← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 12227

البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري

زين الدين ابن نجيم

Полный текст (3 122 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ فِيهِ قَاصِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ إلَّا أَنَّ فِيهِ ارْتِفَاقًا لِمَعْنَى قَتْلِ الْهَوَامِّ، وَإِزَالَةِ الشُّعْثِ. وَقَالَ: الْإِمَامُ يَجِبُ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ الطِّيبِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُلْقِي فِيهِ الْأَنْوَارَ كَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ فَيَصِيرُ نَفْسُهُ طِيبًا، وَلَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ طِيبٍ وَيَقْتُلُ الْهَوَامَّ وَيُلَيِّنُ الشَّعْرَ وَيُزِيلُ التَّفَثَ وَالشُّعْثَ، وَأَرَادَ بِالزَّيْتِ دُهْنَ الزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالشَّيْرَجِ فَخَرَجَ بَقِيَّةُ الْأَدْهَانِ كَالشَّحْمِ وَالسَّمْنِ، وَقَيَّدَ بِالْإِدْهَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَكَلَهُ أَوْ دَاوَى بِهِ شُقُوقَ رِجْلَيْهِ أَوْ أَقْطَرَ فِي أُذُنِهِ لَا يَجِبُ دَمٌ، وَلَا صَدَقَةٌ بِخِلَافِ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالْغَالِيَةِ وَالْكَافُورِ وَنَحْوِهَا حَيْثُ يَلْزَمُ الْجَزَاءُ بِالِاسْتِعْمَالِ عَلَى وَجْهِ التَّدَاوِي لَكِنَّهُ يَتَخَيَّرُ إذَا كَانَ لِعُذْرٍ كَمَا سَيَأْتِي، وَكَذَا إذَا أَكَلَ الْكَثِيرَ مِنْ الطِّيبِ، وَهُوَ مَا يَلْتَزِقُ بِأَكْثَرِ فَمِهِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَهَذِهِ تَشْهَدُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْعُضْوِ مُطْلَقًا فِي لُزُومِ الدَّمِ بَلْ ذَاكَ إذَا لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْكَثْرَةِ فِي نَفْسِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ قَاضِي خَانْ أَنَّهُ لَوْ خَلَطَ الطِّيبَ بِطَعَامٍ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ فَالْعِبْرَةُ لِلْغَالِبِ فَإِنْ كَانَ الطِّيبُ مَغْلُوبًا فَلَا شَيْءَ أَصْلًا زَادَ بَعْضُهُمْ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ إذَا كَانَ رَائِحَتُهُ تُوجَدُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ غَالِبًا فَهُوَ كَالْخَالِصِ، وَهَكَذَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَقَالُوا: وَلَوْ خَلَطَهُ بِمَشْرُوبٍ، وَهُوَ غَالِبٌ فَفِيهِ الدَّمُ، وَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا فَصَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشْرَبَ مِرَارًا فَدَمٌ فَإِنْ كَانَ لِلتَّدَاوِي خُيِّرَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ الْمَخْلُوطِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِطِيبٍ مَغْلُوبٍ أَمَّا بِعَدَمِ شَيْءٍ أَصْلًا كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمَأْكُولِ أَوْ بِوُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِيهِمَا كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمَشْرُوبِ، وَمَا فَرَّقَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ الطِّيبَ مِمَّا يُقْصَدُ شُرْبُهُ فَإِذَا خَلَطَهُ بِمَشْرُوبٍ لَمْ يَصِرْ تَبَعًا لِمَشْرُوبٍ مِثْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوبُ غَالِبًا كَمَا لَوْ خَلَطَ اللَّبَنَ بِالْمَاءِ فَشَرِبَهُ الصَّبِيُّ تَثْبُت حُرْمَةُ الرَّضَاعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ غَالِبًا بِخِلَافِ أَكْلِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُقْصَدُ عَادَةً فَإِذَا خُلِطَ بِالطَّعَامِ صَارَ تَبَعًا لِلطَّعَامِ وَسَقَطَ حُكْمُهُ فَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ مِنْ الطِّيبِ مَا يُقْصَدُ أَكْلًا إذَا كَانَ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ لِلْمَعْنَى الْقَائِمِ بِهِ، وَهُوَ الطِّيبِيَّةُ إمَّا مُدَاوَاةً أَوْ تَنَعُّمًا مُنْفَرِدًا أَوْ مَخْلُوطًا كَمَا يُقْصَدُ شُرْبًا الثَّانِي أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ هَذَا الْبَابِ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ النَّاسِيَ وَالْعَامِدَ وَالْجَاهِلَ سَوَاءٌ، وَذَكَرَ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ أَنِّي لَمْ أَرَهُمْ تَعَرَّضُوا بِمَاذَا تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ؟ . وَظَهَرَ لِي أَنَّهُ إنْ وَجَدَ فِي الْمُخَالِطِ رَائِحَةَ الطِّيبِ كَمَا قَبْلَ الْخَلْطِ وَحَسَّ الذَّوْقُ السَّلِيمُ بِطَعْمِهِ فِيهِ حِسًّا ظَاهِرًا فَهُوَ غَالِبٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مَغْلُوبٌ؛ لِأَنَّ الْمَنَاطَ كَثْرَةُ الْأَجْزَاءِ ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَرَهُمْ تَعَرَّضُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي التَّفْصِيلِ أَيْضًا بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ أَكْلِ الطِّيبِ وَحْدَهُ، وَإِنَّهُ بِإِثْبَاتِهِ فِيهَا أَيْضًا لَجَدِيرٌ وَيُقَالُ إنْ كَانَ الطِّيبُ غَالِبًا، وَأَكَلَ مِنْهُ أَوْ شَرِبَ كَثِيرًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ، وَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا، وَأَكَلَ مِنْهُ أَوْ شَرِبَ كَثِيرًا فَصَدَقَةٌ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ الْكَثِيرَ مَا يَعُدُّهُ الْعَارِفُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا يَشُوبُهُ شَرَهٌ وَنَحْوُهُ كَثِيرًا وَالْقَلِيلُ مَا عَدَاهُ. ثُمَّ قَالَ: وَلَا شَيْءَ فِي أَكْلِ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْحَلْوَاءِ الْمُبَخَّرَةِ بِالْعُودِ وَنَحْوِهِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ إذَا كَانَتْ رَائِحَتُهُ تُوجَدُ مِنْهُ بِخِلَافِ الْحَلْوَاءِ الْمُسَمَّى بِالْقَاوُوتِ الْمُضَافِ إلَى أَجْزَائِهَا الْمَاوَرْدَ وَالْمِسْكَ فَإِنَّ فِي أَكْلِ الْكَثِيرِ دَمًا وَالْقَلِيلِ صَدَقَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِق الْأَحْوَالِ. (قَوْلُهُ: أَوْ لَبِسَ مَخِيطًا أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ يَتَخَيَّرُ إذَا كَانَ لِعُذْرٍ) أَيْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الدَّمِ وَالصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا أَكَلَ الْكَثِيرَ مِنْ الطِّيبِ إلَخْ) ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا بِأَنْ لَمْ يَلْتَصِقْ بِأَكْثَرَ فَمِهِ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا أَكَلَهُ كَمَا هُوَ أَيْ مِنْ غَيْرِ خَلْطٍ أَوْ طَبْخٍ أَمَّا إذَا خَلَطَهُ بِطَعَامٍ قَدْ طُبِخَ كَالزَّعْفَرَانِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ مَسَّهُ النَّارُ أَوْ لَا وَسَوَاءٌ يُوجَدُ رِيحُهُ أَوْ لَا إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ إنْ وَجَدَ رِيحَهُ، وَإِنْ خُلِطَ بِمَا يُؤْكَلُ بِلَا طَبْخٍ كَالزَّعْفَرَانِ بِالْمِلْحِ فَالْعِبْرَةُ بِالْغَلَبَةِ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الْمِلْحَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ رَائِحَتُهُ مَوْجُودَةً كُرِهَ أَكْلُهُ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الطِّيبَ فَفِيهِ الدَّمُ لُبَابٌ (قَوْلُهُ: فَهُوَ كَالْخَالِصِ) أَيْ فَيَجِبُ الْجَزَاءُ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ رَائِحَتُهُ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَوِّيَ إلَخْ) أَقُولُ: لَمْ يُفَرِّقْ الزَّيْلَعِيُّ فِي الْمَخْلُوطِ بِالْمَأْكُولِ بَيْنَ الْغَالِبِ وَالْمَغْلُوبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْرُوبِ فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ أَكَلَ زَعْفَرَانًا مَخْلُوطًا بِطَعَامٍ أَوْ طِيبٍ آخَرَ، وَلَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ يَلْزَمُهُ دَمٌ، وَإِنْ مَسَّتْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فِي الْمَشْرُوبِ. اهـ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا يَأْتِي عَنْ الْحَلَبِيِّ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: وَظَهَرَ لِي أَنَّهُ إنْ وَجَدَ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَجْرِيَ هُنَا مَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي الثَّوْبِ ثُمَّ إنَّ هَذَا الْفَرْقَ يُنَافِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الطِّيبُ غَالِبًا يَجِبُ الْجَزَاءُ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ رَائِحَتُهُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنَاطَ كَثْرَةُ الْأَجْزَاءِ لَا وُجُودُ الرَّائِحَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ فِيمَا إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مِمَّا كَانَ الطِّيبُ فِيهِ غَالِبًا، وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ مَا إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَكَذَا فِيمَا إذَا كَانَ مَغْلُوبًا وَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فَإِنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَجِبَ بِأَكْلِ لُقْمَةٍ مَثَلًا كَمَا يَجِبُ بِأَكْلِ الْكَثِيرِ (قَوْلُهُ: وَأَكَلَ مِنْهُ أَوْ شَرِبَ كَثِيرًا) الضَّمِيرُ يَعُودُ إلَى الْمَخْلُوطِ بِالطِّيبِ الْغَالِبِ طَعَامًا أَوْ شَرَابًا (قَوْلُهُ: فَإِنَّ فِي أَكْلِ الْكَثِيرِ دَمًا وَالْقَلِيلِ صَدَقَةً) قَالَ: فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة يَتَأَمَّلُ فِي حُكْمِ الْمِسْكِ الْمُضَافِ

стр. 807

يَوْمًا، وَإِلَّا تَصَدَّقَ) مَعْطُوفٌ عَلَى طَيَّبَ بَيَانٌ لِلثَّانِي وَالثَّالِثِ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ التَّقْدِيرُ بِالزَّمَانِ فَإِنَّ قَوْلَهُ يَوْمًا رَاجِعٌ إلَى اللُّبْسِ وَالتَّغْطِيَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَإِلَّا تَصَدَّقَ أَيْ، وَإِنْ كَانَ لُبْسُ الْمَخِيطِ وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ لَزِمَهُ صَدَقَةٌ لِمَا عُلِمَ أَنَّ كَمَالَ الْعُقُوبَةِ بِكَمَالِ الْجِنَايَةِ، وَهُوَ بِكَمَالِ الِارْتِفَاقِ، وَهُوَ بِالدَّوَامِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا دَفْعُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَالْيَوْمَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِمَا فَوَجَبَ الدَّمُ وَالْجِنَايَةُ قَاصِرَةٌ فِيمَا دُونَهُ فَوَجَبَتْ الصَّدَقَةُ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ مِنْ جُمْلَةِ لُبْسِ الْمَخِيطِ فَهِيَ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَوْ لَبِسَ الْقَمِيصَ وَالْعِمَامَةَ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ عَلَّلُوا بِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَاحِدَةٌ وَحَقِيقَةُ لُبْسِ الْمَخِيطِ أَنْ يَحْصُلَ بِوَاسِطَةِ الْخِيَاطَةِ اشْتِمَالٌ عَلَى الْبَدَنِ وَاسْتِمْسَاكٌ فَلِذَا لَوْ ارْتَدَى بِالْقَمِيصِ أَوْ اتَّشَحَ أَوْ ائْتَزَرَ بِالسَّرَاوِيلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ لُبْسَ الْمَخِيطِ لِعَدَمِ الِاشْتِمَالِ، وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ مَنْكِبَيْهِ فِي الْقَبَاءِ، وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي الْكُمَّيْنِ، وَلَمْ يَزُرَّهُ لِعَدَمِ الِاشْتِمَالِ أَمَّا إذَا أَدْخَلَ يَدَيْهِ أَوْ زَرَّهُ فَهُوَ لُبْسُ الْمَخِيطِ لِوُجُودِهِمَا بِخِلَافِ الرِّدَاءِ فَإِنَّهُ إذَا اتَّزَرَ بِهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْقِدَهُ بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمَعَ هَذَا لَوْ فَعَلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ لُبْسَ الْمَخِيطِ لِعَدَمِ الِاشْتِمَالِ أَطْلَقَ فِي اللُّبْسِ فَشَمَلَ مَا إذَا أَحْدَثَ اللُّبْسَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ أَوْ أَحْرَمَ، وَهُوَ لَابِسُهُ فَدَامَ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ انْتِفَاعِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالطِّيبِ السَّابِقِ عَلَيْهِ قَبْلَهُ لِلنَّصِّ، وَلَوْلَاهُ لَأَوْجَبْنَا فِيهِ أَيْضًا وَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا مُخْتَارًا أَوْ مُكْرَهًا فَيَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى النَّائِمِ لَوْ غَطَّى إنْسَانٌ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ حَصَلَ لَهُ، وَعَدَمُ الِاخْتِيَارِ أَسْقَطَ الْإِثْمَ عَنْهُ كَالنَّائِمِ الْمُنْقَلِبِ عَلَى شَيْءٍ أَتْلَفَهُ، وَشَمَلَ مَا إذَا لَبِسَ ثَوْبًا وَاحِدًا أَوْ جَمَعَ اللِّبَاسَ كُلَّهُ الْقَمِيصَ وَالْعِمَامَةَ وَالْخُفَّيْنِ وَلِذَا لَمْ يَقُلْ لَبِسَ ثَوْبًا كَغَيْرِهِ. وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْيَوْمِ، وَمَا دُونَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الزَّائِدِ عَلَيْهِ لِيُفِيدَ أَنَّهُ كَالْيَوْمِ فَلَوْ لَبِسَ الْمَخِيطَ وَدَامَ عَلَيْهِ أَيَّامًا أَوْ كَانَ يَنْزِعُهُ لَيْلًا وَيُعَاوِدُهُ نَهَارًا أَوْ عَكْسُهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ مَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى التَّرْكِ عِنْدَ النَّزْعِ فَإِنْ عَزَمَ عَلَيْهِ ثُمَّ لَبِسَ تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ أَوَّلًا، وَفِي الثَّانِي خِلَافُ مُحَمَّدٍ، وَلَوْ لَبِسَ يَوْمًا فَأَرَاقَ دَمًا ثُمَّ دَاوَمَ عَلَى لُبْسِهِ يَوْمًا آخَرَ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ آخَرُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ لِلدَّوَامِ فِيهِ حُكْمَ الِابْتِدَاءِ، وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ، وَعِنْدِي الْمُودِعُ إذَا لَبِسَ قَمِيصَ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُودِعِ فَنَزَعَهُ بِاللَّيْلِ لِلنَّوْمِ فَسُرِقَ الْقَمِيصُ فِي اللَّيْلِ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَلْبَسَ الْقَمِيصَ مِنْ الْغَدِ لَا يُعَدُّ هَذَا تَرْكَ الْخِلَافِ وَالْعَوْدَ إلَى الْوِفَاقِ حَتَّى يَضْمَنَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ لَا يَلْبَسَ الْقَمِيصَ مِنْ الْغَدِ كَانَ هَذَا تَرْكَ الْخِلَافِ حَتَّى لَا يَضْمَنَ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ اللُّبْسَ شَيْءٌ ــ [منحة الخالق] إلَى الْحَلْوَى مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اخْتِلَاطِهِ بِمَا يُؤْكَلُ وَيُطْبَخُ، وَفِيمَا إذَا لَمْ يُطْبَخْ. اهـ. أَيْ فَإِنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ إنْ جَعَلَهُ فِي طَعَامٍ وَطُبِخَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَلَطَهُ بِمَا يُؤْكَلُ بِلَا طَبْخٍ فَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ غَالِبًا وَجَبَ الْجَزَاءُ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ رَائِحَتُهُ، وَعَلَى هَذَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْحَلْوَى غَيْرُ مَطْبُوخَةٍ، وَإِنْ طَيَّبَهَا غَالِبٌ لِيُوَافِقَ مَا تَقَدَّمَ. (قَوْلُهُ: لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْعُقُوبَةَ بِكَمَالِ الْجِنَايَةِ إلَخْ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ، وَهُوَ لَابِسٌ الْمَخِيطَ، وَأَدَّى ذَلِكَ النُّسُكَ بِتَمَامِهِ فِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَحَلَّ مِنْهُ أَنْ تَلْزَمَهُ صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يُوجَدَ نَصٌّ صَرِيحٌ بِخِلَافِهِ فَإِنْ قُلْت التَّجَرُّدُ عَنْ الْمَخِيطِ فِي النُّسُكِ وَاجِبٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ طَالَ زَمَنُ إحْرَامِهِ أَمْ قَصُرَ وَالتَّقْدِيرُ بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا طَالَ زَمَنُ الْإِحْرَامِ أَمَّا إذَا قَصُرَ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ فِي نُسُكِهِ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ فَيَكُونُ تَارِكًا لِوَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِ إحْرَامِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الدَّمُ قُلْت لَا شَكَّ فِي نَفَاسَتِهِ، وَلَكِنْ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ. اهـ. مُلَخَّصًا. مِنْ حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَنْ شَرْحِ الْمَنْسَكِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَفِيفِ، وَفِيهَا عَنْ فَتَاوَى تِلْمِيذِهِ الْفَاضِلِ عَبْدِ اللَّهِ أَفَنْدِي عَتَاقِيٍّ أَنَّهُ مَالَ إلَى وُجُوبِ الدَّمِ. (قَوْلُهُ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: التَّحْقِيقُ أَنَّ بَيْنَ لُبْسِ الْمَخِيطِ وَالتَّغْطِيَةِ عُمُومًا وَخُصُوصًا مُطْلَقًا فَيَجْتَمِعَانِ فِي التَّغْطِيَةِ فِي نَحْوِ الْعِرْقِيَّةِ الْمَخِيطَةِ وَتَنْفَرِدُ التَّغْطِيَةُ بِوَضْعِ نَحْوِ الشَّاشِ مِمَّا لَيْسَ مَخِيطًا عَلَى رَأْسِهِ، وَهَذَا كَافٍ فِي صِحَّةِ التَّغَايُرِ. (قَوْلُهُ: بِوَاسِطَةِ الْخِيَاطَةِ) يَرُدُّ عَلَيْهِ اللَّبَّادُ الْمُشْتَغِلُ بِاللَّصْقِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ خِيَاطَةٌ مَعَ أَنَّهُ عُدَّ مِنْ الْمَخِيطِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْخِيَاطَةِ انْضِمَامُ بَعْضِ الْأَجْزَاءِ بِبَعْضِهَا شَرْحِ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ: أَوْ جَمَعَ اللِّبَاسَ كُلَّهُ) أَيْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ وَسَنَذْكُرُ عَنْهُ قَرِيبًا مَا يُخَالِفُهُ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى التَّرْكِ إلَخْ) أَيْ لَمْ يَنْزِعْهُ عَلَى غُرْمِ التَّرْكِ بَلْ نَزَعَهُ عَلَى قَصْدِ أَنْ يَلْبَسَهُ ثَانِيًا أَوْ خَلَعَهُ لِيَلْبَسَ بَدَلَهُ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ فَقَدْ أَفَادَ أَنَّ خَلْعَهُ لِتَبْدِيلِهِ بِغَيْرِهِ لَا يَتَعَدَّدُ بِهِ الْجَزَاءُ فَلْيُحْفَظْ فَإِنَّهُ كَثِيرُ الْوُقُوعِ (قَوْلُهُ: وَفِي الثَّانِي) أَيْ فِيمَا إذَا لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَعِنْدِي الْمُودَعُ) كَذَا فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ بِإِضَافَةِ عِنْدَ إلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ، وَهَكَذَا رَأَيْته فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ بِدُونِ يَاءٍ (قَوْلُهُ: فَالْحَاصِلُ إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ: تَنْبِيهٌ: قَدْ يَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ فِي لُبْسٍ وَاحِدٍ بِأُمُورٍ: الْأَوَّلُ التَّكْفِيرُ بَيْنَ اللُّبْسَيْنِ بِأَنْ لَبِسَ ثُمَّ كَفَّرَ وَدَامَ عَلَى لُبْسِهِ، وَلَمْ يَنْزِعْهُ. وَالثَّانِي تَعَدُّدُ السَّبَبِ. وَالثَّالِثُ الِاسْتِمْرَارُ عَلَى اللُّبْسِ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ. وَالرَّابِعُ حُدُوثُ عُذْرٍ آخَرَ. وَالْخَامِسُ لُبْسُ الْمَخِيطِ الْمَصْبُوغِ بِطِيبٍ لِلرَّجُلِ وَيَتَّحِدُ

стр. 808

وَاحِدٌ مَا لَمْ يَتْرُكْهُ وَيَعْزِمْ عَلَى التَّرْكِ. اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إيجَابِ الْجَزَاءِ إذَا لَبِسَ جَمِيعَ الْمَخِيطِ مَحِلُّهُ مَا إذَا لَمْ يَتَعَدَّدْ سَبَبُ اللُّبْسِ فَإِنْ تَعَدَّدَ كَمَا إذَا اُضْطُرَّ إلَى لُبْسِ ثَوْبٍ فَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ فَإِنْ لَبِسَهُمَا عَلَى مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ يَتَخَيَّرُ فِيهَا، وَإِنْ لَبِسَهُمَا عَلَى مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ وَغَيْرِهِ لَزِمَهُ كَفَّارَتَانِ يَتَخَيَّرُ فِيهَا لِلضَّرُورَةِ فَقَطْ، وَمِنْ صُوَرِ تَعَدُّدِ اللُّبْسِ وَاتِّحَادِهِ مَا إذَا كَانَ بِهِ مَثَلًا حُمًّى يَحْتَاجُ إلَى اللُّبْسِ لَهَا وَيَسْتَغْنِي عَنْهُ فِي وَقْتِ زَوَالِهَا فَإِنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ تَعَدَّدَ اللُّبْسُ مَا لَمْ تَزُلْ عَنْهُ فَإِنْ زَالَتْ، وَأَصَابَهُ مَرَضٌ آخَرُ أَوْ حُمًّى غَيْرُهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ كَفَّرَ لِلْأُولَى أَوْ لَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي الثَّانِي، وَكَذَا إذَا حَصَرَهُ عَدُوٌّ فَاحْتَاجَ إلَى اللُّبْسِ لِلْقِتَالِ أَيَّامًا يَلْبَسُهَا إذَا خَرَجَ إلَيْهِ وَيَنْزِعُهَا إذَا رَجَعَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يَذْهَبْ هَذَا الْعَدُوُّ فَإِنْ ذَهَبَ وَجَاءَ عَدُوٌّ غَيْرُهُ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى. وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى اتِّحَادِ الْجِهَةِ وَاخْتِلَافِهَا لَا إلَى صُورَةِ اللُّبْسِ كَيْفَ كَانَتْ، وَلَوْ لَبِسَ لِضَرُورَةٍ فَزَالَتْ فَدَامَ بَعْدَهَا يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ فَمَا دَامَ فِي شَكٍّ مِنْ زَوَالِ الضَّرُورَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ تَيَقَّنَ زَوَالَهَا كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى لَا يَتَخَيَّرُ فِيهَا هَكَذَا ذَكَرُوا، وَذَكَرَ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ أَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا لَبِسَ شَيْئًا مِنْ الْمَخِيطِ لِدَفْعِ بَرْدٍ ثُمَّ صَارَ يَنْزِعُ وَيَلْبَسُ كَذَلِكَ ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ الْبَرْدُ ثُمَّ أَصَابَهُ بَرْدٌ آخَرُ غَيْرَ الْأَوَّلِ عُرِفَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْمُفِيدَةِ لِمَعْرِفَتِهِ فَلَبِسَ لِذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ. اهـ. وَشَمَلَ كَلَامُهُ أَيْضًا مَا إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَ الْمَخِيطِ فَلِذَا قَالَ فِي الْمَجْمَعِ: وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا السَّرَاوِيلَ فَلَبِسَهُ، وَلَمْ يَفْتُقْهُ نُوجِبُهُ أَيْ الدَّمَ، وَأَطْلَقَ فِي التَّغْطِيَةِ فَانْصَرَفَتْ إلَى الْكَامِلِ، وَهُوَ مَا يُغَطِّي بِهِ عَادَةً كَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْعِمَامَةِ فَخَرَجَ مَا لَا يُغَطَّى بِهِ عَادَةً كَالطِّسْتِ وَالْإِجَّانَةِ وَالْعَدْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا يُفَرَّعُ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ مَا لَوْ دَخَلَ الْمُحْرِمُ تَحْتَ سِتْرِ الْكَعْبَةِ فَإِنْ كَانَ يُصِيبُ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَظَاهِرُ مَا فِي الْمُتُونِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَغْطِيَةِ جَمِيعِ الرَّأْسِ فِي لُزُومِ الدَّمِ، وَمَا رَأَيْته رِوَايَةٌ، وَلِهَذَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِحُكْمِ مَا دُونَهَا، وَإِنَّمَا الْمَنْقُولُ عَنْ الْأَصْلِ اعْتِبَارُ الرُّبْعِ، وَمَشَى عَلَيْهِ ــ [منحة الخالق] الْجَزَاءُ مَعَ تَعَدُّدِ اللُّبْسِ بِأُمُورٍ مِنْهَا اتِّحَادُ السَّبَبِ، وَعَدَمُ الْعَزْمِ عَلَى التَّرْكِ عِنْدَ النَّزْعِ وَجَمْعُ اللِّبَاسِ كُلِّهِ فِي مَجْلِسٍ أَوْ يَوْمٍ. اهـ. قَالَ شَارِحُهُ أَيْ مَعَ اتِّحَادِ السَّبَبِ. ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْيَوْمَ فِي اتِّحَادِ الْجَزَاءِ فِي حُكْمِ اللُّبْسِ كَالْمَجْلِسِ فِي غَيْرِهِ مِنْ الطِّيبِ وَالْحَلْقِ وَالْقَصِّ وَالْجِمَاعِ كَمَا سَيَأْتِي؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْفَارِسِيُّ وَالطَّرَابُلُسِيّ أَنَّهُ إنْ لَبِسَ الثِّيَابَ كُلَّهَا مَعًا، وَلَبِسَ خُفَّيْنِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ لَبِسَ قَمِيصًا بَعْدَ يَوْمِهِ ثُمَّ لَبِسَ فِي يَوْمِهِ سَرَاوِيلَ ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْنِ، وَقَلَنْسُوَةً عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَيَّدَ بِالْيَوْمِ لَا بِالْمَجْلِسِ، وَفِي الْكَرْمَانِيِّ، وَلَوْ جَمَعَ اللِّبَاسَ كُلَّهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ لِوُقُوعِهِ عَلَى جِهَةِ وَاحِدَةٍ وَسَبَبٍ وَاحِدٍ فَصَارَ كَجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ إذَا حَلَقَ فِي أَرْبَعِ مَجَالِسَ عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ، وَقِيلَ عَلَيْهِ أَرْبَعُ دِمَاءٍ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي مُنْيَةِ النَّاسِكِ بِتَعَدُّدِ الْجَزَاءِ فِي تَعَدُّدِ الْأَيَّامِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ لَبِسَ الْعِمَامَةَ يَوْمًا ثُمَّ لَبِسَ الْقَمِيصَ يَوْمًا آخَرَ ثُمَّ الْخُفَّيْنِ يَوْمًا آخَرَ ثُمَّ السَّرَاوِيلَ يَوْمًا آخَرَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ لُبْسٍ دَمٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: كَمَا إذَا اُضْطُرَّ إلَى لُبْسِ ثَوْبٍ فَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ، وَكَذَلِكَ نَحْوُ أَنْ يَضْطَرَّ إلَى لُبْسِ قَمِيصٍ فَلَبِسَ قَمِيصَيْنِ أَوْ قَمِيصًا وَجُبَّةً أَوْ اُضْطُرَّ إلَى لُبْسِ قَلَنْسُوَةٍ فَلَبِسَهَا مَعَ عِمَامَتِهِ. اهـ. وَكَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ سَيَذْكُرُ مَا يُخَالِفُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ، وَإِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ إلَخْ فَتَنَبَّهْ لَهُ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَبِسَهُمَا عَلَى مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) ، وَكَذَا إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى مَوْضِعَيْنِ لِضَرُورَةٍ بِهِمَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِأَنْ لَبِسَ عِمَامَةً وَخُفًّا بِعُذْرٍ فِيهِمَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ كَفَّارَةُ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ اللُّبْسَ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ فَتَجِبُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ: وَمِنْ صُوَرِ تَعَدُّدِ اللُّبْسِ) كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْتهَا، وَاَلَّذِي فِي الْفَتْحِ وَالنَّهْرِ عَنْهُ السَّبَبُ بَدَلُ اللُّبْسِ. (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ أَنَّ مُقْتَضَاهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَالْحُكْمُ فِي الْمَذْهَبِ مَسْطُورٌ كَذَلِكَ ثُمَّ سَاقَ عَنْ الْفَتْحِ مَسْأَلَةَ الْحُمَّى السَّابِقَةِ (قَوْلُهُ: وَمَا رَأَيْته رِوَايَةٌ) أَيْ مَا رَأَيْت ظَاهِرَ مَا فِي الْمُتُونِ مَرْوِيًّا، وَقَوْلُهُ وَلِهَذَا عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ يَقْتَضِي لَا لِقَوْلِهِ، وَمَا رَأَيْته، وَالضَّمِيرُ فِي لَمْ يُصَرِّحُوا لِأَصْحَابِ الْمُتُونِ، وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا سَتَرَ بَعْضَ كُلٍّ مِنْهُمَا أَيْ الْوَجْهَ وَالرَّأْسَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ الرُّبْعَ فَبِتَغْطِيَةِ رُبْعِ الرَّأْسِ يَجِبُ مَا يَجِبُ بِكُلِّهِ كَمَا ذُكِرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى مَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَكْثَرُ الرَّأْسِ عَلَى مَا نَقَلَ عَنْهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَالْمَبْسُوطِ وَنَقَلَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ وَالْبَدَائِعِ وَالْكَرْمَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ لَكِنْ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ، وَقِيَاسُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ الْوُجُوبَ بِحِسَابِهِ مِنْ الدَّمِ. اهـ. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْوَجْهِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا مَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ، وَإِنْ غَطَّى ثُلُثَ رَأْسِهِ أَوْ رُبْعَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَلْقِ فَهُوَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ غَيْرِهِ بَلْ لِكَلَامِهِ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَبِتَغَطِّيهِ رُبْعِ وَجْهِهِ أَوْ رُبْعِ رَأْسِهِ يَجِبُ مَا يَجِبُ بِكُلِّهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَيْ مِنْ الدَّمِ لَا مِنْ

стр. 809

كَثِيرٌ وَاخْتَارَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، وَعَزَاهُ فِي الْهِدَايَةِ إلَى أَنَّهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارُ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا كَمَا اُعْتُبِرَ أَكْثَرُ الْيَوْمِ فِي لُزُومِ الدَّمِ وَاخْتَارَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ جِهَةِ الدِّرَايَةِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الرُّبْعَ رَاجِحٌ رِوَايَةً وَالْأَكْثَرُ رَاجِحٌ دِرَايَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّ تَكَامُلَ الْجِنَايَةِ لَا يَحْصُلُ بِمَا دُونَ الْأَكْثَرِ بِخِلَافِ حَلْقِ رُبْعِ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ مُعْتَادٌ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ فَعَلَى اعْتِبَارِ الرُّبْعِ إنْ أَخَذَتْ قَدْرَهُ مِنْ الرَّأْسِ لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَصَدَقَةٌ فَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالظَّهِيرِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ عَصَبَ رَأْسَهُ يَوْمًا فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَأْخُذْ قَدْرَ الرُّبْعِ أَوْ مُفَرَّعٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَكْثَرِ. وَأَرَادَ بِالرَّأْسِ عُضْوًا يَحْرُمُ تَغْطِيَتُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ فَدَخَلَ الْوَجْهُ فَلَوْ غَطَّى رُبْعَهُ لَزِمَهُ دَمٌ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً وَخَرَجَ مَا لَا يَحْرُمُ تَغْطِيَتُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَوْ عَصَبَ مَوْضِعًا آخَرَ مِنْ جَسَدِهِ، وَلَوْ كَثُرَ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَعَقْدِ الْإِزَارِ وَتَخْلِيلِ الرِّدَاءِ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغَطِّيَ أُذُنَيْهِ وَقَفَاهُ، وَمِنْ لِحْيَتِهِ مَا هُوَ أَسْفَلُ مِنْ الذَّقَنِ بِخِلَافِ فِيهِ، وَعَارِضِهِ وَذَقَنِهِ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ دُونَ ثَوْبٍ وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْيَوْمِ، وَمَا دُونَهُ فَأَفَادَ أَنَّ اللَّيْلَةَ كَالْيَوْمِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْمُحِيطِ؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ الْكَامِلَ الْحَاصِلَ فِي الْيَوْمِ حَاصِلٌ فِي اللَّيْلَةِ، وَإِنَّ مَا دُونَهَا كَمَا دُونَهُ، وَأَطْلَقَ فِي وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِيمَا دُونَ الْيَوْمِ فَشَمَلَ السَّاعَةَ الْوَاحِدَةَ، وَمَا دُونَهَا خِلَافًا لِمَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ أَنَّهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ نِصْفُ صَاعٍ، وَفِي أَقَلَّ مِنْ سَاعَةٍ قَبْضَةٌ مِنْ بُرٍّ وَلِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ فِي لُبْسِ بَعْضِ الْيَوْمِ قِسْطَهُ مِنْ الدَّمِ كَثُلُثِ الْيَوْمِ فِيهِ ثُلُثُ الدَّمِ، وَفِي نِصْفِهِ نِصْفُهُ، وَمِنْ الْغَرِيبِ مَا فِي فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ هُنَا فَإِنْ لَبِسَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ لُبْسُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَرَاقَ لِذَلِكَ دَمًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. اهـ. فَإِنَّ الصَّوْمَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي وُجُوبِ الْجِنَايَةِ بَلْ يَكُونُ الدَّمُ فِي ذِمَّتِهِ إلَى الْمَيْسَرَةِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الصَّوْمُ فِيمَا إذَا فَعَلَ شَيْئًا لِلْعُذْرِ كَمَا سَيَأْتِي. (قَوْلُهُ: أَوْ حَلَقَ رُبْعَ رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ كَالْحَالِقِ أَوْ رَقَبَتَهُ أَوْ إبْطَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ مَحْجَمِهِ) مَعْطُوفٌ عَلَى طَيَّبَ، وَقَوْلُهُ أَوْ لِحْيَتِهِ بِالْجَرِّ مَعْطُوفٌ عَلَى رَأْسِهِ أَيْ حَلَقَ رُبْعَ لِحْيَتِهِ، وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا أَيْ، وَإِنْ كَانَ حَلَقَ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ الرَّأْسِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ اللِّحْيَةِ يَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ كَمَا يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ إذَا حَلَقَ رَأْسَ غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ أَوْ رَقَبَتَهُ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مَعْطُوفٌ عَلَى الرُّبْعِ أَيْ يَجِبُ الدَّمُ بِحَلْقِ الْمُحْرِمِ رَقَبَتَهُ كُلَّهَا أَوْ بِحَلْقِ إبْطَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ بِحَلْقِ مَحَاجِمِهِ وَالْمَحْجَمَةُ هُنَا بِالْفَتْحِ مَوْضِعُ الْمَحْجَمَةِ مِنْ الْعُنُقِ وَالْمِحْجَمَةُ بِالْكَسْرِ قَارُورَةُ الْحِجَامِ، وَكَذَا الْمِحْجَمُ بِطَرْحِ الْهَاءِ، وَقَوْلُهُمْ يَجِبُ غَسْلُ الْمَحَاجِمِ يَعْنِي مَوَاضِعَ الْحِجَامَةِ مِنْ الْبَدَنِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَإِنَّمَا كَانَ حَلْقُ رُبْعِ الرَّأْسِ أَوْ رُبْعِ اللِّحْيَةِ مُوجِبًا لِلدَّمِ لِتَكَامُلِ الْجِنَايَةِ بِتَكَامُلِ الِارْتِفَاقِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَعْتَادُهُ بِخِلَافِ تَطْيِيبِ رُبْعِ الْعُضْوِ فَإِنَّ الْجِنَايَةَ فِيهِ قَاصِرَةٌ، وَكَذَا تَغْطِيَةُ رُبْعِ الرَّأْسِ عَلَى قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ الْأَكْثَرَ، وَإِذَا حَلَقَ أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ فِيهِمَا تَقَاصَرَتْ الْجِنَايَةُ فَوَجَبَتْ الصَّدَقَةُ وَاعْتِبَارُ الرُّبْعِ فِي الْحَلْقِ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ اعْتَمَدَهَا الْمَشَايِخُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْأَصْلِ فَاعْتِبَارُ الثُّلُثِ، وَفِي الْمُحِيطِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ الدَّمُ بِحَلْقِ الْأَكْثَرِ. اهـ. وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالْحَلْقِ الْإِزَالَةَ، سَوَاءٌ كَانَ بِالْمُوسَى أَوْ بِغَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُخْتَارًا أَوْ لَا فَلَوْ أَزَالَهُ بِالنُّورَةِ أَوْ نَتَفَ لِحْيَتَهُ أَوْ احْتَرَقَ شَعْرُهُ بِخُبْزَةٍ أَوْ مَسَّهُ بِيَدِهِ فَسَقَطَ فَهُوَ كَالْحَلْقِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَنَاثَرَ شَعْرُهُ بِالْمَرَضِ أَوْ النَّارِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلزِّينَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْنٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ أَيْضًا، وَأَطْلَقَ فِي وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِيمَا إذَا حَلَقَ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ الرَّأْسِ أَوْ اللِّحْيَةِ فَشَمَلَ مَا إذَا بَقِيَ شَيْءٌ بَعْدَ الْحَلْقِ أَوْ لَا فَكَذَا لَوْ كَانَ أَصْلَعَ عَلَى نَاصِيَتِهِ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِ الرَّأْسِ فَإِنَّمَا فِيهِ صَدَقَةٌ وَكَذَا لَوْ حَلَقَ كُلَّ رَأْسِهِ، وَمَا عَلَيْهِ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِ شَعْرِهِ كَمَا أَطْلَقَ وُجُوبَ الدَّمِ بِحَلْقِ ــ [منحة الخالق] الصَّدَقَةِ وَيَكُونُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمَا لَا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَأَفَادَ أَنَّ اللَّيْلَةَ كَالْيَوْمِ) أَيْ فَإِذَا لَبِسَ لَيْلَةً وَجَبَ دَمٌ كَمَا فِي الْيَوْمِ قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِقْدَارُ أَحَدِهِمَا فَيُفِيدُ أَنَّ مَنْ لَبِسَ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ انْفِصَالٍ، وَكَذَا فِي عَكْسِهِ لَزِمَهُ دَمٌ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: وَفِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، وَلَيْلَةٍ صَدَقَةٌ وَتَمَامُهُ فِيهِ، وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ قَالَ الشَّيْخُ حَنِيفُ الدِّينِ الْمُرْشِدِيُّ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ فِيمَا اطَّلَعْت عَلَيْهِ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَغَيْرِهَا. اهـ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ أَرَادَ بِالسَّاعَةِ الْفَلَكِيَّةَ. (قَوْلُهُ: كَمَا سَيَأْتِي) أَيْ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ حَلَقَ بِعُذْرٍ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ سَنَذْكُرُهُ. (قَوْلُهُ: وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالْحَلْقِ الْإِزَالَةَ إلَخْ) يَشْمَلُ التَّقْصِيرَ فَفِي اللُّبَابِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْحَلْقِ فِي وُجُوبِ الدَّمِ بِهِ وَالصَّدَقَةِ فَلَوْ قَصَّرَ كُلَّ الرَّأْسِ أَوْ

стр. 810

الرُّبْعِ فَلِذَا لَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ قَدْرُ رُبْعِ شَعْرِهِ لَوْ كَانَ شَعْرُ رَأْسِهِ كَامِلًا فَفِيهِ دَمٌ، قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَعَلَى هَذَا يَجِيءُ مِثْلُهُ فِيمَنْ بَلَغَتْ لِحْيَتُهُ الْغَايَةَ فِي الْخِفَّةِ، وَعُلِمَ مِنْ إيجَابِهِ الدَّمَ بِحَلْقِ أَحَدِ الْإِبْطَيْنِ أَوْ الْإِبْطَيْنِ أَنَّ جِنَايَةَ الْحَلْقِ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ فِي الْبَدَنِ فَلِذَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَإِبْطَيْهِ بَلْ كُلَّ بَدَنِهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَدَمٌ وَاحِدٌ بِشَرْطَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَكُونَ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ فَلَوْ أَرَاقَ دَمًا لِحَلْقِ رَأْسِهِ ثُمَّ حَلْقِ لِحْيَتِهِ لَزِمَهُ آخَرُ. الثَّانِي أَنْ يَتَّحِدَ الْمَجْلِسُ فَإِذَا اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ فَلِكُلِّ مَجْلِسٍ مُوجِبُ جِنَايَتِهِ إنْ تَعَدَّدَ الْمَحَلُّ كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ اتَّحَدَ فَدَمٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ كَمَا إذَا حَلَقَ الرَّأْسَ فِي مَجَالِسَ وَخَالَفَ مُحَمَّدٌ فِيمَا إذَا تَعَدَّدَ الْمَحَلُّ فَأَلْحَقَهُ بِمَا إذَا اتَّحَدَ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ أَنَّ فِي إزَالَتِهِ لِشَعْرِ الرَّأْسِ أَوْ اللِّحْيَةِ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ نِصْفَ صَاعٍ، وَلَوْ كَانَ شَعْرَةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُمْ قَالُوا كُلُّ صَدَقَةٍ فِي الْإِحْرَامِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ فَهِيَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ إلَّا مَا يَجِبُ بِقَتْلِ الْقَمْلَةِ وَالْجَرَادَةِ كَمَا أَنَّ وَاجِبَ الدَّمِ يَتَأَدَّى بِالشَّاةِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ مَنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ، وَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الطَّوَافِ فَإِنَّهُ بَدَنَةٌ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنْ ذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ إنْ نَتَفَ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ مِنْ أَنْفِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ شَعَرَاتٍ فَلِكُلِّ شَعْرَةٍ كَفٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ فِي خُصْلَةٍ نِصْفُ صَاعٍ. فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اشْتِبَاهًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ الصَّدَقَةَ، وَلَمْ يَفْصِلْهَا، وَأَطْلَقَ فِي لُزُومِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْحَالِقِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ مُحْرِمًا سَوَاءٌ كَانَ الْمَحْلُوقُ مُحْرِمًا أَوْ لَا أَوْ حَلَالًا وَالْمَحْلُوقُ رَأْسُهُ مُحْرِمٌ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا إذَا كَانَا حَلَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجِنَايَةٍ مِنْهُمَا، وَكَلَامُهُ فِيمَا يَكُونُ جِنَايَةً، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الصَّدَقَةُ فَقَطْ لِقُصُورِ جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِإِزَالَةِ شَعْرِ غَيْرِهِ انْتِفَاعًا قَلِيلًا بِخِلَافِ الْمَحْلُوقِ، وَإِنَّمَا صَارَ جِنَايَةً مِنْ الْحَالِقِ الْحَلَالِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ شَعْرَ الْمُحْرِمِ اسْتَحَقَّ الْأَمْنَ، وَقَدْ أَزَالَهُ ــ [منحة الخالق] رُبْعَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَفِي أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ صَدَقَةٌ، وَلَوْ قَصَّرْت الْمَرْأَةُ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ مِنْ رُبْعِ شَعْرِهَا فَعَلَيْهَا دَمٌ قَالَ شَارِحُهُ أَيْ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْكَرْمَانِيِّ، وَهُوَ الصَّوَابُ قِيَاسًا عَلَى التَّحَلُّلِ وَوَقَعَ فِي الْكِفَايَةِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ أَنَّ التَّقْصِيرَ لَا يُوجِبُ الدَّمَ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا يَجِيءُ إلَخْ) أَيْ إنْ كَانَ قَدْرُ رُبْعِهَا كَامِلَةً فَفِيهِ دَمٌ، وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ كَمَا فِي اللُّبَابِ (قَوْلُهُ: الثَّانِي أَنْ يَتَّحِدَ الْمَجْلِسُ) هَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ فَلَوْ أَسْقَطَ أَوَّلًا مِنْ كَلَامِهِ: قَوْلُهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَاسْتَقَامَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ) أَنْ وَصْلِيَّةٌ، وَلَوْ حَذَفَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لَكَانَ أَقْرَبَ لِلْفَهْمِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ، وَإِنْ اتَّحَدَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ إنْ تَعَدَّدَ الْمَحَلُّ، وَهُوَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ وَحُكْمُ مَا إذَا اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ مَفْهُومٌ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ: كَمَا إذَا حَلَقَ الرَّأْسَ فِي مَجَالِسَ) قَالَ فِي اللُّبَابِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَا نَقَلَ الْمُؤَلِّفُ الِاتِّفَاقَ فِيمَا سَيَأْتِي عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَصِّ الْأَظْفَارِ قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ: لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ مُتَّفِقَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَمَنْسَكِ الْفَارِسِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْكَافِي وَشَرْحِ الْكَنْزِ، وَفِي الْبَحْرِ الزَّاخِرِ فَدَمٌ وَاحِدٌ بِالْإِجْمَاعِ وَيُخَالِفُهُ بِظَاهِرِهِ مَا ذَكَرَهُ الْخَبَّازِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ إذَا حَلَقَ رُبْعَ الرَّأْسِ ثُمَّ حَلَقَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ فِي أَزْمَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ تَجِبُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ؛ لِأَنَّ حَلْقَ كُلِّ رُبْعٍ جِنَايَةٌ مُوجِبَةٌ لِلدَّمِ فَإِذَا اخْتَلَفَ أَزْمَانُ وُجُودِهَا نَزَلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِ الْمَكَانِ فِي تِلَاوَةِ آيَةِ السَّجْدَةِ فَلَا يَتَدَاخَلُ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْأَزْمَانِ الْأَيَّامُ لَا الْمَجَالِسُ الْمُتَعَدِّدَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَخَالَفَ مُحَمَّدٌ فِيمَا إذَا تَعَدَّدَ الْمَحَلُّ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا الْمَجْلِسُ بَدَلُ الْمَحَلِّ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ خِلَافَهُ فِيمَا إذَا تَعَدَّدَ الْمَحَلُّ وَالْمَجْلِسُ (قَوْلُهُ: فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ مُحْرِمًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ إنَّ فِي كَلَامِهِ اشْتِبَاهًا أَيْضًا وَذَلِكَ أَنَّ الْمَحْلُوقَ رَأْسُهُ لَوْ كَانَ حَلَالًا، وَكَانَ الْحَالِقُ مُحْرِمًا تَصَدَّقَ بِمَا شَاءَ، وَفِي غَيْرِهِ نِصْفُ صَاعٍ. اهـ. وَسَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ قُبَيْلَ قَوْلِهِ أَوْ قَصَّ أَظْفَارَ يَدَيْهِ (قَوْلُهُ: أَوْ حَلَالًا) أَيْ أَوْ كَانَ الْحَالِقُ حَلَالًا وَالْمَحْلُوقُ رَأْسُهُ مُحْرِمٌ فَتَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ، وَمَشَى فِي اللُّبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْحَالِقِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَنَقَلَ شَارِحُهُ مَا مَشَى عَلَيْهِ فِي اللُّبَابِ عَنْ الْبَدَائِعِ وَالْكَرْمَانِيِّ وَالْعِنَايَةِ وَالْحَاوِي وَنَقَلَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِقِيلِ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ وَابْنِ الْهُمَامِ وَالشُّمُنِّيِّ ثُمَّ قَالَ: وَوَجْهُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ إذْ الْحَلَالُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مُوجِبَاتِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَوْ يُبَاحُ فِعْلُهُ هَذَا أَوْ يُكْرَهُ الظَّاهِرُ الْآخَرُ وَذَكَرَ وَجْهَهُ وَذَكَرَ أَيْضًا وَجْهَ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ غَيْرِهِ حَيْثُ تَجِبُ الْجِنَايَةُ وَبَيْنَ مَا إذَا أَلْبَسَ الْمُحْرِمُ مُحْرِمًا لِبَاسًا مَخِيطًا حَيْثُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَرَاجِعْهُ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ إذْ لَا شَكَّ فِي تَأَذِّي الْإِنْسَانِ بِتَفَثِ غَيْرِهِ يَجِدُهُ مَنْ رَأَى إنْسَانًا ثَائِرَ الرَّأْسِ شَعِثَهَا وَسِخَ الثَّوْبِ تَفِلَ الرَّائِحَةِ، وَمَا سُنَّ غُسْلُ الْجُمُعَةِ إلَّا لِذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ شَعْرَ الْمُحْرِمِ اُسْتُحِقَّ إلَّا مِنْ إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا أَلْبَسَ الْمُحْرِمُ مُحْرِمًا مَخِيطًا أَوْ طَيَّبَهُ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ، وَكَذَا لَوْ غَطَّى رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ كَمَا فِي اللُّبَابِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ الْأَمْنُ عَنْ مُسْتَحَقِّهِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا فِي عِبَارَةِ الظَّهِيرِيَّةِ السَّابِقَةِ مِنْ قَوْلِهِ، وَكَذَا لَوْ قَتَلَ قَمْلَةً عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ إلَّا مَنْ تَأَمَّلَ، وَأَمَّا لَوْ قَلَّمَ أَظَافِيرَ

