← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 12227

البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري

زين الدين ابن نجيم

Полный текст (3 122 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

تَامٍّ قَطْعًا حَتَّى لَوْ صَامَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، وَنَوَى قَبْلَ الزَّوَالِ ثُمَّ أَفْطَرَ لَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الصَّوْمِ شُبْهَةً، وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا لَوْ صَامَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ ثُمَّ أَفْطَرَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةُ لِمَكَانِ الشُّبْهَةِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ أُخْبِرَ بِأَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ فَأَكَلَ ثُمَّ ظَهَرَ خِلَافُهُ لَا كَفَّارَةَ مُطْلَقًا، وَبِهِ أَخَذَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ، وَلَوْ أُخْبِرَ بِطُلُوعِهِ فَقَالَ: إذَا لَمْ أَكُنْ صَائِمًا آكُلُ حَتَّى أَشْبَعَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ أَكْلَهُ الْأَوَّلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَكْلَهُ الْآخَرَ بَعْدَ الطُّلُوعِ فَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ جَمَاعَةً وَصَدَّقَهُمْ لَا كَفَّارَةَ وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَاحِدًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَرْدِ فِي مِثْلِ هَذَا لَا تُقْبَلُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَإِذَا أَفْطَرَتْ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يَوْمُ حَيْضِهَا فَلَمْ تَحِضْ الْأَظْهَرُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ كَمَا لَوْ أَفْطَرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يَوْمُ مَرَضِهِ أَوْ أَفْطَرَ بَعْدَ إكْرَاهِهِ عَلَى السَّفَرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ ثُمَّ عُفِيَ عَنْهُ أَوْ شَرِبَ بَعْدَ مَا قُدِّمَ لِيَقْتُلَ ثُمَّ عُفِيَ عَنْهُ، وَلَمْ يَقْتُلْ وَمِمَّا يُسْقِطُهَا حَيْضُهَا أَوْ نِفَاسُهَا بَعْدَ إفْطَارِهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَكَذَا مَرَضُهَا وَكَذَا مَرَضُهُ بَعْدَ إفْطَارِهِ عَمْدًا بِخِلَافِ مَا إذَا جَرَحَ نَفْسَهُ بَعْدَ إفْطَارِهِ عَمْدًا فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا لَوْ سَافَرَ بَعْدَ إفْطَارِهِ عَمْدًا كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَصْبَحَ مُقِيمًا صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ إذَا صَارَ فِي آخِرِ النَّهَارِ عَلَى صِفَةٍ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ تَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَلَوْ جَامَعَ مِرَارًا فِي أَيَّامِ رَمَضَانَ وَاحِدٌ، وَلَمْ يُكَفِّرْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِلزَّجْرِ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِوَاحِدَةٍ فَلَوْ جَامَعَ وَكَفَّرَ ثُمَّ جَامَعَ مَرَّةً أُخْرَى فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى فِي ظَاهِرِ الرَّاوِيَةِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الزَّجْرَ لَمْ يَحْصُلْ بِالْأَوَّلِ وَلَوْ جَامَعَ فِي رَمَضَانَيْنِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأُولَى فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ قَالَ فِي الْأَسْرَارِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، وَكَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَوْ أَفْطَرَ فِي يَوْمٍ فَأَعْتَقَ ثُمَّ فِي آخَرَ فَأَعْتَقَ ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ اسْتَحَقَّتْ الرَّقَبَةُ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرَ يُجْزِئُهُ وَلَوْ اسْتَحَقَّتْ الثَّالِثَةُ فَعَلَيْهِ إعْتَاقُ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ لَا يُجْزِئُ عَمَّا تَأَخَّرَ، وَلَوْ اسْتَحَقَّتْ الثَّانِيَةُ أَيْضًا فَعَلَيْهِ وَاحِدَةٌ لِلثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَكَذَا لَوْ اسْتَحَقَّتْ الْأُولَى تَنْزِيلًا لِلْمُسْتَحِقِّ مَنْزِلَةَ الْمَعْدُومِ، وَلَوْ اسْتَحَقَّتْ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ دُونَ الثَّانِيَةِ أَعْتَقَ وَاحِدَةً لِلثَّالِثِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ كَفَتْ عَنْ الْأُولَى وَالْأَصْلُ أَنَّ الثَّانِيَ يُجْزِئُ عَمَّا قَبْلَهُ لَا عَمَّا بَعْدَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْبَدَائِعِ وَأَفَادَ بِالتَّشْبِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ مُرَتَّبَةٌ فَالْوَاجِبُ الْعِتْقُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الْمَرْوِيِّ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ فَلَوْ أَفْطَرَ يَوْمًا فِي خِلَالِ الْمُدَّةِ بَطَلَ مَا قَبْلَهُ وَلَزِمَهُ الِاسْتِقْبَالُ سَوَاءٌ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ أَوْ لَا وَكَذَا فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ لِلنَّصِّ عَلَى التَّتَابُعِ إلَّا لِعُذْرِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِدُ شَهْرَيْنِ عَادَةً لَا تَحِيضُ فِيهِمَا لَكِنَّهَا إذَا تَطَهَّرَتْ تُصَلِّي بِمَا مَضَى فَإِنْ لَمْ تُصَلِّ اسْتَقْبَلَتْ كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَكَذَا صَوْمُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مُتَتَابِعٌ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ بِخِلَافِ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَصَوْمِ الْمُتْعَةِ وَكَفَّارَةِ الْحَلْقِ وَكَفَّارَةِ جَزَاءِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَتَابِعٍ، وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ كَفَّارَةٍ شُرِعَ فِيهَا عِتْقٌ فَإِنَّ صَوْمَهُ مُتَتَابِعٌ، وَمَا لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا عِتْقٌ فَهُوَ مُخَيَّرٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ يَنْوِي أَوَّلَ يَوْمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ جَازَ، وَإِنْ كَانَا مِنْ رَمَضَانَيْنِ يَنْوِي قَضَاءَ رَمَضَانَ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَالصَّحِيحُ الْإِجْزَاءُ، وَلَوْ صَامَ الْفَقِيرُ إحْدَى وَسِتِّينَ لِلْكَفَّارَةِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ الْيَوْمَ لِلْقَضَاءِ جَازَ ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَصَارَ كَأَنَّهُ نَوَى الْقَضَاءَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَسِتِّينَ يَوْمًا عَنْ الْكَفَّارَةِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَعَلَّلَهُ ــ [منحة الخالق] أَيْ الْآتِي فِي آخِرِ فَصْلِ الْعَوَارِضِ (قَوْلُهُ: عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) ؛ لِأَنَّهُ بِنِيَّةِ النَّهَارِ لَا يَكُونُ صَائِمًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَبِهَذِهِ الشُّبْهَةِ النَّاشِئَةِ مِنْ الدَّلِيلِ انْدَرَأَتْ الْكَفَّارَةُ اهـ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ جَائِزٌ فَيَكُونُ جَانِيًا عَلَى صَوْمٍ صَحِيحٍ اهـ. ابْنُ مَلَكٍ (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ أَفْطَرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يَوْمُ مَرَضِهِ) جَعَلَهُ مُشَبَّهًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْحَيْضِ فَإِنَّ فِيهَا اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ، وَالصَّحِيحُ الْوُجُوبُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة قُلْت: لَكِنْ صَحَّحَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ سُقُوطَ الْكَفَّارَةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَشَبَّهَهُمَا بِمَنْ أَفْطَرَ، وَأَكْبَرُ ظَنِّهِ أَنَّ الشَّمْسَ غَرَبَتْ ثُمَّ ظَهَرَ عَدَمُهُ (قَوْلُهُ: وَمِمَّا يُسْقِطُهَا حَيْضُهَا أَوْ نِفَاسُهَا بَعْدَ إفْطَارِهَا) فِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ثُمَّ حَاضَتْ امْرَأَتُهُ أَوْ مَرِضَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سَقَطَ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَنَا اهـ. وَهَكَذَا رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى وَلَعَلَّ الصَّوَابَ سَقَطَ عَنْهَا بِضَمِيرِ الْمَرْأَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَأَفَادَ بِالتَّشْبِيهِ إلَخْ) أَقُولُ: هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِنَّ الْمَسِيسَ فِي أَثْنَائِهَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مُطْلَقًا عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لِلْآيَةِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الصَّوْمِ وَالْقَتْلِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ فِيهِمَا إلَّا الْفِطْرُ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَتَأَمَّلْ فَقَدْ زَلَّتْ بَعْضُ الْأَقْدَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ رَمْلِيٌّ

стр. 702

فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الَّذِي يَصُومُ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ يَبْدَأُ بِالْقَضَاءِ، وَفِيهِ إشْكَالٌ لِلْمُحَقِّقِ مَذْكُورٌ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ نَوَى قَضَاءَ رَمَضَانَ وَالتَّطَوُّعَ كَانَ عَنْ الْقَضَاءِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَإِنَّ عِنْدَهُ يَصِيرُ شَارِعًا فِي التَّطَوُّعِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ إذَا نَوَى التَّطَوُّعَ وَالْفَرْضَ لَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا عِنْدَهُ، وَلَوْ نَوَى قَضَاءَ رَمَضَانَ وَكَفَّارَةَ الظِّهَارِ كَانَ عَنْ الْقَضَاءِ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ يَكُونُ تَطَوُّعًا، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ، وَفِي الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ مَنْ أَكَلَ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ عِيَانًا عَمْدًا شُهْرَةً يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الِاسْتِحْلَالِ اهـ. اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الذَّنْبَ أَعْنِي ذَنْبَ الْإِفْطَارِ عَمْدًا لَا يَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّفْكِيرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَبِإِيجَابِ الْإِعْتَاقِ عُرِفَ أَنَّ التَّوْبَةَ غَيْرُ مُكَفِّرَةٍ لِهَذِهِ الْجِنَايَةِ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُونَ وَشَبَّهَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِجِنَايَةِ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا حَيْثُ لَا يَرْتَفِعَانِ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ بَلْ يَرْتَفِعَانِ بِالْحَدِّ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الِارْتِفَاعِ عَدَمُهُ ظَاهِرًا أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ فَيَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ بِدُونِ تَكْفِيرٍ؛ لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا يَرْتَفِعُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَأَمَّا الْقَاضِي بَعْدَ مَا رُفِعَ الزَّانِي إلَيْهِ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ التَّوْبَةَ بَلْ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِارْتِفَاعِهِ بِدُونِ تَكْفِيرٍ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَعَبَّرَ بِمَنْ الْمُفِيدَةِ لِلْعُمُومِ فِي قَوْلِهِ مَنْ جَامَعَ أَوْ جُومِعَ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَلِهَذَا صَرَّحَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بِالْوُجُوبِ عَلَى الْجَارِيَةِ فِيمَا لَوْ أَخْبَرَتْ سَيِّدَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَالِمَةً بِطُلُوعِهِ فَجَامَعَهَا مَعَ عَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ وَكَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: إذَا لَزِمَ الْكَفَّارَةُ عَلَى السُّلْطَانِ، وَهُوَ مُوسِرٌ بِمَالِهِ الْحَلَالِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَبَعَةٌ لِأَحَدٍ يُفْتِي بِإِعْتَاقِ الرَّقَبَةِ، وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ: يُفْتَى بِصِيَامِ شَهْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَفَّارَةِ الِانْزِجَارُ وَيَسْهُلُ عَلَيْهِ إفْطَارُ شَهْرٍ وَإِعْتَاقُ رَقَبَةٍ فَلَا يَحْصُلُ الزَّجْرُ. (قَوْلُهُ: وَلَا كَفَّارَةَ بِالْإِنْزَالِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ كَالْفَخِذِ وَالْإِبْطِ وَالْبَطْنِ لِانْعِدَامِ الْجِمَاعِ صُورَةً وَفَسَدَ صَوْمُهُ لِوُجُودِهِ مَعْنًى كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمُبَاشَرَةِ وَالتَّقْبِيلِ وَعَمَلِ الْمَرْأَتَيْنِ كَذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَفِي الْمُغْرِبِ الْفَرْجُ قُبُلُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَقَوْلُهُ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ كِلَاهُمَا فَرْجٌ يَعْنِي فِي الْحُكْمِ اهـ. بِلَفْظِهِ يَعْنِي لَا فِي اللُّغَةِ (قَوْلُهُ وَبِإِفْسَادِ صَوْمٍ غَيْرِ رَمَضَانَ) أَيْ لَا كَفَّارَةَ فِي إفْسَادِ صَوْمٍ غَيْرِ أَدَاءِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْإِفْطَارَ فِي رَمَضَانَ أَبْلَغُ فِي الْجِنَايَةِ لِهَتْكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ لَا قِيَاسًا؛ إذْ هُوَ مُمْتَنِعٌ لِكَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَلَا دَلَالَةً؛ لِأَنَّ إفْسَادَ غَيْرِهِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، وَلُزُومُ إفْسَادِ الْحَجِّ النَّفْلِ وَالْقَضَاءِ بِالْجِمَاعِ لَيْسَ إلْحَاقًا بِإِفْسَادِ الْحَجِّ الْفَرْضِ بَلْ هُوَ ثَابِتٌ ابْتِدَاءً لِعُمُومِ نَصِّ الْقَضَاءِ وَالْإِجْمَاعِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا احْتَقَنَ أَوْ اسْتَعَطَ أَوْ أُقْطِرَ فِي أُذُنِهِ أَوْ دَاوَى جَائِفَةً أَوْ آمَّةً بِدَوَاءٍ، وَوَصَلَ إلَى جَوْفِهِ أَوْ دِمَاغِهِ أَفْطَرَ) لِقَوْلِهِ ﵇ «الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ، وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ الِاسْتِقَاءِ أَوْ الْفِطْرِ فِيهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَعُودُ شَيْءٌ، وَإِنْ قَلَّ حَتَّى لَا يُحِسَّ بِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَإِنْ قُلْت: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخَارِجَ لَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ أَصْلًا إلَّا فِي الِاسْتِقَاءِ، وَالْحَصْرُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ قُلْتُ لَا يُرَدُّ؛ لِأَنَّ إفْسَادَهُمَا الصَّوْمَ بِاعْتِبَارِ مُنَافَاتِهِمَا الْأَهْلِيَّةَ لَهُ شَرْعًا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ بَعْدَ النِّيَّةِ لَا يُفْسِدَانِ الصَّوْمَ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُنَافِيَانِ أَهْلِيَّةَ الْأَدَاءِ، وَإِنَّمَا يُنَافِيَانِ النِّيَّةَ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَالرَّاوِيَةُ بِالْفَتْحِ فِي احْتَقَنَ وَاسْتَعَطَ أَيْ وَضَعَ الْحُقْنَةَ فِي الدُّبُرِ وَصَبَّ السَّعُوطَ، وَهُوَ الدَّوَاءُ فِي الْأَنْفِ وَبِالضَّمِّ فِي أُقْطِرَ وَالْجَائِفَةُ اسْمٌ لِجِرَاحَةٍ وَصَلَتْ إلَى الْجَوْفِ وَالْآمَّةُ الْجِرَاحَةُ وَصَلَتْ إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ وَأَطْلَقَ فِي الْإِقْطَارِ فِي الْأُذُنِ فَشَمِلَ الْمَاءَ وَالدُّهْنَ، وَهُوَ فِي الدُّهْنِ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا الْمَاءُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ فَيَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ بِدُونِ تَكْفِيرٍ) فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ تَسْقُطَ الْكَفَّارَةُ بِالتَّوْبَةِ أَيْضًا، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا اللُّزُومِ كَلَامُ الْهِدَايَةِ فَإِنَّهُ جَعَلَ إيجَابَ الْإِعْتَاقِ مُعَرِّفًا لِعَدَمِ تَكْفِيرِ التَّوْبَةِ لِلذَّنْبِ فَإِنَّ مُفَادَهُ أَنَّهُ لَوْ كَفَّرَتْهُ لَمْ يَجِبْ مَالٌ فَالظَّاهِرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا يَرْتَفِعُ) قَالَ أَبُو السُّعُودِ مُحَشِّي مِسْكِينٍ قَيَّدَهُ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَزْنِيِّ بِهَا زَوْجٌ فَإِنْ كَانَ فَلَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِهِ لِكَوْنِهِ حَقَّ عَبْدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إبْرَائِهِ عَنْهُ (قَوْلُهُ: بِالْوُجُوبِ عَلَى الْجَارِيَةِ) أَيْ وُجُوبِ كَفَّارَةِ الصَّوْمِ. (قَوْلُهُ: أَوْ الْفِطْرِ فِيهِ) أَيْ فِي الِاسْتِقَاءِ (قَوْلُهُ: حَتَّى لَا يَحُسَّ بِهِ) أَيْ فَلَا يَكُونُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مَخْصُوصًا بِحَدِيثِ الِاسْتِقَاءِ (قَوْلُهُ: وَبِالضَّمِّ فِي أَقْطَرَ) قَالَ

стр. 703

فَاخْتَارَ فِي الْهِدَايَةِ عَدَمَ الْإِفْطَارِ بِهِ سَوَاءٌ دَخَلَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَدْخَلَهُ وَصَرَّحَ الْوَلْوَالِجِيُّ بِأَنَّهُ لَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ مُطْلَقًا عَلَى الْمُخْتَارِ مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْفِطْرُ صُورَةً، وَلَا مَعْنًى لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ بِوُصُولِهِ إلَى الدِّمَاغِ، وَجَعَلَ السَّعُوطَ كَالْإِقْطَارِ فِي الْأُذُنِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَنَّهُ إنْ خَاضَ الْمَاءَ فَدَخَلَ أُذُنَهُ لَا يُفْسِدُ، وَإِنْ صَبَّ الْمَاءَ فِي أُذُنِهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُفْسِدُ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ بِفِعْلِهِ وَرَجَّحَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَبِهَذَا يُعْلَمُ حُكْمُ الْغُسْلِ، وَهُوَ صَائِمٌ إذَا دَخَلَ الْمَاءُ فِي أُذُنِهِ، وَفِي عُمْدَةِ الْفَتَاوَى لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ فَلَوْ دَخَلَ الْمَاءُ فِي الْغُسْلِ أَنْفَهُ أَوْ أُذُنَهُ وَوَصَلَ إلَى الدِّمَاغِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ اهـ. وَلَوْ شَدَّ الطَّعَامَ بِخَيْطٍ وَأَرْسَلَهُ فِي حَلْقِهِ وَطَرَفُ الْخَيْطِ فِي يَدِهِ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ إلَّا إذَا انْفَصَلَ، وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ أَنَّ الصَّائِمَ إذَا اسْتَقْصَى فِي الِاسْتِنْجَاءِ حَتَّى بَلَغَ مَبْلَغَ الْمِحْقَنَةِ فَهَذَا أَقَلُّ مَا يَكُونُ، وَلَوْ كَانَ يُفْسِدُ صَوْمَهُ، وَالِاسْتِقْصَاءُ لَا يُفْعَلُ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ دَاءً عَظِيمًا، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ أَدْخَلَ خَشَبَةً أَوْ نَحْوَهَا وَطَرَفًا مِنْهَا بِيَدِهِ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْتِقْرَارَ الدَّاخِلِ فِي الْجَوْفِ شَرْطٌ لِفَسَادِ الصَّوْمِ، وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي اسْتِهِ أَوْ أَدْخَلَتْ الْمَرْأَةُ فِي فَرْجِهَا هُوَ الْمُخْتَارُ إلَّا إذَا كَانَتْ الْأُصْبُعُ مُبْتَلَّةً بِالْمَاءِ أَوْ الدُّهْنِ فَحِينَئِذٍ يَفْسُدُ لِوُصُولِ الْمَاءِ أَوْ الدُّهْنِ وَقِيلَ إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَشَتْ الْفَرْجَ الدَّاخِلَ فَسَدَ صَوْمُهَا وَالصَّائِمُ إذَا أَصَابَهُ سَهْمٌ وَخَرَجَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ وَلَوْ بَقِيَ النَّصْلُ فِي جَوْفِهِ يَفْسُدُ صَوْمُهُ اهـ. وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ: وَإِنْ بَقِيَ الرُّمْحُ فِي جَوْفِهِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْفِعْلُ، وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ مَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ، وَأَمَّا الْوَجُورُ فِي الْفَمِ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ صَوْمَهُ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى جَوْفِ الْبَدَنِ مَا هُوَ مُصْلِحٌ لِلْبَدَنِ فَكَانَ أَكْلًا مَعْنًى لَكِنْ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِانْعِدَامِ الْأَكْلِ صُورَةً وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي السَّعُوطِ وَالْوَجُورِ الْكَفَّارَةُ، وَلَوْ اسْتَعَطَ لَيْلًا فَخَرَجَ نَهَارًا لَا يُفْطِرُ، وَأَطْلَقَ الدَّوَاءَ فَشَمِلَ الرَّطْبَ وَالْيَابِسَ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْوُصُولِ لَا لِكَوْنِهِ رَطْبًا أَوْ يَابِسًا وَإِنَّمَا شَرَطَهُ الْقُدُورِيُّ؛ لِأَنَّ الرَّطْبَ هُوَ الَّذِي يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ عَادَةً حَتَّى لَوْ عَلِمَ أَنَّ الرَّطْبَ لَمْ يَصِلْ لَمْ يَفْسُدْ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الْيَابِسَ وَصَلَ فَسَدَ صَوْمُهُ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ لَكِنْ بَقِيَ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ يَقِينًا أَحَدَهُمَا وَكَانَ رَطْبًا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُفْطِرُ لِلْوُصُولِ عَادَةً وَقَالَا لَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، فَلَا يُفْطِرُ بِالشَّكِّ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يَابِسًا، وَلَمْ يَعْلَمْ فَلَا فِطْرَ اتِّفَاقًا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَوْلُهُ: إلَى جَوْفِهِ عَائِدٌ إلَى الْجَائِفَةِ وَقَوْلُهُ إلَى دِمَاغِهِ عَائِدٌ إلَى الْآمَّةِ، وَفِي التَّحْقِيقِ أَنَّ بَيْنَ الْجَوْفَيْنِ مَنْفَذًا أَصْلِيًّا فَمَا وَصَلَ إلَى جَوْفِ الرَّأْسِ يَصِلُ إلَى جَوْفِ الْبَطْنِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْبَدَائِعِ وَلِهَذَا لَوْ اسْتَعَطَ لَيْلًا، وَوَصَلَ إلَى الرَّأْسِ ثُمَّ خَرَجَ نَهَارًا لَا يَفْسُدُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَعَلَّلَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى الْجَوْفِ أَوْ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِيهِ. (قَوْلُهُ، وَإِنْ أُقْطِرَ فِي إحْلِيلِهِ لَا) أَيْ لَا يُفْطِرُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْمَاءَ وَالدُّهْنَ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ بَيْنَ الْمَثَانَةِ وَالْجَوْفِ مَنْفَذٌ أَمْ لَا، وَهُوَ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ فِيهِ عَلَى التَّحْقِيقِ فَقَالَا: لَا، وَوُصُولُ الْبَوْلِ مِنْ الْمَعِدَةِ إلَى الْمَثَانَةِ ــ [منحة الخالق] فِي النَّهْرِ قِيلَ: الصَّوَابُ قُطِّرَ؛ لِأَنَّ أَقْطَرَ لَمْ يَأْتِ مُتَعَدِّيًا يُقَالُ: أَقَطَرَ الشَّيْءَ حَانَ لَهُ أَنْ يُقْطِرَ بِخِلَافِ قَطَّرَ فَإِنَّهُ جَاءَ مُتَعَدِّيًا، وَلَازِمًا وَبِالتَّضْعِيفِ مُتَعَدٍّ لَا غَيْرُ وَأَمَّا الْإِقْطَارُ بِمَعْنَى التَّقْطِيرِ فَلَمْ يَأْتِ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ فَسَادُ مَا قِيلَ إنَّ أَقَطَرَ عَلَى لَفْظِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى أَنْ يَجِيءَ الْإِقْطَارُ مُتَعَدِّيًا، وَلَا صِحَّةَ لَهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حَقَّهُ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى لَفْظِ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ لِتَتَّفِقَ الْأَفْعَالُ وَتَنْتَظِمَ الضَّمَائِرُ فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ وَأَقُولُ: فِي الْمُغْرِبِ: قَطَّرَ الْمَاءَ صَبَّهُ تَقْطِيرًا أَوْ قَطَّرَهُ وَأَقْطَرَهُ لُغَةٌ، وَعَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ يَتَخَرَّجُ كَلَامُهُمْ، وَحِينَئِذٍ فَيَصِحُّ بِنَاؤُهُ لِلْفَاعِلِ، وَهُوَ الْأَوْلَى لِمَا مَرَّ وَلِلْمَفْعُولِ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ هُوَ قَوْلُهُ: فِي أُذُنِهِ أَيْ وَجَدَ إقْطَارًا فِي أُذُنِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ بَقِيَ الرُّمْحُ فِي جَوْفِهِ) عِبَارَةُ قَاضِي خَانْ، وَإِنْ بَقِيَ الزَّجُّ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا هُنَا تَحْرِيفٌ مِنْ النُّسَّاخِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْفِعْلُ) ذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَسْأَلَةُ الِاسْتِنْجَاءِ السَّابِقَةِ، وَمَسْأَلَةُ مَا إذَا أَدْخَلَ خَشَبَةً وَغَيَّبَهَا حَيْثُ يُفْطِرُ فِي الصُّورَتَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْفِعْلُ أَعْنِي صُورَةَ الْفِطْرِ، وَهُوَ الِابْتِلَاعُ، وَلَا مَعْنَاهُ، وَهُوَ مَا فِيهِ صَلَاحُهُ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ إيصَالَ الْمَاءِ إلَى الْمِحْقَنَةِ يُوجِبُ دَاءً عَظِيمًا، قَالَ: وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الصُّورَةِ بِالِابْتِلَاعِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْأَوْلَى تَفْسِيرُهَا بِالْإِدْخَالِ بِصُنْعِهِ كَمَا عَلَّلَ بِهِ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ الْفَسَادَ بِإِدْخَالِ الْمَاءِ أُذُنَهُ بِأَنَّهُ مُوَصِّلٌ إلَيْهِ بِفِعْلِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ كَمَا لَوْ أَدْخَلَ خَشَبَةً وَغَيَّبَهَا إلَى آخِرِ كَلَامِهِ اهـ. نَعَمْ يَرِدُ ذَلِكَ عَلَى تَعْلِيلِ الْوَلْوَالِجِيِّ لِعَدَمِ الْفَسَادِ بِإِدْخَالِ الْمَاءِ أُذُنَهُ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ الرَّمْلِيُّ الْإِفْطَارُ بِوُصُولِ الْمَاءِ إلَى الدِّمَاغِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ فَإِنَّهُ إذَا فَسَدَ مَعَ عَدَمِ الْقَصْدِ فَكَيْفَ لَا يَفْسُدُ فِي الْإِقْطَارِ وَالسَّعُوطِ مَعَ الْقَصْدِ ثُمَّ قَالَ لَكِنْ مَعَ ذَلِكَ هُوَ مُعَارَضٌ بِمَا فِي الشُّرُوحِ، وَإِذَا عَارَضَ مَا فِي الْفَتَاوَى مَا فِي الشُّرُوحِ يُعْمَلُ بِمَا فِي الشُّرُوحِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ اخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ كَمَا مَرَّ وَالْهِدَايَةُ مَعْدُودَةٌ مِنْ الْمُتُونِ، وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الشُّرُوحِ فَأَيْنَ الْمُعَارَضَةُ.

стр. 704

بِالتَّرَشُّحِ، وَمَا يَخْرُجُ رَشْحًا لَا يَعُودُ رَشْحًا كَالْجَرَّةِ إذَا سُدَّ رَأْسُهَا وَأُلْقِيَ فِي الْحَوْضِ يَخْرُجُ مِنْهَا الْمَاءُ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ وَقَالَ: نَعَمْ قَالَ: هَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالطِّبِّ وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا وَصَلَ إلَى الْمَثَانَةِ أَمَّا مَا دَامَ فِي قَصَبَةِ الذَّكَرِ فَلَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ اتِّفَاقًا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَعَارَضَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ لَوْ حَشَا ذَكَرَهُ بِقُطْنَةٍ فَغَيَّبَهَا أَنَّهُ يَفْسُدُ كَاحْتِشَائِهَا وَأَطَالَ فِيهِ وَصَحَّحَ فِي التُّحْفَةِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَكِنْ رَجَّحَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي تَصْحِيحِهِ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ وَقُيِّدَ بِالْإِحْلِيلِ الَّذِي هُوَ مَخْرَجُ الْبَوْلِ مِنْ الذَّكَرِ؛ لِأَنَّ الْإِقْطَارَ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ يُفْسِدُ الصَّوْمَ بِلَا خِلَافٍ عَلَى الصَّحِيحِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ بِالْإِجْمَاعِ وَعَلَّلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْحُقْنَةِ، وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ فرشته الْإِحْلِيلُ مَخْرَجُ الْبَوْلِ وَمَخْرَجُ اللَّبَنِ مِنْ الثَّدْيِ (قَوْلُهُ وَكُرِهَ ذَوْقُ شَيْءٍ، وَمَضْغُهُ بِلَا عُذْرٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الصَّوْمِ لِلْفَسَادِ، وَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ لِعَدَمِ الْفِطْرِ صُورَةً وَمَعْنًى قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: بِلَا عُذْرٍ؛ لِأَنَّ الذَّوْقَ بِعُذْرٍ لَا يُكْرَهُ كَمَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ فِيمَنْ كَانَ زَوْجُهَا سَيِّئَ الْخُلُقِ أَوْ سَيِّدُهَا لَا بَأْسَ بِأَنْ تَذُوقَ بِلِسَانِهَا وَلَيْسَ مِنْ الْأَعْذَارِ، وَالذَّوْقُ عِنْدَ الشِّرَاءِ لِيُعْرَفَ الْجَيِّدُ مِنْ الرَّدِيءِ بَلْ يُكْرَهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْوَلْوَالِجِيِّ وَتَبِعَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ، وَفِي الْمُحِيطِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ كَيْ لَا يُغْبَنَ وَالْمَضْغُ بِعُذْرٍ بِأَنْ لَمْ تَجِدْ الْمَرْأَةُ مَنْ يَمْضُغَ لِصَبِيِّهَا الطَّعَامَ مِنْ حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَا يَصُومُ، وَلَمْ تَجِدْ طَبِيخًا، وَلَا لَبَنًا حَلِيبًا لَا بَأْسَ بِهِ لِلضَّرُورَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْإِفْطَارُ إذَا خَافَتْ عَلَى الْوَلَدِ فَالْمَضْغُ أَوْلَى وَأَطْلَقَ فِي الصَّوْمِ فَشَمِلَ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الْفَرْضِ أَمَّا فِي الصَّوْمِ التَّطَوُّعِ فَلَا يُكْرَهُ الذَّوْقُ وَالْمَضْغُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِفْطَارَ فِيهِ مُبَاحٌ لِلْعُذْرِ وَغَيْرِهِ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَتَبِعَهُ فِي النِّهَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الْإِفْطَارَ فِي التَّطَوُّعِ لَا يَحِلُّ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَمَا كَانَ تَعْرِيضًا لَهُ عَلَيْهِ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ فَمُسَلَّمٌ وَسَيَأْتِي أَنَّهَا شَاذَّةٌ (قَوْلُهُ: وَمَضْغُ الْعَلْكِ) أَيْ وَيُكْرَهُ مَضْغُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الصَّوْمِ عَلَى الْفَسَادِ وَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِالْإِفْطَارِ أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ عِلْكٍ وَعِلْكٍ فِي أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَذَا فِي الْبَيَانِ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ قَيَّدُوهُ بِأَنْ يَكُونَ أَبْيَضَ، وَقَدْ مَضَغَهُ غَيْرُهُ أَمَّا إذَا لَمْ يَمْضُغْهُ غَيْرُهُ، أَوْ كَانَ أَسْوَدَ مُطْلَقًا يُفْطِرُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْضُغْهُ غَيْرُهُ يَتَفَتَّتُ فَيَتَجَاوَزُ شَيْءٌ مِنْهُ حَلْقَهُ، وَإِذَا مَضَغَهُ غَيْرُهُ لَا يَتَفَتَّتُ إلَّا أَنَّ الْأَسْوَدَ يَذُوبُ بِالْمَضْغِ فَأَمَّا الْأَبْيَضُ لَا يَذُوبُ وَإِطْلَاقُ مُحَمَّدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ كَذَا ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَاخْتَارَ الْمُحَقِّقُ كَلَامَ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ مُحَمَّدٍ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِعَدَمِ الْوُصُولِ فَإِذَا فَرَضَ فِي بَعْضِ الْعِلْكِ مَعْرِفَةَ الْوُصُولِ مِنْهُ عَادَةً وَجَبَ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُتَيَقِّنِ اهـ. وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَعُمُومُ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْعِلْكُ لِغَيْرِ الصَّائِمِ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ تَرْكُهُ إلَّا لِعُذْرٍ مِثْلِ أَنْ يَكُونَ فِي فَمِهِ بَخَرٌ اهـ. وَأَمَّا فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُنَّ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّهُ سِوَاكُهُنَّ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْأَوْلَى الْكَرَاهَةُ لِلرِّجَالِ إلَّا لِحَاجَةٍ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ أَعْنِي التَّشَبُّهَ يَقْتَضِيهَا فِي حَقِّهِمْ خَالِيًا عَنْ الْمُعَارِضِ، وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ صَائِمٌ عَمِلَ عَمَلَ الْإِبْرَيْسَمِ فَأَدْخَلَ الْإِبْرَيْسَمَ فِي فِيهِ فَخَرَجَتْ خُضْرَةُ الصَّبْغِ أَوْ صُفْرَتُهُ أَوْ حُمْرَتُهُ، وَاخْتَلَطَتْ بِالرِّيقِ فَاخْضَرَّ الرِّيقُ أَوْ اصْفَرَّ أَوْ احْمَرَّ فَابْتَلَعَهُ، وَهُوَ ذَاكِرٌ صَوْمَهُ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَفِي الْمُحِيطِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ لِغَيْرِ الْوُضُوءِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ لِلْوُضُوءِ وَكُرِهَ الِاغْتِسَالُ وَصَبُّ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ وَالِاسْتِنْقَاعُ فِي الْمَاءِ وَالتَّلَفُّفُ بِالثَّوْبِ الْمَبْلُولِ؛ لِأَنَّهُ إظْهَارُ الضَّجَرِ عَنْ الْعِبَادَةِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ مَاءً مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَهُوَ صَائِمٌ» وَلِأَنَّ فِيهِ إظْهَارَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَصَحَّحَ فِي التُّحْفَةِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: تَقَدَّمَ أَنَّ مُحَمَّدًا مَعَ أَبِي يُوسُفَ لَكِنْ قَالَ: وَمُحَمَّدٌ تَوَقَّفَ فِيهِ، وَقِيلَ هُوَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ هُوَ الْأَظْهَرُ وَمَا تَأَخَّرَ عَلَى خِلَافِ الْأَظْهَرِ. (قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ فِي الصَّوْمِ إلَخْ) قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: كَذَا أَطْلَقَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَنْزِ وَشَرْحِ الْمُخْتَارِ فَشَمِلَ النَّفَلَ لِمَا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ فِيهِ الْفِطْرُ بِلَا عُذْرٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَمَنْ قَيَّدَهُ بِالْفَرْضِ كَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ وَنَفْيُ كَرَاهَةِ الذَّوْقِ فِي النَّفْلِ إنَّمَا هُوَ عَلَى رِوَايَةِ جَوَازِ الْإِفْطَارِ فِي النَّفْلِ بِلَا عُذْرٍ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ بَحْثٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ فِي النَّفْلِ وَكُرِهَ فِي الْفَرْضِ إظْهَارًا لِتَفَاوُتِ الْمَرْتَبَتَيْنِ.

стр. 705

ضَعْفِ بِنْيَتِهِ وَعَجْزِ بَشَرِيَّتِهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ ضَعِيفًا لَا إظْهَارَ الضَّجَرِ. (قَوْلُهُ لَا كُحْلٌ وَدُهْنُ شَارِبٍ) أَيْ لَا يُكْرَهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ مِنْهُمَا مَفْتُوحَةً فَيَكُونَانِ مَصْدَرَيْنِ مِنْ كَحَلَ عَيْنَهُ كَحْلًا وَدَهَنَ رَأْسَهُ دَهْنًا إذَا طَلَاهُ بِالدُّهْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُومًا وَيَكُونَ مَعْنَاهُ، وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ الْكُحْلِ وَالدُّهْنِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالدَّالِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُكْرَهَا لِمَا أَنَّهُ نَوْعُ ارْتِفَاقٍ وَلَيْسَ مِنْ مَحْظُورِ الصَّوْمِ، وَقَدْ «نُدِبَ ﷺ إلَى الِاكْتِحَالِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَإِلَى الصَّوْمِ فِيهِ» ، وَلَا بَأْسَ بِالِاكْتِحَالِ لِلرِّجَالِ إذَا قَصَدُوا بِهِ التَّدَاوِيَ دُونَ الزِّينَةِ وَيُسْتَحْسَنُ دَهْنُ الشَّارِبِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ الزِّينَةُ؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ الْخِضَابِ، وَلَا يُفْعَلُ لِتَطْوِيلِ اللِّحْيَةِ إذَا كَانَتْ بِقَدْرِ الْمَسْنُونِ، وَهُوَ الْقُبْضَةُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَيَقْطَعُ مَا زَادَ عَلَى الْكَفِّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ ﵊ «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَاعْفُوَا اللِّحَى» فَمَحْمُولٌ عَلَى إعْفَائِهَا مِنْ أَنْ يَأْخُذَ غَالِبَهَا أَوْ كُلَّهَا كَمَا هُوَ فِعْلُ مَجُوسِ الْأَعَاجِمِ مِنْ حَلْقِ لِحَاهُمْ فَيَقَعُ بِذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْهَا، وَهِيَ دُونَ ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ وَالْمُخَنَّثَةِ مِنْ الرِّجَالِ فَلَمْ يُبِحْهُ أَحَدٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ بِوُجُوبِ قَطْعِ مَا زَادَ عَلَى الْقُبْضَةِ بِالضَّمِّ وَمُقْتَضَاهُ الْإِثْمُ بِتَرْكِهِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ قَصْدِ الْجَمَالِ وَقَصْدِ الزِّينَةِ فَالْقَصْدُ الْأَوَّلُ لِدَفْعِ الشَّيْنِ وَإِقَامَةِ مَا بِهِ الْوَقَارُ وَإِظْهَارِ النِّعْمَةِ شُكْرًا لَا فَخْرًا، وَهُوَ أَثَرُ أَدَبِ النَّفْسِ وَشَهَامَتِهَا وَالثَّانِي أَثَرُ ضَعْفِهَا، وَقَالُوا بِالْخِضَابِ وَرَدَتْ السُّنَّةُ، وَلَمْ يَكُنْ لِقَصْدِ الزِّينَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ حَصَلَتْ زِينَةٌ فَقَدْ حَصَلَتْ فِي ضِمْنِ قَصْدٍ مَطْلُوبٍ فَلَا يَضُرُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُلْتَفَتًا إلَيْهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلِهَذَا قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: لُبْسُ الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ مُبَاحٌ إذَا كَانَ لَا يَتَكَبَّرُ؛ لِأَنَّ التَّكَبُّرَ حَرَامٌ، وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا كَمَا كَانَ قَبْلَهَا اهـ. (قَوْلُهُ وَسِوَاكٌ وَقُبْلَةٌ إنْ أَمِنَ) أَيْ لَا يُكْرَهَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ الْقُبْلَةِ وَأَمَّا السِّوَاكُ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِلصَّائِمِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الرَّطْبَ وَالْيَابِسَ وَالْمَبْلُولَ وَغَيْرَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ وَعِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» لِتَنَاوُلِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَحْكَامُهُ فِي سُنَنِ الطَّهَارَةِ فَارْجِعْ إلَيْهَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِسُنَّةِ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ، وَلَا شَكَّ فِيهِ كَغَيْرِ الصَّائِمِ صَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ فِي الْعَوَارِضِ) اعْلَمْ أَنَّ لِفَسَادِ الصَّوْمِ أَحْكَامًا بَعْضُهَا يَعُمُّ الصِّيَامَاتِ كُلَّهَا وَبَعْضُهَا يَخُصُّ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ فَاَلَّذِي يَعُمُّ الْكُلَّ الْإِثْمُ إذَا أَفْسَدَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ عَمَلَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَإِبْطَالُ الْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ لَا يَأْثَمُ وَإِذَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بِعُذْرٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِلْإِثْمِ وَالْمُؤَاخَذَةِ؛ فَلِهَذَا ذَكَرَهَا فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ كَذَا فِي مُخْتَصَرِ الْبَدَائِعِ وَأَخَّرَهَا؛ لِأَنَّهَا حَرِيَّةٌ بِالتَّأْخِيرِ وَالْعَوَارِضُ جَمْعُ عَارِضٍ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ كُلُّ مَا اسْتَقْبَلَك قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] وَهُوَ السَّحَابُ الَّذِي يَسْتَقْبِلُك وَالْعَارِضُ النَّابُ أَيْضًا وَالْعَارِضَانِ شِقَّا الْفَمِ وَالْعَارِضُ الْخَدُّ يُقَالُ أَخَذَ مِنْ عَارِضَيْهِ مِنْ الشَّعْرِ وَعَرَضَ لَهُ عَارِضٌ أَيْ آفَةٌ مِنْ كِبَرٍ أَوْ مِنْ مَرَضٍ كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ مُخْتَصَرِ شَمْسِ الْعُلُومِ وَهِيَ هُنَا ثَمَانِيَةٌ الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ وَالْإِكْرَاهُ وَالْحَبَلُ وَالرَّضَاعُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ بِوُجُوبِ قَطْعِ مَا زَادَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَسَمِعْت مِنْ بَعْضِ أَعِزَّاءِ الْمَوَالِي أَنَّ قَوْلَ النِّهَايَةِ: يُحَبُّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَاسْتِعْمَالُهُمْ فِي مِثْلِهِ يُسْتَحَبُّ اهـ. وَكَأَنَّهُ لِهَذَا وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ لَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ مَعَ شِدَّةِ مُتَابَعَتِهِ لِلنَّهْرِ وَقَالَ مُقْتَضَاهُ الْإِثْمُ بِتَرْكِهِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْوُجُوبُ عَلَى الثُّبُوتِ اهـ. قُلْتُ: وَظَاهِرُ قَوْلِ الْهِدَايَةِ، وَلَا يَفْعَلُ لِتَطْوِيلِ اللِّحْيَةِ إلَخْ يُفِيدُ الْكَرَاهَةَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ الْقُبْلَةِ) أَيْ تَحْتَ قَوْلِ الْمَتْنِ أَوْ احْتَلَمَ [فَصْلٌ فِي عَوَارِضِ الْفِطْر فِي رَمَضَان] (فَصْلٌ فِي الْعَوَارِضِ) . (قَوْلُهُ وَهِيَ هُنَا ثَمَانِيَةٌ إلَخْ) نَظَمَهَا الْمَقْدِسِيَّ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ فَقَالَ سَقَمٌ وَإِكْرَاهٌ وَحَمْلٌ وَسَفَرْ ... رَضْعٌ وَجُوعٌ وَعَطَشٌ وَكِبَرٌ انْتَهَى. وَالْأَوْلَى إنْشَادُهُ خَالِيًا مِنْ الضَّرُورَةِ هَكَذَا: مَرَضٌ وَإِكْرَاهٌ رَضَاعٌ ... وَالسَّفَر حَبَلٌ كَذَا عَطَشٌ وَجُوعٌ وَالْكِبَرْ وَيُزَادُ تَاسِعٌ وَهُوَ قِتَالُ الْعَدُوِّ فَإِنَّ الْغَازِيَ إذَا خَافَ الْعَجْزَ عَنْ الْقِتَالِ لَهُ الْفِطْرُ وَلَوْ مُقِيمًا كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا وَقَدْ زِدْت ذَلِكَ فَقُلْت حَبَلٌ وَإِرْضَاعٌ وَإِكْرَاهٌ سَفَرْ ... مَرَضٌ جِهَادٌ جُوعُهُ عَطَشٌ كِبَرْ قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ السَّفَرَ مِنْ الثَّمَانِيَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُبِيحُ الْفِطْرَ إنَّمَا يُبِيحُ عَدَمَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ وَمِنْهَا كِبَرُ السِّنِّ وَفِي عُرُوضِهِ فِي الصَّوْمِ لِيَكُونَ مُبِيحًا لِلْفِطْرِ مَا لَا يَخْفَى فَالْأَوْلَى

