← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 12227

البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري

زين الدين ابن نجيم

Полный текст (3 122 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

مِائَتَانِ وَأَرْبَعُونَ مَنًّا وَحَمْلُ الْحِمَارِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ مَنًّا قَالُوا وَلَا يُشَارِكُ فِي الزَّادِ وَاجْتِمَاعِ الرُّفْقَةِ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى طَعَامِ أَحَدِهِمْ أَحَدٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مَا إذَا عُلِمَتْ الْمُسَامَحَةُ بَيْنَهُمَا فَلَهُ الْمُشَارَكَةُ وَإِلَّا شَارَكَ فَالِاسْتِحْلَالُ مِنْ الشُّرَكَاءِ مَخْلَصٌ وَتَجْرِيدُ السَّفَرِ عَنْ التِّجَارَةِ أَحْسَنُ، وَلَوْ اتَّجَرَ لَا يَنْقُصُ ثَوَابُهُ كَالْغَازِي إذَا اتَّجَرَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي السِّيَرِ وَأَمَّا عَنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْفَخْرِ ظَاهِرًا، أَوْ بَاطِنًا فَفَرْضٌ وَخَلْطُ التِّجَارَةِ بِهَذَا الْقِسْمِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي وَأَمَّا الرُّكُوبُ فِي الْمَحْمِلِ فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ خَوْفًا مِمَّا ذَكَرْنَا وَلَمْ يَكْرَهْهُ بَعْضُهُمْ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ ذَلِكَ فَفِي التَّحْقِيقِ لَا اخْتِلَافَ وَرُكُوبُ الْجَمَلِ أَفْضَلُ وَيُكْرَهُ الْحَجُّ عَلَى الْحِمَارِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ بِدَلِيلِ أَفْضَلِيَّةِ مَا قَابَلَهُ وَالْمَشْيُ أَفْضَلُ مِنْ الرُّكُوبِ لِمَنْ يُطِيقُهُ وَلَا يُسِيءُ خُلُقُهُ وَأَمَّا حَجُّ النَّبِيِّ ﷺ رَاكِبًا فَلِأَنَّهُ كَانَ الْقُدْوَةَ فَكَانَتْ الْحَاجَةُ مَاسَّةً إلَى ظُهُورِهِ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَحَلِّهِ وَلَا يُمَاكِسُ فِي شِرَاءِ الْأَدَوَاتِ وَالزَّادِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ خُرُوجَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، أَوْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَفْعَلُ مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي آدَابِ السَّفَرِ. (قَوْلُهُ: فُرِضَ مَرَّةً عَلَى الْفَوْرِ) أَيْ فُرِضَ الْحَجُّ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ وَالْفَوْرُ فِي اللُّغَةِ مِنْ فَوْرِ الْقِدْرِ غَلَيَانِهَا وَفِعْلُ ذَلِكَ مِنْ فَوْرِهِ أَيْ مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ فَوْرِ الْقِدْرِ قَبْلَ أَنْ تَسْكُنَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: ١٢٥] وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ فَرْضِيَّتَهُ قَصْدًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِيَّةِ فَلَيْسَتْ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّ مَسَائِلَهُ ظَنِّيَّةٌ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ وَدَلِيلُهُ الْقُرْآنِيُّ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَالسُّنَّةُ كَثِيرَةٌ وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يَتَعَدَّدُ فَلِأَنَّ سَبَبَهُ وَهُوَ الْبَيْتُ كَذَلِكَ وَأَمَّا تَكَرُّرُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَالِ فَلِأَنَّ سَبَبَهُ هُوَ النَّامِي تَقْدِيرًا وَتَقْدِيرُ النَّمَاءِ دَائِرٌ مَعَ حَوْلَانِ الْحَوْلِ إذَا كَانَ الْمَالُ مُعَدًّا لِلِاسْتِنْمَاءِ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ وَتَقْدِيرُ النَّمَاءِ الثَّابِتِ فِي هَذَا الْحَوْلِ غَيْرُ تَقْدِيرِ النَّمَاءِ فِي حَوْلٍ آخَرَ فَالْمَالُ مَعَ هَذَا النَّمَاءِ غَيْرُ الْمَجْمُوعِ مِنْهُ وَمِنْ النَّمَاءِ الْآخَرِ فَيَتَعَدَّدُ حُكْمًا كَتَعَدُّدِ الْوُجُوبِ بِتَعَدُّدِ النِّصَابِ وَلِرِوَايَةِ أَحْمَدَ مَرْفُوعًا «الْحَجُّ مَرَّةً فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» وَأَمَّا كَوْنُهُ عَلَى الْفَوْرِ فَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي وَالتَّعْجِيلُ أَفْضَلُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْأَمْرَ إنَّمَا هُوَ طَلَبُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْفَوْرِ وَلَا عَلَى التَّرَاخِي فَأَخَذَ بِهِ مُحَمَّدٌ وَقَوَّاهُ بِأَنَّهُ ﵇ حَجَّ سَنَةَ عَشْرٍ وَفَرْضِيَّةُ الْحَجِّ كَانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ فَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ حَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا وَلَمْ يَحُجَّ هُوَ إلَى الْقَابِلَةِ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ فَقَالَا الِاحْتِيَاطُ فِي تَعْيِينِ أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ فِي السَّنَةِ وَالْمَوْتُ فِي سَنَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ فَتَأْخِيرُهُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ فِي وَقْتِهِ تَعْرِيضٌ لَهُ عَلَى الْفَوَاتِ فَلَا يَجُوزُ وَبِهَذَا حَصَلَ الْجَوَابُ عَنْ تَأْخِيرِهِ ﵊ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ تَعْرِيضُ الْفَوَاتِ وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلْفَوْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعِيشُ حَتَّى يَحُجَّ وَيُعَلِّمَ النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ تَكْمِيلًا لِلتَّبْلِيغِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ عُلِمَ أَنَّ الْفَوْرِيَّةَ ظَنِّيَّةٌ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الِاحْتِيَاطِ ظَنِّيٌّ وَمُقْتَضَاهُ الْوُجُوبُ فَإِذَا أَخَّرَهُ وَأَدَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَعَ أَدَاءً وَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أَخَّرَهُ فَعَلَى الصَّحِيحِ يَأْثَمُ وَيَصِيرُ فَاسِقًا مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِيرَ فَاسِقًا مِنْ أَوَّلِ سَنَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَالَى عَلَيْهِ سُنُونَ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَغِيرَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا وَلَا يَصِيرُ فَاسِقًا بِارْتِكَابِهَا مَرَّةً بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا وَإِذَا حَجَّ فِي آخِرِ عُمُرِهِ ارْتَفَعَ الْإِثْمُ اتِّفَاقًا قَالَ الشَّارِحُ وَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَثِمَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَإِنَّ الْمَشَايِخَ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَقِيلَ يَأْثَمُ مُطْلَقًا وَقِيلَ لَا يَأْثَمُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَإِلَّا وَشَارَكَ فَالِاسْتِحْلَالُ مِنْ الشُّرَكَاءِ مَخْلَصٌ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا وَإِلَّا فَلَا يُشَارِكُ وَفِي بَعْضِهَا وَإِلَّا لَا وَلَوْ شَارَكَ فَالِاسْتِحْلَالُ مَخْلَصٌ وَهِيَ أَحْسَنُ (قَوْلُهُ: خَوْفًا مِمَّا ذَكَرْنَا) مِنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْفَخْرِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْبَيْتُ كَذَلِكَ) أَيْ لَا يَتَعَدَّدُ (قَوْلُهُ ارْتَفَعَ الْإِثْمُ اتِّفَاقًا) كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَقَالَ نُوحٌ أَفَنْدِي الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْإِثْمِ إثْمُ تَفْوِيتِ الْحَجِّ لَا إثْمُ تَأْخِيرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا مَرَّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَثِمَ بِالْإِجْمَاعِ أَيْ إثْمَ تَفْوِيتِهِ؛ لِأَنَّهُ بِتَأْخِيرِهِ عَرَضَهُ عَلَى الْفَوَاتِ اهـ. وَفِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ نَظَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَحْثُ الْمُؤَلِّفِ فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَنَقْلُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَمَا ذَاكَ إلَّا فِي التَّأْخِيرِ إذْ لَا شَكَّ فِي إثْمِ تَارِكِ فَرْضٍ قَطْعِيٍّ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فَرْضًا وَلَا وَاجِبًا فَالْمُرَادُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إثْمُ التَّأْخِيرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَالَ فِي الْفَتْحِ ثُمَّ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ فَلَوْ حَجَّ بَعْدَهُ ارْتَفَعَ الْإِثْمُ اهـ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ فَيَأْثَمُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ بِالتَّأْخِيرِ إلَى غَيْرِهِ بِلَا عُذْرٍ إلَّا إذَا أَدَّى وَلَوْ فِي آخَرِ عُمُرِهِ فَإِنَّهُ رَافِعٌ لِلْإِثْمِ بِلَا خِلَافٍ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ عَنْ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ مِنْ عَدَمِ ارْتِفَاعِ الْإِثْمِ عِنْدَ الثَّانِي (قَوْلُهُ: فَقِيلَ يَأْثَمُ مُطْلَقًا) قَالَ فِي النَّهْرِ لَمْ أَرَ عَنْ مُحَمَّدٍ الْقَوْلَ بِالْإِثْمِ مُطْلَقًا إذْ بِتَقْدِيرِهِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا سَهْوٌ نَعَمْ الْمَنْقُولُ عَنْهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي فَلَا يَأْثَمُ إذَا حَجَّ قَبْلَ مَوْتِهِ فَإِذَا مَاتَ بَعْدَ الْإِمْكَانِ وَلَمْ يَحُجَّ ظَهَرَ أَنَّهُ أَثِمَ وَنَقَلَ

стр. 737

مُطْلَقًا وَقِيلَ إنْ خَافَ الْفَوَاتَ بِأَنْ ظَهَرَتْ لَهُ مَخَائِلُ الْمَوْتِ فِي قَلْبِهِ فَأَخَّرَهُ حَتَّى مَاتَ أَثِمَ وَإِنْ فَجْأَهُ الْمَوْتُ لَا يَأْثَمُ وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَتَضْعِيفُ الْقَوْلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَفُوتُ الْقَوْلُ بِفَرْضِيَّةِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ فَائِدَتَهَا الْإِثْمُ عِنْدَ عَدَمِ الْفِعْلِ سَوَاءٌ كَانَ مُضَيَّقًا، أَوْ مُوَسَّعًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ فَائِدَتُهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وُجُوبُ الْإِيصَاءِ عَلَيْهِ قُبَيْلَ مَوْتِهِ فَإِذَا لَمْ يُوصِ يَأْثَمُ لِتَرْكِ هَذَا الْوَاجِبِ لَا لِتَرْكِ الْحَجِّ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ فُرِضَ مَرَّةً أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ تَطَوُّعٌ وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحَجَّ لَا يُوصَفُ بِالنَّفْلِيَّةِ بَلْ الْمَرَّةُ الْأُولَى فَرْضُ عَيْنٍ وَمَا زَادَ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ أَنْ يَحُجَّ الْبَيْتَ كُلَّ عَامٍ وَلَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا بَلْ صَرَّحُوا بِالنَّفْلِيَّةِ فَقَالُوا حَجُّ النَّفْلِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا نَذَرَ الْحَجَّ فَإِنَّهُ يَصِيرُ فَرْضًا أَيْضًا وَمِنْ فُرُوعِهِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ مِائَةُ حِجَّةٍ لَزِمَتْهُ كُلُّهَا، وَلَوْ قَالَ أَنَا أَحُجُّ لَا حَجَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنَا أَحُجُّ يَلْزَمُهُ عِنْدَ الشَّرْطِ وَلَوْ قَالَ الْمَرِيضُ إنْ عَافَانِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَرَضِي هَذَا فَعَلَيَّ حِجَّةٌ فَبَرِئَ لَزِمَتْهُ حِجَّةٌ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ عَلَيَّ حِجَّةٌ لِلَّهِ؛ لِأَنَّ الْحِجَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِلَّهِ، وَلَوْ بَرَأَ وَحَجَّ جَازَ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ نَوَى غَيْرَ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى حِجَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ نِيَّتِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى غَيْرِ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُضْحِيَّةَ لَكِنْ عَلَّلَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَرِيضَ الَّذِي فَرَّطَ فِي الْفَرْضِ حَتَّى مَرِضَ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْحَجَّ يَتَّصِفُ بِالْحُرْمَةِ إذَا كَانَ الْمَالُ حَرَامًا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَكُونُ وَاجِبًا وَهُوَ مَا إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَإِنَّهُمْ قَالُوا يَجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ إمَّا الْحَجُّ، أَوْ الْعُمْرَةُ فَإِذَا اخْتَارَ الْحَجَّ فَإِنَّهُ يَتَّصِفُ بِالْوُجُوبِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يَتَّصِفُ بِالْكَرَاهَةِ وَهُوَ حَجُّهُ بِغَيْرِ إذْنِ أَبَوَيْهِ بِشَرْطِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ فَتَحَرَّرَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَكُونُ فَرْضًا وَوَاجِبًا وَنَفْلًا وَحَرَامًا وَمَكْرُوهًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَّصِفُ بِالْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَضْعًا. (قَوْلُهُ: بِشَرْطِ حُرِّيَّةٍ وَبُلُوغٍ وَعَقْلٍ وَصِحَّةٍ وَقُدْرَةٍ زَادَ وَرَاحِلَةٍ فَضَلَتْ عَنْ مَسْكَنِهِ وَعَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ وَنَفَقَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ وَعِيَالِهِ) فَلَا حَجَّ عَلَى عَبْدٍ وَلَوْ مُدَبَّرًا، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُبَعَّضًا، أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْحَجِّ، وَلَوْ كَانَ بِمَكَّةَ لِعَدَمِ مِلْكِهِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِالْمَالِ غَالِبًا بِخِلَافِهِمَا وَلِفَوَاتِ حَقِّ الْمَوْلَى فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ بِإِذْنِ الشَّرْعِ وَالْمَوْلَى وَإِنْ أَذِنَهُ فَقَدْ أَعَارَهُ مَنَافِعَهُ وَالْحَجُّ لَا يَجِبُ بِقُدْرَةٍ عَارِيَّةٍ وَلَا عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَفِي الْمَعْتُوهِ ــ [منحة الخالق] الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَصِحَّةُ الْأَوَّلِ غَنِيَّةٌ عَنْ الْوَجْهِ وَعَلَى اعْتِبَارِهِ قِيلَ يَظْهَرُ الْإِثْمُ مِنْ السَّنَةِ الْأُولَى وَقِيلَ مِنْ الْأَخِيرَةِ مِنْ سَنَةِ رَأَى فِي نَفْسِهِ الضَّعْفَ وَقِيلَ يَأْثَمُ فِي الْجُمْلَةِ غَيْرَ مَحْكُومٍ بِمُعَيَّنٍ بَلْ عِلْمُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى اهـ. وَلَا يَخْفَى عَلَيْك مَا فِيهِ فَإِنَّ مَا ادَّعَى عَدَمَ رُؤْيَتِهِ نَقَلَهُ بِيَدِهِ وَتَلَفَّظَهُ بِفِيهِ وَهُوَ قَوْلُ الْفَتْحِ فَإِذَا مَاتَ بَعْدَ الْإِمْكَانِ وَلَمْ يَحُجَّ ظَهَرَ أَنَّهُ أَثِمَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ يَأْثَمُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ فَجَأَهُ الْمَوْتُ أَوْ لَا وَقَوْلُهُ إذْ بِتَقْدِيرِهِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامَيْنِ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ كَمَا مَرَّ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَظْهَرُ بِالْمَوْتِ إثْمُهُ وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ فِيمَا إذَا مَاتَ فَالْفَرْقُ وَاضِحٌ تَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: فَقَالُوا حَجُّ النَّفْلِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ الْمَرْحُومُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعِمَادِيُّ مُفْتِي الشَّامِ فِي مَنَاسِكِهِ وَإِذَا حَجَّ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ فَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالْحَجُّ أَفْضَلُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ فَلَمَّا حَجّ وَرَأَى مَا فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشَقَّاتِ الْمُوجِبَةِ لِتَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ اهـ. قُلْت قَدْ يُقَالُ إنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ فِي زَمَانِنَا أَفْضَلُ لِمَا يَلْزَمُ الْحَاجَّ غَالِبًا مِنْ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَمُشَاهَدَتِهِ لِفَوَاحِشِ الْمُنْكَرَاتِ وَشُحِّ عَامَّةِ النَّاسِ بِالصَّدَقَاتِ وَتَرْكِهِمْ الْفُقَرَاءَ وَالْأَيْتَامَ فِي حَسَرَاتٍ وَلَا سِيَّمَا فِي أَيَّامِ الْغَلَاءِ وَضِيقِ الْأَوْقَاتِ وَبِتَعَدِّي النَّفْعِ تَتَضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ ثُمَّ رَأَيْت فِي مُتَفَرِّقَاتِ اللُّبَابِ الْجَزْمَ بِأَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَقَالَ شَارِحُهُ الْقَارِي أَيْ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ وَمُنْيَةِ الْمُفْتِي وَغَيْرِهِمَا وَلَعَلَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى إعْطَاءِ الْفَقِيرِ الْمَوْصُوفِ بِغَايَةِ الْفَاقَةِ أَوْ فِي حَالِ الْمَجَاعَةِ وَإِلَّا فَالْحَجُّ مُشْتَمِلٌ عَلَى النَّفَقَةِ بَلْ وَزَادَ إنَّ الدِّرْهَمَ الَّذِي يُنْفَقُ فِي الْحَجِّ بِسَبْعِمِائَةٍ إلَخْ قُلْت قَدْ يُقَالُ مَا وَرَدَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَجِّ الْفَرْضِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِ الصَّدَقَةِ لِلْمُحْتَاجِ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ سَبْعِمِائَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى إلَخْ) قَالَ مُنْلَا عَلِيٌّ فِي شَرْحِ الْمَنْسَكِ الْمُتَوَسِّطِ نَعَمْ قَدْ يُفْرَضُ لِعَارِضٍ كَنَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ بَعْدَ فَسَادٍ أَوْ إحْصَارٍ أَوْ الشُّرُوعِ فِيهِ بِمُبَاشَرَةِ إحْرَامٍ إلَخْ. (قَوْلُهُ: فَلَا حَجَّ عَلَى عَبْدٍ إلَخْ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ وَيَقَعُ نَفْلًا (قَوْلُهُ: وَلَا عَلَى صَبِيٍّ إلَخْ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا فَلَوْ حَجَّ وَهُوَ مُمَيِّزٌ بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرُ مُمَيِّزٍ بِإِحْرَامِ وَلِيِّهِ فَهُوَ نَفْلٌ وَأَمَّا غَيْرُ الْعَاقِلِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَفِي الْبَدَائِعِ وَلَا يَجُوزُ أَدَاءُ الْحَجِّ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا وَقَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ قَالَ مَشَايِخُنَا وَغَيْرُهُمْ بِصِحَّةِ حَجِّ الصَّبِيِّ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ وَكَذَا بِصِحَّةِ حَجِّ الْمَجْنُونِ اهـ. وَيَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا

стр. 738

خِلَافٌ فِي الْأُصُولِ فَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ إلَى أَنَّهُ يُوضَعُ عَنْهُ الْخِطَابُ كَالصَّبِيِّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَذَهَبَ الدَّبُوسِيُّ فِي التَّقْوِيمِ إلَى أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْعِبَادَاتِ احْتِيَاطًا وَالْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ صِحَّةُ الْجَوَارِحِ فَلَا يَجِبُ أَدَاءُ الْحَجِّ عَلَى مُقْعَدٍ وَلَا عَلَى زَمِنٍ وَلَا مَفْلُوجٍ وَلَا مَقْطُوعِ الرِّجْلَيْنِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ وَالشَّيْخِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَالْأَعْمَى وَالْمَجْبُوسِ وَالْخَائِفِ مِنْ السُّلْطَانِ الَّذِي يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحَجُّ بِأَنْفُسِهِمْ وَلَا الْإِحْجَاجُ عَنْهُمْ إنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُمَا وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِحْجَاجُ فَإِنْ أَحَجُّوا أَجْزَأَهُمْ مَا دَامَ الْعَجْزُ مُسْتَمِرًّا بِهِمْ فَإِنْ زَالَ فَعَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ بِأَنْفُسِهِمْ وَظَاهِرُ مَا فِي التُّحْفَةِ اخْتِيَارُهُ فَإِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَكَذَا الْإِسْبِيجَابِيُّ وَقَوَّاهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَشَى عَلَى أَنَّ الصِّحَّةَ مِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهَا مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ عِنْدَهُ وَمِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ عِنْدَهُمَا وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الْإِحْجَاجِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي وُجُوبِ الْإِيصَاءِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَجِّ وَهُوَ صَحِيحٌ أَمَّا إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ زَالَتْ الصِّحَّةُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَتَقَرَّرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْجَاجُ اتِّفَاقًا أَمَّا إنْ خَرَجَ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيصَاءُ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ بَعْدَ الْإِيجَابِ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَلَا فَرْقَ فِي الْأَعْمَى بَيْنَ أَنْ يَجِدَ قَائِدًا، أَوْ لَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْقَادِرَ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ لَيْسَ بِقَادِرٍ وَلَوْ تَكَلَّفَ هَؤُلَاءِ الْحَجَّ بِأَنْفُسِهِمْ سَقَطَ عَنْهُمْ حَتَّى لَوْ صَحُّوا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْأَدَاءُ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْوُجُوبِ عَنْهُمْ لِدَفْعِ الْحَرَجِ فَإِذَا تَحَمَّلُوهُ وَقَعَ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ كَالْفَقِيرِ إذَا حَجَّ وَأَمَّا الْقُدْرَةُ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَالْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ فَلَا وُجُوبَ أَصْلًا يَتَعَلَّقُ بِالْفَقِيرِ لِاشْتِرَاطِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي آيَةِ الْحَجِّ وَفُسِّرَتْ بِهِمَا وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْأُصُولِ وَمِنْهُمْ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْقُدْرَةَ الْمُمْكِنَةَ كَالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لِلْحَجِّ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ لَا شَرْطُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ جَبْرِيٌّ لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيهِ وَلَيْسَ فِيهِ تَكْلِيفٌ؛ لِأَنَّهُ طَلَبُ إيقَاعِ الْفِعْلِ مِنْ الْعَبْدِ وَنَفْسُ الْوُجُوبِ لَيْسَ كَذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ صَوْمَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَاجِبٌ وَلَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمَا وَكَذَا الزَّكَاةُ قَبْلَ الْحَوْلِ ــ [منحة الخالق] بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَجْنُونٍ لَيْسَ لَهُ قَابِلِيَّةُ النِّيَّةِ فِي الْإِحْرَامِ كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالثَّانِي عَلَى الَّذِي لَهُ بَعْضُ الْإِدْرَاكَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَعَلَى صِحَّةِ حَجِّ الصَّبِيِّ الْغَيْرِ الْمُمَيِّزِ إذَا نَابَ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي النِّيَّةِ كَذَا فِي شَرْحِ لُبَابِ الْمَنَاسِكِ لِمُنْلَا عَلِيٍّ الْقَارِي أَقُولُ: الْمُتَعَيِّنُ حَمْلُ مَا فِي الْبَدَائِعِ عَلَى أَدَاءِ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ بِنَفْسِهِمَا بِلَا وَلِيٍّ وَحَمْلُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ عَلَى مَا إذَا أَحْرَمَ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا فَإِنَّ الْمَجْنُونَ كَالصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا عَنْ الذَّخِيرَةِ وَالْوَلْوالِجِيَّة وَغَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ صِحَّةُ الْجَوَارِحِ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَرِدُ عَلَيْهِ الْمَرِيضُ إذَا كَانَ صَحِيحَ الْجَوَارِحِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ أَيْضًا وَمِنْ ثَمَّ فَسَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِصِحَّةِ الْبَدَنِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَعْمَى كَذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنَّ تَصَرُّفَهُ يَنْفُذُ مِنْ كُلِّ الْمَالِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ بِسَلَامَةِ الْبَدَنِ مِنْ الْآفَاتِ الْمَانِعَةِ عَنْ الْقِيَامِ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي السَّفَرِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَجِبُ أَدَاءُ الْحَجِّ عَلَى مُقْعَدٍ إلَخْ) الْأَصْوَبُ أَنْ يَقُولَ فَلَا يَجِبُ الْحَجُّ إلَخْ وَيُسْقِطَ لَفْظَةَ أَدَاءُ لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ بَعْدَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحَجُّ بِأَنْفُسِهِمْ وَلَا الْإِحْجَاجُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصِّحَّةَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ فَيُنَافِيهِ التَّعْبِيرُ بِالْأَدَاءِ، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَلَا مَقْطُوعِ الرِّجْلَيْنِ) الظَّاهِرُ أَنَّ مَقْطُوعَ الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ وَمَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ كَذَلِكَ لِظُهُورِ الْحَرَجِ عَلَيْهِمَا إنْ وَقَعَ التَّكْلِيفُ لِلْحَجِّ بِأَنْفُسِهِمَا ثُمَّ رَأَيْت الْكَرْمَانِيَّ نَصَّ عَلَى مَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ أَيْضًا فَمَقْطُوعُ الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ بِالْأَوْلَى كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ لِمُنْلَا عَلِيٍّ الْقَارِي (قَوْلُهُ: وَالْمَحْبُوسُ) قَالَ الْعَلَّامَةُ مُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِي فِي شَرْحِهِ عَلَى لُبَابِ الْمَنَاسِكِ نُقِلَ عَنْ شَمْسِ الْإِسْلَامِ أَنَّ السُّلْطَانَ وَمَنْ بِمَعْنَاهُ مِنْ الْأُمَرَاءِ ذَوِي الشَّأْنِ مُلْحَقٌ بِالْمَحْبُوسِ فِي هَذَا الْحُكْمِ فَيَجِبُ الْحَجُّ فِي مَالِهِ يَعْنِي إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ غَيْرُ مُسْتَغْرَقٍ لِحُقُوقِ النَّاسِ فِي ذِمَّتِهِ دُونَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى خَرَجَ مِنْ مَمْلَكَتِهِ تَخْرَبُ الْبِلَادُ وَتَقَعُ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْعِبَادِ وَرُبَّمَا يُقْتَلُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَرُبَّمَا لَا يُمَكِّنُهُ مَلِكٌ آخَرُ مِنْ الدُّخُولِ فِي حَدِّ مَمْلَكَتِهِ فَتَقَعَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ تُفْضِي إلَى مَضَرَّةٍ بَلِيغَةٍ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ تَكُونُ سَلْطَنَتُهُ ثَابِتَةً بِالشَّرَائِطِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِلَّا فَيَجِبُ عَلَيْهِ خَلْعُ نَفْسِهِ وَإِقَامَةُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْخِلَافَةَ مَقَامَهُ فِي أَمْرِهِ إنْ لَمْ يَتَفَرَّعْ عَلَيْهِ فَسَادُ عَسْكَرِهِ اهـ. مِمَّا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ مَا فِي التُّحْفَةِ اخْتِيَارُهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ تَقَدَّمَ فِي تَعْدَادِ الشَّرَائِطِ أَنَّ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ الصِّحَّةُ عَلَى الْأَصَحِّ تَأَمَّلْ اهـ. وَذَكَرَ مُنْلَا عَلِيٌّ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ أَنَّهُ مَشَى عَلَيْهِ فِي النِّهَايَةِ وَأَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ الْعَمِيقِ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَأَنَّ الثَّانِيَ صَحَّحَهُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَاخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ وَمِنْهُمْ ابْنُ هَمَّامٍ اهـ. فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ (قَوْلُهُ: كَالْفَقِيرِ إذَا حَجَّ) أَيْ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ حَتَّى لَوْ اسْتَغْنَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ مُعَلَّلٌ بِأَمْرَيْنِ الْأَوَّلِ أَنَّ عَدَمَهُ عَلَيْهِ لَيْسَ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ كَالْعَبْدِ بَلْ لِلتَّرْفِيهِ وَدَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ فَإِذَا تَحَمَّلَهُ وَجَبَ ثُمَّ يَسْقُطُ كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ رَمَضَانَ وَالثَّانِي أَنَّ الْفَقِيرَ

стр. 739

وَقَدْ ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْفُقَهَاءَ إنَّمَا لَمْ يُوَافِقُوا الْأُصُولِيِّينَ عَلَى ذَلِكَ لِمَا أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي جَعْلِهِ شَرْطَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا هُوَ لُزُومُ الْإِيصَاءِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَعَدَمُهُ وَالْفَقِيرُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ فَلِهَذَا جَعَلُوا الْقُدْرَةَ مِنْ شَرَائِطِ أَصْلِ الْوُجُوبِ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا وَقَوْلُ الْمُحَقِّقِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ شَرْطُ الْوُجُوبِ لَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافَهُ مُرَادُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى خِلَافِهِ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ فَلَا يَتَأَتَّى بَحْثُهُ الْمَذْكُورُ فِي الْفَقِيرِ كَمَا لَا يَخْفَى وَأَطْلَقَ فِي الزَّادِ فَأَفَادَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ مَا يَصِحُّ بِهِ بَدَنُهُ وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ وَالرَّاحِلَةُ فِي اللُّغَةِ الْمَرْكَبُ مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَهِيَ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِ الرَّاحِلَةِ مِنْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَإِنَّمَا صَرَّحُوا بِالْكَرَاهِيَةِ وَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ مَا يُبَلِّغُهُ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى رَأْسِ زَامِلَةٍ وَهُوَ الْمُسَمَّى فِي عُرْفِنَا رَاكِبٌ مُقَتَّبٌ وَأَمْكَنَهُ السَّفَرُ عَلَيْهِ وَجَبَ وَإِلَّا بَانَ كَانَ مُتَرَفِّهًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى شِقِّ مَحْمِلٍ وَهُوَ الْمُسَمَّى فِي عُرْفِنَا مَحَارَةٌ أَوْ مُوهِيَةٌ وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَكْتَرِيَ عَقَبَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ وَهُوَ الشَّرْطُ سَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْمَشْيِ، أَوْ لَا وَالْعَقَبَةُ أَنْ يَكْتَرِيَ اثْنَانِ رَاحِلَةً يَتَعَقَّبَانِ عَلَيْهَا يَرْكَبُ أَحَدُهُمَا مَرْحَلَةً وَالْآخَرُ. ــ [منحة الخالق] إذَا وَصَلَ إلَى الْمَوَاقِيتِ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ أَهْلِ مَكَّةَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرَّاحِلَةِ اهـ. وَتَمَامُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَالْفَقِيرُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُوصِي بِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ لَهُ مِلْكُ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُهُ فِيهِ الْخُرُوجُ وَالْمُعْتَبَرُ مِلْكُهُ ذَلِكَ وَقْتَ الْإِمْكَانِ كَمَا يَأْتِي وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ فَيُمْكِنُهُ الْإِيصَاءُ مِنْ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَعَلَى جَعْلِ الْقُدْرَةِ الْمَذْكُورَةِ شَرْطَ وُجُوبٍ لَا شَرْطَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ أَصْلِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا جُعِلَتْ شَرْطَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَتَّى فِيهِ لُزُومُ الْإِيصَاءِ مِمَّا ذَكَرْنَا فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ فِي الزَّادِ إلَخْ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِيِّ فِي مَنْسَكِهِ وَهَاهُنَا فَائِدَةٌ يَنْبَغِي لِلْعَامَّةِ التَّنَبُّهُ لَهَا وَهِيَ أَنَّ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْمُحْدَثَةُ لِكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الثَّرْوَةِ بِرَسْمِ الْهَدِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ وَالْأَصْحَابِ لَيْسَ بِعُذْرٍ مُرَخِّصٍ لِتَأْخِيرِ الْحَجِّ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْحَوَائِجِ الشَّرْعِيَّةِ فَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْحَجِّ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ فَقَدْ مَاتَ عَاصِيًا فَالْحَذَرَ مِنْ ذَلِكَ اهـ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ اهـ. (قَوْلُهُ: وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ) قَالَ فِي الْفَتْحِ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى مَا تَيَسَّرَ مِنْ خُبْزٍ وَجُبْنٍ دُونَ لَحْمٍ قَادِرًا عَلَى الزَّادِ بَلْ رُبَّمَا يَهْلِكُ بِمُدَاوَمَتِهِ ثَلَاثَ أَيَّامٍ مَرَضًا إذَا كَانَ مُتَرَفِّهًا مُعْتَادَ اللَّحْمِ وَالْأَطْعِمَةِ الْمُتَرَفِّهَةِ (قَوْلُهُ: لَوْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِ الرَّاحِلَةِ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ ﵀ السِّنْدِيُّ تِلْمِيذُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ مُرَادَ الْفُقَهَاءِ مِنْ الرَّاحِلَةِ الْمَرْكَبُ مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ ثُمَّ هَلْ هُوَ شَرْطٌ بِخُصُوصِهِ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الدَّوَابِّ دَاخِلٌ فِي حُكْمِهِ لَمْ أَرَ تَعَرُّضَ الْأَصْحَابِ لِذَلِكَ وَتَعَرَّضَ لَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَفِي مَعْنَى الرَّاحِلَةِ كُلُّ حَمُولَةٍ اُعْتِيدَ الْحَمْلُ عَلَيْهَا فِي طَرِيقِهِ أَيْ الْحَجِّ مِنْ بِرْذَوْنٍ أَوْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ مِنْهُمْ هُوَ صَحِيحٌ فِيمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرَاحِلُ يَسِيرَةٌ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالسَّفَرِ عَلَيْهَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمَسَافَةِ دُونَ الْمَرَاحِلِ الْبَعِيدَةِ كَأَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مَثَلًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْإِبِلِ لَا يَقْوَى عَلَى قَطْعِ الْمَسَافَاتِ الشَّاسِعَةِ غَالِبًا اهـ. وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ جِدًّا وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا مَا يُخَالِفُهُ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّفْصِيلُ مُرَادَهُمْ اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ قَدْ رَأَيْت وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ فِي الْمُجْتَبَى بِرَمْزِ شَرْحِ الصَّبَّاغِيِّ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ وَلَفْظُهُ وَلَوْ مَلَكَ كِرَاءَ حِمَارٍ أَوْ كِرَاءَ بَعِيرٍ عُقْبَةً فَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ الرَّاحِلَةِ اهـ. لَكِنْ فِي ذَخِيرَةِ الْعَقَبِيِّ وَالرَّاحِلَةُ قِيلَ النَّاقَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لَأَنْ تَرْحَلَ وَالْمُرَادُ هَاهُنَا الْمَرْكَبُ مُطْلَقًا اهـ. وَقَالَ الرَّمْلِيُّ الْفِقْهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فِي الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَالْفَرَسِ إذْ هُوَ مَنُوطٌ بِالِاسْتِطَاعَةِ وَهِيَ أَعَمُّ وَاشْتِرَاطُ ذَكَرِ الْإِبِلِ أَوْ أُنْثَاهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ تَأَمَّلْ اهـ. وَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ كَمَا بَحَثَهُ السِّنْدِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ وَهُوَ الْوُجُوبُ عِنْدَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ بِخِلَافِ الْمَشْرِقِيِّ وَالْمَغْرِبِيِّ (قَوْلُهُ: وَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ مَا يُبَلِّغُهُ إلَخْ) قَالَ مُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِي فِي شَرْحِهِ عَلَى لُبَابِ الْمَنَاسِكِ فَهُوَ إمَّا بِرُكُوبِ زَامِلَةٍ أَوْ شِقِّ مَحْمِلٍ، وَأَمَّا الْمِحَفَّةُ فَمِنْ مُبْتَدَعَاتِ الْمُتَرَفِّهَةِ فَلَيْسَ لَهَا عِبْرَةٌ اهـ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِحَفَّةِ التَّخْتُ الْمَعْرُوفُ فِي زَمَانِنَا الَّذِي يُحْمَلُ عَلَى جَمَلَيْنِ أَوْ بَغْلَيْنِ لَا الْمَحَارَةُ؛ لِأَنَّهَا شِقُّ الْمَحْمِلِ كَمَا فَسَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ، تَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ نَقَلَ عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَفِيفِ فِي شَرْحِ مَنْسَكِهِ أَنَّهُ اعْتَرَضَ كَلَامَ مُنْلَا عَلِيٍّ فَقَالَ لَا يَخْفَى مُنَابَذَتُهُ لِمَا قَرَّرُوهُ مِنْ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلِّ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ عَادَةً وَعُرْفًا إذْ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَرَفِّهِينَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوبِ إلَّا فِي الْمِحَفَّةِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ فِي حَقِّهِ بِلَا ارْتِيَابٍ وَأَمَّا لَوْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ مَحْمِلٍ أَوْ رَأْسِ زَامِلَةٍ فَلَا يُعْذَرُ وَلَوْ كَانَ شَرِيفًا أَوْ وَجِيهًا أَوْ ذَا ثَرْوَةٍ اهـ. (قَوْلُهُ: عَلَى رَأْسِ زَامِلَةٍ) قَالَ فِي السِّرَاجِ الزَّامِلَةُ الْبَعِيرُ يَحْمِلُ عَلَيْهِ

стр. 740

مَرْحَلَةً وَشِقُّ الْمَحْمِلِ جَانِبُهُ؛ لِأَنَّ لِلْمَحْمِلِ جَانِبَيْنِ وَيَكْفِي لِلرَّاكِبِ أَحَدُ جَانِبَيْهِ وَقَدْ رَأَيْت فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مِنْ الشَّرَائِطِ أَنْ يَجِدَ لَهُ مَنْ يَرْكَبُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُعَادِلِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَا يَجِبْ الْحَجُّ عَلَيْهِ وَلَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا وَلَعَلَّهُمْ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرُوهُ لِمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِإِمْكَانِ أَنْ يَضَعَ زَادَهُ وَقِرْبَتَهُ وَأَمْتِعَتَهُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ وَقَدْ وَقَعَ لِي ذَلِكَ فِي الْحِجَّةِ الثَّانِيَةِ فِي الرَّجْعَةِ لَمْ أَجِدْ مُعَادِلًا يَصْلُحُ لِي فَفَعَلْت ذَلِكَ لَكِنْ حَصَلَ لِي نَوْعُ مَشَقَّةٍ حِينَ يَقِلُّ الْمَاءُ وَالزَّادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ ثُمَّ الْقُدْرَةُ عَلَى الزَّادِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْمِلْكِ لَا بِالْإِبَاحَةِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْمِلْكِ، أَوْ الْإِجَارَةِ بِالْعَارِيَّةِ وَالْإِبَاحَةِ فَلَوْ بَذَلَ الِابْنُ لِأَبِيهِ الطَّاعَةَ وَأَبَاحَ لَهُ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَكَذَا لَوْ وُهِبَ لَهُ مَالٌ لِيَحُجَّ بِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ؛ لِأَنَّ شَرَائِطَ أَصْلِ الْوُجُوبِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُهَا عِنْدَ عَدَمِهَا ثُمَّ اشْتِرَاطُ الْقُدْرَةِ عَلَى الزَّادِ عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى أَهْلِ مَكَّةَ وَأَمَّا الْقُدْرَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَشَرْطٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَكِّيِّ وَأَمَّا هُوَ فَلَا وَمَنْ حَوْلَهَا كَأَهْلِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُمْ مَشَقَّةٌ فَأَشْبَهَ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ أَمَّا إذَا كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ أَصْلًا فَلَا بُدَّ مِنْهُ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَفِي قَوْلِهِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَسْكَنَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِلسُّكْنَى فَلَا تَثْبُتُ الِاسْتِطَاعَةُ بِدَارٍ يَسْكُنُهَا وَعَبْدٍ يَسْتَخْدِمُهُ وَثِيَابٍ يَلْبَسُهَا وَمَتَاعٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَتَثْبُتُ الِاسْتِطَاعَةُ بِدَارٍ لَا يَسْكُنُهَا وَعَبْدٍ لَا يَسْتَخْدِمُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَحُجَّ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ سَكَنَهُ وَهُوَ كَبِيرٌ يَفْضُلُ عَنْهُ حَتَّى يُمْكِنُهُ بَيْعُهُ وَالِاكْتِفَاءُ بِمَا دُونَهُ بِبَعْضِ ثَمَنِهِ وَيَحُجُّ بِالْفَضْلِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بَيْعُهُ لِذَلِكَ كَمَا لَا يَجِبُ بَيْعُ مَسْكَنِهِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى السُّكْنَى بِالْإِجَارَةِ اتِّفَاقًا بَلْ إنْ بَاعَ وَاشْتَرَى قَدْرَ حَاجَتِهِ وَحَجَّ بِالْفَضْلِ كَانَ أَفْضَلَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا خَادِمٌ وَعِنْدَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ ذَلِكَ وَلَا يَبْقَى بَعْدَهُ قَدْرُ مَا يَحُجُّ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ مَشْغُولٌ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ إلَيْهِ أَشَارَ فِي الْخُلَاصَةِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَفْضُلَ لَهُ مَالٌ بِقَدْرِ رَأْسِ مَالِ التِّجَارَةِ بَعْدَ الْحَجِّ إنْ كَانَ تَاجِرًا وَكَذَا الدِّهْقَانُ وَالْمُزَارِعُ أَمَّا الْمُحْتَرِفُ فَلَا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَرَأْسُ الْمَالِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْمُرَادُ بِالْعِيَالِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ قَالَ الشَّارِحُ وَيُعْتَبَرُ فِي نَفَقَةِ عِيَالِهِ الْوَسَطُ مِنْ غَيْرِ تَبْذِيرٍ وَلَا تَقْتِيرٍ وَقَدْ يُقَالُ اعْتِبَارُ ــ [منحة الخالق] الْمُسَافِرُ مَتَاعَهُ وَطَعَامَهُ (قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ بَلْ قَوَاعِدُنَا مُوَافِقَةٌ لَهُمْ وَأَنْتَ عَالِمٌ بِأَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ مُعَادِلًا غَيْرُ قَادِرٍ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وَضْعِ زَادِهِ وَقِرْبَتِهِ إلَخْ فَاسِدٌ إذْ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِيمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الشِّقِّ فَقَطْ وَحَيْثُ قَدَرَ عَلَى الْمَحْمِلِ فَلَا كَلَامَ فِي الْوُجُوبِ، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ حَوْلَهَا كَأَهْلِهَا) قَالَ فِي الْمَنْسَكِ الْمُتَوَسِّطِ الْمُسَمَّى لُبَابَ الْمَنَاسِكِ وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ فَهُوَ كَالْمَكِّيِّ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الرَّاحِلَةِ وَقِيلَ بَلْ مَنْ كَانَ دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ فَمَنْ كَانَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فَهُوَ كَالْآفَاقِيِّ فِي حَقِّ الرَّاحِلَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ اهـ. وَقَوَّى الثَّانِيَ شَارِحُهُ مُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِي (قَوْلُهُ: وَفِي قَوْلِهِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ إشَارَةٌ إلَخْ) وَجْهُ الْإِشَارَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ غَيْرُ الْمَسْكَنِ كَفَرَسِهِ وَسِلَاحِهِ وَثِيَابِهِ وَعَبْدِ خِدْمَتِهِ وَآلَاتِ حِرْفَتِهِ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ، وَالْمَسْكَنُ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ فَاشْتِرَاطُ الْحَاجَةِ فِي غَيْرِ الْمَسْكَنِ يُشِيرُ إلَى اشْتِرَاطِهَا فِيهِ أَيْضًا وَجَعَلَ فِي النَّهْرِ الْإِشَارَةَ مِنْ الْعُدُولِ عَنْ التَّعْبِيرِ بِالدَّارِ إلَى الْمَسْكَنِ وَمَا فَعَلَهُ الْمُؤَلِّفُ أَحْسَنُ لِئَلَّا يَرِدَ عَلَيْهِ مَا إذَا كَانَ سَاكِنًا فِيهِ وَيَسْتَغْنِي عَنْهُ بِسُكْنَاهُ فِي غَيْرِهِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ سَكَنَهُ) الضَّمِيرُ فِي كَانَ يَعُودُ إلَى الدَّارِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَسْكَنِ أَوْ الْمَكَانِ أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ سَكَنًا لَهُ وَهُوَ كَبِيرٌ إلَخْ فَقَوْلُهُ سَكَنَهُ بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ خَبَرُ كَانَ وَهُوَ اسْمٌ بِمَعْنَى الْمَسْكَنِ لَا فِعْلٌ وَقَوْلُهُ وَهُوَ كَبِيرٌ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ إلَخْ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ حُضُورِ الْوَقْتِ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ أَهْلُ بَلَدِهِ فَلَوْ حَضَرَ تَعَيَّنَ أَدَاءُ النُّسُكِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْهُ إلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ مُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِي فِي شَرْحِهِ عَلَى لُبَابِ الْمَنَاسِكِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي اللُّبَابِ حَيْثُ قَالَ وَمَنْ لَهُ مَالٌ يُبَلِّغُهُ وَلَا مَسْكَنَ لَهُ وَلَا خَادِمَ فَلَيْسَ لَهُ صَرْفُهُ إلَيْهِ إنْ حَضَرَ الْوَقْتُ بِخِلَافِ مَنْ لَهُ مَسْكَنٌ يَسْكُنُهُ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعُهُ قَالَ مُنْلَا عَلِيٌّ فِي شَرْحِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا خَادِمٌ وَلَهُ مَالٌ يَكْفِيهِ لِقُوتِ عِيَالِهِ مِنْ وَقْتِ ذَهَابِهِ إلَى حِينِ إيَابِهِ وَعِنْدَهُ دَرَاهِمُ تُبَلِّغُهُ إلَى الْحَجِّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ بِمِلْكِ الدَّرَاهِمِ فَلَا يُعْذَرُ فِي التَّرْكِ وَلَا يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ شِرَاءِ الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ بِخِلَافِ بَيْعِ الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ فَإِنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِبَيْعِهِمَا اهـ. عَلَى أَنَّهُ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إنَّ عِبَارَةَ الْخُلَاصَةِ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْهَا وَنَصُّ عِبَارَتِهَا نَاقِلًا عَنْ التَّجْرِيدِ إنْ كَانَ لَهُ دَارٌ لَا يَسْكُنُهَا وَعَبْدٌ لَا يَسْتَخْدِمُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَحُجَّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ وَعِنْدَهُ دَرَاهِمُ يَبْلُغُ بِهَا الْحَجَّ وَيَبْلُغُ ثَمَنَ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَطَعَامٍ وَثَوْبٍ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ وَإِنْ جَعَلَهَا فِي غَيْرِ الْحَجِّ أَثِمَ اهـ. فَتَعَيَّنَ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ اللُّبَابِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَيْضًا (قَوْلُهُ: إلَيْهِ أَشَارَ فِي الْخُلَاصَةِ) أَقُولُ: الَّذِي رَأَيْته فِي الْخُلَاصَةِ خِلَافُهُ وَنَصُّهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ وَعِنْدَهُ دَرَاهِمُ تَبْلُغُ بِهِ الْحَجَّ وَتَبْلُغُ ثَمَنَ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَطَعَامٍ وَقُوتٍ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَإِنْ جَعَلَهَا فِي غَيْرِهِ أَثِمَ اهـ بِحُرُوفِهِ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ اعْتِبَارُ

