← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 12227

البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري

زين الدين ابن نجيم

Полный текст (3 122 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وَكَلِمَتُهُمْ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لِعَيْنِ النَّصِّ لَا لِمَعْنَى النَّصِّ لَا يُقَالُ لَوْ أَجْرَيْنَاهُ عَلَى إطْلَاقِهِ أَدَّى إلَى تَقْدِيمِ الظَّنِّيِّ عَلَى الْقَطْعِيِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ لَوْ قُلْنَا بِافْتِرَاضِ ذَلِكَ لَكُنَّا نَحْكُمُ بِالْإِجْزَاءِ وَنُوجِبُ إعَادَةَ مَا وَقَعَ مُجْزِئًا شَرْعًا مُطْلَقًا وَلَا بِدَعَ فِي ذَلِكَ فَهُوَ فِي نَظِيرِ وُجُوبِ إعَادَةِ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ حَيْثُ نَحْكُمُ بِإِجْزَائِهَا، وَيَجِبُ إعَادَتُهَا مُطْلَقًا اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ صَلَّاهُمَا بَعْدَمَا جَاوَزَ الْمُزْدَلِفَةَ جَازَ اهـ. (قَوْلُهُ ثُمَّ صَلِّ الْفَجْرَ بِغَلَسٍ) لِرِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ ﷺ صَلَّاهَا يَوْمَئِذٍ بِغَلَسٍ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ آخِرُ اللَّيْلِ، وَالْمُرَادُ هُنَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِقَلِيلٍ لِلْحَاجَةِ إلَى الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ قِفْ مُكَبِّرًا مُهَلِّلًا مُلَبِّيًا مُصَلِّيًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَاعِيًا رَبَّك بِحَاجَتِك وَقِفْ عَلَى جَبَلِ قُزَحَ إنْ أَمْكَنَك، وَإِلَّا فَبِقُرْبٍ مِنْهُ) بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ فَلَوْ وَقَفَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ وَوَقْتُهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَصَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ بِسُقُوطِهِ لِلْعُذْرِ بِأَنْ يَكُونَ بِهِ ضَعْفٌ أَوْ عِلَّةٌ أَوْ كَانَتْ امْرَأَةً تَخَافُ الزِّحَامَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي فِي الْجِنَايَاتِ أَنَّ هَذَا لَا يَخُصُّ هَذَا الْوَاجِبَ بَلْ كُلَّ وَاجِبٍ إذَا تَرَكَهُ لِلْعُذْرِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ فِي الْمُحِيطِ خَوْفَ الزِّحَامِ بِالْمَرْأَةِ بَلْ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ الرَّجُلَ لَوْ مَرَّ قَبْلَ الْوَقْتِ لِخَوْفِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ مَرَّ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقِفَ جَازَ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَلَوْ مَرَّ فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمُزْدَلِفَةِ جَازَ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَاخْتُلِفَ فِي جَبَلِ قُزَحَ فَقِيلَ هُوَ الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ وَقِيلَ الْمَشْعَرُ جَمِيعُ الْمُزْدَلِفَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَيْتُوتَةَ بِمُزْدَلِفَةَ وَهِيَ سُنَّةٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَوْ تَرَكَهَا كَمَا لَوْ وَقَفَ بَعْدَمَا أَفَاضَ الْإِمَامُ قَبْلَ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ الْبَيْتُوتَةَ شُرِعَتْ لِلتَّأَهُّبِ لِلْوُقُوفِ، وَلَمْ تُشْرَعْ نُسُكًا. (قَوْلُهُ وَهِيَ مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ) أَيْ الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إلَّا وَادِيَ مُحَسِّرٍ وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِالرَّاءِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيلَ أَصْحَابِ الْفِيلِ حُسِرَ فِيهِ أَيْ عَيِيَ وَكَّلَ وَوَادِي مُحَسِّرٍ مَوْضِعٌ فَاصِلٌ بَيْنَ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ لَيْسَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. قَالَ الْأَزْرَقِيُّ إنَّ وَادِيَ مُحْسِرٍ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَخَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَأَمَّا مُزْدَلِفَةُ فَإِنَّهَا كُلُّهَا مِنْ الْحَرَمِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ التَّزَلُّفِ، وَالِازْدِلَافُ وَهُوَ التَّقَرُّبُ؛ لِأَنَّ الْحُجَّاجَ يَتَقَرَّبُونَ مِنْهَا وَحْدَهَا مَا بَيْنَ وَادِي مُحَسِّرٍ وَمَأْزِمَيْ عَرَفَةَ وَيَدْخُلُ فِيهَا جَمِيعُ تِلْكَ الشِّعَابِ وَالْجِبَالِ الدَّاخِلَةِ فِي الْحَدِّ الْمَذْكُورِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّ بَطْنَ مُحَسِّرٍ لَيْسَ مَكَانَ الْوُقُوفِ كَبَطْنِ عُرَنَةَ فِي عَرَفَاتٍ فَلَوْ وَقَفَ فِيهِمَا فَقَطْ لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ وَقَفَ فِي مِنًى سَوَاءٌ قُلْنَا أَنَّ عُرَنَةَ وَمُحَسِّرًا مِنْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ أَوْ لَا وَوَقَعَ فِي الْبَدَائِعِ، وَأَمَّا مَكَانُهُ يَعْنِي الْوُقُوفَ بِمُزْدَلِفَةَ فَجُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ مُزْدَلِفَةَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْزِلَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ، وَلَوْ وَقَفَ بِهِ أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ فِي بَطْنِ عُرَنَةَ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ غَيْرُ مَشْهُورٍ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ بَلْ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ مُسَمَّى الْمَكَانَيْنِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ. (قَوْلُهُ ثُمَّ إلَى مِنًى بَعْدَمَا أَسْفَرَ جِدًّا) أَيْ ثُمَّ رُحْ وَفَسَّرَ الْأَسْفَارَ بِأَنْ تَدْفَعَ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَّا مِقْدَارُ مَا يُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﵇ وَالدُّعَاءِ وَهُوَ ذَاهِبٌ فَإِذَا بَلَغَ بَطْنَ مُحَسِّرٍ أَسْرَعَ إنْ كَانَ مَاشِيًا، وَحَرَّكَ دَابَّتَهُ إنْ كَانَ رَاكِبًا قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ؛ لِأَنَّهُ ﵇ فَعَلَ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ فَارْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي ــ [منحة الخالق] الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ صَلَّاهُمَا بَعْدَمَا جَاوَزَ الْمُزْدَلِفَةَ جَازَ) . نَقَلَهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ عَنْ الْمُنْتَقَى ثُمَّ قَالَ وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَقَالَ أَيْضًا وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ هَذَا الْجَمْعِ بِمُزْدَلِفَةَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فَلَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي وَقْتِهَا أَوْ الْعِشَاءَ وَالْمَغْرِبَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ مُزْدَلِفَةَ أَوْ بَعْدَمَا جَاوَزَهَا لَمْ يُجْزِهِ وَعَلَيْهِ إعَادَتُهُمَا مَا لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُجْزِئُهُ وَلَا يُعِيدُ وَقَدْ أَسَاءَ لِتَرْكِ السُّنَّةِ، وَلَوْ لَمْ يُعِدْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ عَادَتْ إلَى الْجَوَازِ وَسَقَطَ الْقَضَاءُ اتِّفَاقًا إلَّا أَنَّهُ يَأْثَمُ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا ذَهَبَ نِصْفُ اللَّيْلِ سَقَطَتْ الْإِعَادَةُ لِذَهَابِ وَقْتِ الِاسْتِحْبَابِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَقَفَ عَلَى جَبَلِ قُزَحَ إلَخْ) كَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَتْنِ وَإِلَّا فَاَلَّذِي رَأَيْته فِي بَعْضِهَا وَعَلَيْهِ كَتَبَ فِي النَّهْرِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ. (قَوْلُهُ وَهِيَ سُنَّةٌ إلَخْ) وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ قَوْلٌ بِالْوُجُوبِ وَقَوْلٌ بِالسُّنِّيَّةِ حَكَاهُمَا النَّوَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ ثُمَّ قَالَ وَيَتَأَكَّدُ الِاعْتِنَاءُ بِهَذَا الْمَبِيتِ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهُ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ فَقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ ذَهَبَ إمَامَانِ جَلِيلَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ هَذَا الْمَبِيتَ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ قَالَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ عَلَى الْمَبِيتِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَمَأْزِمَيْ عَرَفَةَ) قَالَ فِي شَرْحِ النَّوَازِلِ الْمَأْزِمُ الْمَضِيقُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ وَالْمُرَادُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الطَّرِيقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ وَهُمَا جَبَلَانِ بَيْنَ عَرَفَاتٍ وَمُزْدَلِفَةَ

стр. 772

بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ كَحَصَى الْخَذْفِ) أَيْ الْمَكَانِ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ، وَالْجِمَارُ هِيَ الصِّغَارُ مِنْ الْحِجَارَةِ جَمْعُ جَمْرَةٍ وَبِهَا سَمَّوْا الْمَوَاضِعَ الَّتِي تُرْمَى جِمَارًا وَجَمَرَاتٍ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُلَابَسَةِ وَقِيلَ لِتَجَمُّعِ مَا هُنَالِكَ مِنْ الْحَصَى مِنْ تَجَمُّرِ الْقَوْمِ إذَا تَجَمَّعُوا وَجَمَرَ شَعْرَهُ إذَا جَمَعَهُ عَلَى قَفَاهُ وَالْخَذْفُ بِالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ أَنْ تَرْمِيَ بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاةٍ أَوْ نَحْوِهَا تَأْخُذُهُ بَيْنَ سَبَّابَتَيْك وَقِيلَ أَنْ تَضَعَ طَرَفَ الْإِبْهَامِ عَلَى طَرَفِ السَّبَّابَةِ، وَفِعْلُهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَصَحَّحَ الْوَلْوَالِجِيُّ الْقَوْلَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ إهَانَةً لِلشَّيْطَانِ، وَهَذَا بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ فَلَوْ رَمَى كَيْفَ أَرَادَ جَازَ وَلَوْ رَمَى مِنْ فَوْقِ الْعَقَبَةِ أَجْزَأَهُ، وَكَانَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ قَيَّدَ بِالرَّمْيِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَضَعَهَا وَضْعًا لَمْ يَجُزْ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَالطَّرْحُ رَمْيٌ إلَى قَدَمَيْهِ فَيَكُونُ مُجْزِئًا إلَّا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَمِقْدَارُ الرَّمْيِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الرَّامِي وَمَوْضِعِ السُّقُوطِ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَيْنهمَا هَذَا الْقَدْرُ فَلَوْ رَمَاهَا فَوَقَعَتْ قَرِيبًا مِنْ الْجَمْرَة يَكْفِيهِ، وَلَوْ وَقَعَتْ بَعِيدًا لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ قُرْبَةً إلَّا فِي مَكَانِ مَخْصُوصٍ، وَالْقَرِيبُ عَفْوٌ وَلَوْ وَقَعَتْ الْحَصَاةُ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ أَوْ عَلَى مَحْمِلٍ وَثَبَتَتْ عَلَيْهِ كَانَ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا، وَإِذَا سَقَطَتْ عَنْ الْمَحْمِلِ أَوْ عَنْ ظَهْرِ الرَّجُلِ فِي سُنَنِهَا ذَلِكَ أَجْزَأَهُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ كَحَصَى الْخَذْفِ إلَى أَنَّهُ لَوْ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ يَكُونُ عَنْ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ تَفَرُّقُ الْأَفْعَالِ وَالتَّقْيِيدُ بِالسَّبْعِ لِمَنْعِ النَّقْصِ لَا لِمَنْعِ الزِّيَادَةِ فَإِنَّهُ لَوْ رَمَاهَا بِأَكْثَرَ مِنْ السَّبْعِ لَمْ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ أَيْ الْمَكَانُ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ) تَفْسِيرٌ لِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ أَنْ تَضَعَ طَرَفَ الْإِبْهَامِ إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية عَلَيْهِ مَشَى فِي الْهِدَايَةِ فَقَالَ وَكَيْفِيَّةُ الرَّمْيِ أَنْ يَضَعَ الْحَصَاةَ عَلَى ظَهْرِ إبْهَامِهِ الْيُمْنَى وَيَسْتَعِينَ بِالْمُسَبِّحَةِ اهـ. قَالَ الْكَمَالُ وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ تَفْسِيرَيْنِ قِيلَ بِهِمَا أَحَدُهُمَا أَنْ يَضَعَ طَرَفَ إبْهَامِهِ الْيُمْنَى عَلَى وَسَطِ السَّبَّابَةِ وَيَضَعَ الْحَصَاةَ عَلَى ظَهْرِ الْإِبْهَامِ كَأَنَّهُ عَاقِدٌ سَبْعِينَ فَيَرْمِيَهَا، وَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّ الْمَسْنُونَ فِي كَوْنِ الرَّمْيِ بِالْيَدِ الْيُمْنَى، وَالْآخَرَ أَنْ يُحَلِّقَ سَبَّابَتَهُ وَيَضَعَهَا عَلَى مَفْصِلِ إبْهَامِهِ كَأَنَّهُ عَاقِدٌ عَشْرَةً وَهَذَا فِي التَّمَكُّنِ مِنْ الرَّمْيِ بِهِ مَعَ الزَّحْمَةِ وَالْوَهْجَةِ عُسْرٌ، وَقِيلَ يَأْخُذُهَا بِطَرْفَيْ إبْهَامِهِ وَسَبَّابَتِهِ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ الْأَيْسَرُ الْمُعْتَادُ اهـ. وَكَذَا نَقَلَ تَصْحِيحَهُ فِي السِّرَاجِ عَنْ النِّهَايَةِ وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ أَيْضًا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الثَّانِيَ مِمَّا فِي الْمُغْرِبِ هُوَ هَذَا فَمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ غَيْرُهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْكَمَالِ وَهُوَ الظَّاهِرُ خِلَافًا لِمَا مَرَّ عَنْ الشرنبلالية (قَوْلُهُ وَمِقْدَارُ الرَّمْيِ إلَخْ) هَذَا تَقْدِيرُ أَقَلِّ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَكَانِ فِي الْمَسْنُونِ كَذَا فِي الْفَتْحِ. (قَوْلُهُ فَلَوْ رَمَاهَا فَوَقَعَتْ قَرِيبًا مِنْ الْجَمْرَةِ إلَخْ) أَيْ قَدْرَ ذِرَاعٍ وَنَحْوِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْهُ اعْتِبَارًا لِلْقُرْبِ عُرْفًا وَضِدُّهُ الْبُعْدُ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ وَقَالَ فِي اللُّبَابِ وَقُدِّرَ الْقَرِيبُ بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَالْبَعِيدُ بِمَا فَوْقَهَا وَقِيلَ الْقَرِيبُ مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ. (قَوْلُهُ وَلَوْ وَقَعَتْ الْحَصَاةُ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ إلَخْ) فَلَوْ وَقَعَتْ عَلَى الشَّاخِصِ أَيْ أَطْرَافِ الْمِيلِ الَّذِي هُوَ عَلَامَةٌ لِلْجَمْرَةِ أَجْزَأَهُ وَلَوْ عَلَى قُبَّةِ الشَّاخِصِ وَلَمْ تَنْزِلْ عَنْهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ لِلْبُعْدِ لُبَابٌ وَفِيهِ وَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى بِنَفْسِهَا أَوْ بِنَفْضِ مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ وَتَحْرِيكِهِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يُعِيدَهُ وَكَذَا لَوْ رَمَى وَشَكَّ فِي وُقُوعِهَا مَوْقِعَهَا فَالْأَحْوَطُ أَنْ يُعِيدَ. (قَوْلُهُ وَلَوْ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ جُمْلَةً إلَخْ) وَفِي الْكَرْمَانِيِّ إذَا وَقَعَتْ مُتَفَرِّقَةً عَلَى مَوَاضِعِ الْجَمَرَاتِ جَازَ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أَسْوَاطِ الْحَدِّ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى مَكَان وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا عَنْ حَصَاةٍ وَاحِدَةٍ كَيْفَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالرَّمْيِ سَبْعَ مَرَّاتٍ شَرْحُ اللُّبَابِ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ مُصَنِّفِ اللُّبَابِ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ أَنَّ الَّذِي فِي الْمَشَاهِيرِ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا الْإِطْلَاقُ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ نَازَعَهُ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ لِمَنْ أَحْسَنَ النَّظَرَ فَرَاجِعْهُ وَتَبَصَّرْ وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَنْ الْمُرْشِدِيِّ وَلَا يُجْزِئُ الرَّمْيُ بِالْقَوْسِ وَنَحْوِهِ وَلَا الرَّمْيُ بِالرِّجْلِ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ تُوضَعُ الْحَصَاةُ فِي يَدِهِ وَيَرْمِي بِهَا، وَإِنْ رَمَى عَنْهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ أَجْزَأَهُ وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ وَفِي اللُّبَابِ وَلَوْ رَمَى بِحَصَاتَيْنِ إحْدَاهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْأُخْرَى عَنْ غَيْرِهِ جَازَ وَيُكْرَهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَرْمِيَ أَوَّلًا عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَوْ رَمَاهَا بِأَكْثَرَ مِنْ السَّبْعِ لَمْ يَضُرَّهُ) قَالَ فِي اللُّبَابِ وَلَوْ رَمَى أَكْثَرَ مِنْ سَبْعٍ يُكْرَهُ، وَقَالَ شَارِحُهُ أَيْ إذَا رَمَاهُ عَنْ قَصْدٍ، وَأَمَّا إذَا شَكَّ فِي السَّابِعِ وَرَمَاهُ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ الثَّامِنُ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ هَذَا وَقَدْ نَاقَضَهُ فِي الْكَبِيرِ بِقَوْلِهِ وَلَوْ رَمَى بِأَكْثَرَ مِنْ السَّبْعِ لَا يَضُرُّهُ اهـ. أَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَنْسَكِ الْكَبِيرِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْقَصْدِ فَلَا تَنَاقُضَ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ السَّبْعَ هُوَ الْمَسْنُونُ فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ فَتُكْرَهُ لَوْ كَانَتْ مَقْصُودَةً وَإِلَّا فَلَا وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنَاسِكِهِ الْكُبْرَى قَالُوا لَوْ زَادَ الرَّمْيَ عَلَى السَّبْعِ هَلْ يُنْدَبُ أَوْ يُكْرَهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ لَا تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ رَمْيَهُ طَاعَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ تُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ هَكَذَا نَقَلَ الْخِلَافَ اهـ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ لَوْ زَادَ عَلَى سَبْعِ حَصَيَاتٍ لَا أَجْرَ لَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ قَالَ الْقَاضِي عِيدٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَيُكْرَهُ رَمْيُ الْجَمْرَتَيْنِ

стр. 773

يَضُرُّهُ وَالتَّقْيِيدُ بِالْحَصَى لِبَيَانِ الْأَكْمَلِ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ الرَّمْيُ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ كَالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ وَمَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ وَلَوْ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ وَلَا يَجُوزُ بِالْخَشَبِ وَالْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْجَوَاهِرِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إمَّا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ أَوْ؛ لِأَنَّهَا نُثَارٌ وَلَيْسَتْ بِرَمْيٍ أَوْ؛ لِأَنَّهُ إعْزَازٌ لَا إهَانَةَ، وَكَذَا التَّقْيِيدُ بِحَصَى الْخَذْفِ لِبَيَانِ الْأَكْمَلِ فَإِنَّهُ لَوْ رَمَاهَا بِأَكْبَرَ مِنْهُ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُرْمَى بِالْكِبَارِ مِنْ الْحِجَارَةِ كَيْ لَا يَتَأَذَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَلَوْ رَمَى صَحَّ وَكُرِهَ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمَوْضِعَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ الْحَصَا لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ فَلْيَأْخُذْهَا مِنْ مُزْدَلِفَةَ أَوْ مِنْ قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَيُكْرَهُ مِنْ عِنْدِ الْجَمْرَةِ تَنْزِيهًا؛ لِأَنَّهُ حَصَى مَنْ لَمْ يُقْبَلْ حَجُّهُ فَإِنَّهُ مَنْ قُبِلَ حَجُّهُ رُفِعَ حَصَاهُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ طَهَارَةُ الْحِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الرَّمْيُ بِالْحَجَرِ النَّجِسِ، وَالْأَفْضَلُ غَسْلُهَا وَفِي مَنَاسِكِ الْحَصِيرِيِّ جَرَى التَّوَارُثُ بِحَمْلِ الْحَصَى مِنْ جَبَلٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَيُحْمَلُ مِنْهُ سَبْعِينَ حَصَاةً قَالَ وَفِي مَنَاسِكِ الْكَرْمَانِيِّ يَدْفَعُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَقَالَ قَوْمٌ بِسَبْعِينَ حَصَاةً، وَلَيْسَ مَذْهَبَنَا اهـ. كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْتَقِطَ ــ [منحة الخالق] كَذَلِكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَلَمْ يَفْعَلْهُ ﵊، وَرُبَّمَا اتَّخَذَهَا الْجُهَّالُ نُسُكًا اهـ. (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَيَجُوزُ الرَّمْيُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ يُعْطِي جَوَازَهُ بِالْيَاقُوتِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَفِيهِمَا خِلَافٌ وَمَنَعَهُ الشَّارِحُونَ وَغَيْرُهُمْ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الِاسْتِهَانَةِ بِالْمَرْمَى، وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ بِنَاءً عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ الِاشْتِرَاطِ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ جَوَازَهُ الْفَارِسِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَهَذَا يُفِيدُ تَرْجِيحَ اعْتِبَارِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الشَّارِحِ تَبَعًا لِلْغَايَةِ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ حَيْثُ جَزَمَا بِجَوَازِهِ بِالْأَحْجَارِ النَّفِيسَةِ بِخِلَافِ الْخَشَبِ وَالْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ يَعْنِي كِبَارَهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَنُثَارٌ وَلَيْسَتْ بِرَمْيٍ اهـ. وَفِي الشرنبلالية قَدَّمْنَا جَوَازَ الرَّمْيِ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فَشَمِلَ كُلَّ الْأَحْجَارِ النَّفِيسَةِ كَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَالزُّمُرُّدِ وَالْبَلْخَشِ الْفَيْرُوزَجِ وَالْبِلَّوْرِ وَالْعَقِيقِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ اعْتَرَضَ عَلَى صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِالْفَيْرُوزَجِ وَالْيَاقُوتِ فَإِنَّهُمَا مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ حَتَّى جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِمَا، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ الرَّمْيُ بِهِمَا، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْجَوَازَ مَشْرُوطٌ بِالِاسْتِهَانَةِ بِرَمْيِهِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِهِمَا اهـ. فَقَدْ أَثْبَتَ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الزَّيْلَعِيِّ وَخُصِّصَ بِالْفَيْرُوزَجِ وَالْيَاقُوتِ دُونَ غَيْرِهِمَا فَلْيَتَأَمَّلْ وَيُحَرَّرْ اهـ. بَقِيَ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ الزَّيْلَعِيَّ اسْتَثْنَى الْجَوَاهِرَ وَتَبِعَهُ الْمُؤَلِّفُ مَعَ أَنَّهُ صَرَّحَ بِجَوَازِ الْأَحْجَارِ النَّفِيسَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَوَاهِرَ الْعَيْنِيُّ وَلَا الشُّمُنِّيُّ قَالَ نُوحٌ أَفَنْدِي: لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْأَحْجَارِ النَّفِيسَةِ بَلْ الْأَحْجَارُ النَّفِيسَةُ مُسْتَخْرَجَةٌ مِنْهَا وَفِي حَاشِيَةِ مِسْكِينٍ تَفْرِقَةُ الزَّيْلَعِيِّ بَيْنَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَحْجَارِ النَّفِيسَةِ فِي الْحُكْمِ لَيْسَ إلَّا مَحْضُ تَحَكُّمٍ اهـ. لَكِنْ ذَكَرَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِي شَرْحِهِ عَنْ الْغَايَةِ وَالْجَوَاهِرِ وَهِيَ كِبَارُ اللُّؤْلُؤ، وَبِهِ انْدَفَعَ التَّحَكُّمُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَمِمَّنْ اعْتَرَضَ عَنْ الْعِنَايَةِ بِمَا فِي الْغَايَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ سَعْدِي أَفَنْدِي فِي حَوَاشِيهِ عَلَيْهَا، وَسَبَقَهُ إلَيْهِ فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَإِنَّهُ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الِاعْتِرَاضَ وَالْجَوَابَ السَّابِقَيْنِ وَعَزَاهُمَا إلَى السِّغْنَاقِيِّ. قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مُخَالِفَةٌ لِمَا فِي الْمُحِيطِ أَيْ مِنْ الْجَوَازِ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ كَمَا مَرَّ عَنْ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ إمَّا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ) هَذَا خَالِصٌ فِيمَا قَبْلَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَوْلُهُ وَإِمَّا لِأَنَّهَا نُثَارٌ خَاصٌّ بِهِمَا كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي السَّعْدِيَّةِ عَنْ الْغَايَةِ وَقَوْلُهُ وَإِمَّا لِأَنَّهُ إعْزَازٌ إلَخْ يَشْمَلُ الْكُلَّ إلَّا الْخَشَبَ إنْ كَانَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ. (قَوْلُهُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ) جَعَلَهُ فِي الْهِدَايَةِ أَثَرًا وَقَالَ فِي الْفَتْحِ وَقَوْلُهُ بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ كَأَنَّهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا بَالُ الْجِمَارِ تُرْمَى مِنْ وَقْتِ الْخَلِيلِ ﵇ وَلَمْ تَصِرْ هِضَابًا تَسُدُّ الْأُفُقَ فَقَالَ أَمَا عَلِمْت أَنَّ مَنْ يُقْبَلُ حَجُّهُ يُرْفَعُ حَصَاهُ قَالَ وَمَنْ لَمْ يُقْبَلْ تُرِكَ حَصَاهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ لَمَّا سَمِعْت هَذَا مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ جَعَلْت عَلَى حَصَيَاتِي عَلَامَةً ثُمَّ تَوَسَّطْت الْجَمْرَةَ فَرَمَيْت مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ثُمَّ طَلَبْت فَلَمْ أَجِدْ بِتِلْكَ الْعَلَامَةِ شَيْئًا اهـ. لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَنْ شَرْحِ النُّقَايَةِ لِمُنْلَا عَلِيٍّ الْقَارِي أَنَّهُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ الْجِمَارُ الَّتِي نَرْمِي بِهَا كُلَّ عَامٍ فَنَحْسَبُ أَنَّهَا تَنْقُصُ فَقَالَ إنَّهُ مَا يُقْبَلُ مِنْهَا رُفِعَ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَرَأَيْتهَا أَمْثَالَ الْجِبَالِ» اهـ. وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا بِأَنَّ حَجَّ الْمُشْرِكِينَ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْكُفَّارَ قَدْ تُقْبَلُ عِبَادَاتُهُمْ فَيُجَازُونَ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا أَقُولُ: الْمُرَادُ أَعْمَالُهُمْ الَّتِي هِيَ عِبَادَاتٌ صُورَةً لَا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ مِثْلَ الْحَجِّ لَا يَكُونُ عِبَادَةً إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَتَأَمَّلْ هَذَا وَفِي مِنًى خَمْسُ آيَاتٍ هَذِهِ إحْدَاهَا، وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ وَآيُ مِنًى خَمْسٌ فَمِنْهَا اتِّسَاعُهَا ... لِحُجَّاجِ بَيْتِ اللَّهِ لَوْ جَاوَزُوا الْحَدَّا وَمَنْعُ حِدَاةٍ خَطْفَ لَحْمٍ بِأَرْضِهَا ... وَقِلَّةُ وُجْدَانِ الْبَعُوضِ بِهَا عُدَّا وَكَوْنُ ذُبَابٍ لَا يُعَاقِبُ طَعْمَهَا ... وَرَفْعُ حَصَى الْمَقْبُولِ دُونَ الَّذِي رُدَّا (قَوْلُهُ وَلَيْسَ مَذْهَبَنَا) قَالَ فِي الشرنبلالية يُعَارِضُهُ قَوْلُ الْجَوْهَرَةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ أَوْ مِنْ الطَّرِيقِ اهـ. وَلِذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ يَأْخُذُ الْحَصَى مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ اهـ. فَالنَّفْيُ لَيْسَ إلَّا عَلَى التَّعْيِينِ أَيْ لَا يَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ لَنَا مَذْهَبًا وَمَا قَالَهُ فِي الْهِدَايَةِ يَقْتَضِي خِلَافَ مَا قِيلَ