стр. 811

عَنْهُ فَكَانَ جَانِيًا، وَإِذَا كَانَ الْمَحْلُوقُ رَأْسُهُ مُكْرَهًا وَجَبَ الدَّمُ عَلَيْهِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْحَالِقِ عِنْدَنَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَلْقِ جَمِيعِ الرَّقَبَةِ وَالْإِبْطِ وَالْمَحْجَمَةِ فِي لُزُومِ الدَّمِ بِكُلٍّ مِنْهُمْ فَلَوْ بَقِيَ مِنْ الرَّقَبَةِ أَوْ الْإِبْطِ شَيْءٌ لَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَلِهَذَا قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَلَوْ حَلَقَ مِنْ أَحَدِ الْإِبْطَيْنِ أَكْثَرَهُ وَجَبَتْ الصَّدَقَةُ فَعَلَى هَذَا فَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ الْأَكْثَرَ مِنْ الرَّقَبَةِ كَالْكُلِّ فِي لُزُومِ الدَّمِ، وَأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ عُضْوٍ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْبَدَنِ لَا يَقُومُ أَكْثَرُهُ مَقَامَ كُلِّهِ، وَكُلُّ عُضْوٍ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْبَدَنِ كَالرَّقَبَةِ يَقُومُ أَكْثَرُهُ مَقَامَ كُلِّهِ. وَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ أَنَّ فِي الْإِبْطِ إذَا كَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرُّبْعُ لِوُجُوبِ الدَّمِ، وَإِلَّا فَالْأَكْثَرُ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ أَحَدٌ حَلْقَ رُبْعِ غَيْرِ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ فَلَيْسَ فِيهِ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ وَلِهَذَا قَالَ الشَّارِحُ ثُمَّ الرُّبْعُ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لَا يُعْتَبَرُ بِالْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْبَعْضِ فَلَا يَكُونُ حَلْقُ الْبَعْضِ ارْتِفَاقًا كَامِلًا حَتَّى لَوْ حَلَقَ أَكْثَرَ الْإِبْطِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا صَدَقَةٌ بِخِلَافِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ. اهـ. فَالْمَذْهَبُ مَا فِي الْكِتَابِ مِنْ اعْتِبَارِ الرُّبْعِ فِي الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَالْكُلِّ فِي غَيْرِهِمَا فِي لُزُومِ الدَّمِ، وَأَرَادَ بِالرَّقَبَةِ، وَمَا عُطِفَ مَا عَدَا الرَّأْسَ وَاللِّحْيَةَ كَالصَّدْرِ وَالسَّاقِ وَالْعَانَةِ كَالرَّقَبَةِ لَكِنْ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَفِي حَلْقِ الْعَانَةِ دَمٌ إنْ كَانَ الشَّعْرُ كَثِيرًا. اهـ. فَشَرَطَ كَثْرَةَ الشَّعْرِ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ فِيمَا عَدَا الرَّأْسَ وَاللِّحْيَةَ إنْ حَلَقَ عُضْوًا كَامِلًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ، وَفِي الْمَبْسُوطِ، وَمَتَى حَلَقَ عُضْوًا مَقْصُودًا بِالْحَلْقِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ حَلَقَ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فَصَدَقَةٌ ثُمَّ قَالَ: وَمِمَّا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ حَلْقُ الصَّدْرِ وَالسَّاقِ وَرَجَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَدَفَعَ مَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّهُ مَقْصُودٌ بِطَرِيقِ التَّنُّورِ بِأَنَّ الْقَصْدَ إلَى حَلْقِهِمَا إنَّمَا هُوَ فِي ضِمْنِ غَيْرِهِمَا إذْ لَيْسَتْ الْعَادَةُ تَنْوِيرَ السَّاقِ وَحْدَهُ بَلْ تَنْوِيرُ الْمَجْمُوعِ مِنْ الصُّلْبِ إلَى الْقَدَمِ فَكَانَ بَعْضَ الْمَقْصُودِ بِالْحَلْقِ فَالْحَقُّ أَنْ يَجِبَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الصَّدَقَةُ. اهـ. فَعَلَى هَذَا فَالتَّقْيِيدُ بِالرَّقَبَةِ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الصَّدْرِ وَالسَّاقِ بِمَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وَأَطْلَقَ فِي الْمَحْجَمَةِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الْحَلْقُ لِهَذَا الْمَوْضِعِ وَسِيلَةً إلَى الْحِجَامَةِ فَلَوْ حَلَقَهَا، وَلَمْ يَحْتَجِمْ لَزِمَهُ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجْمَعُ الْمُتَفَرِّقَ فِي الْحَلْقِ كَمَا فِي الطِّيبِ، وَفِي الْهِدَايَةِ ذَكَرَ فِي الْإِبْطَيْنِ الْحَلْقَ هُنَا، وَفِي الْأَصْلِ النَّتْفُ، وَهُوَ السُّنَّةُ، وَفِي النِّهَايَةِ، وَأَمَّا الْعَانَةُ فَالسُّنَّةُ فِيهَا الْحَلْقُ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «عَشْرٌ مِنْ السُّنَّةِ مِنْهَا الِاسْتِحْدَادُ» وَتَفْسِيرُهُ: حَلْقُ الْعَانَةِ بِالْحَدِيدِ. (قَوْلُهُ: وَفِي أَخْذِ شَارِبِهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ) مُخَالِفٌ لِمَا أَفَادَهُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: وَإِلَّا تَصَدَّقَ فَإِنَّ الشَّارِبَ بَعْضُ اللِّحْيَةِ، وَهُوَ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ فَفِيهِ الصَّدَقَةُ، وَمَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي تَطْيِيبِ بَعْضِ الْعُضْوِ حَيْثُ قَالَ: يَجِبُ بِقَدْرِهِ مِنْ الدَّمِ، وَأَمَّا الْمَذْهَبُ فَوُجُوبُ الصَّدَقَةِ فَالْحَاصِلُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ أَنَّ فِي حَلْقِ الشَّارِبِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ الْمَذْهَبُ وُجُوبُ الصَّدَقَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ الَّذِي هُوَ جَمَعَ كَلَامَ مُحَمَّدٍ وَصَحَّحَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْمَبْسُوطِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلِّحْيَةِ، وَهُوَ قَلِيلٌ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ صَغِيرٌ، وَسَوَاءٌ حَلَقَهُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ وَالْقَوْلُ الثَّانِي مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ تَبَعًا لِمَا فِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى الشَّارِبِ كَمْ يَكُونُ مِنْ رُبْعِ اللِّحْيَةِ فَيَلْزَمُهُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِقَدْرِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ مِثْلَ رُبْعِ رُبْعِهَا لَزِمَهُ رُبْعُ قِيمَةِ الشَّاةِ أَوْ ثُمُنِهَا فَثُمُنُهَا، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْوَاجِبُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى نِسْبَةِ الْمَأْخُوذِ مِنْ رُبْعِ اللِّحْيَةِ مُعْتَبِرًا مَعَهَا الشَّارِبَ كَمَا يُفِيدُهُ مَا فِي ــ [منحة الخالق] غَيْرِهِ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْحَلْقِ قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، وَفِي الْمُحِيطِ وَقَاضِي خَانْ وَجَوَامِعِ الْفِقْهِ إذَا قَصَّ الْمُحْرِمُ أَظَافِيرَ غَيْرِهِ فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ الْحَلْقِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَفِي الْبَدَائِعِ، وَإِنْ قَلَّمَ الْمُحْرِمُ أَظَافِيرَ حَلَالٍ أَوْ مُحْرِمٍ أَوْ قَلَّمَ الْحَلَالُ أَظَافِيرَ مُحْرِمٍ فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ الْحَلْقِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَالْحَقُّ أَنْ يَجِبَ) كَذَا فِي نُسْخَةٍ، وَفِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَالْحَلْقُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ وَالصَّوَابُ الْأُولَى (قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ فِي الْمَحْجَمَةِ إلَى قَوْلِهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَمْ أَجِدْهُ فِي نُسْخَتِي مِنْهُ. اهـ. وَكَأَنَّهُ نَظَرَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ أَوْ سَقَطَ مِنْ نُسْخَتِهِ وَنَصُّهُ قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْمَقْصُودِ إلَّا بِهِ يُفِيدُ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَتَرَتَّبْ الْحِجَامَةُ عَلَى مَوْضِعِ الْمَحَاجِمِ لَا يَجِبُ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ أَفَادَ أَنَّ كَوْنَهُ مَقْصُودًا إنَّمَا هُوَ لِلتَّوَصُّلِ بِهِ إلَى الْحِجَامَةِ فَإِذَا لَمْ تُعْقِبْهُ الْحِجَامَةُ لَمْ يَقَعْ وَسِيلَةً فَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا فَلَا تَجِبُ إلَّا الصَّدَقَةُ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْكَنْزِ وَاضِحَةٌ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي دَلِيلِهِمَا وَلِأَنَّهُ قَلِيلٌ فَلَا يُوجِبُ الدَّمَ كَمَا إذَا حَلَقَهُ بِغَيْرِ الْحِجَامَةِ، وَفِي دَلِيلِهِ أَنَّ حَلْقَهُ لِمَنْ يَحْتَجِمُ مَقْصُودٌ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ بِخِلَافِ الْحَلْقِ لِغَيْرِهَا. اهـ بِحُرُوفِهِ. (قَوْلُهُ: وَفِي النِّهَايَةِ وَأَمَّا الْعَانَةُ إلَخْ) اُخْتُلِفَ فِي الْعَانَةِ الَّتِي يُسَنُّ حَلْقُهَا فَالْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ مَا حَوْلَ ذَكَرِ الرَّجُلِ، وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ مِنْ الشَّعْرِ، وَقِيلَ يُسَنُّ حَلْقُ جَمِيعِ مَا عَلَى الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ وَحَوْلَهُمَا وَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ الْحَلْقِ وَالْقَصِّ وَالنَّتْفِ وَاسْتِعْمَالِ النُّورَةِ إذْ الْمَقْصُودُ حُصُولُ النَّظَافَةِ إلَّا أَنَّ الْأَحْسَنَ فِي هَذِهِ السُّنَّةِ الْحَلْقُ بِالْمُوسَى؛ لِأَنَّهُ أَنْظَفُ كَذَا فِي حَاشِيَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي.

стр. 812

الْمَبْسُوطِ مِنْ كَوْنِ الشَّارِبِ طَرَفًا مِنْ اللِّحْيَةِ هُوَ مَعَهَا عُضْوٌ وَاحِدٌ لَا أَنَّهُ يُنْسَبُ إلَى رُبْعِ اللِّحْيَةِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ الشَّارِبَ مَعَهَا فَعَلَى هَذَا إنَّمَا يَجِبُ رُبْعُ قِيمَةِ الشَّاةِ إذَا بَلَغَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الشَّارِبِ رُبْعَ الْمَجْمُوعِ مِنْ اللِّحْيَةِ مَعَ الشَّارِبِ لَا دُونَهُ. اهـ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ لُزُومُ الدَّمِ بِحَلْقِهِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِالْحَلْقِ يَفْعَلُهُ الصُّوفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ، وَقَدْ ظَنَّ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ تَعْبِيرِ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هُنَا بِالْأَخْذِ أَنَّ السُّنَّةَ قَصُّ الشَّارِبِ لَا حَلْقُهُ رَدًّا عَلَى الطَّحَاوِيِّ الْقَائِلِ بِسُنِّيَّةِ الْحَلْقِ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَقْصِدْ هُنَا بَيَانَ السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بَيَانَ حُكْمِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ بِإِزَالَةِ الشَّعْرِ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ؛ وَلِهَذَا ذَكَرَ الْحَلْقَ فِي الْإِبْطِ وَاخْتَارَ فِي الْهِدَايَةِ سُنِّيَّةَ النَّتْفِ لَا الْحَلْقِ؛ وَلِأَنَّ الْأَخْذَ أَعَمُّ مِنْ الْحَلْقِ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ أَخْذٌ، وَلَيْسَ الْقَصُّ مُتَبَادِرًا مِنْ الْأَخْذِ وَالْوَارِدُ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى» ، وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْقَطْعِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ حَصَلَ حَصَلَ الْمَقْصُودُ غَيْرَ أَنَّهُ بِالْحَلْقِ بِالْمُوسَى أَيْسَرُ مِنْهُ بِالْقَصَّةِ فَلِذَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ: الْحَلْقُ أَحْسَنُ مِنْ الْقَصِّ، وَقَدْ يَكُونُ مِثْلَهُ بِسَبَبِ بَعْضِ الْآلَاتِ الْخَاصَّةِ بِقَصِّ الشَّارِبِ، وَأَمَّا ذِكْرُ الْقَصِّ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ فَالْمُرَادُ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِئْصَالِ وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ انْدَفَعَ مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ السُّنَّةَ فِيهِ الْقَصُّ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ تَرْكُهَا حَتَّى تَكَثَّ وَتَكْثُرَ، وَالسُّنَّةُ قَدْرُ الْقَبْضَةِ فَمَا زَادَ قَطَعَهُ. (قَوْلُهُ: وَفِي شَارِبِ حَلَالٍ أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ طَعَامٌ) أَيْ يَجِبُ طَعَامٌ عَلَى مُحْرِمٍ أَخَذَ شَارِبَ حَلَالٍ أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ؛ لِأَنَّ إزَالَتَهُ عَنْ غَيْرِهِ ارْتِفَاقٌ لَكِنَّهُ قَاصِرٌ فَوَجَبَتْ الصَّدَقَةُ أَوْ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ إلَّا مِنْ عَنْ الشَّعْرِ الْمُسْتَحَقِّ لَهُ ثُمَّ الْمُصَنِّفُ تَبِعَ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ فِي جَمْعِهِ بَيْنَ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ فِي وُجُوبِ الطَّعَامِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّدَقَةَ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالطَّعَامِ مَا يَعُمُّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا قَصَّ أَظَافِيرَ حَلَالٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ نِصْفُ صَاعٍ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الصَّدَقَةَ الَّتِي هِيَ نِصْفُ صَاعٍ الَّتِي هِيَ الْمُرَادَةُ عِنْدَ إطْلَاقِهِمْ الصَّدَقَةَ فِي هَذَا الْبَابِ فَلَا يَصِحُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا حَلَقَ شَارِبَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ فَإِذَا حَلَقَ شَارِبَ غَيْرِهِ أَطْعَمَ مَا شَاءَ كِسْرَةً خُبْزًا، وَكَفًّا مِنْ طَعَامٍ لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ، وَقَدْ وَقَعَ التَّعْبِيرُ بِإِطْعَامِ شَيْءٍ جَوَابًا لِلْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَكِنَّهُ أَتَى بِمِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ فِي تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ فَقَالَ فِي الْمُحْرِمِ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِ الْحَلَالِ أَوْ يَقُصُّ مِنْ أَظْفَارِهِ: يُطْعِمُ مَا شَاءَ فَسَلِمَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِمَا شَاءَ الْعُمُومَ. اهـ. وَأَشَارَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَى جَوَابِهِ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْأَصْلِ وَكَافِي الْحَاكِمِ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا حَلَقَ رَأْسَ حَلَالٍ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ، وَإِذَا حَلَقَ رَأْسَ مُحْرِمٍ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ، وَأَنَّ الْجَوَابَ فِي قَصِّ الْأَظْفَارِ كَالْجَوَابِ فِي الْحَلْقِ. اهـ. فَقَوْلُهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا قَصَّ أَظَافِيرَ حَلَالٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ الْمُعَيَّنَةُ نَصًّا مُعَارَضٌ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ التَّصَدُّقِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: رَدًّا عَلَى الطَّحَاوِيِّ إلَخْ) حَيْثُ قَالَ: الْقَصُّ حَسَنٌ وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يَقُصَّ حَتَّى يَنْتَقِصَ عَنْ الْإِطَارِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مُلْتَقَى الْجِلْدَةِ وَاللَّحْمِ مِنْ الشَّفَةِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَيْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عَلَى أَنْ يُحَاذِيَهُ ثُمَّ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَالْحَلْقُ أَحْسَنُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا أَنَّ السُّنَّةَ الْقَصُّ. اهـ. كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ أَخْذٌ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَاَلَّذِي لَيْسَ أَخْذًا هُوَ النَّتْفُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْقَطْعِ) قَالَ نُوحٌ أَفَنْدِي وَالْمُرَادُ بِالْإِحْفَاءِ هُنَا قَطْعُ مَا طَالَ عَلَى الشَّفَتَيْنِ حَتَّى تَبْدُوَ الشَّفَةُ الْعُلْيَا لَا الْقَصُّ مِنْ أَصْلِهِ فَالْمَعْنَى بَالَغُوا فِي قَصِّ مَا طَالَ مِنْ الشَّوَارِبِ حَتَّى يَبِينَ طَرَفُ الشَّفَةِ الْعُلْيَا بَيَانًا ظَاهِرًا وَيُسْتَحَبُّ الِابْتِدَاءُ بِقَصِّ الْجِهَةِ الْيُمْنَى مِنْ الشَّارِبِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَقُصُّ طَرَفَاهُ أَيْضًا، وَهُمَا الْمُسَمَّيَانِ بِالسِّبَالَيْنِ أَمْ يَتْرُكُهُمَا كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ قِيلَ لَا بَأْسَ بِتَرْكِ سِبَالَيْهِ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ كُرِهَ بَقَاءُ السِّبَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ بَلْ بِالْمَجُوسِ، وَأَهْلِ الْكِتَابِ، وَهَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَجُوسَ فَقَالَ: إنَّهُمْ يُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ وَيَحْلِقُونَ لِحَاهُمْ فَخَالِفُوهُمْ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَجُزُّ كَمَا تُجَزُّ الشَّاةُ أَوْ الْبَعِيرُ» قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَأَمَّا الشَّارِبُ فَهُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الشَّفَةِ الْعُلْيَا وَاخْتُلِفَ فِي جَانِبَيْهِ، وَهُمَا السِّبَالَانِ فَقِيلَ هُمَا مِنْ الشَّارِبِ فَيُشْرَعُ قَصُّهُمَا مَعَهُ، وَقِيلَ هُمَا مِنْ جُمْلَةِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ. اهـ. فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ بِشَيْءٍ يَذْهَبُ إلَى الثَّانِي، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ تَرْكُهَا إلَخْ) قَالَ: فِي غَايَةِ الْبَيَانِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي إعْفَاءِ اللِّحَى مَا هُوَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ تَرْكُهَا حَتَّى تَطُولَ فَذَاكَ إعْفَاؤُهَا مِنْ غَيْرِ قَصٍّ، وَلَا قَصْرٍ، وَقَالَ: أَصْحَابُنَا الْإِعْفَاءُ تَرْكُهَا حَتَّى تَكَثَّ وَتَكْثُرَ وَالْقَصُّ سُنَّةٌ فِيهَا، وَهُوَ أَنْ يَقْبِضَ الرَّجُلُ لِحْيَتَهُ فَمَا زَادَ مِنْهَا عَلَى قَبْضَةٍ قَطَعَهَا كَذَلِكَ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْآثَارِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: وَبِهِ نَأْخُذُ وَذَكَرَ هُنَالِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ قَدْرُ الْقَبْضَةِ إلَخْ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ قُبَيْلَ فَصْلِ الْعَوَارِضِ.

стр. 813

بِشَيْءٍ، وَهُوَ يَعُمُّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ بِمَا إذَا حَلَقَ رَأْسَ مُحْرِمٍ فَحِينَئِذٍ الْمُرَادُ بِالطَّعَامِ فِي عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ مَا يَعُمُّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، وَهُوَ صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّارِبِ وَالْأَظْفَارِ كُلِّهَا وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْحَلَالِ لِيُخْرِجَ مَا إذَا قَصَّ الْمُحْرِمُ أَظَافِيرَ مُحْرِمٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ الْمُعَيَّنَةُ، وَظَاهِرُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا حَلَقَ شَارِبَ غَيْرِهِ مُحْرِمًا كَانَ أَوْ حَلَالًا فَإِنَّهُ يُطْعِمُ مَا شَاءَ فَلَيْسَ الْحَلَالُ قَيْدًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّارِبِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا مَضَى كَالْحَالِقِ فِيهِ اشْتِبَاهٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُحْرِمًا فَالتَّشْبِيهُ تَامٌّ، وَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَلَا يَتِمُّ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إطْعَامُ شَيْءٍ لَا الصَّدَقَةُ الْمُعَيَّنَةُ. (قَوْلُهُ: أَوْ قَصَّ أَظْفَارَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِمَجْلِسٍ أَوْ يَدًا أَوْ رِجْلًا، وَإِلَّا تَصَدَّقَ كَخَمْسَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى طِيبِ أَوَّلِ الْبَابِ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ بِالْقَصِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ لِمَا فِيهِ مِنْ قَضَاءِ التَّفَثِ، وَإِزَالَةِ مَا يَنْمُو مِنْ الْبَدَنِ فَإِذَا قَلَّمَهَا كُلَّهَا فَهُوَ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ، وَكَذَا إذَا قَصَّ يَدًا أَوْ رِجْلًا إقَامَةً لِلرُّبْعِ مَقَامَ الْكُلِّ كَمَا فِي الْحَلْقِ، وَإِنْ لَمْ يَقُصَّ يَدًا كَامِلَةً، وَلَا رِجْلًا كَامِلَةً فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ لِتَقَاصُرِ الْجِنَايَةِ قُيِّدَ بِالْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَصَّ الْكُلَّ فِي مَجَالِسَ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ عُضْوٌ لَزِمَهُ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَيَتَقَيَّدُ التَّدَاخُلُ بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ كَمَا فِي آيَةِ السَّجْدَةِ سَوَاءٌ كَفَّرَ لِلْأُولَى أَوْ لَا، وَفِي الْأَوَّلِ خِلَافُ مُحَمَّدٍ، وَقَيَّدَ التَّدَاخُلَ بِكَوْنِهِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَلَّمَ أَظَافِيرَ يَدِهِ وَحَلَقَ رُبْعَ رَأْسِهِ وَطَيَّبَ عُضْوًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ لِكُلِّ جِنَايَةٍ دَمٌ سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ أَوْ اخْتَلَفَ اتِّفَاقًا، وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْمَحَلِّ مُخْتَلِفًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَّحِدًا إذَا حَلَقَ الرَّأْسَ فِي أَرْبَعِ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ لَا تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ اتِّفَاقًا اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ أَوْ اخْتَلَفَ، وَقَيَّدَ بِكَوْنِهَا كَفَّارَةً فِي الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ كَفَّارَةَ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ كَمَا إذَا أَفْسَدَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ تَتَعَدَّدُ إنْ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِلزَّجْرِ فَالْغَالِبُ فِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ، وَهَذِهِ شُرِعَتْ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ، وَفِي قَوْلِهِ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ اشْتِبَاهٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي أَنْ يَلْزَمَهُ صَدَقَةٌ وَاحِدَةٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَقُصَّ يَدًا كَامِلَةً أَوْ رِجْلًا كَامِلَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَلْزَمُهُ لِكُلِّ ظُفُرٍ قَصَّهُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ حَتَّى لَوْ قَصَّ سِتَّةَ عَشَرَ ظُفُرًا مِنْ كُلِّ عُضْوٍ أَرْبَعَةٌ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ ظُفُرٍ طَعَامُ مِسْكِينٍ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ دَمًا فَحِينَئِذٍ يَنْقُصُ مَا شَاءَ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِالْخَمْسَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ مَعَ أَنَّهَا فُهِمَتْ مِمَّا ذَكَرَهُ لِدَفْعِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ الْمَنْقُولِ فِي الْمَجْمَعِ أَنَّ الْخَمْسَةَ الْمُتَفَرِّقَةَ كَطَرَفٍ كَامِلٍ فَيَجِبُ دَمٌ فَأَفَادَ أَنَّ فِي كُلِّ ظُفُرٍ مِنْ الْخَمْسَةِ صَدَقَةً كَمَا قَرَّرْنَاهُ. (قَوْلُهُ وَلَا شَيْءَ بِأَخْذِ ظُفُرٍ مُنْكَسِرٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْمُو بَعْدَ الِانْكِسَارِ فَأَشْبَهَ الْيَابِسَ مِنْ أَشْجَارِ الْحَرَمِ قَيَّدَ بِالِانْكِسَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَصَابَهُ أَذًى فِي كَفِّهِ فَقَصَّ أَظَافِيرَهُ فَعَلَيْهِ أَيُّ الْكَفَّارَاتِ شَاءَ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَأَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ قَدْ انْكَسَرَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَأَخَذَهُ أَوْ كَانَ مُنْكَسِرًا قَبْلَهُ فَأَخَذَهُ بَعْدَهُ، وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا فِي الْهِدَايَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَوْلَى مِمَّا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَوْ انْكَسَرَ ظُفُرُ الْمُحْرِمِ وَصَارَ بِحَالٍ لَا يَثْبُتُ فَأَخَذَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ تَشْمَلُ الْكُلَّ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ الْمُحْرِمُ مِمَّا فِيهِ الدَّمُ عَيْنًا أَوْ الصَّدَقَةُ عَيْنًا فَعَلَيْهِ ذَلِكَ إذَا عَتَقَ لَا فِي الْحَالِ، وَلَا يُبَدَّلُ بِالصَّوْمِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ حَلَقَ بِعُذْرٍ ذَبَحَ شَاةً أَوْ تَصَدَّقَ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ عَلَى سِتَّةٍ أَوْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وَكَلِمَةُ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ، وَقَدْ فَسَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا ذَكَرْنَا وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْمَعْذُورِ، وَهُوَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ الَّذِي أَذَاهُ هَوَامُّ رَأْسِهِ فَأُبِيحَ لَهُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَفِي الْأَوَّلِ خِلَافُ مُحَمَّدٍ) أَيْ فَإِنَّهُ يُقَيِّدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَفِي قَوْلِهِ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ اشْتِبَاهٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَإِنَّمَا قَالَ: كَخَمْسَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ مَعَ دُخُولِهَا فِي قَوْلِهِ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ إيمَاءً إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالصَّدَقَةِ نِصْفَ صَاعٍ فَقَطْ بَلْ كَمَا يَتَصَدَّقُ فِي قَصِّ خَمْسَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَقَدْ اسْتَقَرَّ أَنَّهَا عَنْ كُلِّ ظُفُرٍ نِصْفُ صَاعٍ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْبَحْرِ. اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: بَلْ يَلْزَمُهُ لِكُلِّ ظُفُرٍ قَصَّهُ إلَخْ) ذَكَرَ فِي اللُّبَابِ فِي بَحْثِ الْجِنَايَةِ عَلَى الصَّيْدِ أَنَّ كُلَّ صَدَقَةٍ تَجِبُ فِي الطَّوَافِ فَهِيَ لِكُلِّ شَوْطٍ نِصْفُ صَاعٍ أَوْ فِي الرَّمْيِ فَلِكُلِّ حَصَاةٍ صَدَقَةٌ أَوْ فِي قَلْمِ الْأَظْفَارِ فَلِكُلِّ ظُفُرٍ أَوْ فِي الصَّيْدِ وَنَبَاتِ الْحَرَمِ فَعَلَى قَدْرِ الْقِيمَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَحِينَئِذٍ يَنْقُصُ مَا شَاءَ) ، وَقِيلَ يَتَصَدَّقُ بِنِصْفِ صَاعٍ لُبَابٌ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا فِي الْهِدَايَةِ) أَيْ حَيْثُ قَيَّدَهُ بِالْمُحْرِمِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ قَالَ فِي النَّهْرِ لَكِنْ لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمُحْرِمِ يُفْهِمُ أَنْ لَا شَيْءَ بِأَخْذِ ظُفُرِ الْحَلَالِ بِالْأَوْلَى فَالْعِبَارَتَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ (قَوْلُهُ: مِمَّا فِيهِ الدَّمُ عَيْنًا أَوْ الصَّدَقَةُ عَيْنًا) قَيَّدَ بِذَلِكَ احْتِرَازًا عَمَّا فِيهِ الصَّوْمُ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ لِلْحَالِ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ أَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِجِمَاعٍ.

стр. 814

الْحَلْقُ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَهِيَ وَإِنْ نَزَلَتْ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ لَكِنْ قِيسَ الطِّيبُ وَاللُّبْسُ وَالْقَصُّ عَلَيْهِ لِوُجُودِ الْجَامِعِ، وَهُوَ الْمَرَضُ أَوْ الْأَذَى كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَظَاهِرُ النِّهَايَةِ أَنَّهُ إلْحَاقٌ لَهُ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَوْلَى لِمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَغَيْرُهُ عَلَيْهِ لَا يُقَاسُ فَهُوَ كَإِلْحَاقِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالْجِمَاعِ فِي كَفَّارَةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، وَفَسَّرَ الْعُذْرَ الْمُبِيحَ كَمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ بِخَوْفِ الْهَلَاكِ مِنْ الْبَرْدِ وَالْمَرَضِ أَوْ لُبْسِ السِّلَاحِ لِلْقِتَالِ، وَهَكَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَفَتْحِ الْقَدِيرِ. وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْخَوْفِ الظَّنُّ لَا مُجَرَّدُ الْوَهْمِ فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ هَلَاكُهُ أَوْ مَرَضُهُ مِنْ الْبَرْدِ جَازَ لَهُ تَغْطِيَةُ رَأْسِهِ مَثَلًا أَوْ سِتْرُ بَدَنِهِ بِالْمَخِيطِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَعَدَّى مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ فَيُغَطِّيَ رَأْسَهُ بِالْقَلَنْسُوَةِ فَقَطْ إنْ انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ بِهَا وَحِينَئِذٍ فَلَفُّ الْعِمَامَةِ عَلَيْهَا حَرَامٌ مُوجِبٌ لِلدَّمِ أَوْ الصَّدَقَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَكَذَا إذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ بِلُبْسِ جُبَّةٍ فَلَبِسَ جُبَّتَيْنِ فَإِنَّهُ يَكُونُ آثِمًا إلَّا أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ اللُّبْسُ عَلَى مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ إنَّمَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ مُخَيَّرَةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ فَلْيُحْفَظْ هَذَا فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُحْرِمِينَ يَغْفُلُ عَنْهُ كَمَا شَاهَدْنَاهُ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ لِعُذْرٍ وَيَأْثَمُ إذَا كَانَ لِغَيْرِهِ وَصَرَّحُوا بِالْحُرْمَةِ، وَلَمْ أَرَ لَهُمْ صَرِيحًا هَلْ ذَبْحُ الدَّمِ أَوْ التَّصَدُّقُ مُكَفِّرٌ لِهَذَا الْإِثْمِ مُزِيلٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ أَوْ لَا بُدَّ مِنْهَا مَعَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْحُدُودِ هَلْ هِيَ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا أَوْ لَا هَلْ يَخْرُجُ الْحَجُّ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَبْرُورًا بِارْتِكَابِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ كَفَّرَ عَنْهَا أَوْ لَا الظَّاهِرُ بَحْثًا لَا نَقْلًا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَحِينَئِذٍ فَلَفُّ الْعِمَامَةِ عَلَيْهَا حَرَامٌ مُوجِبٌ لِلدَّمِ أَوْ الصَّدَقَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ) لَمْ يُقَدِّمْ ذَلِكَ بَلْ قَدَّمْنَا عَنْ الْفَتْحِ وَالْمِعْرَاجِ وَالْغَايَةِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة فَقَالَ: وَلْيُتَنَبَّهْ لِمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْبَحْرِ نَاقَضَ هَذَا بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ، وَكَذَا إذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَخْ. اهـ. قُلْت: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مَا إذَا كَانَتْ الْعِمَامَةُ نَازِلَةً بِحَيْثُ تُغَطِّي رُبْعًا مِمَّا تَحْرُمُ تَغْطِيَتُهُ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ دَمٌ إنْ كَانَ يَوْمًا، وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْته فِي شَرْحِ اللُّبَابِ أَجَابَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْمُحِيطِ إذَا اُضْطُرَّ إلَى تَغْطِيَةِ رَأْسِهِ فَلَبِسَ قَلَنْسُوَةً، وَلَفَّ عِمَامَةً يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ وَضَعَ قَمِيصًا عَلَى رَأْسِهِ، وَقَلَنْسُوَةً يَلْزَمُهُ لِلضَّرُورَةِ فِدْيَةٌ يَتَخَيَّرُ فِيهَا بِلُبْسِ الْقَلَنْسُوَةِ وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِلْقَمِيصِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلرَّأْسِ إلَى الْقَمِيصِ بِخِلَافِ الْقَلَنْسُوَةِ وَالْعِمَامَةِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْفَارِسِيُّ وَالطَّرَابُلُسِيّ، وَهُوَ غَرِيبٌ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ التَّغْطِيَةُ، وَقَدْ حَصَلَتْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ بِتَعَدُّدِ الْمَلْبُوسِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ سَوَاءٌ كَانَ لِعُذْرٍ أَمْ لَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الضَّرُورَةَ مُلْجِئَةٌ إلَى قَدْرِ قَلَنْسُوَةٍ غَيْرِ مُسْتَوْعِبَةٍ لِلرَّأْسِ بِأَنْ يَكُونَ رُبْعُهُ لَيْسَ فِيهِ عُذْرٌ فَوَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ قَمِيصًا بِحَيْثُ غَطَّى رَأْسَهُ جَمِيعَهُ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ فِيهِ جَزَاءَانِ بِلَا شُبْهَةٍ جَزَاءٌ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَجَزَاءٌ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَ لَهُمْ صَرِيحًا إلَخْ) نَقَلَ الْبَحْثَ فِي النَّهْرِ والشُّرُنبُلالِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَقَرُّوهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا إلَخْ) قَالَ نُوحٌ أَفَنْدِي قُلْت قَالَ فِي الْمُلْتَقَطِ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ إنَّ الْكَفَّارَاتِ تَرْفَعُ الْإِثْمَ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ عَنْهُ التَّوْبَةُ مِنْ تِلْكَ الْجِنَايَةِ. اهـ. وَفِي الْبَدَائِعِ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْجِنَايَاتِ الَّتِي فِيهَا الْكَفَّارَةُ مِنْ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ كَمَا فِي الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ فِيهَا كَفَّارَةٌ مَعْهُودَةٌ وَرَجَّحُوا مَا فِي الْبَدَائِعِ وَحَمَلُوا مَا فِي الْمُلْتَقَطِ عَلَى غَيْرِ الْمُصِرِّ، وَقَالُوا عَلَى الْمُصِرِّ الْكَفَّارَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابُ فِي الْأُخْرَى إنْ لَمْ يَتُبْ قَالَ: الْإِمَامُ النَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْمُسَمَّى بِالتَّيْسِيرِ لِلْمُصِرِّ الْعَذَابُ فِي الْآخِرَةِ مَعَ الْكَفَّارَةِ فِي الدُّنْيَا إذَا لَمْ يَتُبْ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَرْفَعُ الذَّنْبَ عَنْ الْمُصِرِّ. اهـ. فَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ الْحَجُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَبْرُورًا بِارْتِكَابِ الْجِنَايَةِ عَمْدًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَإِنْ كَفَّرَ عَنْهَا صَاحِبُهَا. اهـ. قُلْت: وَهُوَ مُقْتَضَى حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ الْمَارِّ فِي بَحْثِ الْوُقُوفِ «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ، وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» ، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ أَنَّ الْفُسُوقَ الْمَعَاصِي ثُمَّ رَأَيْته فِي اللُّبَابِ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّوْبَةِ مَعَ الْكَفَّارَةِ، وَقَالَ: شَارِحُهُ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَمَاعَةَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ إذَا ارْتَكَبَ مَحْظُورَ الْإِحْرَامِ عَامِدًا يَأْثَمُ، وَلَا تُخْرِجُهُ الْفِدْيَةُ وَالْعَزْمُ عَلَيْهَا عَنْ كَوْنِهِ عَاصِيًا قَالَ النَّوَوِيُّ: وَرُبَّمَا ارْتَكَبَ بَعْضُ الْعَامَّةِ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَقَالَ: أَنَا أَفْدِي مُتَوَهِّمًا أَنَّهُ بِالْتِزَامِ الْفِدْيَةِ يَتَخَلَّصُ مِنْ وَبَالِ الْمَعْصِيَةِ وَذَلِكَ خَطَأٌ صَرِيحٌ وَجَهْلٌ قَبِيحٌ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ فَإِذَا خَالَفَ أَثِمَ، وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ، وَلَيْسَتْ الْفِدْيَةُ مُبِيحَةً لِلْإِقْدَامِ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ وَجَهَالَةُ هَذَا الْفَاعِلِ كَجَهَالَةِ مَنْ يَقُولُ أَنَا أَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَأَزْنِي وَالْحَدُّ يُطَهِّرُنِي، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا يُحْكَمُ بِتَحْرِيمِهِ فَقَدْ أَخْرَجَ حَجَّهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَبْرُورًا. اهـ. وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِمِثْلِ هَذَا فِي الْحُدُودِ فَقَالُوا إنَّ الْحَدَّ لَا يَكُونُ طُهْرَةً مِنْ الذُّنُوبِ، وَلَا يَعْمَلُ فِي سُقُوطِ الْإِثْمِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّوْبَةِ لَكِنْ قَالَ: فِي الْمُلْتَقَطِ إلَخْ ثُمَّ ذَكَرَ شَارِحُ اللُّبَابِ كَلَامَ النَّسَفِيِّ الْمَارِّ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا

стр. 815

وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ. وَقَيَّدَ بِالْعُذْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْهَا لِغَيْرِهِ لَزِمَهُ دَمٌ أَوْ صَدَقَةٌ مُعَيَّنَةٌ، وَلَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الدَّمِ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ ذَبْحَ الشَّاةِ بِالْحَرَمِ مَعَ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِهِ اتِّفَاقًا لِمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي بَابِ الْهَدْيِ أَنَّ الْكُلَّ مُخْتَصٌّ بِالْحَرَمِ فَإِنْ ذَبَحَ فِي غَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الذَّبْحِ إلَّا إذَا تَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْرُ قِيمَةِ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَدَلًا عَنْ الْإِطْعَامِ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَلَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ اتِّفَاقًا. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ ذَبَحَ إلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالذَّبْحِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَذْبُوحُ بَعْدَهُ أَوْ سُرِقَ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا سُرِقَ، وَهُوَ حَيٌّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ غَيْرُهُ. وَمُقْتَضَاهُ جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْهُ كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْأُضْحِيَّةِ لَكِنَّ الْوَاقِعَ لُزُومُ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ لَحْمِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ؛ لِأَنَّهُ كَفَّارَةٌ فَالْحَاصِلُ أَنَّ لَهُ جِهَتَيْنِ جِهَةَ الْإِرَاقَةِ وَجِهَةَ التَّصَدُّقِ فَلِلْأُولَى لَا يَجِبُ غَيْرُهُ إذَا سَرَقَ مَذْبُوحًا وَلِلثَّانِيَةِ يَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَطْلَقَ فِي التَّصَدُّقِ وَالصَّوْمِ فَأَفَادَ أَنَّ لَهُ التَّصَدُّقَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، وَفِيهِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ. قَالَ: فِي الْمُحِيطِ وَالتَّصَدُّقُ عَلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالْحَرَمِ لِإِطْلَاقِ النَّصِّ بِخِلَافِ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّ النُّسُكَ فِي اللُّغَةِ الدَّمُ الْمِهْرَاقُ بِمَكَّةَ وَيُقَالُ لِلْمَذْبُوحِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُقَالُ لِكُلِّ عِبَادَةٍ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] كَمَا فِي الْمُغْرِبِ. وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِلَفْظِ التَّصَدُّقِ الْمُوَافِقِ لِلَفْظِ الصَّدَقَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ إلَى أَنَّ طَعَامَ الْإِبَاحَةِ لَا يَكْفِي؛ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ يُنْبِئُ عَنْ التَّمْلِيكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وَحَكَى خِلَافًا فِي الْمَجْمَعِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَكْفِي الْإِبَاحَةُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا بُدَّ مِنْ التَّمْلِيكِ وَرَجَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الصَّدَقَةَ بِالْإِطْعَامِ هُنَا فَكَانَ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ مُفَسِّرًا لِمُجْمَلٍ بَلْ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ بِالْإِطْعَامِ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عَمِلَتْ بِهِ الْأُمَّةُ فَجَازَتْ الزِّيَادَةُ بِهِ ثُمَّ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ الصَّدَقَةُ، وَتَحَقُّقُ حَقِيقَتِهَا بِالتَّمْلِيكِ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ فِي الْحَدِيثِ الْإِطْعَامُ عَلَى الْإِطْعَامِ الَّذِي هُوَ الصَّدَقَةُ، وَإِلَّا كَانَ مُعَارِضًا، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالِاسْمِ الْأَعَمِّ. انْتَهَى. فَالْحَاصِلُ تَرْجِيحُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ وَلِهَذَا قِيلَ إنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كَقَوْلِهِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ لَكِنْ ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ بِإِطْلَاقِهِ أَنَّ الصَّوْمَ يَجُوزُ مُتَفَرِّقًا، وَمُتَتَابِعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ. وَالْأَصْوُعُ عَلَى وَزْنِ أَرْجُلٍ جَمْعُ صَاعٍ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّصَدُّقِ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ حَتَّى لَوْ تَصَدَّقَ بِالثَّلَاثَةِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ سِتَّةٍ أَوْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا بِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ وَيَنْبَغِي عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْإِبَاحَةِ أَنَّهُ لَوْ غَدَّى مِسْكِينًا وَاحِدًا، وَعَشَّاهُ سِتَّةَ أَيَّامٍ يَجُوزُ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْكَفَّارَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) قَدَّمَ النَّوْعَ السَّابِقَ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ كَالْمُقَدِّمَةِ لَهُ إذْ الطِّيبُ، وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ مُهَيِّجَاتٌ لِلشَّهْوَةِ لِمَا يُعْطِيهِ مِنْ الرَّائِحَةِ وَالزِّينَةِ. (قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى) ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْجِمَاعُ، وَلَمْ يُوجَدْ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَفَكَّرَ فَأَمْنَى، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ احْتَلَمَ فَأَمْنَى لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ــ [منحة الخالق] تَفْصِيلٌ حَسَنٌ يَجْمَعُ بِهِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالرِّوَايَاتِ (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا قَدَّمْنَاهُ) أَيْ قُبَيْلَ قَوْلِهِ أَوْ حَلَقَ رُبْعَ رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ، وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ وَنَقَلَ الْمُنْلَا ﵀ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ نَحْوَهُ وَنُقِلَ عَنْ الْفَارِسِيِّ وَالْبَحْرِ الْعَمِيقِ نَحْوُ مَا ذَكَرَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمَا قَالَ شَيْخُنَا مَوْلَانَا السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ أَمِينٌ مِيرْغَنِيٌّ بَعْدَ نَقْلِ عِبَارَتِهِمَا فِي رِسَالَةٍ لَهُ قُلْت بَلْ الْمُقَرَّرُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ الْمُعْتَبَرَةِ إجْزَاءُ الصَّوْمِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الدَّمِ كَمَا نُمْلِيهِ عَلَيْك وَسَرْدُ الْأَقْوَالِ الْمُؤَيِّدَةِ لِكَلَامِهِ فَرَاجِعْهَا إنْ شِئْت. اهـ. (قَوْلُهُ: بَلْ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ بِالْإِطْعَامِ) كَذَا فِي أَغْلِبْ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا لِلْمُرَادِ بِالْإِطْلَاقِ، وَهِيَ الْمُوَافِقَةُ لِمَا فِي الْفَتْحِ، وَعَلَى الْأُولَى فَقَوْلُهُ بِالْإِطْعَامِ مُتَعَلِّقٌ بِمُبَيِّنٍ لَا بِالْمُرَادِ أَيْ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ مِنْ الصَّدَقَةِ فِي الْآيَةِ بِالْإِطْعَامِ (قَوْلُهُ: فَجَازَتْ الزِّيَادَةُ بِهِ) أَيْ جَازَ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ تَقْيِيدُ مُطْلَقِ الْكِتَابِ الْمُسَمَّى عِنْدَنَا بِالزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ كَمَا فِي التَّحْرِيرِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ كَالْمُتَوَاتِرِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَبَيَانُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي الْآيَةِ مُطْلَقَةٌ تَصْدُقُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَقَوْلُهُ ﵇ «أَوْ أَطْعَمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» مَشْهُورٌ فَصَحَّ بَيَانًا لِلْمُرَادِ مِنْ الْمُطْلَقِ فِي الْآيَةِ ثُمَّ إنَّ الصَّدَقَةَ تَقْتَضِي التَّمْلِيكَ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِهِ بِخِلَافِ الْإِطْعَامِ فَتَعَارَضَا ظَاهِرًا فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ الْإِطْعَامُ عَلَى مَا فِيهِ تَمْلِيكٌ لِيَكُونَ بِمَعْنَى الصَّدَقَةِ فِي الْآيَةِ وَيَنْدَفِعُ التَّعَارُضُ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ مِنْ إطْلَاقِ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ فَتَدَبَّرْهُ. [فَصْلٌ نَظَرَ الْمُحْرِم إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى] (فَصْلٌ)