стр. 741

الْوَسَطِ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ مُخَالِفٌ لِلْمُفْتَى بِهِ فِيهَا فَإِنَّ الْفَتْوَى اعْتِبَارُ حَالِهِمَا وَالْوَسَطُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا غَنِيًّا وَالْآخَرُ فَقِيرًا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ النَّفَقَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ نَفَقَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الشَّرْطِ قُدْرَتُهُ عَلَى نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ بَعْدَ عَوْدِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ نَفَقَةِ يَوْمٍ وَقِيلَ شَهْرٍ وَالْأَوَّلُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّانِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَدَخَلَ تَحْتَ نَفَقَةِ عِيَالِهِ سُكْنَاهُمْ وَنَفَقَتُهُمْ وَكِسْوَتُهُمْ فَإِنَّ النَّفَقَةَ تَشْمَلُ الطَّعَامَ وَالْكِسْوَةَ وَالسُّكْنَى وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مِنْ الشَّرَائِطِ الْوَقْتُ أَعْنِي أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِمَا ذَكَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَتَّى لَوْ مَلَكَ مَا بِهِ الِاسْتِطَاعَةُ قَبْلَهَا كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ صَرْفِهَا إلَى غَيْرِهِ وَأَفَادَ هَذَا قَيْدًا فِي صَيْرُورَتِهِ دَيْنًا افْتَقَرَ هُوَ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَمْ يَحُجَّ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إذَا كَانَ قَادِرًا وَقْتَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ إنْ كَانُوا يَخْرُجُونَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ أَوْ كَانَ قَادِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إنْ كَانُوا يَخْرُجُونَ فِيهَا وَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى افْتَقَرَ تَقَرَّرَ دَيْنًا وَإِنْ مَلَكَ فِي غَيْرِهَا وَصَرَفَهَا إلَى غَيْرِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. (قَوْلُهُ: وَأَمْنُ طَرِيقٍ) أَيْ وَبِشَرْطِ أَمْنِ طَرِيقٍ يَعْنِي وَقْتَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ وَإِنْ كَانَ مُخِيفًا فِي غَيْرِهِ وَحَقِيقَةُ أَمْنِ الطَّرِيقِ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ فِيهِ السَّلَامَةَ كَمَا اخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَمَا أَفْتَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ مِنْ سُقُوطِ الْحَجِّ عَنْ أَهْلِ بَغْدَادَ وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ لَا أَقُولُ: الْحَجُّ فَرِيضَةٌ فِي زَمَانِنَا قَالَهُ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ وَقَوْلُ الثَّلْجِيِّ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ خُرَاسَانَ حَجٌّ مُذْ كَذَا وَكَذَا سَنَةَ كَانَ وَقْتَ غَلَبَةِ النَّهْبِ وَالْخَوْفِ فِي الطَّرِيقِ فَلَا يُعَارِضُ مَا ذَكَرْنَا وَمَا قَالَهُ الصَّفَّارُ مِنْ إنِّي لَا أَرَى الْحَجَّ فَرْضًا مِنْ حِينِ خَرَجَتْ الْقَرَامِطَةُ وَمَا عَلَّلَ بِهِ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ بِأَنَّ الْحَاجَّ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى الْحَجِّ إلَّا بِالرِّشْوَةِ لِلْقَرَامِطَةِ وَغَيْرِهِمْ فَتَكُونُ الطَّاعَةُ سَبَبًا لِلْمَعْصِيَةِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ كَانُوا يَسْتَحِلُّونَ قَتْلَ الْمُسْلِمِينَ وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ وَكَانُوا يَغْلِبُونَ عَلَى أَمَاكِنَ وَيَتَرَصَّدُونَ لِلْحَاجِّ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَخْذِهِمْ الرِّشْوَةَ فَالْإِثْمُ فِي مِثْلِهِ عَلَى الْآخِذِ لَا الْمُعْطِي عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ تَقْسِيمِ الرِّشْوَةِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ وَلَا يُتْرَكُ الْفَرْضُ لِمَعْصِيَةِ عَاصٍ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ عَدَمُ غَلَبَةِ الْخَوْفِ حَتَّى إذَا غَلَبَ الْخَوْفُ عَلَى الْقُلُوبِ مِنْ الْمُحَارَبِينَ لِوُقُوعِ النَّهْبِ وَالْغَلَبَةِ مِنْهُمْ مِرَارًا وَسَمِعُوا أَنَّ طَائِفَةً تَعَرَّضَتْ لِلطَّرِيقِ وَلَهَا شَوْكَةٌ وَالنَّاسُ يَسْتَضْعِفُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْهُمْ لَا يَجِبُ وَاخْتُلِفَ فِي سُقُوطِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ فَقِيلَ الْبَحْرُ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ إنْ كَانَ الْغَالِبُ فِي الْبَحْرِ السَّلَامَةَ مِنْ مَوْضِعٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِرُكُوبِهِ يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ الْأَصَحُّ وَسَيْحُونُ وَجَيْحُونَ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ أَنْهَارٌ لَا بِحَارٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» . (قَوْلُهُ: وَمَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ لِامْرَأَةٍ فِي سَفَرٍ) أَيْ وَبِشَرْطِ مَحْرَمٍ إلَى آخِرِهِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «لَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ ثَلَاثًا إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» . وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ «أَوْ زَوْجٌ» . وَرَوَى الْبَزَّارُ «لَا تَحُجُّ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُتِبْت فِي غَزْوَةٍ وَامْرَأَتِي حَاجَّةٌ قَالَ ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَهَا» فَأَفَادَ هَذَا كُلُّهُ أَنَّ النِّسْوَةَ الثِّقَاتِ لَا تَكْفِي قِيَاسًا عَلَى الْمُهَاجِرَةِ وَالْمَأْسُورَةِ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ النَّصِّ وَمَعَ وُجُودِ الْفَارِقِ فَإِنَّ الْمَوْجُودَ فِي الْمُهَاجِرَةِ وَالْمَأْسُورَةِ لَيْسَ سَفَرًا؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْصِدُ مَكَانًا مُعَيَّنًا بَلْ النَّجَاةَ خَوْفًا مِنْ الْفِتْنَةِ حَتَّى لَوْ وَجَدَتْ مَأْمَنًا كَعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ أَنْ ــ [منحة الخالق] الْوَسَطِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ لَيْسَ هَذَا الْمَقْصُودَ بَلْ الْمَقْصُودُ اعْتِبَارُ الْوَسَطِ مِنْ حَالِهِ الْمَعْهُودِ وَلِذَا أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَبْذِيرٍ وَلَا تَقْتِيرٍ، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ صَرْفِهَا إلَى غَيْرِهِ) أَيْ مِنْ شِرَاءِ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَتَزَوُّجٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَكِنْ إنْ صَرَفَهُ عَلَى قَصْدِ حِيلَةِ إسْقَاطِ الْحَجِّ عَنْهُ فَمَكْرُوهٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ شَرْحَ اللُّبَابِ لِمُنْلَا عَلِيٍّ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَأَمْنُ طَرِيقٍ) اُخْتُلِفَ هَلْ هُوَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ أَوْ الْأَدَاءِ وَالرَّاجِحُ الثَّانِي كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ أَخْذِهِمْ الرِّشْوَةَ إلَخْ) كَذَا فِي الْفَتْحِ قَالَ فِي النَّهْرِ وَرَدَّهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْقَضَاءِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُعْطِي مُضْطَرًّا بِأَنْ لَزِمَهُ الْإِعْطَاءُ ضَرُورَةً عَنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَمَّا إذَا كَانَ بِالِالْتِزَامِ مِنْهُ فَبِالْإِعْطَاءِ أَيْضًا يَأْثَمُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ اهـ. وَأَرَادَ بِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنَ كَمَالٍ بَاشَا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ وَإِنْ كَانَ الْإِثْمُ عَلَى الْآخِذِ، لَكِنْ وُجُودُ الضَّرَرِ الْعَائِدِ عَلَى الْمُعْطِي فِي مَالِهِ صَيَّرَهُ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْحَجِّ لَا كَوْنُ الْإِثْمِ لِذَلِكَ وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَلَزِمَ الْحَجُّ مَعَ تَحْقِيقِ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ اهـ. وَأُجِيبَ عَمَّا فِي النَّهْرِ بِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ إنَّ الْمُعْطِيَ مُضْطَرٌّ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنْ نَفْسِهِ وَلِهَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ جَزَمَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ بِمَا فِي الْفَتْحِ ثُمَّ قَالَ وَسَيَجِيءُ آخِرَ الْكِتَابِ أَنَّ قَتْلَ بَعْضِ الْحُجَّاجِ عُذْرٌ، وَهَلْ مَا يُؤْخَذُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ الْمَكْسِ وَالْخُفَارَةِ عُذْرٌ؟ قَوْلَانِ وَالْمُعْتَمَدُ لَا، كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْمُجْتَبَى وَعَلَيْهِ فَيُحْتَسَبُ فِي الْفَاضِلِ عَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَكْسِ وَنَحْوِهِ كَمَا فِي مَنَاسِكِ الطَّرَابُلْسِيِّ اهـ. وَأَمَّا مَا قَالَهُ

стр. 742

تَقِرَّ وَلِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهَا الْفِتْنَةُ وَتُزَادُ بِانْضِمَامِ غَيْرِهَا إلَيْهَا وَلِهَذَا تَحْرُمُ الْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَإِنْ كَانَ مَعَهَا غَيْرُهَا مِنْ النِّسَاءِ وَالْمَحْرَمُ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ مُنَاكَحَتُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِقَرَابَةٍ، أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ مُصَاهَرَةٍ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ وَالْحُرَّ وَالْعَبْدَ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْمَجُوسِيُّ الَّذِي يَعْتَقِدُ إبَاحَةَ نِكَاحِهَا وَالْمُسْلِمُ الْقَرِيبُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا وَالصَّبِيُّ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ وَالْمَجْنُونُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْمَحْرَمِ الْحِفْظُ وَالصِّيَانَةُ لَهَا وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَلَمْ أَرَ مَنْ شَرَطَ فِي الزَّوْجِ شُرُوطَ الْمَحْرَمِ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا، أَوْ كَانَ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ كَمَا ذَكَرْنَا وَعِبَارَةُ الْمَجْمَعِ أَوْلَى وَهِيَ يُشْتَرَطُ فِي حَجِّ الْمَرْأَةِ مِنْ سَفَرِ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ غَيْرِ مَجُوسِيٍّ وَلَا فَاسِقٍ مَعَ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ وَأَطْلَقَ الْمَرْأَةَ فَشَمِلَ الشَّابَّةَ وَالْعَجُوزَ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ وَالْمَرْأَةُ هِيَ الْبَالِغَةُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَلِذَا قَالُوا فِي الصَّبِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الشَّهْوَةِ تُسَافِرُ بِلَا مَحْرَمٍ فَإِنْ بَلَغَتْهَا لَا تُسَافِرُ إلَّا بِهِ وَالْمُرَادُ خِطَابُ وَلِيِّهَا بِأَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ السَّفَرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ فَلَا تُسْتَصْحَبُ فِي السَّفَرِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ حَتَّى تَبْلُغَ وَبُلُوغُهَا حَدَّ الشَّهْوَةِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ وَقَيَّدَ بِالسَّفَرِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ إلَى مَا دُونَ ذَلِكَ لِحَاجَةٍ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَأَشَارَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ رِضَا الزَّوْجِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ إذَا وَجَدَتْ مَحْرَمًا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَا يَظْهَرُ فِي الْفَرَائِضِ بِخِلَافِ حَجِّ التَّطَوُّعِ وَالْمَنْذُورِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ أَمْنَ الطَّرِيقِ وَالْمَحْرَمَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ عَطْفَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ وَقِيلَ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ وَفِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْمَحْرَمِ وَرَاحِلَتِهِ إذَا أَبَى أَنْ يَحُجَّ. ــ [منحة الخالق] الرَّمْلِيُّ فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ إذْ الْقَتْلُ وَالنَّهْبُ الْمُؤَدِّي إلَى الْهَلَاكِ لَيْسَ كَهَذَا بِلَا شُبْهَةٍ تَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: عَلَى التَّأْبِيدِ إلَخْ) مُخْرِجٌ لِأُخْتِ زَوْجَتِهِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا فَإِنَّ حُرْمَتَهَا مُقَيَّدَةٌ بِالنِّكَاحِ لَكِنَّهُ مُخْرِجٌ لِلزَّوْجِ أَيْضًا وَلَوْ عَرَفَ بِمَا حَلَّ الْوَطْءُ وَحَرُمَ النِّكَاحُ أَبَدًا لَدَخَلَ فِيهِ الزَّوْجُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ كَذَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ بَعْدَ عَزْوِهِ تَفْسِيرَ الْمَحْرَمِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ لِلْمَشَاهِيرِ وَفِي النَّهْرِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلُهُ أَوْ زَوْجٍ لِامْرَأَةٍ مِمَّا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَحْرَمَ هُنَا يَعُمُّهُ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمَحْرَمُ الزَّوْجُ وَمَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ مُنَاكَحَتُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ وَمِثْلُهُ فِي التُّحْفَةِ اهـ. وَبِهِ اُسْتُغْنِيَ عَمَّا فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» يُفِيدُ عَدَمَ جَوَازِ الْحَجِّ بِهِنَّ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ يُعْلَمُ جَوَازُهُ مَعَهُ بِالدَّلَالَةِ اهـ. لَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِمَا تَفْسِيرُ الْمَحْرَمِ بِمَا مَرَّ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ وَحِينَئِذٍ فَيُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الزَّوْجِ (قَوْلُهُ بِقَرَابَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ) فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَا تُسَافِرُ مَعَ عَبْدِهَا وَلَوْ خَصِيًّا وَلَا مَعَ أَبِيهَا الْمَجُوسِيِّ وَلَا بِأَخِيهَا رَضَاعًا فِي زَمَانِنَا ذَكَرَهُ قُبَيْلَ التَّاسِعَ عَشَرَ فِي النَّفَقَاتِ وَفِي النَّهْرِ قَالَ الْحَدَّادِيُّ وَالْمُرَاهِقُ كَالْبَالِغِ وَأَدْخَلَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِنْتَ مَوْطُوءَتِهِ مِنْ الزِّنَا حَيْثُ يَكُونُ مَحْرَمًا لَهَا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ وَبِمَا تَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ اهـ. وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ هُوَ كُلُّ رَجُلٍ مَأْمُونٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ مُنَاكَحَتُهَا عَلَيْهِ حَرَامٌ بِالتَّأْبِيدِ سَوَاءٌ كَانَ بِالْقَرَابَةِ أَوْ الرَّضَاعَةِ أَوْ الصِّهْرِيَّةِ بِنِكَاحٍ أَوْ سِفَاحٍ فِي الْأَصَحِّ كَذَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي بَابِ الْكَرَاهِيَةِ وَذَكَرَ قِوَامُ الدِّينِ شَارِحُ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَحْرَمًا بِالزِّنَا فَلَا تُسَافِرُ مَعَهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقُدُورِيُّ وَبِهِ نَأْخُذُ اهـ. وَهُوَ الْأَحْوَطُ فِي الدِّينِ وَأَبْعَدُ عَنْ التُّهْمَةِ لَا سِيَّمَا وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافُ الشَّافِعِيَّةِ فِي ثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ اهـ. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ إلَخْ) أَيْ إذَا لَمْ تَكُنْ مُعْتَدَّةً وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ كَرَاهَةُ الْخُرُوجِ لَهَا مَسِيرَةَ يَوْمٍ بِلَا مَحْرَمٍ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْفَتْوَى عَلَيْهِ لِفَسَادِ الزَّمَانِ شَرْحِ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ) قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَمْنِ الطَّرِيقِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ شَرْطُ الْوُجُوبِ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ شُجَاعٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا كَصَاحِبِ الْبَدَائِعِ وَالْمَجْمَعِ وَالْكَرْمَانِيِّ وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمْ فَمَنْ خَافَ مِنْ ظَالِمٍ أَوْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَدَاءُ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ بَلْ بِمَالِهِ وَالْعِبْرَةُ بِالْغَالِبِ بَرًّا وَبَحْرًا فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ بِنَفْسِهِ وَإِلَّا فَلَا كَذَا قَالَهُ أَبُو اللَّيْثِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي الْقُنْيَةِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ بِنَفْسِهِ بَلْ إمَّا أَنْ يُحِجَّ غَيْرَهُ أَوْ يُوصِيَ بِهِ اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمَحْرَمَ أَوْ الزَّوْجَ شَرْطُ الْوُجُوبِ أَوْ الْأَدَاءِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي أَمْنِ الطَّرِيقِ فَصَحَّحَ قَاضِي خَانْ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مِنْ شَرَائِطِ الْأَدَاءِ وَصَحَّحَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ وَالسَّرُوجِيُّ أَنَّهُ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ وَصَنِيعُ الْمُصَنِّفِ أَيْ صَاحِبِ اللُّبَابِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ مِنْ شَرَائِطِ الْأَدَاءِ عَلَى الْأَرْجَحِ (قَوْلُهُ: وَفِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْمَحْرَمِ إلَخْ) صَحَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوُجُوبَ وَحَكَى فِي اللُّبَابِ الْقَوْلَيْنِ بِلَا تَرْجِيحٍ لَكِنْ قَدَّمَ الْأَوَّلَ فَقَالَ قِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَا اهـ. أَيْ لَا يَلْزَمُهُ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا مَا لَمْ يَخْرُجْ الْمَحْرَمُ بِنَفَقَتِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَفْصٍ الْبُخَارِيِّ وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا نَفَقَةُ الْمَحْرَمِ وَالْقِيَامُ بِرَاحِلَتِهِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَصَحَّحُوا عَدَمَ الْوُجُوبِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ

стр. 743

مَعَهَا إلَّا بِهِمَا وَفِي وُجُوبِ التَّزَوُّجِ عَلَيْهَا لِيَحُجَّ مَعَهَا إنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا فَمَنْ قَالَ هُوَ شَرْطُ الْوُجُوبِ قَالَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْوُجُوبِ لَا يَجِبُ تَحْصِيلُهُ وَلِهَذَا لَوْ مَلَكَ الْمَالَ كَانَ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْقَبُولِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَكَذَا لَوْ أُبِيحَ لَهُ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَجَبَ جَمِيعُ ذَلِكَ وَرَجَّحَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُمَا مَعَ الصِّحَّةِ شُرُوطُ وُجُوبِ أَدَاءً بِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ تَجْرِي فِيهَا النِّيَابَةُ عِنْدَ الْعَجْزِ لَا مُطْلَقًا تَوَسُّطًا بَيْنَ الْمَالِيَّةِ الْمَحْضَةِ وَالْبَدَنِيَّةِ الْمَحْضَةِ لِتَوَسُّطِهَا بَيْنَهُمَا وَالْوُجُوبُ أَمْرٌ دَائِرٌ مَعَ فَائِدَتِهِ فَيَثْبُتُ مَعَ قُدْرَةِ الْمَالِ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْإِحْجَاجِ وَالْإِيصَاءِ وَاعْلَمْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي وُجُوبِ الْإِيصَاءِ إذَا مَاتَ قَبْلَ أَمْنِ الطَّرِيقِ فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ حُصُولِ الْأَمْنِ فَالِاتِّفَاقُ عَلَى الْوُجُوبِ وَأَشَارَ بِاشْتِرَاطِ الْمَحْرَمِ، أَوْ الزَّوْجِ إلَى أَنَّ عَدَمَ الْعِدَّةِ فِي حَقِّهَا شَرْطٌ أَيْضًا بِجَامِعِ حُرْمَةِ السَّفَرِ عَلَيْهَا أَيِّ عِدَّةٍ كَانَتْ وَالْعِبْرَةُ لِوُجُوبِهَا وَقْتُ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهَا وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَدَّ الْمُعْتَدَّاتِ مِنْ النَّجَفِ بِفَتْحَتَيْنِ مَكَانٌ لَا يَعْلُوهُ الْمَاءُ مُسْتَطِيلٌ فَإِنْ لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ فِي السَّفَرِ فَسَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: فَلَوْ أَحْرَمَ صَبِيٌّ، أَوْ عَبْدٌ فَبَلَغَ أَوْ عَتَقَ فَمَضَى لَمْ يَجُزْ عَنْ فَرْضِهِ) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ انْعَقَدَ لِلنَّفْلِ فَلَا يَنْقَلِبُ لِلْفَرْضِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا عِنْدَنَا لَكِنَّهُ شَبِيهٌ بِالرُّكْنِ مِنْ حَيْثُ إمْكَانُ اتِّصَالِ الْأَدَاءِ بِهِ فَاعْتَبِرْنَا الشَّبَهَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ احْتِيَاطًا وَفِي إسْنَادِ الْإِحْرَامِ إلَى الصَّبِيِّ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْهُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ يَعْقِلُهُ فَإِنْ كَانَ لَا يَعْقِلُهُ فَأَحْرَمَ عَنْهُ أَبُوهُ صَارَ مُحْرِمًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُجَرِّدَهُ قَبْلَهُ وَيُلْبِسَهُ إزَارًا وَرِدَاءً وَلَمَّا كَانَ الصَّبِيُّ غَيْرَ مُخَاطَبٍ كَانَ إحْرَامُهُ غَيْرَ لَازِمٍ وَلِذَا لَوْ أَحْصَرَ وَتَحَلَّلَ لَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا جَزَاءَ وَلَا قَضَاءَ، وَلَوْ جَدَّدَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَنَوَى الْفَرْضَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ لِعَدَمِ اللُّزُومِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ لِلُّزُومِ فَلَوْ جَدَّدَهُ بَعْدَ عِتْقِهِ لَا يَصِحُّ وَالْكَافِرُ وَالْمَجْنُونُ كَالصَّبِيِّ فَلَوْ حَجَّ كَافِرٌ، أَوْ مَجْنُونٌ فَأَفَاقَ، أَوْ أَسْلَمَ فَجَدَّدَا الْإِحْرَامَ أَجْزَأَهُمَا قِيلَ وَهَذَا دَلِيلٌ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا حَجَّ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلِ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ إحْرَامُ الْمَجْنُونِ فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ إحْرَامٌ بِنَفْسِهِ وَكَوْنُ وَلِيِّهِ أَحْرَمَ عَنْهُ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ يُفِيدُ أَنَّ الْمَجْنُونَ الْبَالِغَ كَالصَّبِيِّ فِي هَذَا الثَّانِي أَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ إذَا حَجَّ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ إذَا حَجَّ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْحَجُّ إنَّمَا وُجِدَ الْإِحْرَامُ فَقَطْ ــ [منحة الخالق] التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْمَحْرَمَ إذَا قَالَ لَا أَخْرُجُ إلَّا بِالنَّفَقَةِ وَجَبَ عَلَيْهَا وَإِذَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِي وُجُوبِ التَّزَوُّجِ عَلَيْهَا إلَخْ) جَزَمَ فِي اللُّبَابِ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِمَنْ يَحُجُّ بِهَا وَعَزَاهُ شَارِحُهُ إلَى الْبَدَائِعِ وَقَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِمَا ثُمَّ قَالَ وَعَنْ ابْنِ شُجَاعٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ زَوْجًا يَحُجُّ بِهَا إذَا كَانَتْ مُوسِرَةً اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ جَدَّدَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ قَبْلَ الْوُقُوفِ إلَخْ) كَذَا عِبَارَةُ أَغْلَبِ كُتُبِ الْمَذْهَبِ بِصِيغَةِ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَأَنْ يُرَادَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ أَوْ قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِ الْوُقُوفِ وَعَلَى الثَّانِي مَشَى مُنْلَا عَلِيٌّ فِي شَرْحِ الْمَنَاسِكِ وَشَرْحِ النُّقَايَةِ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ فِي مَبْسُوطِهِ فِي آخِرِ بَابِ الْمَوَاقِيتِ وَلَوْ أَنَّ الصَّبِيَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَحْتَلِمَ ثُمَّ احْتَلَمَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ عِنْدَنَا إلَّا أَنْ يُجَدِّدَ إحْرَامَهُ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ فَحِينَئِذٍ يُجْزِئُهُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ اهـ. فَلَوْ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَوْ لَحْظَةً ثُمَّ بَلَغَ لَيْسَ لَهُ التَّجْدِيدُ وَإِنْ بَقِيَ وَقْتُ الْوُقُوفِ لِتَمَامِ حَجِّهِ إذْ الْحَجُّ بَعْدَ التَّمَامِ لَا يَقْبَلُ النَّقْضَ وَلَا يَصِحُّ أَدَاءُ حِجَّتَيْنِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مُحَمَّدٌ عِيدٌ فِي شَرْحِهِ خُلَاصَةِ النَّاسِكِ عَلَى لُبَابِ الْمَنَاسِكِ الْمُخْتَصَرِ مِنْ شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عُبَابِ الْمَسَالِكِ عَنْ شَيْخِهِ الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ حَسَنٍ الْعَجِيمِيِّ وَذَكَرَ مِثْلَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْعَفِيفُ فِي شَرْحِ مَنْسَكِهِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» فَمَنْ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ فَيَشْمَلُ الصَّبِيَّ وَقَدْ قُلْنَا بِأَنَّ حَجَّهُ نَفْلًا صَحِيحٌ وَيَمْتَنِعُ أَدَاءُ حِجَّتَيْنِ نَفْلٍ وَفَرْضٍ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْإِفْتَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي زَمَانِنَا فَمِنْ الْعَصْرِيِّينَ مَنْ أَفْتَى بِعَدَمِ صِحَّةِ تَجْدِيدِ الصَّبِيِّ الْإِحْرَامَ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الْوُقُوفِ وَهُوَ بِأَرْضِ عَرَفَةَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ النَّفْلِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِصِحَّةِ ذَلِكَ وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي التَّذْكِرَةِ الْعَفِيفِيَّةِ فِي فِقْهِ الْحَنَفِيَّةِ اهـ. مُلَخَّصًا مِنْ حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ (قَوْلُهُ: وَكَوْنُ وَلِيِّهِ أَحْرَمَ عَنْهُ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ) قَالَ فِي النَّهْرِ ظَاهِرٌ أَنَّ مُقْتَضَى صِحَّةِ إحْرَامِ الْوَلِيِّ عَنْ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ صِحَّتُهُ عَنْ الْمَجْنُونِ بِجَامِعِ عَدَمِ الْعَقْلِ فِي كُلٍّ اهـ. وَقَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ أَقُولُ: وَفِي الْبَحْرِ الْعَمِيقِ لَا حَجَّ عَلَى مَجْنُونٍ مُسْلِمٍ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ إذَا حَجَّ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى اهـ. قُلْت وَفِي الذَّخِيرَةِ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَكُلُّ جَوَابٍ عَرَفْته فِي الصَّبِيِّ يُحْرِمُ عَنْهُ الْأَبُ فَهُوَ الْجَوَابُ فِي الْمَجْنُونِ اهـ. وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ قُبَيْلَ الْإِحْصَارِ وَكَذَا الصَّبِيُّ يَحُجُّ بِهِ أَبُوهُ وَكَذَا الْمَجْنُونُ يَقْضِي الْمَنَاسِكَ وَيَرْمِي الْجِمَارَ؛ لِأَنَّ إحْرَامَ الْأَبِ عَنْهُمَا وَهُمَا عَاجِزَانِ كَإِحْرَامِهِمَا بِنَفْسِهِمَا اهـ. فَهَذِهِ النُّقُولُ

стр. 744

؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَكُنْ لِلتَّجْدِيدِ فَائِدَةٌ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا إلَّا بِالْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفِ وَشُهُودِ الْمَنَاسِكِ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الذَّخِيرَةِ عَنْ النَّوَادِرِ الْبَالِغُ إذَا جُنَّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ. (قَوْلُهُ: وَ مَوَاقِيتُ الْإِحْرَامِ ذُو الْحُلَيْفَةِ وَذَاتُ عِرْقٍ وَالْجُحْفَةُ وَقَرْنٌ وَيَلَمْلَمُ لِأَهْلِهَا وَلِمَنْ مَرَّ بِهَا) أَيْ الْأَمْكِنَةُ الَّتِي لَا يَتَجَاوَزُهَا الْآفَاقِيُّ إلَّا مُحْرِمًا خَمْسَةٌ فَالْمِيقَاتُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ وَالْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي وَسَيَأْتِي الْأَوَّلُ وَذُو الْحُلَيْفَةِ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ نَحْوُ عَشْرِ مَرَاحِلَ، أَوْ تِسْعٌ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَقِيلَ سَبْعَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ وَبِهَذَا الْمَكَانِ آبَارٌ تُسَمِّيهِ الْعَوَامُّ آبَارَ عَلِيٍّ قِيلَ؛ لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَاتَلَ الْجِنَّ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْآبَارِ وَهُوَ كَذِبٌ مِنْ قَائِلِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ وَذَاتُ عِرْقٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَهِيَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مِنْ مَكَّةَ قِيلَ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ وَالْجُحْفَةُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَاسْمُهَا فِي الْأَصْلِ مَهْيَعَةُ نَزَلَ بِهَا سَيْلٌ جَحَفَ أَهْلَهَا أَيْ اسْتَأْصَلَهُمْ فَسُمِّيَتْ جُحْفَةً قَالَ النَّوَوِيُّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثُ مَرَاحِلَ وَهِيَ قَرْيَةٌ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالشَّمَالِ مِنْ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ تَبُوكَ وَهِيَ طَرِيقُ أَهْلِ الشَّامِ وَنَوَاحِيهَا الْيَوْمَ وَهِيَ مِيقَاتُ أَهْلِ مِصْرَ وَالْمُغْرِبِ وَالشَّامِ وَقَرْنُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهُوَ جَبَلٌ مُطِلٌّ عَلَى عَرَفَاتٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ نَحْوُ مَرْحَلَتَيْنِ وَفِي الصِّحَاحِ أَنَّهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَأَنَّ أُوَيْسًا الْقَرَنِيَّ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَأَنَّ أُوَيْسًا مَنْسُوبٌ إلَى قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهَا بَنُو قَرْنٍ بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ نَجْدٍ وَأَمَّا يَلَمْلَمُ فَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْيَمَنِ وَهُوَ مَكَانٌ جَنُوبِيِّ مَكَّةَ وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لِأَهْلِهَا وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ مَا عَدَا ذَاتَ عِرْقٍ ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَذَاتُ عِرْقٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَقَوْلُهُ لِمَنْ مَرَّ بِهَا يَعْنِي مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا وَقَدْ أَفَادَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُجَاوَزَةُ الْجَمِيعِ إلَّا مُحْرِمًا فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَدَنِيِّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَفْضَلُ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ آخِرِهَا عِنْدَنَا وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الشَّامِيَّ إذَا مَرَّ عَلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي ذَهَابِهِ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْجُحْفَةِ. ــ [منحة الخالق] صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْمَجْنُونَ كَالصَّبِيِّ (قَوْلُهُ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ جَزْمُهُ بِإِسْلَامِهِ إذَا أَتَى بِسَائِرِ الْأَفْعَالِ ضَعِيفٌ كَمَا مَرَّ. [مَوَاقِيتُ الْإِحْرَامِ] (قَوْلُهُ: فَالْمِيقَاتُ مُشْتَرَكٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ الْمَوَاقِيتُ جَمْعُ مِيقَاتٍ بِمَعْنَى الْوَقْتِ الْمَحْدُودِ اُسْتُعِيرَ لِلْمَكَانِ أَعْنِي مَكَانَ الْإِحْرَامِ كَمَا اُسْتُعِيرَ الْمَكَانُ لِلْوَقْتِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١] قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ وَوَقْتُهُ الْبُسْتَانُ وَهُوَ سَهْوٌ ظَاهِرٌ إذْ الْمَعْنَى كَمَا فِي الْمُغْرِبِ وَغَيْرِهِ مِيقَاتُهُ بُسْتَانُ بَنِي عَامِرٍ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ الْمِيقَاتُ مَوْضِعُ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ رَأْيِهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَكَأَنَّهُ فِي الْبَحْرِ اسْتَنَدَ إلَى ظَاهِرِ مَا فِي الصِّحَاحِ فَزَعَمَ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي وَأَعْرَضَ عَنْ كَلَامِهِمْ السَّابِقِ وَقَدْ عَلِمْت مَا هُوَ الْوَاقِعُ (قَوْلُهُ: الْحَلَبِيُّ) أَيْ الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيُّ تِلْمِيذُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ وَشَارِحُ تَحْرِيرِهِ الْأُصُولِيِّ وَشَارِحُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَهُوَ أَقْدَمُ مِنْ الْحَلَبِيِّ صَاحِبِ الْمُلْتَقَى وَشَارِحِ الْمُنْيَةِ أَيْضًا وَاسْمُهُ إبْرَاهِيمُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَفْضَلُ) ذَكَرَ مُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِي فِي شَرْحِ اللُّبَابِ أَنَّهُ يُكْرَهُ وِفَاقًا بَيْنَ عُلَمَائِنَا خِلَافًا لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ حَيْثُ قَالَ هُوَ الْأَفْضَلُ اهـ. أَيْ الْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ الْمَدَنِيِّ إحْرَامَهُ إلَى الْجُحْفَةِ وَعِبَارَةُ مَتْنِ اللُّبَابِ وَالْمَدَنِيُّ إذَا جَاوَزَ وَقْتَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ كُرِهَ وَفِي لُزُومِ الدَّمِ خِلَافٌ وَصُحِّحَ سُقُوطُهُ اهـ. وَقَالَ شَارِحُهُ وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى مَا فِي النُّخْبَةِ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي طَرِيقِهِ مِيقَاتَانِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى الثَّانِي عَلَى الْأَصَحِّ فَالدَّمُ يَكُونُ مُتَفَرِّعًا عَلَى الْقَوْلِ الْمُقَابِلِ لِلْأَصَحِّ لَكِنْ الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ وَصُحِّحَ عَدَمُ وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي طَرِيقِهِ مِيقَاتَانِ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خُرُوجًا عَنْ الْخِلَافِ فَإِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَوْ يُحْرِمَ مِنْ الثَّانِي فَإِنَّهُ رُخْصَةٌ لَهُ وَقِيلَ إنَّهُ فَضْلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَكْثَرِ أَرْبَابِ النُّسُكِ فَإِنَّهُمْ إذَا أَحْرَمُوا مِنْ الْمِيقَاتِ الْأَوَّلِ ارْتَكَبُوا كَثِيرًا مِنْ الْمَحْظُورَاتِ بِعُذْرٍ وَبِغَيْرِهِ قَبْلَ وُصُولِهِمْ إلَى الْمِيقَاتِ الثَّانِي فَيَكُونُ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِمْ التَّأْخِيرَ وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا فِي الْبَدَائِعِ مَنْ جَاوَزَ مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ إلَى مِيقَاتٍ آخَرَ جَازَ إلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ الْأَوَّلِ كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إذَا مَرُّوا عَلَى الْمَدِينَةِ فَجَاوَزُوهَا إلَى الْجُحْفَةِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُّوا إلَى الْمِيقَاتِ الْأَوَّلِ لَزِمَهُمْ مُحَافَظَةُ حُرْمَتِهِمْ فَيُكْرَهُ لَهُمْ تَرْكُهَا اهـ. وَمِثْلُهُ ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَوَجْهُ عَدَمِ التَّنَافِي أَنَّ حُكْمَ الِاسْتِحْبَابِ الْمَذْكُورِ نَظَرًا إلَى الْأَحْوَطِ خُرُوجًا عَنْ الْخِلَافِ وَلِلْمُسَارَعَةِ وَالْمُبَادَرَةِ إلَى الطَّاعَةِ وَأَنَّ قَوْلَهُ الْأَفْضَلُ التَّأْخِيرُ بِنَاءً عَلَى فَسَادِ الزَّمَانِ

стр. 745

كَالْمِصْرِيِّ لَكِنْ قِيلَ إنَّ الْجُحْفَةَ قَدْ ذَهَبَتْ أَعْلَامُهَا وَلَمْ يَبْقَ بِهَا إلَّا رُسُومٌ خَفِيَّةٌ لَا يَكَادُ يَعْرِفُهَا إلَّا سُكَّانُ بَعْضِ الْبَوَادِي وَلِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اخْتَارَ النَّاسُ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمَكَانِ الْمُسَمَّى بِرَابِضَ وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ بَالِغِينَ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْجُحْفَةِ بِنِصْفِ مَرْحَلَةٍ، أَوْ قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ قَالُوا وَمَنْ كَانَ فِي بَرٍّ، أَوْ بَحْرٍ لَا يَمُرُّ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ الْمَذْكُورَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إذَا حَاذَى آخِرَهَا وَيُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِحَيْثُ يُحَاذِي فَعَلَى مَرْحَلَتَيْنِ إلَى مَكَّةَ وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ بِالْمُحَاذَاةِ الْمُحَاذَاةُ الْقَرِيبَةُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَإِلَّا فَآخِرُ الْمَوَاقِيتِ بِاعْتِبَارِ الْمُحَاذَاةِ قَرْنُ الْمَنَازِلِ ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ الْمُقِيمِينَ بِمَكَّةَ فِي الْحِجَّةِ الرَّابِعَةِ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْمُحَاذَاةَ حَاصِلَةٌ فِي هَذَا الْمِيقَاتِ فَيَنْبَغِي عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْإِحْرَامُ مِنْ رَابِغٍ بَلْ مِنْ خُلَيْصٍ الْقَرْيَةِ الْمَعْرُوفَةِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُحَاذِيًا لَآخِرِ الْمَوَاقِيتِ وَهُوَ قَرْنٌ فَأَجَبْته بِجَوَابَيْنِ الْأَوَّلِ أَنَّ إحْرَامَ الْمِصْرِيِّ وَالشَّامِيِّ لَمْ يَكُنْ بِالْمُحَاذَاةِ وَإِنَّمَا هُوَ بِالْمُرُورِ عَلَى الْجُحْفَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً وَإِحْرَامُهُمْ قَبْلَهَا احْتِيَاطًا وَالْمُحَاذَاةُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُرُورِ عَلَى الْمَوَاقِيتِ الثَّانِي أَنَّ مُرَادَهُمْ الْمُحَاذَاةُ الْقَرِيبَةُ وَمُحَاذَاةُ الْمَارِّينَ لِقَرْنٍ بَعِيدَةٌ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ بَعْضَ جِبَالٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ أَطْلَقَ فِي الْإِحْرَامِ فَشَمِلَ إحْرَامَ الْحَجِّ وَإِحْرَامَ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي حَقِّ الْآفَاقِيِّ وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ قَاصِدًا عِنْدَ الْمُجَاوَزَةِ الْحَجَّ، أَوْ الْعُمْرَةَ أَوْ التِّجَارَةَ، أَوْ الْقِتَالَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَصَدَ دُخُولَ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ الشَّرِيفَةِ فَاسْتَوَى فِيهِ الْكُلُّ وَأَمَّا دُخُولُهُ ﷺ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ يَوْمَ الْفَتْحِ فَكَانَ مُخْتَصًّا بِتِلْكَ السَّاعَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ «مَكَّةُ حَرَامٌ لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حَرَامًا» يَعْنِي الدُّخُولَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حِلِّ الدُّخُولِ بَعْدَهُ ﵊ لِلْقِتَالِ وَقَيَّدْنَا بِقَصْدِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْآفَاقِيَّ إذَا قَصَدَ مَوْضِعًا مِنْ الْحِلِّ كَخُلَيْصٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَإِذَا وَصَلَ إلَيْهِ الْتَحَقَ بِأَهْلِهِ وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ وَهِيَ الْحِيلَةُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَجُوزَ هَذِهِ الْحِيلَةُ لِلْمَأْمُورِ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ سَفَرُهُ لِلْحَجِّ وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِجَّةٍ آفَاقِيَّةٍ وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ صَارَتْ حِجَّتُهُ مَكِّيَّةً فَكَانَ مُخَالِفًا وَهَذِهِ. ــ [منحة الخالق] وَمُكَاثَرَةِ مُبَاشَرَةِ الْعِصْيَانَ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ التَّقْدِيمُ عَلَى الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ حَتَّى قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ مِنْ إتْمَامِ الْحَجِّ الْإِحْرَامُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَنْ يَكُونُ مَأْمُونًا عَنْ الْوُقُوعِ فِي مَحْظُورَاتِ إحْرَامِهِ إلَّا أَنَّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُجَاوِزُوا عَنْ مِيقَاتِهِمْ الْمُعَيَّنِ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ الشَّرْعِ وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَعَنْهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْرِمْ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَحْرَمَ مِنْ الْجُحْفَةِ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَعَنْهُ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ لَا بَأْسَ فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْمَدَنِيِّينَ وَعَدَمِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَآخِرُ الْمَوَاقِيتِ إلَخْ) أَيْ وَإِلَّا نُقِلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُحَاذَاةِ الْمُحَاذَاةُ الْقَرِيبَةُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الشَّامِيِّ كَالْمِصْرِيِّ الْإِحْرَامُ مِنْ الْجُحْفَةِ بَلْ يَجُوزُ لَهُ مُجَاوَزَتُهَا وَالْإِحْرَامُ بَعْدَهَا حِينَ يُحَاذِي قَرْنَ الْمَنَازِلِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْمَوَاقِيتِ بِاعْتِبَارِ الْمُحَاذَاةِ فَيُنَافِي مَا مَرَّ مِنْ وُجُوبِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَقَوْلُهُ ذَكَرَ لِي إلَخْ بَيَانٌ لِذَلِكَ مَعَ زِيَادَةٍ (قَوْلُهُ: ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ) يَعْنِي بِهِ الشَّيْخَ شِهَابَ الدِّينِ بْنَ حَجَرٍ شَارِحَ الْمِنْهَاجِ وَالشَّمَائِلِ وَغَيْرِهِمَا وَكَانَ مِنْ أَجِلَّائِهِمْ وَقَدْ أَدْرَكْته فِي آخِرِ عُمُرِهِ كَذَا فِي النَّهْرِ ثُمَّ قَالَ وَأَقُولُ: فِي الْجَوَابِ الثَّانِي مَا لَا يَخْفَى؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَمُرُّ عَلَى الْمَوَاقِيتِ يُحْرِمُ إذَا حَاذَى آخِرَهَا قَرُبَتْ الْمُحَاذَاةُ أَوْ بَعُدَتْ (قَوْلُهُ: عِنْدَ عَدَمِ الْمُرُورِ عَلَى الْمَوَاقِيتِ) أَخَذَ التَّقْيِيدَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ الْمَنْقُولِ سَابِقًا وَمَنْ كَانَ فِي بَحْرٍ أَوْ بَرٍّ لَا يَمُرُّ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ إلَخْ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ سَفَرُهُ لِلْحَجِّ) هَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا تَرْتَفِعُ الْمُخَالَفَةُ بِخُرُوجِهِ بَعْدُ إلَى أَحَدِ الْمَوَاقِيتِ وَإِحْرَامِهِ مِنْهُ وَنَقَلَ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ هُنَا الشَّيْخُ حَنِيفُ الدِّينِ الْمُرْشِدِيُّ فِي شَرْحِ مَنْسَكِهِ وَأَقَرَّهُ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْقَاضِي مُحَمَّدٌ عِيدٌ فِي شَرْحِ مَنْسَكِهِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ ثُمَّ قَالَ فِيهَا وَنَقَلَ الْمُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِي فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بَيَانَ فِعْلِ الْخَيْرِ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ مَنْ حَجَّ عَنْ الْغَيْرِ أَنَّهُ وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ اضْطَرَبَ فِيهَا فُقَهَاءُ الْعَصْرِ وَهِيَ أَنَّ الْآفَاقِيَّ الْحَاجَّ عَنْ الْغَيْرِ إذَا انْفَصَلَ عَنْ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِلْحَجِّ هَلْ هُوَ مُخَالِفٌ أَمْ لَا فَقِيلَ نَعَمْ فَيَبْطُلُ حَجُّهُ عَنْ الْآمِرِ وَإِنْ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ وَقِيلَ لَا بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمِيقَاتِ وَيُحْرِمَ عَنْ الْآمِرِ وَاعْتَمَدَ الْأَوَّلُونَ عَلَى ظَاهِرِ مَا فِي الْمَنْسَكِ الْكَبِيرِ لِلسِّنْدِيِّ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْحَجِّ عَنْ الْآمِرِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ فَلَوْ اعْتَمَرَ وَقَدْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ يَضْمَنُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِجَّةٍ مِيقَاتِيَّةٍ اهـ. وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فَرْضٌ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، فَمُجَرَّدُ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ نَقْلِهِ عَنْ مُجْتَهِدٍ أَوْ إسْنَادِهِ إلَى دَلِيلٍ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَطَالَ إلَى أَنْ قَالَ وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ أَفْتَى الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ وَشَيْخُنَا سِنَانٌ الرُّومِيُّ فِي مَنْسَكِهِ وَأَفْتَى بِهِ أَيْضًا الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْمَقْدِسِيَّ

стр. 746

الْمَسْأَلَةُ يَكْثُرُ وُقُوعُهَا فِيمَنْ يُسَافِرُ فِي الْبَحْرِ الْمِلْحِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْحَجِّ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي وَسَطِ السَّنَةِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْصِدَ الْبَنْدَرَ الْمَعْرُوفَ بِجُدَّةِ لِيَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ حَتَّى لَا يَطُولَ الْإِحْرَامُ عَلَيْهِ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِالْحَجِّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ. (قَوْلُهُ: وَصَحَّ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهَا لَا عَكْسُهُ) أَيْ جَازَ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمَوَاقِيتِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْهَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَفَسَّرَتْ الصَّحَابَةُ الْإِتْمَامَ بِأَنْ يُحْرِمَ بِهَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ وَمِنْ الْأَمَاكِنِ الْقَاصِيَةِ وَقَالَ ﵇ «مَنْ أَهَلَّ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِحِجَّةٍ، أَوْ بِعُمْرَةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَلَمْ يَتَكَلَّمُ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ التَّقْدِيمِ وَعَدَمِهَا لِمَا أَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَهُوَ أَنَّ التَّقْدِيمَ أَفْضَلُ إذَا كَانَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ أَنْ لَا يَقَعَ فِي مَحْظُورٍ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهِ أَكْثَرُ فَكَانَ أَكْثَرَ ثَوَابًا؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ بِقَدْرِ التَّعَبِ بِخِلَافِ التَّقْدِيمِ عَلَى الْأَشْهُرِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ خَوْفِ الْوُقُوعِ فِي مَحْظُورٍ، أَوْ لَا كَمَا أَطْلَقَهُ فِي الْمَجْمَعِ وَمَنْ فَصَّلَ كَصَاحِبِ الظَّهِيرِيَّةِ قِيَاسًا عَلَى الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ فَقَدْ أَخْطَأَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُطْلَقًا قَبْلَ الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ شَبَّهَهُ بِالرُّكْنِ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا فَيُرَاعَى مُقْتَضَى ذَلِكَ الشَّبَهِ احْتِيَاطًا، وَلَوْ كَانَ رُكْنًا حَقِيقَةً لَمْ يَصِحَّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَإِنْ كَانَ شَبِيهًا بِهِ كُرِهَ قَبْلَهَا لِشَبَهِهِ وَقُرْبِهِ مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ وَلِشَبَهِ الرُّكْنِ لَمْ يَجُزْ لِفَائِتِ الْحَجِّ اسْتِدَامَةُ الْإِحْرَامِ لِيَقْضِيَ بِهِ مِنْ قَابِلٍ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِقَوْلِهِ ﵇ «لَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا» وَفَائِدَةُ التَّأْقِيتِ بِالْمَوَاقِيتِ الْخَمْسَةِ الْمَنْعُ مِنْ التَّأْخِيرِ. (قَوْلُهُ: وَلِدَاخِلِهَا الْحِلُّ) أَيْ الْحِلُّ مِيقَاتُ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمَوَاضِعُ الَّتِي بَيْنَ الْمَوَاقِيتِ وَالْحَرَمِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِ الْمِيقَاتِ، أَوْ بَعْدَهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي كُتُبِهِ وَقَوْلُ الْمُحَقِّقِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمَوَاقِيتِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ الْمُتَبَادَرُ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِيهَا نَفْسِهَا وَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِلْمُصَنِّفِينَ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْإِطْلَاقُ كَمَا ذَكَرْنَا وَإِنَّمَا كَانَ الْحِلُّ مِيقَاتَهُ؛ لِأَنَّ خَارِجَ الْحَرَمِ كُلَّهُ كَمَكَانٍ وَاحِدٍ فِي حَقِّهِ وَالْحَرَمُ حَدٌّ فِي حَقِّهِ كَالْمِيقَاتِ لِلْآفَاقِيِّ فَلَا يَدْخُلُ الْحَرَمَ عِنْدَ قَصْدِ النُّسُكِ إلَّا مُحْرِمًا وَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ هَذَا الْقَصْدِ فَلَهُ الدُّخُولُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِلْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ كَالْمَكِّيِّ إذَا خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ لِحَاجَةٍ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ كَالْآفَاقِيِّ فَإِنْ جَاوَزَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ آفَاقِيًّا. (قَوْلُهُ: وَلِلْمَكِّيِّ الْحَرَمُ لِلْحَجِّ وَالْحِلُّ لِلْعُمْرَةِ) أَيْ مِيقَاتُ الْمَكِّيِّ إذَا أَرَادَ الْحَجَّ الْحَرَمُ فَإِنْ أَحْرَمَ لَهُ مِنْ الْحِلِّ لَزِمَهُ دَمٌ وَإِذَا أَرَادَ الْعُمْرَةَ الْحِلُّ فَإِذَا أَحْرَمَ بِهَا مِنْ الْحَرَمِ ــ [منحة الخالق] وَنَقَلَ فَتْوَاهُ فَرَاجِعْهَا اهـ. مَا فِي الْحَاشِيَةِ مُلَخَّصًا أَقُولُ: وَفِي رَدِّهِ مَا ذَكَرَهُ السِّنْدِيُّ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَنْقُولَةٌ وَالْمُقَلِّدُ مُتَّبِعٌ لِلْمُجْتَهِدِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ دَلِيلُهُ فَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ فَهُوَ مُخَالِفٌ فِي قَوْلِهِمْ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ نَفْسِهِ وَكَذَا لَوْ حَجَّ ثُمَّ اعْتَمَرَ كَانَ مُخَالِفًا عِنْدَ الْعَامَّةِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْعُمْرَةِ فَاعْتَمَرَ أَوَّلًا ثُمَّ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا وَإِنْ حَجَّ أَوَّلًا ثُمَّ اعْتَمَرَ فَهُوَ مُخَالِفٌ اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ فَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ جُعِلَ مُخَالِفًا لِكَوْنِهِ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِغَيْرِ مَا أُمِرَ بِهِ فَقَدْ جَعَلَ سَفَرَهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ إحْرَامِ الْمَأْمُورِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ وَإِنْ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ إذَا لَمْ يَفْعَلْ أَوَّلًا نُسُكًا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ قَاصِدًا الْبُسْتَانَ ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ وَقْتَ الْإِحْرَامِ فَأَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ عَنْ الْآمِرِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ آفَاقِيًّا كَمَا يَأْتِي وَإِنْ فَعَلَ نُسُكًا غَيْرَ مَا أُمِرَ بِهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ عَنْ الْآمِرِ يَكُونُ مُخَالِفًا وَإِنْ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ عَنْهُ مِنْ الْمِيقَاتِ فَتَأَمَّلْ. [تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمَوَاقِيتِ] (قَوْلُهُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ إلَخْ) كَذَا نَقَلَ الْقُهُسْتَانِيُّ الْإِجْمَاعَ عَنْ التُّحْفَةِ ثُمَّ قَالَ وَفِي الْمُحِيطِ إنْ أَمِنَ مِنْ الْوُقُوعِ فِي مَحْظُورِ الْإِحْرَامِ لَا يُكْرَهُ وَفِي النَّظْمِ عَنْهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ إلَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. (قَوْلُهُ فَلَا يَدْخُلُ الْحَرَمَ عِنْدَ قَصْدِ النُّسُكِ إلَّا مُحْرِمًا) قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ فِي مَنْسَكِهِ وَمِمَّا يَجِبُ التَّيَقُّظُ لَهُ سُكَّانُ جُدَّةَ بِالْجِيمِ وَأَهْلُ حِدَّةَ بِالْمُهْمَلَةِ وَأَهْلُ الْأَوْدِيَةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ مَكَّةَ فَإِنَّهُمْ فِي الْأَغْلَبِ يَأْتُونَ إلَى مَكَّةَ فِي سَادِسِ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ فِي السَّابِعِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَيُحْرِمُونَ مِنْ مَكَّةَ لِلْحَجِّ فَعَلَى مَنْ كَانَ حَنَفِيًّا مِنْهُمْ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْحَرَمَ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ دَمٌ لِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لَكِنْ لِلنَّظَرِ هُنَا مَجَالٌ إذَا أَحْرَمَ هَؤُلَاءِ مِنْ مَكَّةَ كَمَا هُوَ مُعْتَادُهُمْ وَتَوَجَّهُوا إلَى عَرَفَةَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُمْ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ بِوُصُولِهِمْ إلَى أَوَّلِ الْحِلِّ مُلَبِّينَ؛ لِأَنَّهُ عَوْدٌ مِنْهُمْ إلَى مِيقَاتِهِمْ مَعَ الْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ وَذَلِكَ مُسْقِطٌ لِدَمِ الْمُجَاوَزَةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَا يُعَدُّ هَذَا عَوْدًا مِنْهُمْ إلَى الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا الْعَوْدَ إلَيْهِ لِتَلَافِي مَا لَزِمَهُمْ بِالْمُجَاوَزَةِ بَلْ قَصَدُوا التَّوَجُّهَ إلَى عَرَفَةَ وَلَمْ أَجِدْ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ اهـ. وَقَدْ نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْعَفِيفُ فِي شَرْحِهِ وَأَقَرَّهُ وَقَالَ الْقَاضِي مُحَمَّدٌ عِيدٌ فِي شَرْحِ مَنْسَكِهِ وَالظَّاهِرُ السُّقُوطُ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ إلَى الْمِيقَاتِ مَعَ التَّلْبِيَةِ مُسْقِطٌ سَوَاءٌ نَوَى الْعَوْدَ أَوْ لَمْ يَنْوِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ التَّعْظِيمُ اهـ. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ. [مِيقَاتُ الْمَكِّيِّ إذَا أَرَادَ الْحَجَّ] .

стр. 747

لَزِمَهُ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مِيقَاتَهُ فِيهِمَا وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِالْمَكِّيِّ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْحَرَمِ سَوَاءٌ كَانَ بِمَكَّةَ، أَوْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ لَا وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِدَاخِلِ الْمَوَاقِيتِ مَنْ كَانَ سَاكِنًا فِي الْحِلِّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (بَابُ الْإِحْرَامِ) أَحْرَمَ الرَّجُلُ إذَا دَخَلَ فِي حُرْمَةٍ لَا تُنْتَهَكُ مِنْ ذِمَّةٍ وَغَيْرِهَا، وَأَحْرَمَ لِلْحَجِّ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ مِنْ الصَّيْدِ وَالنِّسَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَحْرَمَ الرَّجُلُ إذَا دَخَلَ فِي الْحَرَمِ أَوْ دَخَلَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَأَحْرَمَهُ لُغَة فِي حَرَمَهُ الْعَطِيَّةَ أَيْ مَنَعَهُ كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ مُخْتَصَرِ شَمْسِ الْعُلُومِ وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ نِيَّةُ النُّسُكِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مَعَ الذِّكْرِ أَوْ الْخُصُوصِيَّةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَهُوَ شَرْطُ صِحَّةِ النُّسُكِ كَتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ فِي الصَّلَاةِ، فَالصَّلَاةُ وَالْحَجُّ لَهُمَا تَحْرِيمٌ وَتَحْلِيلٌ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ لَكِنَّ الْحَجَّ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّهُ إذَا تَمَّ الْإِحْرَامُ لِلْحَجِّ أَوْ لِلْعُمْرَةِ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا بِعَمَلِ النُّسُكِ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ، وَإِنْ أَفْسَدَهُ إلَّا فِي الْفَوَاتِ فَبِعَمَلِ الْعُمْرَةِ وَإِلَّا الْإِحْصَارِ فَبِذَبْحِ الْهَدْيِ. الثَّانِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهِ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ مَظْنُونًا فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ ظَهَرَ خِلَافُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِيهِ وَالْقَضَاءُ إنْ أَبْطَلَهُ بِخِلَافِ الْمَظْنُونِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا قَضَاءَ لَوْ أَفْسَدَهُ. (قَوْلُهُ وَإِذَا أَرَدْت أَنْ تُحْرِمَ فَتَوَضَّأْ وَالْغُسْلُ أَفْضَلُ) قَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُهُ فِي الْغُسْلِ وَهُوَ لِلنَّظَافَةِ لَا لِلطَّهَارَةِ فَيُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ الْحَائِضِ أَوْ النُّفَسَاءِ وَالصَّبِيِّ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّ أَسْمَاءَ قَدْ نُفِسَتْ فَقَالَ مُرْهَا فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتُحْرِمْ بِالْحَجِّ» وَلِهَذَا لَا يُشْرَعُ التَّيَمُّمُ لَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ، قَالَ الشَّارِحُ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ يَعْنِي أَنَّ الْغُسْلَ فِيهِمَا لِلطَّهَارَةِ لَا لِلتَّنْظِيفِ، وَلِهَذَا يُشْرَعُ التَّيَمُّمُ لَهُمَا عِنْدَ الْعَجْزِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَمْ يُشْرَعْ لَهُمَا عِنْدَ الْعَجْزِ إذَا كَانَ طَاهِرًا عَنْ الْجَنَابَةِ وَنَحْوِهَا وَالْكَلَامُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُلَوِّثٌ وَمُغَيِّرٌ لَكِنْ جُعِلَ طَهَارَةً ضَرُورَةَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِيهِمَا، وَلِهَذَا سَوَّى الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْمَكِّيِّ إلَخْ) فَسَّرَ فِي النَّهْرِ الْمَكِّيَّ بِسَاكِنِ مَكَّةَ وَقَالَ أَمَّا الْقَارُّ فِي حَرَمِهَا فَلَيْسَ بِمَكِّيٍّ وَإِنْ أُعْطِيَ حُكْمَهُ وَاعْتَرَضَ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّ مَا قَالَهُ مِنْ التَّعْمِيمِ عُدُولٌ عَنْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِلَا دَلِيلٍ. [بَابُ الْإِحْرَامِ] (قَوْلُهُ وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ نِيَّةُ النُّسُكِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هُوَ شَرْعًا الدُّخُولُ فِي حُرُمَاتٍ مَخْصُوصَةٍ أَيْ الْتِزَامُهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ شَرْعًا إلَّا بِالنِّيَّةِ مَعَ الذِّكْرِ وَالْخُصُوصِيَّةِ كَذَا فِي الْفَتْحِ فَهُمَا شَرْطَانِ فِي تَحَقُّقِهِ لَا جُزْءَانِ لِمَاهِيَّتِهِ كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ أَوْ الْخُصُوصِيَّةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ الْإِتْيَانِ بِشَيْءٍ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ النُّسُكِ سَوَاءٌ كَانَ تَلْبِيَةً أَوْ ذِكْرًا يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ أَوْ سَوْقُ الْهَدْيِ أَوْ تَقْلِيدُ الْبَدَنَةِ كَمَا فِي الْمُسْتَصْفَى. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالْغُسْلُ أَفْضَلُ) قَالَ الْمُرْشِدِيُّ فِي شَرْحِهِ وَهَذَا الْغُسْلُ أَحَدُ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ فِي الْحَجِّ ثَانِيهَا لِدُخُولِ مَكَّةَ ثَالِثُهَا لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ رَابِعُهَا لِلْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ خَامِسُهَا لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ سَادِسُهَا وَسَابِعُهَا وَثَامِنُهَا لِرَمْيِ الْجِمَارِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ تَاسِعُهَا لِطَوَافِ الصَّدْرِ عَاشِرُهَا لِدُخُولِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ الْعَمِيقِ وَلَا غُسْلَ لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ اهـ. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ (قَوْلُهُ قَالَ الشَّارِحُ إلَخْ) وَعِبَارَتُهُ وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْغُسْلِ تَحْصِيلُ النَّظَافَةِ وَإِزَالَةُ الرَّائِحَةِ لَا الطَّهَارَةُ حَتَّى تُؤْمَرَ بِهِ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَلَا يُتَصَوَّرُ حُصُولُ الطَّهَارَةِ لَهَا وَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ انْتَهَتْ. قَالَ فِي النَّهْرِ وَعَزَاهُ فِي الْمِعْرَاجِ إلَى شَرْحِ بَكْرٍ (قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ إذْ مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمُخَالَفَةَ رَاجِعَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْعَجْزِ، وَالظَّاهِرُ رُجُوعُهَا إلَى قَوْلِهِ وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْغُسْلِ تَحْصِيلُ النَّظَافَةِ لَا الطَّهَارَةُ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فَإِنَّهُ يُلَاحَظُ فِيهِمَا مَعَ النَّظَافَةِ الطَّهَارَةُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ لِلصَّلَاةِ وَلِذَا لَمْ تُؤْمَرْ بِهِ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ بِأَنَّهُمَا يَحْضُرَانِ الْعِيدَيْنِ كَمَا مَرَّ نَعَمْ مَا فِي الْكَافِي هُوَ التَّحْقِيقُ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَالْإِنْصَافُ أَنَّ أَصْلَ عِبَارَةِ الزَّيْلَعِيِّ مُوهِمَةٌ مَشْرُوعِيَّةَ التَّيَمُّمِ لَهُمَا وَالْمُرَادُ لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ ثُمَّ عِبَارَةُ الْبَحْرِ مُوهِمَةٌ أَيْضًا حَيْثُ نُقِلَ عَنْ الْكَافِي التَّسْوِيَةُ وَظَاهِرُهَا بِالنَّظَرِ إلَى عَدَمِ التَّيَمُّمِ، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ مِنْ حَيْثُ قِيَامُ الْوُضُوءِ مَقَامَ الْغُسْلِ وَلَفْظُهَا فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الِاغْتِسَالَ لِلنَّظَافَةِ لِيَزُولَ مَا بِهِ مِنْ الدَّرَنِ وَالْوَسَخِ فَيَقُومَ الْوُضُوءُ مَقَامَهُ كَمَا فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ لَكِنَّ الْغُسْلَ أَحَبُّ؛ لِأَنَّ النَّظَافَةَ بِهِ أَتَمُّ. اهـ وَالْإِقَامَةُ حَكَاهَا الشُّمُنِّيُّ عَنْ الْقُدُورِيِّ بِلَفْظِ قَالَ الْقُدُورِيُّ كُلُّ غُسْلٍ لِلنَّظَافَةِ فَالْوُضُوءُ يَقُومُ مَقَامَهُ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي عَدَمِ التَّيَمُّمِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ صَرِيحَةً لَكِنَّهَا مَعْلُومَةٌ مِنْ تَفْرِيعِهِ قِيَامَ الْوُضُوءِ مَقَامَ الْغُسْلِ عَلَى كَوْنِهِ لِلنَّظَافَةِ، وَإِذَا كَانَ لِلنَّظَافَةِ لَا يُعْتَبَرُ التَّيَمُّمُ لِعَدَمِهَا فِيهِ وَحَيْثُ سَوَّى بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فِي قِيَامِ الْوُضُوءِ مَقَامَهُ الْمُفَرَّعِ عَلَى مَا ذَكَرَ لَزِمَهُ التَّسْوِيَةُ فِي

стр. 748

وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَهُ كَمَالُ التَّنْظِيفِ مِنْ قَصِّ الْأَظْفَارِ وَالشَّارِبِ وَحَلْقِ الْإِبْطَيْنِ وَالْعَانَةِ وَالرَّأْسِ لِمَنْ اعْتَادَهُ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ أَرَادَهُ، وَإِلَّا فَتَسْرِيحُهُ وَإِزَالَةُ الشَّعَثِ وَالْوَسَخِ عَنْهُ وَعَنْ بَدَنِهِ بِغَسْلِهِ بِالْخِطْمِيِّ وَالْأُشْنَانِ وَنَحْوِهِمَا وَمِنْ الْمُسْتَحَبِّ عِنْدَ إرَادَتِهِ جِمَاعَ زَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ إنْ كَانَتْ مَعَهُ، وَلَا مَانِعَ مِنْ الْجِمَاعِ فَإِنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ. (قَوْلُهُ وَالْبَسْ إزَارًا وَرِدَاءً جَدِيدَيْنِ أَوْ غَسِيلَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَبِسَهُمَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ وَلَا بُدَّ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَدَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَذَلِكَ فِيمَا عَيَّنَّاهُ وَالْإِزَارُ مِنْ السُّرَّةِ إلَى مَا تَحْتَ الرُّكْبَةِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ كَمَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ، وَالرِّدَاءُ عَلَى الظَّهْرِ وَالْكَتِفَيْنِ وَالصَّدْرِ وَيَشُدُّهُ فَوْقَ السُّرَّةِ، وَإِنْ غَرَزَ طَرَفَيْهِ فِي إزَارِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَوْ خَلَّلَهُ بِخِلَالٍ أَوْ مِسَلَّةٍ أَوْ شَدَّهُ عَلَى نَفْسِهِ بِحَبْلٍ أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَا فِي الْكِتَابِ بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ، وَإِلَّا فَسَاتِرُ الْعَوْرَةِ كَافٍ كَمَا فِي الْمَجْمَعِ. وَأَشَارَ بِتَقْدِيمِ الْجَدِيدِ إلَى أَفْضَلِيَّتِهِ، وَكَوْنُهُ أَبْيَضَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ كَالتَّكْفِينِ وَفِي عَدَمِ غَسْلِ الثَّوْبِ الْعَتِيقِ تَرْكٌ لِلْمُسْتَحَبِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ. (قَوْلُهُ وَتَطَيَّبْ) أَيْ يُسَنُّ لَهُ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ فِي بَدَنِهِ قُبَيْلَ الْإِحْرَامِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا تَبْقَى عَيْنُهُ بَعْدَهُ كَالْمِسْكِ وَالْغَالِيَةِ، وَمَا لَا تَبْقَى لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ» وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا «كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ» ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ» وَهُوَ الْبَرِيقُ وَاللَّمَعَانُ، وَكَرِهَهُ مُحَمَّدٌ بِمَا تَبْقَى عَيْنُهُ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَقَيَّدْنَا بِالْبَدَنِ إذْ لَا يَجُوزُ التَّطَيُّبُ فِي الثَّوْبِ بِمَا تَبْقَى عَيْنُهُ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ عَلَى أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا. قَالُوا وَبِهِ نَأْخُذُ وَالْفَرْقُ لَهُمَا بَيْنَهُمَا أَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِي الْبَدَنِ تَابِعًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْمُتَّصِلُ بِالثَّوْبِ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ فَلَمْ يُعْتَبَرْ تَابِعًا وَالْمَقْصُودُ مِنْ اسْتِنَانِهِ حُصُولُ الِارْتِفَاقِ بِهِ حَالَةَ الْمَنْعِ مِنْهُ كَالسَّحُورِ لِلصَّوْمِ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِمَا فِي الْبَدَنِ فَأَغْنَى عَنْ تَجْوِيزِهِ فِي الثَّوْبِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ كَمَالَ الِارْتِفَاقِ حَالَةَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ «الْحَاجَّ الشَّعِثُ التَّفِلُ» ، وَظَاهِرُ مَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ مَا عَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَأَنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِهِ كَمَذْهَبِهِمَا (قَوْلُهُ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ) أَيْ عَلَى وَجْهِ السُّنِّيَّةِ بَعْدَ اللُّبْسِ وَالتَّطَيُّبِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ صَلَّاهُمَا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا يُصَلِّيهِمَا فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، وَتُجْزِئُهُ الْمَكْتُوبَةُ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ يَنْوِي بِقَلْبِهِ الدُّخُولَ فِي الْحَجِّ، وَيَقُولُ بِلِسَانِهِ مُطَابِقًا لِجَنَانِهِ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي؛ لِأَنِّي مُحْتَاجٌ فِي أَدَاءِ أَرْكَانِهِ إلَى تَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ فَيَطْلُبُ التَّيْسِيرَ وَالْقَبُولَ اقْتِدَاءً بِالْخَلِيلِ وَوَلَدِهِ ﵉ حَيْثُ قَالَا ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] وَلَمْ يُؤْمَرْ بِمِثْلِ هَذَا الدُّعَاءِ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ سُؤَالَ التَّيْسِيرِ يَكُونُ فِي ــ [منحة الخالق] عَدَمِ اعْتِبَارِ التَّيَمُّمِ بَيْنَ الْكُلِّ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالْبَسْ إزَارًا أَوْ رِدَاءً إلَخْ) وَيُدْخِلُ الرِّدَاءَ تَحْتَ الْيَدِ الْيُمْنَى وَيُلْقِيهِ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ وَيُبْقِي كَتِفَهُ الْأَيْمَنَ مَكْشُوفًا كَذَا فِي الْخِزَانَةِ ذَكَرَهُ الْبُرْجَنْدِيُّ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَهُوَ مُوهِمٌ أَنَّ الِاضْطِبَاعَ يُسْتَحَبُّ مِنْ أَوَّلِ أَحْوَالِ الْإِحْرَامِ وَعَلَيْهِ الْعَوَامُّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مَحَلَّ الِاضْطِبَاعِ الْمَسْنُونِ إنَّمَا يَكُونُ قُبَيْلَ الطَّوَافِ إلَى انْتِهَائِهِ لَا غَيْرُ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ لِمُنْلَا عَلِيٍّ الْقَارِي، وَقَالَ الْمُرْشِدِيُّ فِي شَرْحِ مَنَاسِكِ الْكَنْزِ وَفِي الْأَصَحِّ وَأَنَّهُ هُوَ السُّنَّةُ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ السِّنْدِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ عَنْ الْغَايَةِ وَمَنَاسِكِ الطَّرَابُلْسِيِّ وَالْفَتْحِ، وَقَالَ فَالْحَاصِلُ أَنَّ أَكْثَرَ كُتُبِ الْمَذْهَبِ نَاطِقَةٌ بِأَنَّ الِاضْطِبَاعَ يُسَنُّ فِي الطَّوَافِ لَا قَبْلَهُ فِي الْإِحْرَامِ وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْأَحَادِيثُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ اهـ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ. (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَسَاتِرُ الْعَوْرَةِ كَافٍ) فَيَجُوزُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَأَكْثَرَ مِنْ ثَوْبَيْنِ وَفِي أَسْوَدَيْنِ أَوْ قَطْعِ خِرَقٍ مَخِيطَةٍ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمَا خِيَاطَةٌ اهـ. لُبَابُ الْمَنَاسِكِ. [اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ فِي بَدَنِهِ قُبَيْلَ الْإِحْرَامِ] (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَفِي الْمُحِيطِ وَإِنْ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وَفِي الثَّانِيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] تَبَرُّكًا بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ أَفْضَلُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ الشَّيْخُ الْوَاعِظُ الْإِسْكَنْدَرِيُّ إنَّ كَثِيرًا مِنْ عُلَمَائِنَا يَقْرَءُونَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ سُورَةِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] الْآيَةَ وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠] . (قَوْلُهُ أَيْ عَلَى وَجْهِ السُّنِّيَّةِ) صَرَّحَ بِالسُّنِّيَّةِ فِي السِّرَاجِ وَفِي النَّهْرِ هَذَا الْأَمْرُ أَيْ قَوْلُهُ وَصَلِّ لِلنَّدْبِ وَفِي الْغَايَةِ السُّنَّةُ. اهـ. لَكِنْ قَدْ يُقَالُ يُنَافِي كَوْنَهَا سُنَّةً إجْزَاءُ الْمَكْتُوبَةِ عَنْهَا فَلِذَا مَشَى فِي النَّهْرِ عَلَى النَّدْبِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَتُجْزِئُهُ الْمَكْتُوبَةُ) كَذَا جَزَمَ بِهِ فِي اللُّبَابِ قَالَ شَارِحُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا تَنُوبُ الْفَرِيضَةُ مَنَابَهَا بِخِلَافِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَشُكْرِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ كَمَا حَقَّقَهُ فِي فَتَاوَى الْحُجَّةِ فَتَتَأَدَّى فِي ضِمْنِ غَيْرِهَا أَيْضًا، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَنْسَكِ الْكَبِيرِ وَتُجْزِئُ الْمَكْتُوبَةُ عَنْهَا كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ اهـ. لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ أَنَّهُ رَدَّهُ الْمُرْشِدِيُّ.

стр. 749

الْعَسِيرِ لَا فِي الْيَسِيرِ، وَأَدَاؤُهَا يَسِيرٌ عَادَةً كَذَا فِي الْكَافِي وَقَدَّمْنَا مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ فِي بَحْثِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ وَلَبِّ دُبُرَ الصَّلَاةِ تَنْوِي بِهَا الْحَجَّ) أَيْ لَبِّ عَقِبَهَا نَاوِيًا بِالتَّلْبِيَةِ الْحَجَّ وَالدُّبُرُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِهَا آخِرُ الشَّيْءِ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَإِنَّمَا يُلَبِّي لِمَا صَحَّ عَنْهُ ﵇ مِنْ تَلْبِيَتِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَفِي قَوْلِهِ تَنْوِي بِهَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمَشَايِخُ مِنْ أَنَّهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ إلَى آخِرِهِ لَيْسَ مُحَصِّلًا لِلنِّيَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الرُّوَاةِ لِنُسُكِهِ رَوَى أَنَّهُ سَمِعَهُ ﵇ يَقُولُ نَوَيْت الْعُمْرَةَ وَلَا الْحَجَّ، وَلِهَذَا قَالَ مَشَايِخُنَا إنَّ الذِّكْرَ بِاللِّسَانِ حَسَنٌ لِيُطَابِقَ الْقَلْبَ وَعَلَى قِيَاسِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ إنَّمَا يَحْسُنُ إذَا لَمْ تَجْتَمِعْ عَزِيمَتُهُ وَإِلَّا فَلَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِاللِّسَانِ بِالنِّيَّةِ بِدْعَةٌ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَقُلْ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي وَلَبِّ، وَقَوْلُهُ تَنْوِي الْحَجَّ بَيَانٌ لِلْأَكْمَلِ، وَإِلَّا فَيَصِحُّ الْحَجُّ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ وَإِذَا أَبْهَمَ الْإِحْرَامَ بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ مَا أَحْرَمَ بِهِ جَازَ وَعَلَيْهِ التَّعْيِينُ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْأَفْعَالِ، وَالْأَصْلُ حَدِيثُ «عَلِيٍّ ﵁ حِينَ قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ فَقَالَ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَجَازَهُ» فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَطَافَ شَوْطًا كَانَ لِلْعُمْرَةِ، وَكَذَا إذَا أُحْصِرَ قَبْلَ الْأَفْعَالِ فَتَحَلَّلَ بِدَمٍ تَعَيَّنَ لِلْعُمْرَةِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا لَا قَضَاءَ حِجَّةٍ، وَكَذَا إذَا جَامَعَ فَأَفْسَدَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي عُمْرَةٍ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ أَنَّ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ اهـ. وَالْمَنْقُولُ فِي الْأُصُولِ أَنَّهَا لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ النَّفْلِ، وَتَتَأَدَّى بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْوَقْتَ لَهُ فِيهِ شُبْهَةُ الْمِعْيَارِيَّةِ وَشُبْهَةُ الظَّرْفِيَّةِ فَالْأَوَّلُ لِلثَّانِي وَالثَّانِي لِلْأَوَّلِ. (قَوْلُهُ وَهِيَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك) هَكَذَا رَوَى أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ تَلْبِيَتَهُ ﷺ وَلَفْظُهَا مَصْدَرٌ مُثَنًّى تَثْنِيَةً يُرَادُ بِهَا التَّكْثِيرُ، وَهُوَ مَلْزُومُ النَّصْبِ وَالْإِضَافَةِ، وَالنَّاصِبُ لَهُ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ تَقْدِيرُهُ أَجَبْتُ إجَابَتَكَ إجَابَةً بَعْدَ إجَابَةٍ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَكَأَنَّهُ مِنْ أَلَبَّ بِالْمَكَانِ إذَا أَقَامَ فَهُوَ مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوَائِدِ، وَالْقِيَاسُ إلْبَابٌ وَمُفْرَدُ لَبَّيْكَ لَبَّ، وَاخْتُلِفَ فِي الدَّاعِي فَقِيلَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَقِيلَ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ﵇ وَرَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَقَالَ إنَّهُ الْأَظْهَرُ وَقِيلَ رَسُولُنَا ﷺ وَاخْتُلِفَ فِي هَمْزِ إنَّ الْحَمْدَ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِ الْكَسْرِ وَالْفَتْحِ، وَاخْتَارَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ الْأَوْجَهَ الْكَسْرُ عَلَى اسْتِئْنَافِ الثَّنَاءِ، وَتَكُونُ التَّلْبِيَةُ لِلذَّاتِ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ الْفَتْحُ أَحْسَنُ عَلَى أَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلتَّلْبِيَةِ أَيْ لَبَّيْكَ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ تَعْلِيقَ الْإِجَابَةِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا بِالذَّاتِ أَوْلَى مِنْهُ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ هَذَا، وَإِنْ كَانَ اسْتِئْنَافُ الثَّنَاءِ لَا يَتَعَيَّنُ مَعَ الْكَسْرِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ تَعْلِيلًا مُسْتَأْنَفًا كَمَا فِي قَوْلِكَ عَلِّمْ ابْنَكَ الْعِلْمَ إنَّ الْعِلْمَ نَافِعُهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وَهَذَا مُقَرَّرٌ فِي مَسَالِكِ الْعِلَّةِ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ لَكِنْ لَمَّا جَازَ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا يُحْمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَوْلَوِيَّتِهِ وَلِأَكْثَرِيَّتِهِ بِخِلَافِ الْفَتْحِ، لَيْسَ فِيهِ سِوَى أَنَّهُ تَعْلِيلٌ. (قَوْلُهُ وَزِدْ فِيهَا وَلَا تَنْقُصْ) أَيْ فِي التَّلْبِيَةِ وَلَا تَنْقُصْ مِنْهَا، وَالزِّيَادَةُ مِثْلُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ لَبَّيْكَ إلَهَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ نَاوِيًا بِالتَّلْبِيَةِ الْحَجَّ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَشَارَ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمَتْنِ تَنْوِي بِهَا لَيْسَ بِإِضْمَارٍ قَبْلَ الذِّكْرِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَبِّ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ (قَوْلُهُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَخْ) أَيْ قَبْلَ قَوْلِهِ وَلَبِّ وَلِهَذَا قَالَ وَلَبِّ بَعْدَ وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي. (قَوْلُهُ بَيَانٌ لِلْأَكْمَلِ إلَخْ) قَالَ فِي لُبَابِ الْمَنَاسِكِ وَتَعْيِينُ النُّسُكِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَصَحَّ مُبْهَمًا وَبِمَا أَحْرَمَ بِهِ الْغَيْرُ، ثُمَّ قَالَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ وَلَوْ أَحْرَمَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ غَيْرُهُ فَهُوَ مُبْهَمٌ فَيَلْزَمُهُ حِجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ وَقَيَّدَهُ شَارِحُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ غَيْرُهُ. (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَيَصِحُّ الْحَجُّ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ) أَيْ وَعَلَيْهِ التَّعْيِينُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْأَفْعَالِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ الْحَجُّ بَلْ هُوَ عُمْرَةٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ لَاحِقِهِ. (قَوْلُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَنْوِ فَرْضًا وَلَا تَطَوُّعًا فَهُوَ فَرْضٌ أَيْ فَيَقَعُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ اسْتِحْسَانًا بِالِاتِّفَاقِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ يَقَعُ نَفْلًا وَلَوْ نَوَى الْحَجَّ عَنْ الْغَيْرِ أَوْ النَّذْرَ أَوْ النَّفَلَ كَانَ عَمَّا نَوَى وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ لِلْفَرْضِ أَيْ لِحِجَّةِ الْإِسْلَامِ كَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ الْمَنْقُولُ الصَّرِيحُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَأَدَّى الْفَرْضُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ فِي هَذَا الْبَابِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ نَوَى لِلْمَنْذُورِ وَالنَّفَلِ مَعًا قِيلَ هُوَ نَفْلٌ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَقِيلَ نَذْرٌ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَحْوَطُ وَالثَّانِي أَوْسَعُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ نَوَى فَرْضًا وَنَفْلًا فَهُوَ فَرْضٌ اهـ. مَتْنًا وَشَرْحًا مُلَخَّصًا وَفِي مَتْنِهِ أَحْرَمَ بِشَيْءٍ ثُمَّ نَسِيَهُ لَزِمَهُ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ يُقَدِّمُ أَفْعَالَهَا عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُهُ هَدْيُ الْقِرَانِ. (قَوْلُهُ فَالْأَوَّلُ لِلثَّانِي) أَيْ عَدَمُ تَأَدِّيهَا بِنِيَّةِ النَّفْلِ لِشُبْهَةِ الظَّرْفِيَّةِ كَالصَّلَاةِ وَالثَّانِي لِلْأَوَّلِ أَيْ وَتَأَدِّيهَا بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ لِشُبْهَةِ الْمِعْيَارِيَّةِ كَالصَّوْمِ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَزِدْ فِيهَا) أَيْ زِدْ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَا شِئْت كَذَا فِي الشَّرْحِ قَالَ فِي النَّهْرِ فَالظَّرْفُ بِمَعْنَى عَلَى؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِهَا لَا فِي خِلَالِهَا كَمَا فِي السِّرَاجِ

стр. 750

الْخَلْقِ غَفَّارَ الذُّنُوبِ لَبَّيْكَ ذَا النِّعْمَةِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ لَبَّيْكَ عَدَدَ التُّرَابِ لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَصَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي بِأَنَّ الزِّيَادَةَ حَسَنَةٌ كَالتَّكْرَارِ، وَصَرَّحَ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ بِاسْتِحْبَابِهَا عِنْدَنَا، وَأَمَّا النَّقْصُ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ إنَّهُ مَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَرَاهَةٌ تَنْزِيهِيَّةٌ لِمَا أَنَّ التَّلْبِيَةَ إنَّمَا هِيَ سُنَّةٌ فَإِنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا هُوَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فَارِسِيًّا كَانَ أَوْ عَرَبِيًّا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَخُصُوصُ التَّلْبِيَةِ سُنَّةٌ فَإِذَا تَرَكَهَا أَصْلًا ارْتَكَبَ كَرَاهَةً تَنْزِيهِيَّةً فَإِذَا نَقَصَ عَنْهَا فَكَذَلِكَ بِالْأَوْلَى فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لَا يَجُوزُ فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ التَّلْبِيَةَ شَرْطٌ مُرَادُهُ ذِكْرٌ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ لَا خُصُوصُهَا، قَيَّدْنَا بِالزِّيَادَةِ فِي التَّلْبِيَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْأَذَانِ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ؛ لِأَنَّهُ لِلْإِعْلَامِ وَلَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ الْمُتَعَارَفِ وَفِي التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ إنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ كَتَكْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ فَيُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى الْوَارِدِ، وَإِنْ كَانَ الْأَخِيرَ فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ. (قَوْلُهُ فَإِذَا لَبَّيْتَ نَاوِيًا فَقَدْ أَحْرَمْت) أَفَادَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا إلَّا بِهِمَا فَإِذَا أَتَى بِهِمَا فَقَدْ دَخَلَ فِي حُرُمَاتٍ مَخْصُوصَةٍ فَهُمَا عَيْنُ الْإِحْرَامِ شَرْعًا، وَذَكَرَ حُسَامُ الدِّينِ الشَّهِيدُ أَنَّهُ يَصِيرُ شَارِعًا بِالنِّيَّةِ لَكِنْ عِنْدَ التَّلْبِيَةِ لَا بِالتَّلْبِيَةِ كَمَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ بِالنِّيَّةِ لَكِنْ عِنْدَ التَّكْبِيرِ لَا بِالتَّكْبِيرِ وَلَا يَصِيرُ شَارِعًا بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ النِّيَّةَ تَكْفِي قِيَاسًا عَلَى الصَّوْمِ بِجَامِعِ أَنَّهُمَا عِبَادَةُ كَفٍّ عَنْ الْمَحْظُورَاتِ وَقِيَاسُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ أَفْعَالٍ كَالصَّلَاةِ لَا مُجَرَّدُ كَفٍّ بَلْ الْتِزَامُ الْكَفِّ شَرْطٌ فَكَانَ بِالصَّلَاةِ أَشْبَهَ، وَالْمُرَادُ بِالتَّلْبِيَةِ شَرْطٌ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ النُّسُكِ سَوَاءٌ كَانَ تَلْبِيَةً أَوْ ذِكْرًا يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ أَوْ سَوْقُ الْهَدْيِ أَوْ تَقْلِيدُ الْبُدْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى، وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ لَوْ سَاقَ هَدْيًا قَاصِدًا إلَى مَكَّة صَارَ مُحْرِمًا بِالسَّوْقِ نَوَى الْإِحْرَامَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ` تَعَالَى ثُمَّ إذَا أَحْرَمَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَقِبَ إحْرَامِهِ سِرًّا وَهَكَذَا يَفْعَلُ عَقِبَ التَّلْبِيَةِ وَدَعَا بِمَا شَاءَ مِنْ الْأَدْعِيَةِ وَإِنْ تَبَرَّكَ بِالْمَأْثُورِ فَهُوَ حَسَنٌ. (قَوْلُهُ فَاتَّقِ الرَّفَثَ وَالْفُسُوقَ وَالْجِدَالَ) لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَهَذَا نَهْيٌ بِصِيغَةِ النَّفْيِ وَهُوَ آكَدُ مَا يَكُونُ مِنْ النَّهْيِ كَأَنَّهُ قِيلَ فَلَا يَكُونَنَّ رَفَثٌ وَلَا فُسُوقٌ وَلَا جِدَالٌ فِي الْحَجِّ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ إخْبَارًا لَتَطَرَّقَ الْخُلْفُ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِصُدُورِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ الْبَعْضِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ وُجُوبَ انْتِفَائِهَا، وَأَنَّهَا حَقِيقَةٌ بِأَنْ لَا تَكُونَ كَذَا فِي الْكَافِي وَالرَّفَثُ الْجِمَاعُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَقِيلَ الْكَلَامُ الْفَاحِشُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِيهِ فَيَحْرُمُ كَالْجِمَاعِ إلَّا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ إنَّمَا يَكُونُ الْكَلَامُ الْفَاحِشُ رَفَثًا بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَنْشُدُ فِي إحْرَامِهِ: وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسًا ... إنْ يَصْدُقُ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسًا فَقِيلَ لَهُ أَتَرْفُثُ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ فَقَالَ إنَّمَا الرَّفَثُ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ، وَالضَّمِيرُ فِي هُنَّ لِلْإِبِلِ وَالْهَمِيسُ صَوْتُ نَقْلِ إخْفَافِهَا، وَقِيلَ الْمَشْيُ الْخَفِيُّ وَلَمِيسٌ اسْمُ جَارِيَةٍ وَالْمَعْنَى نَفْعَلُ بِهَا مَا نُرِيدُ إنْ صَدَقَ الْفَالُ، وَالْفُسُوقُ الْمَعَاصِي وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ فِي الْإِحْرَامِ أَشَدُّ كَلُبْسِ الْحَرِيرِ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّطْرِيبِ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. وَالْجِدَالُ الْخُصُومَةُ مَعَ الرُّفَقَاءِ وَالْخَدَمِ وَالْمَكَّارِينَ وَمَنْ ذَكَرَ مِنْ الشَّارِحِينَ أَنَّ الْمُرَادَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ فَإِذَا نَقَصَ عَنْهَا فَكَذَلِكَ بِالْأَوْلَى) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ فَفِي الْفَتْحِ التَّلْبِيَةُ مَرَّةً شَرْطٌ وَالزِّيَادَةُ سُنَّةٌ قَالَ فِي الْمُحِيطِ حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ الْإِسَاءَةُ بِتَرْكِهَا، ثُمَّ قَالَ إنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِهَا سُنَّةٌ فَإِنْ تَرَكَهُ كَانَ مُسِيئًا اهـ. فَالنَّقْصُ بِالْإِسَاءَةِ أَوْلَى اهـ لَكِنْ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا، وَيُسْتَحَبُّ فِي التَّلْبِيَةِ كُلِّهَا رَفْعُ الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْلُغَ الْجَهْدَ فِي ذَلِكَ كَيْ لَا يَضْعُفَ، وَقَدْ نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الْحَلَبِيِّ وَقَدْ يُنَازَعُ فِي دَعْوَى الْأَوْلَوِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْإِسَاءَةَ دُونَ الْكَرَاهَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ أَفَادَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا إلَّا بِهِمَا) قَالَ فِي النَّهْرِ ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَا يُسْتَفَادُ مِنْهَا إلَّا أَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا عِنْدَ النِّيَّةِ وَالتَّلْبِيَةِ، أَمَّا أَنَّ الْإِحْرَامَ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا بِشَرْطِ ذِكْرِ الْآخَرِ فَلَا وَذَكَرَ الشَّهِيدُ أَنَّهُ يَصِيرُ شَارِعًا بِالنِّيَّةِ لَكِنْ عِنْدَ التَّلْبِيَةِ لَا بِهَا كَشُرُوعِهِ فِي الصَّلَاةِ لَكِنْ عِنْدَ التَّكْبِيرِ لَا بِهِ كَذَا فِي الْفَتْحِ تَبَعًا لِلشَّارِحِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَصِيرُ شَارِعًا بِالتَّلْبِيَةِ بِشَرْطِ النِّيَّةِ مَعَ أَنَّ الْمَحْكِيَّ عَنْ الشَّهِيدِ عَكْسُهُ كَمَا مَرَّ، وَمِنْ ثَمَّ غَيَّرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْعِبَارَةَ فَقَالَ إذَا نَوَى مُلَبِّيًا فَقَدْ أَحْرَمَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي انْعِقَادِ الْإِحْرَامِ هُوَ النِّيَّةُ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُفَادُ إنَّمَا هُوَ صَيْرُورَتُهُ مُحْرِمًا عِنْدَهُمَا فَالْعِبَارَتَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٌ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَاتَّقِ الرَّفَثَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ الْفَاءُ فَصِيحَةٌ أَيْ إذَا أَحْرَمْتَ فَاتَّقِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يُرْفَثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» أَنَّ ذَلِكَ مِنْ ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى حَاجًّا قَبْلَهُ.