стр. 774

حَجَرًا وَاحِدًا فَيَكْسِرَهُ سَبْعِينَ حَجَرًا صَغِيرًا كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَقْتَهُ وَلَهُ أَوْقَاتٌ أَرْبَعَةٌ وَقْتُ الْجَوَازِ وَوَقْتُ الِاسْتِحْبَابِ وَوَقْتُ الْإِبَاحَةِ وَوَقْتُ الْكَرَاهَةِ، فَالْأَوَّلُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ وَانْتِهَاؤُهُ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي حَتَّى لَوْ أَخَّرَهُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لَزِمَهُ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا وَلَوْ رَمَى قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يَصِحَّ اتِّفَاقًا، وَالثَّانِي مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ، وَالثَّالِثُ مِنْ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ، وَالرَّابِعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ الْغُرُوبِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَجَعَلَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ الْوَقْتَ الْمُبَاحَ مِنْ الْمَكْرُوهِ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ عِنْدَهُ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْأَوَّلِ. (قَوْلُهُ وَكَبِّرْ بِكُلِّ حَصَاةٍ) أَيْ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْ السَّبْعَةِ بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ فَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ أَصْلًا أَوْ هَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ أَجْزَأَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الدُّعَاءَ آخِرَهُ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَقِفَ عِنْدَهَا كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ، وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ جَمْرَةٍ بَعْدَهَا جَمْرَةٌ فَإِنَّهُ يَقِفُ بَعْدَهَا لِلدُّعَاءِ؛ لِأَنَّهُ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ وَكُلُّ جَمْرَةٍ لَيْسَ بَعْدَهَا جَمْرَةٌ تُرْمَى فِي يَوْمِهِ لَا يَقِفُ عِنْدَهَا؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْعِبَادَةِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْعِبَادَةِ مُسْتَحَبٌّ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ إذَا خَرَجَ مِنْهُمَا فَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال بِفِعْلِهِ ﵇، كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ حِكْمَةٌ وَقَدْ يُقَالُ هِيَ كَوْنُ الْوُقُوفِ يَقَعُ فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي الطَّرِيقِ فَيُوجِبُ قَطْعَ سُلُوكِهَا عَلَى النَّاسِ وَشِدَّةَ ازْدِحَامِ الْوَاقِفِينَ وَالْمَارِّينَ، وَيُفْضِي ذَلِكَ إلَى ضَرَرٍ عَظِيمٍ بِخِلَافِهِ فِي بَاقِي الْجَمَرَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ فِي نَفْسِ الطَّرِيقِ بَلْ بِمَعْزِلٍ عَنْهُ. (قَوْلُهُ وَاقْطَعْ التَّلْبِيَةَ بِأَوَّلِهَا) أَيْ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ تَرْمِيهَا لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ لَمْ يَزَلْ ﵇ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُفْرِدِ وَالْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ وَقَيَّدَ بِالْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمِرَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ رُكْنٌ فِي الْعُمْرَةِ فَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ مُدْرِكًا لِلْحَجِّ بِإِدْرَاكِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَة؛ لِأَنَّ فَائِتَ الْحَجِّ إذَا تَحَلَّلَ بِالْعُمْرَةِ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حِينَ يَأْخُذُ فِي الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَصَارَ كَالْمُعْتَمِرِ، وَالْمُحْصِرُ يَقْطَعُهَا إذَا ذَبَحَ هَدْيَهُ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ لِلتَّحَلُّلِ وَالْقَارِنُ إذَا كَانَ فَائِتَ الْحَجِّ يَقْطَعُ حِينَ يَأْخُذُ فِي الطَّوَافِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بَعْدَهُ وَأَشَارَ بِالرَّمْيِ إلَى أَنَّهُ يَقْطَعُهَا إذَا فَعَلَ وَاحِدًا مِنْ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي الْحَجِّ يَوْمَ النَّحْرِ فَيَقْطَعُهَا إنْ حَلَقَ قَبْلَ الرَّمْيِ أَوْ طَافَ الزِّيَارَةَ قَبْلَ الرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ أَوْ ذَبَحَ قَبْلَ الرَّمْيِ دَمَ التَّمَتُّعِ أَوْ الْقِرَانِ، وَمَضَى وَقْتُ الرَّمْيِ الْمُسْتَحَبِّ كَفِعْلِهِ فَيَقْطَعُهَا إذَا لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى زَالَتْ الشَّمْسُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ اذْبَحْ) أَيْ عَلَى وَجْهِ الْأَفْضَلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُفْرِدِ وَهُوَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ، وَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ فَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَلَا أُضْحِيَّةَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ كَالْمَكِّيِّ وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ أَنَّهُ ﵇ «ذَبَحَ بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً وَأَمَرَ عَلِيًّا فَذَبَحَ مَا بَقِيَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ ــ [منحة الخالق] إنَّهُ يَلْتَقِطُهَا مِنْ الْجَبَلِ الَّذِي عَلَى الطَّرِيقِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ وَمَا قِيلَ يَأْخُذُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ سَبْعًا فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا سُنَّةَ فِي ذَلِكَ يُوجِبُ خِلَافُهَا الْإِسَاءَةَ. (قَوْلُهُ وَانْتِهَاؤُهُ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ وَقْتَ الْجَوَازِ لَا آخِرَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصِّحَّةُ لَا الْحِلُّ فَالْأَوْلَى عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلِانْتِهَاءِ كَمَا فِي عِبَارَةِ الْمَبْسُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْفَتْحِ ثُمَّ ظَهَرَ لِي الْجَوَابُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بَيَانَ وَقْتِ الْجَوَازِ أَدَاءً كَمَا أَفَادَهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، لَكِنْ فِي الْفَتْحِ وَيَثْبُتُ وَصْفُ الْقَضَاءِ فِي الرَّمْيِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ سِوَى ثُبُوتِ الْإِسَاءَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِعُذْرٍ اهـ. تَأَمَّلْ هَذَا وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَنْ حَاشِيَةِ شَيْخِهِ بَعْدَ عَزْوِهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ إلَى الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ الرَّضَوِيِّ قَالَ لَكِنْ فِي الْهِدَايَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ وَالْعَيْنِيِّ وَالْبَدَائِعِ وَالْكَافِي وَالْكَرْمَانِيِّ وَغَيْرِهَا أَنَّ وَقْتَهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَقَالَ فِي مَبْسُوطِ السَّرَخْسِيِّ فَفِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَقْتُهُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلَكِنَّهُ لَوْ رَمَى بِاللَّيْلِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ اهـ. وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَالثَّانِي مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ الْمُسْتَحَبُّ وَقَدْ وَافَقَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ الْعَيْنِيُّ، وَذَكَرَهُ فِي مَجْمَعِ الرِّوَايَةِ عَنْ الْمُحِيطِ أَيْضًا بِصِيغَةِ الْمَسْنُونِ وَوَافَقَهُ فِي النَّهْرِ. (قَوْلُهُ وَالرَّابِعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَخْ) قَيَّدَهُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ أَحَادِيثَ سَاقَهَا بِعَدَمِ الْعُذْرِ قَالَ حَتَّى لَا يَكُونَ رَمْيُ الضَّعَفَةِ قَبْلَ الشَّمْسِ وَرَمْيُ الرُّعَاةِ لَيْلًا يَلْزَمُهُمْ الْإِسَاءَةُ وَكَيْفَ بِذَلِكَ بَعْدَ التَّرَخُّصِ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَكَبِّرْ بِكُلِّ حَصَاةٍ) كَذَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ جَابِرٍ وَأُمُّ سُلَيْمَانَ وَظَاهِرُ الْمَرْوِيَّاتِ مِنْ ذَلِكَ الِاقْتِصَارُ عَلَى اللَّهُ أَكْبَرُ غَيْرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ رَغْمًا لِلشَّيْطَانِ وَحِزْبِهِ، وَقِيلَ يَقُولُ أَيْضًا اللَّهُمَّ اجْعَلْ حَجِّي مَبْرُورًا وَسَعْيِي مَشْكُورًا وَذَنْبِي مَغْفُورًا كَذَا فِي الْفَتْحِ. (قَوْلُهُ فَالْأَوْلَى فِي الِاسْتِدْلَال بِفِعْلِهِ عَلَيْهِ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ عَلَى هَذَا تَضَافَرَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ ﵇ وَلَمْ يَظْهَرْ حِكْمَةُ تَخْصِيصِ الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ بِغَيْرِهَا مِنْ الْجَمْرَتَيْنِ فَإِنْ تَخَايَلَ أَنَّهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لِكَثْرَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الشُّغْلِ كَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالْإِفَاضَةِ إلَى مَكَّةَ فَهُوَ مُنْعَدِمٌ فِيمَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَيَّامِ. (قَوْلُهُ وَقَيَّدَ بِالْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ)

стр. 775

فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا ثُمَّ رَكِبَ إلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ» قَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّهُ ﷺ نَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً أَنَّهُ كَانَ لَهُ يَوْمئِذٍ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً فَنَحَرَ لِكُلِّ سَنَةٍ بَدَنَةً. (قَوْلُهُ ثُمَّ احْلِقْ أَوْ قَصِّرْ والْحَلْقُ أَحَبُّ) بَيَانٌ لِلْوَاجِبِ وَالْمُرَادُ بِالْحَلْقِ إزَالَةُ شَعْرِ رُبْعِ الرَّأْسِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ أَقْرَعَ فَيَجْرِي الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ إنْ أَمْكَنَ وَأَحَبُّ عَلَى الْمُخْتَارِ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ قُرُوحٌ لَا يُمْكِنُهُ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ وَلَا يَصِلُ إلَى تَقْصِيرِهِ فَقَدْ سَقَطَ هَذَا الْوَاجِبُ وَحَلَّ كَمَنْ حَلَقَهَا، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْإِحْلَالَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْحَلْقُ لَكِنْ لَمْ يَجِدْ آلَةً وَلَا مَنْ يَحْلِقُهَا فَلَيْسَ بِعُذْرٍ وَلَيْسَ لَهُ الْإِحْلَالُ؛ لِأَنَّ إصَابَةَ الْآلَةِ مَرْجُوٌّ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَلَا كَذَلِكَ بُرْءُ الْقُرُوحِ وَانْدِمَالُهَا وَالْإِزَالَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالْمُوسَى بَلْ بِأَيِّ آلَةٍ كَانَتْ أَوْ بِالنُّورَةِ، وَالْمُسْتَحَبُّ الْحَلْقُ بِالْمُوسَى؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ بِهِ وَالْمُرَادُ بِالتَّقْصِيرِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ أَوْ الْمَرْأَةُ مِنْ رُءُوسِ شَعْرِ رُبْعِ الرَّأْسِ مِقْدَارَ الْأُنْمُلَةِ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ، وَمُرَادُهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ مِقْدَارَ الْأُنْمُلَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ وَفِي الْبَدَائِعِ قَالُوا يَجِبُ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّقْصِيرِ عَلَى قَدْرِ الْأُنْمُلَةِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ بِرَأْسِهِ؛ لِأَنَّ أَطْرَافَ الشَّعْرِ غَيْرُ مُتَسَاوٍ عَادَةً قَالَ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ وَهُوَ حَسَنٌ، وَالْأُنْمُلَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ وَضَمُّ الْمِيمِ لُغَةً مَشْهُورَةً، وَمَنْ خَطَّأَ رَاوِيَهَا فَقَدْ أَخْطَأَ وَاحِدَةَ الْأَنَامِلِ ثُمَّ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ فَلَوْ تَعَذَّرَ الْحَلْقُ لِعَارِضٍ تَعَيَّنَ التَّقْصِيرُ، أَوْ التَّقْصِيرُ تَعَيَّنَ الْحَلْقُ كَأَنْ لَبَدَهُ بِصَمْغٍ فَلَا يُعْمَلُ فِيهِ الْمِقْرَاضُ، وَإِنَّمَا كَانَ الْحَلْقُ أَفْضَلَ لِدُعَائِهِ ﵇ لِلْمُحَلِّقِينَ بِالرَّحْمَةِ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَفِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ لِلْمُقَصِّرِينَ بِهَا، وَيُسْتَحَبُّ حَلْقُ الْكُلِّ لِلِاتِّبَاعِ وَلَمْ يَذْكُرْ سُنَنَ الْحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخُصُّ الْحَلْقَ فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْحَلْقِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مُسْتَحَبٌّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْقُنْيَةِ وَيُعْتَبَرُ فِي سُنَّتِهِ الْبُدَاءَةُ بِالْيَمِينِ لِلْحَالِقِ لَا الْمَحْلُوقِ فَيَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْسَرِ وَمُقْتَضَى النَّصِّ الْبُدَاءَةُ بِيَمِينِ الرَّأْسِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﵇ قَالَ لِلْحَلَّاقِ خُذْ وَأَشَارَ إلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ» وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَ فِي الْمَذْهَبِ، وَيُسْتَحَبُّ دَفْنُ شَعْرِهِ وَالدُّعَاءُ عِنْدَ الْحَلْقِ وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مَعَ التَّكْبِيرِ وَإِنْ رَمَى الشَّعْرَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَكُرِهَ إلْقَاؤُهُ فِي الْكَنِيفِ وَالْمُغْتَسَلِ كَذَا فِي فَتَاوَى الْعَلَّامِيِّ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقُصَّ أَظْفَارَهُ وَشَوَارِبَهُ بَعْدَ الْحَلْقِ لِلِاتِّبَاعِ وَلَا يَأْخُذْ مِنْ لِحْيَتِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ وَلَوْ فَعَلَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. (قَوْلُهُ وَحَلَّ لَك غَيْرُ النِّسَاءِ) أَيْ بِالْحَلْقِ أَيْ فَحَلَّ التَّطَيُّبُ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» وَحُرِّمَ الدَّوَاعِي كَالْوَطْءِ أَفَادَ أَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَ الْحَلْقِ تَحْلِيلٌ لِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ حَلَالًا بِالْإِحْرَامِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْمَبْسُوطِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْحَجِّ إحْلَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا بِالْحَلْقِ وَالثَّانِي بِالطَّوَافِ وَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّ الرَّمْيَ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ عِنْدَنَا يُخَالِفُهُ مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَلَفْظُهُ وَبَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الْحَلْقِ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الطِّيبَ وَالنِّسَاءَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَحِلُّ لَهُ الطِّيبُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ لَهُ النِّسَاءُ، وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ الطِّيبَ دَاعٍ إلَى الْجِمَاعِ، وَإِنَّمَا عَرَفْنَا حِلَّ الطِّيبِ بَعْدَ الْحَلْقِ قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ بِالْأَثَرِ اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِضَعْفِ مَا فِي الْفَتَاوَى لِمَا قَدَّمْنَا وَلِمَا فِي الْمُحِيطِ وَلَفْظُهُ ــ [منحة الخالق] نَسَبَ إلَيْهِ هَذَا التَّقْيِيدَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصَرِّحًا بِهِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ فَهُوَ مِمَّا تَضْمَنَّهُ كَلَامُهُ. (قَوْلُهُ وَمُرَادُهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية قُلْت يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ أَيْ مِنْ شَعْرِ الرُّبْعِ عَلَى وَجْهِ اللُّزُومِ أَوْ مِنْ الْكُلِّ عَلَى سَبِيلِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَلَا مُخَالَفَةَ فِي الْأَجْزَاءِ؛ لِأَنَّ الرُّبْعَ كَالْكُلِّ كَمَا فِي الْحَلْقِ. (قَوْلُهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْمُلْتَقَطِ عَنْ الْإِمَامِ حَلَقْت رَأْسِي بِمَكَّةَ فَخَطَّأَنِي الْحَلَّاقُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ لَمَّا أَنْ جَلَسْت قَالَ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَنَاوَلْته الْجَانِبَ الْأَيْسَرَ فَقَالَ ابْدَأْ بِالْأَيْمَنِ فَلَمَّا أَرَدْت أَنْ أَذْهَبَ قَالَ ادْفِنْ شَعْرَك فَرَجَعْت فَدَفَنْته اهـ. قُلْت وَفِي الْمِعْرَاجِ رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ حَلَقَ رَأْسَهُ مِنْ يَمِينِ الْحَالِقِ» وَعَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ يَمِينِ الْمَحْلُوقِ فَاعْتَبَرْنَا يَمِينَ الْحَالِقِ وَهُوَ يَمِينُ الْمَحْلُوقِ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَلَمْ يَعْزِهِ إلَى أَحَدٍ بَلْ الْأَوْلَى اتِّبَاعُ السُّنَّةِ فَإِنَّهُ ﵊ بَدَأَ بِيَمِينِهِ فِي الصَّحِيحِ، وَقَدْ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِقَوْلِ الْحَجَّامِ حِينَ قَالَ اُدْنُ الشِّقَّ الْأَيْمَنَ مِنْ رَأْسِك وَفِيهِ حِكَايَةٌ مَعْرُوفَةٌ اهـ. وَهَذَا أَيْضًا يُؤَيِّدُ مَا اسْتَصْوَبَهُ فِي الْفَتْحِ، وَيُفِيدُ أَنَّ خِلَافَهُ لَيْسَ مِمَّا ثَبَتَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِضَعْفِ مَا فِي الْفَتَاوَى) قَالَ فِي الشرنبلالية أَقُولُ: لَمْ يَقْتَصِرْ قَاضِي خَانْ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْبَحْرِ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى مَا يُوَافِقُ الْهِدَايَةَ أَيْضًا قَبْلَ هَذَا بِقَوْلِهِ: وَالْخُرُوجُ عَنْ الْإِحْرَامِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ فَإِذَا حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ مَا لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ مَرْوِيُّ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ النَّبِيِّ

стр. 776

وَلَوْ أُبِيحَ لَهُ التَّحَلُّلُ فَغَسَلَ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ، وَقَلَّمَ ظُفْرَهُ قَبْلَ الْحَلْقِ فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَام بَاقٍ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَّا بِالْحَلْقِ فَقَدْ جَنَى عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ لَا دَمَ عَلَيْهِ عِنْد أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ التَّحَلُّلُ فَيَقَعُ بِهِ التَّحَلُّلُ اهـ. فَلَوْ كَانَ التَّحَلُّلُ بِالرَّمْيِ حَاصِلًا فِي غَيْرِ الطِّيبِ وَالنِّسَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ بِتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَتَخْرِيجُهُ عَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ عِنْدَهُمَا بَعِيدٌ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ ثُمَّ إلَى مَكَّةَ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ غَدًا أَوْ بَعْدَهُ فَطُفْ لِلرُّكْنِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ بِلَا رَمَلٍ وَسَعْيٍ إنْ قَدَّمْتهمَا وَإِلَّا فَلَا) أَيْ ثُمَّ رُحْ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ لِأَدَاءِ الرُّكْنِ الثَّانِي مِنْ رُكْنَيْ الْحَجِّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الرُّكْنَ أَكْثَرُهَا وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْوَاطٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ، وَأَوَّلُ وَقْتِ صِحَّتِهِ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَوْ قَبْلَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ، وَلَيْسَ لَهُ وَقْتٌ آخَرُ تَفُوتُ الصِّحَّةُ بِفَوْتِهِ بَلْ وَقْتُهُ الْعُمْرُ، وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَهُوَ فِعْلُهُ فِي يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى لَوْ أَخَّرَهُ عَنْهَا مَعَ الْإِمْكَانِ لَزِمَهُ دَمٌ وَأَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا كَالْأُضْحِيَّةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ ﵇ طَافَ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ لِلرُّكْنِ» ، وَأَفَادَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي تَقْدِيمِ الرَّمَلِ وَالسَّعْيِ إذَا طَافَ لِلْقُدُومِ وَفِي تَأْخِيرِهِمَا لِطَوَافِ الرُّكْنِ، وَأَنَّهُمَا لَا يَتَكَرَّرَانِ فِي الْحَجِّ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ، وَقَالُوا الْأَفْضَلُ تَأْخِيرُهُمَا لِطَوَافِ الرُّكْنِ لِيَصِيرَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ دُونَ السَّنَةِ. (قَوْلُهُ وَحَلَّ لَك النِّسَاءُ) يَعْنِي بِالْحَلْقِ ــ [منحة الخالق] - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الْحَلْقِ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الطِّيبَ وَالنِّسَاءَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَحِلُّ لَهُ الطِّيبُ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ لَهُ النِّسَاءُ وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا لِأَنَّ الطِّيبَ دَاعٍ إلَى الْجِمَاعِ، وَإِنَّمَا عَرَفْنَا حِلَّ الطِّيبِ بَعْدَ الْحَلْقِ قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ بِالْأَثَرِ اهـ. فَالْأَوْلَى أَنْ يُرَدَّ كَلَامُهُ الْمَذْكُورُ ثَانِيًا بِكَلَامِهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَلْزَمُ لِمُوَافَقَتِهِ مَا فِي الْهِدَايَةِ، وَدَلِيلُهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلِأَنَّهُ يَتَنَاقَضُ الْأَوَّلُ بِالثَّانِي، وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا عَرَفْنَا حِلَّ الطِّيبِ إلَخْ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّهُ قَالَ قَائِلٌ الطِّيبُ دَاعٍ إلَى النِّسَاءِ فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ مُطْلَقًا فَخَصَّهُ بِالرَّمْيِ وَحَلَّ بِالْحَلْقِ لِلْأَثَرِ لَكِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ لِتَحْلِيلِ الرَّمْيِ لِشَيْءٍ فَالْمَرْجِعُ لِكَلَامِهِ الْأَوَّلِ الْمُوَافِقِ لِلْهِدَايَةِ وَلِحَصْرِهِ التَّحَلُّلَ بِالْحَلْقِ بِقَوْلِهِ، وَالْخُرُوجُ عَنْ الْإِحْرَامِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْحَلْقِ وَبِهَذَا يُعْلَمُ بُطْلَانُ مَا يُنْسَبُ لِقَاضِي خَانْ مِنْ أَنَّ الْحَلْقَ لَا يَحِلُّ بِهِ الطِّيبُ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَطُفْ لِلرُّكْنِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَيُسَمَّى طَوَافَ الزِّيَارَةِ وَطَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَطَوَافَ يَوْمِ النَّحْرِ وَطَوَافَ الرُّكْنِ كَمَا فِي الْعَيْنِيِّ، وَسَيَأْتِي أَنَّ طَوَافَ الصَّدْرِ يُسَمَّى طَوَافَ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ لِأَجْلِهِ مُفِيضٌ إلَى الْبَيْتِ مِنْ مِنًى اهـ. هَذَا وَشَرَائِطُ صِحَّتِهِ الْإِسْلَامُ وَتَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفُ وَالنِّيَّةُ وَإِتْيَانُ أَكْثَرِهِ وَالزَّمَانُ وَيَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَهُ، وَالْمَكَانُ وَهُوَ حَوْلَ الْبَيْتِ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَكَوْنُهُ بِنَفْسِهِ وَلَوْ مَحْمُولًا فَلَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ إلَّا لِمُغْمًى عَلَيْهِ وَوَاجِبَاتُهُ الْمَشْيُ لِلْقَادِرِ وَالتَّيَامُنُ وَإِتْمَامُ السَّبْعَةِ وَالطَّهَارَةُ عَنْ الْحَدَثِ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَفِعْلُهُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، وَأَمَّا التَّرْتِيبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ فَسُنَّةٌ وَلَا مُفْسِدَ لِلطَّوَافِ وَلَا فَوَاتَ قَبْلَ الْمَمَاتِ وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ الْبَدَلُ إلَّا إذَا مَاتَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَأَوْصَى بِإِتْمَامِ الْحَجِّ تَجِبُ الْبَدَنَةُ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَجَازَ حَجُّهُ. اهـ. لُبَابٌ. أَيْ صَحَّ وَكَمُلَ لَكِنْ فِي مَنَاسِكِ الطَّرَابُلْسِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ مَاتَ بَعْدَ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ وَأَوْصَى بِإِتْمَامِ الْحَجِّ يُذْبَحُ عَنْهُ بَدَنَةٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ وَالرَّمْيِ وَالزِّيَارَةِ وَالصَّدْرِ وَجَازَ حَجُّهُ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا مَاتَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْوُقُوفِ تَجْبُرُ عَنْ بَقِيَّةِ أَعْمَالِهِ الْبَدَنَةُ فَلَا يُنَافِي مَا فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ تَجِبُ الْبَدَنَةُ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ إذَا فَعَلَ بَقِيَّةَ الْأَعْمَالِ إلَّا الطَّوَافَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي قَاضِي خَانْ وَالسِّرَاجِيَّةِ أَنَّ الْحَاجَّ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا مَاتَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ جَازَ عَنْ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى رُكْنَ الْحَجِّ أَيْ رُكْنَهُ الْأَعْظَمَ الَّذِي لَا يَفُوتُ إلَّا بِفَوْتِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنْ وُجُوبِ الْبَدَنَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ حِينَئِذٍ اهـ. شَارِحُ لُبَابٍ (قَوْلُهُ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الطَّوَافِ رَجَعَ إلَى مِنًى فَيُصَلِّي الظُّهْرَ بِهَا وَقَالَ شَارِحُهُ أَيْ بِمِنًى أَوْ بِمَكَّةَ عَلَى خِلَافٍ فِيهَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ وَالثَّانِي أَظْهَرُ نَقْلًا وَعَقْلًا أَمَّا النَّقْلُ فَلِمَا وَرَدَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ، وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلِأَنَّهُ ﵇ لَا شَكَّ أَنَّهُ أَسْفَرَ جِدًّا بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ثُمَّ أَتَى مِنًى فِي الضَّحْوَةِ فَنَحَرَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ بُدُنَهُ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً وَعَلِيٌّ ﵁ أَكْمَلَ الْمِائَةَ ثُمَّ قُطِعَتْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ قِطْعَةٌ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ حَلَقَ فَأَتَى مَكَّةَ وَطَافَ وَسَعَى فَلَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ حِينَئِذٍ، وَالصَّلَاةُ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ فَلَا وَجْهَ لِعُدُولِهِ إلَى مِنًى ثُمَّ لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الْجَمَاعَةِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ بِانْفِرَادِهِ أَنَّهُ ﵇ صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ وَهْمٌ، وَإِذَا تَعَارَضَا وَلَا بُدَّ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي أَحَدِ الْمَكَانَيْنِ فَفِي مَكَّةَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْلَى لِثُبُوتِ مُضَاعَفَةِ الْفَرَائِضِ فِيهِ وَلَوْ تَجَشَّمْنَا الْجَمْعَ حَمَلْنَا فِعْلَهُ بِمِنًى عَلَى الْإِعَادَةِ بِسَبَبٍ اطَّلَعَ عَلَيْهِ مُوجِبُ نُقْصَانِ الْمُؤَدَّى أَوَ لَا اهـ. (قَوْلُهُ وَأَفَادَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي تَقْدِيمِ الرَّمَلِ وَالسَّعْيِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدَّمَ عَنْ التُّحْفَةِ أَفْضَلِيَّةَ التَّأْخِيرِ، وَأَقُولُ: فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْهُمَا فِي هَذَيْنِ الطَّوَافَيْنِ فَعَلَهُمَا فِي طَوَافِ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ كَمَا

стр. 777

السَّابِقِ لَا بِالطَّوَافِ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ هُوَ الْمُحَلِّلُ دُونَ الطَّوَافِ غَيْرَ أَنَّهُ آخِرُ عَمَلِهِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ إلَى مَا بَعْدَ الطَّوَافِ فَإِذَا طَافَ عَمِلَ الْحَلْقَ عَمَلَهُ كَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ آخِرُ عَمَلِهِ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِحَاجَتِهِ إلَى الِاسْتِرْدَادِ فَإِذَا انْقَضَتْ عَمَلَ الطَّلَاقُ عَمَلَهُ فَبَانَتْ بِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْلِقْ حَتَّى طَافَ بِالْبَيْتِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ شَيْءٌ حَتَّى يَحْلِقَ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ، وَهَكَذَا صَرَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِحْرَامِ إلَّا بِالْحَلْقِ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْحَلْقَ أَصْلًا وَقَلَّمَ ظُفْرَهُ أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ قَاصِدًا التَّحَلُّلَ مِنْ الْإِحْرَامِ كَانَ ذَلِكَ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْجَزَاءِ، وَحِلُّ النِّسَاءِ مَوْقُوفٌ عَلَى الرُّكْنِ مِنْهَا وَهِيَ أَرْبَعَةٌ فَقَطْ. (قَوْلُهُ وَكُرِهَ تَأْخِيرُهُ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ) أَيْ تَأْخِيرُ الطَّوَافِ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَهُوَ أَدَاؤُهُ فِيهَا. وَأَشَارَ بِهِ إلَى رَدِّ مَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ مِنْ أَنَّ آخِرَهُ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَلَوْ قَالَ وَكُرِهَ تَأْخِيرُهُمَا عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ لَكَانَ أَوْلَى لِيُفِيدَ حُكْمَ الْحَلْقِ كَالطَّوَافِ وَمَحِلُّ الْكَرَاهَةِ وَلُزُومُ الدَّمِ بِالتَّأْخِيرِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْإِمْكَانِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ الْحَائِضَ إذَا طَهُرَتْ فِي آخِرِ أَيَّامِ النَّحْرِ فَإِنْ أَمْكَنَهَا الطَّوَافُ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَلَمْ تَفْعَلْ فَعَلَيْهَا دَمٌ لِلتَّأْخِيرِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا طَوَافُ أَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ فَلَا شَيْء عَلَيْهَا وَلَوْ حَاضَتْ بَعْدَمَا قَدَرَتْ عَلَى الطَّوَافِ فَلَمْ تَطُفْ حَتَّى مَضَى الْوَقْتُ لَزِمَهَا الدَّمُ؛ لِأَنَّهَا مُقَصِّرَةٌ بِتَفْرِيطِهَا وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَيَالِي أَيَّامِ النَّحْرِ مِنْهَا. (قَوْلُهُ ثُمَّ إلَى مِنًى فَارْمِ الْجِمَارَ الثَّلَاثَ فِي ثَانِي النَّحْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ بَادِئًا بِمَا يَلِي الْمَسْجِدَ ثُمَّ بِمَا يَلِيهَا ثُمَّ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَقِفْ عِنْدَ كُلِّ رَمْيٍ بَعْدَهُ رَمْيٌ ثُمَّ غَدًا كَذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَهُ كَذَلِكَ إنْ مَكَثْتَ) أَيْ ثُمَّ رُحْ إلَى مِنًى فَارْمِ الْجِمَارَ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَيْتُوتَةَ بِمِنًى؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الرَّمْيُ لَكِنْ هِيَ سُنَّةٌ حَتَّى قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَلَا يَبِيتُ بِمَكَّةَ وَلَا بِالطَّرِيقِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَبِيتَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ مِنًى. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ إلَى أَوَّلِ وَقْتِهِ فِي ثَانِي النَّحْرِ وَثَالِثِهِ حَتَّى لَوْ رَمَى قَبْلَ الزَّوَالِ لَا يَجُوزُ، وَلَمْ يَذْكُرْ آخِرَهُ وَهُوَ مُمْتَدٌّ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ الْغَدِ فَلَوْ رَمَى لَيْلًا صَحَّ وَكُرِهَ كَذَا فِي الْمُحِيطِ فَظَهَرَ أَنَّ لَهُ وَقْتَيْنِ وَقْتًا لِصِحَّةٍ وَوَقْتًا لِكَرَاهَةٍ بِخِلَافِ الرَّمْيِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَوْقَاتٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَمَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْيَوْمَ الثَّانِيَ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَالْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ لَهُ أَنْ يَرْمِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ قَبْلَ الزَّوَالِ لِمَنْ لَا يُرِيدُ النَّفْرَ فَمَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ فِي الْيَوْمَيْنِ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ مُطْلَقًا وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ أَخَّرَ رَمْيَ الْجِمَارِ كُلِّهَا إلَى الْيَوْمِ الرَّابِعِ رَمَاهَا عَلَى التَّأْلِيفِ؛ لِأَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ كُلَّهَا وَقْتُ رَمْيٍ فَيَقْضِي مُرَتَّبًا كَالْمَسْنُونِ وَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَاتِ اجْتَمَعَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ تَرَكَهَا حَتَّى غَابَتْ ــ [منحة الخالق] سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي الْجِنَايَاتِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الرَّمَلَ بَعْدَ كُلِّ طَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ فَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِمَا فِي الصَّدْرِ لَوْ لَمْ يُقَدِّمْهُمَا، وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَإِنْ عُلِمَ مِنْ إطْلَاقِهِمْ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الرُّكْنِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَشْوَاطِ. (قَوْلُهُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَيَالِي أَيَّامِ النَّحْرِ مِنْهَا) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ. (قَوْلُهُ وَهُوَ مُمْتَدٌّ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ الْغَدِ) ذَكَرَ مِثْلَهُ فِي الْبَحْرِ الْعَمِيقِ وَمَنْسَكِ الْفَارِسِيِّ وَالطَّرَابُلُسِيّ، وَيُخَالِفُهُ مَا فِي لُبَابِ الْمَنَاسِكِ وَشَرْحِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ فَاتَ وَقْتُ الْأَدَاءِ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا وَبَقِيَ وَقْتُ الْقَضَاءِ اتِّفَاقًا فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ آخِرَ الرَّمْيِ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ الْمُرْشِدِيُّ وَمِثْلُهُ فِي مَنْسَكِ الْعَفِيفِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ صَاحِبِ الْبَدَائِعِ فَإِنْ أَخَّرَ الرَّمْيَ فِيهِمَا إلَى اللَّيْلِ فَرَمَى قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ جَازَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ وَقْتُ الرَّمْيِ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ اهـ. وَقَوْلُ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَالْمَكْرُوهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَكَذَا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَا بَيْنَ هَذِهِ الْأَيَّامِ كُلِّهَا مِنْ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ اهـ. وَقَوْلُ الْحَدَّادِيِّ فِي الْجَوْهَرَةِ فَإِنْ رَمَى بِاللَّيْلِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ جَازَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ اهـ. وَكَأَنَّ فِيهِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْمَنْسَكِ الْأَوْسَطِ لِلْمُنْلَا سِنَانٍ الرُّومِيِّ حِكَايَةَ الْخِلَافِ حَيْثُ قَالَ وَقَالَ أَصْحَابُنَا إنَّ وَقْتَ أَدَاءِ رَمْيِ الْجِمَارِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ الْغَدِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ الْغَدِ اهـ. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَنْ حَاشِيَةِ شَيْخِهِ. (قَوْلُهُ فَظَهَرَ أَنَّ لَهُ وَقْتَيْنِ إلَخْ) فَوَقْتُ الصِّحَّةِ مِنْ الزَّوَالِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَوَقْتُ الْكَرَاهَةِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِهَا، وَهَذَا كُلُّهُ وَقْتُ الْأَدَاءِ فِي الْيَوْمَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ قَالَ فِي اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ وَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَيْ صُبْحُ الرَّابِعِ فَقَدْ فَاتَ وَقْتُ الْأَدَاءِ أَيْ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا، وَبَقِيَ وَقْتُ الْقَضَاءِ أَيْ اتِّفَاقًا إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلَوْ أَخَّرَهُ أَيْ الرَّمْيَ عَنْ وَقْتِهِ أَيْ الْمُعَيَّنِ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْجَزَاءُ وَهُوَ لُزُومُ الدَّمِ، وَيَفُوتُ وَقْتُ الْقَضَاءِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ الرَّابِعِ اهـ. وَسَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ قَرِيبًا