стр. 816

بِالْأَوْلَى وَبِإِطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ زَوْجَتِهِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا. (قَوْلُهُ: وَتَجِبُ شَاةٌ إنْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ بِشَهْوَةٍ) أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا لَمْ يُنْزِلْ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ حَيْثُ صَرَّحَ بِوُجُوبِ الدَّمِ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ مُخَالِفًا لِمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ اشْتِرَاطِ الْإِنْزَالِ وَصَحَّحَهُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِهِ لِيَكُونَ جِمَاعًا مِنْ وَجْهٍ فَإِنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْجِمَاعُ صُورَةً وَمَعْنًى أَوْ مَعْنًى فَقَطْ، وَهُوَ بِالْإِنْزَالِ، وَعَلَّلَ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا لِوُجُوبِ الدَّمِ بِأَنَّ الْجِمَاعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْ جُمْلَةِ الرَّفَثِ فَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ وَبِالْإِقْدَامِ عَلَيْهِ يَصِيرُ مُرْتَكِبًا مَحْظُورَ إحْرَامِهِ وَتَعَقَّبَهُمْ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْإِلْزَامَ إنْ كَانَ لِلنَّهْيِ فَلَيْسَ كُلُّ نَهْيٍ يُوجِبُ كَالرَّفَثِ، وَإِنْ كَانَ لِلرَّفَثِ فَكَذَلِكَ إذْ أَصْلُهُ الْكَلَامُ بِحَضْرَتِهِنَّ، وَلَيْسَ مُوجِبًا شَيْئًا. انْتَهَى. وَقَدْ يُقَالُ إنَّ إيجَابَ الدَّمِ إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ ارْتَكَبَ مَا هُوَ حَرَامٌ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ فَقَطْ، وَلَيْسَ ذِكْرُ الْجِمَاعِ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ فَقَطْ بَلْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْإِحْرَامِ أَشَدَّ وَبِهَذَا يَظْهَرُ تَرْجِيحُ إطْلَاقِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الدَّوَاعِيَ مُحَرَّمَةٌ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ مُطْلَقًا فَيَجِبُ الدَّمُ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا لَمْ يَفْسُدْ الْحَجُّ بِالدَّوَاعِي مَعَ الْإِنْزَالِ كَمَا فَسَدَ بِهَا الصَّوْمُ؛ لِأَنَّ فَسَادَهُ تَعَلَّقَ بِالْجِمَاعِ حَقِيقَةً بِالنَّصِّ، وَالْجِمَاعُ مَعْنًى دُونَهُ فَلَمْ يُلْحَقْ بِهِ، وَأَمَّا فَسَادُ الصَّوْمِ فَمُعَلَّقٌ بِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ، وَقَدْ وُجِدَ، وَفِي الْمُحِيطِ مُحْرِمٌ عَبَثَ بِذَكَرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ بِالْمَسِّ كَمَا لَوْ مَسَّ امْرَأَةً فَأَنْزَلَ، وَلَوْ أَتَى بَهِيمَةً فَأَنْزَلَ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ كَمَا لَوْ جَامَعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: أَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِجِمَاعٍ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَبْلَ أَيْ تَجِبُ شَاةٌ لِمَا وَرَدَ عَنْ الصَّحَابَةِ مِنْ الْفَسَادِ بِهِ وَوُجُوبِ الْهَدْيِ، وَأَدْنَاهُ شَاةٌ وَيَقُومُ الشِّرْكُ فِي الْبَدَنَةِ مَقَامَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَمَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْفَسَادِ بِالْجِمَاعِ فِي الدُّبُرِ هُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِهِمَا لِكَمَالِ الْجِنَايَةِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَمُرَادُهُ مِنْ آدَمِيَّةٍ. أَمَّا وَطْءُ الْبَهِيمَةِ فَلَا يُفْسِدُ مُطْلَقًا لِقُصُورِهِ وَأُطْلِقَ فِي الْجِمَاعِ فَشَمَلَ مَا إذَا أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ أَوْلَجَ ذَكَرَهُ كُلَّهُ أَوْ بِقَدْرِ الْحَشَفَةِ، وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَلَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ الْحِمَارِ أَوْ ذَكَرًا مَقْطُوعًا يَفْسُدُ حَجُّهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ لَفَّ ذَكَرَهُ بِخِرْقَةٍ، وَأَدْخَلَهُ إنْ وَجَدَ حَرَارَةَ الْفَرْجِ وَاللَّذَّةَ يَفْسُدُ، وَإِلَّا فَلَا. انْتَهَى. وَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا مُخْتَارًا أَوْ مُكْرَهًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُكْرِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَحَكَى فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ خِلَافًا بَيْنَ ابْنِ شُجَاعٍ وَالْقَاضِي أَبِي حَازِمٍ فِي رُجُوعِ الْمَرْأَةِ بِالدَّمِ إذَا أَكْرَهَهَا الزَّوْجُ عَلَى الْجِمَاعِ فَقَالَ الْأَوَّلُ لَا، وَقَالَ الثَّانِي نَعَمْ، وَلَمْ أَرَ قَوْلًا فِي رُجُوعِهَا بِمُؤْنَةِ حَجِّهَا وَشَمَلَ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ لَكِنْ فِي الْعَبْدِ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ، وَقَضَاءُ الْحَجِّ بَعْدَ الْعِتْقِ سِوَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَكُلُّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْمَالُ يُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ بِخِلَافِ مَا فِيهِ الصَّوْمُ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ لِلْحَالِ، وَلَا يَجُوزُ إطْعَامُ الْمَوْلَى عَنْهُ إلَّا فِي الْإِحْصَارِ فَإِنَّ الْمَوْلَى يَبْعَثُ عَنْهُ لِيَحِلَّ هُوَ فَإِذَا عَتَقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، وَشَمَلَ الْوَطْءَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ وَوَطْءَ الْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ وَصَرَّحَ الْوَلْوَالِجِيُّ بِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَعْتُوهَ يَفْسُدُ حَجُّهُمَا بِالْجِمَاعِ لَكِنْ لَا دَمَ عَلَيْهِمَا، وَفِي مَنَاسِكِ ابْنِ الضِّيَاءِ: وَإِذَا جَامَعَ الصَّبِيُّ حَتَّى فَسَدَ حَجُّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. انْتَهَى. وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَوْ كَانَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ) كَذَا فِي الْكَافِي وَالْبَدَائِعِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: بَلْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا) هَذَا مُسَلَّمٌ فِيمَا لَوْ كَانَ فِي حَضْرَةِ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ مُجَامَعَتُهُ أَمَّا فِي غَيْرِهِ فَلَا (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ بِالدَّوَاعِي) أَيْ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ وُجِدَتْ قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ بَعْدَهُ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ سَائِرُ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ وَوَقَعَ فِي الْفَتَاوَى السِّرَاجِيَّةِ، وَلَوْ لَمَسَ امْرَأَةً بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى يَفْسُدُ، وَكَذَا إذَا لَمْ يُمْنِ عَلَى مَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَمِنْهَاجِ الْمُصَلِّينَ، وَمُنْيَةِ الْمُفْتِي، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ السُّرُوجِيُّ، وَفِي الْمَنَافِعِ يَعْنِي بِالْفَسَادِ النُّقْصَانَ الْفَاحِشَ. اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ مُنَافٍ لِمَا تَقَدَّمَ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ. (قَوْلُهُ: وَيَقُومُ الشِّرْكُ فِي الْبَدَنَةِ مَقَامَهَا) مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ أَوَائِلَ بَابِ الْجِنَايَاتِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَفْسُدُ مُطْلَقًا) قَالَ: الرَّمْلِيُّ أَيْ سَوَاءٌ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ، وَقَدْ أَلْحَقُوا الَّتِي لَا تُشْتَهَى بِالْبَهِيمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّوْمِ، وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْفَسَادِ بِوَطْءِ الْمَيِّتَةِ وَالصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ الْحِمَارِ إلَخْ) لِيَنْظُرَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بَهِيمَةً فَأَنْزَلَ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ إطْعَامُ الْمَوْلَى) أَيْ أَوْ غَيْرُهُ، وَقِيلَ يَجُوزُ لُبَابٌ وَنَقَلَ شَارِحُهُ الْأَوَّلُ عَنْ الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ وَالثَّانِي أَيْ الْجَوَازُ عَنْ الْكَرْمَانِيِّ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ بَقِيَ مَا إذَا اسْتَدَانَ، وَهُوَ مَأْذُونٌ أَوْ مُكَاتَبٌ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ مَعَ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ التَّبَرُّعِ عَنْهُ. (قَوْلُهُ: وَشَمَلَ الْوَطْءَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ) أَيْ الْوَطْءَ لِحَلِيلَتِهِ أَوْ لِأَجْنَبِيَّةٍ، وَإِلَّا فَالْوَطْءُ هُنَا كُلُّهُ حَرَامٌ يُعَارِضُ الْإِحْرَامَ (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ لَوْ أَفْسَدَ الصَّبِيُّ حَجَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ. اهـ. قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة وَفِيهِ تَأَمُّلٌ؛ لِأَنَّ

стр. 817

الزَّوْجُ صَبِيًّا يُجَامِعُ مِثْلُهُ فَسَدَ حَجُّهَا دُونَهُ، وَلَوْ كَانَتْ هِيَ صَبِيَّةً أَوْ مَجْنُونَةً انْعَكَسَ الْحُكْمُ. انْتَهَى. فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْجِمَاعِ وَبِالْعُذْرِ لَا يَنْعَدِمُ الْجِمَاعُ فَلَا يَنْعَدِمُ الْحُكْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُمَا حُكْمُ الْفَسَادِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُفْسِدَ لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ فَكَذَلِكَ الْحَجُّ وَشَمَلَ مَا إذَا تَعَدَّدَ الْجِمَاعُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ إنْ كَانَ الْمَجْلِسُ مُتَّحِدًا سَوَاءٌ كَانَ لِامْرَأَةٍ أَوْ نِسْوَةٍ أَمَّا إذَا تَعَدَّدَ الْمَجْلِسُ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ رَفْضَ الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ لَزِمَهُ دَمٌ آخَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ نَوَى بِالْجِمَاعِ الثَّانِي رَفْضَ الْفَاسِدَةِ لَا يَلْزَمُهُ بِالثَّانِي شَيْءٌ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مَعَ أَنَّ نِيَّةَ الرَّفْضِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا بِالْأَعْمَالِ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْمَحْظُورَاتُ مُسْتَنِدَةً إلَى قَصْدٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ تَعْجِيلُ الْإِحْلَالِ كَانَتْ مُتَّحِدَةً فَكَفَاهُ دَمٌ وَاحِدٌ وَلِهَذَا نَصَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا جَامَعَ النِّسَاءَ وَرَفَضَ إحْرَامَهُ، وَأَقَامَ يَصْنَعُ مَا يَصْنَعُهُ الْحَلَالُ مِنْ الْجِمَاعِ وَالطِّيبِ، وَقَتْلِ الصَّيْدِ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ كَمَا كَانَ حَرَامًا وَيَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ. (قَوْلُهُ: وَيَمْضِي وَيَقْضِي، وَلَمْ يَفْتَرِقَا فِيهِ) أَيْ وَيَجِبُ الْمُضِيُّ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ بَعْدَ إفْسَادِهِ كَمَا يَمْضِي فِيهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ مِنْ قَابِلٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى الْأَفْعَالَ مَعَ وَصْفِ الْفَسَادِ، وَالْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا بِوَصْفِ الصِّحَّةِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَيَجْتَنِبُ فِي الْفَاسِدَةِ مَا يَجْتَنِبُ فِي الْجَائِزَةِ، وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ أَهْلِ عَصْرِنَا أَنَّ الْحَجَّ إذَا فَسَدَ لَا يُفْسِدُ الْإِحْرَامَ وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ الْإِحْرَامَ ــ [منحة الخالق] الْفَسَادَ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْجِمَاعِ إذْ يَكُونُ بِفَوْتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا بِالْأَعْمَالِ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة يُنْظَرُ فِيهِ مَعَ مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ تَحْلِيلِ الْمَوْلَى أَمَتَهُ بِنَحْوِ قَصِّ ظُفُرٍ وَبِالْجِمَاعِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْبَغِي لَهُ فِعْلُهُ ابْتِدَاءً. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ هُنَا خُصُوصُ هَذَا الْمُجَامِعِ، وَهُوَ، وَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِالْأَعْمَالِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْمَحْظُورَاتُ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّهُ، وَإِنْ أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلِهِ يَرْتَفِعُ عَنْهُ الضَّمَانُ لِمَا ذُكِرَ فَإِنَّ التَّأْوِيلَ الْفَاسِدَ مُعْتَبَرٌ فِي رَفْعِ الضَّمَانِ كَالْبَاغِي إذَا أَتْلَفَ مَالَ الْعَادِلِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَنْ تَأْوِيلٍ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة عَنْ الْكَافِي (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا نَصَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ اعْلَمْ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا نَوَى رَفْضَ الْإِحْرَامِ فَجَعَلَ يَصْنَعُ مَا يَصْنَعُهُ الْحَلَالُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ وَالتَّطَيُّبِ وَالْحَلْقِ وَالْجِمَاعِ، وَقَتْلِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ الْإِحْرَامِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ كَمَا كَانَ مُحْرِمًا وَيَجِبُ دَمٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِ مَا ارْتَكَبَ، وَلَوْ كُلَّ الْمَحْظُورَاتِ، وَإِنَّمَا يَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ بِتَعَدُّدِ الْجِنَايَاتِ إذَا لَمْ يَنْوِ الرَّفْضَ ثُمَّ نِيَّةُ الرَّفْضِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ بِهَذَا الْقَصْدِ لِجَهْلِهِ مَسْأَلَةَ عَدَمِ الْخُرُوجِ، وَأَمَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِهَذَا الْقَصْدِ فَإِنَّهَا لَا تُعْتَبَرُ مِنْهُ. اهـ. قَالَ شَارِحُهُ، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَبَرَ مِنْهُ إذَا كَانَ شَاكًّا فِي الْمَسْأَلَةِ أَوْ نَاسِيًا لَهَا. (قَوْلُهُ: وَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ مِنْ قَابِلٍ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَدْ سَأَلَنِي بَعْضُ الطَّلَبَةِ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ عَمَّا إذَا فَسَدَ الْقَضَاءُ أَيْضًا أَيَجِبُ أَنْ يَقْضِيَهُ أَيْضًا فَقُلْت لَمْ أَرَ الْمَسْأَلَةَ، وَقِيَاسُ كَوْنِهِ إنَّمَا شَرَعَ فِيهِ مُسْقِطًا لَا مُلْزِمًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَضَاءِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، وَالْمُرَادُ الْإِعَادَةُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ. اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ الَّتِي أَفْسَدَهَا أَوَّلًا، وَلَا يَلْزَمُهُ حَجَّةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ الَّتِي أَفْسَدَهَا ثَانِيًا، وَكَلَامُهُ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ ظَاهِرٌ، وَقَدْ نَقَلَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ عَنْ الْمُبْتَغَى فَقَالَ: وَلَفْظُ الْمُبْتَغَى لَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ قَابِلٍ يُرِيدُ قَضَاءَ تِلْكَ الْحَجَّةِ فَأَفْسَدَ حَجَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا قَضَاءُ حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ أَفْسَدَ قَضَاءَ صَوْمِ رَمَضَانَ. اهـ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْقَضَاءِ إلَخْ فَفِيهِ غُمُوضٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَضَاءِ الْإِحْكَامُ وَالْإِتْقَانُ فَغَيْرُ مُنَاسِبٍ هُنَا، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْأَدَاءَ كَمَا يُقَالُ قَضَيْت الدَّيْنَ أَيْ أَدَّيْته فَقَوْلُهُ وَالْمُرَادُ الْإِعَادَةُ يُخَالِفُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ لَكِنْ فِيهِ أَنَّ الْإِعَادَةَ فِعْلُ مِثْلِ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ لِخَلَلِ غَيْرِ الْفَسَادِ، وَعَدَمِ صِحَّةِ الشُّرُوعِ، وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا نَعَمْ يَتَأَتَّى عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَشْهُورِ لَهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهَا فِعْلُ الشَّيْءِ ثَانِيًا فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ لِخَلَلٍ فِي فِعْلِهِ أَوَّلًا فَالصَّوَابُ حَذْفُ قَوْلِهِ وَالْمُرَادُ الْإِعَادَةُ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى بَيَانِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَضَاءِ الْأَدَاءُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْكَمَالِ فِي التَّحْرِيرِ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْحَجِّ الصَّحِيحِ بَعْدَ الْحَجِّ الْفَاسِدِ قَضَاءً مَجَازٌ قَالَ: الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي وَقْتِهِ، وَهُوَ الْعُمْرُ فَهُوَ أَدَاءٌ عَلَى قَوْلِ مَشَايِخِنَا. اهـ. وَحَيْثُ كَانَ أَدَاءً عِنْدَنَا سَقَطَ السُّؤَالُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْحَجَّ الْأَوَّلَ لَغْوٌ فَإِنْ أَدَّاهُ صَحِيحًا خَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ، وَإِلَّا فَلَا فَيَجِبُ أَدَاؤُهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا، وَهَكَذَا إلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ صَحِيحًا فَمَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ الْفَاسِدِ لَيْسَ حَجًّا غَيْرَ الْفَرْضِ بَلْ هُوَ الْفَرْضُ إنْ كَانَ صَحِيحًا، وَمَا قَبْلَهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ أَصْلًا إذْ لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ مَثَلًا فِي وَقْتِهَا، وَأَفْسَدَهَا ثُمَّ أَدَّاهَا ثَانِيًا خَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ، وَلَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ لُزُومَ صَلَاةٍ أُخْرَى قَضَاءً عَنْ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا، وَأَفْسَدَهَا، وَكَذَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمُبْتَغَى مِنْ جَعْلِهِ نَظِيرَ مَا لَوْ أَفْسَدَ قَضَاءَ صَوْمِ رَمَضَانَ أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا قَضَاءُ يَوْمٍ وَاحِدٍ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ ظَنَّ إلَخْ) ذَكَرَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ مَا يُقَوِّي هَذَا الظَّنَّ حَيْثُ قَالَ: وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلشَّمْسِ السَّمَرْقَنْدِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَيْ نَقَصَهُ نُقْصَانًا فَاحِشًا، وَلَمْ يُبْطِلْهُ كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ اللُّبَابِ فَأَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْفَسَادِ النَّقْصُ الْفَاحِشُ لَا الْبُطْلَانُ، وَهُوَ قَيْدٌ حَسَنٌ يُزِيلُ بَعْضَ الْإِشْكَالَاتِ قُلْت مِنْ جُمْلَتِهَا الْمُضِيُّ فِي الْأَفْعَالِ لَكِنْ فِي عَدَمِ الْإِبْطَالِ أَيْضًا نَوْعٌ مِنْ الْإِشْكَالِ، وَهُوَ الْقَضَاءُ إلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّهُ

стр. 818

بَاقٍ فَيَقْضِي فِيهِ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ بَلْ فَسَدَ الْإِحْرَامُ كَالْحَجِّ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِفَسَادِهِ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ فِي هَذَا الْفَصْلِ، وَمَعْنَى بَقَائِهِ عَدَمُ الْخُرُوجِ عَنْهُ بِغَيْرِ الْأَفْعَالِ، وَمَعْنَى الِافْتِرَاقِ الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ النِّكَاحُ قَائِمٌ فَلَا مَعْنَى لِلِافْتِرَاقِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لِإِبَاحَةِ الْوُقُوعِ، وَلَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَذَاكَرَانِ مَا لَحِقَهُمَا مِنْ الْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ بِسَبَبِ لَذَّةٍ صَغِيرَةٍ فَيَزْدَادَانِ نَدَمًا وَتَحَرُّزًا لَكِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ إذَا خَافَ الْوَقَاعَ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: وَبَدَنَةٌ لَوْ بَعْدَهُ، وَلَا فَسَادَ) أَيْ يَجِبُ بَدَنَةٌ لَوْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الْحَلْقِ، وَلَا يَفْسُدُ حَجُّهُ لِلْحَدِيثِ «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» أَيْ أَمِنَ مِنْ فَسَادِهِ لِبَقَاءِ الرُّكْنِ الثَّانِي، وَهُوَ الطَّوَافُ، وَوُجُوبُ الْبَدَنَةِ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْأَثَرُ فِيهِ كَالْخَبَرِ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا جَامَعَ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا إنْ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَ فَبَدَنَةُ لِلْأَوَّلِ وَشَاةٌ لِلثَّانِي فِي قَوْلِهِمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ ذَبَحَ لِلْأَوَّلِ فَيَجِبُ لِلثَّانِي شَاةٌ، وَإِلَّا فَلَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْمَبْسُوطِ بِأَنَّهُ دَخَلَ إحْرَامَهُ نُقْصَانٌ بِالْجِمَاعِ الْأَوَّلِ وَبِالْجِمَاعِ الثَّانِي صَادَفَ إحْرَامًا نَاقِصًا فَيَكْفِيهِ شَاةٌ. (قَوْلُهُ: أَوْ جَامَعَ بَعْدَ الْحَلْقِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوَّلَ الْفَصْلِ قَبْلَ أَيْ يَجِبُ شَاةٌ إنْ جَامَعَ بَعْدَ الْحَلْقِ قَبْلَ الطَّوَافِ لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ لِوُجُودِ الْحِلِّ الْأَوَّلِ بِالْحَلْقِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَ الْمُتُونِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيمَا إذَا جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْحَلْقِ فَالْوَاجِبُ بَدَنَةٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَالْوَاجِبُ شَاةٌ، وَمَشَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْمَشَايِخِ كَصَاحِبِ الْمَبْسُوطِ وَالْبَدَائِعِ والإسبيجابي عَلَى وُجُوبِ الْبَدَنَةِ مُطْلَقًا، وَقَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: إنَّهُ الْأَوْجَهُ؛ لِأَنَّ إيجَابَهَا لَيْسَ إلَّا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمَرْوِيُّ عَنْهُ ظَاهِرُهُ فِيمَا بَعْدَ الْحَلْقِ ثُمَّ الْمَعْنَى يُسَاعِدُهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا قَبْلَ الْحَلْقِ لَيْسَ إلَّا لِلْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَطْءَ لَيْسَ جِنَايَةً عَلَيْهِ إلَّا بِاعْتِبَارِ تَحْرِيمِهِ لَهُ لَا لِاعْتِبَارِ تَحْرِيمِهِ لِغَيْرِهِ فَلَيْسَ الطِّيبُ جِنَايَةً عَلَى الْإِحْرَامِ بِاعْتِبَارِ تَحْرِيمِهِ الْجِمَاعَ أَوْ الْحَلْقَ بَلْ بِاعْتِبَارِ تَحْرِيمِهِ لِلطِّيبِ، وَكَذَا كُلُّ جِنَايَةٍ عَلَى الْإِحْرَامِ لَيْسَتْ جِنَايَةً عَلَيْهِ إلَّا بِاعْتِبَارِ تَحْرِيمِهِ لَهَا لَا لِغَيْرِهَا فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَوِيَ مَا قَبْلَ الْحَلْقِ، وَمَا بَعْدَهُ فِي حَقِّ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ الَّذِي بِهِ كَانَ جِنَايَةً قَبْلَهُ بِعَيْنِهِ ثَابِتٌ بَعْدَهُ، وَالزَّائِلُ لَمْ يَكُنْ الْوَطْءُ جِنَايَةً بِاعْتِبَارِهِ لَا جَرَمَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إطْلَاقُ لُزُومِ الْبَدَنَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ كَوْنِهِ قَبْلَ الْحَلْقِ أَوْ بَعْدَهُ. انْتَهَى. وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ الْوُقُوفِ قَبْلَ الْحَلْقِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بَدَنَةٌ، وَإِنَّمَا تَجِبُ شَاةٌ مَعَ أَنَّ وُجُوبَهَا لِلْجِمَاعِ الْأَوَّلِ لَيْسَ إلَّا بِاعْتِبَارِ حُرْمَتِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ جِمَاعٍ أَتَى بِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى أَنَّ الْبَدَنَةَ لَا تَجِبُ إلَّا إذَا كَمُلَتْ الْجِنَايَةُ، وَكَمَالُهَا بِمُصَادَفَتِهَا إحْرَامًا كَامِلًا فَالْجِمَاعُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ صَادَفَ إحْرَامًا نَاقِصًا فَلَمْ تَجِبْ الْبَدَنَةُ، وَكَذَا الْجِمَاعُ بَعْدَ الْحَلْقِ صَادَفَ إحْرَامًا نَاقِصًا لِخُرُوجِهِ عَنْهُ فِي حَقِّ غَيْرِ النِّسَاءِ، وَهَذَا الْبَابُ أَعْنِي بَابَ الْجِنَايَاتِ عَلَى الْإِحْرَامِ يُنْظَرُ فِيهِ إلَى كَمَالِ الْجِنَايَةِ، وَقُصُورِهَا لِيَجِبَ الْجَزَاءُ بِقَدْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَطْيِيبِ الْعُضْوِ، وَمَا دُونَهُ، وَمِنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَا إلَى تَحْرِيمِ الْفِعْلِ فَقَطْ فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَسَائِلَهُمْ شَاهِدَةٌ بِأَنَّ الْجِنَايَةَ إنْ كَمُلَتْ تُغْلِظُ الْجَزَاءَ كَمَا فِي لُبْسِ الْمَخِيطِ يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَا إلَى تَحْرِيمِ الْفِعْلِ فَقَطْ، وَإِنْ قَصُرَتْ خَفَّ الْجَزَاءُ فَالْأَوْجَهُ مَا فِي الْمُتُونِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْقَارِنِ إذَا جَامَعَ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَطَوَافِ الْعُمْرَةِ فَسَدَ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ، وَلَزِمَهُ دَمَانِ وَقَضَاؤُهُمَا وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ أَوْ أَكْثَرَهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَسَدَ الْحَجُّ فَقَطْ، وَلَزِمَهُ دَمَانِ أَيْضًا، وَقَضَاءُ الْحَجِّ فَقَطْ وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ لَمْ يَفْسُدَا، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ لِلْحَجِّ وَشَاةٌ لِلْعُمْرَةِ إنْ كَانَ قَبْلَ الْحَلْقِ اتِّفَاقًا وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا كَانَ بَعْدَ الْحَلْقِ فِي مَوْضِعَيْنِ. الْأَوَّلُ: فِي وُجُوبِ ــ [منحة الخالق] يُؤَدَّى عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ. اهـ. . (قَوْلُهُ: أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ إلَخْ) ، وَكَذَا شَمَلَ مَا لَوْ جَامَعَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا فَتَلْزَمُهُ فِيهِمَا بَدَنَةٌ كَمَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ وَذَكَرَ الْحَدَّادِيُّ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ نَاقِلًا عَنْ الْوَجِيزِ أَنَّهُ إنَّمَا تَجِبُ الْبَدَنَةُ إذَا جَامَعَ عَامِدًا أَمَّا إذَا جَامَعَ نَاسِيًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ. اهـ. وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي الْمَشَاهِيرِ مِنْ الرِّوَايَاتِ حَيْثُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي فِي سَائِرِ الْجِنَايَاتِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَلَا يَفْسُدُ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ جَزُورٌ جَامَعَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا. اهـ. كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ جِمَاعَ النَّاسِي كَالْعَامِدِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْحَلْقِ، وَقَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ

стр. 819

الْبَدَنَةِ لِلْحَجِّ أَوْ الشَّاةِ، وَقَدَّمْنَاهُ وَالثَّانِي فِي وُجُوبِ شَاةٍ لِلْعُمْرَةِ فَاَلَّذِي اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ وَالْبَدَائِعِ والإسبيجابي أَنَّهُ يَجِبُ شَاةٌ لِلْعُمْرَةِ وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ الْوَبَرِيُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ لِأَجْلِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ إحْرَامِهَا بِالْحَلْقِ وَبَقِيَ إحْرَامُ الْحَجِّ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَاسْتَشْكَلَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فَكَذَا فِي الْعُمْرَةِ وَرَدَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ لَمْ يُعْهَدْ بِحَيْثُ يَتَحَلَّلُ مِنْهُ بِالْحَلْقِ مِنْ غَيْرِ النِّسَاءِ وَيَبْقَى فِي حَقِّهِنَّ بَلْ إذَا حَلَقَ بَعْدَ أَفْعَالِهَا حَلَّ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا عُهَد ذَلِكَ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ فَإِذَا ضُمَّ إحْرَامُ الْحَجِّ إلَى إحْرَامِ الْعُمْرَةِ اسْتَمَرَّ كُلٌّ عَلَى مَا عُهِدَ لَهُ فِي الشَّرْعِ فَيَنْطَوِي بِالْحَلْقِ إحْرَامُ الْعُمْرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ فَالصَّوَابُ مَا عَنْ الْوَبَرِيِّ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لَهَا الْأَكْثَرَ وَتَفْسُدَ وَيَمْضِيَ وَيَقْضِيَ) أَيْ لَوْ جَامَعَ فِي إحْرَامِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ لَزِمَهُ شَاةٌ، وَفَسَدَتْ عُمْرَتُهُ كَمَا لَوْ جَامَعَ فِي الْحَجِّ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِجَامِعِ حُصُولِهِ قَبْلَ إدْرَاكِ الرُّكْنِ فِيهِمَا وَيَمْضِي فِي فَاسِدِهَا كَمَا يَمْضِي فِي صَحِيحِهَا، وَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا (قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَ طَوَافِ الْأَكْثَرِ، وَلَا فَسَادَ) أَيْ لَوْ جَامَعَ بَعْدَ مَا طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ لَزِمَهُ شَاةٌ، وَلَا تَفْسُدُ عُمْرَتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالرُّكْنِ فَصَارَ كَالْجِمَاعِ بَعْدَ الْوُقُوفِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ بَدَنَةٌ كَمَا فِي الْحَجِّ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ يُتِمُّ فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَمَّا فِي غَيْرِهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نَفْلٌ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَاجِبٌ بَعْدَهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: نَفْلُ الْحَجِّ أَقْوَى مِنْ نَفْلِ الْعُمْرَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْجِمَاعَ فِي الْحَجِّ بَعْدَ الْوُقُوفِ يَكُونُ قَبْلَ أَدَاءِ بَقِيَّةِ أَرْكَانِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ الطَّوَافُ، وَهُوَ رُكْنٌ فَتَغَلَّظَتْ الْجِنَايَةُ فَتَغَلَّظَ الْجَزَاءُ بِخِلَافِهِ بَعْدَ طَوَافِ الْأَكْثَرِ فِي الْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إلَّا الْوَاجِبَاتُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْبَدَنَةِ لَوْ جَامَعَ قَبْلَ طَوَافِ الْأَكْثَرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَشَمَلَ قَوْلُهُ: بَعْدَ طَوَافِ الْأَكْثَرِ مَا إذَا طَافَ الْبَاقِيَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَوَّلًا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْحَلْقِ وَتَرَكَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ؛ لِأَنَّ بِالْحَلْقِ يَخْرُجُ عَنْ إحْرَامِهَا بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِ إحْرَامِ الْحَجِّ، وَلَمَّا بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْمُفْرِدِ بِالْحَجِّ وَالْمُفْرِدِ بِالْعُمْرَةِ عُلِمَ مِنْهُ حُكْمُ الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ. (قَوْلُهُ: وَجِمَاعُ النَّاسِي كَالْعَامِدِ) يَعْنِي فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَحْكَامِ الْجِنَايَاتِ فَيَفْسُدُ حَجُّهُ لَوْ جَامَعَ نَاسِيًا قَبْلَ الْوُقُوفِ وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ أَنَّ النِّسْيَانَ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ لِكَمَالِ الْعَقْلِ، وَلَيْسَ عُذْرًا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَفِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عُذْرٌ فِي سُقُوطِ الْإِثْمِ أَمَّا الْحُكْمُ فَإِنْ كَانَ مَعَ مُذَكَّرٍ، وَلَا دَاعِيَ إلَيْهِ كَأَكْلِ الْمُصَلِّي وَجِنَايَةِ الْمُحْرِم لَمْ يَسْقُطْ بِتَقْصِيرِهِ بِخِلَافِ سَلَامِهِ فِي الْقَعْدَةِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مَعَ مُذَكَّرٍ مَعَ دَاعٍ إلَيْهِ سَقَطَ كَأَكْلِ الصَّائِمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا فَكَذَلِكَ بِالْأَوْلَى كَتَرْكِ الذَّابِحِ التَّسْمِيَةَ. انْتَهَى. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْجَاهِلَ وَالْعَالِمَ وَالْمُخْتَارَ وَالْمُكْرَهَ وَالنَّائِمَ وَالْمُسْتَيْقِظَ سَوَاءٌ لِحُصُولِ الِارْتِفَاقِ. (قَوْلُهُ: أَوْ طَافَ لِلرُّكْنِ مُحْدِثًا) أَيْ يَلْزَمُهُ شَاةٌ لِتَرْكِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ نَقْصًا فِي الرُّكْنِ فَصَارَ كَتَرْكِ شَوْطٍ مِنْهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ الدَّمَ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهَا فَلِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً، وَيَجِبُ بِتَرْكِهَا الْكَفَّارَةُ، وَلِهَذَا قَالَ: مُحَمَّدٌ فِيمَنْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْإِمَامِ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ سُنَّةَ الدَّفْعِ. اهـ. وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْخُلْفَ لَفْظِيٌّ لَا ثَمَرَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الطَّهَارَةُ وَاجِبَةً لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا حَاضَتْ فَقَالَ لَهَا ﵇: اقْضِ مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» . رَتَّبَ مَنْعَ الطَّوَافِ عَلَى انْتِفَاءِ الطَّهَارَةِ، وَهَذَا حُكْمٌ وَسَبَبٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالسَّبَبِ فَيَكُونُ الْمَنْعُ لِعَدَمِ الطَّهَارَةِ لَا لِعَدَمِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَقْيِيدُ مُطْلَقِ الْقَطْعِيِّ، وَهُوَ ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: ٢٩] بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ نُسِخَ عِنْدَنَا فَلَا يَجُوزُ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» فَالْمُرَادُ بِهِ التَّشْبِيهُ فِي الثَّوَابِ، قَيَّدَ بِالْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَافَ، وَعَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ) أَيْ فِي صُوَرِ هَذِهِ الْقَوْلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَالْوَاجِبُ شَاةٌ إلَخْ فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ ذَاكَ فِي الْمُفْرِدِ يُعْلَمُ مِنْهُ حُكْمُ الْقَارِنِ كَمَا سَيَأْتِي. (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي لَا يَصِحُّ. (قَوْلُهُ: بِوُجُوبِهَا) أَيْ الطَّهَارَةِ (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْخُلْفَ لَفْظِيٌّ) قَالَ: فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ إذْ ثَمَّ تَرْكُ الْوَاجِبِ أَشَدُّ. اهـ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ الثَّمَرَةُ فِي وُجُوبِ الدَّمِ، وَعَدَمِهِ.

стр. 820

لِإِدْخَالِ النَّجَاسَةِ الْمَسْجِدَ، وَلَمْ يَنُصَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إلَّا عَلَى الثَّوْبِ، وَالتَّعْلِيلُ يُفِيدُ عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ أَنَّ نَجَاسَةَ الثَّوْبِ كُلِّهِ فِيهِ الدَّمُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ طَافَ مُنْكَشِفَ الْعَوْرَةِ قَدْرَ مَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ سِتْرُ الْعَوْرَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ قَوْلُهُ: ﵇ «أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» بِنَاءً عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْوُجُوبَ عِنْدَنَا، وَقَيَّدَ بِالرُّكْنِ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَافَ أَقَلَّهُ مُحْدِثًا، وَلَمْ يُعِدْ وَجَبَ عَلَيْهِ لِكُلِّ شَوْطٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ إلَّا إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ دَمًا فَإِنَّهُ يُنْقِصُ مِنْهُ مَا شَاءَ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. (قَوْلُهُ: وَبَدَنَةٌ لَوْ جُنُبًا وَيُعِيدُ) أَيْ يَجِبُ بَدَنَةٌ لَوْ طَافَ لِلرُّكْنِ جُنُبًا كَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَلِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ فَيَجِبُ جَبْرُ نُقْصَانِهَا فِي الْبَدَنَةِ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا، وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ كَالْجَنَابَةِ قَيَّدَ بِالرُّكْنِ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَافَ الْأَقَلَّ جُنُبًا، وَلَمْ يُعِدْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فَإِنْ أَعَادَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ لِتَأْخِيرِ الْأَقَلِّ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ لِكُلِّ شَوْطٍ نِصْفُ صَاعٍ، وَقَوْلُهُ: وَيُعِيدُ رَاجِعٌ إلَى الطَّوَافِ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا، وَلَمْ يَذْكُرْ صِفَةَ الْإِعَادَةِ لِلِاخْتِلَافِ وَصَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الطَّوَافِ جُنُبًا مُسْتَحَبَّةٌ فِي الطَّوَافِ مُحْدِثًا لِلْفُحْشِ فِي الْأَوَّلِ وَالْقُصُورِ فِي الثَّانِي فَإِنْ أَعَادَهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِيهِمَا مُطْلَقًا لِجَبْرِ النُّقْصَانِ الْحَاصِلِ بِالْإِعَادَةِ إلَّا أَنَّهُ إنْ أَعَادَهُ، وَقَدْ طَافَ جُنُبًا بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ لَزِمَهُ دَمٌ لِلتَّأْخِيرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ وَيُعِيدُ بِمَعْنَى أَوْ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِمَعْنَى شَيْئَيْنِ إمَّا لُزُومُ الشَّاةِ أَوْ الْإِعَادَةُ، وَالْإِعَادَةُ هِيَ الْأَصْلُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ لِيَكُونَ الْجَابِرُ مِنْ جِنْسِ الْمَجْبُورِ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الدَّمِ، وَأَمَّا إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَفِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ اتَّفَقُوا أَنَّ بَعْثَ الشَّاةِ أَفْضَلُ مِنْ الرُّجُوعِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ فَاخْتَارَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ الْعَوْدَ إلَى الْإِعَادَةِ أَفْضَلُ لِمَا ذَكَرْنَا وَاخْتَارَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ بَعْثَ الدَّمِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ وَقَعَ مُعْتَدًّا بِهِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْفُقَرَاءِ، وَإِذَا عَادَ لِلْأَوَّلِ يَرْجِعُ بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَلَّ فِي حَقِّ النِّسَاءِ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ جُنُبًا، وَهُوَ آفَاقِيٌّ يُرِيدُ مَكَّةَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ إحْرَامٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَإِذَا أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ يَبْدَأُ بِهَا فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا يَطُوفُ لِلزِّيَارَةِ وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَأْخِيرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْ وَقْتِهِ، وَفَهِمَ الرَّازِيّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الطَّوَافَ الثَّانِيَ مُعْتَدٌّ بِهِ، وَأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ انْفَسَخَ وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ إلَى أَنَّ الْأَوَّلَ مُعْتَبَرٌ فِي فَصْلِ الْجِنَايَةِ كَمَا فِي فَصْلِ الْحَدَثِ اتِّفَاقًا وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَذْكُرْ صِفَةَ الْإِعَادَةِ إلَخْ) قَالَ: فِي النَّهْرِ وَالْأَصَحُّ نَدْبُهَا مَعَ الْحَدَثِ وَوُجُوبُهَا مَعَ الْجِنَايَةِ فَإِنْ أَعَادَهُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَلَا ذَبْحَ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ الْإِمَامِ لِلتَّأْخِيرِ قَالَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ (قَوْلُهُ: فَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِيهِمَا) أَيْ فِي الطَّوَافِ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا، وَقَوْلُهُ مُطْلَقًا الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهَا لَكِنَّهُ خَاصٌّ فِي الطَّوَافِ مُحْدِثًا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ، وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ ثُمَّ إذَا أَعَادَهُ، وَقَدْ طَافَ مُحْدِثًا لَا ذَبْحَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَعَادَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْإِعَادَةِ لَا تَبْقَى إلَّا شُبْهَةُ النُّقْصَانِ، وَإِنْ أَعَادَهُ، وَقَدْ طَافَهُ جُنُبًا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَعَادَهُ فِي وَقْتِهِ، وَإِنْ أَعَادَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ لَزِمَهُ الدَّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِالتَّأْخِيرِ. اهـ. هَذَا وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَوْ طَافَ لِلرُّكْنِ جُنُبًا وَلِلصَّدْرِ طَاهِرًا أَنَّ عَلَيْهِ دَمَيْنِ أَيْ وَتَسْقُطُ الْبَدَنَةُ لِوُقُوعِ طَوَافِ الصَّدْرِ عَنْ طَوَافِ الرُّكْنِ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَأْخِيرِهِ وَدَمٌ لِتَرْكِ الصَّدْرِ إنْ لَمْ يُعِدْهُ كَمَا سَيَشْرَحُهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ طَافَ جُنُبًا) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الظَّرْفِ، وَمُتَعَلِّقِهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ مُتَعَلِّقٌ بِأَعَادَهُ، وَقَيَّدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَافَ مُحْدِثًا، وَأَعَادَهُ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ سَوَاءٌ أَعَادَهُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلتَّأْخِيرِ كَمَا فِي اللُّبَابِ، وَعَزَاهُ شَارِحُهُ إلَى الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا قَالَ: وَفِي الْبَحْرِ الزَّاخِرِ هُوَ الصَّحِيحُ ثُمَّ قَالَ: فِي اللُّبَابِ، وَقِيلَ يَجِبُ عَلَيْهِ لِلتَّأْخِيرِ دَمٌ. قَالَ: شَارِحُهُ قَالَ: قِوَامُ الدِّينِ مَا فِي الْهِدَايَةِ سَهْوٌ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ النُّسُكِ عَنْ وَقْتِهِ يُوجِبُ الدَّمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ مُصَرِّحَةٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَلِذَا قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إذَا أَعَادَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ سَوَاءٌ كَانَتْ إعَادَتُهُ بِسَبَبِ الْحَدَثِ أَوْ الْجَنَابَةِ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْبَدَائِعِ وَصَحَّحَ فِي السِّرَاجِ مَا فِي الْهِدَايَةِ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ إنَّهُ الْأَظْهَرُ. اهـ. وَوَجْهُهُ أَنَّ طَوَافَهُ الْأَوَّلَ مُعْتَدٌّ بِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَالْإِعَادَةُ لِتَكْمِيلِ الْعِبَادَةِ وَتَمَامُهُ فِيهِ ثُمَّ قَالَ فِي اللُّبَابِ، وَقِيلَ صَدَقَةٌ لِكُلِّ شَوْطٍ، وَعَزَاهُ شَارِحُهُ إلَى الْخُلَاصَةِ وَشَرْحِ الْجَامِعِ لِقَاضِي خَانْ وَسَيَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ ذَلِكَ بَعْدَ وَرَقَتَيْنِ (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى شَيْئَيْنِ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ (قَوْلُهُ: وَفَهِمَ الرَّازِيّ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ لِتَأْخِيرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْ وَقْتِهِ، وَكَانَ الْأَظْهَرُ تَقْدِيمَ هَذَا عَلَى قَوْلِهِ، وَأَمَّا إذَا رَجَعَ كَمَا فَعَلَ فِي الْفَتْحِ وَالنَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ بَحْثِ الْإِعَادَةِ قَبْلَ الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي فَصْلِ الْحَدَثِ اتِّفَاقًا) حَاصِلُهُ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِعَادَةِ فِي فَصْلِ الْجَنَابَةِ فَعِنْدَ الرَّازِيّ الطَّوَافُ الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَدُّ بِهِ، وَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ الْأَوَّلُ، وَاتَّفَقُوا فِي الْمُحْدِثِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِيَ جَابِرٌ كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ

стр. 821

الْإِيضَاحِ إذْ لَا شَكَّ فِي وُقُوعِ الْأَوَّلِ مُعْتَدًّا بِهِ حَتَّى حَلَّ بِهِ النِّسَاءُ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا فِي الْأَصْلِ لَوْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا إنْ أَعَادَهُ فِي شَوَّالٍ أَوْ لَمْ يُعِدْهُ، وَقَوَّاهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. وَإِنَّمَا وَجَبَ الدَّمُ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِعَادَةُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَإِذَا مَضَتْ تَرَكَ وَاجِبًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخُلْفَ لَفْظِيٌّ لَا ثَمَرَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الدَّمَ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا، وَإِنْ اخْتَلَفَ التَّخْرِيجُ. (قَوْلُهُ: وَصَدَقَةٌ لَوْ مُحْدِثًا لِلْقُدُومِ) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ لَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ مُحْدِثًا؛ لِأَنَّهُ دَخَلَهُ نَقْصٌ بِتَرْكِ الطَّهَارَةِ فَيَنْجَبِرُ بِالصَّدَقَةِ إظْهَارًا لِدُنُوِّ رُتْبَتِهِ عَنْ الْوَاجِبِ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ. وَأَشَارَ إلَى أَنَّ كُلَّ طَوَافٍ هُوَ تَطَوُّعٌ فَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَيَّدَ بِالْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ جُنُبًا لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ وَدَمٌ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ فِيهِ مُتَغَلِّظٌ فَتَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ احْتِيَاطًا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ طَوَافَ التَّحِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ، وَإِنْ أَعَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَبِهَذَا ظَهَرَ بُطْلَانُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى الْإِسْبِيجَابِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَوْ طَافَ لِلِقَاءٍ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلطَّوَافِ؛ وَلِأَنَّ طَوَافَ التَّطَوُّعِ إذَا شَرَعَ فِيهِ صَارَ وَاجِبًا بِالشُّرُوعِ ثُمَّ يَدْخُلُهُ النَّقْصُ بِتَرْكِ الطَّهَارَةِ فِيهِ. غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ وُجُوبَهُ لَيْسَ بِإِيجَابِهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً فَأَظْهَرْنَا التَّفَاوُتَ فِي الْحَطِّ مِنْ الدَّمِ إلَى الصَّدَقَةِ فِيمَا إذَا طَافَهُ مُحْدِثًا، وَمِنْ الْبَدَنَةِ إلَى الشَّاةِ فِيمَا إذَا طَافَهُ جُنُبًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَقْتَضِي وُجُوبَ الشَّاةِ فِيمَا إذَا طَافَ لِلتَّطَوُّعِ جُنُبًا. وَذَكَرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّهُ إنْ طَافَ لِلْقُدُومِ مُحْدِثًا وَسَعَى وَرَمَلَ عَقِبَهُ فَهُوَ جَائِزٌ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُعِيدَهُمَا عَقِيبَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَإِنْ طَافَ لَهُ جُنُبًا وَسَعَى وَرَمَلَ عَقِبَهُ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ عَقِبَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَيَرْمُلُ فِيهِ. (قَوْلُهُ: وَالصَّدْرِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الْقُدُومِ فَتَجِبُ صَدَقَةٌ لَوْ طَافَ مُحْدِثًا وَدَمٌ لَوْ جُنُبًا فَقَدْ سَوَّوْا بَيْنَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَبَيْنَ طَوَافِ الصَّدْرِ مَعَ أَنَّ الْأَوَّلَ سُنَّةٌ وَالثَّانِيَ وَاجِبٌ، وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ يَصِيرُ وَاجِبًا أَيْضًا بِالشُّرُوعِ، وَأَقَرَّهُ الشَّارِحُونَ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ مَا وَجَبَ ابْتِدَاءً قَبْلَ الشُّرُوعِ أَقْوَى مِمَّا وَجَبَ بِالشُّرُوعِ فَيَنْبَغِي عَدَمُ الْمُسَاوَاةِ قَيَّدَ بِتَرْكِ الطَّهَارَةِ لِلطَّوَافِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا لَا يُوجِبُ شَيْئًا سَوَاءٌ كَانَ سَعْيَ عُمْرَةٍ أَوْ حَجٍّ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تُؤَدَّى لَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ تُؤَدَّى لَا فِي الْمَسْجِدِ فِي أَحْكَامِ الْمَنَاسِكِ فَالطَّهَارَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لَهَا كَالسَّعْيِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ بِخِلَافِ الطَّوَافِ فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ تُؤَدَّى فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَتْ الطَّهَارَةُ وَاجِبَةً فِيهِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ. (قَوْلُهُ: ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: حَتَّى حَلَّ بِهِ النِّسَاءُ) كَذَا صَرَّحَ بِهِ فِي اللُّبَابِ حَيْثُ قَالَ: وَيَقَعُ مُعْتَدًّا بِهِ فِي حَقِّ التَّحَلُّلِ لَكِنْ ذَكَرَ قَبْلَهُ فَرْعًا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ: لَوْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ جُنُبًا ثُمَّ جَامَعَ ثُمَّ أَعَادَهُ طَاهِرًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَقَالَ: شَارِحُهُ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى انْفِسَاخِ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي وَتَمَامُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا وَجَبَ الدَّمُ) أَيْ فِيمَا لَوْ أَعَادَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَقَدْ طَافَهُ جُنُبًا (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخُلْفَ لَفْظِيٌّ) أَيْ الْخُلْفُ بَيْنَ الرَّازِيّ وَالْكَرْخِيِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ قَالَ فِي السِّرَاجِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي إعَادَةِ السَّعْيِ فَعَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ لَا تَجِبُ إعَادَتُهُ، وَعَلَى قَوْلِ الرَّازِيّ تَجِبُ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ قَدْ انْفَسَخَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ. اهـ. وَأَمَّا مَا فِي النَّهْرِ مِنْ أَنَّ مُقْتَضَى مَا قَالَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ اعْتِبَارُ الثَّانِي، وَعَلَيْهِ فَالْخِلَافُ مَعْنَوِيٌّ فَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِي إيجَابِ الدَّمِ، وَعَدَمُهُ فِي فَصْلِ الْحَدَثِ. اهـ. فَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ فِي فَصْلِ الْجِنَايَةِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِمَا عَلِمْت مِنْ تَأْيِيدِ نَقْلِهِ الِاتِّفَاقَ فِي الْحَدَثِ بِمَا نَقَلْنَاهُ أَوَّلًا عَنْ السِّرَاجِ، وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ دَعْوَاهُ أَنَّ مُقْتَضَى مَا قَالَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ اعْتِبَارَ الثَّانِي إنْ كَانَ مُرَادُهُ مِنْ قَوْلِ الْإِسْبِيجَابِيِّ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ النَّهْرِ غَيْرُهُ فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ، وَإِلَّا أَيْ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْهَا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى فَصْلِ الْجِنَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا ظَهَرَ بُطْلَانُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَا قَالَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ مُوَافِقٌ لِمَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ كَمَا فِي الدِّرَايَةِ وَجَزَمَهُ فِي الْمُحِيطِ بِحُكْمٍ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَوْ طَافَ مَعَ النَّجَاسَةِ كَمَا مَرَّ مَعَ وُجُوبِ التَّحَامِي عَنْهَا عَلَى الطَّائِفِينَ نَعَمْ الْقَوْلُ بِضَعْفِهِ لَهُ وَجْهٌ. (قَوْلُهُ: وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْهِدَايَةِ إلَخْ) لَيْسَ ذَلِكَ فِي الْهِدَايَةِ، وَإِنَّمَا أَجَابَ فِيهَا عَمَّا قَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي وُجُوبُ الدَّمِ فِي الصَّدْرِ لِوُجُوبِهِ بِأَنَّهُ دُونَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا قَالَ: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَجِبُ شَاةٌ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ طَافَ جُنُبًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ كَثِيرٌ ثُمَّ هُوَ دُونَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ فَيُكْتَفَى بِالشَّاةِ. اهـ. نَعَمْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْإِشْكَالِ وَالْجَوَابِ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ يُقَالُ إلَخْ فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ كَمَا فِي النَّهْرِ بِأَنَّ أَحَدَ الْمَحْظُورَيْنِ لَازِمٌ أَعْنِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْقُدُومِ فَالْتَزَمَ أَهْوَنَهُمَا، وَهُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْوَاجِبِ ابْتِدَاءً وَالْوَاجِبِ بَعْدَ الشُّرُوعِ، قَالَ: وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ طَوَافَ الصَّدْرِ وَاجِبٌ بِفِعْلِ الْعَبْدِ أَيْضًا، وَهُوَ الصَّدْرُ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّهُ وَهْمٌ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ قَبْلَهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِخِلَافِ الْقُدُومِ.

стр. 822

أَوْ تَرَكَ أَقَلَّ طَوَافِ الرُّكْنِ، وَلَوْ تَرَكَ أَكْثَرَهُ بَقِيَ مُحْرِمًا) أَيْ يَجِبُ دَمٌ بِتَرْكِ شَوْطٍ أَوْ شَوْطَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَلَوْ تَرَكَ أَرْبَعَةً مِنْهُ فَإِنَّهُ مُحْرِمٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرُّكْنَ عِنْدَنَا أَكْثَرُ السَّبْعَةِ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْوَاطٍ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنَّمَا أُقِيمَ الْأَكْثَرُ مَقَامَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَقَامَ الْأَكْثَرَ فِي الْحَجِّ مَقَامَ الْكُلِّ فِي وُقُوعِ الْأَمْنِ عَنْ الْفَوَاتِ احْتِيَاطًا بِقَوْلِهِ: مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَدْ قُلْنَا مَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَا يَفْسُدُ وَبَعْدَ الرَّمْيِ لَا يَفْسُدُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ حَلَقَ أَكْثَرَ الرَّأْسِ صَارَ مُتَحَلِّلًا فَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِلتَّيْسِيرِ جَرَيْنَا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَأَقَمْنَا الْأَكْثَرَ مَقَامَ الْكُلِّ فِي بَابِ التَّحَلُّلِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ صِيَانَةً لِهَذِهِ الْعِبَادَةِ عَنْ الْفَوَاتِ وَتَحْقِيقًا لِلْأَمْرِ يَعْنِي أَنَّ الطَّوَافَ أَحَدُ سَبَبَيْ التَّحَلُّلِ فَلَمَّا أُقِيمَ الْأَكْثَرُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي أَحَدِ السَّبَبَيْنِ، وَهُوَ الْحَلْقُ بِالْإِجْمَاعِ أُقِيمَ فِي السَّبَبِ الْآخَرِ، وَهُوَ الطَّوَافُ أَيْضًا كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ إقَامَةَ الْأَكْثَرِ فِي تَمَامِ الْعِبَادَةِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ حُكْمٍ خَاصٍّ، وَهُوَ أَمْنُ الْفَسَادِ وَالْفَوَاتِ لَيْسَ غَيْرُ وَلِذَا لَمْ يَحْكُمْ بِأَنَّ تَرْكَ مَا بَقِيَ أَعْنِي الطَّوَافَ يَتِمُّ مَعَهُ الْحَجُّ، وَهُوَ مَوْرِدُ ذَلِكَ النَّصِّ فَلَا يَلْزَمُ جَوَازُ إقَامَةِ أَكْثَرِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ مَقَامَ تَمَامِ ذَلِكَ الْجُزْءِ وَتَرْكِ بَاقِيهِ كَمَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي نَفْسِ مَوْرِدِ النَّصِّ أَعْنِي الْحَجَّ فَلَا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بَلْ الَّذِي نَدِينُ بِهِ أَنْ لَا يُجْزِئَ أَقَلُّ مِنْ السَّبْعَةِ، وَلَا يُجْبَرُ بَعْضُهُ بِشَيْءٍ غَيْرَ أَنَّا نَسْتَمِرُّ مَعَهُمْ فِي التَّقْرِيرِ عَلَى أَصْلِهِمْ. اهـ. وَهَذَا مِنْ أَبْحَاثِهِ الْمُخَالِفَةِ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ قَاطِبَةً لَكِنْ لَمْ يَجِبْ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِحَلْقِ أَكْثَرِ الرَّأْسِ فِي أَنَّهُ يُفِيدُ التَّحَلُّلَ بِالْإِجْمَاعِ فَإِقَامَتُنَا الْأَكْثَرَ فِي الطَّوَافِ لِأَجْلِ التَّحَلُّلِ مُسْتَفَادٌ مِنْ دَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الدَّمُ بِتَرْكِ الْأَقَلِّ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ نَقْصًا فِي طَوَافِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ طَافَهُ مُحْدِثًا. وَأَشَارَ بِالتَّرْكِ إلَى أَنَّ الدَّمَ إنَّمَا يَجِبُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِمَا تَرَكَهُ أَمَّا إذَا أَتَمَّ الْبَاقِيَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إنْ كَانَ الْإِتْمَامُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ أَمَّا بَعْدَهَا فَيَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِكُلِّ شَوْطٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ خِلَافًا لَهُمَا فَإِنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ بَعَثَ شَاةً لِمَا بَقِيَ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَشَاةً أُخْرَى لِتَرْكِ طَوَافِ الصَّدْرِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ بَعْثَ الشَّاةِ لِتَرْكِ الْأَقَلِّ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ طَافَ لِلصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَافَ لِلصَّدْرِ انْتَقَلَ مِنْهُ إلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ مَا يُكْمِلُهُ ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى الْبَاقِي مِنْ طَوَافِ الصَّدْرِ إنْ كَانَ أَقَلَّهُ لَزِمَهُ صَدَقَةٌ، وَإِلَّا فَدَمٌ، وَلَوْ كَانَ طَافَ لِلصَّدْرِ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَقَدْ تَرَكَ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ أَكْثَرَهُ كَمَّلَهُ مِنْ الصَّدْرِ، وَلَزِمَهُ دَمَانِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ دَمٌ لِتَأْخِيرِهِ ذَلِكَ وَدَمٌ آخَرُ لِتَرْكِ أَكْثَرِ الصَّدْرِ، وَإِنْ تَرَكَ أَقَلَّهُ لَزِمَهُ لِلتَّأْخِيرِ دَمٌ وَصَدَقَةٌ لِلْمَتْرُوكِ مِنْ الصَّدْرِ مَعَ ذَلِكَ الدَّمِ وَجُمْلَتُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي أَنَّ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ الْأَقَلِّ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ دَمًا، وَفِي تَأْخِيرِ الْأَقَلِّ صَدَقَةً، وَفِي تَرْكِ الْأَكْثَرِ مِنْ طَوَافِ الصَّدْرِ دَمٌ، وَفِي تَرْكِ أَقَلِّهِ صَدَقَةٌ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَمَبْنَى هَذَا النَّقْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ طَوَافَ الزِّيَارَةِ رُكْنُ عِبَادَةٍ، وَالنِّيَّةُ لَيْسَتْ شَرْطًا لِكُلِّ رُكْنٍ إلَّا مَا يَسْتَقِلُّ عِبَادَةً بِنَفْسِهِ فَشَرْطُ نِيَّةِ أَصْلِ الطَّوَافِ دُونَ التَّعْيِينِ فَلَوْ طَافَ فِي وَقْتِهِ يَنْوِي النَّذْرَ أَوْ النَّفَلَ وَقَعَ عَنْهُ كَمَا لَوْ نَوَى بِالسَّجْدَةِ مِنْ الظُّهْرِ النَّفَلَ لَغَتْ وَوَقَعَتْ عَنْ الرُّكْنِ، وَإِنَّ تَوَالِيَ الْأَشْوَاطِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ كَمَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّوَافِ لِتَجْدِيدِ وُضُوءٍ ثُمَّ رَجَعَ بَنَى. (قَوْلُهُ: أَوْ تَرَكَ أَكْثَرَ الصَّدْرِ أَوْ طَافَهُ جُنُبًا وَصَدَقَةٌ بِتَرْكِ أَقَلِّهِ) أَيْ يَجِبُ الدَّمُ، وَلَمَّا كَانَ طَوَافُ الصَّدْرِ وَاجِبًا وَجَبَ بِتَرْكِ كُلِّهِ أَوْ أَكْثَرِهِ دَمٌ وَبِتَرْكِ أَقَلِّهِ صَدَقَةٌ لِكُلِّ شَوْطٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ تَفْرِقَةً ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَهَذَا مِنْ أَبْحَاثِهِ الْمُخَالِفَةِ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ) أَيْ فَلَا يُعْتَبَرُ أَصْلًا كَمَا قَالَهُ تِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى الْبَاقِي مِنْ طَوَافِ الصَّدْرِ) أَيْ الْبَاقِي عَلَيْهِ مِنْهُ، وَهُوَ قَدْرُ مَا انْتَقَلَ إلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ (قَوْلُهُ: وَجُمْلَتُهُ إلَخْ) أَيْ جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ ثُمَّ مَا أَفَادَهُ فِي هَذَا الْحَاصِلِ مِنْ لُزُومِ الصَّدَقَةِ فِي تَأْخِيرِ الْأَقَلِّ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ قَوْلِهِ أَمَّا بَعْدَهَا فَيَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ، وَمُخَالِفٌ لِمَا بَعْدَهُ مِنْ التَّصْرِيحِ بِلُزُومِ الدَّمِ فِي تَأْخِيرِ أَكْثَرِهِ أَوْ أَقَلِّهِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ لَوْ طَافَ ثَلَاثَةً لِلزِّيَارَةِ وَطَافَ طَوَافَ الصَّدْرِ أَكْمَلَ مِنْهُ الزِّيَارَةَ، وَلَزِمَهُ تَرْكُ طَوَافِ الصَّدْرِ اتِّفَاقًا وَدَمٌ لِتَأْخِيرِ الْأَشْوَاطِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْ وَقْتِهِ إنْ كَانَ طَافَ لِلصَّدْرِ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ الْأَكْثَرَ فَصَارَ كَتَأْخِيرِ الْكُلِّ. اهـ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُؤَخَّرُ الْأَقَلَّ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ وَسَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة صَرِيحًا، وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَوْ أَخَّرَ طَوَافَ الْفَرْضِ كُلَّهُ أَوْ أَكْثَرَهُ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ أَقَلَّ طَوَافِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ دَمٌ بَلْ صَدَقَةٌ عِنْدَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِي تَأْخِيرِ الْأَقَلِّ صَدَقَةٌ) زَادَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي تَرْكِ كُلِّهِ أَوْ أَكْثَرِهِ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِحْرَامِ، وَفِي تَأْخِيرِ كُلِّهِ أَوْ أَكْثَرِهِ دَمٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ

стр. 823

بَيْنَ الْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ بِخِلَافِ الْأَقَلِّ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْعُمْرَةِ حَيْثُ يَجِبُ دَمٌ بِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ طَوَافُ رُكْنٍ فَكَانَ أَقْوَى مِنْ الْوَاجِبِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا حُكْمَ مَا إذَا طَافَ لِلصَّدْرِ جُنُبًا لَكِنْ فِي عِبَارَتِهِ قُصُورٌ حَيْثُ لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ طَوَافِ الْقُدُومِ جُنُبًا. وَعِبَارَةُ الْمَجْمَعِ أَوْلَى، وَهِيَ وَإِنْ طَافَ لِلْقُدُومِ أَوْ لِلصَّدْرِ مُحْدِثًا وَجَبَتْ صَدَقَةٌ وَجُنُبًا دَمٌ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَدَثَيْنِ. وَأَشَارَ بِالتَّرْكِ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِمَا تَرَكَهُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤَقَّتٍ، وَفِي الْهِدَايَةِ وَيُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ مَا دَامَ بِمَكَّةَ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ. (قَوْلُهُ: أَوْ طَافَ لِلرُّكْنِ مُحْدِثًا وَلِلصَّدْرِ طَاهِرًا فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَدَمَانِ لَوْ طَافَ لِلرُّكْنِ جُنُبًا) أَيْ تَجِبُ شَاةٌ فِي الْأُولَى وَشَاتَانِ فِي الثَّانِيَةِ أَمَّا فِي الْأُولَى فَهِيَ بِسَبَبِ الْحَدَثِ، وَلَمْ يَنْقُلْ طَوَافَ الصَّدْرِ إلَى الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي النَّقْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نُقِلَ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ لِتَرْكِ طَوَافِ الصَّدْرِ إجْمَاعًا إنْ كَانَ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ سَوَاءٌ طَافَ لِلصَّدْرِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ أَوْ لَا، قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَافَ لِلصَّدْرِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى أَهْلِهِ فَإِنَّهُ يَنْقُلُ طَوَافَ الصَّدْرِ إلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّ فِي النَّقْلِ فَائِدَةً، وَهُوَ سُقُوطُ الدَّمِ لِأَجْلِ الْحَدَثِ ثُمَّ يَطُوفُ لِلصَّدْرِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا طَافَ لِلصَّدْرِ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى أَهْلِهِ حَيْثُ لَا يَنْقُلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي النَّقْلِ لِوُجُوبِ دَمٍ بِالتَّأْخِيرِ عَلَى تَقْدِيرِهِ خِلَافًا لَهُمَا. وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ فِي النَّقْلِ فَائِدَةً، وَهِيَ سُقُوطُ الْبَدَنَةِ فَيَجِبُ دَمٌ لِتَأْخِيرِهِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ عِنْدَهُ وَدَمٌ لِتَرْكِ طَوَافِ الصَّدْرِ إنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ، وَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ يَطُوفُ لِلصَّدْرِ، وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا دَمٌ وَاحِدٌ لِلتَّأْخِيرِ فَإِنْ كَانَ طَافَ لِلصَّدْرِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَإِنَّهُ يُنْقَلُ إلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ ثُمَّ يَطُوفُ لِلصَّدْرِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَصْلًا، قَيَّدَ بِكَوْنِ الطَّوَافِ الثَّانِي لِلصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعَادَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ فَإِنْ كَانَ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْإِعَادَةِ لَا يَبْقَى إلَّا شُبْهَةُ النُّقْصَانِ، وَفِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ يَلْزَمُهُ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلتَّأْخِيرِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ سَهْوٌ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ مَسْطُورَةٌ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّمُ إذَا أَعَادَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ لِلتَّأْخِيرِ سَوَاءٌ كَانَ بِسَبَبِ الْحَدَثِ أَوْ الْجِنَايَةِ. اهـ. وَهَكَذَا فِي الْمُحِيطِ سَوَّى بَيْنَ الْحَدَثَيْنِ، وَهَذَا قُصُورُ نَظَرٍ مِنْ صَاحِبِ الْغَايَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ فَمَا فِي الْهِدَايَةِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ذَكَرَهَا الْإِمَامُ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَصَدَّرَ بِهَا وَاعْتَمَدَهَا، وَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالْمُحِيطِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ أَيْضًا رِوَايَةً ثَالِثَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عَلَيْهِ الصَّدَقَةَ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَوَجَّهَهَا بِأَنَّهُ أَخَّرَ الْجَبْرَ عَنْ وَقْتِ الطَّوَافِ فَيَبْقَى نَوْعُ نَقْصٍ لَكِنَّ نُقْصَانَ التَّأْخِيرِ دُونَ نُقْصَانِ تَرْكِ الْقَضَاءِ، وَالْوَاجِبُ بِتَرْكِ الْقَضَاءِ هُوَ الدَّمُ فَكَانَ الْوَاجِبُ بِتَأْخِيرِ الْقَضَاءِ هُوَ الصَّدَقَةَ اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ وَسَعَى مُحْدِثًا، وَلَمْ يُعِدْ) أَيْ تَجِبُ شَاةٌ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ، وَلَمْ يُعِدْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعَادَ الطَّوَافَ طَاهِرًا ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي عِبَارَتِهِ قُصُورٌ إلَخْ) قَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ تَرَكَهُ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ فَفِي اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ، وَلَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ جُنُبًا فَعَلَيْهِ دَمٌ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ وَاخْتَارَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ، وَقِيلَ صَدَقَةٌ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ الظَّاهِرُ وُجُوبُ الصَّدَقَةِ، وَقِيلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لَيْسَ لِطَوَافِ التَّحِيَّةِ صَدَقَةٌ، وَلَوْ طَافَهُ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ عَلَى مَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ وَصَرَّحَ بِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ مُخْتَارُ الْقُدُورِيِّ وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمَا. اهـ. أَقُولُ: لَكِنْ مَا فِي الْمَبْسُوطِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا حَكَاهُ شَارِحُ اللُّبَابِ مِنْ الْقَوْلِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الصَّدَقَةِ صَادِقٌ بِوُجُوبِ الدَّمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُؤَيِّدًا لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ نَصًّا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي الْأُولَى) أَيْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهِيَ مَا لَوْ طَافَ لِلرُّكْنِ مُحْدِثًا وَلِلصَّدْرِ طَاهِرًا فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَقَوْلُهُ فَهِيَ أَيْ الْجِنَايَةُ أَوْ الشَّاةُ أَيْ وُجُوبُهَا بِسَبَبِ الْحَدَثِ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَعِبَارَةُ الشَّرْحِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَنْتَقِلْ طَوَافُ الصَّدْرِ إلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ، وَإِعَادَةُ الزِّيَارَةِ بِسَبَبِ الْحَدَثِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ فَلَا يُنْقَلُ طَوَافُ الصَّدْرِ إلَيْهِ فَيَجِبُ الدَّمُ بِسَبَبِ الْحَدَثِ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ وَاعْتَرَضَ قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي النَّقْلِ إلَخْ بِقَوْلِهِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ نَفْيَ الْفَائِدَةِ مَمْنُوعٌ إذْ لَوْ نَقَلَ لَسَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ. اهـ. أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ طَافَ لِلصَّدْرِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي النَّقْلِ لِوُجُوبِ الدَّمِ بِالتَّأْخِيرِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْك انْدِفَاعُ هَذَا الْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَهُ بِكَوْنِهِ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ أَمَّا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ يُنْقَلُ إنْ كَانَ طَافَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ) أَيْ، وَأَمَّا وُجُوبُ الدَّمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ مَا لَوْ طَافَ لِلرُّكْنِ جُنُبًا وَلِلصَّدْرِ طَاهِرًا فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعَادَهُ) أَيْ أَعَادَ الرُّكْنَ. (قَوْلُهُ: قَيَّدَ بِقَوْلِهِ، وَلَمْ يُعِدْ) مُقْتَضَى جَعْلِهِ ذَلِكَ قَيْدًا أَنَّ الْوَاوَ فِيهِ لِلْحَالِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَبِهِ صَرَّحَ مِسْكِينٌ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ أَعَادَهُمَا لَا شَيْءَ، وَإِنْ أَعَادَ الطَّوَافَ

стр. 824

فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِارْتِفَاعِ النُّقْصَانِ بِالْإِعَادَةِ، وَلَا يُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ لِوُقُوعِ التَّحَلُّلِ بِأَدَاءِ الرُّكْنِ مَعَ الْحَلْقِ، وَالنُّقْصَانُ يَسِيرٌ، وَمَا دَامَ بِمَكَّةَ يُعِيدُ الطَّوَافَ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُعِيدَ السَّعْيَ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلطَّوَافِ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي السَّعْيِ، وَقَدْ وَقَعَ عَقِبَ طَوَافٍ مُعْتَدٍ بِهِ، وَإِعَادَتُهُ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ كَوُجُوبِ الدَّمِ لَا لِانْفِسَاخِ الْأَوَّلِ. وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَدَثَيْنِ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِالشَّاةِ فِيمَا إذَا طَافَ لِعُمْرَتِهِ جُنُبًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْجَنَابَةِ أَغْلَظُ مِنْ الْحَدَثِ كَمَا فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ لَكِنْ اكْتَفَى بِهَا اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ طَوَافَ الزِّيَارَةِ فَوْقَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، وَإِيجَابُ أَغْلَظِ الدِّمَاءِ، وَهُوَ الْبَدَنَةُ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ كَانَ لِمَعْنَيَيْنِ وَكَادَةُ الطَّوَافِ وَغِلَظُ أَمْرِ الْجَنَابَةِ فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ دُونَ الثَّانِي تَعَذَّرَ إيجَابُ أَغْلَظِ الدِّمَاءِ فَاقْتَصَرْنَا عَلَى الشَّاةِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. وَفِي الْمُحِيطِ: وَلَوْ طَافَ الْقَارِنُ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ مُحْدِثًا أَعَادَ طَوَافَ الْعُمْرَةِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْجَبْرِ بِجِنْسِهِ فِي وَقْتِهِ فَإِنْ لَمْ يُعِدْ حَتَّى طَلَعَ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ لَزِمَهُ دَمٌ لِطَوَافِ الْعُمْرَةِ مُحْدِثًا، وَقَدْ فَاتَ وَقْتُ الْقَضَاءِ وَيَرْمُلُ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَسْعَى بَعْدَهُ اسْتِحْبَابًا لِيَحْصُلَ الرَّمْلُ وَالسَّعْيُ عَقِبَ طَوَافٍ كَامِلٍ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَعَى عَقِبَ طَوَافٍ مُعْتَدٍّ بِهِ إذْ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ لَا يَمْنَعُ الِاعْتِدَادَ، وَفِي الْجَنَابَةِ إنْ لَمْ يُعِدْ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِلسَّعْيِ، وَكَذَا الْحَائِضُ. اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الْمُعْتَمِرَ يُعِيدُ الطَّوَافَ مَحَلُّهُ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَارِنًا أَمَّا فِي الْقَارِنِ إذَا دَخَلَ يَوْمُ النَّحْرِ فَلَا إعَادَةَ، وَعَلَّلَ لَهُ مُحَمَّدٌ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ بَدَّارٍ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِأَنَّهُ لَوْ أَعَادَهُ لَانْتَقَضَتْ عُمْرَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ رَافِضًا لَهَا بِالْوُقُوفِ، وَقَدْ تَأَكَّدَتْ فَلَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ النَّقْصِ بِجِنْسِهِ فَيُجْبَرُ بِالدَّمِ قَالَ ابْنُ سِمَاعَةَ فَقُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: إنَّكَ قُلْتَ فِي الْأَصْلِ إنَّ الْقَارِنَ لَوْ طَافَ لَهَا أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ وَسَعَى، وَلَمْ يَطُفْ لِحَجَّتِهِ حَتَّى وَقَفَ إنَّهُ يُتِمُّ طَوَافَ الْعُمْرَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَقَدْ أَوْجَبْت الْإِتْمَامَ، وَمَا أَوْجَبْت الدَّمَ قَالَ مُحَمَّدٌ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ قَدَّمَ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ، وَهُنَا الْفَسَادُ وُجِدَ فِي جَمِيعِ الطَّوَافِ فَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْ، وَأَبْطَلْنَا طَوَافَهُ لَرَفَضْنَا عُمْرَتَهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَطُفْ. اهـ. وَقَيَّدَ بِكَوْنِ طَوَافِ الْعُمْرَةِ كُلِّهِ مُحْدِثًا، وَالْأَكْثَرُ كَالْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَافَ أَقَلَّهُ مُحْدِثًا وَجَبَ عَلَيْهِ لِكُلِّ شَوْطٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ إلَّا إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ دَمًا فَيُنْقِصُ مِنْهُ مَا شَاءَ، وَلَوْ طَافَ أَقَلَّهُ جُنُبًا وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ فِي الْحَدَثَيْنِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى الضَّعِيفِ أَمَّا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ الْإِعَادَةَ فِيمَا إذَا طَافَ لِلرُّكْنِ مُحْدِثًا إنَّمَا هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ فَفِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ أَوْلَى، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا إذَا تَرَكَ الْأَقَلَّ مِنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَصَرَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِلُزُومِ الدَّمِ وَلِهَذَا لَوْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ فِي جَوْفِ الْحِجْرِ، وَلَمْ يُعِدْ حَتَّى رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مِنْ الطَّوَافِ رُبْعَهُ؛ لِأَنَّ الْحِجْرَ رُبْعُ الْبَيْتِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ فَفِي طَوَافِ الْفَرْضِ أَوْلَى، وَأَمَّا فِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ إذَا دَخَلَ فِي جَوْفِ الْحِجْرِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ فِيهِ الصَّدَقَةُ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ، وَلَا يَنْبَغِي التَّعْبِيرُ بِيَنْبَغِي؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ فِي الْمُخْتَصَرِ قَدْ صَرَّحَ بِلُزُومِ الصَّدَقَةِ بِتَرْكِ الْأَقَلِّ مِنْ طَوَافِ الصَّدْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ وَالتَّطَوُّعِ فِي ــ [منحة الخالق] وَلَمْ يُعِدْ السَّعْيَ قِيلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ، وَقِيلَ عَلَيْهِ دَمٌ. اهـ. وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ تَبَعًا لِتَصْحِيحِ الْهِدَايَةِ لَكِنْ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالُوا إذَا أَعَادَ الطَّوَافَ، وَلَمْ يُعِدْ السَّعْيَ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّ الْإِعَادَةَ تَجْعَلُ الْمُؤَدَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَجْهٍ فَيَبْقَى السَّعْيُ قَبْلَ الطَّوَافِ وَذَلِكَ خِلَافُ الْمَشْرُوعِ؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي السَّعْيِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الطَّوَافِ. اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ وُجُوبِهِ، وَلَا نُسَلِّمُ انْتِقَاضَ الْمُؤَدَّى بَلْ مُعْتَدٌّ بِهِ وَالثَّانِي يُعْتَدُّ بِهِ جَابِرًا لِلدَّمِ، وَلَمَّا كَانَ جَعْلُ الْوَاوِ لِلْحَالِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الشَّرْحِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْمَشْيُ عَلَى مَرْجُوحٍ عَدَلَ الْعَيْنِيُّ عَنْهُ فَقَالَ: أَيْ لَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَتُهُمَا لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ فَقَطْ، وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا الْحَلَّ أَجَلُّ. اهـ. وَحَيْثُ مَشَى الْمُؤَلِّفُ عَلَى مَا فِي الْهِدَايَةِ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: وَلَمْ يُعِدْ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا كَمَا فِي الْعَيْنِيِّ (قَوْلُهُ: وَيَرْمُلُ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ إلَخْ) هَذَا الْكَلَامُ مَعَ تَعْلِيلِهِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْقَارِنَ يُرْمِلُ فِي طَوَافِ التَّحِيَّةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مُصَرَّحًا بِهِ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَوْ طَافَ أَقَلَّهُ مُحْدِثًا إلَخْ) ذَكَرَ مِثْلَهُ فِي السِّرَاجِ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْفَتْحِ عَنْ الْمُحِيطِ وَنَصُّهُ لَوْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَوْ تَرَكَ مِنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ شَوْطًا فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلصَّدَقَةِ فِي الْعُمْرَةِ. اهـ. وَفِي اللُّبَابِ، وَلَوْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ كُلَّهُ أَوْ أَكْثَرَهُ أَوْ أَقَلَّهُ لَوْ شَوْطًا جُنُبًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ وَالْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ لِلْبَدَنَةِ، وَلَا لِلصَّدَقَةِ بِخِلَافِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَ مِنْهُ أَيْ مِنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ أَقَلَّهُ، وَلَوْ شَوْطًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ أَعَادَهُ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ اهـ.

стр. 825

لُزُومِ الصَّدَقَةِ لِمَا أَنَّ الطَّوَافَ وَرَاءَ الْحَطِيمِ وَاجِبٌ فِي كُلِّ طَوَافٍ. (قَوْلُهُ: أَوْ تَرَكَ السَّعْيَ أَوْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ تَرَكَ الْوُقُوفَ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ رَمْيِ الْجِمَارِ كُلِّهَا أَوْ رَمْيِ يَوْمٍ) أَيْ تَجِبُ شَاةٌ بِتَرْكِ وَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا كُلَّهَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَرَادَ بِالتَّرْكِ التَّرْكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَمَّا إذَا تَرَكَ وَاجِبًا لِعُذْرٍ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ فِي تَرْكِ السَّعْيِ أَنَّهُ إنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ دَمٌ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمُ تَرْكِ الْوُجُوبِ فِي هَذَا الْبَابِ أَصْلُهُ طَوَافُ الصَّدْرِ حَيْثُ سَقَطَ عَنْ الْحَائِضِ بِالْحَدِيثِ وَصَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ فِي تَرْكِ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ بِغَيْرِ عُذْرٍ دَمًا لَا لِعُذْرٍ وَصَرَّحَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّهُ لَوْ سَعَى رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ دَمٌ إنْ لَمْ يُعِدْهُ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ وَاجِبٌ وَتَرْكَ الْوَاجِبِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يُوجِبُ الدَّمَ، وَلَوْ أَعَادَهُ بَعْدَ مَا حَلَّ وَجَامَعَ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ فِي نَفْسِهِ إنَّمَا الشَّرْطُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ بَعْدَ الطَّوَافِ، وَقَدْ وُجِدَ. اهـ. وَكَذَا لَوْ أَتَى بِهِ بَعْدَ مَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ، وَعَادَ إلَى مَكَّةَ لَكِنَّهُ يَعُودُ بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَقَيَّدَ بِتَرْكِهِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ أَطْعَمَ لِكُلِّ شَوْطٍ نِصْفَ صَاعٍ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ دَمًا فَيَنْقُصُ مِنْهُ مَا شَاءَ وَتَرْكُ أَكْثَرِهِ كَتَرْكِ كُلِّهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فِي السَّعْيِ الِابْتِدَاءَ بِالصَّفَا فَلَوْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ لَزِمَهُ دَمٌ، وَأَرَادَ بِالْإِفَاضَةِ قَبْلَ الْإِمَامِ الدَّفْعَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ وَحْدَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ لِمَا أَنَّ اسْتِدَامَةَ الْوُقُوفِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَاجِبَةٌ حَتَّى لَوْ أَبْطَأَ الْإِمَامُ بِالدَّفْعِ يَجُوزُ لِلنَّاسِ الدَّفْعُ قَبْلَهُ، وَهَذَا الْوَاجِبُ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ وَقَفَ نَهَارًا أَمَّا إنْ وَقَفَ لَيْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ مِنْ وُقُوفِهِ اُعْتُبِرَ رُكْنًا وَالْجُزْءَ الثَّانِيَ اُعْتُبِرَ وَاجِبًا كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ ثُمَّ عَادَ إنْ عَادَ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَدَمُ السُّقُوطِ وَالصَّحِيحُ السُّقُوطُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ الْمَتْرُوكَ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَإِنْ عَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ. وَالْقَوْلُ بِالسُّقُوطِ أَظْهَرُ خُصُوصًا عَلَى التَّصْحِيحِ السَّابِقِ بَلْ أَوْلَى. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَآخِرَهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ فَالْوُقُوفُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ كَتَرْكِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ دَمٌ وَاحِدٌ بِتَرْكِ الْجِمَارِ فِي الْأَيَّامِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ مُتَّحِدٌ كَمَا فِي الْحَلْقِ، وَالتَّرْكُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ، وَهُوَ الرَّابِعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا فِيهَا، وَمَا دَامَتْ الْأَيَّامُ بَاقِيَةً فَالْإِعَادَةُ مُمْكِنَةٌ فَيَرْمِيهَا عَلَى التَّأْلِيفِ ثُمَّ بِتَأْخِيرِهَا يَجِبُ الدَّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَإِنْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَلَوْ يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ تَامٌّ. قَيَّدَ بِرَمْيِ يَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ إحْدَى الْجِمَارِ الثَّلَاثِ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ نُسُكٌ وَاحِدٌ فِي يَوْمٍ فَكَانَ الْمَتْرُوكُ أَقَلَّ فَيَلْزَمُهُ لِكُلِّ حَصَاةٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ دَمًا فَيُنْقِصَ مَا شَاءَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ بِأَنْ يَتْرُكَ أَحَدَ عَشَرَ مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الدَّمُ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ إنْ أَخَّرَ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ إلَى الْيَوْمِ الثَّانِي لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِنْ أَخَّرَ رَمْيَهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي إلَى الثَّالِثِ أَوْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ إلَى الرَّابِعِ وَرَمْيِ الْجَمْرَتَيْنِ لَزِمَهُ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ كُلُّ الرَّمْيِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَفِي غَيْرِهِ ثُلُثُ الرَّمْيِ فَيَكُونُ مُؤَخِّرًا لِلْأَقَلِّ، وَلَوْ لَمْ يَرْمِ الْجَمْرَتَيْنِ لَزِمَهُ دَمٌ لِتَأْخِيرِ الْأَكْثَرِ وَعِنْدَهُمَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلتَّأْخِيرِ أَصْلًا. (قَوْلُهُ: أَوْ أَخَّرَ الْحَلْقَ أَوْ طَوَافَ الرُّكْنِ) أَيْ تَجِبُ شَاةٌ بِتَأْخِيرِ النُّسُكِ عَنْ زَمَانِهِ فَإِنَّ الْحَلْقَ وَطَوَافَ الزِّيَارَةِ مُؤَقَّتَانِ بِأَيَّامِ النَّحْرِ فَإِذَا أَخَّرَهُمَا عَنْ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا تَرَكَ وَاجِبًا لِعُذْرٍ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَخْ) قَيَّدَ بِالْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ارْتَكَبَ مَحْذُورَ الْعُذْرِ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْجَزَاءُ كَمَا فِي اللُّبَابِ وَسَيَأْتِي. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُذْرِ هُنَا مَا لَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ كَمَا حَقَّقَهُ الْمُؤَلِّفُ آخِرَ بَابِ الْإِحْصَارِ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ عِنْدَ قَوْلِ اللُّبَابِ: وَلَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ أَيْ بِمُزْدَلِفَةَ بِإِحْصَارٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ فَقَالَ: هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْإِحْصَارَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْذَارِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا مَانِعٌ مِنْ جَانِبِ الْمَخْلُوقِ فَلَا تَأْثِيرَ فِي إسْقَاطِ دَمِ الْوُجُوبِ الْإِلَهِيِّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ صَاحِبِ الْبَدَائِعِ فِيمَنْ أُحْصِرَ بَعْدَ الْوُقُوفِ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ ثُمَّ خُلِّيَ سَبِيلُهُ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا لِتَرْكِ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ وَدَمًا لِتَرْكِ الرَّمْيِ وَدَمًا لِتَأْخِيرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ أَيَّ عُذْرٍ أَعْظَمُ مِنْ الْإِحْصَارِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِحْصَارَ بِعَدُوٍّ لَا بِمَرَضٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ثُمَّ خُلِّيَ سَبِيلُهُ وَالْإِحْصَارُ بِعَدُوٍّ لَيْسَ بِعُذْرٍ لِسُقُوطِ الدَّمِ؛ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ، وَهُوَ لَيْسَ بِعُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ أَلَا تَرَى مَا قَالُوا مِنْ أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ كَالطِّيبِ وَاللُّبْسِ فَإِنَّهُ لَا يَتَخَيَّرُ فِي الْجَزَاءِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالدَّمِ وَالصَّدَقَةِ بَلْ عَلَيْهِ عَيْنُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ. اهـ. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ مُوَافِقٌ لِمَا حَقَّقَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْإِحْصَارِ (قَوْلُهُ: وَالْقَوْلُ بِالسُّقُوطِ أَظْهَرُ إلَخْ) قُلْتُ: وَقَدْ نَصَّ فِي الْجَوْهَرَةِ عَلَى التَّصْحِيحِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ عَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ عَلَى الصَّحِيحِ. اهـ. فَالصَّحِيحُ السُّقُوطُ بِالْعَوْدِ مُطْلَقًا أَيْ قَبْلَ

