ، وَلَوْ تَلَاهَا عَلَى الدَّابَّةِ فَنَزَلَ ثُمَّ رَكِبَ فَأَدَّاهَا بِالْإِيمَاءِ جَازَ وَيُفْسِدُهَا مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ مِنْ الْحَدَثِ الْعَمْدِ وَالْكَلَامِ وَالْقَهْقَهَةِ، وَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا كَمَا لَوْ وُجِدَتْ فِي سَجْدَةِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ هَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ عِنْدَهُ لِتَمَامِ الرُّكْنِ، وَهُوَ الرَّفْعُ، وَلَمْ يَحْصُلْ بَعْدَهُ فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَقَدْ حَصَلَ قَبْلَ هَذِهِ الْعَوَارِضِ، وَالْعِبْرَةُ عِنْدَهُ لِلْوَضْعِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُفْسِدَهَا، وَفِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهَا تُفْسَدُ عَلَى ظَاهِرِ الْجَوَابِ اتِّفَاقًا إلَّا أَنَّهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ فِي الْقَهْقَهَةِ، وَكَذَا مُحَاذَاةُ الْمَرْأَةِ لَا تُفْسِدُهَا كَمَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلَوْ نَامَ فِيهَا لَا تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهُ كَالصُّلْبِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ أَحْكَامِهَا. (قَوْلُهُ تَجِبُ بِأَرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً) أَيْ تَجِبُ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ بِسَبَبِ تِلَاوَةِ آيَةٍ مِنْ أَرْبَعَ عَشَرَةَ آيَةً فِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ سُورَةً وَهِيَ: الْأَعْرَافُ فِي آخِرِهَا وَالرَّعْدُ وَالنَّحْلُ وَبَنِي إسْرَائِيلَ وَمَرْيَمُ وَالْأُولَى مِنْ الْحَجِّ وَالْفُرْقَانُ وَالنَّمْلُ والم تَنْزِيلُ وص وحم السَّجْدَةُ وَالنَّجْمُ وَالِانْشِقَاقُ وَالْعَلَقُ هَكَذَا كُتِبَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَهِيَ أَرْبَعٌ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَعَشْرٌ فِي النِّصْفِ الْآخِرِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ وَاجِبَةً لِقَوْلِهِ ﵊ «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا» ــ [منحة الخالق] فَالْأَحْسَنُ فِي التَّعْبِيرِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ حَيْثُ ذَكَرَ أَوَّلًا مَا إذَا زَالَ عَقْلُهُ بِالْخَمْرِ أَوْ بِالْبَنْجِ وَعَلَّلَ لَهُمَا ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْفَزَعِ وَالْخَوْفِ وَعَلَّلَ لَهَا فَكَانَ ذِكْرُهَا أَخِيرًا بِمَنْزِلَةِ جَوَابٍ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ (قَوْلُهُ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ) قَالَهُ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْوِتْرَ لَا يَجِبُ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَجِبُ مُحَرَّفٌ عَنْ لَا يُحْسَبُ بِالسِّينِ قَبْلَ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ لَا يَعُدُّ مِنْ السِّتِّ. [بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ] [أَرْكَان سُجُود التِّلَاوَة] (بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ) . (قَوْلُهُ لَكِنْ لَمَّا كَانَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ قَدْ يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ يَكُونُ خَارِجَهَا بِخِلَافِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ فَإِنَّهَا نَفْسُ الصَّلَاةِ وَأَحْكَامُهَا وَارِدَةٌ عَلَى نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ فِيهَا، وَكَذَا سُجُودُ السَّهْوِ يُؤَدَّى فِيهَا لَا خَارِجَهَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ السَّمَاعَ سَبَبٌ أَيْضًا) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا مِمَّا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ عَلَى رَأْيِ الْمُصَنِّفِ فَقَدْ رَجَّحَ فِي الْكَافِي أَنَّ السَّبَبَ إنَّمَا هُوَ التِّلَاوَةُ وَأَنَّ السَّمَاعَ فِي حَقِّ السَّامِعِ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فَقَطْ نَعَمْ ذَهَبَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ إلَى أَنَّ السَّمَاعَ سَبَبٌ أَيْضًا فَاعْتَذَرَ عَنْهُ شُرَّاحُهَا بِمَا مَرَّ اهـ. وَمَا فِي الْكَافِي صَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَصَحَّحَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَيْضًا (قَوْلُهُ إلَّا التَّحْرِيمَةَ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ وَالْآنِيَةُ التَّعْيِينُ فَفِي الْقُنْيَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ يَعْنِي تَعْيِينَ أَنَّهَا سَجْدَةُ آيَةِ كَذَا. [مَوَاضِع سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ] (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِأَرْبَعَ عَشَرَةَ آيَةً) قَالَ فِي النَّهْرِ أَيْ بِسَبَبِ تِلَاوَتِهَا وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى فِي أَيْ فِي أَرْبَعَ عَشَرَةَ آيَةً، وَكَأَنَّهُ أَوْلَى إذْ مُقْتَضَى الْأَوْلَى تَوَقُّفُ الْوُجُوبِ عَلَى تِلَاوَةِ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ أَيْ تَجِبُ إلَخْ مِمَّا لَا دَلِيلَ فِي كَلَامِهِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵇ «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا» ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ اعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ

стр. 532

وَعَلَى لِلْإِلْزَامِ وَلِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْإِيمَانِ يَرْفَعُهُ «إذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ يَا: وَيْلَهُ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَأُمِرْت بِالسُّجُودِ فَامْتَنَعْتُ فَلِي النَّارُ» وَالْأَصْلُ أَنَّ الْحَكِيمَ إذَا حَكَى عَنْ غَيْرِ الْحَكِيمِ كَلَامًا، وَلَمْ يُعْقِبْهُ بِالْإِنْكَارِ كَانَ دَلِيلَ صِحَّتِهِ فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ مِنْ أَنَّ آيَ السَّجْدَةِ تُفِيدُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ فِيهِ الْأَمْرُ الصَّرِيحُ بِهِ وَقِسْمٌ تَضَمَّنَ حِكَايَةَ اسْتِنْكَافِ الْكَفَرَةِ حَيْثُ أُمِرُوا بِهِ وَقِسْمٌ فِيهِ حِكَايَةُ فِعْلِ الْأَنْبِيَاءِ السُّجُودَ، وَكُلٌّ مِنْ الِامْتِثَالِ وَالِاقْتِدَاءِ وَمُخَالَفَةِ الْكَفَرَةِ وَاجِبٌ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ فِي مُعَيَّنٍ عَلَى عَدَمِ لُزُومِهِ لَكِنْ دَلَالَتُهَا فِيهِ ظَنِّيَّةٌ فَكَانَ الثَّابِتُ الْوُجُوبُ لَا الْفَرْضُ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ ثُبُوتَهَا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ مُقَيَّدٌ بِالتِّلَاوَةِ لَا مُطْلَقًا فَلَزِمَ كَذَلِكَ ثُمَّ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى التَّرَاخِي إنْ لَمْ تَكُنْ صَلَاتِيَّةً؛ لِأَنَّ دَلَائِلَ الْوُجُوبِ مُطْلَقَةٌ عَنْ تَعْيِينِ الْوَقْتِ فَيَجِبُ فِي جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ غَيْرِ عَيْنٍ وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بِتَعْيِينِهِ فِعْلًا، وَإِنَّمَا يَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ كَمَا فِي سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ الْمُوَسَّعَةِ وَأَمَّا الْمَتْلُوَّةُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ التَّضْيِيقِ لِقِيَامِ دَلِيلِ التَّضْيِيقِ، وَهُوَ أَنَّهَا وَجَبَتْ بِمَا هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْقِرَاءَةُ فَالْتَحَقَتْ بِأَقْوَالِهَا وَصَارَتْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهَا؛ وَلِهَذَا قُلْنَا إذَا تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ، وَلَمْ يَسْجُدْ، وَلَمْ يَرْكَعْ حَتَّى طَالَتْ الْقِرَاءَةُ ثُمَّ رَكَعَ وَنَوَى السَّجْدَةَ لَمْ تَجُزْ، وَكَذَا إذَا نَوَاهَا فِي السَّجْدَةِ الصُّلْبِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَيْنًا، وَالدَّيْنُ يُقْضَى بِمَا لَهُ لَا بِمَا عَلَيْهِ. وَأَمَّا بَيَانُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ إمَّا أَدَاءً أَوْ قَضَاءً فَهُوَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ السَّجْدَةِ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَا فَلَا؛ لِأَنَّ السَّجْدَةَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ فَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا أَهْلِيَّةُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالطَّهَارَةِ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ حَتَّى لَا تَجِبَ عَلَى كَافِرٍ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ قَرَءُوا أَوْ سَمِعُوا، وَتَجِبُ عَلَى الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ، وَكَذَا تَجِبُ عَلَى السَّامِعِ بِتِلَاوَةِ هَؤُلَاءِ إلَّا الْمَجْنُونِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِانْعِدَامِ التَّمْيِيزِ كَالسَّمَاعِ مِنْ الصَّدَى كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالصَّدَى مَا يُعَارِضُ الصَّوْتَ فِي الْأَمَاكِنِ الْخَالِيَةِ، وَفِي الْقُنْيَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْتَضَرِ الْإِيصَاءُ بِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَقِيلَ يَجِبُ، وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ التَّعْيِينِ فِي السَّجَدَاتِ اهـ. . وَفِي التَّجْنِيسِ وَهَلْ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ الْقِرَاءَةِ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ إذَا قَرَأَهَا فِي الصَّلَاةِ فَتَأْخِيرُهَا مَكْرُوهٌ، وَإِنْ قَرَأَهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ لَا يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ تَأْخِيرَهَا مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ. وَهِيَ كَرَاهَةٌ تَنْزِيهِيَّةٌ فِي غَيْرِ الصَّلَاتِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَحْرِيمِيَّةً لَكَانَ وُجُوبُهَا عَلَى الْفَوْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. (قَوْلُهُ مِنْهَا: أُولَى " الْحَجِّ " وَ " ص ") ذَكَرَهُمَا لِلِاخْتِلَافِ فِيهِمَا فَقَدْ نَفَى الشَّافِعِيُّ السُّجُودَ فِي " ص "، وَلَمْ يَخُصَّ الْأُولَى مِنْ " الْحَجِّ " بَلْ قَالَ إنَّ الثَّانِيَةَ مِنْهَا أَيْضًا فَهِيَ عِنْدَهُ أَيْضًا أَرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً وَنَفَى مَالِكٌ السُّجُودَ فِي الْمُفَصَّلِ وَبَيَانُ الْحُجَجِ مَعْلُومٌ فِي الْمُطَوَّلَاتِ وَلَنَا إلَّا بِصَدَدِ تَحْرِيرِ الْمَذْهَبِ غَالِبًا، وَفِي التَّجْنِيسِ التَّالِي وَالسَّامِعُ يَنْظُرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى اعْتِقَادِ نَفْسِهِ كَالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ لَيْسَ بِمَوْضِعِ السَّجْدَةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ مَوْضِعُ السَّجْدَةِ ــ [منحة الخالق] النِّهَايَةِ قَالَ جَعَلَ هَذَا اللَّفْظَ فِي سَائِرِ النُّسَخِ مِنْ الْمَبْسُوطَيْنِ وَالْأَسْرَارِ وَالْمُحِيطِ وَشَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ أَلْفَاظِ الصَّحَابَةِ لَا مِنْ الْحَدِيثِ، وَأَقُولُ: لَمْ يَكُنْ الْمُصَنِّفُ مِمَّنْ لَمْ يُطَالِعْ الْكُتُبَ الْمَذْكُورَةَ فَلَوْلَا أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ كَوْنُهُ حَدِيثًا لَمَا نَقَلَهُ حَدِيثًا فَإِنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَعْظَمُ دِيَانَةً مِمَّنْ يُتَوَهَّمُ بِهِ ذَلِكَ اهـ. (قَوْلُهُ ثُمَّ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى التَّرَاخِي) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ فَمَنْ سَجَدَ كَانَ أَدَاءً لَا قَضَاءً وَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى الْفَوْرِ اهـ. وَنُقِلَ فِي الدُّرَرِ عَنْ الْعِنَايَةِ الْخِلَافُ عَلَى الْعَكْسِ، وَفِي النَّهْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ فِي الْإِثْمِ وَعَدَمِهِ حَتَّى لَوْ أَدَّاهَا بَعْدَ صَلَاةٍ كَانَ مُؤَدِّيًا اتِّفَاقًا لَا قَاضِيًا اهـ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْ لِمَا عَلِمْت مِنْ عِبَارَةِ الْعِنَايَةِ وَلِمَا سَيَأْتِي أَنَّ الصَّلَاتِيَّةَ لَوْ أُخِّرَتْ عَنْ مَحَلِّهَا إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ تَكُونُ قَضَاءً فَالظَّاهِرُ أَنَّ غَيْرَهَا كَذَلِكَ إذْ لَا فَارِقَ نَعَمْ مَا قَالَهُ فِي النَّهْرِ لَهُ نَظَائِرُ كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ (قَوْلُهُ وَأَمَّا الْمَتْلُوَّةُ فِي الصَّلَاةِ إلَخْ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ تَجِبُ الصَّلَاتِيَّةُ مُوَسَّعًا بِالنِّسْبَةِ لِمَحَلِّهَا كَمَا لَوْ تَلَا فِي أَوَّلِ صَلَاتِهِ وَسَجَدَهَا فِي آخِرِهَا اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بَلْ تَصِيرُ قَضَاءً وَيَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهَا كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ هُنَا وَسَيُصَرِّحُ بِهِ عَنْ الْبَدَائِعِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ، وَلَمْ تُقْضَ الصَّلَاتِيَّةُ خَارِجَهَا وَيَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ لَوْ تَذَكَّرَهَا فِي آخِرِ صَلَاتِهِ فِي الْأَصَحِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ السَّهْوِ، وَهَذَا عَيْنُ التَّضْيِيقِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُوَسَّعًا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ التَّضْيِيقِ فِي الصَّلَاتِيَّةِ وَالتَّضْيِيقِ فِي غَيْرِهَا عِنْدَ آخِرِ الْعُمُرِ بِأَنَّهُ فِي الْأُولَى يُمْكِنُ التَّدَارُكُ بِالْقَضَاءِ مَا دَامَ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ فَكَانَ فِيهِ نَوْعُ تَوْسِعَةٍ بِخِلَافِ الثَّانِي وَلَكِنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يُسَوِّغُ إطْلَاقَ أَنَّ الْوُجُوبَ فِيهَا مُوَسَّعٌ فَتَدَبَّرْ. [مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ] (قَوْلُهُ وَقِيلَ يَجِبُ) قَالَ فِي النَّهْرِ هُوَ بِالْقَوَاعِدِ أَلْيَقُ. [تَأْخِيرُ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ عَنْ وَقْتِ الْقِرَاءَةِ] (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَحْرِيمِيَّةً) فِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلَى الْقَوْلِ بِالْفَوْرِيَّةِ لِمَا عَلِمْت

стр. 533

؛ لِأَنَّ السَّامِعَ لَيْسَ بِتَابِعٍ لِلتَّالِي تَحْقِيقًا حَتَّى يَلْزَمَهُ الْعَمَلُ بِرَأْيِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا شِرْكَةَ بَيْنَهُمَا اهـ. ثُمَّ فِي سُورَةِ حم السَّجْدَةِ عِنْدَنَا السَّجْدَةُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَوَائِلِ بْنِ حُجْرٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَمَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَرَجَّحَ أَئِمَّتُنَا الْأَوَّلَ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ عِنْدَ اخْتِلَافِ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّ السَّجْدَةَ لَوْ وَجَبَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] فَالتَّأْخِيرُ إلَى قَوْلِهِ ﴿لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] لَا يَضُرُّ وَيَخْرُجُ عَنْ الْوَاجِبِ، وَلَوْ وَجَبَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] لَكَانَتْ السَّجْدَةُ الْمُؤَدَّاةُ قَبْلَهُ حَاصِلَةً قَبْلَ وُجُوبِهَا وَوُجُودُ سَبَبِ وُجُوبِهَا فَيُوجِبُ نُقْصَانًا فِي الصَّلَاةِ لَوْ كَانَتْ صَلَاتِيَّةً، وَلَا نَقْصَ فِيمَا قُلْنَا أَصْلًا وَهَذَا هُوَ أَمَارَةُ التَّبَحُّرِ فِي الْفِقْهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ. (قَوْلُهُ عَلَى مَنْ تَلَا، وَلَوْ إمَامًا أَوْ سَمِعَ، وَلَوْ غَيْرَ قَاصِدٍ أَوْ مُؤْتَمًّا لَا بِتِلَاوَتِهِ) بَيَانٌ لِسَبَبِهَا، وَهُوَ أَحَدُ ثَلَاثَةٍ: التِّلَاوَةُ، وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ السَّمَاعُ كَتِلَاوَةِ الْأَصَمِّ وَالسَّمَاعُ بِتِلَاوَةٍ غَيْرِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِإِمَامٍ تَلَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْمَأْمُومُ تَبَعًا لِإِمَامِهِ بِأَنْ قَرَأَ الْإِمَامُ سِرًّا أَوْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا عِنْدَ الْقِرَاءَةِ وَاقْتَدَى بِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ لَهَا؛ وَلِذَا قَالُوا إنَّ الْأَبْكَمَ إذَا رَأَى قَوْمًا يَسْجُدُونَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السُّجُودُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ، وَلَمْ يَسْمَعْ وَالْمُصَنِّفُ جَعَلَ الْمُؤْتَمَّ مَعْطُوفًا عَلَى غَيْرِ قَاصِدٍ فَأَفَادَ أَنَّ الْمُؤْتَمَّ يَلْزَمُهُ بِسَمَاعِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ بِاقْتِدَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ أَوْ اقْتَدَى مَعْطُوفًا عَلَى تَلَا لَكَانَ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى فَقَدْ قَالَ فِي الْمُجْتَبَى الْمُوجِبُ لَهَا أَحَدُ ثَلَاثَةٍ: التِّلَاوَةُ وَالسَّمَاعُ وَالِائْتِمَامُ، وَإِنَّمَا قَالَ: وَلَوْ إمَامًا لِمَا أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْبَدَائِعِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتْلُوَ آيَةَ السَّجْدَةِ فِي صَلَاةِ يُخَافِتُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ مَكْرُوهٍ مِنْ تَرْكِ السَّجْدَةِ إنْ لَمْ يَسْجُدْ أَوْ التَّلْبِيسِ عَلَى الْقَوْمِ إنْ سَجَدَ اهـ. وَكَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْرَأَهَا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ وُجُوبِهَا عَلَى الْإِمَامِ فَصَرَّحَ بِهِ نَفْيًا لَهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا شَرَائِطَ الْوُجُوبِ عَلَى التَّالِي وَالسَّامِعِ، وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي أَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّ السَّامِعِ التِّلَاوَةُ، وَالسَّمَاعُ شَرْطٌ وَسَنُحَقِّقُهُ مِنْ بَعْدُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَأُطْلِقَ فِي التِّلَاوَةِ وَالسَّمَاعِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَتْ التِّلَاوَةُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ الْفَارِسِيَّةِ، وَهُوَ فِي التَّالِي بِالِاتِّفَاقِ فَهِمَ أَوْ لَمْ يَفْهَمْ وَفِي السَّامِعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَ أَنَّهَا آيَةُ السَّجْدَةِ وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ السَّامِعُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَعَلَيْهِ السَّجْدَةُ وَإِلَّا فَلَا وَفِي الْبَدَائِعِ وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُمَا إنْ جَعَلَا الْفَارِسِيَّةَ قُرْآنًا لَزِمَ الْوُجُوبُ مُطْلَقًا كَالْعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَجْعَلَاهَا قُرْآنًا لَمْ يَجِبْ، وَإِنْ فُهِمَ وَأُطْلِقَ فِي السَّمَاعِ فَشَمَلَ السَّامِعَ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ أَوَّلًا إلَّا الْمَجْنُونَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَكَذَا الطَّيْرُ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَإِنْ سَمِعَهَا مِنْ نَائِمٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْوُجُوبُ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لَوْ قَرَأَهَا السَّكْرَانُ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ عَقْلَهُ اُعْتُبِرَ ثَابِتًا زَجْرًا لَهُ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ لَا بِتِلَاوَتِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ بِتِلَاوَتِهِ، وَلَا عَلَى السَّامِعِ مِنْهُ وَأَطْلَقَهُ فَشَمَلَ عَدَمَ السُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ ــ [منحة الخالق] مِنْ الْخِلَافِ. (قَوْلُهُ فَأَفَادَ أَنَّ الْمُؤْتَمَّ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ قَصَدَ الْمُصَنِّفُ الْإِشَارَةَ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقْرَؤُهَا فِي السِّرِّيَّةِ بَلْ فِي الْجَهْرِيَّةِ فَجَعَلَ الْمُؤْتَمَّ سَامِعًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ سَمَاعُ الْجَهْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعُهُ لَهَا شَرْطًا (قَوْلُهُ لِمَا أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْبَدَائِعِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ إطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ فِي السِّرِّيَّةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ السَّجْدَةُ آخِرَ السُّورَةِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ وَسَنُحَقِّقُهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ لَمْ يَذْكُرْ فِيمَا يَأْتِي شَيْئًا مِنْ التَّحْقِيقِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سِوَى قَوْلِهِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ كَمَنْ كَرَّرَهَا فِي صُورَةٍ مَا إذَا اخْتَلَفَ مَجْلِسُ التَّالِي دُونَ السَّامِعِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ عَلَى السَّامِعِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّهِ السَّمَاعُ، وَلَمْ يَتَبَدَّلْ مَجْلِسُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَفِي السَّامِعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَخْ) هَذَا الْخِلَافُ فِي سَمَاعِ التِّلَاوَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَأَمَّا بِالْعَرَبِيَّةِ فَذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْفَهْمُ بِالْإِجْمَاعِ لَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَى الْأَعْجَمِيِّ مَا لَمْ يَعْلَمْ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَعِبَارَتُهُ فِي الْخُلَاصَةِ لَكِنْ يُعْذَرُ فِي التَّأْخِيرِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهَا (قَوْلُهُ وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ السَّامِعُ يَعْلَمُ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُهُ احْتِيَاطًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ إلَّا أَنَّهُ فِي السِّرَاجِ حَكَى رُجُوعَ الْإِمَامِ إلَى قَوْلِهِمَا قَالَ: وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ (قَوْلُهُ وَلَا عَلَى السَّامِعِ مِنْهُ) فِي إطْلَاقِهِ السَّامِعَ إيهَامٌ وَالْأَحْسَنُ عِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ حَيْثُ قَالَ أَيْ لَا يَجِبُ بِتِلَاوَةِ الْمُقْتَدِي عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْ الْمُصَلِّينَ بِصَلَاةِ إمَامِهِ اهـ. فَإِنَّهَا تُفِيدُ الْوُجُوبَ عَلَى غَيْرِ الْمُصَلِّي أَصْلًا كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ، وَعَلَى الْمُصَلِّي مِنْ إمَامٍ غَيْرِ إمَامِهِ وَمُقْتَدٍ بِهِ وَمُنْفَرِدٍ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْمَتْنِ الْآتِي، وَلَوْ سَمِعَهَا الْمُصَلِّي مِنْ غَيْرِهِ سَجَدَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَوْلُهُ الْمُصَلِّي يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ إمَامًا أَوْ لَا، وَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِهِ يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ مُصَلِّيًا أَوْ لَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ وَقَيَّدَ قَوْلَهُ مُصَلِّيًا بِقَوْلِهِ يَعْنِي وَلَيْسَ إمَامُهُ وَصَرَّحَ بِهِ أَيْضًا الْقُهُسْتَانِيُّ وَالْبَاقَانِيُّ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَلَوْ تَلَاهَا الْمُؤْتَمُّ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى مَنْ سَمِعَهُ مِمَّنْ هُوَ مَعَهُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَتَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ مِمَّنْ لَيْسَ فِي صَلَاتِهِ إجْمَاعًا لِعَدَمِ الْحَجْرِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِمْ اهـ. وَمِثْلُهُ فِي النِّهَايَةِ وَحِينَئِذٍ فَمَا فِي النَّهْرِ مِنْ قَوْلِهِ أَرَادَ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ مُخَالِفٌ لِهَذِهِ الْعِبَارَاتِ

стр. 534

وَبَعْدَ الْفَرَاغِ عِنْدَهُمَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَسْجُدُونَهَا إذَا فَرَغُوا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَقَرَّرَ وَلَا مَانِعَ بِخِلَافِ حَالَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى خِلَافِ مَوْضُوعِ الْإِمَامَةِ لَوْ تَابَعَهُ الْإِمَامُ أَوْ التِّلَاوَةِ لَوْ تَابَعَهُ الْمُؤْتَمُّ، وَلَهُمَا أَنَّ الْمُقْتَدِيَ مَحْجُورٌ عَنْ الْقِرَاءَةِ لِنَفَاذِ تَصَرُّفِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ وَتَصَرُّفُ الْمَحْجُورِ لَا حُكْمَ لَهُ بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ؛ لِأَنَّهُمَا مَنْهِيَّانِ عَنْ الْقِرَاءَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ بِتِلَاوَتِهَا كَمَا لَا يَجِبُ بِسَمَاعِهَا لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَشَمَلَ أَيْضًا مَنْ سَمِعَهَا مِنْ الْمُؤْتَمِّ، وَلَيْسَ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَعْضِ وَصَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ ثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يَعْدُوهُمْ، وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ لَمَّا عُلِمَ أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ بِعَدَمِ وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَى السَّامِعِ خَارِجَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ مِنْ أُصُولِنَا أَنَّ تَصَرُّفَ الْمَحْجُورِ، وَلَا حُكْمَ لَهُ اهـ. وَهُوَ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَحْجُورِ لِغَيْرِهِ صَحِيحٌ كَالصَّبِيِّ إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ يَظْهَرُ فِي حَقِّهِ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ لِغَيْرِهِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ، وَلَوْ تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ فِي الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ أَوْ التَّشَهُّدِ لَا يَلْزَمُ السُّجُودُ لِلْحَجْرِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِيهِ قَالَ الْمَرْغِينَانِيُّ وَعِنْدِي أَنَّهَا تَجِبُ وَتَتَأَدَّى فِيهِ اهـ. وَذَكَرَ فِي الْمُجْتَبَى فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَبَيْنَ الْمُقْتَدِي أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَجِبُ بِهِ السَّجْدَةُ مُبَاحٌ لَهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ دُونَ الْمُقْتَدِي. (قَوْلُهُ: وَلَوْ سَمِعَهَا الْمُصَلِّي مِنْ غَيْرِهِ سَجَدَ بَعْدَ الصَّلَاةِ) لِتَحَقُّقِ سَبَبِهَا، وَهُوَ السَّمَاعُ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْجُدُهَا فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاتِيَّةٍ؛ لِأَنَّ سَمَاعَهُ هَذِهِ السَّجْدَةَ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ إدْخَالُهَا فِيهَا مَنْهِيًّا عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّي عِنْدَ اشْتِغَالِهِ بِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ كَانَ مَأْمُورًا بِإِتْمَامِ رُكْنٍ هُوَ فِيهِ أَوْ بِانْتِقَالٍ إلَى رُكْنٍ آخَرَ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْ هَذِهِ السَّجْدَةِ، فَإِنْ قِيلَ يَجِبُ أَنْ يَسْجُدَهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ السَّمَاعُ، وَهُوَ وُجِدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قُلْنَا نَعَمْ وُجِدَ فِيهَا لَكِنَّهُ حَصَلَ بِنَاءً عَلَى التِّلَاوَةِ، وَالتِّلَاوَةُ حَصَلَتْ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَتُؤَدَّى خَارِجَهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ سَجَدَ فِيهَا أَعَادَهَا لَا الصَّلَاةَ) أَيْ أَعَادَ السَّجْدَةَ، وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا نَاقِصَةٌ لِلنَّهْيِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهَا الْكَامِلُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ هَذِهِ التِّلَاوَةِ مُؤَخَّرٌ إلَى مَا بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنْ الصَّلَاةِ فَلَا تَصِيرُ سَبَبًا إلَّا بَعْدَهُ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى سَبَبِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَلَاهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ حَيْثُ يَجُوزُ أَدَاؤُهَا فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ لِلْحَالِ وَمَحَلُّ إعَادَتِهَا مَا إذَا لَمْ يَقْرَأْهَا الْمُصَلِّي السَّامِعُ غَيْرُ الْمُؤْتَمِّ وَأَمَّا إنْ قَرَأَهَا وَسَجَدَ لَهَا فِيهَا فَإِنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ أَمَّا إنْ كَانَتْ تِلَاوَتُهَا سَابِقَةً عَلَى سَمَاعِهَا فَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ التِّلَاوَةَ الْأُولَى مِنْ أَفْعَالِ صَلَاتِهِ وَالثَّانِيَةَ لَا فَحَصَلَتْ الثَّانِيَةُ تَكْرَارَ الْأُولَى مِنْ حَيْثُ الْأَصْلِ وَالْأُولَى بَاقِيَةٌ فَجُعِلَ وَصْفُ الْأُولَى لِلثَّانِيَةِ فَصَارَتْ مِنْ الصَّلَاةِ فَيُكْتَفَى بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ سَمِعَهَا أَوَّلًا مِنْ أَجْنَبِيٍّ ثُمَّ تَلَاهَا الْمُصَلِّي وَسَجَدَ لَهَا فِيهَا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَجَزَمَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَا يُعِيدُهَا وَلَوْ تَلَاهَا وَسَجَدَ لَهَا ثُمَّ أَحْدَثَ فَذَهَبَ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ عَادَ إلَى مَكَانِهِ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ ثُمَّ قَرَأَ ذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ تِلْكَ الْآيَةَ فَعَلَى هَذَا الْمُصَلِّي أَنْ يَسْجُدَهَا إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَحَوَّلَ عَنْ مَكَانِهِ فَسَمِعَ الثَّانِيَةَ بَعْدَ مَا تَبَدَّلَ الْمَجْلِسُ فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ ثُمَّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَذَهَبَ، وَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ وَقَرَأَ مَرَّةً أُخْرَى لَا تَلْزَمُهُ سَجْدَةٌ، وَإِنْ قَرَأَ الثَّانِيَةَ بَعْدَمَا تَبَدَّلَ الْمَكَانُ وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الْمَكَانُ قَدْ تَبَدَّلَ حَقِيقَةً وَحُكْمًا أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الْحُكْمُ فَلِأَنَّ السَّمَاعَ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِهَا بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ وَتَمَامُهُ فِي الْبَدَائِعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعِدْ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ لَا يُفْسِدُهَا وَقَيَّدَهُ فِي التَّجْنِيسِ وَالْمُجْتَبَى والولوالجية بِأَنْ لَا يُتَابِعَ الْمُصَلِّي السَّامِعَ الْقَارِئَ، فَإِنْ سَجَدَ الْقَارِئُ فَتَابَعَهُ الْمُصَلِّي فِيهَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِلْمُتَابَعَةِ وَلَا تُجْزِئُهُ السَّجْدَةُ عَمَّا سَمِعَ اهـ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ زِيَادَةَ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ بِنِيَّةِ الْمُتَابَعَةِ لِغَيْرِ إمَامِهِ مُبْطِلَةٌ لِصَلَاتِهِ، وَفِي النَّوَادِرِ، وَلَوْ قَرَأَ الْإِمَامُ ــ [منحة الخالق] إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْمَحْجُورِ مَنْ كَانَ فِي صَلَاةِ السَّامِعِ لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ تَصْرِيحُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي الْإِمْدَادِ بِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُقْتَدِي بِالسَّمَاعِ مِنْ مُقْتَدٍ بِالْإِمَامِ السَّامِعِ أَوْ بِإِمَامٍ آخَرَ فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ هَذِهِ التِّلَاوَةِ) تَبِعَ فِيهِ الزَّيْلَعِيَّ وَاقْتَصَرَ فِي النَّهْرِ عَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ وَقَالَ: إنَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ تَبَعًا لِلشَّارِحِ مَمْنُوعٌ.

стр. 535

السَّجْدَةَ فَسَجَدَ فَظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّهُ رَكَعَ فَبَعْضُهُمْ رَكَعَ وَبَعْضُهُمْ رَكَعَ وَسَجَدَ سَجْدَةً وَبَعْضُهُمْ رَكَعَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فَمَنْ رَكَعَ، وَلَمْ يَسْجُدْ يُرْفَضُ رُكُوعُهُ وَيَسْجُدُ لِلتِّلَاوَةِ، وَمَنْ رَكَعَ وَسَجَدَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَسَجْدَتُهُ تُجْزِئُهُ عَنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَمَنْ رَكَعَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ تَامَّةٍ اهـ. وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ هُوَ الصَّحِيحُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ سَاهِيًا أَوْ سَجْدَتَيْنِ لَا تُفْسِدُ صَلَاتَهُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ يُفْسِدُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ذَكَرَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي الْمَبْسُوطِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ سَمِعَ مِنْ إمَامٍ فَائْتَمَّ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ سَجَدَ مَعَهُ وَبَعْدَهُ لَا) أَيْ لَوْ ائْتَمَّ بِهِ بَعْدَ أَنْ سَجَدَهَا الْإِمَامُ لَا يَسْجُدُهَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ تَابِعٌ لَهُ فَيَسْجُدُ مَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، وَفِي الثَّانِي صَارَ مُدْرِكًا لَهَا بِإِدْرَاكِ تِلْكَ الرَّكْعَةِ كَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعِ ثَالِثَةِ الْوِتْرِ فَإِنَّهُ لَا يَقْنُتُ فِيمَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ سَجَدَ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ لَمْ يَسْجُدْ لَا يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ، وَإِنْ سَمِعَهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ سَجَدَهَا فِي الصَّلَاةِ وَحْدَهُ صَارَ مُخَالِفَ إمَامِهِ، وَإِنْ سَجَدَ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَهِيَ صَلَاتِيَّةٌ لَا تُقْضَى خَارِجَهَا وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ وَبَعْدَهُ لَا فَشَمَلَ مَا إذَا دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فِيهِ اخْتِلَافٌ وَظَاهِرُ الْهِدَايَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَسْجُدَ لَهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةَ التِّلَاوَةِ لَمْ يَصِرْ مُدْرِكًا لَهَا وَلَيْسَتْ صَلَاتِيَّةً فَيَقْضِي خَارِجَهَا وَقِيلَ هِيَ صَلَاتِيَّةٌ فَلَا تُقْضَى خَارِجَهَا (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَقْتَدِ سَجَدَهَا) لِتَقَرُّرِ السَّبَبِ فِي حَقِّهِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ تُقْضَ الصَّلَاتِيَّةُ خَارِجَهَا) أَيْ خَارِجَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ السَّجْدَةَ الْمَتْلُوَّةَ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا فَلَمْ يَجُزْ أَدَاؤُهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْكَامِلَ لَا يَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ وَهَذَا إذَا لَمْ تَفْسُدْ الصَّلَاةُ أَمَّا إنْ تَلَاهَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَسْجُدْ ثُمَّ فَسَدَتْ الصَّلَاةُ فَعَلَيْهِ السَّجْدَةُ خَارِجَهَا؛ لِأَنَّهَا لَمَّا فَسَدَتْ بَقِيَ مُجَرَّدُ تِلَاوَةٍ فَلَمْ تَكُنْ صَلَاتِيَّةً، وَلَوْ أَدَّاهَا فِيهَا ثُمَّ فَسَدَتْ لَا يُعِيدُ السَّجْدَةَ؛ لِأَنَّ بِالْمُفْسَدِ لَا يَفْسُدُ جَمِيعُ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَفْسُدُ الْجُزْءُ الْمُقَارِنُ فَيَمْتَنِعُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ فَسَادِهَا مَا إذَا فَسَدَتْ بِالْحَيْضِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: الْمَرْأَةُ إذَا قَرَأَتْ آيَةَ السَّجْدَةِ فِي صَلَاتِهَا فَلَمْ تَسْجُدْ حَتَّى حَاضَتْ تَسْقُطُ عَنْهَا السَّجْدَةُ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ثُمَّ صَوَابُ النِّسْبَةِ فِيهِ صَلَوِيَّةٌ بِرَدِّ أَلِفِهِ وَاوًا وَحَذْفِ التَّاءِ، وَإِذَا كَانُوا قَدْ حَذَفُوهَا فِي نِسْبَةِ الْمُذَكَّرِ إلَى الْمُؤَنَّثِ كَنِسْبَةِ الرَّجُلِ إلَى بَصْرَةَ مَثَلًا فَقَالُوا بَصْرِيٌّ لَا بَصْرَتِيٌّ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ تَاءَانِ فِي نِسْبَةِ الْمُؤَنَّثِ فَيَقُولُونَ بَصْرَتِيَّةٌ فَكَيْفَ بِنِسْبَةِ الْمُؤَنَّثِ إلَى الْمُؤَنَّثِ،. اهـ. وَفِي الْعِنَايَةِ أَنَّهُ خَطَأٌ مُسْتَعْمَلٌ، وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ خَيْرٌ مِنْ صَوَابٍ نَادِرٍ انْتَهَى. ثُمَّ مُقْتَضَى قَوَاعِدِهِمْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْجُدْ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى فَرَغَ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ، وَلَمْ يُمْكِنْ قَضَاؤُهَا لِمَا ذَكَرْنَا وَهَذَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ الَّذِي إذَا فَاتَ وَقْتُهُ تَقَرَّرَ الْإِثْمُ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَالْمَخْرَجُ لَهُ عَنْهُ التَّوْبَةُ كَسَائِرِ الذُّنُوبِ وَإِيَّاكَ أَنْ تَفْهَمَ مِنْ قَوْلِهِمْ بِسُقُوطِهَا عَدَمَ الْإِثْمِ فَإِنَّهُ خَطَأٌ فَاحِشٌ كَمَا رَأَيْت بَعْضَهُمْ يَقَعُ فِيهِ ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ التَّصْرِيحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ قَالَ وَإِذَا لَمْ يَسْجُدْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إلَّا الْإِثْمُ وَمَحَلُّ سُقُوطِهَا مَا إذَا لَمْ يَرْكَعْ لِصَلَاتِهِ، وَلَمْ يَسْجُدْ لَهَا صُلْبِيَّةً أَمَّا إنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ صُلْبِيَّةً فَإِنَّهُ يَنُوبُ عَنْهَا إذَا كَانَ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ ﵀، وَحَاصِلُهُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ أَنَّ الرُّكُوعَ يَنُوبُ عَنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ قِيَاسًا لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْخُضُوعِ، وَلَا يَنُوبُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَقُدِّمَ الْقِيَاسُ هُنَا عَلَى الِاسْتِحْسَانِ لِقُوَّةِ أَثَرِهِ الْبَاطِنِ وَعَكْسُهُ فِي الْمُجْتَبَى فَقَالَ: تَلَاهَا وَرَكَعَ لِلتِّلَاوَةِ مَكَانَ السُّجُودِ يُجْزِئُهُ قِيَاسًا لَا اسْتِحْسَانًا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا وَبِهِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا اهـ. وَوَجْهُ الْأَصَحِّ أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِهِ؛ لِأَنَّهُ الْأَمْرُ الظَّاهِرُ بِالسُّجُودِ، وَالرُّكُوعُ خِلَافُ السُّجُودِ وَلَكِنَّ الْحَقَّ الْأَوَّلُ لِتَصْرِيحِ مُحَمَّدٍ بِهِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْكِتَابِ، فَإِنْ أَرَادَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَدَّاهَا فِيهَا ثُمَّ فَسَدَتْ لَا يُعِيدُ السَّجْدَةَ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ لَوْ تَلَاهَا فِي نَافِلَةٍ فَأَفْسَدَهَا وَجَبَ قَضَاؤُهَا دُونَ السَّجْدَةِ وَهَذَا بِالْقَوَاعِدِ أَلْيَقُ؛ لِأَنَّهَا بِالْإِفْسَادِ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهَا صَلَاتِيَّةً وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ اسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِ الْبَحْرِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ فَسَادِهَا مَا إذَا فَسَدَتْ بِالْحَيْضِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا فِي الْخَانِيَّةِ عَلَى مَا إذَا كَانَ بَعْدَ سُجُودِهَا اهـ. أَقُولُ: كَلَامُ الْخَانِيَّةِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ وَنَصُّهُ: مُصَلِّي التَّطَوُّعِ إذَا قَرَأَ آيَةً وَسَجَدَ لَهَا ثُمَّ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا، وَلَا تَلْزَمُهُ إعَادَةُ تِلْكَ السَّجْدَةِ