стр. 706

وَالْجُوعُ وَالْعَطَشُ وَكِبَرُ السِّنِّ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: لِمَنْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ الْفِطْرُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَإِنَّهُ أَبَاحَ الْفِطْرَ لِكُلِّ مَرِيضٍ لَكِنْ الْقَطْعُ بِأَنَّ شَرْعِيَّةَ الْفِطْرِ فِيهِ إنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَتَحَقُّقُ الْحَرَجِ مَنُوطٌ بِزِيَادَةِ الْمَرَضِ أَوْ إبْطَاءِ الْبُرْءِ أَوْ إفْسَادِ عُضْوٍ ثُمَّ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِ الْمَرِيضِ وَالِاجْتِهَادُ غَيْرُ مُجَرَّدِ الْوَهْمِ بَلْ هُوَ غَلَبَةُ الظَّنِّ عَنْ أَمَارَةٍ أَوْ تَجْرِبَةٍ أَوْ بِإِخْبَارِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ غَيْرِ ظَاهِرِ الْفِسْقِ وَقِيلَ عَدَالَتُهُ شَرْطٌ فَلَوْ بَرَأَ مِنْ الْمَرَضِ لَكِنْ الضَّعْفُ بَاقٍ وَخَافَ أَنْ يَمْرَضَ سُئِلَ عَنْهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ فَقَالَ الْخَوْفُ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي التَّبْيِينِ وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَخْشَى أَنْ يَمْرَضَ بِالصَّوْمِ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ وَمُرَادُهُ بِالْخَشْيَةِ غَلَبَةُ الظَّنِّ كَمَا أَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالْخَوْفِ إيَّاهَا وَأَطْلَقَ الْخَوْفَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَأَرَادَ الْوَهْمَ حَيْثُ قَالَ لَوْ خَافَ مِنْ الْمَرَضِ لَا يُفْطِرُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْأَمَةُ إذَا ضَعُفَتْ عَنْ الْعَمَلِ وَخَشِيَتْ الْهَلَاكَ بِالصَّوْمِ جَازَ لَهَا الْفِطْرُ وَكَذَا الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مُتَوَكِّلُ السُّلْطَانِ إلَى الْعِمَارَةِ فِي الْأَيَّامِ الْحَارَّةِ وَالْعَمَلِ الْحَثِيثِ إذَا خَشِيَ الْهَلَاكَ أَوْ نُقْصَانَ الْعَقْلِ وَقَالُوا الْغَازِي إذَا كَانَ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَيَخَافُ الضَّعْفَ إنْ لَمْ يُفْطِرْ يُفْطِرُ قَبْلَ الْحَرْبِ مُسَافِرًا كَانَ أَوْ مُقِيمًا وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ والولوالجية لِلْأَمَةِ أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ امْتِثَالِ أَمْرِ الْمَوْلَى إذَا كَانَ ذَلِكَ يُعْجِزُهَا عَنْ إقَامَةِ الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّهَا مُبْقَاةٌ عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الْفَرَائِضِ. أَطْلَقَ فِي الْمَرَضِ فَشَمِلَ مَا إذَا مَرِضَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ بَعْدَمَا شَرَعَ بِخِلَافِ السَّفَرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَنْشَأَ السَّفَرَ فِيهِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْإِفْطَارُ وَهُوَ عُذْرٌ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَأَشَارَ بِاللَّامِ إلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لَكِنَّ الْفِطْرَ رُخْصَةٌ وَالصَّوْمُ عَزِيمَةٌ فَكَانَ أَفْضَلَ إلَّا إذَا خَافَ الْهَلَاكَ فَالْإِفْطَارُ وَاجِبٌ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ لَوْ صَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا وَإِذَا أَفْطَرَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا فَإِنَّهُ يَصُومُ وَيُصَلِّي قَاعِدًا جَمْعًا بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ كَانَ لَهُ نَوْبَةُ حُمَّى فَأَكَلَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ يَعْنِي فِي يَوْمِ النَّوْبَةِ لَا بَأْسَ فَإِنْ لَمْ يُحَمَّ فِيهِ كَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ أَفْطَرَتْ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يَوْمُ حَيْضِهَا فَلَمْ تَحِضْ كَانَ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ لِوُجُودِ الْإِفْطَارِ فِي يَوْمٍ لَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ وَهَذَا إذَا أَفْطَرَ بَعْدَمَا نَوَى الصَّوْمَ وَشَرَعَ فِيهِ أَمَّا لَوْ لَمْ يَنْوِ كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ رَضِيعٌ مَبْطُونٌ يُخَافُ مَوْتُهُ مِنْ هَذَا الدَّوَاءِ وَزَعَمَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّ الظِّئْرَ إذَا شَرِبَتْ دَوَاءَ كَذَا بَرِئَ الصَّغِيرُ وَتَمَاثَلَ وَتَحْتَاجُ الظِّئْرُ إلَى أَنْ تَشْرَبَ ذَلِكَ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ قِيلَ لَهَا ذَلِكَ إذَا قَالَ ذَلِكَ الْأَطِبَّاءُ الْحُذَّاقُ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذَا لَدَغَتْهُ حَيَّةٌ فَأَفْطَرَ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ قَالُوا إنْ كَانَ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ أَطْلَقَ فِي الْكِتَابِ الْأَطِبَّاءَ الْحُذَّاقَ قَالَ ﵁ وَعِنْدِي هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الطَّبِيبِ الْمُسْلِمِ دُونَ الْكَافِرِ كَمُسْلِمٍ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ فَوَعَدَ لَهُ كَافِرٌ إعْطَاءَ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ لَعَلَّ غَرَضَهُ إفْسَادُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ فِي الصَّوْمِ. اهـ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَرِيضَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَطِبَّ بِالْكَافِرِ فِيمَا عَدَا إبْطَالَ الْعِبَادَةِ؛ لِمَا أَنَّهُ عَلَّلَ قَبُولَ قَوْلِهِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ غَرَضُهُ إفْسَادَ الْعِبَادَةِ لَا ــ [منحة الخالق] أَنْ يُرَادَ بِالْعَوَارِضِ مَا يُبِيحُ عَدَمَ الصَّوْمِ لِيَطَّرِدَ فِي الْكُلِّ (قَوْلُهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْأَمَةُ إذَا ضَعُفَتْ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ فِي جَامِعِ الْفَتَاوَى وَلَوْ ضَعُفَ عَنْ الصَّوْمِ لِاشْتِغَالِهِ بِالْمَعِيشَةِ فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ لِكُلِّ يَوْمٍ نِصْفَ صَاعٍ اهـ. وَأَقُولُ: هَذَا إذَا لَمْ يُدْرِكْ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُمْكِنُهُ الصَّوْمُ فِيهَا أَمَّا إذَا أَمْكَنَهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ وَعَلَى هَذَا الْحَصَادُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ مَعَ الصَّوْمِ وَيَهْلَكُ الزَّرْعُ بِالتَّأْخِيرِ لَا شَكَّ فِي جَوَازِ الْفِطْرِ وَالْقَضَاءِ إذَا أَدْرَكَ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: لِلْأَمَةِ أَنْ تَمْتَنِعَ إلَخْ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ وَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ لَهَا إطَاعَتُهُ أَمْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي، تَأَمَّلْ. وَلَكِنْ مُقْتَضَى مَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ الْأَوَّلُ حَيْثُ قَالَ صَائِمٌ أَتْعَبَ نَفْسَهُ فِي عَمَلٍ حَتَّى أَجْهَدَهُ الْعَطَشُ فَأَفْطَرَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَقِيلَ لَا تَلْزَمُهُ وَبِهِ أَفْتَى الْبَقَّالِيُّ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَمَةِ إذَا أَجْهَدَتْ نَفْسَهَا؛ لِأَنَّهَا مَعْذُورَةٌ تَحْتَ قَهْرِ الْمَوْلَى وَلَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا إطَاعَتُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ قَوْلَهُ وَلَهَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهَا مُخَالَفَةُ أَمْرِهِ إنْ أَمْكَنَهَا وَقَوْلُهُ قَبْلَهُ بِخِلَافِ الْأَمَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا فَعَلَتْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا بِدَلِيلِ التَّعْلِيلِ، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: كَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: وَقِيلَ: لَا، وَلَوْ أَفْطَرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يُقَاتِلُ أَهْلَ الْحَرْبِ فَلَمْ يَتَّفِقْ الْقِتَالُ لَا يُكَفِّرُ. وَالْفَرْقُ أَيْ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ لَهُ نَوْبَةُ حُمَّى أَنَّ الْقِتَالَ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِ الْإِفْطَارِ لِيَتَقَوَّى بِخِلَافِ الْمَرَضِ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُقَاتِلَ مُحْتَاجٌ إلَى تَقْدِيمِ الْأَكْلِ فَصَارَ مَأْذُونًا فِيهِ قَبْلَ وُجُودِ حَقِيقَةِ الْعُذْرِ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ فَلِذَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إذَا لَمْ يُوجَدْ عُذْرُهُ بَعْدَ الْأَكْلِ لَكِنْ قَدَّمْنَا عَنْ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ سُقُوطَهَا عَنْهُ أَيْضًا وَكَذَا عَمَّنْ ظَنَّتْ أَنَّهُ يَوْمُ حَيْضِهَا (قَوْلُهُ: بَرِئَ الصَّغِيرُ وَتَمَاثَلَ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ فِي مَادَّةِ م ث ل تَمَاثَلَ الْعَلِيلُ قَارَبَ الْبُرْءَ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَرِيضَ يَجُوزُ لَهُ إلَخْ) قَالَ فِي

стр. 707

بِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي الطِّبِّ لَا يَجُوزُ، وَفِي الْقُنْيَةِ لَا يَجُوزُ لِلْخَبَّازِ أَنْ يَخْبِزَ خَبْزًا يُوصِلُهُ إلَى ضَعْفٍ مُبِيحٍ لِلْفِطْرِ بَلْ يَخْبِزُ نِصْفَ النَّهَارِ وَيَسْتَرِيحُ فِي النِّصْفِ قِيلَ لَهُ لَا يَكْفِيهِ أُجْرَتُهُ أَوْ رِبْحُهُ فَقَالَ هُوَ كَاذِبٌ وَهُوَ بَاطِلٌ بِأَقْصَرِ أَيَّامِ الشِّتَاءِ. (قَوْلُهُ: وَلِلْمُسَافِرِ وَصَوْمُهُ أَحَبُّ إنْ لَمْ يَضُرَّهُ) أَيْ جَازَ لِلْمُسَافِرِ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يَعْرَى عَنْ الْمَشَقَّةِ فَجُعِلَ فِي نَفْسِهِ عُذْرًا بِخِلَافِ الْمَرَضِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخِفُّ بِالصَّوْمِ فَشَرَطَ كَوْنَهُ مُفْضِيًا إلَى الْحَرَجِ وَإِنَّمَا كَانَ الصَّوْمُ أَفْضَلَ إنْ لَمْ يَضُرَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَلِأَنَّ رَمَضَانَ أَفْضَلُ الْوَقْتَيْنِ فَكَانَ فِيهِ الْأَدَاءُ أَوْلَى وَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا الْقَصْرُ فِي الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ حَتَّى يَأْثَمَ بِالْإِتْمَامِ؛ لِأَنَّ الْقَصْرَ هُوَ الْعَزِيمَةُ وَتَسْمِيَتُهُمْ لَهُ رُخْصَةً إسْقَاطُ مَجَازٍ، وَقَوْلُ صَاحِبِ غَايَةِ الْبَيَانِ إنَّ الْقَصْرَ أَفْضَلُ تَسَامُحٌ وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَصَوْمُهُمَا أَحَبُّ إنْ لَمْ يَضُرَّهُمَا لَكَانَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ إنْ لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إنْ ضَرَّهُ بِأَنْ شَقَّ عَلَيْهِ فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» قَالَهُ لِرَجُلٍ صَائِمٍ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ أَرَادَ الْمُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ فِي مِصْرٍ أَوْ يَدْخُلَ مِصْرَهُ كُرِهَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي الْيَوْمِ الْمُبِيحُ وَهُوَ السَّفَرُ وَالْمُحَرِّمُ وَهُوَ الْإِقَامَةُ فَرَجَّحْنَا الْمُحَرِّمَ احْتِيَاطًا وَصَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ بِكَرَاهَةِ الصَّوْمِ إنْ أَجْهَدَهُ وَأَطْلَقَ الضَّرَرَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِضَرَرِ بَدَنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَضُرَّهُ الصَّوْمُ لَكِنْ كَانَ رُفَقَاؤُهُ أَوْ عَامَّتُهُمْ مُفْطِرِينَ وَالنَّفَقَةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمْ فَالْإِفْطَارُ أَفْضَلُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الْمَالِ كَضَرَرِ الْبَدَنِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ إنْشَاءَ السَّفَرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ جَائِزٌ لِإِطْلَاقِ النَّصِّ خِلَافًا لِعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَالسَّفَرُ الَّذِي يُبِيحُ الْفِطْرَ هُوَ الَّذِي يُبِيحُ الْقَصْرَ؛ لِأَنَّ كِلَاهُمَا قَدْ ثَبَتَتْ رُخْصَتُهُ وَأَطْلَقَ السَّفَرَ فَشَمِلَ سَفَرَ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ لِمَا عُرِفَ وَأَرَادَ بِالضَّرَرِ الضَّرَرَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ خَوْفُ الْهَلَاكِ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ خَوْفَ الْهَلَاكِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ فَالْإِفْطَارُ فِي مِثْلِهِ وَاجِبٌ لَا أَنَّهُ أَفْضَلُ كَذَا ــ [منحة الخالق] الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ نُصْحُ الْمُسْلِمِ كُفْرٌ فَأَنَّى يَتَطَبَّبُ بِهِمْ اهـ. قَالَ مُحَشِّيهِ وَأَيَّدَهُ شَيْخُنَا بِمَا نَقَلَهُ عَنْ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ لِلْعَلَّامَةِ السُّيُوطِيّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَا خَلَا كَافِرٌ بِمُسْلِمٍ إلَّا عَزَمَ عَلَى قَتْلِهِ» (قَوْلُهُ: وَفِي الْقُنْيَةِ لَا يَجُوزُ لِلْخَبَّازِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ جَامِعِ الْفَتَاوَى يَدْخُلُ فِيهِ الْخَبَّازُ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ هُوَ كَاذِبٌ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ طُولَ النَّهَارِ وَقِصَرَهُ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْكِفَايَةِ فَقَدْ يَظْهَرُ صِدْقُهُ فِي قَوْلِهِ لَا يَكْفِينِي فَيُفَوَّضُ إلَيْهِ حَمْلًا لِحَالِهِ عَلَى الصَّلَاحِ تَأَمَّلْ اهـ. وَفِي الْإِمْدَادِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ الْمُحْتَرِفِ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ اشْتَغَلَ بِحِرْفَتِهِ يَلْحَقُهُ مَرَضٌ يُبِيحُ الْفِطْرَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى تَحْصِيلِ النَّفَقَةِ هَلْ يُبَاحُ لَهُ الْأَكْلُ قَبْلَ أَنْ يَمْرَضَ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْمَنْعِ وَكَذَا حَكَاهُ عَنْ أُسْتَاذِهِ الْوَبَرِيِّ وَإِذَا لَمْ يَكْفِهِ عَمِلَ نِصْفَ النَّهَارِ وَيَسْتَرِيحُ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِأَقْصَرِ أَيَّامِ الشِّتَاءِ اهـ. قُلْت وَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا مَرَّ عَنْ جَامِعِ الْفَتَاوَى عَلَى مَا يَأْتِي مَنْ نَذَرَ صَوْمَ الْأَبَدِ فَضَعُفَ عَنْهُ لِاشْتِغَالِهِ بِالْمَعِيشَةِ وَيُقَرِّبُهُ إطْلَاقُ قَوْلِهِ فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ تَأَمَّلْ وَانْظُرْ إذَا كَانَ أَجَرَ نَفْسَهُ فِي الْعَمَلِ مُدَّةً مَعْلُومَةً هَلْ لَهُ الْفِطْرُ إذَا جَاءَ رَمَضَانُ وَالظَّاهِرُ نَعَمْ إذَا لَمْ يَرْضَ الْمُسْتَأْجِرُ بِفَسْخِ الْإِجَارَةِ كَمَا فِي الظِّئْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْإِرْضَاعُ بِالْعَقْدِ فَيَحِلُّ لَهَا الْإِفْطَارُ إذَا خَافَتْ عَلَى الْوَلَدِ فَيَكُونُ خَوْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْلَى، تَأَمَّلْ. وَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُحْتَرِفِ بِأَنْ يُقَالَ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ وَعِيَالَهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ مِنْ النَّاسِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْفِطْرُ بِالْأَوْلَى وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى الْعَمَلِ يَعْمَلُ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ وَعِيَالَهُ حَتَّى لَوْ أَدَّاهُ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ إلَى الْفِطْرِ حَلَّ لَهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْعَمَلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤَدِّيهِ إلَى الْفِطْرِ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَيْهَا. (قَوْلُهُ: فَجَعَلَ نَفْسَهُ عُذْرًا أَيْ نَفْسَ السَّفَرِ عُذْرًا وَإِنْ عَرَا) عَنْ الْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِيهِ غَالِبًا، وَالنَّادِرُ كَالْعَدَمِ فَأُنِيطَتْ الرُّخْصَةُ بِنَفْسِ السَّفَرِ وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ بَلَدًا وَلَمْ يَنْوِ فِيهِ إقَامَةَ نِصْفِ شَهْرٍ أَنَّ لَهُ الْفِطْرَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي قَرِيبًا فِي كَلَامِهِ مِنْ عِبَارَةِ الْمُحِيطِ حَيْثُ عَلَّقَ كَرَاهَةَ الْفِطْرِ عَلَى الْإِقَامَةِ فِي مِصْرٍ أَوْ دُخُولِهِ إلَى مِصْرِهِ فَفَرَّقَ بَيْنَ مِصْرِهِ وَغَيْرِ مِصْرِهِ فَعَلَّقَ الْكَرَاهَةَ فِي مِصْرِهِ عَلَى الدُّخُولِ وَفِي غَيْرِ مِصْرِهِ عَلَى الْإِقَامَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا يَذْكُرُهُ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ أَنَّ السَّفَرَ الْمُبِيحَ لِلْفِطْرِ هُوَ الْمُبِيحُ لِلْقَصْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ أَرَادَ الْمُسَافِرُ إلَخْ) أَيْ إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُسَافِرًا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَأَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ مِصْرًا غَيْرَ مِصْرِهِ وَيَنْوِيَ فِيهِ الْإِقَامَةَ أَوْ يَدْخُلَ مِصْرَهُ مُطْلَقًا يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ تَرْجِيحًا لِلْمُحَرَّمِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إذَا كَانَ دُخُولُهُ الْمِصْرَ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ كَمَا يُفِيدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِفْطَارَ إلَخْ حِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهِ الْمُبِيحُ وَالْمُحَرِّمُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ مُسَافِرًا؛ لِأَنَّهُ تَمَحَّضَ فِيهِ الْمُبِيحُ. نَعَمْ بَعْدَ إقَامَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ كَمَا سَيَأْتِي هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، تَأَمَّلْ. لَكِنْ رَأَيْت فِي الْبَدَائِعِ مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ عِبَارَةَ الْمُحِيطِ الْمَذْكُورَةَ فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ يَتَّفِقُ دُخُولُهُ الْمِصْرَ حِينَ تَغِيبُ الشَّمْسُ فَلَا بَأْسَ بِالْفِطْرِ فِيهِ اهـ. ذَكَرَ ذَلِكَ قُبَيْلَ بَابِ الِاعْتِكَافِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الْمَالِ كَضَرَرِ الْبَدَنِ) قَالَ فِي النَّهْرِ عَلَّلَ فِي الْفَتَاوَى أَفْضَلِيَّةَ الْإِفْطَارِ

стр. 708

فِي الْبَدَائِعِ وَمِنْهُ مَا إذَا أُكْرِهَ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ فَإِنَّ الْإِفْطَارَ وَاجِبٌ وَلَا يَسَعُهُ الصَّوْمُ حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِفْطَارِ فَقُتِلَ يَأْثَمُ كَالْإِكْرَاهِ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ صَحِيحًا مُقِيمًا فَأُكْرِهَ بِقَتْلِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُ الْفِطْرُ وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِفْطَارِ حَتَّى قُتِلَ يُثَابُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ ثَابِتٌ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ وَأَثَرُ الرُّخْصَةِ بِالْإِكْرَاهِ فِي سُقُوطِ الْإِثْمِ بِالتَّرْكِ لَا فِي سُقُوطِ الْوَاجِبِ كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الْكُفْرِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ أُكْرِهَ بِقَتْلِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ لَتُفْطِرَنَّ أَوْ لَأَقْتُلَنَّ وَلَدَك فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ كَقَوْلِهِ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَأَقْتُلَنَّ وَلَدَك فَصَارَ كَتَهْدِيدِهِ بِالْحَبْسِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الْمُسَافِرُ إذَا تَذَكَّرَ شَيْئًا قَدْ نَسِيَهُ فِي مَنْزِلِهِ فَدَخَلَ فَأَفْطَرَ ثُمَّ خَرَجَ قَالَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ عِنْدَ الْأَكْلِ حَيْثُ رَفَضَ سَفَرَهُ بِالْعَوْدِ إلَى مَنْزِلِهِ وَبِالْقِيَاسِ نَأْخُذُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَا قَضَاءَ إنْ مَاتَا عَلَيْهِمَا) أَيْ وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ إذَا مَاتَا قَبْلَ الصِّحَّةِ وَالْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُدْرِكَا عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَلَمْ يَلْزَمْ الْقَضَاءُ قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْمَرِيضُ أَوْ أَقَامَ الْمُسَافِرُ وَلَمْ يَقْضِ حَتَّى مَاتَ لَزِمَهُ الْإِيصَاءُ بِقَدْرِهِ وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَتْنِ لِوُجُودِ الْإِدْرَاكِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْكُلِّ وَغَلَّطَهُ الْقُدُورِيُّ وَتَبِعَهُ فِي الْهِدَايَةِ قَالَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا بِقَدْرِهِ عِنْدَ الْكُلِّ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي النَّذْرِ بِأَنْ يَقُولَ الْمَرِيضُ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ فَصَحَّ يَوْمًا ثُمَّ مَاتَ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ جَمِيعِ الشَّهْرِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ قَضَاءُ مَا صَحَّ فِيهِ وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ النَّذْرَ سَبَبٌ فَظَهَرَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّ الْخَلَفِ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ السَّبَبُ إدْرَاكُ الْعِدَّةِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ مَا أَدْرَكَ فِيهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ قَبْلَ الصِّحَّةِ لِيَظْهَرَ فِي الْإِيصَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالصِّحَّةِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَدَاةَ التَّعْلِيقِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِ الْمُكَلَّفِ مَا أَمْكَنَ فَيَنْزِلُ عِنْدَ الصِّحَّةِ وَأَجَابَ عَنْهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْخِلَافَ نَشَئُوا بَعْدَ الطَّحَاوِيِّ بِكَثِيرٍ مِنْ الزَّمَانِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْخِلَافَ لَمْ يَبْلُغْهُمْ وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ جَهْلَ الْإِنْسَانِ لَا يُعْتَبَرُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْدَمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ لِأَوْصَافِهِ الْجَمِيلَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّحِيحَ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّهْرِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ ــ [منحة الخالق] بِمُوَافَقَةٍ (قَوْلُهُ: أَيْ وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ) أَرْجَعَ فِي النَّهْرِ الضَّمِيرَ الْمَجْرُورَ إلَى الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وَإِلَيْهِ يُومِئُ كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ وَهُوَ أَظْهَرُ فِي التَّقْيِيدِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ قَيَّدَ بِهِ أَيْ بِمَوْتِهَا عَلَى السَّفَرِ وَالْمَرَضِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الصِّحَّةِ وَالْإِقَامَةِ لَا يُوصَفَانِ حَقِيقَةً بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: وَغَلَّطَهُ الْقُدُورِيُّ) قَالَ فِي النَّهْرِ يَعْنِي رِوَايَةً وَدِرَايَةً إذْ لُزُومُ الْكُلِّ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَلَمْ تُوجَدْ وَالْكُتُبُ الْمُعْتَمَدَةُ نَاطِقَةٌ بِخِلَافِ مَا قَالَ وَالْعَادَةُ قَاضِيَةٌ بِاسْتِحَالَةِ نَقْلِ غَيْرِ الْمَذْهَبِ وَتَرْكِ الْمَذْهَبِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا يَأْتِي عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ: لِيَظْهَرَ فِي الْإِيصَاءِ) تَعْلِيلٌ لِلْمَنْفِيِّ وَهُوَ يَلْزَمُهُ وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَيْ النَّذْرَ مُعَلَّقٌ بِالصِّحَّةِ تَعْلِيلٌ لِلنَّفْيِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالصِّحَّةِ) أَيْ النَّذْرَ وَهُوَ قَوْلُ الْمَرِيضِ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ قَوْلِهِ إذَا بَرِئْت (قَوْلُهُ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّحِيحَ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّهْرِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَمَا صَحَّ يَوْمًا يَلْزَمُهُ الْإِيصَاءُ بِالْجَمِيعِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِقَدْرِ مَا صَحَّ وَفَصَّلَ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ إنْ لَمْ يَصُمْ الْيَوْمَ الَّذِي صَحَّ فِيهِ لَزِمَهُ الْكُلُّ وَإِنْ صَامَهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَالْمَرِيضِ فِي رَمَضَانَ إلَخْ) هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا اضْطِرَابٌ وَعَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ يَجِبُ إبْدَالُ الصَّحِيحِ بِالْمَرِيضِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّحِيحَ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّهْرِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَوْ صَامَ بَعْضَهُ ثُمَّ مَاتَ يَلْزَمُهُ الْإِيصَاءُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ وَأَمَّا الْمَرِيضُ إذَا نَذَرَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الصِّحَّةِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَمَا صَحَّ يَوْمًا لَزِمَهُ الْإِيصَاءُ بِالْجَمِيعِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِقَدْرِ مَا صَحَّ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَفْصِيلَ الطَّحَاوِيِّ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَضَاءِ كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ الْمَارِّ وَلِذَا رَدُّوا عَلَيْهِ هَذَا وَفِي السِّرَاجِ رَجُلٌ نَذَرَ صَوْمَ رَجَبٍ فَأَقَامَ أَيَّامًا قَادِرًا عَلَى الصَّوْمِ قَبْلَ رَجَبٍ ثُمَّ مَاتَ ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةَ بِشَهْرٍ كَامِلٍ وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ يُوصِي بِقَدْرِ مَا قَدَرَ وَذَكَرَ فِي الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ رَجَبٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالْأَوَّلَانِ رِوَايَتَانِ عَنْهُمَا وَالثَّالِثُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ إلْزَامَ مَا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مُحَالٌ وَلِذَا لَا يُوصِي إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَضَاءِ رَمَضَانَ وَلَهُمَا عَلَى طَرِيقَةِ الْحَاكِمِ أَنَّ النَّذْرَ سَبَبٌ مُلْزِمٌ فَجَازَ الْفِعْلُ عَقِيبَهُ وَإِنَّمَا التَّأْخِيرُ لِتَسْهِيلِ الْأَدَاءِ إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ وَلَهُمَا وَعَلَى طَرِيقَةِ الْفَتَاوَى أَنَّ اللُّزُومَ إذَا لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الْأَدَاءِ يَظْهَرُ فِي خَلَفِهِ وَهُوَ الْإِطْعَامُ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ إذَا نَذَرَ شَهْرًا غَيْرَ مُعِينٍ ثُمَّ أَقَامَ بَعْدَ النَّذْرِ أَيَّامًا قَادِرًا عَلَى الصَّوْمِ فَلَمْ يَصُمْ فَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ الْوَصِيَّةُ لِجَمِيعِ الشَّهْرِ عَلَى كِلَا الطَّرِيقَتَيْنِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ لِقَدْرِ مَا قَدَرَ، وَجْهُ قَوْلِهِمَا عَلَى طَرِيقِ الْحَاكِمِ أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ صَالِحٌ لِصَوْمِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ النَّذْرِ فَإِذَا لَمْ يَصُمْ جُعِلَ كَالْقَادِرِ عَلَى الْجَمِيعِ فَوَجَبَ الْإِيصَاءُ وَعَلَى طَرِيقَةِ الْفَتَاوَى النَّذْرُ مُلْزِمٌ فِي الذِّمَّةِ السَّاعَةَ وَلَا يُشْتَرَطُ إمْكَانُ الْأَدَاءِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ إذَا صَامَ مَا أَدْرَكَ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجِبُ

стр. 709

مَاتَ بَعْدَمَا صَحَّ يَوْمًا يَلْزَمُهُ الْإِيصَاءُ بِالْجَمِيعِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِقَدْرِ مَا صَحَّ وَفَصَّلَ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ إنْ لَمْ يَصُمْ الْيَوْمَ الَّذِي صَحَّ فِيهِ لَزِمَهُ الْكُلُّ وَإِنْ صَامَهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَالْمَرِيضِ فِي رَمَضَانَ إذَا صَحَّ يَوْمًا فَصَامَهُ ثُمَّ مَاتَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ بِالصَّوْمِ تَعَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهِ قَضَاءُ يَوْمٍ آخَرَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَصُمْهُ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ الْكُلُّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ لِأَنَّ مَا قَدَرَ فِيهِ صَالِحٌ لِقَضَاءِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالْوَسَطِ وَالْأَخِيرِ فَلَمَّا قَدَرَ عَلَى قَضَاءِ الْبَعْضِ فَكَأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى قَضَاءِ الْكُلِّ إلَيْهِ أَشَارَ فِي الْبَدَائِعِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَلَوْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِحَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَدَاءُ الْأَصْلِ فَلَا يَجِبُ أَدَاءُ الْبَدَلِ وَلَوْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ وَهُوَ صَحِيحٌ فَعَاشَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ مَاتَ أَطْعَمَ عَنْهُ الشَّهْرَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ (قَوْلُهُ: وَيُطْعِمُ وَلِيُّهُمَا لِكُلِّ يَوْمٍ كَالْفِطْرَةِ بِوَصِيَّةٍ) أَيْ يُطْعِمُ وَلِيُّ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ عَنْهُمَا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ أَدْرَكَاهُ كَصَدَقَةٍ الْفِطْرِ إذَا أَوْصَيَا بِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا عَجَزَا عَنْ الصَّوْمِ الَّذِي هُوَ فِي ذِمَّتِهِمَا الْتَحَقَا بِالشَّيْخِ الْفَانِي دَلَالَةً لَا قِيَاسًا فَوَجَبَ عَلَيْهِمَا الْإِيصَاءُ بِقَدْرِ مَا أَدْرَكَا فِيهِ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَلَوْ قَالَ وَيُطْعِمُ وَلِيُّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ لَكَانَ أَشْمَلَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يَخُصُّ الْمَرِيضَ وَالْمُسَافِرَ وَلَا مَنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا وَوَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بَلْ أَرَادَ بِالْوَلِيِّ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَدْخُلُ وَصِيُّهُمَا وَأَرَادَ بِتَشْبِيهِهِ بِالْفِطْرَةِ كَالْكَفَّارَةِ التَّشْبِيهَ مِنْ جِهَةِ الْمِقْدَارِ بِأَنْ يُطْعِمَ عَنْ صَوْمِ كُلِّ يَوْمٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ لَا التَّشْبِيهَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ كَافِيَةٌ هُنَا وَلِهَذَا عَبَّرَ بِالْإِطْعَامِ دُونَ الْإِيتَاءِ دُونَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَإِنَّ الرُّكْنَ فِيهَا التَّمْلِيكُ وَلَا تَكْفِي الْإِبَاحَةُ وَقَيَّدَ بِالْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْمُرْ لَا يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ شَيْءٌ كَالزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْإِيصَاءِ لِيَتَحَقَّقَ الِاخْتِيَارُ إلَّا إذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْعَشْرَ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ تِرْكَتِهِ مِنْ غَيْرِ إيصَاءٍ لِشِدَّةِ تَعَلُّقِ الْعَشْرِ بِالْعَيْنِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ فِي مَسْأَلَةِ إذَا بَاعَ صَاحِبُ الْمَالِ مَالَهُ قَبْلَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ تَبَرَّعَ الْوَرَثَةُ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَالْقَتْلِ إذَا تَبَرَّعَ الْوَارِثُ بِالْإِطْعَامِ ــ [منحة الخالق] الْإِيصَاءُ بِالْبَاقِي وَعَلَى الثَّانِي يَجِبُ وَمِثْلُهُ لَوْ نَذَرَ لَيْلًا صَوْمَ شَهْرٍ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَمَاتَ فِي اللَّيْلِ لَا يَجِبُ الْإِيصَاءُ عَلَى الْأَوَّلِ لِعَدَمِ الْإِدْرَاكِ وَيَجِبُ عَلَى الثَّانِي وَلَوْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ صَوْمَ رَجَبٍ ثُمَّ أَقَامَ أَيَّامًا وَلَمْ يَصُمْ فَقَدْ مَرَّ اهـ. مَا فِي السِّرَاجِ مُلَخَّصًا وَبِهِ عُلِمَ وَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ وَالْمُطْلَقِ ثُمَّ قَالَ فِي السِّرَاجِ مَرِيضٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ نَذَرَ صَوْمَ رَجَبٍ ثُمَّ دَخَلَ وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ صَحَّ بَعْدَهُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَلَمْ يَصُمْ ثُمَّ مَرِضَ وَمَاتَ فَعَلَيْهِ الْإِيصَاءُ بِجَمِيعِ الشَّهْرِ أَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ الْفَتَاوَى فَظَاهِرٌ وَكَذَا عَلَى طَرِيقَةِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ بِخُرُوجِ الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ وَصِحَّتِهِ بَعْدَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرٍ مُطْلَقٍ فَإِذَا لَمْ يَصُمْ فِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِيصَاءُ بِجَمِيعِ الشَّهْرِ كَمَا فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ إذَا بَقِيَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ وَلَمْ يَصُمْ ثُمَّ مَاتَ اهـ. (قَوْلُهُ: لَكَانَ أَشْمَلَ إلَخْ) أَجَابَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فَوُجُوبُهَا عَلَيْهِ بِالْأَوْلَى عَلَى أَنَّ الْفَصْلَ مَعْقُودٌ لِلْعَوَارِضِ (قَوْلُهُ: بَلْ أَرَادَ بِالْوَلِيِّ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بِدُونِ بَلْ (قَوْلُهُ: وَكَذَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَالْقَتْلِ إلَخْ) كَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَالدُّرَرِ قَالَ فِي الشرنبلالية أَقُولُ: لَا يَصِحُّ تَبَرُّعُ الْوَارِثِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا ابْتِدَاءُ عِتْقِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَلَا يَصِحُّ إعْتَاقُ الْوَارِثِ عَنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ وَالصَّوْمُ فِيهَا بَدَلٌ عَنْ الْإِعْتَاقِ لَا يَصِحُّ فِيهِ الْفِدْيَةُ كَمَا يَأْتِي اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْعَزْمِيَّةِ مُعْتَرِضًا عَلَى صَاحِبِ الدُّرَرِ وَالزَّيْلَعِيِّ وَادَّعَى أَنَّ الزَّيْلَعِيَّ وَهَمَ فِي فَهْمِ كَلَامِهِمْ الْكَافِي وَعِبَارَةُ الْكَافِي عَلَى مَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَلَى مُعْسِرٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ قَتْلٍ وَعَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ لَمْ تَجُزْ الْفِدْيَةُ كَمُتَمَتِّعٍ عَجَزَ عَنْ الدَّمِ وَالصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ هُنَا بَدَلٌ وَلَا بَدَلَ لِلْبَدَلِ فَإِنْ مَاتَ وَأَوْصَى بِالتَّكْفِيرِ صَحَّ مِنْ ثُلُثِهِ وَصَحَّ التَّبَرُّعُ فِي الْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ بِلَا إيصَاءٍ إلْزَامُ الْوَلَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَا إلْزَامَ فِي الْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ انْتَهَتْ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهَا نَصٌّ فِيمَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَأَمَّا مَا ادَّعَاهُ فِي الْعَزْمِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْمَوْضُوعَ فِي كَلَامِ الْكَافِي هُوَ الْكَفَّارَةُ مُطْلَقًا وَلَمَّا وَقَعَ فِي سِيَاقِ كَلَامِهِ ذِكْرُ كَفَّارَةِ يَمِينٍ أَوْ قَتْلٍ وَهُمَا قَدْ اشْتَرَكَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِعْتَاقِ ذَهَلَ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ حَقِيقَةِ الْحَالِ فَسَاقَ كَلَامَهُ عَلَى تَعَلُّقِ الْمَسْأَلَةِ بِهِمَا وَقَالَ مَا قَالَ اهـ. فَبَعِيدٌ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلِلشَّيْخِ الْفَانِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ قَتْلٍ لَا تَجُوزُ لَهُ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ هُنَا بَدَلٌ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّ ذَاكَ فِي الْحَيِّ وَمَا هُنَا فِيمَا إذَا تَبَرَّعَ عَنْهُ الْوَلِيُّ فَيَصِحُّ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْأَصْلِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْإِعْتَاقِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِلْزَامِ كَمَا بَسَطَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِي الْجَوَابِ عَنْ الدُّرَرِ وَفِي الْإِمْدَادِ فِي فَصْلِ إسْقَاطِ الصَّلَاةِ وَلَزِمَ عَلَيْهِ يَعْنِي مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ الْوَصِيَّةُ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَبَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ وَأَوْصَى بِفِدْيَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ صِيَامِ فَرْضٍ وَكَذَا صَوْمُ كَفَّارَةِ يَمِينٍ وَقَتْلِ خَطَإٍ وَظِهَارٍ وَجِنَايَةٍ عَلَى إحْرَامٍ وَقَتْلِ مُحْرِمٍ صَيْدًا وَصَوْمِ مَنْذُورٍ فَيُخْرِجُ عَنْهُ وَلِيُّهُ مِنْ ثُلُثِ مَا تَرَكَ اهـ. فَقَدْ نَصَّ عَلَى جَوَازِ الْإِيصَاءِ بِذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَلَا مَانِعَ مِنْ التَّوْفِيقِ