стр. 826

أَيَّامِ النَّحْرِ تَرَكَ وَاجِبًا فَيَلْزَمُهُ دَمٌ، وَكَذَا بِتَأْخِيرِ الرَّمْيِ عَنْ وَقْتِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «لَمْ أَشْعُرْ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ، وَقَالَ آخَرُ نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ إلَّا قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» . وَلَهُ أَنَّ التَّأْخِيرَ عَنْ الْمَكَانِ يُوجِبُ الدَّمَ فِيمَا إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَكَذَا التَّأْخِيرُ عَنْ الزَّمَانِ قِيَاسًا وَالْجَامِعُ كَوْنُ التَّأْخِيرِ نُقْصَانًا وَالْمُرَادُ بِالْحَرَجِ الْمَنْفِيِّ الْإِثْمُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَعُذْرُهُمْ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمَنَاسِكِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ ﵇ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» يُفِيدُ الْوُجُوبَ، وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ إذَا قَدَّمَ نُسُكًا عَلَى نُسُكٍ. قَالَ: فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ اعْلَمْ أَنَّ مَا يُفْعَلُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ الرَّمْيُ وَالنَّحْرُ وَالْحَلْقُ وَالطَّوَافُ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ. اهـ. لِأَثَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا عَلَى نُسُكٍ لَزِمَهُ دَمٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا قَدَّمَ الطَّوَافَ عَلَى الْحَلْقِ يَلْزَمُهُ دَمٌ عِنْدَهُ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْمِعْرَاجِ فِي مَسْأَلَةِ حَلْقِ الْقَارِنِ قَبْلَ الذَّبْحِ أَنَّهُ إذَا قَدَّمَ الطَّوَافَ عَلَى الْحَلْقِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ حَلَقَ قَبْلَ الرَّمْيِ لَزِمَهُ دَمٌ مُطْلَقًا، وَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ الرَّمْيِ لَزِمَهُ دَمٌ إنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا لَا إنْ كَانَ مُفْرِدًا؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ ثَلَاثَةٌ الرَّمْيُ وَالْحَلْقُ وَالطَّوَافُ، وَأَمَّا ذَبْحُهُ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فَلَا يَضُرُّهُ تَقْدِيمُهُ وَتَأْخِيرُهُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِتَقْدِيمِ نُسُكٍ عَلَى نُسُكٍ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ إلَّا أَنَّهُ مُسِيءٌ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ قَيَّدَ بِحَلْقِ الْحَجِّ وَطَوَافِهِ؛ لِأَنَّ حَلْقَ الْعُمْرَةِ وَطَوَافَهَا لَيْسَا بِمُؤَقَّتَيْنِ بِالزَّمَانِ فَلَا يَلْزَمُهُ بِتَأْخِيرِهِمَا شَيْءٌ، وَكَذَا طَوَافُ الصَّدْرِ، وَقَيَّدَ بِالطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِتَأْخِيرِ السَّعْيِ شَيْءٌ لِعَدَمِ تَوْقِيتِهِ بِزَمَانٍ. (قَوْلُهُ: أَوْ حَلَقَ فِي الْحِلِّ) أَيْ تَجِبُ شَاةٌ بِتَأْخِيرِ النُّسُكِ عَنْ مَكَانِهِ كَمَا إذَا خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ وَحَلَقَ رَأْسَهُ سَوَاءٌ كَانَ الْحَلْقُ لِلْحَجِّ أَوْ لِلْعُمْرَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵇، وَأَصْحَابَهُ أُحْصِرُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ وَحَلَقُوا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ» ، وَلَهُمَا الْقِيَاسُ عَلَى الذَّبْحِ وَبَعْضُ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ الْحَرَمِ فَلَعَلَّهُمْ حَلَقُوا فِيهِ مَعَ أَنَّ الْمُحْصَرَ لَا حَلْقَ عَلَيْهِ، وَإِنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ ﵇ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَلْقَ يَتَوَقَّتُ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَتَوَقَّتُ بِهِمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَوَقَّتُ بِالْمَكَانِ دُونَ الزَّمَانِ، وَعِنْدَ زُفَرَ عَلَى عَكْسِهِ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي التَّوْقِيتِ فِي حَقِّ التَّضْمِينِ بِالدَّمِ أَمَّا لَا يَتَوَقَّتُ فِي حَقِّ التَّحَلُّلِ بِالِاتِّفَاقِ. (قَوْلُهُ: وَدَمَانِ لَوْ حَلَقَ الْقَارِنُ قَبْلَ الذَّبْحِ) أَيْ يَجِبُ دَمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِتَقْدِيمِ الْقَارِنِ أَوْ الْمُتَمَتِّعِ الْحَلْقَ عَلَى الذَّبْحِ وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ نَصَّ ضَابِطُ الْمَذْهَبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الدَّمَيْنِ دَمُ الْقِرَانِ وَالْآخَرَ لِتَأْخِيرِ النُّسُكِ عَنْ وَقْتِهِ، وَأَنَّ عِنْدَهُمَا يَلْزَمُ دَمُ الْقِرَانِ فَقَطْ لَكِنْ وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ اشْتِبَاهٌ بِسَبَبِ ذِكْرِ الدَّمَيْنِ فِي بَابِ الْجِنَايَةِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْعِبَارَاتِ أَنَّ الدَّمَيْنِ لِأَجْلِ الْجِنَايَةِ، وَإِلَّا كَانَ ذِكْرُ الدَّمِ الْوَاحِدِ كَافِيًا لِلْعِلْمِ بِدَمِ الْقِرَانِ مِنْ بَابِهِ، وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: فَعَلَيْهِ دَمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ دَمٌ بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ؛ لِأَنَّ أَوَانَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ وَدَمٌ لِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ عَنْ ــ [منحة الخالق] الْغُرُوبِ وَبَعْدَهُ كَذَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة. (قَوْلُهُ: أَوْ ابْنِ عَبَّاسٍ) أَتَى بِأَوْ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ نُسَخِ الْهِدَايَةِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَهُوَ الْأَعْرَفُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ وَالطَّحَاوِيُّ (قَوْلُهُ: وَقَدْ نَصَّ فِي الْمِعْرَاجِ إلَخْ) قَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ ثُمَّ إلَى مَكَّةَ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صِحَّةِ الطَّوَافِ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَوْ قَبْلَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ، وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَهُوَ فِعْلُهُ فِي يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ، وَفِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عِنْدَ عَدِّ الْوَاجِبَاتِ، وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ وَالذَّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَمَّا التَّرْتِيبُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَبَيْنَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ فَسُنَّةٌ فَلَوْ طَافَ قَبْلَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُكْرَهُ لُبَابٌ. اهـ. وَبِالْأَوْلَى لَوْ طَافَ الْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ قَبْلَ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ يَجِبُ بَعْدَ الرَّمْيِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الطَّوَافَ قَبْلَ الرَّمْيِ لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ فَبِالْأَوْلَى قَبْلَ الذَّبْحِ. (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ ﵇) بِالرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْقِيَاسِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا الْخِلَافُ إلَخْ) هَذِهِ عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ قَالَ فِي الْفَتْحِ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي التَّضْمِينِ بِالدَّمِ لَا فِي التَّحَلُّلِ يَعْنِي أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ فِي أَيِّ مَكَان أَوْ زَمَانٍ أَتَى بِهِ يَحْصُلُ بِهِ التَّحَلُّلُ بَلْ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ إذَا حَلَقَ فِي غَيْرِ مَا تَوَقَّتَ بِهِ يَلْزَمُ الدَّمُ عِنْدَ مَنْ وَقَّتَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُوَقِّتْهُ. (قَوْلُهُ: وَلَكِنْ وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ اشْتِبَاهٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا مَعْنَى لِلِاشْتِبَاهِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا دَمُ الْقِرَانِ. اهـ. وَنَقَلَ قَبْلَهُ عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ قَارِنٌ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَعَلَيْهِ دَمَانِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ لِجِنَايَتِهِ عَلَى إحْرَامِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ دَمٌ آخَرُ لِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ عَلَى الْحَلْقِ. اهـ. يَعْنِي فَمَا فِي الْهِدَايَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا اشْتِبَاهَ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ

стр. 827

الْحَلْقِ وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ دَمٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْأَوَّلُ، وَلَا يَجِبُ بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ شَيْءٌ. اهـ. فَجُعِلَ الدَّمَيْنِ لِلْجِنَايَةِ فَنَسَبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَى التَّخْبِيطِ، وَإِلَى التَّنَاقُضِ فَإِنَّهُ جَعَلَ فِي بَابِ الْقِرَانِ أَحَدَهُمَا لِلشُّكْرِ وَالْآخَرَ لِلْجِنَايَةِ وَنَسَبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَى أَنَّهُ سَهْوٌ مِنْ الْقَلَمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ ذَلِكَ لَزِمَ فِي كُلِّ تَقْدِيمِ نُسُكٍ عَلَى نُسُكٍ دَمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْأَمْرَيْنِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ. وَلَوَجَبَ فِي حَلْقِ الْقَارِنِ قَبْلَ الذَّبْحِ ثَلَاثَةَ دِمَاءٍ فِي تَفْرِيعِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ إحْرَامَ عُمْرَتِهِ انْتَهَى بِالْوُقُوفِ، وَفِي تَفْرِيعِ مَنْ لَا يَرَاهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ خَمْسَةَ دِمَاءٍ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى إحْرَامَيْنِ وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ جِنَايَتَانِ فَفِيهِمَا أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ وَدَمُ الْقِرَانِ. اهـ. وَهَكَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ، وَلَمْ أَرَ جَوَابًا عَنْهُ وَظَهَرَ لِي أَنَّهُ لَا تَخْبِيطَ، وَلَا سَهْوَ مِنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ لِمَا أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافًا فَمَا فِي الْهِدَايَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ إجْمَاعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهَا وَيَجِبُ دَمُ الْقِرَانِ إجْمَاعًا وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي الدَّمِ الثَّالِثِ فَهَاهُنَا مَشَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ قَرِيبًا: وَقَالَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَذَكَرَ مِنْهُ مَا إذَا حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَصْلِ الرِّوَايَةِ الْمَنْقُولَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْهُمَا أَوْ مَعْنَاهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ، وَأَمَّا بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ فَيَقُولَانِ بِوُجُوبِ الدَّمِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي الْعِنَايَةِ، وَأَمَّا التَّنَاقُضُ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْقِرَانِ مِنْ لُزُومِ دَمٍ وَاحِدٍ لَوْ حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ فَإِنَّمَا هُوَ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ الْهَدْيِ كَمَا هُوَ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فَلَمْ يَكُنْ جَانِيًا بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَبَاحَ لَهُ التَّحَلُّلَ بِالْحَلْقِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ نُسُكًا عَلَى نُسُكٍ فَقَطْ فَلَزِمَهُ دَمٌ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ لُزُومِ دَمَيْنِ لَوْ حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ فَإِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ جِنَايَةً؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ لَا يَحِلُّ لَهُ قَبْلَ الذَّبْحِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فَكَانَ جَانِيًا مُؤَخِّرًا فَلَزِمَهُ دَمَانِ، وَأَمَّا إلْزَامُ أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ دَمَيْنِ فِيمَا إذَا قَدَّمَ نُسُكًا عَلَى نُسُكٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْأَمْرَيْنِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ فَمَمْنُوعٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ قَبْلَ الذَّبْحِ لَا يَحِلُّ فَكَانَ جِنَايَةً عَلَى الْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الذَّبْحِ قَبْلَ الرَّمْيِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِجِنَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ مَشْرُوعٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ نُسُكًا كَامِلًا إذَا قَدَّمَهُ فَكَيْفَ يُوجِبُ دَمًا، وَلَيْسَ بِجِنَايَةٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ دَمٌ وَاحِدٌ بِاعْتِبَارِ التَّقْدِيمِ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ حَلَقَ قَبْلَ الرَّمْيِ فَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَقَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَظَهَرَ لِي إلَخْ) شُرُوعٌ فِي تَوْجِيهِ كَلَامِ الْهِدَايَةِ وَحَاصِلُ مَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَنَّ فِي كَلَامِهِ خَلَلًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ مُخَالَفَتُهُ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الثَّانِي مُخَالَفَتُهُ لِمَا ذَكَرَ فِي بَابِ الْقِرَانِ الثَّالِثُ لُزُومُ خَمْسَةِ دِمَاءٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، الرَّابِعُ مُخَالَفَتُهُ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ شَيْءٍ عِنْدَهُمَا فِيمَا إذَا حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ وَسَيُشِيرُ إلَى هَذَا، وَقَدْ اسْتَوْفَى ﵀ الْأَجْوِبَةَ عَنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ، وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت مَا هُنَا لَمْ تَرَ فِي النَّهْرِ زِيَادَةً عَلَيْهِ بَلْ جَزَمْت بِالْعَكْسِ فَقَوْلُهُ فِي النَّهْرِ، وَهَذَا الْجَمْعُ لَا تَرَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ تَمَدُّحٌ بِنِعْمَةِ غَيْرِهِ نَعَمْ صَرَّحَ بِأَنَّ عَدَمَ مُطَابَقَةِ مَا فِي الْهِدَايَةِ لِمَا فِي الْجَامِعِ إنَّمَا هُوَ عَلَى نَقْلِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ لَا عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الشَّهِيدِ، وَقَدْ أَخَذَهُ مِنْ الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الْمِعْرَاجِ هُوَ هَذَا، وَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْبَعْضِ هُوَ الصَّدْرُ. (قَوْلُهُ: فَمَا فِي الْهِدَايَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ) أَيْ لَا عَلَى الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ عَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهِيَ رِوَايَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُ بَلْ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الصَّدْرِ وَفِي شَرْحِ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْكَافِي بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ هَذَا الْبَعْضِ، وَمَنْ خَطَّأَ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ فَلِغَفْلَتِهِ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي الْعِنَايَةِ) أَيْ مِنْ أَنَّ مَا هُنَا مُنَاقِضٌ لِمَا ذَكَرَهُ قَرِيبًا مِنْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا فِي الْوَجْهَيْنِ إلَى أَنْ قَالَ: وَالْحَلْقُ قَبْلَ الذَّبْحِ، وَمِنْ أَنَّ ذَلِكَ يَأْبَى حَمْلَ كَلَامِهِ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ بِأَنَّهُمَا لَا يَقُولَانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِوُجُوبِ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِالْكَفَّارَةِ أَصْلًا وَبَيَانُ الِانْدِفَاعِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَنَّهُ مَشَى فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَفِي مَسْأَلَتِنَا عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَمَا قَدَّمَهُ قَبْلَهَا قَرِيبًا عَلَى أَصْلِ رِوَايَةِ الْجَامِعِ أَوْ أَنَّ مَا قَدَّمَهُ قَرِيبًا مَعْنَاهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ لَا الْجِنَايَةِ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ فِي الْعِنَايَةِ وَالْمُثْبَتُ هُنَا دَمُ الْجِنَايَةِ فِي الْإِحْرَامِ، وَهَذَا الْجَوَابُ عَنْ الْعِنَايَةِ. وَالْجَوَابُ الْآتِي عَمَّا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَذْكُورَانِ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ جِنَايَةً) يَعْنِي أَنَّ قَوْلَ الْهِدَايَةِ دَمٌ بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ أَرَادَ بِهِ الْجِنَايَةَ عَلَى الْإِحْرَامِ لَا تَقْدِيمَ الْحَلْقِ عَلَى الذَّبْحِ يُفْصِحُ عَنْهُ مَا مَرَّ عَنْ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْفَتْحِ مِنْ الْإِلْزَامِ كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ قَرِيبًا. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْإِلْزَامُ أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ دَمَيْنِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا أَوْرَدَهُ فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ دَمٌ بِتَقْدِيمِ الْحَلْقِ وَدَمٌ بِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ لَزِمَ أَنْ يَجِبَ الدَّمَانِ فِي كُلِّ تَقْدِيمِ نُسُكٍ عَلَى آخَرَ لِوُجُودِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ. وَالْجَوَابُ أَنَّك عَلِمْت أَنَّ مُرَادَ الْهِدَايَةِ بِوُجُوبِ الدَّمِ بِتَقْدِيمِ الْحَلْقِ وُجُوبُهُ بِالْجِنَايَةِ لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ تَقْدِيمٌ وَالذَّبْحُ قَبْلَ الرَّمْيِ مَشْرُوعٌ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ جِنَايَةً فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ كُلَّ وَقْتٍ بِخِلَافِ الْحَلْقِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ أَصْلًا نَعَمْ الذَّبْحُ الَّذِي هُوَ نُسُكٌ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الرَّمْيِ فَإِذَا قَدَّمَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا كَامِلًا فَيَجِبُ الدَّمُ بِاعْتِبَارِ تَقْدِيمِهِ مُرَادًا بِهِ النُّسُكَ لَا بِكَوْنِهِ نَفْسِهِ جِنَايَةً (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ نُسُكًا كَامِلًا إذَا قَدَّمَهُ) كَذَا فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ، وَفِي غَيْرِهَا مِنْ النُّسَخِ

стр. 828

قَبْلَ الذَّبْحِ بِالْأَوْلَى. وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَوَجَبَ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ فَنَلْتَزِمُهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ دَمَانِ لِلْجِنَايَةِ وَدَمُ الْقِرَانِ، وَأَمَّا لُزُومُ خَمْسَةِ دِمَاءٍ فَمَمْنُوعٌ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْقَارِنِ إنَّمَا تَكُونُ مَضْمُونَةً بِدَمَيْنِ فِيمَا عَلَى الْمُفْرِدِ فِيهِ دَمٌ وَالْمُفْرِدُ لَوْ حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَلَا يَتَضَاعَفُ الْغُرْمُ عَلَى الْقَارِنِ هَكَذَا أَجَابَ فِي الْعِنَايَةِ، وَأَجَابَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ التَّضَاعُفَ عَلَى الْقَارِنِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا إذَا أَدْخَلَ نَقْصًا فِي إحْرَامِ عُمْرَتِهِ أَمَّا فِيمَا لَا يُوجِبُ نَقْصًا فِيهِ فَلَا يَجِبُ إلَّا دَمٌ وَاحِدٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَإِنَّهُ قَدْ أَتَى بِرُكْنِهَا وَوَاجِبِهَا وَلِهَذَا إذَا أَفَاضَ الْقَارِنُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا دَمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِلْعُمْرَةِ بِالْوُقُوفِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ جِنَايَةُ الْقَارِنِ مَضْمُونَةً بِدَمَيْنِ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ لَا خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّ حَلْقَهُ قَبْلَ أَوَانِهِ جِنَايَةٌ تُوجِبُ دَمَيْنِ وَتَقْدِيمُ النُّسُكِ عَلَى النُّسُكِ يُوجِبُ دَمًا وَاحِدًا وَدَمُ الْقِرَانِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَدَّدَ دَمُ الْقِرَانِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَدَّدَ دَمُ التَّقْدِيمِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جِنَايَةٌ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْحَلْقِ قَبْلَ أَوَانِهِ، وَقَدْ وَجَبَ فِيهَا دَمَانِ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ آخَرُ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَوْجِيهِ كَلَامِ الْهِدَايَةِ لَكِنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ: إنْ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] الْآيَةَ، وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقِ الدَّالِّ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِشَارَةِ وَالْأَمْرِ فَأُلْحِقَتْ بِالْقَتْلِ اسْتِحْسَانًا بِاعْتِبَارِ تَفْوِيتِ الْأَمْنِ وَارْتِكَابِ مَحْظُورِ إحْرَامِهِ، وَلَيْسَ زِيَادَةً عَلَى الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ إنَّمَا نَصَّ عَلَى الْقَتْلِ، وَتَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَنْفِي الْحُكْمَ عَمَّا عَدَاهُ، وَحَقِيقَةُ الصَّيْدِ حَيَوَانٌ مُمْتَنِعٌ مُتَوَحِّشٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ سَوَاءٌ كَانَ بِقَوَائِمِهِ أَوْ بِجَنَاحِهِ فَدَخَلَ الظَّبْيُ الْمُسْتَأْنَسُ، وَإِنْ كَانَتْ ذَكَاتُهُ بِالذَّبْحِ وَخَرَجَ الْبَعِيرُ وَالشَّاةُ إذَا اسْتَوْحَشَا، وَإِنْ كَانَتْ ذَكَاتُهُمَا بِالْعَقْرِ؛ لِأَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ فِي الصَّيْدِيَّةِ أَصْلُ الْخِلْقَةِ، وَفِي الذَّكَاةِ الْإِمْكَانُ وَعَدَمُهُ، وَخَرَجَ الْكَلْبُ وَالنُّسُورُ مُطْلَقًا أَهْلِيًّا كَانَ أَوْ وَحْشِيًّا، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ تَعْرِيفَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْ إبَاحَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّاةُ وَالْبَقَرُ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ فَعُلِمَ أَنَّ الصَّيْدَ هُوَ مَا ذُكِرَ ثُمَّ هُوَ عَلَى نَوْعَيْنِ بَرِّيٍّ وَبَحْرِيٍّ فَالْبَرِّيُّ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ فِي الْبَرِّ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْمَثْوَى أَيْ الْمَكَانِ، وَالْمَائِيُّ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ فِي الْمَاءِ، وَلَوْ كَانَ مَثْوَاهُ فِي الْبَرِّ؛ لِأَنَّ التَّوَالُدَ أَصْلٌ وَالْكَيْنُونَةَ بَعْدَهُ عَارِضٌ فَكَلْبُ الْمَاءِ وَالضُّفْدَعِ مَائِيٌّ، وَأَطْلَقَ قَاضِي خَانْ فِي الضُّفْدَعِ، وَقَيَّدَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِالْمَائِيِّ لِإِخْرَاجِ الضُّفْدَعِ الْبَرِّيِّ قَالَ: وَمِثْلُهُ السَّرَطَانُ ــ [منحة الخالق] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا إذَا قَدَّمَهُ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَاهَا وَالْأَوْلَى مُوَافَقَةٌ لِمَا قَرَّرْته أَوَّلًا وَالْمَعْنَى، وَإِنَّمَا انْتَفَى كَوْنُهُ نُسُكًا كَامِلًا حِينَ تَقْدِيمِهِ فَقَوْلُهُ إذَا قَدَّمَهُ مُتَعَلِّقٌ بِانْتَفَى الْمَفْهُومُ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] أَيْ انْتَفَى عَنْك ذَلِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّك كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي (قَوْلُهُ: لِأَنَّ جِنَايَةَ الْقَارِنِ إنَّمَا تَكُونُ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ بِأَنَّ الْمُفْرِدَ إنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ مِنْهُ عَلَى إحْرَامِهِ لِعَدَمِ تَوَقُّتِ الْحَلْقِ فِي حَقِّهِ بِكَوْنِهِ قَبْلَ الذَّبْحِ، وَأَمَّا الْقَارِنُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ ثُمَّ أَجَابَ بِمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: أَمَّا فِيمَا لَا يُوجِبُ نَقْصًا فِيهِ إلَخْ) قَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ فَأَحْلَقَ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ قَضَاءَ الْأَعْمَالِ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْإِحْرَامِ، وَالْوُجُوبُ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْإِحْرَامِ فَتَأَمَّلْ. [فَصْلٌ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ] (فَصْلٌ إنْ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) . (قَوْلُهُ: فَأُلْحِقَتْ بِالْقَتْلِ اسْتِحْسَانًا) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الدَّلَالَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ دَلَّ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الدَّلَالَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ، وَأَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ بِلَفْظِ «هَلْ أَشَرْتُمْ أَوْ أَعَنْتُمْ قَالُوا لَا قَالَ: فَكُلُوا» ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ فِي الْهِدَايَةِ بِالْحَدِيثِ وَوَجَّهَهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ ﵇ عَلَّقَ الْحِلَّ عَلَى عَدَمِ الْإِشَارَةِ، وَهِيَ تَحْصِيلُ الدَّلَالَةِ بِغَيْرِ اللِّسَانِ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَحِلَّ إذَا دَلَّهُ بِاللَّفْظِ فَقَالَ: هُنَاكَ صَيْدٌ وَنَحْوُهُ. اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ إلْحَاقَ الْمَنْعِ عَنْ الدَّلَالَةِ بِالْإِشَارَةِ ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ مَعَ عَدَمِ الْإِشَارَةِ فَيَثْبُتُ مَعَ عَدَمِ الدَّلَالَةِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَ عَلَى عَدَمِ الْإِشَارَةِ الَّتِي هِيَ أَضْعَفُ مِنْ الدَّلَالَةِ، وَكَانَتْ الْإِشَارَةُ مَمْنُوعًا عَنْهَا عُلِمَ الْمَنْعُ عَنْ الدَّلَالَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى بِالْأَوْلَى فَافْهَمْ بَقِيَ أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى حُرْمَةِ اللَّحْمِ بِالدَّلَالَةِ لَكِنْ يَلْزَمُهَا أَنْ تَكُونَ الدَّلَالَةُ مَحْظُورَةً فَهِيَ جِنَايَةٌ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَلَمَّا فَوَّتَتْ الْأَمْنَ عَلَى الصَّيْدِ عَلَى وَجْهٍ اتَّصَلَ الْقَتْلُ بِهَا كَانَ فِيهَا الْجَزَاءُ قِيَاسًا عَلَى الْقَتْلِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْفَتْحِ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْحُكْمُ، وَهُوَ الْجَزَاءُ بَلْ ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ خِلَافُ مَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْهِدَايَةِ حَيْثُ عَطَفَ عَلَى الْحَدِيثِ قَوْلَهُ؛ وَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْ مَحْظُورَاتٍ، وَأَنَّهُ تَفْوِيتُ الْأَمْنِ فَصَارَ كَالْإِتْلَافِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْقِيَاسِ مُثْبِتٌ لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ. وَعَنْ هَذَا اسْتَدَلَّ الْمُؤَلِّفُ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِقَوْلِهِ فَأُلْحِقَتْ بِالْقَتْلِ إلَخْ نَعَمْ. قَوْلُهُ: وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الدَّالِّ عَلَى التَّحْرِيمِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا عَلِمْت (قَوْلُهُ: وَحَقِيقَةُ الصَّيْدِ حَيَوَانٌ مُمْتَنِعٌ إلَخْ) ، وَقَدْ يُوجَدُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَحْشِيَّةَ الْخِلْقَةِ، وَفِي

стр. 829

وَالتِّمْسَاحُ وَالسُّلَحْفَاةُ وَالْمَائِيُّ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ وَالْبَرِّيُّ حَرَامٌ عَلَيْهِ لِلْآيَةِ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] ، وَهُوَ بِعُمُومِهِ مُتَنَاوِلٌ لِمَا يُؤْكَلُ مِنْهُ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ فَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ اصْطِيَادُ الْكُلِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِمَا، وَبِهِ يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا فِي مَنَاسِكِ الْكَرْمَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَّا مَا يُؤْكَلُ، وَهُوَ السَّمَكُ خَاصَّةً فَالْمُرَادُ بِالصَّيْدِ فِي الْمُخْتَصَرِ صَيْدُ الْبَرِّ إلَّا مَا يَسْتَثْنِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الذِّئْبِ وَالْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ وَبَقِيَّةِ السِّبَاعِ أَمَّا الذِّئْبُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ فَلَا شَيْءَ فِي قَتْلِهَا أَصْلًا، وَأَمَّا بَقِيَّةُ السِّبَاعِ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ، وَلَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ هُنَا يَشْمَلُهَا، وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْفَوَاسِقِ فَلَيْسَتْ بِصُيُودٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِثْنَائِهَا، وَأَطْلَقَ فِي الصَّيْدِ فَشَمَلَ مَا يُؤْكَلُ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ حَتَّى الْخِنْزِيرَ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِيهِ طَيْرُ الْبَحْرِ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ مَبِيضَهُ، وَمَفْرَخَهُ فِي الْمَاءِ وَيَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فَكَانَ صَيْدُ الْبَرِّ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ. وَشَمَلَ الصَّيْدُ الْمَمْلُوكَ وَغَيْرَهُ فَإِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا مَمْلُوكًا لَزِمَهُ قِيمَتَانِ قِيمَةٌ لِمَالِكِهِ وَجَزَاؤُهُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ فِي مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ، وَأَطْلَقَ فِي الْقَتْلِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ عَنْ اضْطِرَارٍ أَوْ اخْتِيَارٍ كَمَا سِيَاتِي وَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ مُبَاشَرَةً أَوْ بِتَسَبُّبٍ لَكِنْ فِي الْمُبَاشَرَةِ لَا يُشْتَرَطُ التَّعَدِّي فَلَوْ انْقَلَبَ نَائِمٌ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا التَّسَبُّبُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعَدِّي فَلَوْ نَصَبَ شَبَكَةً لِلصَّيْدِ أَوْ حَفَرَ بِئْرًا لِلصَّيْدِ فَعَطِبَ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَلَوْ نَصَبَ فُسْطَاطًا لِنَفْسِهِ فَتَعَقَّلَ بِهِ فَمَاتَ أَوْ حَفَرَ حَفِيرَةً لِلْمَاءِ أَوْ لِحَيَوَانٍ مُبَاحٍ قَتَلَهُ كَالذِّئْبِ فَعَطِبَ فِيهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ إلَى حَيَوَانٍ مُبَاحٍ فَأَخَذَ مَا يَحْرُمُ أَوْ أَرْسَلَ إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ، وَهُوَ حَلَالٌ فَجَاوَزَ إلَى الْحَرَمِ فَقَتَلَ صَيْدًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي السَّبَبِ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَمَى إلَى فَهْدٍ فِي الْحِلِّ فَأَصَابَهُ فِي الْحَرَمِ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشَرَةٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّعَدِّي حَتَّى لَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَتَعَدَّى إلَى آخَرَ فَقَتَلَهُمَا ضَمِنَ قِيمَتَهُمَا. وَكَذَا لَوْ ضَرَبَ بِالسَّهْمِ فَوَقَعَ عَلَى بَيْضٍ أَوْ فَرْخٍ فَأَتْلَفَهُمَا ضَمِنَهُمَا، وَعَلَى هَذَا فَمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ أَرْبَعَةً نَزَلُوا بَيْتًا بِمَكَّةَ ثُمَّ خَرَجُوا إلَى مِنًى فَأَمَرُوا أَحَدَهُمْ أَنْ يُغْلِقَ الْبَابَ، وَفِيهِ حَمَامٌ وَغَيْرُهَا فَلَمَّا رَجَعُوا وَجَدُوهَا مَاتَتْ عَطَشًا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاؤُهَا؛ لِأَنَّ الْآمِرِينَ جَمْعُ آمِرٍ تَسَبَّبُوا بِالْأَمْرِ، وَالْمُغْلِقُ بِالْإِغْلَاقِ. انْتَهَى. مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا عَلِمُوا بِالطُّيُورِ فِي الْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ تَعَدِّيًا إلَّا بِهِ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ لِفَقْدِ شَرْطِ التَّسَبُّبِ، وَأَرَادَ بِالدَّلَالَةِ الْإِعَانَةَ عَلَى قَتْلِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ دَلَالَةً حَقِيقِيَّةً بِالْإِعْلَامِ بِمَكَانِهِ، وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ لَا وَشَرَطُوا فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الدَّالِّ الْمُحْرِمِ خَمْسَةَ شُرُوطٍ ــ [منحة الخالق] بَعْضِهَا مُسْتَأْنَسَةً كَالْجُمُوسِ فَإِنَّهُ فِي بِلَادِ السُّودَانِ مُسْتَوْحِشٌ، وَلَا يُعْرَفُ مِنْهُ مُسْتَأْنَسٌ عِنْدَهُمْ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَهُ صَرِيحًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي بِلَادِ السُّودَانِ صَيْدًا حَتَّى يَحْرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ صَيْدُهُ مَا دَامَ فِي بِلَادِهِمْ. (قَوْلُهُ: لِلْآيَةِ) قَالَ: فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَاءَ الْبَحْرِ لَوْ وُجِدَ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ يَحِلُّ صَيْدُهُ أَيْضًا لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِشُمُولِ قَوْلِهِ ﷺ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ» ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ حَيْثُ قَالُوا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَحْرُ فِي الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِيهِ) أَيْ الْمُحِيطِ طَيْرُ الْبَحْرِ إلَخْ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ التَّوَالُدُ لَا الْمَثْوَى لَكِنْ رَأَيْت فِي اللُّبَابِ مَا نَصُّهُ، وَأَمَّا طُيُورُ الْبَحْرِ فَلَا يَحِلُّ اصْطِيَادُهَا؛ لِأَنَّ تَوَالُدَهَا فِي الْبَرِّ قَالَ شَارِحُهُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ (قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ فِي الْقَتْلِ إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ وَيَسْتَوِي فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَامِدُ وَالنَّاسِي وَالْخَاطِئُ وَالسَّاهِي وَالطَّائِعُ وَالْمُكْرَهُ وَالْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَالنَّائِمُ وَالْيَقْظَانُ وَالصَّاحِي وَالسَّكْرَانُ وَالْمُفِيقُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمُبَاشَرَةُ بِالنَّفْسِ أَوْ بِالْغَيْرِ فَلَوْ أَلْبَسَهُ أَحَدٌ أَوْ طَيَّبَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ، وَهُوَ نَائِمٌ أَوْ لَا فَعَلَى الْمَفْعُولِ الْجَزَاءُ سَوَاءٌ كَانَ بِأَمْرِهِ أَوْ لَا. اهـ. وَفِيهِ أَيْضًا: وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مِنْهَا الْإِسْلَامُ فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ، وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ، وَمَجْنُونٍ إلَّا إذَا جُنَّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءُ مَا ارْتَكَبَهُ فِي الْإِحْرَامِ، وَلَا عَلَى كَافِرٍ، وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَيَجِبُ عَلَى الْمَمْلُوكِ الصَّوْمُ فِي الْحَالِ، وَأَمَّا الدَّمُ وَالصَّدَقَةُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَمِنْهَا الْقُدْرَةُ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِ فَضْلُ مَالٍ عَلَى كِفَايَتِهِ فَحِينَئِذٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ الطَّعَامُ أَوْ الدَّمُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلُ مَالٍ، وَلَكِنْ فِي مِلْكِهِ عَيْنُ الْوَاجِبِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ دَمٍ صَالِحٍ لِلتَّكْفِيرِ فَإِذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقُدْرَةِ وَقْتُ الْأَدَاءِ لَا وَقْتُ الْوُجُوبِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَرَادَ بِالدَّلَالَةِ الْإِعَانَةَ عَلَى قَتْلِهِ) لَعَلَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى هَذَا مَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ «أَوْ أَعَنْتُمْ» ، وَإِلَّا لَوْ أُرِيدَ بِالدَّلَالَةِ حَقِيقَتُهَا لَمْ يَشْمَلْ غَيْرَهَا وَسَيَأْتِي تَرْجِيحُ وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِإِعَارَةِ سِكِّينٍ وَنَحْوِهَا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ وَدَخَلَ فِي الدَّلَالَةِ الْإِشَارَةُ أَيْضًا وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ (قَوْلُهُ: عَلَى الدَّالِّ الْمُحْرِمِ) قَيَّدَ بِالْمُحْرِمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّالُّ حَلَالًا فِي صَيْدِ الْحَرَمِ وَالْحِلِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لُبَابٌ قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَفِي الْغَايَةِ عَنْ الْخِزَانَةِ لَوْ دَلَّ حَلَالٌ حَلَالًا عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَعَلَى الدَّالِّ نِصْفُهَا، وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ لَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ. اهـ. وَالْمَذْكُورُ فِي الْمَشَاهِيرِ مِنْ الْكُتُبِ عَدَمُ لُزُومِ

стр. 830

وَإِنْ كَانَ آثِمًا مُطْلَقًا أَنْ يَتَّصِلَ الْقَتْلُ بِدَلَالَتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ لَوْ لَمْ يَقْتُلْ الْمَدْلُولَ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمَدْلُولُ عَالِمًا بِمَكَانِ الصَّيْدِ، وَأَنْ يُصَدِّقَهُ فِي الدَّلَالَةِ، وَأَنْ يَبْقَى الدَّالُّ مُحْرِمًا إلَى أَنْ يَقْتُلَهُ الْمَدْلُولُ، وَأَنْ لَا يَنْفَلِتَ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْفَلَتَ صَارَ كَأَنَّهُ جَرَحَهُ ثُمَّ انْدَمَلَ فَتَفَرَّعَ عَلَى الشَّرْطِ الثَّالِثِ مَا فِي الْمُحِيطِ لَوْ أَخْبَرَ الْمُحْرِمُ بِالصَّيْدِ فَلَمْ يَرَهُ حَتَّى أَخْبَرَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ فَإِنْ كَذَّبَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ، وَإِنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ؛ لِأَنَّهُ بِخَبَرِ الْأَوَّلِ وَقَعَ الْعِلْمُ بِمَكَانِ الصَّيْدِ غَالِبًا وَبِالثَّانِي اسْتَفَادَ عِلْمَ الْيَقِينِ فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلَالَةٌ عَلَى الصَّيْدِ، وَإِنْ أَرْسَلَ مُحْرِمٌ إلَى مُحْرِمٍ فَقَالَ: إنَّ فُلَانًا يَقُولُ لَك أَنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ صَيْدًا فَذَهَبَ فَقَتَلَهُ فَعَلَى الرَّسُولِ وَالْمُرْسِلِ وَالْقَاتِلِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ وُجِدَتْ مِنْهُمَا وَظَهَرَ بِالشَّرْطِ الثَّانِي ضَعْفُ مَا فِي الْمُحِيطِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُنْتَقَى مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: خُذْ أَحَدَ هَذَيْنِ، وَهُوَ يَرَاهُمَا فَقَتَلَهُمَا كَانَ عَلَى الدَّالِّ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرَاهُمَا فَعَلَيْهِ جَزَاءَانِ. اهـ. لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَرَاهُمَا كَانَ عَالِمًا بِمَكَانِهِمَا، وَقَدْ شَرَطَ وَأُعْدِمَ الْعِلْمُ بِمَكَانِهِ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرُوا هُنَا الْإِشَارَةَ كَمَا ذَكَرُوهَا فِي بَابِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِالْحَاضِرِ وَشَرْطُ وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْمَكَانِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِشَارَةَ وَالدَّلَالَةَ سَوَاءٌ فِي مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنْهُمَا لَكِنَّ الدَّلَالَةَ مُوجِبَةٌ لِلْجَزَاءِ بِشُرُوطِهَا وَالْإِشَارَةُ لَا تُوجِبُ الْجَزَاءَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأَمْرَ بِالْأَخْذِ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الدَّلَالَةِ فَيُوجِبُ الْجَزَاءَ مُطْلَقًا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ لَوْ أَمَرَ الْمُحْرِمُ غَيْرَهُ بِأَخْذِ صَيْدٍ فَأَمَرَ الْمَأْمُورُ آخَرَ فَالْجَزَاءُ عَلَى الْآمِرِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِرْ بِالْأَمْرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ دَلَّ الْأَوَّلُ عَلَى الصَّيْدِ، وَأَمَرَهُ فَأَمَرَ الثَّانِي ثَالِثًا بِالْقَتْلِ حَيْثُ يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا الْإِرْسَالُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْأَمْرِ الْمُجَرَّدِ وَالْأَمْرِ مَعَ الدَّلَالَةِ. وَدَخَلَ تَحْتَ الْإِعَانَةِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ مُحْرِمٌ رَأَى صَيْدًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ آخَرُ عَلَى الطَّرِيقِ إلَيْهِ أَوْ رَأَى صَيْدًا دَخَلَ غَارًا فَلَمْ يَعْرِفْ بَابَ الْغَارِ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ آخَرُ عَلَى بَابِهِ فَذَهَبَ إلَيْهِ فَقَتَلَهُ فَعَلَى الدَّالِّ الْجَزَاءُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ حِينَ دَلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ وَالْبَابِ كَأَنَّهُ دَلَّهُ عَلَى الصَّيْدِ، وَكَذَلِكَ مُحْرِمٌ رَأَى صَيْدًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَرْمِيَهُ ــ [منحة الخالق] شَيْءٍ عَلَى الدَّالِّ مُطْلَقًا عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ. اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي اللُّبَابِ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَدْلُولِ مُحَرَّمًا فَلَوْ دَلَّ مُحْرِمٌ حَلَالًا فِي الْحِلِّ فَقَتَلَهُ فَعَلَى الدَّالِّ الْجَزَاءُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَدْلُولِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ آثِمًا مُطْلَقًا) سَيَأْتِي عَنْ النَّهْرِ أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ الْإِثْمِ فِيمَا إذَا عَلِمَ الْمُحْرِمُ بِهِ يَعْنِي الْمَدْلُولَ (قَوْلُهُ: أَنْ يَتَّصِلَ الْقَتْلُ بِدَلَالَتِهِ) أَيْ يَتَحَصَّلَ بِسَبَبِهَا شَرْحِ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَنْفَلِتَ الصَّيْدُ) فَلَوْ انْفَلَتَ ثُمَّ أَخَذَهُ لَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لُبَابٌ (قَوْلُهُ: فَتَفَرَّعَ عَلَى الشَّرْطِ الثَّالِثِ مَا فِي الْمُحِيطِ إلَخْ) ظَهَرَ مِنْ هَذَا التَّفْرِيعِ أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى التَّصْدِيقِ أَنْ يَقُولَ لَهُ صَدَقْت بَلْ أَنْ لَا يُكَذِّبَهُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ) بِأَنْ أَخْبَرَهُ فَلَمْ يَرَهُ كَذَا فِي اللُّبَابِ قَالَ: شَارِحُهُ أَيْ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ إخْبَارَهُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُشَاهَدًا ظَاهِرًا فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ، وَلَا أَنْ يُكَذِّبَهُ (قَوْلُهُ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِشَارَةَ وَالدَّلَالَةَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَدَّمْنَا فِي الْإِحْرَامِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِشَارَةِ وَالدَّلَالَةِ إنَّمَا يَحْرُمُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُحْرِمُ لَا إنْ عَلِمَ، هُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ يَحْرُمُ مُطْلَقًا، وَعُلِمَ مِنْهُ ثُبُوتُ حُرْمَةِ الْإِشَارَةِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ اتِّفَاقًا فَيَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ بِهَا بَلْ هِيَ أَقْوَى مِنْ الدَّلَالَةِ ثُمَّ رَأَيْته فِي الْبَدَائِعِ قَالَ: لَوْ دَلَّ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ الْمَدْلُولُ يَرَى الصَّيْدَ أَوْ يَعْلَمُ بِهِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ، وَإِشَارَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ، وَإِنْ رَآهُ بِدَلَالَتِهِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَفِي السِّرَاجِ لَوْ أَشَارَ الْمُحْرِمُ لِرَجُلٍ إلَى صَيْدٍ فَقَالَ: خُذْ ذَلِكَ الصَّيْدَ فَأَخَذَهُ وَصَيْدًا كَانَ مَعَهُ فِي الْوَكْرِ فَعَلَى الْآمِرِ الْجَزَاءُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَقَوْلُهُ إنَّ الْإِشَارَةَ لَا شَيْءَ فِيهَا، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهَا مَمْنُوعٌ، وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْإِشَارَةِ، وَعِلْمِ الْمُشَارِ إلَيْهِ قَبْلَهَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ. وَالشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الدَّلَالَةِ يَنْبَغِي أَنَّهَا ثَابِتَةٌ فِيهَا بِالْأَوْلَى إذْ لَا مَعْنَى لِتَكْذِيبِهِ مَعَ رُؤْيَتِهِ لَهُ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِهِمْ صَرِيحًا إلَّا أَنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحُ يَقْتَضِيهِ. اهـ. قُلْتُ: يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَرَادَ بِالدَّلَالَةِ الْإِعَانَةَ عَلَى قَتْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ دَلَالَةً حَقِيقَةً بِالْإِعْلَامِ بِمَكَانِهِ، وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ لَا فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّلَالَةِ مَا يَعُمُّ الْإِشَارَةَ فَإِنَّ أَصْلَ الدَّلَالَةِ فِي الْغَائِبِ وَالْإِشَارَةَ فِي الْحَاضِرِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ هُنَاكَ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ مَا نَصُّهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذِكْرَ الدَّلَالَةِ يُغْنِي عَنْ الْإِشَارَةِ، وَقَدْ تُخَصُّ الْإِشَارَةُ بِالْحَضْرَةِ وَالدَّلَالَةُ بِالْغَيْبَةِ. اهـ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الدَّلَالَةَ بِالْحَضْرَةِ حَقِيقَةً أَيْضًا، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ أَوَّلًا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحُرْمَةِ عَلَى لُزُومِ الْجَزَاءِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَقَدَ أَحَدَ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ يَبْقَى الْإِثْمُ مَعَ عَدَمِ الْجَزَاءِ، وَكَذَا الرَّفَثُ مَحْظُورٌ مَعَ عَدَمِ الْجَزَاءِ فِيهِ ثُمَّ قَالَ فِي النَّهْرِ، وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إلَخْ مَمْنُوعٌ بَلْ الْأَمْرُ مِنْ قَبِيلِ الدَّلَالَةِ فَقَدْ عَلَّلَ فِي السِّرَاجِ مَا فِي الْفَتْحِ مِنْ كَوْنِ الْجَزَاءِ فِي الْأَمْرِ عَلَى الثَّانِي فَقَطْ بِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْقَتْلِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالدَّلَالَةِ فَلَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا مَا أُمِرَ بِهِ. اهـ. فَجُعِلَ الْأَمْرُ الثَّانِي دَلَالَةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ فَكَأَنَّهُ كَذَّبَهُ، وَإِنَّمَا تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ فِي الثَّانِيَةِ بِاعْتِبَارِ الدَّلَالَةِ لَا الْأَمْرُ لِعَدَمِ امْتِثَالِهِ إيَّاهُ فَلَمْ يَبْقَ ثَمَّةَ إلَّا دَلَالَةٌ تَعَدَّدَتْ وَالْأَمْرُ