стр. 536

أَنْ يَرْكَعَ بِالسَّجْدَةِ نَفْسِهَا هَلْ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ قَالَ أَمَّا فِي الْقِيَاسِ فَالرُّكُوعُ فِي ذَلِكَ، وَالسَّجْدَةُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ صَلَاةٌ وَأَمَّا فِي الِاسْتِحْسَانِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْجُدَ وَبِالْقِيَاسِ نَأْخُذُ اهـ. وَحَاصِلُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ مُلَخَّصًا أَنَّ الْمَتْلُوَّةَ خَارِجَ الصَّلَاةِ تُؤَدَّى عَلَى نَعْتِ سَجَدَاتِ الصَّلَاةِ الْمَتْلُوَّةِ فِي الصَّلَاةِ، الْأَفْضَلُ أَنْ يَسْجُدَ لَهَا ثُمَّ إذَا سَجَدَ وَقَامَ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ كَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ سَوَاءٌ كَانَ آيَةُ السَّجْدَةِ فِي وَسَطِ السُّورَةِ أَوْ عِنْدَ خَتْمِهَا، وَبَقِيَ بَعْدَهَا إلَى الْخَتْمِ قَدْرُ آيَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ ثُمَّ يَرْكَعَ فَيَنْظُرَ إنْ كَانَتْ الْآيَةُ فِي الْوَسَطِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتِمَهَا ثُمَّ يَرْكَعَ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ الْخَتْمِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ آيَاتٍ مِنْ سُورَةٍ أُخْرَى ثُمَّ يَرْكَعَ، وَإِنْ كَانَ بَقِيَ إلَى الْخَتْمِ قَدْرُ آيَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ كَمَا فِي بَنِي إسْرَائِيلَ وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ بَقِيَّةَ السُّورَةِ ثُمَّ يَرْكَعَ، فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهَا سُورَةً أُخْرَى فَهُوَ أَفْضَلُ، وَلَوْ لَمْ يَسْجُدْ، وَإِنَّمَا رَكَعَ ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَالِاسْتِحْسَانُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَبِالْقِيَاسِ نَأْخُذُ وَالتَّفَاوُتُ مَا بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا ظَهَرَ مِنْ الْمَعَانِي فَقِيَاسٌ، وَمَا خَفِيَ فَاسْتِحْسَانٌ وَلَا تَرْجِيحَ فِي الْخَفِيِّ لِخَفَائِهِ وَلَا لِلظَّاهِرِ لِظُهُورِهِ فَيُرْجَعُ إلَى طَلَبِ الرُّجْحَانِ إلَى مَا اقْتَرَنَ بِهِمَا مِنْ الْمَعَانِي فَمَتَى قَوِيَ الْخَفِيُّ أَخَذُوا بِهِ وَمَتَى قَوِيَ الظَّاهِرُ أَخَذُوا بِهِ وَهَاهُنَا قَوِيَ دَلِيلُ الْقِيَاسِ فَأَخَذُوا بِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا أَجَازَا أَنْ يَرْكَعَ عَنْ السُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْ غَيْرِهِمَا خِلَافُهُ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ فَذَكَرَ الْعَامَّةُ أَنَّهُ فِي إقَامَةِ الرُّكُوعِ مَقَامَ السَّجْدَةِ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ خَارِجُ الصَّلَاةِ بِأَنْ تَلَاهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَرَكَعَ، وَلَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ بَلْ لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَمْ يُجْعَلْ قُرْبَةً فَلَا يَنُوبُ مَنَابَ الْقُرْبَةِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ السَّجْدَةَ الصُّلْبِيَّةَ هِيَ الَّتِي تَقُومُ مَقَامَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ لَا الرُّكُوعِ وَيَرُدُّهُ مَا صَرَّحَ بِهِ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ، وَلَوْ لَمْ يَرْكَعْ حَتَّى طَالَتْ الْقِرَاءَةُ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ نَوَاهُ عَنْ السَّجْدَةِ، وَكَذَا السَّجْدَةُ الصُّلْبِيَّةُ لَا تَنُوبُ عَنْهَا إذَا طَالَتْ الْقِرَاءَةُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَيْنًا لِوُجُوبِهَا مُضَيِّقًا وَالدَّيْنُ يُقْضَى بِمَا لَهُ لَا بِمَا عَلَيْهِ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ عَلَيْهِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الدَّيْنُ وَإِذَا لَمْ تَطُلْ الْقِرَاءَةُ لَا يَحْتَاجُ الرُّكُوعُ أَوْ السَّجْدَةُ الصُّلْبِيَّةُ فِي إقَامَتِهَا عَنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ إلَى النِّيَّةِ فَالْفَرْضُ يَنُوبُ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ لَمْ يُنْوَ، وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تُوجَدْ النِّيَّةُ مِنْهُ عِنْدَ الرُّكُوعِ لَا يُجْزِئُهُ، وَلَوْ نَوَى فِي الرُّكُوعِ فِيهِ قَوْلَانِ، وَلَوْ نَوَى بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْهُ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ لَمْ يُقَدِّرُوا لِطُولِ الْقِرَاءَةِ شَيْئًا فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ فَوَّضُوا ذَلِكَ إلَى رَأْيِ الْمُجْتَهِدِ وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: إنْ قَرَأَ آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ لَمْ تَطُلْ وَإِنْ قَرَأَ ثَلَاثًا طَالَتْ وَصَارَتْ بِمَحَلِّ الْقَضَاءِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الثَّلَاثَ لَا تُعْدِمُ الْفَوْرَ اهـ. وَاخْتَارَ قَاضِي خان أَنَّ الرُّكُوعَ خَارِجَ الصَّلَاةِ يَنُوبُ عَنْهَا، وَفِي الْمُجْتَبَى، وَإِنَّمَا يَنُوبُ الرُّكُوعُ عَنْهَا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا النِّيَّةُ وَالثَّانِي أَنْ لَا يَتَخَلَّلَ بَيْنَ التِّلَاوَةِ وَالرُّكُوعِ ثَلَاثُ آيَاتٍ إلَّا إذَا كَانَتْ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ مِنْ آخَرِ السُّورَةِ كَبَنِي إسْرَائِيلَ وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ اهـ. وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا رَكَعَ عَلَى الْفَوْرِ لِلصَّلَاةِ وَسَجَدَ هَلْ الْمُجْزِئُ عَنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ الرُّكُوعُ أَوْ السُّجُودُ فَقِيلَ الرُّكُوعُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ، وَقِيلَ السُّجُودُ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ بِدُونِ النِّيَّةِ لَا يُجْزِئُ، وَفِي السُّجُودِ اخْتِلَافٌ وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا تَلَا الْفَاتِحَةَ وَعِشْرِينَ آيَةً مَثَلًا، آخِرُهَا آيَةُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ) أَيْ بِإِجْمَاعِ الَّذِينَ شَرَطُوا النِّيَّةَ فِي نِيَابَتِهِ عَنْهَا كَذَا فِي حَاشِيَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي (قَوْلُهُ وَاخْتَارَ قَاضِي خان إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فَالْمَرْوِيُّ فِي الظَّاهِرِ أَنَّهُ يَجُوزُ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ اهـ. لَكِنْ فِي نُسْخَتَيْ الْبَزَّازِيَّةِ فِي غَيْرِ الظَّاهِرِ، وَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى مِنْ الْبَزَّازِيَّةِ ثُمَّ إنَّ مَا فِي الْخَانِيَّةِ لَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ فَإِنَّهُ قَالَ رُوِيَ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ هَلْ الْمُجْزِي عَنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ الرُّكُوعُ أَوْ السُّجُودُ) أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الرُّكُوعُ مَعَ النِّيَّةِ وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَعَيُّنُ أَنَّ الْمُجْزِي هُوَ السُّجُودُ، يَدُلُّ هَلْ مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ هَذَا التَّرْدِيدَ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الرُّكُوعَ لَا يَنُوبُ بِدُونِ النِّيَّةِ وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي السُّجُودِ تَأَمَّلْ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ إلَخْ غَيْرُ ظَاهِرٍ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَفِي السُّجُودِ اخْتِلَافٌ) أَيْ اخْتِلَافٌ فِي أَجْزَائِهِ بِدُونِ النِّيَّةِ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ بَلْخٍ لَا يَنُوبُ مَا لَمْ يَنْوِ وَغَيْرُهُمْ قَالُوا النِّيَّةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ وَأَمَّا الرُّكُوعُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَنُوبُ بِدُونِ النِّيَّةِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمُحِيطِ لَكِنْ قَدْ مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَى النِّيَّةِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا هُنَا، وَفِي الْخُلَاصَةِ أَجْمَعُوا أَنَّ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ تَتَأَدَّى بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ التِّلَاوَةَ وَاخْتَلَفُوا فِي الرُّكُوعِ، وَقَدْ نُقِلَ فِي الْفَتْحِ عَنْ الْبَدَائِعِ الْإِجْمَاعُ عَلَى إجْزَاءِ الصُّلْبِيَّةِ بِدُونِ نِيَّةٍ فَتَوَافَقَ مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَدَائِعِ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا فِي الْمُحِيطِ فِي الْفَصْلَيْنِ لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْفَتْحِ عِبَارَةَ الْبَدَائِعِ بِطُولِهَا، وَفِي آخِرِهَا التَّصْرِيحُ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ فِي إيقَاعِ الصُّلْبِيَّةِ عَنْ التِّلَاوَةِ فِيمَا إذَا لَمْ تَطُلْ الْقِرَاءَةُ عَلَى مَا هُوَ أَصْلُ الصُّورَةِ ثُمَّ قَالَ فَلَمْ يَصِحَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا اهـ.

стр. 537

السَّجْدَةِ وَرَكَعَ عَقِبَهَا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مَثَلًا ثُمَّ سَجَدَ، وَلَمْ يَكُنْ نَوَاهَا فِي الرُّكُوعِ يَجِبُ عَلَيْهِ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ عَلَى حِدَةٍ أَمَّا إذَا سَجَدَ عَقِبَ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ خَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ لَا مَحَالَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ نَوَاهَا فِي الرُّكُوعِ أَوْ لَمْ يَنْوِ اهـ. وَفِي الْقُنْيَةِ، وَلَوْ نَوَاهَا فِي الرُّكُوعِ عَقِبَ التِّلَاوَةِ، وَلَمْ يَنْوِهَا الْمُقْتَدِي لَا يَنُوبُ عَنْهُ وَيَسْجُدُ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ وَيُعِيدُ الْقَعْدَةَ، وَلَوْ تَرَكَهَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اهـ. ثُمَّ قَالَ السُّجُودُ أَوْلَى مِنْ الرُّكُوعِ لَهَا فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ دُونَ الْمُخَافَتَةِ وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِكَوْنِهَا لَا تُقْضَى خَارِجَهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَهَا مِنْ رَكْعَةٍ إلَى رَكْعَةٍ فَإِنَّهَا تُقْضَى مَا دَامَ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاحِدَةٌ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ جَوَازُ التَّأْخِيرِ بَلْ الْمُرَادُ الْإِجْزَاءُ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَأَنَّهُ إذَا أَخَّرَهَا حَتَّى طَالَتْ الْقِرَاءَةُ تَصِيرُ قَضَاءً وَيَأْثَمُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ السَّجْدَةَ صَارَتْ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مُلْحَقَةً بِنَفْسِ التِّلَاوَةِ؛ وَلِذَا فُعِلَتْ فِيهَا مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَصْلِ الصَّلَاةِ بَلْ زَائِدَةً بِخِلَافِ غَيْرِ الصَّلَاتِيَّةِ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى التَّرَاخِي عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ. اهـ. . (قَوْلُهُ وَلَوْ تَلَاهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ فَسَجَدَ وَأَعَادَهَا فِيهَا) أَيْ أَعَادَ تِلَاوَتَهَا فِي الصَّلَاةِ (سَجَدَ أُخْرَى) ؛ لِأَنَّ الصَّلَاتِيَّةَ أَقْوَى فَلَا تَكُونُ تَبَعًا لِلْأَضْعَفِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ أَوَّلًا كَفَتْهُ وَاحِدَةٌ) وَهِيَ صَلَاتِيَّةٌ تَنُوبُ عَنْهَا وَعَنْ الْخَارِجِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ مُتَّحِدٌ وَالصَّلَاتِيَّةُ أَقْوَى فَصَارَتْ الْأُولَى تَبَعًا لَهَا فَلَوْ لَمْ يَسْجُدْ فِي الصَّلَاةِ سَقَطَتَا؛ لِأَنَّ الْخَارِجِيَّةَ أَخَذَتْ حُكْمَ الصَّلَاتِيَّةِ فَسَقَطَتْ تَبَعًا لَهَا أَرَادَ بِالِاكْتِفَاءِ أَنْ يَكُونَ بِشَرْطِ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، فَإِنْ تَبَدَّلَ مَجْلِسُ التِّلَاوَةِ مَعَ مَجْلِسِ الصَّلَاةِ فَلِكُلٍّ سَجْدَةٌ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهَا تَحْتَ قَوْلِهِ كَمَنْ كَرَّرَهَا فِي مَجْلِسٍ لَا فِي مَجْلِسَيْنِ لِمُخَالَفَتِهَا لَهَا فِي أَنَّهُ إذَا سَجَدَ لِلْخَارِجِيَّةِ لَا تَكْفِي عَنْ الصَّلَاتِيَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ صَلَاتِيَّةً وَسَجَدَ لِلْأُولَى ثُمَّ أَعَادَهَا فَإِنَّ السَّجْدَةَ السَّابِقَةَ تَكْفِي. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ التَّدَاخُلُ فِي هَذِهِ عَلَى وَجْهٍ تَكُونُ الثَّانِيَةُ مُسْتَتْبِعَةً لِلْأُولَى إنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلْأُولَى؛ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ يُوجِبُ التَّدَاخُلَ، وَكَوْنُ الثَّانِيَةِ قَوِيَّةً مَنَعَ مِنْ جَعْلِ الْأُولَى مُسْتَتْبِعَةً إذْ اسْتِتْبَاعُ الضَّعِيفِ لِلْقَوِيِّ عَكْسُ الْمَعْقُولِ وَنَقْضٌ لِلْأُصُولِ فَوَجَبَ التَّدَاخُلُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ تَلَاهَا الْمُصَلِّي بَعْدَمَا سَمِعَهَا مِنْ غَيْرِهِ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا تَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْأُولَى تَلَاهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَرَأَهَا فِي الصَّلَاةِ أَوَّلًا ثُمَّ سَلَّمَ فَأَعَادَهَا فِي مَكَانِهِ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْمَتْلُوَّةَ فِي الصَّلَاةِ لَا وُجُودَ لَهَا لَا حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا وَالْمَوْجُودُ هُوَ الَّذِي يَسْتَتْبِعُ دُونَ الْمَعْدُومِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْأُولَى خَارِجَةً وَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ بَعْدَ التِّلَاوَةِ حُكْمًا وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ وَأَنَّهُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَفِي الْقُنْيَةِ، وَلَوْ نَوَاهَا فِي الرُّكُوعِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى الْجَهْرِيَّةِ اهـ. قُلْت: لَعَلَّ وَجْهَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ مَا يَأْتِي عَنْ الْقُنْيَةِ أَيْضًا أَنَّ الرُّكُوعَ أَوْلَى فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ وَعَلَّلَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة بِقَوْلِهِ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ الْأَمْرُ عَلَى الْقَوْمِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْقَوْمَ نِيَّتُهَا فِي الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِتِلَاوَتِهِ وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلْ عَلَيْهِمْ الْتِبَاسٌ بِخِلَافِ الْجَهْرِيَّةِ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ، فَإِنْ قُلْت لِمَ لَا يَنُوبُ السُّجُودُ الَّذِي بَعْدَ هَذَا الرُّكُوعِ عَنْ السَّجْدَةِ التِّلَاوِيَّةِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي قُلْت؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَى الْإِمَامُ الرُّكُوعَ تَعَيَّنَ لَهُ فَلَا يَنُوبُ عَنْ سَجْدَةِ التِّلَاوِيَّةِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي، وَإِنْ نَوَاهُ، فَإِنْ قُلْت مِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ الْمُقْتَدِي أَنَّ إمَامَهُ نَوَاهُ فِي الرُّكُوعِ قُلْت يُمْكِنُ أَنْ يُخْبِرَهُ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَوْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَيَأْتِيَ بِهِ. (قَوْلُهُ بِشَرْطِ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ) ذَكَرَ فِي النَّهْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ فَقَالَ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ أَوْ اخْتَلَفَ وَكَذَا قَالَ فِي الدُّرَرِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ قَالَ الرَّمْلِيُّ وَمِثْلُ مَا فِي الْبَحْرِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالنِّهَايَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهَا فَظَاهِرٌ مَا فِي النَّهْرِ نَقْلًا عَنْ الْبَدَائِعِ وَالدُّرَرِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ مَا فِي الْبَحْرِ تَأَمَّلْ اهـ. قُلْت ذَكَرَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ وَهَذَا عَلَى إطْلَاقِهِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّوَادِرِ لَا تَكْفِيهِ الْوَاحِدَةُ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ بِالصَّلَاةِ يَتَبَدَّلُ الْمَجْلِسُ أَوْ لَا اهـ. أَيْ هَلْ يَتَبَدَّلُ حُكْمًا أَمْ لَا يَتَبَدَّلُ أَصْلًا كَمَا بَسَطَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ ثُمَّ قَالَ وَأَفْرَدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهَا تَحْتَ قَوْلِهِ كَمَنْ كَرَّرَهَا فِي مَجْلِسٍ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ أَخُوهُ هُنَا وَحِينَئِذٍ فَمَا فِي النَّهْرِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ تَعْمِيمَهُ أَوَّلًا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ مَنْشَأٌ لِلْخِلَافِ، وَمَا بَعْدَهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخِلَافَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ وَلَكِنْ بَعْدَ تَعْلِيلِهِ لِكِفَايَةِ الْوَاحِدَةِ بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ كَمَا عَلَّلَ الْمُؤَلِّفُ، وَلَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الشرنبلالية مَا يُفِيدُ الْجَوَابَ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ قَوْلَ الدُّرَرِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ بِنَاءً عَلَى تَسْلِيمِ الْوَجْهِ لِرِوَايَةِ النَّوَادِرِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَجْلِسَ يَتَبَدَّلُ بِالصَّلَاةِ حُكْمًا وَإِلَّا فَعَلَى الظَّاهِرِ فَهُوَ مُتَّحِدٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا فِي النَّهْرِ عَلَى هَذَا، وَعَلَيْهِ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ، وَلَا خِلَافَ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ ثُمَّ سَلَّمَ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يَعْنِي ثُمَّ سَلَّمَ، وَلَمْ يَسْجُدْ لَهَا فِيهَا فَلَوْ سَجَدَ لَهَا فِيهَا وَأَعَادَهَا فِي مَكَانِهِ لَا تَلْزَمُهُ أُخْرَى كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ إطْلَاقِ قَوْلِهِمْ كَمَنْ كَرَّرَهَا فِي مَجْلِسٍ، وَعَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ أَنَّ التَّدَاخُلَ فِيهَا فِي الْحُكْمِ لَا فِي السَّبَبِ تَلْزَمُهُ أُخْرَى اهـ. وَفِيهِ

стр. 538

لَا يَلْزَمُهُ وَوَفَّقَ الزَّاهِدُ السَّرَخْسِيُّ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْأُولَى عَلَى مَا إذَا أَعَادَهَا بَعْدَ الْكَلَامِ وَحَمْلِ الثَّانِي عَلَى مَا إذَا كَانَ قَبْلَهُ فَلَوْ لَمْ يَسْجُدْهَا فِي الصَّلَاةِ حَتَّى سَجَدَهَا الْآنَ قَالَ فِي الْأَصْلِ أَجْزَأَهُ هَاهُنَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَعَادَهَا بَعْدَ السَّلَامِ قَبْلَ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ فَكَأَنَّهُ كَرَّرَهَا فِي الصَّلَاةِ وَسَجَدَ إذْ لَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الْجَوَابُ فِيمَا إذَا أَعَادَهَا بَعْدَ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاتِيَّةَ قَدْ سَقَطَتْ عَنْهُ بِالْكَلَامِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَصَحَّحَ التَّوْفِيقُ فِي الْمُحِيطِ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الصَّلَاتِيَّةَ تُقْضَى بَعْدَ السَّلَامِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِمُنَافٍ لِحُرْمَتِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ قَوْلُهُمْ الصَّلَاتِيَّةُ لَا تُقْضَى خَارِجَهَا بِهَذَا وَأَنْ يُرَادَ بِالْخَارِجِ الْخَارِجُ عَنْ حُرْمَتِهَا (قَوْلُهُ كَمَنْ كَرَّرَهَا فِي مَجْلِسٍ لَا فِي مَجْلِسَيْنِ) فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ وَاحِدَةٌ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنْ «أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ كَانَ يَنْزِلُ بِالْوَحْيِ فَيَقْرَأُ آيَةَ السَّجْدَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ كَانَ يَسْمَعُ وَيَتَلَقَّنُ ثُمَّ يَقْرَأُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَكَانَ لَا يَسْجُدُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً» ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّ الْمَجْلِسَ جَامِعُ الْمُتَفَرِّقَاتِ وَلِأَنَّ فِي إيجَابِ السَّجْدَةِ لِكُلِّ تِلَاوَةٍ حَرَجًا خُصُوصًا لِلْمُعَلِّمِينَ وَالْمُتَعَلِّمِينَ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ بِالنَّصِّ قُيِّدَ بِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَنْ سَمِعَهُ أَوْ ذَكَرَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِرَارًا فِيهَا اخْتِلَافٌ فَبَعْضُهُمْ قَاسَهَا عَلَيْهَا وَبَعْضُهُمْ مَنَعَهُ وَأَوْجَبَهَا لِكُلِّ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَلَا تَدَاخُلَ فِيهَا، وَهُوَ جَفَاءٌ لَهُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَقَدَّمْنَا تَرْجِيحَهُ وَأَمَّا تَشْمِيتُ مَنْ عَطَسَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِرَارًا فَأَوْجَبَهُ بَعْضُهُمْ كُلَّ مَرَّةٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ لَا يُشَمِّتُهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِلْعَاطِسِ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ قُمْ فَانْتَثَرَ فَإِنَّك مَزْكُومٌ وَفِي الْمُجْتَبَى وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ تَعْظِيمِ اسْمِهِ تَعَالَى عِنْدَ ذِكْرِهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَأَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا تَلَا مِرَارًا ثُمَّ سَجَدُوا مَا إذَا تَلَا وَسَجَدَ ثُمَّ تَلَا بَعْدَهُ مِرَارًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ تَدَاخُلٌ فِي السَّبَبِ دُونَ الْحُكْمِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَجْعَلَ التِّلَاوَةَ الْمُتَعَدِّدَةَ كَتِلَاوَةٍ وَاحِدَةٍ تَكُونُ الْوَاحِدَةُ مِنْهَا سَبَبًا وَالْبَاقِي تَبَعٌ لَهَا وَهُوَ أَلْيَقُ بِالْعِبَادَاتِ إذْ السَّبَبُ مَتَى تَحَقَّقَ لَا يَجُوزُ تَرْكُ حُكْمِهِ؛ وَلِهَذَا يُحْكَمُ بِوُجُوبِهَا فِي مَوْضِعِ الِاحْتِيَاطِ حَتَّى تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بِيَقِينٍ وَالتَّدَاخُلُ فِي الْحُكْمِ أَلْيَقُ فِي الْعُقُوبَاتِ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِلزَّجْرِ فَهُوَ يَنْزَجِرُ بِوَاحِدَةٍ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الثَّانِيَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّدَاخُلَ فِي السَّبَبِ يَنُوبُ فِيهِ الْوَاحِدَةُ عَمَّا قَبْلَهَا وَعَمَّا بَعْدَهَا، وَفِي التَّدَاخُلِ فِي الْحُكْمِ لَا تَنُوبُ إلَّا عَمَّا قَبْلَهَا حَتَّى لَوْ زَنَى ثُمَّ زَنَى فِي الْمَجْلِسِ يُحَدُّ ثَانِيًا بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ إذَا أُقِيمَ مَرَّةً ثُمَّ قَذَفَهُ مِرَارًا لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّ الْعَارَ قَدْ انْدَفَعَ بِالْأَوَّلِ لِظُهُورِ كَذِبِهِ وَقُيِّدَ بِكَوْنِ الْآيَةِ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَزِمَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً؛ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ لَا يَجْعَلُ الْكَلِمَاتِ الْمُخْتَلِفَةَ الْجِنْسِ بِمَنْزِلَةِ كَلَامٍ وَاحِدٍ كَمَنْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلِآخَرَ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَلِعَبْدِهِ بِالْعِتْقِ لَا يَجْعَلُ الْمَجْلِسُ الْوَاحِدُ الْكُلَّ إقْرَارًا وَاحِدًا، وَكَذَا الْحَرَجُ مُنْتَفٍ وَأَطْلَقَ فِي الْمَجْلِسِ فَشَمَلَ مَا إذَا طَالَ فَإِنَّهُ لَا يَتَبَدَّلُ بِهِ حَتَّى لَوْ تَلَاهَا فِي الْجَامِعِ فِي زَاوِيَةٍ ثُمَّ تَلَاهَا فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَذَلِكَ حُكْمُ السَّمَاعِ وَكَذَلِكَ الْبَيْتُ وَالْمَحْمِلُ وَالسَّفِينَةُ فِي حُكْمِ التِّلَاوَةِ وَالسَّمَاعِ سَوَاءٌ كَانَتْ السَّفِينَةُ وَاقِفَةً أَوْ جَارِيَةً وَكَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَلَا بِخُطْوَةٍ وَخُطْوَتَيْنِ وَكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ، وَلَا بِلُقْمَةٍ أَوْ لُقْمَتَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ كَثِيرًا وَبِخِلَافِ مَا إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا أَوْ بَاعَ وَنَحْوَهُ فَإِنَّهُ يَتَبَدَّلُ الْمَجْلِسُ وَكَذَا لَوْ أَرْضَعَتْ صَبِيًّا وَكُلُّ عَمَلٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَطْعٌ لِلْمَجْلِسِ بِخِلَافِ التَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِقَاطِعٍ كَالنَّوْمِ قَاعِدًا وَفِي الدَّوْسِ وَتَسْدِيَةِ الثَّوْبِ وَرَحَا الطَّحْنِ وَالِانْتِقَالِ مِنْ غُصْنٍ إلَى غُصْنٍ وَالسَّبْحِ فِي نَهْرٍ أَوْ حَوْضٍ يَتَكَرَّرُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ كَرَّرَهَا رَاكِبًا عَلَى الدَّابَّةِ وَهِيَ تَسِيرُ يَتَكَرَّرُ إلَّا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ ــ [منحة الخالق] نَظَرٌ بَلْ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا سَجَدَ لَهَا فِيهَا كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ التَّعْلِيلُ وَعِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ وَالنَّهْرِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ سَجَدَ لَهَا فِيهَا (قَوْلُهُ وَهَذَا يُفِيدُ إلَخْ) الْإِشَارَةُ إلَى قَوْلِهِ فَلَوْ لَمْ يَسْجُدْهَا فِي الصَّلَاةِ إلَخْ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِمُنَافٍ حَقُّ التَّعْبِيرِ أَنْ يُقَالَ: وَلَمْ يَأْتِ بِحَذْفٍ إنْ وَقَوْلُهُ وَأَنْ يُرَادَ بِالْخَارِجِ مِنْ حُرْمَتِهَا الظَّاهِرُ عَطَفَهُ بِأَوْ بَدَلَ الْوَاوِ أَيْ إنَّ قَوْلَهُمْ: الصَّلَاتِيَّةُ لَا تُقْضَى خَارِجَهَا إمَّا أَنْ يُقَيِّدَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ أَيْ تَخْصِيصٌ مِنْهُ هَذِهِ الصُّورَةَ وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِخَارِجِهَا خَارِجَ حُرْمَتِهَا (قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ الْبَيْتُ) قَالَ فِي النَّهْرِ إلَّا إذَا كَانَ كَبِيرًا كَدَارِ السُّلْطَانِ

стр. 539

لِلْأَمَاكِنِ إذْ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ دَلِيلُ اتِّحَادِ الْمَكَانِ قَالُوا إذَا كَانَ مَعَهُ غُلَامٌ يَمْشِي، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ رَاكِبًا وَكَرَّرَهَا تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ عَلَى الْغُلَامِ دُونَ الرَّاكِبِ وَهَذَا إذَا كَانَ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَمَّا إذَا كَانَ كَرَّرَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ فَالْقِيَاسُ أَنْ تَكْفِيَهُ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَخِيرُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ أَنْ يَلْزَمَهُ لِكُلِّ تِلَاوَةٍ سَجْدَةٌ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الَّتِي رَجَعَ فِيهَا أَبُو يُوسُفَ عَنْ الِاسْتِحْسَانِ إلَى الْقِيَاسِ إحْدَاهَا هَذِهِ وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الرَّهْنَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لَا يَكُونُ رَهْنًا بِالْمُتْعَةِ قِيَاسًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَخِيرُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا بِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالثَّالِثَةُ إذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَاخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ ثُمَّ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ أَنْ يُخَيَّرَ الْمَوْلَى ثَانِيًا، وَهُوَ قَوْلُهُ الْأَخِيرُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يُخَيَّرُ، وَهُوَ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا صَلَّى عَلَى الْأَرْضِ وَقَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَلَوْ سَمِعَهَا الْمُصَلِّي الرَّاكِبُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ سَارَتْ الدَّابَّةُ ثُمَّ سَمِعَهَا ثَانِيًا عَلَيْهِ سَجْدَتَانِ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاتِيَّةٍ، وَلَوْ سَارَتْ الدَّابَّةُ ثُمَّ نَزَلَ فَتَلَاهَا أُخْرَى يَلْزَمُهُ أُخْرَى كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ تَكْرَارَ الْوُجُوبِ فِي التَّسْدِيَةِ بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَادِ فِي بِلَادِهِمْ مِنْ أَنَّهَا أَنْ يَغْرِسَ الْحَائِكُ خَشَبَاتٍ يُسَوِّي فِيهَا السَّدَى ذَاهِبًا وَآيِبًا أَمَّا عَلَى مَا هِيَ بِبِلَادِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَغَيْرِهَا بِأَنْ يُدَبِّرَهَا عَلَى دَائِرَةٍ عُظْمَى، وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَكَان وَاحِدٍ فَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَجْلِسِ حَقِيقِيٌّ بِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ، وَحُكْمِيٌّ بِاخْتِلَافِ الْفِعْلِ، وَلَوْ تَبَدَّلَ مَجْلِسُ السَّامِعِ دُونَ التَّالِي تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ عَلَى السَّامِعِ وَاخْتَلَفُوا فِي عَكْسِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ عَلَى السَّامِعِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّهِ السَّمَاعُ، وَلَمْ يَتَبَدَّلْ مَجْلِسُهُ فِيهِ، وَعَلَى مَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي مِنْ أَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّهِ التِّلَاوَةُ وَالسَّمَاعُ شَرْطٌ يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إلَى السَّبَبِ لَا الشَّرْطِ، وَإِنَّمَا تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مَعَ اتِّحَادِ مَجْلِسِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَبْطَلَ تَعَدُّدَ التِّلَاوَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ فِي حَقِّ التَّالِي حُكْمًا لِاتِّحَادِ مَجْلِسِهِ لَا حَقِيقَةً فَلَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ فِي حَقِّ السَّامِعُ فَاعْتُبِرَتْ حَقِيقَةُ التَّعَدُّدِ فَتَكَرَّرَ الْوُجُوبُ فَعَلَى هَذَا يَتَكَرَّرُ عَلَى السَّامِعِ إمَّا بِتَبَدُّلِ مَجْلِسِهِ أَوْ بِتَبَدُّلِ مَجْلِسِ التَّالِي، وَفِي الْقُنْيَةِ تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ وَيُرِيدُ أَنْ يُكَرِّرَهَا لِلتَّعْلِيمِ فِي الْمَجْلِسِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُبَادِرَ فَيَسْجُدَ ثُمَّ يُكَرِّرَ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُكَرِّرَهَا ثُمَّ يَسْجُدَ آخِرًا لِمَا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: إنَّ التَّدَاخُلَ فِي الْحُكْمِ لَا فِي السَّبَبِ حَتَّى لَوْ سَجَدَ لِلْأُولَى ثُمَّ أَعَادَهَا لَزِمَتْهُ أُخْرَى كَحَدِّ الشُّرْبِ وَالزِّنَا نَقَلَهُ فِي الْمُجْتَبَى فَالِاحْتِيَاطُ عَلَى هَذَا التَّأْخِيرِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي الْقُنْيَةِ أَيْضًا، وَلَوْ صَلَّيَا عَلَى الدَّابَّةِ فَقَرَأَ أَحَدُهُمَا آيَةَ السَّجْدَةِ فِي الصَّلَاةِ مَرَّةً، وَالْآخَرُ فِي صَلَاتِهِ مَرَّتَيْنِ وَسَمِعَ كِلَاهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَعَلَى مَنْ تَلَاهَا مَرَّتَيْنِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَأَمَّا إذَا كَرَّرَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ الثَّانِي هِيَ وَاحِدَةٌ وَقَالَ مُحَمَّدٌ الِانْتِقَالُ مِنْ رَكْعَةٍ إلَى أُخْرَى يُوجِبُ الِاخْتِلَافَ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّدَاخُلِ يُؤَدِّي إلَى إخْلَاءِ إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فَتَفْسُدُ قُلْنَا لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الِاتِّحَادِ بُطْلَانُ الْعَدَدِ فِي حَقِّ حُكْمٍ آخَرَ كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي تَرْجِيحِ قَوْلِ الثَّانِي إلَّا أَنَّهُ فِي السِّرَاجِ جَعَلَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ اسْتِحْسَانًا وَقَيَّدَهُ بِمَا إذَا صَلَّى بِغَيْرِ الْإِيمَاءِ أَمَّا بِهِ فَإِنْ لِمَرَضٍ فَلَا وَإِنْ لِكَوْنِهِ عَلَى الدَّابَّةِ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَتَكَرَّرُ وَآخَرُونَ لَا، ثُمَّ قَالَ فِي الْفَتْحِ مَا عُلِّلَ بِهِ لِمُحَمَّدٍ يُفِيدُ تَقْيِيدَ الصَّلَاةِ بِالنَّفْلِ وَالْوِتْرِ مُطْلَقًا، وَفِي الْفَرْضِ بِالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَمَّا بَعْدَ أَدَاءِ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكْفِيَهُ وَاحِدَةٌ إذْ الْمَانِعُ مِنْ التَّدَاخُلِ مُنْتَفٍ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي وَهَذَا الْبَحْثُ مَنْقُولٌ فَفِي السِّرَاجِ لَوْ أَعَادَهَا فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ (قَوْلُهُ فَالْقِيَاسُ أَنْ تَكْفِيَهُ وَاحِدَةٌ) قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَبِالْقِيَاسِ نَأْخُذُ اهـ. (قَوْلُهُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَجْلِسِ حَقِيقِيٌّ إلَخْ) ، وَكَذَا اتِّحَادُهُ حَقِيقِيٌّ كَالْبَيْتِ وَنَحْوِهِ وَحُكْمِيٌّ كَمَا لَوْ أَكَلَ لُقْمَتَيْنِ أَوْ مَشَى خُطْوَتَيْنِ كَمَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْأَوْلَى إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الْمُبَادَرَةُ أَوْلَى فِي الْعِبَادَةِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ قَوْلُ الْبَعْضِ لِضَعْفِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الظَّاهِرِ تَأَمَّلْ اهـ. وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ وَقَالَ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ مُحْتَمَلُ الذَّهَابِ قَبْلَ التَّمَامِ كَمَا يُتَّفَقُ فِي الدُّرُوسِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا لَا يَأْتِي بِهَا، وَقَدْ يُتَوَهَّمُ لِعَدَمِ سُجُودِ الْمُعَلِّمِ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَالِاحْتِيَاطُ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُبَادِرَ (قَوْلُهُ فَعَلَى مَنْ تَلَاهَا مَرَّتَيْنِ سَجْدَةً وَاحِدَةً إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ غَيْرُ السَّجْدَةِ الصَّلَاتِيَّةِ إذْ لَا كَلَامَ فِي وُجُوبِهَا وَقَوْلُهُ: وَعَلَى صَاحِبِهِ سَجْدَتَانِ أَيْ خَارِجَ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ ثَلَاثُ سَجَدَاتٍ وَهَذِهِ رِوَايَةُ النَّوَادِرِ وَكَلَامُ هَذَا الشَّارِحِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ كَلَامِ الْقُنْيَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ سَجْدَةٌ خَارِجِيَّةٌ فَقَطْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ. قُلْت: وَهَذَا الْحَمْلُ يُرْشِدُ إلَيْهِ تَعْبِيرُ قَاضِي خان حَيْثُ فَصَّلَ بَيْنَ مَا يَجِبُ فِي الصَّلَاةِ، وَمَا يَجِبُ خَارِجَهَا وَقَدْ اخْتَارَ خِلَافَ مَا فِي الْقُنْيَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا تَلْزَمُهُ بِقِرَاءَةِ صَاحِبِهِ إلَّا سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ؛ لِأَنَّا إنْ نَظَرْنَا إلَى مَكَانِ السَّامِعِ