стр. 778

الشَّمْسُ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَسْقُطُ الرَّمْيُ لِانْقِضَاءِ وَقْتِهِ وَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ اتِّفَاقًا اهـ. فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ لِلرَّمْيِ وَقْتَ أَدَاءً وَوَقْتَ قَضَاءٍ، وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ بَادِئًا إلَى آخِرِهِ إلَى التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ فِعْلِهِ ﵇ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ فَإِنْ غَيَّرَ هَذَا التَّرْتِيبَ فَبَدَأَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَرَمَاهَا ثُمَّ بِالْوُسْطَى ثُمَّ بِاَلَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ بِمِنًى وَهُوَ بَعْدُ فِي يَوْمِهِ أَعَادَ الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى وَجَمْرَةَ الْعَقَبَةِ لِيَأْتِيَ بِهَا مُرَتَّبًا مَسْنُونًا وَعَلَّلَ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ التَّرْتِيبَ مَسْنُونٌ قَالَ وَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ رَمْيَ كُلِّ جَمْرَةٍ قُرْبَةٌ تَامَّةً بِنَفْسِهَا وَلَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ لِلْبَعْضِ فَلَا يَتَعَلَّقُ جَوَازُهَا بِتَقْدِيمِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ كَالطَّوَافِ قَبْلَ الرَّمْيِ يَقَعُ مُعْتَدًّا بِهِ وَإِذَا كَانَ مَسْنُونًا فَإِنْ رَمَى كُلَّ جَمْرَةٍ بِثَلَاثٍ أَتَمَّ الْأُولَى بِأَرْبَعٍ ثُمَّ أَعَادَ الْوُسْطَى بِسَبْعٍ ثُمَّ الْعَقَبَةَ بِسَبْعٍ؛ لِأَنَّهُ رَمَى مِنْ الْأُولَى أَقَلَّهَا، وَالْأَقَلُّ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ فَكَأَنَّهُ أَتَى بِهِمَا قَبْلَ الْأُولَى أَصْلًا فَيُعِيدُهُمَا فَإِنْ رَمَى كُلَّ وَاحِدَةٍ بِأَرْبَعٍ أَتَمَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْأَكْثَرِ مِنْ الْأُولَى وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ فَكَأَنَّهُ رَمَى الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ بَعْدَ الْأُولَى، وَإِنْ اسْتَقْبَلَ رَمْيَهَا كَانَ أَفْضَلَ لِيَكُونَ إتْيَانُهُ لَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ رَمَى الْجِمَارَ الثَّلَاثَ فَإِذَا فِي يَدِهِ أَرْبَعُ حَصَيَاتٍ لَا يَدْرِي مِنْ أَيَّتِهِنَّ هِيَ يَرْمِيهِنَّ عَنْ الْأُولَى، وَيَسْتَقْبِلُ الْجَمْرَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا مِنْ الْأُولَى فَلَمْ يَجُزْ رَمْيُ الْأُخْرَيَيْنِ، وَلَوْ كُنَّ ثَلَاثًا أَعَادَ عَلَى كُلِّ جَمْرَةٍ وَاحِدَةً وَلَوْ كَانَتْ حَصَاةً أَوْ حَصَاتَيْنِ أَعَادَ كُلَّ وَاحِدَةٍ وَيُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ رَمَى كُلَّ وَاحِدَةٍ بِأَكْثَرِهَا فَوَقَعَ مُعْتَدًّا بِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ مَسْنُونًا اهـ مَا فِي الْمُحِيطِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْخِلَافِ وَفِي اخْتِيَارِ السُّنِّيَّةِ وَاعْتَمَدَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ، وَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ فِي الرَّمْيِ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ إنْ مَكَثْتَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ بَيْن النَّفْرِ وَالْإِقَامَةِ لِلرَّمْيِ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، وَالْإِقَامَةُ أَفْضَلُ اتِّبَاعًا لِفِعْلِهِ ﵇ كَذَلِكَ وَأَنَّ الْإِقَامَةَ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ الرَّابِعِ مُوجِبَةٌ لِلرَّمْيِ فِيهِ وَبِإِطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكِّيِّ وَالْآفَاقِيِّ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] وَهُوَ كَالْمُسَافِرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ، وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَقِفْ عِنْدَ كُلِّ رَمْيٍ بَعْدَهُ رَمْيٌ فِي بَحْثِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَرَاجِعْهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ وَيُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَيَدْعُوَ اللَّهَ بِحَاجَتِهِ وَيَجْعَلَ بَاطِنَ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ فِي رَفْعِ يَدِهِ، وَأَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأَبَوَيْهِ وَأَقَارِبِهِ وَمَعَارِفِهِ لِلْحَدِيثِ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْحَاجِّ وَلِمَنْ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ» وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا لَا يَسْتَطِيعُ الرَّمْيَ يُوضَعُ فِي يَدِهِ وَيُرْمَى بِهَا أَوْ يَرْمِي عَنْهُ غَيْرُهُ، وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَلَوْ رَمَى بِحَصَاتَيْنِ إحْدَاهُمَا لِنَفْسِهِ وَالْأُخْرَى لِلْآخَرِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ فَظَهَرَ بِهَذَا إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ وَبِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ أَيْ الرَّابِعِ يَفُوتُ وَقْتُ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ، وَلَوْ لَمْ يَرْمِ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ رَمَاهُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ أَيْ الْآتِيَةِ لِكُلٍّ مِنْ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى الْإِسَاءَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِعُذْرٍ، وَلَوْ رَمَى لَيْلَةَ الْحَادِيَ عَشَرَ عَنْ غَدِهَا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ اللَّيَالِيَ فِي الْحَجِّ فِي حُكْمِ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ لَا الْمُسْتَقْبَلَةِ أَيْ فَيَجُوزُ رَمْيُ يَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ لَيْلَةَ الثَّالِثَةِ، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا رَمْيُ يَوْمِ الثَّالِثِ وَلَوْ لَمْ يَرْمِ فِي اللَّيْلِ رَمَاهُ فِي النَّهَارِ قَضَاءً وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَوْ أَخَّرَ رَمْيَ الْأَيَّامِ كُلِّهَا إلَى الرَّابِعِ مَثَلًا قَضَاهَا كُلَّهَا فِيهِ وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَقْضِ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ مِنْهُ أَيْ مِنْ الرَّابِعِ فَاتَ وَقْتُ الْقَضَاءِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةُ أَيْ لَيْلَةُ الرَّابِعَ عَشَرَ تَابِعَةً لِمَا قَبْلَهَا لِيَبْقَى وَقْتُ الرَّمْيِ فِيهَا بِخِلَافِ اللَّيَالِي الَّتِي قَبْلَهَا اهـ. مُوَضَّحًا مِنْ شَرْحِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ فِي غَيْرِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ يَرْمِي فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي تَلِي ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي أَخَّرَ رَمْيَهُ وَكَانَ أَدَاءً؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ سِوَى الْإِسَاءَةِ لِتَرْكِهِ السُّنَّةَ وَإِنْ أَخَّرَهُ إلَى الْيَوْمِ الثَّانِي كَانَ قَضَاءً، وَلَزِمَهُ دَمٌ وَكَذَا لَوْ أَخَّرَ الْكُلَّ إلَى الرَّابِعِ فَإِذَا غَرَبَتْ شَمْسُ الرَّابِعِ وَلَمْ يَرْمِ سَقَطَ الرَّمْيُ وَلَزِمَهُ دَمٌ (قَوْلُهُ فَلَمْ يَجُزْ رَمْيُ الْأُخْرَيَيْنِ) أَيْ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ، وَهَذَا مُقَابِلٌ لِلْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِيَكُونَ إتْيَانُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ، وَلِذَا عَبَّرَ بِقَوْلِهِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ قَوْلٌ آخَرُ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ وَفِي اخْتِيَارِ السُّنَّةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا سَهْوٌ بَلْ فِي اخْتِيَارِ التَّعْيِينِ نَعَمْ قَالَ فِي الْفَتْحِ الَّذِي يَقَعُ عِنْدِي اسْتِنَانُ التَّرْتِيبِ لَا تَعْيِينُهُ بِخِلَافِ تَعْيِينِ الْأَيَّامِ وَالْفَرْقُ وَلَا يَخْفَى عَلَى مُحَصِّلٍ اهـ. أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ فَإِنَّ صَرِيحَ كَلَامِ الْمُحِيطِ اخْتِيَارُ السُّنِّيَّةِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ وَإِذَا كَانَ مَسْنُونًا إلَخْ وَقَرَّرَ كَلَامَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ نَقَلَ التَّعْيِينَ بِقَوْلِهِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ، وَهَذَا الْعِنْوَانُ كَالصَّرِيحِ فِي اخْتِيَارِ السُّنِّيَّةِ فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ اخْتِيَارُ التَّعْيِينِ وَفِي اللُّبَابِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ قَالَ شَارِحُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ وَالْكَرْمَانِيُّ وَالْمُحِيطِ وَفَتَاوَى السِّرَاجِيَّةِ. (قَوْلُهُ لِمَنْ اتَّقَى) قَالَ فِي النَّهْرِ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ عَلَى اعْتِبَارِ حَاصِلِ الْمَعْنَى أَيْ هَذَا التَّخْيِيرِ، وَنَفْي الْإِثْمِ عَنْهُمَا لِلْمُتَّقِي لِئَلَّا يَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّ أَحَدَهُمَا يُوجِبُ إثْمًا فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَيَجْعَلُ بَاطِنَ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَجْعَلُ بَاطِنَ كَفَّيْهِ نَحْوَ الْكَعْبَةِ كَمَا فِي السِّرَاجِ، وَقَالَ الثَّانِي يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَدْعِيَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ اهـ. قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ

стр. 779

جَازَ، وَيُكْرَهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ الْجَمَاعَةَ مَعَ الْإِمَامِ بِمَسْجِدِ الْخَيْفِ وَيُكْثِرَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ أَمَامَ الْمَنَارَةِ عِنْدَ الْأَحْجَارِ اهـ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ تَرَكَتْ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ لِأَجْلِ الزِّحَامِ لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ فَيَنْبَغِي أَنَّهَا لَوْ تَرَكَتْ الرَّمْيَ لَهُ لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ وَلَوْ رَمَيْتَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ قَبْلَ الزَّوَالِ صَحَّ) يَعْنِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اقْتِدَاءً بِابْنِ عَبَّاسٍ وَقِيَاسًا عَلَى التَّرْكِ وَقَالَا لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْأَيَّامِ قَيَّدَ بِالرَّابِعِ احْتِرَازًا عَنْ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الزَّوَالِ اتِّفَاقًا لِوُجُوبِ اتِّبَاعِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ ﵇ لِعَدَمِ الْمَعْقُولِ فَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ تَخْفِيفٍ فِيهَا بِتَجْوِيزِ التَّرْكِ بِالتَّقْدِيمِ وَفِي الْمُحِيطِ، وَأَمَّا وَقْتُ الرَّمْيِ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَّا أَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَقْتٌ مَكْرُوهٌ وَمَا بَعْدَهُ مَسْنُونٌ اهـ. فَعُلِمَ أَنَّهُ قَبْلَ الزَّوَالِ صَحِيحٌ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُ. (قَوْلُهُ وَكُلُّ رَمْيٍ بَعْدَهُ رَمْيٌ فَارْمِهِ مَاشِيًا وَإِلَّا فَرَاكِبًا) بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ وَاخْتِيَارٌ لِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ عَلَى مَا حَكَاهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْجَرَّاحِ قَالَ: دَخَلْت عَلَى أَبِي يُوسُفَ فَوَجَدْته مُغْمَى عَلَيْهِ فَفَتَحَ عَيْنَهُ فَرَآنِي فَقَالَ يَا إبْرَاهِيمُ أَيُّمَا أَفْضَلُ لِلْحَاجِّ أَنْ يَرْمِيَ رَاجِلًا أَوْ رَاكِبًا فَقُلْت رَاجِلًا فَخَطَّأَنِي ثُمَّ قُلْت رَاكِبًا فَخَطَّأَنِي ثُمَّ قَالَ مَا كَانَ يُوقَفُ عِنْدَهَا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَرْمِيَهَا رَاجِلًا وَمَا لَا يُوقَفُ عِنْدَهَا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَرْمِيَهَا رَاكِبًا قَالَ فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَمَا بَلَغْتُ الْبَابَ حَتَّى سَمِعْتُ صُرَاخَ النِّسَاءِ أَنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنْ مُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ لَاشْتَغَلَ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ حَالَةُ النَّدَامَةِ وَالْحَسْرَةِ اهـ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَعَلَى مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَنَّ الرَّمْيَ كُلَّهُ رَاكِبًا أَفْضَلُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعَلَى مَا فِي فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ الرَّمْيَ كُلَّهُ مَاشِيًا أَفْضَلُ فَإِنْ رَكِبَ إلَيْهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ يَعْنِي عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ حَكَى قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ بَعْدَهُ فَتَحَصَّلَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ لِأَنَّ أَدَاءَهَا مَاشِيًا أَقْرَبُ إلَى التَّوَاضُعِ وَالْخُشُوعِ وَخُصُوصًا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَإِنَّ عَامَّةَ الْمُسْلِمِينَ مُشَاةٌ فِي جَمِيعِ الرَّمْيِ فَلَا يُؤْمَنُ مِنْ الْأَذَى بِالرُّكُوبِ بَيْنَهُمْ بِالزَّحْمَةِ وَرَمْيُهُ ﵇ رَاكِبًا إنَّمَا هُوَ لِيُظْهِرَ فِعْلَهُ لِيُقْتَدَى بِهِ كَطَوَافِهِ رَاكِبًا اهـ. وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّهُ مَاشِيًا أَفْضَلُ إلَّا فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ فَهُوَ رَاكِبًا أَفْضَلُ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ ذَاهِبٌ إلَى مَكَّةَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ، وَغَالِبُ النَّاسِ رَاكِبٌ فَلَا إيذَاءَ فِي رُكُوبِهِ مَعَ تَحْصِيلِ فَضِيلَةِ الِاتِّبَاعِ لَهُ ﷺ . (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ أَنْ تُقَدِّمَ ثَقَلَك إلَى مَكَّةَ وَتُقِيمَ بِمِنًى لِلرَّمْيِ) لِأَثَرِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ مَنْ قَدَّمَ ثَقَلَهُ قَبْلَ النَّفْرِ فَلَا حَجَّ لَهُ وَأَرَادَ نَفْيَ الْكَمَالِ، وَلِأَنَّهُ يُوجِبُ شَغْلَ قَلْبِهِ وَهُوَ فِي الْعِبَادَةِ فَيُكْرَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ وَالثَّقَلُ مَتَاعُ الْمُسَافِرِ وَحَشَمُهُ وَهُوَ بِفَتْحَتَيْنِ وَجَمْعُهُ أَثْقَالٌ. وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَرْكُ أَمْتِعَتِهِ بِمَكَّةَ وَالذَّهَابُ إلَى عَرَفَاتٍ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا الْعِبَادَةُ الْمَقْصُودَةُ بِخِلَافِ الرَّمْيِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحِلُّ الْكَرَاهَةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَمْنِ عَلَيْهَا بِمَكَّةَ أَمَّا إنْ أَمِنَ فَلَا لِعَدَمِ شَغْلِ الْقَلْبِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ إلَى الْمُحَصَّبِ) أَيْ ثُمَّ رُحْ إلَيْهِ وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ الْأَبْطَحُ مَوْضِعٌ ذَاتُ حَصًى بَيْنَ مِنًى وَمَكَّةَ، وَلَيْسَتْ الْمَقْبَرَةُ مِنْهُ وَكَانَتْ الْكُفَّارُ اجْتَمَعُوا فِيهِ وَتَحَالَفُوا عَلَى إضْرَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ ﵇ فِيهِ إرَاءَةً لَهُمْ لَطِيفَ صُنْعِ اللَّهِ بِهِ وَتَكْرِيمَهُ بِنُصْرَتِهِ فَصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً كَالرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ، وَعِبَارَةُ الْمَجْمَعِ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ ثُمَّ يَنْزِلُ بِالْمُحَصَّبِ فَإِنَّ الرَّوَاحَ إلَيْهِ لَا يَسْتَلْزِمُ النُّزُولَ فِيهِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَيَنْزِلُ بِالْمُحَصَّبِ سَاعَةً وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَيَهْجَعُ هَجْعَةً ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ اهـ. فَحَاصِلُهُ أَنَّ النُّزُولَ بِهِ سَاعَةً مُحَصِّلٌ لِأَصْلِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا الْكَمَالُ فَمَا ذَكَرَهُ الْكَمَالُ. (قَوْلُهُ فَطُفْ لِلصَّدْرِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ وَهُوَ وَاجِبٌ إلَّا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ) وَلَهُ خَمْسَةُ أَسَامٍ مَا فِي الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يَصْدُرُ عَنْهُ أَيْ ــ [منحة الخالق] وَاخْتَارَهُ قَاضِي خَانْ وَغَيْرُهُ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ. (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ) نَظَرَ فِيهِ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يَمْنَعُ مِنْهُ وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ قَالَ وَهَذَا يُؤْذِنُ بِأَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ إذْ لَا يُؤَدَّبُ عَلَى التَّنْزِيهِيَّةِ اهـ. قَالَ شَيْخُنَا فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يُؤَدِّبُ عَلَى تَرْكِ خِلَافِ الْأَوْلَى هَذَا وَفِي السِّرَاجِ وَكَذَا يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا مِنْ حَوَائِجِهِ خَلْفَهُ، وَيُصَلِّي مِثْلَ النَّعْلِ وَشِبْهِهِ؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُ خَاطَرَهُ فَلَا يَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا. (قَوْلُهُ بَيْنَ مِنًى وَمَكَّةَ) وَحْدَهُ مَا بَيْنَ الْجَبَلِ الَّذِي عِنْدَ مَقَابِرِ مَكَّةَ وَالْجَبَلِ الَّذِي يُقَابِلُهُ مُصْعِدًا فِي الشِّقِّ الْأَيْسَرِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إلَى مِنًى مُرْتَفِعًا عَنْ بَطْنِ الْوَادِي كَذَا فِي اللُّبَابِ (قَوْلُهُ فَإِنَّ الرَّوَاحَ إلَيْهِ لَا يَسْتَلْزِمُ النُّزُولَ فِيهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ فِي هَذَا

стр. 780

يَرْجِعُ وَالصَّدْرُ الرُّجُوعُ وَطَوَافُ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُوَدِّعُ الْبَيْتَ بِهِ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ لِأَجْلِهِ يُفِيضُ إلَى الْبَيْتِ مِنْ مِنًى وَطَوَافُ آخِرِ عَهْدٍ بِالْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا طَوَافَ بَعْدَهُ وَطَوَافُ الْوَاجِبِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالصَّدْرِ الَّذِي هُوَ الرُّجُوعُ فَعِنْدَنَا هُوَ الرُّجُوعُ عَنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ الرُّجُوعُ إلَى أَهْلِهِ وَيُبْتَنَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ طَافَ لِلصَّدْرِ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ لِشُغْلٍ لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ وَهُوَ إمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الصَّدْرَ سَبَبٌ أَوْ شَرْطٌ وَكُلٌّ مِنْهُمَا سَابِقٌ عَلَى الْحُكْمِ وَهُوَ بِمَا قُلْنَا وَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْحُكْمِ وَالْفَرَاغُ عَنْ الْأَفْعَالِ يُسَمَّى صُدُورًا وَرُجُوعًا عَنْهَا إلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَتْ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَقْتَهُ وَلَهُ وَقْتَانِ وَقْتُ الْجَوَازِ وَوَقْتُ الِاسْتِحْبَابِ، فَالْأَوَّلُ أَوَّلُهُ بَعْدَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ إذَا كَانَ عَلَى عَزْمِ السَّفَرِ حَتَّى لَوْ طَافَ كَذَلِكَ ثُمَّ أَطَالَ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ وَلَوْ سَنَةً وَلَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ بِهَا، وَلَمْ يَتَّخِذْهَا دَارًا جَازَ طَوَافُهُ وَأَمَّا آخِرُهُ فَلَيْسَ بِمُوَقَّتٍ مَا دَامَ مُقِيمًا حَتَّى لَوْ أَقَامَ عَامًا لَا يَنْوِي الْإِقَامَةَ فَلَهُ أَنْ يَطُوفَ وَيَقَعُ أَدَاءً، وَالثَّانِي أَنْ يُوقِعَهُ عِنْدَ إرَادَةِ السَّفَرِ حَتَّى رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَوْ طَافَهُ ثُمَّ أَقَامَ إلَى الْعِشَاءِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَطُوفَ طَوَافًا آخَرَ لِيَكُونَ تَوْدِيعُ الْبَيْتِ آخِرَ مَوْرِدِهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُصَنِّفُ لَهُ نِيَّةً مُعَيَّنَةً فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ طَافَ بَعْدَمَا أَحَلَّ النَّفْرَ وَنَوَى التَّطَوُّعَ أَجْزَأَهُ عَنْ الصَّدْرِ كَمَا لَوْ طَافَ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَقَعَ عَنْ الْفَرْضِ، وَأَفَادَ بِبَيَانِ صِفَتِهِ أَنَّهُ لَوْ نَفَرَ وَلَمْ يَطُفْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ فَيَطُوفَهُ، لَكِنْ قَالُوا مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْمَوَاقِيتَ فَإِنْ جَاوَزَهَا لَمْ يَجِبْ الرُّجُوعُ عَيْنًا بَلْ إمَّا أَنْ يَمْضِيَ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ فَيَرْجِعَ بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْمِيقَاتَ لَا يُجَاوَزُ بِلَا إحْرَامٍ فَيُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ فَإِذَا رَجَعَ ابْتَدَأَ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ ثُمَّ يَطُوفُ لِلصَّدْرِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِتَأْخِيرِهِ، وَقَالُوا الْأَوْلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ وَيُرِيقَ دَمًا؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ وَأَيْسَرُ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ ضَرَرِ الْتِزَامِ الْإِحْرَامِ وَمَشَقَّةِ الطَّرِيقِ وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهِ مِنْ السُّنَّةِ أَحَادِيثُ أَصْرَحُهَا مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَانُوا يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَنْصَرِفَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» ، وَأَرَادَ بِأَهْلِ مَكَّةَ مَنْ اتَّخَذَ مَكَّةَ أَوْ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ دَارًا فَلَا طَوَافَ صَدْرٍ عَلَى مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ وَكَذَا الْآفَاقِيُّ الَّذِي اتَّخَذَ مَكَّةَ دَارًا ثُمَّ بَدَا لَهُ الْخُرُوجُ وَقَيَّدَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ النَّفْرَ الْأَوَّلَ، وَأَمَّا إنْ نَوَاهُ بَعْدَهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. اهـ. وَالظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ وَحَكَى الْخِلَافَ فِي الْمَجْمَعِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْرِ الْأَوَّلِ الرُّجُوعُ إلَى مَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ وَكَذَا لَا طَوَافَ صَدْرٍ عَلَى مَكِّيٍّ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهَا وَقَيَّدَ بِالْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمِرَ لَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ الصَّدْرِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ أَدْرَكَ الْحَجَّ فَإِنَّ فَائِتَ الْحَجِّ لَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ مُسْتَحِقٌّ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ كَالْمُعْتَمِرِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا سَعْيَ عَلَيْهِ وَلَا رَمْيَ فِي هَذَا الطَّوَافِ لِعَدَمِ ذِكْرِهِمَا، وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ مَعَ أَهْلِ مَكَّةَ فِي سُقُوطِهِ عَنْهُمْ لِمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَلِمَا عُلِمَ أَنَّ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ، وَقَدْ صَرَّحَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ بِسُقُوطِ طَوَافِ الصَّدْرِ بِالْعُذْرِ وَالْحَيْضِ، وَالنِّفَاسُ عُذْرٌ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ لَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ يَلْزَمُهَا طَوَافُ الصَّدْرِ، وَإِنْ جَاوَزَتْ بُيُوتَ مَكَّةَ مَسِيرَةَ سَفَرٍ وَطَهُرَتْ فَلَيْسَ عَلَيْهَا الْعَوْدُ، وَكَذَا لَوْ انْقَطَعَ دَمُهَا فَلَمْ تَغْتَسِلْ وَلَمْ يَذْهَبْ وَقْتُ الصَّلَاةِ حَتَّى لَوْ خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَلْزَمْهَا الْعَوْدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا أَحْكَامُ الطَّاهِرَاتِ وَقْتَ الطَّوَافِ، وَإِنْ خَرَجَتْ وَهِيَ حَائِضٌ ثُمَّ اغْتَسَلَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ تُجَاوِزَ الْمَوَاقِيتَ فَعَلَيْهَا الطَّوَافُ وَإِنْ ــ [منحة الخالق] الْبَابِ اسْتَعْمَلَ الرَّوَاحَ إلَى الشَّيْءِ بِمَعْنَى النُّزُولِ فِيهِ وَمِنْهُ ثُمَّ رُحْ إلَى مِنًى ثُمَّ إلَى عَرَفَاتٍ اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ. (قَوْلُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ) فِيهِ بَيَانٌ لِمَأْخَذِ التَّقْيِيدِ مِنْ كَلَامِهِ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُعْتَمِرَ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِلتَّقْيِيدِ وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُ هَذَا بِعَيْنِهِ مِنْ الْمُؤَلِّفِ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَاقْطَعْ التَّلْبِيَةَ بِأَوَّلِهَا فَقَالَ وَقَيَّدَ بِالْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ مُدْرِكًا لِلْحَجِّ وَمَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ تَغْيِيرِ قَيَّدَ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ هُنَا إلَى لَمْ يُقَيِّدْ تَحْرِيفٌ نَاشِئٌ عَنْ عَدَمِ الْفَهْمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ النُّسْخَةُ كَذَلِكَ لَتَنَاقَضَ مَعَ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمِرَ إلَخْ وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ إلَخْ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّقْيِيدِ يُفِيدُ بِسَبَبِ إطْلَاقِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُعْتَمِرِ وَفَائِتِ الْحَجِّ طَوَافُ الصَّدْرِ لَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ، وَأَمَّا عِبَارَةُ النَّهْرِ حَيْثُ قَالَ وَلَمْ يُقَيِّدْ فَيَرُدُّ عَلَيْهَا مَا قُلْنَا وَيَبْقَى تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ ضَائِعًا فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ مَعَ أَهْلِ مَكَّةَ فِي سُقُوطِهِ عَنْهُمْ لِمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَلِمَا عُلِمَ أَنَّ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بَعْدَ قَوْلِهِ فِي سُقُوطِهِ عَنْهُمْ لِمَا عُلِمَ فِي وَاجِبَاتِ الْحَجِّ. (قَوْلُهُ وَإِنْ جَاوَزَتْ بُيُوتَ مَكَّةَ مَسِيرَةَ سَفَرٍ) هَذَا الْقَيْدُ غَيْرُ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ وَكَذَا قَوْلُ شَارِح اللُّبَابِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْعُمْرَانِ صَارَتْ مُسَافِرَةً بِدَلِيلِ جَوَازِ الْقَصْرِ فَلَا يَلْزَمُهَا الْعَوْدُ وَلَا الدَّمُ اهـ