стр. 751

بِهِ مُجَادَلَةُ الْمُشْرِكِينَ بِتَقْدِيمِ وَقْتِ الْحَجِّ وَتَأْخِيرِهِ أَوْ التَّفَاخُرِ بِذِكْرِ آبَائِهِمْ حَتَّى أَفْضَى ذَلِكَ إلَى الْقِتَالِ فَإِنَّهُ يُنَاسِبُ تَفْسِيرَ الْجِدَالِ فِي الْآيَةِ لَا الْجِدَالِ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ فَلِهَذَا اقْتَصَرْنَا عَلَى الْأَوَّلِ وَفِي الْمُحِيطِ إذَا رَفَثَ يَفْسُدُ حَجُّهُ وَإِذَا فَسَقَ أَوْ جَادَلَ لَا؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَإِلَّا فَلَا فَسَادَ فِي الْكُلِّ. (قَوْلُهُ وَقَتْلُ الصَّيْدِ وَالْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ) أَيْ فَاتَّقِ إذَا أَحْرَمْت التَّعَرُّضَ لِصَيْدِ الْبَرِّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى: أُرِيدَ بِالصَّيْدِ هَاهُنَا الْمَصِيدُ إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمَصْدَرُ وَهُوَ الِاصْطِيَادُ لَمَا صَحَّ إسْنَادُ الْقَتْلِ إلَيْهِ وَحُرْمَةُ قَتْلِهِ ثَابِتَةٌ بِالْقُرْآنِ وَحُرْمَةُ الْإِشَارَةِ وَالدَّلَالَةِ بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِشَارَةِ وَالدَّلَالَةِ أَنَّ الْإِشَارَةَ تَقْتَضِي الْحَضْرَةَ وَالدَّلَالَةَ تَقْتَضِي الْغَيْبَةَ. (قَوْلُهُ وَلُبْسُ الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْقَبَاءِ وَالْخُفَّيْنِ إلَّا أَنْ لَا تَجِدَ النَّعْلَيْنِ فَاقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَالثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ أَوْ عُصْفُرٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا لَا يُنْفَضُ) كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ وَالسَّرَاوِيلُ أَعْجَمِيَّةٌ وَالْجَمْعُ سَرَاوِيلَاتٌ مُنْصَرِفٌ فِي أَحَدِ اسْتِعْمَالَيْهِ، وَيُؤَنَّثُ وَالْقَبَاءُ بِالْمَدِّ عَلَى وَزْنِ فَعَالٍ بِالْفَتْحِ، وَالْوَرْسُ صِبْغٌ أَصْفَرُ يُؤْتَى بِهِ مِنْ الْيَمَنِ وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِمْ لَا يُنْفَضُ فَقِيلَ لَا يَفُوحُ، وَقِيلَ لَا يَتَنَاثَرُ وَالثَّانِي غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلطِّيبِ لَا لِلتَّنَاثُرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ وَلَا يَتَنَاثَرُ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ يُمْنَعُ مِنْهُ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى، وَالْمُرَادُ بِلُبْسِ الْقَبَاءِ أَنْ يُدْخِلَ مَنْكِبَيْهِ وَيَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْكَعْبُ هُنَا الْمَفْصِلُ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ فِيمَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ بِخِلَافِهِ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ الْعَظْمُ النَّاتِئُ أَيْ الْمُرْتَفِعُ وَلَمْ يُعَيَّنْ فِي الْحَدِيثِ أَحَدُهُمَا لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْكَعْبُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ وَعَلَى الثَّانِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَيْ حَمَلَ الْكَعْبَ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى الْمَفْصِلِ الْمَذْكُورِ لِأَجْلِ الِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّ الْأَحْوَطَ فِيمَا كَانَ أَكْثَرَ كَشْفًا وَهُوَ قَيِّمًا قُلْنَا فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لُبْسُ كُلِّ شَيْءٍ فِي رِجْلِهِ لَا يُغَطِّي الْكَعْبَ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ سَرْمُوزِه كَانَ أَوْ مَدَاسًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَيَدْخُلُ فِي لُبْسِ الْقَمِيصِ لُبْسُ الزَّرْدَةِ وَالْبُرْنُسِ، وَخَرَجَ بِاللُّبْسِ الِارْتِدَاءُ بِالْقَمِيصِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلُبْسٍ وَذَكَر الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ أَنَّ ضَابِطَهُ لُبْسِ كُلِّ شَيْءٍ مَعْمُولٌ عَلَى قَدْرِ الْبَدَنِ أَوْ بَعْضِهِ بِحَيْثُ يُحِيطُ بِهِ بِخِيَاطَةٍ أَوْ تَلْزِيقِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَيَسْتَمْسِكُ عَلَيْهِ بِنَفْسِ لُبْسِ مِثْلِهِ إلَّا الْمُكَعَّبَ، وَيَدْخُلُ ــ [منحة الخالق] [قَتْلُ الصَّيْدِ وَالْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ لِلْمُحْرِمِ] (قَوْلُهُ بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ) وَهُوَ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ ﵇ قَالَ حِينَ سَأَلُوهُ عَنْ لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ اصْطَادَهُ أَبُو قَتَادَةَ هَلْ مِنْكُمْ مَنْ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ قَالُوا لَا قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ» عَلَّقَ حِلَّهُ عَلَى عَدَمِ الْإِشَارَةِ وَالْأَمْرُ كَذَا فِي التَّبْيِينِ، وَقَدْ أَحَالَ الْمُؤَلِّفُ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَمَحِلُّهُ الْجِنَايَاتُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ هُنَاكَ بَلْ قَالَ وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقِ ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِالدَّلَالَةِ بَلْ بِالْأَمْرِ وَالْإِشَارَةِ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ فِي الْهِدَايَةِ بِلَفْظِ هَلْ أَشَرْتُمْ أَوْ أَعَنْتُمْ أَوْ دَلَلْتُمْ فَقَالَ لَا فَقَالَ إذَنْ فَكُلُوا لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّخْرِيجِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِلَفْظِ «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا قَالُوا لَا قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» وَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ «هَلْ أَشَرْتُمْ أَوْ أَعَنْتُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَكُلُوا» . اهـ. وَسَيَأْتِي فِي الْجِنَايَاتِ أَنَّ الدَّلَالَةَ الْتَحَقَتْ بِالْقَتْلِ اسْتِحْسَانًا، وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَزَادَ فِي اللُّبَابِ هُنَا وَالْإِعَانَةُ عَلَيْهِ قَالَ شَارِحُهُ أَيْ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِعَانَةِ كَإِعَارَةِ سِكِّينٍ أَوْ مُنَاوَلَةِ رُمْحٍ أَوْ سَوْطٍ اهـ. [لُبْسُ الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْقَبَاءِ وَالْخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ] (قَوْلُهُ كُلُّ شَيْءٍ مَعْمُولٌ عَلَى قَدْرِ الْبَدَنِ أَوْ بَعْضِهِ) يَدْخُلُ فِيهِ الْقُفَّازَانِ وَهُمَا مَا يُلْبَسُ فِي الْيَدَيْنِ قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ: وَكَذَا أَيْ يَحْرُمُ لُبْسُ الْمُحْرِمِ الْقُفَّازَيْنِ لِمَا نَقَلَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ مِنْ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ فِي يَدَيْهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَالَ الْفَارِسِيُّ وَيَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقُفَّازَيْنِ وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى جَوَازِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ مَمْنُوعَةً مِنْ لُبْسِهِمَا وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى لَهَا أَنْ لَا تَلْبَسَهُمَا لِقَوْلِهِ ﵊ «وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» جَمْعًا بَيْنَ الدَّلَائِلِ كَذَا ذَكَرُوهُ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَغْطِيَةِ يَدَيْهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ نَوْعٌ مِنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَقَالَ السِّنْدِيُّ فِي الْمَنْسَكِ الْكَبِيرِ وَمَا ذَكَرَهُ الْفَارِسِيُّ مِنْ جَوَازِ لُبْسِهِمَا خِلَافُ كَلِمَةِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا جَوَازَ لُبْسِهِمَا فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْمَرْأَةِ. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: لِأَنَّ لُبْسَ الْقُفَّازَيْنِ لُبْسٌ لَا تَغْطِيَةٌ، وَأَنَّهَا غَيْرُ مَمْنُوعَةٍ عَنْ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ ﵇ «وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» نَهْيُ نَدْبٍ حَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلَائِلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ اهـ. وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ السِّنْدِيِّ فِي مَنْسَكِهِ الْمُتَوَسِّطِ الْمُسَمَّى بِاللُّبَابِ أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ تَغْطِيَةُ يَدَيْهِ أَرَادَ بِهِ تَغْطِيَتَهُمَا بِنَحْوِ مِنْدِيلٍ؛ لِأَنَّ التَّغْطِيَةَ غَيْرُ اللُّبْسِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ

стр. 752

فِي الْخُفَّيْنِ الْجَوْرَبَانِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِمَا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى النَّعْلَيْنِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ الْحَدِيثِ وَكَلَامُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِمَعْنَى لَا يَحِلُّ لِمَا فِيهِ مِنْ إتْلَافِ مَالِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ. (قَوْلُهُ وَسَتْرُ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ) أَيْ وَاجْتَنِبْ تَغْطِيَتَهُمَا لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» وَاعْلَمْ أَنَّ أَئِمَّتَنَا اسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى حُرْمَةِ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ عَلَى الْمُحْرِمِ الْحَيِّ الْمَفْهُومِ مِنْ التَّعْلِيلِ وَلَمْ يَعْمَلُوا بِمَنْطُوقِهِ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ الْمُحْرِمِ فَإِنَّ حُكْمَهُ عِنْدَنَا كَسَائِرِ الْأَمْوَاتِ فِي تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَالشَّافِعِيَّةُ عَمِلُوا بِهِ فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُحْرِمُ وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ، وَأَجَابَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ عَنْ أَئِمَّتِنَا بِأَنَّهُمْ إنَّمَا لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ فِي الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» وَالْإِحْرَامُ عَمَلٌ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ فَيُغَطَّى الْعُضْوَانِ، وَلِهَذَا لَا يَبْنِي الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ عَلَى إحْرَامِ الْمَيِّتِ اتِّفَاقًا، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِهِ بِالْمَوْتِ وَالْأَعْرَابِيُّ مَخْصُوصٌ مِنْ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ بِبَقَاءِ إحْرَامِهِ وَهُوَ فِي غَيْرِهِ مَفْقُودٌ فَقُلْنَا بِانْقِطَاعِهِ بِالْمَوْتِ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُغَطِّي وَجْهَهَا إجْمَاعًا مَعَ أَنَّهَا عَوْرَةٌ مَسْتُورَةٌ وَفِي كَشْفِهِ فِتْنَةٌ فَلَأَنْ لَا يُغَطِّيَ الرَّجُلُ وَجْهَهُ لِلْإِحْرَامِ أَوْلَى، وَالْمُرَادُ بِسَتْرِ الرَّأْسِ تَغْطِيَتُهَا بِمَا يُغَطَّى بِهِ عَادَةً كَالثَّوْبِ احْتِرَازًا عَنْ شَيْءٍ لَا يُغَطَّى بِهِ عَادَةً كَالْعَدْلِ وَالطَّبَقِ وَالْإِجَّانَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سَتْرِ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ وَالْعِصَابَةِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ لَا يُغَطِّي فَاهُ وَلَا ذَقَنَهُ وَلَا عَارِضَهُ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ. (قَوْلُهُ وَغُسْلَهُمَا بِالْخِطْمِيِّ) أَيْ وَلْيَجْتَنِبْ غَسْلَ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بِالْخِطْمِيِّ وَاللِّحْيَةُ لَمَّا كَانَتْ فِي الْوَجْهِ أَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ وَوُجُوبُ اجْتِنَابِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ إذَا لَمْ يَجْتَنِبْهُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ طِيبٍ وَعِنْدَهُمَا صَدَقَةٌ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ الْهَوَامَّ وَيُلِينُ الشَّعْرَ، وَلَيْسَ بِطِيبٍ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ رَاجِعٌ إلَى تَفْسِيرِهِ، وَلَيْسَ بِاخْتِلَافٍ حَقِيقَةً كَالِاخْتِلَافِ فِي الصَّائِبَةِ وَالْإِفْطَارِ بِالْإِقْطَارِ فِي الْإِحْلِيلِ وَالْخِطْمِيُّ بِكَسْرِ الْخَاءِ نَبْتٌ يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ وَقَيَّدَ بِالْخِطْمِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بِالْحَرَضِ وَالصَّابُونِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِهِمْ (قَوْلُهُ وَمَسَّ الطِّيبِ) أَيْ وَاجْتَنِبْهُ مُطْلَقًا فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ لِقَوْلِهِ ﵇ «الْحَاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ» وَهُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مُغَبَّرُ الرَّأْسِ وَالتَّفِلُ بِكَسْرِ الْفَاءِ تَارِكُ الطِّيبِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ نَقِيضُ الْخُبْثِ وَفِي الشَّرِيعَةِ هُوَ جِسْمٌ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ كَالزَّعْفَرَانِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالْيَاسَمِينِ وَالْغَالِيَةِ وَالْوَرْدِ وَالْوَرْسِ وَالْعُصْفُرِ وَالْحِنَّاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ هُنَا الدُّهْنَ كَمَا فِي الْوَافِي إمَّا أَنَّهُ أَصْلُ الطِّيبِ فَدَخَلَ تَحْتَهُ، وَإِمَّا لِلِاخْتِلَافِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ. (قَوْلُهُ وَحَلْقَ رَأْسِهِ وَقَصَّ شَعْرِهِ وَظُفْرِهِ) أَيْ وَاجْتَنِبْ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَالْقَصُّ فِي مَعْنَاهُ فَثَبَتَ دَلَالَةً، وَالْمُرَادُ إزَالَةُ الشَّعْرِ كَيْفَمَا كَانَ حَلْقًا وَقَصًّا وَنَتْفًا وَتَنُّورًا وَإِحْرَاقًا مِنْ أَيِّ مَكَان كَانَ مِنْ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ مُبَاشَرَةً أَوْ تَمْكِينًا، لَكِنْ قَالَ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ قَلْعُ الشَّعْرِ النَّابِتِ فِي الْعَيْنِ فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ عِنْدَنَا. [الِاغْتِسَالُ وَدُخُولُ الْحَمَّامِ لِلْمُحْرِمِ] (قَوْلُهُ لَا الِاغْتِسَالُ وَدُخُولُ الْحَمَّامِ) أَيْ لَا يَتَّقِيهِمَا لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّهُ ﷺ اغْتَسَلَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» (قَوْلُهُ وَالِاسْتِظْلَالُ بِالْبَيْتِ وَالْمَحْمِلِ) أَيْ لَا يَجْتَنِبُهُ وَالْمَحْمِلُ بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ أَوْ عَكْسُهُ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُصِبْ رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ فَلَوْ أَصَابَ أَحَدَهُمَا يُكْرَهُ كَمَا لَوْ حَمَلَ ثِيَابًا عَلَى رَأْسِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ بِخِلَافِ مَا إذَا حَمَلَ نَحْوَ الطَّبَقِ أَوْ الْإِجَّانَةِ وَالْعَدْلِ الْمَشْغُولِ. (قَوْلُهُ وَشَدَّ الْهِمْيَانِ فِي وَسَطِهِ) أَيْ لَا يَجْتَنِبُهُ وَهُوَ بِالْكَسْرِ مَا يُجْعَلُ فِيهِ الدَّرَاهِمُ، وَيُشَدُّ عَلَى الْحَقْوِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ فِيهِ نَفَقَتُهُ أَوْ نَفَقَةُ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلُبْسِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِي لُبَابِ الْمَنَاسِكِ وَلَوْ وَجَدَ النَّعْلَيْنِ بَعْدَ لُبْسِهِمَا أَيْ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِدَامَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَجُوزُ لُبْسُ الْمَقْطُوعِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ اهـ. قَالَ شَارِحُهُ لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ الْمُرَتَّبَةَ عَلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَقَالَ قَبْلَهُ مَا حَاصِلُهُ حَكَى الطَّبَرِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى النَّعْلَيْنِ لَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ وَلَوْ قَطَعَهُمَا لَكِنَّ هَذَا خِلَافُ الْمَذْهَبِ، وَلَعَلَّهُ رِوَايَةٌ عَنْهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ لُبْسَهُمَا حِينَئِذٍ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ فَيُكْرَهُ، وَتَحْصُلُ بِهِ الْإِسَاءَةُ وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي جَوَازِهِ وَمُقْتَضَى النَّصِّ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ قَيْدَ عَدَمِ وُجْدَانِ النَّعْلَيْنِ لِوُجُوبِ قَطْعِ الْخُفَّيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ حِينَئِذٍ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ عَبَثًا، وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا إذَا قَطَعَهُمَا وَلَبِسَهُمَا مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ اهـ. (قَوْلُهُ وَهُوَ فِي غَيْرِهِ مَفْقُودٌ) أَيْ بَقَاءُ الْإِحْرَامِ مَفْقُودٌ فِي غَيْرِ الْأَعْرَابِيِّ الْمَخْصُوصِ بِتِلْكَ الْخُصُوصِيَّةِ لِعَدَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَقُلْنَا بِانْقِطَاعِهِ بِالْمَوْتِ عَلَى الْأَصْلِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ غَيْرُ مَفْقُودٍ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ

стр. 753

مَخِيطٍ وَلَا فِي مَعْنَاهُ. وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ شَدُّ الْمِنْطَقَةِ وَالسَّيْفِ وَالسِّلَاحِ وَالتَّخَتُّمُ بِالْخَاتَمِ، وَمِمَّا لَا يُكْرَهُ لَهُ أَيْضًا الِاكْتِحَالُ بِغَيْرِ الْمُطَيِّبِ وَأَنْ يَخْتَتِنَ وَيَفْتَصِدَ وَيَقْلَعَ ضِرْسَهُ وَيَجْبُرَ الْكَسْرَ وَيَحْتَجِمَ، وَأَنْ يَحُكَّ رَأْسَهُ وَبَدَنَهُ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ خَافَ سُقُوطَ شَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ حَكَّهُ بِرِفْقٍ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِالْحَكِّ الشَّدِيدِ. (قَوْلُهُ وَأَكْثِرْ مِنْ التَّلْبِيَةِ مَتَى صَلَّيْتَ أَوْ عَلَوْتَ شَرَفًا أَوْ هَبَطْتَ وَادِيًا أَوْ لَقِيتَ رَكْبًا وَبِالْأَسْحَارِ رَافِعًا صَوْتَكَ) أَيْ أَكْثِرْ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ كَتَكْبِيرِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الِانْتِقَالِ أَطْلَقَ الصَّلَاةَ فَشَمِلَ فَرْضَهَا وَوَاجِبَهَا وَنَفْلَهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَخَصَّهَا الطَّحَاوِيُّ بِالْمَكْتُوبَاتِ قِيَاسًا عَلَى تَكْبِيرَاتِ التَّشْرِيقِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَعَلَوْتَ شَرَفًا أَيْ صَعِدْت مَكَانًا مُرْتَفِعًا وَقِيلَ بِضَمِّ الشِّينِ جَمْعُ شُرْفَةٍ، وَالرَّكْبُ جَمْعُ رَاكِبٍ كَتَجْرٍ جَمْعِ تَاجِرٍ، وَالسَّحَرُ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ وَصَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْهَا عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ سُنَّةٌ حَتَّى تَلْزَمَهُ الْإِسَاءَةُ بِتَرْكِهَا. قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَظَهَرَ أَنَّ التَّلْبِيَةَ فَرْضٌ وَسُنَّةٌ وَمَنْدُوبٌ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَرِّرَهَا كُلَّمَا أَخَذَ فِيهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَأْتِي بِهَا عَلَى الْوَلَاءِ وَلَا يَقْطَعُهَا بِكَلَامٍ، وَلَوْ رَدَّ السَّلَامَ فِي خِلَالِهَا جَازَ لَكِنْ يُكْرَهُ لِغَيْرِ السَّلَامِ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ التَّلْبِيَةِ، وَإِذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ قَالَ لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَقِبَ تَلْبِيَتِهِ سِرًّا، وَيَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَيَتَعَوَّذُ مِنْ النَّارِ وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا سُنَّةٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ. (قَوْلُهُ وَابْدَأْ بِالْمَسْجِدِ بِدُخُولِ مَكَّةَ) الْبَاءُ الْأُولَى بَاءُ التَّعْدِيَةِ وَهُوَ إيصَالُ مَعْنَى مُتَعَلِّقِهَا بِمَدْخُولِهَا، وَالثَّانِيَةُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَعِبَارَةُ أَصْلِهِ أَوْلَى وَهِيَ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ فَعَلَهُ ﵇، وَكَذَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ أَنَّ مِنْ الِاغْتِسَالَاتِ الْمَسْنُونَةِ الِاغْتِسَالَ لِدُخُولِهَا، وَهُوَ لِلنَّظَافَةِ فَيُسْتَحَبُّ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَلَمْ يُقَيَّدْ دُخُولُ مَكَّةَ بِزَمَنٍ خَاصٍّ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ لَيْلًا دَخَلَهَا أَوْ نَهَارًا؛ لِأَنَّهُ ﵇ دَخَلَهَا نَهَارًا فِي حِجَّتِهِ وَلَيْلًا فِي عُمْرَتِهِ فَهُمَا سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْكَرَاهَةِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ الدُّخُولِ لَيْلًا فَلَيْسَ تَقْرِيرًا لِلسُّنَّةِ بَلْ شَفَقَةً عَلَى الْحَاجِّ مِنْ السُّرَّاقِ، وَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ فَالدُّخُولُ نَهَارًا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ بَابِ الْمُعَلَّا لِيَكُونَ مُسْتَقْبِلًا فِي دُخُولِهِ بَابَ الْبَيْتِ تَعْظِيمًا، وَإِذَا خَرَجَ فَمِنْ السُّفْلَى وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَقْدِيمَ الرِّجْلِ الْيُمْنَى ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَمِمَّا لَا يُكْرَهُ لَهُ أَيْضًا إلَخْ) تَكْمِيلٌ لِمُبَاحَاتِ الْإِحْرَامِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ ذَكَرَ مِنْهَا فِي اللُّبَابِ نَزْعَ الضِّرْسِ وَالظُّفْرِ الْمَكْسُورِ وَالْفَصْدَ وَالْحِجَامَةَ بِإِزَالَةِ شَعْرٍ وَقَلْعَ الشَّعْرِ النَّابِتِ فِي الْعَيْنِ وَالتَّوْشِيحَ بِالْقَمِيصِ وَالِارْتِدَادَ بِهِ وَالِاتِّزَارَ بِهِ وَبِالسَّرَاوِيلِ وَالتَّحَرُّمَ بِالْعِمَامَةِ أَيْ الِاتِّزَارُ بِهَا مِنْ غَيْرِ عَقْدِهَا وَغَرْزُ طَرَفِ رِدَائِهِ فِي إزَارِهِ، وَإِلْقَاءُ الْقَبَاءِ وَالْعَبَاءِ وَالْفَرْوَةِ عَلَيْهِ بِلَا إدْخَالِ مَنْكِبَيْهِ وَوَضْعُ خَدِّهِ عَلَى وِسَادَةٍ وَوَضْعُ يَدِهِ أَوْ يَدِ غَيْرِهِ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ أَنْفِهِ وَتَغْطِيَةُ اللِّحْيَةِ مَا دُونَ الذَّقَنِ وَأُذُنَيْهِ وَقَفَاهُ وَيَدَيْهِ أَيْ بِمِنْدِيلٍ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ لُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ وَسَائِرِ بَدَنِهِ سِوَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَحَمْلُ إجَّانَةٍ أَوْ عَدْلٍ أَوْ جُوَالِقَ عَلَى رَأْسِهِ بِخِلَافِ حَمْلِ الثِّيَابِ، وَأَكْلُ مَا اصْطَادَهُ حَلَالٌ، وَأَكْلُ طَعَامٍ فِيهِ طِيبٌ إنْ مَسَّتْهُ النَّارُ أَوْ تَغَيَّرَ، وَالسَّمْنُ وَالزَّيْتُ وَالشَّيْرَجُ وَكُلُّ دُهْنٍ لَا طِيبَ فِيهِ وَالشَّحْمُ وَدَهْنُ جُرْحٍ أَوْ شِقَاقٍ وَقَطْعُ شَجَرِ الْحِلِّ وَحَشِيشِهِ رَطْبًا وَيَابِسًا وَإِنْشَادُ الشِّعْرِ أَيْ الْمُبَاحُ وَالتَّزَوُّجُ وَالتَّزْوِيجُ وَلَوْ قَبْلَ سَعْيِ الْحَجِّ وَذَبْحُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالدَّجَاجِ وَالْبَطِّ الْأَهْلِيِّ وَقَتْلُ الْهَوَامِّ وَالْجُلُوسُ فِي دُكَّانِ عَطَّارٍ لَا لِاشْتِمَامِ رَائِحَةٍ اهـ. أَيْ لَا لِقَصْدِ أَنْ يَشُمَّ رَائِحَةً، وَزَادَ فِي الْكَبِيرِ وَضَرْبُ خَادِمِهِ أَيْ إذَا اسْتَحَقَّ «لِضَرْبِ الصِّدِّيقِ ﵁ عَبْدَهُ الَّذِي أَضَلَّ النَّاقَةَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا زَامِلَتُهُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَمْنَعْهُ» ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَا اشْتَهَرَ أَنَّ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ ضَرْبُ الْجِمَالِ عَلَى إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى مَفْعُولِهِ وَإِنْ حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ إضَافَتِهِ إلَى فَاعِلِهِ فَيُفِيدُ كَمَالَ تَحَمُّلِهِ فِي سَبِيلِهِ اهـ. مِنْ شَرْحِ اللُّبَابِ لِمُنْلَا عَلِيٍّ الْقَارِي، وَذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الْمُؤَلَّفِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَهِرَةِ عَلَى الْأَلْسُنِ أَنَّ الثَّانِيَ أَظْهَرُ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ الْجَرَّاحِيُّ عَنْ الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ لِلسِّنْجَارِيِّ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْأَعْمَشِ، وَأَنَّ ابْنَ حَزْمٍ حَمَلَهُ عَلَى الْفَسَقَةِ مِنْ الْجَمَّالِينَ يَعْنِي إنْ سَاغَ لَهُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَإِلَّا أَعْلَمَ الْأَمِيرَ أَوْ نَحْوَهُ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ مِنْ نَوَادِرِ الْأَعْمَشِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَلَيْسَ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ ضَرْبُ الْجِمَالِ خِلَافًا لِلْأَعْمَشِ ثُمَّ حَكَى حَمْلَ ابْنِ حَزْمٍ السَّابِقَ اهـ. مَا فِي الْمَقَاصِدِ اهـ. (قَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَقْدِيمَ الرِّجْلِ الْيُمْنَى سُنَّةٌ إلَخْ) أَيْ فَيُقَدِّمُهَا عِنْدَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ قَالَ فِي الْفَتْحِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك اهـ. وَفِي مَنَاسِكِ تِلْمِيذِهِ السِّنْدِيِّ وَشَرْحِهِ لِمُنْلَا عَلِيٍّ وَقَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُولِ أَيْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَيَقُولُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ بِسْمِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك وَقَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي الْخُرُوجِ مِنْهُ قَائِلًا مَا سَبَقَ

стр. 754

سُنَّةُ دُخُولِ الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مُلَبِّيًا فِي دُخُولِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بَابَ بَنِي شَيْبَةَ فَيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ ﵇ دَخَلَ مِنْهُ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِبَابِ السَّلَامِ مُتَوَاضِعًا خَاشِعًا مُلَبِّيًا مُلَاحِظًا جَلَالَةَ الْبُقْعَةِ مَعَ التَّلَطُّفِ بِالْمُزَاحِمِ. (قَوْلُهُ وَكَبِّرْ وَهَلِّلْ تِلْقَاءَ الْبَيْتِ) أَيْ مُوَاجِهًا لَهُ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّهُ ﵇ كَبَّرَ ثَلَاثًا وَقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ، فَالْمُرَادُ مِنْ التَّكْبِيرِ اللَّهُ أَكْبَرُ أَيْ مِنْ هَذِهِ الْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمَةِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَالْأَوْلَى أَيْ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَمِنْ التَّهْلِيلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الدُّعَاءَ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْبَيْتِ وَهَكَذَا فِي الْمُتُونِ وَهِيَ غَفْلَةٌ عَمَّا لَا يُغْفَلُ عَنْهُ فَإِنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَهَا مُسْتَجَابٌ وَمُحَمَّدٌ ﵀ لَمْ يُعَيِّنْ فِي الْأَصْلِ لِمُشَاهِدِ الْحَجِّ شَيْئًا مِنْ الدَّعَوَاتِ؛ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ يَذْهَبُ بِالرِّقَّةِ، وَإِنْ تَبَرَّكَ بِالْمَنْقُولِ مِنْهَا فَحَسَنٌ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ فَصْلِ الْقِرَاءَةِ لِلْمُصَلِّي يَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ فِي الصَّلَاةِ بِدُعَاءٍ مَحْفُوظٍ لَا بِمَا يَحْضُرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ مَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ فَتَفْسُدَ صَلَاتُهُ فَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ بِمَا يَحْضُرُهُ، وَلَا يَسْتَظْهِرَ الدُّعَاءَ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الدُّعَاءِ يَمْنَعُهُ عَنْ الرِّقَّةِ اهـ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمَنَاقِبِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَوْصَى رَجُلًا يُرِيدُ السَّفَرَ إلَى مَكَّةَ بِأَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْبَيْتِ بِاسْتِجَابَةِ دُعَائِهِ فَإِنْ اُسْتُجِيبَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ صَارَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمِنْ أَهَمِّ الْأَدْعِيَةِ طَلَبُ الْجَنَّةِ بِلَا حِسَابٍ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ هُنَا مِنْ أَهَمِّ الْأَذْكَارِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ مُكَبِّرًا مُهَلِّلًا مُسْتَلِمًا بِلَا إيذَاءٍ) لِفِعْلِهِ ﵇ كَذَلِكَ وَلِنَهْيِ عُمَرَ عَنْ الْمُزَاحَمَةِ وَلِأَنَّ الِاسْتِلَامَ سُنَّةٌ وَالْكَفَّ عَنْ الْإِيذَاءِ وَاجِبٌ فَالْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ مُتَعَيِّنٌ، وَالِاسْتِلَامُ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَيُقَبِّلَهُ لِفِعْلِهِ ﵇ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ وَضَعَ يَدَيْهِ وَقَبَّلَهُمَا أَوْ إحْدَاهُمَا فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَمَسَّ الْحَجَرَ شَيْئًا كَالْعُرْجُونِ وَنَحْوِهِ، وَقَبَّلَهُ لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ لِلزَّحْمَةِ اسْتَقْبَلَهُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ، وَجَعَلَ بَاطِنَهُمَا نَحْوَ الْحَجَرِ مُشِيرًا بِهِمَا إلَيْهِ وَظَاهِرَهُمَا نَحْوَ وَجْهِهِ هَكَذَا الْمَأْثُورُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الْحَجَرِ فَعَلَ لِفِعْلِهِ ﵇ وَالْفَارُوقِ بَعْدَهُ وَقَوْلُ الْقِوَامِ الْكَاكِيِّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَسْجُدَ عِنْدَنَا ضَعِيفٌ، وَهَذَا التَّقْبِيلُ الْمَسْنُونُ إنَّمَا يَكُونُ بِوَضْعِ الشَّفَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَصْوِيتٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ تَحِيَّةَ الْبَيْتِ الطَّوَافُ فَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَيَطُوفُ طَوَافَ التَّحِيَّةِ وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فَطَوَافُ الْقُدُومِ وَهُوَ أَيْضًا تَحِيَّةٌ إلَّا أَنَّهُ خُصَّ بِهَذِهِ الْإِضَافَةِ، وَإِنْ دَخَلَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَطَوَافُ الْفَرْضِ يُغْنِي كَصَلَاةِ الْفَرْضِ تُغْنِي عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ أَوْ بِالْعُمْرَةِ فَطَوَافُ ــ [منحة الخالق] إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ هُنَا أَبْوَابَ فَضْلِك بَدَلَ أَبْوَابِ رَحْمَتِك لِحَدِيثٍ وَرَدَ كَذَلِكَ. (قَوْلُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الدُّعَاءَ إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ وَشَرْحُهُ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ أَيْ وَلَوْ حَالَ دُعَائِهِ لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الْمَشَاهِيرِ مِنْ كُتُبِ الْأَصْحَابِ كَالْقُدُورِيِّ وَالْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَالْبَدَائِعِ بَلْ قَالَ السُّرُوجِيُّ الْمَذْهَبُ تَرْكُهُ، وَبِهِ صَرَّحَ صَاحِبُ اللُّبَابِ وَكَلَامُ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ يُكْرَهُ الرَّفْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَنُقِلَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ وَقِيلَ يَرْفَعُ أَيْ يَدَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ وَسَمَّاهُ الْبَصْرَوِيُّ مُسْتَحَبًّا فَكَأَنَّهُمَا اعْتَمَدَا عَلَى مُطْلَقِ آدَابِ الدُّعَاءِ، وَلَكِنَّ السُّنَّةَ مُتَّبَعَةٌ فِي الْأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ أَمَا تَرَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا فِي الطَّوَافِ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَوَامّ مِنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الطَّوَافِ عِنْدَ دُعَاءِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ أَوْ الْحَنَفِيَّةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَلَا حَاجَةَ لَهُ وَلَا عِبْرَةَ بِمَا جَوَّزَهُ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الْعَلَّامَةَ البرنطوشي كَانَ يَزْجُرُ مَنْ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ حَالَ الطَّوَافِ اهـ. (قَوْلُهُ وَالِاسْتِلَامُ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ أَنْ يَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَيْهِ وَيُقَبِّلَهُ بِفِيهِ بِلَا صَوْتٍ وَفِي الْخَانِيَّةِ ذَكَرَ مَسْحَ الْوَجْهِ بِالْيَدِ مَكَانَ التَّقْبِيلِ لَكِنْ بَعْدَ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى وَمَنَاسِكِ الْكَرْمَانِيِّ، زَادَ فِي التُّحْفَةِ وَيُرْسِلُهُمَا ثُمَّ يَسْتَلِمُ وَفِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا الصَّحِيحُ أَنْ يَرْفَعَهُمَا حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ. (قَوْلُهُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الْحَجَرِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَهَلْ يُنْدَبُ السُّجُودُ عَلَيْهِ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا ذَلِكَ وَعَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُهُ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ، وَقَالَ رَأَيْت عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ فَفَعَلْتُهُ» رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْحَاكِمُ وَفِي الْمِعْرَاجِ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُقَبِّلُهُ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ مَالِكٌ السُّجُودُ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ وَعِنْدَنَا الْأَوْلَى أَنْ لَا يَسْجُدَ لِعَدَمِ الرِّوَايَةِ فِي الْمَشَاهِيرِ، وَجَزَمَ فِي الْبَحْرِ بِضَعْفِ مَا فِي الْمِعْرَاجِ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ صَاحِبُ الدَّارِ أَدْرَى اهـ. أَيْ أَنَّ الْكَاكِيَّ صَاحِبَ الْمِعْرَاجِ أَدْرَى بِالْحُكْمِ عِنْدَنَا مِنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ وَلِذَا نَقَلَهُ فِي الْفَتْحِ وَأَقَرَّهُ أَقُولُ: حَيْثُ صَحَّ الْحَدِيثُ يُتَّبَعُ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ فِي الْمَشَاهِيرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَهِيَ تَثْبُتُ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فَبِالصَّحِيحِ أَوْلَى، وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةً حَتَّى يَتَوَقَّفَ فِيهَا عَلَى نَصٍّ مِنْ

стр. 755

الْعُمْرَةِ، وَلَا يُسَنُّ فِي حَقِّهِ طَوَافُ الْقُدُومِ وَاسْتَثْنَى عُلَمَاؤُنَا مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا دَخَلَ فِي وَقْتٍ مُنِعَ النَّاسُ مِنْ الطَّوَافِ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ مَكْتُوبَةٌ أَوْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ لِلْمَكْتُوبَةِ أَوْ الْوِتْرِ أَوْ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ أَوْ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَكْتُوبَةِ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ عَلَى الطَّوَافِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، ثُمَّ يَطُوفُ وَفِي قَوْلِهِ الْحَجَرُ دُونَ أَنْ يَصِفَهُ بِالسَّوَادِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ حِينَ أُخْرِجَ مِنْ الْجَنَّةِ كَانَ أَبْيَضَ مِنْ اللَّبَنِ، وَإِنَّمَا اسْوَدَّ بِمَسِّ الْمُشْرِكِينَ وَالْعُصَاةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. (قَوْلُهُ وَطُفْ مُضْطَبِعًا وَرَاءَ الْحَطِيمِ آخِذًا عَنْ يَمِينِك مِمَّا يَلِي الْبَابَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) لِفِعْلِهِ ﵇ كَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَ ثَوْبَهُ تَحْتَ يَدِهِ الْيُمْنَى وَيُلْقِيَهُ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ يُقَالُ اضْطَبَعَ بِثَوْبِهِ وَتَأَبَّطَ بِهِ وَقَوْلُهُمْ اضْطَبَعَ رِدَاءَهُ سَهْوٌ، وَإِنَّمَا الصَّوَابُ بِرِدَائِهِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَهُوَ سُنَّةٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الضَّبُعِ وَهُوَ الْعَضُدُ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى مَكْشُوفًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ بِقَلِيلٍ، وَأَمَّا إدْخَالُ الْحَطِيمِ فِي طَوَافِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ الْحَطِيمَ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ الْبَيْتِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ يُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ الطَّوَافِ مِنْ الْأَصْلِ أَوْ إعَادَتِهِ عَلَى الْحَطِيمِ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، وَلَوْ لَمْ يَعُدْ لَزِمَهُ دَمٌ وَلَوْ اسْتَقْبَلَ الْحَطِيمَ وَحْدَهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ التَّوَجُّهِ ثَبَتَتْ بِنَصِّ الْكِتَابِ فَلَا تَتَأَدَّى بِمَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ احْتِيَاطًا، وَلَهُ ثَلَاثُ أَسَامٍ حَطِيمٌ وَحَظِيرَةٌ وَحِجْرٌ وَهُوَ اسْمٌ لِمَوْضِعٍ مُتَّصِلٍ بِالْبَيْتِ مِنْ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فُرْجَةٌ وَسُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حُطِّمَ مِنْ الْبَيْتِ أَيْ كُسِرَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَالْقَتِيلِ بِمَعْنَى الْمَقْتُولِ؛ أَوْ لِأَنَّ مَنْ دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فِيهِ حَطَّمَهُ اللَّهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ كَذَا فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ، وَلَيْسَ كُلُّهُ مِنْ الْبَيْتِ بَلْ مِقْدَارُ سِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنْ الْبَيْتِ بِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ فِيهِ قَبْرَ هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉، وَأَمَّا أَخْذُهُ عَنْ يَمِينِهِ مِمَّا يَلِي الْبَابَ فَهُوَ وَاجِبٌ أَيْضًا حَتَّى لَوْ طَافَ مَنْكُوسًا صَحَّ، وَأَثِمَ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ وَيَجِبُ إعَادَتُهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ إعَادَتِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَالْحِكْمَةُ فِي كَوْنِهِ يَجْعَلُ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ أَنَّ الطَّائِفَ بِالْبَيْتِ مُؤْتَمٌّ بِهِ، وَالْوَاحِدُ مَعَ الْإِمَامِ يَكُونُ الْإِمَامُ عَلَى يَسَارِهِ وَقِيلَ لِأَنَّ الْقَلْبَ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، وَقِيلَ لِيَكُونَ الْبَابُ فِي أَوَّلِ طَوَافِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] . وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ مِمَّا يَلِي الْبَابَ أَنَّ الِافْتِتَاحَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَتْرُكْهُ قَطُّ، وَقِيلَ شَرْطٌ حَتَّى لَوْ افْتَتَحَ مِنْ غَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالطَّوَافِ فِي الْآيَةِ مُجْمَلٌ فِي حَقِّ الِابْتِدَاءِ فَالْتَحَقَ فِعْلُهُ ﵇ بَيَانًا لَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هُنَا وَفِي بَابِ الْجِنَايَاتِ ذَكَرَ أَنَّ ــ [منحة الخالق] الْمُجْتَهِدِ مَا لَمْ يَثْبُتُ عَنْهُ خِلَافُهَا فَيُتَّبَعُ مَا ثَبَتَ عَنْهُ وَلِذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَشَى فِي اللُّبَابِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَقَالَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْجُدَ عَلَيْهِ وَيُكَرِّرَهُ مَعَ التَّقْبِيلِ ثَلَاثًا اهـ قَالَ شَارِحُهُ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ رَشِيدُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَكَذَا نَقَلَ السُّجُودَ عَنْ أَصْحَابِنَا الْعِزُّ بْنُ جَمَاعَةَ لَكِنْ نَقَلَ الْكَاكِيُّ إلَخْ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَطُفْ مُضْطَبِعًا) قَالَ الْعَلَّامَةُ ﵀ السِّنْدِيُّ تِلْمِيذُ ابْنِ الْهُمَامِ فِي مَنَاسِكِهِ الْمُخْتَصَرَةِ وَالْمُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِي فِي شَرْحِهَا: وَيُضْطَبَعُ أَيْ فِي جَمِيعِ الْأَشْوَاطِ إنْ أَرَادَ أَنْ يَسْعَى بَعْدَهُ أَيْ يُقَدِّمُ السَّعْيَ عَقِبَهُ وَإِلَّا لَا أَيْ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْعَى بَعْدَ هَذَا الطَّوَافِ، وَأَرَادَ أَنْ يُؤَخِّرَ السَّعْيَ إلَى مَا بَعْدَ الطَّوَافِ الْفَرْضِ فَلَا يَرْمُلُ وَلَا يَضْطَبِعُ حِينَئِذٍ هُنَا بَلْ يُؤَخِّرُهُمَا إلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ فَيَرْمُلُ فِيهِ، وَكَذَا يَضْطَبِعُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَابِسًا اهـ. وَقَالَ الْمُنْلَا عَلِيٌّ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَهُوَ شَرْحُ الْمَنْسَكِ الْمُتَوَسِّطِ مِنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ لِعُذْرٍ هَلْ يُسَنُّ فِي حَقِّهِ التَّشَبُّهُ بِهِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أَصْحَابُنَا، وَذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الِاضْطِبَاعَ إنَّمَا يُسَنَّ لِمَنْ لَمْ يَلْبَسْ الْمَخِيطَ، وَأَمَّا مَنْ لَبِسَهُ مِنْ الرِّجَالِ فَيَتَعَذَّرُ فِي حَقِّهِ الْإِتْيَانُ بِالسُّنَّةِ أَيْ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ يُشْرَعُ لَهُ جَعْلُ وَسَطِ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ وَطَرَفِهِ عَلَى الْأَيْسَرِ وَإِنْ كَانَ الْمَنْكِبُ مَسْتُورًا بِالْمَخِيطِ لِلْعُذْرِ. قَالَ فِي عُمْدَةِ الْمَنَاسِكِ: وَهَذَا لَا يَبْعُدُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْمُضْطَبِعِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الِاضْطِبَاعِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُخَاطَبٍ فِيمَا يَظْهَرُ قُلْت: الْأَظْهَرُ فِعْلُهُ فَإِنَّ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُحْرِمَ إنْ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ وَقَعَ طَوَافُهُ هَذَا لِلْقُدُومِ وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا بِالْعُمْرَةِ أَوْ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا وَقَعَ عَنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ نَوَاهُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ وَعَلَى الْقَارِنِ أَيْ اسْتِحْبَابًا أَنْ يَطُوفَ طَوَافًا آخَرَ لِلْقُدُومِ كَذَا فِي اللُّبَابِ، وَهَذَا الطَّوَافُ لِلْقُدُومِ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ الْآنَ فِي الْمُفْرِدِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا اضْطِبَاعَ وَلَا رَمَلَ وَلَا سَعْيَ لِأَجْلِ هَذَا الطَّوَافِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ فِيهِ ذَلِكَ إذَا أَرَادَ تَقْدِيمَ سَعْيِ الْحَجِّ عَلَى وَقْتِهِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي هُوَ عَقِيبَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ. اهـ. لُبَابٌ. (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ) أَيْ لَمْ يَطُفْ وَرَاءَ الْحَطِيمِ أَيْ جِدَارَ الْحِجْرِ بَلْ دَخَلَ الْفُرْجَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ أَيْ وَخَرَجَ مِنْ الْفُرْجَةِ الْأُخْرَى فَالْوَاجِبُ أَنْ يُعِيدَهُ مِنْ الْحِجْرِ، وَالْأَفْضَلُ إعَادَةُ كُلِّهِ، وَصُورَةُ الْإِعَادَةِ عَلَى الْحِجْرِ أَنْ يَأْخُذَ عَنْ يَمِينِهِ خَارِجَ الْحِجْرِ أَيْ مُبْتَدِئًا مِنْ أَوَّلِ أَجْزَاءِ الْفُرْجَةِ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ لِلِاحْتِيَاطِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ يَدْخُلَ الْحِجْرَ مِنْ الْفُرْجَةِ وَيَخْرُجَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْ طَرَفِهِ أَوْ لَا يَدْخُلَ الْحِجْرَ بَلْ يَرْجِعَ وَيَبْتَدِئَ مِنْ أَوَّلِ