стр. 540

خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ سَجْدَتَانِ. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: بَلْ الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ تَلَاهَا مَرَّتَيْنِ سَجْدَتَانِ أَيْضًا صَلَاتِيَّةً بِتِلَاوَتِهِ وَخَارِجِيَّةً بِتِلَاوَةِ صَاحِبِهِ ثُمَّ رَأَيْتُهُ - بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى - فِي فَتَاوَى قَاضِي خان أَنَّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا سَجْدَتَيْنِ صَلَاتِيَّةً بِتِلَاوَتِهِ وَخَارِجِيَّةً بِسَمَاعِهِ مِنْ صَاحِبِهِ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي بَيَانِهِ فَرَاجِعْهُ. (قَوْلُهُ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَسْجُدَ بِشَرَائِطِ الصَّلَاةِ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ بِلَا رَفْعِ يَدٍ وَتَشَهُّدٍ وَتَسْلِيمٍ) أَيْ وَكَيْفِيَّةُ السُّجُودِ وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ التَّحْرِيمَةُ وَالْمُرَادُ بِالتَّكْبِيرَتَيْنِ تَكْبِيرَةُ الْوَضْعِ وَتَكْبِيرَةُ الرَّفْعِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا سُنَّةٌ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد فِي السُّنَنِ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ التَّكْبِيرَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّكْبِيرَ مَفْعُولٌ لِأَجْلِ الِانْحِطَاطِ لَا لِلتَّحْرِيمَةِ كَمَا فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ، وَكَذَا التَّكْبِيرُ لِلرَّفْعِ كَمَا فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ مِنْ فِعْلِهِ ﵇ وَابْنُ مَسْعُودٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِنَّمَا لَا يَتَشَهَّدُ، وَلَا يُسَلِّمُ؛ لِأَنَّهُ لِلتَّحْلِيلِ، وَهُوَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ التَّحْرِيمَةِ وَهِيَ مَعْدُومَةٌ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَقُولُهُ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا كَسَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهَا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مَا صُحِّحَ عَلَى عُمُومِهِ، فَإِنْ كَانَتْ السَّجْدَةُ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَتْ فَرِيضَةً قَالَ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى أَوْ نَفْلًا قَالَ مَا شَاءَ مِمَّا وَرَدَ كَسَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ إلَى آخِرِهِ وَقَوْلُهُ: اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَك أَجْرًا وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَك ذُخْرًا وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتهَا مِنْ عَبْدِك دَاوُد وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ قَالَ كُلَّ مَا أُثِرَ مِنْ ذَلِكَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ لِأَدَائِهَا أَنْ يَقُومَ فَيَسْجُدَ؛ لِأَنَّ الْخُرُورَ سُقُوطٌ مِنْ الْقِيَامِ وَالْقُرْآنُ وَرَدَ بِهِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَضُرَّهُ، وَمَا وَقَعَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَاعِدًا لَا يَقُومُ لَهَا فَخِلَافُ الْمَذْهَبِ، وَفِي الْمُضْمَرَاتِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ وَيَسْجُدَ وَيَقُومَ بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ السَّجْدَةِ وَلَا يَقْعُدُ اهـ. وَالثَّانِي غَرِيبٌ وَأَفَادَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّهُ يَقُومُ لَهَا وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً وَأَرَادَ أَنْ يَسْجُدَهَا مُتَرَادِفَةً وَمِنْ الْمُسْتَحَبِّ أَنْ يَتَقَدَّمَ التَّالِي وَيَصُفَّ الْقَوْمَ خَلْفَهُ فَيَسْجُدُونَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَرْفَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ قَبْلَهُ وَلَيْسَ هُوَ اقْتِدَاءً لَهُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَسَدَتْ سَجْدَةٌ لِإِمَامِ بِسَبَبٍ، لَا يَتَعَدَّى إلَيْهِمْ، وَفِي الْمُجْتَبَى مَعْزِيًّا إلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ: لَا يُؤْمَرُ التَّالِي بِالتَّقْدِيمِ وَلَا بِالصَّفِّ وَلَكِنَّهُ يَسْجُدُ وَيَسْجُدُونَ مَعَهُ حَيْثُ كَانُوا وَكَيْفَ كَانُوا وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَصْلُحُ إمَامًا لِلرَّجُلِ فِيهَا اهـ. وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ ثُمَّ إذَا أَرَادَ السُّجُودَ يَنْوِيهَا بِقَلْبِهِ وَيَقُولُ بِلِسَانِهِ: أَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ اللَّهُ أَكْبَرُ كَمَا يَقُولُ أُصَلِّي لِلَّهِ تَعَالَى صَلَاةَ كَذَا. (قَوْلُهُ وَكُرِهَ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً وَيَدَعَ آيَةَ السَّجْدَةِ لَا عَكْسُهُ) ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الِاسْتِنْكَافَ عَنْهَا عَمْدًا فِي الْأَوَّلِ، وَفِي الثَّانِي مُبَادِرًا لَهَا قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْرَأَ قَبْلَهَا آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ وَذَكَرَ قَاضِي خان إنْ قَرَأَ مَعَهَا آيَةً وَآيَتَيْنِ فَهُوَ أَحَبُّ وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ لِصِدْقِهِ بِمَا إذَا قَرَأَ بَعْدَهَا آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ دَفْعًا لِوَهْمِ التَّفْضِيلِ أَيْ تَفْضِيلِ آيِ السَّجْدَةِ عَلَى غَيْرِهَا إذْ لِكُلٍّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى فِي رُتْبَةٍ، وَإِنْ كَانَ لِبَعْضِهَا بِسَبَبِ اشْتِمَالِهِ عَلَى ذِكْرِ صِفَاتِ الْحَقِّ ﷻ زِيَادَةُ فَضِيلَةٍ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ لَا بِاعْتِبَارِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قُرْآنٌ، وَفِي الْكَافِي قِيلَ: مَنْ قَرَأَ آيَ السَّجْدَةِ كُلَّهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَسَجَدَ لِكُلٍّ مِنْهَا كَفَاهُ اللَّهُ مَا أَهَمَّهُ، وَمَا ذُكِرَ فِي الْبَدَائِعِ فِي كَرَاهَةِ تَرْكِ آيَةِ السَّجْدَةِ مِنْ سُورَةٍ يَقْرَؤُهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ قَطْعًا لِنَظْمِ الْقُرْآنِ وَتَغْيِيرًا لِتَأْلِيفِهِ، وَاتِّبَاعُ النَّظْمِ وَالتَّأْلِيفِ مَأْمُورٌ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أَيْ تَأْلِيفَهُ فَكَانَ التَّغْيِيرُ مَكْرُوهًا يَقْتَضِي كَرَاهَةَ ذَلِكَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَقُولُ: وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُقْتَضَاهُ لَكِنْ صَرَّحَ بَعْده فِي الْبَدَائِعِ بِخِلَافِهِ فَقَالَ: وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ مِنْ بَيْنِ السُّوَرِ لَمْ ــ [منحة الخالق] كَانَ وَاحِدًا، وَإِنْ نَظَرْنَا إلَى مَكَانِ التَّالِي فَمَكَانُهُ جُعِلَ كَمَكَانٍ وَاحِدٍ فِي حَقِّهِ فَيُجْعَلُ كَذَلِكَ فِي حَقِّ السَّامِعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ السَّمَاعَ بِنَاءً عَلَى التِّلَاوَةِ اهـ. وَعِبَارَةُ الظَّهِيرِيَّةِ كَالْقُنْيَةِ. [كَيْفِيَّة سُجُود التِّلَاوَة] (قَوْلُهُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا سُنَّةٌ) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَفِي الْحُجَّةِ وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ لَوْ سَجَدَ، وَلَمْ يُكَبِّرْ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ قَالَ فِي الْحُجَّةِ وَهَذَا يُعْلَمُ، وَلَا يُعْمَلُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ السَّلَفِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْمُضْمَرَاتِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَاَلَّذِي فِي الْمُضْمَرَاتِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَوَجَدْت مَكْتُوبًا بِخَطِّ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْمَرْحُومِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْغَزِّيِّ الَّذِي بِنُسْخَتِي مِنْ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يَقْعُدُ انْتَهَى بِلَفْظِهِ اهـ. قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي نُسْخَتِهِ سَقْطًا؛ لِأَنَّ الَّذِي رَأَيْته فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَكَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة مَعْزِيًّا إلَيْهَا وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ يَقُومُ، ثُمَّ يَقْعُدُ، وَكَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْهَا أَيْضًا. (قَوْلُهُ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ ذَلِكَ) خَبَرٌ عَنْ مَا فِي قَوْلِهِ، وَمَا ذُكِرَ فِي الْبَدَائِعِ أَيْ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ فِي قِرَاءَةِ آيِ السَّجْدَةِ كُلِّهَا فِي مَجْلِسٍ (قَوْلُهُ لَكِنْ صَرَّحَ بَعْدَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِخِلَافِهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ كَلَامَهُ

стр. 541

يَضُرَّهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ، وَقِرَاءَةُ مَا هُوَ مِنْ الْقُرْآنِ طَاعَةٌ كَقِرَاءَةِ سُورَةٍ مِنْ بَيْنِ السُّوَرِ وَقَيَّدَهُ قَاضِي خان بِأَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ كُرِهَ فَهُوَ مُقَيِّدٌ لِقَوْلِهِ لَا عَكْسُهُ ثُمَّ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ وَعِنْدَهُ نَاسٌ، فَإِنْ كَانُوا مُتَوَضِّئِينَ مُتَأَهِّبِينَ لِلسَّجْدَةِ قَرَأَهَا جَهْرًا، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُتَأَهِّبِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَخْفِضَ قِرَاءَتَهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَهَرَ بِهَا لَصَارَ مُوجِبًا عَلَيْهِمْ شَيْئًا رُبَّمَا يَتَكَاسَلُونَ عَنْ أَدَائِهِ فَيَقَعُونَ فِي الْمَعْصِيَةِ اهـ. وَذَكَرَ الشَّارِحُ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ إلَّا الْحَرْفَ الَّذِي فِي آخِرِهَا لَا يَسْجُدُ، وَلَوْ قَرَأَ الْحَرْفَ الَّذِي يَسْجُدُ فِيهِ وَحْدَهُ لَا يَسْجُدُ إلَّا أَنْ يَقْرَأَ أَكْثَرَ آيَةِ السَّجْدَةِ بِحَرْفِ السَّجْدَةِ، وَفِي مُخْتَصَرِ الْبَحْرِ لَوْ قَرَأَ وَاسْجُدْ وَسَكَتَ، وَلَمْ يَقْرَأْ وَاقْتَرِبْ تَلْزَمُهُ السَّجْدَةُ اهـ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان رَجُلٌ سَمِعَ آيَةَ السَّجْدَةِ مِنْ قَوْمٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَرْفًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنْ تَالٍ - وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِعِبَادِهِ أَرْحَمُ. (بَابُ الْمُسَافِرِ) أَيْ بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَبْوَابِ الصَّلَاةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ السَّفَرَ عَارِضٌ مُكْتَسَبٌ كَالتِّلَاوَةِ وَإِلَّا أَنَّ التِّلَاوَةَ عَارِضٌ هُوَ عِبَادَةٌ فِي نَفْسِهِ إلَّا بِعَارِضٍ بِخِلَافِ السَّفَرِ إلَّا بِعَارِضٍ فَلِذَا أَخَّرَ هَذَا الْبَابَ عَنْ ذَاكَ وَالسَّفَرُ لُغَةً قَطْعُ الْمَسَافَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الظُّهُورِ؛ وَلِهَذَا حَمَلَ أَصْحَابُنَا ﵏ قَوْلَهُ ﷺ «لَيْسَ عَلَى الْفَقِيرِ وَالْمُسَافِرِ أُضْحِيَّةٌ» عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ حَتَّى سَقَطَ الْأُضْحِيَّةُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى، وَذَكَرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالسِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَغَيَّرَتْ بِالسَّفَرِ الشَّرْعِيِّ سُقُوطُ الْأُضْحِيَّةِ وَجَعَلَهُ كَالْقَصْرِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ إلَّا بِالسَّفَرِ الشَّرْعِيِّ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَحَلِّهِ، وَالْإِضَافَةُ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ إضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى شَرْطِهِ وَالْفِعْلِ إلَى فَاعِلِهِ (قَوْلُهُ مَنْ جَاوَزَ بُيُوتَ مِصْرِهِ مُرِيدًا سَيْرًا وَسَطًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ أَوْ جَبَلٍ قَصَرَ الْفَرْضَ الرُّبَاعِيَّ) بَيَانٌ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يُبْتَدَأُ فِيهِ الْقَصْرُ وَلِشَرْطِ الْقَصْرِ وَمُدَّتُهُ وَحُكْمُهُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مُجَاوَزَةُ بُيُوتِ الْمِصْرِ لِمَا صَحَّ عَنْهُ ﵇ «أَنَّهُ قَصَرَ الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ» وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْبَصْرَةِ ــ [منحة الخالق] مُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْدَهُ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِتَأْلِيفِهِ، وَالْأَحْسَنُ مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ حَيْثُ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ تَغْيِيرَ التَّأْلِيفِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ أَوْ الْآيَاتِ مِنْ السُّورَةِ لَا بِذِكْرِ كَلِمَةٍ وَآيَةٍ مِنْهَا عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ قِرَاءَةَ آيَةٍ مِنْ بَيْنِ الْآيَاتِ كَقِرَاءَةِ سُورَةٍ مِنْ بَيْنِ السُّوَرِ فَكَمَا لَا يَكُونُ قِرَاءَةُ سُوَرٍ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْ أَثْنَاءِ الْقُرْآنِ مُغَيِّرًا لِلتَّأْلِيفِ وَالنَّظْمِ لَا يَكُونُ قِرَاءَةُ آيَةٍ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ مُغَيِّرًا لَهُ نَعَمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ آيَةَ السَّجْدَةِ مِنْ آخِرِ السُّورَةِ لَا يُكْرَهُ وَفِيهِ مَا فِيهِ اهـ. أَيْ فَالْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الِاسْتِنْكَافَ حَتَّى لَا يَرِدَ هَذَا الْأَخِيرُ، هَذَا وَمَا نَقَلَهُ الرَّمْلِيُّ عَنْ الْمَقْدِسِيَّ مِنْ أَنَّ قِرَاءَةَ تِلْكَ الْآيَاتِ مُتَوَالِيَةً فِي مَجْلِسٍ تَغْيِيرٌ لِلنَّظْمِ وَإِحْدَاثُ تَأْلِيفٍ جَدِيدٍ بِخِلَافِ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ بَعْدُ؛ لِأَنَّ تِلْكَ آيَةٌ مُفْرَدَةٌ اهـ. ظَاهِرٌ فِيمَا لَوْ أَخَّرَ السَّجَدَاتِ لِمَا بَعْدَ التِّلَاوَةِ أَمَّا لَوْ سَجَدَ عَقِبَ كُلِّ آيَةٍ فَلَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَاصِلٌ لِلتَّأْلِيفِ كَمَا قَالُوا فِيمَا لَوْ انْتَقَلَ مِنْ آيَةٍ إلَى أُخْرَى مِنْ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ فِي رَكْعَتَيْنِ لَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا آيَتَانِ فَأَكْثَرُ، وَلَوْ فِي رَكْعَةٍ مُطْلَقًا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَكَذَا قِرَاءَةُ سُورَتَيْنِ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِسُورَتَيْنِ يُكْرَهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لَا رَكْعَتَيْنِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ تَأَمَّلْ؛ وَلِذَا - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - قَالَ فِي النَّهْرَانِ مَا فِي الْكَافِي، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي أَنَّهُ قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ عَلَى الْوَلَاءِ، ثُمَّ سَجَدَ لَهَا إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَجَدَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَقِبَ قِرَاءَتِهَا وَهَذَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، وَمَا فِي الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِ لَا عَكْسُهُ شَامِلٌ لَهُ إذْ لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرُ نَظْمِ الْقُرْآنِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ فَتَدَبَّرْهُ اهـ. ثُمَّ إنَّ مَا قَالَهُ الْمَقْدِسِيَّ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ أَنَّ مَا فِي الْبَدَائِعِ إنَّمَا هُوَ مِنْ بَيْنِ السُّورَةِ بِالْإِفْرَادِ لَا السُّوَرِ جَمْعُ سُورَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فَإِنَّهُ تَحْرِيفٌ (قَوْلُهُ وَقَيَّدَهُ قَاضِي خان) أَيْ قَيَّدَ عَدَمَ كَرَاهَتِهِ الْعَكْسُ بِأَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالُوا وَيَجِبُ أَنْ يُكْرَهَ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى آيَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهٌ. [بَابُ صَلَاة الْمُسَافِرِ] (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ سَيْرًا وَسَطًا) قَالَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ وَسَطًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَالْعَامِلُ فِيهِ السَّيْرُ الْمَذْكُورُ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِأَنْ وَالْفِعْلِ تَقْدِيرُهُ مُرِيدًا أَنْ يَسِيرَ سَيْرًا وَسَطًا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَمُرَادُهُ التَّقْدِيرُ لَا أَنْ يَسِيرَ فِيهَا سَيْرًا وَسَطًا، وَلَا أَنْ يُرِيدَ ذَلِكَ السَّيْرَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ قَدْرَ تِلْكَ الْمَسَافَةِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ مُرِيدًا سَيْرًا وَسَطًا فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ أَيْ مُرِيدًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِسَيْرٍ وَسَطٍ أَوْ نَقُولُ فِي كَلَامِهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَحَذْفٌ تَقْدِيرُهُ مُرِيدًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ سَيْرًا وَسَطًا أَيْ بِسَيْرٍ وَسَطٍ اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ وَدَعَاهُ إلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَعْمَلُ فِي ثَلَاثَةٍ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ مُرِيدًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ وَالْمَعْنَى إنَّمَا هُوَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَلَا سَيْرًا؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ إذَا وُصِفَ لَا يَعْمَلُ فَتَعَيَّنَ مَا قَالَ لَكِنْ قَالَ الْعَيْنِيُّ إنَّ هَذَا التَّكَلُّفَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِأَنْ يَكُونَ

стр. 542

فَصَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا ثُمَّ قَالَ: إنَّا لَوْ جَاوَزْنَا هَذَا الْخُصَّ لَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ وَالْخُصُّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَيْتٌ مِنْ قَصَبٍ كَذَا ضَبَطَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَيَدْخُلُ فِي بُيُوتِ الْمِصْرِ رَبَضُهُ، وَهُوَ مَا حَوْلَ الْمَدِينَةِ مِنْ بُيُوتٍ وَمَسَاكِنَ وَيُقَالُ لِحَرَمِ الْمَسْجِدِ رَبَضٌ أَيْضًا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ الْقَرْيَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِرَبَضِ الْمِصْرِ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَظَاهِرُ الْمُجْتَبَى تَرْجِيحُ عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ، وَهُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ كَلَامُ أَصْحَابِ الْمُتُونِ كَالْهِدَايَةِ أَيْضًا وَجَزَمَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِالِاشْتِرَاطِ وَاعْتَرَضَ بِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ وَصَحَّحَ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَةِ الْقَرْيَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِرُبَضِ الْمِصْرِ بِخِلَافِ الْقَرْيَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِفِنَاءِ الْمِصْرِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مُجَاوَزَةُ الْفِنَاءِ لَا الْقَرْيَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مُجَاوَزَةَ الْفِنَاءِ لِلِاخْتِلَافِ وَفَصَّلَ قَاضِي خان فِي فَتَاوَاهُ فَقَالَ: إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ غَلْوَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَزْرَعَةٌ يُعْتَبَرُ مُجَاوَزَةُ الْفِنَاءِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مَزْرَعَةٌ أَوْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ قَدْرَ غَلْوَةٍ يُعْتَبَرُ مُجَاوَزَةُ عُمْرَانِ الْمِصْرِ اهـ. وَأَطْلَقَ فِي الْمُجَاوَزَةِ فَانْصَرَفَتْ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ مُجَاوَزَةُ مَحَلَّةٍ بِحِذَائِهِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي الْجَانِبِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَحَلَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الْمِصْرِ، وَفِي الْقَدِيمِ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالْمِصْرِ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُجَاوِزَ تِلْكَ الْمَحَلَّةَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَذَكَرَ فِي الْمُجْتَبَى أَنَّ قَدْرَ الْغَلْوَةِ ثَلَثُمِائَةِ ذِرَاعٍ إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِي الْمُحِيطِ وَكَذَا إذَا عَادَ مِنْ سَفَرِهِ إلَى مِصْرٍ لَمْ يُتِمَّ حَتَّى يَدْخُلَ الْعُمْرَانِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَوْ طَافَ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى قَطْعِ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَتَرَخَّصُ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا: أَمِيرٌ خَرَجَ مَعَ جَيْشِهِ فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَيْنَ يُدْرِكُهُمْ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ صَلَاةَ الْإِقَامَةِ فِي الذَّهَابِ، وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ وَكَذَلِكَ الْمُكْثُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَمَّا فِي الرُّجُوعِ، فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةَ سَفَرٍ قَصَرُوا، وَعَلَى اعْتِبَارِ الْقَصْدِ تَفَرَّعَ فِي صَبِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ خَرَجَا قَاصِدَيْنِ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَفِي أَثْنَائِهَا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ يَقْصُرُ الَّذِي أَسْلَمَ فِيمَا بَقِيَ وَيُتِمُّ الَّذِي بَلَغَ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ مِنْ الصَّبِيِّ حِينَ أَنْشَأَ السَّفَرَ بِخِلَافِ النَّصْرَانِيِّ وَالْبَاقِي بَعْدَ صِحَّةِ النِّيَّةِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَسَيَأْتِي أَيْضًا، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِالنِّيَّةِ فِي الْإِقَامَةِ وَاشْتَرَطَ الْعَمَلَ مَعَهَا فِي السَّفَرِ لِمَا أَنَّ فِي السَّفَرِ الْحَاجَةُ إلَى الْفِعْلِ، وَهُوَ لَا يَكْفِيهِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ مَا لَمْ يُقَارِنْهَا عَمَلٌ مِنْ رُكُوبٍ أَوْ مَشْيٍ كَالصَّائِمِ إذَا نَوَى الْإِفْطَارَ لَا يَكُونُ مُفْطِرًا مَا لَمْ يُفْطِرْ، وَفِي الْإِقَامَةِ الْحَاجَةُ إلَى تَرْكِ الْفِعْلِ، وَفِي التَّرْكِ يَكْفِي مُجَرَّدُ النِّيَّةِ كَعَبْدِ التِّجَارَةِ إذَا نَوَاهُ لِلْخِدْمَةِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ النِّيَّةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ وَلِذَا قَالَ فِي التَّجْنِيسِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فِي السَّفِينَةِ حَالَ إقَامَتِهِ فِي طَرَفِ الْبَحْرِ فَنَقَلَهَا الرِّيحُ، وَهُوَ فِي السَّفِينَةِ وَنَوَى السَّفَرَ يُتِمُّ صَلَاةَ الْمُقِيمُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ مَا يُوجِبُ الْأَرْبَعَ وَمَا يَمْنَعُ فَرَجَّحْنَا مَا يُوجِبُ الْأَرْبَعَ احْتِيَاطًا اهـ. وَفِيهِ أَيْضًا وَمَنْ حَمَلَ غَيْرَهُ لِيَذْهَبَ مَعَهُ وَالْمَحْمُولُ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ مَعَهُ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَسِيرَ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ الْمُغَيَّرُ وَإِذَا سَارَ ثَلَاثًا فَحِينَئِذٍ قَصَرَ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَصْرُ مِنْ حِينِ حَمْلِهِ، وَلَوْ كَانَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ يَوْمِ حَمَلَ وَسَارَ بِهِ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تُجْزِئُهُ، وَإِنْ سَارَ بِهِ أَقَلَّ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ، وَهُوَ مُقِيمٌ، وَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُسَافِرٌ اهـ. فَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَكُونُ مُسَافِرًا بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُشْكِلٍ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِنِيَّةِ الْمَتْبُوعِ لَا التَّابِعِ، وَأَمَّا التَّقْدِيرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِإِشَارَةِ قَوْلِهِ ﷺ «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» عَمَّ الرُّخْصَةَ الْجِنْسَ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ عُمُومُ التَّقْدِيرِ، وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْمُرَادُ بِالْيَوْمِ النَّهَارُ دُونَ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لِلِاسْتِرَاحَةِ فَلَا يُعْتَبَرُ وَالْمُرَادُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ أَقْصَرِ أَيَّامِ السَّنَةِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ سَفَرُ كُلِّ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ اخْتَلَفُوا ــ [منحة الخالق] سَيْرًا مَفْعُولَ مُرِيدًا وَوَسَطًا وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ صِفَتَانِ لَهُ أَيْ كَائِنًا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (قَوْلُهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ مِنْ الصَّبِيِّ) أَقُولُ: ذَكَرَ فِي السِّرَاجِ، وَكَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ الْحَائِضُ إذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَقْصِدِ أَقَلُّ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تُصَلِّي أَرْبَعًا هُوَ الصَّحِيحُ اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ. وَفِي الشرنبلالية بَعْدَ عَزْوِهِ لِمُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهَا لَا تَنْزِلُ عَنْ رُتْبَةِ الَّذِي أَسْلَمَ فَكَانَ حَقُّهَا الْقَصْرَ مِثْلَهُ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِي الصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ أَنَّهُمَا يُتِمَّانِ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ وَسَيَأْتِي) أَيْ فِي آخِرِ هَذِهِ السَّوَادَةِ (قَوْلُهُ عَمَّ الرُّخْصَةُ) أَيْ مَسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ الْجِنْسَ أَيْ جِنْسَ الْمُسَافِرِينَ؛ لِأَنَّ اللَّامَ فِي الْمُسَافِرِ لِلِاسْتِغْرَاقِ لِعَدَمِ الْمَعْهُودِ الْمُعَيَّنِ وَمِنْ ضَرُورَةِ عُمُومِ الرُّخْصَةِ الْجِنْسَ عُمُومُ التَّقْدِيرِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِكُلِّ مُسَافِرٍ (قَوْلُهُ وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ مُسَافِرٍ يَمْسَحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَوْ كَانَ السَّفَرُ الشَّرْعِيُّ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَثَبَتَ مُسَافِرٌ لَا يُمْكِنُهُ مَسْحُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَدْ كَانَ كُلُّ مُسَافِرٍ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، ثُمَّ اُعْتُرِضَ هَذَا الدَّلِيلُ بِأَنَّهُ

стр. 543

فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حَتَّى لَوْ بَكَّرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَمَشَى إلَى الزَّوَالِ ثُمَّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَذَلِكَ ثُمَّ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسَافِرًا؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ النُّزُولِ لِاسْتِرَاحَةِ نَفْسِهِ وَدَابَّتِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُسَافِرَ مِنْ الْفَجْرِ إلَى الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ لَا يُطِيقُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ فَأُلْحِقَتْ مُدَّةُ الِاسْتِرَاحَةِ بِمُدَّةِ السَّفَرِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْيَوْمِ إذَا كَانَ مُلْحَقًا بِأَكْثَرِهِ لِلضَّرُورَةِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْحَدِيثِ الْمُفِيدِ لِلثَّلَاثَةِ كَمَا أَنَّ اللَّيْلَ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْفَرَاسِخِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَوْ كَانَ وَعْرًا بِحَيْثُ يُقْطَعُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا قَصَرَ بِالنَّصِّ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ بِهَا لَا يَقْصُرُ فَيُعَارِضُ النَّصَّ فَلَا يُعْتَبَرُ سِوَى سَيْرِ الثَّلَاثَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ الْفَتْوَى عَلَى اعْتِبَارِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَفِي الْمُجْتَبَى فَتْوَى أَكْثَرِ أَئِمَّةِ خُوَارِزْمَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا اهـ. وَأَنَا أَتَعَجَّبُ مِنْ فَتْوَاهُمْ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ بِمَا يُخَالِفُ مَذْهَبَ الْإِمَامِ خُصُوصًا الْمُخَالِفَ لِلنَّصِّ الصَّرِيحِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَصَدَ بَلَدَهُ وَإِلَى مَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَالْآخَرُ دُونَهَا فَسَلَكَ الطَّرِيقَ الْأَبْعَدَ كَانَ مُسَافِرًا عِنْدَنَا اهـ. وَإِنْ سَلَكَ الْأَقْصَرَ يُتِمُّ وَهَذَا جَوَابُ وَاقِعَةِ الْمَلَّاحِينَ بِخُوَارِزْمَ فَإِنَّ مِنْ الْجُرْجَانِيَّةِ إلَى مَدَانِقَ اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا فِي الْبَرِّ، وَفِي جَيْحُونَ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ فَرْسَخًا فَجَازَ لِرُكَّابِ السَّفِينَةِ وَالْمَلَّاحِينَ الْقَصْرُ وَالْإِفْطَارُ فِيهِ صَاعِدًا وَمُنْحَدِرًا كَذَا فِي الْمُجْتَبَى وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ الْمُقِيمُ إذَا قَصَدَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ مَا دُونَ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا، وَلَوْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْمِصْرِ الَّذِي قَصَدَ إلَى مِصْرٍ آخَرَ، وَهُوَ أَيْضًا أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا، وَإِنْ طَافَ آفَاقَ الدُّنْيَا عَلَى هَذَا السَّبِيلِ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا اهـ. وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِالسَّيْرِ الْمُعْتَادِ فَسَارَ إلَيْهَا عَلَى الْبَرِيدِ سَيْرًا مُسْرِعًا أَوْ عَلَى الْفَرَسِ جَرْيًا حَثِيثًا فَوَصَلَ فِي يَوْمَيْنِ قَصَرَ اهـ. وَالْمُرَادُ بِسَيْرِ الْبَرِّ وَالْجَبَلِ أَنْ يَكُونَ بِالْإِبِلِ وَمَشْيُ الْأَقْدَامِ وَالْمُرَادُ بِالْإِبِلِ إبِلُ الْقَافِلَةِ دُونَ الْبَرِيدِ وَأَمَّا السَّيْرُ فِي الْبَحْرِ فَيُعْتَبَرُ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَسَافَةُ ثَلَاثَةٍ فِيهِ إذَا كَانَتْ تِلْكَ الرِّيَاحُ مُعْتَدِلَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَسَافَةُ بِحَيْثُ تُقْطَعُ فِي الْبَرِّ فِي يَوْمٍ كَمَا فِي الْجَبَلِ يُعْتَبَرُ كَوْنُهَا مِنْ طَرِيقِ الْجَبَلِ بِالسَّيْرِ الْوَسَطِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَتْ تُقْطَعُ مِنْ طَرِيقِ السَّهْلِ بِيَوْمٍ، فَالْحَاصِلُ أَنْ تُعْتَبَرَ الْمُدَّةُ مِنْ أَيِّ طَرِيقٍ أَخَذَ فِيهِ؛ وَلِهَذَا عَمَّمَ الْمُصَنِّفُ ﵀ وَخَرَجَ سَيْرُ الْبَقَرِ بِجَرِّ الْعَجَلَةِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَأُ السَّيْرِ كَمَا أَنَّ أَسْرَعَهُ سَيْرُ الْفَرَسِ وَالْبَرِيدِ وَالْوَسَطُ مَا ذَكَرْنَا، وَفِي الْبَدَائِعِ ثُمَّ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ ذَلِكَ السَّيْرُ الْمُعْتَادُ فِيهِ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ النَّاسِ فَيُرْجَعُ إلَيْهِمْ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ وَأَمَّا الثَّالِثُ أَعْنِي حُكْمَ السَّفَرِ فَهُوَ تَغْيِيرُ بَعْضِ الْأَحْكَامِ فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا قَصْرَ الصَّلَاةِ وَالْمُرَادُ وُجُوبُ قَصْرِهَا حَتَّى لَوْ أَتَمَّ فَإِنَّهُ آثِمٌ عَاصٍ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ عِنْدَنَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ رَكْعَتَانِ فِي حَقِّهِ لَا غَيْرُ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ لَقَّبَ الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّ الْقَصْرَ عِنْدَنَا عَزِيمَةٌ وَإِلَّا كَمَالُ رُخْصَةٍ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَهَذَا التَّقْلِيبُ عَلَى أَصْلِنَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ فِي حَقِّهِ لَيْسَتَا قَصْرًا ــ [منحة الخالق] قَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ الْمُسَافِرُ إذَا كَانَ سَفَرُهُ يَسْتَوْعِبُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَ: وَلَا يُقَالُ إنَّهُ احْتِمَالٌ يُخَالِفُهُ الظَّاهِرُ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ صَارُوا إلَيْهِ فِيمَا إذَا بَكَّرَ الْمُسَافِرُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَمَشَى إلَى وَقْتِ الزَّوَالِ، ثُمَّ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ كَذَلِكَ فَبَلَغَ الْمَقْصِدَ فَإِنَّهُ مُسَافِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْمَسْحُ تَمَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا، وَإِنْ قَالُوا بَقِيَّةُ كُلِّ يَوْمٍ مُلْحَقَةٌ بِالْمُنْقَضِي لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَخَلُّلِ الِاسْتِرَاحَاتِ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ أَنَّ مُسَافِرًا مَسَحَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّ عَصْرَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَا يُمْسَحُ فِيهِ فَلَيْسَ تَمَامُ الثَّالِثِ مُلْحَقًا بِأَوَّلِهِ شَرْعًا لِعَدَمِ الرُّخْصَةِ فِيهِ، وَلَا هُوَ سَفَرٌ حَقِيقَةً فَظَهَرَ أَنَّهُ إنَّمَا يَمْسَحُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إذَا كَانَ سَفَرُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهُوَ عَيْنُ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ مِنْ أَنَّ بَعْضَ الْمُسَافِرِينَ لَا يَمْسَحُهَا، وَآلَ إلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَيْ مِنْ أَنَّ مُدَّتَهُ يَوْمَانِ وَأَكْثَرُ الثَّالِثِ اهـ. مُلَخَّصًا. وَحَاصِلُهُ مَنْعُ الْكُلِّيَّةِ الْقَائِلَةِ: إنَّ كُلَّ مُسَافِرٍ يَمْسَحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِإِثْبَاتِ مُسَافِرٍ يَمْسَحُ أَقَلَّ مِنْهَا فَلَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ السَّفَرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ (قَوْلُهُ وَبِهِ انْدَفَعَ إلَخْ) لَا يَخْفَى مَا فِيهِ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ النَّبِيهِ (قَوْلُهُ وَأَنَا أَتَعَجَّبُ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُؤْخَذُ جَوَابُهُ مِنْ قَوْلِ الْفَتْحِ وَكُلُّ مَنْ قَدَّرَ بِقَدْرٍ مِنْهَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِنَّمَا كَانَ الصَّحِيحُ أَنْ لَا يُقَدَّرَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الطَّرِيقُ وَعِرًا إلَخْ مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَفِي السِّرَاجِ إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُقَوِّي الْإِشْكَالَ الَّذِي قُلْنَاهُ، وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا أَنْ يُمْنَعَ قَصْرُ مُسَافِرِ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ قَطَعَ فِيهِ مَسِيرَةَ أَيَّامٍ وَإِلَّا لَزِمَ الْقَصْرُ لَوْ قَطَعَهَا فِي سَاعَةٍ صَغِيرَةٍ كَقَدْرِ دَرَجَةٍ كَمَا لَوْ ظَنَّ صَاحِبُ كَرَامَةِ الطَّيِّ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَطَعَ مَسَافَةَ ثَلَاثَةٍ بِسَيْرِ الْإِبِلِ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِانْتِفَاءِ مَظِنَّةِ الْمَشَقَّةِ وَهِيَ الْعِلَّةُ وَتَمَامُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ بِحَيْثُ تُقْطَعُ) إنَّ هَذِهِ وَصْلِيَّةٌ كَالَّتِي بَعْدَهَا