стр. 831

بِشَيْءٍ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ عَلَى قَوْسٍ وَنُشَّابٍ أَوْ دَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ فَرَمَاهُ فَقَتَلَهُ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ كَامِلٌ. اهـ. مَعَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مُشَاهِدٌ لِلصَّيْدِ فَعُلِمَ أَنَّ الدَّلَالَةَ إذَا فُقِدَ شَرْطٌ مِنْهَا لَا يُمْتَنَعُ وُجُوبُ الْجَزَاءِ بِسَبَبِ الْإِعَانَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي إعَارَةِ السِّكِّينِ أَوْ الْقَوْسِ أَوْ النُّشَّابِ هَلْ هِيَ إعَارَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْجَزَاءِ عَلَى الْمُعِيرِ فَصَرِيحُ عِبَارَةِ الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ عَلَى صَاحِبِ السِّكِّينِ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا فَحَمَلَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى مَا إذَا كَانَ مَعَ الْقَاتِلِ سِلَاحٌ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَقْتُلُ بِهِ فَالْجَزَاءُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ بِإِعَارَتِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي السِّيَرِ وَصَحَّحَ السَّرَخْسِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ عَلَى الْمُعِيرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ لَيْسَتْ إتْلَافًا حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا بِخِلَافِ الدَّلَالَةِ فَإِنَّهَا إتْلَافٌ مَعْنًى، وَالظَّاهِرُ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ التَّفْصِيلِ لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ «هَلْ أَعَنْتُمْ» ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إعَارَةَ السِّكِّينِ إعَانَةٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْجَزَاءَ كَفَّارَةٌ وَبَدَلٌ عِنْدَنَا أَمَّا كَوْنُهُ كَفَّارَةً فَلِوُجُودِ سَبَبِهَا، وَهُوَ الْجِنَايَةُ عَلَى الْإِحْرَامِ بِارْتِكَابِ مَحْظُورِ إحْرَامِهِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥] ، وَأَمَّا كَوْنُهُ بَدَلًا فَلِوُجُودِ سَبَبِهِ، وَهُوَ إتْلَافُ صَيْدٍ مُتَقَوِّمٍ وَلِهَذَا اُعْتُبِرَتْ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الْمَقْتُولِ وَالْجَزَاءِ وَلِهَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ آخِرَ الْبَابِ أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ مُحْرِمَانِ فِي قَتْلِ صَيْدٍ تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ كَفَّارَةٌ فِي حَقِّ الْجَانِي وَجَبَ جَزَاءً عَلَى فِعْلِهِ، وَفِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ جِنَايَةٌ عَلَى حِدَةٍ بِخِلَافِ الْحَلَالَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي. ثُمَّ اعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَقْتُولِ إلَّا إذَا قَصَدَ بِهِ التَّحَلُّلَ وَرَفَضَ إحْرَامَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَصْلِ فَقَالَ: اصْطَادَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا كَثِيرًا عَلَى قَصْدِ الْإِحْلَالِ وَالرَّفْضِ لِإِحْرَامِهِ فَعَلَيْهِ لِذَلِكَ كُلِّهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ قَاصِدٌ إلَى تَعْجِيلِ الْإِحْلَالِ لَا إلَى الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَتَعْجِيلُ الْإِحْلَالِ يُوجِبُ دَمًا وَاحِدًا كَمَا فِي الْمُحْصَرِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَقَدْ يُقَالُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ لِمَا أَنَّ تَعْجِيلَ الْإِحْلَالِ فِي الْمُحْصَرِ مَشْرُوعٌ بِخِلَافِهِ هُنَا وَلِهَذَا كَانَ قَصْدُهُ بَاطِلًا، وَلَا يَرْتَفِضُ بِهِ الْإِحْرَامُ فَوُجُودُهُ، وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ قِيمَةُ الصَّيْدِ بِتَقْوِيمِ عَدْلَيْنِ فِي مَقْتَلِهِ أَوْ أَقْرَبِ مَوْضِعٍ مِنْهُ فَيَشْتَرِي بِهَا هَدْيًا وَذَبَحَهُ إنْ بَلَغَتْ هَدْيًا أَوْ طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ كَالْفِطْرَةِ أَوْ صَامَ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا) أَيْ الْجَزَاءُ مَا ذَكَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ، وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْعَمْدِ كَمَا فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّاسِي وَالْعَامِدِ كَإِتْلَافِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْجَزَاءَ لَيْسَ كَفَّارَةً مَحْضَةً كَمَا قَدَّمْنَا وَالتَّقْيِيدُ بِهِ، وَفِي الْآيَةِ لِأَجْلِ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِهَا لَا لِوُجُوبِ الْجَزَاءِ؛ وَلِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَقِّ مَنْ تَعَدَّى كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ. وَأَشَارَ بِذِكْرِ الْقِيمَةِ فَقَطْ إلَى أَنَّهَا الْمُرَادُ بِالْمِثْلِ فِي الْآيَةِ، وَهُوَ الْمِثْلُ مَعْنًى لَا الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى، وَإِنَّمَا لَمْ يَعْمَلْ بِالْكَامِلِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُمَا أَوْجَبَا النَّظِيرَ فِيمَا لَهُ نَظِيرٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ فِي الشَّرْعِ فِي الْقِيَمِيَّاتِ الْمِثْلُ مَعْنًى فَإِنَّهُ لَوْ أَتْلَفَ بَقَرَةً لِإِنْسَانٍ مَثَلًا لَا يَلْزَمُهُ بَقَرَةٌ مِثْلُهَا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ مَعْنًى مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا لَا نَظِيرَ لَهُ، وَهُوَ مَجَازٌ فَلَا يُرَادُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، وَهُوَ الْمِثْلُ صُورَةً، وَمَعْنًى لِعَدَمِ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] أُرِيدَ ــ [منحة الخالق] بَعْدَهَا لَيْسَ تَكْذِيبًا لَهَا فَمَا فِي الْفَتْحِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ (قَوْلُهُ: إذَا فُقِدَ شَرْطٌ مِنْهَا إلَخْ) أَيْ لَوْ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الدَّلَالَةِ السَّابِقَةِ وَوُجِدَتْ الْإِعَانَةُ لَا يَمْتَنِعُ الْجَزَاءُ بِسَبَبِ الْإِعَانَةِ كَمَا هُنَا فَوُجُوبُ الْجَزَاءِ لِلْإِعَانَةِ لَا لِلدَّلَالَةِ وَجَعَلَ فِي النَّهْرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ مِمَّا أُلْحِقَ بِالدَّلَالَةِ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِمَا فِي الْبَحْرِ؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَهُ فِي الْمُحِيطِ يَأْبَاهُ. اهـ. أَقُولُ: تَفْسِيرُهُ الدَّلَالَةَ فِيمَا مَرَّ بِالْإِعَانَةِ يُغْنِي عَمَّا ذَكَرَهُ هُنَا كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَحَمَلَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ إلَخْ) قَالَ: فِي الْبَدَائِعِ وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالُوا لَوْ أَنَّ مُحْرِمًا رَأَى صَيْدًا، وَلَهُ قَوْسٌ أَوْ سِلَاحٌ يُقْتَلُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ عَلَى سِكِّينِهِ أَوْ عَلَى قَوْسِهِ فَأَخَذَ فَقَتَلَهُ بِهِ إنْ كَانَ يَجِدُ غَيْرَ مَا دَلَّهُ عَلَيْهِ مِمَّا يَقْتُلُ بِهِ لَا يَضْمَنُ الدَّالُّ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ ضَمِنَ. اهـ. وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ إلَخْ) قَدَّمَ فِي تَعْلِيلِ عَدَمِ لُزُومِ الدَّمِ فِيمَا إذَا نَوَى بِالْجِمَاعِ الثَّانِي رَفْضَ الْحَجِّ الْفَاسِدِ أَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى قَصْدٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ تَعْجِيلُ الْإِحْلَالِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلِهِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْفَتْحِ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْكَافِي أَنَّ التَّأْوِيلَ الْفَاسِدَ مُعْتَبَرٌ فِي رَفْعِ الضَّمَانِ كَالْبَاغِي إذَا أَتْلَفَ مَالَ الْعَادِلِ قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة بَعْدَ التَّعْلِيلِ السَّابِقِ، وَعَلَى هَذَا سَائِرُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ. اهـ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْقِيَاسَ عَلَى الْمُحْصَرِ بَلْ مُجَرَّدُ التَّشْبِيهِ تَأَمَّلْ. وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ فَوُجُودُهُ، وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ مَمْنُوعٌ لِمَا عَلِمْت، وَقَدَّمْنَا عَنْ اللُّبَابِ تَعْمِيمَ الْمَسْأَلَةِ فِي سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ، وَأَنَّ نِيَّةَ الرَّفْضِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ بِهَذَا الْقَصْدِ لِجَهْلِهِ. (قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] إلَخْ) اعْتَرَضَهُ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ بِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى إيجَابِ الضَّمَانِ بِالْمِثْلِ صُورَةً، وَمَعْنًى فِي غَصْبِ الْمِثْلِيَّاتِ كَمَا سَيَجِيءُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ، وَعَلَى إيجَابِ الضَّمَانِ بِالْمِثْلِ مَعْنًى فِي غَصْبِ

стр. 832

الْمِثْلُ مَعْنًى، وَهُوَ الْقِيمَةُ، وَأَمَّا رَدُّ الْعَيْنِ فَثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ أَوْ لِمَا فِي حَمْلِنَا عَلَى الْمِثْلِ مَعْنًى مِنْ التَّعْمِيمِ لِشُمُولِهِ مَا لَهُ نَظِيرٌ لَهُ، وَمَا لَا نَظِيرَ لَهُ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الْمِثْلِ الْكَامِلِ كَانَتْ الْآيَةُ قَاصِرَةً عَلَى مَا لَهُ نَظِيرٌ، وَعَلَى هَذَا فَكَلِمَةُ مِنْ النَّعَمِ بَيَانٌ لِمَا، وَهُوَ الْمَقْتُولُ لَا لِلْمِثْلِ وَالنَّعَمُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْأَهْلِيِّ يُطْلَقُ عَلَى الْوَحْشِيِّ كَمَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيُّ، وَأَرَادَ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ قِيمَةَ لَحْمِهِ قَالَ: الْكَرْمَانِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ يُقَوَّمُ الصَّيْدُ لَحْمًا عِنْدَنَا، وَقَالَ: زُفَرُ يَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ لَوْ قَتَلَ بَازِيًا مُعَلَّمًا فَعِنْدَنَا تَجِبُ قِيمَتُهُ لَحْمًا، وَعِنْدَهُ تَجِبُ قِيمَتُهُ مُعَلَّمًا، وَفِي الِاخْتِيَارِ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْجَزَاءِ الْقِيمَةَ يُقَوَّمُ الْعَدْلَانِ اللَّحْمَ لَا الْحَيَوَانَ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُقَوَّمُ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ لَا مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ؛ لِأَنَّهَا أَمْرٌ عَارِضٌ، وَلَوْ كَانَتْ الصِّفَةُ بِأَمْرٍ خُلُقِيٍّ كَمَا إذَا كَانَ طَيْرًا يُصَوِّتُ فَازْدَادَتْ قِيمَتُهُ لِذَلِكَ فَفِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ فِي الْجَزَاءِ رِوَايَتَانِ وَرَجَّحَ فِي الْبَدَائِعِ اعْتِبَارَهَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَتْلَفَ شَيْئًا مَمْلُوكًا فَإِنَّ الْقِيمَةَ تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ وَالصِّفَاتُ إلَّا إذَا كَانَ الْوَصْفُ لِمُحْرِمٍ مِنْ اللَّهْوِ كَقِيمَةِ الدِّيكِ لِنِقَارِهِ وَالْكَبْشِ لِنِطَاحِهِ فَإِنَّهَا لَا تُعْتَبَرُ كَالْجَارِيَةِ الْمُغَنِّيَةِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ يُقَوَّمُ لَحْمُهُ بَعْدَ قَتْلِهِ، وَإِنَّمَا يُقَوَّمُ، وَهُوَ حَيٌّ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَوَّمَ لَحْمُهُ بَعْدَ قَتْلِهِ إذْ لَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ، وَإِنَّمَا يُقَوَّمُ بِاعْتِبَارِ جِلْدِهِ، وَكَوْنِهِ صَيْدًا حَيًّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ إهْدَارَ صِفَةِ الصَّيْدِ بِالْكُلِّيَّةِ لِمَا أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ صَيْدًا حَسَنًا مَلِيحًا لَهُ زِيَادَةُ قِيمَةِ تَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ كَمَا لَوْ قَتَلَ حَمَامَةً مُطَوَّقَةً أَوْ فَاخِتَةً مُطَوَّقَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ. وَإِنَّمَا الْمُرَادُ إهْدَارُ مَا كَانَ بِصُنْعِ الْعِبَادِ، وَأَرَادَ بِالْعَدْلِ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ وَبَصَارَةٌ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ لَا الْعَدْلُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ، وَقَيَّدَ بِالْعَدْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ الْوَاحِدَ لَا يَكْفِي لِظَاهِرِ النَّصِّ وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ، وَفِي الْهِدَايَةِ قَالُوا: وَالْوَاحِدُ يَكْفِي وَالْمُثَنَّى أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَأَبْعَدُ مِنْ الْغَلَطِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الْمَثْنَى هَاهُنَا بِالنَّصِّ. اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاَلَّذِينَ لَمْ يُوجِبُوهُ حَمَلُوا الْعَدَدَ فِي الْآيَةِ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ زِيَادَةُ الْأَحْكَامِ وَالْإِتْقَانُ، وَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ، وَقَصْدُ الْأَحْكَامِ، وَالْإِتْقَانُ لَا يُنَافِيهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ دَاعِيَتَهُ. اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِالْقَاتِلِ إذَا كَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْقِيمَةِ، وَأَنْ يَحْمِلَ ذِكْرَ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَكْتَفِي بِالْوَاحِدِ لَكِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلٍ، وَلَمْ أَرَهُ، وَكَلِمَةُ أَوْ فِي قَوْلِهِ أَوْ أَقْرَبُ الْمَوَاضِعِ لِلتَّوْزِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ يَعْنِي أَنَّ الْحَكَمَيْنِ يُقَوِّمَانِهِ فِي مَكَانِ قَتْلِهِ إنْ كَانَ يُبَاعُ فِيهِ، وَفِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَى مَكَانِ قَتْلِهِ كَالْبَرِّيَّةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْمَكَانِ، وَمِنْ اعْتِبَارِ زَمَانِ قَتْلِهِ لِاخْتِلَافِ الْقِيَمِ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فَيَشْتَرِي رَاجِعٌ إلَى الْقَاتِلِ فَأَفَادَ أَنَّهُ بَعْدَ تَقْوِيمِ الْحَكَمَيْنِ الْخِيَارُ لِلْقَاتِلِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا خِيَارَ لِلْحَكَمَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ شُرِعَ رِفْقًا بِمَنْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْخِيَارُ إلَيْهِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى اخْتِيَارِهِمَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ كَفَّارَةٌ أَوْ عَدْلٌ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى جَزَاءٍ، وَلَيْسَ مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى هَدْيًا فَاقْتَضَى أَنْ لَا خِيَارَ لَهُمَا فِي الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ فَلَزِمَ أَنْ لَا خِيَارَ لَهُمَا فِي الْهَدْيِ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ أَوْ؛ لِأَنَّ ﴿هَدْيًا﴾ [المائدة: ٩٥] حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ بِهِ، وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ ــ [منحة الخالق] الْقِيَمِيَّاتِ إذَا هَلَكَ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبُ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ هُنَا فَانْتَظَمَ لَفْظُ الْمِثْلِ كِلَيْهِمَا فَوَرَدَ الِاعْتِرَاضُ، وَرَدُّ الْعَيْنِ أَمْرٌ آخَرُ لَيْسَ مِنْ إيجَابِ ضَمَانِ الْمِثْلِ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: أَوْ لِمَا فِي حَمْلِنَا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِعَدَمِ (قَوْلُهُ: وَرَجَّحَ فِي الْبَدَائِعِ اعْتِبَارَهَا) لِمَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى اعْتِبَارِ الْحُسْنِ وَالْمَلَاحَةِ فَإِنَّهَا أَمْرٌ خُلُقِيٌّ، وَهَذَا يُشْكِلُ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ (قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ أَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَوَّمَ لَحْمُهُ إلَخْ) ؛ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْجِلْدَ لَا يُقَوَّمُ، وَعَنْ هَذَا اخْتَارَ فِي النَّهْرِ مَا فِي الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيمَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَيْدٌ لَا مِنْ حَيْثُ مَا زَادَ بِالصَّنْعَةِ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ) تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي النَّهْرِ، وَفِيهِ إنَّ عِبَارَتَهُ كَعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ هُنَا فَإِنَّهُ قَالَ: وَهُوَ مَا قَوَّمَهُ عَدْلَانِ، وَأَنْتَ تَرَى أَنْ لَا تَصْحِيحَ فِيهَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة، وَقَدْ يُقَالُ جَعْلُهُ إيَّاهُ مَتْنًا وَاقْتِصَارُهُ عَلَيْهِ يُفِيدُ تَصْحِيحَهُ إذْ لَوْ اعْتَقَدَ ضَعْفَهُ لَذَكَرَ مُقَابِلَهُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ إلَخْ) قَالَ أَقُولُ: فِي اللُّبَابِ وَيُشْتَرَطُ لِلتَّقْوِيمِ عَدْلَانِ غَيْرُ الْجَانِي قَالَ: شَارِحُهُ عَلَى مَا نَسَبَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ إلَى الْحَنَفِيَّةِ، وَلَعَلَّهُ لِعِلَّةِ التُّهْمَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَحْمِلَ ذِكْرُ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَوْلُهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَكْتَفِي مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ يَكْتَفِي وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ، وَلَمْ أَرَهُ لِلِاكْتِفَاءِ بِالْقَاتِلِ أَمَّا حَمْلُ ذِكْرِ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ فَهُوَ مَنْقُولٌ ذَكَرَهُ قَرِيبًا (قَوْلُهُ: وَلَا خِيَارَ لِلْحَكَمَيْنِ) نَفْيٌ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الْخِيَارَ إلَى الْحَكَمَيْنِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ حَكَمَا بِالْهَدْيِ يَجِبُ النَّظِيرُ، وَإِنْ حَكَمَا بِالطَّعَامِ أَوْ بِالصِّيَامِ فَعَلَى مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مِنْ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ؛ لِأَنَّ ﴿هَدْيًا﴾ [المائدة: ٩٥] حَالٌ إلَخْ) اقْتَصَرَ مِنْ إعْرَابِ الْآيَةِ عَلَى مَوْضِعِ الِاسْتِدْلَالِ، وَأَعْرَبَهَا فِي الْفَتْحِ بِتَمَامِهَا فَنَذْكُرُ حَاصِلَهُ أَيْضًا حَالًا هُنَا وَذَلِكَ أَنَّهُ قُرِئَ بِتَنْوِينِ جَزَاءً وَرَفْعِ مِثْلُ وَبِدُونِهِ عَلَى الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ أَيْ فَجَزَاءٌ هُوَ مِثْلُ مَا قَتَلَ، وَمَضْمُونُ الْآيَةِ شَرْطٌ وَجَزَاءٌ حُذِفَ مِنْهُ الْمُبْتَدَأُ بَعْدَ فَاءِ

стр. 833

أَيْ صَائِرًا هَدْيًا بِهِ وَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِوَاسِطَةِ الشِّرَاءِ بِهَا أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَوْنُ الْحَالِ مُقَدَّرَةً كَثِيرٌ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُخَالِفِ فِيهَا يَلْزَمُ عَلَى تَقْدِيرِهِ فِي وَصْفِهَا، وَهُوَ بَالِغُ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ حُكْمُهُمَا بِالْهَدْيِ مَوْصُوفًا بِبُلُوغِهِ إلَى الْكَعْبَةِ حَالَ حُكْمِهِمَا بِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ بَلْ الْمُرَادُ يَحْكُمَانِ بِهِ مِقْدَارَ بُلُوغِهِ فَلُزُومُ التَّقْدِيرِ ثَابِتٌ غَيْرَ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ مَحَلُّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. ثُمَّ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا دَلَالَةَ لِلْآيَةِ عَلَى أَنَّ الِاخْتِيَارَ لِلْحَكَمَيْنِ بَلْ الظَّاهِرُ مِنْهَا أَنَّهُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ فَإِنَّ مَرْجِعَ ضَمِيرِ الْمَحْذُوفِ مِنْ الْخَبَرِ أَوْ مُتَعَلِّقَ الْمُبْتَدَأِ إلَيْهِ أَعْنِي مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَوْلِنَا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَوْ فَعَلَيْهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ ﴿هَدْيًا﴾ [المائدة: ٩٥] إلَى أَنَّهُ لَوْ اخْتَارَ الْهَدْيَ لَا يَذْبَحُهُ إلَّا بِالْحَرَمِ لِصَرِيحِ قَوْلِهِ ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] مَعَ أَنَّ الْهَدْيَ مَا يُهْدَى مِنْ النَّعَمِ إلَى الْحَرَمِ، وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَثَوْبِي هَذَا هَدْيٌ أَوْ إنْ لَبِسْت مِنْ غَزْلِك فَهُوَ هَدْيٌ مَجَازٌ عَنْ الصَّدَقَةِ بِقَرِينَةِ التَّقْيِيدِ بِالثَّوْبِ وَالْغَزْلِ. وَالْكَلَامُ فِي مُطْلَقِ الْهَدْيِ فَلَوْ ذَبَحَهُ فِي الْحِلِّ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْهَدْيِ بَلْ عَنْ الْإِطْعَامِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ فَقِيرٍ قَدْرَ قِيمَةِ نِصْفِ صَاعِ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهَا إنْ كَانَتْ قِيمَةُ اللَّحْمِ مِثْلَ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ، وَإِلَّا فَيُكْمِلُ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ إنْ بَلَغَتْ هَدْيًا إلَى أَنَّهُ إذَا، وَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى الْهَدْيِ يُهْدِي مَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ حَتَّى لَوْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَةُ الْمَقْتُولِ إلَّا عَنَاقًا أَوْ حَمْلًا يَقُومُ بِالْإِطْعَامِ أَوْ الصَّوْمِ لَا بِالْهَدْيِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ التَّفْكِيرُ بِالْهَدْيِ إلَّا أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهُ جَذَعًا عَظِيمًا مِنْ الضَّأْنِ أَوْ ثَيِّبًا مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْهَدْيِ فِي الشَّرْعِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَبْلُغُ ذَلِكَ السِّنَّ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ فِي إطْلَاقِ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا مَجَازًا بِقَرِينَةِ التَّقْيِيدِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ ذَبَحَهُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِرَاقَةِ فَلِهَذَا لَوْ سَرَقَ بَعْدَ الذَّبْحِ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِالْهَدْيِ حَيًّا لَا يُجْزِئُهُ، وَأَمَّا التَّصَدُّقُ بِلَحْمِ الْقُرْبَانِ فَوَاجِبٌ عِنْدَ الْإِمْكَانِ فَلَوْ أَتْلَفَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ ضَمِنَهُ فَيَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ، وَلَا يَنْعَدِمُ الْإِجْزَاءُ بِهِ، وَكَذَا لَوْ أَكَلَ بَعْضَهُ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَةَ مَا أَكَلَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ اللَّحْمِ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ، وَكَذَا مَا يَغْرَمُهُ مِنْ قِيمَةِ أَكْلِهِ. وَأَطْلَقَ فِي الطَّعَامِ وَالصَّوْمِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا يَجُوزُ إنْ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَمُتَفَرِّقًا وَمُتَتَابِعًا لِإِطْلَاقِ النَّصِّ فِيهِمَا، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ كَالْفِطْرَةِ إلَى أَنَّهُ يُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ وَاحِدًا أَقَلَّ مِنْهُ، وَلَهُ أَنْ يُطْعِمَ أَكْثَرَ تَبَرُّعًا حَتَّى لَا يَحْتَسِبَ الزِّيَادَةَ مِنْ الْقِيمَةِ كَيْ لَا يُنْتَقَصَ عَدَدُ الْمَسَاكِينِ هَكَذَا ذَكَرُوهُ هَاهُنَا، وَقَدْ حَقَّقْنَا فِي بَابِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ نِصْفَ الصَّاعِ عَلَى مَسَاكِينَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنَّ الْقَائِلَ بِالْمَنْعِ الْكَرْخِيُّ ــ [منحة الخالق] الْجَزَاءِ أَوْ الْخَبَرُ أَيْ فَالْوَاجِبُ جَزَاءٌ أَوْ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ، وَمِنْ النَّعَمِ بَيَانٌ لِمَا أَوْ لِلْعَائِدِ إلَيْهَا أَيْ مَا قَتَلَهُ مِنْ النَّعَمِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَجُمْلَةُ يَحْكُمُ بِهِ صِفَةُ فَجَزَاءٌ الَّذِي هُوَ الْقِيمَةُ أَوْ صِفَةُ مِثْلُ الَّذِي هُوَ هِيَ؛ لِأَنَّ مِثْلًا لَا تَتَعَرَّفُ بِالْإِضَافَةِ فَجَازَ وَصْفُهَا وَوَصْفُ مَا أُضِيفَ إلَيْهَا بِالْجُمْلَةِ وَ ﴿هَدْيًا﴾ [المائدة: ٩٥] حَالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنْ ضَمِيرِ بِهِ الرَّاجِعِ إلَى مَوْصُوفِ الْجُمْلَةِ وَ ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] صِفَةُ ﴿هَدْيًا﴾ [المائدة: ٩٥] النَّكِرَةُ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لَفْظِيَّةٌ أَوْ كَفَّارَةٌ أَوْ عَدْلٌ مَعْطُوفَانِ عَلَى جَزَاءٍ وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءٌ هُوَ قِيمَةُ مَا قَتَلَهُ مِنْ النَّعَمِ الْوَحْشِيِّ يَحْكُمُ بِذَلِكَ الْجَزَاءِ الَّذِي هُوَ الْقِيمَةُ عَدْلَانِ حَالَ كَوْنِهِ صَائِرًا هَدْيًا بِوَاسِطَةِ الْقِيمَةِ أَوْ كَفَّارَةً إلَخْ أَيْ الْوَاجِبُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْقِيمَةِ الصَّائِرَةِ هَدْيًا، وَمِنْ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ الْمَبْنِيَّيْنِ عَلَى تَعَرُّفِ الْقِيمَةِ. اهـ. مُلَخَّصًا. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَخِيرًا أَنْ يَكُونَ أَوْ عَدْلُ مَعْطُوفًا عَلَى طَعَامٍ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ مِنْ كَفَّارَةٍ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ لَا عَلَى جَزَاءٍ (قَوْلُهُ: أَيْ صَائِرًا هَدْيًا بِهِ) الظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِيرَ بِهِ يَعُودُ عَلَى الْحُكْمِ الْمَفْهُومِ مِنْ يَحْكُمُ فِي الْآيَةِ، وَأَنَّ ضَمِيرَ بِهَا يَعُودُ عَلَى الْقِيمَةِ الْمُفَسَّرِ بِهَا الْجَزَاءُ أَوْ الْمِثْلُ، وَأَنَّ الْمُنَاسِبَ إسْقَاطُ الْبَاءِ الْجَارَّةِ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا فِي الْفَتْحِ لِيَكُونَ عَطْفًا عَلَى الشِّرَاءِ لَا عَلَى بِوَاسِطَةٍ، وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ الشِّرَاءِ مَا يَحْصُلُ بِهِ مِلْكُ الْهَدْيِ مِنْ هِبَةٍ، وَإِرْثٍ وَنَحْوِهِمَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ) كَأَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ سَلَّمْنَا أَنَّ كَوْنَهَا مُقَدَّرَةً كَثِيرٌ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَكْثَرِ فَالْأَوْلَى كَوْنُهَا مُقَارِنَةً فَيَثْبُتُ أَنَّهُ يَصِيرُ هَدْيًا بِاخْتِيَارِهِمَا كَمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ فَأَجَابَ بِأَنَّ كَوْنَهَا مُقَدَّرَةً فِي الْآيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُمَا عَلَى مَا قَرَّرَاهُ فِيهَا لَكِنَّهُ لَازِمٌ فِي وَصْفِهَا، وَهُوَ ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] لِظُهُورِ أَنَّ بُلُوغَهُ الْكَعْبَةَ مُتَرَاخٍ عَنْ الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ هَدْيًا (قَوْلُهُ: يُقَوَّمُ بِالْإِطْعَامِ إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ، وَلَا يَجُوزُ الصِّغَارُ كَالْجِفْرَةِ وَالْعَنَاقِ وَالْحَمْلِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْإِطْعَامِ بِأَنْ يُعْطِيَ كُلَّ فَقِيرٍ مَا يُسَاوِي قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ (قَوْلُهُ: كَمَا قَدَّمْنَاهُ) أَيْ قَرِيبًا مِنْ مَسْأَلَةِ الثَّوْبِ وَالْغَزْلِ (قَوْلُهُ: وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ، وَكَالْفِطْرَةِ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ عَدَدُ الْمَسَاكِينِ صُورَةً فِي الْإِطْعَامِ تَمْلِيكًا، وَإِبَاحَةً قَالَ: أَصْحَابُنَا لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ دَفَعَ طَعَامَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ آصُعَ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كُلِّ يَوْمٍ نِصْفُ صَاعٍ أَوْ غَدَّى مِسْكِينًا وَاحِدًا أَوْ عَشَّاهُ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا أَمَّا لَوْ دَفَعَ طَعَامَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي يَوْمٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ دَفَعَاتٍ فَلَا رِوَايَةَ فِيهِ وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ، وَقَالَ عَامَّتُهُمْ لَا يَجُوزُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ

стр. 834

فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ هُنَا خُصُوصًا، وَالنَّصُّ هُنَا مُطْلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ كَالْفِطْرَةِ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَإِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَدُّقُ عَلَى الذِّمِّيِّ كَالْمُسْلِمِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ وَالْمُسْلِمُ أَحَبُّ، وَإِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى أَصْلِهِ، وَإِنْ عَلَا، وَفَرْعِهِ وَإِنْ سَفَلَ وَزَوْجَتِهِ وَزَوْجِهَا كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ صَدَقَةٍ وَاجِبَةٍ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ فِي بَابِ الْمَصْرِفِ، وَصَرَّحُوا هُنَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى لَكِنْ يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْإِبَاحَةَ تَكْفِي فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فِي الْإِطْعَامِ كَالتَّمْلِيكِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَلَا يَكْفِي فِي الْفِطْرَةِ، وَأَشَارَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ كَالْفِطْرَةِ إلَى أَنَّ دَفْعَ الْقِيمَةِ جَائِزٌ فَيَدْفَعُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، وَلَا يَجُوزُ النَّقْصُ عَنْهَا كَمَا فِي الْعَيْنِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي مَسْأَلَةِ ذَبْحِ الْهَدْيِ فِي الْحِلِّ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ فَضَلَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ صَامَ يَوْمًا) ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ الْمِقْدَارِ، وَعَدَدُ الْمَسَاكِينِ، وَقَدْ عَجَزَ عَنْ مُرَاعَاةِ الْمِقْدَارِ فَسَقَطَ، وَقَدَرَ عَلَى مُرَاعَاةِ الْعَدَدِ فَلَزِمَهُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِإِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ لَا يَزِيدُ، وَلَا يَنْقُصُ أَمَّا الْقِيمَةُ هُنَا تَزِيدُ وَتَنْقُصُ فَيُخَيَّرُ إنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ يَوْمًا كَامِلًا؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ لَوْ كَانَ دُونَ طَعَامِ مِسْكِينٍ بِأَنْ قَتَلَ يَرْبُوعًا أَوْ عُصْفُورًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ أَيْضًا، وَإِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي كَفَّارَةِ الصَّيْدِ الصَّوْمَ أَصْلٌ كَالْإِطْعَامِ حَتَّى يَجُوزَ الصَّوْمُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِطْعَامِ فَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَإِكْمَالُ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ، وَأَمَّا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَالصَّوْمُ بَدَلٌ عَنْ التَّفْكِيرِ بِالْمَالِ حَتَّى لَا يَجُوزَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ لِلتَّنَافِي وَشَمَلَ كَلَامُهُ مَا إذَا كَانَ هَذَا الْفَاضِلُ مِنْ جِنْسِ مَا فَعَلَهُ أَوَّلًا حَتَّى لَوْ اخْتَارَ الْهَدْيَ، وَفَضَلَ مِنْ الْقِيمَةِ مَا لَا يَبْلُغُ هَدْيًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْفَضْلِ أَيْضًا، وَعَلَى هَذَا لَوْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ هَدْيَيْنِ إنْ شَاءَ ذَبَحَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِالطَّعَامِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ أَحَدَهُمَا، وَأَطْعَمَ وَصَامَ عَمَّا بَقِيَ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِالْقِيمَةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الطَّعَامِ قِيمَةُ الصَّيْدِ، وَفِي الصَّوْمِ قِيمَةُ الطَّعَامِ، وَهَكَذَا فِي الْبَدَائِعِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ جَرَحَهُ أَوْ قَطَعَ عُضْوَهُ أَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ ضَمِنَ مَا نَقَصَ) اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ أَفَادَ بِمُقَابَلَةِ الْجُرْحِ لِلْقَتْلِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْ هَذَا الْجُرْحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ مِنْهُ وَجَبَ كَمَالُ الْقِيمَةِ فَإِنْ غَابَ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَوْتَهُ، وَلَا حَيَاتَهُ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَضْمَنَ النُّقْصَانَ لِلشَّكِّ فِي سَبَبِ الْكَمَالِ كَالصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ إذَا جَرَحَهُ وَغَابَ وَالِاسْتِحْسَانُ أَنْ يَلْزَمَهُ جَمِيعُ الْقِيمَةِ احْتِيَاطًا كَمَنْ أَخَذَ صَيْدًا مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ، وَلَا يَدْرِي أَدَخَلَ الْحَرَمَ أَمْ لَا فَإِنَّهُ تَجِبُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكُ الْعِبَادَةِ مِنْ وَجْهٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَأَطْلَقَ فِي ضَمَانِهِ النُّقْصَانَ بِسَبَبِ الْجُرْحِ فَشَمَلَ مَا إذَا بَرِئَ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْجَزَاءُ بِبُرْئِهِ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَجِبُ بِإِتْلَافِ جُزْءٍ مِنْ الصَّيْدِ بِالِانْدِمَالِ لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْإِتْلَافَ لَمْ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ هُنَا) تَابَعَهُ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَحْثٌ مَعَ الْمَنْقُولِ (قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ) تَقَدَّمَ فِي الْمَصْرِفِ أَنَّ فِيهِ خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ وَذَكَرْنَا عَنْ الْحَاوِي أَنَّهُ قَالَ: وَبِهِ نَأْخُذُ (قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى) كَانَ وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى مَا قَالُوهُ أَنْ لَا يَجُوزَ التَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ فِيمَا هُوَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا لَكِنْ نَفْيُ الْقَبُولِ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ، وَهُوَ عَدَمُ الْقَبُولِ مُطْلَقًا وَالشَّرِيكُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تُقْبَلُ فِي الْجُمْلَةِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَدْ عُرِفَ أَنَّ الْمُشَبَّهَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُعْطَى حُكْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ التَّشْبِيهَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمِقْدَارِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ. اهـ. ثُمَّ الْإِبَاحَةُ بِالْوَضْعِ وَالْعَرْضِ لِلْفَقِيرِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَعَ الْأَوَّلِ لَكِنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي كَفَّارَةِ الْحَلْقِ مِنْ الْأَذَى، وَأَمَّا كَفَّارَةُ الصَّيْدِ فَيَجُوزُ الْإِطْعَامُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ بِلَا خِلَافٍ فَيَضَعُ لَهُمْ طَعَامًا وَيُمَكِّنُهُمْ مِنْهُ حَتَّى يَسْتَوْفُوا أَكْلَتَيْنِ مُشْبِعَتَيْنِ غَدَاءً، وَعَشَاءً أَوْ سُحُورًا، وَعَشَاءً أَوْ غَدَاءَيْنِ أَوْ عَشَاءَيْنِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى فَإِنْ غَدَّاهُمْ لَا غَيْرُ أَوْ عَشَّاهُمْ فَقَطْ لَا يُجْزِئُهُ لَكِنْ إنْ غَدَّاهُمْ، وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ الْعَشَاءِ أَوْ بِالْعَكْسِ جَازَ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مَأْدُومًا، وَفِي الْهِدَايَةِ لَا بُدَّ مِنْ الْإِدَامِ فِي خُبْزِ الشَّعِيرِ، وَفِي الْمُصَفَّى غَيْرُ الْبُرِّ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِدَامٍ، وَفِي الْبَدَائِعِ يَسْتَوِي كَوْنُ الطَّعَامِ مَأْدُومًا أَوْ غَيْرَ مَأْدُومٍ حَتَّى لَوْ غَدَّاهُمْ، وَعَشَّاهُمْ خُبْزًا بِلَا إدَامٍ أَجْزَأَهُ، وَكَذَا لَوْ أَطْعَمَ خُبْزَ الشَّعِيرِ أَوْ سَوِيقًا أَوْ تَمْرًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤْكَلُ وَحْدَهُ ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الشِّبَعُ التَّامُّ لَا مِقْدَارُ الطَّعَامِ حَتَّى لَوْ قَدَّمَ أَرْبَعَةَ أَرْغِفَةٍ أَوْ ثَلَاثَةً بَيْنَ يَدَيْ سِتَّةِ مَسَاكِينَ وَشَبِعُوا أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ صَاعًا أَوْ نِصْفَ صَاعٍ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ شَبْعَانَ قِيلَ لَا يَجُوزُ، وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ

стр. 835

يَكُنْ بِخِلَافِ مَا إذَا جَرَحَ آدَمِيًّا فَانْدَمَلَتْ جِرَاحَتُهُ فَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ هُنَاكَ إنَّمَا يَجِبُ لِأَجْلِ الشَّيْنِ، وَقَدْ ارْتَفَعَ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَفِي الْمُحِيطِ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ بَرِئَ مِنْهُ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ زَالَ فَيَزُولُ الضَّمَانُ كَمَا فِي الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَالصَّيْدُ الْمَمْلُوكُ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا غَابَ بَعْدَ الْجُرْحِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَلَعَ سِنَّ ظَبْيٍ أَوْ نَتَفَ رِيشِ صَيْدٍ فَنَبَتَ أَوْ ضَرَبَ عَيْنَ صَيْدٍ فَابْيَضَّتْ ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ صَدَقَةُ الْأَلَمِ، وَأَشَارَ بِكَوْنِ الْجِرَاحَةِ جِنَايَةً مُسْتَقِلَّةً إلَى أَنَّهُ لَوْ جَرَحَ صَيْدًا فَكَفَّرَ ثُمَّ قَتَلَهُ كَفَّرَ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُمَا جِنَايَتَانِ، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى قَتَلَهُ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ بِالْقَتْلِ وَنُقْصَانٌ بِالْجِرَاحَةِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ لَوْ جَرَحَ صَيْدًا ثُمَّ كَفَّرَ عَنْهُ ثُمَّ مَاتَ أَجْزَأَتْهُ الْكَفَّارَةُ الَّتِي أَدَّاهَا؛ لِأَنَّهُ أَدَّى بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَفِي الْمُحِيطِ مَعْزِيًّا إلَى الْجَامِعِ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ جَرَحَ صَيْدًا جُرْحًا لَا يَسْتَهْكِلُهُ ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهَا حَجَّةً ثُمَّ جَرَحَهُ أَيْضًا فَمَاتَ مِنْ الْكُلِّ فَعَلَيْهِ لِلْعُمْرَةِ قِيمَتُهُ صَحِيحًا، وَقِيمَتُهُ لِلْحَجِّ وَبِهِ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ حَلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجَّةِ ثُمَّ جَرَحَهُ الثَّانِيَةَ فَعَلَيْهِ لِلْعُمْرَةِ قِيمَتُهُ وَبِهِ الْجُرْحُ الثَّانِي وَلِلْحَجِّ قِيمَتُهُ وَبِهِ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ كَانَ حِينَ أُحِلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ قَرَنَ بِحَجَّةٍ، وَعُمْرَةٍ ثُمَّ جَرَحَ الصَّيْدَ فَمَاتَ ضَمِنَ لِلْعُمْرَةِ الْقِيمَةَ وَبِهِ الْجُرْحُ الثَّانِي وَضَمِنَ لِلْقِرَانِ قِيمَتَيْنِ وَبِهِ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ كَانَ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ اسْتِهْلَاكًا غَرِمَ لِلْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ قِيمَتَهُ صَحِيحًا وَلِلْقِرَانِ قِيمَتَيْنِ وَبِهِ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ. اهـ. وَفِي مَنَاسِكِ الْكَرْمَانِيِّ، وَلَوْ ضَرَبَ صَيْدًا فَمَرِضَ وَانْتَقَصَتْ قِيمَتُهُ أَوْ ازْدَادَتْ ثُمَّ مَاتَ كَانَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ وَقْتَ الْجُرْحِ أَوْ وَقْتَ الْمَوْتِ. (قَوْلُهُ: وَتَجِبُ الْقِيمَةُ بِنَتْفِ رِيشِهِ، وَقَطْعِ قَوَائِمِهِ وَحَلْبِهِ، وَكَسْرِ بَيْضِهِ وَخُرُوجِ فَرْخٍ مَيِّتٍ بِهِ) أَمَّا نَتْفُ رِيشِهِ، وَقَطْعُ قَوَائِمِهِ فَلِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ الْأَمْنَ بِتَفْوِيتِ آلَةِ الِامْتِنَاعِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَتَلَهُ فَلَزِمَهُ قِيمَةٌ كَامِلَةٌ، وَأَمَّا حَلْبُهُ فَلِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْ أَجْزَائِهِ فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا بِكُلِّهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ، وَهُوَ قِيمَةُ اللَّبَنِ، وَأَمَّا كَسْرُ بَيْضِهِ فَلِأَنَّهُ أَصْلُ الصَّيْدِ، وَلَهُ عَرْضِيَّةُ أَنْ يَصِيرَ صَيْدًا فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الصَّيْدِ احْتِيَاطًا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَوَجَبَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْبَيْضِ. وَأَمَّا إذَا خَرَجَ فَرْخٌ مَيِّتٌ بِسَبَبِ الْكَسْرِ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَغْرَمَ سِوَى قِيمَةِ الْبَيْضَةِ؛ لِأَنَّ حَيَاةَ الْفَرْخِ غَيْرُ مَعْلُومٍ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْبَيْضَ مُعَدٌّ لِيَخْرُجَ مِنْهُ الْفَرْخُ الْحَيُّ وَالْكَسْرُ قَبْلَ أَوَانِهِ سَبَبٌ لِمَوْتِهِ فَيُحَالُ بِهِ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا فَتَجِبُ قِيمَتُهُ حَيًّا كَمَا صَرَّحَ بِهِ وَالرِّيشُ جَمْعُ الرِّيشَةِ، وَهُوَ الْجَنَاحُ وَالْقَوَائِمُ الْأَرْجُلُ، وَأَطْلَقَ فِي كَسْرِ بَيْضِهِ، وَقَيَّدَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنْ لَا يَكُونَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَسَرَ بَيْضَةً مَذِرَةً لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهَا لَيْسَ لِذَاتِهَا بَلْ لِعَرْضِيَّةِ الصَّيْدِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْفَاسِدَةِ، وَبِهَذَا انْتَفَى قَوْلُ الْكَرْمَانِيِّ إذَا كَسَرَ بَيْضَةَ نَعَامَةٍ مَذِرَةٍ وَجَبَ ــ [منحة الخالق] كَذَا فِي اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ. (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة يَعْنِي الظَّاهِرَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا حَصَلَ عِنْدَهُ لَا أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَلِذَا قَالَ فِي النَّهْرِ إنَّ كَلَامَ الْبَدَائِعِ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْإِطْلَاقِ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ بِالْقَتْلِ وَنُقْصَانٌ بِالْجِرَاحَةِ) قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ بَعْدَ نَقْلِهِ ذَلِكَ عَنْ مَنْسَكِ الطَّرَابُلْسِيِّ، وَفِي الْفَتْحِ، وَلَوْ جَرَحَ صَيْدًا، وَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى قَتَلَهُ وَجَبَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمَا نَقَصَتْهُ الْجِرَاحَةُ الْأُولَى سَاقِطٌ، وَكَذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِلْجِرَاحَةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ الْجِرَاحَةِ صَارَ كَأَنَّهُ قَتَلَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي مُخْتَصَرِهِ إلَّا مَا نَقَصَتْهُ الْجِرَاحَةُ الْأُولَى أَيْ يَلْزَمُهُ ضَمَانُ صَيْدٍ مَجْرُوحٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الزَّمَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مَرَّةً فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَرَّةٌ أُخْرَى. اهـ. وَحَاصِلُهُ تَدَاخُلُ الْجِنَايَتَيْنِ، وَمَآلُهُ إلَى جِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا حَقَّقَهُ ابْنُ الْهُمَامِ تَبَعًا لِمَا فِي الْبَدَائِعِ فَهُوَ الْمُعَوَّلُ فَتَدَبَّرْ وَتَأَمَّلْ. اهـ. وَكَذَا مَشَى عَلَيْهِ فِي مَتْنِ اللُّبَابِ لَكِنْ مَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ يُفِيدُ التَّوْفِيقَ بِأَنَّ مَنْ أَوْجَبَ نُقْصَانَ الْجِرَاحَةِ أَوْجَبَ قِيمَتَهُ فِي الْقَتْلِ مَجْرُوحًا، وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا أَوْجَبَ قِيمَتَهُ فِي الْقَتْلِ سَالِمًا وَالْمَآلُ فِيهِمَا وَاحِدٌ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ كَفَّرَ عَنْهُ) أَيْ كَفَّارَةَ الْمَوْتِ كَمَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ: وَانْتَقَصَتْ قِيمَتُهُ أَوْ ازْدَادَتْ) أَيْ قِيمَةُ جِنْسِهِ لَا خُصُوصُ هَذَا الْمَضْرُوبِ إذْ لَا يُمْكِنُ زِيَادَةُ قِيمَتِهِ بَعْدَ الضَّرْبِ تَأَمَّلْ أَوْ الْمُرَادُ زَادَتْ قِيمَةُ شَعْرِهِ أَوْ بَدَنِهِ كَمَا يَأْتِي عَنْ الْمُحِيطِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَبِذَبْحِ الْحَلَالِ صَيْدَ الْحَرَمِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ قِيمَةُ اللَّبَنِ) هَذَا عَلَى مَا فِي الْبَحْرِ الزَّاخِرِ، وَفِي الْبَدَائِعِ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ الْحَلْبُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِ، وَقَدْ جَمَعَ الطَّرَابُلْسِيِّ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا حَلَبَ صَيْدًا فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ، وَقِيمَةُ اللَّبَنِ. اهـ. وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا شَرِبَهُ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَطْعَمَهُ الْفُقَرَاءَ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا خَرَجَ فَرْخٌ مَيِّتٌ إلَخْ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا، وَمَاتَ بِالْكَسْرِ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبِ الْكَسْرِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَغْرَمَ سِوَى قِيمَةِ الْبَيْضَةِ إلَخْ.