стр. 756

ظَاهِرَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ حَتَّى لَوْ افْتَتَحَ مِنْ غَيْرِ الْحَجَرِ جَازَ وَيُكْرَهُ، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الرُّقَيَّاتِ أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ الْقَدْرُ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْأَصْلِ فَقَدْ جَعَلَ الْبِدَايَةَ مِنْهُ فَرْضًا اهـ. وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ لِلْمُوَاظَبَةِ وَالِافْتِرَاضُ بَعِيدٌ عَنْ الْأُصُولِ لِلُزُومِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْقَطْعِيِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَعَلَّ صَاحِبَ الْمُحِيطِ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ الَّتِي بِمَعْنَى الْوَاجِبِ، وَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةً، وَلَمَّا كَانَ الِابْتِدَاءُ مِنْ الْحَجَرِ وَاجِبًا كَانَ الِابْتِدَاءُ مِنْ الطَّوَافِ مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي فِيهَا الرُّكْنُ الْيَمَانِي قَرِيبًا مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مُتَعَيِّنًا لِيَكُونَ مَارًّا بِجَمِيعِ بَدَنِهِ عَلَى جَمِيعِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْعَوَامّ شَاهَدْنَاهُمْ يَبْتَدِئُونَ الطَّوَافَ وَبَعْضُ الْحَجَرِ خَارِجٌ عَنْ طَوَافِهِمْ فَاحْذَرْهُ، وَقَوْلُهُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ بَيَانٌ لِلْوَاجِبِ لَا لِلْفَرْضِ فِي الطَّوَافِ فَإِنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ أَقَلَّ الْأَشْوَاطِ السَّبْعَةِ وَاجِبَةٌ تُجْبَرُ بِالدَّمِ فَالرُّكْنُ أَكْثَرُ الْأَشْوَاطِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ أَرْبَعَةُ أَشْوَاطٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْمَبْسُوطِ، وَذَكَرَ الْجُرْجَانِيُّ أَنَّهُ ثَلَاثَةُ أَشْوَاطٍ وَثُلُثَا شَوْطٍ، وَخَالَفَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ أَهْلَ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِأَنَّ السَّبْعَةَ رُكْنٌ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْهَا، وَأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُقَامُ فِيهِ الْأَكْثَرُ مَقَامَ الْكُلِّ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ فِي الْجِنَايَاتِ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ أَعْنِي السَّبْعَةَ مَانِعٌ لِلنُّقْصَانِ اتِّفَاقًا، وَاخْتَلَفُوا فِي مَنْعِهِ لِلزِّيَادَةِ حَتَّى لَوْ طَافَ ثَامِنًا، وَعَلِمَ أَنَّهُ ثَامِنٌ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُ إتْمَامُ الْأُسْبُوعِ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِيهِ مُلْتَزِمًا بِخِلَافِ مَا إذَا ظَنَّ أَنَّهُ سَابِعٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ ثَامِنٌ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِيهِ مُسْقِطًا لَا مُلْتَزِمًا كَالْعِبَادَةِ الْمَظْنُونَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الطَّوَافَ خَالَفَ الْحَجَّ فَإِنَّهُ إذَا شَرَعَ فِيهِ مُسْقِطًا يَلْزَمُهُ إتْمَامُهُ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْعِبَادَاتِ، وَالْأَشْوَاطُ جَمْعُ شَوْطٍ وَهُوَ جَرْيٌ مَرَّةً إلَى الْغَايَةِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَفِي الْخَانِيَّةِ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ شَوْطٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَكَانَ الطَّوَافِ دَاخِلُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى لَوْ طَافَ بِالْبَيْتِ مِنْ وَرَاءَ زَمْزَمَ أَوْ مِنْ وَرَاءِ السَّوَارِي جَازَ وَمِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الطَّوَافُ مُلَاصِقًا لِحَائِطِ الْبَيْتِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَدٍّ فَاصِلٍ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ فَجَعَلْنَا الْفَاصِلَ حَائِطَ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ بُقْعَةٍ ــ [منحة الخالق] الْحَجَرِ وَهُوَ الْأَوْلَى لِئَلَّا يَجْعَلَ الْحَطِيمَ الَّذِي هُوَ مِنْ الْكَعْبَةِ وَهِيَ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ طَرِيقًا إلَى مَقْصِدِهِ إلَّا إذَا نَوَى دُخُولَ الْبَيْتِ كُلَّ مَرَّةٍ وَطَلَبَ الْبَرَكَةَ فِي كُلِّ كَرَّةٍ ثُمَّ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مِنْ الْإِعَادَةِ لَا يُعَدُّ عَوْدُهُ شَوْطًا؛ لِأَنَّهُ مَنْكُوسٌ وَهُوَ خِلَافُ الشَّرْطِ أَوْ الْوَاجِبِ فَلَا يَكُونُ مَحْسُوبًا، وَلِهَذَا قَالَ هَكَذَا يَفْعَلُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقْضِي حَقَّهُ فِيهِ مِنْ رَمَلٍ وَغَيْرِهِ أَيْ مِنْ تَيَامُنٍ وَنَحْوِهِ، وَإِذَا أَعَادَهُ سَقَطَ الْجَزَاءُ وَلَوْ طَافَ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ قِيلَ وَيَجُوزُ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا زَادَ عَلَى حَدِّهِ وَهُوَ قَدْرُ سِتَّةِ أَوْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ اهـ. مِنْ اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ. (قَوْلُهُ وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ) وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمِنْهَاجِ نَقْلًا عَنْ الْوَجِيزِ حَيْثُ قَالَ فِي عَدُّ الْوَاجِبَاتِ وَالْبُدَاءَةُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَالْأَعْدَلُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُعَوَّلُ شَرْحُ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ لِلُزُومِ الزِّيَادَةِ إلَخْ) أَقُولُ: فِيهِ إنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا الْتَحَقَ بَيَانًا لِلنَّصِّ الْمُجْمَلِ فَالثَّابِتُ بِهِ يَكُونُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ الْمُجْمَلِ لَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعَلَّامَةُ الْأَكْمَلُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى فَرَائِضِ الْوُضُوءِ فَالْأَحْسَنُ فِي الْجَوَابِ مَنْعُ الْإِجْمَالِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالطَّوَافِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ فَرْضِيَّةُ الِابْتِدَاءِ مِنْ مَكَان مَخْصُوصٍ بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ يَدُلُّ عَلَى الْإِجْزَاءِ مِنْ أَيِّ مَكَان وَفِعْلُهُ ﵇ أَفَادَ الْوُجُوبَ أَوْ السُّنِّيَّةَ فَافْهَمْ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي الْجَوَابِ ثُمَّ رَاجَعْت فَتْحَ الْقَدِيرِ فَرَأَيْتُهُ قَالَ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ وَاجِبٌ لَا يَبْعُدُ؛ لِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ مِنْ غَيْرِ تَرْكِ دَلِيلِهِ فَيَأْثَمُ بِهِ، وَيُجْزِئُ وَلَوْ كَانَ فِي آيَةِ الطَّوَافِ إجْمَالٌ لَكَانَ شَرْطًا كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ لَكِنَّهُ مُنْتَفٍ فِي حَقِّ الِابْتِدَاءِ فَيَكُونَ مُطْلَقُ التَّطَوُّفِ هُوَ الْفَرْضُ وَافْتِتَاحُهُ مِنْ الْحَجَرِ وَاجِبٌ لِلْمُوَاظَبَةِ اهـ. بِحُرُوفِهِ. (قَوْلُهُ وَلَمَّا كَانَ الِابْتِدَاءُ مِنْ الْحَجَرِ وَاجِبًا إلَخْ) أَيْ بِنَاءً عَلَى مَا اسْتَوْجَهَهُ الْمُؤَلِّفُ هَذَا وَمَا فِي اللُّبَابِ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ يَقِفُ أَيْ بَعْدَ الِاضْطِبَاعِ مُسْتَقْبِلَ الْبَيْتِ بِجَانِبِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مِمَّا يَلِي الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ بِحَيْثُ يَصِيرُ جَمِيعُ الْحَجَرِ عَنْ يَمِينِهِ وَيَكُونُ مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ عِنْدَ طَرَفِ الْحَجَرِ فَيَنْوِي الطَّوَافَ وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ مُسْتَحَبَّةٌ اهـ. فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِافْتِتَاحَ مِنْ الْحَجَرِ سُنَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ اللُّبَابِ، وَقَالَ إنَّهُ الصَّحِيحُ لَكِنَّ مَا ادَّعَاهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ لُزُومِ الْمُرُورِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ عَلَى الْحَجَرِ غَيْرُ لَازِمٍ فَإِنَّهُ لَوْ وَقَفَ مُسَامِتًا لِلْحَجَرِ حَصَلَ الِابْتِدَاءُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَنْ قَامَ مُسَامِتًا بِجَسَدِهِ الْحَجَرَ يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ جَانِبِ الرُّكْنِ الْيَمَانِي؛ لِأَنَّ الْحَجَرَ وَرُكْنَهُ لَا يَبْلُغُ عَرْضَ جَسَدِ الْمُسَامِتِ لَهُ كَمَا فِي الشرنبلالية وَمَا ادَّعَى لُزُومَهُ صَرَّحَ فِي اللُّبَابِ بِاسْتِحْبَابِهِ وَكَذَا فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِالطَّوَافِ مِنْ جَانِبِ الْحَجَرِ الَّذِي عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِي لِيَكُونَ مَارًّا عَلَى جَمِيعِ الْحِجْرِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ فَيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ مَنْ يَشْتَرِطُ الْمُرُورَ كَذَلِكَ عَلَيْهِ اهـ. (قَوْلُهُ فَالرُّكْنُ أَكْثَرُ الْأَشْوَاطِ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ أَمَّا الْقُدُومُ وَالصَّدْرُ فَلَا لَكِنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ سُنَّةٌ وَبِشُرُوعِهِ فِيهِ يَجِبُ إكْمَالُهُ فَيُسَاوِي بَعْدَ الشُّرُوعِ طَوَافَ الصَّدْرِ فَيَصِيرُ الطَّوَافَانِ وَاجِبَيْنِ فَيَكُونُ جَمِيعُ أَشْوَاطِهِمَا وَاجِبَةً، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا سَيَذْكُرُهُ

стр. 757

وَاحِدَةٍ فَإِذَا طَافَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَقَدْ طَافَ بِالْمَسْجِدِ لَا بِالْبَيْتِ؛ لِأَنَّ حِيطَانَ الْمَسْجِدِ تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا قَدَّمْنَاهُ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ أَنَّ الطَّهَارَةَ فِيهِ مِنْ الْحَدَثَيْنِ وَاجِبٌ، وَكَذَا سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَلَوْ طَافَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ قَدْرَ مَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهُ لَزِمَهُ دَمٌ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَأَمَّا الطَّهَارَةُ مِنْ الْخُبْثِ فَمِنْ السُّنَّةِ لَا يَلْزَمُهُ بِتَرْكِهَا شَيْءٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ صَرَّحَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ بِأَنَّهُ لَوْ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ فِي ثَوْبٍ كُلُّهُ نَجِسٌ فَهَذَا وَمَا لَوْ طَافَ عُرْيَانًا سَوَاءٌ فَإِنْ كَانَ مِنْ الثَّوْبِ قَدْرُ مَا يُوَارِي عَوْرَتَهُ طَاهِرًا وَالْبَاقِي نَجِسًا جَازَ طَوَافُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَ الطَّوَافَ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَيْسَ بِصَلَاةٍ حَقِيقَةً، وَلِهَذَا أُبِيحَ الْكَلَامُ فِيهِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَلَا تُبْطِلُهُ الْمُحَاذَاةُ، وَقَالُوا لَا بَأْسَ بِأَنْ يُفْتِيَ فِي الطَّوَافِ وَيَشْرَبَ وَيَفْعَلَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، لَكِنْ يُكْرَهُ إنْشَادُ الشِّعْرِ فِيهِ وَالْحَدِيثُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَالْبَيْعُ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِيهِ فَمُبَاحَةٌ فِي نَفْسِهِ وَلَا يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَالْمَعْرُوفُ فِي الطَّوَافِ إنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ ذِكْرِ اللَّهِ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ إلَّا بِسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ مُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَكُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ بِهَا عَشْرُ دَرَجَاتٍ» وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ خَرَجَ مِنْ طَوَافِهِ إلَى جِنَازَةٍ أَوْ مَكْتُوبَةٍ أَوْ تَجْدِيدِ وُضُوءٍ ثُمَّ عَادَ بَنَى. (قَوْلُهُ تَرَمَّلَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ فَقَطْ) بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ أَيْ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ دُونَ غَيْرِهَا فَأَفَادَ أَنَّهُ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ رَدًّا عَلَى مَا قَالَ إنَّهُ يَنْتَهِي إلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِي، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ زَوَالُ الْحُكْمِ عِنْدَ زَوَالِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَلْزُومٌ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ، وَوُجُودُ الْمَلْزُومِ بِدُونِ اللَّازِم مُحَالٌ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ عِلَّةَ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ زَالَتْ وَبَقِيَ الْحُكْمُ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ «النَّبِيَّ ﷺ رَمَلَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» تَذْكِيرًا لِنِعْمَةِ الْأَمْنِ بَعْدَ الْخَوْفِ لِيَشْكُرَ عَلَيْهَا فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ وَمَا أُمِرْنَا بِذِكْرِهَا إلَّا لِنَشْكُرَهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ بِعِلَلٍ مُتَبَادَلَةٍ فَحِينَ غَلَبَةِ الْمُشْرِكِينَ كَانَتْ عِلَّةُ الرَّمَلِ إيهَامَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّةَ الْمُؤْمِنِينَ وَعِنْدَ زَوَالِ ذَلِكَ تَكُونُ عِلَّتُهُ تَذْكِيرَ نِعْمَةِ الْأَمْنِ كَمَا أَنَّ عِلَّةَ الرِّقِّ فِي الْأَصْلِ اسْتِنْكَافُ الْكَافِرِ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ صَارَ عِلَّتُهُ حُكْمَ الشَّرْعِ بِرِقِّهِ وَإِنْ أَسْلَمَ وَكَالْخَرَاجِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِي الِابْتِدَاءِ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ، وَلِهَذَا لَا يُبْتَدَأُ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ ثُمَّ صَارَ عِلَّتُهُ حُكْمَ الشَّرْعِ بِذَلِكَ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى الْمُسْلِمُ أَرْضَ خَرَاجٍ لَزِمَهُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ أَكْمَلُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ مِنْ بَحْثِ الْقُدْرَةِ الْمُيَسَّرَةِ وَقَدْ رَدَّ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي بَابِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ كَوْنَ الْحُكْمِ مَلْزُومًا لِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَاتٌ عَلَى الْحُكْمِ لَا مُؤَثِّرَاتٌ فَيَجُوزُ بَقَاءُ الْحُكْمِ بَعْدَ زَوَالِ عِلَّتِهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ اُخْرُجْ إلَى الصَّفَا إلَى أَنَّهُ لَا يُرْمَلُ إلَّا فِي طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ فَلَوْ أَرَادَ تَأْخِيرَ السَّعْيِ إلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ لَا يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ مَعْزِيًّا إلَى الْغَايَةِ إذَا كَانَ قَارِنًا ــ [منحة الخالق] الْمُؤَلِّفُ قَرِيبًا فِي أَشْوَاطِ السَّعْيِ حَيْثُ جَعَلَهَا وَاجِبَةً كُلَّهَا لَكِنْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ أَكْثَرَ أَشْوَاطِ الصَّدْرِ لَزِمَهُ دَمٌ وَفِي الْأَقَلِّ لِكُلِّ شَوْطٍ صَدَقَةٌ، وَأَمَّا الْقُدُومُ فَلَمْ يُصَرِّحُوا بِمَا يَلْزَمُهُ لَوْ تَرَكَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ، وَبَحَثَ السِّنْدِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ فِي أَنَّهُ كَالصَّدْرِ وَنَازَعَهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ بِأَنَّ الصَّدْرَ وَاجِبٌ بِأَصْلِهِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ بِشُرُوعِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ سِوَى التَّوْبَةِ كَصَلَاةِ النَّفْلِ اهـ مُلَخَّصًا، وَهَذَا مَا ظَهَرَ لِي قَبْلَ أَنْ أَرَاهُ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ التَّرْكُ إلَّا بِالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ (قَوْلُهُ وَقَدْ عَلِمْت إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ وَاجِبَاتُ الطَّوَافِ سَبْعَةٌ الْأَوَّلُ الطَّهَارَةُ عَنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ الثَّانِي قِيلَ الطَّهَارَةُ عَنْ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَقِيلَ قَدْرُ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ مِنْ الثَّوْبِ وَاجِبٌ أَيْ طَهَارَتُهُ فَلَوْ طَافَ وَعَلَيْهِ قَدْرُ مَا يُوَارِي الْعَوْرَةَ طَاهِرٌ وَالْبَاقِي نَجِسٌ جَازَ وَإِلَّا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعُرْيَانِ. الثَّالِثُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَلَوْ طَافَ مَكْشُوفَهَا وَجَبَ الدَّمُ وَالْمَانِعُ كَشْفُ رُبْعِ الْعُضْوِ فَمَا زَادَ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ انْكَشَفَ أَقَلُّ مِنْ الرُّبْعِ لَا يُمْنَعُ وَيَجْمَعُ الْمُتَفَرِّقَ الرَّابِعَ الْمَشْيُ فِيهِ لِلْقَادِرِ فَلَوْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا أَوْ زَاحِفًا بِلَا عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ أَوْ الدَّمُ، وَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَطُوفَ زَحْفًا لَزِمَهُ مَاشِيًا. الْخَامِسُ التَّيَامُنُ السَّادِسُ قِيلَ الِابْتِدَاءُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ السَّابِعُ الطَّوَافُ وَرَاءَ الْحَطِيمِ اهـ. قَالَ شَارِحُهُ: وَأَمَّا طَهَارَةُ مَكَانِ الطَّوَافِ فَذَكَرَ ابْنُ جَمَاعَةَ عَنْ صَاحِبِ الْغَايَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مَوْضِعِ طَوَافِهِ نَجَاسَةٌ لَا يَبْطُلُ طَوَافُهُ، وَهَذَا يُفِيدُ نَفْيَ الشَّرْطِ وَالْفَرْضِيَّةِ وَاحْتِمَالِ ثُبُوتِ الْوُجُوبِ أَوْ السُّنِّيَّةِ، وَالْأَرْجَحُ عَدَمُ الْوُجُوبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. اهـ. قُلْت: وَيُزَادُ ثَامِنٌ وَهُوَ كَوْنُهُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ (قَوْلُهُ وَالْمَعْرُوفُ فِي الطَّوَافِ إنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَاءَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ مِنْ التَّجْنِيسِ، وَقَالَ وَلَمْ نَعْلَمْ خَبَرًا رُوِيَ فِيهِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الطَّوَافِ أَقُولُ: وَرَأَيْت فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ

стр. 758

لَمْ يَرْمُلْ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ إنْ كَانَ رَمَلَ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فَقَطْ إلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي الشَّوْطِ الْأَوَّلِ لَا يَرْمُلُ إلَّا فِي الشَّوْطَيْنِ بَعْدَهُ وَبِنِسْيَانِهِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ لَا يَرْمُلُ فِي الْبَاقِي؛ لِأَنَّ تَرْكَ الرَّمَلِ فِي الْأَرْبَعَةِ سُنَّةٌ فَلَوْ رَمَلَ فِيهَا لَكَانَ تَارِكًا لِلسُّنَّتَيْنِ، وَكَانَ تَرْكُ أَحَدِهِمَا أَسْهَلَ فَإِنْ زَاحَمَهُ النَّاسُ فِي الرَّمَلِ وَقَفَ فَإِذَا وَجَدَ مَسْلَكًا رَمَلَ؛ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ فَيَقِفُ حَتَّى يُقِيمَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ بِخِلَافِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ بَدَلٌ لَهُ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَلَوْ رَمَلَ فِي الْكُلِّ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ تَنْزِيهًا لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَالرَّمَلُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ أَنْ يَهُزَّ فِي مِشْيَتِهِ الْكَتِفَيْنِ كَالْمُبَارِزِ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وَقِيلَ هُوَ إسْرَاعٌ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا دُونَ الْوُثُوبِ وَالْعَدْوِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ كَمَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْعَيْنِ الْهَرْوَلَةُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ بِقُرْبِ الْبَيْتِ أَفْضَلُ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَهُوَ فِي الْبُعْدِ مِنْ الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الطَّوَافِ بِلَا رَمَلٍ مَعَ الْقُرْبِ مِنْهُ. (قَوْلُهُ وَاسْتَلِمْ الْحَجَرَ كُلَّمَا مَرَرْت بِهِ إنْ اسْتَطَعْت) أَيْ مِنْ غَيْرِ إيذَاءٍ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ «﵇ طَافَ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى فِي الرُّكْنِ أَشَارَ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ» وَفِي الْمُغْرِبِ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ تَنَاوَلَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِالْقُبْلَةِ أَوْ مَسَحَهُ بِالْكَفِّ مِنْ السَّلِمَةِ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ اللَّامِ، وَهِيَ الْحَجَرُ أَفَادَ أَنَّ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ بَيْنَ كُلِّ شَوْطَيْنِ سُنَّةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ والْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوَاهُ أَنَّ الِاسْتِلَامَ فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ سُنَّةٌ، وَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ أَدَبٌ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ اسْتِلَامَ غَيْرِ الْحَجَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْعِرَاقِيَّ وَالشَّامِيَّ وَأَمَّا الْيَمَانِي فَيُسْتَحَبّ أَنْ يَسْتَلِمهُ وَلَا يُقَبِّلُهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ سُنَّةٌ وَتَقْبِيلُهُ مِثْلُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، الدَّلَائِلُ تَشْهَدُ لَهُ فَإِنَّ «ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ إلَّا الْيَمَانِيَيْنِ» كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﵇ «كَانَ يُقَبِّلُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَعَنْهُ ﵇ «إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ قَبَّلَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ. وَعَنْ «ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الرُّكْنِ الْيَمَانِي وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِي يَعُمُّ التَّقْبِيلَ فَقَدْ دَلَّ عَلَى سُنِّيَّةِ اسْتِلَامِهِ وَأَظْهَرُ مِنْهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﵇ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ فِي كُلِّ طَوَافِهِ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْمُوَاظَبَةِ الدَّالَّةِ عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِلَامُ غَيْرِ الرُّكْنَيْنِ وَهُوَ تَسَاهُلٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ وَالْحِكْمَةُ فِي عَدَمِ اسْتِلَامِهِمَا أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْتِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْحَطِيمِ مِنْ الْبَيْتِ فَيَكُونُ الرُّكْنَانِ إذَنْ وَسَطَ الْبَيْتِ ــ [منحة الخالق] أَنْ يَقْرَأَ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ خَتْمَةً فِي الطَّوَافِ وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ قَدْ يُقَالُ إنَّهُ ﷺ قَرَأَ آيَةَ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] الْآيَةَ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ مُشِيرًا إلَى جَوَازِهِ وَمُشْعِرًا بِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الْقِرَاءَةِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنْ الْأُمَّةِ لِئَلَّا يَتَوَهَّمُوا أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الطَّوَافِ شَرْطٌ أَوْ وَاجِبٌ كَمَا فِي الصَّلَاة، وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ قِرَاءَةَ آيَةِ ﴿رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٠١] إنَّمَا كَانَتْ عَلَى قَصْدِ الدُّعَاءِ دُونَ الْقِرَاءَةِ فَهُوَ مَعَ عَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْإِرَادَةِ بَعِيدٌ بِحَسَبِ الْعَادَةِ. (قَوْلُهُ فَإِنْ زَاحَمَهُ النَّاسُ فِي الرَّمَلِ وَقَفَ إلَخْ) كَذَا عَبَّرَ فِي الْمَنْسَكِ الْكَبِيرِ لِلسِّنْدِيِّ قَالَ مُنْلَا عَلِيٌّ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَهُوَ يُوهِمُ أَنَّهُ يَقِفُ فِي الْأَثْنَاءِ وَهُوَ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا عُرْفًا وَعَادَةً لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ وَلِكَوْنِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الْأَشْوَاطِ، وَأَجْزَاءُ الطَّوَافِ سُنَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَلْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهَا وَاجِبَةٌ فَلَا تُتْرَكُ لِحُصُولِ سُنَّةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا فَلَوْ حَصَلَ التَّزَاحُمُ فِي الْأَثْنَاءِ يَفْعَلُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الرَّمَلِ، وَيَتْرُكُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَقِفُ لِلرَّمَلِ إذَا حَصَلَتْ الزَّحْمَةُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَيْهِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَهِيَ لَا تُدَافِعُ الرَّمَلَ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ أَمَّا إذَا حَصَلَتْ فِي الْأَثْنَاءِ فَلَا يَقِفُ لِئَلَّا تَفُوتَ الْمُوَالَاةُ. (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَخْ) أَيْ لَوْ كَانَ فِي الْقُرْبِ مِنْ الْبَيْتِ زَحْمَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ الرَّمَلِ فَالطَّوَافُ فِي الْبُعْدِ مِنْ الْبَيْتِ مَعَ الرَّمَلِ أَفْضَلُ. (قَوْلُهُ إنَّ الِاسْتِلَامَ فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ سُنَّةٌ) سَقَطَ لَفْظُ وَالِانْتِهَاءُ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ وَالصَّوَابُ إثْبَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَلِيُلَائِمَ قَوْلَهُ وَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ هَذَا وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الْأَقْوَالِ فَإِنَّ اسْتِلَامَ طَرَفَيْهِ آكَدُ مِمَّا بَيْنَهُمَا وَلَعَلَّ السَّبَبَ أَنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلَى الِاسْتِلَامِ فِيمَا بَيْنَهُمَا نَوْعٌ مِنْ تَرْكِ الْمُوَالَاةِ بِخِلَافِ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ هَلْ يَرْفَعُ الْيَدَيْنِ فِي كُلِّ تَكْبِيرٍ يَسْتَقْبِلُ بِهِ فِي مَبْدَأِ كُلِّ شَوْطٍ أَوْ يَخْتَصُّ بِالْأَوَّلِ فَمَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْمُعَوَّلُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْكَرْمَانِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ وَبَعْضِ الْأَحَادِيثِ يُؤَيِّدُ الثَّانِيَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَهُمَا مَرَّةً وَيَتْرُكَهُمَا أُخْرَى فَإِنَّ الْجَمْعَ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ مَهْمَا أَمْكَنَ أَحْرَى. (قَوْلُهُ وَالدَّلَائِلُ تَشْهَدُ لَهُ) قَيَّدَ بِالدَّلَائِلِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَذْهَبِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ هُوَ الْأَوَّلُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ فِي النُّخْبَةِ مَا عَنْ مُحَمَّدٍ ضَعِيفٌ جِدًّا وَفِي الْبَدَائِعِ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ تَقْبِيلَهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَلَا يُقَبِّلُهُ فِي أَصَحِّ الْأَقَاوِيلِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصَحَّ هُوَ الِاكْتِفَاءُ بِالِاسْتِلَامِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ التَّقْبِيلِ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ اسْتِلَامِهِ فَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ إلَّا رِوَايَةً عَنْ مُحَمَّدٍ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ

стр. 759

وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّسْبَةِ إلَى الْيَمَنِ وَالشَّامِ يَمَنِيٌّ وَشَامِيٌّ ثُمَّ حَذَفُوا إحْدَى يَائَيْ النِّسْبَةِ، وَعَوَّضُوا مِنْهَا أَلْفًا فَقَالُوا الْيَمَانِي وَالشَّامِيُّ بِالتَّخْفِيفِ، وَبَعْضُهُمْ يُشَدِّدُهُ كَمَا فِي الصِّحَاحِ. (قَوْلُهُ وَاخْتِمْ الطَّوَافَ بِهِ وَبِرَكْعَتَيْنِ فِي الْمَقَامِ أَوْ حَيْثُ تَيَسَّرَ مِنْ الْمَسْجِدِ) ، أَمَّا خَتْمُ الطَّوَافِ بِالِاسْتِلَامِ فَهُوَ سُنَّةٌ لِفِعْلِهِ ﵇ كَذَلِكَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَمَّا صَلَاةُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بَعْدَ كُلِّ أُسْبُوعٍ فَوَاجِبَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ لِمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ أَنَّهُ ﵇ «لَمَّا انْتَهَى إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ ﵇ قَرَأَ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] » فَنَبَّهَ بِالتِّلَاوَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ هَذِهِ امْتِثَالًا لِهَذَا الْأَمْرِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ إلَّا أَنَّ اسْتِفَادَةَ ذَلِكَ مِنْ التَّنْبِيهِ، وَهُوَ ظَنِّيٌّ فَكَانَ الثَّابِتُ الْوُجُوبَ، وَيَلْزَمُهُ حُكْمُنَا بِمُوَاظَبَتِهِ ﵇ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ إذْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْوَاجِبِ، وَيُكْرَهُ وَصْلُ الْأَسَابِيعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَهِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ لِاسْتِلْزَامِهَا تَرْكَ الْوَاجِبِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ لَوْ نَسِيَهُمَا لَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي طَوَافٍ آخَرَ إنْ كَانَ قَبْلَ إتْمَامِ شَوْطِ رَفْضِهِ وَبَعْدَ إتْمَامِهِ لَا، وَلَوْ طَافَ بِصَبِيٍّ لَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ عَنْهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ بِأَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ وِتْرٍ، وَالْمُرَادُ بِالْمَقَامِ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ وَهِيَ حِجَارَةٌ يَقُومُ عَلَيْهَا عِنْدَ نُزُولِهِ وَرُكُوبِهِ مِنْ الْإِبِلِ حِينَ يَأْتِي إلَى زِيَارَةِ هَاجَرَ وَوَلَدِهَا إسْمَاعِيلَ كَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ الْحَجَرُ الَّذِي فِيهِ أَثَرُ قَدَمَيْهِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي كَانَ فِيهِ حِينَ قَامَ عَلَيْهِ وَدَعَا النَّاسَ إلَى الْحَجِّ، وَقِيلَ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ الْحَرَمُ كُلُّهُ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْمَسْجِدِ بَيَانٌ لِلْفَضِيلَةِ وَإِلَّا فَحَيْثُ أَرَادَ وَلَوْ بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يَطُوفَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّسْبَةِ إلَى الْيَمَنِ وَالشَّامِ إلَخْ) الْأَصْوَبُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْيَمَنِ لِإِيهَامِهِ أَنَّ فِي الشَّامِيِّ نِسْبَةً إلَى الشَّامِ تَغْيِيرًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ التَّغْيِيرُ بِالْحَذْفِ وَالتَّعْوِيضِ فِي النِّسْبَةِ إلَى الْيَمَنِ فَقَطْ وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا. قَالَ فِي الصِّحَاحِ الشَّأْمُ بِلَادٌ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ وَرَجُلٌ شَأْمِيٌّ وَشَآمِيٌّ عَلَى فَعَالٍ وَشَأْمِيٌّ أَيْضًا حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ وَلَا تَقُلْ شَأْمٌ وَقَالَ أَيْضًا الْيَمَنُ بِلَادٌ لِلْعَرَبِ وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِمْ يَمَنِيٌّ وَيَمَانٌ مُخَفَّفَةٌ وَالْأَلِفُ عِوَضٌ مِنْ يَاءِ النَّسَبِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ قَالَ سِيبَوَيْهِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ يَمَانِيٌّ بِالتَّشْدِيدِ اهـ. فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ ثُمَّ حَذَفُوا إحْدَى يَائَيْ النِّسْبَةِ يَعْنِي مِنْ يَمَنِيٍّ فَقَطْ، وَكَذَا قَوْلُهُ بِالتَّخْفِيفِ رَاجِعٌ إلَى الْيَمَانِي. (قَوْلُهُ فَوَاجِبَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ) أَيْ بَعْدَ كُلِّ طَوَافٍ فَرْضًا كَانَ أَوْ وَاجِبًا أَوْ سُنَّةً أَوْ نَفْلًا وَلَا يَخْتَصُّ جَوَازُهَا بِزَمَانٍ وَلَا بِمَكَانٍ وَلَا تَفُوتُ وَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ تُجْبَرْ بِدَمٍ وَلَوْ صَلَّاهَا خَارِجَ الْحَرَمِ وَلَوْ بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَى وَطَنِهِ جَازَ، وَيُكْرَهُ وَالسُّنَّةُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الطَّوَافِ، وَيُسْتَحَبُّ مُؤَكَّدًا أَدَاؤُهَا خَلْفَ الْمَقَامِ ثُمَّ فِي الْكَعْبَةِ ثُمَّ فِي الْحِجْرِ تَحْتَ الْمِيزَابِ، ثُمَّ كُلُّ مَا قَرُبَ مِنْ الْحِجْرِ إلَى الْبَيْتِ ثُمَّ بَاقِي الْحِجْرِ ثُمَّ مَا قَرُبَ إلَى الْبَيْتِ ثُمَّ الْمَسْجِدُ ثُمَّ الْحَرَمُ ثُمَّ لَا أَفْضَلِيَّةَ بَعْدَ الْحَرَمِ بَلْ الْإِسَاءَةُ وَالْمُرَادُ بِمَا خَلْفَ الْمَقَامِ قِيلَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ عَادَةً وَعُرْفًا مَعَ الْقُرْبِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ خَلْفَ الْمَقَامِ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَقَامِ صَفًّا أَوْ صَفَّيْنِ أَوْ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَلَوْ صَلَّى أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ جَازَ وَلَا تُجْزِئُ الْمَنْذُورَةُ وَالْمَكْتُوبَةُ عَنْهَا وَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ مُصَلِّي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ طَوَافَ هَذَا غَيْرُ طَوَافِ الْآخَرِ، وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْ الطَّوَافِ إلَّا فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ أَيْ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ سُنَّةٌ، وَلَوْ طَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ ثُمَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ ثُمَّ سُنَّةَ الْمَغْرِبِ وَلَا تُصَلَّى إلَّا فِي وَقْتٍ مُبَاحٍ فَإِنْ صَلَّاهَا فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ قِيلَ صَحَّتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ (فُرُوعٌ) طَافَ وَنَسِيَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فَلَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي طَوَافٍ آخَرَ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ تَمَامِ شَوْطٍ رَفَضَهُ وَبَعْدَ إتْمَامِهِ لَا بَلْ يُتِمُّ طَوَافَهُ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ وَعَلَيْهِ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَانِ، وَلَوْ طَافَ فَرْضًا أَوْ غَيْرَهُ ثَمَانِيَةَ أَشْوَاطٍ إنْ كَانَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الثَّامِنَ سَابِعٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَالْمَظْنُونِ ابْتِدَاءً، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ الثَّامِنُ اخْتَلَفَ فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ سَبْعَةُ أَشْوَاطٍ لِلشُّرُوعِ وَلَوْ طَافَ أَسَابِيعَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَانِ عَلَى حِدَةٍ وَلَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ الْأَشْوَاطِ فِي طَوَافِ الرُّكْنِ أَوْ الْعُمْرَةِ أَعَادَهُ وَلَا يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ إذَا كَانَ يُكْثِرُ ذَلِكَ يَتَحَرَّى، وَلَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِعَدَدٍ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِهِ وَلَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ وَجَبَ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِمَا، وَصَاحِبُ الْعُذْرِ الدَّائِمِ إذَا طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ تَوَضَّأَ وَبَنَى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ حَاذَتْهُ امْرَأَةٌ فِي الطَّوَافِ لَا يَفْسُدُ وَتَمَامُهُ فِي اللُّبَابِ (قَوْلُهُ وَيَلْزَمُهُ) أَيْ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الثَّابِتِ الْوُجُوبَ أَنْ نَحْكُمَ بِمُوَاظَبَتِهِ ﵊ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ وَكَانَ الْأَوْلَى بِالْمُؤَلِّفِ عَدَمَ ذِكْرِهِ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ أَخُوهُ لِإِيهَامِهِ تَوَقُّفَ إثْبَاتِ الْوُجُوبِ عَلَى هَذَا اللُّزُومِ، نَعَمْ ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ لَكِنَّ غَرَضَهُ مِنْهُ إفَادَةُ أَنَّ مَا وَرَدَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ مِنْ ثُبُوتِ فِعْلِهِ ﵊ لَهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ التَّرْكِ مَرَّةً لِيَكُونَ دَلِيلًا آخَرَ عَلَى الْوُجُوبِ إذْ مُطْلَقُ الْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ إلَخْ) قَالَ فِي السِّرَاجِ وَيُكْرَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ أُسْبُوعَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ﵀ سَوَاءٌ انْصَرَفَ عَنْ وِتْرٍ أَوْ شَفْعٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُكْرَهُ إذَا انْصَرَفَ عَنْ وِتْرٍ نَحْوَ أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ ثَلَاثَةِ أَسَابِيعَ أَوْ خَمْسَةٍ أَوْ سَبْعَةٍ

стр. 760

أُسْبُوعًا آخَرَ فَتَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ كَرَاهَةِ وَصْلِ الْأَسَابِيعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّيهِمَا فِيهَا فَحُمِلَ قَوْلُهُمَا يُكْرَهُ وَصْلُ الْأَسَابِيعِ إنَّمَا هُوَ فِي وَقْتٍ لَا يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ فِيهِ، وَلَمْ أَرَ نَقْلًا فِيمَا إذَا وَصَلَ الْأَسَابِيعَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ ثُمَّ زَالَ وَقْتُهَا أَنَّهُ يُكْرَهُ الطَّوَافُ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا لِمَا أَنَّ الْأَسَابِيعَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَارَتْ كَأُسْبُوعٍ وَاحِدٍ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وَفِي الثَّانِيَةِ بِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] تَبَرُّكًا بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ قَرَأَ غَيْرَ ذَلِكَ جَازَ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ يَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. (قَوْلُهُ لِلْقُدُومِ وَهُوَ سُنَّةٌ لِغَيْرِ الْمَكِّيِّ) أَيْ طُفْ هَذَا الطَّوَافَ لِأَجْلِ الْقُدُومِ وَهَذَا الطَّوَافُ سُنَّةٌ لِلْآفَاقِيِّ دُونَ الْمَكِّيِّ لِأَنَّهُ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ لَا يُسَنُّ لِلْجَالِسِ فِيهِ هَكَذَا ذَكَرُوا، وَلَيْسَ هَذَا كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِنَّ الْفَرْضَ أَوْ السُّنَّةَ تُغْنِي عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ طَوَافِ الْقُدُومِ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ لِلْعُمْرَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَطُوفُ لِلْقُدُومِ ثَانِيًا وَلَا يَكْفِيهِ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الشُّرْبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بَعْدَ خَتْمِ الطَّوَافِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَكَذَا إتْيَانُ الْمُلْتَزَمِ وَالتَّشَبُّثُ بِهِ، وَكَذَا الْعَوْدُ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ قَبْلَ السَّعْيِ، وَالْكُلُّ مُسْتَحَبٌّ لَكِنَّ الْأَخِيرَ مَشْرُوطٌ بِإِرَادَةِ السَّعْيِ حَتَّى لَوْ لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَعُدْ إلَى الْحَجَرِ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ اُخْرُجْ إلَى الصَّفَا وَقُمْ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْبَيْتِ مُكَبِّرًا مُهَلِّلًا مُصَلِّيًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَاعِيًا رَبَّكَ بِحَاجَتِك) لِمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا السَّعْيَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ لِلْحَدِيثِ «اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ» قَالَهُ ﵇ حِينَ كَانَ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِنَّهُ ظَنِّيٌّ وَبِمِثْلِهِ لَا يَثْبُتُ الرُّكْنُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَنَا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ فَمَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ تَأْوِيلِهِ بِمَعْنَى كَتَبَ اسْتِحْبَابًا فَمُنَافٍ لِمَطْلُوبِهِ؛ لِأَنَّهُ الْوُجُوبُ وَجَمِيعُ السَّبْعَةِ الْأَشْوَاطِ وَاجِبٌ لَا الْأَكْثَرُ فَقَطْ فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ لَوْ تَرَكَ أَكْثَرَ الْأَشْوَاطِ لَزِمَهُ دَمٌ وَإِنْ تَرَكَ الْأَقَلَّ لَزِمَهُ صَدَقَةٌ فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْكُلِّ إذْ لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ الْأَكْثَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْأَقَلِّ شَيْءٌ أَشَارَ بِثُمَّ إلَى تَرَاخِي السَّعْيِ عَنْ الطَّوَافِ، فَلَوْ سَعَى ثُمَّ طَافَ أَعَادَهُ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ تَبَعٌ وَلَا يَجُوزُ تَقَدُّمُ التَّبَعِ عَلَى الْأَصْلِ، كَذَا ذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ، وَصَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ تَقْدِيمَ الطَّوَافِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ السَّعْيِ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ تَأْخِيرَ السَّعْيِ عَنْ الطَّوَافِ وَاجِبٌ، وَإِلَى أَنَّ السَّعْيَ لَا يَجِبُ بَعْدَ الطَّوَافِ فَوْرًا بَلْ لَوْ أَتَى بِهِ بَعْدَ زَمَانٍ وَلَوْ طَوِيلًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالسُّنَّةُ الِاتِّصَالُ بِهِ كَالطَّهَارَةِ فَصَحَّ سَعْيُ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ، وَكَذَا الصُّعُودُ عَلَيْهِ مَعَ مَا بَعْدَهُ سُنَّةٌ حَتَّى يُكْرَهَ أَنْ لَا يَصْعَدَ عَلَيْهِمَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَشْيَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَ إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ فِي فَصْلِ مَكْرُوهَاتِ الطَّوَافِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ أُسْبُوعَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي وَقْتِ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِمَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ أَيْضًا تَأَمَّلْ (فَرْعٌ) غَرِيبٌ قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ فِي مَنْسَكِهِ فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ مِنْ الْبَابِ السَّادِسِ رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ تَلَامِذَةِ الْكَمَالِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي حَاشِيَةِ فَتْحِ الْقَدِيرِ إذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْنَعَ الْمَارَّ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ» وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّائِفِينَ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ فَصَارَ كَمَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفٌ مِنْ الْمُصَلِّينَ اهـ. ثُمَّ رَأَيْت فِي الْبَحْرِ الْعَمِيقِ حَكَى عِزُّ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ عَنْ مُشْكِلَاتِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ أَنَّ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي بِحَضْرَةِ الْكَعْبَةِ يَجُوزُ اهـ. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَبَابُ بَنِي سَهْمٍ هُوَ الْمُسَمَّى الْآنَ بَابَ الْعُمْرَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي السَّعْيِ قَرِيبًا مَعَ زِيَادَةٍ تُؤَيِّدُ مَا مَرَّ. (قَوْلُهُ وَلَيْسَ هَذَا كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَدْ مَرَّ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ يَوْمَ النَّحْرِ أَغْنَاهُ طَوَافُ الْفَرْضِ عَنْ الْقُدُومِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُغْنِ طَوَافُ الْعُمْرَةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْغِنَى عَنْ الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ طَلَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَهُوَ لَمْ يَطْلُبْ إذْ ذَاكَ بَلْ لَوْ أَرَادَ بِهِ الْقُدُومَ لَمْ يَقَعْ إلَّا عَنْ الْعُمْرَةِ لِمَا أَنَّ زَمَنَهُ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ كَرَمَضَانَ عَلَى مَا سَيَأْتِي. (قَوْلُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الشُّرْبَ إلَخْ) وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَقَالَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ زَمْزَمَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الصَّفَا فَيَشْرَبَ مِنْهَا ثُمَّ يَأْتِيَ الْمُلْتَزَمَ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الصَّفَا، وَقِيلَ يَلْتَزِمُ الْمُلْتَزَمَ قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّيهِمَا ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْحَجَرِ ذَكَرَهُ السُّرُوجِيُّ اهـ. مُلَخَّصًا. قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَالثَّانِي هُوَ الْأَسْهَلُ وَالْأَفْضَلُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّهُ يَعُودُ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَصَلَاتِهِ إلَى الْحَجَرِ ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إلَى الصَّفَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ زَمْزَمَ، وَالْمُلْتَزَمُ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَلَعَلَّ وَجْهَ تَرْكِهِمَا عَدَمُ تَأَكُّدِهِمَا مَعَ اخْتِلَافِ تَقَدُّمِ أَحَدِهِمَا اهـ. (قَوْلُهُ لَكِنَّ الْأَخِيرَ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ: وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ فَإِنَّهُ يَعُودُ إلَى اسْتِلَامِ الْحَجَرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَمَا لَا فَلَا عَلَى مَا قَالَهُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِهِ أَنَّ