стр. 544

حَقِيقَةً عِنْدَنَا بَلْ هُمَا تَمَامُ فَرْضِ الْمُسَافِرِ وَإِلَّا كَمَالٌ لَيْسَ رُخْصَةً فِي حَقِّهِ بَلْ إسَاءَةٌ وَمُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ وَلِأَنَّ الرُّخْصَةَ اسْمٌ لِمَا تَغَيَّرَ عَنْ الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ بِعَارِضٍ إلَى تَخْفِيفٍ وَيُسْرٍ، وَلَمْ يُوجَدْ مَعْنَى التَّغْيِيرِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ رَأْسًا إذْ الصَّلَاةُ فِي الْأَصْلِ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ ثُمَّ زِيدَتْ رَكْعَتَيْنِ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ كَمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ فَانْعَدَمَ مَعْنَى التَّغْيِيرِ فِي حَقِّهِ أَصْلًا، وَفِي حَقِّ الْمُقِيمِ وُجِدَ التَّغْيِيرُ لَكِنْ إلَى الْغِلَظِ وَالشِّدَّةِ لَا إلَى السُّهُولَةِ وَالْيُسْرِ، وَالرُّخْصَةُ تُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رُخْصَةً حَقِيقَةً فِي حَقِّ الْمُقِيمِ أَيْضًا، وَلَوْ سَمَّى فَإِنَّمَا هُوَ مَجَازٌ لِوُجُودِ بَعْضِ مَعَانِي الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ التَّغْيِيرُ اهـ. فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ صَلَّى الْفَرْضَ الرُّبَاعِيَّ رَكْعَتَيْنِ لَكَانَ أَوْلَى وَقَيَّدَ بِالْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَصْرَ فِي الْوِتْرِ وَالسُّنَنِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَرْكِ السُّنَنِ فِي السَّفَرِ فَقِيلَ: الْأَفْضَلُ هُوَ التَّرْكُ تَرْخِيصًا وَقِيلَ الْفِعْلُ تَقَرُّبًا وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ: الْفِعْلُ حَالَ النُّزُولِ وَالتَّرْكُ حَالَ السَّيْرِ، وَقِيلَ يُصَلِّي سُنَّةَ الْفَجْرِ خَاصَّةً، وَقِيلَ سُنَّةَ الْمَغْرِبِ أَيْضًا، وَفِي التَّجْنِيسِ وَالْمُخْتَارِ أَنَّهُ إنْ كَانَ حَالَ أَمْنٍ وَقَرَارٍ يَأْتِي بِهَا؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ مُكَمِّلَاتٍ وَالْمُسَافِرُ إلَيْهِ مُحْتَاجٌ، وَإِنْ كَانَ حَالَ خَوْفٍ لَا يَأْتِي بِهَا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ بِعُذْرٍ اهـ. وَقَيَّدَ بِالرُّبَاعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا قَصْرَ فِي الْفَرْضِ الثُّنَائِيِّ وَالثُّلَاثِيِّ فَالرَّكَعَاتُ الْمَفْرُوضَةُ حَالَ الْإِقَامَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَحَالَ السَّفَرِ إحْدَى عَشْرَةَ، وَفِي عُمْدَةِ الْفَتَاوَى لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ إذَا قَالَ لِنِسَائِهِ مَنْ لَمْ يَدْرِ مِنْكُنَّ كَمْ رَكْعَةٍ فَرْضُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَهِيَ طَالِقٌ فَقَالَتْ: إحْدَاهُنَّ عِشْرُونَ رَكْعَةً وَالْأُخْرَى سَبْعَةَ عَشَرَ رَكْعَةً وَالْأُخْرَى خَمْسَ عَشْرَةَ وَالْأُخْرَى إحْدَى عَشْرَةَ لَا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَمَّا السَّبْعَةَ عَشَرَ لَا يُشْكِلُ وَمَنْ قَالَتْ عِشْرُونَ رَكْعَةً فَقَدْ ضَمَّتْ الْوِتْرَ إلَيْهَا، وَمَنْ قَالَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَمَنْ قَالَتْ إحْدَى عَشْرَةَ فَفَرْضُ الْمُسَافِرِ اهـ. أَطْلَقَ الْإِرَادَةَ فَشَمَلَتْ إرَادَةَ الْكَافِرِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: صَبِيٌّ وَنَصْرَانِيٌّ خَرَجَا إلَى سَفَرٍ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا فَلَمَّا سَارَا يَوْمَيْنِ أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ فَالنَّصْرَانِيُّ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ سَفَرِهِ وَالصَّبِيُّ يُتِمُّ الصَّلَاةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الْكَافِرِ مُعْتَبَرَةٌ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَالْإِمَامُ الْجَلِيلُ الْفَضْلِيُّ سَوَّى بَيْنَهُمَا يَعْنِي كِلَاهُمَا يُتِمَّانِ الصَّلَاةَ اهـ. (قَوْلُهُ فَلَوْ أَتَمَّ وَقَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ صَحَّ وَإِلَّا لَا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ لَمْ يَصِحَّ فَرْضُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَعَدَ فَقَدْ تَمَّ فَرْضُهُ وَصَارَتْ الْأُخْرَيَاتُ لَهُ نَفْلًا كَالْفَجْرِ وَصَارَ آثِمًا لِتَأْخِيرِ السَّلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فَقَدْ خَلَطَ النَّفَلَ بِالْفَرْضِ قَبْلَ إكْمَالِهِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ فَلَوْ تَرَكَ فِيهِمَا أَوْ فِي إحْدَاهُمَا وَقَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لَمْ يَصِحَّ فَرْضُهُ وَهَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ، فَإِنْ نَوَاهَا قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ لَوْ صَلَّى الْمُسَافِرُ رَكْعَتَيْنِ وَقَرَأَ فِيهِمَا وَتَشَهَّدَ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَوْ بَعْدَمَا قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ قَبْلَ أَنْ يُقَيِّدَهَا بِسَجْدَةٍ فَإِنَّهُ يَتَحَوَّلُ فَرْضُهُ إلَى الْأَرْبَعِ إلَّا أَنَّهُ يُعِيدُ الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ فَلَا يَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْقِرَاءَةِ فَلَوْ قَيَّدَهَا بِسَجْدَةٍ ثُمَّ نَوَاهَا لَمْ يَتَحَوَّلْ فَرْضُهُ وَيُضَيِّفُ إلَيْهَا أُخْرَى، وَلَوْ أَفْسَدَهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَتَشَهَّدْ وَقَامَ إلَى الثَّالِثَةِ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ تَحَوَّلَ فَرْضُهُ أَرْبَعًا اتِّفَاقًا، فَإِنْ لَمْ يُقِمْ صُلْبَهُ عَادَ إلَى التَّشَهُّدِ، وَإِنْ أَقَامَهُ لَا يَعُودُ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْقِرَاءَةِ، وَلَوْ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ ثُمَّ نَوَى قَبْلَ السَّجْدَةِ تَحَوَّلَ الْفَرْضُ وَيُعِيدُ الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ، وَلَوْ قَيَّدَ بِالسَّجْدَةِ فَقَدْ تَأَكَّدَ الْفَسَادُ فَيُضِيفُ أُخْرَى فَتَكُونُ الْأَرْبَعُ تَطَوُّعًا عَلَى قَوْلِهِمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَعِنْدَهُ لَا تَنْقَلِبُ بَعْدَ الْفَسَادِ تَطَوُّعًا، وَلَوْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ وَأَتَى بِالتَّشَهُّدِ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ أَوْ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ أَنْ يُقَيِّدَهَا بِالسَّجْدَةِ فَإِنَّهُ يَتَحَوَّلُ إلَى الْأَرْبَعِ وَيَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَضَاءً عَنْ الْأُولَيَيْنِ، وَلَوْ قَيَّدَ الثَّالِثَةَ بِسَجْدَةٍ ثُمَّ نَوَى فَسَدَتْ اتِّفَاقًا وَيُضِيفُ رَابِعَةً لِتَكُونَ تَطَوُّعًا عِنْدَهُمَا اهـ. (قَوْلُهُ حَتَّى يَدْخُلَ مِصْرَهُ أَوْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ نِصْفَ شَهْرٍ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ قَصَرَ أَيْ قَصَرَ إلَى غَايَةِ دُخُولِ الْمِصْرِ أَوْ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعٍ صَالِحٍ لِلْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَإِلَّا عُدِّلَ مَا قَالَهُ الْهِنْدُوَانِيُّ اهـ.

стр. 545

يَقْصُرُ، أَطْلَقَ فِي دُخُولِ مِصْرِهِ فَشَمَلَ مَا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ بِهِ أَوْ لَا، وَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ كَمَا إذَا سَبَقَهُ حَدَثٌ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ فَدَخَلَهُ لِلْمَاءِ إلَّا اللَّاحِقُ إذَا أَحْدَثَ وَدَخَلَ مِصْرَهُ لِيَتَوَضَّأَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ، وَلَا يَصِيرُ مُقِيمًا بِدُخُولِهِ الْمِصْرَ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ سَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَقَلَّ لَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ يُتِمُّ إذَا سَارَ أَقَلَّ بِمُجَرَّدِ الْعَزْمِ عَلَى الرُّجُوعِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ مِصْرَهُ؛ لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلسَّفَرِ قَبْلَ الِاسْتِحْكَامِ إذْ هُوَ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقِيَاسُهُ أَنْ لَا يَحِلَّ فِطْرُهُ فِي رَمَضَانَ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَلَدِهِ يَوْمَانِ، وَفِي الْمُجْتَبَى لَا يَبْطُلُ السَّفَرُ إلَّا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ أَوْ دُخُولِ الْوَطَنِ أَوْ الرُّجُوعِ قَبْلَ الثَّلَاثَةِ اهـ. وَالْمَذْكُورُ فِي الْخَانِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ إذَا رَجَعَ لِحَاجَةٍ نَسِيَهَا ثُمَّ تَذَّكَّرهَا، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَطَنٌ أَصْلِيٌّ يَصِيرُ مُقِيمًا بِمُجَرَّدِ الْعَزْمِ عَلَى الرُّجُوعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَطَنٌ أَصْلِيٌّ يَقْصُرُ اهـ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ الْمِصْرِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مُفَارَقَةُ الْبُيُوتِ قَاصِدًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا اسْتِكْمَالُ سَفَرِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ حُكْمِ السَّفَرِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ الْعِلَّةُ لِحُكْمِ السَّفَرِ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ مَا لَمْ تَثْبُتْ عِلَّةُ حُكْمِ الْإِقَامَةِ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا أَنَّ عَلِيًّا خَرَجَ فَقَصَرَ، وَهُوَ يَرَى الْبُيُوتَ فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الْكُوفَةُ قَالَ لَا حَتَّى نَدْخُلَهَا يُرِيدُ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَالْكُوفَةُ بِمَرْأَى مِنْهُمْ فَقِيلَ لَهُ إلَى آخِرِهِ وَقَيَّدَ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ بَلَدًا، وَلَمْ يَنْوِ أَنَّهُ يُقِيمُ فِيهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَإِنَّمَا يَقُولُ غَدًا أَخْرُجُ أَوْ بَعْدَ غَدٍ أَخْرُجُ حَتَّى بَقِيَ عَلَى ذَلِكَ سِنِينَ قَصَرَ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَالنِّيَّةُ إنَّمَا تُؤَثِّرُ بِخَمْسِ شَرَائِطَ أَحَدُهَا تَرْكُ السَّيْرِ حَتَّى لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ، وَهُوَ يَسِيرُ لَمْ يَصِحَّ وَثَانِيهَا صَلَاحِيَةُ الْمَوْضِعِ حَتَّى لَوْ أَقَامَ فِي بَحْرٍ أَوْ جَزِيرَةٍ لَمْ تَصِحَّ وَاتِّحَادُ الْمَوْضِعِ وَالْمُدَّةِ وَالِاسْتِقْلَالُ بِالرَّأْيِ اهـ. وَأَطْلَقَ النِّيَّةَ فَشَمَلَ الْحِكْمَةَ كَمَا لَوْ وَصَلَ الْحَاجُّ إلَى الشَّامِ وَعَلِمَ أَنَّ الْقَافِلَةَ إنَّمَا تَخْرُجُ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَعَزَمَ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا مَعَهُمْ لَا يَقْصُرُ؛ لِأَنَّهُ كَنَاوِي الْإِقَامَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَشَمَلَ مَا إذَا نَوَاهَا فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَوَّلِهَا أَوْ وَسَطِهَا أَوْ فِي آخِرِهَا وَسَوَاءٌ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ مُقْتَدِيًا أَوْ مُدْرِكًا أَوْ مَسْبُوقًا أَمَّا اللَّاحِقُ إذَا أَدْرَكَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ، وَالْإِمَامُ مُسَافِرٌ فَأَحْدَثَ أَوْ نَامَ فَانْتَبَهَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ وَنَوَى الْإِقَامَةَ لَمْ يُتِمَّ؛ لِأَنَّ اللَّاحِقَ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ خَلَفَ الْإِمَامِ فَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ فَقَدْ اسْتَحْكَمَ الْفَرْضُ فَلَا يَتَغَيَّرُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَكَذَا فِي حَقِّ اللَّاحِقِ، وَلَوْ نَوَاهَا بَعْدَ مَا صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ يَتَحَوَّلُ فَرْضُهُ إلَى الْأَرْبَعِ، وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَنَوَى الْإِقَامَةَ فَإِنَّهُ لَا يَتَحَوَّلُ فَرْضُهُ إلَى الْأَرْبَعِ فِي حَقِّ تِلْكَ الصَّلَاةِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَيَّدَ بِنِصْفِ شَهْرٍ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ إقَامَةِ مَا دُونَهَا لَا تُوجِبُ الْإِتْمَامَ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا قَدَّرَاهَا بِذَلِكَ وَالْأَثَرُ فِي الْمُقَدَّرَاتِ كَالْخَبَرِ وَأَقَامَ ﷺ بِمَكَّةَ مَعَ أَصْحَابِهِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَهُوَ يَقْصُرُ وَقَيَّدَ بِالْبَلَدِ وَالْقِرْبَةِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ لَا تَصِحُّ فِي غَيْرِهِمَا فَلَا تَصِحُّ فِي مَفَازَةٍ، وَلَا جَزِيرَةٍ وَلَا بَحْرٍ، وَلَا سَفِينَةٍ، وَفِي الْخَانِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ ثُمَّ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ مِمَّنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ وَمَوْضِعُ الْإِقَامَةِ الْعُمْرَانُ وَالْبُيُوتُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ الْحَجَرِ وَالْمَدَرِ وَالْخَشَبِ لَا الْخِيَامُ وَالْأَخْبِيَةُ وَالْوَبَرُ اهـ. وَقَيَّدَ الشَّارِحُونَ اشْتِرَاطَ صَلَاحِيَةِ الْمَوْضِعِ بِأَنْ يَكُونَ سَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا أَمَّا إذَا لَمْ يَسِرْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْإِقَامَةُ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ بَلْ تَصِحُّ، وَلَوْ فِي الْمَفَازَةِ وَفِيهِ مِنْ الْبَحْثِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ حَتَّى يَدْخُلَ مِصْرَهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الْمَجْمَعِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَطَنَهُ؛ لِأَنَّ الْوَطَنَ مَكَانُ الْإِنْسَانِ وَمَحَلُّهُ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ، وَلَيْسَ الْإِتْمَامُ مُتَوَقِّفًا عَلَى دُخُولِهِ بَلْ عَلَى دُخُولِ مِصْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَطَنَهُ وَيَصِيرُ الْمِصْرُ مِصْرًا لِلْإِنْسَانِ بِكَوْنِهِ وُلِدَ فِيهِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا دَخَلَ الْمُسَافِرُ مِصْرًا وَتَزَوَّجَ بِهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا لِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ وَلِقَوْلِهِ ﵊ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ إذْ هُوَ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ عِلَّةً فَكَانَتْ الْإِقَامَةُ نَقْضًا لِلْعَارِضِ لَا ابْتِدَاءَ عِلَّةِ الْإِتْمَامِ، وَلَوْ قِيلَ الْعِلَّةُ مُفَارَقَةُ الْبُيُوتِ قَاصِدًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِاسْتِكْمَالِ سَفَرِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ حُكْمِ السَّفَرِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ الْعِلَّةُ لِحُكْمِ السَّفَرِ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ مَا لَمْ يَثْبُتْ عِلَّةُ حُكْمِ الْإِقَامَةِ احْتَاجَ إلَى الْجَوَابِ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَعَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ نَشَأَ قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ الْآتِي وَاَلَّذِي يَظْهَرُ إلَخْ قَالَ فِي النَّهْرِ مُجِيبًا: وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ إبْطَالَ الدَّلِيلِ لِمَعْنًى لَا يَسْتَلْزِمُ إبْطَالَ الْمَدْلُولِ (قَوْلُهُ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ الْمَرْحُومُ شَيْخُ شَيْخِنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ الْمَقْدِسِيَّ هَذِهِ حِكَايَةُ حَالٍ طَرَقَهَا الِاحْتِمَالُ، وَهُوَ أَنَّهُ جَاوَزَ الْمُدَّةَ عَلَى الْكَمَالِ اهـ. أَقُولُ: وَقَدْ يُجَابُ عَنْ أَصْلِ الْإِشْكَالِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ إنَّمَا هِيَ عِلَّةٌ ابْتِدَاءً أَمَّا الْعِلَّةُ بَقَاءً فَهِيَ اسْتِكْمَالُ الْمُدَّةِ (قَوْلُهُ أَمَّا إذَا لَمْ يَسِرْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَا يُشْتَرَطُ إلَخْ) أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا عَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ وَنَقْضِ السَّفَرِ كَمَا مَرَّ أَمَّا إذَا أَبْقَى عَلَى قَصْدِهِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَنْقُضْ سَفَرَهُ وَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي الْمَفَازَةِ لَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ، وَلَوْ

стр. 546

«مَنْ تَزَوَّجَ فِي بَلْدَةٍ فَهُوَ مِنْهَا» وَالْمُسَافِرَةُ تَصِيرُ مُقِيمَةً بِنَفْسِ التَّزَوُّجِ عِنْدَهُمْ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ. (قَوْلُهُ لَا بِمَكَّةَ وَمِنًى) أَيْ لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّهُ لَا يُتِمُّ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لَا تَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ إذْ لَوْ جَازَتْ فِي مَكَانَيْنِ لَجَازَتْ فِي أَمَاكِنَ فَيُؤَدِّي إلَى أَنَّ السَّفَرَ لَا يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْمُسَافِرِ فِي الْمَرَاحِلِ لَوْ جُمِعَتْ كَانَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ إلَّا إذَا نَوَى أَنْ يُقِيمَ بِاللَّيْلِ فِي أَحَدِهِمَا فَيَصِيرُ مُقِيمًا بِدُخُولِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْمَرْءِ تُضَافُ إلَى مَبِيتِهِ يُقَالُ فُلَانٌ يَسْكُنُ فِي حَارَةِ كَذَا، وَإِنْ كَانَ بِالنَّهَارِ فِي الْأَسْوَاقِ ثُمَّ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَوْضِعِ الْآخَرِ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا وَذُكِرَ فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ أَنَّ الْحَاجَّ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ وَنَوَى الْإِقَامَةَ نِصْفَ شَهْرٍ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى عَرَفَاتٍ فَلَا يَتَحَقَّقُ الشَّرْطُ، وَقِيلَ كَانَ سَبَبُ تَفَقُّهِ عِيسَى بْنِ أَبَانَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا بِطَلَبِ الْحَدِيثِ قَالَ فَدَخَلْت مَكَّةَ فِي أَوَّلِ الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مَعَ صَاحِبٍ لِي وَعَزَمْت عَلَى الْإِقَامَةِ شَهْرًا وَجَعَلْت أُتِمُّ الصَّلَاةَ فَلَقِيَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ أَخْطَأْت فَإِنَّك تَخْرُجُ إلَى مِنًى وَعَرَفَاتٍ فَلَمَّا رَجَعْت مِنْ مِنًى بَدَا لِصَاحِبِي أَنْ يَخْرُجَ وَعَزَمْت عَلَى أَنْ أُصَاحِبَهُ وَجَعَلْت أَقْصُرُ الصَّلَاةَ فَقَالَ لِي صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَخْطَأْت فَإِنَّك مُقِيمٌ بِمَكَّةَ فَمَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْهَا لَا تَصِيرُ مُسَافِرًا فَقُلْت أَخْطَأْت فِي مَسْأَلَةٍ فِي مَوْضِعَيْنِ فَرَحَلْت إلَى مَجْلِسِ مُحَمَّدٍ وَاشْتَغَلْت بِالْفِقْهِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَا هَذِهِ الْحِكَايَةَ لِيُعْلَمَ مَبْلَغُ الْعِلْمِ فَيَصِيرُ مَبْعَثَةً لِلطَّلَبَةِ عَلَى طَلَبِهِ قَيَّدَ بِالْمِصْرَيْنِ وَمُرَادُهُ مَوْضِعَانِ صَالِحَانِ لِلْإِقَامَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ أَوْ الْقَرْيَتَيْنِ أَوْ الْمِصْرِ وَالْقَرْيَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ مِصْرٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ حُكْمًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ إلَيْهِ مُسَافِرًا لَمْ يَقْصُرْ. (قَوْلُهُ وَقَصَرَ إنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَنْوِ وَبَقِيَ سِنِينَ) أَيْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ شَهْرٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا تَقْرِيرَهُ (قَوْلُهُ أَوْ نَوَى عَسْكَرٌ ذَلِكَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ وَإِنْ حَاصَرُوا مِصْرًا وَحَاصَرُوا أَهْلَ الْبَغْيِ فِي دَارِنَا فِي غَيْرِهِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ نَوَى أَقَلَّ مِنْهُ ــ [منحة الخالق] قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تَأَمَّلْ نَعَمْ سَيَأْتِي اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي أَنَّ وَطَنَ الْإِقَامَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ تَقَدُّمُ السَّفَرِ أَمْ لَا فَرَاجِعْهُ. (قَوْلُهُ وَقِيلَ كَانَ سَبَبُ تَفَقُّهِ عِيسَى بْنِ أَبَانَ إلَخْ) نَقَلَ الْعَلَّامَةُ مُلَّا عَلِيٌّ الْقَارِي هَذِهِ الْحِكَايَةَ فِي شَرْحِهِ عَلَى لُبَابِ الْمَنَاسِكِ، ثُمَّ قَالَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْإِمَامِ تَعَارُضٌ حَيْثُ حَكَمَ فِي الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ مُسَافِرٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّمَامُ وَحَكَمَ فِي الثَّانِي بِأَنَّهُ مُقِيمٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ مَعَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ بِحَالِهَا وَلَعَلَّ التَّقْدِيرَ فَلَمَّا رَجَعْت إلَى مِنًى وَنَوَيْت الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ مَعَ صَاحِبِي بَدَا إلَخْ وَمَفْهُومُ مَسْأَلَةِ الْمُتُونِ أَنَّهُ لَوْ نَوَى فِي أَحَدِهِمَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا صَارَ مُقِيمًا فَحِينَئِذٍ الْمُسَافِرُ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ وَاسْتَوْطَنَ بِهَا أَوْ أَرَادَ الْإِقَامَةَ فِيهَا شَهْرًا مَثَلًا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا، وَلَا يَضُرُّ حِينَئِذٍ خُرُوجُهُ إلَى مِنًى وَعَرَفَاتٍ، وَلَا تَنْقَضِي إقَامَتُهُ إذْ لَا يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُ كَوْنِهِ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا مُتَوَالِيَةً بِهَا بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - اهـ. أَقُولُ: وَكَذَا اسْتَشْكَلَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ قَوْلَهُ إنَّكَ مُقِيمٌ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ سَمَّاهُ مُقِيمًا بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِ الْأَوَّلَ وَأَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقِ - لَا إشْكَالَ أَصْلًا فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ هَذِهِ الْحِكَايَةِ أَنَّهُ إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ شَهْرًا وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى عَرَفَاتٍ وَمِنًى قَبْلَ أَنْ يَمْكُثَ بِمَكَّةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يَصِيرُ مُقِيمًا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَاوِيًا الْإِقَامَةَ مُسْتَقْبَلَةً فَلَا تُعْتَبَرُ فَإِذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى وَعَرَفَاتٍ إلَى مَكَّةَ، وَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ السَّابِقَةِ صَارَ مُقِيمًا؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنْ الشَّهْرِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ وَهُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ دَخَلَ فِي أَوَّلِ الْعَشْرِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَاجَّ يَخْرُجُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ إلَى مِنًى وَيَرْجِعُ إلَى مَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَشَرَ فَلَمَّا دَخَلَ إلَى مَكَّةَ أَوَّلَ الْعَشْرِ وَنَوَى إقَامَةَ شَهْرٍ لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ أَوَّلِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ إقَامَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا إلَّا بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى فَلِذَا أَمَرَهُ صَاحِبُ الْإِمَامِ بِالْقَصْرِ أَوَّلَ الْمُدَّةِ وَبِالْإِتْمَامِ بَعْدَ الْعَوْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَادَ إلَى مَكَّةَ وَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ السَّابِقَةِ كَانَ نَاوِيًا أَنْ يُقِيمَ فِيهَا عِشْرِينَ يَوْمًا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ فَلَمَّا رَجَعَتْ مِنْ مِنًى) أَيْ إلَى مَكَّةَ وَقَوْلُهُ بَدَا لِصَاحِبِي أَنْ يَخْرُجَ أَيْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ مُسَافِرًا وَقَوْلُهُ وَجَعَلْت أَقْصُرُ الصَّلَاةَ أَيْ فِي مَكَّةَ بَعْدَ عَزْمِهِ عَلَى السَّفَرِ مَعَ صَاحِبِهِ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَوْ حَاصَرُوا أَهْلَ الْبَغْيِ فِي دَارِنَا فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمِصْرِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ حَاصَرُوهُمْ فِي الْمِصْرِ لَا يَقْصُرُونَ وَوَقَعَ التَّقْيِيدُ بِهِ أَيْضًا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْهِدَايَةِ وَالدُّرَرِ وَمَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ وَكَذَلِكَ إذَا حَاصَرُوا أَهْلَ الْبَغْيِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي غَيْرِ مِصْرٍ أَوْ حَاصَرُوهُمْ فِي الْبَحْرِ؛ لِأَنَّ حَالَهُمْ مُبْطِلٌ عَزِيمَتَهُمْ اهـ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَفْهُومِ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ بِقَوْلِهِ وَأَمَّا إذَا حَاصَرُوهُمْ فِي مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ تَصِحُّ نِيَّتُهُمْ لِلْإِقَامَةِ بِلَا خِلَافٍ اهـ. وَصَرَّحَ فِي النَّهْرِ أَيْضًا بِأَنَّهُمْ يُتِمُّونَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَالْمَقْدِسِيُّ كَالْمُؤَلِّفِ لَكِنْ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ حَالَهُمْ مُبْطِلٌ عَزِيمَتَهُمْ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْمَحَلَّ، وَإِنْ كَانَ صَالِحًا لَكِنَّ ثَمَّةَ مَانِعًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُمْ إنَّمَا يُقِيمُونَ لِغَرَضٍ فَإِذَا حَصَلَ انْزَعَجُوا فَلَا تَكُونُ نِيَّتُهُمْ مُسْتَقِرَّةً وَهَذَا

стр. 547

أَيْ وَقَصَرَ إنْ نَوَى عَسْكَرٌ نِصْفَ شَهْرٍ بِأَرْضِ الْحَرْبِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَسْكَرُ مَشْغُولِينَ بِالْقِتَالِ أَوْ الْمُحَاصَرَةِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمُحَاصَرَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ لِلْمَدِينَةِ أَوْ لِلْحِصْنِ بَعْدَ أَنْ دَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَسْكَرُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ أَوْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ مَعَ أَهْلِ الْبَغْيِ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ الْبَغْيِ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ حَالَهُمْ يُخَالِفُ عَزِيمَتَهُمْ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ الْقَرَارِ وَالْفِرَارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي تَاجِرٍ دَخَلَ مَدِينَةً لِحَاجَةٍ، وَنَوَى أَنْ يُقِيمَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِقَضَاءِ تِلْكَ الْحَاجَةِ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا؛ لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ فَيَرْجِعَ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَقْضِيَ فَيُقِيمَ فَلَا تَكُونُ نِيَّتُهُ مُسْتَقِرَّةً كَنِيَّةِ الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهَذَا الْفَصْلُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يَقُولُ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى مَكَان وَيُرِيدُ أَنْ يَتَرَخَّصَ تَرَخُّصَ السَّفَرِ يَنْوِي مَكَانًا أَبْعَدَ مِنْهُ وَهَذَا غَلَطٌ كَذَا ذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ اهـ. كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَعَلَى هَذَا وَاقِعَةُ الْفَتْوَى وَهِيَ أَنَّ إنْسَانًا يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ يُسَافِرُ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَيَنْوِيَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَيَقْصِدُ مَكَانًا قَرِيبًا فَهَذَا لَمْ يَكُنْ مُخَلِّصًا لَهُ لِتَعَارُضِ نِيَّتِهِ إذْ الْأُولَى لَيْسَتْ بِنِيَّةٍ أَصْلًا وَأَطْلَقَ فِي الْعَسْكَرِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَتْ الشَّوْكَةُ لَهُمْ وَقَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَنَوَى إقَامَةَ نِصْفِ شَهْرٍ فِيهَا فَإِنَّهُ يُتِمُّ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَا يَتَعَرَّضُونَ لَهُ لِأَجْلِ الْأَمَانِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْأَسِيرَ لَوْ انْفَلَتَ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ وَتَوَطَّنَ فِي غَارٍ وَنَوَى الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يَصِرْ مُقِيمًا كَمَا لَوْ عَلِمَ أَهْلُ الْحَرْبِ بِإِسْلَامِهِ فَهَرَبَ مِنْهُمْ يُرِيدُ السَّفَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا لَمْ تُعْتَبَرْ نِيَّتُهُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَحُكْمُ الْأَسِيرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ حُكْمُ الْعَبْدِ لَا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ وَالرَّجُلُ الَّذِي يَبْعَثُ إلَيْهِ الْوَالِي أَوْ الْخَلِيفَةُ لِيُؤْتَى بِهِ إلَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ، وَفِي التَّجْنِيسِ عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ وَغَلَبُوا فِي مَدِينَةِ إنْ اتَّخَذُوهَا دَارًا يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ لَمْ يَتَّخِذُوهَا دَارًا وَلَكِنْ أَرَادُوا الْإِقَامَةَ بِهَا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ؛ لِأَنَّهَا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي بَقِيَتْ دَارَ حَرْبٍ وَهُمْ مُحَارِبُونَ فِيهَا، وَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ اهـ. (قَوْلُهُ بِخِلَافِ أَهْلِ الْأَخْبِيَةِ) حَيْثُ تَصِحُّ مِنْهُمْ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانُوا فِي الْمَفَازَةِ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ أَصْلٌ فَلَا تَبْطُلُ بِالِانْتِقَالِ مِنْ مَرْعًى إلَى آخَرَ إلَّا إذَا ارْتَحَلُوا عَنْ مَوْضِعِ إقَامَتِهِمْ فِي الصَّيْفِ وَقَصَدُوا مَوْضِعَ إقَامَتِهِمْ فِي الشِّتَاءِ وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُمْ يَصِيرُونَ مُسَافِرِينَ فِي الطَّرِيقِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَدَائِعِ أَنَّ أَهْلَ الْأَخْبِيَةِ مُقِيمُونَ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى نِيَّةِ الْإِقَامَةِ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمَفَاوِزَ لَهُمْ كَالْأَمْصَارِ وَالْقُرَى لِأَهْلِهَا وَلِأَنَّ الْإِقَامَةَ لِلرَّجُلِ أَصْلٌ وَالسَّفَرَ عَارِضٌ وَهُمْ لَا يَنْوُونَ السَّفَرَ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُونَ مِنْ مَاءٍ إلَى مَاءٍ وَمِنْ مَرْعًى إلَى آخَرَ اهـ. وَالْأَخْبِيَةُ جَمْعُ خِبَاءٍ: الْبَيْتُ مِنْ صُوفٍ أَوْ وَبَرٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الشَّعْرِ فَلَيْسَ بِخِبَاءٍ كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ، وَفِي الْمُغْرِبِ: الْخِبَاءُ الْخَيْمَةُ مِنْ الصُّوفِ اهـ. وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَعَمُّ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَنْ يَسْكُنُ فِي بَيْتِ صُوفٍ أَوْ بَيْتِ شَعْرٍ وَقَيَّدَ بِأَهْلِ الْأَخْبِيَةِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُمْ مِنْ الْمُسَافِرِينَ لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ مَعَهُمْ فَعَنْ ــ [منحة الخالق] التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي غَيْرِ مِصْرٍ وَقَوْلَهُ فِي الْبَحْرِ لَيْسَ بِقَيْدٍ حَتَّى لَوْ نَزَلُوا مَدِينَةَ أَهْلِ الْبَغْيِ وَحَاصَرُوهُمْ فِي الْحِصْنِ لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُمْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَدِينَتَهُمْ كَالْمَفَازَةِ عِنْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ لَا يُقِيمُونَ فِيهَا اهـ. وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، ثُمَّ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ فِي غَيْرِ مِصْرٍ وَفِي الْبَحْرِ يُوهِمُ أَنَّهُمْ لَوْ نَزَلُوا مَدِينَةَ أَهْلِ الْبَغْيِ وَحَاصَرُوهُمْ وَهُمْ فِي الْحِصْنِ تَصِحُّ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ لَكِنَّ إطْلَاقَ مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ: وَكَذَا إذْ حَارَبُوا أَهْلَ الْبَغْيِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَمَّا التَّعْلِيلُ فَيَشْمَلُ الْمَفَازَةَ وَالْمَدِينَةَ إلَّا أَنَّهُ قُيِّدَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِغَيْرِ الْمِصْرِ وَبِالْبَحْرِ؛ لِأَنَّهُ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ أَبْعَدَ عَنْ تَوَهُّمِ الْجَوَازِ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ أَوْ الْبَحْرِ، ثُمَّ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي التَّوْجِيهِ فَرَاجِعْهُ وَقَدْ أَطْلَقَهُ فِي السِّرَاجِ وَالذَّخِيرَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ عِبَارَاتِ الْمُتُونِ كَالْهِدَايَةِ أَنَّ عَسْكَرنَا لَوْ حَاصَرَ أَهْلَ الْبَغْيِ، وَالْعَسْكَرُ دَاخِلَ الْمِصْرِ مِنْ دِيَارِ الْإِسْلَامِ تَصِحُّ نِيَّتُهُمْ الْإِقَامَةَ وَالْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقِ الْمَبْسُوطِ وَالسِّرَاجِ وَالذَّخِيرَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْعِنَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ اخْتِيَارُهُ وَبِهِ جَزَمَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي نُورِ الْإِيضَاحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ لَمْ يَصِرْ مُقِيمًا) ظَاهِرُ مَا فِي الْفَتْحِ أَنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ عَدَمُ قَطْعِهِ بِالْإِقَامَةِ هَذِهِ الْمُدَّةَ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَدَ فُرْصَةً قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ يَخْرُجُ كَمَنْ دَخَلَ الْمِصْرَ لِحَاجَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَنَوَى الْإِقَامَةَ مُدَّتَهَا (قَوْلُهُ لَمْ تُعْتَبَرْ نِيَّتُهُ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ هَكَذَا وَقَعَ فِي الْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خان وَلَعَلَّ الْمُرَادَ، وَلَمْ تُعْتَبَرْ نِيَّتُهُ الْإِقَامَةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَقَدْ ذَكَرَ السُّرُوجِيُّ عَنْ الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْأَسِيرَ إذَا انْفَلَتَ مِنْ الْعَدُوِّ فَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى إقَامَةِ نِصْفِ شَهْرٍ فِي غَارٍ أَوْ نَحْوِهِ قَصَرَ؛ لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ لِلْعَدُوِّ، وَكَذَا إذَا أَسْلَمَ فَهَرَبَ مِنْهُمْ فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ فَخَرَجَ هَارِبًا مَسِيرَةَ السَّفَرِ اهـ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقْصُرُ، وَكَذَا صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَقْصُرُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة بِعَلَامَةِ الْمُحِيطِ فَتَعَيَّنَ حَمْلُ تِلْكَ الْعِبَارَةِ عَلَى مَا قُلْنَا وَلَا يَصِحُّ غَيْرُ ذَلِكَ اهـ. أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ لَا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ أَنَّ نِيَّةَ السَّفَرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا تَصِحُّ بَلْ الْمُرَادُ لَا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ لِلْإِقَامَةِ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّ حَالَتَهُ تُنَافِي عَزِيمَتَهُ.