стр. 710

وَالْكِسْوَةِ يَجُوزُ وَلَا يَجُوزُ التَّبَرُّعُ بِالْإِعْتَاقِ لِمَا فِيهِ مِنْ إلْزَامِ الْوَلَاءِ لِلْمَيِّتِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَأَشَارَ بِالْوَصِيَّةِ إلَى أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ وَإِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ كَالصَّوْمِ بِجَامِعِ أَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى بَلْ أَوْلَى لِكَوْنِهَا أَهَمَّ وَيُؤَدِّي عَنْ كُلِّ وِتْرٍ نِصْفَ صَاعٍ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عِنْدَ الْإِمَامِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَيُعْتَبَرُ كُلُّ صَلَاةٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِلَى أَنَّ سَائِرَ حُقُوقِهِ تَعَالَى كَذَلِكَ مَالِيًّا كَانَ أَوْ بَدَنِيًّا عِبَادَةً مَحْضَةً أَوْ فِيهِ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ أَوْ عَكْسَهُ كَالْعَشْرِ أَوْ مُؤْنَةً مَحْضَةً كَالنَّفَقَاتِ أَوْ فِيهِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ كَالْكَفَّارَاتِ وَإِلَى أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَصُومُ عَنْهُ وَلَا يُصَلِّي لِحَدِيثِ النَّسَائِيّ «لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ» وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِمَا أَدْرَكَا عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ إذْ لَوْ مَاتَا قَبْلَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْإِيصَاءُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ لَكِنْ لَوْ أَوْصَيَا بِهِ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُمَا؛ لِأَنَّ صِحَّتَهَا لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْوُجُوبِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَأَشَارَ أَيْضًا إلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الِاعْتِكَافَ ثُمَّ مَاتَ أَطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ أَدَائِهِ فَوَقَعَ الْقَضَاءُ بِالْإِطْعَامِ كَالصَّوْمِ فِي الصَّلَاةِ كَذَا ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا كَانَ عِبَادَةً بَدَنِيَّةً فَإِنْ أَوْصَى يُطْعِمُ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَنْ كُلِّ وَاجِبٍ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَمَا كَانَ عِبَادَةً مَالِيَّةً كَالزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ عَنْهُ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ مُرَكَّبًا مِنْهُمَا كَالْحَجِّ فَإِنَّهُ يُحِجُّ عَنْهُ رَجُلًا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ: وَقَضَيَا مَا قَدَرَا بِلَا شَرْطِ وِلَاءٍ) أَيْ لَا يُشْتَرَطُ التَّتَابُعُ فِي الْقَضَاءِ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَاَلَّذِي فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَةٍ غَيْرُ مَشْهُورٍ لَا يُزَادُ بِمِثْلِهِ بِخِلَافِ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنَّهَا مَشْهُورَةٌ فَيُزَادُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْكَافِي لَكِنْ الْمُسْتَحَبُّ التَّتَابُعُ وَأَشَارَ بِإِطْلَاقِهِ إلَى أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ مُطْلَقٌ وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ وَمَعْنَى التَّرَاخِي عَدَمُ تَعَيُّنِ الزَّمَنِ الْأَوَّلِ لِلْفِعْلِ فَفِي أَيِّ وَقْتٍ شَرَعَ فِيهِ كَانَ مُمْتَثِلًا وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ بِالتَّأْخِيرِ وَيَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ فِي زَمَانٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْأَدَاءِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَلِهَذَا لَهُ التَّطَوُّعُ قَبْلَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ تَأْخِيرُ الْوَاجِبِ عَنْ وَقْتِهِ الْمُضَيَّقِ وَلِهَذَا إذَا أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ آخَرُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا تَجِبُ خَلَفًا عَنْ الصَّوْمِ عِنْدَ الْعَجْزِ وَلَمْ يُوجَدْ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْقَضَاءِ وَلِهَذَا قَالَ (فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ قَدَّمَ الْأَدَاءَ عَلَى الْقَضَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي وَقْتِهِ وَهُوَ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ وَيَصُومُ الْقَضَاءَ بَعْدَهُ وَهَذَا بِخِلَافِ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهَا عَلَى الْفَوْرِ وَلَا يُبَاحُ التَّأْخِيرُ إلَّا بِعُذْرٍ ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ. (قَوْلُهُ: وَلِلْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ إذَا خَافَتَا عَلَى الْوَلَدِ أَوْ النَّفْسِ) أَيْ لَهُمَا الْفِطْرُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ وَعَنْ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ» قَيَّدَ بِالْخَوْفِ بِمَعْنَى غَلَبَةِ الظَّنِّ بِتَجْرِبَةٍ أَوْ إخْبَارِ طَبِيبٍ حَاذِقٍ مُسْلِمٍ كَمَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَخَفْ لَا يُرَخَّصُ لَهَا الْفِطْرُ وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ إفْطَارُهُ بِسَبَبِ خَوْفِ هَلَاكِ ابْنِهِ فِي الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ فِي الْإِكْرَاهِ جَاءَ مِنْ قِبَلِ مَنْ لَيْسَ لَهُ الْحَقُّ فَلَا يُعْذَرُ لِصِيَانَةِ نَفْسِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ وَهُنَاكَ فَرْقٌ آخَرُ مَذْكُورٌ فِي النِّهَايَةِ وَأَطْلَقَ الْمُرْضِعَ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأُمِّ وَالظِّئْرِ وَأَمَّا الظِّئْرُ فَلِأَنَّ الْإِرْضَاعَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا بِالْعَقْدِ وَأَمَّا الْأُمُّ فَلِوُجُوبِهِ دِيَانَةً مُطْلَقًا وَقَضَاءً إذَا كَانَ الْأَبُ مُعْسِرًا أَوْ كَانَ الْوَلَدُ لَا يَرْضَعُ مِنْ غَيْرِهَا وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي الذَّخِيرَةِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُرْضِعِ الظِّئْرُ لَا الْأُمُّ فَإِنَّ الْأَبَ يَسْتَأْجِرُ غَيْرَهَا وَإِنَّمَا قَالَ إذَا خَافَتَا عَلَى الْوَلَدِ وَلَمْ يَقُلْ كَالْقُدُورِيِّ إذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ الْمُسْتَأْجَرَ إذْ لَا وَلَدَ لَهَا كَذَا قِيلَ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ وَلَدُهَا مِنْ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُضَافَ يَعُمُّ سَوَاءٌ كَانَ مُضَافًا لِمُفْرَدٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَيَشْمَلُ الْوَلَدَ الَّذِي وَلَدَتْهُ وَاَلَّذِي أَرْضَعَتْهُ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُهَا شَرْعًا وَإِنْ كَانَ وَلَدُهَا مَجَازًا ــ [منحة الخالق] بِمَا مَرَّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا فِي حَاشِيَةِ مِسْكِينٍ عَنْ الْأَقْصَرِ أَيْ مِنْ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْقَتْلِ قَتْلُ الصَّيْدِ لَا قَتْلُ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إطْعَامٌ اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ وَلْيُرَاجَعْ كَيْ يَظْهَرَ الْحَقُّ. (قَوْلُهُ: وَهُنَاكَ فَرْقٌ آخَرُ مَذْكُورٌ فِي النِّهَايَةِ) وَهُوَ أَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ مَأْمُورَةٌ بِصِيَانَةِ الْوَلَدِ مَقْصُودًا وَلَا يَتَأَتَّى بِدُونِ الْإِفْطَارِ عِنْدَ الْخَوْفِ فَكَانَتْ مَأْمُورَةً أَيْضًا بِالْإِفْطَارِ وَالْأَمْرُ بِهِ مَعَ الْكَفَّارَةِ الَّتِي بِنَاؤُهَا عَلَى الزَّجْرِ عَنْهُ لَا يَجْتَمِعَانِ بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ غَيْرُ مَأْمُورٍ قَصْدًا بِصِيَانَةِ غَيْرِهِ بَلْ نَشَأَ الْأَمْرُ هُنَاكَ مِنْ ضَرُورَةِ حُرْمَةِ الْقَتْلِ وَالْحُكْمُ يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الْأَمْرِ الْقَصْدِيِّ وَالضِّمْنِيِّ (قَوْلُهُ: وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ وَلَدُهَا مِنْ الرَّضَاعِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ أَنْ لَوْ أَرْضَعَتْهُ وَالْحُكْمُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ لَوْ خَافَتْ عَلَى الْوَلَدِ جَازَ لَهَا الْفِطْرُ

стр. 711

لُغَةً وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَالْمُرْضِعُ بِمَعْنَى أَوْ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَابِتٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْحَامِلُ هِيَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ وَالْمُرْضِعُ هِيَ الَّتِي لَهَا اللَّبَنُ وَلَا يَجُوزُ إدْخَالُ التَّاءِ فِي أَحَدِهِمَا كَمَا فِي حَائِضٍ وَطَالِقٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ لَا الْحَادِثَةِ إلَّا إذَا أُرِيدَ الْحُدُوثُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إدْخَالُ التَّاءِ بِأَنْ يُقَالَ حَائِضَةٌ الْآنَ وَغَدًا كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ إذَا مَاتَا قَبْلَ أَنْ يَزُولَ خَوْفُهُمَا عَلَى الْوَلَدِ أَوْ عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا الْقَضَاءُ كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ لَكِنْ صَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّ لِلْقَضَاءِ شَرَائِطُ مِنْهَا الْقُدْرَةُ عَلَى الْقَضَاءِ وَهُوَ بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ فَعَلَى هَذَا إذَا زَالَ الْخَوْفُ أَيَّامًا لَزِمَهُمَا بِقَدْرِهِ بَلْ وَلَا خُصُوصِيَّةَ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ وَمَاتَ قَبْلَ زَوَالِهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَيَدْخُلُ الْمُكْرَهُ وَالْأَقْسَامُ الثَّمَانِيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ. . (قَوْلُهُ وَلِلشَّيْخِ الْفَانِي وَهِيَ يَفْدِي فَقَطْ) أَيْ لَهُ الْفِطْرُ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَلَيْسَتْ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ لِعَدَمِ وُرُودِ نَصٍّ فِيهِمْ وَوُرُودِهِ فِي الشَّيْخِ الْفَانِي وَهُوَ الَّذِي كُلَّ يَوْمٍ فِي نَقْصٍ إلَى أَنْ يَمُوتَ وَسُمِّيَ بِهِ إمَّا؛ لِأَنَّهُ قَرُبَ مِنْ الْفَنَاءِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ فَنِيَتْ قُوَّتُهُ وَإِنَّمَا لَزِمَتْهُ بِاعْتِبَارِ شُهُودِهِ لِلشَّهْرِ حَتَّى لَوْ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ وَصَامَ كَانَ مُؤَدِّيًا وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِأَجْلِ الْحَرَجِ وَعُذْرُهُ لَيْسَ بِعَرَضِ الزَّوَالِ حَتَّى يُصَارَ إلَى الْقَضَاءِ فَوَجَبَ الْفِدْيَةُ لِكُلِّ يَوْمٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ لَكِنْ يَجُوزُ هُنَا طَعَامُ الْإِبَاحَةِ أَكْلَتَانِ مُشْبِعَتَانِ بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْفِدْيَةِ الْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّهَا تَنْبَنِي عَنْ تَمْلِيكٍ. اهـ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَيُحْمَلُ مَا فِي الْمِعْرَاجِ عَلَى الْفِدْيَةِ فِي الْحَجِّ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ يَبْطُلُ حُكْمُ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْخَلْفِيَّةِ اسْتِمْرَارُ الْعَجْزِ فِي الصَّوْمِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِهِ لِيَخْرُجَ الْمُتَيَمِّمُ إذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ لَا تَبْطُلُ الصَّلَوَاتُ الْمُؤَدَّاةُ بِالتَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ خَلِيفَةَ التَّيَمُّمِ مَشْرُوطٌ بِمُجَرَّدِ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ لَا بِقَيْدِ دَوَامِهِ وَكَذَا خَلْفِيَّةُ الْأَشْهُرِ عَنْ الْإِقْرَاءِ فِي الِاعْتِدَادِ مَشْرُوطٌ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ مَعَ سِنِّ الْيَأْسِ لَا بِشَرْطِ دَوَامِهِ حَتَّى لَا تَبْطُلَ الْأَنْكِحَةُ الْمَاضِيَةُ بِعَوْدِ الدَّمِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْحَيْضِ وَفِي الْكَافِي وَشَرْطُ الْخَلْفِيَّةِ اسْتِمْرَارُ الْعَجْزِ كَمَا فِي الْيَمِينِ وَفِي صَوْمِ دَمِ الْمُتْعَةِ وَغَيْرِهَا قَدْ تَخَلَّفَ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ. اهـ. وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا لَمْ يُدْرِكْ عِدَّةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ الْفَانِيَ لَوْ كَانَ مُسَافِرًا فَمَاتَ قَبْلَ الْإِقَامَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيصَاءُ بِالْفِدْيَةِ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ غَيْرَهُ فِي التَّخْفِيفِ لَا فِي التَّغْلِيظِ لَكِنْ ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ بِصِيغَةِ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ مَعَ أَنَّ الْأَوْلَى الْجَزْمُ بِهِ لِاسْتِفَادَتِهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَلَعَلَّهَا لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فَلَمْ يَجْزِمُوا بِهَا وَلِأَنَّ الْفِدْيَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا عَنْ صَوْمٍ هُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ لَا بَدَلٌ عَنْ غَيْرِهِ فَجَازَتْ عَنْ رَمَضَانَ وَقَضَائِهِ وَالنَّذْرِ حَتَّى لَوْ نَذَرَ صَوْمَ الْأَبَدِ فَضَعُفَ عَنْ الصَّوْمِ لِاشْتِغَالِهِ بِالْمَعِيشَةِ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ وَيُفْطِرَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَيْقَنَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى قَضَائِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِطْعَامِ لِعُسْرَتِهِ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ لِشِدَّةِ الْحَرِّ كَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيَقْضِيَهُ فِي الشِّتَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ نَذَرَ الْأَبَدَ وَلَوْ نَذَرَ صَوْمًا مُعَيَّنًا فَلَمْ يَصُمْ حَتَّى صَارَ فَانِيًا جَازَتْ لَهُ الْفِدْيَةُ وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ قَتْلٍ فَلَمْ يَجِدْ مَا يُكَفِّرُ بِهِ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ عَاجِزٌ عَنْ الصَّوْمِ أَوْ لَمْ يَصُمْ حَتَّى صَارَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا تَجُوزُ لَهُ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ هُنَا بَدَلٌ عَنْ غَيْرِهِ وَلِذَا لَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَى الصَّوْمِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَمَّا يُكَفِّرُ بِهِ مِنْ الْمَالِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَغَايَةِ الْبَيَانِ وَكَذَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَنْ أَذًى وَلَمْ يَجِدْ نُسُكًا يَذْبَحُهُ وَلَا ثَلَاثَةَ آصُعَ حِنْطَةٍ يُفَرِّقُهَا عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ وَهُوَ فَانٍ لَا يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ فَأَطْعَمَ عَنْ الصِّيَامِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ وَفِي الْقُنْيَةِ وَلَوْ تَصَدَّقَ الشَّيْخُ الْفَانِي بِاللَّيْلِ عَنْ صَوْمِ الْفِدْيَةِ يُجْزِئُهُ وَفِي فَتَاوَى أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ إنْ شَاءَ أَعْطَى الْفِدْيَةَ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ بِمَرَّةٍ وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهَا. ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَالْمُرْضِعُ هِيَ الَّتِي لَهَا اللَّبَنُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ الْمُرْضِعُ هِيَ الَّتِي شَأْنُهَا الْإِرْضَاعُ وَإِنْ لَمْ تُبَاشِرْ وَالْمُرْضِعَةُ هِيَ الَّتِي فِي حَالِ الْإِرْضَاعِ مُلْقِمَةً ثَدْيَهَا الصَّبِيَّ وَهَذَا الْفَرْقُ مَذْكُورٌ فِي الْكَشَّافِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إدْخَالُ التَّاءِ فِي أَحَدِهِمَا إلَخْ. (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِهِ) أَيْ بِقَوْلِهِ فِي الصَّوْمِ

стр. 712

فِي آخِرِهِ بِمَرَّةٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ أَعْطَى نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ عَنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ لِمَسَاكِينَ يَجُوزُ قَالَ الْحَسَنُ وَبِهِ نَأْخُذُ وَإِنْ أَعْطَى مِسْكِينًا صَاعًا عَنْ يَوْمَيْنِ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُجْزِئُهُ كَالْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ اسْتِشْهَادًا لِكَوْنِ الْبَدَلِ لَا بَدَلَ لَهُ وَذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ إذَا كَانَ جَمِيعُ رَأْسِهِ مَجْرُوحًا فَرَبَطَ الْجَبِيرَةَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ بَدَلٌ عَنْ الْغُسْلِ وَالْبَدَلُ لَا بَدَلَ لَهُ وَقَالَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ هُنَا أَصْلٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ لَا بَدَلٌ عَنْ غَيْرِهِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَلِلْمُتَطَوِّعِ بِغَيْرِ عُذْرٍ فِي رِوَايَةٍ وَيَقْضِي) أَيْ لَهُ الْفِطْرُ بِعُذْرٍ وَبِغَيْرِهِ وَإِذَا أَفْطَرَ قَضَى إنْ كَانَ نَفْلًا قَصْدِيًّا وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْفِطْرُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ وَلِهَذَا اخْتَارَهَا الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَالَ إنَّ الدَّلَالَةَ تَضَافَرَتْ عَلَيْهَا وَهِيَ أَوْجَهُ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هَلْ الضِّيَافَةُ عُذْرٌ أَوْ لَا قِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَا وَقِيلَ عُذْرٌ قَبْلَ الزَّوَالِ لَا بَعْدَهُ إلَّا إذَا كَانَ فِي عَدَمِ الْفِطْرِ بَعْدَهُ عُقُوقٌ لِأَحَدِ الْوَالِدَيْنِ لَا غَيْرِهِمَا حَتَّى لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَيُفْطِرَنَّ لَا يُفْطِرُ وَقِيلَ إنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ يَرْضَى بِمُجَرَّدِ حُضُورِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ لَا يُبَاحُ الْفِطْرُ وَإِنْ كَانَ يَتَأَذَّى بِذَلِكَ يُفْطِرُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَمْ يُصَحِّحْ شَيْئًا كَمَا تَرَى وَفِي الْكَافِي وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا عُذْرٌ وَصَحَّحَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ أَحْكَامِ الْخَلْوَةِ أَنَّ الضِّيَافَةَ عُذْرٌ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ قَالُوا وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ مِمَّنْ يَرْضَى بِمُجَرَّدِ حُضُورِهِ وَلَا يَتَأَذَّى بِتَرْكِ الْإِفْطَارِ لَا يُفْطِرُ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْبَابِ إنَّهُ إنْ كَانَ يَثِقُ مِنْ نَفْسِهِ الْقَضَاءَ يُفْطِرُ دَفْعًا لِلْأَذَى عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ لَا يَثِقُ لَا يُفْطِرُ وَإِنْ كَانَ فِي تَرْكِ الْإِفْطَارِ أَذَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْيَمِينِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. اهـ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ صَائِمًا عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ؛ لِأَنَّ لَهُ حُكْمَ رَمَضَانَ. اهـ. وَلِهَذَا لَا يُفْطِرُ لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِالطَّلَاقِ لَيُفْطِرَنَّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي النِّهَايَةِ الْأَظْهَرُ أَنَّ الضِّيَافَةَ عُذْرٌ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ إنْ لَمْ يُفْطِرْ إنْ نَفْلًا أَفْطَرَ وَإِنْ قَضَاءً لَا وَالِاعْتِمَادُ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ فِيهِمَا وَلَا يُحْنِثُهُ وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الضِّيَافَةَ عُذْرٌ فِي التَّطَوُّعِ تَكُونُ عُذْرًا فِي حَقِّ الضَّيْفِ وَالْمُضِيفِ كَذَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَأَطْلَقَ فِي قَضَاءِ التَّطَوُّعِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ فِطْرُهُ عَنْ قَصْدٍ أَوْ لَا بِأَنْ عَرَضَ الْحَيْضُ لِلصَّائِمَةِ الْمُتَطَوِّعَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَقَيَّدْنَا النَّفَلَ بِكَوْنِهِ قَصْدِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَرَعَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُتِمَّهُ فَإِنْ أَفْطَرَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَقَيَّدَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنْ لَا يَمْضِيَ عَلَيْهِ سَاعَةٌ مِنْ حِينِ ظَهَرَ بِأَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَإِنْ مَضَى سَاعَةٌ ثُمَّ أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَضَى عَلَيْهِ سَاعَةٌ صَارَ كَأَنَّهُ نَوَى فِي هَذِهِ السَّاعَةِ فَإِذَا كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ صَارَ شَارِعًا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إذَا نَوَى الصَّوْمَ لِلْقَضَاءِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ حَتَّى لَا تَصِحَّ نِيَّتُهُ عَنْ الْقَضَاءِ يَصِيرُ صَائِمًا وَإِنْ أَفْطَرَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ كَمَا إذَا نَوَى التَّطَوُّعَ ابْتِدَاءً وَهَذِهِ تَرِدُ إشْكَالًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَظْنُونِ. اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَمَا بَقِيَ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِنِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَفِي الْبَدَائِعِ إذَا شَرَعَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ ثُمَّ أَيْسَرَ فِي خِلَالِهِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَيُكْرَهُ لِلْعَبْدِ أَوْ لِلْأَجِيرِ أَوْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِالصَّوْمِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِيهِ وَمَنْ لَهُ الْحَقُّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَهُ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَابْنَةُ الرَّجُلِ وَقَرَابَتُهُ تَتَطَوَّعُ بِدُونِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفَوَّتُ حَقُّهُ. اهـ. وَقَيَّدَ فِي الْمُحِيطِ والولوالجية كَرَاهَةَ صَوْمِ الْمَرْأَةِ بِأَنْ يَضُرَّ بِالزَّوْجِ أَمَّا إذَا كَانَ لَا يَضُرُّهُ بِأَنْ كَانَ صَائِمًا أَوْ مَرِيضًا فَلَهَا أَنْ تَصُومَ وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّهِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ فَإِذَا كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ صَارَ شَارِعًا) الْمُرَادُ بِهِ قَبْلَ الضَّحْوَةِ الْكُبْرَى وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَيْ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إذَا قَطَعَهُ سِوَاهٌ قَطَعَهُ فِي الْحَالِ أَوْ بَعْدَ سَاعَةٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ

стр. 713

الْوَلَدِ وَالْأَمَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ الصَّوْمُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِهِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُمْ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْلَى بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ مَنَافِعَهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِلزَّوْجِ وَإِنَّمَا لَهُ حَقُّ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَتَقْضِي الْمَرْأَةُ إذَا أَذِنَ لَهَا الزَّوْجُ أَوْ بَانَتْ مِنْهُ وَيَقْضِي الْعَبْدُ إذَا أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى أَوْ أُعْتِقَ وَقَيَّدَ كَرَاهَةَ صَوْمِ الْأَجِيرِ أَيْضًا بِكَوْنِ الصَّوْمِ يَضُرُّ بِالْمُسْتَأْجِرِ فِي الْخِدْمَةِ فَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ فَلَهُ أَنْ يَصُومَ بِغَيْرِ إذْنِهِ. اهـ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالُوا يُبَاحُ الْفِطْرُ لِأَجْلِ الْمَرْأَةِ أَيْ لَا يَمْنَعُ صَوْمُ النَّفْلِ صِحَّةَ الْخَلْوَةِ وَفِي النَّظْمِ الْأَفْضَلُ أَنْ يُفْطِرَ لِلضِّيَافَةِ، وَلَا يَقُولَ: أَنَا صَائِمٌ؛ لِئَلَّا يَقِفَ عَلَى سِرِّهِ أَحَدٌ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ لَا يَصُومُ الْمَمْلُوكُ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى إلَّا إذَا كَانَ غَائِبًا وَلَا ضَرَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ. اهـ. وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي الْمُحِيطِ وَإِنْ أَحْرَمَتْ الْمَرْأَةُ تَطَوُّعًا بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ قَالُوا لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا وَالْأَجِيرُ إذَا كَانَ يَضُرُّهُ الْخِدْمَةُ وَكَذَا فِي الصَّلَوَاتِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّوْمَ وَالْحَجَّ وَالصَّلَاةَ سَوَاءٌ، وَالْأَظْهَرُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ إطْلَاقُ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ فِي الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ يَضُرُّ بِبَدَنِ الْمَرْأَةِ وَيُهْزِلُهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ الْآنَ يَطَؤُهَا وَالْعَبْدُ مَنَافِعُهُ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْلَى فَلَيْسَ لَهُ الصَّوْمُ مُطْلَقًا بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَوْ كَانَ الْمَوْلَى غَائِبًا فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُبْقًى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ إلَّا فِي الْفَرَائِضِ وَأَمَّا فِي النَّوَافِلِ فَلَا، وَفِي الْقُنْيَةِ وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ عَنْ كُلِّ مَا كَانَ الْإِيجَابُ مِنْ جِهَتِهَا كَالتَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ وَالْيَمِينِ دُونَ مَا كَانَ مِنْ جِهَتِهِ تَعَالَى كَقَضَاءِ رَمَضَانَ وَكَذَا الْعَبْدُ إلَّا إذَا ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ بِالصَّوْمِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَرْأَةِ بِهِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ إفْسَادَ الصَّوْمِ أَوْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا مَكْرُوهٌ نَصَّ عَلَيْهَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ لَيْسَ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ أَمْسَكَ يَوْمَهُ وَلَمْ يَقْضِ شَيْئًا) فَالْإِمْسَاكُ قَضَاءٌ لِحَقِّ الْوَقْتِ بِالتَّشَبُّهِ وَعَدَمُ الْقَضَاءِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِمَا فِيهِ وَأَطْلَقَ الْإِمْسَاكَ وَلَمْ يُبَيِّنْ صِفَتَهُ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ وَالْأَصَحُّ الْوُجُوبُ لِمُوَافَقَتِهِ لِلدَّلِيلِ وَهُوَ مَا ثَبَتَ مِنْ أَمْرِهِ ﵊ بِالْإِمْسَاكِ لِمَنْ أَكَلَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ حِينَ كَانَ وَاجِبًا وَأَطْلَقَ فِي عَدَمِ الْقَضَاءِ فَشَمِلَ مَا إذَا أَفْطَرَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ صَامَاهُ وَسَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَجَزَّأُ وُجُوبًا كَمَا لَا يَتَجَزَّأُ أَدَاءً وَأَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ مُنْعَدِمَةٌ فِي أَوَّلِهِ فَلَا يَجِبُ، وَقَيَّدَ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَلَغَ أَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي آخِرِهِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا وَهُوَ قِيَاسُ زُفَرَ وَفَرَّقَ أَئِمَّتُنَا بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ بِأَنَّ السَّبَبَ فِي الصَّلَاةِ الْجُزْءُ الْمُتَّصِلُ بِالْأَدَاءِ فَوُجِدَتْ الْأَهْلِيَّةُ عِنْدَهُ وَفِي الصَّوْمِ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ هُوَ السَّبَبُ وَالْأَهْلِيَّةُ مَعْدُومَةٌ عِنْدَهُ. قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُمْ فِي الْأُصُولِ: الْوَاجِبُ الْمُؤَقَّتُ قَدْ يَكُونُ الْوَقْتُ فِيهِ سَبَبًا لِلْمُؤَدَّى وَظَرْفًا لَهُ كَوَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ سَبَبًا وَمِعْيَارًا وَهُوَ مَا يَقَعُ فِيهِ مُقَدَّرًا بِهِ كَوَقْتِ الصَّوْمِ تَسَاهُلٌ؛ إذْ يَقْتَضِي أَنَّ السَّبَبَ تَمَامُ الْوَقْتِ فِيهِمَا، وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ ثُمَّ عَلَى مَا بَانَ مِنْ تَحْقِيقِ الْمُرَادِ قَدْ يُقَالُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَجِبَ الْإِمْسَاكُ فِي نَفْسِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ السَّبَبُ لِلْوُجُوبِ، وَإِلَّا لَزِمَ سَبْقُ الْوُجُوبِ عَلَى السَّبَبِ؛ لِلُزُومِ تَقَدُّمِ السَّبَبِ فَالْإِيجَابُ فِيهِ يَسْتَدْعِي سَبَبًا سَابِقًا وَالْفَرْضُ خِلَافُهُ وَلَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ لَزِمَ كَوْنُ مَا ذَكَرُوهُ فِي وَقْتِ الصَّلَوَاتِ مِنْ أَنَّ السَّبَبِيَّةَ تُضَافُ إلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ عَقِيبَهُ انْتَقَلَتْ إلَى مَا يَلِي ابْتِدَاءَ الشُّرُوعِ فَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ إلَى الْجُزْءِ الْأَخِيرِ تَقَرَّرَتْ السَّبَبِيَّةُ فِيهِ وَاعْتُبِرَ حَالُ الْمُكَلَّفِ عِنْدَهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ إذْ لَا دَاعِيَ لِجَعْلِهِ مَا يَلِيهِ دُونَ مَا يَقَعُ فِيهِ. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ قَوْلَهُمْ يَقْتَضِي أَنَّ السَّبَبَ تَمَامُ الْوَقْتِ مُسَلَّمٌ لَوْ سَكَتُوا وَهُمْ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ كُلِّ الْوَقْتِ سَبَبًا فِي الصَّلَاةِ وَذَكَرُوا أَنَّ السَّبَبِيَّةَ تَنْتَقِلُ مِنْ جُزْءٍ إلَى جُزْءٍ، وَقَوْلُهُ ثُمَّ عَلَى مَا بَانَ إلَى آخِرِهِ فِيهِ بَحْثٌ أَمَّا عَلَى اخْتِيَارِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ مِنْ أَنَّ السَّبَبِيَّةَ لِلَّيَالِيِ وَالْأَيَّامِ فَقَدْ وُجِدَ السَّبَبُ بِاللَّيْلَةِ فَالْإِمْسَاكُ إنَّمَا وَجَبَ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ سَبْقِ. ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَالْأَظْهَرُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَعِنْدِي أَنَّ إحَالَةَ الْمَنْعِ عَلَى الضَّرَرِ وَعَدَمِهِ عَلَى عَدَمِهِ أَوْلَى لِلْقَطْعِ بِأَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ لَا يُهْزِلُهَا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَنْعُهُ عَنْ وَطْئِهَا وَذَلِكَ إضْرَارٌ بِهِ فَإِنْ انْتَفَى بِأَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا جَازَ.

стр. 714

السَّبَبِ عَلَيْهِ وَهُوَ اللَّيْلُ وَأَمَّا عَلَى اخْتِيَارِ غَيْرِهِ مِنْ أَنَّ السَّبَبِيَّةَ خَاصَّةٌ بِالْأَيَّامِ وَأَنَّ اللَّيَالِيَ لَا دَخْلَ لَهَا فِي السَّبَبِيَّةِ فَلِأَنَّ لُزُومَ تَقَدُّمِ السَّبَبِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْإِمْكَانِ أَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ فَلَا وَالصَّوْمُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ مِعْيَارٌ لَهُ مُقَدَّرٌ بِهِ يَزِيدُ بِزِيَادَتِهِ وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ خَالِيًا عَنْ الصَّوْمِ لِيَكُونَ سَبَبًا مُتَقَدِّمًا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَا قَبْلَهُ سَبَبًا لِعَدَمِ الصَّلَاحِيَّةِ فَلَزِمَ فِيهِ مُقَارَنَةُ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ السَّبَبَ فِي الصَّوْمِ مُقَارِنٌ لِلْمُسَبَّبِ صَاحِبُ كَشْفِ الْأَسْرَارِ شَرْحِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيِّ بِخِلَافِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ ظَرْفٌ فَأَمْكَنَ تَقَدُّمُ السَّبَبِ عَلَى الْحُكْمِ حَتَّى لَوْ لَمْ يُمْكِنْ بِأَنْ شَرَعَ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ سَقَطَ اشْتِرَاطُ تَقَدُّمِ السَّبَبِ وَجُوِّزَتْ الْمُقَارَنَةُ إذْ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ مَا قَبْلَ الْوَقْتِ سَبَبًا وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ السَّبَبَ فِي الصَّوْمِ الْيَوْمُ الْكَامِلُ لَا الْجُزْءُ مِنْهُ وَلَا شَكَّ فِي الْمُقَارَنَةِ عَلَى هَذَا وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ إلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ صَارَ فِي آخِرِ النَّهَارِ بِصِفَةٍ لَوْ كَانَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ عَلَيْهَا لَلَزِمَهُ الصَّوْمُ فَعَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ تَطْهُرُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ وَالْمَجْنُونِ يُفِيقُ وَالْمَرِيضِ يَبْرَأُ وَالْمُسَافِرِ يَقْدَمُ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ الْأَكْلِ وَاَلَّذِي أَفْطَرَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ مُكْرَهًا أَوْ أَكَلَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ اسْتَبَانَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ أَفْطَرَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ أَوْ تَسَحَّرَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَعْلَمْ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ لَمْ يَجِبْ الْإِمْسَاكُ كَمَا فِي حَالَةِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ثُمَّ قِيلَ الْحَائِضُ تَأْكُلُ سِرًّا لَا جَهْرًا وَقِيلَ تَأْكُلُ سِرًّا وَجَهْرًا وَلِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ الْأَكْلُ جَهْرًا كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيَّرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عِبَارَةَ هَذَا الْأَصْلِ فَقَالَ كُلُّ مَنْ تَحَقَّقَ بِصِفَةٍ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ أَوْ قَارَنَ ابْتِدَاءُ وُجُودِهَا طُلُوعَ الْفَجْرِ وَتِلْكَ الصِّفَةُ بِحَيْثُ لَوْ كَانَتْ قَبْلَهُ وَاسْتَمَرَّتْ مَعَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ تَشَبُّهًا. قَالَ وَقُلْنَا كُلُّ مَنْ تَحَقَّقَ وَلَمْ نَقُلْ مَنْ صَارَ بِصِفَةٍ إلَى آخِرِهِ يَعْنِي كَمَا فِي النِّهَايَةِ لِيَشْتَمِلَ مَنْ أَكَلَ عَمْدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الصَّيْرُورَةَ لِلتَّحَوُّلِ وَلَوْ لِامْتِنَاعِ مَا يَلِيهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ الْمُفَادُ بِهِمَا فِيهِ. اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَكَلَ عَمْدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ عِبَارَةِ النِّهَايَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ حَالَةٌ بَعْدَ فِطْرِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا قَبْلَهُ وَكَلِمَةُ صَارَ تُفِيدُ التَّحَوُّلَ مِنْ حَالَةٍ إلَى أُخْرَى بِخِلَافِ تَحَقَّقَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا هَرَبَ مِنْهُ وَقَعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ غَيَّرَ صَارَ إلَى تَحَقَّقَ أَتَى بِكَلِمَةِ لَوْ الْمُفِيدَةِ لِامْتِنَاعِ مَا يَلِيهِ الْمُفِيدَةِ أَنَّ الصِّفَةَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً أَوَّلَ الْيَوْمِ فَلَا يَشْمَلُ كَلَامُهُ مَنْ أَكَلَ عَمْدًا فَلْيُتَأَمَّلْ فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلصَّوْمِ فِي أَوَّلِهِ كَمَنْ أَكَلَ عَمْدًا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الضَّابِطِ أَصْلًا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنَّمَا أَدْرَجُوهُ فِي هَذَا الْأَصْلِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ حُكْمَهُ وُجُوبُ الْإِمْسَاكِ تَشَبُّهًا فَهُوَ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُمْ بَيَانُ الْأَحْكَامِ وَعِبَارَةُ الْبَدَائِعِ أَوْلَى وَهِيَ أَمَّا وُجُوبُ الْإِمْسَاكِ تَشَبُّهًا بِالصَّائِمِينَ فَكُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَانِعٌ مِنْ الْوُجُوبِ أَوْ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ وَصَارَ بِحَالٍ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ كَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ وَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ وَالْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ وَالْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ وَالْمُسَافِرِ إذَا قَدِمَ وَكَذَا كُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ لِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَالْأَهْلِيَّةِ ثُمَّ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ بِأَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا أَوْ أَصْبَحَ يَوْمَ الشَّكِّ مُفْطِرًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ تَسَحَّرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ طَالِعٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ تَشَبُّهًا. اهـ. فَقَدْ جَعَلَ لِوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ أَصْلَيْنِ وَجَعَلَ بَعْضَ الْفُرُوعِ مُخَرَّجَةً عَلَى أَصْلٍ وَبَعْضَهَا عَلَى آخَرَ فَلَا إيرَادَ أَصْلًا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ صَبِيٌّ بَلَغَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَنَصْرَانِيٌّ أَسْلَمَ وَنَوَيَا الصَّوْمَ قَبْلَ الزَّوَالِ لَا يَجُوزُ صَوْمُهُمَا عَنْ الْفَرْضِ غَيْرَ أَنَّ الصَّبِيَّ يَكُونُ صَائِمًا عَنْ التَّطَوُّعِ بِخِلَافِ الْكَافِرِ لِفَقْدِ الْأَهْلِيَّةِ فِي حَقِّهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الصَّبِيَّ يَجُوزُ صَوْمُهُ عَنْ الْفَرْضِ وَقِيلَ جَوَابُهُ فِي الْكَافِرِ كَذَلِكَ، إلَيْهِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَعِبَارَةُ الْبَدَائِعِ إلَى قَوْلِهِ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ) سَقَطَ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ.

стр. 715

أَشَارَ فِي الْمُنْتَقَى ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَمْ يَكُنْ أَكَلَ شَيْئًا وَنَوَى الصَّوْمَ جَازَ عَنْ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ إذَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرَضِ وَالْمَرَضُ لَا يُنَافِي وُجُوبَ الصَّوْمِ بِخِلَافِ الصَّبَا وَالْكُفْرِ وَالْحَيْضِ؛ لِأَنَّهَا مُنَافِيَةٌ لِلصَّوْمِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِفْطَارَ ثُمَّ قَدِمَ وَنَوَى الصَّوْمَ فِي وَقْتِهِ صَحَّ) إنْ نَوَى قَبْلَ انْتِصَافِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ وَلَا صِحَّةَ الشُّرُوعِ أَطْلَقَ الصَّوْمَ فَشَمِلَ الْفَرْضَ الَّذِي لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّبْيِيتُ وَالنَّفَلَ وَحَيْثُ أَفَادَ صِحَّةَ صَوْمِ الْفَرْضِ لَزِمَ عَلَيْهِ صَوْمُهُ إنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ لِزَوَالِ الْمُرَخِّصِ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُقِيمًا فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ ثُمَّ سَافَرَ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْإِقَامَةِ فَهَذَا أَوْلَى إلَّا أَنَّهُ إذَا أَفْطَرَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِقِيَامِ شُبْهَةِ الْمُبِيحِ وَكَذَا لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الصَّوْمَ لَيْلًا وَأَصْبَحَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُضَ عَزِيمَتَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَصْبَحَ صَائِمًا لَا يَحِلُّ فِطْرُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَوْ أَفْطَرَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِفْطَارَ وَإِنَّمَا قَدِمَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَالْأَكْلِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا كَانَ الصِّحَّةَ مَعَ نِيَّةِ الْمُنَافِي فَمَعَ عَدَمِهَا أَوْلَى وَلِأَنَّ نِيَّةَ الْإِفْطَارِ لَا عِبْرَةَ بِهَا حَتَّى لَوْ نَوَى الصَّائِمُ الْفِطْرَ وَلَمْ يُفْطِرْ لَا يَكُونُ مُفْطِرًا وَكَذَا لَوْ نَوَى التَّكَلُّمَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ. (قَوْلُهُ وَيَقْضِي بِإِغْمَاءٍ سِوَى يَوْمٍ حَدَثَ فِي لَيْلَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ مَرَضٍ يُضْعِفُ الْقُوَى وَلَا يُزِيلُ الْحِجَا فَيَصِيرُ عُذْرًا فِي التَّأْخِيرِ لَا فِي الْإِسْقَاطِ وَإِنَّمَا لَا يَقْضِي الْيَوْمَ الْأَوَّلَ لِوُجُودِ الصَّوْمِ فِيهِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ الْمَقْرُونُ بِالنِّيَّةِ إذْ الظَّاهِرُ وُجُودُهَا مِنْهُ وَيَقْضِي مَا بَعْدَهُ لِانْعِدَامِ النِّيَّةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْدُثَ الْإِغْمَاءُ فِي اللَّيْلِ أَوْ فِي النَّهَارِ فِي أَنَّهُ لَا يَقْضِي الْيَوْمَ الْأَوَّلَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حُدُوثَهُ فِي لَيْلَتِهِ لِيُعْلَمَ حُكْمُ مَا إذَا حَدَثَ فِي الْيَوْمِ بِالْأَوْلَى لِوُجُودِ الْإِمْسَاكِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُغْمًى عَلَيْهِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْإِغْمَاءَ لَوْ كَانَ فِي شَعْبَانَ قَضَاهُ كُلَّهُ لِعَدَمِ النِّيَّةِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَهَتِّكًا يَعْتَادُ الْأَكْلَ فِي رَمَضَانَ أَوْ مُسَافِرًا قَضَاهُ كُلَّهُ لِعَدَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ النِّيَّةِ (قَوْلُهُ: وَبِجُنُونٍ غَيْرِ مُمْتَدٍّ) أَيْ يَقْضِيهِ إذَا فَاتَهُ بِجُنُونٍ غَيْرِ مُمْتَدٍّ وَهُوَ أَنْ لَا يَسْتَوْعِبَ الشَّهْرَ وَالْمُمْتَدُّ هُوَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الشَّهْرَ وَهُوَ مُسْقِطٌ لِلْحَرَجِ بِخِلَافِ مَا دُونَهُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ وُجِدَ وَهُوَ الشَّهْرُ وَالْأَهْلِيَّةُ بِالذِّمَّةِ وَفِي الْوُجُوبِ فَائِدَةٌ وَهُوَ صَيْرُورَتُهُ مَطْلُوبًا عَلَى وَجْهٍ لَا يُحْرَجُ فِي أَدَائِهِ بِخِلَافِ الْمُسْتَوْعِبِ فَإِنَّهُ يُحْرَجُ فِي أَدَائِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ وَالْإِغْمَاءُ لَا يَسْتَوْعِبُ الشَّهْرَ عَادَةً فَلَا حَرَجَ وَإِلَّا كَانَ رُبَّمَا يَمُوتُ فَإِنَّهُ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْجُنُونَ الْأَصْلِيَّ وَالْعَارِضَ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا بَلَغَ مَجْنُونًا الْتَحَقَ بِالصَّبِيِّ فَانْعَدَمَ الْخِطَابُ بِخِلَافِ مَا إذَا بَلَغَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ وَهَذَا مُخْتَارُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَدَخَلَ تَحْتَ غَيْرِ الْمُمْتَدِّ مَا إذَا أَفَاقَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ جَمِيعِ الشَّهْرِ خِلَافًا لِمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ عَنْ حَمِيدِ الدِّينِ الضَّرِيرِ أَنَّهُ قَالَ إذَا أَفَاقَ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَصَحَّحَهُ فِي النِّهَايَةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَصِحُّ فِيهِ كَاللَّيْلِ اعْلَمْ أَنَّ الْجُنُونَ يُنَافِي النِّيَّةَ الَّتِي هِيَ شَرْطُ الْعِبَادَاتِ فَلَا يَجِبُ مَعَ الْمُمْتَدِّ مِنْهُ مُطْلَقًا لِلْحَرَجِ وَمَا لَا يَمْتَدُّ جُعِلَ كَالنَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ لَا يَنْفِي أَصْلَ الْوُجُوبِ إذْ هُوَ بِالذِّمَّةِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ لَهُ بِاعْتِبَارِ آدَمِيَّتِهِ حَتَّى وَرِثَ وَمَلَكَ وَكَانَ أَهْلًا لِلثَّوَابِ كَأَنْ نَوَى صَوْمَ الْغَدِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَجُنَّ فِيهِ مُمْسِكًا كُلَّهُ صَحَّ فَلَا يَقْضِي لَوْ أَفَاقَ بَعْدَهُ وَصَحَّ إسْلَامُهُ تَبَعًا وَإِذَا كَانَ الْمُسْقِطُ الْحَرَجَ لَزِمَ اخْتِلَافُ الِامْتِدَادِ الْمُسْقِطِ فَقُدِّرَ فِي الصَّلَاةِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِصَيْرُورَةِ الصَّلَاةِ سِتًّا وَهُوَ أَقْيَسُ لَكِنَّهُمَا ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ أَوْ مُسَافِرًا قَضَاهُ كُلَّهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ كَذَا قَالُوا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمُسَافِرٍ يَضُرُّهُ الصَّوْمُ أَمَّا مَنْ لَا يَضُرُّهُ فَلَا يَقْضِي ذَلِكَ الْيَوْمَ حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصَّلَاحِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ صَوْمَهُ أَفْضَلُ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ قَصْدَ صَوْمِ الْغَدِ فِي اللَّيَالِيِ مِنْ الْمُسَافِرِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ مَمْنُوعٌ فِيمَا إذَا كَانَ لَا يَضُرُّهُ قَالَ الشُّمُنِّيُّ وَهَذَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ نَوَى أَمْ لَا أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ نَوَى فَلَا شَكَّ فِي الصِّحَّةِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ فَلَا شَكَّ فِي عَدَمِهَا (قَوْلُهُ: وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا) أَيْ قَالَ إنْ بَلَغَ مَجْنُونًا ثُمَّ أَفَاقَ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْقِيَاسِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَكِنِّي أَسْتَحْسِنُ فَأُوجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءَ مَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ الْأَصْلِيَّ لَا يُفَارِقُ الْعَارِضَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَيْسَ فِيهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى قِيَاسِ مَذْهَبِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَفِي مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ وَأَلْزَمْنَاهُ بِالْقَضَاءِ لَوْ أَفَاقَ بَعْضَهُ وَلَمْ نُسْقِطْهُ إلَّا فِي الْأَصْلِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ اهـ. لَكِنْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ وَجَوَابُ الْكِتَابِ مُطْلَقًا فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُنْتَقَى (قَوْلُهُ: وَصَحَّحَهُ فِي النِّهَايَةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ) أَيْ صَحَّحَا مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَكَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَفِي الْمُجْتَبَى وَالْمِعْرَاجِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَهُوَ مُخْتَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ

стр. 716

أَقَامَا الْوَقْتَ مُقَامَ الْوَاجِبِ كَمَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَفِي الصَّوْمِ بِاسْتِغْرَاقِ الشَّهْرِ لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ وَفِي الزَّكَاةِ بِاسْتِغْرَاقِ الْحَوْلِ وَأَبُو يُوسُفَ جَعَلَ أَكْثَرَهُ كَكُلِّهِ وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَقَبْلَ أَنْ يَعْقِلَ كَالْجُنُونِ الْمُمْتَدِّ وَإِذَا عَقَلَ تَأَهَّلَ لِلْأَدَاءِ دُونَ الْوُجُوبِ إلَّا الْإِيمَانَ وَأَمَّا النَّائِمُ فَلِكَوْنِ النَّوْمِ مُوجِبًا لِلْعَجْزِ لَزِمَ تَأْخِيرُ خِطَابِ الْأَدَاءِ لَا أَصْلِ الْوُجُوبِ وَلِذَا وَجَبَ الْقَضَاءُ إذَا زَالَ بَعْدَ الْوَقْتِ وَلَمَّا كَانَ لَا يَمْتَدُّ غَالِبًا لَمْ يَسْقُطْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ لِعَدَمِ الْحَرَجِ وَالْإِغْمَاءُ فَوْقَهُ وَإِنْ امْتَدَّ فِي الصَّلَوَاتِ بِأَنْ زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ جُعِلَ عُذْرًا مُسْقِطًا لَهَا دَفْعًا لِلْحَرَجِ لِكَوْنِهِ غَالِبًا وَلَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ امْتِدَادَهُ شَهْرًا نَادِرٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي إيجَابِهِ حَرَجٌ بِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْأَعْذَارَ أَرْبَعَةٌ صِبًا وَجُنُونٌ وَإِغْمَاءٌ وَنَوْمٌ وَقَدْ عُلِمَ أَحْكَامُهَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. (قَوْلُهُ: وَبِإِمْسَاكٍ بِلَا نِيَّةِ صَوْمٍ وَفِطْرٍ) أَيْ يَجِبُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ الْإِمْسَاكُ بِجِهَةِ الْعِبَادَةِ وَلَا عِبَادَةَ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَأَمَّا هِبَةُ النِّصَابِ مِنْ الْفَقِيرِ فَإِنَّهَا تُسْقِطُ الزَّكَاةَ بِدُونِ نِيَّتِهَا بِاعْتِبَارِ وُجُودِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يَقْضِي الْيَوْمَ الَّذِي حَدَثَ الْإِغْمَاءُ فِي لَيْلَتِهِ لِوُجُودِ النِّيَّةِ مِنْهُ ظَاهِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّأْوِيلِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتَأْوِيلُهَا أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا لَا يَنْوِي شَيْئًا أَوْ مُتَهَتِّكًا اعْتَادَ الْأَكْلَ فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَكُنْ حَالُهُ دَلِيلًا عَلَى عَزِيمَةِ الصَّوْمِ. اهـ. وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ وَرَدَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ ابْتِدَاءً لَا بِأَمْرٍ يُوجِبُ النِّسْيَانَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَدْرَى بِحَالِهِ بِخِلَافِ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْإِغْمَاءَ قَدْ يُوجِبُ نِسْيَانَهُ حَالَ نَفْسِهِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ فَبُنِيَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ حَالِهِ وَهُوَ وُجُودُ النِّيَّةِ وَأَشَارَ بِوَجَبَ الْقَضَاءُ فَقَطْ إلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لَوْ أَكَلَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا كَذَلِكَ إنْ أَكَلَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَإِنْ أَكَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ إمْكَانَ التَّحْصِيلِ فَصَارَ كَغَاصِبِ الْغَاصِبِ. (قَوْلُهُ وَلَوْ قَدِمَ مُسَافِرٌ أَوْ طَهُرَتْ حَائِضٌ أَوْ تَسَحَّرَ يَظُنُّهُ لَيْلًا وَالْفَجْرُ طَالِعٌ أَوْ أَفْطَرَ كَذَلِكَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ أَمْسَكَ يَوْمَهُ وَقَضَى وَلَمْ يُكَفِّرْ كَأَكْلِهِ عَمْدًا بَعْدَ أَكْلِهِ نَاسِيًا وَنَائِمَةٌ وَمَجْنُونَةٌ وُطِئَتَا) لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ صَارَ أَهْلًا لِلُّزُومِ وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ قَضَاءً لِحَقِّ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ مُعَظَّمٌ وَإِنَّمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْمُسَافِرِ وَالْحَائِضِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ أَصْلَ الْوُجُوبِ ثَابِتٌ عَلَيْهِمَا وَإِنَّمَا الْمُتَأَخِّرُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ وَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ فَإِنَّهُ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْإِمْسَاكُ أَيْضًا لَمْ يَجِبْ الْقَضَاءُ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِمَا أَوَّلَ الْجُزْءِ مِنْ الْيَوْمِ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَكَذَا لَوْ تَسَحَّرَ وَهُوَ يَظُنُّ بَقَاءَ اللَّيْلِ فَبَانَ خِلَافُهُ أَوْ أَفْطَرَ ظَانًّا زَوَالَ الْيَوْمِ فَبَانَ خِلَافُهُ وَجَبَ الْإِمْسَاكُ قَضَاءً لِحَقِّ الْوَقْتِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ أَوْ نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ وَوَجَبَ الْقَضَاءُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ كَمَا فِي الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَلَا كَفَّارَةَ فِي هَاتَيْنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَاصِرَةٌ وَهِيَ جِنَايَةُ عَدَمِ التَّثْبِيتِ إلَى أَنْ يَسْتَيْقِنَ لَا جِنَايَةُ الْإِفْطَارِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ وَلِهَذَا صَرَّحُوا بِعَدَمِ الْإِثْمِ عَلَيْهِ كَمَا قَالُوا فِي الْقَتْلِ الْخَطَإِ لَا إثْمَ فِيهِ وَالْمُرَادُ إثْمُ الْقَتْلِ وَصَرَّحَ بِأَنَّ فِيهِ إثْمَ تَرْكِ الْعَزِيمَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّثْبِيتِ حَالَةَ الرَّمْيِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَرَادَ بِالظَّنِّ فِي قَوْلِهِ ظَنَّهُ لَيْلًا التَّرَدُّدَ فِي بَقَاءِ اللَّيْلِ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ شَيْءٌ أَوْ لَا فَيَدْخُلُ الشَّكُّ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ لَوْ ظَهَرَ طُلُوعُ الْفَجْرِ عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ كَمَا لَوْ ظَنَّ وَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَتَسَحَّرَ مَعَ الشَّكِّ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ وَالْفَجْرُ طَالِعٌ تَيَقُّنَ الطُّلُوعِ لِمَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ شَكَّ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ أَوْ مُتَغَيِّمَةٍ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ يَدَعُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ لِقَوْلِهِ ﵊ «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» وَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُخْبِرْهُ رَجُلٌ عَدْلٌ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ وَذَكَرَ الْبَقَّالِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. اهـ. وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ وَالْفَجْرُ طَالِعٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ظَنَّ أَوْ شَكَّ فَتَسَحَّرَ ثُمَّ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ لَمْ يَفْسُدْ ــ [منحة الخالق] كَمَا فِي الْإِمْدَادِ وَمَشَى عَلَيْهِ مُصَحِّحًا لَهُ فِي نُورِ الْإِيضَاحِ. (قَوْلُهُ: أَرَادَ بِالظَّنِّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالظَّنِّ هُنَا مَا يَعُمُّ الشَّكَّ إذْ لَا يُلَائِمُ قَوْلَهُ بَعْدُ أَوْ أَفْطَرَ كَذَلِكَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ كَمَا تَرَى فَالصَّوَابُ إبْقَاؤُهُ عَلَى بَابِهِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَسْأَلَةِ الشَّكِّ (قَوْلُهُ: لِمَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مُطَابَقَةَ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالدَّلِيلِ إذْ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْمُضَافُ إلَى غَالِبِ الظَّنِّ لَا يُوجِبُ الْيَقِينَ اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ فَإِنَّ كَلَامَ الظَّهِيرِيَّةِ يُفِيدُ أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِالطُّلُوعِ لَا تُوجِبُ الْقَضَاءَ وَلَيْسَ فَوْقَ غَلَبَةِ الظَّنِّ إلَّا الْيَقِينُ فَإِيجَابُ الْقَضَاءِ بِانْضِمَامِ خَبَرِ الْعَدْلِ إلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ مُفِيدٌ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ الْيَقِينِ وَمُفِيدٌ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْيَقِينِ مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ أَصْلًا إذْ لَا يَحْصُلُ

стр. 717

صَوْمُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ وَقَوْلُهُ لَيْلًا لَيْسَ بِقَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ظَنَّ الطُّلُوعَ وَأَكَلَ مَعَ ذَلِكَ ثُمَّ تَبَيَّنَ صِحَّةُ ظَنِّهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ؛ لِأَنَّهُ بَنَى الْأَمْرَ عَلَى الْأَصْلِ فَلَمْ تَكْمُلْ الْجِنَايَةُ فَلَوْ قَالَ ظَنَّهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لَكَانَ أَوْلَى وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ تَعْمَلُ عَمَلَ الْيَقِينِ وَإِنْ أَكَلَ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ قِيلَ يَقْضِيهِ احْتِيَاطًا وَصَحَّحَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ نَاقِلًا عَنْ التُّحْفَةِ وَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قِيلَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَصَحَّحَهُ فِي الْإِيضَاحِ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزَالُ إلَّا بِمِثْلِهِ وَاللَّيْلُ أَصْلٌ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ وَلِلْمُحَقِّقِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَحْثٌ فِيهِ حَسَنٌ حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُتَيَقِّنَ بِهِ دُخُولُ اللَّيْلِ فِي الْوُجُودِ وَأَمَّا الْحُكْمُ بِبَقَائِهِ فَهُوَ ظَنِّيٌّ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالِاسْتِصْحَابِ وَالْأَمَارَةِ الَّتِي بِحَيْثُ تُوجِبُ عَدَمَ ظَنِّ بَقَاءِ اللَّيْلِ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ فَتَعَارَضَ دَلِيلَانِ ظَنِّيَّانِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَعَدَمِهِ فَيَتَهَاتَرَانِ فَيُعْمَلُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ اللَّيْلُ وَتَمَامُهُ فِيهِ وَأَرَادَ بِالظَّنِّ فِي قَوْلِهِ أَوْ أَفْطَرَ كَذَلِكَ غَلَبَةَ الظَّنِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَاكًّا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَنَقَلَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فِيهِ اخْتِلَافًا بَيْنَ الْمَشَايِخِ وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَفِي التَّبْيِينِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ ظَنَّ وُجُودَ الْمُبِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ظَنَّ قِيَامَ الْمُحَرِّمِ كَأَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ فَأَكَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ بِاللَّيْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَفِي الْبَدَائِعِ مَا يُخَالِفُهُ وَلَفْظُهُ وَإِنْ كَانَ غَالِبُ رَأْيِهِ أَنَّهَا لَمْ تَغْرُبْ فَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ تَجِبُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَجِبُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْغُرُوبِ قَائِمٌ فَكَانَتْ الشُّبْهَةُ ثَابِتَةً وَهَذِهِ الْكَفَّارَةُ لَا تَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَظُنَّ أَوْ يَشُكَّ فَإِنْ ظَنَّ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَظُنَّ وُجُودَ الْمُبِيحِ أَوْ قِيَامَ الْمُحَرِّمِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ لَا يَتَبَيَّنَ لَهُ شَيْءٌ أَوْ يَتَبَيَّنَ صِحَّةُ مَا ظَنَّهُ أَوْ بُطْلَانَهُ وَكُلٌّ مِنْ الثَّلَاثَةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي ابْتِدَاءِ الصَّوْمِ أَوْ انْتِهَائِهِ فَهِيَ سِتَّةٌ وَإِنْ شَكَّ أَيْضًا فَهِيَ اثْنَا عَشَرَ فِي وُجُودِ الْمُبِيحِ وَمِثْلُهَا فِي قِيَامِ الْمُحَرِّمِ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَقَدْ عُلِمَ أَحْكَامُهَا مِنْ الْمَتْنِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا فَلْيُتَأَمَّلْ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ التَّسَحُّرَ ثَابِتٌ وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ وَقِيلَ سُنَّةٌ وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالثَّانِيَ فِي الْبَدَائِعِ مُقْتَصِرًا كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَيْهِ وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ الْجَمَاعَةِ إلَّا أَبَا دَاوُد «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» وَالسَّحُورُ مَا يُؤْكَلُ فِي السَّحَرِ وَهُوَ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ وَقَوْلُهُ فِي السَّحُورِ هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ ــ [منحة الخالق] ذَلِكَ إلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ لَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا الْأَكْثَرِ إلَّا إذَا تَوَاتَرَ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ لَيْلًا لَيْسَ بِقَيْدٍ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّهُ إنَّمَا قَيَّدَ بِاللَّيْلِ لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ أَوْ تَسَحَّرَ إذْ لَا خَفَاءَ أَنَّ التَّسَحُّرَ أَكْلُ السَّحُورِ وَجَعْلُ تَسَحُّر بِمَعْنَى أَكَلَ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ اهـ. لَكِنْ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ السَّحُورَ غَيْرُ قَيْدٍ عَلَى أَنَّهُ لَا تَكَلُّفَ فِي جَعْلِ التَّسَحُّرِ بِمَعْنَى الْأَكْلِ مُطْلَقًا هُنَا وَتَسْمِيَتُهُ تَسَحُّرًا بِاعْتِبَارِ ظَنِّهِ وَالْإِلْزَامُ أَنْ لَا يَصِحَّ التَّعْبِيرُ بِهِ هُنَا لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ وَقَعَ نَهَارًا وَإِذَا ظَنَّهُ نَهَارًا فَيَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ تَسَحُّرًا أَيْضًا بِاعْتِبَارِ احْتِمَالِ بَقَاءِ اللَّيْلِ، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ) الْمُنَاسِبُ دَلِيلَانِ ظَنِّيَّانِ أَوْ التَّصْرِيحُ بِخَبَرِ الْأَوَّلِ بِأَنْ يَقُولَ: لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالِاسْتِصْحَابِ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ (قَوْلُهُ: وَنَقَلَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فِيهِ اخْتِلَافًا بَيْنَ الْمَشَايِخِ) أَقُولُ: مَا سَيَأْتِي عَنْ الْبَدَائِعِ مِنْ تَصْحِيحِ عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيمَا إذَا كَانَ غَالِبُ رَأْيِهِ أَنَّهَا لَمْ تَغْرُبْ يَقْتَضِي تَصْحِيحَ عَدَمِ الْوُجُوبِ فِي الشَّكِّ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ: فِي الْبَدَائِعِ مَا يُخَالِفُهُ إلَخْ) لَا يُقَالُ يُمْكِنُ دَفْعُ الْمُخَالَفَةِ بِحَمْلِ مَا فِي الْبَدَائِعِ عَلَى مَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ بِاللَّيْلِ (قَوْلُهُ: فَهِيَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ) أَوْصَلَهَا فِي النَّهْرِ إلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ بِجَعْلِهِ غَلَبَةَ الظَّنِّ قِسْمًا مَعَ الظَّنِّ وَالشَّكِّ فَكَانَتْ الْأَقْسَامُ الْخَارِجَةُ مِنْ التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ ثَلَاثَةً كُلَّ وَاحِدٍ بِاثْنَيْ عَشَرَ فَبَلَغَتْ مَا قَالَ وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِفَرْقِهِ بَيْنَهُمَا أَيْ الظَّنِّ وَغَلَبَتِهِ هُنَا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ كَمَا يَظْهَرُ لِمَنْ تَأَمَّلَ عِبَارَةَ الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ. نَعَمْ بَيْنَ مَفْهُومَيْهِمَا فَرْقٌ وَهُوَ أَنَّ مُجَرَّدَ تَرْجِيحِ أَحَدِ طَرَفَيْ الْحُكْمِ عِنْدَ الْعَقْلِ هُوَ أَصْلُ الظَّنِّ فَإِنْ زَادَ ذَلِكَ التَّرْجِيحُ حَتَّى قَرُبَ مِنْ الْيَقِينِ سُمِّيَ غَلَبَةَ الظَّنِّ وَأَكْبَرَ الرَّأْيِ فَلِذَا اقْتَصَرَ فِي الْبَحْرِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ وَالْعِشْرِينَ وَيُرَادُ بِالظَّنِّ حِينَئِذٍ مَا يَشْمَلُ غَلَبَتَهُ وَيَرِدُ عَلَيْهِمَا جَعْلُ الشَّكِّ تَارَةً فِي وُجُودِ الْمُبِيحِ وَتَارَةً فِي قِيَامِ الْمُحَرِّمِ وَلَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ إنَّمَا صَحَّ تَعْلِيقُهُ بِالْمُبِيحِ تَارَةً وَبِالْمُحَرِّمِ أُخْرَى؛ لِأَنَّ لَهُ نِسْبَةً مَخْصُوصَةً إلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَإِذَا تَعَلَّقَ الظَّنُّ بِوُجُودِ اللَّيْلِ لَا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِوُجُودِ النَّهَارِ وَبِالْعَكْسِ وَأَمَّا الشَّكُّ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَرْجِيحِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فِيهِ فَإِذَا شَكَّ فِي قِيَامِ زَيْدٍ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ قِيَامَهُ وَعَدَمَهُ عَلَى السَّوَاءِ فَكَانَ مُتَعَلِّقًا بِكِلَا الطَّرَفَيْنِ فَيَكُونُ مَعْنَى شَكِّهِ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي وَقْتِ احْتِمَالِ وُجُودِ اللَّيْلِ وَوُجُودِ النَّهَارِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى السَّوَاءِ، فَكَانَ الْحَقُّ فِي التَّقْسِيمِ أَنْ يُقَالَ إمَّا أَنْ يَظُنَّ وُجُودَ الْمُبِيحِ أَوْ وُجُودَ الْمُحَرِّمِ أَوْ يَشُكَّ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي ابْتِدَاءِ الصَّوْمِ أَوْ انْتِهَائِهِ وَفِي كُلٍّ مِنْ السِّتِّ إمَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ وُجُودَ الْمُبِيحِ أَوْ وُجُودَ الْمُحَرِّمِ أَوْ لَا يَتَبَيَّنَ فَهِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ تِسْعَةٌ فِي ابْتِدَاءِ الصَّوْمِ وَتِسْعَةٌ فِي انْتِهَائِهِ وَيَشْهَدُ لِمَا قُلْنَا صَنِيعُ الْعَلَّامَةِ الزَّيْلَعِيِّ بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَذَكَرَ أَحْكَامَهَا اهـ. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ

стр. 718

تَقْدِيرُهُ فِي أَكْلِ السَّحُورِ بَرَكَةً بِنَاءً عَلَى ضَبْطِهِ بِضَمِّ السِّينِ جَمْعُ سَحَرٍ فَأَمَّا عَلَى فَتْحِهَا وَهُوَ الْأَعْرَفُ فِي الرِّوَايَةِ فَهُوَ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ فِي السَّحَرِ كَالْوَضُوءِ بِالْفَتْحِ مَا يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ الضَّمُّ؛ لِأَنَّ الْبَرَكَةَ وَنَيْلَ الثَّوَابِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ لَا بِنَفْسِ الْمَأْكُولِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَحَلُّ الِاسْتِحْبَابِ مَا إذَا يَتَيَقَّنُ بَقَاءَ اللَّيْلِ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَمَّا إذَا شَكَّ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَتَسَحَّرَ تَحَرُّزًا عَنْ الْمُحَرَّمِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَوْ أَكَلَ فَصَوْمُهُ تَامٌّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ اللَّيْلُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَإِذَا تَسَحَّرَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْفَجْرَ طَالِعٌ أَثِمَ وَقَضَى. اهـ. وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ مَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بَقَاؤُهُ فَتَسَحَّرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ، وَفِي الْبَدَائِعِ وَهَلْ يُكْرَهُ الْأَكْلُ مَعَ الشَّكِّ رَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُكْرَهُ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ الْهِنْدُوَانِيُّ أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ عَلَامَاتُ الطُّلُوعِ مِنْ ضَرْبِ الدَّبَادِبِ وَالْأَذَانِ يُكْرَهُ وَإِلَّا فَلَا وَلَا تَعْوِيلَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ. اهـ. وَالسُّنَّةُ فِي السَّحُورِ التَّأْخِيرُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الِاسْتِعَانَةِ فِيهِ أَبْلَغُ وَكَذَا تَعْجِيلُ الْفِطْرِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالتَّعْجِيلُ الْمُسْتَحَبُّ التَّعْجِيلُ قَبْلَ اشْتِبَاكِ النُّجُومِ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَمْ أَرَ صَرِيحًا فِي كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمَاءَ وَحْدَهُ يَكُونُ مُحَصِّلًا لِسُنَّةِ السَّحُورِ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُفِيدُهُ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُسْنَدًا «السَّحُورُ كُلُّهُ بَرَكَةٌ فَلَا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ» وَالْبَرَكَةُ فِي الْحَدِيثِ لُغَةً الزِّيَادَةُ وَالنَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ فِيهِ عَلَى وُجُوهٍ: زِيَادَةٌ فِي الْقُوَّةِ عَلَى أَدَاءِ الصَّوْمِ وَزِيَادَةٌ فِي إبَاحَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَزِيَادَةٌ عَلَى الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ كَذَا ذَكَرَهُ الْكَلَابَاذِيُّ وَبَيَّنَهَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ إلَّا فِي يَوْمِ غَيْمٍ وَلَا يُفْطِرُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ غُرُوبُ الشَّمْسِ وَإِنْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ. اهـ. وَذَكَرَ قَبْلَهُ شَهِدَا أَنَّهَا غَرَبَتْ وَآخَرَانِ بِأَنَّهَا لَمْ تَغْرُبْ وَأَفْطَرَ ثُمَّ بَانَ عَدَمُ الْغُرُوبِ قَضَى وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ شَهِدَا عَلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَآخَرَانِ عَلَى عَدَمِ الطُّلُوعِ فَأَكَلَ ثُمَّ بَانَ الطُّلُوعُ قَضَى وَكَفَّرَ وِفَاقًا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَاتِ لِلْإِثْبَاتِ لَا لِلنَّفْيِ حَتَّى قِيلَ شَهَادَةُ الْمُثْبِتِ لَا النَّافِي وَلَوْ وَاحِدٌ عَلَى طُلُوعِهِ وَآخَرَانِ عَلَى عَدَمِهِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ دَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَسَحَّرُ فَقَالُوا: إنَّهُ طَالِعٌ فَصَدَّقَهُمْ فَقَالَ إذَنْ أَنَا مُفْطِرٌ لَا صَائِمٌ ثُمَّ دَامَ عَلَى الْأَكْلِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ مَا كَانَ طَالِعًا فِي أَوَّلِ الْأَكْلِ وَطَالِعًا وَقْتَ الْأَكْلِ الثَّانِي قَالَ النَّسَفِيُّ الْحَاكِمُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ نِيَّةِ الصَّوْمِ وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَاحِدًا عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ عَدْلًا أَوْ لَا فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُقْبَلُ. اهـ. وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ بِإِفْطَارِهِ عَمْدًا بَعْدَ أَكْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ أَوْ جِمَاعِهِ نَاسِيًا؛ لِأَنَّهُ ظَنٌّ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ بِالنَّظِيرِ وَهُوَ الْأَكْلُ عَمْدًا؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ مُضَادٌّ لِلصَّوْمِ سَاهِيًا أَوْ عَامِدًا فَأَوْرَثَ شُبْهَةً وَكَذَا فِيهِ شُبْهَةُ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّ مَالِكًا يَقُولُ بِفَسَادِ صَوْمِ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَأَطْلَقَهُ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ الْحَدِيثِ فَإِنَّ فُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ كَمَالِكٍ وَغَيْرِهِ لَمْ يَقْبَلُوهُ فَصَارَ شُبْهَةً؛ لِأَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ يَكُونُ شُبْهَةً كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ وَكَذَا لَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَظَنَّ أَنَّهُ يُفَطِّرُهُ فَأَفْطَرَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِوُجُودِ شُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ بِالنَّظِيرِ فَإِنَّ الْقَيْءَ وَالِاسْتِقَاءَ مُتَشَابِهَانِ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَهُمَا مِنْ الْفَمِ وَكَذَا لَوْ احْتَلَمَ لِلتَّشَابُهِ فِي قَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُفَطِّرُهُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ شُبْهَةُ الِاشْتِبَاهِ وَلَا شُبْهَةُ الِاخْتِلَافِ وَقَيَّدَ بِالنِّسْيَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ احْتَجَمَ أَوْ اغْتَابَ فَظَنَّ أَنَّهُ يُفَطِّرُهُ ثُمَّ أَكَلَ إنْ لَمْ يَسْتَفْتِ فَقِيهًا وَلَا بَلَغَهُ الْخَبَرُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ جَهْلٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ اسْتَفْتَى فَقِيهًا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ إذَا كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى فَتْوَاهُ فَكَانَ مَعْذُورًا فِيمَا صَنَعَ وَإِنْ كَانَ الْمُفْتِي مُخْطِئًا فِيمَا أَفْتَى وَإِنْ لَمْ يَسْتَفْتِ وَلَكِنْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊. ــ [منحة الخالق] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 719

«أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» وَقَوْلُهُ ﷺ «الْغِيبَةُ تُفْطِرُ الصَّائِمَ» وَلَمْ يَعْرِفْ النَّسْخَ وَلَا تَأْوِيلَهُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ وَاجِبُ الْعَمَلِ بِهِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَامِّيِّ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَلَوْ لَمَسَ امْرَأَةً أَوْ قَبَّلَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ اكْتَحَلَ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُفَطِّرُهُ ثُمَّ أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إلَّا إذَا اسْتَفْتَى فَقِيهًا فَأَفْتَاهُ بِالْفِطْرِ أَوْ بَلَغَهُ خَبَرٌ فِيهِ وَلَوْ نَوَى الصَّوْمَ قَبْلَ الزَّوَالِ ثُمَّ أَفْطَرَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَذْهَبَ الْعَامِّيِّ فَتْوَى مُفْتِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَذْهَبٍ وَلِهَذَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْحُكْمُ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ فَتْوَى مُفْتِيهِ وَفِي الْبَدَائِعِ وَلَوْ دَهَنَ شَارِبَهُ فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ فَأَكَلَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ اسْتَفْتَى فَقِيهًا أَوْ تَأَوَّلَ حَدِيثًا؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُشْتَبَهُ وَكَذَا لَوْ اغْتَابَ. اهـ. وَفِي التَّبْيِينِ أَنَّ عَلَيْهِ عَامَّةَ الْمَشَايِخِ وَهُوَ فِي الْغِيبَةِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُحِيطِ وَالظَّاهِرُ تَرْجِيحُ مَا فِي الْمُحِيطِ لِلشُّبْهَةِ وَفِي النِّهَايَةِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي مِمَّنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْفِقْهُ وَيُعْتَمَدُ عَلَى فَتْوَاهُ فِي الْبَلْدَةِ وَحِينَئِذٍ تَصِيرُ فَتْوَاهُ شُبْهَةً وَلَا مُعْتَبَرَ بِغَيْرِهِ وَأَمَّا النَّائِمَةُ أَوْ الْمَجْنُونَةُ إذَا أَكَلَتَا بَعْدَمَا جُومِعَتَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ حَصَلَ بِالْجِمَاعِ قَبْلَ الْأَكْلِ كَالْمُخْطِئِ وَلَا كَفَّارَةَ لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ فَالْأَكْلُ بَعْدَهُ لَيْسَ بِإِفْسَادٍ وَصُورَتُهَا فِي النَّائِمَةِ ظَاهِرٌ وَفِي الْمَجْنُونَةِ بِأَنْ نَوَتْ الصَّوْمَ ثُمَّ جُنَّتْ بِالنَّهَارِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَجَامَعَهَا إنْسَانٌ فَإِنَّ الْجُنُونَ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ إنَّمَا يُنَافِي شَرْطَهُ أَعْنِي النِّيَّةَ وَقَدْ وَجَبَ فِي حَالِ الْإِفَاقَةِ فَلَا يَجِبُ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ إذَا أَفَاقَتْ فَإِذَا جُومِعَتْ قَضَتْهُ لِطُرُّوِّ الْمُفْسِدِ عَلَى صَوْمٍ صَحِيحٍ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَصْلِ الْمَجْبُورَةَ أَيْ الْمُكْرَهَةَ فَصَحَّفَهَا الْكَاتِبُ إلَى الْمَجْنُونَةِ لِإِمْكَانِ تَوْجِيهِهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) عُقِدَ لِبَيَانِ مَا يُوجِبُهُ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ بَعْدَمَا ذَكَرَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ أَفْطَرَ وَقَضَى) ؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ بِصَوْمٍ مَشْرُوعٍ وَالنَّهْيُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ تَرْكُ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَصِحُّ نَذْرُهُ لَكِنْ يُفْطِرُ احْتِرَازًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ الْمُجَاوِرَةِ ثُمَّ يَقْضِي إسْقَاطًا لِلْوَاجِبِ وَإِنْ صَامَ فِيهِ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ كَمَا الْتَزَمَ. أَشَارَ بِصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ إلَى كُلِّ صَوْمٍ كُرِهَ تَحْرِيمًا وَبِالصَّوْمِ إلَى الِاعْتِكَافِ فَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمِ النَّحْرِ صَحَّ وَلَزِمَهُ الْفِطْرُ وَالْقَضَاءُ فَإِنْ اعْتَكَفَ فِيهِ بِالصَّوْمِ صَحَّ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ أَفْطَرَ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ خُرُوجًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَقَوْلُهُ فِي النِّهَايَةِ الْأَفْضَلُ الْفِطْرُ تَسَاهُلٌ أَطْلَقَ فَشَمِلَ مَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ غَدٍ فَوَافَقَ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ صَرَّحَ فَقَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُصَرِّحَ بِذِكْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَوْ لَا فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ وَاعْلَمْ بِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ شَرْطَ لُزُومِ النَّذْرِ ثَلَاثَةٌ كَوْنُ الْمَنْذُورِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ وَكَوْنُهُ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ وَكَوْنُ الْوَاجِبِ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ قَالُوا فَخَرَجَ بِالْأَوَّلِ النَّذْرُ بِالْمَعْصِيَةِ وَالثَّانِي نَحْوُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَالثَّالِثِ مَا كَانَ مَقْصُودًا لِغَيْرِهِ حَتَّى لَوْ نَذَرَ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَمْ يَلْزَمْ وَكَذَا لَوْ نَذَرَ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ وَفِي الْوَاقِعَاتِ وَلَوْ نَذَرَ تَكْفِينَ مَيِّتٍ لَمْ يَلْزَمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ كَالْوُضُوءِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ هُنَا بِصِحَّةِ النَّذْرِ بِيَوْمِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَفِي التَّبْيِينِ أَنَّ عَلَيْهِ عَامَّةَ الْمَشَايِخِ) وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا وَفَصْلُ الْحِجَامَةِ سَوَاءٌ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا. وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ قَالُوا: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ اعْتَمَدَ حَدِيثًا أَوْ فَتْوًى؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَقَالُوا: أَرَادَ بِهِ ذَهَابَ الْآخَرِ وَلَيْسَ فِي هَذَا قَوْلٌ مُعْتَبَرٌ فَهَذَا ظَنٌّ مَا اسْتَنَدَ إلَى دَلِيلٍ؛ فَلَا يُورِثُ شُبْهَةً اهـ. وَمَا رَجَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ مَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُلْتَقَى (قَوْلُهُ: وَهُوَ فِي الْغَيْبَةِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُحِيطِ) وَكَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الِادِّهَانِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ حَيْثُ قَالَ وَكَذَا الَّذِي اكْتَحَلَ أَوْ ادَّهَنَ نَفْسَهُ أَوْ شَارِبَهُ ثُمَّ أَكَلَ مُتَعَمِّدًا عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إلَّا إذَا كَانَ جَاهِلًا فَاسْتَفْتَى فَأُفْتِيَ لَهُ بِالْفِطْرِ فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ اهـ. وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْإِمْدَادِ مُسْتَدْرِكًا عَلَى مَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْمَجْنُونَةِ بِأَنْ نَوَتْ إلَخْ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ تَبَعًا لِلنِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا قَدْ تَكَلَّمُوا فِي صِحَّةِ صَوْمِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُجَامِعُ الْجُنُونَ وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ سُلَيْمَانَ الْجُرْجَانِيِّ قَالَ لَمَّا قَرَأْت عَلَى مُحَمَّدٍ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قُلْت لَهُ كَيْفَ تَكُونُ صَائِمَةً وَهِيَ مَجْنُونَةٌ فَقَالَ دَعْ هَذَا فَإِنَّهُ انْتَشَرَ فِي الْأُفُقِ فَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ كَأَنَّهُ كَتَبَ فِي الْأَصْلِ مَجْبُورَةً وَظَنَّ الْكَاتِبُ مَجْنُونَةً وَلِهَذَا قَالَ دَعْ فَإِنَّهُ انْتَشَرَ فِي الْأُفُقِ وَأَكْثَرُهُمْ قَالُوا: تَأْوِيلُهُ أَنَّهَا كَانَتْ عَاقِلَةً بَالِغَةً فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ثُمَّ جُنَّتْ فَجَامَعَهَا زَوْجُهَا ثُمَّ أَفَاقَتْ وَعَلِمَتْ بِمَا فَعَلَ الزَّوْجُ اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ تَصْحِيفِهَا وَجَزَمَ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهَا مُصَحَّفَةٌ مِنْ الْكَاتِبِ مُسْتَنِدًا لِمَا مَرَّ. قَالَ: وَتَرَكَهَا مُحَمَّدٌ بَعْدَ التَّصْحِيفِ لِإِمْكَانِ تَوْجِيهِهَا اهـ. وَهَذَا يُفِيدُ رَفْعَ الْخِلَافِ السَّابِقِ إذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ تَصْحِيفِهَا وَتَأْوِيلِهَا وَبِهِ انْدَفَعَ دَفْعُ الْمُؤَلِّفِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ مَا عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ لَيْسَ نَصًّا فِي أَنَّ الْكَاتِبَ صَحَّفَهَا بَلْ وَقَعَتْ عَنْ مُحَمَّدٍ كَذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُصْلِحْهَا لِانْتِشَارِهَا وَإِمْكَانِ تَأْوِيلِهَا وَأَيْضًا اسْتِعْمَالُهُ مَجْبُورَةً بِمَعْنَى مُجْبَرٍ ضَعِيفٌ. [فَصْلٌ مَا يُوجِبُهُ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ] (فَصْلٌ فِي النَّذْرِ)

стр. 720

النَّحْرِ وَلُزُومِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ كَوْنَ الْمَعْصِيَةِ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ حَتَّى لَا يَنْفَكَّ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْجِنْسِ عَنْهَا وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ لَكِنَّهُ يَنْعَقِدُ لِلْكَفَّارَةِ حَيْثُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْفِعْلُ وَلِهَذَا قَالُوا لَوْ أَضَافَ النَّذْرَ إلَى سَائِرِ الْمَعَاصِي كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَقْتُلَ فُلَانًا كَانَ يَمِينًا وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فَلَوْ فَعَلَ نَفْسَ الْمَنْذُورِ عَصَى وَانْحَلَّ النَّذْرُ كَالْحَلِفِ بِالْمَعْصِيَةِ يَنْعَقِدُ لِلْكَفَّارَةِ فَلَوْ فَعَلَ الْمَعْصِيَةَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا سَقَطَتْ وَأَثِمَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ نَذْرًا بِطَاعَةٍ كَالْحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْيَمِينَ لَا تَلْزَمُ بِنَفْسِ النَّذْرِ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَبِهِ يُفْتَى وَصَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ بِأَنَّ النَّذْرَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ فِي الْأَصْلِ إلَّا إذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ إحْدَاهَا أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِهِ شَرْعًا وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لَا وَسِيلَةً وَالثَّالِثُ أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي الْحَالِ أَوْ فِي ثَانِي الْحَالِ فَلِذَا لَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَفْرُوضَاتِ لِانْعِدَامِ الشَّرْطِ الثَّالِثِ. اهـ. فَعَلَى هَذَا فَالشَّرَائِطُ أَرْبَعَةٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ النَّذْرَ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَنَحْوِهَا خَرَجَ بِالشَّرْطِ الْأَوَّلِ إذْ قَوْلُهُمْ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ يُفِيدُ أَنَّ الْمَنْذُورَ غَيْرَ الْوَاجِبِ مِنْ جِنْسِهِ وَهَاهُنَا عَيْنُهُ وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ رَابِعٍ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَحِيلَ الْكَوْنِ فَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ أَمْسِ أَوْ اعْتِكَافَ شَهْرٍ مَضَى لَمْ يَصِحَّ نَذْرُهُ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ إلَّا إذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ يَجِبُ كَالنَّذْرِ بِالْحَجِّ مَاشِيًا وَالِاعْتِكَافِ وَإِعْتَاقِ الرَّقَبَةِ مَعَ أَنَّ الْحَجَّ بِصِفَةِ الْمَشْيِ غَيْرُ وَاجِبٍ وَكَذَا الِاعْتِكَافُ وَكَذَا نَفْسُ الْإِعْتَاقِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةِ سَبَبٍ مُوجِبٍ لِلْإِعْتَاقِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ بِالْحَجِّ مَاشِيًا مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهَا لَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِمْ الرَّاحِلَةُ بَلْ يَجِبُ الْمَشْيُ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ مِنْهُمْ عَلَى الْمَشْيِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّبْيِينِ فِي آخِرِ الْحَجِّ وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ وَهُوَ اللُّبْثُ فِي مَكَان مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ وَهُوَ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ فِي الصَّلَاةِ وَأَمَّا الْإِعْتَاقُ فَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبًا وَهُوَ الْإِعْتَاقُ فِي الْكَفَّارَةِ وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فَلَيْسَ بِمُرَادٍ (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَوَى يَمِينًا كَفَّرَ أَيْضًا) أَيْ مَعَ الْقَضَاءِ تَجِبُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ إذَا أَفْطَرَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ سِتَّةٍ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ نَوَى النَّذْرَ لَا غَيْرُ أَوْ نَوَى النَّذْرَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ يَمِينًا يَكُونُ نَذْرًا؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ بِصِيغَتِهِ كَيْفَ وَقَدْ قَرَّرَهُ بِعَزِيمَتِهِ وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ نَذْرًا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ وَقَدْ عَيَّنَهُ وَنَفَى غَيْرَهُ وَإِنْ نَوَاهُمَا يَكُونُ نَذْرًا وَيَمِينًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ نَذْرًا وَلَوْ نَوَى الْيَمِينَ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ يَمِينًا. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ النَّذْرَ فِيهِ حَقِيقَةٌ وَالْيَمِينَ مَجَازٌ حَتَّى لَا يَتَوَقَّفَ الْأَوَّلُ عَلَى النِّيَّةِ وَيَتَوَقَّفَ الثَّانِي؛ فَلَا يَنْتَظِمُهُمَا لَفْظٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ الْمَجَازُ يَتَعَيَّنُ بِنِيَّتِهِ وَعِنْدَ نِيَّتِهِمَا تَتَرَجَّحُ الْحَقِيقَةُ. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا يَقْضِيَانِ الْوُجُوبَ إلَّا أَنَّ النَّذْرَ يَقْتَضِيهِ لِعَيْنِهِ وَالْيَمِينَ لِغَيْرِهِ فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ كَمَا جَمَعْنَا بَيْنَ جِهَتَيْ التَّبَرُّعِ وَالْمُعَاوَضَةِ فِي الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِلُزُومِ التَّنَافِي مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الْوُجُوبَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْيَمِينُ وُجُوبٌ يَلْزَمُ بِتَرْكِ مُتَعَلَّقِهِ الْكَفَّارَةُ وَالْوُجُوبُ الَّذِي هُوَ مُوجَبُ النَّذْرِ لَيْسَ يَلْزَمُ بِتَرْكِ مُتَعَلَّقِهِ ذَلِكَ، وَتَنَافِي اللَّوَازِمِ أَقَلُّ مَا يَقْتَضِي التَّغَايُرَ فَلَا بُدَّ أَنْ لَا يُرَادَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَاخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ أُرِيدَ بِلَفْظِ الْيَمِينِ لِلَّهِ وَأُرِيدَ النَّذْرُ بِعَلَيَّ أَنْ أَصُومَ كَذَا وَجَوَابُ الْقَسَمِ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الْمَنْذُورِ أَيْ كَأَنَّهُ قَالَ لِلَّهِ لَأَصُومَنَّ وَعَلَيَّ أَنْ أَصُومَ وَعَلَى هَذَا لَا يُرَادَانِ بِنَحْوِ عَلَيَّ أَنْ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ فِي الصَّلَاةِ) قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ قُلْنَا بَلْ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ اللُّبْثُ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ الْوُقُوفُ أَوْ النَّذْرُ بِالْمَشْيِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْوَاجِبِ وَهَذَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ يَشْتَمِلُ عَلَى الصَّوْمِ وَمِنْ جِنْسِ الصَّوْمِ وَاجِبٌ فَيَكُونُ النَّذْرُ بِهِ مُشْتَمِلًا عَلَى اللُّبْثِ وَالصَّوْمِ وَمِنْ جِنْسِ الصَّوْمِ وَاجِبٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ اللُّبْثِ وَاجِبٌ فَيَصِحُّ النَّذْرُ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ جَامِعِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ النَّذْرُ بِالِاعْتِكَافِ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ جِنْسِهِ إيجَابٌ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ إنَّمَا شُرِعَ لِدَوَامِ الصَّلَاةِ؛ وَلِذَلِكَ صَارَ قُرْبَةً فَصَارَ الْتِزَامُهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ وَالصَّلَاةُ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ. (قَوْلُهُ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ) أَيْ مَسْأَلَةُ النَّذْرِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِصِيغَةِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ عَيَّنَهُ إلَخْ) أَيْ فَيَجِبُ بِالْفِطْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ لَا الْقَضَاءُ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ وَالْكَفَّارَةُ مُوجِبُ الْحِنْثِ فِي هَذَا الْمَقَامِ (قَوْلُهُ: نَذْرًا وَيَمِينًا إلَخْ) أَيْ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ تَحْصِيلًا لِمَا وَجَبَ بِالِالْتِزَامِ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ إنْ أَفْطَرَ لِلْحِنْثِ بِتَرْكِ الصِّيَامِ اهـ. دُرٌّ مُنْتَقًى (قَوْلُهُ: إنَّهُ أُرِيدَ بِلَفْظِ الْيَمِينِ لِلَّهِ) فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَالْأَصْلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ أُرِيدَ الْيَمِينُ بِلَفْظِ لِلَّهِ.