стр. 836

الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ لِقِشْرِهَا قِيمَةً، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ نَعَامَةٍ لَا يَجِبُ شَيْءٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْإِحْرَامِ لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْ التَّعَرُّضِ لِلْقِشْرِ بَلْ لِلصَّيْدِ فَقَطْ، وَلَيْسَ لِلْمَذِرَةِ عَرْضِيَّةُ الصَّيْدِيَّةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. وَفِي الْبَدَائِعِ وَلَوْ شَوَى بَيْضًا أَوْ جَرَادًا فَضَمِنَهُ لَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ، وَلَوْ أَكَلَهُ أَوْ غَيْرُهُ حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الذَّكَاةِ فَلَا يَصِيرُ مَيْتَةً وَلِهَذَا يُبَاحُ أَكْلُ الْبَيْضِ قَبْلَ الشَّيْءِ، وَأَفَادَ بِمَسْأَلَةِ خُرُوجِ الْفَرْخِ أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ ظَبْيَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ حَيًّا فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ ضَمِنَ قِيمَتَهَا أَيْضًا بِخِلَافِ جَنِينِ الْمَرْأَةِ إذَا خَرَجَ مَيِّتًا لَا يَلْزَمُ الضَّارِبُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ النَّفْسِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ احْتِيَاطًا، وَفِي حُقُوقِ الْعِبَادِ فِي حُكْمِ الْجُزْءِ؛ لِأَنَّ غَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ لَا تَبْتَنِي عَلَى الِاحْتِيَاطِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ مَوْتَهُ بِغَيْرِ الْكَسْرِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِلْفَرْخِ لِانْعِدَامِ الْأَمَانَةِ، وَلَا لِلْبَيْضِ لِعَدَمِ الْعَرْضِيَّةِ، وَإِذَا ضَمِنَ الْفَرْخَ لَا يَجِبُ فِي الْبَيْضِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَا ضَمَانُهُ لِأَجْلِهِ قَدْ ضَمِنَهُ، وَأَشَارَ بِخُرُوجِ الْفَرْخِ إلَى أَنَّهُ لَوْ نَفَّرَ صَيْدًا عَنْ بَيْضِهِ فَفَسَدَ أَنَّهُ يَضْمَنُ إحَالَةً لِلْفَسَادِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الظَّاهِرُ كَمَا لَوْ أَخَذَ بَيْضَةَ الصَّيْدِ فَدَفَنَهَا تَحْتَ دَجَاجَةٍ فَفَسَدَتْ، وَلَوْ لَمْ تَفْسُدْ وَخَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ وَطَارَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ بِقَتْلِ غُرَابٍ وَحِدَأَةٍ، وَذِئْبٍ وَحَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ، وَفَأْرَةٍ وَكَلْبٍ عَقُورٍ، وَبَعُوضٍ وَنَمْلٍ وَبُرْغُوثٍ، وَقُرَادٍ وَسُلَحْفَاةٍ) أَمَّا الْفَوَاسِقُ، وَهِيَ السَّبْعَةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا فَلِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» وَزَادَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «الْحَيَّةُ وَالسَّبُعُ الْعَادِي» ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ «الذِّئْبُ» فَلِذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ سَبْعَةً، وَمَعْنَى الْفِسْقِ فِيهِنَّ خُبْثُهُنَّ، وَكَثْرَةُ الضَّرَرِ فِيهِنَّ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ فَلِذَا خَصَّ بِهِ الْكِتَابَ الْقَطْعِيَّ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي نَفْيِ شَيْءٍ بِقَتْلِهَا فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا فِي الْحَرَمِ، وَأَطْلَقَ فِي الْغُرَابِ فَشَمَلَ الْغُرَابَ بِأَنْوَاعِهِ الثَّلَاثَةِ، وَمَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْمُرَادُ بِالْغُرَابِ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ أَوْ يَخْلِطُ؛ لِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى أَمَّا الْعَقْعَقُ غَيْرُ مُسْتَثْنًى؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى غُرَابًا، وَلَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ دَائِمًا يَقَعُ عَلَى دُبُرِ الدَّابَّةِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَسَوَّى الْمُصَنِّفُ بَيْنَ الذِّئْبِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْكَرْخِيِّ وَاخْتَارَهَا فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ الذِّئْبَ يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى غَالِبًا وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ؛ وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فَلَمْ يَجْعَلْ الذِّئْبَ مِنْ الْفَوَاسِقِ، وَأَطْلَقَ فِي الْفَأْرَةِ فَشَمَلَتْ الْأَهْلِيَّةَ وَالْوَحْشِيَّةَ، وَقَيَّدَ الْكَلْبَ بِالْعَقُورِ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ الْعَقُورَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ أَهْلِيًّا كَانَ أَوْ وَحْشِيًّا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَقُورِ لَيْسَ بِصَيْدٍ فَلَا يَجِبُ الْجَزَاءُ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَفِي السِّنَّوْرِ الْبَرِّيِّ رِوَايَتَانِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِقَتْلِهِ، وَأَمَّا حِلُّ الْقَتْلِ فَمَا لَا يُؤْذِي لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ فَالْكَلْبُ الْأَهْلِيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ مُؤْذِيًا لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ نُسِخَ فَقَيَّدَ الْقَتْلَ بِوُجُوبِ الْإِيذَاءِ. وَأَمَّا ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَفِي الْبَدَائِعِ، وَلَوْ شَوَى بَيْضًا أَوْ جَرَادًا إلَخْ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ اللَّبَنُ الْمَحْلُوبُ مِنْ الصَّيْدِ. اهـ. ثُمَّ رَأَيْته مُصَرَّحًا بِهِ فِي اللُّبَابِ فَقَالَ: وَلَوْ شَوَى مُحْرِمٌ بَيْضًا أَوْ جَرَادًا أَوْ حَلَبَ صَيْدًا، وَأَدَّى جَزَاءَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْأَكْلِ وَيَجُوزُ لَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ جَنِينِ الْمَرْأَةِ) أَيْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً إذَا خَرَجَ مَيِّتًا أَيْ، وَمَاتَتْ الْأُمُّ بَعْدَهُ وَلِهَذَا عَبَّرَ فِي الْمِعْرَاجِ بِقَوْلِهِ ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمُّ، وَقَوْلُهُ لَا يَلْزَمُ الضَّارِبَ شَيْئًا صَوَابُهُ شَيْءٌ، وَمَعْنَاهُ لَا يَلْزَمُهُ الدِّيَةُ كَمَا يَلْزَمُهُ دِيَةُ الْأُمِّ أَوْ قِيمَتُهَا لَوْ أَمَةً، وَإِلَّا فَالْغُرَّةُ لَازِمَةٌ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ إذَا خَرَجَ مَيِّتًا عَمَّا إذَا خَرَجَ حَيًّا فَمَاتَ فَإِنَّ فِيهِ الدِّيَةَ كَامِلَةً، وَأَمَّا إنْ مَاتَتْ فَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا فَدِيَةُ الْأُمِّ فَقَطْ. (قَوْلُهُ: فَلِذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ سَبْعَةً) ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ السَّبُعَ مَعَ أَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ عِنْدَنَا فَيَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ أَوْ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَهُ بِالْعَادِي وَسَيَذْكُرُهُ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ صَالَ لَا شَيْءَ بِقَتْلِهِ بَقِيَ الْكَلَامُ فِي عَدَمِ عَدِّهِ مِنْهَا وَجَعَلَهُ مِنْ الصُّيُودِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَلِلْمُحَقِّقِ فِي الْفَتْحِ كَلَامٌ أَطَالَ الْبَحْثَ فِيهِ. وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَلَعَلَّ لِعَدَمِ قُوَّةِ وَجْهِهِ كَانَ فِي السِّبَاعِ رِوَايَتَانِ. (قَوْلُهُ: فَفِيهِ نَظَرٌ) رَدَّهُ فِي النَّهْرِ بِمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ الْغُرَابُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ أَوْ يَخْلِطُ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ هُوَ الَّذِي يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى. اهـ. وَأَشَارَ فِي الْمِعْرَاجِ إلَى دَفْعِ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ غَالِبًا وَبِهِ انْدَفَعَ دَعْوَى الدَّيْمُومَةِ فِيهِ، وَلَمَّا كَانَ الْمُطَّرَدُ هُوَ ابْتِدَاؤُهُ بِالْأَذَى اقْتَصَرَ الْإِمَامُ الثَّانِي فِي التَّعْلِيلِ عَلَيْهِ ثُمَّ رَأَيْته فِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ: وَفِي الْعَقْعَقِ رِوَايَتَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ الصُّيُودِ. اهـ. قُلْتُ: وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ غَيْرَ الْعَقُورِ) الْمُنَاسِبُ؛ وَلِأَنَّ بِالْوَاوِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ اتِّبَاعًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ نُسِخَ) كَذَا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ قَالَ فِي النَّهْرِ لَكِنْ رَأَيْت فِي الْمُلْتَقَطِ مَا لَفْظُهُ، وَإِذَا كَثُرَتْ الْكِلَابُ فِي قَرْيَةٍ، وَأَضَرَّ بِأَهْلِ الْقَرْيَةِ أُمِرَ أَرْبَابُهَا بِقَتْلِهَا، وَإِنْ أَبَوْا رُفِعَ الْأَمْرُ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَأْمُرَ بِذَلِكَ. اهـ. فَيُحْمَلُ مَا فِي الْفَتْحِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ ضَرَرٌ

стр. 837

الْبَعُوضُ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ فَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصُيُودٍ أَصْلًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى كَالْبُرْغُوثِ، وَدَخَلَ الزُّنْبُورُ وَالسَّرَطَانُ وَالذُّبَابُ وَالْبَقُّ وَالْقَنَافِذُ وَالْخَنَافِسُ وَالْوَزَغُ وَالْحَلَمَةُ وَصَيَّاحُ اللَّيْلِ وَابْنُ عُرْسٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ؛ لِأَنَّ حَدَّ الصَّيْدِ لَا يُوجَدُ فِيهِمَا وَالْبَعُوضُ مِنْ صِغَارِ الْبَقِّ الْوَاحِدَةُ بَعُوضَةٌ بِالْهَاءِ وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهَا كَبَعْضِ الْبَقَّةِ قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَثَلا مَا بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦] كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ، وَفِيهِ الْحِدَأَةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ طَائِرٌ مَعْرُوفٌ وَالْجَمْعُ الْحَدَأُ، وَأَمَّا الْحَدَأَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ فَأْسٌ يُنْقَرُ بِهَا الْحِجَارَةُ لَهَا رَأْسَانِ وَالذِّئْبُ بِالْهَمْزَةِ مَعْرُوفٌ وَجَمْعُهُ أَذْؤُبٌ وَأَذْوَابٌ وَذِئَاب وَذُؤْبَانٌ قِيلَ اشْتِقَاقُهُ مِنْ تَذَاءَبَتْ الرِّيحُ إذَا جَاءَتْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ أَيْضًا وَيُصَغَّرُ ذُوَيْبٌ وَالسُّلَحْفَاةُ بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ وَاحِدَةُ السَّلَاحِفِ مِنْ خَلْقِ الْمَاءِ، وَيُقَالُ أَيْضًا سُلَحْفِيَةٌ بِالْيَاءِ وَالْفَأْرَةُ بِالْهَمْزِ وَاحِدَةُ الْفَأْرِ وَجَمْعُهُ فِيرَانٌ. (قَوْلُهُ: وَبِقَتْلِ قَمْلَةٍ وَجَرَادَةٍ تَصَدَّقَ بِمَا شَاءَ) أَمَّا وُجُوبُ الصَّدَقَةِ بِقَتْلِ الْقَمْلَةِ فَلِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ التَّفَثِ الَّذِي عَلَى الْبَدَنِ وَالْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ إزَالَتِهِ بِمَنْزِلَةِ إزَالَةِ الشَّعْرِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْقَمْلِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَوْ قَتَلَهَا مِنْ بَدَنِ غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي الْمُحِيطِ وَيُكْرَهُ قَتْلُ الْقَمْلَةِ، وَمَا تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْهَا أَطْلَقَ فِي قَتْلِ الْقَمْلَةِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ مُبَاشَرَةً أَوْ تَسَبُّبًا لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الثَّانِي الْقَصْدُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ لَوْ وَضَعَ ثِيَابَهُ فِي الشَّمْسِ لِيَقْتُلَ حَرَّ الشَّمْسِ الْقَمْلَ كَالصَّيْدِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ كَمَا لَوْ غَسَلَ ثَوْبَهُ فَمَاتَ الْقَمْلُ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْقَمْلَ كَالصَّيْدِ فَأَفَادَ أَنَّ الدَّلَالَةَ مُوجِبَةٌ فِيهَا فَلَوْ أَشَارَ الْمُحْرِمُ إلَى قَمْلَةٍ عَلَى بَدَنِهِ فَقَتَلَهَا الْحَلَالُ وَجَبَ الْجَزَاءُ، وَعُلِمَ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ إلْقَاءَ الْقَمْلَةِ كَالْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ إزَالَتُهَا عَنْ الْبَدَنِ لَا خُصُوصُ الْقَتْلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَرَادَ بِالْقَمْلَةِ الْقَلِيلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُ جَزَاءُ قَتْلِهِ صَدَقَةٌ مُعَيَّنَةٌ، وَهِيَ نِصْفُ صَاعٍ لَا التَّصَدُّقُ بِمَا شَاءَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِسْبِيجَابِيِّ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ كَثِيرٌ، وَكَلَامُ قَاضِي خَانْ أَنَّ الْعَشَرَةَ فَمَا فَوْقَهَا كَثِيرٌ وَاقْتَصَرَ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ عَلَى الْأَوَّلِ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبَ، وَأَمَّا وُجُوبُهَا بِقَتْلِ الْجَرَادَةِ فَلِأَنَّ الْجَرَادَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ فَإِنَّ الصَّيْدَ مَا لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ إلَّا بِحِيلَةٍ وَيَقْصِدُهُ الْآخِذُ، وَقَالَ: عُمَرُ ﵁ تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ فَأَوْجَبَهَا عَلَى مَنْ قَتَلَ جَرَادَةً كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَتَبِعَهُ أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ. أَمَّا مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةٍ أَوْ غَزْوَةٍ فَاسْتَقْبَلَنَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُ بِأَسْيَافِنَا، وَقِسِيِّنَا فَقَالَ: ﷺ كُلُوهُ فَإِنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ» فَقَدْ أَجَابَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّ الْحُفَّاظَ اتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ لِضَعْفِ أَبِي الْمُهَزِّمِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَكَسْرِ الزَّايِ، وَفَتْحِ الْهَاءِ بَيْنَهُمَا، وَاسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ سُفْيَانَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَالسُّلَحْفَاةُ بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَكَأَنَّهَا مِنْ تَحْرِيفِ النُّسَّاخِ وَالْأَصْلُ، وَفَتْحِ اللَّامِ، وَفِي بَعْضِهَا بِضَمِّ الْفَاءِ، وَفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ فَاءِ الْكَلِمَةِ، وَهِيَ السِّينُ، وَعَيْنِهَا وَهِيَ اللَّامُ. (قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ لَوْ وَضَعَ ثِيَابَهُ فِي الشَّمْسِ لِيَقْتُلَ إلَخْ) قَالَ: فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة، وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْبُرْجُنْدِيِّ مِثْلُهُ ثُمَّ نَقَلَ خِلَافَهُ عَنْ الْمَنْصُورِيَّةِ، وَهُوَ نَفْيُ الْجَزَاءِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ أَشَارَ إلَخْ) ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: لِحَلَالٍ ادْفَعْ عَنِّي هَذَا الْقَمْلَ أَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِهَا لُبَابٌ قَالَ شَارِحُهُ: وَكَذَا لَوْ دَفَعَ ثَوْبَهُ لِيَقْتُلَ مَا فِيهِ فَفَعَلَ (قَوْلُهُ: وَأَرَادَ بِالْقَمْلَةِ إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ إنْ قَتَلَ مُحْرِمٌ قَمْلَةً تَصَدَّقَ بِكِسْرَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَقَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ، وَفِي الزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثِ بَالِغًا مَا بَلَغَ نِصْفُ صَاعٍ. اهـ. قَالَ شَارِحُهُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْفَتْحِ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي قَمْلَةٍ أَطْعَمَ شَيْئًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ يَسِيرٍ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ. وَرِوَايَةُ الْحَسَنِ سَيَذْكُرُهَا الْمُؤَلِّفُ قَرِيبًا (قَوْلُهُ: وَأَمَّا وُجُوبُهَا بِقَتْلِ الْجَرَادَةِ إلَخْ) قَالَ: فِي اللُّبَابِ، وَلَوْ وَطِئَ جَرَادًا عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا قَدْ سَدَّ الطَّرِيقَ فَلَا يَضْمَنُ، وَلَوْ شَوَى جَرَادًا فَأَكَلَهُ بَعْدَمَا ضَمِنَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْأَكْلِ وَيُكْرَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ الضَّمَانِ. اهـ. قَالَ شَارِحُهُ وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحْرِمٌ قَطَعَ شَجَرَةً مِنْ الْحَرَمِ أَوْ شَوَى بَيْضَ صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ حَلَبَ صَيْدًا أَوْ شَوَى جَرَادًا فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ يَعْنِي الْقِيمَةَ وَيُكْرَهُ لَهُ بَيْعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَإِنْ بَاعَ جَازَ، وَيَمْلِكُ ثَمَنَهُ بِخِلَافِ الصَّيْدِ الَّذِي قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ؛ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَإِذَا مَلَكَ الثَّمَنَ إنْ شَاءَ جَعَلَهُ فِي الْقِيمَةِ الَّتِي يُؤَدِّيهَا، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ فِي غَيْرِهَا وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَنْتَفِعَ بِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّنَاوُلُ؛ لِأَنَّ الْبَيْضَ وَالْجَرَادَ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الذَّكَاةِ وَالْحَلَالُ وَالْمُحْرِمُ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى الذَّكَاةِ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا لَا يُبَاحُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ صَيْدًا فِي حَقِّهِ، وَلَيْسَ بِصَيْدٍ فِي حَقِّ الثَّانِي. اهـ. وَتَبَيَّنَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْآخِذِ وَالْمُشْتَرِي فِي إبَاحَةِ التَّنَاوُلِ كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ. (قَوْلُهُ: رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ) قَوْلُهُ: فِي الْقَامُوسِ الرِّجْلُ بِالْكَسْرِ الطَّائِفَةُ مِنْ الشَّيْءِ أَوْ الْقِطْعَةُ الْعَظِيمَةُ مِنْ الْجَرَادِ

стр. 838

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ: مَيْمُونٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. اهـ. فَلَيْسَ هُنَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ بِإِيجَابِ عُمَرَ الْجَزَاءَ فِيهِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْجَرَادِ قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْجَرَادِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَالْقَمْلِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْقَمْلِ فَفِي الثَّلَاثِ، وَمَا دُونَهَا يَتَصَدَّقُ بِمَا شَاءَ، وَفِي الْأَرْبَعِ فَأَكْثَرَ يَتَصَدَّقُ بِنِصْفِ صَاعٍ، وَفِي الْمُحِيطِ مَمْلُوكٌ أَصَابَ جَرَادَةً فِي إحْرَامِهِ إنْ صَامَ يَوْمًا فَقَدْ زَادَ، وَإِنْ شَاءَ جَمَعَهَا حَتَّى تَصِيرَ عِدَّةَ جَرَادَاتٍ فَيَصُومَ يَوْمًا. اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَمْلُ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَبْدِ لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُكَفِّرُ إلَّا بِالصَّوْمِ ثُمَّ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِقْدَارَهَا، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُطْعِمُ فِي الْوَاحِدَةِ كِسْرَةً، وَفِي الِاثْنَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ قَبْضَةً مِنْ الطَّعَامِ، وَفِي الْأَكْثَرِ نِصْفَ صَاعٍ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ. (قَوْلُهُ:، وَلَا يُجَاوِزُ عَنْ شَاةٍ بِقَتْلِ السَّبُعِ، وَإِنْ صَالَ لَا شَيْءَ بِقَتْلِهِ بِخِلَافِ الْمُضْطَرِّ) ؛ لِأَنَّ السَّبُعَ صَيْدٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْفَوَاسِقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى حَتَّى لَوْ ابْتَدَأَ بِالْأَذَى كَانَ مِنْهَا فَلَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ صَالَ أَيْ وَثَبَ بِخِلَافِ الذِّئْبِ فَإِنَّهُ مِنْ الْفَوَاسِقِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَهِبُ الْغَنَمَ، وَأَرَادَ بِالسَّبُعِ كُلَّ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِمَّا لَيْسَ مِنْ الْفَوَاسِقِ السَّبْعَةِ وَالْحَشَرَاتِ سَوَاءٌ كَانَ سَبُعًا أَوْ لَا، وَلَوْ خِنْزِيرًا أَوْ قِرْدًا أَوْ فِيلًا كَمَا فِي الْمَجْمَعِ وَالسَّبُعُ اسْمٌ لِكُلِّ مُخْتَطِفٍ مُنْتَهِبٍ جَارِحٍ قَاتِلٍ عَادٍ عَادَةً فَإِذَا وَجَبَ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ شَاةً؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ قِيمَتِهِ إمَّا لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْمُحَارَبَةِ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيذَاءِ، وَهُوَ لَا تَقُومُ لَهُ شَرْعًا فَبَقِيَ اعْتِبَارُ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَأْكُولًا وَذَلِكَ لَا يَزِيدُ عَلَى قِيمَةِ الشَّاةِ غَالِبًا؛ لِأَنَّ لَحْمَ الشَّاةِ خَيْرٌ مِنْ لَحْمِ السَّبُعِ. وَقَيَّدَ بِالسَّبُعِ؛ لِأَنَّ الْجَمَلَ إذَا صَالَ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْإِذْنَ فِي مَسْأَلَةِ السَّبُعِ بِقَتْلِهِ حَاصِلٌ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَهُوَ الشَّارِعُ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْجَمَلِ فَلَمْ يَحْصُلْ الْإِذْنُ مِنْ صَاحِبِهِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ إذَا صَالَ بِالسَّيْفِ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا إذْنَ لَهُ أَيْضًا مِنْ مَالِكِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَبْدَ مَضْمُونٌ فِي الْأَصْلِ حَقًّا لِنَفْسِهِ بِالْآدَمِيَّةِ لَا لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ كَسَائِرِ الْمُكَلَّفِينَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ارْتَدَّ أَوْ قَتَلَ يُقْتَلُ، وَإِذَا كَانَ مَضْمُونًا لِنَفْسِهِ سَقَطَ هَذَا الضَّمَانُ بِمُبِيحٍ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ، وَهُوَ الْمُصَالُ بِهِ، وَمَالِيَّةُ الْمَوْلَى فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً مَضْمُونَةً لَهُ فَهِيَ تَبَعٌ لِضَمَانِ النَّفْسِ فَيَسْقُطُ التَّبَعُ فِي ضِمْنِ سُقُوطِ الْأَصْلِ أَطْلَقَ فِي عَدَمِ وُجُوبِ شَيْءٍ إذَا صَالَ فَشَمَلَ مَا إذَا أَمْكَنَهُ دَفْعُهُ بِغَيْرِ سِلَاحٍ أَوْ لَا، وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَهُ دَفْعُهُ بِغَيْرِ السِّلَاحِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَقَيَّدَ قَاضِي خَانْ السَّبُعَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مَمْلُوكٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَمْلُوكًا وَجَبَتْ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ يَعْنِي عَلَيْهِ قِيمَتَانِ إذَا ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْفَرْقِ إلَخْ) اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ بِمَا سَيَذْكُرُهُ عَنْ الْمُحِيطِ أَيْ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ قَلِيلِ الْجَرَادِ، وَكَثِيرِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَمْلُوكِ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْحُرِّ ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ: وَذَكَرَ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي مُحْرِمٍ أَشَارَ فِي جَرَادٍ، وَلَمْ يَكُونُوا رَأَوْهَا إلَّا مِنْ دَلَالَتِهِ فَأَخَذُوهَا فَعَلَى الدَّالِّ بِكُلِّ جَرَادَةٍ تَمْرَةٌ إلَّا إنْ بَلَغَ ذَلِكَ دَمًا فَعَلَيْهِ دَمٌ. اهـ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْفَرْقِ أَيْضًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ لَمْ يَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ الْوَاجِبِ فِيهِ التَّصَدُّقُ بِمَا شَاءَ وَبَيْنَ كَثِيرِهِ الْوَاجِبِ فِيهِ نِصْفُ صَاعٍ هَلْ مَا فَوْقَ الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي الْقَمْلِ أَوْ لَا وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي إلَخْ فَلَا اسْتِدْرَاكَ، وَقَدْ رَاجَعْته فَلَمْ أَرَهُ. (قَوْلُهُ: وَأَرَادَ بِالسَّبُعِ كُلَّ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فَكَانَ عَدَمُ التَّخْصِيصِ أَوْلَى إذْ الْمَفْهُومُ مُعْتَبَرٌ فِي الرِّوَايَاتِ اتِّفَاقًا، وَمِنْهُ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ كَمَا فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ لَا مَا لَا يُدْرَكُ بِهِ (قَوْلُهُ: عَادٍ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ الْعُدْوَانِ عَلَى وَزْنِ قَاضٍ وَاَلَّذِي فِي النُّسَخِ عَادِي بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَالْأَصْوَبُ حَذْفُهَا (قَوْلُهُ: وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ إذَا صَالَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ الْحُرِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ، وَقَوْلُنَا الْعَاقِلُ نَحْتَرِزُ بِهِ عَنْ الْمَجْنُونِ فَإِنَّ الْمَجْنُونَ الْحُرَّ إذَا صَالَ فَقَتَلَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ تَجِبُ دِيَتُهُ، وَإِذَا كَانَ عَبْدًا تَجِبُ قِيمَتُهُ كَالْبَعِيرِ، وَقَوْلُنَا الْبَالِغُ نَحْتَرِزُ بِهِ عَنْ الصَّبِيِّ فَإِذَا كَانَ الصَّائِلُ صَبِيًّا حُرًّا تَجِبُ دِيَتُهُ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا تَجِبُ قِيمَتُهُ، وَلَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ لِانْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ كَالْمَجْنُونِ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ الْمَجْنُونُ أَوْ الْبَعِيرُ الْمُغْتَلِمُ صَالَ عَلَى إنْسَانٍ لِيَقْتُلَهُ فَقَتَلَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْبَعِيرِ وَدِيَةَ الْمَجْنُونِ. اهـ. وَفِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ شَهَرَ الْمَجْنُونُ عَلَى غَيْرِهِ سِلَاحًا فَقَتَلَهُ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ عَمْدًا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَعَلَى هَذَا الصَّبِيِّ وَالدَّابَّةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: يَعْنِي عَلَيْهِ قِيمَتَانِ) أَقُولُ: هَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ صَائِلٍ أَمَّا الصَّائِلُ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ جَزَاءٌ لِلَّهِ تَعَالَى تَأَمَّلْ.

стр. 839

كَانَ مُحْرِمًا قِيمَةٌ لِمَالِكِهِ مُطْلَقًا، وَقِيمَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى لَا تُجَاوِزُ قِيمَةَ شَاةٍ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ بِخِلَافِ الْمُضْطَرِّ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ الصَّيْدِ لِلْمَخْمَصَةِ فَذَبَحَهُ، وَأَكَلَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مُقَيَّدٌ بِالْكَفَّارَةِ بِالنَّصِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] الْآيَةَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ، وَأَرَادَ بِالشَّاةِ هُنَا أَدْنَى مَا يُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَهُوَ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ. (قَوْلُهُ: وَلِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ شَاةٍ وَبَقَرَةٍ وَبَعِيرٍ وَدَجَاجَةٍ وَبَطٍّ أَهْلِيٍّ) ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصُيُودٍ، وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَقَيَّدَ الْبَطَّ بِالْأَهْلِيِّ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمَسَاكِنِ وَالْحِيَاضِ؛ لِأَنَّهُ أَلُوفٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ احْتِرَازًا عَنْ الَّذِي يَطِيرُ فَإِنَّهُ صَيْدٌ فَيَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ قَالَ الشَّارِحُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْجَوَامِيسُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فَإِنَّهُ فِي بِلَادِ السُّودَانِ وَحْشِيٌّ، وَلَا يُعْرَفُ مِنْهُ مُسْتَأْنَسٌ عِنْدَهُمْ. اهـ. وَفِي الْمَجْمَعِ: وَلَوْ نَزَا ظَبْيٌ عَلَى شَاةٍ يُلْحَقُ وَلَدُهَا بِهَا يَعْنِي فَلَا يَجِبُ بِقَتْلِ الْوَلَدِ جَزَاءٌ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ هِيَ الْأَصْلُ. (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ بِذَبْحِ حَمَامٍ مُسَرْوَلٍ وَظَبْيٍ مُسْتَأْنَسٍ) لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلتَّوَحُّشِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَلَا عِبْرَةَ لِلْعَارِضِ وَالْحَمَامُ مُتَوَحِّشٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ مُمْتَنِعٌ بِطَيَرَانِهِ، وَإِنْ كَانَ بَطِيءَ النُّهُوضِ، وَالِاسْتِئْنَاسُ عَارِضٌ وَاشْتِرَاطُ ذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِلْعَجْزِ، وَقَدْ زَالَ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَفِي الْمُغْرِبِ حَمَامٌ مُسَرْوَلٌ فِي رِجْلَيْهِ رِيشٌ كَأَنَّهُ سَرَاوِيلُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْحَمَامِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ لِمَا أَنَّ فِيهِ خِلَافَ مَالِكٍ وَلْيُفْهَمْ غَيْرُهُ بِالْأَوْلَى. (قَوْلُهُ: وَلَوْ ذَبَحَ مُحْرِمٌ صَيْدًا حَرُمَ) أَيْ فَهُوَ مَيْتَةٌ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ فِعْلٌ مَشْرُوعٌ، وَهَذَا فِعْلٌ حَرَامٌ فَلَا يَكُونُ ذَكَاةً كَذَبِيحَةِ الْمَجُوسِيِّ فَأَفَادَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَالْحَلَالِ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْحَلَالَ لَوْ ذَبَحَ صَيْدَ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَيْتَةً أَيْضًا كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَأَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الْمُحْرِمُ الذَّابِحُ مُضْطَرًّا أَوْ لَا وَاخْتَلَفَتْ الْعِبَارَاتُ فِيمَا إذَا اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ هَلْ يَذْبَحُ الصَّيْدَ فَيَأْكُلَهُ أَوْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ فَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مِنْ الصَّيْدِ وَيُؤَدِّي الْجَزَاءَ، وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَيْتَةِ أَغْلَظُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ تَرْتَفِعُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ أَوْ الْحَرَمِ فَهِيَ مُؤَقَّتَةٌ بِهِ بِخِلَافِ حُرْمَةِ الْمَيْتَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْصِدَ أَخَفَّ الْحُرْمَتَيْنِ دُونَ أَغْلَظِهِمَا، وَالصَّيْدُ وَإِنْ كَانَ مَحْظُورَ الْإِحْرَامِ لَكِنْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ تَرْتَفِعُ الْحَظْرَ فَيَقْتُلُهُ وَيَأْكُلُ مِنْهُ وَيُؤَدِّي الْجَزَاءَ. اهـ. وَالْمُرَادُ بِالْقَتْلِ الذَّبْحُ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الْمُحْرِمُ إذَا اُضْطُرَّ إلَى مَيْتَةٍ وَصَيْدٍ فَالْمَيْتَةُ أَوْلَى فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالْحَسَنُ يَذْبَحُ الصَّيْدَ، وَلَوْ كَانَ الصَّيْدُ مَذْبُوحًا فَالصَّيْدُ أَوْلَى عِنْدَ الْكُلِّ، وَلَوْ وُجِدَ لَحْمُ صَيْدٍ، وَلَحْمُ آدَمِيٍّ كَانَ ذَبْحُ الصَّيْدِ أَوْلَى، وَلَوْ وَجَدَ صَيْدًا أَوْ كَلْبًا فَالْكَلْبُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي الصَّيْدِ ارْتِكَابَ الْمَحْظُورَيْنِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ الصَّيْدُ أَوْلَى مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ. اهـ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ مَا فِي الْفَتَاوَى لِمَا أَنَّ فِي أَكْلِ الصَّيْدِ ارْتِكَابَ حُرْمَتَيْنِ الْأَكْلُ وَالْقَتْلُ، وَفِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ ارْتِكَابُ حُرْمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الْأَكْلُ، وَكَوْنُ الْحُرْمَةِ تَرْتَفِعُ لَا يُوجِبُ التَّخْفِيفَ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَجْمَعِ: وَالْمَيْتَةُ أَوْلَى مِنْ الصَّيْدِ لِلْمُضْطَرِّ وَيُجِيزُهُ لَهُ مُكَفِّرًا وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ رِوَايَةَ تَقْدِيمِ الْمَيْتَةِ رِوَايَةُ الْمُنْتَقَى وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ صَيْدًا حَيًّا، وَمَالَ مُسْلِمٍ يَأْكُلُ الصَّيْدَ لَا مَالَ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ حَرَامٌ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْمَالُ حَرَامٌ حَقًّا لِلْعَبْدِ فَكَانَ التَّرْجِيحُ لِحَقِّ الْعَبْدِ لِافْتِقَارِهِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مَنْ وَجَدَ طَعَامَ الْغَيْرِ لَا يُبَاحُ لَهُ الْمَيْتَةُ، وَهَكَذَا عَنْ ابْنِ سِمَاعَةَ وَبِشْرٍ أَنَّ الْغَضَبَ أَوْلَى مِنْ الْمَيْتَةِ، وَبِهِ أَخَذَ الطَّحَاوِيُّ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ هُوَ بِالْخِيَارِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَغَرِمَ بِأَكْلِهِ لَا مُحْرِمٌ آخَرُ) لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَهِيَ أَنَّ حُرْمَتَهُ عَلَى الذَّابِحِ مِنْ جِهَتَيْنِ كَوْنُهُ مَيْتَةً وَتَنَاوُلُهُ مَحْظُورٌ إحْرَامُهُ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ هُوَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَلَا يُعْرَفُ مِنْهُ مُسْتَأْنَسٌ عِنْدَهُمْ) أَيْ فَإِذَا أَحْرَمَ أَحَدُهُمْ فَمَا دَامَ فِي بِلَادِهِ فَهُوَ صَيْدٌ فِي حَقِّهِ فَإِذَا خَرَجَ إلَى بِلَادٍ يَسْتَأْنِسُ فِيهَا حَلَّ لَهُ، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: أَيْ فَهُوَ مَيْتَةٌ) ذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ لَيْسَ مَيْتَةً حَقِيقَةً بَلْ حُكْمًا مُسْتَدِلًّا بِمَا يَأْتِي مِنْ تَقْدِيرِ الصَّيْدِ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَجَعَلَ لِذَلِكَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ فَهُوَ مَيْتَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ (قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الْمُحْرِمُ الذَّابِحُ مُضْطَرًّا أَوْ لَا) ، وَكَذَا شَمَلَ مَا لَوْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ مُكْرَهًا قَالَ فِي اللُّبَابِ إذَا أَكْرَهَ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا عَلَى قَتْلِ صَيْدٍ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ، وَإِنْ أَكْرَهَ حَلَالٌ مُحْرِمًا فَالْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَلَالِ، وَلَوْ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ، وَإِنْ أَكْرَهَ مُحْرِمٌ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ إنْ كَانَ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ فَعَلَى الْمُحْرِمُ جَزَاءٌ كَامِلٌ، وَعَلَى الْحَلَالِ نِصْفُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي صَيْدِ الْحِلِّ فَالْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَإِنْ كَانَا حَلَالَيْنِ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ إنْ تَوَعَّدَهُ بِقَتْلٍ كَانَ الْجَزَاءُ عَلَى الْآمِرِ، وَإِنْ تَوَعَّدَهُ بِحَبْسٍ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَأْمُورِ الْقَاتِلِ خَاصَّةً. اهـ. وَبَيَانُهُ فِي شَرْحِهِ. (قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ مَا فِي الْفَتَاوَى) أَيْ تَرْجِيحُ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْفَتَاوَى الْخَانِيَّةِ عَلَى مَا قَدَّمَهُ عَنْ الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ الصَّيْدَ أَوْلَى مِنْ الْمَيْتَةِ (قَوْلُهُ: وَيُجِيزُهُ لَهُ مُكَفِّرًا) يَعْنِي قَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ الْمُضْطَرِّ أَنْ يَصِيدَ وَيَأْكُلَ وَيُكَفِّرَ، وَهَذَا أَهْوَنُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجْبُرُهُ، وَلَا جَابِرَ لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ كَذَا فِي شَرْحِ ابْنِ الْمَلَكِ.

стр. 840

الَّذِي أَخْرَجَ الصَّيْدَ عَنْ الْحِلِّيَّةِ وَالذَّابِحِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ فِي حَقِّ الذَّكَاةِ فَأُضِيفَتْ حُرْمَةُ التَّنَاوُلِ إلَى إحْرَامِهِ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَهُ، وَأَمَّا الْمُحْرِمُ الْآخَرُ فَإِنَّمَا هِيَ حَرَامٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ كَوْنُهُ مَيْتَةً فَلَمْ يَتَنَاوَلْ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ سِوَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ قَوْلُهُمَا بِعَدَمِ الْفَرْقِ قِيَاسًا عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا أَكَلَ مِنْهُ قَبْلَ أَدَاءِ الْجَزَاءِ أَوْ بَعْدَهُ لَكِنْ إنْ كَانَ قَبْلَهُ دَخَلَ ضَمَانُ مَا أَكَلَ فِي ضَمَانِ الصَّيْدِ فَلَا يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ بِانْفِرَادِهِ، وَقَيَّدَ بِأَكْلِ الْمُحْرِمِ؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ لَوْ ذَبَحَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَأَدَّى جَزَاءَهُ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْجَزَاءِ لِفَوَاتِ الْأَمْنِ الثَّابِتِ بِالْحَرَمِ لِلصَّيْدِ لَا لِلَحْمِهِ، وَقَيَّدَ بِأَكْلِهِ أَيْ أَكْلِ لَحْمِهِ؛ لِأَنَّ مَأْكُولَ الْمُحْرِمِ لَوْ كَانَ بَيْضَ صَيْدٍ بَعْدَ مَا كَسَرَهُ، وَأَدَّى جَزَاءَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمُحِيطِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْجَزَاءِ فِيهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَصْلُ الصَّيْدِ وَبَعْدَ الْكَسْرِ انْعَدَمَ هَذَا الْمَعْنَى، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُكْرَهُ بَيْعُهُ فَإِنْ بَاعَهُ جَازَ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ فِي الْفِدَاءِ إنْ شَاءَ، وَكَذَا شَجَرُ الْحَرَمِ وَاللَّبَنِ. اهـ. وَأَشَارَ إلَى أَنَّ مَأْكُولَهُ لَوْ كَانَ لَحْمَ جَزَاءِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ مَا أَكَلَ بِالْأَوْلَى، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ، وَأَرَادَ بِالْأَكْلِ الِانْتِفَاعَ بِلَحْمِهِ فَشَمَلَ مَا إذَا أَطْعَمَهُ لِكِلَابِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ، وَفِي الْمُحِيطِ مُحْرِمٌ وَهَبَ لِمُحْرِمٍ صَيْدًا فَأَكَلَهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الْآكِلِ ثَلَاثَةُ أَجْزِيَةٍ قِيمَةٌ لِلذَّبْحِ، وَقِيمَةٌ لِلْأَكْلِ الْمَحْظُورِ، وَقِيمَةٌ لِلْوَاهِبِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ كَانَتْ فَاسِدَةً، وَعَلَى الْوَاهِبِ قِيمَتُهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَلَى الْآكِلِ قِيمَتَانِ قِيمَةٌ لِلْوَاهِبِ، وَقِيمَةٌ لِلذَّبْحِ، وَلَا شَيْءَ لِلْأَكْلِ عِنْدَهُ. اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي لُزُومِ قِيمَتَيْنِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلَ الْفَصْلِ. (قَوْلُهُ: وَحَلَّ لَهُ لَحْمُ مَا صَادَهُ حَلَالٌ وَذَبَحَهُ إنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِصَيْدِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ «حِينَ اصْطَادَ، وَهُوَ حَلَالٌ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَأَتَى بِهِ لِمَنْ كَانَ مُحْرِمًا مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوهُ ﵇ لَمْ يُجِبْ بِحِلِّهِ لَهُمْ حَتَّى سَأَلَهُمْ عَنْ مَوَانِعِ الْحِلِّ أَكَانَتْ مَوْجُودَةً أَمْ لَا فَقَالَ: ﵇ هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا قَالُوا لَا فَقَالَ: كُلُوا» إذًا فَدَلَّ عَلَى حِلِّهِ لِلْمُحْرِمِ، وَلَوْ صَادَهُ الْحَلَالُ لِأَجْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الْمَوَانِعِ أَنْ يُصَادَ لَهُمْ لَنَظَمَهُ فِي سِلْكِ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ مِنْهَا قَيَّدَ بِعَدَمِ الدَّلَالَةِ وَالْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ أَحَدَهُمَا مِنْ الْمُحْرِمِ لِلْحَلَالِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَكْلُهُ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ تَحْرِيمَهُ، وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ: لَا يَحْرُمُ وَغَلَّطَهُ الْقُدُورِيُّ وَاعْتَمَدَ رِوَايَةَ الطَّحَاوِيِّ وَظَاهِرُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي حُرْمَةِ الصَّيْدِ عَلَى الْحَلَالِ بِدَلَالَةِ الْمُحْرِمِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الْكُتُبِ أَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْ الْمُحْرِمِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ لِلصَّيْدِ لَا عَلَى الصَّائِدِ الْحَلَالِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ عَطْفَهُمْ الْأَمْرَ عَلَى الدَّلَالَةِ هُنَا يُفِيدُ أَنَّهُ غَيْرُهَا، وَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْفَصْلِ فَرَاجِعْهُ. (قَوْلُهُ: وَبِذَبْحِ الْحَلَالِ صَيْدَ الْحَرَمِ قِيمَةٌ يَتَصَدَّقُ بِهَا لَا صَوْمٌ) أَيْ وَتَجِبُ قِيمَةٌ بِذَبْحِ صَيْدِ الْحَرَمِ وَيَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِهَا، وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ اسْتَحَقَّ الْأَمْنَ بِسَبَبِ الْحَرَمِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا فَأَفَادَ حُرْمَةَ التَّنْفِيرِ فَالْقَتْلُ أَوْلَى وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِقَتْلِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِيهِ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ، وَهُوَ الصَّيْدُ فَصَارَ كَغَرَامَةِ الْأَمْوَالِ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ فَإِنَّ الضَّمَانَ ثَمَّةَ جَزَاءُ الْفِعْلِ لَا جَزَاءُ الْمَحَلِّ، وَالصَّوْمُ يَصْلُحُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: فَأَدَّى جَزَاءَهُ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهُ) التَّقْيِيدُ بِأَدَاءِ الْجَزَاءِ كَمَا وَقَعَ فِي الْفَتْحِ اتِّفَاقِيٌّ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا مَرَّ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ، وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ اعْلَمْ أَنَّهُ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ كَصَاحِبِ الْإِيضَاحِ وَالْبَحْرِ الزَّاخِرِ وَالْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّ ذَبْحَ الْحَلَالِ صَيْدَ الْحَرَمِ يَجْعَلُهُ مَيْتَةً لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَإِنْ أَدَّى جَزَاءَهُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِخِلَافٍ وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ تَنْزِيهًا، وَفِي اخْتِلَافِ الْمَسَائِلِ اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا ذَبَحَ الْحَلَالُ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَقَالَ: مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ: الْكَرْخِيُّ هُوَ مَيْتَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ مُبَاحٌ. اهـ. وَعِبَارَةُ مَتْنِ اللُّبَابِ إذَا ذَبَحَ مُحْرِمٌ أَوْ حَلَالٌ فِي الْحَرَمِ صَيْدًا فَذَبِيحَتُهُ مَيْتَةٌ عِنْدَنَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا لَهُ، وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ حَلَالٍ سَوَاءٌ اصْطَادَهُ هُوَ أَيْ ذَابِحُهُ أَوْ غَيْرُهُ مُحْرِمٌ أَوْ حَلَالٌ، وَلَوْ فِي الْحِلِّ فَلَوْ أَكَلَ الْمُحْرِمُ الذَّابِحُ مِنْهُ شَيْئًا قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ أَوْ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ، وَلَوْ أَكَلَ مِنْهُ غَيْرُ الذَّابِحِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَكَلَ الْحَلَالُ مِمَّا ذَبَحَهُ فِي الْحَرَمِ بَعْدَ الضَّمَانِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْأَكْلِ، وَلَوْ اصْطَادَ حَلَالٌ فَذَبَحَ لَهُ مُحْرِمٌ أَوْ اصْطَادَ مُحْرِمٌ فَذَبَحَ لَهُ حَلَالٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ) أَيْ تَحْتَ قَوْلِ الْمَتْنِ، وَهُوَ قِيمَةُ الصَّيْدِ فِي مَقْتَلِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْهِبَةَ كَانَتْ فَاسِدَةً) رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ الْفَاسِدَةَ لَا تُفِيدُ الْمِلْكَ، وَأَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ الْعَلَائِيُّ فَرَاجِعْهُ. اهـ. قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّ الْهِبَةَ هُنَا بَاطِلَةٌ لَا يَمْلِكُهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ خَرَجَتْ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ كَمَا يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ وَبَطَلَ بَيْعُ الْمُحْرِمِ صَيْدًا أَوْ شِرَاؤُهُ تَأَمَّلْ.