стр. 548

أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَصِيرُونَ مُقِيمِينَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَفِي الْمُجْتَبَى: وَالْمَلَّاحُ مُسَافِرٌ إلَّا عِنْدَ الْحَسَنِ وَسَفِينَتُهُ أَيْضًا لَيْسَتْ بِوَطَنٍ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ اقْتَدَى مُسَافِرٌ بِمُقِيمٍ فِي الْوَقْتِ صَحَّ وَأَتَمَّ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ إلَى الْأَرْبَعِ لِلتَّبَعِيَّةِ كَمَا تَتَغَيَّرُ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ لِاتِّصَالِ الْمُغَيَّرِ بِالسَّبَبِ، وَهُوَ الْوَقْتُ وَفَرْضُ الْمُسَافِرِ قَابِلٌ لِلتَّغَيُّرِ حَالَ قِيَامِ الْوَقْتِ كَنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِيهِ وَإِذَا كَانَ التَّغْيِيرُ لِضَرُورَةِ الِاقْتِدَاءِ فَلَوْ أَفْسَدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِزَوَالِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَدَى بِالْمُقِيمِ فِي فَرْضِهِ يَنْوِي النَّفَلَ حَيْثُ يُصَلِّي أَرْبَعًا إذَا أَفْسَدَهُ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَدَاءَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَهُنَا لَمْ يَقْصِدْ سِوَى إسْقَاطِ فَرْضِهِ غَيْرَ أَنَّهُ تَغَيَّرَ ضَرُورَةُ مُتَابَعَتِهِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ مَا لَوْ اقْتَدَى الْمُقِيمُ بِالْمُسَافِرِ فَأَحْدَثَ الْإِمَامُ فَاسْتَخْلَفَ الْمُقِيمَ فَإِنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ إلَى الْأَرْبَعِ مَعَ أَنَّهُ صَارَ مُقْتَدِيًا بِالْخَلِيفَةِ الْمُقِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُؤْتَمُّ خَلِيفَةً عَنْ الْمُسَافِرِ كَانَ الْمُسَافِرُ كَأَنَّهُ الْإِمَامُ فَيَأْخُذُ الْخَلِيفَةُ صِفَةَ الْأَوَّلِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْعُدْ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ ثُمَّ فِي اقْتِدَاءِ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ إذَا لَمْ يَجْلِسْ الْإِمَامُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا وَتَابَعَهُ الْمُسَافِرُ فَقَدْ قِيلَ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ، وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَالْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ صَارَتْ أَرْبَعًا بِالتَّبَعِيَّةِ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَصَحَّحَهُ فِي الْقُنْيَةِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّف إلَى أَنَّ الْإِمَامَ الْمُسَافِرَ لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ لَزِمَ الْمَأْمُومَ الْمُسَافِرَ الْإِتْمَامُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لِلتَّبَعِيَّةِ فَلَوْ أَمَّ الْمُسَافِرُ مُسَافِرِينَ وَمُقِيمِينَ فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَتَشَهَّدَ فَقَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ تَكَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسَافِرِينَ أَوْ قَامَ فَذَهَبَ ثُمَّ نَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ فَإِنَّهُ يَتَحَوَّلُ فَرْضُهُ وَفَرْضُ الْمُسَافِرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَكَلَّمُوا إلَى الْأَرْبَعِ وَصَلَاةُ مَنْ تَكَلَّمَ تَامَّةٌ فَلَوْ تَكَلَّمَ بَعْدَ نِيَّةِ الْإِمَامِ الْإِقَامَةَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَلَزِمَهُ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ (قَوْلُهُ وَبَعْدَهُ لَا) أَيْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ الْوَقْتِ لِانْقِضَاءِ السَّبَبِ كَمَا لَا يَتَغَيَّرُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فَيَكُونُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فِي حَقِّ الْقَعْدَةِ أَوْ الْقِرَاءَةِ أَوْ التَّحْرِيمَةِ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ وَالْمَذْكُورُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا فِي حَقِّ الْقَعْدَةِ أَوْ الْقِرَاءَةِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ التَّحْرِيمَةَ غَيْرَ الشَّارِحِ وَالْحَدَّادِيِّ وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا اقْتَدَى بِالْمُقِيمِ أَوَّلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْقَعْدَةَ تَصِيرُ فَرْضًا فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ وَغَيْرَ فَرْضٍ فِي حَقِّ الْإِمَامِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالنَّفْلِ فِي عِبَارَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَا قَابَلَ الْفَرْضَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْوَاجِبُ فَإِنَّ الْقَعْدَةَ الْأُولَى وَاجِبَةٌ، وَإِنْ اقْتَدَى بِهِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي وَكَانَ الْإِمَامُ قَدْ قَرَأَ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فَالْقِرَاءَةُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي نَافِلَةٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَرْضٌ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ صَلَّى الشَّفْعَ الْأَوَّلَ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وَاقْتَدَى بِهِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي فَفِيهِ رِوَايَتَانِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَمُقْتَضَى الْمُتُونِ عَدَمُ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ لَا فِي حَقِّ الْقَعْدَةِ، وَلَا الْقِرَاءَةِ وَأَمَّا التَّحْرِيمَةُ فَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا فَرْضًا، وَلَمْ يَظْهَرْ قَوْلُ الْحَدَّادِيِّ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَةَ الْإِمَامِ اشْتَمَلَتْ عَلَى الْفَرْضِ لَا غَيْرُ وَأَجَابَ فِي الْمُحِيطِ عَمَّا إذَا لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ وَقَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَضَاءٌ عَنْ الْأُولَيَيْنِ وَالْقَضَاءُ يَلْتَحِقُ بِمَحَلِّهِ فَلَا يَبْقَى لِلْأَخِرَيْنِ قِرَاءَةٌ اهـ. يَعْنِي: فَلَا يَصِحُّ مُطْلَقًا وَقُيِّدَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ عَدَمُ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بَعْدَ الْوَقْتِ بِقَيْدَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنْ تَكُونَ فَائِتَةً فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ رُبَاعِيَّةً أَمَّا إذَا كَانَتْ ثُنَائِيَّةً أَوْ ثُلَاثِيَّةً أَوْ كَانَتْ فَائِتَةً فِي حَقِّ الْإِمَامِ مُؤَدَّاةً فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ كَمَا إذَا كَانَ الْمَأْمُومُ يَرَى قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الظُّهْرِ وَالْإِمَامُ يَرَى قَوْلَهُمَا وَقَوْلَ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُهُ مَعَهُ فِي الظُّهْرِ بَعْدَ الْمِثْلِ قَبْلَ الْمِثْلَيْنِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ. اهـ. وَهُوَ تَقْيِيدٌ حَسَنٌ لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ كَوْنُهَا فَائِتَةً ــ [منحة الخالق] [اقْتِدَاء مُسَافِرٌ بِمُقِيمٍ فِي الصَّلَاة] (قَوْلُهُ وَيُسْتَثْنَى إلَخْ) دَفَعَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَعْنَى اقْتَدَى نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِهِ (قَوْلُهُ وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الصِّحَّةُ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْقِرَاءَةِ نَافِلَةً فِي الشَّفْعِ الثَّانِي إذَا قَرَأَ فِي الْأَوَّلِ أَيْضًا لَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ فَرْضًا فِيهِ إذَا لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأَوَّلِ لِاحْتِمَالِ الْتِحَاقُهَا بِالْأَوَّلِ فَيَكُونُ الثَّانِي خَالِيًا عَنْ الْقِرَاءَةِ أَصْلًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ وَسَيَأْتِي عَنْ الْمُحِيطِ وَلَكِنْ قَدَّمَ الْخِلَافَ فِي بَابِ السَّهْوِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ هَلْ هِيَ أَدَاءً أَمْ قَضَاءً، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَظْهَرُ مَا قَالَهُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَظْهَرْ قَوْلُ الْحَدَّادِيِّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ عَزَاهُ فِي السِّرَاجِ إلَى الْحَوَاشِي وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ تَحْرِيمَةَ الْإِمَامِ اشْتَمَلَتْ عَلَى الْفَرْضِ لَا غَيْرُ، وَإِنَّمَا زِيدَ لِيَدْخُلَ فِيهِ مَا لَوْ اقْتَدَى بِهِ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَتَهُ اشْتَمَلَتْ عَلَى نَفْلِيَّةِ الْقَعْدَةِ الْأُولَى وَالْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ الْمَأْمُومِ، وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي السِّرَاجِ وَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ: إنَّهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَبِهِ يَظْهَرُ عَدَمُ الصِّحَّةِ فِيمَا إذَا لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ وَاقْتَدَى بِهِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ جَوَابَ الْمُحِيطِ الْآتِي، ثُمَّ قَالَ وَأَقُولُ: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَعْيِينِ الْأُولَيَيْنِ لَهَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ مَا فِي السِّرَاجِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَجْهَ الْفَسَادِ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَعْيِينِ الْأُولَيَيْنِ لِلْقِرَاءَةِ قَالَ: وَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ الْفَسَادِ وَأَمَّا رِوَايَةُ الصِّحَّةِ فَلَا يَخْلُو مِنْ احْتِيَاجِهَا إلَى تَأَمُّلٍ

стр. 549

فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ فَقَطْ سَوَاءٌ كَانَتْ فَائِتَةً فِي حَقِّ الْإِمَامِ أَوْ لَا بِأَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ مَثَلًا أَوْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ فَاقْتَدَى بِهِ مُسَافِرٌ؛ لِأَنَّ الظُّهْرَ فَائِتَةٌ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ لَا فِي حَقِّ الْمُقِيمِ وَالْقَيْدُ الْأَوَّلُ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ صَحَّ وَأَتَمَّ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهَا الْقَصْرُ وَالْإِتْمَامُ بَلْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ السَّفَرَ مُؤَثِّرٌ فِي الرُّبَاعِيِّ فَقَطْ وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الِاقْتِدَاءِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَدَى بِهِ فِي الْوَقْتِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَلَا يَبْطُلُ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ وَصَارَ تَبَعًا لَهُ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُقِيمِينَ، وَإِنَّمَا يَتَأَكَّدُ وُجُوبُ الرَّكْعَتَيْنِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ، وَلَوْ نَامَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ انْتَبَهَ أَتَمَّهَا أَرْبَعًا، وَلَوْ تَكَلَّمَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَ خُرُوجِهِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ عِنْدَنَا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ وَبِعَكْسِهِ صَحَّ فِيهِمَا) ، وَهُوَ اقْتِدَاءُ الْمُقِيمِ بِالْمُسَافِرِ فَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ فِي الْحَالَيْنِ وَاحِدَةٌ وَالْقِعْدَةُ فَرْضٌ فِي حَقِّهِ غَيْرُ فَرْضٍ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي وَبِنَاءُ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ جَائِزٌ، وَقَدْ «أَمَّ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُسَافِرٌ أَهْلَ مَكَّةَ وَقَالَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» ، وَهُوَ جَمْعُ سَافِرٍ كَرَكْبٍ جَمْعُ رَاكِبٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ بَعْدَ السَّلَامِ كُلُّ مُسَافِرٍ صَلَّى بِمُقِيمٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّ خَلْفَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ، وَلَا يَتَيَسَّرُ لَهُ الِاجْتِمَاعُ بِالْإِمَامِ قَبْلَ ذَهَابِهِ فَيَحْكُمُ حِينَئِذٍ بِفَسَادِ صَلَاةِ نَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى ظَنِّ إقَامَةِ الْإِمَامِ ثُمَّ إفْسَادِهِ بِسَلَامِهِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ وَهَذَا مَحْمَلُ مَا فِي الْفَتَاوَى إذَا اقْتَدَى بِالْإِمَامِ لَا يَدْرِي أَمُسَافِرٌ هُوَ أَمْ مُقِيمٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِحَالِ الْإِمَامِ شَرْطُ الْأَدَاءِ بِجَمَاعَةٍ اهـ. لَا أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ رَجُلٌ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْقَوْمِ بِقَرْيَةٍ أَوْ مِصْرٍ رَكْعَتَيْنِ وَهُمْ لَا يَدْرُونَ أَمُسَافِرٌ هُوَ أَمْ مُقِيمٌ فَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ سَوَاءٌ كَانُوا مُقِيمِينَ أَمْ مُسَافِرِينَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ مَنْ فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ أَنَّهُ مُقِيمٌ وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ، فَإِنْ سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مُسَافِرٌ جَازَتْ صَلَاتُهُمْ اهـ. وَفِي الْقُنْيَةِ، وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ لَا تَفْسُدُ وَيَجُوزُ الْأَخْذُ بِالظَّاهِرِ فِي مِثْلِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ قَوْلُ الْإِمَامِ ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ مُعَرِّفًا صِحَّةَ سَلَامِهِ لَهُمْ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُتِمُّوا ثُمَّ يَسْأَلُوهُ فَتَحْصُلُ الْمَعْرِفَةُ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَقُولُهُ بَعْدَ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى أَوْ بَعْدَ التَّسْلِيمَتَيْنِ الْأَصَحُّ الثَّانِي كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَلَوْ قَامَ الْمُقْتَدِي الْمُقِيمُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَنَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ قَبْلَ سُجُودِهِ رُفِضَ ذَلِكَ وَتَابَعَ الْإِمَامَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَسَجَدَ فَسَدَتْ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَسْجُدْ لَمْ يَسْتَحْكِمْ خُرُوجُهُ عَنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَقَدْ بَقِيَ رَكْعَتَانِ عَلَى الْإِمَامِ بِوَاسِطَةِ التَّغَيُّرِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءُ فِيهِمَا فَإِذَا انْفَرَدَ فَسَدَتْ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الْإِمَامُ بَعْدَمَا سَجَدَ الْمُقْتَدِي فَإِنَّهُ يُتِمُّ مُنْفَرِدًا فَلَوْ رَفَضَ وَتَابَعَ فَسَدَتْ لِاقْتِدَائِهِ حَيْثُ وَجَبَ الِانْفِرَادُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ مُسَافِرٌ أَمَّ قَوْمًا مُقِيمِينَ فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ نَوَى الْإِقَامَةَ لَا لِتَحْقِيقِ الْإِقَامَةِ بَلْ لِيُتِمَّ صَلَاةَ الْمُقِيمِينَ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا، وَلَا يَنْقَلِبُ فَرْضُهُ أَرْبَعًا اهـ. وَفِي الْعُمْدَةِ مُسَافِرٌ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَقَدَّمَ مُقِيمًا يُتِمُّ صَلَاةَ الْإِمَامِ وَيَتَأَخَّرُ وَيُقَدِّمُ مُسَافِرًا يُسَلِّمُ ثُمَّ يُتِمُّ الْمُقِيمُ صَلَاتَهُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ مُسَافِرٌ أَمَّ مُسَافِرِينَ فَأَحْدَثَ فَقَدَّمَ مُسَافِرًا آخَرَ فَنَوَى الثَّانِي الْإِقَامَةَ لَا يَجِبُ عَلَى الْقَوْمِ إنْ يُصَلُّوا أَرْبَعًا اهـ. وَفِي الْهِدَايَةِ وَإِذَا صَلَّى الْمُسَافِرُ بِالْمُقِيمِ رَكْعَتَيْنِ سَلَّمَ وَأَتَمَّ الْمُقِيمُونَ صَلَاتَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَدِي الْتَزَمَ الْمُوَافَقَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَيَنْفَرِدُ فِي الْبَاقِي كَالْمَسْبُوقِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَدٍ تَحْرِيمَةً لَا فِعْلًا وَالْفَرْضُ صَارَ مُؤَدًّى فَيَتْرُكُهَا احْتِيَاطًا بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ قِرَاءَةَ نَافِلَةٍ فَلَمْ يَتَأَدَّ الْفَرْضُ فَكَانَ الْإِتْيَانُ أَوْلَى اهـ. وَفِي الْخَانِيَّةِ لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَقْضُونَ، وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِمْ إذَا سَهَوْا، وَلَا يَقْتَدِي أَحَدُهُمْ بِالْآخِرِ اهـ. فَلَوْ اقْتَدَى أَحَدُهُمْ بِالْآخَرِ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الِانْفِرَادُ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ، وَإِنَّمَا كَانَ قَوْلُ الْإِمَامِ ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا) أَيْ لَا وَاجِبًا (قَوْلُهُ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا، وَلَا يَنْقَلِبُ فَرْضُهُ أَرْبَعًا) قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ اتَّبَعُوهُ حَتَّى لَوْ أَتَمَّ الْمُقِيمُونَ صَلَاتَهُمْ مَعَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّ هَذَا اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَلَا يَصِحُّ اهـ. قَالَ الرَّمْلِيُّ يَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَنْوُوا مُفَارَقَتَهُ أَمَّا إذَا نَوَوْا مُفَارَقَتَهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ، وَإِنْ وَافَقُوهُ فِي الْإِتْمَامِ صُورَةً إذْ لَا مَانِعَ مِنْ صِحَّةِ مُفَارَقَتِهِ بَعْدَ إتْمَامِ فَرْضِهِ، وَاتِّصَالُ النَّفْلِ مِنْهُ بِصَلَاتِهِ لَا يَمْنَعُهَا بِلَا شُبْهَةٍ، وَفِي قَوْلِهِ لَوْ أَتَمَّ الْمُقِيمُونَ مَعَهُ إشَارَةً إلَى ذَلِكَ وَسُكُوتُ قَاضِي خان وَصَاحِبِ الْخُلَاصَةِ عَنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِينَ رُبَّمَا يَكُونُ لِهَذَا التَّفْصِيلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِمْ إذَا سَهْوًا) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَالَهُ الْكَرْخِيُّ، وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ تَصْحِيحُهُ عَنْ الْبَدَائِعِ.

стр. 550

تَامَّةٌ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِي الْقُنْيَةِ اقْتَدَى مُقِيمٌ بِمُسَافِرٍ فَتَرَكَ الْقِعْدَةَ مَعَ إمَامِهِ فَسَدَتْ فَالْقِعْدَتَانِ فَرْضٌ فِي حَقِّهِ وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ وَهِيَ نَفْلٌ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي اهـ. (قَوْلُهُ وَيَبْطُلُ الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ بِمِثْلِهِ لَا السَّفَرِ وَوَطَنُ الْإِقَامَةِ بِمِثْلِهِ وَالسَّفَرِ وَالْأَصْلِيِّ) ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَبْطُلُ بِمَا هُوَ مِثْلُهُ لَا بِمَا هُوَ دُونَهُ فَلَا يَصْلُحُ مُبْطِلًا لَهُ وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ حَاجًّا يُصَلِّي بِعَرَفَاتٍ أَرْبَعًا فَاتَّبَعُوهُ فَاعْتَذَرَ، وَقَالَ: إنِّي تَأَهَّلْت بِمَكَّةَ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ تَأَهَّلَ بِبَلْدَةٍ فَهُوَ مِنْهَا» وَالْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ هُوَ وَطَنُ الْإِنْسَانِ فِي بَلْدَتِهِ أَوْ بَلْدَةٍ أُخْرَى اتَّخَذَهَا دَارًا وَتَوَطَّنَ بِهَا مَعَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَلَيْسَ مِنْ قَصْدِهِ الِارْتِحَالُ عَنْهَا بَلْ التَّعَيُّشُ بِهَا وَهَذَا الْوَطَنُ يَبْطُلُ بِمِثْلِهِ لَا غَيْرُ، وَهُوَ أَنْ يَتَوَطَّنَ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى وَيَنْقُلَ الْأَهْلَ إلَيْهَا فَيَخْرُجَ الْأَوَّلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَطَنًا أَصْلِيًّا حَتَّى لَوْ دَخَلَهُ مُسَافِرًا لَا يُتِمُّ قَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ انْتَقَلَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَهْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْتَقِلْ بِهِمْ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْدَثَ أَهْلًا فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَبْطُلْ وَيُتِمُّ فِيهِمَا وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ دَارِهِ وَنَقَلَ عِيَالَهُ وَخَرَجَ يُرِيدُ أَنْ يَتَوَطَّنَ بَلْدَةً أُخْرَى ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَتَوَطَّنَ مَا قَصَدَهُ أَوَّلًا وَيَتَوَطَّنَ بَلْدَةً غَيْرَهَا فَمَرَّ بِبَلَدِهِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَطَّنْ غَيْرَهُ، وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِالْكُوفَةِ، وَأَهْلٌ بِالْبَصْرَةِ فَمَاتَ أَهْلُهُ بِالْبَصْرَةِ وَبَقِيَ لَهُ دُورٌ وَعَقَارٌ بِالْبَصْرَةِ قِيلَ الْبَصْرَةِ لَا تَبْقَى وَطَنًا لَهُ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا كَانَتْ وَطَنًا بِالْأَهْلِ لَا بِالْعَقَارِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَأَهَّلَ بِبَلْدَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا عَقَارٌ صَارَتْ وَطَنًا لَهُ، وَقِيلَ تَبْقَى وَطَنًا لَهُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ وَطَنًا لَهُ بِالْأَهْلِ وَالدَّارِ جَمِيعًا فَبِزَوَالِ أَحَدِهِمَا لَا يَرْتَفِعُ الْوَطَنُ كَوَطَنِ الْإِقَامَةِ يَبْقَى بِبَقَاءِ الثَّقَلِ وَإِنْ أَقَامَ بِمَوْضِعٍ آخَرَ اهـ. وَفِي الْمُجْتَبَى نَقْلُ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا نَقَلَ أَهْلَهُ وَمَتَاعَهُ وَبَقِيَ لَهُ دُورٌ وَعَقَارٌ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا جَوَابُ وَاقِعَةٍ اُبْتُلِينَا بِهَا وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَوَطِّنِينَ فِي الْبِلَادِ، وَلَهُمْ دُورٌ وَعَقَارٌ فِي الْقُرَى الْبَعِيدَةِ مِنْهَا يُصَيِّفُونَ بِهَا بِأَهْلِهِمْ وَمَتَاعِهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ حِفْظِهَا أَنَّهُمَا وَطَنَانِ لَهُ لَا يَبْطُلُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَقَوْلُهُ لَا السَّفَرُ أَيْ لَا يَبْطُلُ الْأَصْلِيُّ بِالسَّفَرِ حَتَّى يَصِيرَ مُقِيمًا بِالْعَوْدِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ، وَكَذَا لَا يَبْطُلُ بِوَطَنِ الْإِقَامَةِ وَأَمَّا وَطَنُ الْإِقَامَةِ فَهُوَ الْوَطَنُ الَّذِي يَقْصِدُ الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ فِيهِ، وَهُوَ صَالِحٌ لَهَا نِصْفَ شَهْرٍ، وَهُوَ يَنْتَقِضُ بِوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ بِالْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّهُ فَوْقَهُ وَبِمِثْلِهِ وَبِالسَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ أَطْلَقَهُ فَأَفَادَهُ أَنَّ تَقْدِيمَ السَّفَرِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِثُبُوتِ الْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ وَوَطَنِ الْإِقَامَةِ فَالْأَصْلِيُّ بِالْإِجْمَاعِ وَوَطَنُ الْإِقَامَةِ فِيهِ رِوَايَتَانِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَفِي أُخْرَى عَنْ مُحَمَّدٍ إنَّمَا يَصِيرُ الْوَطَنُ وَطَنَ إقَامَةٍ بِشَرْطِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ سَفَرٌ، وَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا صَارَ إلَيْهِ مِنْهُ مُدَّةُ سَفَرٍ حَتَّى لَوْ خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ لَا لِقَصْدِ السَّفَرِ فَوَصَلَ إلَى قَرْيَةٍ وَنَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا تَصِيرُ تِلْكَ الْقَرْيَةُ وَطَنَ الْإِقَامَةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُدَّةُ سَفَرٍ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ السَّفَرِ، وَكَذَا إذَا قَصَدَ مَسِيرَةَ سَفَرٍ وَخَرَجَ فَلَمَّا وَصَلَ إلَى قَرْيَةٍ مَسِيرَتُهَا مِنْ وَطَنِهِ دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ نَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يَصِيرُ مُقِيمًا، وَلَا تَصِيرُ تِلْكَ الْقَرْيَةُ وَطَنَ الْإِقَامَةِ مِثَالُهُ قَاهِرِيٌّ خَرَجَ إلَى بِلْبِيسَ فَنَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا نِصْفَ شَهْرٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا، وَإِنْ قَصَدَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَسَافَرَ بَطَلَ وَطَنُهُ بِبِلْبِيسَ حَتَّى لَوْ مَرَّ بِهِ فِي الْعَوْدِ لَا يُتِمُّ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، وَخَرَجَ إلَى الصَّالِحِيَّةِ، فَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا نِصْفَ شَهْرٍ أَتَمَّ بِهَا وَبَطَلَ وَطَنُهُ بِبِلْبِيسَ حَتَّى لَوْ عَادَ إلَيْهِ مُسَافِرًا لَا يُتِمُّ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ بِهَا لَمْ يَبْطُلْ وَطَنُهُ بِبِلْبِيسَ حَتَّى يُتِمَّ إذَا دَخَلَهُ وَإِنْ عَادَ إلَى مِصْرَ بَطَلَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا يَبْطُلُ بِوَطَنِ الْإِقَامَةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَلَوْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِهِ لَعُلِمَ السَّفَرُ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ بِشَرْطِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ سَفَرٌ) عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ نِيَّةُ سَفَرٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهُ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا تَقَدُّمُ نِيَّةِ السَّفَرِ وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ سَفَرٍ بَيْنَهُ أَيْ بَيْنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْشَأَ مِنْهُ السَّفَرَ وَبَيْنَ مَا صَارَ إلَيْهِ مِنْهُ أَيْ وَبَيْنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي صَارَ إلَيْهِ مِنْ الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ وَنَوَى فِيهِ الْإِقَامَةَ فَقَوْلُهُ حَتَّى لَوْ خَرَجَ تَفْرِيعٌ عَلَى الشَّرْطِ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا قَصَدَ إلَخْ تَفْرِيعٌ عَلَى الثَّانِي (قَوْلُهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ السَّفَرِ) ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ خَرَجَ مِنْ تِلْكَ الْقَرْيَةِ لِحَاجَةٍ، ثُمَّ قَصَدَ الرُّجُوعَ إلَى مِصْرِهِ وَمَرَّ بِتِلْكَ الْقَرْيَةِ يَقْصُرُ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ مَسِيرَةَ السَّفَرِ وَلَيْسَتْ الْقَرْيَةُ وَطَنًا لَهُ (قَوْلُهُ مِثَالُهُ قَاهِرِيٌّ إلَخْ) أَيْ مِثَالُ بُطْلَانِ وَطَنِ الْإِقَامَةِ بِوَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَقَوْلُهُ، فَإِنْ قَصَدَ إلَخْ فِيهِ بُطْلَانُهُ بِالسَّفَرِ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ إلَخْ فِيهِ بُطْلَانُهُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ مَا بَيْنَ بِلْبِيسَ وَالصَّالِحِيَّةِ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَمَا بَيْنَ بِلْبِيسَ وَالْقَاهِرَةِ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ عَادَ إلَى مِصْرَ فِيهِ بُطْلَانُهُ بِالْأَهْلِيِّ (قَوْلُهُ حَتَّى يُتِمَّ إذَا دَخَلَهُ) يَعْنِي إذَا خَرَجَ مِنْ الصَّالِحِيَّةِ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى الْقَاهِرَةِ وَمَرَّ بِبِلْبِيسَ يُتِمُّ؛ لِأَنَّ وَطَنَهُ بِهَا لَمْ يَبْطُلْ بِالْخُرُوجِ إلَى الصَّالِحِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَطَنٍ مِثْلِهِ، وَلَا سَفَرَ مَعَهُ فَيَبْقَى وَطَنُهُ بِبِلْبِيسَ وَهَذَا التَّمْثِيلُ كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ تَقْدِيمِ السَّفَرِ لِثُبُوتِ وَطَنِ الْإِقَامَةِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَرِوَايَةِ الْحَسَنِ يَعْنِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ. تَبَيَّنَ أَنَّ السَّفَرَ النَّاقِضَ لِوَطَنِ الْإِقَامَةِ مَا لَيْسَ فِيهِ مُرُورٌ عَلَى وَطَنِ الْإِقَامَةِ أَوْ مَا يَكُونُ الْمُرُورُ فِيهِ بَعْدَ سَيْرِ مُدَّةِ السَّفَرِ اهـ. وَلِهَذَا أَتَمَّ

стр. 551

الْوَطَنَانِ حَتَّى لَوْ عَادَ إلَيْهِمَا فِي سَفْرَةٍ أُخْرَى لَا يُتِمُّ إذَا لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ﵀ وَطَنَ السُّكْنَى، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَنْوِي أَنْ يُقِيمَ فِيهِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا تَبَعًا لِلْمُحَقِّقِينَ قَالُوا: لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى فِيهِ مُسَافِرًا عَلَى حَالِهِ فَصَارَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ عَامَّتَهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُفِيدُ فِي رَجُلٍ خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ إلَى قَرْيَةٍ لِحَاجَةٍ، وَلَمْ يَقْصِدْ السَّفَرَ، وَنَوَى أَنْ يُقِيمَ فِيهَا أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّهُ يُتِمُّ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْقَرْيَةِ لَا لِلسَّفَرِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُسَافِرَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَهُ وَقَبْلَ أَنْ يُقِيمَ لَيْلَةً فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَسَافَرَ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ، وَلَوْ مَرَّ بِتِلْكَ الْقَرْيَةِ وَدَخَلَهَا أَتَمَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِلُهُ مِمَّا هُوَ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلُهُ اهـ. وَصَحَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْمُجْمَعُ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ، وَلَوْ مَرَّ بِهَا أَتَمَّ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ بَاقٍ لَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِلُهُ، وَهُوَ مُبْطِلٌ لِوَطَنِ السُّكْنَى عَلَى تَقْدِيرِ اعْتِبَارِهِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ يُبْطِلُ وَطَنَ الْإِقَامَةِ فَكَيْفَ لَا يُبْطِلُ وَطَنَ السُّكْنَى فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِلُهُ مَمْنُوعٌ. (قَوْلُهُ وَفَائِتَةُ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ تُقْضَى رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعًا) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ أَيْ فَائِتَةُ السَّفَرِ تُقْضَى رَكْعَتَيْنِ وَفَائِتَةُ الْحَضَرِ تُقْضَى أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِحَسَبِ الْأَدَاءِ بِخِلَافِ مَا لَوْ فَاتَتْهُ فِي الْمَرَضِ فِي حَالَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَيْثُ يَقْضِيهَا فِي الصِّحَّةِ رَاكِعًا وَسَاجِدًا أَوْ فَاتَتْهُ فِي الصِّحَّةِ حَيْثُ يَقْضِيهَا فِي الْمَرَضِ بِالْإِيمَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَاكَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ إلَّا أَنَّهُمَا يَسْقُطَانِ عَنْهُ بِالْعَجْزِ فَإِذَا قَدَرَ أَتَى بِهِمَا بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ كَصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَعَلَى الْمُقِيمِ أَرْبَعٌ فَلَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ ــ [منحة الخالق] بِبِلْبِيسَ فِي مَسْأَلَتِنَا مَعَ أَنَّ مَا بَيْنَ الصَّالِحِيَّةِ وَالْقَاهِرَةِ مُدَّةُ سَفَرٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُرُورًا عَلَى وَطَنِ الْإِقَامَةِ (قَوْلُهُ مَمْنُوعٌ) قَالَ الرَّمْلِيُّ لِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَهُ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ إنَّمَا يُبْطِلُ وَطَنَ الْإِقَامَةِ أَنْ لَوْ خَرَجَ مِنْهُ مُسَافِرًا فَكَذَا وَطَنُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ تَأَمَّلْ كَذَا رَأَيْتُهُ بِخَطِّ بَعْضِهِمْ اهـ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ مِثْلَهُ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْمَدَارِيُّ الْحَلَبِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَنْ شَيْخِهِ الْمُحَقِّقِ السَّيِّدِ عَلِيّ الضَّرِيرِ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ وَجِيهٌ فَإِنَّ مَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِمَوْضِعٍ نِصْفَ شَهْرٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ لَا يُرِيدُ السَّفَرَ، ثُمَّ عَادَ مُرِيدًا سَفَرًا وَمَرَّ بِذَلِكَ أَتَمَّ مَعَ أَنَّهُ أَنْشَأَ سَفَرًا بَعْدَ اتِّخَاذِ هَذَا الْمَوْضِعِ دَارَ إقَامَةٍ فَثَبَتَ أَنَّ إنْشَاءَ السَّفَرِ لَا يُبْطِلُ وَطَنَ الْإِقَامَةِ إلَّا إذَا أَنْشَأَ السَّفَرَ مِنْهُ فَلْيَكُنْ وَطَنُ السُّكْنَى كَذَلِكَ فَمَا صَوَّرَهُ الزَّيْلَعِيُّ صَحِيحٌ وَمِنْ تَصْوِيرِهِ عَلِمْت أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ وَبَيْنَ وَطَنِ السُّكْنَى أَقَلُّ مِنْ مُدَّةِ السَّفَرِ، وَكَذَا بَيْنَ وَطَنِ الْإِقَامَةِ وَوَطَنِ السُّكْنَى اهـ. قُلْت: قَدْ يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ فَلْيَكُنْ وَطَنُ السُّكْنَى كَذَلِكَ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ لِبَقَاءِ السَّفَرِ فِي وَطَنِ السُّكْنَى وَانْتِهَائِهِ فِي وَطَنِ الْإِقَامَةِ فَإِذَا دَخَلَ الْمُسَافِرُ بَلْدَةً وَنَوَى الْإِقَامَةَ فِيهَا دُونَ نِصْفِ شَهْرٍ بَقِيَ مُسَافِرًا فَيَقْصُرُ فَكَذَا إذَا مَرَّ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْهَا بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِيهَا نِصْفَ شَهْرٍ فَإِنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُسَافِرًا؛ وَلِذَا يُتِمُّ مُدَّةَ إقَامَتِهِ بِهَا عَلَى أَنَّ تَصْحِيحَ الْمُحَقِّقِينَ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ يَقْتَضِي تَصْحِيحَ عَدَمِ الْإِتْمَامِ فِيمَا صَوَّرَهُ الزَّيْلَعِيُّ؛ وَلِذَا عَلَّلَ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُمْ عَدَمَ اعْتِبَارِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حُكْمُ الْإِقَامَةِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ السَّرَخْسِيَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةً تَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ وَهِيَ لَوْ خَرَجَ كُوفِيٌّ إلَى الْقَادِسِيَّةِ لِحَاجَةٍ، ثُمَّ مِنْهَا إلَى الْحِيرَةِ يُرِيدُ الشَّامَ حَتَّى إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهَا بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ إلَى الْقَادِسِيَّةِ لِيَحْمِلَ ثَقَلَهُ مِنْهَا وَيَرْتَحِلَ إلَى الشَّامِ، وَلَا يَمُرَّ بِالْكُوفَةِ أَتَمَّ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ لَهُ وَطَنَ السُّكْنَى، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ بِقَصْدِ الْحِيرَةِ وَطَنُ سُكْنَى آخَرُ مَا لَمْ يَدْخُلْهَا فَيَبْقَى وَطَنُهُ بِالْقَادِسِيَّةِ وَلَا يُنْتَقَضُ كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْهَا لِتَشْيِيعِ جِنَازَةٍ وَنَحْوِهِ اهـ. مُلَخَّصًا. فَقَدْ قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فِيهِ تَأَمَّلْ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ ابْتِدَاءَ سَفَرِهِ اُعْتُبِرَ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ حَتَّى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهُ مُجَاوَزَةُ عُمْرَانِهَا إذَا أَرَادَ الْقَصْرَ فَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ حُكْمًا فَإِذَا رَجَعَ إلَيْهَا قَبْلَ اسْتِحْكَامِ السَّفَرِ يُتِمُّ الصَّلَاةَ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا خَرَجَ مُسَافِرًا مِنْ بَلْدَةٍ، ثُمَّ تَذَكَّرَ حَاجَةً فَرَجَعَ فَإِنَّهُ يُتِمُّ كَمَا يَأْتِي فَلَمْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ إتْمَامَهُ لِكَوْنِهِ وَطَنَ سُكْنَى لَكِنْ قَدْ يُقَالُ تَسْمِيَةُ السَّرَخْسِيِّ لَهُ وَطَنَ سُكْنَى دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَكَذَا قَوْلُهُ: وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ بِقَصْدِ الْحِيرَةِ وَطَنُ سُكْنَى آخَرُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي التَّوْفِيقِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُسَافِرًا فَأَقَامَ فِي بَلَدٍ دُونَ نِصْفِ شَهْرٍ لَمْ يُعْتَبَرْ هَذَا الْوَطَنُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ يَقْصُرُ فِيهِ فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ يَقْصُرُ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُحَقِّقِينَ الَّذِينَ لَمْ يَعْتَبِرُوا وَطَنَ السُّكْنَى كَمَا يُفِيدُهُ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْهُمْ أَمَّا إذَا كَانَ مُقِيمًا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ إلَى قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ وَنَوَى أَنْ يُقِيمَ فِيهَا دُونَ نِصْفِ شَهْرٍ كَمَا مَرَّ تَصْوِيرُهُ عَنْ الشَّارِحِ الزَّيْلَعِيِّ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ اعْتَبَرُوهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَبْلَ تَحَقُّقِ السَّفَرِ لَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِاعْتِبَارِهِ قَبْلَ تَحَقُّقِ السَّفَرِ كَمَا فِي صُورَةِ الزَّيْلَعِيِّ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ بِاعْتِبَارِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حُكْمُ الْإِقَامَةِ الْمُبِيحَةِ لِلْإِتْمَامِ فَإِنَّ أَقَلَّهَا نِصْفُ شَهْرٍ إذْ لَا يَقُولُ عَاقِلٌ إنَّ الْمُسَافِرَ إذَا دَخَلَ بَلْدَةً وَنَوَى الْإِقَامَةَ فِيهَا يَوْمًا مَثَلًا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا، ثُمَّ رَجَعَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَنَّهُ يُتِمُّ مَا لَوْ يَنْوِ إقَامَةَ نِصْفِ شَهْرٍ وَبِهَذَا التَّوْفِيقِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ إلَّا أَنْ

стр. 552

(قَوْلُهُ وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ آخِرُ الْوَقْتِ) أَيْ الْمُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ الْأَرْبَعِ أَوْ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَدَاءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ مِنْ الْوَقْتِ، وَهُوَ قَدْرُ مَا يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مُقِيمًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَرْبَعٌ، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَرَكْعَتَانِ؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ فِي السَّبَبِيَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَدَاءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ إنْ أَدَّى آخِرَهُ وَإِلَّا فَكُلُّ الْوَقْتِ هُوَ السَّبَبُ لِيَثْبُتَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ بِصِفَةِ الْكَمَالِ وَفَائِدَةُ إضَافَتِهِ إلَى الْجُزْءِ الْأَخِيرِ اعْتِبَارُ حَالِ الْمُكَلَّفِ فِيهِ فَلَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ وَأَفَاقَ مَجْنُونٌ أَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَكْثَرِ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ، وَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ قَدْ صَلَّاهَا فِي أَوَّلِهِ وَبِعَكْسِهِ لَوْ جُنَّ أَوْ حَاضَتْ أَوْ نَفِسَتْ فِيهِ لَمْ يَجِبْ لِفَقْدِ الْأَهْلِيَّةِ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ، وَفَائِدَةُ إضَافَتِهِ إلَى الْكُلِّ عِنْدَ خُلُوِّهِ مِنْ الْأَدَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَضَاءُ عَصْرِ الْيَوْمِ وَقْتَ التَّغَيُّرِ فِي الْيَوْمِ الْآتِي، وَلَوْ كَانَ السَّبَبُ هُوَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ لَجَازَ وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِي كِتَابِنَا الْمُسَمَّى بِلُبِّ الْأُصُولِ مُخْتَصَرِ تَحْرِيرِ الْأُصُولِ وَسَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَوَّلُ الْوَقْتِ فِي وُجُوبِهَا وَاعْتَبَرَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي السَّبَبِيَّةِ الْجُزْءُ الَّذِي يَلْزَمُهُ الشُّرُوعُ فِيهِ، وَاخْتَارَهُ الْقُدُورِيُّ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ جُعِلَ سَبَبًا لِيُؤَدِّيَ فِيهِ فَإِذَا تَأَخَّرَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَبَقِيَ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ الرَّكْعَتَيْنِ يُجْعَلُ سَبَبًا فَيَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِقْدَارُ ذَلِكَ كَانَ السَّبَبُ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَهُوَ كَانَ مُقِيمًا حِينَئِذٍ إلَّا أَنَّهُ يَشْكُلُ عَلَيْهِ مَا إذَا أَقَامَ الْمُسَافِرُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ اتِّفَاقًا كَذَا فِي الْمُصَفَّى فَيَحْتَاجُ زُفَرُ إلَى الْفَرْقِ قَيَّدْنَا بِعَدَمِ الْأَدَاءِ أَوَّلَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى صَلَاةَ السَّفَرِ أَوَّلَ الْوَقْتِ ثُمَّ أَقَامَ فِي الْوَقْتِ لَا يَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ، وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ خَرَجَ إلَى السَّفَرِ وَصَلَّى الْعَصْرَ فِي سَفَرِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ شَيْئًا فِي مَنْزِلِهِ فَرَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ قَالُوا: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ أَرْبَعًا، وَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ اهـ. قَيَّدَ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الصَّوْمِ أَوَّلُ جُزْءٍ مِنْ الْيَوْمِ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا يَلْزَمُهُ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكَوْنِهِ مِعْيَارًا. (قَوْلُهُ وَالْعَاصِي كَغَيْرِهِ) أَيْ فِي التَّرَخُّصِ بِرُخَصِ الْمُسَافِرِ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ، وَلِأَنَّ السَّفَرَ الْمُوجِبَ لِلرُّخَصِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ إنَّمَا هُوَ فِيمَا جَاوَرَهُ كَخُرُوجِهِ عَاقًّا لِوَالِدَيْهِ أَوْ عَاصِيًا عَلَى الْإِمَامِ أَوْ آبِقًا مِنْ مَوْلَاهُ أَوْ خَرَجَتْ الْمَرْأَةُ بِلَا مَحْرَمٍ أَوْ فِي الْعِدَّةِ أَوْ قَاطِعًا لِلطَّرِيقِ وَقَدْ تَكُونُ بَعْدَهُ كَمَا إذَا خَرَجَ لِلْحَجِّ أَوْ لِلْجِهَادِ ثُمَّ قَطَعَ الطَّرِيقَ، وَالْقُبْحُ الْمُجَاوِرُ لَا يَعْدَمُ الْمَشْرُوعِيَّةَ أَصْلًا كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ فَصَلَحَ السَّفَرُ مَنَاطًا لِلرُّخْصَةِ. (قَوْلُهُ وَتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ وَالسَّفَرِ مِنْ الْأَصْلِ دُونَ التَّبَعِ أَيْ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالْجُنْدِيِّ) تَفْسِيرٌ لِلتَّبَعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ وَالسَّفَرِ دُونَ التَّبَعِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ التَّبَعَ الْإِتْمَامُ إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ بِنِيَّةِ الْمَتْبُوعِ كَمَا فِي تَوَجُّهِ الْخِطَابِ الشَّرْعِيِّ وَعَزْلِ الْوَكِيلِ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ كَالْعَزْلِ الْحُكْمِيِّ، وَهُوَ أَحْوَطُ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ فِي لُزُومِ الْحُكْمِ قَبْلَ الْعِلْمِ حَرَجًا وَضَرَرًا، وَهُوَ مَدْفُوعٌ شَرْعًا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُلْجَإٍ إلَى الْبَيْعِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ لَا يَبِيعَ فَيُمْكِنُهُ دَفْعُ الضَّرَرِ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ الْبَيْعِ فَإِذَا بَاعَ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ أَمْرِهِ وَلَحِقَهُ ضَرَرٌ كَانَ الضَّرَرُ نَاشِئًا مِنْ جِهَتِهِ مِنْ وَجْهٍ وَمِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ مِنْ وَجْهٍ فَيَصِحُّ الْعَزْلُ حُكْمًا لَا قَصْدًا وَهَاهُنَا التَّبَعُ مَأْمُورٌ بِقَصْرِ صَلَاتِهِ مَنْهِيٌّ عَنْ إتْمَامِهَا فَكَانَ مُضْطَرًّا فَلَوْ صَارَ فَرْضُهُ أَرْبَعًا بِإِقَامَةِ الْأَصْلِ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ لَحِقَهُ ضَرَرٌ عَظِيمٌ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ بِكُلِّ وَجْهٍ وَأَنَّهُ مَنْفِيٌّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَعَلَى هَذَا فَمَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَمَّ مَوْلَاهُ فِي السَّفَرِ فَنَوَى الْمَوْلَى الْإِقَامَةَ صَحَّتْ حَتَّى لَوْ سَلَّمَ الْعَبْدُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ ــ [منحة الخالق] يُوجَدَ نَقْلٌ دَالٌّ عَلَى وُجُودِ الْخِلَافِ فِيمَا صَوَّرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [قَضَاء فَائِتَةُ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ] (قَوْلُهُ قَالُوا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَمُقِيمًا فِي الْعَصْرِ.