стр. 781

جَاوَزَتْ فَلَا تَعُودُ إلَّا بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ وَأَشَارَ بِطَوَافِ الصَّدْرِ إلَى الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ وَعَدَمِ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَجْمَعِ بَعْدَهُ ثُمَّ يَعُودُ إلَى أَهْلِهِ، وَالْمُجَاوَرَةُ بِهَا مَكْرُوهَةٌ يَعْنِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا تُكْرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] وَالْمُجَاوَرَةُ هِيَ الْعُكُوفُ وَلَهُ أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ فِي الْعَادَةِ تُفْضِي إلَى الْإِخْلَالِ بِإِجْلَالِ بَيْتِ اللَّهِ لِكَثْرَةِ الْمُشَاهَدَةِ، وَالْعُكُوفُ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى اللُّبْثِ دُونَ الْمُجَاوَرَةِ، وَقَدْ قَرَّرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِيهَا كَلَامًا حَسَنًا فَرَاجِعْهُ. (قَوْلُهُ ثُمَّ اشْرَبْ مِنْ زَمْزَمَ وَالْتَزِمْ الْمُلْتَزَمَ وَتَشَبَّثْ بِالْأَسْتَارِ وَالْتَصِقْ بِالْجِدَارِ) بَيَانٌ لِلْمُسْتَحَبِّ وَقَدِّمْ الشُّرْبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُخْتَارَ تَقْدِيمُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَاخْتَارَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ تَأْخِيرَهُ عَنْ الْتِزَامِ الْمُلْتَزَمِ وَتَقْبِيلِ الْعَتَبَةِ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَأْتِيَ زَمْزَمَ فَيَسْتَقِي بِنَفْسِهِ الْمَاءَ وَيَشْرَبُهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَيَتَضَلَّعُ مِنْهُ وَيَتَنَفَّسُ مَرَّاتٍ وَيَرْفَعُ بَصَرَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَيَنْظُرُ إلَى الْبَيْتِ وَيَمْسَحُ بِهِ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ وَجَسَدَهُ وَيَصُبُّ عَلَيْهِ إنْ تَيَسَّرَ، وَالْمُلْتَزَمُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَالتَّشَبُّثُ التَّعَلُّقُ وَالْمُرَادُ بِالْأَسْتَارِ أَسْتَارُ الْكَعْبَةِ إنْ كَانَتْ قَرِيبَةً بِحَيْثُ يَنَالُهَا، وَإِلَّا وَضَعَ يَدَيْهِ فَوْقَ رَأْسِهِ مَبْسُوطَتَيْنِ عَلَى الْجِدَارِ قَائِمَتَيْنِ وَيَجْتَهِدُ فِي إخْرَاجِ الدَّمْعِ مِنْ عَيْنِهِ وَلَمْ يَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يَمْشِي الْقَهْقَرَى وَذَكَرَهُ فِي الْمَجْمَعِ لَكِنْ يَفْعَلُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ صَدْمٌ أَوْ وَطْءٌ لِأَحَدٍ وَهُوَ بَاكٍ مُتَحَسِّرٌ عَلَى فِرَاقِ الْبَيْتِ الشَّرِيفِ وَبَصَرُهُ مُلَاحِظٌ لَهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَفِي رِسَالَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ الَّتِي أَرْسَلَهَا إلَى أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ الدُّعَاءَ هُنَاكَ يُسْتَجَابُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فِي الطَّوَافِ وَعِنْدَ الْمُلْتَزَمِ وَتَحْتَ الْمِيزَابِ وَفِي الْبَيْتِ وَعِنْدَ زَمْزَمَ وَخَلْفَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَالْمُجَاوَرَةُ بِهَا مَكْرُوهَةٌ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَبِقَوْلِهِ قَالَ الْخَائِفُونَ الْمُحْتَاطُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ قَالَ وَلَا يُظَنُّ أَنَّ كَرَاهَةَ الْقِيَامِ تُنَاقِضُ فَضْلَ الْبُقْعَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ عِلَّتُهَا ضَعْفُ الْخَلْقِ وَقُصُورُهُمْ عَنْ الْقِيَامِ بِحَقِّ الْمَوْضِعِ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ كَوْنُ الْجِوَارِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ كَذَلِكَ يَعْنِي مَكْرُوهًا عِنْدَهُ فَإِنَّ تَضَاعُفَ السَّيِّئَاتِ وَتَعَاظُمَهَا إنْ فُقِدَ فِيهَا فَمَخَافَةُ السَّآمَةِ وَقِلَّةِ الْأَدَبِ الْمُفْضِي إلَى الْإِخْلَالِ بِوُجُوبِ التَّوْقِيرِ وَالْإِجْلَالِ قَائِمٌ. (قَوْلُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَمْ يَذْكُرْ تَقْبِيلَ الْعَتَبَةِ قَبْلَ الشُّرْبِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَلَا الِاسْتِقَاءَ بِنَفْسِهِ وَلَا رُجُوعَ الْقَهْقَرَى كَمَا فِي الْمَجْمَعِ لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊، وَأَمَّا الِالْتِزَامُ وَالتَّشَبُّثُ فَجَاءَ فِيهِمَا حَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ الِاسْتِقَاءُ بِنَفْسِهِ لِمَا فِي الْفَتْحِ عَنْ الطَّبَقَاتِ مُرْسَلًا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَفَاضَ نَزَعَ بِالدَّلْوِ لَمْ يَنْزِعْ مَعَهُ أَحَدٌ فَشَرِبَ ثُمَّ أَفْرَغَ بَاقِيَ الدَّلْوِ فِي الْبِئْرِ، وَقَالَ لَوْلَا أَنْ تَغْلِبَكُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَمْ يَنْزِعْ مِنْهَا أَحَدٌ غَيْرِي وَجَمَعَ فِي الْفَتْحِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُمْ نَزَعُوا لَهُ بِأَنَّ هَذَا كَانَ عَقِبَ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَذَاكَ عَقِبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَتَمَامُهُ فِيهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لَوْلَا أَنْ تَغْلِبَكُمْ النَّاسُ إلَخْ يَكْفِي فِي إثْبَاتِ الْمَقْصُودِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ لَهُ كَانَ لِذَلِكَ الْعُذْرِ إنْ لَمْ يَثْبُتْ نَزْعُهُ ﵊ بِنَفْسِهِ. (قَوْلُهُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا) قَالَ فِي الشرنبلالية وَرَأَيْت نَظْمًا لِلشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جَمَالِ الدِّينِ مُنْلَا زَادَهْ الْعِصَامِيُّ ذَكَرَ فِيهِ الْمَوَاطِنَ لِلدُّعَاءِ فِي مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ، وَعَيَّنَ فِيهِ سَاعَاتِهَا زِيَادَةً عَلَى مَا فِي رِسَالَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀ طِبْقَ مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَسَنِ النَّقَّاشُ فِي مَنَاسِكِهِ فَكَانَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فَقَالَ قَدْ ذَكَرَ النَّقَّاشُ فِي الْمَنَاسِكِ ... وَهُوَ لَعَمْرِي عُمْدَةٌ لِلنَّاسِكِ إنَّ الدُّعَا فِي خَمْسَةٍ وَعَشْرَهْ ... بِمَكَّةَ يُقْبَلُ مِمَّنْ ذَكَرَهْ وَهِيَ الْمَطَافُ مُطْلَقًا وَالْمُلْتَزَمْ ... بِنِصْفِ لَيْلٍ فَهْوَ شَرْطٌ مُلْتَزَمْ وَدَاخِلَ الْبَيْتِ بِوَقْتِ الْعَصْرِ ... بَيْن يَدَيْ جِذْعَيْهِ فَاسْتَقِرْ وَتَحْتَ مِيزَابٍ لَهُ وَقْتَ السَّحَرْ ... وَهَكَذَا خَلْفَ الْمَقَامِ الْمُفْتَخِرْ وَعِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ شِرْبِ الْفُحُولْ ... إذَا دَنَتْ شَمْسُ النَّهَارِ لِلْأُفُولْ ثُمَّ الصَّفَا وَمَرْوَةِ وَالْمَسْعَى ... بِوَقْتِ عَصْرٍ فَهُوَ قَيْدٌ يُرْعَى كَذَا مِنًى فِي لَيْلَةِ الْبَدْرِ إذَا ... تَنَصَّفَ اللَّيْلُ فَخُذْ مَا يُحْتَذَى ثُمَّ لَدَى الْجِمَارِ وَالْمُزْدَلِفَهْ ... عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ثُمَّ عَرَفَهْ بِمَوْقِفٍ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَلْ ... ثُمَّ لَدَى السِّدْرَةِ ظُهْرًا وَكَمَلْ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْوُقُوفَ طُرَّا ... مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَا قَدْ مَرَّا بَحْرُ الْعُلُومِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنْ ... خَيْرِ الْوَرَى ذَاتًا وَوَصَفَا وَسُنَنْ صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ ثُمَّ سَلَّمَا ... وَآلِهِ وَالصَّحْبِ مَا غَيْثٌ هُمَا اهـ. قُلْت وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجِمَارَ ثَلَاثَةٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْحَسَنِ ذِكْرُ السِّدْرَةِ فَبِهَا تَبْلُغُ سِتَّةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فَتَنَبَّهْ لَهُ اهـ. مَا فِي الشرنبلالية قُلْت فِي عَدِّ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِنْ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ نَظَرٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا وُقُوفَ وَلَا دُعَاءَ عِنْدَهُمَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّاجِزَ لَمْ يَعْتَبِرْهَا فَذَكَرَ بَدَلَهَا السِّدْرَةَ، وَلَعَلَّهُ صَحَّ نَقْلُهَا عِنْدَهُ عَنْ الْحَسَنِ فَنَسَبَهَا إلَيْهِ، وَسَقَطَتْ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ تَبَعًا لِلْفَتْحِ أَوْ عَدُوًّا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ فِي مَحِلِّهِ مِنْ أَنَّهُ قِيلَ أَنَّهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ حَجِّي مَبْرُورًا وَسَعْيِي مَشْكُورًا وَذَنْبِي مَغْفُورًا فَلْيُتَأَمَّلْ هَذَا، وَقَدْ نَظَمَ فِي النَّهْرِ الْأَمَاكِنَ بِقَوْلِهِ

стр. 782

الْمَقَامِ وَعَلَى الصَّفَا وَعَلَى الْمَرْوَةِ وَفِي السَّعْيِ وَفِي عَرَفَاتٍ وَفِي مُزْدَلِفَةَ وَفِي مِنًى وَعِنْدَ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ، وَزَادَ غَيْرُهُ وَعِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ وَفِي الْحَطِيمِ لَكِنَّ الثَّانِيَ هُوَ تَحْتَ الْمِيزَابِ فَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ مَوْضِعًا. (فَصْلٌ) (قَوْلُهُ وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ سَقَطَ عَنْهُ طَوَافُ الْقُدُومِ) مَجَازٌ عَنْ عَدَمِ سُنِّيَّتِهِ فِي حَقِّهِ فَإِنَّ حَقِيقَةَ السُّقُوطِ لَا تَكُونُ إلَّا فِي اللَّازِمِ إمَّا لِأَنَّهُ مَا شُرِعَ إلَّا فِي ابْتِدَاءِ الْأَفْعَالِ فَلَا يَكُونُ سُنَّةً عِنْدَ التَّأَخُّرِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ، وَإِمَّا لِأَنَّ طَوَافَ الزِّيَارَةِ أَغْنَى عَنْهُ كَالْفَرْضِ يُغْنِي عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَلِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْعُمْرَةِ طَوَافُ قُدُومٍ؛ لِأَنَّ طَوَافَهَا أَغْنَى عَنْهُ قَيَّدَ بِطَوَافِ الْقُدُومِ؛ لِأَنَّ الْقَارِنَ إذَا لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ فَإِنَّهُ صَارَ رَافِضًا لِعُمْرَتِهِ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِرَفْضِهَا، وَقَضَاؤُهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْقِرَانِ. (قَوْلُهُ وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ سَاعَةً مِنْ الزَّوَالِ إلَى فَجْرِ النَّحْرِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَلَوْ جَاهِلًا أَوْ نَائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ ﵇ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَقَالَ مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ فَكَانَ فِعْلُهُ بَيَانًا لِأَوَّلِ وَقْتِهِ، وَقَوْلُهُ بَيَانًا لِآخِرِهِ وَالْمُرَادُ بِالسَّاعَةِ السَّاعَةُ الْعُرْفِيَّةُ وَهُوَ الْيَسِيرُ مِنْ الزَّمَانِ وَهُوَ الْمُحْمَلُ عِنْدَ إطْلَاقِ الْفُقَهَاءِ لَا السَّاعَةَ عِنْدَ الْمُنَجِّمِينَ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْحَيْضِ وَالْمُرَادُ بِتَمَامِ الْحَجِّ بِالْوُقُوفِ فِي الْحَدِيثِ وَعِبَارَتُهُمْ الْأَمْنُ مِنْ الْبُطْلَانِ لَا حَقِيقَتَهُ إذْ بَقِيَ الرُّكْنُ الثَّانِي وَهُوَ الطَّوَافُ، وَأَفَادَ أَنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْوُقُوفِ وَقَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ النِّيَّةِ حَتَّى لَوْ طَافَ هَارِبًا مِنْ عَدُوٍّ، وَلَا يَصِحُّ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ وَلِهَذَا يُتَنَفَّلُ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ أَصْلِ النِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَى تَعْيِينِهِ حَتَّى إنَّ الْمُحْرِمَ لَوْ طَافَ يَوْمَ النَّحْرِ وَنَوَى بِهِ النَّذْرَ يُجْزِيهِ عَنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ لَا عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْوُقُوفُ فَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ، وَلِهَذَا لَا يُتَنَفَّلُ بِهِ فَوُجُودُ النِّيَّةِ فِي أَصْلِ الْعِبَادَةِ وَهُوَ الْإِحْرَامُ يُغْنِي عَنْ اشْتِرَاطِهِ فِي الْوُقُوفِ مَعَ أَنَّ الْوُقُوفَ أَعْظَمُ الرُّكْنَيْنِ لَكِنْ بِاعْتِبَارِ الْأَمْنِ عَلَى الْبُطْلَانِ عِنْدَ فِعْلِهِ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. (قَوْلُهُ وَلَوْ أَهَلَّ عَنْهُ رَفِيقُهُ بِإِغْمَائِهِ جَازَ) أَيْ أَحْرَمَ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ أَمَرَهُ بِأَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ عِنْدَ عَجْزِهِ أَوَّلًا، وَالْأَوَّلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي الثَّانِي خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَافَقَةَ أَمْرٌ بِهِ دَلَالَةٌ عِنْدَ الْعَجْزِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا إنَّمَا تُرَادُ الْمُرَافَقَةُ لِأَمْرِ السَّفَرِ لَا غَيْرُ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ثُبُوتِ الْإِذْنِ دَلَالَةً مَسَائِلُ ذَكَرَهَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْهَا مَسْأَلَةُ الْحَجِّ وَمِنْهَا ذَبْحُ شَاةِ قَصَّابٍ شَدَّهَا لِلذَّبْحِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَا لَوْ لَمْ يَشُدَّهَا، وَمِنْهَا ذَبْحُ أُضْحِيَّةِ غَيْرِهِ مِنْ أَيَّامِهَا بِلَا إذْنِهِ ذَكَرَهَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ مُطْلَقَةً وَقُيِّدَتْ فِي بَعْضِهَا بِمَا إذَا أَضْجَعَهَا لِلذَّبْحِ وَمِنْهَا وَضَعَ الْقِدْرَ عَلَى كَانُونٍ وَفِيهِ اللَّحْمُ وَوَضَعَ الْحَطَبَ تَحْتَهَا فَوَقَدَ النَّارَ رَجُلٌ وَطَبَخَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا جَعَلَ بُرَّهُ فِي دَوْرَقٍ وَرَبَطَ الْحِمَارَ فَسَاقَهُ رَجُلٌ حَتَّى طَحَنَهُ، وَمِنْهَا سَقَطَ حِمْلٌ فِي الطَّرِيقِ فَحُمِلَ بِلَا إذْنِ رَبِّهِ فَتَلِفَتْ الدَّابَّةُ وَمِنْهَا رَفَعَ جَرَّةَ نَفْسِهِ فَأَعَانَهُ آخَرُ عَلَى الرَّفْعِ فَانْكَسَرَتْ. وَمِنْهَا مُزَارِعٌ زَرَعَ الْأَرْضَ بِبَذْرِ رَبِّهَا وَلَمْ يُنْبِتْ حَتَّى سَقَاهَا رَبُّهَا بِلَا أَمْرِهِ فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا هُيِّئَتْ لِلسَّقْيِ ــ [منحة الخالق] دُعَاءُ الْبَرَايَا يُسْتَجَابُ بِكَعْبَةٍ ... وَمُلْتَزَمٍ وَالْمَوْقِفَيْنِ كَذَا الْحَجَرْ طَوَافٌ وَسَعْيٌ مَرُوتَيْنِ وَزَمْزَمَ ... مَقَامٌ وَمِيزَابٌ جِمَارُكَ تُعْتَبَرْ وَمُرَادُهُ بِالْمَوْقِفَيْنِ عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَبِالْمَرُوتَيْنِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَغْلِيبًا وَمَا ذَكَرَهُ بِنَاءً عَلَى عَدِّ الْجِمَارِ ثَلَاثًا لَكِنْ نَقَصَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنًى، وَذَكَرَ بَدَلَهُ الْحَجَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا عَنْ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ وَالسِّدْرَةِ وَقَدْ زَادَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَنْ اللُّبَابِ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ مَعَ مَوْضِعَيْنِ آخَرَيْنِ فِي الْحَجَرِ وَعِنْدَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي وَنَظَمْت هَذِهِ الْخَمْسَةَ إلْحَاقًا لِمَا فِي النَّهْرِ بِقَوْلِي وَرُؤْيَةُ بَيْتٍ ثُمَّ حَجَرٍ وَسِدْرَةٍ ... وَرُكْنِ يَمَانٍ مَعَ مِنًى لَيْلَةَ الْقَمَرْ وَقَوْلِي لَيْلَةَ الْقَمَرِ تَابَعْت فِيهِ قَوْلَهُ فِي الدُّرِّ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَمِثْلُهُ مَا مَرَّ فِي الْأُرْجُوزَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا لَيْلَةُ الثَّالِثَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّ لَا يَمْكُثُ فِي مِنًى بَعْدَهَا تَأَمَّلْ. [فَصْلٌ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ] (فَصْلٌ) (قَوْلُهُ فَإِنَّ حَقِيقَةَ السُّقُوطِ إلَخْ) كَانَ هَذَا وَجْهَ قَوْلِهِ فِي النَّهْرِ وَعِبَارَةُ أَصْلِهِ أَيْ الْوَافِي وَلَمْ يَطُفْ لِلْقُدُومِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى اهـ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِوَجْهِ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ تُشْعِرُ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ عَبَّرَ بِالسُّقُوطِ بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْوَافِي تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ إمَّا لِأَنَّهُ إلَخْ) بَيَانٌ لِوَجْهِ سُقُوطِهِ وَالتَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ مَذْكُورٌ فِي الْهِدَايَةِ وَالثَّانِي فِي التَّبْيِينِ قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَنْقُوضٌ بِالْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهَا فِي قُوَّةِ الْوَاجِبِ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ مُسِيءٌ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ لَا دَمَ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِتَمَامِ الْحَجِّ) الْمُرَادُ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ بِتَمَامِ الْحَجِّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَقَوْلُهُ بِالْوُقُوفِ مُتَعَلِّقٌ بِتَمَامٍ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ حَالٌ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ وَقَوْلُهُ وَعِبَارَتِهِمْ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ الْأَمْنُ بِالرَّفْعِ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ (قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الطَّوَافَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ يَرِدُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَتَنَفَّلُ بِهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا النِّيَّةُ، وَهَذَا لَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي عَنْهُ جَوَابٌ اهـ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً لِمَا ذَكَرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ

стр. 783

وَالتَّرْبِيَةِ صَارَ مُسْتَعِينًا بِكُلِّ مَنْ قَامَ بِهِ دَلَالَةً، وَكَذَا لَوْ سَقَاهَا أَجْنَبِيٌّ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَمِنْهَا مَنْ أَحْضَرَ فَعْلَةً لِهَدْمِ دَارٍ فَهَدَمَ آخَرُ بِلَا إذْنٍ لَا يَضْمَنُ اسْتِحْسَانًا، وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِهَا أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ لَا يَتَفَاوَتُ فِيهِ النَّاسُ تَثْبُتُ الِاسْتِعَانَةُ فِيهِ بِكُلِّ أَحَدٍ دَلَالَةً وَكُلَّ عَمَلٍ يَتَفَاوَتُ فِيهِ النَّاسُ لَا تَثْبُتُ الِاسْتِعَانَةُ فِيهِ بِكُلِّ أَحَدٍ كَمَا لَوْ ذَبَحَ شَاةً وَعَلَّقَهَا لِلسَّلْخِ فَسَلَخَهَا رَجُلٌ بِلَا إذْنِهِ ضَمِنَ اهـ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْإِحْرَامَ هُوَ النِّيَّةُ مَعَ التَّلْبِيَةِ فَإِذَا نَوَى الرَّفِيقَ وَلَبَّى صَارَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مُحْرِمًا لَا الرَّفِيقُ وَلِذَا يَجُوزُ لِلرَّفِيقِ بَعْدَهُ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَصِحُّ مِنْهُ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مُحْرِمًا لِنَفْسِهِ وَلَا يَلْزَمُ النَّائِبَ التَّجَرُّدُ عَنْ الْمَخِيطِ لِأَجْلِ إحْرَامِهِ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَلَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ رَفِيقِهِ وَارْتَكَبَ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ الْقَارِنِ يَلْزَمُهُ جَزَاءَانِ؛ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامَيْنِ. وَشَمِلَ مَا إذَا أَحْرَمَ عَنْهُ بِحِجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ بِمَكَّةَ، وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَالْمُرَادُ بِالرَّفِيقِ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْقَافِلَةِ سَوَاءٌ كَانَ مُخَالِطًا لَهُ أَوْ لَا كَمَا قَالُوا فِيمَا إذَا خَافَ عَطَشَ رَفِيقِهِ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّهُ الْوَاحِدُ مِنْ الْقَافِلَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدَّادِيُّ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ فَحِينَئِذٍ ذِكْرُ الرَّفِيقِ فِي عِبَارَتِهِمْ هُنَا لِبَيَانِ الْوَاقِعِ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ عَنْهُ غَيْرُ رَفِيقِهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قِيلَ يَجُوزُ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ، وَلَمْ يُرَجِّحْ وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِعَانَةِ لَا الْوِلَايَةِ وَدَلَالَةُ الْإِعَانَةِ قَائِمَةٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ عُلِمَ قَصْدُهُ رَفِيقًا كَانَ أَوْ لَا، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْإِحْرَامَ شَرْطٌ عِنْدَنَا اتِّفَاقًا كَالْوُضُوءِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ شَبَهٌ بِالرُّكْنِ فَجَازَتْ النِّيَابَةُ فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ نِيَّةِ الْعِبَادَةِ مِنْهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَلَدِهِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَافَقَةَ تَكُونُ أَمْرًا بِهِ دَلَالَةٌ عِنْدَ الْعَجْزِ أَوْ لَا اهـ. وَيُرَجِّحُهُ أَيْضًا أَنَّ الْمَسَائِلَ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِذْنَ ثَابِتٌ فِيهَا دَلَالَةً لَمْ تَخْتَصَّ بِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ بَلْ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِيهَا عَلَى السَّوَاءِ. وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَمَرَّ مُغْمًى عَلَيْهِ إلَى وَقْتِ أَدَاءِ الْأَفْعَالِ فَأَدَّى عَنْهُ رَفِيقُهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ الْمَشَاهِدَ وَلَمْ يَطُفْ بِهِ، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ مِمَّا تُجْزِئُ فِيهَا النِّيَابَةُ عِنْدَ الْعَجْزِ كَمَا فِي اسْتِنَابَةِ الزَّمِنِ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ أَفَاقَ قَبْلَ الْأَفْعَالِ تَبَيَّنَ أَنَّ عَجْزَهُ كَانَ فِي الْإِحْرَامِ فَقَطْ فَصَحَّتْ النِّيَابَةُ فِيهِ، ثُمَّ يَجْرِي هُوَ عَلَى مُوجِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يُفِقْ تَحَقَّقَ عَجْزُهُ عَنْ الْكُلِّ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الرَّفِيقَ بِفِعْلِ الْمَحْظُورِ شَيْءٌ بِخِلَافِ النَّائِبِ فِي الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّعُ إفَاقَتَهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ فَنَقَلْنَا الْإِحْرَامَ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ إذْ لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ الرَّفِيقُ الْمَنَاسِكَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ. وَقَدْ سَبَقَتْ النِّيَّةُ مِنْهُ، وَيُشْتَرَطُ نِيَّتُهُمْ الطَّوَافَ إذَا حَمَلُوهُ كَمَا يُشْتَرَطُ نِيَّتُهُ، وَقَيَّدْنَا بِالْإِغْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الطَّوَافَ إذَا طَافَ بِهِ رَفِيقُهُ وَهُوَ نَائِمٌ إنْ كَانَ بِأَمْرِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ كَفِعْلِ الْآمِرِ وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ فَظَهَرَ أَنَّ النَّائِمَ يُشْتَرَطُ صَرِيحُ الْإِذْنِ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْحَامِلِ لِلطَّوَافِ إنْ كَانَ الْمَحْمُولُ مُغْمًى عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ حَمَلَهُ وَطَافَ بِهِ طَالِبًا الْغَرِيمَ لَمْ يُجْزِهِ بِخِلَافِ النَّائِمِ لَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْحَامِلِ لَهُ ــ [منحة الخالق] فِي الِاعْتِكَافِ مِنْ أَنَّ النَّذْرَ بِهَا لَا يَصِحُّ مُعَلَّلًا بِأَنَّهَا فُرِضَتْ تَبَعًا لِلصَّلَاةِ لَا لِعَيْنِهَا. (قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا) قَالَ الرَّمْلِيُّ إطْلَاقُهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ اهـ وَفِي النَّهْرِ ظَاهِرُ مَا فِي الْفَتْحِ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي قَرِيبًا عَمَّنْ قَصَدَهُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِقَصْدِهِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ الْإِحْرَامُ بِهِمَا بَلْ إمَّا بِالْعُمْرَةِ أَوْ الْحَجِّ فَإِنْ ضَاقَ وَقْتُ الْحَجِّ بِأَنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ دُخُولَ مَكَّةَ مِنْ الْمِيقَاتِ لَيْلَةَ الْوُقُوفِ مَثَلًا تَعَيَّنَ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ مِنْهُ وَإِلَّا بِأَنْ دَخَلُوا فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ فَبِالْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ الْإِعَانَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِمَا يَنْفَعُ لَا بِغَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَالْوَقْتُ لِلْحَجِّ أَنْ لَا يَصِحَّ، وَهَذَا فِقْهٌ حَسَنٌ لَمْ أَرَ مَنْ أَفْصَحَ بِهِ اهـ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُؤَلِّفِ مَا فِي الشرنبلالية أَنَّ الْمُسَافِرَ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ الْفَرْضَ كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ بِعُمْرَةٍ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، وَقَدْ يَمْتَدُّ الْإِغْمَاءُ وَلَا يَحْصُلُ إحْرَامٌ عَنْهُ بِالْحَجِّ فَيَفُوتُ مَقْصِدُهُ ظَاهِرًا فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. (قَوْلُهُ وَقَدْ سَبَقَتْ النِّيَّةُ مِنْهُ) وَتَمَامُ كَلَامِهِ فَهُوَ كَمَنْ نَوَى الصَّلَاةَ فِي ابْتِدَائِهَا ثُمَّ أَدَّى الْأَفْعَالَ سَاهِيًا لَا يَدْرِي مَا يَفْعَلُ حَيْثُ يُجْزِئُهُ لِسَبْقِ النِّيَّةِ اهـ. قَالَ فِي الْفَتْحِ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ لِبَعْضِ أَرْكَانِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ الطَّوَافُ بِخِلَافِ سَائِرِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ هَذِهِ النِّيَّةُ اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ وَأَقُولُ: مَا عَلَّلَ بِهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لِلطَّوَافِ أَصْلًا، وَأَنَّ نِيَّةَ الْإِحْرَامِ مُغْنِيَةٌ عَنْهُ يُفْصِحُ عَنْ ذَلِكَ مَا فِي الْبَدَائِعِ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ أَنَّ الطَّوَافَ لَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الطَّوَافِ عِنْدَ الطَّوَافِ. وَأَشَارَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ إلَى أَنَّ نِيَّةَ الطَّوَافِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ أَصْلًا، وَأَنَّ نِيَّةَ الْحَجِّ عِنْدَ الْإِحْرَامِ كَافِيَةٌ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ مُفْرَدَةٍ كَمَا فِي سَائِرِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ نَعَمْ فِي حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ مُؤَاخَذَةٌ لَا تَخْفَى وَعَلَى هَذَا تَفَرَّعَ مَا فِي الْمُحِيطِ لَوْ طَافَ بِنَائِمٍ إنْ كَانَ بِأَمْرِهِ جَازَ لَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْحَامِلِ الطَّوَافَ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِحْرَامِ كَافِيَةٌ وَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذَا فِي الْبَحْرِ فَزَعَمَ أَنَّ مَا فِي الْمُحِيطِ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ الْمُقَابِلِ. اهـ. ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا سَيَأْتِي عَنْ

стр. 784

لِلطَّوَافِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِحْرَامِ مِنْهُ كَافِيَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ وَفِيهِ بَحْثٌ فَإِنَّ الطَّوَافَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَصْلِ النِّيَّةِ وَلَا يَكْفِي نِيَّةُ الْإِحْرَامِ لَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْحَامِلِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّ نِيَّةَ الْإِحْرَامِ لَا تَكْفِي لِلطَّوَافِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا. وَأَمَّا النَّائِمُ فَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ اسْتِئْجَارَ الْمَرِيضِ مَنْ يَحْمِلُهُ وَيَطُوفُ بِهِ صَحِيحٌ وَلَهُ الْأُجْرَةُ إذَا طَافَ بِهِ، وَأَنَّ الْمَرِيضَ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الرَّمْيَ تُوضَعُ الْحَصَاةُ فِي كَفِّهِ لِيَرْمِيَ بِهِ أَوْ يَرْمِيَ عَنْهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ، وَدَلَّ كَلَامُهُ أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَيَقْضِيَ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا بِالْأَوْلَى، وَلَوْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ أَوْ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَمَنْ طِيفَ بِهِ مَحْمُولًا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ الطَّوَافُ عَنْ الْحَامِلِ وَالْمَحْمُولِ جَمِيعًا، وَسَوَاءٌ نَوَى الْحَامِلُ الطَّوَافَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الْمَحْمُولِ أَوْ لَمْ يَنْوِ، أَوْ كَانَ لِلْحَامِلِ طَوَافُ الْعُمْرَةِ وَلِلْمَحْمُولِ طَوَافُ الْحَجِّ أَوْ لِلْحَامِلِ طَوَافُ الْحَجِّ وَلِلْمَحْمُولِ طَوَافُ الْعُمْرَةِ أَوْ يَكُونُ الْحَامِلُ لَيْسَ بِمُجَرَّدٍ وَالْمَحْمُولُ عَمَّا أَوْجَبَهُ إحْرَامُهُ وَإِنْ طِيفَ بِهِ لِغَيْرِ عِلَّةِ طَوَافِ الْعُمْرَةِ أَوْ الزِّيَارَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ أَوْ الدَّمُ اهـ. (قَوْلُهُ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ غَيْرَ أَنَّهَا تَكْشِفُ وَجْهَهَا لَا رَأْسَهَا وَلَا تُلَبِّي جَهْرًا وَلَا تَرْمُلُ وَلَا تَسْعَى بَيْنَ الْمِيلَيْنِ وَلَا تَحْلِقُ رَأْسَهَا وَلَكِنْ تُقَصِّرُ وَتَلْبَسُ الْمَخِيطَ) ؛ لِأَنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ عَامَّةٌ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى الْخُصُوصِ، وَإِنَّمَا لَا تَكْشِفُ رَأْسَهَا لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ بِخِلَافِ وَجْهِهَا فَاشْتَرَكَا فِي كَشْفِ الْوَجْهِ وَانْفَرَدَتْ بِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَلَمَّا كَانَ كَشْفُ وَجْهِهَا خَفِيًّا؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ إلَى الْفَهْمِ أَنَّهَا لَا تَكْشِفُهُ لِمَا أَنَّهُ مَحِلُّ الْفِتْنَةِ نَصَّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَا سَوَاءً فِيهِ وَلِمَا قَدَّمَ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ أَنَّ الرَّجُلَ يَكْشِفُ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ لَمْ يُتَوَهَّمْ هُنَا مِنْ عِبَارَتِهِ اخْتِصَاصُهَا بِكَشْفِ الْوَجْهِ، وَالْمُرَادُ بِكَشْفِ الْوَجْهِ عَدَمُ مُمَاسَّةِ شَيْءٍ لَهُ فَلِذَا يُكْرَهُ لَهَا أَنْ تَلْبَسَ الْبُرْقُعَ لِأَنَّ ذَلِكَ يُمَاسُّ وَجْهَهَا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَلَوْ أَرْخَتْ شَيْئًا عَلَى وَجْهِهَا وَجَافَتْهُ لَا بَأْسَ بِهِ كَذَا ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ لَكِنْ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَقَدْ جَعَلُوا لِذَلِكَ أَعْوَادًا كَالْقُبَّةِ تُوضَعُ عَلَى الْوَجْهِ وَتَسْتَدِلُّ مِنْ فَوْقِهَا الثَّوْبَ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكْشِفُ وَجْهَهَا لِلْأَجَانِبِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ اهـ. وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِرْخَاءَ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَوُجُودِ الْأَجَانِبِ وَاجِبٌ عَلَيْهَا إنْ كَانَ الْمُرَادُ لَا يَحِلُّ أَنْ تَكْشِفَ فَمَحْمَلُ الِاسْتِحْبَابِ عِنْدَ عَدَمِهِمْ وَعَلَى أَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ فَالْوَاجِبُ مِنْ الْأَجَانِبِ غَضُّ الْبَصَرِ، لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَبِيلَ كِتَابِ السَّلَامِ فِي قَوْلِهِ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفَجْأَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي» . قَالَ الْعُلَمَاءُ وَفِي هَذَا حُجَّةٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتُرَ وَجْهَهَا فِي طَرِيقِهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ لَهَا، وَيَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهَا إلَّا لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ اهـ. وَظَاهِرُهُ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ مَعْنَى مَا فِي الْفَتَاوَى ــ [منحة الخالق] الْإِسْبِيجَابِيِّ مُفَرَّعٌ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَدَلَّ كَلَامُهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَمْ أَرَ مَا لَوْ جُنَّ فَأَحْرَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ أَوْ رَفِيقُهُ وَشَهِدَ بِهِ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا هَلْ يَصِحُّ وَيَسْقُطُ عَنْهُ حِجَّةُ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا ثُمَّ رَأَيْته فِي الْفَتْحِ نَقَلَ عَنْ الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدٍ أَحْرَمَ وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ أَصَابَهُ عَنْهُ فَقَضَى بِهِ أَصْحَابُهُ الْمَنَاسِكَ، وَوَقَفُوا بِهِ فَمَكَثَ كَذَلِكَ سِنِينَ ثُمَّ أَفَاقَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ اهـ. ، وَهَذَا رُبَّمَا يُؤْمِنُ إلَى الْجَوَازِ فَتَدَبَّرْ اهـ. وَلَا تَنْسَ مَا قَدَّمْنَاهُ قَبِيلَ الْمَوَاقِيتِ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ. (قَوْلُهُ وَلَمَّا كَانَ كَشْفُ وَجْهِهَا خَفِيًّا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا جَوَابٌ عَمَّا اعْتَرَضَ الزَّيْلَعِيُّ وَتَبِعَهُ الْعَيْنِيُّ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ تَكْشِفُ وَجْهَهَا تَكْرَارٌ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَكْشِفُ رَأْسَهَا كَانَ أَوْلَى. (قَوْلُهُ لَمْ يُتَوَهَّمْ هُنَا مِنْ عِبَارَتِهِ اخْتِصَاصُهَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى أَنَّ ذِكْرَهُ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ يُوهِمُ الِاخْتِصَاصَ، وَكَانَ يُمْكِنُهُ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الْخَفَاءِ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَكْشِفُ رَأْسَهَا وَتَكْشِفُ وَجْهَهَا. (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِكَشْفِ الْوَجْهِ إلَخْ) لَوْ عَطَفَهُ بِأَوْ لَكَانَ جَوَابًا آخَرَ أَحْسَنَ مِنْ الْأَوَّلِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا إلَخْ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى مَا فِي الْفَتَاوَى وَقَوْلُهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ شَرْطَ جَوَابِهِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ أَيْ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا تَكْشِفُ لَا يَحِلُّ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِرْخَاءَ إلَخْ وَقَوْلُهُ فَمَحْمَلُ الِاسْتِحْبَابِ أَيْ الْوَاقِعُ فِي كَلَامِ الْفَتْحِ تَفْرِيعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَيَجُوزُ جَعْلُهُ جَوَابَ الشَّرْطِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَقَوْلُهُ أَوْ عَلَى أَنَّهُ أَيْ الشَّأْنُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَلَى أَنَّ هَذَا وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَاجِبِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْفَاءُ فِيهِ زَائِدَةٌ وَغَضٌّ خَبَرُهُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ الثَّانِيَةِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَدُلُّ إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ لَا يَحِلُّ عَلَى أَنَّ الْإِرْخَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا إنْ أَمْكَنَهَا، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ عَلَى الْأَجَانِبِ الْغَضُّ. (قَوْلُهُ وَظَاهِرُهُ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَمْنُوعٌ بَلْ الْمُرَادُ عُلَمَاءُ مَذْهَبِهِ وَقَوْلُ الْفَتَاوَى لَا تَكْشِفُ أَيْ لَا يَحِلُّ اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ نَعَمْ يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ الْحِلِّ مَا فِي الذَّخِيرَةِ حَيْثُ قَالَ وَفِي الْأَصْلِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ تُرْخِي عَلَى وَجْهِهَا بِخِرْقَةٍ وَتُجَافِي عَنْ وَجْهِهَا قَالُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ مَنْهِيَّةٌ عَنْ إظْهَارِ وَجْهِهَا لِلرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنْ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ لِأَجْلِ النُّسُكِ.