стр. 721

أَصُومَ وَتَمَامُهُ فِي تَحْرِيرِ الْأُصُولِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي كَافِيهِ بِأَنَّهُمَا لَمَّا اشْتَرَكَا فِي نَفْسِ الْإِيجَابِ فَإِذَا نَوَى الْيَمِينَ يُرَادُ بِهِمَا الْإِيجَابُ فَيَكُونُ عَمَلًا بِعُمُومِ مَجَازٍ لَا جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ كُلَّ خَمِيسٍ فَأَفْطَرَ خَمِيسًا كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ إنْ أَرَادَ يَمِينًا ثُمَّ إذَا أَفْطَرَ خَمِيسًا آخَرَ لَمْ يُكَفِّرْ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَاحِدَةٌ فَإِذَا حَنِثَ فِيهَا مَرَّةً لَمْ يَحْنَثْ مَرَّةً أُخْرَى اهـ. (قَوْلُهُ وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ هَذِهِ السَّنَةِ أَفْطَرَ أَيَّامًا مَنْهِيَّةً وَهِيَ يَوْمَا الْعِيدِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَقَضَاهَا) ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ بِالسَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ نَذْرٌ بِهَذِهِ الْأَيَّامِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْهَا وَالنَّذْرُ بِالْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ صَحِيحٌ مَعَ الْحُرْمَةِ عِنْدَنَا فَكَانَ قَوْلُهُ أَفْطَرَ لِلْإِيجَابِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَبِهِ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي كَافِيهِ وَقَدْ وَقَعَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ فِي التَّسَاهُلِ أَيْضًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَرَتَّبَ قَضَاءَهَا عَلَى إفْطَارِهِ فِيهَا لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَوْ صَامَهَا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ كَمَا الْتَزَمَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ نَذَرَتْ صَوْمَ هَذِهِ السَّنَةِ فَإِنَّهَا تَقْضِي مَعَ هَذِهِ الْأَيَّامِ أَيَّامَ حَيْضِهَا؛ لِأَنَّ السَّنَةَ قَدْ تَخْلُو عَنْ الْحَيْضِ فَصَحَّ الْإِيجَابُ وَإِلَى أَنَّهَا لَوْ نَذَرَتْ صَوْمَ الْغَدِ فَوَافَقَ حَيْضَهَا فَإِنَّهَا تَقْضِيهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ حَيْضِي لَا قَضَاءَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ لِإِضَافَتِهِ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ إذَا أَفْطَرَ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَيْضَ وَصْفٌ لِلْمَرْأَةِ لَا وَصْفٌ لِلْيَوْمِ وَقَدْ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ طَهَارَتَهَا شَرْطٌ لِأَدَائِهِ فَلَمَّا عَلَّقَتْ النَّذْرَ بِصِفَةٍ لَا تَبْقَى مَعَهَا أَهْلًا لِلْأَدَاءِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ الْأَهْلِ كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَ آكُلُ كَذَا فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ الَّذِي صَامَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِجِهَةٍ أُخْرَى وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَيِّنْ هَذِهِ السَّنَةَ وَإِنَّمَا شَرَطَ التَّتَابُعَ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَيَّنَهَا فَيَقْضِي الْأَيَّامَ الْخَمْسَةَ دُونَ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ لَا تَعْرَى عَنْهَا لَكِنْ يَقْضِيهَا فِي هَذَا الْفَصْلِ مَوْصُولَةً تَحْقِيقًا لِلتَّتَابُعِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَأَطْلَقَ قَضَاءَ لُزُومِ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ فَشَمِلَ مَا إذَا نَذَرَ بَعْدَ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ بِأَنْ نَذَرَ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ صَوْمَ هَذِهِ السَّنَةِ وَحَمَلَهُ فِي الْغَايَةِ عَلَى مَا إذَا نَذَرَ قَبْلَ عِيدِ الْفِطْرِ مَا إذَا قَالَ فِي شَوَّالٍ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذِهِ السَّنَةِ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ يَوْمِ الْفِطْرِ وَكَذَا لَوْ قَالَ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَلْ يَلْزَمُهُ صِيَامُ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ. اهـ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْحَمْلِ قَوْلُهُ أَفْطَرَ أَيَّامًا مَنْهِيَّةً إذْ لَا يُتَصَوَّرُ الْفِطْرُ بَعْدَ الْمُضِيِّ لَكِنْ قَالَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ هَذَا سَهْوٌ وَقَعَ مِنْ صَاحِبِ الْغَايَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذِهِ السَّنَةِ عِبَارَةٌ عَنْ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ وَقْتِ النَّذْرِ إلَى وَقْتِ النَّذْرِ وَهَذِهِ الْمُدَّةُ لَا تَخْلُو عَنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْحَمْلِ فَيَكُونُ نَذْرًا بِهَا وَرَدَّهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَالَ إنَّ هَذَا سَهْوٌ وَقَعَ مِنْ الزَّيْلَعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ كَمَا هِيَ فِي الْغَايَةِ مَنْقُولَةٌ فِي الْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهَذَا الشَّهْرِ وَلِأَنَّ كُلَّ سَنَةٍ عَرَبِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ عِبَارَةٌ عَنْ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لَهَا مُبْتَدَأٌ وَمُخْتَتَمٌ خَاصَّانِ عِنْدَ الْعَرَبِ مَبْدَؤُهَا الْمُحَرَّمُ وَآخِرُهَا ذُو الْحِجَّةِ فَإِذَا قَالَ هَذِهِ فَإِنَّمَا يُفِيدُ الْإِشَارَةَ إلَى الَّتِي هُوَ فِيهَا فَحَقِيقَةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ نَذْرٌ بِالْمُدَّةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ إلَى آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْمُدَّةُ الْمَاضِيَةُ الَّتِي مَبْدَؤُهَا الْمُحَرَّمُ إلَى وَقْتِ التَّكَلُّمِ فَيَلْغُو فِي حَقِّ الْمَاضِي كَمَا يَلْغُو فِي قَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ وَهَذَا فَرْعٌ يُنَاسِبُ هَذَا لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ الْيَوْمَ، أَوْ الْيَوْمِ أَمْسِ لَزِمَهُ صَوْمُ الْيَوْمِ، وَلَوْ قَالَ غَدًا هَذَا الْيَوْمَ، أَوْ هَذَا الْيَوْمَ غَدًا لَزِمَهُ صَوْمُ أَوَّلِ الْوَقْتَيْنِ تَفَوَّهَ بِهِ، وَلَوْ قَالَ شَهْرًا لَزِمَهُ شَهْرٌ كَامِلٌ، وَلَوْ قَالَ الشَّهْرُ وَجَبَ بَقِيَّةُ الشَّهْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الشَّهْرَ مُعَرَّفًا فَيَنْصَرِفُ إلَى الْمَعْهُودِ بِالْحُضُورِ فَإِنْ نَوَى شَهْرًا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ كَلَامَهُ ذَكَرَهُ فِي التَّجْنِيسِ وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَا فِي الْغَايَةِ أَيْضًا. اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ أَيْضًا، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الشَّهْرَ فَعَلَيْهِ صَوْمُ بَقِيَّةِ الشَّهْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَمَا فِي الْفَتَاوَى الْوَلْوَالِجيَّةِ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الشَّهْرَ وَجَبَ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الشَّهْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: مَنْقُولَةٌ فِي الْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ إلَخْ) حَيْثُ قَالَ رَجُلٌ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذِهِ السَّنَةِ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَيَقْضِي تِلْكَ الْأَيَّامَ وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ سَنَةٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ يَصُومُ سَنَةً بِالْأَهِلَّةِ وَيَقْضِي خَمْسًا وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ فَعَلَيْهِ صَوْمُ بَقِيَّةِ الشَّهْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَكَذَا لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذِهِ السَّنَةِ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ مِنْ حِينِ حَلَفَ إلَى أَنْ تَمْضِيَ السَّنَةُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى قَبْلَ الْيَمِينِ

стр. 722

الشَّهْرَ مُعَرَّفًا فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ وَإِنْ نَوَى شَهْرًا كَامِلًا فَهُوَ كَمَا نَوَى؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ. اهـ. وَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا فِي الْغَايَةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَنْوِ وَحَمْلُ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَلَى مَا إذَا نَوَى تَوْفِيقًا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ كَوْنِهِ يَلْغُو فِيمَا مَضَى كَمَا يَلْغُو فِي قَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَغْوًا لَمَّا لَزِمَهُ بِنِيَّتِهِ وَلَا يَصِحُّ تَشْبِيهُهُ بِصَوْمِ الْأَمْسِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَوَى بِهِ صَوْمَ الْيَوْمِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ غَدٍ وَنَوَى كُلَّمَا دَارَ غَدٌ لَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تَعْمَلُ فِي الْمَلْفُوظِ، وَلَوْ قَالَ صَوْمَ يَوْمٍ وَنَوَى كُلَّمَا دَارَ يَوْمٌ صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَكَذَا يَوْمُ الْخَمِيسِ. اهـ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهَا، وَلَوْ نَذَرَ بِصَوْمِ شَهْرٍ قَدْ مَضَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِمُضِيِّهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْذُورَ بِهِ مُسْتَحِيلُ الْكَوْنِ وَصَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ فِي الْإِقَالَةِ بِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُ ضِدَّهُ وَقَيَّدَ بِكَوْنِ السَّنَةِ مُعَيَّنَةً؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُنَكِّرَةً فَإِنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ فَكَالْمُعَيَّنَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَإِلَّا فَلَا تَدْخُلُ هَذِهِ الْأَيَّامُ الْخَمْسَةُ وَلَا شَهْرُ رَمَضَانَ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ قَدْرُ السَّنَةِ فَإِذَا صَامَ سَنَةً لَزِمَهُ قَضَاءُ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ فِي هَذِهِ الْخَمْسَةِ نَاقِصٌ فَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْكَامِلِ وَشَهْرُ رَمَضَانَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْهُ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ بِقَدْرِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِلَ ذَلِكَ بِمَا مَضَى وَإِنْ لَمْ يَصِلْ ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعُهْدَةِ وَهَذَا غَلَطٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَخْرُجُ كَذَا فِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا قَصَدَ مَا تَلَفَّظَ بِهِ أَوَّلًا وَلِهَذَا ذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمٍ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ صَوْمُ شَهْرٍ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرٍ وَكَذَا إذَا أَرَادَ شَيْئًا فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ الطَّلَاقُ، أَوْ الْعَتَاقُ أَوْ النَّذْرُ لَزِمَهُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵇ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالنِّكَاحُ» وَالنَّذْرُ فِي مَعْنَى الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ وُقُوعِهِ. اهـ. وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، أَوْ الْخَمِيسِ فَصَامَ ذَلِكَ مَرَّةً كَفَاهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْأَبَدَ، وَلَوْ أَوْجَبَ صَوْمَ هَذَا الْيَوْمِ شَهْرًا صَامَ شَهْرًا مَا تَكَرَّرَ مِنْهُ فِي ثَلَاثِينَ يَوْمًا يَعْنِي إنْ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْخَمِيسِ يَصُومُ كُلَّ خَمِيسٍ حَتَّى يَمْضِيَ شَهْرٌ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ صَوْمُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، أَوْ خَمْسَةِ أَيَّامٍ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ سَنَةً، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ يَوْمًا يَوْمًا لَا يَلْزَمُهُ صَوْمُ يَوْمٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْأَبَدَ كَمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْت طَالِقٌ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ كَذَا كَذَا يَوْمًا يَلْزَمُهُ صَوْمُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا وَهَذَا مُشْكَلٌ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ اثْنَا عَشَرَ؛ لِأَنَّ كَذَا اسْمُ عَدَدٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمًا يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ عَدَدَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا حَرْفُ الْعَطْفِ وَأَقَلُّهُ اثْنَا عَشَرَ، وَلَوْ قَالَ كَذَا وَكَذَا يَلْزَمُهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ وَلَوْ قَالَ بَعْضُهُ عَشْرٌ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَسَيَأْتِي أَجْنَاسُ هَذَا فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ جُمُعَةً إنْ أَرَادَ بِهَا أَيَّامَ الْجُمُعَةِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يَلْزَمُهُ صَوْمُ سَبْعَةِ أَيَّامٍ وَإِنْ أَرَادَ بِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَلْزَمُهُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ فُلَانًا وَأَرَادَ بِهِ بَيَاضَ النَّهَارِ صُدِّقَ قَضَاءً، وَلَوْ قَالَ جُمَعُ هَذَا الشَّهْرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ تَمُرُّ فِي هَذَا الشَّهْرِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَلَوْ قَالَ صَوْمُ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ صَوْمُ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ السَّبْتَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ لَزِمَهُ صَوْمُ سَبْتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ السَّبْتَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَزِمَهُ صَوْمُ سَبْعَةِ أَسْبَاتٍ؛ لِأَنَّ السَّبْتَ فِي سَبْعَةِ أَيَّامٍ لَا يَتَكَرَّرُ فَحُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى عَدَدِ الْأَسْبَاتِ بِخِلَافِ الثَّمَانِيَةِ؛ لِأَنَّ السَّبْتَ فِيهَا يَتَكَرَّرُ وَلَوْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ صَوْمًا مُتَتَابِعًا فَصَامَهُ مُتَفَرِّقًا لَمْ يَجُزْ وَعَلَى عَكْسِهِ جَازَ، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ فُلَانٌ فَقَدِمَ فِيهِ فُلَانٌ بَعْدَمَا أَكَلَ، أَوْ كَانَتْ النَّاذِرَةُ امْرَأَةً فَحَاضَتْ لَا يَجِبُ شَيْءٌ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَلَوْ قَدِمَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَلَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا وَهْمٌ إذْ الَّذِي يَلْزَمُ بِنِيَّتِهِ سَنَةٌ أَوَّلُهَا ابْتِدَاءُ النَّذْرِ عَلَى مَا مَرَّ لَا مَا مَضَى مِنْهَا وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِاللَّغْوِ إلْزَامُ مَا مَضَى وَحِينَئِذٍ فَتَشْبِيهُهُ بِصَوْمِ الْأَمْسِ صَحِيحٌ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ سَنَةً) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا وَلَوْ قَالَ بِدُونِ كَذَلِكَ وَبَعْدَ قَوْلِهِ سَنَةً بَيَاضٌ وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ كَهَذِهِ النُّسْخَةِ وَبَعْدَ قَوْلِهِ سَنَةً مَا نَصُّهُ وَعَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ قَالَ يَصُومُ ثَلَاثِينَ مِثْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ اهـ. وَرَأَيْت فِي هَامِشِ الْبَحْرِ نُسْخَةً بِخَطِّ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ رَاجَعَ نُسْخَتَيْنِ مِنْ الظَّهِيرِيَّةِ فَوَجَدَ فِيهِمَا مَا ذَكَرْنَا وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي الْخَانِيَّةِ بِلَفْظِ وَكَذَا لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ سَنَةً كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ كُلَّ اثْنَيْنِ يَمُرُّ بِهِ إلَى سَنَةٍ وَعَنْ الْكَرْخِيِّ إلَخْ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ يَوْمًا) أَيْ أَنْ أَصُومَ يَوْمًا وَقَوْلُهُ وَيَوْمًا لَا أَيْ لَا أَصُومُهُ وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْأَبَدَ أَيْ فَيَلْزَمُهُ صِيَامُ دَاوُد ﵇ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة

стр. 723

الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ فُلَانٌ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى وَأَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ فَقَدِمَ فُلَانٌ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْبِرِّ وَهُوَ الصَّوْمُ بِنِيَّةِ الشُّكْرِ وَلَوْ قَدِمَ فُلَانٌ قَبْلَ أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ رَمَضَانَ فَنَوَى بِهِ عَنْ الشُّكْرِ وَلَا يَنْوِي بِهِ عَنْ رَمَضَانَ بَرَّ فِي يَمِينِهِ لِوُجُودِ شَرْطِ الْبَرِّ وَهُوَ الصَّوْمُ بِنِيَّةِ الشُّكْرِ وَأَجْزَأَهُ عَنْ رَمَضَانَ كَمَا لَوْ صَامَ رَمَضَانَ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ مِثْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنْ أَرَادَ مِثْلَهُ فِي الْوُجُوبِ فَلَهُ أَنْ يُفَرِّقَ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ فِي التَّتَابُعِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُتَابِعَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَهُ أَنْ يَصُومَ مُتَفَرِّقًا؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ فَصَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَأَفْطَرَ يَوْمًا لَا يَدْرِي أَنَّ يَوْمَ الْإِفْطَارِ مِنْ الْخَمْسَةِ، أَوْ مِنْ الْعَشَرَةِ فَإِنَّهُ يَصُومُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ فَيُوجَدُ عَشْرَةٌ مُتَتَابِعَةٌ، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ نِصْفِ يَوْمٍ لَا يَصِحُّ بِخِلَافِ نِصْفِ رَكْعَةٍ حَيْثُ يَصِحُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَنِصْفِ حَجٍّ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ فَقَدِمَ فِي شَعْبَانَ بَنَى بَعْدَ رَمَضَانَ كَمَا فِي الْحَيْضِ، وَلَوْ قَالَ إنْ عُوفِيتُ صُمْتُ كَذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ وَهَذَا قِيَاسٌ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجِبُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قِيَاسًا وَلَا اسْتِحْسَانًا نَظِيرُهُ مَا إذَا قَالَ أَنَا أَحُجُّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا أَحُجُّ فَفَعَلَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ لَزِمَهُ الْخَامِسَ عَشَرَ وَالسَّادِسَ عَشَرَ الْكُلُّ مِنْ الظَّهِيرِيَّةِ والولوالجية وَالْخَانِيَّةِ وَزَادَ الْوَلْوَالِجِيُّ فُرُوعًا وَبَعْضُهَا فِي الْخَانِيَّةِ وَهِيَ، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ فُلَانٌ أَبَدًا فَقَدِمَ فُلَانٌ لَيْلًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ إذَا قُرِنَ بِهِ مَا يَخْتَصُّ بِالنَّهَارِ كَالصَّوْمِ يُرَادُ بِهِ بَيَاضُ النَّهَارِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ الْوَقْتُ الَّذِي أَوْجَبَ فِيهِ الصَّوْمَ وَهُوَ النَّهَارُ، وَلَوْ قَدِمَ يَوْمًا قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَمْ يَأْكُلْ صَامَهُ وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَأَكَلَ فِيهِ، أَوْ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَمْ يَأْكُلْ فِيهِ صَامَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَصُومُ يَوْمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُضَافَ إلَى الْوَقْتِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَقْتِ كَالْمُرْسَلِ، وَلَوْ أَرْسَلَ كَانَ الْجَوَابُ هَكَذَا وَلَوْ نَذَرَ صَوْمًا فِي رَجَبٍ، أَوْ صَلَاةً فِيهِ جَازَ عَنْهُ قَبْلَهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ إضَافَةٌ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ بِأَنْ قَالَ إذَا جَاءَ شَهْرُ رَجَبٍ فَعَلَيَّ أَنْ أَصُومَ لَا يَجُوزُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ لَا يَكُونُ سَبَبًا قَبْلَ الشَّرْطِ وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الصَّدَقَةِ الْمُضَافَةِ إلَى وَقْتٍ كَالزَّكَاةِ وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ يَوْمًا لَزِمَهُ صَوْمُ ذَلِكَ الشَّهْرِ بِعَيْنِهِ مَتَى شَاءَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَمُوتَ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ يَوْمًا حَقِيقَةً وَهُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ فَحُمِلَ عَلَى الْوَقْتِ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ وَقْتًا مِنْ الْأَوْقَاتِ، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامُ الْأَيَّامِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ كَانَ عَلَيْهِ صِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامُ أَيَّامٍ لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ قَلِيلٌ، وَلَوْ قَالَ صِيَامُ الشُّهُورِ فَعَشَرَةٌ وَقَالَا صِيَامُ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامُ السِّنِينَ لَزِمَهُ صِيَامُ عَشَرَةٍ وَقَالَا لَزِمَهُ صِيَامُ الدَّهْرِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثًا فَيَكُونُ مَا نَوَى، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامُ الزَّمَنِ وَالْحِينِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ كَانَ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَالزَّمَنُ مِثْلُ الْحِينِ فِي الْعُرْفِ وَلَا عِلْمَ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِصِيَامِ دَهْرٍ إذَا نَذَرَهُ وَقَالَا عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ الْكُلُّ مِنْ الْوَلْوَالِجِيِّ وَفِي الْكَافِي لَا يَخْتَصُّ نَذْرٌ غَيْرُ مُعَلَّقٍ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ وَدِرْهَمٍ وَفَقِيرٍ. اهـ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ النَّذْرَ لَا يَصِحُّ بِالْمَعْصِيَةِ لِلْحَدِيثِ «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى» فَقَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَأَمَّا النَّذْرُ الَّذِي يُنْذِرُهُ أَكْثَرُ الْعَوَامّ عَلَى مَا هُوَ مُشَاهَدٌ كَأَنْ يَكُونَ لِإِنْسَانٍ غَائِبٌ أَوْ مَرِيضٌ، أَوْ لَهُ حَاجَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَيَأْتِي بَعْضَ الصُّلَحَاءِ فَيَجْعَلُ سُتْرَةً عَلَى رَأْسِهِ فَيَقُولُ يَا سَيِّدِي فُلَانٌ إنْ رُدَّ غَائِبِي، أَوْ عُوفِيَ مَرِيضِي أَوْ قُضِيَتْ حَاجَتِي فَلَكَ مِنْ الذَّهَبِ كَذَا، أَوْ مِنْ الْفِضَّةِ كَذَا، أَوْ مِنْ الطَّعَامِ كَذَا، أَوْ مِنْ الْمَاءِ كَذَا، أَوْ مِنْ الشَّمْعِ كَذَا، أَوْ مِنْ الزَّيْتِ كَذَا فَهَذَا النَّذْرُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ لِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّهُ نَذْرُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: بَنَى بَعْدَ رَمَضَانَ) كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي نُسْخَةِ الرَّمْلِيِّ يُتَابِعُ بَدَلَ بَنَى فَقَالَ أَيْ لَا يُعَدُّ رَمَضَانُ قَاطِعًا لِلتَّتَابُعِ كَمَا أَنَّ الْحَيْضَ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فَتُتَابِعُ بَعْدَهُ فَيَلْتَحِقُ بِمَا قَبْلَهُ تَأَمَّلْ اهـ. وَنُسْخَةُ بَنَى أَظْهَرُ.

стр. 724

مَخْلُوقٍ وَالنَّذْرُ لِلْمَخْلُوقِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَةُ لَا تَكُونُ لِلْمَخْلُوقِ وَمِنْهَا أَنَّ الْمَنْذُورَ لَهُ مَيِّتٌ وَالْمَيِّتُ لَا يَمْلِكُ وَمِنْهَا إنْ ظَنَّ أَنَّ الْمَيِّتَ يَتَصَرَّفُ فِي الْأُمُورِ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى وَاعْتِقَادُهُ ذَلِكَ كُفْرٌ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ قَالَ يَا اللَّهُ إنِّي نَذَرْت لَك إنْ شَفَيْت مَرِيضِي، أَوْ رَدَدْت غَائِبِي أَوْ قَضَيْت حَاجَتِي أَنْ أُطْعِمَ الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ بِبَابِ السَّيِّدَةِ نَفِيسَةَ، أَوْ الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ بِبَابِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، أَوْ الْإِمَامِ اللَّيْثِ، أَوْ أَشْتَرِي حُصْرًا لِمَسَاجِدِهِمْ، أَوْ زَيْتًا لِوَقُودِهَا أَوْ دَرَاهِمَ لِمَنْ يَقُومُ بِشَعَائِرِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ نَفْعٌ لِلْفُقَرَاءِ وَالنَّذْرُ لِلَّهِ وَذِكْرُ الشَّيْخِ إنَّمَا هُوَ مَحَلٌّ لِصَرْفِ النَّذْرِ لِمُسْتَحِقِّيهِ الْفَاطِنِينَ بِرِبَاطِهِ، أَوْ مَسْجِدِهِ، أَوْ جَامِعِهِ فَيَجُوزُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ إذْ مَصْرِفُ النَّذْرِ الْفُقَرَاءُ وَقَدْ وُجِدَ الْمَصْرِفُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ ذَلِكَ لِغَنِيٍّ غَيْرِ مُحْتَاجٍ وَلَا لِشَرِيفٍ مُنَصَّبٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الْأَخْذُ مَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا، أَوْ فَقِيرًا وَلَا لِذِي النَّسَبِ لِأَجْلِ نَسَبِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا وَلَا لِذِي عِلْمٍ لِأَجْلِ عِلْمِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الشَّرْعِ جَوَازُ الصَّرْفِ لِلْأَغْنِيَاءِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ النَّذْرِ لِلْمَخْلُوقِ وَلَا يَنْعَقِدُ وَلَا تَشْتَغِلُ الذِّمَّةُ بِهِ وَلِأَنَّهُ حَرَامٌ بَلْ سُحْتٌ وَلَا يَجُوزُ لِخَادِمِ الشَّيْخِ أَخْذُهُ وَلَا أَكْلُهُ وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا، أَوْ لَهُ عِيَالٌ فُقَرَاءُ عَاجِزُونَ عَنْ الْكَسْبِ وَهُمْ مُضْطَرُّونَ فَيَأْخُذُونَهُ عَلَى سَبِيلِ الصَّدَقَةِ الْمُبْتَدَأَةِ فَأَخْذُهُ أَيْضًا مَكْرُوهٌ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ النَّاذِرُ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَصَرْفَهُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَيُقْطَعُ النَّظَرُ عَنْ نَذْرِ الشَّيْخِ فَإِذَا عَلِمْت هَذَا فَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالشَّمْعِ وَالزَّيْتِ وَغَيْرِهَا وَيُنْقَلُ إلَى ضَرَائِحِ الْأَوْلِيَاءِ تَقَرُّبًا إلَيْهِمْ فَحَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مَا لَمْ يَقْصِدُوا بِصَرْفِهَا لِلْفُقَرَاءِ الْأَحْيَاءِ قَوْلًا وَاحِدًا اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَا قَضَاءَ إنْ شَرَعَ فِيهَا فَأَفْطَرَ) أَيْ إنْ شَرَعَ فِي صَوْمِ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ كَالنَّذْرِ وَصَارَ كَالشُّرُوعِ فِي الطَّلَاقِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ بِنَفْسِ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ يُسَمَّى صَائِمًا حَتَّى يَحْنَثَ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى الصَّوْمِ فَيَصِيرُ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ فَيَجِبُ إبْطَالُهُ وَلَا تَجِبُ صِيَانَتُهُ وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ يُبْتَنَى عَلَيْهِ وَلَا يَصِيرُ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ بِنَفْسِ النَّذْرِ وَهُوَ الْمُوجِبُ وَلَا بِنَفْسِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يُتِمَّ رَكْعَةً وَلِهَذَا لَا يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى الصَّلَاةِ فَيَجِبُ صِيَانَةُ الْمُؤَدَّى فَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالْقَضَاءِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي فَصْلِ الصَّلَاةِ أَيْضًا وَالْأَظْهَرُ هُوَ الْأَوَّلُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَتَعَقَّبَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالتَّحْرِيرِ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ بَعْدَ السَّجْدَةِ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا وَالْجَوَابُ مُطْلَقٌ فِي الْوُجُوبِ وَحِينَئِذٍ فَالْوَجْهُ أَنْ لَا يَصِحَّ الشُّرُوعُ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ مِنْ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَلَا مَخْلَصَ إلَّا بِجَعْلِ الْكَرَاهَةِ تَنْزِيهِيَّةً. اهـ. وَلَنَا مَخْلَصٌ مَعَ جَعْلِهَا تَحْرِيمِيَّةً كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ بِأَنْ يُقَالَ لَمَّا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَكُنْ مُرْتَكِبًا لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ وَحَرُمَ الْقَطْعُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فَلَمَّا قَيَّدَهَا بِسَجْدَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فَتَعَارَضَ مُحَرَّمَانِ وَمَعَ أَحَدِهِمَا وُجُوبٌ فَتُقَدَّمُ حُرْمَةُ الْقَطْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ. (بَابُ الِاعْتِكَافِ) ذَكَرَهُ بَعْدَ الصَّوْمِ لِمَا أَنَّهُ مِنْ شَرْطِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَالشَّرْطُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَهُوَ لُغَةً افْتِعَالٌ مِنْ عَكَفَ إذَا دَامَ مِنْ بَابِ طَلَبَ وَعَكَفَهُ حَبَسَهُ وَمِنْهُ ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥] وَسُمِّيَ بِهِ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إقَامَةٌ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ شَرَائِطَ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَفِي الصِّحَاحِ الِاعْتِكَافُ الِاحْتِبَاسُ وَفِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ مُتَعَدٍّ فَمَصْدَرُهُ الْعَكْفُ وَلَازِمٌ فَمَصْدَرُهُ الْعُكُوفُ فَالْمُتَعَدِّي بِمَعْنَى الْحَبْسِ وَالْمَنْعِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥] وَمِنْهُ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ وَأَمَّا اللَّازِمُ فَهُوَ الْإِقْبَالُ عَلَى الشَّيْءِ بِطَرِيقِ الْمُوَاظَبَةِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: فَتُقَدَّمُ حُرْمَةُ الْقَطْعِ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا يَقْتَضِي حُرْمَةَ الْقَطْعِ بَعْدَ التَّقْيِيدِ بِالسَّجْدَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ. وَقَالَ الرَّمْلِيُّ قَوْلُهُ فَتَعَارَضَ مُحَرَّمَانِ إلَخْ قَدَّمَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ قَوْلَهُ وَمَنَعَ عَنْ الصَّلَاةِ إلَخْ أَنَّهُ يَجِبُ قَطْعُهُ وَقَضَاؤُهُ فِي غَيْرِ مَكْرُوهٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَوْ أَتَمَّهُ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ مَا لَزِمَهُ بِذَلِكَ الشُّرُوعِ وَفِي الْمَبْسُوطِ الْقَطْعُ أَفْضَلُ وَالْأَوَّلُ هُوَ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ فَقَوْلُهُ هُنَا وَمَعَ أَحَدِهِمَا وُجُوبٌ فَتُقَدَّمُ حُرْمَةُ الْقَطْعِ يَعْنِي ارْتِكَابًا فَيَجِبُ الْقَطْعُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ هَذَا وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وُجُوبٌ فَكَمَا يَجِبُ الْإِتْمَامُ يَجِبُ الْقَطْعُ وَكَمَا يَحْرُمُ الْإِتْمَامُ يَحْرُمُ الْقَطْعُ وَقَدْ فَهِمَ صَاحِبُ النَّهْرِ مِنْ قَوْلِهِ فَتُقَدَّمُ حُرْمَةُ الْقَطْعِ أَنَّهُ يَحْرُمُ الْقَطْعُ فَلَا يَقْطَعُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ فِي الْفَهْمِ بَلْ يُعِيدُ مَعَ قَوْلِهِ فَلَمَّا قَيَّدَهَا بِسَجْدَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ وَمَا فَهِمْنَاهُ مِنْهُ مُتَعَيِّنٌ وَاللَّفْظُ قَابِلٌ لَهُ إذْ مَعْنَى قَوْلِهِ فَتُقَدَّمُ حُرْمَةُ الْقَطْعِ يَعْنِي ارْتِكَابًا لِوُجُوبِهِ لَا حَقِيقَةَ حُرْمَتِهِ عَلَى حُرْمَةِ الْإِتْمَامِ تَأَمَّلْ. [بَابُ الِاعْتِكَافِ]

стр. 725

﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وَشَرْعًا اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ نِيَّتِهِ فَالرُّكْنُ هُوَ اللُّبْثُ وَالْكَوْنُ فِي الْمَسْجِدِ وَالنِّيَّةُ شَرْطَانِ لِلصِّحَّةِ وَأَمَّا الصَّوْمُ فَيَأْتِي وَمِنْهَا الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالطَّهَارَةُ عَنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى يَصِحَّ اعْتِكَافُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ كَالصَّوْمِ وَكَذَا الذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ فَيَصِحُّ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ بِإِذْنِ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى، وَلَوْ نَذَرَا فَلِمَنْ لَهُ الْإِذْنُ الْمَنْعُ وَيَقْضِيَانِهِ بَعْدَ زَوَالِ الْوِلَايَةِ بِالطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَالْعِتْقِ وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَلَيْسَ لِلْمَوْلَى مَنْعُهُ، وَلَوْ تَطَوُّعًا وَلَوْ أَذِنَ لَهَا بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ رُجُوعٌ لِكَوْنِهِ مَلَّكَهَا مَنَافِعَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ بِخِلَافِ الْمَمْلُوكِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَقَدْ أَعَارَهُ مَنَافِعَهُ وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ لِخَلْفِ الْوَعْدِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى التَّصْرِيحِ بِالْإِسْلَامِ وَالْعَقْلِ لِمَا أَنَّهُمَا عُلِمَا مِنْ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ وَالْمَجْنُونَ لَيْسَا بِأَهْلٍ لَهَا وَأَمَّا الطَّهَارَةُ مِنْ الْجَنَابَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ شَرْطًا لِلْجَوَازِ بِمَعْنَى الْحِلِّ كَالصَّوْمِ لَا لِلصِّحَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ وَأَمَّا صِفَتُهُ فَالسُّنِّيَّةُ كَمَا ذَكَرَهُ عَلَى كَلَامٍ فِيهِ يَأْتِي وَأَمَّا سَبَبُهُ فَالنَّذْرُ إنْ كَانَ وَاجِبًا وَالنَّشَاطُ الدَّاعِي إلَى طَلَبِ الثَّوَابِ إنْ كَانَ تَطَوُّعًا وَأَمَّا حُكْمُهُ فَسُقُوطُ الْوَاجِبِ وَنَيْلُ الثَّوَابِ إنْ كَانَ وَاجِبًا وَالثَّانِي فَقَطْ إنْ كَانَ نَفْلًا وَسَيَأْتِي مَا يُفْسِدُهُ وَيُكْرَهُ فِيهِ وَيَحْرُمُ وَيَنْدُبُ وَمَحَاسِنُهُ كَثِيرَةٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْرِيغَ الْقَلْبِ عَنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَتَسْلِيمَ النَّفْسِ إلَى الْمَوْلَى وَالتَّحَصُّنَ بِحِصْنٍ حَصِينٍ وَمُلَازَمَةَ بَيْتِ رَبٍّ كَرِيمٍ كَمَنْ احْتَاجَ إلَى عَظِيمٍ فَلَازِمَهُ حَتَّى قَضَى مَآرِبَهُ فَهُوَ يُلَازِمُ بَيْتَ رَبِّهِ لِيَغْفِرَ لَهُ كَذَا فِي الْكَافِي وَفِي الِاخْتِيَارِ وَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ الْأَعْمَالِ إذَا كَانَ عَنْ إخْلَاصٍ. (قَوْلُهُ: سُنَّ لَبْثٌ فِي مَسْجِدٍ بِصَوْمٍ وَنِيَّةٍ) أَيْ وَنِيَّةِ اللُّبْثِ الَّذِي هُوَ الِاعْتِكَافُ وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى صِفَتِهِ وَرُكْنِهِ وَشَرَائِطِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ السُّنِّيَّةُ وَهَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَفِي الْقُدُورِيِّ الِاعْتِكَافُ مُسْتَحَبٌّ وَصَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ الْحَقَّ انْقِسَامُهُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ وَاجِبٍ وَهُوَ الْمَنْذُورُ وَسُنَّةٍ وَهُوَ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَمُسْتَحَبٍّ وَهُوَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَزْمِنَةِ وَتَبِعَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي الْأَصْلِ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمَتْنِ تَبَعًا لِمَا صَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ وَهِيَ مُؤَكَّدَةٌ وَغَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا الِاسْتِحْبَابَ؛ لِأَنَّهَا بِمَعْنَاهُ وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَهُوَ بِعَارِضِ النَّذْرِ وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ يَجِبُ بِالشُّرُوعِ أَيْضًا وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى ضَعِيفٍ وَهُوَ اشْتِرَاطُ زَمَنٍ لِلتَّطَوُّعِ وَأَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ أَقَلَّ النَّفْلِ سَاعَةٌ فَلَا وَالدَّلِيلُ عَلَى تَأَكُّدِهِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مُوَاظَبَتُهُ ﵇ فِيهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ عَجَبًا لِلنَّاسِ كَيْفَ تَرَكُوا الِاعْتِكَافَ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَيَتْرُكُهُ وَلَمْ يَتْرُكْ الِاعْتِكَافَ مُنْذُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ إلَى أَنْ مَاتَ فَهَذِهِ الْمُوَاظَبَةُ الْمَقْرُونَةُ بِعَدَمِ التَّرْكِ مَرَّةً لَمَّا اُقْتُرِنَتْ بِعَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَتْ دَلِيلَ السُّنِّيَّةِ وَإِلَّا كَانَتْ دَلِيلَ الْوُجُوبِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ قَدْ اُقْتُرِنَتْ بِالتَّرْكِ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ الْحَدِيثُ مِنْ «أَنَّهُ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ فَرَأَى خِيَامًا وَقِبَابًا مَضْرُوبَةً فَقَالَ لِمَنْ هَذَا قَالَ لِعَائِشَةَ وَهَذَا لِحَفْصَةَ وَهَذَا لِسَوْدَةِ فَغَضِبَ وَقَالَ أَتَرَوْنَ الْبِرَّ بِهَذَا فَأَمَرَ بِأَنْ تُنْزَعَ قُبَّتُهُ فَنُزِعَتْ وَلَمْ يَعْتَكِفْ فِيهِ ثُمَّ قَضَى فِي شَوَّالٍ» وَقَدْ يُقَالُ إنَّ التَّرْكَ هُنَا لِعُذْرٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْمُوَاظَبَةِ كَلَامًا حَسَنًا فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ فَارْجِعْ إلَيْهِ وَلَا فَرْقَ فِي الْمَنْذُورِ بَيْنَ الْمُنَجَّزِ وَالْمُعَلَّقِ وَأَشَارَ بِاللُّبْثِ إلَى رُكْنِهِ وَبِالْمَسْجِدِ وَالصَّوْمِ وَالنِّيَّةِ إلَى شَرَائِطِهِ لَكِنْ ذِكْرُ الصَّوْمِ مَعَهَا لَا يَنْبَغِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَنْذُورِ لِتَصْرِيحِهِ بِالسُّنِّيَّةِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ لِتَصْرِيحِهِ بَعْدُ بِأَنَّ أَقَلَّهُ نَفْلًا ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الطَّهَارَةُ مِنْ الْجَنَابَةِ فَيَنْبَغِي إلَخْ) ذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ فِيهِ عَنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ عَلَى رِوَايَةِ اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ فِي نَفْلِهِ أَمَّا عَلَى عَدَمِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرَائِطِ الْحِلِّ فَقَطْ كَالطَّهَارَةِ عَنْ الْجَنَابَةِ قَالَ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذَا اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تُشْتَرَطَ لِلصِّحَّةِ الطَّهَارَةُ عَنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فِي الْمَنْذُورِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَكُونُ مَعَهُمَا وَكَذَلِكَ فِي النَّفْلِ عَلَى رِوَايَةِ اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ فِيهِ وَأَمَّا عَلَى عَدَمِهِ فَيَنْبَغِي اشْتِرَاطُهَا لِلْحِلِّ لَا لِلصِّحَّةِ كَمَا لَا تُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ مِنْ الْجَنَابَةِ لِشَيْءٍ مِنْ الْمَنْذُورِ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ أَيْ لِلصِّحَّةِ أَمَّا لِلْحِلِّ فَيَنْبَغِي اشْتِرَاطُهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (قَوْلُهُ: كَالصَّوْمِ) فِيهِ أَنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ لَا الْحِلِّ وَهَذَا فِي الْمَنْذُورِ وَالنَّفَلِ عَلَى رِوَايَةٍ أَمَّا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ أَصْلًا وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ الْجَنَابَةِ شَرْطٌ لِحِلِّ الصَّوْمِ فَفِيهِ نَظَرٌ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا الِاسْتِحْبَابَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْقُدُورِيَّ أَطْلَقَ اسْمَ الِاسْتِحْبَابِ عَلَى الْمُؤَكَّدَةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَعْنَاهُ لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِي إطْلَاقِ الْمُسْتَحَبِّ عَلَى الْمُؤَكَّدَةِ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ فَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى نَوْعٍ مِنْهُ وَهُوَ غَيْرُ الْمُؤَكَّدَةِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُشَكَّكَ حَقِيقَةٌ فِي أَفْرَادِهِ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ مَا جَعَلَهُ الْأَقْرَبَ هُوَ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِإِرْجَاعِ ضَمِيرِ عَلَيْهَا لِأَقْرَبِ مَذْكُورٍ وَهُوَ غَيْرُ الْمُؤَكَّدَةِ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ

стр. 726

سَاعَةٌ فَلَزِمَ أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ فَإِنْ قُلْت يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الِاعْتِكَافِ الْمَسْنُونِ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً وَهُوَ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّ الصَّوْمَ مِنْ شَرْطِهِ حَتَّى لَوْ اعْتَكَفَهُ مِنْ غَيْرِ صَوْمٍ لِمَرَضٍ، أَوْ سَفَرٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ قُلْت لَا يُمْكِنُ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْمَنْذُورِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِ وَفَرَّعُوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ شَرْطِهِ وَاللَّيْلُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لَهُ، وَلَوْ نَوَى الْيَوْمَ مَعَهَا لَمْ يَصِحَّ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ نَوَى لَيْلَةً بِيَوْمِهَا لَزِمَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ هَذَا التَّفْصِيلَ وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلًا وَنَهَارًا لَزِمَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلًا وَنَهَارًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اللَّيْلُ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ يَدْخُلُ فِيهِ تَبَعًا وَلَا يُشْتَرَطُ لِلتَّبَعِ مَا يُشْتَرَطُ لِلْأَصْلِ، وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ قَدْ أَكَلَ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِدُونِ الصَّوْمِ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ تَفَارِيعِ النَّذْرِ وَمِنْ تَفْرِيعَاتِهِ هُنَا أَنَّهُ لَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا مُتَطَوِّعًا، أَوْ غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ ثُمَّ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ هَذَا الْيَوْمَ لَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ تَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الصَّوْمِ لِعَدَمِ اسْتِيفَاءِ النَّهَارِ وَتَمَامُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرًا بِغَيْرِ صَوْمٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَصُومَ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَوْنِ الصَّوْمِ شَرْطًا أَنَّهُ يُرَاعَى وُجُودُهُ لَا إيجَادُهُ لِلْمَشْرُوطِ لَهُ قَصْدًا فَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرِ رَمَضَانَ لَزِمَهُ وَأَجْزَأَهُ صَوْمُ رَمَضَانَ عَنْ صَوْمِ الِاعْتِكَافِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَكِفْ قَضَى شَهْرًا بِصَوْمٍ مَقْصُودٍ لِعَوْدِ شَرْطِهِ إلَى الْكَمَالِ وَلَا يَجُوزُ اعْتِكَافُهُ فِي رَمَضَانَ آخَرَ وَيَجُوزُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ الْأَوَّلِ وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ فِي الْأُصُولِ فِي بَحْثِ الْأَمْرِ. (قَوْلُهُ: وَأَقَلُّهُ نَفْلًا سَاعَةٌ) لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِنِيَّةِ الِاعْتِكَافِ فَهُوَ مُعْتَكِفٌ مَا أَقَامَ تَارِكٌ لَهُ إذَا خَرَجَ فَكَانَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَاسْتَنْبَطَ الْمَشَايِخُ مِنْهُ أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى النَّفْلِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ حَتَّى جَازَتْ صَلَاتُهُ قَاعِدًا، أَوْ رَاكِبًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ وَنَظَرَ فِيهِ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عِنْدَ الْعَقْلِ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ اعْتِكَافِ سَاعَةٍ مَعَ اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ لَهُ وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَصُمْ سَوَاءٌ كَانَ يُرِيدُ اعْتِكَافَ يَوْمٍ، أَوْ دُونَهُ وَلَا مَانِعَ مِنْ اعْتِبَارِ شَرْطٍ يَكُونُ أَطْوَلَ مِنْ مَشْرُوطِهِ وَمَنْ ادَّعَاهُ فَهُوَ بِلَا دَلِيلٍ فَهَذَا الِاسْتِنْبَاطُ غَيْرُ صَحِيحٍ بِلَا مُوجِبٍ فَالِاعْتِكَافُ لَا يُقَدَّرُ شَرْعًا بِكَمِّيَّةٍ لَا تَصِحُّ دُونَهَا كَالصَّوْمِ بَلْ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ لَا يُفْتَقَرُ فِي كَوْنِهِ عِبَادَةً إلَى الْجُزْءِ الْآخَرِ وَلَمْ يَسْتَلْزِمْ تَقْدِيرُ شَرْطِهِ تَقْدِيرَهُ. اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ادَّعَاهُ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ مُسَلَّمٌ وَبِهَذَا لَا يَنْدَفِعُ مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَشَايِخُ الثِّقَاتُ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَالذَّخِيرَةِ وَالْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَالْكَافِي لِلْمُصَنِّفِ وَالْبَدَائِعِ وَالنِّهَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ وَالتَّبْيِينِ وَغَيْرِهِمْ وَالْكُلُّ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْمَنْذُورِ) قُلْت تَصْرِيحُهُمْ بِذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّفْلِ يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي النَّفْلِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ أَمَّا الْمَسْنُونُ فَلَا يَكُونُ إلَّا بِالصَّوْمِ عَادَةً فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ وَإِمْكَانُ تَصَوُّرِ عَدَمِ الصَّوْمِ فِيهِ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ نَادِرٌ جِدًّا وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا أَنَّهُ فِي مَتْنِ الدُّرَرِ قَسَّمَ الِاعْتِكَافَ إلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ قَالَ وَالصَّوْمُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْأَوَّلِ يَعْنِي الْوَاجِبَ لَا الثَّالِثَ يَعْنِي الْمُسْتَحَبَّ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلثَّانِي وَهُوَ الْمَسْنُونُ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بِدُونِ صَوْمٍ عَادَةً وَسَيَأْتِي قَرِيبًا بَيَانُ اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي وُجُوبِ الصَّوْمِ فِي الِاعْتِكَافِ النَّفْلِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِيَوْمٍ أَمْ لَا وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ التَّقْدِيرَ مُسْتَلْزِمٌ لِإِيجَابِ الصَّوْمِ فِيهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مُقَدَّرٌ فَيَكُونُ الصَّوْمُ شَرْطًا فِيهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ نَوَى الْيَوْمَ مَعَهَا لَمْ يَصِحَّ) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَيْلَتَانِ بِنَذْرِ يَوْمَيْنِ فَرَاجِعْهُ تَأَمَّلْ. [أَقَلُّ الِاعْتِكَافُ] (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ادَّعَاهُ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ مُسَلَّمٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الْفَتْحِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّجْوِيزَ الْعَقْلِيَّ مِمَّا لَا قَائِلَ بِهِ فِيمَا نَعْلَمُ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ عِبَارَةَ الْبَدَائِعِ الْآتِيَةَ ثُمَّ قَالَ وَبِهَذَا عُرِفَ أَنَّ مَا فِي الْبَحْرِ أَنَّ الثِّقَاتِ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُمْ صَرِيحًا آخَرَ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ ضِيقِ الْعَطَنِ اهـ. وَالْعَطَنُ مَرْبِضُ الْغَنَمِ حَوْلَ الْمَاءِ قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ مَا بَسَطَهُ فِي الْبَحْرِ يَحْتَاجُ إلَيْهِ نَظَرُ الظَّاهِرِ الْمَبْسُوطِ الْجَازِمِ بِالِاسْتِنْبَاطِ الَّذِي لَا يَقْوَى كَلَامُ الْبَدَائِعِ وَحْدَهُ عَلَى دَفْعِهِ كَمَا لَا يَخْفَى اهـ. أَقُولُ: مَنْعُ الْمُحَقِّقِ مَبْنِيٌّ عَلَى اسْتِنْبَاطِ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ فَإِنَّهُ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَنْقُولَ مِنْ مُسْتَنِدِ إثْبَاتِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الظَّاهِرَةِ هُوَ قَوْلٌ فِي الْأَصْلِ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ إلَخْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ مِنْ التَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ وَارِدٌ عَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ وَلَيْسَ مُرَادُهُ حَمْلَ كَلَامِ الْأَصْلِ عَلَيْهِ حَتَّى يَرِدَ مَا أَوْرَدَهُ فِي النَّهْرِ وَلَا مَنْعَ أَنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّ ذَلِكَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ حَتَّى يَرِدَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ بَلْ هُوَ يَقُولُ إنَّ الْمَنْقُولَ أَنَّ مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَرَّ فَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ إلَّا بِمَنْعِ أَنَّ الْمَنْقُولَ ذَلِكَ وَدَعْوَى جَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدُهُمْ صَرِيحًا آخَرَ خَارِجٌ عَمَّا الْبَحْثُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الظَّاهِرُ

стр. 727

الصَّوْمَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ لَكِنْ وَقَعَ لِصَاحِبِ الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ قَالَ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَجُوزُ النَّفَلُ مِنْ الِاعْتِكَافِ مِنْ غَيْرِ صَوْمٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْكِتَابِ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِنِيَّةِ الِاعْتِكَافِ فَهُوَ مُعْتَكِفٌ مَا أَقَامَ تَارِكٌ لَهُ إذَا خَرَجَ وَظَاهِرُهُ أَنْ مُسْتَنَدَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ صَرِيحًا آخَرَ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ لِنَقْلِ الثِّقَاتِ وَعِبَارَةُ الْبَدَائِعِ وَأَمَّا اعْتِكَافُ التَّطَوُّعِ فَالصَّوْمُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّهُ شَرْطٌ وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي اعْتِكَافِ التَّطَوُّعِ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِيَوْمٍ، أَوْ غَيْرُ مُقَدَّرٍ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَلَمْ يَكُنْ الصَّوْمُ شَرْطًا؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مُقَدَّرٌ بِيَوْمٍ إذْ صَوْمُ بَعْضِ الْيَوْمِ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ فَلَا يَصْلُحُ شَرْطًا لِمَا لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ. اهـ. وَهِيَ تُفِيدُ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ مَرْوِيٌّ لَا مُسْتَنْبَطٌ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي النَّفْلِ ثُمَّ قَطَعَهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَلَمْ يَكُنْ قَطْعُهُ إبْطَالًا وَقَدْ ذَكَرُوا فِي الْحَيْضِ أَنَّ السَّاعَةَ اسْمٌ لِقِطْعَةٍ مِنْ الزَّمَنِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَلَا يَخْتَصُّ بَخَمْسَةَ عَشَرَ دَرَجَةً كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْمِيقَاتِ فَكَذَا هُنَا وَأَطْلَقَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَفَادَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ يَصِحُّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَصَحَّحَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَصَحَّحَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ لَهُ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ وَاخْتَارَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ تَخْصِيصُهُ بِالْوَاجِبِ أَمَّا فِي النَّفْلِ فَيَجُوزُ فِي غَيْرِ مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ وَصَحَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كُلَّ مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ مَعْلُومٌ وَيُصَلِّي فِيهِ الْخَمْسَ بِالْجَمَاعَةِ يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِيهِ وَفِي الْكَافِي أَرَادَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ غَيْرَ الْجَامِعِ فَإِنَّ الْجَامِعَ يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُصَلُّوا فِيهِ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا وَيُوَافِقُهُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ عَنْ الْفَتَاوَى يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِي الْجَامِعِ وَإِنْ لَمْ يُصَلُّوا فِيهِ بِالْجَمَاعَةِ وَهَذَا كُلُّهُ لِبَيَانِ الصِّحَّةِ وَأَمَّا الْأَفْضَلُ فَأَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ثُمَّ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مَسْجِدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ مَسْجِدُ الْجَامِعِ ثُمَّ الْمَسَاجِدُ الْعِظَامُ الَّتِي كَثُرَ أَهْلُهَا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُجَاوِرَةَ بِمَكَّةَ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْكَرَاهَةُ وَعَلَى قَوْلِهِمَا لَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ مُرَادَهُمْ الِاعْتِكَافُ فِيهِ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ. (قَوْلُهُ: وَالْمَرْأَةُ تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا) يُرِيدُ بِهِ الْمَوْضِعَ الْمُعَدَّ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ اعْتَكَفَتْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ صَلَاتِهَا مِنْ بَيْتِهَا سَوَاءٌ كَانَ لَهَا مَوْضِعٌ مُعَدٍّ أَوَّلًا لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُهَا وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ تَعْتَكِفُ دُونَ أَنْ يَقُولَ يَجِبُ عَلَيْهَا إلَى أَنَّ اعْتِكَافَهَا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا أَفْضَلُ فَأَفَادَ أَنَّ اعْتِكَافَهَا فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ جَائِزٌ وَهُوَ مَكْرُوهٌ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ وَصَحَّحَهُ فِي النِّهَايَةِ وَظَاهِرُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّ اعْتِكَافَهَا فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ صَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَالْمَذْكُورُ فِي الْأَصْلِ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ لَا نَفْيِ الْجَوَازِ وَأَشَارَ بِجَعْلِهِ كَالْمَسْجِدِ إلَى أَنَّهَا لَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ، وَلَوْ إلَى بَيْتِهَا بَطَلَ اعْتِكَافُهَا إنْ كَانَ وَاجِبًا وَانْتَهَى إنْ كَانَ نَفْلًا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهَا تُثَابُ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ وَهَكَذَا فِي الرَّجُلِ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ نَذَرَتْ الْمَرْأَةُ اعْتِكَافَ شَهْرٍ فَحَاضَتْ تَقْضِي أَيَّامَ حَيْضِهَا مُتَّصِلًا بِالشَّهْرِ وَإِلَّا اسْتَقْبَلَتْ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تَعْتَكِفُ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا إنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ وَلَوْ وَاجِبًا وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الِاعْتِكَافِ فَأَرَادَتْ أَنْ تَعْتَكِفَ مُتَتَابِعًا فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَأْمُرَهَا بِالتَّفْرِيقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا فِي الِاعْتِكَافِ مُتَتَابِعًا لَا نَصًّا وَلَا دَلَالَةً، وَلَوْ أَذِنَ لَهَا فِي اعْتِكَافِ شَهْرٍ، أَوْ صَوْمِ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَاعْتَكَفَتْ، أَوْ صَامَتْ فِيهِ مُتَتَابِعًا لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهَا فِي التَّتَابُعِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ مُتَتَابِعٌ وُقُوعًا. (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا لِحَاجَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَالْجُمُعَةِ أَوْ طَبِيعِيَّةٍ. ــ [منحة الخالق] فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ فِي الْمَسْجِدِ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى ذِكْرُهُ قَبْلَ قَوْلِهِ وَأَقَلُّهُ نَفْلًا سَاعَةٌ وَقَوْلُهُ فَأَفَادَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ إلَخْ قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ فَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ وَيَصِحُّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ لَهُ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ هُوَ الصَّحِيحُ وَهَذَا هُوَ مَسْجِدُ الْجَمَاعَةِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ أَنَّ صِحَّتَهُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ. قَوْلُهُمَا وَهَذَا الْكِتَابُ لَمْ يُوضَعْ إلَّا لِبَيَانِ أَقْوَالِ الْإِمَامِ نَعَمْ اخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ قَوْلَهُمَا اهـ. قَالَ الرَّمْلِيُّ مَا اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْسَرُ خُصُوصًا فِي زَمَانِنَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ بِمَكَّةَ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا ادَّعَى أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاعْتِكَافِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْمَوْسِمِ الْمُجَاوَرَةُ بَلْ قَدْ يَكُونُ خَالِيًا عَنْهَا فِيمَنْ كَانَ حَوْلَ مَكَّةَ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَيْضًا مِنْ كَرَاهَةِ الْمُجَاوَرَةِ كَوْنُ اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ لَيْسَ أَفْضَلُ أَلَا تَرَى إلَى أَنَّ الصَّلَوَاتِ وَنَحْوَهَا مِنْ الْمُجَاوِرِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا اهـ. وَاسْتَظْهَرَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ. [أعتكاف الْمَرْأَةُ] (قَوْلُهُ وَهُوَ مَكْرُوهٌ)

стр. 728

كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ) أَيْ لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ اعْتِكَافًا وَاجِبًا مِنْ مَسْجِدِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ مُطْلَقَةٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ ﵇ لَا يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» وَلِأَنَّهُ مَعْلُومٌ وُقُوعُهَا وَلَا بُدَّ مِنْ الْخُرُوجِ فِي بَعْضِهَا فَيَصِيرُ الْخُرُوجُ لَهَا مُسْتَثْنًى وَلَا يَمْكُثُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الطَّهُورِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَإِنَّهَا مِنْ أَهَمِّ حَوَائِجِهِ وَهِيَ مَعْلُومَةٌ وُقُوعَهَا وَيَخْرُجُ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ يَتَوَجَّهُ بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بَعِيدًا عَنْهُ يَخْرُجُ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُهُ إدْرَاكُهَا وَصَلَاةُ أَرْبَعٍ قَبْلَهَا وَرَكْعَتَانِ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ يُحَكِّمُ فِي ذَلِكَ رَأْيَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي خُرُوجِهِ عَلَى إدْرَاكِ سَمَاعِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا تُصَلَّى قَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ كَذَا قَالُوا مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي الْفَرِيضَةِ حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَجْزَأَهُ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ التَّحِيَّةَ تَحْصُلُ بِذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَحِيَّةٍ غَيْرِهَا فِي تَحْقِيقِهَا وَكَذَا السُّنَّةُ فَمَا قَالُوهُ هُنَا مِنْ صَلَاةِ التَّحِيَّةِ وَيُصَلِّي بَعْدَهَا السُّنَّةَ أَرْبَعًا عَلَى قَوْلِهِ وَسِتًّا عَلَى قَوْلِهِمَا، وَلَوْ أَقَامَ فِي الْجَامِعِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الِاعْتِكَافِ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَدَاءَهُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ فَلَا يُتِمُّهُ فِي مَسْجِدَيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرُوهُ هُنَا أَنَّ الْأَرْبَعَ الَّتِي تُصَلَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَيَنْوِي بِهَا آخِرَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُمْ نَصُّوا هُنَا عَلَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يُصَلِّي إلَّا السُّنَّةَ الْبَعْدِيَّةَ فَقَطْ وَلِأَنَّ مَنْ اخْتَارَهَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَإِنَّمَا اخْتَارَهَا لِلشَّكِّ فِي أَنَّ جُمُعَتَهُ سَابِقَةٌ، أَوْ لَا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَعَدُّدِهَا فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازُ إقَامَتِهَا فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ فِي مَسْجِدَيْنِ فَأَكْثَرَ قَالَ وَبِهِ نَأْخُذُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ الْأَصَحُّ فَلَا يَنْبَغِي الْإِفْتَاءُ بِهَا فِي زَمَانِنَا لِمَا أَنَّهُمْ تَطَرَّقُوا مِنْهَا إلَى التَّكَاسُلِ عَنْ الْجُمُعَةِ بَلْ رُبَّمَا وَقَعَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَيْسَتْ فَرْضًا وَأَنَّ الظُّهْرَ كَافٍ وَلَا خَفَاءَ فِي كُفْرِ مَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ نَبْهَت عَلَيْهَا مِرَارًا قَيَّدْنَا بِكَوْنِ الِاعْتِكَافِ وَاجِبًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَفْلًا فَلَهُ الْخُرُوجُ؛ لِأَنَّهُ مِنَّةٌ لَهُ لَا مُبْطِلٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَمُرَادُهُ بِمَنْعِ الْخُرُوجِ الْحُرْمَةُ يَعْنِي يَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا صَرَّحَ بِالْحُرْمَةِ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ الْمُطْلَقَةِ لِلْخُرُوجِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ أَحْرَمَ الْمُعْتَكِفُ بِحِجَّةٍ، أَوْ عُمْرَةٍ أَقَامَ فِي اعْتِكَافِهِ إلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْهُ ثُمَّ يَمْضِيَ فِي إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ إقَامَةُ الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ يَدَعُ الِاعْتِكَافَ وَيَحُجُّ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الِاعْتِكَافَ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ أَهَمُّ مِنْ الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِمُضِيِّ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِدْرَاكُهُ فِي سَنَةٍ أُخْرَى مَوْهُومٌ وَإِنَّمَا يَسْتَقْبِلُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْخُرُوجَ وَإِنْ وَجَبَ شَرْعًا فَإِنَّمَا وَجَبَ بِعَقْدِهِ وَإِيجَابِهِ وَعَقْدُهُ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومَ الْوُقُوعِ فَلَا يَصِيرُ مُسْتَثْنًى عَنْ الِاعْتِكَافِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ثُمَّ ذَهَبَ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، أَوْ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ قَصْدٌ فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَمَكَثَ بَعْدَ فَرَاغَةِ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ ــ [منحة الخالق] أَيْ تَنْزِيهًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ قَبْلَهُ أَفْضَلُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْبَدَائِعِ الْآتِي أَيْضًا. (قَوْلُهُ: وَرَكْعَتَانِ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي الْفَرِيضَةِ حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ التَّحِيَّةَ تَحْصُلُ بِذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إلَى غَيْرِهَا فِي تَحْقِيقِهَا وَكَذَا السُّنَّةُ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ إمَّا ضَعِيفَةٌ أَوْ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْوَقْتِ مِمَّا يَسَعُ فِيهِ السُّنَّةَ وَأَدَاءُ الْفَرْضِ بَعْدَ قَطْعِ الْمَسَافَةِ مِمَّا يُعْرَفُ تَخْمِينًا فَقَدْ يَدْخُلُ قَبْلَ الزَّوَالِ لِعَدَمِ مُطَابَقَةِ ظَنِّهِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالسُّنَّةِ فَيَبْدَأَ بِالتَّحِيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّى عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَصْدُقُ الْحَزْرُ اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُجْتَبَى تَضْعِيفُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ حَيْثُ قَالَ وَيُصَلِّي قَبْلَهَا أَرْبَعًا قِيلَ وَرَكْعَتَانِ أَيْضًا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ عَنْ خَطِّ الْمَقْدِسِيَّ لَا شَكَّ أَنَّ صَلَاةَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَالسُّنَّةِ بِالِاسْتِقْلَالِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا فِي ضِمْنِ فَرْضٍ يُؤَدَّى وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ يَعْتَكِفُ وَيُلَازِمُ بَابَ الْكَرِيمِ إنَّمَا يَرُومُ مَا يُوجِبُ لَهُ مَزِيدَ التَّفْضِيلِ وَالتَّكْرِيمِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرُوهُ إلَخْ) فِي هَذَا الظُّهُورِ خَفَاءٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ التَّعَدُّدَ لِلْجُمُعَةِ فِي مِصْرٍ غَيْرُ لَازِمٍ فَلْيَكُنْ مَا ذَكَرُوهُ مَبْنِيًّا عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ مِنْ عَدَمِ التَّعَدُّدِ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي مَسْجِدِ الْجُمُعَةِ بَلْ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي مُعْتَكَفِهِ بَلْ هُوَ أَوْلَى وَكَوْنُ الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَوَازُ تَعَدُّدِ الْجُمُعَةِ لَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَ تِلْكَ الْأَرْبَعِ بَعْدَهَا لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ النَّهْرِ وَغَيْرِهِ التَّصْرِيحَ بِاسْتِحْبَابِهَا وَأَنَّهُ مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ فَرَاجِعْهُ فِي الْجُمُعَةِ وَكَوْنُ الْأَوْلَى عَدَمُ الْإِفْتَاءِ بِهَا فِي زَمَانِنَا لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِهَا مِمَّنْ لَا يُخْشَى مِنْهُ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ مَبْسُوطًا عَنْ الْمَقْدِسِيَّ وَغَيْرِهِ ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ الْمَقْدِسِيَّ اعْتَرَضَهُ فِي شَرْحِهِ بِوَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ لَيْسَ بَابَ تِلْكَ الْأَرْبَعِ الْمَعْقُودَ لِبَيَانِ أَحْكَامِهَا الثَّانِي أَنَّ عَدَمَ ذِكْرِهِمْ بِنَاءً عَلَى وُقُوعِ الْجُمُعَةِ صَحِيحَةً مُسْتَجْمِعَةً لِشَرَائِطِهَا بِيَقِينٍ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ إذَا صُلِّيَتْ وَالْإِتْيَانُ لِأَرْبَعٍ عِنْدَ وُقُوعِ شَكٍّ وَاحْتِمَالٍ اهـ. وَهَذَا مَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلًا.

стр. 729

اعْتِكَافُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَلَّ، أَوْ كَثُرَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَنْتَقِضُ مَا لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ خَرَجَ سَاعَةً بِلَا عُذْرٍ فَسَدَ) لِوُجُودِ الْمُنَافِي فَشَمِلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا لَا يَفْسُدُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ؛ لِأَنَّ فِي الْقَلِيلِ ضَرُورَةً كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ قَوْلِهِمَا وَرَجَّحَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ الَّتِي يُنَاطُ بِهَا التَّخْفِيفُ اللَّازِمَةُ أَوْ الْغَالِبَةُ وَلَيْسَ هُنَا كَذَلِكَ وَأَرَادَ بِالْعُذْرِ مَا يَغْلِبُ وُقُوعُهُ كَالْمَوَاضِعِ الَّتِي قَدَّمَهَا وَإِلَّا لَوْ أُرِيدَ مُطْلَقُهُ لَكَانَ الْخُرُوجُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا غَيْرَ مُفْسِدٍ لِكَوْنِهِ عُذْرًا شَرْعِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مُفْسِدٌ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ الْقَوْلُ بِفَسَادِهِ إذَا خَرَجَ لِانْهِدَامِ الْمَسْجِدِ، أَوْ لِتَفَرُّقِ أَهْلِهِ، أَوْ أَخْرَجَهُ ظَالِمٌ، أَوْ خَافَ عَلَى مَتَاعِهِ كَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَالظَّهِيرِيَّةِ خِلَافًا لِلشَّارِحِ الزَّيْلَعِيِّ، أَوْ خَرَجَ لِجِنَازَةٍ وَإِنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، أَوْ لِنَفِيرٍ عَامٍّ، أَوْ لِأَدَاءِ شَهَادَةٍ، أَوْ لِعُذْرِ الْمَرَضِ، أَوْ لِإِنْقَاذِ غَرِيقٍ، أَوْ حَرِيقٍ فَفَرَّقَ الشَّارِحُ هُنَا بَيْنَ الْمَسَائِلِ حَيْثُ جَعَلَ بَعْضَهَا مُفْسِدًا وَالْبَعْضَ لَا تَبَعًا لِصَاحِبِ الْبَدَائِعِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي نَعَمْ الْكُلُّ عُذْرٌ مُسْقِطٌ لِلْإِثْمِ بَلْ قَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِفْسَادُ إذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، أَوْ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ بِأَنْ كَانَ يَنْوِي حَقَّهُ إنْ لَمْ يَشْهَدْ، أَوْ لِإِنْجَاءِ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ فِي كَافِيهِ بِقَوْلِهِ فَأَمَّا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَاعْتِكَافُهُ فَاسِدٌ إذَا خَرَجَ سَاعَةً لِغَيْرِ غَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ جُمُعَةٍ. اهـ. فَكَانَ مُفَسِّرًا لِلْعُذْرِ الْمُسْقِطِ لِلْفَسَادِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ والْوَلْوَالِجِيِّ وَصُعُودُ الْمِئْذَنَةِ إنْ كَانَ بَابُهَا فِي الْمَسْجِدِ لَا يَفْسُدُ الِاعْتِكَافُ وَإِنْ كَانَ الْبَابُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَكَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا فِي الْمُؤَذِّنِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ لِلْآذَانِ يَكُونُ مُسْتَثْنًى عَنْ الْإِيجَابِ أَمَّا فِي غَيْرِ الْمُؤَذِّنِ فَيَفْسُدُ الِاعْتِكَافُ وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْكُلِّ فِي حَقِّ الْكُلِّ لِأَنَّهُ خَرَجَ لِإِقَامَةِ سُنَّةِ الصَّلَاةِ وَسُنَّتُهَا تُقَامُ فِي مَوْضِعِهَا فَلَا تُعْتَبَرُ خَارِجًا. اهـ. وَفِي التَّبْيِينِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُعْتَكِفَةً فِي الْمَسْجِدِ فَطَلُقَتْ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى بَيْتِهَا وَتَبْنِي عَلَى اعْتِكَافِهَا. اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَغْلِبُ وُقُوعُهُ وَأَرَادَ بِالْخُرُوجِ انْفِصَالَ قَدَمَيْهِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا خَرَجَ رَأْسُهُ إلَى دَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخُرُوجٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الدَّارِ فَفَعَلَ ذَلِكَ لَا يَحْنَثُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْفَسَادَ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الْوَاجِبِ وَإِذَا فَسَدَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِالصَّوْمِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ جَبْرًا لِمَا فَاتَهُ إلَّا فِي الرِّدَّةِ خَاصَّةً غَيْرَ أَنَّ الْمَنْذُورَ بِهِ إنْ كَانَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ يَقْضِي قَدْرَ مَا فَسَدَ لَا غَيْرُ وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ كَالصَّوْمِ الْمَنْذُورِ بِشَهْرٍ بِعَيْنِهِ إذَا أَفْطَرَ يَوْمًا وَجَبَ قَضَاؤُهُ لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ كَمَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَإِنْ كَانَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ مُتَتَابِعًا فَيُرَاعَى فِيهِ صِفَةُ التَّتَابُعِ وَسَوَاءٌ فَسَدَ بِصُنْعِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَالْخُرُوجِ وَالْجِمَاعِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي النَّهَارِ إلَّا الرِّدَّةَ، أَوْ فَسَدَ بِصُنْعِهِ لِعُذْرٍ كَمَا إذَا مَرِضَ فَاحْتَاجَ إلَى الْخُرُوجِ فَخَرَجَ، أَوْ بِغَيْرِ صُنْعِهِ رَأْسًا كَالْحَيْضِ وَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ الطَّوِيلِ وَالْقِيَاسُ فِي الْجُنُونِ الطَّوِيلِ أَنْ يُسْقِطَ الْقَضَاءَ كَمَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إلَّا أَنَّ فِي الِاسْتِحْسَانِ يَقْضِي؛ لِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنْ مُفْسِدَاتِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ وَلَا يُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ سِبَابٌ وَلَا جِدَالٌ وَلَا سُكْرٌ فِي اللَّيْلِ (قَوْلُهُ: وَأَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَنَوْمُهُ وَمُبَايَعَتُهُ فِيهِ) يَعْنِي يَفْعَلُ الْمُعْتَكِفُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ خَرَجَ لِأَجْلِهَا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى الْخُرُوجِ حَيْثُ جَازَتْ فِيهِ وَالْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَقِيلَ يَخْرُجُ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَلِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. اهـ. وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَأْتِي لَهُ بِهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ الْحَوَائِجِ الضَّرُورِيَّةِ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَأَرَادَ بِالْمُبَايَعَةِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَأَشَارَ بِالْمُبَايَعَةِ إلَى كُلِّ عَقْدٍ احْتَاجَ إلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَيُرَاجِعَ كَمَا فِي. ــ [منحة الخالق] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 730

الْبَدَائِعِ وَأَطْلَقَ الْمُبَايَعَةَ فَشَمِلَتْ مَا إذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ وَقَيَّدَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ كَالطَّعَامِ أَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ مَتْجَرًا فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَإِنْ لَمْ يُحْضِرْ السِّلْعَةَ وَاخْتَارَهُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ وَرَجَّحَهُ الشَّارِحُ؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَقَيَّدَ بِالْمُعْتَكِفِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ يُكْرَهُ لَهُ الْبَيْعُ مُطْلَقًا لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ وَكَذَا كُرِهَ فِيهِ التَّعْلِيمُ وَالْكِتَابَةُ وَالْخِيَاطَةُ بِأَجْرٍ وَكُلُّ شَيْءٍ يُكْرَهُ فِيهِ كُرِهَ فِي سَطْحِهِ وَاسْتَثْنَى الْبَزَّازِيُّ مِنْ كَرَاهَةِ التَّعْلِيمِ بِأَجْرٍ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لِضَرُورَةِ الْحِرَاسَةِ وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ النَّوْمُ فِيهِ وَقِيلَ إذَا كَانَ غَرِيبًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنَامَ فِيهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ كَالنَّوْمِ وَفِي الْبَدَائِعِ وَإِنْ غَسَلَ الْمُعْتَكِفُ رَأْسَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يُلَوَّثْ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَتَلَوَّثُ الْمَسْجِدُ يُمْنَعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ تَنْظِيفَ الْمَسْجِدِ وَاجِبٌ، وَلَوْ تَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ فِي إنَاءٍ فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. اهـ. بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُعْتَكِفِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَوْ فِي إنَاءٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعًا اُتُّخِذَ لِذَلِكَ لَا يُصَلَّى فِيهِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ خِصَالٌ لَا تَنْبَغِي فِي الْمَسْجِدِ «لَا يُتَّخَذُ طَرِيقًا وَلَا يُشْهَرُ فِيهِ سِلَاحٌ وَلَا يُنْبَضُ فِيهِ بِقَوْسٍ وَلَا يُنْثَرُ فِيهِ نَبْلٌ وَلَا يُمَرُّ فِيهِ بِلَحْمٍ نَيْءٍ وَلَا يُضْرَبُ فِيهِ حَدٌّ وَلَا يُتَّخَذُ سُوقًا رَوَاهُ» ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْهُ ﵇. (قَوْلُهُ: وَكُرِهَ إلَّا بِخَيْرٍ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ مُحْرَزٌ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَفِيهِ شَغْلُهُ بِهَا وَلِهَذَا قَالُوا لَا يَجُوزُ غَرْسُ الْأَشْجَارِ فِيهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ إطْلَاقِهِمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَوَّلَ الزَّكَاةِ وَدَلَّ تَعْلِيلُهُمْ أَنَّ الْمَبِيعَ لَوْ كَانَ لَا يَشْغَلُ الْبُقْعَةَ لَا يُكْرَهُ إحْضَارُهُ كَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ يَسِيرَةٍ، أَوْ كِتَابٍ وَنَحْوِهِ وَأَفَادَ الْإِطْلَاقُ أَنَّ إحْضَارَ الطَّعَامِ الْمَبِيعِ الَّذِي يَشْتَرِيهِ لِيَأْكُلَهُ مَكْرُوهٌ وَيَنْبَغِي عَدَمُ كَرَاهَتِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ الصَّمْتُ فَالْمُرَادُ بِهِ تَرْكُ التَّحَدُّثِ مَعَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ وَقَالُوا إنَّ صَوْمَ الصَّمْتِ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ لَعَنَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَخَصَّهُ الْإِمَامُ حَمِيدُ الدِّينِ الضَّرِيرُ بِمَا إذَا اعْتَقَدَهُ قُرْبَةً أَمَّا إذَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ قُرْبَةً فَلَا يُكْرَهُ لِلْحَدِيثِ «مَنْ صَمَتَ نَجَا» وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وَهُوَ بِعُمُومِهِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ إلَّا بِخَيْرٍ فَالْمَسْجِدُ أَوْلَى كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفِي التَّبْيِينِ وَأَمَّا التَّكَلُّمُ بِغَيْرِ خَيْرٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ فَمَا ظَنُّك لِلْمُعْتَكِفِ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ هُنَا مَا لَا إثْمَ فِيهِ فَيَشْمَلُ الْمُبَاحَ وَبِغَيْرِ الْخَيْرِ مَا فِيهِ إثْمٌ وَالْأَوْلَى تَفْسِيرُهُ بِمَا فِيهِ ثَوَابٌ يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْمُبَاحِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلِهَذَا قَالُوا الْكَلَامُ الْمُبَاحُ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قُبَيْلَ بَابِ الْوِتْرِ لَكِنْ قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِمَا لَا إثْمَ فِيهِ وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ لَكِنَّهُ يَتَجَانَبُ مَا يَكُونُ مَأْثَمًا وَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ كَمَا لَا يَخْفَى قَالُوا وَيُلَازِمُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْعِلْمَ وَالتَّدْرِيسَ وَسِيَرَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ وَكِتَابَةَ أُمُورِ الدِّينِ. (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ الْوَطْءُ وَدَوَاعِيهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ تَصْدُقُ عَلَى الْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ فَيُفِيدُ تَحْرِيمَ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُبَاشَرَةِ جِمَاعٍ، أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ فَيُفِيدُ الْعُمُومَ وَالْمُرَادُ بِدَوَاعِيهِ الْمَسُّ وَالْقُبْلَةُ وَهُوَ كَالْحَجِّ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَالظِّهَارِ لَمَّا حَرُمَ الْوَطْءُ لَهَا حَرُمَ دَوَاعِيهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْوَطْءِ ثَبَتَتْ بِصَرِيحِ النَّهْيِ فَقَوِيَتْ فَتَعَدَّتْ إلَى الدَّوَاعِي أَمَّا فِي الْحَجِّ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَأَمَّا فِي الِاسْتِبْرَاءِ فَلِلْحَدِيثِ «لَا تُنْكَحُ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ وَلَا الْحَيَالَى حَتَّى يَسْتَبْرِئْنَ بِحَيْضَةٍ» وَأَمَّا فِي الظِّهَارِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] بِخِلَافِ الْحَيْضِ وَالصَّوْمِ حَيْثُ لَا تَحْرُمُ الدَّوَاعِي فِيهِمَا؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ فِي إنَاءٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدَّمَ الشَّارِحُ فِي بَحْثِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ نَقْلًا عَنْ قَاضِي خَانْ أَنَّ الْوُضُوءَ فِيهِ فِي إنَاءٍ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ فَرَاجِعْهُ. (قَوْلُهُ: وَدَلَّ تَعْلِيلُهُمْ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ الْكَرَاهَةُ وَإِنْ لَمْ يَشْغَلْ وَقَوْلُهُ وَأَفَادَ إطْلَاقُهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ كَلَامَهُ مُتَنَاوِلٌ لِغَيْرِ مَا يَأْكُلُهُ بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ مِنْ إطْلَاقِ الْمُبَايَعَةِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُكْرَهُ لَهُ إحْضَارُ السِّلْعَةِ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى تَفْسِيرُهُ بِمَا فِيهِ ثَوَابٌ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ مَا لَيْسَ بِمَأْثَمٍ فَهُوَ خَيْرٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخَيْرَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَشْيِ الْحَاصِلِ لِمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا لَهُ إذَا كَانَ مُؤَثِّرًا وَالتَّكَلُّمُ بِالْمُبَاحِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ كَذَلِكَ اسْتَظْهَرَهُ فِي النَّهْرِ وَقَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِخَيْرٍ عِنْدَ عَدَمِهَا وَهُوَ مَحْمَلُ مَا فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي الْمَسْجِدِ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ إلَخْ قَالَ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْبَحْرِ اهـ. عَلَى أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ قُبَيْلَ الْوِتْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ تَقْيِيدَ الْكَرَاهَةِ بِأَنْ يَجْلِسَ لِأَجْلِهِ وَقَالَ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ مَا فِي الْفَتْحِ بِهِ وَفِي الْمِعْرَاجِ عَنْ شَرْحِ الْإِرْشَادِ لَا بَأْسَ فِي الْحَدِيثِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ قَلِيلًا فَأَمَّا أَنْ يُقْصَدَ الْمَسْجِدُ لِلْحَدِيثِ فِيهِ فَلَا. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْوَطْءِ لَمْ تَثْبُتْ بِصَرِيحِ النَّهْيِ) تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْفَتْحَ وَفِيهِ نَظَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَيْضِ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَفِي النَّهْرِ عَنْ الْعِنَايَةِ أَنَّهُ قَصْدِيٌّ قَالَ وَفِي الْغَايَةِ

стр. 731

الْوَطْءِ لَمْ تَثْبُتْ بِصَرِيحِ النَّهْيِ وَلِكَثْرَةِ الْوُقُوعِ فَلَوْ حَرُمَ الدَّوَاعِي لَزِمَ الْحَرَجُ وَهُوَ مَدْفُوعٌ وَلِأَنَّ النَّصَّ فِي الْحَيْضِ مَعْلُولٌ بَعْلَة الْأَذَى وَهُوَ لَا يُوجَدُ فِي الدَّوَاعِي (قَوْلُهُ وَيَبْطُلُ بِوَطْئِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَحْذُورٌ بِالنَّصِّ فَكَانَ مُفْسِدًا لَهُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا نَهَارًا، أَوْ لَيْلًا أَنْزَلَ، أَوْ لَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ إذَا كَانَ نَاسِيًا وَالْفَرْقُ أَنَّ حَالَةَ الْمُعْتَكِفِ مُذَكِّرَةٌ كَحَالَةِ الْإِحْرَامِ وَالصَّلَاةِ وَحَالَةَ الصَّائِمِ غَيْرُ مُذَكِّرَةٍ وَقَيَّدَ بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ أَوْ التَّقْبِيلَ، أَوْ اللَّمْسَ لَا يُفْسِدُ إلَّا إذَا أَنْزَلَ وَإِنْ أَمْنَى بِالتَّفَكُّرِ أَوْ النَّظَرِ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَإِنْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ لَيْلًا لَمْ يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ وَإِنْ أَكَلَ نَهَارًا فَإِنْ عَامِدًا فَسَدَ لِفَسَادِ الصَّوْمِ وَإِنْ نَاسِيًا لَا لِبَقَاءِ الصَّوْمِ وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الِاعْتِكَافِ وَهُوَ مَا مُنِعَ عَنْهُ لِأَجْلٍ الِاعْتِكَافِ لَا لِأَجْلٍ الصَّوْمِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ وَالنَّهَارُ وَاللَّيْلُ كَالْجِمَاعِ وَالْخُرُوجِ وَمَا كَانَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الصَّوْمِ وَهُوَ مَانِعٌ عَنْهُ لِأَجْلٍ الصَّوْمِ يَخْتَلِفُ فِيهِ الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ وَالنَّهَارُ وَاللَّيْلُ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ. (قَوْلُهُ: وَلَزِمَهُ اللَّيَالِيُ بِنَذْرِ اعْتِكَافِ أَيَّامٍ) كَقَوْلِهِ بِلِسَانِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْأَيَّامِ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ يَتَنَاوَلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ اللَّيَالِيِ يُقَالُ مَا رَأَيْتُك مُنْذُ أَيَّامٍ وَالْمُرَادُ بِلَيَالِيِهَا وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَيَّامُ بِنَذْرِ اعْتِكَافِ اللَّيَالِيِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ عَلَى طَرِيقِ الْجَمْعِ يَنْتَظِمُ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الْعَدَدِ الْآخَرِ لِقِصَّةِ زَكَرِيَّا ﵇ فَإِنَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ وَالرَّمْزُ الْإِشَارَةُ بِالْيَدِ أَوْ بِالرَّأْسِ، أَوْ بِغَيْرِهِمَا وَهَذَا عِنْدَ نِيَّتِهِمَا، أَوْ عَدَمِ النِّيَّةِ أَمَّا لَوْ نَوَى فِي الْأَيَّامِ النَّهَارَ خَاصَّةً صَحَّتْ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى بِالْأَيَّامِ اللَّيَالِيَ خَاصَّةً لَمْ تَعْمَلْ نِيَّتُهُ وَلَزِمَهُ اللَّيَالِيُ وَالنَّهَارُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ كَمَا إذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا وَنَوَى النَّهَارَ خَاصَّةً، أَوْ اللَّيْلَ خَاصَّةً لَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِعَدَدٍ مُقَدَّرٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِيِ فَلَا يَحْتَمِلُ مَا دُونَهُ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ وَيَقُولَ شَهْرًا بِالنَّهَارِ لَزِمَهُ كَمَا قَالَ أَوْ يَسْتَثْنِيَ وَيَقُولَ إلَّا اللَّيَالِيَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا فَكَأَنَّهُ قَالَ ثَلَاثِينَ نَهَارًا، وَلَوْ نَذَرَ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَنَوَى اللَّيَالِيَ خَاصَّةً صَحَّ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْحَقِيقَةَ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ اللَّيَالِيَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ كَذَا فِي الْكَافِي وَكَذَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا وَاسْتَثْنَى الْأَيَّامَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ اللَّيَالِيُ الْمُجَرَّدَةُ وَلَا يَصِحُّ فِيهَا لِمُنَافَاتِهَا شَرْطَهُ وَهُوَ الصَّوْمُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَيَّدْنَا كَوْنَهُ نَذَرَ بِلِسَانِهِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ نِيَّةِ الْقَلْبِ لَا يَلْزَمُهُ بِهَا شَيْءٌ (قَوْلُهُ وَلَيْلَتَانِ بِنَذْرِ يَوْمَيْنِ) يَعْنِي لَزِمَهُ اعْتِكَافُ لَيْلَتَيْنِ مَعَ يَوْمَيْهِمَا إذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُثَنَّى كَالْجَمْعِ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ، أَوْ الْمُثَنَّى أَوْ الْمَجْمُوعِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَ الْيَوْمَ، أَوْ اللَّيْلَ فَهِيَ سِتَّةٌ وَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا أَنْ يَنْوِيَ الْحَقِيقَةَ، أَوْ الْمَجَازَ، أَوْ يَنْوِيَهُمَا، أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ الْمَجْمُوعِ وَالْمُثَنَّى بِأَقْسَامِهِمَا بَقِيَ حُكْمُ الْمُفْرَدِ فَإِنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا فَقَطْ سَوَاءٌ نَوَاهُ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا يَدْخُلُ لَيْلَتُهُ وَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَيَخْرُجُ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَإِنْ نَوَى اللَّيْلَةَ مَعَهُ لَزِمَاهُ، وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ لَمْ يَصِحَّ سَوَاءٌ كَانَ نَوَاهَا فَقَطْ، أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنْ نَوَى الْيَوْمَ مَعَهَا لَمْ يَصِحَّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ وَنَوَى الْيَوْمَ لَزِمَهُ الِاعْتِكَافُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَلَا مُعَارَضَةَ لِمَا فِي ــ [منحة الخالق] وَصَرِيحُ النَّهْيِ فِي الْحَيْضِ كَالِاعْتِكَافِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَحْرُمَ الدَّوَاعِي اهـ. فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا بَعْدَهُ. (قَوْلُهُ: كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ) أَيْ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَأَقَلُّهُ نَفْلًا سَاعَةٌ قَالَ الرَّمْلِيُّ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّهُ لَوْ نَوَى اعْتِكَافَ يَوْمٍ وَنَوَى اللَّيْلَةَ مَعَهُ لَزِمَاهُ فَمَا الْفَرْقُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَرْقَ وَهُوَ كَوْنُ الْيَوْمِ عُرْفًا قَدْ يَسْتَتْبِعُ اللَّيْلَةَ لَا عَكْسُهُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الذَّخِيرَةِ وَلَوْ نَوَى اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى الْيَوْمَ مَعَهَا لَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَلْزَمُ وَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الْمَسْأَلَةِ كَأَنَّهُ قَالَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً بِيَوْمِهَا اهـ. قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَرْقَ غَيْرُ مَا قَالَهُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ الْيَوْمَ وَحْدَهُ صَحَّ نَذْرُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَذَرَ اللَّيْلَةَ وَحْدَهَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ أَصْلِهِ فَلَا يَصِحُّ فِيمَا يَتْبَعُهَا أَيْضًا تَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَلَا مُعَارَضَةَ لِمَا فِي الْكِتَابَيْنِ إلَخْ) بَيَانُهُ أَنَّهُ فِي الْأُولَى لَمَّا جَعَلَ الْيَوْمَ تَبَعًا لِلَّيْلَةِ وَقَدْ بَطَلَ نَذْرُهُ فِي الْمَتْبُوعِ وَهُوَ اللَّيْلَةُ بَطَلَ فِي التَّابِعِ وَهُوَ الْيَوْمُ وَفِي الثَّانِيَةِ أَطْلَقَ اللَّيْلَةَ وَأَرَادَ الْيَوْمَ مَجَازًا مُرْسَلًا بِمَرَّتَيْنِ حَيْثُ اسْتَعْمَلَ الْمُقَيَّدَ وَهُوَ اللَّيْلَةُ فِي مُطْلَقِ الزَّمَنِ ثُمَّ اسْتَعْمَلَ هَذَا الْمُطْلَقَ فِي الْمُقَيَّدِ وَهُوَ الْيَوْمُ فَكَانَ الْيَوْمُ مَقْصُودًا قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ

стр. 732

الْكِتَابَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ إنَّمَا هُوَ أَنَّهُ نَوَى الْيَوْمَ مَعَهَا وَهُنَا نَوَى بِاللَّيْلَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَفِي الْكَافِي وَمَتَى دَخَلَ فِي اعْتِكَافِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فَابْتِدَاؤُهُ مِنْ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ لَيْلَةٍ تَتْبَعُ الْيَوْمَ الَّذِي بَعْدَهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَوَّالٍ وَفِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ مِنْ كِتَابِ الْأُضْحِيَّةَ اللَّيْلَةُ فِي كُلِّ وَقْتٍ تَبَعٌ لِنَهَارٍ يَأْتِي إلَّا فِي أَيَّامِ الْأَضْحَى تَبَعٌ لِنَهَارِ مَا مَضَى رِفْقًا بِالنَّاسِ. اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ وَاللَّيَالِيُ كُلُّهَا تَابِعَةٌ لِلْأَيَّامِ الْمُسْتَقْبَلَةِ لَا لِلْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ إلَّا فِي الْحَجِّ فَإِنَّهَا فِي حُكْمِ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ فَلَيْلَةُ عَرَفَةَ تَابِعَةٌ لِيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَلَيْلَةُ النَّحْرِ تَابِعَةٌ لِيَوْمِ عَرَفَةَ. اهـ. فَتَحْصُلُ أَنَّهَا تَبَعٌ لِمَا يَأْتِي إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] فَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيرِهِ إنَّ سُلْطَانَ اللَّيْلِ وَهُوَ الْقَمَرُ لَيْسَ يَسْبِقُ الشَّمْسَ وَهِيَ سُلْطَانُ النَّهَارِ وَقِيلَ تَفْسِيرُهُ اللَّيْلُ لَا يَدْخُلُ وَقْتَ النَّهَارِ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي بَيَانِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَرَاجِعْهُ فَعَلَى هَذَا إذَا ذَكَرَ الْمُثَنَّى، أَوْ الْمَجْمُوعَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَيَخْرُجُ بَعْدَ الْغُرُوبِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ نَذَرَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ إذَا قَالَ أَيَّامًا يَبْدَأُ بِالنَّهَارِ فَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. اهـ. فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُ اللَّيْلَ فِي نَذْرِ الْأَيَّامِ إلَّا إذَا ذَكَرَ لَهُ عَدَدًا مُعَيَّنًا كَمَا لَا يَخْفَى ثُمَّ الْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى دَخَلَ فِي اعْتِكَافِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مُتَتَابِعًا وَلَا يُجْزِيهِ لَوْ فَرَّقَ وَمَتَى لَمْ يَدْخُلْ اللَّيْلُ جَازَ لَهُ التَّفْرِيقُ كَالتَّتَابُعِ فَإِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ لَزِمَهُ شَهْرٌ بِالْأَيَّامِ وَاللَّيَالِيِ مُتَتَابِعًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ الْأَيْمَان مِنْ الْجِنْسِ الثَّالِثِ فِي النَّذْرِ، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ شَهْرَانِ قَالَ صَوْمُ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ كَرَجَبٍ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّتَابُعُ، وَلَوْ أَفْطَرَ يَوْمًا يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ كَمَا فِي رَمَضَانَ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَإِنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ إنْ قَالَ مُتَتَابِعًا لَزِمَهُ مُتَتَابِعًا وَإِنْ أَطْلَقَ لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ وَفِي الِاعْتِكَافِ يَلْزَمُهُ بِصِفَةِ التَّتَابُعِ فِي الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ ثُمَّ فِي الصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ أَفْسَدَ يَوْمًا إنْ كَانَ شَهْرًا مُعَيَّنًا لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَزِمَهُ. اهـ. يَعْنِي: لَزِمَهُ الِاسْتِقْبَالُ فِي الصَّوْمِ إنْ ذَكَرَ التَّتَابُعَ وَفِي الِاعْتِكَافِ مُطْلَقًا وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْمَبْسُوطِ بِأَنَّ إيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ مُتَتَابِعًا إذَا أَفْطَرَ فِيهِ يَوْمًا لَزِمَهُ الِاسْتِقْبَالُ كَصَوْمِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَالْإِطْلَاقُ فِي الِاعْتِكَافِ كَالتَّصْرِيحِ بِالتَّتَابُعِ بِخِلَافِ الْإِطْلَاقِ فِي نَذْرِ الصَّوْمِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الِاعْتِكَافَ يَدُومُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَكَانَ مُتَّصِلَ الْأَجْزَاءِ وَمَا كَانَ مُتَّصِلَ الْأَجْزَاءِ لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ لَيْلًا فَكَانَ مُتَفَرِّقًا وَمَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فِي نَفْسِهِ لَا يَجِبُ الْوَصْلُ فِيهِ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ. اهـ. وَأَطْلَقَ فِي النَّذْرِ فَشَمِلَ مَا إذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ مُنْعَقِدٌ وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالصَّوْمِ وَالصَّوْمُ فِيهِ حَرَامٌ وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ إنْ أَرَادَ يَمِينًا لِفَوَاتِ الْبَرِّ وَإِنْ اعْتَكَفَ فِيهِ أَجْزَأَهُ وَقَدْ أَسَاءَ كَمَا فِي الصَّوْمِ كَذَا فِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَغَيْرِهَا وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ فِي الصَّوْمِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ، أَوْ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ فَاعْتَكَفَ قَبْلَهُ يَجُوزُ لِمَا أَنَّ التَّعْجِيلَ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ جَائِزٌ وَقَدْ صَرَّحُوا بِهِ هُنَا وَذَكَرُوا فِيهِ خِلَافًا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَكَذَا يَلْغُو تَعْيِينُ الْمَكَانِ كَمَا إذَا نَذَرَ الِاعْتِكَافَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَاعْتَكَفَ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ ثُمَّ عَاشَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ مَاتَ أَطْعَمَ عَنْهُ عَنْ جَمِيعِ الشَّهْرِ وَفِي الْكَافِي وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ دَائِرَةٌ لَكِنَّهَا تَتَقَدَّمُ وَتَتَأَخَّرُ وَعِنْدَهُمَا تَكُونُ فِي رَمَضَانَ وَلَا تَتَقَدَّمُ وَلَا تَتَأَخَّرُ حَتَّى لَوْ قَالَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: إلَّا فِي أَيَّامِ الْأَضْحَى إلَخْ) قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ عِنْدَ ذِكْرِ رَمْيِ الْجِمَارِ وَلَوْ تَرَكَ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ حَتَّى دَخَلَ اللَّيْلُ رَمَاهَا فِي اللَّيْلِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ فِي بَابِ الْمَنَاسِكِ تَبَعٌ لِلنَّهَارِ الَّذِي تَقَدَّمَ وَلِهَذَا لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَلَيْلَةُ عَرَفَةَ تَابِعَةٌ لِيَوْمِ التَّرْوِيَةِ) وَعَلَيْهِ فَلِيَوْمِ التَّرْوِيَةِ لَيْلَتَانِ وَاحِدَةٌ قَبْلَهُ وَوَاحِدَةٌ بَعْدَهُ وَالْيَوْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ لَا لَيْلَةَ لَهُ وَلِذَا لَوْ أَخَّرَ طَوَافَ الرُّكْنِ إلَى الْغُرُوبِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَجَبَ دَمٌ كَمَا يَأْتِي، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: إلَّا إذَا ذَكَرَ لَهُ عَدَدًا مُعَيَّنًا) مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمَيْنِ لَزِمَهُ الِاعْتِكَافُ بِلَيْلَتِهِمَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَيَمْكُثُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَيَوْمَهَا وَاللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ وَيَوْمَهَا وَيَخْرُجُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَكَذَا هَذَا فِي الْأَيَّامِ الْكَثِيرَةِ يَدْخُلُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ لَيْلَةَ كُلِّ يَوْمٍ تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ اهـ. فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ إذَا ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعَدَدِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ وَكَذَا هَذَا فِي الْأَيَّامِ الْكَثِيرَةِ الْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ جَمْعًا كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَثَلًا لَا لَفْظَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ) أَيْ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهَا تَتَقَدَّمُ وَتَتَأَخَّرُ) أَيْ فِيهِ

стр. 733

لِعَبْدِهِ أَنْت حُرٌّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَإِنْ قَالَ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ عَتَقَ إذَا انْسَلَخَ الشَّهْرُ وَإِنْ قَالَ بَعْدَ مُضِيِّ لَيْلَةٍ مِنْهُ لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ مِنْ الْعَامِ الْقَابِلِ عِنْدَهُ لِجَوَازِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الشَّهْرِ الْمَاضِي فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى وَفِي الشَّهْرِ الْآتِي فِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَعِنْدَهُمَا إذَا مَضَى لَيْلَةٌ مِنْهُ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ عَتَقَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَقَدَّمُ وَلَا تَتَأَخَّرُ وَفِي الْمُحِيطِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَكِنْ قَيَّدَهُ بِمَا إذَا كَانَ الْحَالِفُ فَقِيهًا يَعْرِفُ الِاخْتِلَافَ وَإِنْ كَانَ عَامِّيًّا فَلَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ وَجَعَلَ مَذْهَبَهُمَا أَنَّهَا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ فَخَالَفَ مَا فِي الْكَافِي وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تَدُورُ فِي السَّنَةِ وَقَدْ تَكُونُ فِي رَمَضَانَ وَقَدْ تَكُونُ فِي غَيْرِهِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَجَابَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ الْأَدِلَّةِ الْمُفِيدَةِ لِكَوْنِهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ لِرَمَضَانَ الَّذِي كَانَ ﵊ الْتَمَسَهَا فِيهِ وَالسِّيَاقَاتُ تَدُلُّ عَلَيْهِ لِمَنْ تَأَمَّلَ طُرُقَ الْأَحَادِيثِ وَأَلْفَاظَهَا كَقَوْلِهِ إنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَك وَإِنَّمَا كَانَ يَطْلُبُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ وَمِنْ عَلَامَاتِهَا أَنَّهَا بَلْجَةٌ سَاكِنَةٌ لَا حَارَّةٌ وَلَا قَارَّةٌ تَطْلُعُ الشَّمْسُ صَبِيحَتَهَا بِلَا شُعَاعٍ كَأَنَّهَا طَسْتٌ كَذَا قَالُوا وَإِنَّمَا أُخْفِيَتْ لِيَجْتَهِدَ فِي طَلَبِهَا فَيَنَالُ بِذَلِكَ أَجْرَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ كَمَا أَخْفَى سُبْحَانَهُ السَّاعَةَ لِيَكُونُوا عَلَى وَجَلٍ مِنْ قِيَامِهَا بَغْتَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (كِتَابُ الْحَجِّ) لَمَّا كَانَ مُرَكَّبًا مِنْ الْمَالِ وَالْبَدَنِ وَكَانَ وَاجِبًا فِي الْعُمُرِ مَرَّةً أَخَّرَهُ وَلِمُرَاعَاةِ تَرْتِيبِ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ وَخَتَمَ بِالْحَجِّ» وَفِي رِوَايَةٍ خَتَمَ بِالصَّوْمِ وَعَلَيْهَا اعْتَمَدَ الْبُخَارِيُّ فِي تَقْدِيمِ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَبِهِمَا قُرِئَ فِي التَّنْزِيلِ الْقَصْدُ إلَى مُعَظَّمٍ لَا مُطْلَقُ الْقَصْدِ كَمَا ظَنَّهُ الشَّارِحُ وَجَعَلَهُ كَالتَّيَمُّمِ وَفِي الْفِقْهِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (هُوَ زِيَارَةُ مَكَان مَخْصُوصٍ فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ بِفِعْلٍ مَخْصُوصٍ) وَالْمُرَادُ بِالزِّيَارَةِ الطَّوَافُ وَالْوُقُوفُ وَالْمُرَادُ بِالْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ الْبَيْتُ الشَّرِيفُ وَالْجَبَلُ الْمُسَمَّى بِعَرَفَاتٍ وَالْمُرَادُ بِالزَّمَانِ الْمَخْصُوصِ فِي الطَّوَافِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى آخِرِ الْعُمُرِ وَفِي الْوُقُوفِ زَوَالُ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ أَنَّ الْحَجَّ اسْمٌ لِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ الطَّوَافِ الْفَرْضِ وَالْوُقُوفُ فِي وَقْتِهِمَا مُحْرِمًا بِنِيَّةِ الْحَجِّ سَابِقًا كَمَا سَيَأْتِي أَنَّ الْإِحْرَامَ شَرْطٌ وَانْدَفَعَ بِهِ مَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ مِنْ فَهْمِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّهُ فِي الشَّرِيعَةِ جُعِلَ لِقَصْدٍ خَاصٍّ مَعَ زِيَادَةِ وَصْفٍ فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْقَصْدِ وَإِنَّمَا عَرَفَهُ بِالزِّيَارَةِ وَهِيَ فِعْلٌ لَا قَصْدٌ بِدَلِيلِ مَا فِي عُمْدَةِ الْفَتَاوَى إذَا حَلَفَ لَيَزُورَنَّ فُلَانًا غَدًا فَذَهَبَ وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ وَرَجَعَ يَحْنَثُ. اهـ. فَلَا بُدَّ مِنْ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: عَتَقَ إذَا انْسَلَخَ الشَّهْرُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ لِتَحَقُّقِ وُجُودِهَا فِيهِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا تَقَدَّمَتْ قَبْلَ حَلْفِهِ فِي هَذَا وَتَأَخَّرَتْ إلَى آخِرِ لَيْلَةٍ فِي ذَاكَ فَلَا يَتَحَقَّقُ الشَّرْطُ إلَّا بِانْسِلَاخِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَا تَتَقَدَّمُ وَلَا تَتَأَخَّرُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يَعْنِي إنْ كَانَتْ هِيَ اللَّيْلَةَ الْأُولَى فَقَدْ عَتَقَ بِأَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ الْقَابِلِ وَإِنْ كَانَتْ الثَّانِيَةَ أَوْ الثَّالِثَةَ أَوْ الرَّابِعَةَ إلَخْ فَقَدْ وُجِدَتْ فِي الْمَاضِي فَتَحَقَّقَ وُجُودُهَا قَطْعًا بِأَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ الْقَابِلِ. [كِتَابُ الْحَجِّ] (قَوْلُهُ: لَمَّا كَانَ مُرَكَّبًا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ وَالْمَالُ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ لَا أَنَّهُ جُزْءُ مَفْهُومِهِ وَأَخَّرَهُ عَنْ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ مَنْعُ النَّفْسِ شَهَوَاتِهَا وَالْحَجُّ قَدْ يَكُونُ مُشْتَهًى لِاشْتِمَالِهِ عَلَى السَّفَرِ وَفِيهِ تَفْرِيجُ الْهُمُومِ ارْجِعْ إلَى النَّهْرِ (قَوْلُهُ لَا مُطْلَقُ الْقَصْدِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هُوَ لُغَةً الْقَصْدُ كَذَا فِي غَيْرِ كِتَابٍ مِنْ اللُّغَةِ وَقَيَّدَهُ فِي الْفَتْحِ بِكَوْنِهِ إلَى مُعَظَّمٍ لَا مُطْلَقَهُ مُسْتَشْهِدًا بِقَوْلِهِ وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُؤُولًا كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا أَيْ يَقْصِدُونَهُ مُعَظِّمِينَ إيَّاهُ قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ هَذَا مَعْنَاهُ الْأَصْلِيُّ ثُمَّ تُعُورِفَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقَصْدِ إلَى مَكَّةَ لِلنُّسُكِ تَقُولُ حَجَجْت الْبَيْتَ أَحُجُّهُ حَجًّا فَأَنَا حَاجٌّ اهـ. قُلْت حَيْثُ أَطْلَقَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فَتَقْيِيدُهُ بِمَا فِي الْفَتْحِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَقْلٍ وَمَا اسْتَشْهَدَ بِهِ مِنْ الْبَيْتِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي مُطْلَقِ الْقَصْدِ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا أَفَادَ أَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي بَعْضِ مَدْلُولَاتِهِ، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ أَنَّ الْحَجَّ اسْمٌ إلَخْ) هَذَا مَا اسْتَظْهَرَهُ فِي الْفَتْحِ فِي تَعْرِيفِهِ عَادِلًا عَنْ تَعْرِيفِهِمْ إيَّاهُ بِالْقَصْدِ الْخَاصِّ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ الْبَحْثِ وَلِمُوَافَقَتِهِ تَعْرِيفَ بَقِيَّةِ الْعِبَادَاتِ لَكِنْ قَالَ فِي النَّهْرِ تَخْرِيجُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ فِيهِ بَحْثٌ إذْ بِتَقْدِيرِهِ يَكُونُ قَوْلُهُ بِفِعْلٍ مَخْصُوصٍ حَشْوًا إذْ الْمُرَادُ بِهِ كَمَا قَالُوا هُوَ الطَّوَافُ وَالْوُقُوفُ عَلَى أَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِزِيَارَةٍ وَإِذَا فُسِّرَتْ بِالْفِعْلِ آلَ الْمَعْنَى إلَى أَنَّهُ فِعْلٌ بِفِعْلٍ وَفَسَادُهُ لَا يَخْفَى وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِحْرَامُ وَبِهِ يَصِيرُ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ وَفَسَّرُوا الزَّمَانَ الْمَخْصُوصَ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي إذْ الْوُقُوفُ الَّذِي هُوَ أَقْوَى أَرْكَانِهِ مُقَيَّدٌ بِهِ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ فِي الشَّرِيعَةِ) أَيْ حَامِلًا لَهُ أَيْ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّهُ إلَخْ

стр. 734

الذَّهَابِ مَعَ الِاسْتِئْذَانِ وَسَلِمَ مِنْ بَحْثِ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ عَلَى الْمَشَايِخِ مِنْ أَنَّ التَّعْرِيفَ بِالْقَصْدِ الْخَاصِّ تَعْرِيفٌ لَهُ بِشَرْطِهِ وَلِيُوَافِقَ تَعْرِيفَ بَقِيَّةِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ اسْمٌ لِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ هِيَ الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَالصَّوْمُ اسْمٌ لِلْإِمْسَاكِ الْخَاصِّ وَالزَّكَاةُ اسْمٌ لِلْإِيتَاءِ الْمَخْصُوصِ فَلْيَكُنْ الْحَجُّ اسْمًا لِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ وَلَا يُرَادُ بِالزِّيَارَةِ الْبَيْتُ فَقَطْ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ الْحَجُّ اسْمًا لِلطَّوَافِ فَقَطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ رُكْنَهُ شَيْئَانِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ وَيَشْكُلُ عَلَيْهِ مَا قَالُوا إنَّ الْمَأْمُورَ بِالْحَجِّ إذَا مَاتَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُجْزِئًا بِخِلَافِ مَا إذَا رَجَعَ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ لَا وُجُودَ لِلْحَجِّ إلَّا بِوُجُودِ رُكْنَيْهِ وَلَمْ يُوجَدَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُجْزِئَ الْآمِرُ سَوَاءٌ مَاتَ الْمَأْمُورُ أَوْ رَجَعَ وَسَبَبُهُ الْبَيْتُ؛ لِأَنَّهُ يُضَافُ إلَيْهِ وَلِهَذَا لَمْ يَتَكَرَّرْ الْحَجُّ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَشَرَائِطُهُ ثَلَاثَةٌ شَرَائِطُ وُجُوبٍ وَشَرَائِطُ وُجُوبِ أَدَاءً وَشَرَائِطُ صِحَّةٍ فَالْأُولَى ثَمَانِيَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْوَقْتُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الزَّادِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَالْعِلْمُ بِكَوْنِ الْحَجِّ فَرْضًا وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا سِتَّةً وَتَرَكَ الْأَوَّلَ وَالْأَخِيرَ وَالْعُذْرُ لَهُ كَغَيْرِهِ أَنَّهُمَا شَرْطَانِ لِكُلِّ عِبَادَةٍ وَقَدْ يُقَالُ كَذَلِكَ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْعِلْمُ الْمَذْكُورُ يَثْبُتُ لِمَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِمُجَرَّدِ الْوُجُودِ فِيهَا سَوَاءٌ عَلِمَ بِالْفَرْضِيَّةِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَشَأَ عَلَى الْإِسْلَامِ فِيهَا، أَوْ لَا فَيَكُونُ ذَلِكَ عِلْمًا حُكْمِيًّا وَلِمَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِإِخْبَارِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَوْ مَسْتُورَيْنِ أَوْ وَاحِدٍ عَدْلٍ وَعِنْدَهُمَا لَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ فِيهِ وَفِي نَظَائِرِهِ الْخَمْسَةُ كَمَا عُرِفَ أُصُولًا وَفُرُوعًا وَالثَّانِيَةُ خَمْسَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ صِحَّةُ الْبَدَنِ وَزَوَالُ الْمَوَانِعِ الْحِسِّيَّةِ عَنْ الذَّهَابِ إلَى الْحَجِّ وَأَمْنُ الطَّرِيقِ وَعَدَمُ قِيَامِ الْعِدَّةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَخُرُوجُ الزَّوْجِ، أَوْ الْمُحْرِمِ مَعَهَا وَالثَّالِثَةُ أَعْنِي شَرَائِطَ الصِّحَّةِ أَرْبَعَةٌ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ وَالْوَقْتُ الْمَخْصُوصُ وَالْمَكَانُ الْمَخْصُوصُ وَالْإِسْلَامُ وَمِنْهُمْ مَنْ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَلِيُوَافِقَ) كَأَنَّهُ عُطِفَ عَلَى مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ أَيْ قَرَّرْت كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِكَذَا لِمَا مَرَّ وَلِيُوَافِقَ (قَوْلُهُ: فَلْيَكُنْ الْحَجُّ إلَخْ) أَقُولُ: قَدْ يُقَالُ إنَّ الْمَشَايِخَ ذَكَرُوا لَفْظَ الْقَصْدِ الْخَاصِّ وَقَالُوا مَعَ زِيَادَةِ وَصْفٍ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ وَلَا بُدَّ فِي الْغَالِبِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ مَوْجُودًا فِي الْمَعَانِي الِاصْطِلَاحِيَّةِ، وَالِاصْطِلَاحِيُّ أَخَصُّ؛ فَلِذَا ذَكَرُوا اللَّفْظَ اللُّغَوِيَّ وَقَيَّدُوهُ بِالشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ لِيَكُونَ أَخَصَّ وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمَذْكُورَةِ مَأْخُوذًا فِي مَعْنَاهُ النِّيَّةُ أَوْ الْقَصْدُ وَلِذَا عَرَّفُوا التَّيَمُّمَ بِأَنَّهُ الْقَصْدُ إلَى صَعِيدٍ مُطَهِّرٍ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَيَشْكُلُ عَلَيْهِ مَا قَالُوا إلَخْ) يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمَوْتَ مِنْ قِبَلِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ وَقَدْ أَتَى بِوُسْعِهِ مِنْ رُكْنٍ أَوْ رُكْنَيْنِ إنْ عُدَّ الْإِحْرَامُ رُكْنًا وَقَدْ وَرَدَ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» بِخِلَافِ مَنْ رَجَعَ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ (قَوْلُهُ: وَشَرَائِطُهُ ثَلَاثَةٌ إلَخْ) زَادَ الْعَلَّامَةُ السِّنْدِيُّ تِلْمِيذُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي مَنْسَكِهِ الْمُتَوَسِّطِ الْمُسَمَّى لُبَابَ الْمَنَاسِكِ قِسْمًا رَابِعًا وَهُوَ شَرَائِطُ وُقُوعِ الْحَجِّ عَنْ الْفَرْضِ وَهِيَ تِسْعَةٌ الْإِسْلَامُ وَبَقَاؤُهُ إلَى الْمَوْتِ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْبُلُوغُ وَالْأَدَاءُ بِنَفْسِهِ إنْ قَدَرَ وَعَدَمُ نِيَّةِ النَّفْلِ وَعَدَمُ الْإِفْسَادِ وَعَدَمُ النِّيَّةِ عَنْ الْغَيْرِ فَلَا يَقَعُ حَجُّ الْكَافِرِ عَنْ الْفَرْضِ وَلَا عَنْ النَّفْلِ إذَا أَسْلَمَ وَلَا الْمُسْلِمِ إذَا ارْتَدَّ بَعْدَ الْحَجِّ وَإِنْ تَابَ وَلَا الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَإِنْ أَفَاقَ وَبَلَغَ وَعَتَقَ بَعْدَهُ وَلَا بِأَدَاءِ الْغَيْرِ قَبْلَ الْعُذْرِ وَلَا بِنِيَّةِ النَّفْلِ أَوْ عَنْ الْغَيْرِ أَوْ مَعَ الْفَسَادِ فَهَؤُلَاءِ لَوْ حَجُّوا وَلَوْ بَعْدَ الِاسْتِطَاعَةِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ الْفَرْضُ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ ثَانِيًا إذَا اسْتَطَاعُوا اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْوَقْتُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَيَذْكُرُهُ أَيْضًا فِي شَرَائِطِ الصِّحَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ وَقْتَ الْحَجِّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي وَقْتِهِ الْمَخْصُوصِ فَكَانَ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ وَشَرْطًا لِلصِّحَّةِ تَأَمَّلْ اهـ. وَفِي لُبَابِ الْمَنَاسِكِ السَّابِعُ الْوَقْتُ وَهُوَ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَوْ وَقْتُ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ إنْ كَانُوا يَخْرُجُونَ قَبْلَهَا فَلَا يَجِبُ إلَّا عَلَى الْقَادِرِ فِيهَا أَوْ فِي وَقْتِ خُرُوجِهِمْ فَإِنْ مَلَكَهُ أَيْ الْمَالَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَهُ صَرْفُهُ حَيْثُ شَاءَ وَلَا حَجَّ عَلَيْهِ وَإِنْ مَلَكَهُ فِيهِ فَلَيْسَ لَهُ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِ الْحَجِّ فَلَوْ صَرَفَهُ لَمْ يَسْقُطْ الْوُجُوبُ عَنْهُ وَلَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ وَبَلَغَ صَبِيٌّ أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ أَوْ عَتَقَ عَبْدٌ قَبْلَ الْوَقْتِ فَخَافُوا الْمَوْتَ وَهُمْ مُوسِرُونَ قِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ الْإِيصَاءُ بِالْحَجِّ وَقِيلَ يَجِبُ فَإِنْ أَوْصُوا بِهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ وَصَحَّ عَلَى الثَّانِي وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَقْتَ شَرْطُ الْوُجُوبِ أَوْ الْأَدَاءِ قَوْلَانِ اهـ. قَالَ شَارِحُهُ مُنْلَا عَلِيٌّ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ وَرَجَّحَ ابْنُ الْهُمَامِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ شَرْطُ الْوُجُوبِ وَنَسَبَ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ صِحَّةَ الْإِيصَاءِ إلَى الْإِمَامِ وَصَاحِبِهِ وَخِلَافَهَا إلَى زُفَرَ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ الْوُجُوبِ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ فَيَصِحُّ إيصَاؤُهُمْ بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُمْ فِي وَقْتِهِ لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ فَحَضَرَهُ الْوَفَاةُ وَأَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ جَازَتْ وَصِيَّتُهُ عِنْدَنَا وَيُحَجُّ فَجَعَلَ الْمَذْهَبَ الْجَوَازَ وَهُوَ لَا يُنَافِي جَعْلَ الْوَقْتِ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ عَلَى الْمَشْهُورِ الْمُرَجَّحِ خِلَافَ مَا فَهِمَ الْمُصَنِّفُ وَيَبْنِي عَلَيْهِ صِحَّةَ الْإِيصَاءِ وَعَدَمِهَا اهـ. قُلْت فَعَلَى هَذَا فَثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْوَقْتَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلْأَدَاءِ لَا تَظْهَرُ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ وَعَدَمِهَا وَإِنَّمَا تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الْإِيصَاءِ أَوْ الْإِحْجَاجِ عَنْهُ وَعَدَمِ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَجِبُ عَلَى خِلَافِهِ، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ كَذَلِكَ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ) أَيْ أَنَّهُمَا شَرْطَانِ لِكُلِّ عِبَادَةٍ (قَوْلُهُ: وَخُرُوجُ الزَّوْجِ وَالْمَحْرَمِ مَعَهَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي الْبَدَائِعِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ أَيْ الْمَحْرَمَ شَرْطُ الْوُجُوبِ اهـ. فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ كَمَا

стр. 735

ذَكَرَ بَدَلَ الْإِحْرَامِ النِّيَّةَ وَهَذَا أَوْلَى لِاسْتِلْزَامِهِ النِّيَّةَ وَغَيْرَهَا. وَوَاجِبَاتُهُ أَعْنِي الَّتِي يَلْزَمُ بِتَرْكِ وَاحِدٍ مِنْهَا دَمٌ إنْشَاءُ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَمَدُّ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إلَى الْغُرُوبِ وَالْوُقُوفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ فِيمَا بَيْنَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالْحَلْقُ، أَوْ التَّقْصِيرُ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ وَكَوْنُهُ بَعْدَ طَوَافٍ مُعْتَدٍّ بِهِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ وَبِدَايَةُ الطَّوَافِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالتَّيَامُنُ فِيهِ وَالْمَشْيُ فِيهِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِنْهُ وَالطَّهَارَةُ فِيهِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَأَقَلُّ الْأَشْوَاطِ السَّبْعَةِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ وَبِدَايَةُ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ الصَّفَا وَالْمَشْيُ فِيهِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ وَذَبْحُ الشَّاةِ لِلْقَارِنِ، أَوْ الْمُتَمَتِّعِ وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ وَطَوَافُ الصَّدْرِ وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقُ وَالذَّبْحُ يَوْمَ النَّحْرِ وَتَوْقِيتُ الْحَلْقِ بِالْمَكَانِ وَتَوْقِيتُهُ بِالزَّمَانِ وَفِعْلُ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَمَا عَدَا هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ مِمَّا سَيَأْتِي بَيَانُهُ مُفَصَّلًا سُنَنٌ وَآدَابٌ وَأَمَّا مَحْظُورَاتُهُ فَنَوْعَانِ مَا يَفْعَلُهُ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ الْجِمَاعُ وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ وَقَلْمُ الْأَظَافِرِ وَالتَّطَيُّبُ وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَلُبْسُ الْمِخْيَطِ وَمَا يَفْعَلُهُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ حَلْقُ رَأْسِ الْغَيْرِ وَالتَّعَرُّضُ لِلصَّيْدِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَامِ وَأَمَّا قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ فَلَا يَنْبَغِي عَدُّهُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ فَإِنَّ حُرْمَتَهُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ وَلَا بِالْإِحْرَامِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ كَصَيْدِ الْحَرَمِ وَقَدْ عَدَّهُ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ فَلَا بِدْعَ فِي أَنْ يَكُونَ حَرَامًا بِجِهَتَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى وَلِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ مُهِمَّاتٌ يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهَا وَهِيَ الْبِدَايَةُ بِالتَّوْبَةِ بِشُرُوطِهَا مِنْ رَدِّ الْمَظَالِمِ إلَى أَهْلِهَا عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَقَضَاءِ مَا قَصَّرَ فِي فِعْلِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالنَّدَمُ عَلَى تَفْرِيطِهِ فِي ذَلِكَ وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَالِاسْتِحْلَالُ مِنْ ذَوِي الْخُصُومَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَتَحْصِيلُ رِضَا مَنْ يَكْرَهُ السَّفَرَ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْعُيُونِ إذَا أَرَادَ الِابْنُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحَجِّ وَأَبُوهُ كَارِهٌ لِذَلِكَ إنْ كَانَ الْأَبُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ خِدْمَتِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا يُكْرَهُ وَكَذَا الْأُمُّ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ إذَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الضَّعْفَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَا إنْ كَرِهَتْ خُرُوجَهُ زَوْجَتُهُ وَمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ مُطْلَقًا وَفِي النَّوَازِلِ إنْ كَانَ الِابْنُ أَمْرَدَ صُبَيْحَ الْوَجْهِ لِلْأَبِ أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ الْخُرُوجِ حَتَّى يَلْتَحِيَ وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا لَا يَخْرُجُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمْرَدَ. اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ كَالْأَبَوَيْنِ عِنْدَ فَقْدِهِمَا وَيُكْرَهُ الْخُرُوجُ لِلْغَزْوِ وَالْحَجُّ لِمَدْيُونٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَقْضِي بِهِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْغَرِيمُ فَإِنْ كَانَ بِالدَّيْنِ كَفِيلٌ بِإِذْنِهِ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَإِنْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَبِإِذْنِ الطَّالِبِ وَحْدَهُ. اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَجِّ الْفَرْضِ أَمَّا فِي حَجِّ النَّفْلِ فَطَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ أَوْلَى مُطْلَقًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُلْتَقَطِ وَيُشَاوِرُ ذَا رَأْيٍ فِي سَفَرِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا فِي نَفْسِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ خَيْرٌ وَكَذَا يَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِي ذَلِكَ وَيَجْتَهِدُ فِي تَحْصِيلِ نَفَقَةٍ حَلَالٍ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ بِالنَّفَقَةِ الْحَرَامِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّهُ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ مَعَهَا وَإِنْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً وَلَا تَنَافِي بَيْنَ سُقُوطِهِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ فَلَا يُثَابُ لِعَدَمِ الْقَبُولِ وَلَا يُعَاقَبُ فِي الْآخِرَةِ عِقَابَ تَارِكِ الْحَجِّ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ رَفِيقٍ صَالِحٍ يُذَكِّرُهُ إذَا نَسِيَ وَيُصَبِّرُهُ إذَا جَزِعَ وَيُعِينُهُ إذَا عَجَزَ وَكَوْنُهُ مِنْ الْأَجَانِبِ أَوْلَى مِنْ الْأَقَارِبِ عِنْدَ بَعْضِ الصَّالِحِينَ تَبَعُّدًا مِنْ سَاحَةِ الْقَطِيعَةِ وَيَرَى الْمُكَارَى مَا يَحْمِلُهُ وَلَا يَحْمِلُ أَكْثَرَ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وَيُقَالُ إنَّهُ الشَّافِعِيُّ وَقِيلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَقِيلَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ مُطَالَعَةً لِيَحْمِلَهَا إلَى إنْسَانٍ فَامْتَنَعَ مِنْ حَمْلِهَا بِدُونِ إذْنِ الْمُكَارِي لِكَوْنِهِ لَمْ يُشَارِطْهُ عَلَى ذَلِكَ وَرَعًا مِنْ فَاعِلِهِ وَكَذَا يُحْتَرَزُ مِنْ تَحْمِيلِهَا فَوْقَ مَا تُطِيقُ وَمِنْ تَقْلِيلِ عَلَفِهَا الْمُعْتَادِ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَلَوْ مَمْلُوكَةً لَهُ وَفِي إجَارَةِ الْخُلَاصَةِ حَمْلُ الْبَعِيرِ ــ [منحة الخالق] تَرَى (قَوْلُهُ: لِاسْتِلْزَامِهِ النِّيَّةَ وَغَيْرَهَا) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ هُوَ النِّيَّةُ وَالتَّلْبِيَةُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا أَيْ مِنْ الذِّكْرِ أَوْ تَقْلِيدِ الْبَدَنَةِ مَعَ السَّوْقِ كَمَا فِي اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ لِلْقَارِي. [وَاجِبَاتُ الْحَجِّ] (قَوْلُهُ: وَالْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ) فِيهِ أَنَّ أَحَدَ هَذَيْنِ شَرْطٌ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ لَهُ اعْتِبَارَاتٍ فَاعْتِبَارُ شَرْطِيَّتِهِ بِصِحَّتِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي الْحَجِّ وَبَعْدَ أَكْثَرِ الطَّوَافِ فِي الْعُمْرَةِ وَاعْتِبَارُ وُجُوبِهِ كَوْنُهُ بَعْدَ الرَّمْيِ فِي الْحَجِّ وَبَعْدَ السَّعْيِ فِي الْعُمْرَةِ وَاعْتِبَارُ جَوَازِهِ كَوْنُ وَقْتِهِ طُولَ الْعُمُرِ كَمَا أَفَادَهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ أَقُولُ: فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ الْآتِي وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ لَيْسَ وَاجِبًا آخَرَ؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ هُنَا وَالْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ مُطَالَعَةً) الَّذِي فِي النَّهْرِ بِطَاقَةً وَهِيَ الرُّقْعَةُ الصَّغِيرَةُ الْمَرْبُوطَةُ بِالثَّوْبِ الَّتِي فِيهَا رَقْمُ ثَمَنِهِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْمَكْتُوبُ (قَوْلُهُ: وَفِي إجَارَةِ الْخُلَاصَةِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ نَقَلَهُ فِيهَا عَنْ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَأَقُولُ: لَعَمْرِي هَذَا إجْحَافٌ عَلَى الْحِمَارِ وَإِنْصَافٌ فِي حَقِّ الْجَمَلِ فَتَأَمَّلْ وَذَكَرَ فِي الْجَوْهَرَةِ أَنَّ الْمَنَّ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ أُوقِيَّةً وَالْأُوقِيَّةُ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ وَهِيَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَالْمِائَتَانِ وَأَرْبَعُونَ مَنًّا هِيَ الْوَسْقُ فَيَكُونُ حِمْلُ الْجَمَلِ وَسْقًا وَهُوَ بِالْأَرْطَالِ الرَّمْلِيَّةِ تِسْعَةٌ وَسِتُّونَ رَطْلًا وَثُلُثُ رَطْلٍ وَهُوَ قِنْطَارٌ دِمَشْقِيٌّ تَقْرِيبًا عَلَى أَنَّ الرَّطْلَ الرَّمْلِيَّ تِسْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَيُلَائِمُ تَفْسِيرَ الْوَسْقِ بِحِمْلِ الْبَعِيرِ مِائَتَانِ وَأَرْبَعُونَ مَنًّا وَلَا يُلَائِمُ التَّفْسِيرَ بِغَيْرِهِ تَأَمَّلْ