стр. 553

كَانَ عَلَيْهِمَا إعَادَةُ تِلْكَ الصَّلَاةِ اهـ. وَكَذَا الْعَبْدُ إذَا كَانَ مَعَ مَوْلَاهُ فِي السَّفَرِ فَبَاعَهُ مِنْ مُقِيمٍ وَالْعَبْدُ كَانَ فِي الصَّلَاةِ يَنْقَلِبُ فَرْضُهُ أَرْبَعًا حَتَّى لَوْ سَلَّمَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ إعَادَةُ تِلْكَ الصَّلَاةِ اهـ. مَبْنِيٌّ عَلَى غَيْرِ الصَّحِيحِ إنْ فُرِضَ عَدَمُ عِلْمِ الْعَبْدِ أَوْ عَلَى الْكُلِّ إنْ عَلِمَ أُطْلِقَ فِي تَبَعِيَّةِ الْمَرْأَةِ وَالْجُنْدِيِّ، وَقَيَّدُوهُ بِأَنْ تَسْتَوْفِيَ الْمَرْأَةُ مَهْرَهَا الْمُعَجَّلَ وَإِلَّا فَلَا تَكُونُ تَبَعًا فَالْعِبْرَةُ بِنِيَّتِهَا؛ لِأَنَّ لَهَا أَنْ تَحْبِسَ نَفْسَهَا عَنْ الزَّوْجِ لِلْمُعَجَّلِ دُونَ الْمُؤَجَّلِ وَلَا تَسْكُنُ حَيْثُ يَسْكُنُ هُوَ وَبِأَنْ يَكُونَ الْجُنْدِيُّ يُرْزَقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ رِزْقُهُ فِي مَالِهِ فَالْعِبْرَةُ لِنِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ حَيْثُ شَاءَ لِطَلَبِ الرِّزْقِ وَأُطْلِقَ فِي الْعَبْدِ فَشَمَلَ الْقِنَّ وَالْمُدَبَّرَ وَأُمَّ الْوَلَدِ وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ تَبَعًا؛ لِأَنَّ لَهُ السَّفَرَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى فَلَا يَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ، وَلَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ قَصْرَ التَّبَعِ عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ بَلْ هُوَ كُلُّ مَنْ كَانَ تَبَعًا لِإِنْسَانٍ وَيَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ فَيَدْخُلُ الْأَجِيرُ مَعَ مُسْتَأْجِرِهِ وَالْمَحْمُولُ مَعَ حَامِلِهِ وَالْغَرِيمُ مَعَ صَاحِبِ الدَّيْنِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا مُفْلِسًا، فَإِنْ كَانَ مَلِيًّا فَالنِّيَّةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ قَضَاءُ الدَّيْنِ فَيُقِيمُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ وَأَمَّا الْأَعْمَى مَعَ قَائِدِهِ، فَإِنْ كَانَ الْقَائِدُ أَجِيرًا فَالْعِبْرَةُ لِنِيَّةِ الْأَعْمَى، وَإِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا فِي قِيَادَةٍ تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ وَالْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ إذَا سَافَرَ مَعَهُمَا ثُمَّ نَوَى أَحَدُهُمَا الْإِقَامَةَ قِيلَ لَا يَصِيرُ الْعَبْدُ مُقِيمًا لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي صَيْرُورَتِهِ مُقِيمًا فَيَبْقَى مُسَافِرًا وَقِيلَ يَصِيرُ مُقِيمًا تَرْجِيحًا لِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ احْتِيَاطًا لِأَمْرِ الْعِبَادَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَمَحَلُّهُ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ فِي الْخِدْمَةِ فَإِنَّ الْعَبْدَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْإِقَامَةِ وَإِذْ خَدَمَ الْمَوْلَى الَّذِي لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ يُصَلِّي صَلَاةَ السَّفَرِ، وَفِي نُسْخَةِ الْقَاضِي الْإِمَامِ الْعَبْدُ إذَا خَرَجَ مَعَ مَوْلَاهُ، وَلَا يَعْلَمُ سَيْرَ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ يَسْأَلُهُ إنْ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَسِيرَهُ مُدَّةُ السَّفَرِ صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ صَلَّى صَلَاةَ الْإِقَامَةِ، وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْهُ بِذَلِكَ إنْ كَانَ مُقِيمًا قَبْلَ ذَلِكَ صَلَّى صَلَاةَ الْإِقَامَةِ، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا قَبْلُ صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَفِي الْقُنْيَةِ مُسَافِرٌ وَمُقِيمٌ اشْتَرَيَا عَبْدًا الْأَصَحُّ أَنَّ الْعَبْدَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْمُقِيمِ وَدَخَلَ تَحْتَ الْجُنْدِيِّ الْأَمِيرُ مَعَ الْخَلِيفَةِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِيهَا وَعَلَى هَذَا الْحُجَّاجُ إذَا وَصَلُوا بَغْدَادَ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَنْوُوا الْإِقَامَةَ صَلَّوْا صَلَاةَ الْمُقِيمِينَ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحُجَّاجَ تَبَعٌ لِأَمِيرِ الْقَافِلَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَا يَنْبَغِي إدْخَالُهُ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ بَلْ عِلَّتُهُ أَنَّهُمْ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ الْقَافِلَةَ لَا تَخْرُجُ إلَّا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا نَزَلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ نِيَّتِهِمْ الْإِقَامَةَ نِصْفَ شَهْرٍ كَمَا عُلِّلَ بِهِ فِي التَّجْنِيسِ، وَفِي الْمُحِيطِ مُسْلِمٌ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ إنْ كَانَ مَسِيرَةُ الْعَدُوِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَقْصُرُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ يُتِمُّ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ يَسْأَلْ، كَمَا مَرَّ فِي الْعَبْدِ، وَلَوْ دَخَلَ مُسَافِرٌ مِصْرًا فَأَخَذَهُ غَرِيمُهُ فَحَبَسَهُ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا قَصَرَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ، وَلَا يَحِلُّ لِلطَّالِبِ حَبْسُهُ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا إنْ عَزَمَ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ أَوْ لَمْ يَعْزِمْ شَيْئًا قَصَرَ، وَإِنْ عَزَمَ وَاعْتَقَدَ أَنْ لَا يَقْضِيَهُ أَتَمَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ. (بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) . مُنَاسَبَتُهُ مَعَ مَا قَبْلَهُ تَنْصِيفُ الصَّلَاةِ لِعَارِضٍ إلَّا أَنَّ التَّنْصِيفَ هُنَا فِي خَاصٍّ مِنْ الصَّلَاةِ، وَهُوَ الظُّهْرُ وَفِيمَا قَبْلَهُ فِي كُلِّ رُبَاعِيَّةٍ وَتَقْدِيمُ الْعَامِّ هُوَ الْوَجْهُ وَلَسْنَا نَعْنِي أَنَّ الْجُمُعَةَ تَنْصِيفُ الظُّهْرِ بِعَيْنِهِ بَلْ هِيَ فَرْضٌ ابْتِدَاءً نِسْبَتُهُ النِّصْفُ مِنْهَا وَهِيَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا وَقَدْ أَطَالَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِي بَيَانِ دَلَائِلِهَا ثُمَّ قَالَ، وَإِنَّمَا أَكْثَرْنَا فِيهِ نَوْعًا مِنْ الْإِكْثَارِ لِمَا نَسْمَعُ عَنْ بَعْضِ الْجَهَلَةِ أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَ إلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمَ افْتِرَاضِهَا وَمَنْشَأُ غَلَطِهِمْ مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ، وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَا عُذْرَ لَهُ كُرِهَ وَجَازَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ حَرُمَ عَلَيْهِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ فَيَدْخُلُ الْأَجِيرُ مَعَ مُسْتَأْجِرِهِ) أَيْ مُشَاهِرَةً أَوْ مُسَانَهَةً كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْغِيَاثِيَّةِ وَقَوْلُهُ وَالْمَحْمُولُ مَعَ حَامِلِهِ قَالَ فِي النَّهْرِ يَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ فِيهِ كَالْقَائِدِ. [بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] (قَوْلُهُ وَلَسْنَا نَعْنِي إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا أَوْرَدَهُ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ بِأَنَّ هَذَا يَجُرُّ إلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ صَلَاةُ ظُهْرٍ قُصِرَتْ لَا فَرْضٌ مُبْتَدَأٌ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ تَرْخِيمُهُ اهـ.

стр. 554

وَصَحَّتْ الظُّهْرُ فَالْحُرْمَةُ لِتَرْكِ الْفَرْضِ، وَصِحَّةُ الظُّهْرِ لِمَا سَنَذْكُرُهُ، وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا فَرْضٌ آكِدٌ مِنْ الظُّهْرِ وَبِإِكْفَارِ جَاحِدِهَا اهـ. أَقُولُ:، وَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْ جَهَلَةِ زَمَانِنَا أَيْضًا وَمُنْشَأُ جَهْلِهِمْ صَلَاةُ الْأَرْبَعِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ، وَإِنَّمَا وَضَعَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عِنْدَ الشَّكِّ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ بِسَبَبِ رِوَايَةِ عَدَمِ تَعَدُّدِهَا فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ بِالْمُخْتَارَةِ، وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ أَعْنِي اخْتِيَارَ صَلَاةِ الْأَرْبَعِ بَعْدَهَا مَرْوِيًّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ حَتَّى وَقَعَ لِي أَنِّي أَفْتَيْت مِرَارًا بِعَدَمِ صَلَاتِهَا خَوْفًا عَلَى اعْتِقَادِ الْجَهَلَةِ بِأَنَّهَا الْفَرْضُ، وَأَنَّ الْجُمُعَةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ وَسَنُوَضِّحُهُ مِنْ بَعْدُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَمَّا شَرَائِطُهَا فَنَوْعَانِ شَرَائِطُ صِحَّةٍ وَشَرَائِطُ وُجُوبٍ فَالْأَوَّلُ سِتَّةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: الْمِصْرُ وَالسُّلْطَانُ وَالْوَقْتُ وَالْخُطْبَةُ وَالْجَمَاعَةُ وَالْأَذَانُ الْعَامُّ وَالثَّانِي سِتَّةٌ أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي وَهِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِهَا وَفَتْحِهَا حَكَى ذَلِكَ الْفَرَّاءُ وَالْوَاحِدِيُّ مِنْ الِاجْتِمَاعِ كَالْفُرْقَةِ مِنْ الِافْتِرَاقِ أُضِيفَ إلَيْهَا الْيَوْمُ وَالصَّلَاةُ ثُمَّ كَثُرَ الِاسْتِعْمَالُ حَتَّى حُذِفَ مِنْهَا الْمُضَافُ وَجُمِعَتْ فَقِيلَ: جُمُعَاتٌ وَجُمَعٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَكَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُسَمَّى عَرُوبَةً بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَأَوَّلُ مَنْ سَمَّاهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ وَلَمَّا «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَقَامَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَأَسَّسَ مَسْجِدَهُمْ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ فَأَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ فَصَلَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي فِي بَطْنِ الْوَادِي، وَادِي رَاتُونَا» فَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا ﵊ بِالْمَدِينَةِ (قَوْلُهُ شَرْطُ أَدَائِهَا الْمِصْرُ) أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهَا أَنْ تُؤَدَّى فِي مِصْرٍ حَتَّى لَا تَصِحَّ فِي قَرْيَةٍ، وَلَا مَفَازَةٍ لِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ لَا جُمُعَةَ، وَلَا تَشْرِيقَ، وَلَا صَلَاةَ فِطْرٍ، وَلَا أَضْحَى إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ أَوْ فِي مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَكَفَى بِقَوْلِهِ قُدْوَةً وَإِمَامًا، وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ فَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ الْقَرَوِيُّ إذَا دَخَلَ الْمِصْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إنْ نَوَى أَنْ يَمْكُثَ فِيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْ ذَلِكَ الْمِصْرِ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لَا تَلْزَمُهُ وَبَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ تَلْزَمُهُ قَالَ الْفَقِيهُ إنْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ لَا تَلْزَمُهُ. الْمِصْرِيُّ إذَا أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا خَرَجَ مِنْ الْعُمْرَانِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَهُوَ مُسَافِرٌ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَالْمُسَافِرُ إذَا قَدِمَ الْمِصْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى عَزْمِ أَنْ لَا يَخْرُجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ مَا لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا اهـ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ كُلُّ مَوْضِعٍ لَهُ أَمِيرٌ وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ) أَيْ حَدُّ الْمِصْرِ الْمَذْكُورِ هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ زَادَ فِي الْخُلَاصَةِ وَيُشْتَرَطُ الْمُفْتِي إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي أَوْ الْوَالِي مُفْتِيًا وَأَسْقَطَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ الْأَمِيرَ فَقَالَ الْمِصْرُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مُفْتٍ وَقَاضٍ يُقِيمُ الْحُدُودَ وَيُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ وَبَلَغَتْ أَبْنِيَتُهُ أَبْنِيَةَ مِنًى اهـ. وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ عَنْ الْمُحَكِّمِ وَالْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ قَاضِيَةً فَإِنَّهُمَا لَا يُقِيمَانِ الْحُدُودَ، وَإِنْ نَفَّذَ الْأَحْكَامَ وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْحُدُودِ عَنْ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ إقَامَتَهَا مَلَكَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَلْدَةَ إذَا كَانَ قَاضِيهَا أَوْ أَمِيرُهَا امْرَأَةً لَا يَكُونُ مِصْرًا فَلَا تَصِحُّ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهَا وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ الْعَاقِلُ فَلَا تَصِحُّ مِنْهَا إقَامَةُ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَصْلُحَانِ لِلْإِمَامَةِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَفِي الْجُمُعَةِ أَوْلَى إلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ سُلْطَانًا فَأَمَّرَتْ رَجُلًا ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ) وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَبْلَ دُخُولِ بَدَلَ خُرُوجِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَكِنَّ الَّذِي فِي الْخُلَاصَةِ خُرُوجٌ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ التَّعَرُّضُ لِلْمَسْأَلَةِ ثَانِيًا (قَوْلُهُ وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ إلَخْ) هَذَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ وَإِلَّا فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ اهْتِمَامًا بِهَا لِزِيَادَةِ خَطَرِهَا وَاعْتُرِضَ الْأَوَّلُ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ بِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْأَحْكَامِ إذَا كَانَتْ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ إذْ لَا عَهْدَ يُبْطِلُ مَا ذَكَرُوهُ قَالَ فِي النَّهْرِ وَأَقُولُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ بَلْ الْحَمْلُ عَلَيْهِ هُنَا أَوْلَى إذْ الْأَصْلُ فِي الْعَطْفِ التَّغَايُرُ وَكَوْنُ الْأَصْلِ فِي لَامِ التَّعْرِيفِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْهُودُ الْحَمْلِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَإِنْ كَانَ الْعَهْدُ الذِّهْنِيُّ مُقَدَّمًا عِنْدَ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِالْأَصْلِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ مَا فِي الْبَدَائِعِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا إذَا كَانَ فِي بَلَدِهَا أَمِيرٌ وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ فَلَيْسَ بِنَصٍّ فِي الْمُدَّعِي فَلْيُتَأَمَّلْ قَالَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَقَالَ فِي الشرنبلالية وَفِيمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ تَأَمَّلْ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي نَائِبِ السُّلْطَانِ إذَا كَانَ امْرَأَةً لَا فِي السُّلْطَانِ إذَا كَانَ امْرَأَةً اهـ. قُلْت لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ قَوْلَ الْبَدَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَصْلُحُ سُلْطَانًا أَوْ قَاضِيَةً فِي الْجُمْلَةِ فَتَصِحُّ إنَابَتُهَا ظَاهِرُهُ صِحَّةُ الْإِنَابَةِ إذَا كَانَتْ قَاضِيَةً فَتَكُونُ بَلْدَتُهَا

стр. 555

صَالِحًا لِلْإِمَامَةِ حَتَّى يُصَلِّيَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَصْلُحُ سُلْطَانًا أَوْ قَاضِيَةً فِي الْجُمْلَةِ فَتَصِحُّ إنَابَتُهَا اهـ. وَفِي حَدِّ الْمِصْرِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ اخْتَارُوا مِنْهَا قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا فِي الْمُخْتَصَرِ ثَانِيهِمَا مَا عَزَوْهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ بَلْدَةٌ كَبِيرَةٌ فِيهَا سِكَكٌ وَأَسْوَاقٌ وَلَهَا رَسَاتِيقُ وَفِيهَا وَالٍ يَقْدِرُ عَلَى إنْصَافِ الْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ بِحَشَمِهِ وَعِلْمِهِ أَوْ عِلْمِ غَيْرِهِ وَالنَّاسُ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فِي الْحَوَادِثِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ، وَهُوَ أَخُصُّ مِمَّا فِي الْمُخْتَصَرِ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ مَا إذَا اجْتَمَعُوا فِي أَكْبَرِ مَسَاجِدِهِمْ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَمْ يَسَعُهُمْ، وَعَلَيْهِ فَتْوَى أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ أَبُو شُجَاعٍ هَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ الْخَلِيفَةُ إذَا سَافَرَ، وَهُوَ فِي الْقُرَى لَيْسَ لَهُ أَنْ يُجَمِّعَ بِالنَّاسِ، وَلَوْ مَرَّ بِمِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ وِلَايَتِهِ فَجَمَّعَ بِهَا، وَهُوَ مُسَافِرٌ جَازَ (قَوْلُهُ أَوْ مُصَلَّاهُ) أَيْ مُصَلَّى الْمِصْرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهِ فَكَانَ فِي حُكْمِهِ وَالْحُكْمُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى الْمُصَلَّى بَلْ يَجُوزُ فِي جَمِيعِ أَفْنِيَةِ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمِصْرِ فِي حَوَائِجِ أَهْلِهِ وَالْفِنَاءُ فِي اللُّغَةِ سَعَةٌ أَمَامَ الْبُيُوتِ وَقِيلَ مَا امْتَدَّ مِنْ جَوَانِبِهِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَاخْتَلَفُوهُ فِيمَا يَكُونُ مِنْ تَوَابِعِ الْمِصْرِ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى أَهْلِهِ فَاخْتَارَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ أَنَّهُ الْمَوْضِعُ الْمُعَدُّ لِمَصَالِحِ الْمِصْرِ مُتَّصِلٌ بِهِ، وَمَنْ كَانَ مُقِيمًا فِي عُمْرَانِ الْمِصْرِ وَأَطْرَافِهِ، وَلَيْسَ بَيْنَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَبَيْنَ عُمْرَانِ الْمِصْرِ فُرْجَةٌ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَبَيْنَ عُمْرَانِ الْمِصْرِ فُرْجَةٌ مِنْ مَزَارِعَ أَوْ مَرَاعٍ كَالْقَلْعِ بِبُخَارَى لَا جُمُعَةَ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِنْ سَمِعُوا النِّدَاءَ وَالْغَلْوَةُ وَالْمِيلُ وَالْأَمْيَالُ لَيْسَ بِشَرْطٍ اهـ. وَاخْتَارَ فِي الْبَدَائِعِ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَحْضُرَ الْجُمُعَةَ وَيَبِيتَ بِأَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَإِلَّا فَلَا، قَالَ وَهَذَا أَحْسَنُ اهـ. وَاخْتَارَ فِي الْمُحِيطِ اعْتِبَارَ الْمِيلَيْنِ فَقَالَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمُنْتَقَى لَوْ خَرَجَ الْإِمَامُ عَنْ الْمِصْرِ مَعَ أَهْلِهِ لِحَاجَةٍ مِقْدَارَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ فَحَضَرَتْ الْجُمُعَةُ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ فِنَاءَ الْمِصْرِ بِمَنْزِلَتِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ حَوَائِجِ أَهْلِهِ وَأَدَاءُ الْجُمُعَةِ مِنْهَا اهـ. وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ الْمُخْتَارَ لِلْفَتْوَى قَدْرُ الْفَرْسَخِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَى الْعَامَّةِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ اهـ. وَذَكَرَ فِي الْمُضْمَرَاتِ وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ حُسَامُ الدِّينِ يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاضِعِ الْقَرِيبَةِ إلَى الْبَلَدِ الَّتِي هِيَ تَوَابِعُ الْعُمْرَانِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْأَذَانَ عَلَى الْمَنَارَةِ بِأَعْلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لُزُومًا وَإِيجَابًا اهـ. فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ وَالْفَتْوَى كَمَا رَأَيْت وَلَعَلَّ الْأَحْوَطَ مَا فِي الْبَدَائِعِ فَكَانَ أَوْلَى وَذَكَرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ فِنَاءَ الْمِصْرِ مُلْحَقٌ بِهِ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ لَا فِي إتْمَامِ الصَّلَاةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِيهِ ذَهَابًا وَإِيَابًا وَفِي الْمُضْمَرَاتِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى الْحُجَّةِ وُجُوبُ الْجُمُعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: فَرْضٌ عَلَى الْبَعْضِ وَوَاجِبٌ عَلَى الْبَعْضِ، وَسُنَّةٌ عَلَى الْبَعْضِ أَمَّا الْفَرْضُ فَعَلَى الْأَمْصَارِ وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَعَلَى نَوَاحِيهَا، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَعَلَى الْقُرَى الْكَبِيرَةِ وَالْمُسْتَجْمَعَةِ لِلشَّرَائِطِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ تَوَابِعِ الْأَمْصَارِ لَا يَجُوزُ التَّخَلُّفُ عَنْهَا وَأَمَّا الْقُرَى، فَإِنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ فِيهَا فَغَيْرُ صَحِيحَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ أَرَادَ تَكَلُّفَهُمْ وَذَهَابَهُمْ إلَى الْمِصْرِ فَمُمْكِنٌ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ ــ [منحة الخالق] مِصْرًا تَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ مَا إذَا اجْتَمَعُوا فِي أَكْبَرِ مَسَاجِدِهِمْ) يَعْنِي مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ لِإِسْكَانِهِ مُطْلَقًا كَذَا فِي الدُّرَرِ أَيْ لَا كُلُّ مَنْ سَكَنَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِنْ صِبْيَانٍ وَنِسْوَانٍ وَعَبِيدٍ كَمَا فِي النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ وَالْفِنَاءُ فِي اللُّغَةِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ أَهْلَ التَّرْجِيحِ أَطْلَقَ الْفِنَاءَ عَنْ تَقْدِيرِهِ بِمَسَافَةِ، وَكَذَا مُحَرِّرُ الْمَذْهَبِ الْإِمَامُ مُحَمَّدٍ وَبَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِهَا، وَجُمْلَةُ أَقْوَالِهِمْ فِي تَقْدِيرِهِ: ثَمَانِيَةٌ أَوْ تِسْعَةٌ: غَلْوَةٌ، مِيلٌ، مِيلَانِ ثَلَاثَةٌ، فَرْسَخٌ، فَرْسَخَانِ، ثَلَاثَةٌ، سَمَاعُ الصَّوْتِ، سَمَاعُ الْأَذَانِ، وَالتَّعْرِيفُ أَحْسَنُ مِنْ التَّحْدِيدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مِصْرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ كِبَرِ الْمِصْرِ وَصِغَرِهِ بَيَانُهُ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِغَلْوَةٍ أَوْ مِيلٍ لَا يَصِحُّ فِي مِثْلِ مِصْرَ؛ لِأَنَّ الْقَرَافَةَ وَالتُّرَبَ الَّتِي تَلِي بَابَ النَّصْرِ يَزِيدُ كُلٌّ مِنْهَا عَلَى فَرَاسِخَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ نَعَمْ هُوَ مُمْكِنٌ لِمِثْلِ بُولَاقِ فَالْقَوْلُ بِالتَّحْدِيدِ بِمَسَافَةٍ يُخَالِفُ التَّعْرِيفَ الْمُتَّفَقَ عَلَى مَا صَدَقَا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ الْمُعَدُّ لِمَصَالِحِ الْمِصْرِ فَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الْفِنَاءَ مَا أُعِدَّ لِدَفْنِ الْمَوْتَى وَحَوَائِجِ الْمَعْرَكَةِ وَكَرَكْضِ الْخَيْلِ وَالدَّوَابِّ وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ وَالْخُرُوجِ لَلرَّمْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَيُّ مَوْضِعٍ يُحَدُّ بِمَسَافَةٍ يَسَعُ عَسَاكِرَ مِصْرٍ وَيَصْلُحُ مَيْدَانًا لِلْخَيْلِ وَالْفُرْسَانِ وَرَمْيِ النَّبْلِ وَالْبُنْدُقِ وَالْبَارُودِ وَاخْتِبَارِ الْمَدَافِعِ وَهَذَا يَزِيدُ عَلَى فَرَاسِخَ بِالضَّرُورَةِ، وَانْظُرْ إلَى سَعَةِ سَفْحِ الْجَبَلِ الْمُقَطَّمِ أَيُقَدَّرُ فِنَاءُ الْمِصْرِ مِنْهُ بِغَلْوَةٍ أَوْ فَرْسَخٍ مَعَ أَنَّهُ بَعْضُ فِنَاءِ مِصْرَ فَظَهَرَ أَنَّ التَّحْدِيدَ بِحَسَبِ الْأَمْصَارِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي لُزُومِ حُضُورِ الْمِصْرِ لِلْجُمُعَةِ عَلَى مُقِيمٍ بِقَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ الْمِصْرِ وَاخْتِيَارُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ عَدَمُهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ بِأَدَائِهَا فَعُذْرُهُمْ أَسْقَطَ تَكْلِيفَهُمْ بِالْمَجِيءِ مِنْ قَرْيَتِهِمْ، وَلَا عِبْرَةَ بِبُلُوغِ النِّدَاءِ، وَلَا بِالْأَمْيَالِ وَلَا بِإِمْكَانِ الْعَوْدِ لِلْأَهْلِ، وَلَوْ صُحِّحَ لَا يُتَّبَعُ؛ لِأَنَّ نَصَّ الْحَدِيثِ وَالرِّوَايَةَ الظَّاهِرِيَّةِ عَنْ أَصْحَابِنَا يَنْفِيهِ اهـ. مُلَخَّصًا مِنْ

стр. 556

وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا مَا فِي الْقُنْيَةِ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ فِي الْقُرَى، وَيُعْمَلُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ إيَّاكَ وَمَا يَسْبِقُ إلَى الْقُلُوبِ إنْكَارُهُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَك اعْتِذَارُهُ، فَلَيْسَ كُلُّ سَامِعٍ نُكْرًا تُطِيقُ أَنْ تُسْمِعَهُ عُذْرًا اهـ. وَإِنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ صِحَّتِهَا فِي الْقُرَى فَضْلًا عَنْ لُزُومِهَا، وَفِي التَّجْنِيسِ، وَلَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى، وَإِنْ كَانُوا قَرِيبًا مِنْ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ. اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي بَعْضِ قُرَى مِصْرٍ مِمَّا لَيْسَ فِيهَا وَالٍ وَقَاضٍ نَازِلَانِ بِهَا بَلْ لَهَا قَاضٍ يُسَمَّى قَاضِي النَّاحِيَةِ، وَهُوَ قَاضِي يُوَلَّى الْكُورَةَ بِأَسْرِهَا فَيَأْتِيَ الْقَرْيَةَ أَحْيَانَا فَيَفْصِلُ مَا اجْتَمَعَ فِيهَا مِنْ التَّعَلُّقَاتِ وَيَنْصَرِفُ وَوَالٍ كَذَلِكَ هَلْ هُوَ مِصْرٌ نَظَرًا إلَى أَنَّ لَهَا وَالِيًا أَوَّلًا نُظِرَ إلَى عَدَمِهِمَا بِهَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ اعْتِبَارُ كَوْنِهِمَا مُقِيمِينَ بِهَا وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ قَرْيَةً أَصْلًا إذْ كُلُّ قَرْيَةٍ مَشْمُولَةٌ بِحُكْمٍ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ قَرْيَةٍ لَا يَأْتِيهَا حَاكِمٌ يَفْصِلُ بِهَا الْخُصُومَاتِ حَتَّى يَحْتَاجُوا إلَى دُخُولِ الْمِصْرِ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ يَفْصِلُهَا، وَبَيْنَ مَا يَأْتِيهَا فَيَفْصِلُ فِيهَا وَإِذَا اشْتَبَهَ عَلَى الْإِنْسَانِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بَعْدَ الْجَمْعِيَّةِ وَيَنْوِيَ بِهَا آخِرَ فَرْضٍ أَدْرَكْت وَقْتَهُ، وَلَمْ أُؤَدِّ بَعْدُ، فَإِنْ لَمْ تَصِحَّ الْجُمُعَةُ وَقَعَتْ ظُهْرَهُ، وَإِنْ صَحَّتْ كَانَتْ نَفْلًا اهـ. وَفِي الْقُنْيَةِ مُصَلِّي الْجُمُعَةِ فِي الرُّسْتَاقِ لَا يَنْوِي الْفَرْضَ بَلْ يَنْوِي صَلَاةَ الْإِمَامِ وَيُصَلِّي الظُّهْرَ وَأَيُّهُمَا قَدَّمَ جَازَ اهـ. (قَوْلُهُ وَمِنًى مِصْرٌ لَا عَرَفَاتٌ) فَتَجُوزُ الْجُمُعَةُ بِمِنًى، وَلَا تَجُوزُ بِعَرَفَاتٍ أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ قَوْلُهُمَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَجُوزُ بِمِنًى كَعَرَفَاتٍ وَاخْتَلَفُوا فِي بِنَاءِ الْخِلَافِ فَقِيلَ: مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ مَكَّةَ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا أَرْبَعَ فَرَاسِخَ، وَتَقْدِيرُ التَّوَابِعِ لِلْمِصْرِيَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا تَتَمَصَّرُ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ لَهَا بِنَاءً وَتُنْقَلُ إلَيْهَا الْأَسْوَاقُ وَيَحْضُرُهَا وَالٍ وَقَاضٍ بِخِلَافِ عَرَفَاتٍ؛ لِأَنَّهَا مَفَازَةٌ فَلَا تَتَمَصَّرُ بِاجْتِمَاعِ النَّاسِ وَحَضْرَةِ السُّلْطَانِ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الْمُصَلِّي بِهَا الْجُمُعَةَ الْخَلِيفَةَ أَوْ أَمِيرَ الْحِجَازِ أَوْ أَمِيرَ الْعِرَاقِ أَوْ أَمِيرَ مَكَّةَ أَوْ أَمِيرَ الْمَوْسِمِ مُقِيمًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا، وَقَدْ أَخْرَجُوا مِنْهُ أَمِيرَ الْمَوْسِمِ، وَهُوَ الَّذِي أُمِرَ بِتَسْوِيَةِ أُمُورِ الْحُجَّاجِ لَا غَيْرُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إقَامَتُهَا سَوَاءٌ كَانَ مُقِيمًا أَوْ مُسَافِرًا إلَّا إذَا كَانَ مَأْذُونًا مِنْ جِهَةِ أَمِيرِ الْعِرَاقِ أَوْ أَمِيرِ مَكَّةَ، وَقِيلَ إنْ كَانَ مُقِيمًا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا لَا يَجُوزُ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَشَمَلَ التَّجْمِيعَ بِهَا فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْمَوْسِمِ، وَفِي الْمُحِيطِ قِيلَ: إنَّمَا تَجُوزُ الْجُمُعَةُ عِنْدَهُمَا بِمِنًى فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ لَا فِي غَيْرِهَا، وَقِيلَ تَجُوزُ فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ؛ لِأَنَّ مِنًى مِنْ فِنَاءِ مَكَّةَ اهـ. وَقَدْ عَلِمْت فَسَادَ كَوْنِهَا مِنْ فِنَاءِ مَكَّةَ فَتَرَجَّحَ تَخْصِيصُ جَوَازِهَا بِأَيَّامِ الْمَوْسِمِ وَأَنَّهَا تَصِيرُ مِصْرًا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ وَقَرْيَةً فِي غَيْرِهَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْأَوْلَى فِي قُرَى مِصْرٍ أَنْ لَا تَصِحَّ فِيهَا إلَّا حَالَ حُضُورِ الْمُتَوَلِّي فَإِذَا حَضَرَ صَحَّتْ وَإِذَا ظَعَنَ امْتَنَعَتْ اهـ. وَفِي التَّجْنِيسِ، وَلَوْ نَزَلَ الْخَلِيفَةُ أَوْ وَالِي الْعِرَاقِ فِي الْمَنَازِلِ الَّتِي فِي طَرِيقِ مَكَّةَ كَالتَّغْلِبِيَّةِ وَنَحْوِهَا جَمَّعَ؛ لِأَنَّهَا قُرَى تَتَمَصَّرُ بِمَكَانِ الْحَجِّ فَصَارَ كَمِنًى وَأُطْلِقَ فِي عَرَفَاتٍ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الْخَلِيفَةُ حَاضِرًا بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَإِنَّمَا لَا تُقَامُ صَلَاةُ الْعِيدِ بِمِنًى اتِّفَاقًا لِلتَّخْفِيفِ لَا لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ مِصْرًا. . (قَوْلُهُ وَتُؤَدَّى فِي مِصْرٍ فِي مَوَاضِعَ) أَيْ ــ [منحة الخالق] تُحْفَةِ أَعْيَانِ الْفِنَاءِ بِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فِي الْفِنَاءِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ. (قَوْلُهُ وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا مَا فِي الْقُنْيَةِ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ إلَخْ) أَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُ بِاللُّزُومِ الِافْتِرَاضَ وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ رَجُلٌ فِي قَرْيَةٍ تُقَامُ بِهَا الْجُمُعَةُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَحْضُرُ مَعَهُمْ لِئَلَّا يُظَنَّ بِهِ السُّوءُ لِاعْتِقَادِهِمْ فَرْضِيَّتِهَا أَوْ جَهْلِهِمْ بِحُكْمِ مَذْهَبِهِ وَيَنْوِيَ صَلَاةَ الْإِمَامِ وَيُصَلِّيَ الظُّهْرَ أَيْضًا قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا كَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْقُنْيَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَوَالٍ كَذَلِكَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَهَا قَاضٍ (قَوْلُهُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مُقْتَضَى اشْتِرَاطِ أَنْ تَبْلُغَ أَبْنِيَتُهَا أَبْنِيَةَ مِنًى، وَكَذَا مَا مَرَّ عَنْ الْإِمَامِ مِنْ اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ لَهَا سِكَكٌ وَأَسْوَاقٌ عَدَمُ تَمَصُّرِهَا، وَلَوْ كَانَا مُقِيمَيْنِ بِهَا وَيُوَافِقُهُ مَا مَرَّ عَنْ الْخُلَاصَةِ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ الْخَلِيفَةُ إذَا سَافَرَ، وَهُوَ فِي الْقُرَى لَيْسَ لَهُ أَنْ يُجَمِّعَ بِالنَّاسِ وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدُهُ أَيْضًا اهـ. قُلْت: يَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ هَذَا الْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ عَلَى الْقُرَى الْمُسْتَوْفِيَةِ بَقِيَّةَ الشُّرُوطِ؛ لِأَنَّهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْقُرَى الْكَبِيرَةِ إذَا لَمْ يُعْمَلْ بِالْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ فِيهَا قَالَ بَعْضُهُمْ يُصَلِّي الْفَرْضَ وَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ مَعَهَا احْتِيَاطًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَسْعَى وَيَشْرَعُ فِي الْجُمُعَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ أَوَّلًا وَقَالَ فِي الْحُجَّةِ هَذَا فِي الْقُرَى الْكَبِيرَةِ أَمَّا فِي الْبِلَادِ فَلَا شَكَّ فِي الْجَوَازِ، وَلَا تُعَادُ الْفَرِيضَةُ وَالِاحْتِيَاطُ فِي الْقُرَى أَنْ يُصَلِّيَ السُّنَّةَ أَرْبَعًا، ثُمَّ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ يَنْوِي أَرْبَعًا سُنَّةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ الْوَقْتِ فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ اهـ. مُلَخَّصًا وَنَقَلَ الْعِبَارَةَ بِتَمَامِهَا فِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ فَرَاجِعْهَا. [صَلَاة الْجُمُعَةُ بِمِنًى وَعَرَفَاتٍ] (قَوْلُهُ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْأَوْلَى إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ كَيْفَ هَذَا وَقَدْ جَعَلَ تَمَصُّرَ مِنًى فِي الْمَوْسِمِ لِاجْتِمَاعِ مَنْ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ وَوُجُودِ الْأَسْوَاقِ وَالسِّكَكِ فِيهَا