стр. 785

لَا يَنْبَغِي كَشْفُهَا، وَإِنَّمَا لَا تَجْهَرُ بِالتَّلْبِيَةِ لِمَا أَنَّ صَوْتَهَا يُؤَدِّي إلَى الْفِتْنَةِ عَلَى الصَّحِيحِ أَوْ عَوْرَةٌ عَلَى مَا قِيلَ كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا لَا رَمَلَ وَلَا سَعْيَ لَهَا لِمَا أَنَّهُ يُخِلُّ بِالسَّتْرِ أَوْ لِأَنَّ أَصْلَ الْمَشْرُوعِيَّةِ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ وَهُوَ لِلرِّجَالِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهَا لَا تَضْطَبِعُ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةُ الرَّمَلِ، وَإِنَّمَا لَا تَحْلِقُ لِكَوْنِهِ مُثْلَةً كَحَلْقِ اللِّحْيَةِ وَأَطْلَقَ فِي التَّقْصِيرِ فَأَفَادَ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ فِيهِ خِلَافًا لِمَا قِيلَ أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ فِي حَقِّهَا بِالرُّبْعِ بِخِلَافِ الرَّجُلِ، وَإِنَّمَا تَلْبَسُ الْمَخِيطَ لِمَا أَنَّهَا عَوْرَةٌ. وَأَشَارَ بِعَدَمِ الرَّمَلِ إلَّا أَنَّهَا لَا تَسْتَلِمُ الْحَجَرَ إذَا كَانَ هُنَاكَ جَمْعٌ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ عَنْ مُمَاسَّةِ الرِّجَالِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ الْمَانِعِ. وَأَشَارَ بِلُبْسِ الْمَخِيطِ إلَى لُبْسِ الْخُفَّيْنِ وَالْقُفَّازَيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهَا لَا تَحُجُّ إلَّا بِمَحْرَمٍ بِخِلَافِ الرَّجُلِ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالْحَجِّ بَلْ هُوَ حُكْمُ كُلِّ سَفَرٍ، وَمِنْ أَنَّهَا تَتْرُكُ طَوَافَ الصَّدْرِ بِعُذْرِ الْحَيْضِ فَلَيْسَ مِنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ غَيْرُ مُمْكِنٍ مِنْ الرَّجُلِ حَتَّى تُخَالِفَهُ فِي أَحْكَامِهِ، وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهَا بِتَأْخِيرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ لِأَجْلِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ شَيْءٌ. قَالُوا: وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا كَالْمَرْأَةِ احْتِيَاطًا وَلَا يَخْلُو بِامْرَأَةٍ وَلَا بِرَجُلٍ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أُنْثَى. (قَوْلُهُ وَمَنْ قَلَّدَ بَدَنَةَ تَطَوُّعٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ أَوْ نَحْوِهِ فَتَوَجَّهَ مَعَهَا يُرِيدُ الْحَجَّ فَقَدْ أَحْرَمَ) بَيَانٌ لِمَا يَقُومُ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّلْبِيَةِ إظْهَارُ الْإِجَابَةِ لِلدَّعْوَةِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ قَيَّدَ بِكَوْنِهِ مُحْرِمًا بِثَلَاثَةٍ التَّقْلِيدُ وَالتَّوَجُّهُ وَإِرَادَةُ النُّسُكِ فَأَفَادَ أَنَّ التَّقْلِيدَ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي، وَكَذَا أَخَوَاهُ وَكَذَا لَوْ تَقَلَّدَ وَسَاقَ وَلَمْ يَنْوِ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا فَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَلَّدَهَا وَسَاقَهَا قَاصِدًا إلَى مَكَّةَ صَارَ مُحْرِمًا بِالسَّوْقِ نَوَى الْإِحْرَامَ أَوْ لَمْ يَنْوِ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْعَامَّةُ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ قَصْدَ مَكَّةَ مِنْهُ نِيَّةٌ فَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى نِيَّةٍ أُخْرَى فَلَا مُخَالَفَةَ مِنْهُ لِمَا عَلَيْهِ الْعَامَّةُ، وَأَرَادَ بِجَزَاءِ الصَّيْدِ جَزَاءَ صَيْدٍ عَلَيْهِ فِي حِجَّةٍ سَابِقَةٍ فَقَلَّدَهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ جَزَاءَ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ أَوْ نَحْوِهِ إلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يَخْتَصُّ بِشَيْءٍ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ قَلَّدَ بَدَنَةً مُطْلَقَةً، وَالتَّقْلِيدُ أَنْ يُعَلِّقَ عَلَى عُنُقِ بَدَنَتِهِ قِطْعَةَ نَعْلٍ أَوْ شِرَاكَ نَعْلٍ أَوْ عُرْوَةً مَزَادَةً أَوْ لِحَاءَ شَجَرٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ هَدْيٌ، وَالْمَعْنَى بِالتَّقْلِيدِ إفَادَةُ أَنَّهُ عَنْ قَرِيبٍ يَصِيرُ جِلْدَهُ كَذَا اللِّحَاءُ وَالنَّعْلُ فِي الْيُبُوسَةِ لِإِرَاقَةِ دَمِهِ، وَكَانَ فِي الْأَصْلِ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَيْ لَا تُهَاجُ عَنْ الْوُرُودِ وَالْكَلَإِ وَلِتَرُدَّ إذَا ضَلَّتْ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ هَدْيٌ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي بَدَنَةٍ فَقَلَّدَهَا أَحَدُهُمْ صَارُوا مُحْرِمِينَ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْبَقِيَّةِ وَسَارُوا مَعَهَا. (قَوْلُهُ فَإِنْ بَعَثَ بِهَا ثُمَّ تَوَجَّهَ إلَيْهَا لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا حَتَّى يَلْحَقَهَا إلَّا فِي بَدَنَةِ الْمُتْعَةِ) لِفَقْدِ أَحَدِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ السَّوْقُ فِي الِابْتِدَاءِ فَإِذَا أَدْرَكَهَا اقْتَرَنَتْ نِيَّتُهُ بِفِعْلِ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهَا إلَّا فِي هَدْيٍ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْحَجِّ وَضْعًا، وَهُوَ هَدْيُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَإِنَّهُ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْإِدْرَاكِ، وَالْمُتْعَةُ تَشْمَلُ التَّمَتُّعَ الْعُرْفِيَّ وَالْقِرَانَ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ التَّمَتُّعُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] إلَى آخِرِهِ فَهُوَ دَلِيلُهُمَا فَلِذَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُتْعَةِ، وَلَمَّا كَانَ التَّمَتُّعُ لَا يَكُونُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يُقَيِّدْ الْبَعْثَ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ فَاسْتَغْنَى عَنْ تَقْيِيدِ النِّهَايَةِ ثُمَّ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ شَرَطَ اللُّحُوقَ فَقَطْ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ السَّوْقَ مَعَهُ وَشَرَطَهُمَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْوَكِيلِ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ كَفِعْلِ الْمُوَكِّلِ كَذَا عَلَّلَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُقَالُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا بِاللُّحُوقِ، وَإِنْ لَمْ يَسُقْهَا أَحَدٌ وَهَذَا التَّعْلِيلُ إنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَقَدْ يُقَالُ) قَالَ فِي النَّهْرِ الْمُعْتَبَرُ فِي الْإِحْرَامِ إنَّمَا هُوَ نِيَّةُ النُّسُكِ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ قَصْدَ مَكَّةَ لَا يَسْتَلْزِمُهُ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ مَنْ قَصَدَ مَكَّةَ مِنْ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ لَا يَقْصِدُهَا إعَادَةً إلَّا لِلنُّسُكِ (قَوْلُهُ ثُمَّ الْمُصَنِّفُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فَصَارَ مُحْرِمًا سَوَاءٌ سَاقَهَا أَوْ لَا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ وَفِي الْأَصْلِ وَيَسُوقُهُ وَيَتَوَجَّهُ مَعَهُ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ هَذَا أَعْنِي ذِكْرَ السَّوْقِ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ إنَّمَا الشَّرْطُ أَنْ يَلْحَقَهُ وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا التَّأْوِيلِ وَلِذَا لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ مَنْ أَثْبَتَ الْخِلَافَ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ عَلِمْت أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْفَتْحِ فِي قَوْلِ الْهِدَايَةِ فَإِنْ أَدْرَكَهَا وَسَاقَهَا أَوْ أَدْرَكَهَا رَدَّدَ بَيْنَ السَّوْقِ وَعَدَمِهِ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْ الْأَصْلِ قَالَ وَهُوَ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ فِيهِ مُؤَاخَذَةٌ ظَاهِرَةٌ إذْ كَوْنُهُ أَمْرًا اتِّفَاقِيًّا بِرَفْعِ الْخِلَافِ الَّذِي حَكَاهُ أَوَّلًا (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا سَهْوٌ ظَاهِرٌ إذْ لَيْسَ مَوْضُوعُ عِبَارَةِ الْجَامِعِ أَنَّ غَيْرَهُ سَاقَ بَلْ لَوْ لَمْ يَسُقْهَا أَحَدٌ بَعْدَمَا لَحِقَهَا صَارَ مُحْرِمًا عَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ، وَلَيْسَ فِي الْفَتْحِ تَعْلِيلُ مَا فِي الْجَامِعِ بِهَذَا إنَّمَا ذَكَرَ مَسْأَلَةً مُبْتَدَأَةً بَعْدَمَا حَكَى الْخِلَافَ وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَهَا وَلَمْ يَسُقْ وَسَاقَ غَيْرُهُ فَهُوَ كَسَوْقِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْوَكِيلِ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ كَفِعْلِ الْمُوَكِّلِ اهـ. نَعَمْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُفَرَّعًا عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ.

стр. 786

مَنْ يَشْتَرِطُ السَّوْقَ مَعَ اللُّحُوقِ، وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّوَجُّهِ إلَى بَدَنَةِ الْمُتْعَةِ وَلَا يَكْفِي الْبَعْثُ. (قَوْلُهُ وَإِنْ جَلَّلَهَا أَوْ أَشْعَرَهَا أَوْ قَلَّدَ شَاةً لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا) يَعْنِي وَإِنْ سَاقَهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الْحَجِّ فَلَمْ يَقُمْ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ التَّجْلِيلَ لِدَفْعِ الْأَذَى عَنْهَا، وَالْإِشْعَارُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ أَنْ يَطْعَنَ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فِي السَّنَامِ فَيَسِيلَ الدَّمُ فَلَا يَكُونُ مِنْ النُّسُكِ، وَعِنْدَهُمَا وَإِنْ كَانَ حَسَنًا فَقَدْ يُفْعَلُ لِلْمُعَالَجَةِ بِخِلَافِ التَّقْلِيدِ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْهَدْيِ وَلِذَا كَانَ التَّقْلِيدُ أَحَبَّ مِنْ التَّجْلِيلِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّجْلِيلُ حَسَنٌ لِلِاتِّبَاعِ، وَيُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ بِهِ، وَأَمَّا تَقْلِيدُ الشَّاةِ فَغَيْرُ مُتَعَارَفٍ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ أَيْضًا فَلَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَلْبِيَةٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِالنِّيَّةِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ التَّلْبِيَةَ وَحْدَهَا لَا تَكْفِي بِلَا نِيَّةٍ. (قَوْلُهُ وَالْبُدْنُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ) يَعْنِي لُغَةً وَشَرْعًا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْبَدَنَةُ نَاقَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَإِذَا طُلِبَ مِنْ الْمُكَلَّفِ بَدَنَةٌ خَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالْبَقَرَةِ كَالنَّاقَةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ الرَّوَاحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعَطْفُهُ الْبَقَرَةَ عَلَى الْبَدَنَةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَعَمِّ بَعْضَ الْأَفْرَادِ وَهُوَ الْجَزُورُ لَا كُلُّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْبَدَنَةُ اسْمًا لِلْجَزُورِ فَقَطْ لَلَزِمَ النَّقْلُ عَنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَطْفَ فِي الْحَدِيثِ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرًا، وَلُزُومُ النَّقْلِ عَنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ عَلَى تَقْدِيرِهِ خِلَافَ الْأَصْلِ، فَالظَّاهِرُ عَدَمُهُ فَتَعَارَضَا فَرَجَّحْنَا مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ لِمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ كُنَّا نَنْحَرُ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ فَقِيلَ وَالْبَقَرَةُ فَقَالَ وَهَلْ هِيَ إلَّا مِنْ الْبُدْنِ، ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا الْتَزَمَ بَدَنَةً فَإِنْ نَوَى شَيْئًا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى؛ لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ إذَا كَانَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ كَلَامِهِ فَهُوَ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ أَوْ جَزُورٌ فَيَنْحَرُهَا حَيْثُ شَاءَ فِي قَوْلِهِمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَقِيسُهُ عَلَى الْهَدْيِ، وَهُوَ يَخْتَصُّ بِمَكَّةَ اتِّفَاقًا وَهُمَا قَاسَاهُ عَلَى مَا إذَا الْتَزَمَ جَزُورًا فَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِمَكَّةَ اتِّفَاقًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (بَابُ الْقِرَانِ) هُوَ مَصْدَرُ قَرَنَ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَفِعَالٌ يَجِيءُ مَصْدَرًا مِنْ الثَّلَاثِي كَلِبَاسٍ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُقَالُ قَرَنْت الْبَعِيرَيْنِ إذَا جَمَعْت بَيْنَهُمَا بِحَبْلٍ، وَسَيَأْتِي مَعْنَاهُ شَرْعًا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُحْرِمِينَ أَرْبَعَةٌ مُفْرِدٌ بِالْحَجِّ إنْ أَحْرَمَ بِهِ مُفْرَدًا أَوْ مُفْرِدٌ بِالْعُمْرَةِ إنْ أَحْرَمَ بِهَا فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَطَافَ لَهَا كَذَلِكَ حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ لَا أَوْ طَافَ فِيهَا وَلَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَطَافَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ حَجَّ وَأَلَمَّ بَيْنَهُمَا بِأَهْلِهِ إلْمَامًا صَحِيحًا، وَمُتَمَتِّعٌ إنْ أَتَى بِأَكْثَرِ أَشْوَاطِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِهَا فَقَطْ مُطْلَقًا، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلِمَّ بِأَهْلِهِ إلْمَامًا صَحِيحًا وَقَارِنٌ إنْ أَحْرَمَ بِهِمَا مَعًا، أَوْ أَدْخَلَ إحْرَامَ الْحَجِّ عَلَى إحْرَامِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لَهَا أَكْثَرَ الْأَشْوَاطِ أَوْ أَدْخَلَ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ إلَى إحْرَامِ الْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لِلْقُدُومِ وَلَوْ شَوْطًا وَلَا إسَاءَةَ فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَهُوَ قَارِنٌ مُسِيءٌ فِي الثَّالِثِ، وَأَمَّا الْإِحْرَامُ الْمُبْهَمُ كَأَنْ يُحْرِمَ بِنُسُكٍ مُبْهَمٍ ثُمَّ يَصْرِفَهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ لَهُمَا الْإِحْرَامُ الْمُعَلَّقُ كَأَنْ يُحْرِمَ بِإِحْرَامٍ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ فَلَيْسَ خَارِجًا عَنْ الْأَرْبَعَةِ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ هُوَ أَفْضَلُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ) بَيَانٌ لِأَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ جَوَازُ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إلَّا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمْرٍو وَعَنْ عُثْمَانَ ﵄ أَنَّهُمَا كَانَ يَنْهَيَانِ عَنْ التَّمَتُّعِ، وَحَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى نَهْيِ التَّنْزِيهِ حَمْلًا لِلنَّاسِ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ لَا أَنَّهُمَا يَعْتَقِدَانِ بُطْلَانَهُ مَعَ عِلْمِهِمَا بِالْآيَةِ الشَّرِيفَةِ، وَحَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فَسْخُ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ ــ [منحة الخالق] [بَابُ الْقِرَانِ] (بَابُ الْقِرَانِ) (قَوْلُهُ وَطَافَ لَهَا كَذَلِكَ) أَيْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَقَوْلُهُ أَوْ طَافَ فِيهَا أَيْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَقَوْلُهُ كَذَلِكَ أَيْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (قَوْلُهُ فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ) أَيْ مِنْ أَقْسَامِ الْقَارِنِ الثَّلَاثَةِ

стр. 787

سِيَاقَ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ يَقْتَضِي خِلَافَهُ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيْضًا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] دَلِيلُ الْإِفْرَادِ. وَقَوْلُهُ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] دَلِيلُ الْقِرَانِ، وَقَوْلُهُ ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] دَلِيلُ التَّمَتُّعِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا وَمِنَّا مَنْ قَرَنَ وَمِنَّا مَنْ تَمَتَّعَ» الثَّانِي تَفْضِيلُ الْقِرَانِ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ، وَفَضَّلَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ الْإِفْرَادَ، وَفَضَّلَ أَحْمَدُ التَّمَتُّعَ وَأَصْلُهُ الِاخْتِلَافُ فِي حِجَّتِهِ ﷺ وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ الْكَلَامَ فِيهَا، وَأَوْسَعُهُمْ نَفَسًا فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى أَلْفِ وَرَقَةٍ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ الِاخْتِلَافِ أَيْسَرَ مِنْ هَذَا وَإِنْ كَانَ الْغَلَطُ فِيهِ قَبِيحًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ يَعْنِي لَمَّا كَانَتْ الثَّلَاثَةُ مُبَاحَةً لَمْ يَكُنْ فِي الِاخْتِلَافِ تَغْيِيرُ حُكْمٍ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ حِجَّةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى نَقْلِهَا كَانَ اخْتِلَافُهُمْ قَبِيحًا مِنْهُمْ فَمَا يُرَجِّحُ أَنَّهُ ﵇ كَانَ قَارِنًا مَا رَوَاهُ عَلِيٌّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأَنَسٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِرِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ وَعِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَحَفْصَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَمِمَّا يُرَجِّحُ أَنَّهُ ﵇ كَانَ مُفْرِدًا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ ﵃ وَمِمَّا يُرَجِّحُ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا مَا ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَجَمَعَ أَئِمَّتُنَا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ سَبَبَ رِوَايَةِ الْإِفْرَادِ سَمَاعُ مَنْ رَأَى تَلْبِيَتَهُ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، وَرِوَايَةِ التَّمَتُّعِ سَمَاعُ مَنْ سَمِعَهُ يُلَبِّي بِالْعُمْرَةِ، وَرِوَايَةِ الْقِرَانِ سَمَاعُ مَنْ سَمِعَهُ يُلَبِّي بِهِمَا، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إفْرَادِ ذِكْرِ نُسُكٍ فِي التَّلْبِيَةِ وَعَدَمِ ذِكْرِ شَيْءٍ أَصْلًا وَجِهَةٌ أُخْرَى مَعَ نِيَّةِ الْقِرَانِ فَهُوَ نَظِيرُ سَبَبِ الِاخْتِلَافِ فِي تَلْبِيَتِهِ ﵇ أَكَانَتْ دُبُرَ الصَّلَاةِ أَوْ عِنْدَ اسْتِوَاءِ نَاقَتِهِ أَوْ حِينَ عَلَا عَلَى الْبَيْدَاءِ فَرَوَى كُلٌّ بِحَسَبِ مَا سَمِعَ، وَمَا يُرَجِّحُ الْقِرَانَ أَنَّ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ رَوَى التَّمَتُّعَ فَتَنَاقَضَ بِخِلَافِ مَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ وَهُوَ بِلُغَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَعُرْفِ الصَّحَابَةِ أَعَمُّ مِنْ الْقِرَانِ، وَتَرَجَّحَ الْفَرْدُ الْمُسَمَّى بِالْقِرَانِ فِي الِاصْطِلَاحِ بِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ رَكْعَتَيْنِ» وَقُلْ عُمْرَةٌ فِي حِجَّةٍ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ امْتِثَالِ مَا أُمِرَ بِهِ فِي مَقَامِهِ الَّذِي هُوَ وَحْيٌ وَلِأَئِمَّتِنَا تَرْجِيحَاتٌ كَثِيرَةٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالصَّوَابُ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ ﷺ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوَّلًا مُفْرِدًا ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ فَصَارَ قَارِنًا وَإِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ جَائِزٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا وَعَلَى الْأَصَحِّ لَا يَجُوزُ لَنَا، وَجَازَ لِلنَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ السَّنَةَ لِلْحَاجَةِ وَأَمَرَ بِهِ فِي قَوْلِهِ لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحِجَّةً فَمَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا اعْتَمَدَ أَوَّلَ الْإِحْرَامِ، وَمَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا اعْتَمَدَ آخِرَهُ، وَمَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَرَادَ التَّمَتُّعَ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِأَنْ كَفَاهُ عَنْ النُّسُكَيْنِ فِعْلٌ وَاحِدٌ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَعْتَمِرْ تِلْكَ السَّنَةَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً لَا قَبْلَ الْحَجِّ وَلَا بَعْدَهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنْ إفْرَادِ الْحَجِّ مِنْ غَيْرِ عُمْرَةٍ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ جُعِلَتْ حِجَّتُهُ ﵇ مُفْرَدَةً لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ اعْتَمَرَ تِلْكَ السَّنَةَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ الْحَجَّ وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ اهـ. ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَفَضَّلَ أَحْمَدُ التَّمَتُّعَ) قَالَ الْمَرْحُومُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَفَنْدِي الْعِمَادِيُّ مُفْتِي دِمَشْقَ الشَّامِ فِي مَنْسَكِهِ الْمُسَمَّى الْمُسْتَطَاعَ مِنْ الزَّادِ مَا حَاصِلُهُ أَنِّي لَمَّا حَجَجْت اخْتَرْت التَّمَتُّعَ لِمَا أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ وَأَسْهَلُ مِنْ الْقِرَانِ لِمَا عَلَى الْقَارِنِ مِنْ مَشَقَّةِ جَمْعِ أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ وَلِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْجِنَايَةِ مِنْ الدَّمَيْنِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلِنُكْتَةٍ أُخْرَى كَانَ التَّمَتُّعُ بِهَا لِأَمْثَالِنَا أَحْرَى، وَهِيَ إمْكَانُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى صِيَانَةِ إحْرَامِ الْحَجِّ لِلْمُتَمَتِّعِ مِنْ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ وَالْجِدَالِ فَيُرْجَى لَهُ أَنْ يَكُونَ حَجُّهُ مَبْرُورًا؛ لِأَنَّهُ مُفَسَّرٌ بِمَا لَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِيهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُتَمَتِّعُ أَقْرَبَ إلَى الِاحْتِرَازِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ إلَّا بِالْعُمْرَةِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ مِنْ الْحَرَمِ فَيُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ فِي ذَيْنِك الْيَوْمَيْنِ فَيَسْلَمَ حَجُّهُ بِخِلَافِ الْمُفْرِدِ وَالْقَارِنِ يَبْقَيَانِ مُحْرِمَيْنِ بِالْحَجِّ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ أَيَّامٍ، وَقَلَّمَا يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ عَلَى الِاحْتِرَازِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الشِّهَابُ أَحْمَدُ الْمَنِينِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ وَهُوَ كَلَامٌ نَفِيسٌ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْقِرَانَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ لَكِنْ قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ مَا يَجْعَلُهُ مَرْجُوحًا بِالنَّظَرِ إلَى التَّمَتُّعِ فَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ أَنْ يَحُجَّ الرَّجُلُ قَارِنًا وَلَا يَسْلَمُ إحْرَامُهُ مِنْ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ وَالْجِدَالِ وَبَيْنَ أَنْ يَحُجَّ مُتَمَتِّعًا وَيَسْلَمُ إحْرَامُهُ عَنْهَا فَالْأَوْلَى فِي حَقِّهِ أَنْ يَحُجَّ مُتَمَتِّعًا لِيَسْلَمَ حَجُّهُ وَيَكُونَ مَبْرُورًا؛ لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْعُمْرِ فَلْيَحْرِصْ الْحَاجُّ مَهْمَا أَمْكَنَهُ عَلَى صَوْنِهِ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ لِئَلَّا يَضِيعَ سَعْيُهُ وَمَالُهُ اهـ. (قَوْلُهُ وَلَوْ جُعِلَتْ حَجَّتُهُ ﵇ مُفْرَدَةً إلَخْ) أَيْ مِنْ غَيْرِ إدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَيْهَا وَهَذَا مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ كَمَا