стр. 761

فِيهِ وَاجِبٌ حَتَّى لَوْ سَعَى رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ دَمٌ وَلَمْ يَذْكُرْ أَيَّ بَابٍ يَخْرُجُ مِنْهُ إلَى الصَّفَا؛ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ ﵇ مِنْ بَابِ بَنِي مَخْزُومٍ الْمُسَمَّى الْآنَ بِبَابِ الصَّفَا؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْأَبْوَابِ إلَيْهِ فَكَانَ اتِّفَاقًا لَا قَصْدًا فَلَمْ يَكُنْ سُنَّةً، وَلَمْ يَذْكُرْ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي هَذَا الدُّعَاءِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ جَاعِلًا بَاطِنَهُمَا إلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الصَّفَّا فِي اللُّغَةِ الْحَجَرُ الْأَمْلَسُ وَهُوَ وَالْمَرْوَةُ جَبَلَانِ مَعْرُوفَانِ بِمَكَّةَ، وَكَانَ الصَّفَا مُذَكَّرًا؛ لِأَنَّ آدَمَ ﵇ وَقَفَ عَلَيْهِ فَسُمِّيَ بِهِ وَوَقَفَتْ حَوَّاءُ عَلَى الْمَرْوَةِ فَسُمِّيَتْ بِاسْمِ الْمَرْأَةِ فَأُنِّثَ لِذَلِكَ كَذَا ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَفِي التُّحْفَةِ الْأَفْضَلُ لِلْحَاجِّ أَنْ لَا يَسْعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ وَاجِبٌ لَا يَلِيقُ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلسُّنَّةِ بَلْ يُؤَخِّرُهُ إلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ، وَاللَّائِقُ لِلْوَاجِبِ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلْفَرْضِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ اهْبِطْ نَحْوَ الْمَرْوَةِ سَاعِيًا بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ وَافْعَلْ عَلَيْهَا فِعْلَك عَلَى الصَّفَا) أَيْ عَلَى الْمَرْوَةِ مِنْ الصُّعُودِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ، وَالْكُلُّ سُنَّةٌ حَتَّى لَوْ تَرَكَ الْهَرْوَلَةَ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُمَا شَيْئَانِ عَلَى شَكْلِ الْمِيلَيْنِ مَنْحُوتَانِ مِنْ نَفْسِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَّا أَنَّهُمَا مُنْفَصِلَانِ عَنْهُ وَهُمَا عَلَامَتَانِ لِمَوْضِعِ الْهَرْوَلَةِ فِي مَمَرِّ بَطْنِ الْوَادِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ. (قَوْلُهُ وَطُفْ بَيْنَهُمَا سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ تَبْدَأُ بِالصَّفَا وَتَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ) كَمَا صَحَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ، وَقَوْلُهُ تَبْدَأُ بِالصَّفَا بَيَانٌ لِلْوَاجِبِ حَتَّى لَوْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ لَا يُعْتَدُّ ــ [منحة الخالق] هَذَا الِاسْتِلَامَ لِافْتِتَاحِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِنْ لَمْ يُرِدْ السَّعْيَ بَعْدَهُ لَمْ يُعِدْ عَلَيْهِ اهـ. (قَوْلُهُ فَلَمْ يَكُنْ سُنَّةً) مَثَّلَهُ فِي الْهِدَايَةِ قَالَ فِي النَّهْرِ وَالْمَذْكُورُ فِي السِّرَاجِ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ اهـ. وَفِي حَاشِيَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ سُنَّةٌ فَقَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ لَا أَنَّهُ سُنَّةٌ مُخَالِفٌ لَهُ لَكِنَّهُ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا، وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ سُنَّةً فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَيْسَ سُنَّةً بَلْ مُسْتَحَبٌّ، فَيَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْ غَيْرِهِ بِدُونِ الْإِسَاءَةِ. (قَوْلُهُ وَفِي التُّحْفَةِ الْأَفْضَلُ لِلْحَاجِّ) أَيْ الْمُفْرِدِ بِالْحَجِّ وَالْمُتَمَتِّعُ بِخِلَافِ الْقَارِنِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي اللُّبَابِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ خِلَافًا ثُمَّ قَالَ: وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْقَارِنِ أَمَّا الْقَارِنُ فَالْأَفْضَلُ لَهُ تَقْدِيمُ السَّعْيِ أَوْ يُسَنُّ اهـ. وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ اعْلَمْ أَنَّ السَّعْيَ الْوَاجِبَ فِي الْحَجِّ يَدْخُلُ وَقْتُهُ عَقِبَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَيَمْتَدُّ إلَى آخِرِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ تَبَعٌ لِلطَّوَافِ، وَالشَّيْءُ إنَّمَا يَتْبَعُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَالسَّعْيُ وَاجِبٌ وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ رُكْنٌ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوُقُوفِ وَإِيقَاعُهُ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ لِكَثْرَةِ أَفْعَالِ الْحَجِّ يَوْمَ النَّحْرِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَتَّى لِمَنْ لَا عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ فِي الْأَصَحِّ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ الْأَفْضَلُ تَأْخِيرُهُ إلَى وَقْتِهِ أَمْ تَقْدِيمُهُ وَعَلَى الثَّانِي هَلْ هُوَ عَامٌّ لِأَهْلِ مَكَّة وَغَيْرِهِمْ أَمْ خَاصٌّ بِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ جَوَازَ تَقْدِيمِ السَّعْيِ مِمَّنْ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا أَفْضَلِيَّتُهُ فَفِيهَا خِلَافٌ، وَأَمَّا جَوَازُهُ لِمَنْ أَهَلَّ مِنْ مَكَّةَ مِمَّنْ لَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ قُدُومٍ اخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَشَايِخِ كَالْكَرْخِيِّ وَالْقُدُورِيِّ وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَالنِّهَايَةِ وَالْمَجْمَعِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَمَّا الْأَفْضَلِيَّةُ فَصَحَّحَهَا الْكَرْمَانِيُّ وَذَهَبَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ إلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّقْدِيمِ لِمَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْقَارِنِ، وَأَمَّا هُوَ فَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَفْضَلِيَّةِ تَقْدِيمِ السَّعْيِ فَضْلًا عَنْ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا ذَكَرُوا لَهُ إلَّا التَّقْدِيمَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ بَلْ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى اسْتِنَانِ تَقْدِيمِ السَّعْيِ لَهُ كَذَا فِي الْمُرْشِدِيِّ وَغَيْرِهِ اهـ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ سَاعِيًا بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ السَّعْيُ فَوْقَ الرَّمَلِ دُونَ الْعَدْوِ أَيْ الْجَرْيِ الشَّدِيدِ وَهُوَ سُنَّةٌ فِي كُلِّ شَوْطٍ بِخِلَافِ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ أَيْضًا بِالثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَلَا اضْطِبَاعَ فِي السَّعْيِ مُطْلَقًا عِنْدَنَا، وَلَوْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ أَوْ هَرْوَلَ فِي جَمِيعِ السَّعْيِ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُلَبِّي فِي السَّعْيِ الْحَاجُّ أَيْ إنْ وَقَعَ سَعْيُهُ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ لَا الْمُعْتَمِرُ وَلَوْ كَانَ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ تَلْبِيَتَهُ تَنْقَطِعُ بِالشُّرُوعِ فِي طَوَافِهِ وَلَا الْحَاجُّ إذَا سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِانْقِطَاعِ تَلْبِيَتِهِ بِأَوَّلِ رَمْيِ جَمْرَةٍ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ السَّعْيِ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ صَبَرَ حَتَّى يَجِدَ فُرْجَةً وَإِلَّا تَشَبَّهَ بِالسَّاعِي فِي حَرَكَتِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ لِعُذْرٍ حَرَّكَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْذِيَ أَحَدًا لُبَابٌ وَشَرْحُهُ. (قَوْلُهُ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ لَا يُعْتَدُّ بِالْأَوَّلِ) هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالْمَرْوَةِ شَرْطٌ لَا أَنَّهُ وَاجِبٌ وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ فَإِنَّهُ قِيلَ إنَّهُ شَرْطٌ، وَقِيلَ وَاجِبٌ وَقِيلَ سُنَّةٌ وَمَشَى فِي اللُّبَابِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَقَالَ شَارِحُهُ الْأَعْدَلُ الْمُخْتَارُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ الْوُجُوبُ فَيَصِحُّ أَدَاؤُهُ لَكِنْ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ دُونَ عِقَابِ تَرْكِ الْفَرْضِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ هُنَاكَ (تَنْبِيهٌ) عَدَّ فِي اللُّبَابِ تَبَعًا لِلْبَدَائِعِ مِنْ شَرَائِطِ السَّعْيِ كَوْنَهُ بَعْدَ طَوَافٍ كَائِنٍ عَلَى طَهَارَةٍ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا عَنْهُمَا وَقْتَ الطَّوَافِ، لَمْ يَجُزْ سَعْيُهُ رَأْسًا وَاسْتَشْكَلَهُ شَارِحُهُ بِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ الطَّوَافِ فَكَيْفَ تَكُونُ شَرْطًا فِيهِ بَلْ الشَّرْطُ وُقُوعُهُ عَقِيبَ طَوَافٍ صَحِيحٍ لَا بَعْدَ طَوَافٍ كَامِلٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ وَتَمَامِهِ فِيهِ فَرَاجِعْهُ

стр. 762

بِالْأَوَّلِ هُوَ الصَّحِيحُ لِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّ الذَّهَابَ إلَى الْمَرْوَةِ شَوْطٌ وَالْعَوْدَ مِنْهَا إلَى الصَّفَا شَوْطٌ آخَرُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا صَحَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ «فَلَمَّا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ» وَلَوْ كَانَ مِنْ الصَّفَا إلَى الصَّفَا شَوْطًا لَكَانَ آخِرَ طَوَافِهِ الصَّفَا، وَنَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ الذَّهَابَ مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ وَالرُّجُوعَ مِنْهَا إلَى الصَّفَا شَوْطٌ قِيَاسًا عَلَى الطَّوَافِ فَإِنَّهُ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ شَوْطٌ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الذَّهَابَ مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ شَوْطٌ مَحْسُوبٌ مِنْ الْأَشْوَاطِ السَّبْعَةِ فَأَمَّا الرُّجُوعُ مِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَا هَلْ هُوَ شَوْطٌ آخَرُ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ لَا يُعْتَبَرُ الرُّجُوعُ مِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَا شَوْطًا آخَرَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ شَوْطٌ آخَرُ اهـ. وَفَرَّقَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ بَيْنَ الطَّوَافَيْنِ بِالْفَرْقِ لُغَةً بَيْنَ طَافَ كَذَا وَكَذَا سَبْعًا الصَّادِقُ بِالتَّرَدُّدِ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْغَايَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى سَبْعًا وَبَيْنَ طَافَ بِكَذَا فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى أَنْ يَشْمَلَ بِالطَّوَافِ ذَلِكَ الشَّيْءَ فَإِذَا قَالَ طَافَ بِهِ سَبْعًا كَانَ بِتَكْرِيرِ تَعْمِيمِهِ بِالطَّوَافِ سَبْعًا فَمِنْ هُنَا افْتَرَقَ الْحَالُ بَيْنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ حَيْثُ لَزِمَ فِي شَوْطِهِ كَوْنُهُ مِنْ الْمَبْدَإِ إلَى الْمَبْدَإِ، وَالطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ السَّعْيِ خَتْمًا لَهُ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ لِفِعْلِهِ ﵇ لِذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ. (قَوْلُهُ ثُمَّ أَقِمْ بِمَكَّةَ حَرَامًا؛ لِأَنَّك مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ) فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ حَتَّى يَأْتِيَ بِأَفْعَالِهِ فَأَفَادَ أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَفَرَّقَ الْمُحَقِّقُ إلَخْ) وَفِي الْعِنَايَةِ فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ حَتَّى كَانَ مَبْدَأُ الطَّوَافِ هُوَ الْمُنْتَهَى دُونَ السَّعْيِ أُجِيبَ بِأَنَّ الطَّوَافَ دَوَرَانٌ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِحَرَكَةٍ دَوْرِيَّةٍ فَيَكُونُ الْمَبْدَأُ وَالْمُنْتَهَى وَاحِدًا بِالضَّرُورَةِ، وَأَمَّا السَّعْيُ فَهُوَ قَطْعُ مَسَافَةٍ بِحَرَكَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي عَوْدَهُ عَلَى بَدْئِهِ. (قَوْلُهُ وَلِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ) قَالَ فِي الْفَتْحِ رَوَى الْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ جَاءَ حَتَّى إذَا حَاذَى الرُّكْنَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي حَاشِيَةِ الْمَطَافِ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّائِفِينَ أَحَدٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي حَذْوَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ سُتْرَةٌ» وَعَنْهُ «أَنَّهُ رَآهُ ﵇ يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ» إلَخْ، وَبَابُ بَنِي سَهْمٍ هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْيَوْمَ بَابُ الْعُمْرَةِ لَكِنْ عَلَى هَذَا لَا يَكُونُ حَذْوَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ. اهـ. وَنَازَعَهُ الْقَارِي فِي شَرْحِ اللُّبَابِ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ السَّعْيِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ لِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَقْعُدَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَهُ إلَى طَوَافٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ حَنِيفُ الدِّينِ الْمُرْشِدِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِ السُّرُوجِيِّ فِي مَنْسَكِهِ لَيْسَ لِلسَّعْيِ صَلَاةٌ أَقُولُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ الْخَاطِرُ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ ﵊ فَمَحْمُولٌ عَلَى تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ لَا أَنَّهَا لِلسَّعْيِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﵊ مَا أَحَبَّ حَالَ دُخُولِهِ إلَيْهِ أَنْ يُخَلِّيَهُ مِنْ التَّحِيَّةِ فَحَيَّاهُ بِهَا وَحَيْثُ كَانَ دُخُولُهُ عَقِيبَ السَّعْيِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ اشْتَبَهَ الْحَالُ عَلَى مَنْ رَآهُ اهـ. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ أَقُولُ: لَكِنْ ذَكَرَ الْقَارِي فِي شَرْحِهِ أَنَّ تَحِيَّةَ هَذَا الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ بِخُصُوصِهِ هُوَ الطَّوَافُ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ مَانِعٌ فَحِينَئِذٍ يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ اهـ. وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ فِعْلِهِ ﵇ مَا فَهِمَهُ الرَّاوِي مِنْ أَنَّ صَلَاتَهُ لِلسَّعْيِ فَمَا الدَّاعِي إلَى الْعُدُولِ عَنْهُ مَعَ مَا عَلِمْته تَأَمَّلْ. (مُهِمَّةٌ) ذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُرْشِدِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْكَنْزِ أَنَّ مَسَافَةَ مَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا فَعَلَيْهِ فَعِدَّةُ السَّعْيِ خَمْسَةُ آلَافٍ وَمِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا اهـ. وَفِي الشُّمُنِّيِّ سَبْعُمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ ذِرَاعًا، وَأَمَّا عَرْضُ الْمَسْعَى فَحَكَى الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ نَقْلًا عَنْ تَارِيخِ الْفَاكِهِيِّ أَنَّهُ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ وَهَاهُنَا إشْكَالٌ عَظِيمٌ مَا رَأَيْت أَحَدًا تَعَرَّضَ لَهُ وَهُوَ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ الْأُمُورِ التَّعَبُّدِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ وَعَلَى مَا ذَكَرَ الثِّقَاتُ أُدْخِلَ ذَلِكَ الْمَسْعَى فِي الْحَرَمِ الشَّرِيفِ وَحُوِّلَ ذَلِكَ الْمَسْعَى إلَى دَارِ ابْنِ عَبَّادٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمَكَانُ الَّذِي يُسْعَى فِيهِ الْآنَ لَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ مِنْ عَرْضِ الْمَسْعَى الَّذِي سَعَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ غَيْرُهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ السَّعْيُ فِيهِ وَقَدْ حُوِّلَ عَنْ مَحِلِّهِ وَلَعَلَّ الْجَوَابَ أَنَّ الْمَسْعَى كَانَ عَرِيضًا وَبُنِيَتْ تِلْكَ الدُّورُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي عَرْضِ الْمَسْعَى الْقَدِيمِ فَهَدَمَهَا الْمَهْدِيُّ، وَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَتَرَكَ الْبَعْضَ، وَلَمْ يُحَوَّلْ تَحْوِيلًا كُلِّيًّا وَإِلَّا لَأَنْكَرَهُ عُلَمَاءُ الدِّينِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ اهـ. مُلَخَّصًا. مِنْ الْمَدَنِيِّ. (قَوْلُهُ فَأَفَادَ أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ لَا يَجُوزُ) أَيْ بِأَنْ يَفْسَخَ نِيَّةَ الْحَجِّ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِهِ وَيَقْطَعَ أَفْعَالَهُ وَيَجْعَلَ إحْرَامَهُ وَأَفْعَالَهُ لِلْعُمْرَةِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ فَسْخُ الْعُمْرَةِ لِيَجْعَلَهَا حَجًّا كَذَا فِي اللُّبَابِ قُبَيْلَ الْجِنَايَاتِ وَفِيهِ وَلَا يَعْتَمِرُ أَيْ الْمُتَمَتِّعُ حَالَ إقَامَتِهِ بِمَكَّةَ فَإِنْ فَعَلَ أَسَاءَ وَلَزِمَهُ دَمٌ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهَا وَإِنْ كَانَ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ، وَأَحَلَّ بَعْدَ الْحَلْقِ يَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ الْحَلَالُ قَالَ شَارِحُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْإِتْيَانُ بِالْعُمْرَةِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهَا لِكَرَاهَتِهَا فِي الْأَزْمِنَةِ الْمَخْصُوصَةِ، وَإِنَّمَا كُرِهَتْ الْعُمْرَةُ لِلْمَكِّيِّ فِي

стр. 763

لَا يَجُوزُ وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّهُ ﵇ أَمَرَ بِذَلِكَ أَصْحَابَهُ إلَّا مَنْ سَاقَ مِنْهُمْ الْهَدْيَ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِهِمْ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ الْمُتْعَةَ كَانَتْ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهَا كَانَتْ مَشْرُوعَةً عَلَى الْعُمُومِ، ثُمَّ نُسِخَتْ كَمُتْعَةِ النِّكَاحِ أَوْ مُعَارَضٌ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا أَنَّ «مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَمْ يَحِلُّوا إلَى يَوْمِ النَّحْرِ» . (قَوْلُهُ فَطُفْ بِالْبَيْتِ كُلَّمَا بَدَا لَك) أَيْ ظَهَرَ لَك لِحَدِيثِ الطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ لَكُمْ الْمَنْطِقَ» وَالصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَكَذَا الطَّوَافُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْعَى لِكَوْنِهِ لَا يَتَكَرَّرُ لَا وُجُوبًا وَلَا نَفْلًا، وَكَذَا الرَّمَلُ وَيَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَالطَّوَافُ التَّطَوُّعُ أَفْضَلُ لِلْغُرَبَاءِ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَلِأَهْلِ مَكَّةَ الصَّلَاةُ أَفْضَلُ مِنْهُ هَكَذَا أَطْلَقَهُ كَثِيرٌ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِزَمَنِ الْمَوْسِمِ وَإِلَّا فَالطَّوَافُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ مَكِّيًّا كَانَ أَوْ غَرِيبًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنْ الْبَيْتِ فِي طَوَافه إذَا لَمْ يُؤْذِ بِهِ أَحَدًا وَالْأَفْضَلُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَكُونَ فِي حَاشِيَةِ الْمَطَافِ، وَيَكُونَ طَوَافُهُ وَرَاءَ الشَّاذَرْوَانِ كَيْ لَا يَكُونَ بَعْضُ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْهُ، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ الشَّاذَرْوَانِ لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الْبَيْتِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْهُ حَتَّى لَا يَجُوزَ الطَّوَافُ عَلَيْهِ، وَهُوَ تِلْكَ الزِّيَادَةُ الْمُلْصَقَةُ بِالْبَيْتِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى فُرْجَةِ الْحِجْرِ قِيلَ بَقِيَ مِنْهُ حِينَ عَمَّرَتْهُ قُرَيْشٌ وَضَيَّقَتْهُ وَفِي التَّجْنِيسِ الذِّكْرُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الطَّوَافِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مُعَزِّيًا لِكَافِي الْحَاكِمِ يُكْرَهُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِ وَلَا بَأْسَ بِقِرَاءَتِهِ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ دُخُولَ الْبَيْتِ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ إذَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا كَذَا قَالُوا يَعْنِي لَا نَفْسَهُ وَلَا غَيْرَهُ، وَقَلِيلٌ أَنْ يُوجَدَ هَذَا الشَّرْطُ فِي زَمَنِ الْمَوْسِمِ كَمَا شَاهَدْنَاهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ اقْتِدَاءً بِهِ ﵇، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ مُصَلَّاهُ ﵇ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إذَا دَخَلَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ، وَيَجْعَلُ الْبَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، ثُمَّ يُصَلِّيَ وَيَلْزَمَ الْأَدَبَ مَا اسْتَطَاعَ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ وَلَا بِرَفْعِ بَصَرِهِ إلَى السَّقْفِ فَإِذَا صَلَّى إلَى الْجِدَارِ يَضَعُ خَدَّهُ عَلَيْهِ، وَيَسْتَغْفِرُ وَيَحْمَدُ ثُمَّ يَأْتِي الْأَرْكَانَ فَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ وَيُسَبِّحُ وَيُكَبِّرُ وَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى مَا شَاءَ. (قَوْلُهُ ثُمَّ اُخْطُبْ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ وَعَلِّمْ فِيهَا الْمَنَاسِكَ) يَعْنِي فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ الْحِجَّةِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ خُطْبَةً وَاحِدَةً لَا جُلُوسَ فِيهَا، وَيَوْمُ التَّرْوِيَةِ هُوَ يَوْمُ الثَّامِنُ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَرْوُونَ إبِلَهُمْ فِيهِ لِأَجْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَقِيلَ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ رَأَى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي مَنَامِهِ أَنْ يَذْبَحَ وَلَدَهُ بِأَمْرِ رَبِّهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ رَوَى فِي النَّهَارِ كُلِّهِ أَيْ تَفَكَّرَ أَنَّ مَا رَآهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَيَأْتَمِرُهُ أَوَّلًا فَلَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُغْرِبِ تَعَيُّنُهُ فَإِنَّهُ قَالَ وَالْأَصْلُ الْهَمْزَةُ وَأَخْذُهَا مِنْ الرُّؤْيَةِ خَطَأٌ وَمِنْ الرِّيِّ مَنْظُورٌ فِيهِ، وَأَرَادَ بِالْمَنَاسِكِ الْخُرُوجَ إلَى مِنًى وَإِلَى عَرَفَةَ وَالصَّلَاةَ فِيهَا وَالْوُقُوفَ وَالْإِفَاضَةَ، وَهَذِهِ أَوَّلُ الْخُطَبِ الثَّلَاثِ الَّتِي فِي الْحَجِّ، وَيَبْدَأُ فِي الْكُلِّ بِالتَّكْبِيرِ ثُمَّ بِالتَّلْبِيَةِ ثُمَّ بِالتَّحْمِيدِ كَابْتِدَائِهِ فِي خُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ، وَيَبْدَأُ بِالتَّحْمِيدِ فِي ثَلَاثِ خُطَبٍ وَهِيَ خُطْبَةُ الْجَمْعِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالنِّكَاحِ كَذَا فِي الْمُبْتَغَى. (قَوْلُهُ ثُمَّ رُحْ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إلَى مِنًى) وَهِيَ قَرْيَةٌ فِيهَا ثَلَاثُ سِكَكٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ فَرْسَخٌ وَهِيَ مِنْ ــ [منحة الخالق] أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ يَحُجُّ فَيَبْقَى مُتَمَتِّعًا مُسِيئًا. (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَالطَّوَافُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ إلَخْ) مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْفَتَاوَى الْوَلْوَالِجيَّةِ وَنَصُّهُ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ لِأَهْلِهَا مِنْ الطَّوَافِ وَلِلْغُرَبَاءِ الطَّوَافُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي نَفْسِهَا أَفْضَلُ مِنْ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ بِالصَّلَاةِ لَكِنَّ الْغُرَبَاءَ لَوْ اشْتَغَلُوا بِهَا لَفَاتَهُمْ الطَّوَافُ مِنْ غَيْرِ إمْكَانِ التَّدَارُكِ فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِمَا لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ أَوْلَى اهـ. تَأَمَّلْ. (تَنْبِيهٌ) : هَلْ إكْثَارُ الطَّوَافِ أَفْضُلُ أَمْ إكْثَارُ الِاعْتِمَارِ وَالْأَظْهَرُ تَفْضِيلُ الطَّوَافِ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ وَالْمَشْرُوعِيَّةِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ، وَلِكَرَاهَةِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ إكْثَارَهَا فِي سَنَتِهِ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُرْشِدِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ ثُمَّ قَوْلُهُمْ إنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنْ الطَّوَافِ لَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنَّ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ مَثَلًا أَفْضَلُ مِنْ أَدَاءِ أُسْبُوعٍ؛ لِأَنَّ الْأُسْبُوعَ مُشْتَمِلٌ مَعَ الرَّكْعَتَيْنِ مَعَ زِيَادَةٍ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ بِهِ أَنَّ الزَّمَنَ الَّذِي يُؤَدِّي فِيهِ أُسْبُوعًا مِنْ الطَّوَافِ هَلْ الْأَفْضَلُ فِيهِ أَنْ يَصْرِفَهُ لِلطَّوَافِ أَوْ يَشْغَلَهُ بِالصَّلَاةِ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُمْ فَتَنَبَّهْ اهـ. وَفِيهَا عَنْ الْقَاضِي الْعَلَّامَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ ظَهِيرَةَ أَنَّ الْأَرْجَحَ تَفْضِيلُ الطَّوَافِ عَلَى الْعُمْرَةِ إذَا شَغَلَ مِقْدَارَ زَمَنِ الْعُمْرَةِ بِهِ، وَهَذَا فِي الْعُمْرَةِ الْمَسْنُونَةِ أَمَّا إذَا قِيلَ إنَّهَا لَا تَقَعُ إلَّا فَرْضَ كِفَايَةٍ فَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ. (قَوْلُهُ وَيَوْمُ التَّرْوِيَةِ هُوَ يَوْمُ الثَّامِنِ) وَالْيَوْمُ التَّاسِعُ هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَالْيَوْمُ الْعَاشِرُ يَوْمُ النَّحْرِ وَالْحَادِيَ عَشَرَ يَوْمُ الْقَرِّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقَرُّونَ فِيهِ بِمِنًى وَالثَّانِي عَشَرَ يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلُ وَالثَّالِثَ عَشَرَ النَّفْرُ الثَّانِي كَذَا فِي مَنَاسِكِ النَّوَوِيِّ. (قَوْلُهُ أَيْ تَفَكَّرَ أَنَّ مَا رَآهُ إلَخْ) قَالَ فِي السَّعْدِيَّةِ عَنْ السُّرُوجِيِّ وَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ.

стр. 764

الْحَرَمِ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهِ التَّذْكِيرُ وَالصَّرْفُ وَقَدْ يُكْتَبُ بِالْأَلِفِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ مِنْ الْيَوْمِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُسْتَحَبِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَصَحُّهَا أَنَّهُ يَخْرُجُ إلَيْهَا بَعْدَمَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ لِمَا ثَبَتَ مِنْ فِعْلِهِ ﵇ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ وَابْنِ عُمَرَ مَعَ اتِّفَاقِ الرُّوَاةِ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى فَالْبَيْتُوتَةُ بِهَا سُنَّةٌ وَالْإِقَامَةُ بِهَا مَنْدُوبَةٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ إلَّا يَوْمَ عَرَفَةَ أَجْزَأَهُ أَيْضًا، وَلَكِنَّهُ أَسَاءَ لِتَرْكِ السُّنَّةِ، وَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَا فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا يَخْرُجُ مَا لَمْ يُصَلِّهَا كَمَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ مِصْرِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتْرُكَ التَّلْبِيَةَ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا حَالَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَخَارِجَهُ إلَى حَالِ كَوْنِهِ فِي الطَّوَافِ، وَيُلَبِّي عِنْدَ الْخُرُوجِ إلَى مِنًى وَيَدْعُوَا بِمَا شَاءَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْزِلَ بِالْقُرْبِ مِنْ مَسْجِدِ الْخَيْفِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ إلَى عَرَفَاتٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ) وَهِيَ عَلَمٌ لِلْمَوْقِفِ وَهِيَ مُنَوَّنَةٌ لَا غَيْرُ، وَيُقَالُ لَهَا عَرَفَةُ أَيْضًا وَيَوْمُ عَرَفَةَ التَّاسِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَسُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ عَرَفَ أَنَّ الْحُكْمَ مِنْ اللَّهِ فِيهِ أَوْ لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَرَّفَهُ الْمَنَاسِكَ فِيهِ، أَوْ لِأَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ تَعَارَفَا فِيهِ بَعْدَ الْهُبُوطِ إلَى الْأَرْضِ وَهَذَا بَيَانُ الْأَفْضَلِ حَتَّى لَوْ ذَهَبَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَيْهَا جَازَ كَمَا يَفْعَلُهُ الْحُجَّاجُ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَبِيتُ بِمِنًى لِتَوَهُّمِ الضَّرَرِ مِنْ السُّرَّاقِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسِيرَ عَلَى طَرِيقِ ضَبٍّ، وَيَعُودَ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي الْعِيدَيْنِ، وَيَنْزِلَ مَعَ النَّاسِ حَيْثُ شَاءَ وَبِقُرْبِ الْجَبَلِ أَفْضَلُ وَالْبُعْدُ عَنْ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَكَانِ تَجَبُّرٌ وَالْحَالُ حَالُ تَضَرُّعٍ وَمَسْكَنَةٍ أَوْ إضْرَارٌ بِنَفْسِهِ أَوْ مَتَاعِهِ أَوْ تَضْيِيقٌ عَلَى الْمَارَّةِ إنْ كَانَ بِالطَّرِيقِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَنْزِلَ الْإِمَامُ بِنَمِرَةَ وَنُزُولُ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا لَا نِزَاعَ فِيهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ اُخْطُبْ) يَعْنِي خُطْبَتَيْنِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالْآذَانِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الْجُمُعَةِ لِلِاتِّبَاعِ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَهُ لِإِفَادَةِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ قَبْلَ الزَّوَالِ وَاكْتَفَى بِمَا ذَكَرَهُ فِي الْأُولَى مِنْ تَعْلِيمِ الْمَنَاسِكِ عَنْ أَنْ يَقُولَ وَيُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا الْمَنَاسِكَ الَّتِي هِيَ إلَى الْخُطْبَةِ الثَّالِثَةِ وَهِيَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ، وَالْإِفَاضَةُ مِنْهُمَا وَرَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَالذَّبْحُ وَالْحَلْقُ وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَلَمَّا كَانَ الْإِطْلَاقُ مَصْرُوفًا إلَى الْمَعْهُودِ دَلَّ أَنَّهُ إذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ وَجَلَسَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِلِاتِّبَاعِ الثَّابِتِ عَنْهُ ﵇. (قَوْلُهُ ثُمَّ صَلِّ بَعْدَ الزَّوَالِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ بِشَرْطِ الْإِمَامِ وَالْإِحْرَامِ) لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ فَيُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ ثُمَّ يُقِيمُ لَهُ ثُمَّ يُقِيمُ لِلْعَصْرِ؛ لِأَنَّهَا تُؤَدَّى قَبْلَ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ فَتُفْرَدَ بِالْإِقَامَةِ لِلْإِعْلَامِ. وَأَشَارَ بِذِكْرِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَهَذَا بَيَانُ الْأَفْضَلِ) عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إلَى عَرَفَاتٍ فَيُقِيمُ بِهَا وَهَذَا بَيَانُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَمَّا لَوْ دَفَعَ قَبْلَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَكَانِ حُكْمٌ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَوْلُهُ وَهَذَا بَيَانُ الْأَوْلَوِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ حَمِيدُ الدِّينِ الضَّرِيرُ وَغَيْرُهُ فِي شُرُوحِهِمْ أَيْ الذَّهَابُ إلَى عَرَفَةَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ هُوَ الْأَوْلَى وَلَوْ دَفَعَ قَبْلَهُ جَازَ قُلْت هَذَا حَسَنٌ وَلَكِنْ بَقِيَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ الْوَاجِبِ أَنْ يُقَيِّدَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ عِنْدَ قَوْلِهِ ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إلَى عَرَفَاتٍ بِأَنْ يَقُولَ ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إلَى عَرَفَاتٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى يَصِحَّ بِنَاءُ قَوْلِهِ وَهَذَا بَيَانُ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَيْدَ تَرْكٌ لِسَهْوِ الْكَاتِبِ، وَلِهَذَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَشَرْحِ الْكَرْخِيِّ وَالْإِيضَاحِ وَغَيْرِهَا اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْعِنَايَةِ وَأَجَابَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ بِمَا فِي الْغَايَةِ مِنْ إرْجَاعِ الْإِشَارَةِ إلَى التَّوَجُّهِ بِعَرَفَاتٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ أَمَّا لَوْ تَوَجَّهَ إلَيْهَا قَبْلَهَا جَازَ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهَا حِينَئِذٍ تُوهِمُ أَنَّ التَّوَجُّهَ قَبْلَ الشَّمْسِ كَعِبَارَةِ الْمَتْنِ هُنَا تَأَمَّلْ هَذَا وَفِي مَنَاسِكِ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ مِنْ دُخُولِهِمْ أَرْضَ عَرَفَاتٍ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ فَخَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَيَفُوتُهُمْ بِسَبَبِهِ سُنَنٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا الصَّلَوَاتُ بِمِنًى وَالْمَبِيتُ بِهَا وَالتَّوَجُّهُ مِنْهَا إلَى نَمِرَةَ، وَالنُّزُولُ بِهَا وَالْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ قَبْلَ دُخُولِ عَرَفَاتٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَمْكُثُوا بِنَمِرَةَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَيَغْتَسِلُوا بِهَا لِلْوُقُوفِ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ذَهَبَ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ إلَى الْمَسْجِدِ الْمُسَمَّى مَسْجِدَ إبْرَاهِيمَ وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ خُطْبَتَيْنِ إلَخْ (قَوْلُهُ عَلَى طَرِيقِ ضَبٍّ إلَخْ) بِفَتْحِ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ مُوَحَّدَةٍ وَهُوَ اسْمٌ لِلْجَبَلِ الَّذِي حَذَاهُ مَسْجِدُ الْخَيْفِ فِي أَصْلِهِ، وَطَرِيقُهُ فِي أَصْلِ الْمَأْزِمَيْنِ عَنْ يَمِينِك وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إلَى عَرَفَاتٍ وَالْمَأْزِمَانُ مَضِيقٌ بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَعَرَفَةَ وَهُوَ بِفَتْحِ مِيمٍ وَسُكُونِ هَمْزَةٍ وَيَجُوزُ إبْدَالُهَا وَكَسْرِ زَايٍ شَرْحُ اللُّبَابِ. (قَوْلُهُ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ ) لَكِنْ تَرَكَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي زَمَانِنَا هَذَا لِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّوْكِ وَغَلَبَةِ الْخَوْفِ وَقِلَّةِ الشَّوْكَةِ لَأَكْثَرَ الْحَاجُّ شَرْحُ اللُّبَابِ. (قَوْلُهُ وَلَمَّا كَانَ الْإِطْلَاقُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى مَا بَيْنَ أَوَّلِ كَلَامِهِ وَآخِرِهِ مِنْ التَّدَافُعِ إذْ لَوْ انْصَرَفَ إلَى الْمَعْهُودِ لَمَا أَفَادَ الْجَوَازَ قَبْلَ الزَّوَالِ اهـ. أَيْ فَكَمَا أَنَّ الْمَعْهُودَ أَنَّهُ إذَا صَعِدَ

стр. 765

الْعَصْرِ بَعْدَ الظُّهْرِ إلَى أَنَّهُ لَا يُصَلِّي سُنَّةَ الظُّهْرِ الْبَعْدِيَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي التَّصْحِيحِ فَبِالْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْتَقِلَ بَيْنَهُمَا فَلَوْ فَعَلَ كُرِهَ، وَأَعَادَ الْأَذَانَ لِلْعَصْرِ لِانْقِطَاعِ فَوْرِهِ فَصَارَ كَالِاشْتِغَالِ بَيْنَهُمَا بِفِعْلٍ آخَرَ وَفِي اقْتِصَارِهِ فِي بَيَانِ شَرْطِ الْجَمْعِ عَلَى مَا ذُكِرَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ لَيْسَتْ مِنْ شَرْطِهِ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ وَعَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ مِنْ شَرْطِهِ حَتَّى لَوْ لَحِقَ النَّاسَ الْفَزَعُ بِعَرَفَاتٍ فَصَلَّى الْإِمَامُ وَحْدَهُ الصَّلَاتَيْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الصَّحِيحِ كَذَا فِي الْوَجِيزِ وَفِي الْبَدَائِعِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ الْحَدَثُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فَاسْتَخْلَفَ رَجُلًا، وَذَهَبَ الْإِمَامُ لِيَتَوَضَّأَ فَصَلَّى الْخَلِيفَةُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ثُمَّ جَاءَ الْإِمَامُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ إلَّا فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ هُنَاكَ لَيْسَ لِعَدَمِ الْجَمَاعَةِ بَلْ لِعَدَمِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ إمَامًا، وَصَارَ كَوَاحِدٍ مِنْ الْمُؤْتَمِّينَ أَوْ يُقَالَ الْجَمَاعَةُ شَرْطُ الْجَمْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَكِنْ فِي حَقِّ غَيْرِ الْإِمَامِ لَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ. اهـ. فَمَا فِي النُّقَايَةِ وَالْجَوْهَرَةِ وَالْمَجْمَعِ مِنْ اشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ ضَعِيفٌ، وَلَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَاسْتَخْلَفَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْخُطْبَةَ جَازَ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ، وَذَكَرَ الْإِمَامَ وَالْإِحْرَامَ بِالتَّعْرِيفِ لِلْإِشَارَةِ إلَى تَعْيِينِهِمَا، فَالْمُرَادُ بِالْإِمَامِ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَوْ نَائِبُهُ مُقِيمًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ مَعَ إمَامٍ غَيْرِهِمَا، وَلَوْ مَاتَ الْإِمَامُ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ جَمَعَ نَائِبُهُ أَوْ صَاحِبُ شَرْطِهِ ــ [منحة الخالق] الْمِنْبَرَ وَجَلَسَ أَذَنَّ الْمُؤَذِّنُ فَكَذَلِكَ الْمَعْهُودُ كَوْنُ الْخُطْبَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ. (قَوْلُهُ فَلَوْ فَعَلَ كُرِهَ) ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ وَالْكَافِي مِنْ أَنَّهُ لَا يَشْتَغِلُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالنَّافِلَةِ غَيْرَ سُنَّةِ الظُّهْرِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا قَالَ فِي الْفَتْحِ هَذَا يُنَافِي حَدِيثَ جَابِرٍ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، وَكَذَا يُنَافِي إطْلَاقَ الْمَشَايِخِ فِي قَوْلِهِمْ وَلَا يَتَطَوَّعُ بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ فَإِنَّ التَّطَوُّعَ يُقَالُ عَلَى السُّنَّةِ اهـ. وَإِنْ كَانَ تَأْخِيرُ الْعَصْرِ مِنْ الْإِمَامِ لَا يُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَتَطَوَّعَ بَيْنَهُمَا إلَى أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ فِي الْعَصْرِ، وَيُكْرَهُ التَّنَفُّلُ بَعْدَ أَدَاءِ الْعَصْرِ وَلَوْ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ اهـ. مِنْ اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ. (قَوْلُهُ فَصَارَ كَالِاشْتِغَالِ بَيْنَهُمَا بِفِعْلٍ آخَرَ) كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْكَلَامِ. (تَنْبِيهٌ) نَقَلَ الْمَدَنِيُّ عَنْ إجَابَةِ السَّائِلِينَ لِلشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَفِيفِ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ الْعَلَّامَةُ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ صَادِقُ بْنُ أَحْمَدَ بَادْشَاهْ عَنْ تَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَمَنْ اقْتَدَى بِهِ فِيمَا بَيْنَ كُلٍّ مِنْ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ الْإِتْيَانُ بِهِ لِمَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا مِنْ أَنَّ الْعَمَلَ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا وَهُمَا لَمْ يَشْتَرِطَا شَيْئًا مِمَّا شَرَطَهُ الْإِمَامُ مِنْ الْمِصْرِ وَغَيْرِهِ أَمْ لَا يَجِبُ؟ وَهَلْ إذَا أَتَوْا بِهِ يُعَدُّ قَاطِعًا لِفَوْرِ الْأَذَانِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ أَعْنِي الْعَصْرَ بَعْدَ الظُّهْرِ فَوْرًا وَالْعِشَاءَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ كَذَلِكَ لَا خِلَافَ فِي مُرَاعَاتِهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ حَتَّى لَوْ فُقِدَتْ بِالِاشْتِغَالِ بِعَمَلِ عِبَادَةً كَانَ أَمْ لَا كُرِهَ وَأُعِيدَ الْأَذَانُ لِلْعَصْرِ وَالْإِقَامَةُ لِلْعِشَاءِ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى وُرُودِهَا عَنْهُ ﷺ اهـ. قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْوَارِدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَرْكُ التَّكْبِيرِ وَلَا يُقَاسُ عَلَى النَّافِلَةِ لِوُجُوبِهِ، وَلِأَنَّ مُدَّتَهُ يَسِيرَةٌ وَلِذَا لَمْ يُعَدَّ فَاصِلًا بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالرَّاتِبَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّكْبِيرَ بَعْدَ ثُبُوتِ وُجُوبِهِ عِنْدَنَا لَا يَسْقُطُ وُجُوبُهُ هُنَا إلَّا بِدَلِيلٍ وَمَا ذَكَرَ لَا يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ كَمَا عَلِمْته هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ فَمَا فِي النُّقَايَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ اشْتِرَاطَ الْجَمَاعَةِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْفَزَعِ فَبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ إنَّمَا جَازَ لَهُ الْجَمْعُ ضَرُورَةً كَمَا عَلَّلَ بِهِ الشَّارِحُ فِيمَا إذَا نَفَرُوا لَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ غَيْرُ شَرْطٍ اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي بَعْدَ ذِكْرِهِ عِبَارَةَ الْبَدَائِعِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ: قُلْت اخْتَارَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ هَذَا حَيْثُ قَالَ وَلَوْ نَفَر النَّاسُ عَنْ الْإِمَامِ بَعْدَ الشُّرُوعِ أَوْ قَبْلَهُ فَصَلَّى وَحْدَهُ الصَّلَاتَيْنِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي حَقِّ الْإِمَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَمَّا الْإِمَامُ فَشَرْطٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ اهـ. فَعَلَى هَذَا لَا تَرِدُ مَسْأَلَةُ الْفَزَعِ أَصْلًا وَلَا تَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ قَطْعًا، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الْأَوْلَى بِالْقَبُولِ لِمُوَافَقَتِهِ الْمَنْقُولَ وَالْمَعْقُولَ فَالْأَوَّلُ مَا سَبَقَ أَنَّ مَنْ صَلَّاهُمَا مَعَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ مُحْرِمًا يَجْمَعُ وَمَنْ لَا فَلَا عِنْدَهُ، وَالثَّانِي أَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِمَامِ عَيْنُ اشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ اشْتِرَاطُ أَدَائِهَا مَعَهُ لَا اشْتِرَاطُ وُجُودِهِ فِي الْمَوْقِفِ، وَإِلَّا لَصَحَّ جَمْعُ مَنْ وُجِدَ فِي الْمَوْقِفِ مُنْفَرِدًا، وَلَيْسَ مَذْهَبَ الْإِمَامِ بَلْ مَذْهَبَ الصَّاحِبَيْنِ فَاشْتِرَاطُهُمْ الْإِمَامَ يُعَيِّنُ اشْتِرَاطَ الْجَمَاعَةِ مَعَهُ وَيُؤَيِّدُهُ تَخْصِيصُهُمْ جَوَازَ الْجَمْعِ مُنْفَرِدًا فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَقَطْ وَتَعْلِيلُ بَعْضِهِمْ لَهُ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ فِي حَقِّهِ وَأَكْثَرُهُمْ بِالضَّرُورَةِ فَعَلَى هَذَا فَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّهِ فَتَسْقُطُ بِالضَّرُورَةِ لَازِمٌ فِي حَقِّهِمْ فَلَا تَسْقُطُ بِحَالٍ. (قَوْلُهُ مُقِيمًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا) لَكِنْ إنْ كَانَ مُقِيمًا كَإِمَامِ مَكَّةَ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْمُقِيمِينَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ وَلَا لِلْحَاجِّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ قَالَ الْإِمَامُ الْحَلْوَانِيُّ كَانَ الْإِمَامُ النَّسَفِيُّ يَقُولُ الْعَجَبُ مِنْ أَهْلِ الْمَوْقِفِ يُتَابِعُونَ إمَامَ مَكَّةَ فِي الْقَصْرِ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَكَّةَ فَرْسَخَانِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُمْ، وَأَنَّى يُرْجَى لَهُمْ الْخَيْرُ وَصَلَاتُهُمْ غَيْرُ جَائِزَةٍ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ كُنْت مَعَ أَهْلِ الْمَوْقِفِ فَاعْتَزَلْت وَصَلَّيْت كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا وَأَوْصَيْت بِذَلِكَ أَصْحَابِي، وَقَدْ سَمِعْنَا أَنَّهُ يَتَكَلَّفُ وَيَخْرُجُ مَسِيرَةَ سَفَرٍ ثُمَّ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ فَلَوْ كَانَ هَكَذَا فَالْقَصْرُ جَائِزٌ