стр. 557

يَصِحُّ أَدَاءُ الْجُمُعَةِ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ بِمَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ فِي الِاجْتِمَاعِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِي مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ حَرَجًا بَيِّنًا، وَهُوَ مَدْفُوعٌ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ وَذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازُ إقَامَتِهَا فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ فِي مَسْجِدَيْنِ وَأَكْثَرَ وَبِهِ نَأْخُذُ لِإِطْلَاقِ: لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي مِصْرٍ شَرْطُ الْمِصْرِ فَقَطْ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْأَصَحُّ الْجَوَازُ مُطْلَقًا خُصُوصًا إذَا كَانَ مِصْرًا كَبِيرًا كَمِصْرِ فَإِنَّ فِي إلْزَامِ اتِّحَادِ الْمَوْضِعِ حَرَجًا بَيِّنًا لِاسْتِدْعَائِهِ تَطْوِيلَ الْمَسَافَةِ عَلَى الْأَكْثَرِ وَذَكَرَ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى جَوَازِ التَّعَدُّدِ مُطْلَقًا وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ انْدَفَعَ مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ جَوَازُهَا فِي مَوْضِعَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ اهـ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَلَمَا اُبْتُلِيَ أَهْلُ مَرْوَ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَتَيْنِ بِهَا مَعَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِهِمَا فَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ، وَمَنْ تَابَعَهُمَا بَاطِلَتَانِ إنْ وَقَعَتَا مَعًا وَإِلَّا فَجُمُعَةُ الْمَسْبُوقِينَ بَاطِلَةٌ أُمِرَ أَئِمَّتُهُمْ بِأَدَاءِ الْأَرْبَعِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتْمًا احْتِيَاطًا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي نِيَّتِهَا وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَنْوِيَ آخِرَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَقُولَ نَوَيْت آخِرَ ظُهْرٍ أَدْرَكْت وَقْتَهُ، وَلَمْ أُصَلِّهِ بَعْدُ؛ لِأَنَّ ظُهْرَ يَوْمِهِ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِآخِرِ الْوَقْتِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَةِ فَقِيلَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ فِي الْأَرْبَعِ وَقِيلَ فِي الْأُولَيَيْنِ كَالظُّهْرِ، وَهُوَ اخْتِيَارِيٌّ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنْ يُحَكِّمَ فِيهَا رَأْيَهُ وَاخْتَلَفُوا أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِي الْأَرْبَعِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ بِمُرُورِ الْعَصْرِ حَسَبَ اخْتِلَافِهِمْ فِي نِيَّتِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَبْقِ الْجُمُعَةِ بِمَاذَا يُعْتَبَرُ إذَا اجْتَمَعَا فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ فَقِيلَ: بِالشُّرُوعِ وَقِيلَ: بِالْفَرَاغِ وَقِيلَ بِهِمَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اهـ. مَبْنِيٌّ كُلُّهُ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الْمُخَالِفِ لِلْمَذْهَبِ فَلَيْسَ الِاحْتِيَاطُ فِي فِعْلِهَا؛ لِأَنَّهُ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ هُوَ الْإِطْلَاقُ وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَمْنَعُ التَّعَدُّدَ مِنْ أَنَّهَا سُمِّيَتْ جُمُعَةً ــ [منحة الخالق] وَهَذَا لَعَمْرِي لَا يُوجَدُ فِي كُلِّ الْقُرَى اهـ. وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ. [أَدَاءُ الْجُمُعَةِ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ بِمَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ] (قَوْلُهُ مَبْنِيٌّ كُلُّهُ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الِاحْتِيَاطَ أَيْ الْخُرُوجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ لِتَصْرِيحِهِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِهَا إذَا تَعَدَّدَتْ وَفِيهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ حِينَئِذٍ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ والتمرتاشي وَصَاحِبُ الْمُخْتَارِ وَجَعَلَهُ الْعَتَّابِيُّ الْأَظْهَرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَقْدِسِيَّ فِي نُورِ الشَّمْعَةِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ قَوْلَ الْبَدَائِعِ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَدَمُ الْجَوَازِ فِي أَكْثَرِ مَوْضِعَيْنِ قَالَ فِي النَّهْرِ، وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي التَّكْمِلَةِ لِلرَّازِيِّ وَبِهِ نَأْخُذُ انْتَهَى فَقَدْ حَصَلَ الشَّكُّ إذَا كَثُرَ التَّعَدُّدُ مَعَ خِلَافِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» ؛ وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِيمَنْ يَقْضِي صَلَاةَ عُمُرِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ مِنْهَا: لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ وَذَكَرَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّهُ أَحْسَنُ إذَا كَانَ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمُجْتَهِدِينَ وَيَكْفِينَا خِلَافُ مَنْ مَرَّ وَنَقَلَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ عَنْ الْمُحِيطِ كُلُّ مَوْضِعٍ وَقَعَ الشَّكُّ فِي كَوْنِهِ مِصْرًا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا بَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا بِنِيَّةِ الظُّهْرِ احْتِيَاطًا حَتَّى أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَقَعْ الْجُمُعَةُ مَوْقِعَهَا يَخْرُجُونَ عَنْ عُهْدَةِ فَرْضِ الْوَقْتِ بِأَدَاءِ الظُّهْرِ وَمِثْلُهُ فِي الْكَافِي، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْقُنْيَةِ وَذَكَرَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا نَقَلُوهُ وَتَدَاوَلُوهُ قَالَ: وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَأَكْثَرُ مَشَايِخِ بُخَارَى عَلَى أَنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ بَعْدَمَا صَلَّى أَرْبَعًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ نَقَلَ لِيَخْرُجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ وَاسْتَحْسَنُوا ذَلِكَ وَيَقْرَءُونَ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِهَا وَذَكَرَ عَنْ الْفَتْحِ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا يَنْوِيَ بِهَا آخِرَ فَرْضٍ أَدْرَكْت وَقْتَهُ، وَلَمْ أُؤَدِّهِ إنْ تَرَدَّدَ فِي كَوْنِهِ مِصْرًا أَوْ تَعَدَّدَتْ الْجُمُعَةُ وَذُكِرَ مِثْلُهُ عَنْ الْمُحَقِّقِ ابْنِ جِرْبَاشَ قَالَ: ثُمَّ قَالَ وَفَائِدَتُهُ الْخُرُوجُ عَنْ الْخِلَافِ الْمُتَوَهَّمِ أَوْ الْمُحَقَّقِ، وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ التَّعْدَادُ فَهِيَ نَفْعٌ بِلَا ضَرَرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا يُوهِمُ الدَّلَالَةَ عَلَى عَدَمِ فِعْلِهَا وَدَفَعَهُ بِأَحْسَنِ وَجْهٍ وَذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ فِي نَدْبِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ التَّعَدُّدِ خُرُوجًا عَنْ الْخِلَافِ اهـ. وَفِي شَرْحِ الْبَاقَانِيِّ هُوَ الصَّحِيحُ وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ يَنْبَغِي الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْأَرْبَعِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ لَكِنْ بَقِيَ الْكَلَامُ فِي تَحْقِيقِ أَنَّهُ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ قَالَ الْمَقْدِسِيَّ ذَكَرَ ابْنُ الشِّحْنَةِ عَنْ جَدِّهِ التَّصْرِيحَ بِالنَّدْبِ وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مُجَرَّدِ التَّوَهُّمِ أَمَّا عِنْدَ قِيَامِ الشَّكِّ وَالِاشْتِبَاهِ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ الْأَرْبَعِ وَنَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ الْهُمَامِ مَا يُفِيدُهُ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهَا هَلْ تُجْزِي عَنْ السُّنَّةِ أَمْ لَا؟ فَعِنْدَ قِيَامِ الشَّكِّ لَا وَعِنْدَ عَدَمِهِ نَعَمْ وَيُؤَيِّدُ التَّفْصِيلَ تَعْبِيرُ التُّمُرْتَاشِيِّ بِلَا بَدْءٍ وَكَلَامُ الْقُنْيَةِ الْمَذْكُورُ اهـ. وَتَمَامُ تَحْقِيقِ الْمَقَامِ فِي رِسَالَةِ الْمَقْدِسِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ ذَكَرَ شَذْرَةً مِنْهَا فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَفْعِ مَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ عَدَمِ طَلَبِ فِعْلِهَا نَعَمْ إنْ أَدَّى إلَى مَفْسَدَةٍ لَا يُفْعَلُ لَكِنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ عَدَمِهَا؛ وَلِذَا قَالَ الْمَقْدِسِيَّ نَحْنُ لَا نَأْمُرُ بِذَلِكَ أَمْثَالَ هَذِهِ الْعَوَامّ بَلْ نَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَوَاصَّ، وَلَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ

стр. 558

لِاسْتِدْعَائِهَا الْجَمَاعَاتِ فَهِيَ جَامِعَةٌ لَهَا فَلَا يُفِيدُهُ؛ لِأَنَّهُ حَاصِلٌ مَعَ التَّعَدُّدِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ جِرْبَاشَ فِي النُّجْعَةِ فِي تَعْدَادِ الْجُمُعَةِ لَا يُقَالُ: إنَّ الْقَوْلَ بِالِاجْتِمَاعِ الْمُطْلَقِ قَوْلٌ بِالِاحْتِيَاطِ، وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ فِي مِثْلِهِ لِيَخْرُجَ بِهِ الْمُكَلَّفُ عَنْ عُهْدَةِ مَا كُلِّفَ بِهِ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الِاجْتِمَاعِ، وَوُجُودُ الْأَخَصِّ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْأَعَمِّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَلِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ هُوَ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، وَلَمْ يُوجَدْ دَلِيلُ عَدَمِ جَوَازِ التَّعَدُّدِ بَلْ قَضِيَّةُ الضَّرُورَةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] اهـ بِلَفْظِهِ مَعَ مَا لَزِمَ مِنْ فِعْلِهَا فِي زَمَانِنَا مِنْ الْمَفْسَدَةِ الْعَظِيمَةِ، وَهُوَ اعْتِقَادُ الْجَهَلَةِ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ لِمَا يُشَاهِدُونَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَيَظُنُّونَ أَنَّهَا الْفَرْضُ، وَأَنَّ الْجُمُعَةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فَيَتَكَاسَلُونَ عَنْ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي تَرْكِهَا وَعَلَى تَقْدِيرِ فِعْلِهَا مِمَّنْ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ مِنْهَا فَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ فِي بَيْتِهِ خِفْيَةً خَوْفًا مِنْ مَفْسَدَةِ فِعْلِهَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. (قَوْلُهُ وَالسُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمِصْرِ، وَالسُّلْطَانُ هُوَ الْوَالِي الَّذِي لَا وَالِيَ فَوْقَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهَا تُقَامُ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ وَقَدْ تَقَعُ الْمُنَازَعَةُ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّقَدُّمِ، وَقَدْ تَقَعُ فِي غَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ تَتْمِيمًا لِأَمْرِهِ وَدَخَلَ تَحْتَ النَّائِبِ الْعَبْدُ إذَا قُلِّدَ عَمَلَ نَاحِيَةٍ فَصَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ جَازَ، وَلَا تَجُوزُ الْأَنْكِحَةُ بِتَزْوِيجِهِ، وَلَا قَضَائِهِ وَدَخَلَ الْقَاضِي وَالشُّرْطِيُّ لَكِنْ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ بِالنَّاسِ إذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَيَجُوزُ لِصَاحِبِ الشُّرَطِ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَهَذَا فِي عُرْفِهِمْ اهـ. وَفِيهَا وَالِي مِصْرٍ مَاتَ، وَلَمْ يَبْلُغْ الْخَلِيفَةَ مَوْتُهُ حَتَّى مَضَتْ بِهِمْ جُمَعٌ، فَإِنْ صَلَّى بِهِمْ خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ أَوْ صَاحِبُ الشُّرَطِ أَوْ الْقَاضِي أَجْزَأَهُمْ، وَلَوْ اجْتَمَعَتْ الْعَامَّةُ عَلَى تَقْدِيمِ رَجُلٍ لَمْ يَأْمُرْهُ الْقَاضِي، وَلَا خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ لَمْ يَجُزْ، وَلَمْ تَكُنْ جُمُعَةً، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ قَاضٍ وَلَا خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ فَاجْتَمَعَ الْعَامَّةُ عَلَى تَقْدِيمِ رَجُلٍ جَازَ لِلضَّرُورَةِ، وَلَوْ مَاتَ الْخَلِيفَةُ، وَلَهُ وُلَاةٌ وَأُمَرَاءُ عَلَى أَشْيَاءَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا عَلَى وِلَايَتِهِمْ يُقِيمُونَ الْجُمَعَ اهـ. وَأُطْلِقَ فِي السُّلْطَانِ فَشَمَلَ الْعَادِلَ وَالْجَائِرَ وَالْمُتَغَلِّبَ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَالْمُتَغَلِّبُ الَّذِي لَا عَهْدَ لَهُ أَيْ لَا مَنْشُورَ لَهُ إنْ كَانَ سِيرَتُهُ فِيمَا بَيْنَ الرَّعِيَّةِ سِيرَةَ الْأُمَرَاءِ وَيَحْكُمُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ تَجُوزُ الْجُمُعَةُ بِحَضْرَتِهِ اهـ. وَالْعِبْرَةُ لِأَهْلِيَّةِ النَّائِبِ وَقْتَ الصَّلَاةِ لَا وَقْتَ الِاسْتِنَابَةِ حَتَّى لَوْ أُمِّرَ الصَّبِيُّ أَوْ الذِّمِّيُّ وَفُوِّضَ إلَيْهِمَا الْجُمُعَةُ قَبْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَبَلَغَ الصَّبِيُّ وَأَسْلَمَ الذِّمِّيُّ كَانَ لَهُمَا أَنْ يُصَلِّيَا الْجُمُعَةَ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ قَبْلَهُ النَّصْرَانِيُّ إذَا أُمِّرَ عَلَى مِصْرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ بِالنَّاسِ حَتَّى يُؤْمَرَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَكَذَا الصَّبِيُّ إذَا أُمِّرَ ثُمَّ أَدْرَكَ، وَكَذَا لَوْ اسْتَقْضَى صَبِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ أَدْرَكَ الصَّبِيُّ وَأَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُمَا اهـ. لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ فُوِّضَ إلَيْهِ أَمْرُ الْجُمُعَةِ صَرِيحًا، وَفِي الثَّانِي لَا وَظَاهِرُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّ الْفَرْقَ إنَّمَا هُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَأَنَّ الرَّاجِحَ عَدَمُ الْفَرْقِ؛ لِأَنَّ التَّفْوِيضَ وَقَعَ بَاطِلًا فَعَلَى هَذَا الْمُعْتَبَرِ أَهْلِيَّتُهُ وَقْتِ الِاسْتِنَابَةِ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ مَنْ فُوِّضَ إلَيْهِ أَمْرُ الْعَامَّةِ فِي مِصْرٍ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُقِيمَ الْجُمُعَةَ، وَإِنْ لَمْ يُفَوِّضْهَا إلَيْهِ السُّلْطَانُ صَرِيحًا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ مَنْ فُوِّضَ إلَيْهِ أَمْرُ الْعَامَّةِ مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ فَإِنَّ لَهُ إقَامَتَهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ لَهُ الِاسْتِنَابَةَ كَتَوْلِيَةِ خَطِيبٍ فِي جَامِعٍ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي الْأَمْصَارِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاشْتِبَاهُ فِي أَنَّ الْخَطِيبَ الْمُقَرَّرَ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ هَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَصَرَّحَ مَثَلًا خُسْرو فِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ بِأَنَّ الْخَطِيبَ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ إلَّا أَنْ يُفَوَّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ هُوَ الْعَمَلُ إلَخْ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا؛ لِأَنَّ بِدُونِ وَاوِ الْعَطْفِ، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ لَا يُقَالُ وَقَوْلُهُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ إلَخْ لَيْسَ جَوَابَهُ بَلْ هُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ لِيُخْرِجَ. [شُرُوط صِحَّة الْجُمُعَة] (قَوْلُهُ فَصَرَّحَ مَثَلًا خُسْرو إلَخْ) وَعِبَارَتُهُ لَا يَسْتَخْلِفُ الْإِمَامُ لِلْخُطْبَةِ أَصْلًا وَالصَّلَاةِ بَدْءًا بَلْ يَجُوزُ بَعْدَمَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ إلَّا إذَا أَذِنَ أَيْ لَا يَجُوزُ اسْتِخْلَافُهُ لَهُمَا إلَّا إذَا كَانَ مَأْذُونًا مِنْ السُّلْطَانِ لِلِاسْتِخْلَافِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ ذَلِكَ وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ حِفْظُهُ إلَخْ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا فِي رِسَالَةٍ خَاصَّةٍ لَكِنْ قَيَّدَ جَوَازَ الِاسْتِخْلَافِ بِمَا إذَا كَانَ مَعْذُورًا بِعُذْرٍ يُشْغِلُهُ عَنْ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي وَقْتِهَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا أَوْ كَانَ مَعْذُورًا لَكِنْ يُمْكِنُهُ إزَالَةُ عُذْرِهِ وَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ، ثُمَّ قَالَ بَقِيَ هُنَا دَقِيقَةٌ أُخْرَى: وَهِيَ أَنَّ إقَامَةَ الْجُمُعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ أَمْرَيْنِ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَى الْإِذْنِ هُوَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي إذْ لَا حَاجَةَ فِيهِ إلَى الْإِذْنِ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْعُذْرِ تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الدُّرَرِ حَيْثُ صَرَّحَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ خِطَابُهُ النَّائِبَ بِحُضُورِ الْأَصِيلِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِذْنِ وَلِلشُّرُنْبُلَالِيِّ رِسَالَةٌ حَافِلَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمَا فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَاهُ بِالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ قَالَ: وَيَلْزَمُهُمَا أَنْ لَا يَصِحَّ لِلسُّلْطَانِ، وَلَا نُوَّابِهِ جُمُعَةٌ، وَلَا عِيدٌ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ يُصَلِّي خَلْفَ مَأْمُورِهِ مَعَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْخُطْبَةِ بِنَفْسِهِ وَالصَّلَاةِ وَنَقَلَ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة التَّصْرِيحَ بِالْجَوَازِ وَمَنَعَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الدَّقِيقَةِ وَأَطَالَ فِي الْمَقَامِ بِمَا يَنْبَغِي مُرَاجَعَتُهُ وَلِلشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْغَزِّيِّ رِسَالَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا

стр. 559

حِفْظُهُ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ اهـ. وَقَدْ عَمِلَ بِذَلِكَ بَعْضُ الْقُضَاةِ فِي زَمَانِنَا حَتَّى أَخْرَجَ خَطِيبًا مِنْ وَظِيفَتِهِ بِسَبَبِ اسْتِنَابَتِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، وَفِي النُّجْعَةِ فِي تَعْدَادِ الْجُمُعَةِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ جِرْبَاشَ أَحَدِ شُيُوخِ مَشَايِخِي إنَّ إذْنَ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِإِقَامَتِهَا عِنْدَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ الْإِذْنُ لِكُلِّ خَطِيبٍ فَإِذَا قَرَّرَ النَّاظِرُ خَطِيبًا فِي مَسْجِدٍ فَلَهُ إقَامَتُهَا بِنَفْسِهِ وَبِنَائِبِهِ وَأَنَّ الْإِذْنَ مُنْسَحِبٌ لِكُلِّ مَنْ خَطَبَ وَعِبَارَتُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَقَّ التَّقَدُّمِ فِي إمَامَةِ الْجُمُعَةِ حَقُّ الْخَلِيفَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إقَامَةِ هَذَا الْحَقِّ بِنَفْسِهِ فِي كُلِّ الْأَمْصَارِ فَيُقَسِّمُهَا غَيْرُهُ بِنِيَابَتِهِ فَالسَّابِقُ فِي هَذِهِ النِّيَابَةِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ الْأَمِيرُ الَّذِي وَلِيَ عَلَى تِلْكَ الْبَلْدَةِ ثُمَّ الشُّرْطِيُّ ثُمَّ الْقَاضِي ثُمَّ الَّذِي وَلَّاهُ قَاضِي الْقُضَاةِ، وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ الشُّرْطِيُّ أَوْلَى مِنْ الْقَاضِي، وَفِي الْخَانِيَّةِ الْإِمَامُ إذَا أَحْدَثَ بَعْدَمَا صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ فَتَقَدَّمَ وَاحِدٌ مِنْ الْقَوْمِ لَا بِتَقْدِيمِ أَحَدٍ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُمْ خَلْفَهُ، وَإِنْ قَدَّمَهُ وَاحِدٌ مِنْ جَمَاعَةِ السُّلْطَانِ مِمَّنْ فُوِّضَ إلَيْهِ أَمْرُ الْعَامَّةِ يَجُوزُ وَإِذْ قَدْ عَرَفَتْ هَذَا فَيَتَمَشَّى عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي زَمَانِنَا هَذَا مِنْ اسْتِئْذَانِ السُّلْطَانِ فِي إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِيمَا يُسْتَجَدُّ مِنْ الْجَوَامِعِ فَإِنَّ إذْنَهُ بِإِقَامَتِهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِرَبِّهِ مُصَحِّحٌ لِإِذْنِ رَبِّ الْجَامِعِ لِمَنْ يُقِيمُهُ خَطِيبًا وَلِإِذْنِ ذَلِكَ الْخَطِيبِ لِمَنْ عَسَاهُ أَنْ يَسْتَنِيبَهُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إذْنًا لِمَجْهُولٍ لِيَقَعَ فَاسِدًا عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ الْبَعْضُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَسْأَلَ السُّلْطَانَ فِي ذَلِكَ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ بِالضَّرُورَةِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَبُرُوزُ الْإِذْنِ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ التَّعْيِينِ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ إنْ كَانَ لِلسَّائِلِ فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ يَقَعُ إذْنًا لِلْمَسْئُولِ لَهُ وَهُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ السَّائِلِ مُعَيَّنٌ لَهُ بَلْ لِلْإِمَامِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ السَّائِلَ يَجْرِي ذِكْرُهُ عِنْدَهُ بِمَا يُصَحِّحُ السُّؤَالَ لَهُ، وَهُوَ كَافٍ فِي صِحَّةِ الْإِذْنِ فَإِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ كَافٍ فِي تَوْلِيَةِ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ شَخْصًا نَائِبًا عَنْ الْإِمَامِ أَوْ قَرِيبًا غَائِبًا عَنْ حَضْرَتِهِ لَوْ وُصِفَ لَهُ بِأَوْصَافٍ حَمِيدَةٍ فَوَلَّاهُ حَالَ غَيْبَتِهِ عَنْهُ صَحَّ، وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ شَخْصِهِ فِي صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ لَهُ فَمَا بَالُك بِمَا نَحْنُ فِيهِ وَإِذَا صَحَّ الْإِذْنُ أُعْطِيَ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حُكْمُ الْوَالِي وَالْقَاضِي فِي صِحَّةِ الْإِقَامَةِ مِنْهُ وَمِمَّنْ يَأْذَنُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُصَحِّحَ لِصِحَّتِهَا مِمَّنْ سِوَى الْإِمَامِ مِنْ الْإِمَامِ وَالشَّرْطِيِّينَ وَالْقُضَاةِ إنَّمَا هُوَ إقَامَةُ الْإِمَامِ لَهُمْ وَإِذْنُهُ الْمُحَصِّلُ لِدَفْعِ الْفِتْنَةِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ الدَّاعِي لِاشْتِرَاطِ الْإِمَامِ فِي صِحَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِيمَا ذَكَرْنَا فَلَا الْتِفَاتَ لِمُتَعَنِّتٍ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - اهـ. كَلَامُهُ، وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَنِدْ فِيهِ إلَى نَقْلٍ عَنْ الْمَشَايِخِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ الْإِمَامُ إذَا خَطَبَ فَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْخُطْبَةَ أَنْ يُجَمِّعَ بِهِمْ فَأَمَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مَنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ فَجَمَّعَ بِهِمْ جَازَ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يَشْهَدْ الْخُطْبَةَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ فَصَحَّ التَّفْوِيضُ إلَيْهِ لَكِنَّهُ عَجَزَ لِفَقْدِ شَرْطِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ سَمَاعُ الْخُطْبَةِ فَمَلَّكَ التَّفْوِيضَ إلَى الْغَيْرِ، وَلَوْ جَمَّعَ هُوَ، وَلَمْ يَأْمُرْ لِغَيْرِهِ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ اسْتَخْلَفَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْخُطْبَةَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَكَذَلِكَ إنْ تَكَلَّمَ هَذَا الْمُقَدَّمُ فَاسْتَقْبَلَ بِهِمْ جَازَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِالتَّحْرِيمَةِ الْأُولَى اهـ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الْإِمَامَ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ نَائِبَ الْوَالِي وَهُوَ الْخَطِيبُ فَقَدْ جُوِّزَ لَهُ الِاسْتِنَابَةَ فِي إقَامَةِ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْحَدَثِ، وَلَا بِالْعُذْرِ وَجُوِّزَ لِنَائِبِهِ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ ذَلِكَ صَرِيحًا، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْإِمَامِ الْوَالِي فَقَدْ جُوِّزَ لِنَائِبِهِ أَنْ يَسْتَنِيبَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ لِلْخَطِيبِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى الْقَضَاءِ إلَّا أَنْ يُفَوَّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ حَيْثُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى شَرَفِ الْفَوَاتِ لِتَوَقُّتِهِ فَكَانَ الْأَمْرُ بِهِ إذْنًا بِالِاسْتِخْلَافِ دَلَالَةً وَلَا كَذَلِكَ الْقَضَاءُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ الْإِذْنُ لِكُلِّ خَطِيبٍ) أَيْ لَا يُشْتَرَطُ الْإِذْنُ مِنْ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ لِلْخَطِيبِ الْآخَرِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَوَّلِ أَوْ غَيْبَتِهِ مَثَلًا بَلْ يُكْتَفَى بِإِذْنِ السُّلْطَانِ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ السُّلْطَانُ يَسْتَنِيبُ غَيْرَهُ وَيَأْذَنُ لَهُ فَتَصِحُّ اسْتِنَابَتُهُ وَإِذْنُهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ السُّلْطَانُ لِهَذَا الثَّانِي، وَكَذَلِكَ الثَّانِي يَأْذَنُ لِثَالِثٍ وَهَلُمَّ جَرًّا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا أَذِنَ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي مَسْجِدٍ صَارَ إذْنًا لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْخَطِيبُ الْمُقَرَّرُ فِيهِ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَأَنَّ الْإِذْنَ مُنْسَحِبٌ لِكُلِّ مَنْ خَطَبَ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ خَطَبَ بِالْإِذْنِ فَهَذَا الْإِذْنُ إذْنٌ لَهُ بِإِقَامَتِهَا بِنَفْسِهِ وَبِنَائِبِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ إقَامَتِهَا مِنْ نَائِبِهِ تَجْدِيدَ الْإِذْنِ مِنْ السُّلْطَانِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ جِرْبَاشَ الْآتِيَةِ (قَوْلُهُ فَمَلَكَ التَّفْوِيضَ إلَى الْغَيْرِ) مُقْتَضَى تَفْرِيعِهِ عَلَى قَوْلِهِ لَكِنَّهُ عَجَزَ إلَخْ أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّفْوِيضَ بِسَبَبِ الْعَجْزِ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا فِي الدُّرَرِ فَإِنَّ صَاحِبَ الدُّرَرِ شَرَطَ الْعَجْزَ لِجَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ فِي الصَّلَاةِ وَأَمَّا الِاسْتِنَابَةُ فِي الْخُطْبَةِ فَإِنَّهُ مَنَعَهَا مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ فَقَدْ جَوَّزَ لِنَائِبِهِ أَنْ يَسْتَنِيبَ) لِصَاحِبِ الدُّرَرِ أَنْ يَقُولَ نَعَمْ جَوَّزَ لَهُ ذَلِكَ وَلَكِنْ عِنْدَ الْعَجْزِ كَمَا عَلِمْت

стр. 560

اهـ. فَقَدْ جُوِّزَ لِلْمَأْمُومِ بِإِقَامَتِهَا الِاسْتِنَابَةُ، وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْعُذْرِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهَا مُطْلَقًا وَأَمَّا تَقْيِيدُ الشَّارِحِ الزَّيْلَعِيِّ الِاسْتِخْلَافَ بِأَنْ يَكُونَ أَحْدَثَ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ الْإِطْلَاقُ وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ إقَامَةَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ إقَامَةَ غَيْرِهِ مَقَامَهُ اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ لِلْخَطِيبِ مُطْلَقًا أَوْ كَالصَّرِيحِ فِيهِ وَأَيْضًا لَيْسَ الْحَدَثُ قَبْلَ الصَّلَاةِ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَذْهَبَ الْخَطِيبُ لِلْوُضُوءِ ثُمَّ يَأْتِيَ فَيُصَلِّيَ، وَقَدْ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُ الِاسْتِخْلَافَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ النَّائِبُ شَهِدَ الْخُطْبَةَ لِيَكُونَ كَأَنَّ النَّائِبَ خَطَبَ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُقَيِّدُوا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ فَدَلَّ عَلَى مَا قُلْنَا، وَفِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ إذَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ فَقَالَ لِوَاحِدٍ فِيهِمْ اُخْطُبْ، وَلَا تُصَلِّ بِهِمْ فَذَهَبَ، وَلَمْ يَجِئْ أَجْزَأَهُ أَنْ يَخْطُبَ وَيُصَلِّيَ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ الصَّلَاةِ لِكَيْ يَأْتِيَ فَيُصَلِّيَ بِهِمْ فَإِذَا لَمْ يَأْتِ كَانَ هَذَا تَفْوِيضَ الصَّلَاةِ إلَيْهِ، وَقَدْ وَقَعَ لِبَعْضِ قُضَاةِ الْعَسَاكِرِ فِي زَمَانِنَا بِالْقَاهِرَةِ أَنَّهُ كَانَ يَرَى بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَقْرِيرُهُ فِي وَظِيفَةِ الْخَطَابَةِ، وَإِنَّمَا يُقَرِّرُ فِيهَا الْحَاكِمُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْبَاشَا وَلَعَلَّهُ اسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ الْقَاضِي لَا يُقِيمُهَا إلَّا بِإِذْنٍ لَكِنْ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ أَمَّا الْيَوْمَ فَالْقَاضِي يُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ يَأْمُرُونَ الْقُضَاةَ أَنْ يُجَمِّعُوا بِالنَّاسِ لَكِنْ قِيلَ أَرَادَ بِهَذَا قَاضِي الْقُضَاةِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ قَاضِي قُضَاةِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ كَأَبِي يُوسُفَ فِي وَقْتِهِ أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَالْقَاضِي وَصَاحِبُ الشُّرَطِ لَا يُوَلِّيَانِ ذَلِكَ اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا وَلَّى إنْسَانًا قَاضِي الْقُضَاةِ بِمِصْرٍ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ الْخُطَبَاءَ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنٍ كَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ لِلْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ مَعَ أَنَّ الْقَاضِي لَيْسَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ إلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّ تَوْلِيَتَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ إذْنٌ بِذَلِكَ دَلَالَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ لَكِنْ ذَكَرَ فِي التَّجْنِيسِ أَنَّ فِي إقَامَةِ الْجُمُعَةِ لِلْقَاضِي رِوَايَتَيْنِ وَبِرِوَايَةِ الْمَنْعِ يُفْتَى فِي دِيَارِنَا إذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، وَلَمْ يَكْتُبْ فِي مَنْشُورِهِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا مَنَعَ أَهْلَ الْمِصْرِ أَنْ يُجَمِّعُوا لَمْ يُجَمِّعُوا كَمَا أَنَّ لَهُ يُمَصِّرَ مَوْضِعًا كَانَ لَهُ أَنْ يَنْهَاهُمْ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ هَذَا إذَا نَهَاهُمْ مُجْتَهِدًا بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ الْمِصْرَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِصْرًا أَمَّا إذَا نَهَاهُمْ مُتَعَنِّتًا أَوْ إضْرَارًا بِهِمْ فَلَهُمْ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى رَجُلٍ يُصَلِّيَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ، وَلَوْ أَنَّ إمَامًا مَصَّرَ مِصْرًا ثُمَّ نَفَّرَ النَّاسَ عَنْهُ لِخَوْفِ عَدُوٍّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ثُمَّ عَادُوا إلَيْهِ فَإِنَّهُمْ لَا يُجَمِّعُوا إلَّا بِإِذْنٍ مُسْتَأْنَفٍ مِنْ الْإِمَامِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَدَلَّ كَلَامُهُمْ أَنَّ النَّائِبَ إذَا عُزِلَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ لَهُ إقَامَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ نَائِبًا لَكِنْ شَرَطُوا أَنْ يَأْتِيَهُ الْكِتَابُ بِعَزْلِهِ أَوْ يَقْدُمَ عَلَيْهِ الْأَمِيرُ الثَّانِي، فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، فَإِنْ صَلَّى صَاحِبُ شُرَطٍ جَازَ؛ لِأَنَّ عُمَّالَهُمْ عَلَى حَالِهِمْ حَتَّى يُعْزَلُوا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْبَاشَا بِمِصْرَ إذَا عُزِلَ فَالْخُطَبَاءُ عَلَى حَالِهِمْ، وَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى إذْنٍ جَدِيدٍ مِنْ الثَّانِي إلَّا إذَا عَزَلَهُمْ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ عَلِمَ الْعَزْلَ قَبْلَ الشُّرُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَرَعَ ثُمَّ حَضَرَ وَالٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ كَرَجُلٍ أَمَرَهُ الْإِمَامُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ ثُمَّ حَجَرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَعْمَلُ حَجْرُهُ؛ لِأَنَّ شُرُوعَهُ صَحَّ، وَإِنْ حَجَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ الشُّرُوعِ عَمِلَ حَجْرُهُ. (قَوْلُهُ وَوَقْتُ الظُّهْرِ) أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهَا أَنْ تُؤَدَّى فِي وَقْتِ الظُّهْرِ فَلَا تَصِحُّ قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ شَرْعِيَّةَ الْجُمُعَةِ مَقَامَ الظُّهْرِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ سُقُوطُ أَرْبَعٍ بِرَكْعَتَيْنِ فَتُرَاعَى الْخُصُوصِيَّاتُ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِهَا مِمَّا لَمْ يَثْبُتْ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِ اشْتِرَاطِهَا، وَلَمْ يُصَلِّهَا ﵇ خَارِجَ الْوَقْتِ فِي عُمُرِهِ وَلَا بِدُونِ الْخُطْبَةِ فِيهِ فَيَثْبُتُ اشْتِرَاطُهُمَا وَكَوْنُ الْخُطْبَةِ فِي الْوَقْتِ بِخِلَافِ مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ كَكَوْنِهَا خُطْبَتَيْنِ بَيْنَهُمَا جِلْسَةٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَسْنُونٌ أَوْ وَاجِبٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ (قَوْلُهُ فَتَبْطُلُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ فَالْحَاصِلُ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَاضِي الْقُضَاةِ بِمِصْرَ لَيْسَ بِمَعْنَى قَاضِي الْقُضَاةِ الْمَذْكُورِ فِي الظَّهِيرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ مَنْ يُوَلِّي الْقُضَاةَ فِي جَمِيعِ بِلَادِ السُّلْطَانِ الَّذِي وَلَّاهُ فَوِلَايَتُهُ عَامَّةٌ وَأَمَّا قَاضِي مِصْرَ فَإِنَّهُ يُوَلِّي نُوَّابًا عَنْهُ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي وَلَّاهُ السُّلْطَانُ الْحُكْمَ فِيهَا وَفِي تَوَابِعِهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْأَوَّلِ مَأْذُونًا بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الثَّانِي مُوَلًّى مِنْ قِبَلِهِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ تَوْلِيَتَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ إذْنٌ بِذَلِكَ) أَيْ بِالِاسْتِخْلَافِ لِلْقَضَاءِ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ لَفْظَةَ قَاضِي الْقُضَاةِ مَعْنَاهَا الْقَاضِي الَّذِي يُوَلِّي الْقُضَاةَ (قَوْلُهُ لَكِنْ ذَكَرَ فِي التَّجْنِيسِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ يُمْكِنُ حَمْلُ مَا فِي التَّجْنِيسِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُوَلَّ قَضَاءَ الْقُضَاةِ أَمَّا إنْ وُلِّيَ أَغْنَى هَذَا اللَّفْظُ عَنْ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَنَّ إمَامًا مَصَّرَ مِصْرًا إلَخْ) قُلْت فَلَوْ قُرِّرَ خَطِيبٌ بِجَامِعٍ فَهُدِمَ، ثُمَّ أُعِيدَ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ جَدِيدٍ لِهَذَا الْأَوَّلِ أَمْ لَا وَهَلْ يَصِحُّ تَقْرِيرُ غَيْرِهِ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ، وَلَهُ نَظَائِرُ فِي كِتَابِ