стр. 788

وَبِهَذَا تَبَيَّنَ صِحَّةُ مَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ الِاخْتِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا هُوَ أَنَّ إفْرَادَ كُلِّ نُسُكٍ بِإِحْرَامٍ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ أَفْضَلُ أَوْ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ أَفْضَلُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِتَفْضِيلِ الْحَجِّ وَحْدَهُ عَلَى الْقِرَانِ وَتَبَيَّنَ بِهِ بُطْلَانُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا رَدًّا عَلَى صَاحِبِ النِّهَايَةِ. وَمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ حِجَّةٌ كُوفِيَّةٌ وَعُمْرَةٌ كُوفِيَّةٌ أَفْضَلُ عِنْدِي مِنْ الْقِرَانِ فَلَيْسَ بِمُوَافِقٍ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي تَفْضِيلِ الْإِفْرَادِ فَإِنَّهُ يُفَضِّلُ الْإِفْرَادَ سَوَاءٌ أَتَى بِنُسُكَيْنِ فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي سُفْرَتَيْنِ وَمُحَمَّدٌ إنَّمَا فَضَّلَ الْإِفْرَادَ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى سَفَرَيْنِ، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ لُزُومِ مُوَافَقَةِ مُحَمَّدٍ لِلشَّافِعِيِّ. (قَوْلُهُ وَهُوَ أَنْ يُهِلَّ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ وَيَقُولَ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ فَيَسِّرْهُمَا لِي وَتَقَبَّلْهُمَا مِنِّي) أَيْ الْقِرَانُ أَنْ يُلَبِّيَ بِالنُّسُكَيْنِ مَعَ النِّيَّةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا مِنْ غَيْرِ مَكَّةَ وَمَا كَانَ فِي حُكْمِهَا وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْإِهْلَالِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِهَا مُسْتَحَبٌّ، وَأَرَادَ بِالْمِيقَاتِ مَا ذَكَرْنَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْقَارِنَ لَا يَكُونُ إلَّا آفَاقِيًّا، وَهُوَ أَحْسَنُ مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ فَإِنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَوْ بَعْدَ الْخُرُوجِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ أَوْ دَاخِلَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ قَارِنًا وَقُلْنَا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ مَا إذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لَهَا الْأَكْثَرَ أَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فِي الثَّانِي كَمَا قَدَّمْنَاهُ لِوُجُودِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْإِحْرَامِ حُكْمًا، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَيَقُولُ النِّيَّةُ لَا التَّلَفُّظُ إنْ عَطَفَهُ عَلَى يُهِلُّ فَيَكُونَ مَنْصُوبًا مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ، وَإِنْ رُفِعَ كَانَ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ بَيَانًا لِلسُّنَّةِ فَإِنَّ السُّنَّةَ لِلْقَارِنِ التَّلَفُّظُ بِهَا وَتَقْدِيمُ الْعُمْرَةِ فِي الذِّكْرِ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلتَّرْتِيبِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُصَنِّفُ وُقُوعَ الْإِحْرَامِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ فِيهَا كَمَا هُوَ شَرْطٌ فِي التَّمَتُّعِ لِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَوْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ فِي رَمَضَانَ فَهُوَ قَارِنٌ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَطُفْ لِعُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ فِيهِ، وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمُوا فَإِنَّ الْقِرَانَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِمَعْنَى الْجَمْعِ لَا الْقِرَانِ الشَّرْعِيِّ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ نَفَى لَازِمَ الْقِرَانِ بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ لُزُومُ الدَّمِ شُكْرًا وَنَفْيُ اللَّازِمِ الشَّرْعِيِّ نَفْيٌ لِلْمَلْزُومِ الشَّرْعِيِّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ النُّسُكَ الْمُسْتَعْقِبَ لِلدَّمِ شُكْرًا هُوَ مَا تَحَقَّقَ فِيهِ فِعْلُ الْمَشْرُوعِ الْمُرْتَفِقِ بِهِ النَّاسِخِ لِمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَذَلِكَ بِفِعْلِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَإِنْ كَانَ مَعَ الْجَمْعِ فِي الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَكْثَرِ طَوَافِ الْعُمْرَةِ فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْقِرَانِ، وَإِلَّا فَهُوَ التَّمَتُّعُ بِالْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ وَكِلَاهُمَا التَّمَتُّعُ بِالْإِطْلَاقِ الْقُرْآنِيِّ وَعُرْفِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ إطْلَاقُ اللُّغَةِ لِحُصُولِ الرِّفْقِ بِهِ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. (قَوْلُهُ وَيَطُوفُ وَيَسْعَى لَهَا ثُمَّ يَحُجُّ كَمَا مَرَّ) يَعْنِي يَأْتِي بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ أَوَّلًا مِنْ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالرَّمَلِ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ ثُمَّ ــ [منحة الخالق] لَا يَخْفَى لَا كَمَا فَهِمَهُ الرَّمْلِيُّ (قَوْلُهُ وَتَبَيَّنَ بِهِ بُطْلَانُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ) حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ النِّهَايَةِ وَلَمْ يَنْقُلْ فِيهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا قَالَهُ حَزْرًا وَاسْتِدْلَالًا بِمَوَاضِعِ الِاحْتِجَاجِ، وَإِطْلَاقُهُمْ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ يَرُدُّهُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يُرَادُ بِهِ الْإِفْرَادُ بِالْحَجِّ وَأَيْضًا لَوْ كَانَ كَمَا قَالَهُ لَكَانَ مُحَمَّدٌ مَعَ الشَّافِعِيِّ وَكُلُّهُمْ كَانُوا مَعَهُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ قَوْلَهُمَا خِلَافُ ذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ اهـ. وَجَزَمَ فِي الْفَتْحِ بِمَا فِي النِّهَايَةِ. (قَوْلُهُ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَبِهِ اسْتَغْنَى عَمَّا فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة، وَأَمَّا لُزُومُ كَوْنِ الْكُلِّ مَعَهُ فَمَمْنُوعٌ بِقَوْلِهِ عِنْدِي. (قَوْلُهُ إنْ عَطَفَهُ عَلَى يُهِلُّ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ إنْ عَطَفَ قَوْلَهُ وَيَقُولُ عَلَى قَوْلِهِ يُهِلُّ فَيَكُونُ مَنْصُوبًا مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ كَانَ الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ النِّيَّةَ لَا التَّلَفُّظَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ شَرْطٍ قَالَ فِي النَّهْرِ: وَأَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ أُرِيدَ بِالْقَوْلِ النَّفْسِيِّ لَا يَتِمُّ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْإِرَادَةَ غَيْرُ النِّيَّةِ فَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَدِّ فِي شَيْءٍ اهـ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْقَوْلِ الْإِرَادَةُ حَتَّى يُرَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ النِّيَّةُ نَعَمْ فِي جَعْلِ الشَّرْطِ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ نَظَرٌ وَهَذَا شَيْءٌ آخَرُ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْوَاوَ لِلتَّرْتِيبِ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا لَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ وَهُوَ الصَّوَابُ أَيْ إنَّ تَقْدِيمَ الْعُمْرَةِ فِي الذِّكْرِ إذَا أَحْرَمَ بِهِمَا مَعًا وَفِي التَّلْبِيَةِ بَعْدَهُ، وَالدُّعَاءُ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ. (قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ بِنَاءً عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ الْبَعْضُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْقِرَانِ مَعْنَاهُ الِاصْطِلَاحِيُّ وَسَيُنَبِّهُ الْمُؤَلِّفُ عَلَى رَدِّهِ هُنَا وَفِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَالَ إنَّ الْحَقَّ اشْتِرَاطُ فِعْلِ أَكْثَرِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. (قَوْلُهُ لَا الْقِرَانُ الشَّرْعِيُّ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ قَارِنٌ بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ أَيْضًا كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ إطْلَاقِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَارِنٌ وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا ارْتَكَبَ مَحْظُورًا يَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيُ شُكْرٍ؛ لِأَنَّ أَدَاءَهُ لَمْ يَقَعْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ الْمُقَرَّرِ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ إيقَاعِ أَكْثَرِ الْعُمْرَةِ فِي

стр. 789

يَأْتِي بِأَفْعَالِ الْحَجِّ كُلِّهَا ثَانِيًا فَيَبْدَأُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ وَيَسْعَى بَعْدَهُ إنْ شَاءَ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ أَعْنِي تَقْدِيمَ الْعُمْرَةِ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] جَعَلَ الْحَجَّ غَايَةً وَهُوَ شَامِلٌ لِلْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ طَافَ أَوَّلًا لِحِجَّتِهِ وَسَعَى لَهَا ثُمَّ طَافَ لِعُمْرَتِهِ وَسَعَى لَهَا فَطَوَافُهُ الْأَوَّلُ وَسَعْيُهُ يَكُونُ لِلْعُمْرَةِ وَنِيَّتُهُ لَغْوٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَلْقَ لِلْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ بَيْنَهُمَا بِالْحَلْقِ فَلَوْ حَلَقَ كَانَ جِنَايَةً عَلَى الْإِحْرَامَيْنِ أَمَّا عَلَى إحْرَامِ الْحَجِّ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ أَوَانَ التَّحَلُّلِ فِيهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَمَّا عَلَى إحْرَامِ الْعُمْرَةِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَوَانَ تَحَلُّلِ الْقَارِنِ يَوْمَ النَّحْرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ قَالَ الشَّارِحُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إذَا سَاقَ الْهَدْيَ وَفَرَغَ مِنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ وَحَلَقَ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ وَلَا يَتَحَلَّلُ بِذَلِكَ مِنْ عُمْرَتِهِ بَلْ يَكُونُ جِنَايَةً عَلَى إحْرَامِهَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فَهَذَا أَوْلَى. (قَوْلُهُ فَإِنْ طَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ جَازَ وَأَسَاءَ) بِأَنْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَوْطًا وَسَعَى كَذَلِكَ، وَأَرَادَ بِالْوَاوِ مَعْنًى ثُمَّ أَوْ الْفَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا أَتَى بِالسَّعْيِ بَعْدَ الطَّوَافَيْنِ وَلَا يُفْهَمُ هَذَا مِنْ الْوَاوِ لِأَنَّهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَلِهَذَا أَتَى فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِثُمَّ وَاخْتَلَفُوا فِي ثَانِي الطَّوَافَيْنِ فِي قَوْلِهِمْ طَافَ طَوَافَيْنِ فَذَهَبَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالشَّارِحُونَ تَبَعًا لِلْمَبْسُوطِ إلَى أَنَّهُ طَوَافُ الْقُدُومِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَقَدْ أَسَاءَ بِتَأْخِيرِ سَعْيِ الْعُمْرَةِ وَتَقْدِيمِ طَوَافِ التَّحِيَّةِ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ فِي الْمَنَاسِكِ لَا يُوجِبُ الدَّمَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ طَوَافُ التَّحِيَّةِ سُنَّةٌ وَتَرْكُهُ لَا يُوجِبُ الدَّمَ فَتَقْدِيمُهُ أَوْلَى، وَالسَّعْيُ بِتَأْخِيرِهِ بِالِاشْتِغَالِ بِعَمَلٍ آخَرَ لَا يُوجِبُ الدَّمَ فَكَذَا بِالِاشْتِغَالِ بِالطَّوَافِ اهـ. وَذَهَبَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَحَدِهِمَا طَوَافُ الْعُمْرَةِ وَبِالْآخِرِ طَوَافُ الزِّيَارَةِ بِأَنْ أَتَى بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْوُقُوفِ ثُمَّ طَافَ لِلزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ سَعَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَوْطًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ يُجْزِئُهُ وَالْمُجْزِئُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَكُونُ كَافِيًا فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْفَرْضِ وَلَا يَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِتَرْكِ الْفَرْضِ وَالْإِتْيَانِ بِالسُّنَّةِ وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ إنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ عِنْدَنَا لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِمَا إلَّا طَوَافَ الْعُمْرَةِ وَطَوَافَ الزِّيَارَةِ. (قَوْلُهُ وَإِذَا رَمَى يَوْمَ النَّحْرِ ذَبَحَ شَاةً أَوْ بَدَنَةً أَوْ سُبُعَهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَالتَّمَتُّعُ يَشْمَلُ الْقِرَانَ الْعُرْفِيَّ وَالتَّمَتُّعَ الْعُرْفِيَّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَيَّدَ بِالذَّبْحِ بَعْدَ الرَّمْيِ لِأَنَّ الذَّبْحَ قَبْلَهُ لَا يَجُوزُ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ الذَّبْحَ بِالْمَحَبَّةِ كَمَا قَيَّدَهُ بِهَا فِي ذَبْحِ الْمُفْرِدِ لِمَا أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ، وَأَطْلَقَ الْبَدَنَةَ فَشَمِلَتْ الْبَعِيرَ وَالْبَقَرَةَ وَالسُّبُعُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعَةِ أَجْزَاءٍ، وَإِنَّمَا كَانَ مُجْزِئًا لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَحْرنَا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ ــ [منحة الخالق] الْأَشْهُرِ فَإِنَّهُ مِنْ وَجْهٍ فِي حُكْمِ مَنْ أَفْرَدَ بِعُمْرَةٍ فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ ثُمَّ أَفْرَدَ بِالْحَجِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِقَارِنٍ إجْمَاعًا. اهـ. (قَوْلُهُ فَيَبْدَأُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ) سَيَنُصُّ الْمُؤَلِّفُ عَلَى أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَرْمُلُ فِي طَوَافِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَارِنَ كَذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْته فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ قَالَ وَلَا يَرْمُلُ الْقَارِنُ وَالْمُفْرِدُ إلَّا فِي طَوَافِ التَّحِيَّةِ وَلَا يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بَعْدَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ أَمَّا الْمُتَمَتِّعُ يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّهُ يَسْعَى بَعْدَهُ بِخِلَافِ الْمُفْرِدِ وَالْقَارِنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَسْعَيَانِ بَعْدَهُ لِوُجُودِ السَّعْيِ عَقِبَ طَوَافِ التَّحِيَّةِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَرْمُلَ فِي كُلِّ طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ. اهـ. وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ عَنْ الْمُحِيطِ مَا يُشِير إلَيْهِ أَيْضًا وَسَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّمَا لَا يَرْمُلُ الْمُتَمَتِّعُ فِي طَوَافِ التَّحِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَنُّ فِي حَقِّهِ طَوَافُ التَّحِيَّةِ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ نَعَمْ لَوْ طَافَ لِلتَّحِيَّةِ وَسَعَى وَرَمَلَ لَمْ يَعُدَّهُمَا فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَكَرَّرَانِ كَمَا يَأْتِي أَيْضًا ثُمَّ رَأَيْت أَيْضًا فِي اللُّبَابِ قَالَ فَيَطُوفُ لَهَا أَيْ لِلْعُمْرَةِ سَبْعًا وَيَضْطَبِعُ فِيهِ وَيَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ يَطُوفُ لِلْقُدُومِ وَيَضْطَبِعُ فِيهِ، وَيَرْمُلُ إنْ قَدَّمَ السَّعْيَ اهـ. قَالَ الْقَارِي فِي شَرْحِهِ وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ لِمَا قَالُوا مِنْ أَنَّ كُلَّ طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ فَالرَّمَلُ فِيهِ سُنَّةٌ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْكَرْمَانِيُّ حَيْثُ قَالَ يَطُوفُ طَوَافَ الْقُدُومِ وَيَرْمُلُ فِيهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ طَوَافٌ بَعْدَهُ سَعْيٌ، وَكَذَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَإِنَّمَا الرَّمَلُ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَطَوَافِ الْقُدُومِ مُفْرِدًا كَانَ أَوْ قَارِنًا، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْغَايَةِ لِلسُّرُوجِيِّ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَارِنًا لَمْ يَرْمُلْ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ إنْ كَانَ رَمَلَ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ فَخِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. اهـ. (قَوْلُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ يُجْزِئُهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ فَإِنْ قُلْت الْمُرَادُ بِالْإِجْزَاءِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، وَهُوَ الِاكْتِفَاءُ قُلْت يَرُدُّهُ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا هُوَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ إذْ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يُجْزِئُهُ أَيْ مَا فَعَلَهُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالسَّعْيِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ لِلْعُمْرَةِ، وَإِنْ قَدَّمَ طَوَافَ الْحَجِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وَصْلَ سَعْيِ طَوَافِ الْعُمْرَةِ بِطَوَافِهَا غَيْرُ وَاجِبٍ وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا هُوَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَحَطَّ الْفَائِدَةِ أَنَّ سَعْيَهُ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ مُسِيءٌ بِتَقْدِيمِ طَوَافِ الْحَجِّ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا اكْتَفَيْنَا مُؤْنَةَ التَّعْبِيرِ بِالْإِجْزَاءِ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ وَلَمْ يُقَيِّدْ الذَّبْحَ بِالْمَحَبَّةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ بِقَوْلِهِ إنْ أَحَبَّ، وَقَوْلُهُ كَمَا قَيَّدَهُ بِهَا فِي ذَبْحِ الْمُفْرِدِ غَفْلَةٌ مِنْهُ

стр. 790

عَنْ سَبْعَةٍ. وَأَشَارَ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْبَدَنَةِ وَسُبُعِهَا إلَى أَنَّهُ دَمُ عِبَادَةٍ لَا دَمُ جِنَايَةٍ فَيَأْكُلُ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي وَسَيَأْتِي فِي الْأُضْحِيَّةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ مُرِيدًا لِلْقُرْبَةِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ الْقُرْبَةِ فَلَوْ أَرَادَ أَحَدُ السَّبْعَةِ لَحْمًا لِأَهْلِهِ لَا يُجْزِئُهُمْ. وَاسْتَدَلَّ لَهُ بَعْضُ شَارِحِي الْمَصَابِيحِ بِقَوْلِهِ ﷺ «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْته وَشِرْكَهُ» وَمَا فِي الْمُبْتَغَى وَلَوْ بَعَثَ الْقَارِنُ بِثَمَنِ هَدْيَيْنِ فَلَمْ يُوجَدْ بِذَلِكَ بِمَكَّةَ إلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ فَبِذَبْحِهِ لَا يَتَحَلَّلُ عَنْ الْإِحْرَامَيْنِ وَلَا عَنْ أَحَدِهِمَا اهـ. مَحْمُولٌ عَلَى هَدْيِ الْإِحْصَارِ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ لَا عَلَى ذَبْحِ دَمِ الشُّكْرِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْخَانِيَّةِ: وَالِاشْتِرَاكُ فِي الْبَقَرَةِ أَفْضَلُ مِنْ الشَّاةِ وَالْجَزُورُ أَفْضَلُ مِنْ الْبَقَرَةِ كَمَا فِي الْأُضْحِيَّةِ فَإِنْ كَانَ الْقَارِنُ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَ نَفْسِهِ كَانَ أَفْضَلَ. (قَوْلُهُ وَصَامَ الْعَاجِزُ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ وَسَبْعَةً إذَا فَرَغَ وَلَوْ بِمَكَّةَ) أَيْ صَامَ الْعَاجِزُ عَنْ الْهَدْيِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَالْعِبْرَةُ لِأَيَّامِ النَّحْرِ فِي الْعَجْزِ وَالْقُدْرَةِ وَكَذَا لَوْ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ ــ [منحة الخالق] لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِهَا أَيْضًا بَلْ قَالَ ثُمَّ اذْبَحْ ثُمَّ احْلِقْ أَوْ قَصِّرْ وَالْحَلْقُ أَحَبُّ. (قَوْلُهُ وَأَشَارَ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْبَدَنَةِ وَسُبُعِهَا إلَى أَنَّهُ دَمُ عِبَادَةٍ إلَخْ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ دَمَ جِنَايَةٍ لَمَا تَخَيَّرَ وَفِي أُضْحِيَّةِ الْوِقَايَةِ وَشَرْحِهَا لِلْقُهُسْتَانِيِّ كَبَقَرَةٍ ذَبَحَهَا ثَلَاثَةٌ عَنْ أُضْحِيَّةٍ وَمُتْعَةٍ وَقِرَانٍ فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَكَذَا لَوْ ذَبَحَ سَبْعَةً عَنْ تِلْكَ وَعَنْ الْإِحْصَارِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ أَوْ الْحَلْقِ وَالْعَقِيقَةِ وَالتَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي ظَاهِرِ الْأُصُولِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَلَوْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مُتَقَرِّبٌ جَازَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُكْرَهُ كَمَا فِي النَّظْمِ اهـ، وَسَيَذْكُرُ فِي الْهَدْيِ يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي بَدَنَةٍ كَمَا فِي الْأُضْحِيَّةِ بِشَرْطِ إرَادَةِ الْكُلِّ الْقُرْبَةَ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُمْ مِنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَإِحْصَارٍ وَجَزَاءِ صَيْدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ اهـ. (قَوْلُهُ وَالِاشْتِرَاكُ فِي الْبَقَرَةِ أَفْضَلُ مِنْ الشَّاةِ) قَالَ فِي الشرنبلالية يُقَيَّدُ بِمَا إذَا كَانَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الْبَقَرَةِ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ الشَّاةِ كَمَا هُوَ فِي مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَصَامَ الْعَاجِزُ عَنْهُ) اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَعْرِيفِ حَدِّ الْغَنِيِّ فِي بَابِ الْكَفَّارَاتِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ قُوتُ شَهْرٍ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ أَقَلُّ مِنْهُ جَازَ لَهُ الصَّوْمُ، وَقَالَ ابْنُ مُقَاتِلٍ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الصَّوْمُ إنْ كَانَ الطَّعَامُ الَّذِي عِنْدَهُ مِقْدَارُ مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ قَدْرُ مَا يُشْتَرَى بِهِ مَا وَجَبَ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي الْعَامِلِ بِيَدِهِ أَيْ الْكَاسِبُ يُمْسِكُ قُوتَ يَوْمِهِ وَيُكَفِّرُ بِالْبَاقِي وَمَنْ لَا يَعْمَلُ يُمْسِكُ قُوتَ شَهْرٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ إلَّا أَنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ عَيْنَ الْمَنْصُوصِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَدَائِعِ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَنْ مَسْكَنِهِ وَكِسْوَتِهِ عَنْ الْكَفَافِ وَكَانَ الْفَضْلُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَنْ الْمَنْسَكِ الْكَبِيرِ لِلسِّنْدِيِّ يُعْلَمُ مِنْ عِبَارَةِ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مُعْسِرًا وَبِبَلَدِهِ مُوسِرًا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّ مَكَانَ الدَّمِ مَكَّةُ فَاعْتُبِرَ يَسَارُهُ وَإِعْسَارُهُ بِهَا اهـ. (قَوْلُهُ وَالْعِبْرَةُ لِأَيَّامِ النَّحْرِ فِي الْعَجْزِ وَالْقُدْرَةِ) ذَكَرَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَةٍ سَمَّاهَا بَدِيعَةَ الْهَدْيِ لِمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَذَكَرَ أَنَّ الْمُحَلَّلَ عَنْ الْإِحْرَامِ لِغَيْرِ الْمُحْصَرِ إنَّمَا هُوَ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ وَلِلْمُحْصَرِ ذَبْحُ الْهَدْيِ فِي مَحِلِّهِ، وَذَكَرَ أَنَّ الْهَدْي وَجَبَ شُكْرًا عَلَى الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ وَأَنَّهُ أَصْلٌ وَالصَّوْمُ خَلَفٌ عَنْهُ وَأَنَّ شَرْطَ بَدَلِيَّتِهِ تَقْدِيمُ الثَّلَاثَةِ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ ثُمَّ حَقَّقَ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِوُجُودِ الْهَدْيِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَأَنَّهُ لَا بَدَلِيَّةَ بَيْنَ الْهَدْيِ وَالْحَلْقِ حَتَّى يُقَالَ وُجُودُ الْهَدْيِ بَعْدَ الْحَلْقِ لَا يُعْتَبَرُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْخَلَفِ وَهُوَ الْحَلْقُ كَمَا وَقَعَ فِي عِدَّةٍ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ إذْ لَا دَخْلَ لِلْحَلْقِ قَبْلَ وُجُودِهِ فِيهَا فَوُجُودُهُ فِيهَا يُبْطِلُ حُكْمَ الصَّوْمِ فَيَلْزَمُهُ ذَبْحُهُ، وَإِنْ تَحَلَّلَ قَبْلَهُ لِمُوجِبِ إطْلَاقِ النَّصِّ وَلِقَوْلِ الْمُحَقِّقِينَ الْعِبْرَةُ لِأَيَّامِ النَّحْرِ وُجُودًا وَعَدَمًا لِلْهَدْيِ قَالَ الْكَمَالُ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ فِي خِلَال الثَّلَاثَةِ أَوْ بَعْدَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَزِمَهُ الْهَدْيُ وَسَقَطَ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّهُ خَلَفٌ. وَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ تَأَدِّي الْحُكْمِ بِالْخَلَفِ بَطَلَ الْخَلَفُ اهـ. فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ خَلَفٌ عَنْ الْهَدْيِ وَالْهَدْيُ لَا يُتَحَلَّلُ بِهِ وَلَا بِخَلَفِهِ بَلْ بِالْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ، وَهَذَا عَيْنُ الصَّوَابِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ بَعْدَ الْحَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَصُومَ السَّبْعَةَ فِي أَيَّامِ الذَّبْحِ أَوْ بَعْدَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْهَدْيُ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ قَدْ حَصَلَ بِالْحَلْقِ فَوُجُودُ الْأَصْلِ بَعْدَهُ لَا يَنْقُضُ الْخَلَفَ اهـ. فَفِيهِ تَدَافُعٌ وَتَقْيِيدٌ لِمُطْلَقِ الْكِتَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَفَادَ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِالْهَدْيِ أَصْلًا وَبِالْحَلْقِ خَلَفًا فَإِذَا وَجَدَ الْهَدْيَ لَا يَبْطُلُ خَلَفُهُ الَّذِي هُوَ الْحَلْقُ عَلَى كَلَامِهِ الْأَخِيرِ، وَالصَّوَابُ كَلَامُهُ الْأَوَّلُ ثُمَّ نَقَلَ نَحْوَهُ عَنْ الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَمِنْهَا مَا فِي هَذَا الشَّرْحِ وَنَازَعَهُمْ بِمَا مَرَّ وَحَاصِلُ كَلَامِهِ وُجُوبُ الْهَدْيِ بِوُجُودِهِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ سَوَاءٌ حَلَقَ أَوْ لَا، وَأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْهَدْيُ إلَّا بِوُجُودِهِ بَعْدَهَا مُخَالِفًا لِمَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ الْوَاجِبَ

стр. 791

صَوْمَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ بَعْدَمَا أَكْمَلَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَيَحِلَّ وَهُوَ فِي أَيَّامِ الذَّبْحِ بَطَلَ صَوْمُهُ، وَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالْهَدْيِ وَلَوْ وَجَدَ الْهَدْيَ بَعْدَمَا حَلَقَ وَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَصُومَ السَّبْعَةَ صَحَّ صَوْمُهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَبْحُ الْهَدْيِ وَلَوْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ الذَّبْحِ ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْيَ فَصَوْمُهُ مَاضٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَذَا ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَامَ فِي وَقْتِهِ مَعَ وُجُودِ الْهَدْيِ يَنْظُرُ فَإِنْ بَقِيَ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يُجْزِهِ لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ الذَّبْحِ جَازَ لِلْعَجْزِ عَنْ الْأَصْلِ فَكَانَ الْمُعْتَبَرُ وَقْتُ التَّحَلُّلِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَوْلُهُ آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ وَإِلَّا فَوَقْتُهُ وَقْتُ الْحَجِّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَجِّ فِي الْآيَةِ وَقْتُهُ؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا، وَإِنَّمَا كَانَ الْأَفْضَلُ التَّأْخِيرَ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ بَدَلٌ عَنْ الْهَدْيِ فَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ إلَى آخِرِ وَقْتِهِ رَجَاءَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْأَصْلِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ إذَا فَرَغَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّجُوعِ فِي الْآيَةِ الْفَرَاغُ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ مَجَازًا إذْ الْفَرَاغُ سَبَبٌ لِلرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ، وَقَدْ عَمِلَ الشَّافِعِيُّ بِالْحَقِيقَةِ فَلَمْ يُجَوِّزْ صَوْمَهَا بِمَكَّةَ، وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ مَرْفُوعًا «وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ إلَى أَهْلَيْكُمْ» وَإِنَّمَا عَدَلَ أَئِمَّتُنَا عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ لِفَرْعٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَطَنٌ أَصْلًا لِيَرْجِعَ إلَيْهِ بَلْ مُسْتَمِرٌّ عَلَى السِّيَاحَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُهَا بِهَذَا النَّصِّ وَلَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ سِوَى الرُّجُوعِ عَنْ الْأَعْمَالِ، وَكَذَا لَوْ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْإِقَامَةِ بِهَا حَتَّى تَحَقَّقَ رُجُوعُهُ إلَى غَيْرِ أَهْلِهِ وَوَطَنِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَتَّخِذَهَا وَطَنًا كَانَ لَهُ أَنْ يَصُومَ بِهَا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ الرُّجُوعُ إلَى وَطَنِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَرَادَ بِالْفَرَاغِ الْفَرَاغَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ فَرْضًا وَوَاجِبًا وَهُوَ بِمُضِيِّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مِنْهَا يَوْمٌ لِلرَّمْيِ الْوَاجِبِ عَلَى مَنْ أَقَامَ بِهِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَيُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ صَامَ السَّبْعَةَ وَبَعْضَهَا مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلِمَا قَدَّمَهُ فِي بَحْثِ الصَّوْمِ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الصَّوْمِ فِيهَا مُطْلَقًا فَلِذَا لَمْ يُقَيِّدْ هَاهُنَا. (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَصُمْ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ تَعَيَّنَ الدَّمُ) أَيْ إنْ لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ حَتَّى دَخَلَ يَوْمُ النَّحْرِ لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ أَصْلًا، وَصَارَ الدَّمُ مُتَعَيِّنًا؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ بَدَلٌ وَالْأَبْدَالُ لَا تُنْصَبُ إلَّا شَرْعًا، وَالنَّصُّ خَصَّهُ بِوَقْتِ الْحَجِّ وَجَوَازُ الدَّمِ عَلَى الْأَصْلِ وَعَنْ ابْن عُمْر أَنَّهُ أَمَرَ فِي مِثْلِهِ بِذَبْحِ الشَّاةِ فَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهَدْيِ تَحَلَّلَ وَعَلَيْهِ دَمَانِ ــ [منحة الخالق] اتِّبَاعُ الْمَنْقُولِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الذَّبْحِ إبَاحَةُ التَّحَلُّلِ بِالْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الذَّبْحِ جَعَلَ الصَّوْمَ خَلَفًا عَنْهُ فِي إبَاحَةِ التَّحَلُّلِ بِالْحَلْقِ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الذَّبْحِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ قَبْلَ الْحَلْقِ، وَجَبَ الذَّبْحُ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْخَلَفِ فَبَطَلَ الْخَلَفُ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ قَبْلَ الصَّلَاةِ. أَمَّا لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحَلْقِ لَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ بِالْحَلْقِ وَحِينَئِذٍ فَحُصُولُ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الذَّبْحُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ لَا يَنْقُضُ الْخَلَفَ الَّذِي هُوَ الصَّوْمُ هَذَا مَعْنَى مَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْفَتْحِ وَلَا فِي غَيْرِهِ جَعَلَ الْحَلْقَ خَلَفًا عَنْ الذَّبْحِ وَقَوْلُهُمْ الْعِبْرَةُ لِأَيَّامِ النَّحْرِ يَعْنِي قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَامَ فِي وَقْتِهِ) اُنْظُرْ مَا هَذِهِ الدَّلَالَةِ وَمَا وَجْهُهَا وَلَيْسَ هَذَا فِي الْفَتْحِ بَلْ الَّذِي فِيهِ وَلَوْ صَامَ إلَخْ (قَوْلُهُ بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ آخِرَهَا يَوْمُ عَرَفَةَ أَنَّ صَوْمَهَا بَعْدَهُ لَا يَجُوزُ فَمَا فِي الْبَحْرِ فِيهِ نَظَرٌ اهـ. وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ رَاجِعٌ إلَى تَأْخِيرِ الصَّوْمِ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ لَا إلَى كَوْنِهِ قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ. اهـ. قُلْت: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا لَمْ يَخْفَ عَلَى صَاحِبِ النَّهْرِ حَتَّى يُجَابَ عَنْ نَظَرِهِ بِهِ؛ لِأَنَّ عِبَارَةَ الْمُؤَلِّفِ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْمُنَاسِبَ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى بَيَانِ مَا هُوَ الْأَهَمُّ وَهُوَ عَدَمُ جَوَازِ التَّأْخِيرِ، وَيَكُونُ حِينَئِذٍ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ لَا عَلَى بَيَانِ الْأَفْضَلِ وَتَرْكِ الْأَهَمِّ كَمَا فَعَلَ الْمُؤَلِّف تَأَمَّلْ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ الْآتِيَ فَإِنْ لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ تَعَيَّنَ الدَّمُ صَرِيحٌ فِي بَيَانِ عَدَمِ جَوَازِ التَّأْخِيرِ فَلِذَا جَعَلَ الْمُؤَلِّفُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ هُنَا آخِرَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ بَيَانًا لِلْأَفْضَلِ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ كَلَامُهُ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ) هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَمَتِّعِ أَمَّا الْقَارِنُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي اللُّبَابِ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ صِيَامِ الثَّلَاثَةِ أَنْ يَصُومَهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهِمَا فِي الْقَارِنِ وَبَعْدَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ فِي الْمُتَمَتِّعِ اهـ. لَكِنْ هَلْ يُشْتَرَطُ صَوْمُهَا فِي الْمُتَمَتِّعِ حَالَةَ وُجُودِ الْإِحْرَامِ أَمْ يَجُوزُ حَالَ كَوْنِهِ حَلَالًا أَيْ بَعْدَمَا أَحَلَّ مِنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ فِيهِ كَلَامٌ قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي صَوْمِ الْقَارِنِ فَهُوَ شَرْطٌ فِي صَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ بِلَا خِلَافٍ إلَّا إحْرَامَ الْحَجِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ صَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ فَقَطْ فَلَوْ صَامَ الْمُتَمَتِّعُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ جَازَ إلَّا أَنَّ وُجُودَ الْإِحْرَامِ حَالَةَ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ شَرْطٌ فِي جَوَازِ صَوْمِ الْقِرَانِ، وَأَمَّا صَوْمُ التَّمَتُّعِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فَفِي الْبَدَائِعِ وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ. قَالَ أَصْحَابُنَا يَجُوزُ سَوَاءٌ طَافَ لِعُمْرَتِهِ أَوْ لَمْ يَطُفْ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى لَكِنْ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْمُدَّعَى إذْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ

стр. 792

دَمُ التَّمَتُّعِ وَدَمُ التَّحَلُّلِ قَبْلَ الْهَدْيِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ هُنَا، وَقَالَ فِيمَا يَأْتِي فِي آخِرِ الْجِنَايَاتِ فَإِنْ حَلَقَ الْقَارِنُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَعَلَيْهِ دَمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ دَمٌ بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ؛ لِأَنَّ أَوَانَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَدَمٌ بِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ عَنْ الْحَلْقِ وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْأَوَّلُ فَنَسَبَهُ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ إلَى التَّخْلِيطِ لِكَوْنِهِ جَعَلَ أَحَدَ الدَّمَيْنِ هُنَا دَمَ الشُّكْرِ وَالْآخَرَ دَمَ الْجِنَايَةِ وَهُوَ صَوَابٌ وَفِيمَا يَأْتِي أَثْبَتَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ دَمَيْنِ آخَرَيْنِ سِوَى دَمِ الشُّكْرِ، وَنَسَبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَيْضًا فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ إلَى السَّهْوِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَا بَلْ كَلَامُهُ صَوَابٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَهُنَا لَمَّا لَمْ يَكُنْ جَانِيًا بِالتَّأْخِيرِ لِأَنَّهُ لِعَجْزِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ لِأَجْلِهِ دَمٌ وَلَزِمَهُ دَمٌ لِلْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ وَفِي بَابِ الْجِنَايَاتِ لَمَّا كَانَ جَانِيًا بِحَلْقِهِ قَبْلَ الذَّبْحِ لَزِمَهُ دَمَانِ كَمَا قَرَّرَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ دَمَ الشُّكْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُ فِي بَابِ الْقِرَانِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ إلَّا فِي الْجِنَايَةِ، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ هُنَاكَ بِأَزْيَدَ مِنْ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِرَفْضِ الْعُمْرَةِ وَقَضَاؤُهَا) يَعْنِي إنْ لَمْ يَأْتِ الْقَارِنُ بِالْعُمْرَةِ حَتَّى أَتَى بِالْوُقُوفِ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَانِيًا أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَذَلِكَ خِلَافُ الْمَشْرُوعِ فَعَدَمُ دُخُولِ مَكَّةَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ طَوَافِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ إذَا لَمْ يَطُفْ لَهَا، وَالْمُرَادُ أَكْثَرُ أَشْوَاطِهِ حَتَّى لَوْ طَافَ لَهَا أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ ثُمَّ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ رَافِضًا لَهَا إذْ قَدْ أَتَى بِرُكْنِهَا وَلَمْ يَبْقَ إلَّا وَاجِبَاتُهَا مِنْ الْأَقَلِّ وَالسَّعْيِ، وَيَأْتِي بِهَا يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ قَارِنٌ عَلَى حَالِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا طَافَ الْأَقَلَّ ثُمَّ وَقَفَ فَإِنَّهُ كَالْعَدَمِ فَيَصِيرُ رَافِضًا، وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الطَّوَافِ لِلْعُمْرَةِ عَدَمُ الطَّوَافِ أَصْلًا فَإِنَّهُ لَوْ طَافَ طَوَافًا مَا وَلَوْ قَصَدَ بِهِ طَوَافَ الْقُدُومِ لِلْحَجِّ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى طَوَافِ الْعُمْرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَافِضًا لَهَا بِالْوُقُوفِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ مِنْ جِنْسِ مَا هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ فِي وَقْتٍ يَصْلُحُ لَهُ يَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ وَعَنْ هَذَا قُلْنَا لَوْ طَافَ وَسَعَى لِلْحَجِّ ثُمَّ طَافَ وَسَعَى لِلْعُمْرَةِ كَانَ الْأَوَّلُ لَهَا وَالثَّانِي لَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَنْ سَجَدَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَنْوِي سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ انْصَرَفَ إلَى سَجْدَةِ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ بِكَوْنِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا وَقَعَ فِي كَافِي الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ قَبْلَ وَقْتِهِ لَا اعْتِبَارَ بِهِ وَقُيِّدَ بِالْوُقُوفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ رَافِضًا لَهَا بِمُجَرَّدِ التَّوَجُّهِ إلَى عَرَفَاتٍ هُوَ الصَّحِيحُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُصَلِّي الظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذَا تَوَجَّهَ إلَيْهَا أَنَّ الْأَمْرَ هُنَاكَ بِالتَّوَجُّهِ مُتَوَجِّهٌ بَعْدَ أَدَاءِ الظُّهْرِ وَالتَّوَجُّهُ فِي الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ قَبْلَ أَدَاءِ الْعُمْرَةِ فَافْتَرَقَا وَأَطْلَقَ فِي رَفْضِهَا فَشَمِلَ مَا إذَا قَصَدَهُ أَوْ لَا، وَأَشَارَ بِهِ إلَى سُقُوطِ دَمِ الْقِرَانِ عَنْهُ لِعَدَمِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ دَمٌ لِرَفْضِهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ تَحَلَّلَ بِغَيْرِ طَوَافٍ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ كَالْمُحْصِرِ وَوَجَبَ قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ كَالنَّذْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (بَابُ التَّمَتُّعِ) أَخَّرَهُ فِي الْقِرَانِ لِتَأَخُّرِهِ عَنْهُ رُتْبَةً كَمَا قَدَّمَهُ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مِنْ الْمَتَاعِ أَوْ الْمُتْعَةِ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ ــ [منحة الخالق] عَلَى الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ وَكَذَا مَا فِي الْمَدَارِكِ وَشَرْحِ الْكَنْزِ مِنْ أَنَّ وَقْتَهُ أَشْهُرُ الْحَجِّ بَيْنَ الْإِحْرَامَيْنِ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ لَكِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَعْدَ إحْرَامِ الْحَجِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ بَعْدَهُ هُوَ الْمُسْتَحَبُّ أَوْ الْمُتَعَيِّنُ اهـ. مُلَخَّصًا وَتَمَامُهُ فِيهِ. (قَوْلُهُ بَلْ كَلَامُهُ صَوَابٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ) إلَخْ حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمَامِ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ دَمُ الْقِرَانِ وَدَمُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ وَدَمُ تَأْخِيرِ الذَّبْحِ، وَلَمَّا كَانَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ هُنَا فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ الْهَدْيِ لَمْ يَكُنْ جَانِيًا بِتَأْخِيرِهِ، وَإِنَّمَا الْجِنَايَةُ حَصَلَتْ بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ فَلَزِمَهُ دَمٌ لَهُ وَدَمٌ لِلْقِرَانِ، وَأَمَّا مَا فِي الْجِنَايَاتِ فَهُوَ فِي غَيْرِ الْعَاجِزِ فَلَزِمَهُ دَمَانِ وَلَمْ يَذْكُرْ دَمَ الشُّكْرِ لِذِكْرِهِ لَهُ هُنَا لَكِنَّ لُزُومَ الدَّمَيْنِ هُنَاكَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ وَسَاغَ حَمْلُ كَلَامِ الْهِدَايَةِ عَلَيْهِ لِتَصْحِيحِهِ وَإِخْرَاجِهِ عَنْ الْخَطَإِ وَالسَّهْوِ هَذَا وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ جَانِيًا بِالتَّأْخِيرِ لَمْ يَكُنْ جَانِيًا أَيْضًا بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إلَّا دَمُ الْقِرَانِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ عُذْرٌ، وَقَدْ نَقَلَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ عَنْ شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ لِلْإِمَامِ الْإِسْبِيجَابِيِّ مَا نَصُّهُ وَلَوْ لَمْ يَضُمَّ الثَّلَاثَةَ لَمْ يَجُزْ الصَّوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا الدَّمُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا حَلَّ وَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِإِحْلَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِتَرْكِ الصَّوْمِ. اهـ. (قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ) صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ وَالطَّحَاوِيِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِيرُ رَافِضًا بِمُجَرَّدِ التَّوَجُّهِ إلَى عَرَفَاتٍ، وَهُوَ الْقِيَاسُ وَفِي الْفَتْحِ وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَقُولُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ الرَّفْضُ بِالتَّوَجُّهِ وَالِارْتِفَاضُ بِالْوُقُوفِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا تَوَجَّهَ إلَى عَرَفَةَ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَجَعَ عَنْ الطَّرِيقِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَطَافَ لِعُمْرَتِهِ وَسَعَى لَهَا ثُمَّ وَقَفَ بِعَرَفَةَ هَلْ يَكُونُ قَارِنًا جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ قَارِنًا كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرَ الْجَمْعَ بَعْدَ ذِكْرِ ثَمَرَةِ الْخِلَافِ تَأَمَّلْ.

стр. 793

أَوْ النَّفْعُ وَفِي الشَّرِيعَةِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ الْمِيقَاتِ فَيَطُوفَ لَهَا وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ وَقَدْ حَلَّ مِنْهَا وَيَقْطَعَ التَّلْبِيَةَ بِأَوَّلِ الطَّوَافِ ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ مِنْ الْحَرَمِ وَيَحُجَّ) فَقَوْلُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ مَكَّةَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِأَهْلِهَا تَمَتُّعٌ وَلَا قِرَانٌ لَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِهَا كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْقِرَانِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ إحْرَامَهَا بِأَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لَكِنَّ أَدَاءَ أَكْثَرِ طَوَافِهَا فِيهَا شَرْطٌ فَلَوْ طَافَ الْأَقَلَّ فِي رَمَضَانَ مَثَلًا ثُمَّ طَافَ الْبَاقِيَ فِي شَوَّالٍ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيَّدُ الطَّوَافُ بِهِ لِمَا يُصَرَّحُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْحَلْقَ لِبَيَانِ تَمَامِ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ لَا؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي التَّمَتُّعِ؛ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَقَائِهِ مُحْرِمًا بِهَا إلَى أَنْ يَدْخُلَ إحْرَامَ الْحَجِّ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحَلْقُ لِلْعُمْرَةِ حَتَّى لَوْ حَلَقَ لَهَا لَزِمَهُ دَمٌ؛ لِأَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ عَارَضَ مَنْعَهُ مِنْ التَّحَلُّلِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَفِي قَوْلِهِ ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ دَلَالَةً عَلَى تَرَاخِي إحْرَامِهِ عَنْ أَفْعَالِهَا فَخَرَجَ الْقِرَانُ وَلَمْ يُقَيِّدْ الْحَجَّ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ عَامِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّمَتُّعِ التَّرَفُّقُ بِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ. وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَامِ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ بَلْ مِنْ عَامِ فِعْلِهَا حَتَّى لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ، وَأَقَامَ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى شَوَّالٍ مِنْ الْعَامِ الْقَابِلِ ثُمَّ طَافَ لِعُمْرَتِهِ مِنْ الْقَابِلِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ كَانَ مُتَمَتِّعًا بِخِلَافِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ كَفَائِتِ الْحَجِّ فَأَخَّرَ إلَى قَابِلٍ فَتَحَلَّلَ بِهَا فِي شَوَّالٍ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّهُ مَا أَتَى بِأَفْعَالِهَا عَنْ إحْرَامِ عُمْرَةٍ بَلْ لِلتَّحَلُّلِ عَنْ إحْرَامِ الْحَجِّ فَلَمْ تَقَعْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ مُعْتَدًّا بِهَا عَنْ الْعُمْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَقَوْلُهُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بَيَانٌ لِلْجَوَازِ وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ لِلْمُسَارَعَةِ إلَى الْخَيْرِ، وَقَوْلُهُ مِنْ الْحَرَمِ بَيَانٌ لِلْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِعَدَمِ الْإِلْمَامِ بِأَهْلِهِ فِيمَا بَيْنَهُمَا إلْمَامًا صَحِيحًا لِمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَرِيبًا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ أَلَمَّ بَيْنَهُمَا بِأَهْلِهِ إلْمَامًا صَحِيحًا بَطَلَ تَمَتُّعُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَالصَّحِيحُ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْعَوْدُ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ يُقَالُ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ نَزَلَ وَهُوَ يَزُورُ إلْمَامًا أَيْ غِبًّا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَإِنَّمَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِيهَا بِأَوَّلِهِ لِمَا صَحَّحَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُمْسِكُ عَنْ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ إذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ طَوَافَ الْقُدُومِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ طَوَافُ قُدُومٍ كَذَا فِي الْمُبْتَغَى أَيْ لَا يَكُونُ مَسْنُونًا فِي حَقِّهِ بِخِلَافِ الْقَارِنِ؛ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ حِينَ قُدُومِهِ مُحْرِمٌ بِالْعُمْرَةِ فَقَطْ، وَلَيْسَ لَهَا طَوَافُ قُدُومٍ وَلَا صَدْرٍ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَدَائِهَا حِينَ وَصَلَ إلَى الْبَيْتِ، وَأَمَّا الْحَاجُّ فَغَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ لِعَدَمِ وَقْتِهِ فَسُنَّ لَهُ طَوَافُ الْقُدُومِ إلَى أَنْ يَجِيءَ وَقْتُهُ، وَالطَّوَافُ رُكْنٌ مُعَظَّمٌ فِي الْعُمْرَةِ فَلَا يَتَكَرَّرُ فِي الصَّدْرِ كَالْوُقُوفِ لِلْحَجِّ لَا يَتَكَرَّرُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي قَوْلِهِ وَيَحُجُّ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْعَى لِلْحَجِّ، وَيَرْمُلُ فِي طَوَافِهِ وَاَلَّذِي أَتَى بِهِ أَوَّلًا إنَّمَا هُوَ عَنْ الْعُمْرَةِ فَإِنْ سَعَى الْمُتَمَتِّعُ وَرَمَلَ فِي طَوَافِهِ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ لَا يُعِيدُهُمَا فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَكَرَّرَانِ (قَوْلُهُ وَيَذْبَحُ فَإِنْ عَجَزَ فَقَدْ مَرَّ) أَيْ فِي بَابِ الْقِرَانِ فَإِنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ. (قَوْلُهُ فَإِنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ فَاعْتَمَرَ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الثَّلَاثَةِ) ؛ لِأَنَّ ــ [منحة الخالق] [بَابُ التَّمَتُّعِ] (قَوْلُهُ فَقَوْلُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ مَكَّةَ إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْمِيقَاتَ لِكُلٍّ بِمَا يُنَاسِبُهُ فَيَشْمَلُ الْمَكِّيَّ. (قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْإِلْمَامِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ يُقَالُ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ إذَا نَزَلَ وَهُوَ عَلَى نَوْعَيْنِ صَحِيحٌ وَفَاسِدٌ، وَالْأَوَّلُ عِبَارَةً عَنْ النُّزُولِ فِي وَطَنِهِ مِنْ غَيْرِ بَقَاءِ صِفَةِ الْإِحْرَامِ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ، وَالثَّانِي مَا يَكُونُ عَلَى خِلَافِهِ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَنْ سَاقَهُ اهـ. وَقَالَ فِي الْمِعْرَاجِ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ وَفِي الْمُحِيطِ الْإِلْمَامُ الصَّحِيحُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ بَعْدَ الْعُمْرَةِ، وَلَا يَكُونُ الْعَوْدُ إلَى الْعُمْرَةِ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ، وَعَنْ هَذَا قُلْنَا لَا تَمَتُّعَ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ الْمَوَاقِيتِ اهـ. وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّفْسِيرَ الْأَوَّلَ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْآفَاقِيِّ، وَالثَّانِي أَعَمُّ مِنْهُ يَدُلُّك عَلَى هَذَا مَا فِي الْهِدَايَةِ إذَا سَاقَ الْهَدْيَ فَإِلْمَامُهُ لَا يَكُونُ صَحِيحًا بِخِلَافِ الْمَكِّيِّ إذَا خَرَجَ إلَى الْكُوفَةِ وَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَسَاقَ الْهَدْيَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ هُنَاكَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ إلْمَامُهُ بِأَهْلِهِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَوْدِ هُوَ مَا يَكُونُ عَنْ الْوَطَنِ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى مَكَّةَ، وَلَيْسَ هَاهُنَا بِمَوْجُودٍ لِكَوْنِهِ فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي مَكَّةَ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْعَوْدُ، وَإِذَا سَاقَ الْهَدْيَ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا فَلَأَنْ لَا يَكُونَ إذَا لَمْ يَسُقْ كَانَ أَوْلَى اهـ. فَقَدْ جَعَلَ إلْمَامَ هَذَا الْمَكِّيِّ صَحِيحًا مَعَ أَنَّهُ قَدْ سَاقَ الْهَدْيَ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ طَوَافَ الْقُدُومِ إلَخْ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُتَمَتِّعُ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ طَافَ يَعْنِي طَوَافَ الْقُدُومِ وَسَعَى قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى مِنًى لَمْ يَرْمُلْ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَلَا يَسْعَى بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِذَلِكَ مَرَّةً وَلَا تَكْرَارَ فِيهِ وَفِي هَذَا الْكَلَامِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ طَوَافَ التَّحِيَّةِ مَشْرُوعٌ لِلْمُتَمَتِّعِ حَيْثُ اعْتَبَرَ رَمَلَهُ وَسَعْيَهُ فِيهِ اهـ. قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَا يَخْلُو مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا طَافَ ثُمَّ سَعَى أَجْزَأَهُ عَنْ السَّعْيِ لَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْإِجْزَاءِ اعْتِبَارُهُ طَوَافَ تَحِيَّةٍ بَلْ الْمَقْصُودُ أَنَّ السَّعْيَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَرَتَّبَ شَرْعًا عَلَى طَوَافٍ فَإِذَا فَرَضْنَا أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ بَعْدَ إحْرَامِ

стр. 794

سَبَبَ وُجُوبِهِ التَّمَتُّعُ وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرُ مُتَمَتِّعٍ فَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ سَبَبِهِ. (قَوْلُهُ وَصَحَّ لَوْ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ) أَيْ صَحَّ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ أَدَاءٌ بَعْدَ السَّبَبِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ التَّمَتُّعُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ التَّرَفُّقُ لِتَرْتِيبِهِ عَلَى التَّمَتُّعِ بِالنَّصِّ وَمَأْخَذُ الِاشْتِقَاقِ عِلَّةً لِلْمُتَرَتِّبِ، وَالْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ هِيَ السَّبَبُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي بِهَا يَتَحَقَّقُ التَّرَفُّقُ الَّذِي كَانَ مَمْنُوعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ مَعْنَى التَّمَتُّعِ وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ عَنْ إحْرَامِهَا بِلَا فِعْلٍ نَزَلَ الْإِحْرَامُ مَنْزِلَتَهَا فَلِذَا جَازَ بَعْدَ إحْرَامِهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا قَيَّدَ بِصَوْمِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ صَوْمَ السَّبْعَةِ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ فِيهِمَا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَصَلَ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَ الثَّلَاثَةَ فِي الْحَجِّ أَيْ فِي وَقْتِهِ وَالسَّبْعَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الصَّوْمِ فِي شَوَّالٍ أَيْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِأَنَّ الصَّوْمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ لِلْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ لَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُ صَوْمِهَا إلَى السَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ لِرَجَاءِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْهَدْيُ. (قَوْلُهُ فَإِنْ أَرَادَ سَوْقَ الْهَدْيِ أَحْرَمَ وَسَاقَ وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ بِمَزَادَةٍ أَوْ نَعْلٍ وَلَا يُشْعِرُ) بَيَانٌ لِأَفْضَلِ التَّمَتُّعِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَسَاقَ بِمَعْنَى ثُمَّ لِأَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالسَّوْقِ وَالتَّوَجُّهِ بَلْ يُحْرِمَ بِالتَّلْبِيَةِ وَالنِّيَّةِ، ثُمَّ يَسُوقَ وَأَفَادَ بِالتَّقْلِيدِ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّحْلِيلِ وَبِالسَّوْقِ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْقَوَدِ إلَّا إذَا كَانَتْ لَا تَنْسَاقُ فَيَقُودُهَا، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ أَرَادَ عَائِدٌ إلَى الْمُتَمَتِّعِ بِمَعْنَى مُرِيدِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِحْرَامِ إحْرَامُ الْعُمْرَةِ وَقَيَّدَ بِالْبَدَنَةِ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ لَا يُسَنُّ تَقْلِيدُهَا وَالْإِشْعَارُ فِي اللُّغَةِ الْإِعْلَامُ بِأَنَّ الْبَدَنَةَ هَدْيٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا أَنْ يَشُقَّ سَنَامَهَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ كَذَا فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ وَفِي الْهِدَايَةِ قَالُوا وَالْأَشْبَهُ هُوَ الْأَيْسَرُ وَهُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَسَنٌ عِنْدَهُمَا لِلِاتِّبَاعِ الثَّابِتِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَأُجِيبَ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّهُ مُثْلَةٌ وَقَدْ نَهَى عَنْهُ فَتَعَارَضَا فَرَجَّحْنَا الْمَنْعَ لِأَنَّهُ قَوْلٌ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ نَهْيٌ وَهُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَى الْمُبِيحِ وَرَدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا مَا يَكُونُ تَشْوِيهًا كَقَطْعِ الْأَنْفِ وَالْأُذُنَيْنِ فَلَيْسَ كُلُّ جَرْحٍ مُثْلَةً وَلِأَنَّهُ نَهَى عَنْهَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَفَعَلَ الْإِشْعَارَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ فَلَوْ كَانَ مِنْهَا لَمْ يَفْعَلْهُ وَبَانَ إشْعَارُهُ ﵇ لِصِيَانَةِ الْهَدْيِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يَمْتَنِعُونَ عَنْ تَعَرُّضِهِ إلَّا بِهِ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: إنَّمَا كَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ الْإِشْعَارَ الْمُحْدَثَ الَّذِي يُفْعَلُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ وَيُخَافُ مِنْهُ السِّرَايَةُ إلَى الْمَوْتِ لَا مُطْلَقَ الْإِشْعَارِ وَاخْتَارَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَصَحَّحَهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ الْأَوْلَى. (قَوْلُهُ وَلَا يَتَحَلَّلُ بَعْدَ عُمْرَتِهِ) ؛ لِأَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ يَمْنَعُهُ مِنْ التَّحَلُّلِ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «إنِّي لَبَّدْت رَأْسِي وَقَلَّدْت هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ عُمْرَتِهِ وَقَدْ كَانَ سَاقَ الْهَدْيَ لَزِمَهُ دَمٌ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مُوجَبُ كُلِّ جِنَايَةٍ عَلَى الْإِحْرَامِ كَأَنَّهُ مُحْرِمٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِسَوْقِ الْهَدْيِ تَأْثِيرًا فِي إثْبَاتِ الْإِحْرَامِ ابْتِدَاءً فَكَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي اسْتِدَامَةِ الْإِحْرَامِ أَيْضًا بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. (قَوْلُهُ وَيُحْرِمُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَقَبْلَهُ أَحَبُّ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مُتَمَتِّعٍ لَا يَسُوقُ الْهَدْيَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؛ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ بَعْدَ ذَلِكَ تَتَعَقَّبُ الْإِحْرَامَ. ــ [منحة الخالق] الْحَجِّ تَنَفَّلَ بِطَوَافٍ ثُمَّ سَعَى بَعْدَهُ سَقَطَ عَنْهُ سَعْيُ الْحَجِّ وَمَنْ قَيَّدَ إجْزَاءَهُ بِكَوْنِ الطَّوَافِ الْمُقَدَّمِ طَوَافَ تَحِيَّةٍ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مُنْشَأَ تَوَهُّمِهِ حَمْلُهُ الطَّوَافَ عَلَى طَوَافِ الْقُدُومِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ وَلَا شَيْءَ يُفِيدُ تَقْيِيدَهُ بِهِ. (قَوْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَمَا أَحْرَمَ لِلْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ لَا) هَذَا التَّعْمِيمُ لَا يَصِحُّ مَعَ قَوْلِهِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَسَاقَ بِمَعْنَى ثُمَّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: فِي كَلَامِهِ بِتَقْدِيرِ إبْقَاءِ الْوَاوِ عَلَى بَابِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَعْنَى أَحْرَمَ أَتَى بِهِ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِالنِّيَّةِ مَعَ التَّلْبِيَةِ لَا أَنَّهُ شَرَعَ فِيهِ كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي الْبَحْرِ اهـ. قُلْت وَحَيْثُ أَقَرَّ بِأَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ يَصْدُقُ بِأَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ بِالنِّيَّةِ مَعَ السَّوْقِ أَوْ مَعَ التَّلْبِيَةِ فَإِنَّهُ بِكُلِّ آتٍ بِالْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَكُونُ بِالنِّيَّةِ مَعَ الذِّكْرِ يَكُونُ بِهَا مَعَ الْخُصُوصِيَّةِ كَمَا مَرَّ فَالْحَصْرُ بِقَوْلِهِ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ إلَخْ مَدْفُوعٌ وَالْقَوْلُ بِالدَّلَالَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مَمْنُوعٌ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا إلَخْ) أَيْ أَوَّلَ هَذَا الْبَابِ ثُمَّ إنَّ وُجُوبَ الدَّمِ إذَا لَمْ يَرْجِعْ إلَى أَهْلِهِ قَالَ فِي اللُّبَابِ وَلَوْ حَلَقَ لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ إحْرَامِهِ وَلَزِمَهُ دَمٌ وَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَحُجَّ صَنَعَ بِهَدْيِهِ مَا شَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَ هَدْيَهُ وَيَحُجَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ نَحَرَهُ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ الْحَلْقِ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَتِّعٍ وَلَوْ رَجَعَ إلَى غَيْرِ أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ الْآفَاقِ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا وَعَلَيْهِ هَدَيَانِ هَدْيُ التَّمَتُّعِ وَهَدْيُ الْحَلْقِ قَبْلَ الْوَقْتِ اهـ. وَفِي شَرْحِهِ عَنْ الْمُحِيطِ فَإِنْ ذَبَحَ الْهَدْيَ فَرَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَلَهُ أَنْ لَا يَحُجَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْحَجِّ إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيَهُ وَيَحِلَّ وَلَا يَرْجِعَ وَيَحُجَّ مِنْ عَامِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى عَزِيمَةِ التَّمَتُّعِ فَيَمْنَعُهُ الْهَدْيُ مِنْ الْإِحْلَالِ

стр. 795

(قَوْلُهُ فَإِذَا حَلَقَ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ مِنْ إحْرَامَيْهِ) أَيْ مِنْ إحْرَامَيْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِبَقَاءِ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إلَى الْحَلْقِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ فِي النِّهَايَةِ بِأَنَّ الْقَارِنَ إذَا قَتَلَ صَيْدًا بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَا يَلْزَمُهُ قِيمَتَانِ، وَأَجَابَ بِأَنَّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ قَدْ انْتَهَى بِالْوُقُوفِ فِي حَقِّ سَائِرِ الْأَحْكَامِ وَإِنَّمَا يَبْقَى فِي حَقِّ التَّحَلُّلِ لَا غَيْرُ كَأَحْكَامِ الْحَجِّ تَنْتَهِي بِالْحَلْقِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَا يَبْقَى إلَّا فِي حَقِّ النِّسَاءِ خَاصَّةً وَاسْتَبْعَدَهُ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ وَهُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ إطْلَاقِ الشَّارِحِ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِأَنَّ الْقَارِنَ إذَا جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ يَجِبُ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ لِلْحَجِّ وَلِلْعُمْرَةِ شَاةٌ وَبَعْدَ الْحَلْقِ قَبْلَ الطَّوَافِ شَاتَانِ اهـ. لَكِنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ إنَّمَا عَزَاهُ إلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُهُ وَأَكْثَرُ عِبَارَاتِ الْأَصْحَابِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ الظَّاهِرُ إذْ قَضَاءُ الْأَعْمَالِ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْإِحْرَامِ، وَالْوُجُوبُ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْإِحْرَامِ لَا عَلَى الْأَعْمَالِ، وَالْفَرْعُ الْمَنْقُولُ فِي الْجِمَاعِ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا وَقَدْ تَنَاقَضَ كَلَامُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ فِي جِمَاعِ الْقَارِنِ بَعْدَ الْوُقُوفِ شَاتَيْنِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ إحْرَامُ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ تُوجِبُ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَوْ لَا فَإِنْ أَوْجَبَتْ لَزِمَ شُمُولُ الْوُجُوبِ وَإِلَّا فَشُمُولُ الْعَدَمِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ بَقَاءُ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ إلَى الْحَلْقِ، وَيَحِلُّ مِنْهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي حَقِّ النِّسَاءِ إذَا كَانَ مُتَمَتِّعًا سَاقَ الْهَدْيَ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ لَهُ مِنْ التَّحَلُّلِ سَوْقُهُ وَقَدْ زَالَ بِذَبْحِهِ وَفِي الْقَارِنِ يَحِلُّ مِنْهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي النِّسَاءِ كَإِحْرَامِ الْحَجِّ، وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ وَبَيْنَ الْقَارِنِ وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا ذَكَرْنَا وَفِي الْمُحِيطِ قَارِنٌ طَافَ لِعُمْرَتِهِ، ثُمَّ حَلَّ فَعَلَيْهِ دَمَانِ وَلَا يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ بِالْحَلْقِ وَلَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَطَافَ لَهَا ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهَا حِجَّةً ثُمَّ حَلَقَ يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحِجَّةِ بَعْدَمَا حَلَقَ مِنْ الْعُمْرَةِ. (قَوْلُهُ وَلَا تَمَتُّعَ وَلَا قِرَانَ لِمَكِّيٍّ وَمَنْ حَوْلَهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] بِنَاءً عَلَى عَوْدِ اسْمِ الْإِشَارَةِ إلَى التَّمَتُّعِ لَا إلَى الْهَدْيِ بِقَرِينَةٍ وَصَلَهَا بِاللَّامِ وَهِيَ تُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَنَا أَنْ نَفْعَلَهُ بِخِلَافِ الْهَدْيِ فَإِنَّهُ عَلَيْنَا فَلَوْ كَانَ مُرَادًا لَقِيلَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ، وَلِكَوْنِهَا اسْمَ إشَارَةٍ لِلْبَعِيدِ وَالتَّمَتُّعُ أَبْعَدُ مِنْ الْهَدْيِ ثُمَّ ظَاهِرُ الْكُتُبِ مُتُونًا وَشُرُوحًا وَفَتَاوَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُمْ تَمَتُّعٌ وَلَا قِرَانٌ لِقَوْلِهِمْ وَإِذَا عَادَ الْمُتَمَتِّعُ إلَى أَهْلِهِ وَلَمْ ــ [منحة الخالق] فَإِنْ فَعَلَهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَتِّعٍ، وَلَوْ حَلَّ بِمَكَّةَ فَنَحَرَ هَدْيَهُ ثُمَّ حَجَّ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ لَزِمَهُ دَمٌ لِتَمَتُّعِهِ وَعَلَيْهِ دَمٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ حَلَّ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ اهـ. (قَوْلُهُ وَاسْتَبْعَدَهُ) أَيْ اسْتَبْعَدَ مَا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ وَقَوْلُهُ وَهُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ إطْلَاقِ الشَّارِحِ إلَخْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ أَيْ إذَا أُطْلِقَ الشَّارِحُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فَالْمُرَادُ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ (قَوْلُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ) أَقُولُ: بَلْ هُوَ الْمُرَادُ مَتَى أُطْلِقَ شَارِحُ الْكَنْزِ فِي عِبَارَاتِ الْعُلَمَاءِ مُطْلَقًا كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِشَارِحِ الْهِدَايَةِ مَتَى أُطْلِقَ هُوَ الْإِمَامُ السِّغْنَاقِيُّ صَاحِبُ النِّهَايَةِ. (قَوْلُهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ لِلْحَجِّ وَلِلْعُمْرَةِ شَاةٌ) أَيْ اتِّفَاقًا وَقَوْلُهُ وَبَعْدَ الْحَلْقِ قَبْلَ الطَّوَافِ شَاتَانِ فِيهِ خِلَافٌ وَقِيلَ بَدَنَةٌ وَشَاةٌ، وَقَالَ الْوَبَرِيُّ بَدَنَةٌ لِلْحَجِّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْعُمْرَةِ وَاسْتَصْوَبَهُ فِي الْفَتْحِ كَمَا سَيَأْتِي مُعَلَّلًا فِي الْجِنَايَاتِ بِمَا ظَاهِرُهُ بَقَاءُ الْإِحْرَامِ لِلْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَلْقِ فَقَطْ لَا مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ. (قَوْلُهُ وَأَكْثَرُ عِبَارَاتِ الْأَصْحَابِ) أَكْثَرُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ وَقَدْ تَنَاقَضَ كَلَامُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ يُمْكِنُ أَنَّهُ قَائِلٌ بِانْتِهَائِهِ بِالْوُقُوفِ إلَّا فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَقَدْ نَقَلَ فِي الْفَتْحِ عَنْ الْغَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمَبْسُوطِ وَالْبَدَائِعِ والإسبيجابي لَوْ جَامَعَ الْقَارِنُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَعْدَ الْحَلْقِ قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ كَانَ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ لِلْحَجِّ وَشَاةٌ لِلْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ الْقَارِنَ يَتَحَلَّلُ مِنْ إحْرَامَيْنِ بِالْحَلْقِ إلَّا فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَهُوَ مُحْرِمٌ بِهِمَا فِي حَقِّهِنَّ أَيْضًا، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَشُرُوحِ الْقُدُورِيِّ فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ عَلَى الْحَاجِّ شَاةً بَعْدَ الْحَلْقِ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ إيجَابَ الشَّاتَيْنِ لَا مُخَالَفَةَ فِيهِ. اهـ قُلْت لَكِنَّ قَوْلَ النِّهَايَةِ فِيمَا مَرَّ وَإِنَّمَا يَبْقَى فِي حَقِّ التَّحَلُّلِ لَا غَيْرُ يُفِيدُ انْتِهَاءَهُ بِالْوُقُوفِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ أَيْضًا، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَا فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيٌّ إلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ (قَوْله فَإِنْ أَوْجَبَتْ) أَيْ الْجِنَايَةُ لَزِمَ شُمُولُ الْوُجُوبِ أَيْ فِي الْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ، وَإِلَّا أَيْ وَإِنْ لَمْ تُوجِبْ شَيْئًا لَزِمَ شُمُولُ الْعَدَمِ أَيْ عَدَمِ الْوُجُوبِ فِي الْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ أَمَّا الْإِيجَابُ فِي الْجِمَاعِ وَعَدَمِهِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ فَلَا وَجْهَ لَهُ، وَسَيَأْتِي فِي الْجِنَايَاتِ أَنَّ الْمَذْهَبَ فِي مَسْأَلَةِ الصَّيْدِ لُزُومُ دَمَيْنِ وَأَنَّ لُزُومَ دَمٍ ضَعِيفٌ. (قَوْلُهُ ثُمَّ ظَاهِرُ الْكُتُبِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ بِأَنَّ الْآفَاقِيَّ الْمُتَمَتِّعَ لَوْ عَادَ إلَى بَلَدِهِ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ اتِّفَاقًا بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبِيهِ، وَأَنَّ شَرْطَ التَّمَتُّعِ مُطْلَقًا عَدَمُ الْإِلْمَامِ الصَّحِيحِ وَلَا وُجُودَ لِلْمَشْرُوطِ بِدُونِ شَرْطِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ قَالُوا بِوُجُودِ الْفَاسِدِ مَعَ الْإِثْمِ، وَلَمْ يَقُولُوا بِوُجُودِ الْبَاطِلِ شَرْعًا مَعَ ارْتِكَابِ النَّهْيِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ كَذَا فِي الْفَتْحِ مُلَخَّصًا، وَاخْتَارَ مَنْعَهَا أَيْ الْعُمْرَةِ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ تَحَقُّقِهَا مِنْهُ بَلْ عَدَمَ