стр. 766

لِأَنَّ النُّوَّابَ لَا يَنْعَزِلُونَ بِمَوْتِ الْخَلِيفَةِ، وَالْأَصْلِيُّ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا، وَالْمُرَادُ بِالْإِحْرَامِ إحْرَامُ الْحَجِّ حَتَّى لَوْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ يُصَلِّي الْعَصْرَ فِي وَقْتِهِ عِنْدَهُ، وَهَذَانِ الشَّرْطَانِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا فِي كُلٍّ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ لَا فِي الْعَصْرِ وَحْدَهَا حَتَّى لَوْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ فِي الظُّهْرِ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فِي الْعَصْرِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ عِنْدَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا فِي الظُّهْرِ، وَأَطْلَقَ فِي وَقْتِ الْإِحْرَامِ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُهُ عِنْدَ أَدَاءِ الصَّلَاتَيْنِ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِمَامُ لِجَمِيعِ أَدَاءِ الظُّهْرِ حَتَّى لَوْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْهُ مَعَهُ جَازَ لَهُ الْجَمْعُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا لَا يُشْتَرَطُ إلَّا الْإِحْرَامُ عِنْدَ الْعَصْرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ فَجُوِّزَ لِلْمُنْفَرِدِ الْجَمْعُ وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى الظُّهْرَ إشَارَةٌ إلَى الصَّحِيحَةِ فَلَوْ صَلَّاهَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ فَسَادُ الظُّهْرِ أَعَادَهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ عُدِمَ شَرْعًا، وَذَكَرَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ هَذَا الْجَمْعِ إلَى آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَفِي الْمُحِيطِ لَا يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا. (قَوْلُهُ ثُمَّ إلَى الْمَوْقِفِ وَقِفْ بِقُرْبِ الْجَبَلِ) أَيْ ثُمَّ رُحْ وَالْمُرَادُ بِالْجَبَلِ جَبَلُ الرَّحْمَةِ (قَوْلُهُ وَعَرَفَاتٌ كُلِّهَا مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «عَرَفَاتٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ وَشِعَابُ مَكَّةَ كُلُّهَا مَنْحَرٌ» وَفِي الْمُغْرِبِ عُرَنَةُ وَادٍ بِحِذَاءِ عَرَفَاتٍ وَبِتَصْغِيرِهَا سُمِيَتْ عُرَيْنَةُ يُنْسَبُ إلَيْهَا الْعُرَنِيُّونَ وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهَا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا بِغَرْبِيِّ مَسْجِدِ عَرَفَةَ حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّ الْجِدَارَ الْغَرْبِيَّ مِنْ مَسْجِدِ عَرَفَةَ لَوْ سَقَطَ سَقَطَ فِي بَطْنِ عُرَنَةَ، وَحَكَى الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ عَرَفَةَ فِي الْحِلِّ وَعُرَنَةَ فِي الْحَرَمِ. (قَوْلُهُ حَامِدًا مُكَبِّرًا مُهَلِّلًا مُلَبِّيًا مُصَلِّيًا دَاعِيًا) أَيْ قِفْ حَامِدًا إلَى آخِرِهِ لِحَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْته أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» وَكَانَ ﵇ يَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ فِي هَذَا الْمَوْقِفِ حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ «أَنَّهُ ﵇ دَعَا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ لِأُمَّتِهِ بِالْمَغْفِرَةِ فَاسْتُجِيبَ لَهُ إلَّا فِي الدِّمَاءِ وَالْمَظَالِمِ ثُمَّ أَعَادَ الدُّعَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَأُجِيبَ حَتَّى الدِّمَاءِ وَالْمَظَالِمِ» خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِالْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ فَإِنَّهُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ سَاقِطُ الِاحْتِجَاجِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحُفَّاظُ لَكِنَّ لَهُ شَوَاهِدَ كَثِيرَةً فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ فُلَانٌ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ فَجَعَلَ الْفَتَى يُلَاحِظُ النِّسَاءَ وَيَنْظُرُ إلَيْهِنَّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ــ [منحة الخالق] وَإِلَّا لَا فَيَجِبُ الِاحْتِيَاطُ تَتَارْخَانِيَّةُ عَنْ الْمُحِيطِ مُلَخَّصًا. (قَوْلُهُ وَعِنْدَهُمَا لَا يُشْتَرَطُ إلَّا الْإِحْرَامُ إلَخْ) ذَكَرَ فِي الشرنبلالية عَنْ الْبُرْهَانِ أَنَّهُ الْأَظْهَرُ (قَوْلُهُ وَذَكَرَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَخْ) نَقَلَهُ شَارِحُ اللُّبَابِ عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ لِقَاضِي خَانْ وَقَالَ فِيهِ إنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَأْخِيرُ الْوُقُوفِ وَيُنَافِي حَدِيثَ جَابِرٍ ﵁ حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْخُطْبَةَ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الزَّوَالِ فَلَا تَقَعُ الصَّلَاةُ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بَعْدَهُ لَا قَبْلَهُ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَقَفَ بِقُرْبِ الْجَبَلِ) أَيْ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ وَهُوَ مَوْقِفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى مَا قِيلَ الصَّخَرَاتُ السُّودُ الْكِبَارُ الْمُفْتَرِشَاتُ فِي طَرَفَيْ الْجُبَيْلَاتِ الصِّغَارِ الَّتِي كَأَنَّهَا الرَّوَابِي الصِّغَارُ عِنْدَ جَبَلِ الرَّحْمَةِ وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَطْنَ نَاقَتِهِ إلَى الصَّخَرَاتِ وَجَبَلِ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَكَانَ مَوْقِفُهُ عِنْدَ النَّابِتِ. قَالَ الْأَزْرَقِيُّ وَالنَّابِتُ هُوَ الْفَجْوَةُ الَّتِي خَلْفَ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَأَنَّ مَوْقِفَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ عَلَى ضِرْسٍ مُضَرَّسٍ بَيْنَ أَحْجَارٍ هُنَاكَ نَاتِئَةٌ مِنْ جَبَلِ الْآلِ قَالَ الْفَارِسِيُّ قَالَ قَاضِي الْقُضَاةِ بَدْرُ الدِّينِ وَقَدْ اجْتَهَدْت عَلَى تَعْيِينِ مَوْقِفِهِ ﷺ مِنْ جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَوَافَقَنِي عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ مُحَدِّثِي مَكَّةَ وَعُلَمَائِهَا حَتَّى حَصَلَ الظَّنُّ بِتَعْيِينِهِ، وَأَنَّهُ الْفَجْوَةُ الْمُسْتَعْلِيَةُ الْمُشْرِفَةُ عَلَى الْمَوْقِفِ الَّتِي عَنْ يَمِينِهَا وَوَرَاءَهَا صَخْرَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِصَخَرَاتِ الْجَبَلِ، وَهَذِهِ الْفَجْوَةُ بَيْنَ الْجَبَلِ وَالْبِنَاءِ الْمُرَبَّعِ عَنْ يَسَارِهِ وَهِيَ إلَى الْجَبَلِ أَقْرَبُ بِقَلِيلٍ بِحَيْثُ يَكُونُ الْجَبَلُ قُبَالَتَك بِيَمِينٍ إذَا اسْتَقْبَلْت الْقِبْلَةَ وَالْبِنَاءُ الْمُرَبَّعُ عَنْ يَسَارِك بِقَلِيلٍ وَرَاءَ فَإِنْ ظَفِرْت بِمَوْقِفِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى فَلَازِمْهُ وَلَا تُفَارِقْهُ وَإِنْ خَفِيَ عَلَيْك فَقِفْ مَا بَيْنَ الْجَبَلِ وَالْبِنَاءِ الْمَذْكُورِ عَلَى جَمِيعِ الصَّخَرَاتِ وَالْأَمَاكِن الَّتِي بَيْنَهُمَا وَعَلَى سَهْلِهَا تَارَةً وَعَلَى جَبَلِهَا تَارَةً لَعَلَّك أَنْ تُصَادِفَ الْمَوْقِفَ النَّبَوِيَّ كَذَا فِي الْمُرْشِدِيِّ عَلَى الْكَنْزِ، وَقَالَ الْقَاضِي مُحَمَّدٌ عِيدٌ وَالْبِنَاءُ الْمُرَبَّعُ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِمَطْبَخِ آدَمَ ﵇ وَقَدْ وَقَفْت بِمَوْقِفِهِ ﵇ مِرَارًا كَثِيرَةً، وَحَصَلَ لِي مِنْهُ خُشُوعٌ عَظِيمٌ وَيُعْرَفُ بِحِذَائِهِ صَخْرَةٌ مَخْرُوقَةٌ تَتْبَعُ هِيَ وَمَا حَوْلَهَا مِنْ الصَّخَرَاتِ الْمَفْرُوشَةِ وَمَا وَرَاءَهَا مِنْ الصِّخَارِ السُّودِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْجَبَلِ هُنَا الْمَطْلُوبُ اهـ. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَعَرَفَاتٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ) ظَاهِرُ هَذَا وَكَذَا قَوْلُهُ فِي مُزْدَلِفَةَ وَهِيَ مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ أَنَّ الْمَكَانَيْنِ لَيْسَا بِمَكَانِ وُقُوفٍ فَلَا يُجْزِئُ فِيهِمَا كَمَا سَيَأْتِي

стр. 767

ابْنَ أَخِي إنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ غُفِرَ لَهُ» وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مَرْفُوعًا «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مَرْفُوعًا «أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ مَرْفُوعًا «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إلَّا مَا رُئِيَ يَوْمَ بَدْرٍ فَإِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ» فَإِنَّهَا تَقْتَضِي تَكْفِيرَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لَكِنْ ذَكَرَ الْأَكْمَلُ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ الذُّنُوبَ السَّالِفَةَ تُحْبَطُ بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً، وَتَتَنَاوَلُ حُقُوقَ اللَّهِ وَحُقُوقَ الْعِبَادِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَرْبِيِّ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ لَا يُطَالَبُ بِشَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى لَوْ كَانَ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَا يُؤَاخَذُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا كَانَ الْإِسْلَامُ كَافِيًا فِي تَحْصِيلِ مُرَادِهِ وَلَكِنْ ذَكَرَ ﷺ الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ تَأْكِيدًا فِي بِشَارَتِهِ وَتَرْغِيبًا فِي مُبَايَعَتِهِ فَإِنَّ الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ لَا يُكَفِّرَانِ الْمَظَالِمَ، وَلَا يُقْطَعُ فِيهِمَا بِمَحْوِ الْكَبَائِرِ، وَإِنَّمَا يُكَفِّرَانِ الصَّغَائِرَ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ وَالْكَبَائِرُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ أَيْضًا كَالْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَحِينَئِذٍ لَا يُشَكُّ أَنَّ ذِكْرَهُمَا كَانَ لِلتَّأْكِيدِ اهـ. وَهَكَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الطِّيبِيِّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ إنَّ الشَّارِحِينَ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْكَبَائِرَ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ، وَأَنَّ الْحَجَّ لَا يُقْطَعُ فِيهِ بِتَكْفِيرِ الْكَبَائِرِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَضْلًا عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّكْفِيرِ لِلْكُلِّ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ الدَّيْنَ يَسْقُطُ عَنْهُ، وَكَذَا قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ وَالصِّيَامَاتِ وَالزَّكَاةِ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ إثْمَ مَطْلِ الدَّيْنِ وَتَأْخِيرِهِ يَسْقُطُ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إذَا مَطَلَ صَارَ آثِمًا الْآنَ، وَكَذَا إثْمُ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ أَوْقَاتِهَا يَرْتَفِعُ بِالْحَجِّ لَا الْقَضَاءُ ثُمَّ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ يُطَالَبُ بِالْقَضَاءِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ آثِمًا عَلَى الْقَوْلِ بِفَوْرِيَّتِهِ، وَكَذَا الْبَقِيَّةُ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِمُقْتَضَى عُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَجِّ كَمَا لَا يَخْفَى. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ مُلَبِّيًا إلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ يَقْطَعُهَا إذَا وَقَفَ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْوُقُوفَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ أَعْظَمُ أَرْكَانِهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» وَشَرْطُهُ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا كَوْنُهُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ تُحْبَطُ بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ) أَيْ بِمَجْمُوعِ الثَّلَاثَةِ لَا بِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى انْفِرَادِهِ. (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ إثْمَ مَطْلِ الدَّيْنِ وَتَأْخِيرِهِ يَسْقُطُ إلَخْ) أَقُولُ: بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَخَّرَ صَلَاةً عَنْ وَقْتِهَا فَقَدْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً وَهِيَ التَّأْخِيرُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ الْقَضَاءُ وَكَذَا إذَا مَطَلَ الدَّيْنَ، وَكَذَا إذَا قَتَلَ أَحَدًا ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً وَهِيَ الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ مُخَالِفًا نَهْيَ الرَّبِّ تَعَالَى وَوَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ تَسْلِيمُ نَفْسِهِ لِلْقِصَاصِ إنْ كَانَ عَمْدًا أَوْ تَسْلِيمُ الدِّيَةِ وَكَذَا نَظَائِرُ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ مَعْصِيَةً يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا وَاجِبٌ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْوَاجِبُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حُقُوقِ الْعَبْدِ فَمَا وَرَدَ مِنْ تَكْفِيرِ الْحَجِّ لِلْكَبَائِرِ، وَالْمُرَادُ تَكْفِيرُهُ لِلْمَعَاصِي الْكَبَائِرِ كَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ وَمَطْلِ الدَّيْنِ وَالْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ وَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى تِلْكَ الْمَعَاصِي مِنْ لُزُومِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ وَأَدَاءِ الدَّيْنِ وَتَسْلِيمِ نَفْسِهِ لِلْقِصَاصِ أَوْ تَسْلِيمِ الدِّيَةِ فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّ التَّكْفِيرَ إنَّمَا يَكُونُ لِلذَّنْبِ وَهَذِهِ وَاجِبَاتٌ لَا ذُنُوبٌ حَتَّى تَسْقُطَ أَلَا تَرَى أَنَّ التَّوْبَةَ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ سُقُوطُ الْوَاجِبَاتِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى تِلْكَ الذُّنُوبِ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ ذَنْبٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ لَا تَتِمُّ إلَّا بِفِعْلِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ فَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا ثُمَّ تَابَ لَا تَتِمُّ تَوْبَتُهُ إلَّا بِضَمَانِ مَا غَصَبَ فَمَا بَالُك بِالْحَجِّ الَّذِي فِيهِ النِّزَاعُ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِنَا لَا تَتِمُّ تَوْبَتُهُ إلَّا بِفِعْلِ الْوَاجِبِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْغَصْبِ فِي الْآخِرَةِ إلَّا بِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَوْ غَصَبَ وَتَابَ عَنْ فِعْلِ الْغَصْبِ الْمَذْكُورِ وَحَبَسَ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ عِنْدَهُ وَمَنَعَ صَاحِبَهُ عَنْهُ، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى رَدِّهِ إلَى صَاحِبِهِ تَصِحُّ تَوْبَتُهُ وَإِنْ بَقِيَتْ ذِمَّتُهُ مَشْغُولَةً بِهِ إلَى أَنْ يَرُدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ فَحِينَئِذٍ تَتِمُّ تَوْبَتُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَكَذَا يُقَالُ فِي مَطْلِ الدَّيْنِ وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ فَقَدْ ظَهَرَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ الْحَجَّ كَالتَّوْبَةِ فِي تَكْفِيرِ الْكَبَائِرِ سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِحُقُوقِ الْعَبْدِ أَوْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِحَقِّ أَحَدٍ أَيْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا وَاجِبٌ آخَرُ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ فَيُكَفِّرُ الْحَجُّ الذَّنْبَ وَيَبْقَى حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْعَبْدِ فِي ذِمَّتِهِ إنْ كَانَ ذَنْبًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حَقُّ أَحَدِهِمَا كَمَا قَرَّرَنَا، وَإِلَّا فَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ الْفَرِيدَ فَإِنَّ بِهِ يَتَّضِحُ الْمَرَامُ وَتَنْدَفِعُ الشُّبْهَةُ وَالْأَوْهَامُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْعَلَّامَةُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى مَنْظُومَتِهِ فِي التَّوْحِيدِ فَقَالَ إنَّ قَوْلَهُ ﷺ «مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» لَا يَتَنَاوَلُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقَ عِبَادِهِ؛ لِأَنَّهَا فِي الذِّمَّةِ لَيْسَتْ ذَنْبًا، وَإِنَّمَا الذَّنْبُ الْمَطْلُ فِيهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إسْقَاطِ صَاحِبِهِ فَاَلَّذِي يَسْقُطُ إثْمُ مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ أَحَدُهُمَا كَوْنُهُ

стр. 768

فِي أَرْضِ عَرَفَاتٍ. الثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِهِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَلَيْسَ الْقِيَامُ مِنْ شَرْطِهِ وَلَا مِنْ وَاجِبَاتِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ جَالِسًا جَازَ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ الْمَفْرُوضَ هُوَ الْكَيْنُونَةُ فِيهِ، وَكَذَا النِّيَّةُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ وَوَاجِبُهُ الِامْتِدَادُ إلَى الْغُرُوبِ وَأَمَّا سُنَنُهُ فَالِاغْتِسَالُ لِلْوُقُوفِ وَالْخُطْبَتَانِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَتَعْجِيلُ الْوُقُوفِ عَقِيبَهُمَا، وَأَنْ يَكُونَ مُفْطِرًا لِكَوْنِهِ أَعْوَنَ عَلَى الدُّعَاءِ وَأَنْ يَكُونَ مُتَوَضِّئًا لِكَوْنِهِ أَكْمَلَ، وَأَنْ يَقِفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَأَنْ يَكُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ بِالْقُرْبِ مِنْهُ وَأَنْ يَكُونَ حَاضِرَ الْقَلْبِ فَارِغًا مِنْ الْأُمُورِ الشَّاغِلَةِ مِنْ الدُّعَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَنِبَ فِي مَوْقِفِهِ طَرِيقَ الْقَوَافِلِ وَغَيْرِهِمْ لِئَلَّا يَنْزَعِجَ بِهِمْ، وَأَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ السُّودِ مَوْقِفَ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ يَقِفُ بِقُرْبٍ مِنْهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَأَمَّا مَا اُشْتُهِرَ عِنْدَ الْعَوَامّ مِنْ الِاعْتِنَاءِ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ جَبَلِ الرَّحْمَةِ الَّذِي هُوَ بِوَسَطِ عَرَفَاتٍ، وَتَرْجِيحُهُمْ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ فَخَطَأٌ ظَاهِرٌ وَمُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي صُعُودِ هَذَا الْجَبَلِ فَضِيلَةً تَخْتَصُّ بِهِ بَلْ لَهُ حُكْمُ سَائِرِ أَرَاضِي عَرَفَاتٍ غَيْرَ مَوْقِفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ إلَّا الطَّبَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي فَإِنَّهُمَا قَالَا بِاسْتِحْبَابِ قَصْدِ هَذَا الْجَبَلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ جَبَلُ الدُّعَاءِ. قَالَ وَهُوَ مَوْقِفُ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا قَالَاهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَا ضَعِيفٌ كَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَمِنْ السُّنَّةِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الدُّعَاءِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّلْبِيَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ التَّقْصِيرِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا فَإِنَّ هَذَا الْيَوْمَ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ وَيُكْثِرُ مِنْ التَّلَفُّظِ بِالتَّوْبَةِ مِنْ جَمِيعِ الْمُخَالَفَاتِ مَعَ النَّدَمِ بِالْقَلْبِ، وَأَنْ يُكْثِرَ الْبُكَاءَ مَعَ الذِّكْرِ فَهُنَاكَ تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ، وَتُسْتَقَالُ الْعَثَرَاتُ وَتُرْتَجَى الطَّلَبَاتُ، وَأَنَّهُ لَمَجْمَعٌ عَظِيمٌ وَمَوْقِفٌ جَسِيمٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَأَوْلِيَائِهِ الْمُخْلَصِينَ، وَهُوَ أَعْظَمُ مَجَامِعِ الدُّنْيَا، وَقَدْ قِيلَ إذَا وَافَقَ يَوْمُ ــ [منحة الخالق] فِي أَرْضِ عَرَفَاتٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا رُكْنُهُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِهِ بِدُونِهِ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ وَأَنْ يَكُونَ مُفْطِرًا) عَدَّ فِي اللُّبَابِ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْوُقُوفِ الصَّوْمُ لِمَنْ قَوِيَ وَالْفِطْرُ لِلضَّعِيفِ. قَالَ وَقِيلَ يُكْرَهُ قَالَ شَارِحُهُ وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لِئَلَّا يُسِيءَ خُلُقَهُ فَيُوقِعَهُ فِي مَحْذُورٍ أَوْ مَحْظُورٍ، وَكَذَا صَوْمُ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ؛ لِأَنَّهُ يُعْجِزُهُ عَنْ أَدَاءِ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ أَفْطَرَ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ كَمَالِ الْقُوَّةِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ أَحَدًا عَنْ صَوْمِهِ فَلَا وَجْهَ لِكَرَاهَتِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا مَا فِي الْخَانِيَّةِ وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ وَكَذَا صَوْمُ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ؛ لِأَنَّهُ يُعْجِزُهُ عَنْ أَدَاءِ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَمَبْنِيٌّ عَلَى حُكْمِ الْأَغْلَبِ فَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي الْكَرْمَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِلْحَاجِّ الصَّوْمُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ عِنْدَنَا إلَّا إذَا كَانَ يُضْعِفُهُ عَنْ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ فَحِينَئِذٍ تَرْكُهُ أَوْلَى وَفِي الْفَتْحِ إنْ كَانَ يُضْعِفُهُ عَنْ الْوُقُوفِ وَالدَّعَوَاتِ وَالْمُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ اهـ. (قَوْلُهُ وَأَنْ يَقِفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ) عِبَارَةُ مَتْنِ التَّنْوِيرِ وَوَقَفَ الْإِمَامُ عَلَى نَاقَتِهِ قَالَ الْمَدَنِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْإِمَامِ هُنَا بَلْ يَنْبَغِي الرُّكُوبُ لِكُلِّ وَاقِفٍ فِي عَرَفَةَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْإِمَامَ لِأَنَّهُ يُقْتَدَى بِهِ فِي جَمِيعِ الْمَنَاسِكِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِفِعْلِهِ ﷺ ، وَلِأَنَّهُ مَتَى وَقَفَ رَاكِبًا يَكُونُ قَلْبُهُ فَارِغًا مِنْ جَانِبِ الدَّابَّةِ فَيَكُونُ قَلْبُهُ فِي الدُّعَاءِ أَسْكَنَ وَفِي الْمُنَاجَاةِ أَخْلَصَ، قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْعَفِيفُ ثُمَّ قَالَ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ نَقْلًا عَنْ مَنْسَكِ ابْنِ الْعَجَمِيِّ يُكْرَهُ الْوُقُوفُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ إلَّا فِي حَالِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بَلْ هُوَ الْأَفْضَلُ لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ وَهَذَا الْمَوْضِعُ مُسْتَثْنًى عَمَّا نَهَى عَنْهُ مِنْ اتِّخَاذِ ظُهُورِ الدَّوَابِّ مَسَاطِبَ يُجْلَسُ عَلَيْهَا اهـ. وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ الْعَجَمِيِّ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَرْكَبٌ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقِفَ قَائِمًا فَإِذَا أَعْيَا جَلَسَ وَلَوْ وَقَفَ جَالِسًا جَازَ اهـ. وَمَفْهُومُ عِبَارَةِ الْكَرْمَانِيِّ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوبِ وَلَمْ يَرْكَبْ يَكُونُ مُسِيئًا لِتَرْكِهِ السُّنَّةَ فَافْهَمْ وَإِلَّا فَقَاعِدًا وَهُوَ يَلِي الْقِيَامَ فِي الْفَضِيلَةِ، وَيُكْرَهُ الِاضْطِجَاعُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْمَنَاسِكِ اهـ. (قَوْلُهُ وَقَدْ قِيلَ إذَا وَافَقَ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ الْأَيَّامِ يَوْمُ عَرَفَةَ وَإِذَا وَافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حِجَّةٍ فِي غَيْرِ يَوْمِ جُمُعَةٍ أَخْرَجَهُ رَزِينٌ وَعَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ» قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ سُئِلَ وَالِدِي عَنْ وَقْفَةِ الْجُمُعَةِ هَلْ لَهَا مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهَا؟ فَأَجَابَ أَنَّ لَهَا مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهَا مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ. الثَّالِثُ أَنَّ الْعَمَلَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ الْأَزْمِنَةِ كَمَا يَشْرُفُ بِشَرَفِ الْأَمْكِنَةِ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِيهِ أَفْضَلَ. الرَّابِعُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ وَلَيْسَتْ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. الْخَامِسُ مُوَافَقَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ وَقْفَتَهُ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا يُخْتَارُ لَهُ الْأَفْضَلُ. قَالَ وَالِدِي أَمَّا مِنْ حَيْثُ إسْقَاطُ الْفَرْضِ فَلَا مَزِيَّةَ لَهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَسَأَلَهُ بَعْضُ الطَّلَبَةِ فَقَالَ قَدْ جَاءَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ فَمَا وَجْهُ تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي الْحَدِيثِ يَعْنِي الْمُتَقَدِّمَ؟ فَأَجَابَهُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ فِي يَوْمِ

стр. 769

عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ غُفِرَ لِكُلِّ أَهْلِ الْمَوْقِفِ وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حِجَّةً فِي غَيْرِ يَوْمِ جُمُعَةٍ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ وَالْمُنَافَرَةِ وَالْكَلَامِ الْقَبِيحِ بَلْ وَمِنْ الْمُبَاحِ أَيْضًا فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ إلَى مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ الْغُرُوبِ) أَيْ ثُمَّ رُحْ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ فِعْلِهِ ﵇، وَهَذَا بَيَانٌ لِلْوَاجِبِ حَتَّى لَوْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَجَاوَزَ حُدُودَ عَرَفَةَ لَزِمَهُ دَمٌ. وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَبْطَأَ بِالدَّفْعِ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَإِنَّ النَّاسَ يَدْفَعُونَ؛ لِأَنَّهُ لَا مُوَافَقَةَ فِي مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَلَوْ مَكَثَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَبَعْدَ دَفْعِ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لِخَوْفِ الزِّحَامِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا كَانَ مُسِيئًا لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى هِينَتِهِ، وَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً أَسْرَعَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مُزْدَلِفَةَ مَاشِيًا، وَأَنْ يُكَبِّرَ وَيُهَلِّلَ وَيَحْمَدَ وَيُلَبِّيَ سَاعَةً فَسَاعَةً. (قَوْلُهُ وَانْزِلْ بِقُرْبِ جَبَلِ قُزَحَ) يَعْنِي الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَدْلِ وَالْعَلَمِيَّةِ كَعُمَرَ مِنْ قَزَحَ الشَّيْءُ ارْتَفَعَ يُقَالُ إنَّهُ كَانُونُ آدَمَ ﵇ وَهُوَ مَوْقِفُ الْإِمَامِ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَا يَنْبَغِي النُّزُولُ عَلَى الطَّرِيقِ وَلَا الِانْفِرَادُ عَلَى النَّاسِ فَيَنْزِلُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ وَرَاءَ الْإِمَامِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. (قَوْلُهُ وَصَلِّ بِالنَّاسِ الْعِشَاءَيْنِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ) أَيْ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمْعَ تَأْخِيرٍ لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ ﵇ أَذَّنَ لِلْمَغْرِبِ بِجَمْعٍ فَأَقَامَ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ بِالْإِقَامَةِ الْأُولَى» . وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا تَطَوُّعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَلَوْ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ تَطَوَّعَ بَيْنَهُمَا أَعَادَ الْإِقَامَةَ كَمَا لَوْ اشْتَغَلَ بَيْنَهُمَا بِعَمَلٍ آخَرَ وَفِي الْهِدَايَةِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَادَ الْأَذَانُ كَمَا فِي الْجَمْعِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّا اكْتَفَيْنَا بِإِعَادَةِ الْإِقَامَةِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِمُزْدَلِفَةَ ثُمَّ تَعَشَّى ثُمَّ أَفْرَدَ الْإِقَامَةَ بِالْعِشَاءِ» وَإِلَى أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ بِسَبَبِ النُّسُكِ فَيَجُوزُ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَغَيْرِهِمْ وَإِلَى أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِمَامُ كَمَا شُرِطَ فِي الْجَمْعِ الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّ الْعِشَاءَ تَقَعُ أَدَاءً فِي وَقْتِهَا، وَالْمَغْرِبَ قَضَاءً، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا مَعَ الْإِمَامِ بِجَمَاعَةٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ قَبْلَ حَطِّ رَحْلِهِ بَلْ يُنِيخُ جِمَالَهُ وَيَعْقِلُهَا، وَهَذِهِ لَيْلَةٌ جَمَعَتْ شَرَفَ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي إحْيَائِهَا بِالصَّلَاةِ وَالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ وَالتَّضَرُّعِ. (قَوْلُهُ وَلَمْ تَجُزْ الْمَغْرِبُ فِي الطَّرِيقِ) أَيْ لَمْ تَحِلَّ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى مُزْدَلِفَةَ لِلْحَدِيثِ «الصَّلَاةُ أَمَامَك» قَالَهُ حِينَ قَالَ قِيلَ لَهُ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ فِي طَرِيقِ مُزْدَلِفَةَ أَيْ وَقْتَهَا فَدَلَّ كَلَامُهُ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ بِعَرَفَاتٍ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى. وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْعِشَاءَ لَا تَحِلُّ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى وَإِنْ كَانَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَةَ الْوَقْتِ وَهِيَ الْمَغْرِبُ إذَا كَانَتْ لَا تَحِلُّ بِهِ فَغَيْرُهَا أَوْلَى، وَلَمَّا كَانَ وَقْتُ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ وَقْتَ الْعِشَاءِ عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ خَافَ طُلُوعَ الْفَجْرِ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا فِي الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُصَلِّهِمَا لَصَارَتَا قَضَاءً، وَإِذَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَدَاؤُهُمَا بِالطَّرِيقِ فَإِذْ صَلَّاهُمَا أَوْ إحْدَاهُمَا فَقَدْ ارْتَكَبَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ فَكُلُّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَهَا وَجَبَ إعَادَتُهَا فَيَجِبُ إعَادَتُهُمَا مَا لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ فَإِنْ طَلَعَ سَقَطَتْ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ الْإِعَادَةَ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَقَدْ خَرَجَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ ثُمَّ هَاهُنَا مَسْأَلَةٌ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا ــ [منحة الخالق] الْجُمُعَةِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَفِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ يَهَبُ قَوْمًا لِقَوْمٍ اهـ. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ نُورِ الدِّينِ الزِّيَادِيِّ الشَّافِعِيِّ. (قَوْلُهُ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا تَطَوُّعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) أَيْ بَلْ يُصَلِّي سُنَّةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالْوِتْرَ بَعْدَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ مَوْلَانَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْجَامِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ السَّامِي فِي مَنْسَكِهِ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ لِلْقَارِي. (قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إلَخْ) لَا أَصْلَ لِهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ هُوَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ فَعَلَهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ. (قَوْلُهُ وَالْمَغْرِبَ قَضَاءً) دَفَعَهُ فِي النَّهْرِ بِمَا فِي السِّرَاجِ أَنَّهُ يَنْوِي فِي الْمَغْرِبِ الْأَدَاءَ لَا الْقَضَاءَ. اهـ. قُلْت: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ الْآتِي، وَلَمَّا كَانَ وَقْتُ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ وَقْتَ الْعِشَاءِ إلَخْ، وَكَذَا مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الدَّلِيلَ الظَّنِّيَّ أَفَادَ تَأْخِيرَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَيْ عَدَمِ خُرُوجِهِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ فِي خُصُوصِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ. (قَوْلُهُ وَهَذِهِ لَيْلَةٌ جَمَعَتْ شَرَفَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَقَدْ وَقَعَ السُّؤَالُ فِي شَرَفِهَا عَلَى لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ كُنْت مِمَّنْ مَالَ إلَى ذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْجَوْهَرَةِ أَنَّهَا أَفْضَلُ لَيَالِي السَّنَةِ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ تَجُزْ الْمَغْرِبُ فِي الطَّرِيقِ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّهَاوِيُّ فِي مَنْسَكِهِ وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي حَقِّ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فِي الطَّرِيقِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا ذَهَبَ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ مِنْ طَرِيقِهَا أَمَّا إذَا ذَهَبَ إلَى مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْمُزْدَلِفَةِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ بِلَا تَوَقُّفٍ، وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا صَرَّحَ بِذَلِكَ سِوَى صَاحِبِ النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ فِي بَابِ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ، وَكَلَامُ شَارِحِ الْكَنْزِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهِيَ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ اهـ. وَكَذَا صَرَّحَ بِهَا فِي الْبِنَايَةِ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا اهـ. كَذَا وَجَدْته بِخَطِّ الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ أَبِي سَلَمَةَ عَلَى هَامِشِ نُسْخَتِهِ مِنْ الْكَنْزِ، وَقَدْ نَقَلَ عِبَارَةَ الْعِنَايَةِ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُرْشِدِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَأَقَرَّهَا كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَلَى الدُّرِّ. (قَوْلُهُ ثُمَّ هَاهُنَا مَسْأَلَةُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فِيهِ إشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ

стр. 770

وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ الْعِشَاءَ عَلَى الْمَغْرِبِ بِمُزْدَلِفَةَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ ثُمَّ يُعِيدُ الْعِشَاءَ فَإِنْ لَمْ يُعِدْ الْعِشَاءَ حَتَّى انْفَجَرَ الصُّبْحُ عَادَ الْعِشَاءُ إلَى الْجَوَازِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الظُّهْرِ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا خَمْسًا، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلْمَتْرُوكَةِ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ صَلَّى السَّادِسَةَ عَادَ إلَى الْجَوَازِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَشَايِخَ صَرَّحُوا فِي كُتُبِهِمْ بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَهُوَ يُوهِمُ عَدَمَ الصِّحَّةِ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ بَلْ الْمُرَادُ عَدَمُ الْحِلِّ، وَلِهَذَا صَرَّحُوا بِالْإِعَادَةِ وَلَوْ كَانَتْ بَاطِلَةً لَكَانَ أَدَاءً إنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ وَقَضَاءً إنْ كَانَ خَارِجَهُ، وَلَوْ صَرَّحُوا بِعَدَمِ الْحِلِّ لَزَالَ الِاشْتِبَاهُ وَحَاصِلُ دَلِيلِهِمْ الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ الْحِلِّ أَنَّهُ ظَنِّيٌّ مُفِيدٌ تَأْخِيرَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ فِي خُصُوصِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِيُتَوَصَّلَ إلَى الْجَمْعِ بِمُزْدَلِفَةَ فَعَمِلْنَا بِمُقْتَضَاهُ مَا لَمْ يَلْزَمْ تَقْدِيمُ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ وَهُوَ الدَّلِيلُ الْمُوجِبُ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْوَقْتِ فَقَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَمْ يَلْزَمْ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْقَطْعِيِّ، وَبَعْدَهُ انْتَفَى إمْكَانُ تَدَارُكِ هَذَا الْوَاجِبِ، وَتَقَرَّرَ الْمَأْثَمُ إذْ لَوْ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ بَعْدَهُ كَانَ حَقِيقَتُهُ عَدَمَ الصِّحَّةِ فِيمَا هُوَ مُؤَقَّتٌ قَطْعًا، وَفِيهِ التَّقْدِيمُ الْمُمْتَنِعُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ يُقَالُ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ أَدَّاهَا قَبْلَ وَقْتِهَا الثَّابِتِ بِالْحَدِيثِ فَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّهُ لِلْجَمْعِ فَإِذَا فَاتَ سَقَطَتْ الْإِعَادَةُ تَخْصِيصٌ لِلنَّصِّ بِالْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ، وَمَرْجِعُهُ إلَى تَقْدِيمِ الْمَعْنَى عَلَى النَّصِّ ــ [منحة الخالق] فِيهِ تَفْوِيتَ التَّرْتِيبِ وَهُوَ فَرْضٌ يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ كَتَرْتِيبِ الْوِتْرِ عَلَى الْعِشَاءِ فَإِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَهُوَ مُشْكِلٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى سَاقِطِ التَّرْتِيبِ أَوْ عَلَى عَوْدِهَا إلَى الْجَوَازِ إذَا صَلَّى خَمْسًا بَعْدَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَقْتُهُمَا وَقْتُ الْعِشَاءِ فَهُمَا صَلَاتَانِ اجْتَمَعَتَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْوِتْرِ وَالْعِشَاءِ أَنَّهُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا قَالُوا هُنَاكَ وَلَا يُقَدَّمُ الْوِتْرُ عَلَى الْعِشَاءِ لِلتَّرْتِيبِ لَا لِأَنَّ وَقْتَ الْوِتْرِ لَمْ يَدْخُلْ حَتَّى لَوْ نَسِيَ الْعِشَاءَ وَصَلَّى الْوِتْرَ جَازَ لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عِنْدَهُ فَصَارَ كَفَرْضَيْنِ اجْتَمَعَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَالْقَضَاءَيْنِ أَوْ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي تَقْدِيمِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ عَلَى الْمَغْرِبِ هُنَا كَذَلِكَ إذْ لَا مُوجِبَ لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ وَبِانْفِجَارِ الصُّبْحِ لَمْ تَدْخُلْ الْفَوَائِتُ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ. اهـ. . قُلْت: وَهَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ بَلْ الْمُتَبَادَرُ سُقُوطُ التَّرْتِيبِ هُنَا أَيْضًا وَلِذَا قَالَ فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ تُزَادُ هَذِهِ عَلَى مَا يَسْقُطُ بِهِ التَّرْتِيبُ (قَوْلُهُ وَهُوَ يُوهِمُ عَدَمَ الصِّحَّةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَنَّى يُتَوَهَّمُ عَدَمُ الصِّحَّةِ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا اهـ. وَتَأَمَّلْهُ مَعَ مَا مَرَّ عَنْ السِّرَاجِ وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ «الصَّلَاةُ أَمَامَك» أَيْ وَقْتَهَا أَفَلَا يُتَوَهَّمُ مَعَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ الرَّمْلِيُّ كَيْفَ لَا يُتَوَهَّمُ وَالْجَوَازُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْحِلِّ، وَإِذَا قُلْنَا أَنَّى يُتَوَهَّمُ عَدَمُ الصِّحَّةِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ قُلْنَا أَنَّى يُتَوَهَّمُ عَدَمُ الْحِلِّ بَعْدَ دُخُولِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَالتَّوَهُّمُ هُنَا لَا يُنْكَرُ (قَوْلُهُ لَكَانَ أَدَاءً) أَيْ لَكَانَ فِعْلُهَا ثَانِيًا أَدَاءً إنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ إلَخْ. (قَوْلُهُ وَحَاصِلُ دَلِيلِهِمْ إلَخْ) خَطَرَ لِي هُنَا إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمُفِيدَ تَأْخِيرَ الْمَغْرِبِ إذَا كَانَ ظَنِّيًّا، وَكَانَ الدَّلِيلُ الْمُوجِبُ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْوَقْتِ قَطْعِيًّا لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ عَنْ وَقْتِهَا الثَّابِتِ بِالْقَطْعِيِّ وَإِلَّا لَزِمَ تَقْدِيمُ الظَّنِّيِّ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِعَدَمِ جَوَازِ تَأْخِيرِهِ بَلْ بِوُجُوبِهِ وَلَا مَحِيصَ حِينَئِذٍ إلَّا بِدَعْوَى عَدَمِ ظَنِّيَّةِ الْحَدِيثِ أَوْ عَدَمِ قَطْعِيَّةِ دَلَالَةِ الْآيَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَتِمُّ قَوْلُهُ فَعَمِلْنَا بِمُقْتَضَاهُ إلَخْ وَبِهِ يَتَأَيَّدُ بَحْثُ الْمُحَقِّقِ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْعِنَايَةِ قَالَ مَا نَصُّهُ، وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ الْآحَادِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَبْطُلَ بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] ، وَأَجَابَ شَيْخُ شَيْخِي الْعَلَّامَةُ بِأَنَّهُ مِنْ الْمَشَاهِيرِ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَعَمِلُوا بِهِ فَجَازَ أَنْ يُزَادَ بِهِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَقُولُ: قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] الْآيَةُ وَنَحْوُهَا لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى تَعْيِينِ الْأَوْقَاتِ، وَإِنَّمَا دَلَالَتُهَا عَلَى أَنَّ لِلصَّلَاةِ أَوْقَاتًا وَتَعْيِينُهَا ثَبَتَ إمَّا بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ الْآحَادِ أَوْ بِفِعْلِهِ ﵊، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ فَجَازَ أَنْ يُعَارِضَهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ ثُمَّ يُعْمَلَ بِفِعْلِهِ ﵇ وَهُوَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَضَاءً فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقْتَهُ. اهـ. وَالْأَحْسَنُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ قَطْعِيَّةِ تَعْيِينِ الْأَوْقَاتِ بَعِيدٌ لِثُبُوتِهِ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْهُ ﵊ بَلْ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ إذَا فَسَّرَ دُلُوكَ الشَّمْسِ بِغُرُوبِهَا كَمَا فِي السَّعْدِيَّةِ ثُمَّ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَشَكَّكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَيْ أَوْرَدَ إشْكَالًا مِنْ جَانِبِهِ عَلَى صَاحِبَيْهِ بِأَنَّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ الَّتِي صَلَّاهَا فِي الطَّرِيقِ أَمَّا إنْ وَقَعَتْ صَحِيحَةً أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَجَبَتْ فِيهِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّ مَا وَقَعَ فَاسِدًا لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِمُضِيِّ الْوَقْتِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْفَسَادَ مَوْقُوفٌ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي ثَانِي الْحَالِ كَمَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ التَّرْتِيبِ اهـ. هَذَا وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ مُرَادَهُمْ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ وَمَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ لَمْ يُجْزِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ﵀ وَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا مَا لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُجْزِئُهُ وَقَدْ أَسَاءَ. اهـ.؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يُجْزِهِ مِنْ الْإِجْزَاءِ لَا مِنْ الْجَوَازِ وَاَلَّذِي يُطْلَقُ عَلَى الْحِلِّ الثَّانِي لَا الْأَوَّلُ، وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ وَلَوْ كَانَتْ بَاطِلَةً إلَخْ جَوَابُهُ مَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْبُطْلَانَ غَيْرُ بَاتٍّ بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَتَنْظِيرُهُ بِمَنْ تَرَكَ الظُّهْرَ إلَخْ فَإِنَّ الْبُطْلَانَ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ غَيْرُ بَاتٍّ نَعَمْ ظَاهِرُ مَا فِي النِّهَايَةِ يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ حَيْثُ نَظَرَ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ هُنَا بِمَا إذَا صَلَّى