стр. 561

بِخُرُوجِهِ) أَيْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَلَوْ بَعْدَ الْقُعُودِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ لِفَوَاتِ شَرْطِهَا فَلَا يُبْنَى الظُّهْرُ لِاخْتِلَافِ الصَّلَاتَيْنِ قَدْرًا وَحَالًا وَاسْمًا أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ كُلَّ مُصَلٍّ لَهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ لَوْ نَامَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَنْتَبِهْ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَتَمَّ لَصَارَ قَاضِيًا وَقَضَاءُ الْجُمُعَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا لَا يَجُوزُ، وَلَوْ انْتَبَهَ فِي الْوَقْتِ لَمْ تَفْسُدْ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُؤَدِّيًا لِلْجُمُعَةِ فِي وَقْتِهَا اهـ. وَفِي تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ مِنْ بَابِ الْمَوَاقِيتِ، وَفِي الْجُمُعَةِ لَوْ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ تَنْقَلِبُ تَطَوُّعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَبْطُلُ أَصْلًا اهـ. وَلَا يَخْفَى مُخَالَفَةُ أَبِي يُوسُفَ أَصْلَهُ هُنَا فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْإِمَامِ فِي أَنَّهُ إذَا بَطَلَ الْوَصْفُ لَا يَبْطُلُ الْأَصْلُ، وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى النَّوَادِرِ إمَامٌ صَلَّى بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ فَدَخَلَ مَعَهُ رَجُلٌ فِي الصَّلَاةِ فَزَحَمَهُ النَّاسُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ حَتَّى فَرَغَ الْإِمَامُ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الْجُمُعَةَ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ فِي الْفَجْرِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ حَيْثُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِعَدَمِ مُصَادَفَةِ الْوَقْتِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا فِي النَّوَادِرِ ضَعِيفًا؛ لِأَنَّ مَا فِي الْمُحِيطِ يُخَالِفُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرَّقَ فِي اللَّاحِقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عُذْرُهُ النَّوْمَ أَوْ الزَّحْمَةَ. (قَوْلُهُ وَالْخُطْبَةُ قَبْلَهَا) أَيْ وَشَرْطُ صِحَّتِهَا الْخُطْبَةُ وَكَوْنُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا صَلَّاهَا دُونَ الْخُطْبَةِ وَنُقِلَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْإِجْمَاعُ عَلَى اشْتِرَاطِ نَفْسِ الْخُطْبَةِ وَلِأَنَّهَا شَرْطٌ وَشَرْطُ الشَّيْءِ سَابِقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ فِيهِ أَيْ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ حَتَّى لَوْ خَطَبَ قَبْلَهُ وَصَلَّى فِيهِ لَمْ تَصِحَّ وَشَرْطُ الشَّارِحِ أَنْ يَكُونَ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ كَانُوا صُمًّا أَوْ نِيَامًا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي لِوُقُوعِهَا الشَّرْطُ حُضُورُ وَاحِدٍ، وَفِي الْخُلَاصَةِ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ خَطَبَ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدٌ لَا يَجُوزُ، وَفِي الْأَصْلِ قَالَ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَلَوْ حَضَرَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ وَخَطَبَ وَصَلَّى بِالثَّلَاثَةِ جَازَ، وَلَوْ خَطَبَ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ لَمْ يَجُزْ إنْ كُنَّ وَحْدَهُنَّ انْتَهَى، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَوْ خَطَبَ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ يُشْتَرَطُ عِنْدَهُ فِي التَّسْبِيحَةِ وَالتَّحْمِيدَةِ أَنْ يُقَالَ عَلَى قَصْدِ الْخُطْبَةِ فَلَوْ حَمِدَ لِعُطَاسٍ لَا يُجْزِي عَنْ الْوَاجِبِ انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الدَّلَالَاتِ كَمَا لَا يَخْفَى وَصَحَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ خَطَبَ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَفِي الْمُضْمَرَاتِ مَعْزِيًّا إلَى الزَّادِ وَهَلْ تَقُومُ الْخُطْبَةُ مَقَامَ الرَّكْعَتَيْنِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ تَقُومُ؛ وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَقُومُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا سَائِرُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ انْتَهَى، وَفِي الْبَدَائِعِ ثُمَّ هِيَ وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً مَقَامَ الرَّكْعَتَيْنِ شَرْطٌ وَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ لَا تُقَامُ بِالْخُطْبَةِ فَلَمْ تَكُنْ مِنْ أَرْكَانِهَا اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْخُطْبَةَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ فِي حَقِّ مَنْ يُنْشِئُ التَّحْرِيمَةَ لِلْجُمُعَةِ لَا فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ صَلَّاهَا وَاشْتِرَاطُ حُضُورِ الْوَاحِدِ أَوْ الْجَمْعِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ النِّسْبِيَّاتِ فَعَنْ هَذَا قَالُوا: لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فَقَدَّمَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّهُ بَنَى تَحْرِيمَتَهُ عَلَى تِلْكَ التَّحْرِيمَةِ الْمُنْشَأَةِ فَالْخُطْبَةُ شَرْطُ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّ مَنْ يُنْشِئُ التَّحْرِيمَةَ فَقَطْ، أَلَا تَرَى إلَى صِحَّتِهَا مِنْ الْمُقْتَدِينَ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا الْخُطْبَةَ فَعَلَى هَذَا كَانَ الْقِيَاسُ فِيمَا لَوْ أَفْسَدَ هَذَا الْخَلِيفَةُ أَنْ لَا يَجُوزَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ لَكِنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا جَوَازَ اسْتِقْبَالِهِ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَامَ مَقَامَ الْأَوَّلِ الْتَحَقَ بِهِ حُكْمًا فَلَوْ فَسَدَ الْأَوَّلُ اسْتَقْبَلَ بِهِمْ فَكَذَلِكَ الثَّانِي فَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ أَحْدَثَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فَقَدَّمَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْخُطْبَةَ لَا يَجُوزُ اهـ. وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يُصَلِّي عَقِبَ الْخُطْبَةِ بِلَا تَرَاخٍ فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَلِذَا ــ [منحة الخالق] الْوَقْفِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ وَلْيُنْظَرْ مَا عِلَّةُ التَّأَمُّلِ فَإِنَّ الْمَسْجِدَ بِانْهِدَامِهِ لَا تَزُولُ عَنْهُ الْمَسْجِدِيَّةُ بِخِلَافِ الْمِصْرِ وَانْظُرْ فَتَاوَى ابْنِ الشَّلَبِيِّ. (قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ عَنْ الشَّيْخِ الْمَقْدِسِيَّ لَيْسَتْ هَذِهِ نَصُّ عِبَارَةِ فَتْحِ الْقَدِيرِ بَلْ قَلَبَتْهَا وَقَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ لِتَتَمَكَّنَ مِنْ إيرَادِ مَا اخْتَرْت وَعِبَارَةُ الْمُحَقِّقِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ الْإِمَامِ فِي كِفَايَةِ الْحَمْدِ لِلَّهِ وَنَحْوِهَا فِي الْخُطْبَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى خُطْبَةً لُغَةً، وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ بِهِ عُرْفًا وَأَنَّ الْعُرْفَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ وَمُحَاوَرَاتِهِمْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى غَرَضِهِمْ فَأَمَّا فِي أَمْرٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ فَتُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ لُغَةً، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْكَلَامُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ مَا يَتَفَرَّعُ عَنْهُ يَعْنِي رِوَايَةَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْحُضُورِ اهـ. وَكَذَا اعْتَرَضَهُ أَخُوهُ فِي النَّهْرِ وَلَكِنْ نَاقَشَ الْمُحَقِّقُ فَقَالَ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِهِ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الدَّلِيلَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ مُطْلَقُ الذِّكْرِ الْمُسَمَّى خُطْبَةً لُغَةً غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِحَضْرَةِ أَحَدٍ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي اقْتِضَائِهِ صِحَّتَهَا وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ قَصْدِ التَّحْمِيدَةِ وَنَحْوِهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ خَطَبَ وَحْدَهُ جَازَ لَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْأَمْرَ بِالسَّعْيِ إلَى الذِّكْرِ لَيْسَ إلَّا لِاسْتِمَاعِهِ، وَالْمَأْمُورُ جَمْعٌ فَإِذَا جَازَتْ وَحْدَهُ لَمْ يَجُزْ الْأَمْرُ فَائِدَتُهُ وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ وَجْهُ مَا رَجَّحَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ يَتَرَجَّحُ مَا جَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ مِنْ اشْتِرَاطِ حَضْرَةِ جَمَاعَةٍ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ عَلَى مَا مَرَّ

стр. 562

قَالُوا: إنَّ الْخُطْبَةَ تُعَادُ عَلَى وَجْهِ الْأَوْلَوِيَّةِ لَوْ تَذَكَّرَ الْإِمَامُ فَائِتَةً فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَلَوْ كَانَتْ الْوِتْرَ حَتَّى فَسَدَتْ الْجُمُعَةُ لِذَلِكَ فَاشْتَغَلَ بِقَضَائِهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ أَفْسَدَ الْجُمُعَةَ فَاحْتَاجَ إلَى إعَادَتِهَا أَوْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ وَإِنْ لَمْ يُعِدْ الْخُطْبَةَ أَجُزْأَهُ وَكَذَا إذَا خَطَبَ جُنُبًا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْفَصْلِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْخُلَاصَةِ فَقَالَ: وَلَوْ خَطَبَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا ثُمَّ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ وَصَلَّى جَازَ، وَلَوْ خَطَبَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ فَتَغَدَّى أَوْ جَامَعَ وَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ اسْتَقْبَلَ الْخُطْبَةَ، وَكَذَا فِي الْمُحِيطِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الِاسْتِقْبَالَ فِي الثَّانِي لَازِمٌ وَإِلَّا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكُلِّ وَقَدْ صَرَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِلُزُومِ الِاسْتِئْنَافِ وَبُطْلَانِ الْخُطْبَةِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَالَ الْفَصْلُ لَمْ يَبْقَ خُطْبَةٌ لِلْجُمُعَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَلَّ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ تَفَارِيعِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْخَطِيبُ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّهُ لَوْ خَطَبَ صَبِيٌّ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ رَجُلٌ بَالِغٌ يَجُوزُ. (قَوْلُهُ وَسُنَّ خُطْبَتَانِ بِجِلْسَةٍ بَيْنَهُمَا وَطَهَارَةٍ قَائِمًا) كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ يَنْبَغِي أَنْ يَخْطُبَ خُطْبَةً خَفِيفَةً يَفْتَتِحُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيَتَشَهَّدُ وَيُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَعِظُ وَيُذَكِّرُ وَيَقْرَأُ سُورَةً ثُمَّ يَجْلِسُ جِلْسَةً خَفِيفَةً ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ خُطْبَةً أُخْرَى يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيَتَشَهَّدُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَعِظُ فِي الثَّانِيَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي التَّجْنِيسِ أَنَّ الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى إلَّا أَنَّهُ يَدْعُو لِلْمُسْلِمِينَ مَكَانَ الْوَعْظِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُسَنُّ قِرَاءَةُ آيَةٍ فِي الثَّانِيَةِ كَالْأُولَى. وَالْحَاصِلُ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْخُطْبَةِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ فِي الْخُطْبَةِ وَالْخَطِيبِ وَالْمُسْتَمِعِ وَشُهُودِ الْخُطْبَةِ أَمَّا الْخُطْبَةُ فَتَشْتَمِلُ عَلَى فَرْضٍ وَسُنَّةٍ فَأَمَّا الْفَرْضُ فَشَيْئَانِ الْوَقْتُ وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا سُنَنُهَا فَخَمْسَةَ عَشَرَ أَحَدُهَا الطَّهَارَةُ حَتَّى كُرِهَتْ لِلْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجُوزُ وَثَانِيهَا الْقِيَامُ وَثَالِثُهَا اسْتِقْبَالُ الْقَوْمِ بِوَجْهِهِ وَرَابِعُهَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْجَوَامِعِ التَّعَوُّذُ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَخَامِسُهَا أَنْ يُسْمِعَ الْقَوْمَ الْخُطْبَةَ، فَإِنْ لَمْ يُسْمِعْ أَجْزَأَهُ وَسَادِسُهَا مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَخْطُبُ خُطْبَةً خَفِيفَةً وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى عَشَرَةٍ: أَحَدُهَا - الْبُدَاءَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَثَانِيهَا - الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَثَالِثُهَا - الشَّهَادَتَانِ وَرَابِعُهَا - الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَخَامِسُهَا - الْعِظَةُ وَالتَّذْكِيرُ وَسَادِسُهَا - قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَتَارِكُهَا مُسِيءٌ وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ فِيهَا سُورَةَ الْعَصْرِ وَمَرَّةً أُخْرَى ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] ، وَأُخْرَى وَنَادَوْا يَا مَالِكُ» وَسَابِعُهَا - الْجُلُوسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَثَامِنُهَا - أَنْ يُعِيدَ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ الْحَمْدَ لِلَّهِ وَالثَّنَاءَ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ تَاسِعُهَا - أَنْ يَزِيدَ فِيهَا الدُّعَاءَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَعَاشِرُهَا - تَخْفِيفُ الْخُطْبَتَيْنِ بِقَدْرِ سُورَةٍ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَيُكْرَهُ التَّطْوِيلُ وَأَمَّا الْخَطِيبُ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَتَأَهَّلَ لِلْإِمَامَةِ فِي الْجُمُعَةِ، وَالسُّنَّةُ فِي حَقِّهِ الطَّهَارَةُ وَالْقِيَامُ وَالِاسْتِقْبَالُ بِوَجْهِهِ لِلْقَوْمِ وَتَرْكِ السَّلَامِ مِنْ خُرُوجِهِ إلَى دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ وَتَرْكِ الْكَلَامِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ سَلَّمَ عَلَى الْقَوْمِ وَقَوْلُهُ ﷺ «إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ، وَلَا كَلَامَ» يُبْطِلُ ذَلِكَ وَأَمَّا الْمُسْتَمِعُ فَيَسْتَقْبِلُ الْإِمَامَ إذَا بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ وَيُنْصِتُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يُرَدُّ السَّلَامَ، وَلَا يُشَمِّتُ، وَلَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَا يُصَلِّي السَّامِعُ فِي نَفْسِهِ، وَفِي جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ فِيهِ لِمَنْ يَسْتَمِعُ الْخُطْبَةَ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَيُكْرَهُ لِمُسْتَمِعِ الْخُطْبَةِ مَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْعَبَثِ وَالِالْتِفَاتِ، وَأَمَّا التَّخَطِّي فَمَكْرُوهٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا إنَّمَا يُكْرَهُ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَقَالَ الرَّازِيّ إنَّمَا يَجُوزُ قَبْلَهُ إذَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا فَأَمَّا تَخَطِّي السُّؤَالِ فَمَكْرُوهٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا شُهُودُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّهُ لَوْ خَطَبَ صَبِيٌّ إلَخْ) قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ خَطَبَ صَبِيٌّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَالْخِلَافُ فِي صَبِيٍّ يَعْقِلُ اهـ. فَمَا هُنَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْمُجْتَبَى مَبْنِيٌّ عَلَى الْآخَرِ قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْجَوَازِ.

стр. 563

الْخُطْبَةِ فَشَرْطٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ دُونَ الْمَأْمُومِ اهـ. مَا فِي الْمُجْتَبَى وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجِلْسَةِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَهَا لِلِاخْتِلَافِ فَعِنْدَ الطَّحَاوِيِّ مِقْدَارُ مَا يَمَسُّ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ مِنْ الْمِنْبَرِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِقْدَارُ ثَلَاثِ آيَاتٍ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ وَغَيْرِهِ وَمِنْ الْغَرِيبِ مَا ذَكَرَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ اسْتَدْبَرَهُمْ فِي صُعُودِهِ اهـ. وَمِنْ الْمُسْتَحَبِّ أَنْ يَرْفَعَ الْخَطِيبُ صَوْتَهُ كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَمِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْجَهْرُ فِي الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَفِي التَّجْنِيسِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الثَّانِيَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَذِكْرُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مُسْتَحْسَنٌ بِذَلِكَ جَرَى التَّوَارُثُ وَيَذْكُرُ الْعَمَّيْنِ اهـ. ثُمَّ قَوْلُهُمْ إنَّ السُّنَّةَ فِي الْمُسْتَمِعِ اسْتِقْبَالُ الْإِمَامِ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْمُسْتَمِعِ لِلْقِبْلَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي التَّجْنِيسِ وَالرَّسْمُ فِي زَمَانِنَا أَنَّ الْقَوْمَ يَسْتَقْبِلُونَ الْقِبْلَةَ قَالَ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ اسْتَقْبَلُوا الْإِمَامَ لَخَرَجُوا فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ بَعْدَ فَرَاغِهِ لِكَثْرَةِ الزِّحَامِ وَجَزَمَ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ اسْتِقْبَالُهُ إنْ كَانَ أَمَامَ الْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ قَرِيبًا مِنْ الْإِمَامِ يَنْحَرِفُ إلَى الْإِمَامِ مُسْتَعِدًّا لِلسَّمَاعِ وَمِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَكُونَ الْخَطِيبُ عَلَى مِنْبَرٍ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْمُضْمَرَاتِ مَعْزِيًّا إلَى رَوْضَةِ الْعُلَمَاءِ: الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْخَطِيبَ يَتَقَلَّدُ سَيْفًا مَا قَدْ سَمِعْت الْفَقِيهَ أَبَا الْحَسَنِ الرُّسْتُغْفَنِيَّ يَقُولُ: كُلُّ بَلْدَةٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً بِالسَّيْفِ يَخْطُبُ الْخَطِيبُ عَلَى مِنْبَرِهَا مُتَقَلِّدًا بِالسَّيْفِ يُرِيهِمْ أَنَّهَا فُتِحَتْ بِالسَّيْفِ فَإِذَا رَجَعْتُمْ عَنْ الْإِسْلَامِ فَذَلِكَ السَّيْفُ بَاقٍ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ نُقَاتِلُكُمْ بِهِ حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى الْإِسْلَامِ وَكُلُّ بَلْدَةٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا طَوْعًا يَخْطُبُونَ فِيهَا بِلَا سَيْفٍ وَمَدِينَةُ النَّبِيِّ ﷺ فُتِحَتْ بِالْقُرْآنِ فَيَخْطُبُ الْخَطِيبُ بِلَا سَيْفٍ وَتَكُونُ تِلْكَ الْبَلْدَةُ عُشْرِيَّةً وَمَكَّةَ فُتِحَتْ بِالسَّيْفِ فَيَخْطُبُ مَعَ السَّيْفِ اهـ. وَهَذَا مُفِيدٌ لِكَوْنِهِ يَتَقَلَّدُ بِالسَّيْفِ لَا أَنَّهُ يُمْسِكُهُ بِيَدِهِ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ مَا فِي الْخُلَاصَةِ كَرَاهَةُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ وَيُكْرَهُ أَنْ يَخْطُبَ مُتَّكِئًا عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا لَكِنْ قَالَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ إذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُونَ قَامَ الْإِمَامُ وَالسَّيْفُ بِيَسَارِهِ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَيْهِ اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِيهِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ السَّيْفِ وَغَيْرِهِ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَيَخْطُبُ بِالسَّيْفِ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي فُتِحَتْ بِالسَّيْفِ، وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَأَمَّا الدُّعَاءُ لِلسُّلْطَانِ فِي الْخُطْبَةِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَطَاءً سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ مُحْدَثٌ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْخُطْبَةُ تَذْكِيرًا، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا الدُّنُوُّ مِنْ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ التَّبَاعُدِ عَلَى الصَّحِيحِ وَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَارَ التَّبَاعُدَ حَتَّى لَا يَسْمَعَ مَدْحَ الظَّلَمَةِ فِي الْخُطْبَةِ؛ وَلِهَذَا اخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْخَطِيبَ مَا دَامَ فِي الْحَمْدِ وَالْمَوَاعِظِ فَعَلَيْهِمْ الِاسْتِمَاعُ فَإِذَا أَخَذَ فِي مَدْحِ الظَّلَمَةِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ حِينَئِذٍ وَحُكِيَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْخَانِيَّةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَتَكَلَّمَانِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ فَقِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إنِّي صَلَّيْت الظُّهْرَ فِي دَارِي ثُمَّ رُحْت إلَى الْجُمُعَةِ تَقِيَّةً؛ وَلِذَلِكَ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَرِيقَيْنِ فَرِيقٌ مِنْهُمْ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْجَائِرَ سُلْطَانًا وَسُلْطَانُهُمْ يَوْمَئِذٍ كَانَ جَائِرًا فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَكَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَتْرُكُ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ كَانَ يُؤَخِّرُ الْجُمُعَةَ عَنْ وَقْتِهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَكَانُوا يَأْتُونَ الظُّهْرَ فِي دَارِهِمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ مَعَ الْإِمَامِ وَيَجْعَلُونَهَا سُبْحَة أَيْ نَافِلَةً اهـ. وَقَدْ سَمِعْت فِي زَمَانِنَا أَنَّ بَعْضَهُمْ يَتْرُكُ الْجُمُعَةَ مُتَأَوِّلًا بِالتَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ فَاعِلَهُ مُجْتَهِدٌ رَأَى ذَلِكَ وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ لِأَبِي حَنِيفَةَ فَحَرَامٌ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ إمَامِهِ أَنَّ الْجَائِرَ سُلْطَانٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَفِي أَوَّلِ التَّجْنِيسِ مَعْزِيًّا إلَى الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي مَجْلِسِ الْوَاعِظِ الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ، وَلَا يُجْعَلُ كُلُّهُ خَوْفًا وَلَا كُلُّهُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَهَذَا مُفِيدٌ لِكَوْنِهِ يَتَقَلَّدُ بِالسَّيْفِ لَا أَنَّهُ يُمْسِكُهُ بِيَدِهِ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ) أَيْ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْحَاوِي الْآتِي لَكِنْ دَفَعَ الْمُنَافَاةَ فِي النَّهْرِ بِإِمْكَانِهِ مَعَ التَّقْلِيدِ

стр. 564

رَجَاءً؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ يُفْضِي إلَى الْقُنُوطِ وَالثَّانِي إلَى الْأَمْنِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الرُّسْتُغْفَنِيُّ يَجِبُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الرَّحْمَةِ وَالرَّجَاءِ لِقَوْلِهِ ﵊ «يَسِّرُوا، وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» وَلِأَنَّ مَنْ رَجَعَ إلَى الْبَابِ بِالْكَرَامَةِ يَكُونُ أَثْبَتَ اهـ. وَفِي الْقُنْيَةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْجَامِعِ يَنْبَغِي لِلْخَطِيبِ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ أَنْ يَتَعَوَّذَ بِاَللَّهِ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ اهـ. وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ مُخْتَصَرِ شَمْسِ الْعُلُومِ خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ خُطْبَةً بِضَمِّ الْخَاءِ وَخَطَبَ الْمَرْأَةَ خِطْبَةً بِكَسْرِ الْخَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] ، وَفِي الْحَدِيثِ «لَا يَخْطِبَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» اهـ. وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ جُلُوسُ الْإِمَامِ فِي مَخْدَعِهِ عَنْ يَمِينِ الْمِنْبَرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي جِهَتِهِ أَوْ نَاحِيَتِهِ وَتُكْرَهُ صَلَاتُهُ فِي الْمِحْرَابِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَلْيَلْبَسَنَّ السَّوَادَ اقْتِدَاءً بِالْخُلَفَاءِ وَلِلتَّوَارُثِ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ اهـ. وَلَمْ أَرَ فِيمَا عِنْدِي مِنْ كُتُبِ أَئِمَّتِنَا حُكْمَ الْمَرْقَى الَّذِي يَخْرُجُ الْخَطِيبُ مِنْ مَخْدَعِهِ وَيَقْرَأُ الْآيَةَ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ هَلْ هُوَ مَسْنُونٌ أَمْ لَا وَفِي الْبَدَائِعِ وَيُكْرَهُ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي حَالِ خُطْبَتِهِ إلَّا إذَا كَانَ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ فَلَا يُكْرَهُ لِكَوْنِهِ مِنْهَا، وَفِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ لِأَبِي اللَّيْثِ الْخُطَبُ ثَمَانٍ: خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ وَخُطْبَةُ عِيدِ الْفِطْرِ وَخُطْبَةُ عِيدِ الْأَضْحَى وَخُطْبَةُ النِّكَاحِ وَخُطْبَةُ الِاسْتِسْقَاءِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَثَلَاثُ خُطَبٍ فِي الْحَجِّ وَاحِدَةٌ مِنْهَا بِلَا جِلْسَةٍ بِمَكَّةَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَالثَّانِي بِعَرَفَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ يَجْلِسُ فِيهَا جِلْسَةً خَفِيفَةً وَالثَّالِثَةُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ بِيَوْمٍ فِي مِنًى يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً بَعْدَ الظُّهْرِ فَيُبْدَأُ فِي ثَلَاثِ خُطَبٍ مِنْهَا بِالتَّحْمِيدِ وَهِيَ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَخُطْبَةُ النِّكَاحِ وَفِي خَمْسٍ يُبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ وَهِيَ خُطْبَةُ عِيدِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَثَلَاثُ خُطَبِ الْحَجِّ إلَّا أَنَّ الْخُطْبَةَ الَّتِي بِمَكَّةَ وَعَرَفَةَ يُبْدَأُ فِيهَا بِالتَّكْبِيرِ ثُمَّ بِالتَّلْبِيَةِ ثُمَّ بِالْخُطْبَةِ اهـ. (قَوْلُهُ وَكَفَتْ تَحْمِيدَةٌ أَوْ تَهْلِيلَةٌ أَوْ تَسْبِيحَةٌ) أَيْ وَكَفَى فِي الْخُطْبَةِ الْمَفْرُوضَةِ مُطْلَقُ ذَكَرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ الْقَصْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِإِطْلَاقِهِ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَقَالَا: الشَّرْطُ أَنْ يَأْتِيَ بِكَلَامٍ يُسَمَّى خُطْبَةً فِي الْعُرْفِ وَأَقَلُّهُ قَدْرُ التَّشَهُّدِ إلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ تَقْيِيدًا لَهُ بِالْمُتَعَارَفِ كَمَا قَالَاهُ فِي الْقِرَاءَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَمِلَ بِالْقَاطِعِ وَالظَّنِّيِّ فَقَالَ بِافْتِرَاضِ مُطْلَقِ الذِّكْرِ لِلْآيَةِ وَبِاسْتِنَانِ الْخُطْبَةِ الْمُتَعَارَفَةِ لِفِعْلِهِ ﵊ تَنْزِيلًا لِلْمَشْرُوعَاتِ عَلَى حَسَبِ أَدِلَّتِهَا وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ عُثْمَانَ الْمَذْكُورَةُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَهِيَ أَنَّهُ لَمَّا خَطَبَ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ وَلِيَ الْخِلَافَةَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَأُرْتِجَ عَلَيْهِ فَقَالَ إنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يُعِدَّانِ لِهَذَا الْمَقَامِ مَقَالًا وَأَنْتُمْ إلَى إمَامٍ فَعَّالٍ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إلَى إمَامٍ قَوَّالٍ وَسَتَأْتِيكُمْ الْخُطَبُ بَعْدُ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَنَزَلَ وَصَلَّى بِهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَكَانَ إجْمَاعًا وَأُرْتِجَ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى الْأَصَحِّ أَيْ اُسْتُغْلِقَ عَلَيْهِ الْخُطْبَةُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إتْمَامِهَا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَمُرَادُ عُثْمَانَ بِقَوْلِهِ إنَّكُمْ إلَى إمَامٍ إلَى آخِرِهِ أَنَّ الْخُلَفَاءَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ تَكُونُ عَلَى كَثْرَةِ الْمَقَالِ مَعَ قُبْحِ الْفِعَالِ فَأَنَا، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ قَوَّالًا مِثْلَهُمْ فَأَنَا عَلَى الْخَيْرِ دُونَ الشَّرِّ فَأَمَّا أَنْ يُرِيدَ بِهَذَا الْقَوْلِ تَفْضِيلَ نَفْسِهِ عَلَى الشَّيْخَيْنِ فَلَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ قَيَّدْنَا الْخُطْبَةَ بِالْمَفْرُوضَةِ؛ لِأَنَّ الْمَسْنُونَةَ لَا يَكْفِي فِيهَا مُطْلَقُهُ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ وَقَيَّدْنَا بِالْقَصْدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَطَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى عُطَاسِهِ لَا يَنُوبُ عَنْ الْخُطْبَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا كَمَا فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَالْفَرْقُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ الذِّكْرُ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَقَدْ وُجِدَ، وَفِي بَابِ الذَّبِيحَةِ الْمَأْمُورُ الذِّكْرُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقْصِدَهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ. (قَوْلُهُ وَالْجَمَاعَةُ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ) أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهَا أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ ثَلَاثَةٌ فَأَكْثَرُ لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْجَمَاعَةِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهَا فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَ فِيمَا عِنْدِي إلَخْ) سَيَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ تَخْرِيجَ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَذْهَبِنَا قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيَجِبُ السَّعْيُ وَتَرْكُ الْبَيْعِ (قَوْلُهُ هَلْ هُوَ مَسْنُونٌ أَمْ لَا) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمِنْهَاجِ لِلنَّوَوِيِّ. تَنْبِيهٌ كَلَامُهُمْ هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ اتِّخَاذَ مَرْقًى لِلْخَطِيبِ يَقْرَأُ الْآيَةَ وَالْخَبَرَ الْمَشْهُورَيْنِ بِدْعَةٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ بَعْدَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ قِيلَ لَكِنَّهَا حَسَنَةٌ لِحَثِّ الْآيَةِ عَلَى مَا يُنْدَبُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ إكْثَارِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْيَوْمِ وَكَحَثِّ الْخَبَرِ عَلَى تَأَكُّدِ الْإِنْصَاتِ الْمُفَوِّتِ تَرْكُهُ لِفَضْلِ الْجُمُعَةِ بَلْ وَالْمَوْقِعُ فِي الْإِثْمِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَأَقُولُ: يُسْتَدَلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا بِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ مَنْ يَسْتَنْصِتُ لَهُ النَّاسَ عِنْدَ إرَادَتِهِ خُطْبَةَ مِنًى فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ فَقِيَاسُهُ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْخَطِيبِ أَمْرُ غَيْرِهِ بِأَنْ يَسْتَنْصِتَ لَهُ النَّاسَ، وَهَذَا

стр. 565

اثْنَانِ سِوَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُمَا مَعَ الْإِمَامِ ثَلَاثَةٌ، وَهِيَ جَمْعٌ مُطْلَقٌ؛ وَلِهَذَا يَتَقَدَّمُهُمَا الْإِمَامُ وَيَصْطَفَّانِ خَلْفَهُ، وَلَهُمَا أَنَّ الْجَمْعَ الْمُطْلَقَ شَرْطُ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَرْطُ جَوَازِ صَلَاةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سِوَاهُ فَيَحْصُلَ هَذَا الشَّرْطُ ثُمَّ يُصَلِّيَ، وَلَا يَحْصُلُ هَذَا الشَّرْط إلَّا إذَا كَانَ سِوَى الْإِمَامِ ثَلَاثَةٌ إذْ لَوْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ اثْنَانِ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الشَّرْطُ بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِيهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ أَطْلَقَ الثَّلَاثَةَ فَشَمَلَ الْعَبِيدَ وَالْمُسَافِرِينَ وَالْمَرْضَى وَالْأُمِّيِّينَ وَالْخُرْسَ لِصَلَاحِيَّتِهِمْ لِلْإِمَامَةِ فِي الْجُمُعَةِ إمَّا لِكُلِّ وَاحِدٍ أَوْ لِمَنْ هُوَ مِثْلُ حَالِهِمْ فِي الْأُمِّيِّ وَالْأَخْرَسِ فَصَلَحَا أَنْ يَقْتَدِيَا بِمَنْ فَوْقَهُمَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَإِنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَصِحُّ بِهِمْ وَحْدَهُمْ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِمْ لِلْإِمَامَةِ فِيهَا بِحَالٍ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ خَرَجْنَ بِالتَّاءِ فِي ثَلَاثَةٍ أَيْ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ، وَكَذَا الصَّبِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَجُلٍ كَامِلٍ وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ وَشَمَلَ ثَلَاثَةً غَيْرَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ حَضَرُوا الْخُطْبَةَ لِمَا فِي التَّجْنِيسِ وَغَيْرِهِ إذَا خَطَبَ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ ثُمَّ نَفَرُوا وَجَاءَ آخَرُونَ لَمْ يَشْهَدُوا الْخُطْبَةَ فَصَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ أَجْزَأَهُمْ (قَوْلُهُ: فَإِنْ نَفَرُوا قَبْلَ سُجُودِهِ بَطَلَتْ) بَيَانٌ لِكَوْنِ الْجَمَاعَةِ شَرْطَ انْعِقَادِ الْأَدَاءِ لَا شَرْطَ انْعِقَادِ التَّحْرِيمَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا شَرْطُ انْعِقَادِ التَّحْرِيمَةِ وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُمْ لَوْ نَفَرُوا بَعْدَ التَّحْرِيمَةِ قَبْلَ تَقْيِيدِ الرَّكْعَةِ بِالسَّجْدَةِ فَسَدَتْ الْجُمُعَةُ وَيَسْتَقْبِلُ الظُّهْرَ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يُتِمُّ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّهَا شَرْطُ انْعِقَادِ التَّحْرِيمَةِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي فَكَذَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْجَامِعُ أَنَّ تَحْرِيمَةَ الْجُمُعَةِ إذَا صَحَّتْ صَحَّ بِنَاءُ الْجُمُعَةِ عَلَيْهَا؛ وَلِهَذَا لَوْ أَدْرَكَهُ إنْسَانٌ فِي التَّشَهُّدِ صَلَّى الْجُمُعَةَ عِنْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا تَرَكَهُ هُنَا لِمَا سَيَأْتِي وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ لَوْ جُعِلَتْ شَرْطَ انْعِقَادِ التَّحْرِيمَةِ لَأَدَّى إلَى الْحَرَجِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَتَهُ حِينَئِذٍ لَا تَنْعَقِدُ بِدُونِ مُشَارَكَةِ الْجَمَاعَةِ إيَّاهُ فِيهَا وَذَا لَا يَحْصُلُ إلَّا أَنْ تَقَعَ تَكْبِيرَاتُهُمْ مُقَارِنَةً لِتَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ، وَأَنَّهُ مِمَّا يَتَعَذَّرُ مُرَاعَاتُهُ وَبِالْإِجْمَاعِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَإِنَّهُمْ لَوْ كَانُوا حَضَرُوا وَكَبَّرَ الْإِمَامُ ثُمَّ كَبَّرُوا صَحَّ تَكْبِيرُهُ وَصَارَ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ وَصَحَّتْ مُشَارَكَتُهُمْ إيَّاهُ فَلَمْ يُجْعَلْ شَرْطَ انْعِقَادِ التَّحْرِيمَةِ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ فَجُعِلَتْ شَرْطَ انْعِقَادِ الْأَدَاءِ، وَهُوَ بِتَقْيِيدِ الرَّكْعَةِ بِالسَّجْدَةِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ فِعْلٌ وَالْحَاجَةُ إلَى كَوْنِ الْفِعْلِ أَدَاءً لِلصَّلَاةِ وَفِعْلُ الصَّلَاةِ هُوَ الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ؛ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَمَا لَمْ يُقَيِّدْ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَةٍ لَا يَحْنَثُ فَإِذَا لَمْ يُقَيِّدْهَا لَمْ يُوجَدْ الْأَدَاءُ فَلَمْ يَنْعَقِدْ فَشَرْطُ دَوَامِ مُشَارَكَةِ الْجَمَاعَةِ الْإِمَامُ إلَى الْفَرَاغِ عَنْ الْأَدَاءِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِبَقَاءِ النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ، وَلَا بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ مِنْ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ فَلَوْ قَالَ: فَإِنْ نَفَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَكَانَ أَوْلَى قُيِّدَ بِقَوْلِهِ قَبْلَ سُجُودِهِ أَيْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ نَفَرُوا بَعْدَ سُجُودِهِ فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا عِنْدَهُ شَرْطُ بَقَائِهَا مُنْعَقِدَةً إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ كَالطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَعِنْدَنَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلْبَقَاءِ لِمَا عُرِفَ فِي الْبَدَائِعِ وَمِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ مَا لَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ، وَلَمْ يُحْرِمُوا حَتَّى قَرَأَ وَرَكَعَ فَأَحْرَمُوا بَعْدَمَا رَكَعَ، فَإِنْ أَدْرَكُوهُ فِي الرُّكُوعِ صَحَّتْ الْجُمُعَةُ لِوُجُودِ الْمُشَارَكَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَإِلَّا فَلَا لِعَدَمِهَا بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ فَإِنَّهُ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ فَيَكْتَفِي بِالِانْعِقَادِ فِي حَقِّ الْأَصْلِ لِكَوْنِهِ بَانِيًا عَلَى صَلَاتِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُمْ نَفَرُوا قَبْلَ سُجُودِهِ، وَلَمْ يَعُودُوا قَبْلَ سُجُودِهِ وَإِلَّا فَلَوْ نَفَرُوا قَبْلَهُ وَعَادُوا إلَيْهِ قَبْلَهُ فَلَا فَسَادَ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِيهَا وَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ وَمَعَهُ قَوْمٌ مُتَوَضِّئُونَ فَلَمْ يُكَبِّرُوا مَعَهُ حَتَّى أَحْدَثُوا ثُمَّ جَاءَ آخَرُونَ وَذَهَبَ الْأَوَّلُونَ جَازَ اسْتِحْسَانًا، وَلَوْ كَانُوا مُحْدِثِينَ فَكَبَّرَ ثُمَّ جَاءَ آخَرُونَ اسْتَقْبَلَ التَّكْبِيرَ اهـ. (قَوْلُهُ وَالْإِذْنُ الْعَامُّ) أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهَا الْأَدَاءُ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِهَارِ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَمِيرًا أَغْلَقَ أَبْوَابَ الْحِصْنِ وَصَلَّى فِيهِ بِأَهْلِهِ وَعَسْكَرِهِ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ لَا تَجُوزُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَفِي الْمُحِيطِ، فَإِنْ فَتَحَ بَابَ قَصْرِهِ وَأَذِنَ ــ [منحة الخالق] هُوَ شَأْنُ الْمَرْقَى فَلَمْ يَدْخُلْ ذِكْرُهُ لِلْخَبَرِ فِي حَيِّزِ الْبِدْعَةِ أَصْلًا اهـ. قُلْت لَكِنْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ جَوَازِ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِنَا بِمَا قَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ مِنْ مَخْدَعِهِ لَا كَمَا يُفْعَلُ الْآنَ وَقَدْ كُنْت ذَكَرْت ذَلِكَ لِخَطِيبِ السُّلَيْمِيَّةِ فِي صَالِحِيَّةِ دِمَشْقَ فَأَمَرَ الْمُرَقِّي بِفِعْلِ ذَلِكَ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ إلَى الْآنَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى. (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَلَوْ نَفَرُوا قَبْلَهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُمْ لَوْ عَادُوا إلَيْهِ بَعْدَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ أَنَّهَا تَصِحُّ، وَلَيْسَ هَذَا فِي الْخُلَاصَةِ بَلْ الْمَذْكُورُ فِيهَا أَنَّهُمْ لَوْ جَاءُوا قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ جَازَ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَفْتَتِحُوا مَعَهُ، وَإِنَّمَا أَدْرَكُوهُ فِي الرُّكُوعِ جَازَ وَإِلَّا لَا كَمَا فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ فَكَذَا هَذَا. (قَوْلُهُ حَتَّى إنَّ أَمِيرًا لَوْ أَغْلَقَ إلَخْ) يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا مَنَعَ النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَالْإِذْنُ الْعَامُّ يَحْصُلُ بِفَتْحِ أَبْوَابِ الْجَامِعِ لِلْوَارِدِينَ كَمَا عَزَاهُ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ إلَى الْكَافِي وَفِيهِ عَنْ مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ
следующие страницы →