стр. 841

كَفَّارَةٌ لَهُ وَلِصَرِيحِ النَّصِّ ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى نَفْيِ الصَّوْمِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْهَدْيَ جَائِزٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ مَا جَنَى؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ كَانَتْ بِالْإِرَاقَةِ، وَقَدْ أَتَى بِمِثْلِ مَا فَعَلَ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ لَا تُجْزِئُهُ الْإِرَاقَةُ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْمَذْبُوحِ قَبْلَ الذَّبْحِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الصَّيْدِ فَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَكْفِيهِ الْإِرَاقَةُ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ يَتَصَدَّقُ بِتَمَامِ الْقِيمَةِ، وَفِيمَا إذَا سُرِقَ الْمَذْبُوحُ فَعَلَى الظَّاهِرِ لَا يَجِبُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ تَجِبُ الْإِقَامَةُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْحَلَالِ لِيُفِيدَ أَنَّ حُكْمَ الْمُحْرِمِ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ كَحُكْمِ الْحَلَالِ بِالْأَوْلَى وَالْقِيَاسُ أَنْ يَلْزَمَهُ جَزَاءَانِ لِوُجُودِ الْجِنَايَةِ فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْإِحْرَامِ أَقْوَى لِتَحْرِيمِهِ الْقَتْلَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ فَاعْتُبِرَ الْأَقْوَى وَأُضِيفَتْ الْحُرْمَةُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَلِهَذَا وَجَبَ الْجَزَاءُ بِهِ لَا لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا شَجَرُ الْحَرَمِ وَحَشِيشُهُ فَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ تَلْزَمُهُ قِيمَةٌ يُخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ وَالصَّوْمِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ فِي صَيْدِ الْمُحْرِمِ فِي الْحَرَمِ، وَقَيَّدَ بِذَبْحِ الْحَلَالِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَلَّ إنْسَانًا عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ الْمَدْلُولُ مُحْرِمًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ دَلَالَةِ الْمُحْرِمِ وَدَلَالَةِ الْحَلَالِ أَنَّ الْمُحْرِمَ الْتَزَمَ تَرْكَ التَّعَرُّضِ بِالْإِحْرَامِ فَلَمَّا دَلَّ تَرَكَ مَا الْتَزَمَهُ فَضَمِنَ كَالْمُودِعِ إذَا دَلَّ السَّارِقَ عَلَى الْوَدِيعَةِ، وَلَا الْتِزَامَ مِنْ الْحَلَالِ فَلَا ضَمَانَ بِهَا كَالْأَجْنَبِيِّ إذَا دَلَّ السَّارِقَ عَلَى مَالِ إنْسَانٍ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاءُ الْفِعْلِ وَالدَّلَالَةُ فِعْلٌ، وَعَلَى الْحَلَالِ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ جَزَاءُ الْمَحَلِّ، وَفِي الدَّلَالَةِ لَمْ يَتَّصِلْ بِالْمَحَلِّ شَيْءٌ، وَلَيْسَ مَقْصُودُهُ تَقْيِيدَ الضَّمَانِ بِالذَّبْحِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ سَيُصَرِّحُ آخِرَ الْفَصْلِ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ ظَبْيَةَ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا. وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَمَنْ أَخْرَجَ صَيْدًا مِنْ الْحَرَمِ يَرُدُّهُ إلَى مَأْمَنِهِ فَإِنْ أَرْسَلَهُ فِي الْحِلِّ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ أَمْنَهُ بِالْإِخْرَاجِ فَمَا لَمْ يُعِدْهُ إلَى مَأْمَنِهِ بِإِرْسَالِهِ فِي الْحَرَمِ لَا يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ. اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذَّبْحِ إتْلَافُهُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَلَا فَرْقَ فِي الْإِتْلَافِ بَيْنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالتَّسَبُّبِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ التَّسَبُّبُ عُدْوَانًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي صَيْدِ الْمُحْرِمِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ هُنَا: وَلَوْ أَدْخَلَ الْمُحْرِمُ بَازِيًا فَأَرْسَلَهُ فَقَتَلَ حَمَامَ الْحَرَمِ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ وَاجِبًا، وَمَا قَصَدَ الِاصْطِيَادَ فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا فِي السَّبَبِ بَلْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ فَلَا يَضْمَنُ. انْتَهَى. فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ يُضْمَنُ بِالْمُبَاشَرَةِ وَبِالتَّسَبُّبِ وَوَضْعِ الْيَدِ حَتَّى لَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ فَتَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْكِتَابِ وَالصَّيْدُ يُضْمَنُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَيْضًا وَيُزَادُ عَلَيْهَا رَابِعٌ، وَهُوَ الْإِعَانَةُ عَلَى قَتْلِهِ حَتَّى لَوْ أَحْرَمَ، وَفِي يَدِهِ حَقِيقَةً صَيْدٌ فَلَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لَزِمَهُ جَزَاؤُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِحُكْمِ جُزْءِ صَيْدِ الْحَرَمِ كَبَيْضِهِ وَلَبَنِهِ، وَلَعَلَّهُ لِفَهْمِهِ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْجُزْءَ مُعْتَبَرٌ بِالْكُلِّ فَإِذَا كَسَرَ بَيْضَ صَيْدِ الْحَرَمِ أَوْ جَرَحَهُ ضَمِنَ ثُمَّ رَأَيْت التَّصْرِيحَ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ جِرَاحَتَهُ مَضْمُونَةٌ فَقَالَ: حَلَالٌ جَرَحَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ مِنْ شَعْرٍ أَوْ بَدَنٍ ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْجِرَاحَةِ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَتْهُ الْجِرَاحَةُ، وَقِيمَتُهُ يَوْمَ مَاتَ وَتَمَامُ تَفَارِيعِهِ فِيهِ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ وَالصَّائِدُ فِي الْحِلِّ أَوْ عَكْسِهِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِهِ. قَالَ فِي الْمُحِيطِ: ثُمَّ الصَّيْدُ إنَّمَا يَصِيرُ آمِنًا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ بِإِحْرَامِ الصَّائِدِ وَبِدُخُولِ الصَّيْدِ الْحَرَمَ وَبِدُخُولِ الصَّائِدِ فِي الْحَرَمِ، وَفِي الْأَخِيرِ خِلَافُ زُفَرَ وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ الدَّاخِلَ لِلْحَرَمِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاصْطِيَادُ مُطْلَقًا كَمَا يَحْرُمُ بِالْإِحْرَامِ وَالْعِبْرَةُ لِقَوَائِمِ الصَّيْدِ لَا لِرَأْسِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ بَعْضُ قَوَائِمِهِ فِي الْحِلِّ وَرَأْسُهُ فِي الْحَرَمِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: كَحُكْمِ الْحَلَالِ) أَيْ فِي وُجُوبِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُحْرِمَ يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَرِيبًا (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ) أَيْ التَّقْيِيدُ بِالْحَلَالِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُحْرِمِ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ مُخَيَّرٌ كَمَا مَرَّ مَتْنًا فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ بِخِلَافِ الْحَلَالِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ كَمَا عَلِمْت، وَفِي عَزْوِهِ الْمَسْأَلَةَ إلَى الْهِدَايَةِ إيهَامٌ أَنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ هُنَا، وَفِي اللُّبَابِ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ فَلَا يَجُوزُ لِلْحَلَالِ وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ. اهـ. نَعَمْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَوَّلَ الْفَصْلِ مُطْلَقَةٌ يُمْكِنُ تَقْيِيدُهَا بِصَيْدِ الْمُحْرِمِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ فَلِذَا لَمْ يَعْزُ إلَيْهَا، وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ قَالَ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ: إنَّ الْإِطْعَامَ يُجْزِئُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ، وَلَا يَجُوزُ الصَّوْمُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ يُجْزِئُ، وَفِي الْمُخْتَلِفِ لَا يَجُوزُ الصَّوْمُ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّوْمِ عَنْ زُفَرَ رِوَايَتَانِ فَنَقَلَ كُلُّ وَاحِدٍ رِوَايَةً ثُمَّ هَذَا فِي الْحَلَالِ أَمَّا الْمُحْرِمُ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ وَالْهَدْيُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اجْتَمَعَ حُرْمَةُ الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَجَبَ اعْتِبَارُ أَقْوَاهُمَا، وَهُوَ الْإِحْرَامُ فَأُضِيفَ إلَيْهِ وَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامَهُ ضَرُورَةً وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ فَقَالَ: أَمَّا الْمُحْرِمُ إذَا قَتَلَ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّهُ تَتَأَدَّى كَفَّارَتُهُ بِالصَّوْمِ. اهـ وَتَمَامُهُ فِيهِ. (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ مَقْصُودُهُ تَقْيِيدَ الضَّمَانِ بِالذَّبْحِ إلَخْ) نَظَرَ فِيهِ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ بِتَقْدِيرِهِ يُسْتَغْنَى عَمَّا سَيَذْكُرُهُ بَعْدُ. اهـ. أَيْ فَالْمُرَادُ التَّقْيِيدُ بِقَرِينَةِ مَا يُصَرِّحُ بِهِ بَعْدُ، وَإِلَّا تَكَرَّرَ

стр. 842

أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ قَوَائِمِهِ فِي الْحَرَمِ حَتَّى لَوْ كَانَ بَعْضُ قَوَائِمِهِ فِي الْحَرَمِ وَبَعْضُهَا فِي الْحِلِّ وَجَبَ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ لِتَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الصَّيْدُ مُلْقًى عَلَى الْأَرْضِ فِي الْحِلِّ وَرَأْسُهُ فِي الْحَرَمِ وَجَبَ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَائِمٍ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ وَبِمَا ذَكَرْنَا عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ مِنْ الْحِلِّ فِي الْحِلِّ غَيْرَ أَنَّ مَمَرَّ السَّهْمِ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْكَلْبِ وَالْبَازِي إذَا أَرْسَلَهُمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَهَلْ الْمُعْتَبَرُ حَالَةُ الرَّمْيِ أَوْ الْإِصَابَةِ؟ . فَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ لَوْ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَنَفَرَ الصَّيْدُ وَوَقَعَ السَّهْمُ فِي الْحَرَمِ قَالَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا أَعْلَمُ. اهـ. وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ مِثْلَهُ فِي آخِرِ الْمَنَاسِكِ وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ فِي الرَّمْيِ غَيْرُ مُرْتَكِبٍ لِلنَّهْيِ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْمُسْتَثْنَاةُ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّ عِنْدَهُ الْمُعْتَبَرَ حَالَةُ الرَّمْيِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَاصَّةً فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حِلِّ التَّنَاوُلِ حَالَةَ الْإِصَابَةِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ الْحِلَّ يَحْصُلُ بِالذَّكَاةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِصَابَةِ، وَعَلَى هَذَا إرْسَالُ الْكَلْبِ. اهـ. وَقَدْ اخْتَلَفَ كَلَامُهُ لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ قِيَاسًا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ فَيُحْمَلُ الِاخْتِلَافُ عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ، وَفِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ وَيُكْرَهُ أَكْلُهُ. اهـ. وَبِمَا ذَكَرْنَا عُلِمَ أَنَّ الصَّيْدَ لَوْ كَانَ عَلَى أَغْصَانِ شَجَرَةٍ مُتَدَلِّيَةٍ فِي الْحَرَمِ، وَأَصْلُ الشَّجَرَةِ فِي الْحِلِّ فَإِنْ قَتَلَهُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الصَّيْدِ مَكَانُهُ لَا أَصْلُهُ، وَفِي حُرْمَةِ قَطْعِ الشَّجَرَةِ الْعِبْرَةُ لِلْأَصْلِ لَا لِلْأَغْصَانِ؛ لِأَنَّ الْأَغْصَانَ تَبَعٌ لِلشَّجَرَةِ، وَلَيْسَ الصَّيْدُ تَبَعًا لَهَا، وَهَكَذَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ أَنْ يَكُونَ فِي أَرْضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْكَوْنُ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَائِرًا فِي الْحَرَمِ، وَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ فَإِنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وَهَوَاءُ الْحَرَمِ كَالْحَرَمِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَا إذَا رَمَى حَلَالٌ إلَى صَيْدٍ فَأَحْرَمَ ثُمَّ أَصَابَهُ أَوْ عَكْسُهُ فَصَرَّحُوا فِي آخِرِ الْجِنَايَاتِ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ الرَّمْيِ، وَهُنَا فُرُوعٌ لَمْ أَرَهَا صَرِيحًا فِي كَلَامِ أَئِمَّتِنَا، وَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِخْرَاجُهَا مِنْهُ. مِنْهَا لَوْ نَفَّرَ صَيْدًا فَهَلَكَ فِي حَالِ هَرَبِهِ وَنِفَارِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ حَتَّى يَسْكُنَ، وَمِنْهَا لَوْ صَاحَ عَلَى صَيْدٍ فَمَاتَ مِنْ صِيَاحِهِ يَضْمَنُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَاسَ عَلَى مَا إذَا صَاحَ عَلَى صَبِيٍّ فَمَاتَ، وَمِنْهَا مَا لَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَنَفَذَ فِيهِ السَّهْمُ فَأَصَابَ صَيْدًا آخَرَ فَقَتَلَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ جَزَاءَانِ؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِي هَذَا الْبَابِ سَوَاءٌ، وَهُمْ قَدْ صَرَّحُوا بِهِ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِحُكْمِ جُزْءِ صَيْدِ الْحَرَمِ إلَخْ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَلَالِ قَالَ فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ عَنْ الْحَمَوِيِّ هَذَا عَجِيبٌ مِنْهُ فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي مَتْنِ النُّقَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَكَذَا ذَبْحُ الْحَلَالِ صَيْدَ الْحَرَمِ أَوْ حَلْبُهُ قَالَ: الشُّرَّاحُ أَيْ حَلْبُ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ اللَّبَنِ. اهـ. قُلْتُ: وَكَذَا فِي مَتْنِ الْمُلْتَقَى. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حِلِّ التَّنَاوُلِ حَالَةَ الْإِصَابَةِ) تَقْيِيدُهُ بِحِلِّ التَّنَاوُلِ يَقْتَضِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمَذْكُورَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ، وَعَدَمِهِ مَعَ أَنَّ عِبَارَةَ الْبَدَائِعِ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ وُجُوبَ الْجَزَاءِ اسْتِحْسَانٌ وَسَيَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ التَّوْفِيقَ بِالْحَمْلِ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مَبْنِيًّا عَلَى الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْجَزَاءِ لَا حِلُّ التَّنَاوُلِ فَتَدَبَّرْ. وَعِبَارَةُ الْبَدَائِعِ هَكَذَا، وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا فِي الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَأَتْبَعَهُ الْكَلْبُ فَأَخَذَهُ فِي الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْمُرْسِلِ، وَلَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ لِحَالَةِ الْإِرْسَالِ إذْ هُوَ السَّبَبُ لِلضَّمَانِ وَالْإِرْسَالُ وَقَعَ مُبَاحًا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ فِعْلَ الْكَلْبِ ذَبْحٌ لِلصَّيْدِ، وَإِنَّهُ حَصَلَ فِي الْحَرَمِ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ آدَمِيٌّ إذْ فِعْلُ الْكَلْبِ لَا يَكُونُ أَعْلَى مِنْ فِعْلِ الْآدَمِيِّ. وَلَوْ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَنَفَّرَ الصَّيْدَ فَوَقَعَ السَّهْمُ بِهِ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا أَعْلَمُ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ كَمَا فِي إرْسَالِ الْكَلْبِ وَخَاصَّةً عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ حَالَةُ الرَّمْيِ فِي الْمَسَائِلِ حَتَّى قَالَ فِيمَنْ رَمَى إلَى مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ الْمَرْمِيُّ إلَيْهِ ثُمَّ أَصَابَهُ السَّهْمُ فَقَتَلَهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الرَّمْيِ إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا فَأَوْجَبُوا الْجَزَاءَ فِي الرَّمْيِ دُونَ الْإِرْسَالِ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْإِصَابَةِ بِمَجْرَى الْعَادَةِ إنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ يَقْطَعُ نِسْبَةَ الْأَثَرِ إلَيْهِ شَرْعًا فَبَقِيَتْ الْإِصَابَةُ مُضَافَةً إلَيْهِ شَرْعًا فِي الْأَحْكَامِ فَصَارَ كَأَنَّهُ ابْتَدَأَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا حَصَلَ الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ، وَقَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الْإِرْسَالِ وَالْأَخْذِ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ، وَهُوَ الْكَلْبُ فَمَنَعَ إضَافَةَ الْأَخْذِ إلَى الْمُرْسِلِ. اهـ. مُلَخَّصًا. (قَوْلُهُ: مِنْهَا لَوْ نَفَّرَ صَيْدَ إلَخْ) صَرَّحَ بِهَذَا وَبِالثَّالِثِ فِي اللُّبَابِ فِي أَوَائِلِ بَحْثِ الْجِنَايَةِ عَلَى الصَّيْدِ مَعَ فُرُوعٍ أُخَرَ فَرَاجِعْهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: وَلَوْ أَرْسَلَ بَازِيًا فِي الْحِلِّ فَدَخَلَ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مُرْسِلِهِ الْحَرَمَ فَقَتَلَ صَيْدًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى ذِئْبٍ فِي الْحَرَمِ أَوْ نَصَبَ لَهُ شَبَكَةً فَأَصَابَ الْكَلْبُ صَيْدًا أَوْ وَقَعَ فِي الشَّبَكَةِ صَيْدٌ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ أَيْ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ قَتْلُ الذِّئْبِ الَّذِي هُوَ حَلَالٌ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا. اهـ. شَارِحٌ، وَلَوْ نَصَبَهَا لِلصَّيْدِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَلَوْ نَصَبَ خَيْمَةً فَتَعَلَّقَ بِهِ صَيْدٌ أَوْ حَفَرَ لِلْمَاءِ فَوَقَعَ فِيهِ صَيْدٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَمْسَكَ حَلَالٌ صَيْدًا فِي الْحِلِّ، وَلَهُ فَرْخٌ فِي الْحَرَمِ فَمَاتَا ضَمِنَ الْفَرْخَ لَا الْأُمَّ. اهـ

стр. 843

وَمِنْهَا إذَا حَفَرَ بِئْرًا فَهَلَكَ فِيهَا صَيْدُ الْحَرَمِ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ أَوْ مَوَاتٍ لَا ضَمَانَ، وَإِلَّا ضَمِنَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّسَبُّبَ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعَدِّي لِلْمَاءِ لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ كَانَ لِلِاصْطِيَادِ يَضْمَنُ. وَمِنْهَا لَوْ جَرَحَ الْحَلَالُ صَيْدًا فِي الْحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الصَّيْدُ الْحَرَمَ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ مِنْهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ، وَمِنْهَا لَوْ أَمْسَكَ صَيْدًا فِي الْحِلِّ، وَلَهُ فَرْخٌ فِي الْحَرَمِ فَمَاتَ الْفَرْخُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا لِلْفَرْخِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَقَدْ تَسَبَّبَ فِي مَوْتِهِ إنْ قُلْنَا إنَّ إمْسَاكَهُ. عَنْ فَرْخِهِ مَعْصِيَةٌ وَمِنْهَا لَوْ وَقَفَ عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ، وَأَصْلُ الشَّجَرَةِ فِي الْحَرَمِ وَرَمَى إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ أَوْ كَانَ الْغُصْنُ فِي الْحَرَمِ وَالشَّجَرَةُ وَالصَّيْدُ فِي الْحِلِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ عَلَى الْغُصْنِ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الطَّائِرِ إذَا كَانَ عَلَى الْغُصْنِ فَلَا ضَمَانَ فِي الْأُولَى وَضَمِنَ فِي الثَّانِيَةِ. وَمِنْهَا إذَا أَدْخَلَ شَيْئًا مِنْ الْجَوَارِحِ فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا لَا بِصُنْعِهِ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يُرْسِلْهُ فَأَتْلَفَ ضَمِنَ، وَأَمَّا إذَا أَرْسَلَهُ فَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْمُحِيطِ عَدَمَ الضَّمَانِ، وَمِنْهَا لَوْ رَأَى حَلَالٌ جَالِسٌ فِي الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ هَلْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَعْدُوَ إلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ فِي الْحِلِّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الصَّيْدَ يَصِيرُ آمِنًا بِوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَقَدْ يُقَالُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ لَمْ يَبْقَ وَاحِدٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَحَلَّ لَهُ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حِلِّ سَعْيِهِ فِي الْحَرَمِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالسَّعْيِ أَمْنٌ، وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَمِقْدَارُ الْحَرَمِ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ، وَمِنْ الْجَانِبِ الثَّانِي اثْنَا عَشَرَ مِيلًا، وَمِنْ الْجَانِبِ الثَّالِثِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، وَمِنْ الْجَانِبِ الرَّابِعِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ مِيلًا هَكَذَا قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَهَذَا شَيْءٌ لَا يُعْرَفُ قِيَاسًا، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ نَقْلًا. قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: فِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَإِنَّ مِنْ الْجَانِبِ الثَّانِي مِيقَاتَ الْعُمْرَةِ، وَهُوَ التَّنْعِيمُ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ. اهـ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ حَدَّهُ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ دُونَ التَّنْعِيمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ طَرِيقِ الْيَمَنِ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ عَلَى عَرَفَاتٍ مِنْ بَطْنِ نَمِرَةَ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ عَلَى ثَنِيَّةِ جَبَلٍ بِالْمَقْطَعِ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الْجِعْرَانَةِ فِي شُعَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ عَلَى تِسْعَةِ أَمْيَالٍ، وَمِنْ طَرِيقِ جُدَّةَ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، وَإِنَّ عَلَيْهِ عَلَامَاتٍ مَنْصُوبَةً فِي جَمِيعِ جَوَانِبِهِ نَصَبَهَا إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ﵇، وَكَانَ جِبْرِيلُ يُرِيهِ مَوَاضِعَهَا ثُمَّ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَجْدِيدِهَا ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ مُعَاوِيَةُ ﵃، وَهِيَ إلَى الْآنَ بَيِّنَةٌ، وَقَدْ جَمَعَهَا الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ النَّوْبَرِيُّ فَقَالَ: وَلِلْحَرَمِ التَّحْدِيدُ مِنْ أَرْضِ طِيبَةَ ... ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ إذَا رُمْت إتْقَانَهُ وَسَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِرَاقٍ وَطَائِفٍ ... وَجُدَّةَ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعْرَانَةٌ وَمِنْ يَمَنٍ سَبْعٌ بِتَقْدِيمِ سِينِهَا ... وَقَدْ كَمَّلْت فَاشْكُرْ لِرَبِّك إحْسَانَهُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ مَكَّةَ مَعَ حَرَمِهَا هَلْ صَارَتْ حَرَمًا آمِنًا بِسُؤَالِ إبْرَاهِيمَ ﵇ أَمْ كَانَتْ قَبْلَهُ كَذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا مَا زَالَتْ مُحَرَّمَةً مِنْ حِينِ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ. اهـ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَدِينَةِ حَرَمٌ عِنْدَنَا فَيَجُوزُ الِاصْطِيَادُ فِيهَا، وَقَطْعُ أَشْجَارِهَا، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهَا صَرِيحَةٌ فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ كَمَكَّةَ، وَأَوَّلُهَا أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحْرِيمِ التَّعْظِيمُ وَيَرُدُّهُ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا لَا تُقْطَعُ أَغْصَانُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا» فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ لَهَا حَرَمًا كَمَكَّةَ فَلَا يَجُوزُ قَطْعُ شَجَرِهَا، وَلَا الِاصْطِيَادُ فِيهَا وَالْأَحْسَنُ الِاسْتِدْلَال بِحَدِيثِ أَنَسٍ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَخٌ صَغِيرٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ، وَكَانَ لَهُ نُغَيْرٌ يَلْعَبُ بِهِ فَمَاتَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا إذَا حَفَرَ بِئْرًا فَهَلَكَ فِيهَا صَيْدُ الْحَرَمِ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا زِيَادَةٌ، وَهِيَ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ أَوْ مَوَاتٍ لَا ضَمَانَ، وَإِلَّا ضَمِنَ (قَوْلُهُ: ثُمَّ دَخَلَ الصَّيْدُ الْحَرَمَ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ مِنْهَا) كَذَا فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ مُوَافِقًا لِمَا فِي النَّهْرِ، وَفِي عِدَّةِ نُسَخٍ غَيْرِهَا بِدُونِ فَجَرَحَهُ وَالظَّاهِرُ مَا هُنَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا لَوْ أَمْسَكَ صَيْدًا فِي الْحِلِّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُعْرَفُ مِمَّا مَرَّ فِيمَا لَوْ غَلَقَا الْبَابَ عَلَى صَيْدٍ فَمَاتَ عَطَشًا. اهـ. قُلْتُ: وَكَذَا مِنْ مَسْأَلَةِ مَا لَوْ نَفَّرَ صَيْدًا عَنْ بَيْضِهِ ثُمَّ رَأَيْت الْمَسْأَلَةَ مُصَرَّحًا بِهَا فِي مَتْنِ اللُّبَابِ فَقَالَ: لَوْ مَاتَا ضَمِنَ الْفَرْخَ لَا الْأُمَّ (قَوْلُهُ: إنْ قُلْنَا إنَّ إمْسَاكَهُ عَنْ فَرْخِهِ مَعْصِيَةٌ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ الْحِلِّ بَدَلُ قَوْلِهِ عَنْ فَرْخِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ لِمَا قَدَّمَهُ أَنَّ السَّبَبَ كَالْمُبَاشَرَةِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ عُدْوَانًا (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا لَوْ وَقَفَ عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِي السِّرَاجِ لَوْ كَانَ الرَّامِي فِي الْحَرَمِ وَالصَّيْدُ فِي الْحِلِّ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ فَهُوَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَلَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَنَفَّرَ فَأَصَابَهُ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَلَوْ أَصَابَهُ فِي الْحِلِّ، وَمَاتَ فِي الْحَرَمِ يَحِلُّ أَكْلُهُ قِيَاسًا وَيُكْرَهُ اسْتِحْسَانًا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا لَوْ رَأَى حَلَالٌ جَالِسٌ فِي الْحَرَمِ إلَخْ) قَالَ: فِي النَّهْرِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ فِي الْجَوَازِ إذْ لَا مَنْعَ ثَمَّةَ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ يَمَنٍ سَبْعٌ إلَى آخِرِ الْبَيْتِ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة وَلَوْ قِيلَ، وَمِنْ يَمَنٍ سَبْعُ عِرَاقٍ وَطَائِفٍ وَجُدَّةَ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعْرَانَةُ لَاسْتَغْنَى عَنْ الْبَيْتِ الثَّالِثِ.

стр. 844

النُّغَيْرُ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» ، وَلَوْ كَانَ لِلْمَدِينَةِ حَرَمٌ لَكَانَ إرْسَالُهُ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَلَأَنْكَرَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إمْسَاكِهِ، وَلَا يُمَازِحُهُ، وَأَجَابَ فِي الْمُحِيطِ عَنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي أَنَّ لَهَا حَرَمًا أَنَّهَا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ لِلْمَدِينَةِ أَمْرٌ تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَخَبَرُ الْوَاحِدِ إذَا وَرَدَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى لَا يُقْبَلُ إذْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَاشْتُهِرَ نَقْلُهُ فِيمَا عَمَّ بِهِ الْبَلْوَى. اهـ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ أَرْسَلَهُ) أَيْ فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْلِقَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ فِي الْحَرَمِ وَجَبَ تَرْكُ التَّعَرُّضِ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ إذْ هُوَ صَارَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَاسْتَحَقَّ الْأَمْنَ أَرَادَ بِهِ مَا إذَا دَخَلَ بِهِ، وَهُوَ مُمْسِكٌ لَهُ بِيَدِهِ الْجَارِحَةِ؛ لِأَنَّهُ سَيُصَرِّحُ بِأَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ، وَفِي بَيْتِهِ أَوْ فِي قَفَصِهِ صَيْدٌ لَا يُرْسِلُهُ فَكَذَلِكَ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ، وَمَعَهُ صَيْدٌ فِي قَفَصِهِ لَا فِي يَدِهِ لَا يُرْسِلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ، وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ حَقِيقَةً أَوْ دَخَلَ الْحَرَمِ كَذَلِكَ وَجَبَ إرْسَالُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ أَوْ قَفَصِهِ لَا يَجِبُ إرْسَالُهُ فِيهِمَا فَنَبَّهَ بِمَسْأَلَةِ دُخُولِ الْحَرَمِ هُنَا عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ وَنَبَّهَ بِمَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ الْآتِيَةِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحَرَمِ، وَعَمَّمَ الدَّاخِلَ لِيَشْمَلَ الْحَلَالَ وَالْمُحْرِمَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ إرْسَالِهِ تَسْيِيبَهُ؛ لِأَنَّ تَسَيُّبَ الدَّابَّةِ حَرَامٌ بَلْ يُطْلِقُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيعُ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِهَذَا الْإِرْسَالِ حَتَّى لَوْ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ فَلَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ، وَلَوْ أَخَذَهُ إنْسَانٌ يَسْتَرِدُّهُ، وَأَطْلَقَ فِي الصَّيْدِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ مِنْ الْجَوَارِحِ أَوْ لَا فَلَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ، وَمَعَهُ بَازِي فَأَرْسَلَهُ فَقَتَلَ حَمَامَ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ بَاعَهُ رَدَّ الْبَيْعَ إنْ بَقِيَ، وَإِنْ فَاتَ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَجُزْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ وَذَلِكَ حَرَامٌ، وَلَزِمَهُ الْجَزَاءُ بِفَوْتِهِ لِتَفْوِيتِ الْأَمْنِ الْمُسْتَحَقِّ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ رَدَّ الْبَيْعَ إلَى أَنَّهُ فَاسِدٌ لَا بَاطِلٌ، وَأَطْلَقَ فِي بَيْعِهِ فَشَمَلَ مَا إذَا بَاعَهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ بَعْدَ مَا أَخْرَجَهُ إلَى الْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالْإِدْخَالِ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَلَا يَحِلُّ إخْرَاجُهُ إلَى الْحِلِّ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الصَّيْدِ دَاخِلَ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْحِلِّ وَالْمُتَبَايِعَانِ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَنَعَهُ مُحَمَّدٌ قِيَاسًا عَلَى مَنْعِ رَمْيِهِ مِنْ الْحَرَمِ إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَفَرَّقَ الْإِمَامُ بِأَنَّ الْبَيْعَ لَيْسَ بِتَعَرُّضٍ لَهُ حِسًّا بَلْ حُكْمًا، وَلَيْسَ هُوَ بِأَبْلَغَ مِنْ أَمْرِهِ بِذَبْحِ هَذَا الصَّيْدِ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَمَاهُ مِنْ الْحَرَمِ لِلِاتِّصَالِ الْحِسِّيِّ هَذَا مَا ذَكَرَ الشَّارِحُونَ، وَفِي الْمُحِيطِ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ أَخْرَجَ ظَبْيَةً مِنْ الْحَرَمِ فَبَاعَهَا أَوْ ذَبَحَهَا أَوْ أَكَلَهَا جَازَ الْبَيْعُ وَالْأَكْلُ وَيُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَمْلُوكٌ؛ لِأَنَّ قِيَامَ يَدِهِ عَلَى الصَّيْدِ، وَهُمَا فِي الْحِلِّ يُفِيدُ الْمِلْكَ لَهُ فِي الصَّيْدِ كَمَا لَوْ أَثْبَتَ الْيَدَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً إلَّا أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ حَقًّا، وَهُوَ رَدُّهُ إلَى الْحَرَمِ لَكِنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَيْنِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ كَبَيْعِ مَالِ الزَّكَاةِ وَالْأُضْحِيَّةِ. اهـ. فَقَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ: فَإِنْ بَاعَهُ أَيْ الصَّيْدَ، وَهُوَ فِي الْحَرَمِ لَا مُطْلَقًا. (قَوْلُهُ: وَمَنْ أَحْرَمَ، وَفِي بَيْتِهِ أَوْ قَفَصِهِ صَيْدٌ لَا يُرْسِلُهُ) أَيْ لَا يَجِبُ إطْلَاقُهُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُحْرِمُونَ، وَفِي بُيُوتِهِمْ صُيُودٌ وَدَوَاجِنُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ إرْسَالُهَا وَبِذَلِكَ جَرَتْ الْعَادَةُ الْفَاشِيَةُ، وَهِيَ مِنْ إحْدَى الْحُجَجِ؛ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ عَدَمُ التَّعَرُّضِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمُتَعَرِّضٍ مِنْ جِهَتِهِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: بَلْ يُطْلِقُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيعُ) سَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ بِأَنْ يُرْسِلَهُ فِي بَيْتٍ أَوْ يُودِعَهُ عِنْدَ إنْسَانٍ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ بَاعَهُ إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُحْرِمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ قَفَصِهِ أَوْ مَنْزِلِهِ، وَلَا بَيْعُ الْحَلَالِ فِي الْحَرَمِ، وَلَا شِرَاؤُهُمَا مِنْ مُحْرِمٍ، وَلَا حَلَالٍ فَإِنْ بَاعَهُ أَوْ ابْتَاعَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا أَوْ مَذْبُوحًا فِي الْإِحْرَامِ أَوْ الْحَرَمِ، وَلَوْ هَلَكَ الصَّيْدُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَا مُحْرِمَيْنِ أَوْ حَلَالَيْنِ فِي الْحَرَمِ لَزِمَهُمَا الْجَزَاءُ، وَإِنْ كَانَا فِي الْحِلِّ فَعَلَى الْمُحْرِمِ مِنْهُمَا، وَلَوْ وَهَبَهُ لِمُحْرِمٍ فَهَلَكَ عِنْدَهُ فَعَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ جَزَاءُ الصَّيْدِ وَضَمَانٌ لِصَاحِبِهِ أَيْ لِفَسَادِ الْهِبَةِ، وَلَوْ أَكَلَهُ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ ثَالِثٌ، وَعَلَى الْوَاهِبِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ أَخْرَجَ صَيْدًا مِنْ الْحَرَمِ فَبَاعَهُ فِي الْحِلِّ مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ حَلَالٍ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ صَيْدَ الْحِلِّ الْحَرَمِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ، وَبَاعَهُ وَلَوْ وَكَّلَ مُحْرِمٌ حَلَالًا بِبَيْعِ صَيْدٍ جَازَ، وَلَوْ وَكَّلَ حَلَالٌ حَلَالًا ثُمَّ أَحْرَمَ الْمُوَكِّلُ قَبْلَ الْقَبْضِ جَازَ أَيْضًا، وَلَوْ بَاعَ صَيْدًا لَهُ فِي الْحِلِّ، وَهُوَ فِي الْحَرَمِ جَازَ، وَلَكِنْ يُسَلِّمُهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ إلَى الْحِلِّ، وَلَوْ تَبَايَعَا صَيْدًا فِي الْحِلِّ ثُمَّ أَحْرَمَا فَوَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهِ عَيْبًا رَجَعَ بِالنُّقْصَانِ، وَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ، وَلَوْ بَاعَ حَلَالَانِ صَيْدًا فَأَحْرَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَتَمَامُهُ فِيهِ وَسَيَأْتِي بَعْضُ هَذَا (قَوْلُهُ: إلَى أَنَّهُ فَاسِدٌ لَا بَاطِلٌ) نَقَلَ التَّصْرِيحَ بِالْفَسَادِ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة عَنْ الْكَافِي وَالتَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْمُحِيطِ خِلَافُهُ إلَخْ) جَزَمَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَا فِي الْمُحِيطِ ضَعِيفٌ مُوَافَقَةً لِرِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ أَخْرَجَ صَيْدًا مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ أَنَّ ذَبْحَهُ وَالِانْتِفَاعَ بِلَحْمِهِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ سَوَاءٌ أَدَّى جَزَاءَهُ أَوْ لَمْ يُؤَدِّ غَيْرَ أَنِّي أَكْرَهُ هَذَا الصُّنْعَ فَإِنْ بَاعَهُ وَاسْتَعَانَ بِقِيمَتِهِ فِي جَزَائِهِ جَازَ. اهـ. وَانْظُرْ مِنْ أَيْنَ يُسْتَفَادُ ضَعْفُهُ مِنْ كَلَامِ الْبَدَائِعِ مَعَ أَنَّهُ جَزَمَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ فَقَالَ: وَلَوْ ذَبَحَ هَذَا الصَّيْدَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ أَوْ بَعْدَهُ كُرِهَ أَكْلُهُ تَنْزِيهًا، وَلَوْ اسْتَعَانَ بِثَمَنِهِ فِي الْجَزَاءِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَيَجُوزُ بِهِ الِانْتِفَاعُ لِلْمُشْتَرِي. (قَوْلُهُ: فَإِنْ بَاعَهُ) أَيْ

стр. 845

؛ لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ بِالْبَيْتِ وَالْقَفَصِ لَا بِهِ غَيْرَ أَنَّهُ فِي مِلْكِهِ، وَلَوْ أَرْسَلَهُ فِي مَفَازَةٍ فَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِبَقَاءِ الْمِلْكِ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الْقَفَصُ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْقَفَصِ لَا فِي يَدِهِ بِدَلِيلِ جَوَازِ أَخْذِ الْمُصْحَفِ بِغِلَافِهِ لِلْمُحْدِثِ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيعُ بِأَنْ يُرْسِلَهُ فِي بَيْتٍ أَوْ يُودِعَهُ عِنْدَ إنْسَانٍ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ فِي يَدِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِيرُ غَاصِبًا لَهُ بِغَصْبِ الْقَفَصِ، وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ فِي بَيْتِهِ أَوْ قَفَصِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِيَدِهِ الْجَارِحَةِ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ اتِّفَاقًا فَلَوْ هَلَكَ، وَهُوَ فِي يَدِهِ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ، وَإِنْ كَانَ مَالِكًا لَهُ لِلْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ بِإِمْسَاكِهِ، وَفِي الْمُغْرِبِ شَاةٌ دَاجِنٌ أَلِفَتْ الْبُيُوتَ، وَعَنْ الْكَرْخِيِّ الدَّوَاجِنُ خِلَافُ السَّائِمَةِ. اهـ. فَالْمُرَادُ بِالصَّيْدِ نَحْوُ الصَّقْرِ وَالشَّاهِينِ وَبِالدَّوَاجِنِ نَحْوُ الْغَزَالَةِ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَخَذَ حَلَالٌ صَيْدًا فَأَحْرَمَ ضَمِنَ مُرْسِلُهُ) يَعْنِي عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمُرْسِلَ آمِرٌ بِالْمَعْرُوفِ نَاهٍ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَ ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] ، وَلَهُ أَنَّهُ مَلَكَ الصَّيْدَ بِالْأَخْذِ مِلْكًا مُحْتَرَمًا فَلَا يَبْطُلُ احْتِرَامُهُ بِإِحْرَامِهِ، وَقَدْ أَتْلَفَهُ الْمُرْسِلُ فَيَضْمَنُهُ وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ التَّعَرُّضِ وَيُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يُخَلِّيَهُ فِي بَيْتِهِ فَإِذَا قَطَعَ يَدَهُ عَنْهُ كَانَ مُتَعَدِّيًا قَالَ: فِي الْهِدَايَةِ وَنَظِيرُهُ الِاخْتِلَافُ فِي كَسْرِ الْمَعَازِفِ. اهـ. وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يُفْتَى بِقَوْلِهِمَا هُنَا؛ لِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فِي عَدَمِ الضَّمَانِ بِكَسْرِ الْمَعَازِفِ. اهـ. وَهِيَ آلَاتُ اللَّهْوِ كَالطُّنْبُورِ، أَطْلَقَ فِي الْإِرْسَالِ فَشَمَلَ مَا إذَا أَرْسَلَهُ مِنْ يَدِهِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ الْحُكْمِيَّةِ أَيْ مِنْ بَيْتِهِ لَكِنْ يَضْمَنُهُ فِي الثَّانِي اتِّفَاقًا كَذَا فِي شَرْحِ ابْنِ الْمَلَكِ لِلْمَجْمَعِ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَخَذَهُ مُحْرِمٌ لَا يَضْمَنُ) أَيْ لَا يَضْمَنُ مُرْسِلُهُ مِنْ يَدِهِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْأَخْذِ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ فَصَارَ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ كَذَا قَالُوا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ الْمُحْرِمُ فَبَيْعُهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ أَصْلًا، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِفَسَادِ الْبَيْعِ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ الْمُحْرِمُ لَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الِاخْتِيَارِيَّةِ كَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْجَبْرِيُّ فَيَمْلِكُهُ بِهِ كَمَا إذَا وَرِثَ مِنْ قَرِيبِهِ صَيْدًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَهُ الْمُحْرِمُ فَأَخَذَهُ حَلَالٌ ثُمَّ حَلَّ مُرْسِلُهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ مُرْسِلُهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ، وَلَا يَأْخُذُهُ فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا أَصْلًا. (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ ضَمِنَا وَرَجَعَ آخِذُهُ عَلَى قَاتِلِهِ) لِوُجُودِ الْجِنَايَةِ مِنْهُمَا الْآخِذُ بِالْأَخْذِ وَالْقَاتِلُ بِالْقَتْلِ فَلَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ وَرَجَعَ الْآخِذُ عَلَى الْقَاتِلِ بِمَا غَرِمَ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الضَّمَانِ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْمَضْمُونِ بِالْأَخْذِ السَّابِقِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إظْهَارُهُ فِي عَيْنِ الصَّيْدِ فَأَظْهَرْنَاهُ فِي بَدَلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمِلْكِ فِي حَقِّ الرُّجُوعِ بِبَدَلِهِ كَمَنْ غَصَبَ مُدَبَّرًا، وَقَتَلَهُ إنْسَانٌ فِي يَدِهِ يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْقَاتِلِ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ الْمُدَبَّرَ فَكَذَا هَذَا بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ لَا يَمْلِكُ بِسَبَبٍ مَا وَالْمُحْرِمُ يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِسَبَبِ الْإِرْثِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِكَوْنِ الْقَاتِلِ مُحْرِمًا آخَرَ لِقَوْلِهِ ضَمِنَا فَإِنَّ الْقَاتِلَ لَوْ كَانَ حَلَالًا فَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ لَكِنْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْآخِذُ بِمَا ضَمِنَ فَالرُّجُوعُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُحْرِمِ وَالْحَلَالِ، وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ نَصْرَانِيًّا أَوْ صَبِيًّا فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الْآخِذُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حُقُوقُ الْعِبَادِ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْقَاتِلِ آدَمِيًّا فَإِنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ بَهِيمَةُ إنْسَانٍ فَإِنَّ الْجَزَاءَ عَلَى الْآخِذِ وَحْدَهُ، وَلَا ــ [منحة الخالق] الصَّيْدَ، وَهُوَ فِي الْحَرَمِ ضَمِيرٌ، وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الصَّيْدِ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ لَا مُطْلَقًا أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ الْإِطْلَاقَ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَرَمِ أَوْ بَعْدَ إخْرَاجِهِ إلَى الْحِلِّ، وَهَذَا حَمْلٌ لِكَلَامِ الْمَتْنِ عَلَى مَا فِي الْمُحِيطِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى ضَعْفِهِ قَالَ فِي النَّهْرِ، وَعِبَارَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ تُؤْذِنُ بِتَرْجِيحِ الْأَوَّلِ حَيْثُ قَالَ: وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الْقَفَصُ فِي يَدِهِ أَوْ فِي رَحْلِهِ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنْ فِي يَدِهِ يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ يُرْسِلَهُ فِي بَيْتٍ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ ابْنُ الْكَمَالِ فَقَالَ: وَمَنْ قَالَ: بِأَنْ يُخَلِّيَهُ فِي بَيْتِهِ فَكَأَنَّهُ غَافِلٌ عَنْ شُمُولِ الْمَسْأَلَةِ لِلْمُحْرِمِ الْمُسَافِرِ الَّذِي لَا بَيْتَ لَهُ، وَمَنْ قَالَ: أَوْ يُودِعَهُ فَكَأَنَّهُ غَافِلٌ عَنْ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ كَيَدِ الْمُودَعِ كَذَا فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ عَنْ الْحَمَوِيِّ قُلْتُ: دَفَعَهُ فِي النَّهْرِ فَقَالَ: وَأَفَادَ فِي فَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ يَدَ خَادِمِهِ كَرَحْلِهِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَنْعُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ إيدَاعَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِإِرْسَالِهِ فَإِنَّ يَدَ الْمُودِعِ كَيَدِهِ فَهَلَّا كَانَتْ يَدُ خَادِمِهِ كَيَدِهِ (قَوْلُهُ: فَالْمُرَادُ بِالصَّيْدِ نَحْوُ الصَّقْرِ إلَخْ) حَمَلَ فِي النَّهْرِ الصُّيُودَ عَلَى الصُّيُودِ الْوَحْشِيَّاتِ وَالدَّوَاجِنَ عَلَى الْمُسْتَأْنَسَةِ ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ خَصَّ الصُّيُودَ بِالطُّيُورِ وَالدَّوَاجِنَ بِغَيْرِهَا لَا كَالْغَزَالَةِ فَقَدْ أَبْعَدَ. اهـ. وَمُرَادُهُ التَّعْرِيضُ بِصَاحِبِ غَايَةِ الْبَيَانِ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مَأْخُوذٌ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِهِمَا) ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا فِي الْبُرْهَانِ أَيْضًا قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة، وَفِي الْبُرْهَانِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ هُوَ الْقِيَاسُ، وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ، وَهَذَا نَظِيرُ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنْ أَتْلَفَ الْمَعَازِفَ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا السَّبَبُ الْجَبْرِيُّ إلَخْ) قَالَ: فِي النَّهْرِ لَكِنْ فِي السِّرَاجِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالْمِيرَاثِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: فِي الصُّورَةِ الْأُولَى) وَهِيَ قَوْلُ الْمَتْنِ، وَلَوْ أَخَذَ حَلَالٌ وَالْمُرَادُ بِالثَّانِيَةِ قَوْلُهُ: وَلَوْ أَخَذَهُ مُحْرِمٌ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ تَعَذَّرَ إظْهَارُهُ) أَيْ إظْهَارُ الْمِلْكِ فِي الْمَضْمُونِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ
следующие страницы →