стр. 771

وَكَلِمَتُهُمْ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لِعَيْنِ النَّصِّ لَا لِمَعْنَى النَّصِّ لَا يُقَالُ لَوْ أَجْرَيْنَاهُ عَلَى إطْلَاقِهِ أَدَّى إلَى تَقْدِيمِ الظَّنِّيِّ عَلَى الْقَطْعِيِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ لَوْ قُلْنَا بِافْتِرَاضِ ذَلِكَ لَكُنَّا نَحْكُمُ بِالْإِجْزَاءِ وَنُوجِبُ إعَادَةَ مَا وَقَعَ مُجْزِئًا شَرْعًا مُطْلَقًا وَلَا بِدَعَ فِي ذَلِكَ فَهُوَ فِي نَظِيرِ وُجُوبِ إعَادَةِ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ حَيْثُ نَحْكُمُ بِإِجْزَائِهَا، وَيَجِبُ إعَادَتُهَا مُطْلَقًا اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ صَلَّاهُمَا بَعْدَمَا جَاوَزَ الْمُزْدَلِفَةَ جَازَ اهـ. (قَوْلُهُ ثُمَّ صَلِّ الْفَجْرَ بِغَلَسٍ) لِرِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ ﷺ صَلَّاهَا يَوْمَئِذٍ بِغَلَسٍ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ آخِرُ اللَّيْلِ، وَالْمُرَادُ هُنَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِقَلِيلٍ لِلْحَاجَةِ إلَى الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ قِفْ مُكَبِّرًا مُهَلِّلًا مُلَبِّيًا مُصَلِّيًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَاعِيًا رَبَّك بِحَاجَتِك وَقِفْ عَلَى جَبَلِ قُزَحَ إنْ أَمْكَنَك، وَإِلَّا فَبِقُرْبٍ مِنْهُ) بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ فَلَوْ وَقَفَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ وَوَقْتُهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَصَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ بِسُقُوطِهِ لِلْعُذْرِ بِأَنْ يَكُونَ بِهِ ضَعْفٌ أَوْ عِلَّةٌ أَوْ كَانَتْ امْرَأَةً تَخَافُ الزِّحَامَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي فِي الْجِنَايَاتِ أَنَّ هَذَا لَا يَخُصُّ هَذَا الْوَاجِبَ بَلْ كُلَّ وَاجِبٍ إذَا تَرَكَهُ لِلْعُذْرِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ فِي الْمُحِيطِ خَوْفَ الزِّحَامِ بِالْمَرْأَةِ بَلْ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ الرَّجُلَ لَوْ مَرَّ قَبْلَ الْوَقْتِ لِخَوْفِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ مَرَّ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقِفَ جَازَ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَلَوْ مَرَّ فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمُزْدَلِفَةِ جَازَ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَاخْتُلِفَ فِي جَبَلِ قُزَحَ فَقِيلَ هُوَ الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ وَقِيلَ الْمَشْعَرُ جَمِيعُ الْمُزْدَلِفَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَيْتُوتَةَ بِمُزْدَلِفَةَ وَهِيَ سُنَّةٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَوْ تَرَكَهَا كَمَا لَوْ وَقَفَ بَعْدَمَا أَفَاضَ الْإِمَامُ قَبْلَ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ الْبَيْتُوتَةَ شُرِعَتْ لِلتَّأَهُّبِ لِلْوُقُوفِ، وَلَمْ تُشْرَعْ نُسُكًا. (قَوْلُهُ وَهِيَ مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ) أَيْ الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إلَّا وَادِيَ مُحَسِّرٍ وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِالرَّاءِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيلَ أَصْحَابِ الْفِيلِ حُسِرَ فِيهِ أَيْ عَيِيَ وَكَّلَ وَوَادِي مُحَسِّرٍ مَوْضِعٌ فَاصِلٌ بَيْنَ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ لَيْسَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. قَالَ الْأَزْرَقِيُّ إنَّ وَادِيَ مُحْسِرٍ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَخَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَأَمَّا مُزْدَلِفَةُ فَإِنَّهَا كُلُّهَا مِنْ الْحَرَمِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ التَّزَلُّفِ، وَالِازْدِلَافُ وَهُوَ التَّقَرُّبُ؛ لِأَنَّ الْحُجَّاجَ يَتَقَرَّبُونَ مِنْهَا وَحْدَهَا مَا بَيْنَ وَادِي مُحَسِّرٍ وَمَأْزِمَيْ عَرَفَةَ وَيَدْخُلُ فِيهَا جَمِيعُ تِلْكَ الشِّعَابِ وَالْجِبَالِ الدَّاخِلَةِ فِي الْحَدِّ الْمَذْكُورِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّ بَطْنَ مُحَسِّرٍ لَيْسَ مَكَانَ الْوُقُوفِ كَبَطْنِ عُرَنَةَ فِي عَرَفَاتٍ فَلَوْ وَقَفَ فِيهِمَا فَقَطْ لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ وَقَفَ فِي مِنًى سَوَاءٌ قُلْنَا أَنَّ عُرَنَةَ وَمُحَسِّرًا مِنْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ أَوْ لَا وَوَقَعَ فِي الْبَدَائِعِ، وَأَمَّا مَكَانُهُ يَعْنِي الْوُقُوفَ بِمُزْدَلِفَةَ فَجُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ مُزْدَلِفَةَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْزِلَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ، وَلَوْ وَقَفَ بِهِ أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ فِي بَطْنِ عُرَنَةَ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ غَيْرُ مَشْهُورٍ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ بَلْ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ مُسَمَّى الْمَكَانَيْنِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ. (قَوْلُهُ ثُمَّ إلَى مِنًى بَعْدَمَا أَسْفَرَ جِدًّا) أَيْ ثُمَّ رُحْ وَفَسَّرَ الْأَسْفَارَ بِأَنْ تَدْفَعَ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَّا مِقْدَارُ مَا يُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﵇ وَالدُّعَاءِ وَهُوَ ذَاهِبٌ فَإِذَا بَلَغَ بَطْنَ مُحَسِّرٍ أَسْرَعَ إنْ كَانَ مَاشِيًا، وَحَرَّكَ دَابَّتَهُ إنْ كَانَ رَاكِبًا قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ؛ لِأَنَّهُ ﵇ فَعَلَ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ فَارْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي ــ [منحة الخالق] الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ صَلَّاهُمَا بَعْدَمَا جَاوَزَ الْمُزْدَلِفَةَ جَازَ) . نَقَلَهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ عَنْ الْمُنْتَقَى ثُمَّ قَالَ وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَقَالَ أَيْضًا وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ هَذَا الْجَمْعِ بِمُزْدَلِفَةَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فَلَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي وَقْتِهَا أَوْ الْعِشَاءَ وَالْمَغْرِبَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ مُزْدَلِفَةَ أَوْ بَعْدَمَا جَاوَزَهَا لَمْ يُجْزِهِ وَعَلَيْهِ إعَادَتُهُمَا مَا لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُجْزِئُهُ وَلَا يُعِيدُ وَقَدْ أَسَاءَ لِتَرْكِ السُّنَّةِ، وَلَوْ لَمْ يُعِدْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ عَادَتْ إلَى الْجَوَازِ وَسَقَطَ الْقَضَاءُ اتِّفَاقًا إلَّا أَنَّهُ يَأْثَمُ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا ذَهَبَ نِصْفُ اللَّيْلِ سَقَطَتْ الْإِعَادَةُ لِذَهَابِ وَقْتِ الِاسْتِحْبَابِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَقَفَ عَلَى جَبَلِ قُزَحَ إلَخْ) كَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَتْنِ وَإِلَّا فَاَلَّذِي رَأَيْته فِي بَعْضِهَا وَعَلَيْهِ كَتَبَ فِي النَّهْرِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ. (قَوْلُهُ وَهِيَ سُنَّةٌ إلَخْ) وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ قَوْلٌ بِالْوُجُوبِ وَقَوْلٌ بِالسُّنِّيَّةِ حَكَاهُمَا النَّوَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ ثُمَّ قَالَ وَيَتَأَكَّدُ الِاعْتِنَاءُ بِهَذَا الْمَبِيتِ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهُ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ فَقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ ذَهَبَ إمَامَانِ جَلِيلَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ هَذَا الْمَبِيتَ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ قَالَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ عَلَى الْمَبِيتِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَمَأْزِمَيْ عَرَفَةَ) قَالَ فِي شَرْحِ النَّوَازِلِ الْمَأْزِمُ الْمَضِيقُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ وَالْمُرَادُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الطَّرِيقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ وَهُمَا جَبَلَانِ بَيْنَ عَرَفَاتٍ وَمُزْدَلِفَةَ

стр. 772

بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ كَحَصَى الْخَذْفِ) أَيْ الْمَكَانِ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ، وَالْجِمَارُ هِيَ الصِّغَارُ مِنْ الْحِجَارَةِ جَمْعُ جَمْرَةٍ وَبِهَا سَمَّوْا الْمَوَاضِعَ الَّتِي تُرْمَى جِمَارًا وَجَمَرَاتٍ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُلَابَسَةِ وَقِيلَ لِتَجَمُّعِ مَا هُنَالِكَ مِنْ الْحَصَى مِنْ تَجَمُّرِ الْقَوْمِ إذَا تَجَمَّعُوا وَجَمَرَ شَعْرَهُ إذَا جَمَعَهُ عَلَى قَفَاهُ وَالْخَذْفُ بِالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ أَنْ تَرْمِيَ بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاةٍ أَوْ نَحْوِهَا تَأْخُذُهُ بَيْنَ سَبَّابَتَيْك وَقِيلَ أَنْ تَضَعَ طَرَفَ الْإِبْهَامِ عَلَى طَرَفِ السَّبَّابَةِ، وَفِعْلُهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَصَحَّحَ الْوَلْوَالِجِيُّ الْقَوْلَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ إهَانَةً لِلشَّيْطَانِ، وَهَذَا بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ فَلَوْ رَمَى كَيْفَ أَرَادَ جَازَ وَلَوْ رَمَى مِنْ فَوْقِ الْعَقَبَةِ أَجْزَأَهُ، وَكَانَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ قَيَّدَ بِالرَّمْيِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَضَعَهَا وَضْعًا لَمْ يَجُزْ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَالطَّرْحُ رَمْيٌ إلَى قَدَمَيْهِ فَيَكُونُ مُجْزِئًا إلَّا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَمِقْدَارُ الرَّمْيِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الرَّامِي وَمَوْضِعِ السُّقُوطِ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَيْنهمَا هَذَا الْقَدْرُ فَلَوْ رَمَاهَا فَوَقَعَتْ قَرِيبًا مِنْ الْجَمْرَة يَكْفِيهِ، وَلَوْ وَقَعَتْ بَعِيدًا لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ قُرْبَةً إلَّا فِي مَكَانِ مَخْصُوصٍ، وَالْقَرِيبُ عَفْوٌ وَلَوْ وَقَعَتْ الْحَصَاةُ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ أَوْ عَلَى مَحْمِلٍ وَثَبَتَتْ عَلَيْهِ كَانَ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا، وَإِذَا سَقَطَتْ عَنْ الْمَحْمِلِ أَوْ عَنْ ظَهْرِ الرَّجُلِ فِي سُنَنِهَا ذَلِكَ أَجْزَأَهُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ كَحَصَى الْخَذْفِ إلَى أَنَّهُ لَوْ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ يَكُونُ عَنْ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ تَفَرُّقُ الْأَفْعَالِ وَالتَّقْيِيدُ بِالسَّبْعِ لِمَنْعِ النَّقْصِ لَا لِمَنْعِ الزِّيَادَةِ فَإِنَّهُ لَوْ رَمَاهَا بِأَكْثَرَ مِنْ السَّبْعِ لَمْ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ أَيْ الْمَكَانُ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ) تَفْسِيرٌ لِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ أَنْ تَضَعَ طَرَفَ الْإِبْهَامِ إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية عَلَيْهِ مَشَى فِي الْهِدَايَةِ فَقَالَ وَكَيْفِيَّةُ الرَّمْيِ أَنْ يَضَعَ الْحَصَاةَ عَلَى ظَهْرِ إبْهَامِهِ الْيُمْنَى وَيَسْتَعِينَ بِالْمُسَبِّحَةِ اهـ. قَالَ الْكَمَالُ وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ تَفْسِيرَيْنِ قِيلَ بِهِمَا أَحَدُهُمَا أَنْ يَضَعَ طَرَفَ إبْهَامِهِ الْيُمْنَى عَلَى وَسَطِ السَّبَّابَةِ وَيَضَعَ الْحَصَاةَ عَلَى ظَهْرِ الْإِبْهَامِ كَأَنَّهُ عَاقِدٌ سَبْعِينَ فَيَرْمِيَهَا، وَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّ الْمَسْنُونَ فِي كَوْنِ الرَّمْيِ بِالْيَدِ الْيُمْنَى، وَالْآخَرَ أَنْ يُحَلِّقَ سَبَّابَتَهُ وَيَضَعَهَا عَلَى مَفْصِلِ إبْهَامِهِ كَأَنَّهُ عَاقِدٌ عَشْرَةً وَهَذَا فِي التَّمَكُّنِ مِنْ الرَّمْيِ بِهِ مَعَ الزَّحْمَةِ وَالْوَهْجَةِ عُسْرٌ، وَقِيلَ يَأْخُذُهَا بِطَرْفَيْ إبْهَامِهِ وَسَبَّابَتِهِ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ الْأَيْسَرُ الْمُعْتَادُ اهـ. وَكَذَا نَقَلَ تَصْحِيحَهُ فِي السِّرَاجِ عَنْ النِّهَايَةِ وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ أَيْضًا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الثَّانِيَ مِمَّا فِي الْمُغْرِبِ هُوَ هَذَا فَمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ غَيْرُهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْكَمَالِ وَهُوَ الظَّاهِرُ خِلَافًا لِمَا مَرَّ عَنْ الشرنبلالية (قَوْلُهُ وَمِقْدَارُ الرَّمْيِ إلَخْ) هَذَا تَقْدِيرُ أَقَلِّ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَكَانِ فِي الْمَسْنُونِ كَذَا فِي الْفَتْحِ. (قَوْلُهُ فَلَوْ رَمَاهَا فَوَقَعَتْ قَرِيبًا مِنْ الْجَمْرَةِ إلَخْ) أَيْ قَدْرَ ذِرَاعٍ وَنَحْوِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْهُ اعْتِبَارًا لِلْقُرْبِ عُرْفًا وَضِدُّهُ الْبُعْدُ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ وَقَالَ فِي اللُّبَابِ وَقُدِّرَ الْقَرِيبُ بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَالْبَعِيدُ بِمَا فَوْقَهَا وَقِيلَ الْقَرِيبُ مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ. (قَوْلُهُ وَلَوْ وَقَعَتْ الْحَصَاةُ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ إلَخْ) فَلَوْ وَقَعَتْ عَلَى الشَّاخِصِ أَيْ أَطْرَافِ الْمِيلِ الَّذِي هُوَ عَلَامَةٌ لِلْجَمْرَةِ أَجْزَأَهُ وَلَوْ عَلَى قُبَّةِ الشَّاخِصِ وَلَمْ تَنْزِلْ عَنْهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ لِلْبُعْدِ لُبَابٌ وَفِيهِ وَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى بِنَفْسِهَا أَوْ بِنَفْضِ مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ وَتَحْرِيكِهِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يُعِيدَهُ وَكَذَا لَوْ رَمَى وَشَكَّ فِي وُقُوعِهَا مَوْقِعَهَا فَالْأَحْوَطُ أَنْ يُعِيدَ. (قَوْلُهُ وَلَوْ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ جُمْلَةً إلَخْ) وَفِي الْكَرْمَانِيِّ إذَا وَقَعَتْ مُتَفَرِّقَةً عَلَى مَوَاضِعِ الْجَمَرَاتِ جَازَ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أَسْوَاطِ الْحَدِّ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى مَكَان وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا عَنْ حَصَاةٍ وَاحِدَةٍ كَيْفَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالرَّمْيِ سَبْعَ مَرَّاتٍ شَرْحُ اللُّبَابِ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ مُصَنِّفِ اللُّبَابِ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ أَنَّ الَّذِي فِي الْمَشَاهِيرِ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا الْإِطْلَاقُ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ نَازَعَهُ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ لِمَنْ أَحْسَنَ النَّظَرَ فَرَاجِعْهُ وَتَبَصَّرْ وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَنْ الْمُرْشِدِيِّ وَلَا يُجْزِئُ الرَّمْيُ بِالْقَوْسِ وَنَحْوِهِ وَلَا الرَّمْيُ بِالرِّجْلِ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ تُوضَعُ الْحَصَاةُ فِي يَدِهِ وَيَرْمِي بِهَا، وَإِنْ رَمَى عَنْهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ أَجْزَأَهُ وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ وَفِي اللُّبَابِ وَلَوْ رَمَى بِحَصَاتَيْنِ إحْدَاهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْأُخْرَى عَنْ غَيْرِهِ جَازَ وَيُكْرَهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَرْمِيَ أَوَّلًا عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَوْ رَمَاهَا بِأَكْثَرَ مِنْ السَّبْعِ لَمْ يَضُرَّهُ) قَالَ فِي اللُّبَابِ وَلَوْ رَمَى أَكْثَرَ مِنْ سَبْعٍ يُكْرَهُ، وَقَالَ شَارِحُهُ أَيْ إذَا رَمَاهُ عَنْ قَصْدٍ، وَأَمَّا إذَا شَكَّ فِي السَّابِعِ وَرَمَاهُ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ الثَّامِنُ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ هَذَا وَقَدْ نَاقَضَهُ فِي الْكَبِيرِ بِقَوْلِهِ وَلَوْ رَمَى بِأَكْثَرَ مِنْ السَّبْعِ لَا يَضُرُّهُ اهـ. أَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَنْسَكِ الْكَبِيرِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْقَصْدِ فَلَا تَنَاقُضَ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ السَّبْعَ هُوَ الْمَسْنُونُ فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ فَتُكْرَهُ لَوْ كَانَتْ مَقْصُودَةً وَإِلَّا فَلَا وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنَاسِكِهِ الْكُبْرَى قَالُوا لَوْ زَادَ الرَّمْيَ عَلَى السَّبْعِ هَلْ يُنْدَبُ أَوْ يُكْرَهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ لَا تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ رَمْيَهُ طَاعَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ تُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ هَكَذَا نَقَلَ الْخِلَافَ اهـ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ لَوْ زَادَ عَلَى سَبْعِ حَصَيَاتٍ لَا أَجْرَ لَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ قَالَ الْقَاضِي عِيدٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَيُكْرَهُ رَمْيُ الْجَمْرَتَيْنِ

стр. 773

يَضُرُّهُ وَالتَّقْيِيدُ بِالْحَصَى لِبَيَانِ الْأَكْمَلِ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ الرَّمْيُ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ كَالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ وَمَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ وَلَوْ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ وَلَا يَجُوزُ بِالْخَشَبِ وَالْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْجَوَاهِرِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إمَّا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ أَوْ؛ لِأَنَّهَا نُثَارٌ وَلَيْسَتْ بِرَمْيٍ أَوْ؛ لِأَنَّهُ إعْزَازٌ لَا إهَانَةَ، وَكَذَا التَّقْيِيدُ بِحَصَى الْخَذْفِ لِبَيَانِ الْأَكْمَلِ فَإِنَّهُ لَوْ رَمَاهَا بِأَكْبَرَ مِنْهُ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُرْمَى بِالْكِبَارِ مِنْ الْحِجَارَةِ كَيْ لَا يَتَأَذَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَلَوْ رَمَى صَحَّ وَكُرِهَ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمَوْضِعَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ الْحَصَا لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ فَلْيَأْخُذْهَا مِنْ مُزْدَلِفَةَ أَوْ مِنْ قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَيُكْرَهُ مِنْ عِنْدِ الْجَمْرَةِ تَنْزِيهًا؛ لِأَنَّهُ حَصَى مَنْ لَمْ يُقْبَلْ حَجُّهُ فَإِنَّهُ مَنْ قُبِلَ حَجُّهُ رُفِعَ حَصَاهُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ طَهَارَةُ الْحِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الرَّمْيُ بِالْحَجَرِ النَّجِسِ، وَالْأَفْضَلُ غَسْلُهَا وَفِي مَنَاسِكِ الْحَصِيرِيِّ جَرَى التَّوَارُثُ بِحَمْلِ الْحَصَى مِنْ جَبَلٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَيُحْمَلُ مِنْهُ سَبْعِينَ حَصَاةً قَالَ وَفِي مَنَاسِكِ الْكَرْمَانِيِّ يَدْفَعُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَقَالَ قَوْمٌ بِسَبْعِينَ حَصَاةً، وَلَيْسَ مَذْهَبَنَا اهـ. كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْتَقِطَ ــ [منحة الخالق] كَذَلِكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَلَمْ يَفْعَلْهُ ﵊، وَرُبَّمَا اتَّخَذَهَا الْجُهَّالُ نُسُكًا اهـ. (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَيَجُوزُ الرَّمْيُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ يُعْطِي جَوَازَهُ بِالْيَاقُوتِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَفِيهِمَا خِلَافٌ وَمَنَعَهُ الشَّارِحُونَ وَغَيْرُهُمْ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الِاسْتِهَانَةِ بِالْمَرْمَى، وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ بِنَاءً عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ الِاشْتِرَاطِ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ جَوَازَهُ الْفَارِسِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَهَذَا يُفِيدُ تَرْجِيحَ اعْتِبَارِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الشَّارِحِ تَبَعًا لِلْغَايَةِ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ حَيْثُ جَزَمَا بِجَوَازِهِ بِالْأَحْجَارِ النَّفِيسَةِ بِخِلَافِ الْخَشَبِ وَالْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ يَعْنِي كِبَارَهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَنُثَارٌ وَلَيْسَتْ بِرَمْيٍ اهـ. وَفِي الشرنبلالية قَدَّمْنَا جَوَازَ الرَّمْيِ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فَشَمِلَ كُلَّ الْأَحْجَارِ النَّفِيسَةِ كَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَالزُّمُرُّدِ وَالْبَلْخَشِ الْفَيْرُوزَجِ وَالْبِلَّوْرِ وَالْعَقِيقِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ اعْتَرَضَ عَلَى صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِالْفَيْرُوزَجِ وَالْيَاقُوتِ فَإِنَّهُمَا مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ حَتَّى جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِمَا، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ الرَّمْيُ بِهِمَا، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْجَوَازَ مَشْرُوطٌ بِالِاسْتِهَانَةِ بِرَمْيِهِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِهِمَا اهـ. فَقَدْ أَثْبَتَ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الزَّيْلَعِيِّ وَخُصِّصَ بِالْفَيْرُوزَجِ وَالْيَاقُوتِ دُونَ غَيْرِهِمَا فَلْيَتَأَمَّلْ وَيُحَرَّرْ اهـ. بَقِيَ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ الزَّيْلَعِيَّ اسْتَثْنَى الْجَوَاهِرَ وَتَبِعَهُ الْمُؤَلِّفُ مَعَ أَنَّهُ صَرَّحَ بِجَوَازِ الْأَحْجَارِ النَّفِيسَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَوَاهِرَ الْعَيْنِيُّ وَلَا الشُّمُنِّيُّ قَالَ نُوحٌ أَفَنْدِي: لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْأَحْجَارِ النَّفِيسَةِ بَلْ الْأَحْجَارُ النَّفِيسَةُ مُسْتَخْرَجَةٌ مِنْهَا وَفِي حَاشِيَةِ مِسْكِينٍ تَفْرِقَةُ الزَّيْلَعِيِّ بَيْنَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَحْجَارِ النَّفِيسَةِ فِي الْحُكْمِ لَيْسَ إلَّا مَحْضُ تَحَكُّمٍ اهـ. لَكِنْ ذَكَرَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِي شَرْحِهِ عَنْ الْغَايَةِ وَالْجَوَاهِرِ وَهِيَ كِبَارُ اللُّؤْلُؤ، وَبِهِ انْدَفَعَ التَّحَكُّمُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَمِمَّنْ اعْتَرَضَ عَنْ الْعِنَايَةِ بِمَا فِي الْغَايَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ سَعْدِي أَفَنْدِي فِي حَوَاشِيهِ عَلَيْهَا، وَسَبَقَهُ إلَيْهِ فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَإِنَّهُ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الِاعْتِرَاضَ وَالْجَوَابَ السَّابِقَيْنِ وَعَزَاهُمَا إلَى السِّغْنَاقِيِّ. قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مُخَالِفَةٌ لِمَا فِي الْمُحِيطِ أَيْ مِنْ الْجَوَازِ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ كَمَا مَرَّ عَنْ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ إمَّا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ) هَذَا خَالِصٌ فِيمَا قَبْلَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَوْلُهُ وَإِمَّا لِأَنَّهَا نُثَارٌ خَاصٌّ بِهِمَا كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي السَّعْدِيَّةِ عَنْ الْغَايَةِ وَقَوْلُهُ وَإِمَّا لِأَنَّهُ إعْزَازٌ إلَخْ يَشْمَلُ الْكُلَّ إلَّا الْخَشَبَ إنْ كَانَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ. (قَوْلُهُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ) جَعَلَهُ فِي الْهِدَايَةِ أَثَرًا وَقَالَ فِي الْفَتْحِ وَقَوْلُهُ بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ كَأَنَّهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا بَالُ الْجِمَارِ تُرْمَى مِنْ وَقْتِ الْخَلِيلِ ﵇ وَلَمْ تَصِرْ هِضَابًا تَسُدُّ الْأُفُقَ فَقَالَ أَمَا عَلِمْت أَنَّ مَنْ يُقْبَلُ حَجُّهُ يُرْفَعُ حَصَاهُ قَالَ وَمَنْ لَمْ يُقْبَلْ تُرِكَ حَصَاهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ لَمَّا سَمِعْت هَذَا مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ جَعَلْت عَلَى حَصَيَاتِي عَلَامَةً ثُمَّ تَوَسَّطْت الْجَمْرَةَ فَرَمَيْت مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ثُمَّ طَلَبْت فَلَمْ أَجِدْ بِتِلْكَ الْعَلَامَةِ شَيْئًا اهـ. لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَنْ شَرْحِ النُّقَايَةِ لِمُنْلَا عَلِيٍّ الْقَارِي أَنَّهُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ الْجِمَارُ الَّتِي نَرْمِي بِهَا كُلَّ عَامٍ فَنَحْسَبُ أَنَّهَا تَنْقُصُ فَقَالَ إنَّهُ مَا يُقْبَلُ مِنْهَا رُفِعَ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَرَأَيْتهَا أَمْثَالَ الْجِبَالِ» اهـ. وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا بِأَنَّ حَجَّ الْمُشْرِكِينَ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْكُفَّارَ قَدْ تُقْبَلُ عِبَادَاتُهُمْ فَيُجَازُونَ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا أَقُولُ: الْمُرَادُ أَعْمَالُهُمْ الَّتِي هِيَ عِبَادَاتٌ صُورَةً لَا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ مِثْلَ الْحَجِّ لَا يَكُونُ عِبَادَةً إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَتَأَمَّلْ هَذَا وَفِي مِنًى خَمْسُ آيَاتٍ هَذِهِ إحْدَاهَا، وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ وَآيُ مِنًى خَمْسٌ فَمِنْهَا اتِّسَاعُهَا ... لِحُجَّاجِ بَيْتِ اللَّهِ لَوْ جَاوَزُوا الْحَدَّا وَمَنْعُ حِدَاةٍ خَطْفَ لَحْمٍ بِأَرْضِهَا ... وَقِلَّةُ وُجْدَانِ الْبَعُوضِ بِهَا عُدَّا وَكَوْنُ ذُبَابٍ لَا يُعَاقِبُ طَعْمَهَا ... وَرَفْعُ حَصَى الْمَقْبُولِ دُونَ الَّذِي رُدَّا (قَوْلُهُ وَلَيْسَ مَذْهَبَنَا) قَالَ فِي الشرنبلالية يُعَارِضُهُ قَوْلُ الْجَوْهَرَةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ أَوْ مِنْ الطَّرِيقِ اهـ. وَلِذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ يَأْخُذُ الْحَصَى مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ اهـ. فَالنَّفْيُ لَيْسَ إلَّا عَلَى التَّعْيِينِ أَيْ لَا يَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ لَنَا مَذْهَبًا وَمَا قَالَهُ فِي الْهِدَايَةِ يَقْتَضِي خِلَافَ مَا قِيلَ

стр. 774

حَجَرًا وَاحِدًا فَيَكْسِرَهُ سَبْعِينَ حَجَرًا صَغِيرًا كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَقْتَهُ وَلَهُ أَوْقَاتٌ أَرْبَعَةٌ وَقْتُ الْجَوَازِ وَوَقْتُ الِاسْتِحْبَابِ وَوَقْتُ الْإِبَاحَةِ وَوَقْتُ الْكَرَاهَةِ، فَالْأَوَّلُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ وَانْتِهَاؤُهُ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي حَتَّى لَوْ أَخَّرَهُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لَزِمَهُ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا وَلَوْ رَمَى قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يَصِحَّ اتِّفَاقًا، وَالثَّانِي مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ، وَالثَّالِثُ مِنْ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ، وَالرَّابِعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ الْغُرُوبِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَجَعَلَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ الْوَقْتَ الْمُبَاحَ مِنْ الْمَكْرُوهِ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ عِنْدَهُ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْأَوَّلِ. (قَوْلُهُ وَكَبِّرْ بِكُلِّ حَصَاةٍ) أَيْ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْ السَّبْعَةِ بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ فَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ أَصْلًا أَوْ هَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ أَجْزَأَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الدُّعَاءَ آخِرَهُ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَقِفَ عِنْدَهَا كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ، وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ جَمْرَةٍ بَعْدَهَا جَمْرَةٌ فَإِنَّهُ يَقِفُ بَعْدَهَا لِلدُّعَاءِ؛ لِأَنَّهُ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ وَكُلُّ جَمْرَةٍ لَيْسَ بَعْدَهَا جَمْرَةٌ تُرْمَى فِي يَوْمِهِ لَا يَقِفُ عِنْدَهَا؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْعِبَادَةِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْعِبَادَةِ مُسْتَحَبٌّ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ إذَا خَرَجَ مِنْهُمَا فَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال بِفِعْلِهِ ﵇، كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ حِكْمَةٌ وَقَدْ يُقَالُ هِيَ كَوْنُ الْوُقُوفِ يَقَعُ فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي الطَّرِيقِ فَيُوجِبُ قَطْعَ سُلُوكِهَا عَلَى النَّاسِ وَشِدَّةَ ازْدِحَامِ الْوَاقِفِينَ وَالْمَارِّينَ، وَيُفْضِي ذَلِكَ إلَى ضَرَرٍ عَظِيمٍ بِخِلَافِهِ فِي بَاقِي الْجَمَرَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ فِي نَفْسِ الطَّرِيقِ بَلْ بِمَعْزِلٍ عَنْهُ. (قَوْلُهُ وَاقْطَعْ التَّلْبِيَةَ بِأَوَّلِهَا) أَيْ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ تَرْمِيهَا لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ لَمْ يَزَلْ ﵇ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُفْرِدِ وَالْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ وَقَيَّدَ بِالْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمِرَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ رُكْنٌ فِي الْعُمْرَةِ فَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ مُدْرِكًا لِلْحَجِّ بِإِدْرَاكِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَة؛ لِأَنَّ فَائِتَ الْحَجِّ إذَا تَحَلَّلَ بِالْعُمْرَةِ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حِينَ يَأْخُذُ فِي الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَصَارَ كَالْمُعْتَمِرِ، وَالْمُحْصِرُ يَقْطَعُهَا إذَا ذَبَحَ هَدْيَهُ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ لِلتَّحَلُّلِ وَالْقَارِنُ إذَا كَانَ فَائِتَ الْحَجِّ يَقْطَعُ حِينَ يَأْخُذُ فِي الطَّوَافِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بَعْدَهُ وَأَشَارَ بِالرَّمْيِ إلَى أَنَّهُ يَقْطَعُهَا إذَا فَعَلَ وَاحِدًا مِنْ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي الْحَجِّ يَوْمَ النَّحْرِ فَيَقْطَعُهَا إنْ حَلَقَ قَبْلَ الرَّمْيِ أَوْ طَافَ الزِّيَارَةَ قَبْلَ الرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ أَوْ ذَبَحَ قَبْلَ الرَّمْيِ دَمَ التَّمَتُّعِ أَوْ الْقِرَانِ، وَمَضَى وَقْتُ الرَّمْيِ الْمُسْتَحَبِّ كَفِعْلِهِ فَيَقْطَعُهَا إذَا لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى زَالَتْ الشَّمْسُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ اذْبَحْ) أَيْ عَلَى وَجْهِ الْأَفْضَلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُفْرِدِ وَهُوَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ، وَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ فَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَلَا أُضْحِيَّةَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ كَالْمَكِّيِّ وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ أَنَّهُ ﵇ «ذَبَحَ بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً وَأَمَرَ عَلِيًّا فَذَبَحَ مَا بَقِيَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ ــ [منحة الخالق] إنَّهُ يَلْتَقِطُهَا مِنْ الْجَبَلِ الَّذِي عَلَى الطَّرِيقِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ وَمَا قِيلَ يَأْخُذُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ سَبْعًا فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا سُنَّةَ فِي ذَلِكَ يُوجِبُ خِلَافُهَا الْإِسَاءَةَ. (قَوْلُهُ وَانْتِهَاؤُهُ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ وَقْتَ الْجَوَازِ لَا آخِرَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصِّحَّةُ لَا الْحِلُّ فَالْأَوْلَى عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلِانْتِهَاءِ كَمَا فِي عِبَارَةِ الْمَبْسُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْفَتْحِ ثُمَّ ظَهَرَ لِي الْجَوَابُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بَيَانَ وَقْتِ الْجَوَازِ أَدَاءً كَمَا أَفَادَهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، لَكِنْ فِي الْفَتْحِ وَيَثْبُتُ وَصْفُ الْقَضَاءِ فِي الرَّمْيِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ سِوَى ثُبُوتِ الْإِسَاءَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِعُذْرٍ اهـ. تَأَمَّلْ هَذَا وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَنْ حَاشِيَةِ شَيْخِهِ بَعْدَ عَزْوِهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ إلَى الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ الرَّضَوِيِّ قَالَ لَكِنْ فِي الْهِدَايَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ وَالْعَيْنِيِّ وَالْبَدَائِعِ وَالْكَافِي وَالْكَرْمَانِيِّ وَغَيْرِهَا أَنَّ وَقْتَهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَقَالَ فِي مَبْسُوطِ السَّرَخْسِيِّ فَفِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَقْتُهُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلَكِنَّهُ لَوْ رَمَى بِاللَّيْلِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ اهـ. وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَالثَّانِي مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ الْمُسْتَحَبُّ وَقَدْ وَافَقَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ الْعَيْنِيُّ، وَذَكَرَهُ فِي مَجْمَعِ الرِّوَايَةِ عَنْ الْمُحِيطِ أَيْضًا بِصِيغَةِ الْمَسْنُونِ وَوَافَقَهُ فِي النَّهْرِ. (قَوْلُهُ وَالرَّابِعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَخْ) قَيَّدَهُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ أَحَادِيثَ سَاقَهَا بِعَدَمِ الْعُذْرِ قَالَ حَتَّى لَا يَكُونَ رَمْيُ الضَّعَفَةِ قَبْلَ الشَّمْسِ وَرَمْيُ الرُّعَاةِ لَيْلًا يَلْزَمُهُمْ الْإِسَاءَةُ وَكَيْفَ بِذَلِكَ بَعْدَ التَّرَخُّصِ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَكَبِّرْ بِكُلِّ حَصَاةٍ) كَذَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ جَابِرٍ وَأُمُّ سُلَيْمَانَ وَظَاهِرُ الْمَرْوِيَّاتِ مِنْ ذَلِكَ الِاقْتِصَارُ عَلَى اللَّهُ أَكْبَرُ غَيْرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ رَغْمًا لِلشَّيْطَانِ وَحِزْبِهِ، وَقِيلَ يَقُولُ أَيْضًا اللَّهُمَّ اجْعَلْ حَجِّي مَبْرُورًا وَسَعْيِي مَشْكُورًا وَذَنْبِي مَغْفُورًا كَذَا فِي الْفَتْحِ. (قَوْلُهُ فَالْأَوْلَى فِي الِاسْتِدْلَال بِفِعْلِهِ عَلَيْهِ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ عَلَى هَذَا تَضَافَرَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ ﵇ وَلَمْ يَظْهَرْ حِكْمَةُ تَخْصِيصِ الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ بِغَيْرِهَا مِنْ الْجَمْرَتَيْنِ فَإِنْ تَخَايَلَ أَنَّهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لِكَثْرَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الشُّغْلِ كَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالْإِفَاضَةِ إلَى مَكَّةَ فَهُوَ مُنْعَدِمٌ فِيمَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَيَّامِ. (قَوْلُهُ وَقَيَّدَ بِالْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ)

стр. 775

فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا ثُمَّ رَكِبَ إلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ» قَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّهُ ﷺ نَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً أَنَّهُ كَانَ لَهُ يَوْمئِذٍ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً فَنَحَرَ لِكُلِّ سَنَةٍ بَدَنَةً. (قَوْلُهُ ثُمَّ احْلِقْ أَوْ قَصِّرْ والْحَلْقُ أَحَبُّ) بَيَانٌ لِلْوَاجِبِ وَالْمُرَادُ بِالْحَلْقِ إزَالَةُ شَعْرِ رُبْعِ الرَّأْسِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ أَقْرَعَ فَيَجْرِي الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ إنْ أَمْكَنَ وَأَحَبُّ عَلَى الْمُخْتَارِ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ قُرُوحٌ لَا يُمْكِنُهُ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ وَلَا يَصِلُ إلَى تَقْصِيرِهِ فَقَدْ سَقَطَ هَذَا الْوَاجِبُ وَحَلَّ كَمَنْ حَلَقَهَا، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْإِحْلَالَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْحَلْقُ لَكِنْ لَمْ يَجِدْ آلَةً وَلَا مَنْ يَحْلِقُهَا فَلَيْسَ بِعُذْرٍ وَلَيْسَ لَهُ الْإِحْلَالُ؛ لِأَنَّ إصَابَةَ الْآلَةِ مَرْجُوٌّ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَلَا كَذَلِكَ بُرْءُ الْقُرُوحِ وَانْدِمَالُهَا وَالْإِزَالَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالْمُوسَى بَلْ بِأَيِّ آلَةٍ كَانَتْ أَوْ بِالنُّورَةِ، وَالْمُسْتَحَبُّ الْحَلْقُ بِالْمُوسَى؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ بِهِ وَالْمُرَادُ بِالتَّقْصِيرِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ أَوْ الْمَرْأَةُ مِنْ رُءُوسِ شَعْرِ رُبْعِ الرَّأْسِ مِقْدَارَ الْأُنْمُلَةِ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ، وَمُرَادُهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ مِقْدَارَ الْأُنْمُلَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ وَفِي الْبَدَائِعِ قَالُوا يَجِبُ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّقْصِيرِ عَلَى قَدْرِ الْأُنْمُلَةِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ بِرَأْسِهِ؛ لِأَنَّ أَطْرَافَ الشَّعْرِ غَيْرُ مُتَسَاوٍ عَادَةً قَالَ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ وَهُوَ حَسَنٌ، وَالْأُنْمُلَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ وَضَمُّ الْمِيمِ لُغَةً مَشْهُورَةً، وَمَنْ خَطَّأَ رَاوِيَهَا فَقَدْ أَخْطَأَ وَاحِدَةَ الْأَنَامِلِ ثُمَّ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ فَلَوْ تَعَذَّرَ الْحَلْقُ لِعَارِضٍ تَعَيَّنَ التَّقْصِيرُ، أَوْ التَّقْصِيرُ تَعَيَّنَ الْحَلْقُ كَأَنْ لَبَدَهُ بِصَمْغٍ فَلَا يُعْمَلُ فِيهِ الْمِقْرَاضُ، وَإِنَّمَا كَانَ الْحَلْقُ أَفْضَلَ لِدُعَائِهِ ﵇ لِلْمُحَلِّقِينَ بِالرَّحْمَةِ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَفِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ لِلْمُقَصِّرِينَ بِهَا، وَيُسْتَحَبُّ حَلْقُ الْكُلِّ لِلِاتِّبَاعِ وَلَمْ يَذْكُرْ سُنَنَ الْحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخُصُّ الْحَلْقَ فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْحَلْقِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مُسْتَحَبٌّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْقُنْيَةِ وَيُعْتَبَرُ فِي سُنَّتِهِ الْبُدَاءَةُ بِالْيَمِينِ لِلْحَالِقِ لَا الْمَحْلُوقِ فَيَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْسَرِ وَمُقْتَضَى النَّصِّ الْبُدَاءَةُ بِيَمِينِ الرَّأْسِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﵇ قَالَ لِلْحَلَّاقِ خُذْ وَأَشَارَ إلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ» وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَ فِي الْمَذْهَبِ، وَيُسْتَحَبُّ دَفْنُ شَعْرِهِ وَالدُّعَاءُ عِنْدَ الْحَلْقِ وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مَعَ التَّكْبِيرِ وَإِنْ رَمَى الشَّعْرَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَكُرِهَ إلْقَاؤُهُ فِي الْكَنِيفِ وَالْمُغْتَسَلِ كَذَا فِي فَتَاوَى الْعَلَّامِيِّ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقُصَّ أَظْفَارَهُ وَشَوَارِبَهُ بَعْدَ الْحَلْقِ لِلِاتِّبَاعِ وَلَا يَأْخُذْ مِنْ لِحْيَتِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ وَلَوْ فَعَلَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. (قَوْلُهُ وَحَلَّ لَك غَيْرُ النِّسَاءِ) أَيْ بِالْحَلْقِ أَيْ فَحَلَّ التَّطَيُّبُ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» وَحُرِّمَ الدَّوَاعِي كَالْوَطْءِ أَفَادَ أَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَ الْحَلْقِ تَحْلِيلٌ لِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ حَلَالًا بِالْإِحْرَامِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْمَبْسُوطِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْحَجِّ إحْلَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا بِالْحَلْقِ وَالثَّانِي بِالطَّوَافِ وَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّ الرَّمْيَ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ عِنْدَنَا يُخَالِفُهُ مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَلَفْظُهُ وَبَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الْحَلْقِ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الطِّيبَ وَالنِّسَاءَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَحِلُّ لَهُ الطِّيبُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ لَهُ النِّسَاءُ، وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ الطِّيبَ دَاعٍ إلَى الْجِمَاعِ، وَإِنَّمَا عَرَفْنَا حِلَّ الطِّيبِ بَعْدَ الْحَلْقِ قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ بِالْأَثَرِ اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِضَعْفِ مَا فِي الْفَتَاوَى لِمَا قَدَّمْنَا وَلِمَا فِي الْمُحِيطِ وَلَفْظُهُ ــ [منحة الخالق] نَسَبَ إلَيْهِ هَذَا التَّقْيِيدَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصَرِّحًا بِهِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ فَهُوَ مِمَّا تَضْمَنَّهُ كَلَامُهُ. (قَوْلُهُ وَمُرَادُهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية قُلْت يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ أَيْ مِنْ شَعْرِ الرُّبْعِ عَلَى وَجْهِ اللُّزُومِ أَوْ مِنْ الْكُلِّ عَلَى سَبِيلِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَلَا مُخَالَفَةَ فِي الْأَجْزَاءِ؛ لِأَنَّ الرُّبْعَ كَالْكُلِّ كَمَا فِي الْحَلْقِ. (قَوْلُهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْمُلْتَقَطِ عَنْ الْإِمَامِ حَلَقْت رَأْسِي بِمَكَّةَ فَخَطَّأَنِي الْحَلَّاقُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ لَمَّا أَنْ جَلَسْت قَالَ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَنَاوَلْته الْجَانِبَ الْأَيْسَرَ فَقَالَ ابْدَأْ بِالْأَيْمَنِ فَلَمَّا أَرَدْت أَنْ أَذْهَبَ قَالَ ادْفِنْ شَعْرَك فَرَجَعْت فَدَفَنْته اهـ. قُلْت وَفِي الْمِعْرَاجِ رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ حَلَقَ رَأْسَهُ مِنْ يَمِينِ الْحَالِقِ» وَعَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ يَمِينِ الْمَحْلُوقِ فَاعْتَبَرْنَا يَمِينَ الْحَالِقِ وَهُوَ يَمِينُ الْمَحْلُوقِ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَلَمْ يَعْزِهِ إلَى أَحَدٍ بَلْ الْأَوْلَى اتِّبَاعُ السُّنَّةِ فَإِنَّهُ ﵊ بَدَأَ بِيَمِينِهِ فِي الصَّحِيحِ، وَقَدْ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِقَوْلِ الْحَجَّامِ حِينَ قَالَ اُدْنُ الشِّقَّ الْأَيْمَنَ مِنْ رَأْسِك وَفِيهِ حِكَايَةٌ مَعْرُوفَةٌ اهـ. وَهَذَا أَيْضًا يُؤَيِّدُ مَا اسْتَصْوَبَهُ فِي الْفَتْحِ، وَيُفِيدُ أَنَّ خِلَافَهُ لَيْسَ مِمَّا ثَبَتَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِضَعْفِ مَا فِي الْفَتَاوَى) قَالَ فِي الشرنبلالية أَقُولُ: لَمْ يَقْتَصِرْ قَاضِي خَانْ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْبَحْرِ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى مَا يُوَافِقُ الْهِدَايَةَ أَيْضًا قَبْلَ هَذَا بِقَوْلِهِ: وَالْخُرُوجُ عَنْ الْإِحْرَامِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ فَإِذَا حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ مَا لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ مَرْوِيُّ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ النَّبِيِّ
следующие страницы →