стр. 736

مِائَتَانِ وَأَرْبَعُونَ مَنًّا وَحَمْلُ الْحِمَارِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ مَنًّا قَالُوا وَلَا يُشَارِكُ فِي الزَّادِ وَاجْتِمَاعِ الرُّفْقَةِ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى طَعَامِ أَحَدِهِمْ أَحَدٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مَا إذَا عُلِمَتْ الْمُسَامَحَةُ بَيْنَهُمَا فَلَهُ الْمُشَارَكَةُ وَإِلَّا شَارَكَ فَالِاسْتِحْلَالُ مِنْ الشُّرَكَاءِ مَخْلَصٌ وَتَجْرِيدُ السَّفَرِ عَنْ التِّجَارَةِ أَحْسَنُ، وَلَوْ اتَّجَرَ لَا يَنْقُصُ ثَوَابُهُ كَالْغَازِي إذَا اتَّجَرَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي السِّيَرِ وَأَمَّا عَنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْفَخْرِ ظَاهِرًا، أَوْ بَاطِنًا فَفَرْضٌ وَخَلْطُ التِّجَارَةِ بِهَذَا الْقِسْمِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي وَأَمَّا الرُّكُوبُ فِي الْمَحْمِلِ فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ خَوْفًا مِمَّا ذَكَرْنَا وَلَمْ يَكْرَهْهُ بَعْضُهُمْ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ ذَلِكَ فَفِي التَّحْقِيقِ لَا اخْتِلَافَ وَرُكُوبُ الْجَمَلِ أَفْضَلُ وَيُكْرَهُ الْحَجُّ عَلَى الْحِمَارِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ بِدَلِيلِ أَفْضَلِيَّةِ مَا قَابَلَهُ وَالْمَشْيُ أَفْضَلُ مِنْ الرُّكُوبِ لِمَنْ يُطِيقُهُ وَلَا يُسِيءُ خُلُقُهُ وَأَمَّا حَجُّ النَّبِيِّ ﷺ رَاكِبًا فَلِأَنَّهُ كَانَ الْقُدْوَةَ فَكَانَتْ الْحَاجَةُ مَاسَّةً إلَى ظُهُورِهِ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَحَلِّهِ وَلَا يُمَاكِسُ فِي شِرَاءِ الْأَدَوَاتِ وَالزَّادِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ خُرُوجَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، أَوْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَفْعَلُ مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي آدَابِ السَّفَرِ. (قَوْلُهُ: فُرِضَ مَرَّةً عَلَى الْفَوْرِ) أَيْ فُرِضَ الْحَجُّ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ وَالْفَوْرُ فِي اللُّغَةِ مِنْ فَوْرِ الْقِدْرِ غَلَيَانِهَا وَفِعْلُ ذَلِكَ مِنْ فَوْرِهِ أَيْ مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ فَوْرِ الْقِدْرِ قَبْلَ أَنْ تَسْكُنَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: ١٢٥] وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ فَرْضِيَّتَهُ قَصْدًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِيَّةِ فَلَيْسَتْ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّ مَسَائِلَهُ ظَنِّيَّةٌ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ وَدَلِيلُهُ الْقُرْآنِيُّ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَالسُّنَّةُ كَثِيرَةٌ وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يَتَعَدَّدُ فَلِأَنَّ سَبَبَهُ وَهُوَ الْبَيْتُ كَذَلِكَ وَأَمَّا تَكَرُّرُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَالِ فَلِأَنَّ سَبَبَهُ هُوَ النَّامِي تَقْدِيرًا وَتَقْدِيرُ النَّمَاءِ دَائِرٌ مَعَ حَوْلَانِ الْحَوْلِ إذَا كَانَ الْمَالُ مُعَدًّا لِلِاسْتِنْمَاءِ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ وَتَقْدِيرُ النَّمَاءِ الثَّابِتِ فِي هَذَا الْحَوْلِ غَيْرُ تَقْدِيرِ النَّمَاءِ فِي حَوْلٍ آخَرَ فَالْمَالُ مَعَ هَذَا النَّمَاءِ غَيْرُ الْمَجْمُوعِ مِنْهُ وَمِنْ النَّمَاءِ الْآخَرِ فَيَتَعَدَّدُ حُكْمًا كَتَعَدُّدِ الْوُجُوبِ بِتَعَدُّدِ النِّصَابِ وَلِرِوَايَةِ أَحْمَدَ مَرْفُوعًا «الْحَجُّ مَرَّةً فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» وَأَمَّا كَوْنُهُ عَلَى الْفَوْرِ فَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي وَالتَّعْجِيلُ أَفْضَلُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْأَمْرَ إنَّمَا هُوَ طَلَبُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْفَوْرِ وَلَا عَلَى التَّرَاخِي فَأَخَذَ بِهِ مُحَمَّدٌ وَقَوَّاهُ بِأَنَّهُ ﵇ حَجَّ سَنَةَ عَشْرٍ وَفَرْضِيَّةُ الْحَجِّ كَانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ فَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ حَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا وَلَمْ يَحُجَّ هُوَ إلَى الْقَابِلَةِ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ فَقَالَا الِاحْتِيَاطُ فِي تَعْيِينِ أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ فِي السَّنَةِ وَالْمَوْتُ فِي سَنَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ فَتَأْخِيرُهُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ فِي وَقْتِهِ تَعْرِيضٌ لَهُ عَلَى الْفَوَاتِ فَلَا يَجُوزُ وَبِهَذَا حَصَلَ الْجَوَابُ عَنْ تَأْخِيرِهِ ﵊ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ تَعْرِيضُ الْفَوَاتِ وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلْفَوْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعِيشُ حَتَّى يَحُجَّ وَيُعَلِّمَ النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ تَكْمِيلًا لِلتَّبْلِيغِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ عُلِمَ أَنَّ الْفَوْرِيَّةَ ظَنِّيَّةٌ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الِاحْتِيَاطِ ظَنِّيٌّ وَمُقْتَضَاهُ الْوُجُوبُ فَإِذَا أَخَّرَهُ وَأَدَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَعَ أَدَاءً وَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أَخَّرَهُ فَعَلَى الصَّحِيحِ يَأْثَمُ وَيَصِيرُ فَاسِقًا مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِيرَ فَاسِقًا مِنْ أَوَّلِ سَنَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَالَى عَلَيْهِ سُنُونَ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَغِيرَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا وَلَا يَصِيرُ فَاسِقًا بِارْتِكَابِهَا مَرَّةً بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا وَإِذَا حَجَّ فِي آخِرِ عُمُرِهِ ارْتَفَعَ الْإِثْمُ اتِّفَاقًا قَالَ الشَّارِحُ وَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَثِمَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَإِنَّ الْمَشَايِخَ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَقِيلَ يَأْثَمُ مُطْلَقًا وَقِيلَ لَا يَأْثَمُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَإِلَّا وَشَارَكَ فَالِاسْتِحْلَالُ مِنْ الشُّرَكَاءِ مَخْلَصٌ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا وَإِلَّا فَلَا يُشَارِكُ وَفِي بَعْضِهَا وَإِلَّا لَا وَلَوْ شَارَكَ فَالِاسْتِحْلَالُ مَخْلَصٌ وَهِيَ أَحْسَنُ (قَوْلُهُ: خَوْفًا مِمَّا ذَكَرْنَا) مِنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْفَخْرِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْبَيْتُ كَذَلِكَ) أَيْ لَا يَتَعَدَّدُ (قَوْلُهُ ارْتَفَعَ الْإِثْمُ اتِّفَاقًا) كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَقَالَ نُوحٌ أَفَنْدِي الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْإِثْمِ إثْمُ تَفْوِيتِ الْحَجِّ لَا إثْمُ تَأْخِيرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا مَرَّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَثِمَ بِالْإِجْمَاعِ أَيْ إثْمَ تَفْوِيتِهِ؛ لِأَنَّهُ بِتَأْخِيرِهِ عَرَضَهُ عَلَى الْفَوَاتِ اهـ. وَفِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ نَظَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَحْثُ الْمُؤَلِّفِ فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَنَقْلُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَمَا ذَاكَ إلَّا فِي التَّأْخِيرِ إذْ لَا شَكَّ فِي إثْمِ تَارِكِ فَرْضٍ قَطْعِيٍّ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فَرْضًا وَلَا وَاجِبًا فَالْمُرَادُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إثْمُ التَّأْخِيرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَالَ فِي الْفَتْحِ ثُمَّ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ فَلَوْ حَجَّ بَعْدَهُ ارْتَفَعَ الْإِثْمُ اهـ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ فَيَأْثَمُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ بِالتَّأْخِيرِ إلَى غَيْرِهِ بِلَا عُذْرٍ إلَّا إذَا أَدَّى وَلَوْ فِي آخَرِ عُمُرِهِ فَإِنَّهُ رَافِعٌ لِلْإِثْمِ بِلَا خِلَافٍ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ عَنْ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ مِنْ عَدَمِ ارْتِفَاعِ الْإِثْمِ عِنْدَ الثَّانِي (قَوْلُهُ: فَقِيلَ يَأْثَمُ مُطْلَقًا) قَالَ فِي النَّهْرِ لَمْ أَرَ عَنْ مُحَمَّدٍ الْقَوْلَ بِالْإِثْمِ مُطْلَقًا إذْ بِتَقْدِيرِهِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا سَهْوٌ نَعَمْ الْمَنْقُولُ عَنْهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي فَلَا يَأْثَمُ إذَا حَجَّ قَبْلَ مَوْتِهِ فَإِذَا مَاتَ بَعْدَ الْإِمْكَانِ وَلَمْ يَحُجَّ ظَهَرَ أَنَّهُ أَثِمَ وَنَقَلَ

стр. 737

مُطْلَقًا وَقِيلَ إنْ خَافَ الْفَوَاتَ بِأَنْ ظَهَرَتْ لَهُ مَخَائِلُ الْمَوْتِ فِي قَلْبِهِ فَأَخَّرَهُ حَتَّى مَاتَ أَثِمَ وَإِنْ فَجْأَهُ الْمَوْتُ لَا يَأْثَمُ وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَتَضْعِيفُ الْقَوْلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَفُوتُ الْقَوْلُ بِفَرْضِيَّةِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ فَائِدَتَهَا الْإِثْمُ عِنْدَ عَدَمِ الْفِعْلِ سَوَاءٌ كَانَ مُضَيَّقًا، أَوْ مُوَسَّعًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ فَائِدَتُهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وُجُوبُ الْإِيصَاءِ عَلَيْهِ قُبَيْلَ مَوْتِهِ فَإِذَا لَمْ يُوصِ يَأْثَمُ لِتَرْكِ هَذَا الْوَاجِبِ لَا لِتَرْكِ الْحَجِّ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ فُرِضَ مَرَّةً أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ تَطَوُّعٌ وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحَجَّ لَا يُوصَفُ بِالنَّفْلِيَّةِ بَلْ الْمَرَّةُ الْأُولَى فَرْضُ عَيْنٍ وَمَا زَادَ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ أَنْ يَحُجَّ الْبَيْتَ كُلَّ عَامٍ وَلَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا بَلْ صَرَّحُوا بِالنَّفْلِيَّةِ فَقَالُوا حَجُّ النَّفْلِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا نَذَرَ الْحَجَّ فَإِنَّهُ يَصِيرُ فَرْضًا أَيْضًا وَمِنْ فُرُوعِهِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ مِائَةُ حِجَّةٍ لَزِمَتْهُ كُلُّهَا، وَلَوْ قَالَ أَنَا أَحُجُّ لَا حَجَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنَا أَحُجُّ يَلْزَمُهُ عِنْدَ الشَّرْطِ وَلَوْ قَالَ الْمَرِيضُ إنْ عَافَانِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَرَضِي هَذَا فَعَلَيَّ حِجَّةٌ فَبَرِئَ لَزِمَتْهُ حِجَّةٌ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ عَلَيَّ حِجَّةٌ لِلَّهِ؛ لِأَنَّ الْحِجَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِلَّهِ، وَلَوْ بَرَأَ وَحَجَّ جَازَ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ نَوَى غَيْرَ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى حِجَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ نِيَّتِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى غَيْرِ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُضْحِيَّةَ لَكِنْ عَلَّلَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَرِيضَ الَّذِي فَرَّطَ فِي الْفَرْضِ حَتَّى مَرِضَ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْحَجَّ يَتَّصِفُ بِالْحُرْمَةِ إذَا كَانَ الْمَالُ حَرَامًا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَكُونُ وَاجِبًا وَهُوَ مَا إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَإِنَّهُمْ قَالُوا يَجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ إمَّا الْحَجُّ، أَوْ الْعُمْرَةُ فَإِذَا اخْتَارَ الْحَجَّ فَإِنَّهُ يَتَّصِفُ بِالْوُجُوبِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يَتَّصِفُ بِالْكَرَاهَةِ وَهُوَ حَجُّهُ بِغَيْرِ إذْنِ أَبَوَيْهِ بِشَرْطِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ فَتَحَرَّرَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَكُونُ فَرْضًا وَوَاجِبًا وَنَفْلًا وَحَرَامًا وَمَكْرُوهًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَّصِفُ بِالْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَضْعًا. (قَوْلُهُ: بِشَرْطِ حُرِّيَّةٍ وَبُلُوغٍ وَعَقْلٍ وَصِحَّةٍ وَقُدْرَةٍ زَادَ وَرَاحِلَةٍ فَضَلَتْ عَنْ مَسْكَنِهِ وَعَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ وَنَفَقَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ وَعِيَالِهِ) فَلَا حَجَّ عَلَى عَبْدٍ وَلَوْ مُدَبَّرًا، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُبَعَّضًا، أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْحَجِّ، وَلَوْ كَانَ بِمَكَّةَ لِعَدَمِ مِلْكِهِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِالْمَالِ غَالِبًا بِخِلَافِهِمَا وَلِفَوَاتِ حَقِّ الْمَوْلَى فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ بِإِذْنِ الشَّرْعِ وَالْمَوْلَى وَإِنْ أَذِنَهُ فَقَدْ أَعَارَهُ مَنَافِعَهُ وَالْحَجُّ لَا يَجِبُ بِقُدْرَةٍ عَارِيَّةٍ وَلَا عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَفِي الْمَعْتُوهِ ــ [منحة الخالق] الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَصِحَّةُ الْأَوَّلِ غَنِيَّةٌ عَنْ الْوَجْهِ وَعَلَى اعْتِبَارِهِ قِيلَ يَظْهَرُ الْإِثْمُ مِنْ السَّنَةِ الْأُولَى وَقِيلَ مِنْ الْأَخِيرَةِ مِنْ سَنَةِ رَأَى فِي نَفْسِهِ الضَّعْفَ وَقِيلَ يَأْثَمُ فِي الْجُمْلَةِ غَيْرَ مَحْكُومٍ بِمُعَيَّنٍ بَلْ عِلْمُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى اهـ. وَلَا يَخْفَى عَلَيْك مَا فِيهِ فَإِنَّ مَا ادَّعَى عَدَمَ رُؤْيَتِهِ نَقَلَهُ بِيَدِهِ وَتَلَفَّظَهُ بِفِيهِ وَهُوَ قَوْلُ الْفَتْحِ فَإِذَا مَاتَ بَعْدَ الْإِمْكَانِ وَلَمْ يَحُجَّ ظَهَرَ أَنَّهُ أَثِمَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ يَأْثَمُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ فَجَأَهُ الْمَوْتُ أَوْ لَا وَقَوْلُهُ إذْ بِتَقْدِيرِهِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامَيْنِ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ كَمَا مَرَّ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَظْهَرُ بِالْمَوْتِ إثْمُهُ وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ فِيمَا إذَا مَاتَ فَالْفَرْقُ وَاضِحٌ تَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: فَقَالُوا حَجُّ النَّفْلِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ الْمَرْحُومُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعِمَادِيُّ مُفْتِي الشَّامِ فِي مَنَاسِكِهِ وَإِذَا حَجَّ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ فَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالْحَجُّ أَفْضَلُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ فَلَمَّا حَجّ وَرَأَى مَا فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشَقَّاتِ الْمُوجِبَةِ لِتَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ اهـ. قُلْت قَدْ يُقَالُ إنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ فِي زَمَانِنَا أَفْضَلُ لِمَا يَلْزَمُ الْحَاجَّ غَالِبًا مِنْ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَمُشَاهَدَتِهِ لِفَوَاحِشِ الْمُنْكَرَاتِ وَشُحِّ عَامَّةِ النَّاسِ بِالصَّدَقَاتِ وَتَرْكِهِمْ الْفُقَرَاءَ وَالْأَيْتَامَ فِي حَسَرَاتٍ وَلَا سِيَّمَا فِي أَيَّامِ الْغَلَاءِ وَضِيقِ الْأَوْقَاتِ وَبِتَعَدِّي النَّفْعِ تَتَضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ ثُمَّ رَأَيْت فِي مُتَفَرِّقَاتِ اللُّبَابِ الْجَزْمَ بِأَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَقَالَ شَارِحُهُ الْقَارِي أَيْ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ وَمُنْيَةِ الْمُفْتِي وَغَيْرِهِمَا وَلَعَلَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى إعْطَاءِ الْفَقِيرِ الْمَوْصُوفِ بِغَايَةِ الْفَاقَةِ أَوْ فِي حَالِ الْمَجَاعَةِ وَإِلَّا فَالْحَجُّ مُشْتَمِلٌ عَلَى النَّفَقَةِ بَلْ وَزَادَ إنَّ الدِّرْهَمَ الَّذِي يُنْفَقُ فِي الْحَجِّ بِسَبْعِمِائَةٍ إلَخْ قُلْت قَدْ يُقَالُ مَا وَرَدَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَجِّ الْفَرْضِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِ الصَّدَقَةِ لِلْمُحْتَاجِ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ سَبْعِمِائَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى إلَخْ) قَالَ مُنْلَا عَلِيٌّ فِي شَرْحِ الْمَنْسَكِ الْمُتَوَسِّطِ نَعَمْ قَدْ يُفْرَضُ لِعَارِضٍ كَنَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ بَعْدَ فَسَادٍ أَوْ إحْصَارٍ أَوْ الشُّرُوعِ فِيهِ بِمُبَاشَرَةِ إحْرَامٍ إلَخْ. (قَوْلُهُ: فَلَا حَجَّ عَلَى عَبْدٍ إلَخْ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ وَيَقَعُ نَفْلًا (قَوْلُهُ: وَلَا عَلَى صَبِيٍّ إلَخْ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا فَلَوْ حَجَّ وَهُوَ مُمَيِّزٌ بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرُ مُمَيِّزٍ بِإِحْرَامِ وَلِيِّهِ فَهُوَ نَفْلٌ وَأَمَّا غَيْرُ الْعَاقِلِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَفِي الْبَدَائِعِ وَلَا يَجُوزُ أَدَاءُ الْحَجِّ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا وَقَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ قَالَ مَشَايِخُنَا وَغَيْرُهُمْ بِصِحَّةِ حَجِّ الصَّبِيِّ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ وَكَذَا بِصِحَّةِ حَجِّ الْمَجْنُونِ اهـ. وَيَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا

стр. 738

خِلَافٌ فِي الْأُصُولِ فَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ إلَى أَنَّهُ يُوضَعُ عَنْهُ الْخِطَابُ كَالصَّبِيِّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَذَهَبَ الدَّبُوسِيُّ فِي التَّقْوِيمِ إلَى أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْعِبَادَاتِ احْتِيَاطًا وَالْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ صِحَّةُ الْجَوَارِحِ فَلَا يَجِبُ أَدَاءُ الْحَجِّ عَلَى مُقْعَدٍ وَلَا عَلَى زَمِنٍ وَلَا مَفْلُوجٍ وَلَا مَقْطُوعِ الرِّجْلَيْنِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ وَالشَّيْخِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَالْأَعْمَى وَالْمَجْبُوسِ وَالْخَائِفِ مِنْ السُّلْطَانِ الَّذِي يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحَجُّ بِأَنْفُسِهِمْ وَلَا الْإِحْجَاجُ عَنْهُمْ إنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُمَا وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِحْجَاجُ فَإِنْ أَحَجُّوا أَجْزَأَهُمْ مَا دَامَ الْعَجْزُ مُسْتَمِرًّا بِهِمْ فَإِنْ زَالَ فَعَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ بِأَنْفُسِهِمْ وَظَاهِرُ مَا فِي التُّحْفَةِ اخْتِيَارُهُ فَإِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَكَذَا الْإِسْبِيجَابِيُّ وَقَوَّاهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَشَى عَلَى أَنَّ الصِّحَّةَ مِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهَا مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ عِنْدَهُ وَمِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ عِنْدَهُمَا وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الْإِحْجَاجِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي وُجُوبِ الْإِيصَاءِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَجِّ وَهُوَ صَحِيحٌ أَمَّا إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ زَالَتْ الصِّحَّةُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَتَقَرَّرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْجَاجُ اتِّفَاقًا أَمَّا إنْ خَرَجَ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيصَاءُ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ بَعْدَ الْإِيجَابِ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَلَا فَرْقَ فِي الْأَعْمَى بَيْنَ أَنْ يَجِدَ قَائِدًا، أَوْ لَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْقَادِرَ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ لَيْسَ بِقَادِرٍ وَلَوْ تَكَلَّفَ هَؤُلَاءِ الْحَجَّ بِأَنْفُسِهِمْ سَقَطَ عَنْهُمْ حَتَّى لَوْ صَحُّوا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْأَدَاءُ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْوُجُوبِ عَنْهُمْ لِدَفْعِ الْحَرَجِ فَإِذَا تَحَمَّلُوهُ وَقَعَ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ كَالْفَقِيرِ إذَا حَجَّ وَأَمَّا الْقُدْرَةُ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَالْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ فَلَا وُجُوبَ أَصْلًا يَتَعَلَّقُ بِالْفَقِيرِ لِاشْتِرَاطِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي آيَةِ الْحَجِّ وَفُسِّرَتْ بِهِمَا وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْأُصُولِ وَمِنْهُمْ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْقُدْرَةَ الْمُمْكِنَةَ كَالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لِلْحَجِّ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ لَا شَرْطُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ جَبْرِيٌّ لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيهِ وَلَيْسَ فِيهِ تَكْلِيفٌ؛ لِأَنَّهُ طَلَبُ إيقَاعِ الْفِعْلِ مِنْ الْعَبْدِ وَنَفْسُ الْوُجُوبِ لَيْسَ كَذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ صَوْمَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَاجِبٌ وَلَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمَا وَكَذَا الزَّكَاةُ قَبْلَ الْحَوْلِ ــ [منحة الخالق] بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَجْنُونٍ لَيْسَ لَهُ قَابِلِيَّةُ النِّيَّةِ فِي الْإِحْرَامِ كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالثَّانِي عَلَى الَّذِي لَهُ بَعْضُ الْإِدْرَاكَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَعَلَى صِحَّةِ حَجِّ الصَّبِيِّ الْغَيْرِ الْمُمَيِّزِ إذَا نَابَ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي النِّيَّةِ كَذَا فِي شَرْحِ لُبَابِ الْمَنَاسِكِ لِمُنْلَا عَلِيٍّ الْقَارِي أَقُولُ: الْمُتَعَيِّنُ حَمْلُ مَا فِي الْبَدَائِعِ عَلَى أَدَاءِ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ بِنَفْسِهِمَا بِلَا وَلِيٍّ وَحَمْلُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ عَلَى مَا إذَا أَحْرَمَ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا فَإِنَّ الْمَجْنُونَ كَالصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا عَنْ الذَّخِيرَةِ وَالْوَلْوالِجِيَّة وَغَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ صِحَّةُ الْجَوَارِحِ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَرِدُ عَلَيْهِ الْمَرِيضُ إذَا كَانَ صَحِيحَ الْجَوَارِحِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ أَيْضًا وَمِنْ ثَمَّ فَسَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِصِحَّةِ الْبَدَنِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَعْمَى كَذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنَّ تَصَرُّفَهُ يَنْفُذُ مِنْ كُلِّ الْمَالِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ بِسَلَامَةِ الْبَدَنِ مِنْ الْآفَاتِ الْمَانِعَةِ عَنْ الْقِيَامِ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي السَّفَرِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَجِبُ أَدَاءُ الْحَجِّ عَلَى مُقْعَدٍ إلَخْ) الْأَصْوَبُ أَنْ يَقُولَ فَلَا يَجِبُ الْحَجُّ إلَخْ وَيُسْقِطَ لَفْظَةَ أَدَاءُ لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ بَعْدَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحَجُّ بِأَنْفُسِهِمْ وَلَا الْإِحْجَاجُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصِّحَّةَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ فَيُنَافِيهِ التَّعْبِيرُ بِالْأَدَاءِ، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَلَا مَقْطُوعِ الرِّجْلَيْنِ) الظَّاهِرُ أَنَّ مَقْطُوعَ الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ وَمَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ كَذَلِكَ لِظُهُورِ الْحَرَجِ عَلَيْهِمَا إنْ وَقَعَ التَّكْلِيفُ لِلْحَجِّ بِأَنْفُسِهِمَا ثُمَّ رَأَيْت الْكَرْمَانِيَّ نَصَّ عَلَى مَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ أَيْضًا فَمَقْطُوعُ الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ بِالْأَوْلَى كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ لِمُنْلَا عَلِيٍّ الْقَارِي (قَوْلُهُ: وَالْمَحْبُوسُ) قَالَ الْعَلَّامَةُ مُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِي فِي شَرْحِهِ عَلَى لُبَابِ الْمَنَاسِكِ نُقِلَ عَنْ شَمْسِ الْإِسْلَامِ أَنَّ السُّلْطَانَ وَمَنْ بِمَعْنَاهُ مِنْ الْأُمَرَاءِ ذَوِي الشَّأْنِ مُلْحَقٌ بِالْمَحْبُوسِ فِي هَذَا الْحُكْمِ فَيَجِبُ الْحَجُّ فِي مَالِهِ يَعْنِي إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ غَيْرُ مُسْتَغْرَقٍ لِحُقُوقِ النَّاسِ فِي ذِمَّتِهِ دُونَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى خَرَجَ مِنْ مَمْلَكَتِهِ تَخْرَبُ الْبِلَادُ وَتَقَعُ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْعِبَادِ وَرُبَّمَا يُقْتَلُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَرُبَّمَا لَا يُمَكِّنُهُ مَلِكٌ آخَرُ مِنْ الدُّخُولِ فِي حَدِّ مَمْلَكَتِهِ فَتَقَعَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ تُفْضِي إلَى مَضَرَّةٍ بَلِيغَةٍ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ تَكُونُ سَلْطَنَتُهُ ثَابِتَةً بِالشَّرَائِطِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِلَّا فَيَجِبُ عَلَيْهِ خَلْعُ نَفْسِهِ وَإِقَامَةُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْخِلَافَةَ مَقَامَهُ فِي أَمْرِهِ إنْ لَمْ يَتَفَرَّعْ عَلَيْهِ فَسَادُ عَسْكَرِهِ اهـ. مِمَّا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ مَا فِي التُّحْفَةِ اخْتِيَارُهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ تَقَدَّمَ فِي تَعْدَادِ الشَّرَائِطِ أَنَّ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ الصِّحَّةُ عَلَى الْأَصَحِّ تَأَمَّلْ اهـ. وَذَكَرَ مُنْلَا عَلِيٌّ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ أَنَّهُ مَشَى عَلَيْهِ فِي النِّهَايَةِ وَأَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ الْعَمِيقِ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَأَنَّ الثَّانِيَ صَحَّحَهُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَاخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ وَمِنْهُمْ ابْنُ هَمَّامٍ اهـ. فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ (قَوْلُهُ: كَالْفَقِيرِ إذَا حَجَّ) أَيْ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ حَتَّى لَوْ اسْتَغْنَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ مُعَلَّلٌ بِأَمْرَيْنِ الْأَوَّلِ أَنَّ عَدَمَهُ عَلَيْهِ لَيْسَ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ كَالْعَبْدِ بَلْ لِلتَّرْفِيهِ وَدَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ فَإِذَا تَحَمَّلَهُ وَجَبَ ثُمَّ يَسْقُطُ كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ رَمَضَانَ وَالثَّانِي أَنَّ الْفَقِيرَ

стр. 739

وَقَدْ ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْفُقَهَاءَ إنَّمَا لَمْ يُوَافِقُوا الْأُصُولِيِّينَ عَلَى ذَلِكَ لِمَا أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي جَعْلِهِ شَرْطَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا هُوَ لُزُومُ الْإِيصَاءِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَعَدَمُهُ وَالْفَقِيرُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ فَلِهَذَا جَعَلُوا الْقُدْرَةَ مِنْ شَرَائِطِ أَصْلِ الْوُجُوبِ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا وَقَوْلُ الْمُحَقِّقِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ شَرْطُ الْوُجُوبِ لَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافَهُ مُرَادُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى خِلَافِهِ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ فَلَا يَتَأَتَّى بَحْثُهُ الْمَذْكُورُ فِي الْفَقِيرِ كَمَا لَا يَخْفَى وَأَطْلَقَ فِي الزَّادِ فَأَفَادَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ مَا يَصِحُّ بِهِ بَدَنُهُ وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ وَالرَّاحِلَةُ فِي اللُّغَةِ الْمَرْكَبُ مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَهِيَ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِ الرَّاحِلَةِ مِنْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَإِنَّمَا صَرَّحُوا بِالْكَرَاهِيَةِ وَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ مَا يُبَلِّغُهُ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى رَأْسِ زَامِلَةٍ وَهُوَ الْمُسَمَّى فِي عُرْفِنَا رَاكِبٌ مُقَتَّبٌ وَأَمْكَنَهُ السَّفَرُ عَلَيْهِ وَجَبَ وَإِلَّا بَانَ كَانَ مُتَرَفِّهًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى شِقِّ مَحْمِلٍ وَهُوَ الْمُسَمَّى فِي عُرْفِنَا مَحَارَةٌ أَوْ مُوهِيَةٌ وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَكْتَرِيَ عَقَبَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ وَهُوَ الشَّرْطُ سَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْمَشْيِ، أَوْ لَا وَالْعَقَبَةُ أَنْ يَكْتَرِيَ اثْنَانِ رَاحِلَةً يَتَعَقَّبَانِ عَلَيْهَا يَرْكَبُ أَحَدُهُمَا مَرْحَلَةً وَالْآخَرُ. ــ [منحة الخالق] إذَا وَصَلَ إلَى الْمَوَاقِيتِ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ أَهْلِ مَكَّةَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرَّاحِلَةِ اهـ. وَتَمَامُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَالْفَقِيرُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُوصِي بِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ لَهُ مِلْكُ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُهُ فِيهِ الْخُرُوجُ وَالْمُعْتَبَرُ مِلْكُهُ ذَلِكَ وَقْتَ الْإِمْكَانِ كَمَا يَأْتِي وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ فَيُمْكِنُهُ الْإِيصَاءُ مِنْ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَعَلَى جَعْلِ الْقُدْرَةِ الْمَذْكُورَةِ شَرْطَ وُجُوبٍ لَا شَرْطَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ أَصْلِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا جُعِلَتْ شَرْطَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَتَّى فِيهِ لُزُومُ الْإِيصَاءِ مِمَّا ذَكَرْنَا فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ فِي الزَّادِ إلَخْ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِيِّ فِي مَنْسَكِهِ وَهَاهُنَا فَائِدَةٌ يَنْبَغِي لِلْعَامَّةِ التَّنَبُّهُ لَهَا وَهِيَ أَنَّ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْمُحْدَثَةُ لِكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الثَّرْوَةِ بِرَسْمِ الْهَدِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ وَالْأَصْحَابِ لَيْسَ بِعُذْرٍ مُرَخِّصٍ لِتَأْخِيرِ الْحَجِّ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْحَوَائِجِ الشَّرْعِيَّةِ فَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْحَجِّ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ فَقَدْ مَاتَ عَاصِيًا فَالْحَذَرَ مِنْ ذَلِكَ اهـ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ اهـ. (قَوْلُهُ: وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ) قَالَ فِي الْفَتْحِ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى مَا تَيَسَّرَ مِنْ خُبْزٍ وَجُبْنٍ دُونَ لَحْمٍ قَادِرًا عَلَى الزَّادِ بَلْ رُبَّمَا يَهْلِكُ بِمُدَاوَمَتِهِ ثَلَاثَ أَيَّامٍ مَرَضًا إذَا كَانَ مُتَرَفِّهًا مُعْتَادَ اللَّحْمِ وَالْأَطْعِمَةِ الْمُتَرَفِّهَةِ (قَوْلُهُ: لَوْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِ الرَّاحِلَةِ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ ﵀ السِّنْدِيُّ تِلْمِيذُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ مُرَادَ الْفُقَهَاءِ مِنْ الرَّاحِلَةِ الْمَرْكَبُ مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ ثُمَّ هَلْ هُوَ شَرْطٌ بِخُصُوصِهِ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الدَّوَابِّ دَاخِلٌ فِي حُكْمِهِ لَمْ أَرَ تَعَرُّضَ الْأَصْحَابِ لِذَلِكَ وَتَعَرَّضَ لَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَفِي مَعْنَى الرَّاحِلَةِ كُلُّ حَمُولَةٍ اُعْتِيدَ الْحَمْلُ عَلَيْهَا فِي طَرِيقِهِ أَيْ الْحَجِّ مِنْ بِرْذَوْنٍ أَوْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ مِنْهُمْ هُوَ صَحِيحٌ فِيمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرَاحِلُ يَسِيرَةٌ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالسَّفَرِ عَلَيْهَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمَسَافَةِ دُونَ الْمَرَاحِلِ الْبَعِيدَةِ كَأَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مَثَلًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْإِبِلِ لَا يَقْوَى عَلَى قَطْعِ الْمَسَافَاتِ الشَّاسِعَةِ غَالِبًا اهـ. وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ جِدًّا وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا مَا يُخَالِفُهُ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّفْصِيلُ مُرَادَهُمْ اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ قَدْ رَأَيْت وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ فِي الْمُجْتَبَى بِرَمْزِ شَرْحِ الصَّبَّاغِيِّ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ وَلَفْظُهُ وَلَوْ مَلَكَ كِرَاءَ حِمَارٍ أَوْ كِرَاءَ بَعِيرٍ عُقْبَةً فَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ الرَّاحِلَةِ اهـ. لَكِنْ فِي ذَخِيرَةِ الْعَقَبِيِّ وَالرَّاحِلَةُ قِيلَ النَّاقَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لَأَنْ تَرْحَلَ وَالْمُرَادُ هَاهُنَا الْمَرْكَبُ مُطْلَقًا اهـ. وَقَالَ الرَّمْلِيُّ الْفِقْهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فِي الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَالْفَرَسِ إذْ هُوَ مَنُوطٌ بِالِاسْتِطَاعَةِ وَهِيَ أَعَمُّ وَاشْتِرَاطُ ذَكَرِ الْإِبِلِ أَوْ أُنْثَاهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ تَأَمَّلْ اهـ. وَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ كَمَا بَحَثَهُ السِّنْدِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ وَهُوَ الْوُجُوبُ عِنْدَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ بِخِلَافِ الْمَشْرِقِيِّ وَالْمَغْرِبِيِّ (قَوْلُهُ: وَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ مَا يُبَلِّغُهُ إلَخْ) قَالَ مُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِي فِي شَرْحِهِ عَلَى لُبَابِ الْمَنَاسِكِ فَهُوَ إمَّا بِرُكُوبِ زَامِلَةٍ أَوْ شِقِّ مَحْمِلٍ، وَأَمَّا الْمِحَفَّةُ فَمِنْ مُبْتَدَعَاتِ الْمُتَرَفِّهَةِ فَلَيْسَ لَهَا عِبْرَةٌ اهـ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِحَفَّةِ التَّخْتُ الْمَعْرُوفُ فِي زَمَانِنَا الَّذِي يُحْمَلُ عَلَى جَمَلَيْنِ أَوْ بَغْلَيْنِ لَا الْمَحَارَةُ؛ لِأَنَّهَا شِقُّ الْمَحْمِلِ كَمَا فَسَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ، تَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ نَقَلَ عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَفِيفِ فِي شَرْحِ مَنْسَكِهِ أَنَّهُ اعْتَرَضَ كَلَامَ مُنْلَا عَلِيٍّ فَقَالَ لَا يَخْفَى مُنَابَذَتُهُ لِمَا قَرَّرُوهُ مِنْ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلِّ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ عَادَةً وَعُرْفًا إذْ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَرَفِّهِينَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوبِ إلَّا فِي الْمِحَفَّةِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ فِي حَقِّهِ بِلَا ارْتِيَابٍ وَأَمَّا لَوْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ مَحْمِلٍ أَوْ رَأْسِ زَامِلَةٍ فَلَا يُعْذَرُ وَلَوْ كَانَ شَرِيفًا أَوْ وَجِيهًا أَوْ ذَا ثَرْوَةٍ اهـ. (قَوْلُهُ: عَلَى رَأْسِ زَامِلَةٍ) قَالَ فِي السِّرَاجِ الزَّامِلَةُ الْبَعِيرُ يَحْمِلُ عَلَيْهِ

стр. 740

مَرْحَلَةً وَشِقُّ الْمَحْمِلِ جَانِبُهُ؛ لِأَنَّ لِلْمَحْمِلِ جَانِبَيْنِ وَيَكْفِي لِلرَّاكِبِ أَحَدُ جَانِبَيْهِ وَقَدْ رَأَيْت فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مِنْ الشَّرَائِطِ أَنْ يَجِدَ لَهُ مَنْ يَرْكَبُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُعَادِلِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَا يَجِبْ الْحَجُّ عَلَيْهِ وَلَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا وَلَعَلَّهُمْ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرُوهُ لِمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِإِمْكَانِ أَنْ يَضَعَ زَادَهُ وَقِرْبَتَهُ وَأَمْتِعَتَهُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ وَقَدْ وَقَعَ لِي ذَلِكَ فِي الْحِجَّةِ الثَّانِيَةِ فِي الرَّجْعَةِ لَمْ أَجِدْ مُعَادِلًا يَصْلُحُ لِي فَفَعَلْت ذَلِكَ لَكِنْ حَصَلَ لِي نَوْعُ مَشَقَّةٍ حِينَ يَقِلُّ الْمَاءُ وَالزَّادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ ثُمَّ الْقُدْرَةُ عَلَى الزَّادِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْمِلْكِ لَا بِالْإِبَاحَةِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْمِلْكِ، أَوْ الْإِجَارَةِ بِالْعَارِيَّةِ وَالْإِبَاحَةِ فَلَوْ بَذَلَ الِابْنُ لِأَبِيهِ الطَّاعَةَ وَأَبَاحَ لَهُ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَكَذَا لَوْ وُهِبَ لَهُ مَالٌ لِيَحُجَّ بِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ؛ لِأَنَّ شَرَائِطَ أَصْلِ الْوُجُوبِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُهَا عِنْدَ عَدَمِهَا ثُمَّ اشْتِرَاطُ الْقُدْرَةِ عَلَى الزَّادِ عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى أَهْلِ مَكَّةَ وَأَمَّا الْقُدْرَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَشَرْطٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَكِّيِّ وَأَمَّا هُوَ فَلَا وَمَنْ حَوْلَهَا كَأَهْلِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُمْ مَشَقَّةٌ فَأَشْبَهَ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ أَمَّا إذَا كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ أَصْلًا فَلَا بُدَّ مِنْهُ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَفِي قَوْلِهِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَسْكَنَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِلسُّكْنَى فَلَا تَثْبُتُ الِاسْتِطَاعَةُ بِدَارٍ يَسْكُنُهَا وَعَبْدٍ يَسْتَخْدِمُهُ وَثِيَابٍ يَلْبَسُهَا وَمَتَاعٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَتَثْبُتُ الِاسْتِطَاعَةُ بِدَارٍ لَا يَسْكُنُهَا وَعَبْدٍ لَا يَسْتَخْدِمُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَحُجَّ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ سَكَنَهُ وَهُوَ كَبِيرٌ يَفْضُلُ عَنْهُ حَتَّى يُمْكِنُهُ بَيْعُهُ وَالِاكْتِفَاءُ بِمَا دُونَهُ بِبَعْضِ ثَمَنِهِ وَيَحُجُّ بِالْفَضْلِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بَيْعُهُ لِذَلِكَ كَمَا لَا يَجِبُ بَيْعُ مَسْكَنِهِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى السُّكْنَى بِالْإِجَارَةِ اتِّفَاقًا بَلْ إنْ بَاعَ وَاشْتَرَى قَدْرَ حَاجَتِهِ وَحَجَّ بِالْفَضْلِ كَانَ أَفْضَلَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا خَادِمٌ وَعِنْدَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ ذَلِكَ وَلَا يَبْقَى بَعْدَهُ قَدْرُ مَا يَحُجُّ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ مَشْغُولٌ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ إلَيْهِ أَشَارَ فِي الْخُلَاصَةِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَفْضُلَ لَهُ مَالٌ بِقَدْرِ رَأْسِ مَالِ التِّجَارَةِ بَعْدَ الْحَجِّ إنْ كَانَ تَاجِرًا وَكَذَا الدِّهْقَانُ وَالْمُزَارِعُ أَمَّا الْمُحْتَرِفُ فَلَا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَرَأْسُ الْمَالِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْمُرَادُ بِالْعِيَالِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ قَالَ الشَّارِحُ وَيُعْتَبَرُ فِي نَفَقَةِ عِيَالِهِ الْوَسَطُ مِنْ غَيْرِ تَبْذِيرٍ وَلَا تَقْتِيرٍ وَقَدْ يُقَالُ اعْتِبَارُ ــ [منحة الخالق] الْمُسَافِرُ مَتَاعَهُ وَطَعَامَهُ (قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ بَلْ قَوَاعِدُنَا مُوَافِقَةٌ لَهُمْ وَأَنْتَ عَالِمٌ بِأَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ مُعَادِلًا غَيْرُ قَادِرٍ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وَضْعِ زَادِهِ وَقِرْبَتِهِ إلَخْ فَاسِدٌ إذْ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِيمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الشِّقِّ فَقَطْ وَحَيْثُ قَدَرَ عَلَى الْمَحْمِلِ فَلَا كَلَامَ فِي الْوُجُوبِ، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ حَوْلَهَا كَأَهْلِهَا) قَالَ فِي الْمَنْسَكِ الْمُتَوَسِّطِ الْمُسَمَّى لُبَابَ الْمَنَاسِكِ وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ فَهُوَ كَالْمَكِّيِّ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الرَّاحِلَةِ وَقِيلَ بَلْ مَنْ كَانَ دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ فَمَنْ كَانَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فَهُوَ كَالْآفَاقِيِّ فِي حَقِّ الرَّاحِلَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ اهـ. وَقَوَّى الثَّانِيَ شَارِحُهُ مُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِي (قَوْلُهُ: وَفِي قَوْلِهِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ إشَارَةٌ إلَخْ) وَجْهُ الْإِشَارَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ غَيْرُ الْمَسْكَنِ كَفَرَسِهِ وَسِلَاحِهِ وَثِيَابِهِ وَعَبْدِ خِدْمَتِهِ وَآلَاتِ حِرْفَتِهِ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ، وَالْمَسْكَنُ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ فَاشْتِرَاطُ الْحَاجَةِ فِي غَيْرِ الْمَسْكَنِ يُشِيرُ إلَى اشْتِرَاطِهَا فِيهِ أَيْضًا وَجَعَلَ فِي النَّهْرِ الْإِشَارَةَ مِنْ الْعُدُولِ عَنْ التَّعْبِيرِ بِالدَّارِ إلَى الْمَسْكَنِ وَمَا فَعَلَهُ الْمُؤَلِّفُ أَحْسَنُ لِئَلَّا يَرِدَ عَلَيْهِ مَا إذَا كَانَ سَاكِنًا فِيهِ وَيَسْتَغْنِي عَنْهُ بِسُكْنَاهُ فِي غَيْرِهِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ سَكَنَهُ) الضَّمِيرُ فِي كَانَ يَعُودُ إلَى الدَّارِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَسْكَنِ أَوْ الْمَكَانِ أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ سَكَنًا لَهُ وَهُوَ كَبِيرٌ إلَخْ فَقَوْلُهُ سَكَنَهُ بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ خَبَرُ كَانَ وَهُوَ اسْمٌ بِمَعْنَى الْمَسْكَنِ لَا فِعْلٌ وَقَوْلُهُ وَهُوَ كَبِيرٌ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ إلَخْ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ حُضُورِ الْوَقْتِ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ أَهْلُ بَلَدِهِ فَلَوْ حَضَرَ تَعَيَّنَ أَدَاءُ النُّسُكِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْهُ إلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ مُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِي فِي شَرْحِهِ عَلَى لُبَابِ الْمَنَاسِكِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي اللُّبَابِ حَيْثُ قَالَ وَمَنْ لَهُ مَالٌ يُبَلِّغُهُ وَلَا مَسْكَنَ لَهُ وَلَا خَادِمَ فَلَيْسَ لَهُ صَرْفُهُ إلَيْهِ إنْ حَضَرَ الْوَقْتُ بِخِلَافِ مَنْ لَهُ مَسْكَنٌ يَسْكُنُهُ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعُهُ قَالَ مُنْلَا عَلِيٌّ فِي شَرْحِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا خَادِمٌ وَلَهُ مَالٌ يَكْفِيهِ لِقُوتِ عِيَالِهِ مِنْ وَقْتِ ذَهَابِهِ إلَى حِينِ إيَابِهِ وَعِنْدَهُ دَرَاهِمُ تُبَلِّغُهُ إلَى الْحَجِّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ بِمِلْكِ الدَّرَاهِمِ فَلَا يُعْذَرُ فِي التَّرْكِ وَلَا يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ شِرَاءِ الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ بِخِلَافِ بَيْعِ الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ فَإِنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِبَيْعِهِمَا اهـ. عَلَى أَنَّهُ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إنَّ عِبَارَةَ الْخُلَاصَةِ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْهَا وَنَصُّ عِبَارَتِهَا نَاقِلًا عَنْ التَّجْرِيدِ إنْ كَانَ لَهُ دَارٌ لَا يَسْكُنُهَا وَعَبْدٌ لَا يَسْتَخْدِمُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَحُجَّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ وَعِنْدَهُ دَرَاهِمُ يَبْلُغُ بِهَا الْحَجَّ وَيَبْلُغُ ثَمَنَ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَطَعَامٍ وَثَوْبٍ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ وَإِنْ جَعَلَهَا فِي غَيْرِ الْحَجِّ أَثِمَ اهـ. فَتَعَيَّنَ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ اللُّبَابِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَيْضًا (قَوْلُهُ: إلَيْهِ أَشَارَ فِي الْخُلَاصَةِ) أَقُولُ: الَّذِي رَأَيْته فِي الْخُلَاصَةِ خِلَافُهُ وَنَصُّهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ وَعِنْدَهُ دَرَاهِمُ تَبْلُغُ بِهِ الْحَجَّ وَتَبْلُغُ ثَمَنَ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَطَعَامٍ وَقُوتٍ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَإِنْ جَعَلَهَا فِي غَيْرِهِ أَثِمَ اهـ بِحُرُوفِهِ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ اعْتِبَارُ
следующие страницы →