стр. 796

يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ. قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَلِهَذَا قُلْنَا لَمْ يَصِحَّ تَمَتُّعُ الْمَكِّيِّ لِوُجُودِ الْإِلْمَامِ الصَّحِيحِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَحَلَّ مِنْهَا ثُمَّ أَحْرَمَ بِحَجٍّ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ دَمٌ لَكِنْ صَرَّحَ فِي التُّحْفَةِ بِأَنَّهُ يَصِحُّ تَمَتُّعُهُمْ وَقِرَانُهُمْ فَإِنَّهُ نَقَلَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ عَنْهَا أَنَّهُمْ لَوْ تَمَتَّعُوا جَازَ، وَأَسَاءُوا وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ دَمُ الْجَبْرِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ ثُمَّ قَالَ وَلَا يُبَاحُ لَهُمْ الْأَكْلُ مِنْ ذَلِكَ الدَّمِ وَلَا يُجْزِئُهُمْ الصَّوْمُ إنْ كَانُوا مُعْسِرِينَ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ فِي قَوْلِهِمْ لَا تَمَتُّعَ وَلَا قِرَانَ لِمَكِّيٍّ نَفْيُ الْحِلِّ لَا نَفْيُ الصِّحَّةِ، وَلِذَا وَجَبَ دَمُ جَبْرٍ لَوْ فَعَلُوا، وَهُوَ فَرْعُ الصِّحَّةِ وَاشْتِرَاطُهُمْ عَدَمَ الْإِلْمَامِ فِيمَا بَيْنَهُمَا إنَّمَا هُوَ لِلتَّمَتُّعِ الْمُنْتَهِضِ سَبَبًا لِلثَّوَابِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ وُجُوبُ دَمِ الشُّكْرِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَكِّيَّ إذَا أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَإِنْ كَانَ مِنْ نِيَّتِهِ الْحَجُّ مِنْ عَامِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ آثِمًا؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ التَّمَتُّعَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ لَهُمْ فَإِنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ لَزِمَهُ دَمُ جِنَايَةٍ لَا دَمُ شُكْرٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ نِيَّتِهِ الْحَجُّ مِنْ عَامِهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ آثِمًا بِالِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُمْ وَغَيْرَهُمْ سَوَاءٌ فِي رُخْصَةِ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ الِاعْتِمَارَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِلْمَكِّيِّ مَعْصِيَةٌ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا حَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَإِذَا قَرَنَ فَإِنَّهُ يَكُونُ آثِمًا أَيْضًا وَيَلْزَمُهُ دَمُ جِنَايَةٍ وَفِي الْهِدَايَةِ بِخِلَافِ الْمَكِّيِّ إذَا خَرَجَ إلَى الْكُوفَةِ وَقَرَنَ حَيْثُ تَصِحُّ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ وَحِجَّتَهُ مِيقَاتِيَّتَانِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْآفَاقِيِّ. قَالَ الشَّارِحُونَ قَيَّدَ بِالْقِرَانِ لِأَنَّهُ لَوْ تَمَتَّعَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ وَيَلْزَمُهُ دَمُ جِنَايَةٍ لِوُجُودِ الْإِلْمَامِ الصَّحِيحِ ــ [منحة الخالق] كَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا سَيَأْتِي فِي إفَاضَةِ الْإِحْرَامِ إلَى الْإِحْرَامِ أَنَّ الْمَكِّيَّ لَوْ أَدْخَلَ إحْرَامَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَمَا طَافَ لَهَا أَوْ لَمْ يَطُفْ وَلَمْ يَرْفُضْ شَيْئًا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِأَفْعَالِهَا كَمَا لَزِمَتْهُ غَيْرَ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَبِهَذَا عُرِفَ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ لَكِنْ لَا عَلَى وَجْهِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَهَذَا هُوَ الْمُتَرْجَمُ لَهُ فِي الْبَابِ الْآتِي اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ الْكُتُبِ عَدَمُ الصِّحَّةِ، وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ الْكَمَالُ مِنْ أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يَعْنِي بِهِ صَاحِبَ التُّحْفَةِ كَمَا يَأْتِي رَدُّهُ فِي الشرنبلالية بِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مُتُونًا وَشُرُوحًا فِي بَابِ إضَافَةِ الْإِحْرَامِ إلَى الْإِحْرَامِ مِنْ أَنَّ الْمَكِّيَّ لَوْ أَدْخَلَ إحْرَامَ الْحَجِّ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ قِرَانِ الْمَكِّيِّ وَتَمَتُّعِهِ، وَأَنَّ الْكَمَالَ نَاقَضَ نَفْسَهُ فِيمَا يَأْتِي وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ مُتَأَمِّلًا وَرَدَّهُ أَيْضًا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ مُرَادَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ بِقَوْلِهِمْ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ أَيْ الْمَسْنُونُ فَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ الصِّحَّةِ، وَسَيَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ هَذَا التَّوْفِيقَ قَرِيبًا. (قَوْلُهُ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَلِهَذَا قُلْنَا إلَخْ) لَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ عَدَمِ صِحَّةِ الْقِرَانِ وَبَيَّنَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِقَوْلِهِ وَلِأَنَّ مِيقَاتَ أَهْلِ مَكَّةَ فِي الْحَجِّ الْحَرَمُ وَفِي الْعُمْرَةِ الْحِلُّ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَلَا يُشْرَعُ فِي حَقِّهِمْ الْقِرَانُ (قَوْلُهُ لِوُجُودِ الْإِلْمَامِ الصَّحِيحِ) هَذَا خَاصٌّ فِيمَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ وَحَلَقَ أَمَّا إذَا سَاقَ الْهَدْيَ أَوْ لَمْ يَسُقْ وَلَمْ يَحْلِقْ لِلْعُمْرَةِ لَمْ يَكُنْ مُلِمًّا بِأَهْلِهِ إلْمَامًا صَحِيحًا فَدَعْوَى صَاحِبِ الْبَدَائِعِ عَدَمَ تَصَوُّرِ وُجُودِ تَمَتُّعِهِ خَاصٌّ بِصُورَةٍ، وَيُتَصَوَّرُ بِصُورَتَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الشرنبلالية وَكَانَ مَبْنَى مَا ذَكَرَهُ تَفْسِيرُ الْإِلْمَامِ الصَّحِيحِ بِمَا مَرَّ عَنْ الْعِنَايَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَبْنَى الْمَسْأَلَةِ تَفْسِيرُهُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمِعْرَاجِ عَنْ الْمُحِيطِ بِأَنْ يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ عَنْ الْعُمْرَةِ وَلَا يَكُونُ الرُّجُوعُ عَنْ الْعُمْرَةِ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ وَعَنْ هَذَا قُلْنَا لَا تَمَتُّعَ لِأَهْلِ مَكَّةَ كَمَا مَرَّ وَمِثْلُهُ فِي النِّهَايَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْإِلْمَامُ الصَّحِيحُ مَوْجُودٌ هُنَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْعِنَايَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَوْدِ هُوَ مَا يَكُونُ عَنْ الْوَطَنِ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى مَكَّةَ وَلَيْسَ هَاهُنَا بِمَوْجُودٍ لِكَوْنِهِ فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي مَكَّةَ وَعَلَيْهِ فَعَدَمُ التَّصَوُّرِ فِي الثَّلَاثِ مُسَلَّمٌ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَمَا فِي الْبَدَائِعِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ الْعُمْرَةِ لِلْمَكِّيِّ قَالَ فِي الْفَتْحِ إنَّهُ فَاشٍ بَيْنَ حَنَفِيَّةِ الْعَصْرِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَنَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْآفَاقِيِّينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ قَرِيبٍ، وَمُعْتَمَدُ أَهْلِ مَكَّةَ مَا وَقَعَ فِي الْبَدَائِعِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ خِلَافُهُ اهـ. مُلَخَّصًا. فَقَدْ مَالَ صَاحِبُ الْفَتْحِ إلَى الْجَوَازِ لَكِنْ ذَكَرَ بَعْدَمَا حَقَّقَ الْمَقَامَ أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ بَعْدَ نَحْوِ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَنَّ الْوَجْهَ مَنْعُ الْعُمْرَةِ لِلْمَكِّيِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ سَوَاءٌ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ أَوْ لَا ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَهُ وَرَدَّهُ فِي النَّهْرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا، وَكَذَا رَدَّهُ مُنْلَا عَلِيٌّ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَنَقَلَ التَّصْرِيحَ بِالْجَوَازِ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ وَمَيْلُ الْمُؤَلِّفِ إلَى ذَلِكَ أَيْضًا فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ آثِمًا ثُمَّ أَوَّلُ عِبَارَةِ الْبَدَائِعِ وَالْمَسْأَلَةُ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ، وَقَدْ أُفْرِدَتْ بِالتَّآلِيفِ وَكَثُرَتْ فِيهَا الرَّسَائِلُ وَالتَّصَانِيفُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ وَذَكَرَ حَاصِلَ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ فَرَاجِعْهَا هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ فِي اللُّبَابِ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَا يَعْتَمِرُ قَبْلَ الْحَجِّ قَالَ شَارِحُهُ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَكِّيَّ مَمْنُوعٌ مِنْ الْعُمْرَةِ الْمُفْرَدَةِ أَيْضًا، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ إنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَهَذَا الْمُتَمَتِّعُ آفَاقِيٌّ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْ الْعُمْرَةِ فَجَازَ لَهُ تَكْرَارُهَا؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ أَيْضًا كَالطَّوَافِ اهـ. وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ أَنَّ مَا فِي اللُّبَابِ مُسَلَّمٌ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ السَّائِقِ لِلْهَدْيِ، أَمَّا غَيْرُ السَّائِقِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ جَائِزَةٌ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ بِلَا كَرَاهَةٍ إلَّا فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَكِّيِّ وَالْآفَاقِيِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ وَالْمَبْسُوطِ وَالْبَحْرِ وَأَخِي زَادَهْ وَالْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ وَغَيْرُهُمْ اهـ. (قَوْلُهُ وَفِي الْهِدَايَةِ بِخِلَافِ الْمَكِّيِّ إلَخْ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ

стр. 797

بَيْنَهُمَا فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ فَشَرَطُوا فِي التَّمَتُّعِ عَدَمَ الْإِلْمَامِ دُونَ الْقِرَانِ، وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الشَّرْطِ، وَأَنَّ الْمَكِّيَّ يَأْثَمُ إذَا أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ بِهِمَا أَوْ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ يَعُمُّهُمَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَإِيجَابُهُمْ دَمَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَكِّيِّ إذَا خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ وَتَمَتَّعَ مُقْتَضٍ لِوُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْآفَاقِيِّ إذَا تَمَتَّعَ، وَقَدْ أَلَمَّ بَيْنَهُمَا إلْمَامًا صَحِيحًا وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ، وَإِنَّمَا قَالُوا بَطَلَ تَمَتُّعُهُ وَالْمُرَادُ بِمَنْ حَوْلَهَا مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ فَإِنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسِيرَةُ سَفَرٍ؛ لِأَنَّهُمْ فِي حُكْمِ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَفِي النِّهَايَةِ وَأَمَّا الْقِرَانُ مِنْ الْمَكِّيِّ فَيُكْرَهُ وَيَلْزَمُهُ الرَّفْضُ وَالْعُمْرَةُ لَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا تُكْرَهُ وَلَكِنْ لَا يُدْرِكُ فَضِيلَةَ التَّمَتُّعِ لِأَنَّ الْإِلْمَامَ قَطَعَ تَمَتُّعَهُ اهـ. وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمَرْفُوضَ وَبَيَّنَهُ فِي الْمُحِيطِ فَقَالَ مَكِّيٌّ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَحِجَّةٍ رَفَضَ الْعُمْرَةَ وَمَضَى فِي الْحِجَّةِ وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَدَمٌ فَإِنْ مَضَى فِي الْعُمْرَةِ لَزِمَهُ دَمٌ لِجَمْعِهِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ فَإِذَا جَمَعَ فَقَدْ احْتَمَلَ وِزْرًا فَارْتَكَبَ مَحْظُورًا فَلَزِمَ دَمُ كَفَّارَةٍ ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ رَفْضِ أَحَدِهِمَا خُرُوجًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ فَرَفْضُ الْعُمْرَةِ أَوْلَى فَإِنْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ رَفَضَ الْحَجَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ وَهُوَ أَسْهَلُ مِنْ الْإِبْطَالِ وَعِنْدَهُمَا بِرَفْضِ الْعُمْرَةِ وَلَوْ طَافَ لَهَا أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَتَمَّهُمَا وَعَلَيْهِ دَمٌ لِارْتِكَابِهِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ اهـ. وَفِيهَا أَيْضًا وَذَكَرَ الْإِمَامَ الْمَحْبُوبِيُّ أَنَّ هَذَا الْمَكِّيَّ الَّذِي خَرَجَ إلَى الْكُوفَةِ وَقَرَنَ إنَّمَا يُبِيحُ قِرَانَهُ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمِيقَاتِ قَبْلَ دُخُولِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَأَمَّا إذَا دَخَلَ أَشْهُرَ الْحَجِّ وَهُوَ بِمَكَّةَ ثُمَّ قَدِمَ الْكُوفَةَ ثُمَّ عَادَ وَأَحْرَمَ بِهَا مِنْ الْمِيقَاتِ لَمْ يَكُنْ قَارِنًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ أَشْهُرَ الْحَجِّ وَهُوَ بِمَكَّةَ صَارَ مَمْنُوعًا مِنْ الْقِرَانِ شَرْعًا فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِخُرُوجِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الظَّاهِرَ الْإِطْلَاقُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ حَلَّ بِمَكَانٍ صَارَ مِنْ أَهْلِهِ مُطْلَقًا. (قَوْلُهُ فَإِنْ عَادَ الْمُتَمَتِّعُ إلَى بَلَدِهِ بَعْدَ الْعُمْرَةِ وَلَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ وَإِنْ سَاقَ لَا) أَيْ لَا يَبْطُلُ يَعْنِي إذَا حَجَّ مِنْ عَامِهِ لَا يَلْزَمُهُ دَمُ الشُّكْرِ فِي الْأَوَّلِ وَيَلْزَمُهُ فِي الثَّانِي وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَبْطَلَ التَّمَتُّعَ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهُمَا بِسُفْرَتَيْنِ وَالْمُتَمَتِّعُ مَنْ يُؤَدِّيهِمَا بِسَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُمَا جَعَلَا اسْتِحْقَاقَ الْعَوْدِ كَعَدَمِهِ فَإِنَّهُ بِالْهَدْيِ اسْتَدَامَ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ إلَى أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ ــ [منحة الخالق] وَلَيْسَ لِأَهْلِ مَكَّةَ تَمَتُّعٌ وَلَا قِرَانٌ كَذَا قَالَهُ الشُّرَّاحُ (قَوْلُهُ وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا) اعْتَرَضَهُ السِّنْدِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ بِأَنَّ الْإِلْمَامَ الصَّحِيحَ الْمُبْطِلَ لِلْحُكْمِ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّ الْقَارِنِ، وَأَمَّا الْإِلْمَامُ الْفَاسِدُ مَعَ بَقَاءِ الْإِحْرَامِ فَهُوَ لَا يُبْطِلُ التَّمَتُّعَ الْمَشْرُوطَ فِيهِ عَدَمُ الْإِلْمَامِ فَلَا يُبْطِلُ الْقِرَانَ بِالْأَوْلَى اهـ. مُلَخَّصًا. وَقَوْلُهُ الْمَكِّيُّ يَأْثَمُ إلَخْ أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ يُوَضِّحُهُ قَوْلُ الْهِدَايَةِ السَّابِقُ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ وَحِجَّتَهُ مِيقَاتِيَّانِ أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا تَمَتَّعَ بَعْدَمَا خَرَجَ إلَى الْكُوفَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ إحْرَامُهُ لِلْعُمْرَةِ آفَاقِيًّا لَكِنَّ إحْرَامَهُ لِلْحَجِّ مَكِّيٌّ فَهُوَ حِينَئِذٍ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَمَّا الْقَارِنُ فَلَا لِمَا عَلِمْت فَلَمْ تَشْمَلْ الْآيَةُ هَذَا الْمَكِّيَّ الْقَارِنَ؛ لِأَنَّهُ بِخُرُوجِهِ صَارَ آفَاقِيًّا، وَإِنَّمَا تَشْمَلُ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَدَبَّرْهُ (قَوْلُهُ وَإِيجَابُهُمْ دَمَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَكِّيِّ إلَخْ) قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَكِّيَّ إذَا خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ وَتَمَتَّعَ لَمْ يَصِرْ بِمَنْزِلَةِ الْآفَاقِيِّ؛ لِأَنَّ حِجَّتَهُ مَكِّيَّةٌ، وَيَصِيرُ آثِمًا كَمَا قَدَّمَهُ وَالدَّمُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ دَمُ جِنَايَةٍ لِمَا ارْتَكَبَهُ مِنْ النَّهْيِ وَهَذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْآفَاقِيِّ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَكِّيًّا ثُمَّ إنَّ وُجُوبَ الدَّمِ عَلَى الْمَكِّيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ تَمَتُّعِهِ كَمَا مَرَّ وَالْآفَاقِيُّ إذَا أَلَمَّ بِأَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا إذَا لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ فَقَوْلُهُ إذَا تَمَتَّعَ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَإِيجَابُ الدَّمِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ لِمُخَالَفَةِ النَّهْيِ فَلَا وَجْهَ لَهُ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَيْسَ مَكِّيًّا بَلْ لَيْسَ مُتَمَتِّعًا أَصْلًا، وَإِنْ كَانَ لِمُجَرَّدِ إلْمَامِهِ بِأَهْلِهِ بَعْدَ عُمْرَتِهِ فَلَا وَجْهَ لَهُ أَيْضًا لِمَا سَيَأْتِي فِي الصَّفْحَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَوْ بَعَثَ الْهَدْيَ وَتَعَجَّلَ ذَبْحَهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَلَمَّ بِأَهْلِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ لَا وَفِي مَسْأَلَتِنَا إنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِالْأَوْلَى. (قَوْلُهُ وَالْعُمْرَةُ لَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَا تُكْرَهُ إلَخْ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ فِي الْحَاصِلِ (قَوْلُهُ وَبَيَّنَهُ فِي الْمُحِيطِ) وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ أَيْضًا فِي بَابِ إضَافَةِ الْإِحْرَامِ إلَى الْإِحْرَامِ، وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ أَنَّ الْمَرْفُوضَ الْحَجُّ. (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَدَمٌ) أَيْ دَمٌ لِلرَّفْضِ وَهُوَ دَمُ جَبْرٍ كَذَا فِي اللُّبَابِ (قَوْلُهُ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الظَّاهِرَ الْإِطْلَاقُ إلَخْ) أَقُولُ: نَقَلَ فِي الشرنبلالية كَلَامَ الْمَحْبُوبِيِّ عَنْ الْعِنَايَةِ ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ الْمَحْبُوبِيِّ هُوَ الصَّحِيحُ نَقَلَهُ الشَّيْخُ الشَّلَبِيُّ عَنْ الْكَرْمَانِيِّ اهـ، وَعَلَيْهِ فَإِطْلَاقُ كَلَامِ الْهِدَايَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ مُقَيَّدٌ بِمَا ذَكَرَهُ الْمَحْبُوبِيُّ تَأَمَّلْ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ تَجَوُّزٌ ظَاهِرٌ إذْ بُطْلَانُ الشَّيْءِ فَرْعُ وُجُودِهِ وَلَا وُجُودَ لَهُ مَعَ فَقْدِ شَرْطِهِ فَلَوْ قَالَ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا لَكَانَ أَوْلَى. اهـ. قُلْت: إنْ سُلِّمَ ذَلِكَ فَهُوَ تَجَوُّزٌ شَائِعٌ بَيْنَهُمْ مِثْلُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَفَسَدَ صَوْمُهُ وَاعْتِكَافُهُ وَحَجُّهُ تَسْمِيَةٌ لَهُ بِاعْتِبَارِ شُرُوعِهِ فِيهِ أَوْ وُجُودِهِ الصُّورِيِّ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ يَمْنَعُهُ مِنْ التَّحَلُّلِ إلَخْ) أَيْ حَيْثُ قَالُوا فَإِنَّهُ بِالْهَدْيِ اسْتَدَامَ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ إلَخْ.

стр. 798

وَيَحِلَّ مِنْهُمَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ يَمْنَعُهُ مِنْ التَّحَلُّلِ وَأَنَّهُ الْتِزَامٌ لِإِحْرَامِ الْحَجِّ مِنْ عَامِهِ لَكِنْ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ لَوْ بَدَا لَهُ بَعْدَ الْعُمْرَةِ أَنْ لَا يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ لَا يُؤَاخَذُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ بَعْدُ وَإِذَا ذَبَحَ الْهَدْيَ أَوْ أَمَرَ بِذَبْحِهِ يَقَعُ تَطَوُّعًا اهـ. وَكَذَا الشَّارِحُ أَيْضًا فِي دَلِيلِ مُحَمَّدٍ لِكَوْنِ الْعَوْدِ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ بَعَثَ هَدْيَهُ لِيُنْحَرَ عَنْهُ وَلَمْ يَحُجَّ كَانَ لَهُ ذَلِكَ فَقَوْلُهُمَا أَنَّ الْعَوْدَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِسَوْقِ الْهَدْيِ مَعْنَاهُ إذَا أَرَادَ الْمُتْعَةَ لَا مُطْلَقًا وَفِي الْمُحِيطِ فَإِنْ ذَبَحَ الْهَدْيَ وَرَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَلَهُ أَنْ لَا يَحُجَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِي حَقِّ الْحَجِّ إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ وَبِمُجَرَّدِهَا لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ فَإِذَا نَوَى أَنْ لَا يَحُجَّ ارْتَفَعَتْ نِيَّةُ الْحَجِّ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ فِي الِابْتِدَاءِ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيَهُ، وَيَحِلَّ وَلَا يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ وَيَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى عَزْمِ التَّمَتُّعِ فَيَمْنَعُهُ الْهَدْيُ مِنْ الْإِحْلَالِ فَإِنْ فَعَلَهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَتِّعٍ وَلَوْ حَلَّ بِمَكَّةَ وَنَحَرَ هَدْيَهُ ثُمَّ حَجَّ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ لَزِمَهُ دَمٌ لِتَمَتُّعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُلِمَّ بِأَهْلِهِ فِيمَا بَيْنَ النُّسُكَيْنِ وَعَلَيْهِ دَمٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ حَلَّ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ. اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا سَاقَ الْهَدْيَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَتْرُكَهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ لَا فَإِنْ تَرَكَهُ إلَيْهِ فَتَمَتُّعُهُ صَحِيحٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ سَوَاءٌ عَادَ إلَى أَهْلِهِ أَوْ لَا وَإِنْ تَعَجَّلَ ذَبْحَهُ فِإِمَّا أَنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ أَوْ لَا فَإِنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ لَا وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ فَإِنْ لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ حَجَّ مِنْهُ لَزِمَهُ دَمَانِ دَمُ الْمُتْعَةِ وَدَمُ الْحِلِّ قَبْلَ أَوَانِهِ، وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ عَدَمَ الْإِلْمَامِ بَيْنَهُمَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي التَّمَتُّعِ فَلَا يَبْطُلُ تَمَتُّعُهُ بِعَوْدِهِ إلَى أَهْلِهِ سَوَاءٌ سَاقَ الْهَدْيَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا مَنَعَتْ التَّمَتُّعَ لِمَنْ كَانَ حَاضِرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا لِأَجْلِ إلْمَامِهِمْ بِأَهْلِهِمْ بَيْنَهُمَا بَلْ لِتَيَسُّرِ الْعُمْرَةِ لَهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِخِلَافِ الْغَيْرِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَادَ بَعْدَمَا طَافَ لَهَا الْأَقَلَّ لَا يَبْطُلُ تَمَتُّعُهُ؛ لِأَنَّ الْعَوْدُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ مُحْرِمًا بِخِلَافِ مَا إذَا طَافَ الْأَكْثَرَ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ الْعُمْرَةِ الْحَلْقُ فَلَا بُدَّ لِلْبُطْلَانِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَاجِبَاتِهَا وَبِهِ التَّحَلُّلُ فَلَوْ عَادَ بَعْدَ طَوَافِهَا قَبْلَ الْحَلْقِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ فِي أَهْلِهِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ جَعَلَ الْحَرَمَ شَرْطًا فِي جَوَازِ الْحَلْقِ وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ وَمَنْ طَافَ أَقَلَّ أَشْوَاطِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَتَمَّهَا فِيهَا كَانَ مُتَمَتِّعًا وَبِعَكْسِهِ لَا) أَيْ لَوْ طَافَ أَكْثَرَ أَشْوَاطِهَا قَبْلَهَا وَأَتَمَّهَا فِيهَا لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ قَالَ الْإِمَامُ الْأَقْطَعُ فَصَارَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي أَنَّ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِحْرَامِ مِنْ الْأَفْعَالِ فَحُكْمُ أَكْثَرِهِ حُكْمُ جَمِيعِهِ فِي بَابِ الْجَوَازِ وَمَنَعَ وُرُودَ الْفَسَادِ عَلَيْهِ. وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ إحْرَامِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ إنَّمَا هُوَ الطَّوَافُ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ طَافَ كُلَّهُ فِي رَمَضَانَ جُنُبٌ أَوْ مُحْدِثٌ ثُمَّ أَعَادَهُ فِي شَوَّالٍ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْمُحْدِثِ لَا يُرْتَفَضُ بِالْإِعَادَةِ فَلَمْ تَقَعْ الْعُمْرَةُ وَالْحَجُّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَكَذَلِكَ طَوَافُ الْجُنُبِ عَلَى رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ فَكَانَ الْفَرْضُ هُوَ الْأَوَّلَ وَلَمْ يُوجَدْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ يَرْتَفِعُ الْأَوَّلُ بِالْإِعَادَةِ لَكِنْ تَعَلَّقَ بِهَذَا الطَّوَافِ فِي رَمَضَانَ الْمَنْعُ عَنْ الْعُمْرَةِ لِهَذَا السَّفَرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَتَمَّ هَذِهِ الْعُمْرَةَ ثُمَّ ابْتَدَأَ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ اعْتَمَرَ عُمْرَةً جَدِيدَةً وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا فَلَا يُرْتَفَضُ هَذَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ بِالْإِعَادَةِ بِخِلَافِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْعٌ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى يُنْتَقَضَ بِالْإِعَادَةِ اهـ. وَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الِاعْتِمَارَ فِي سَنَةٍ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ مَانِعٌ مِنْ التَّمَتُّعِ فِي سَنَتِهِ سَوَاءٌ أَتَى بِعُمْرَةٍ أُخْرَى فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ لَا، وَإِنَّمَا اُخْتُصَّتْ الْمُتْعَةُ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ كَانَ مُتَعَيِّنًا لِلْحَجِّ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَأَدْخَلَ اللَّهُ الْعُمْرَةَ فِيهَا إسْقَاطًا لِلسَّفَرِ الْجَدِيدِ عَنْ الْغُرَبَاءِ فَكَانَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ رُخْصَةً وَتَمَتُّعًا، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْقِرَانِ أَيْضًا ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ قَالَ الْإِمَامُ الْأَقْطَعُ) هُوَ مِنْ شُرَّاحِ الْقُدُورِيِّ (قَوْلُهُ وَعُلِمَ مِنْ هَذَا إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَالْحِيلَةُ لِمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ يُرِيدُ التَّمَتُّعَ أَوْ الْقِرَانَ أَنْ لَا يَطُوفَ بَلْ يَصْبِرَ إلَى أَنْ تَدْخُلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ ثُمَّ يَطُوفَ، فَإِنَّهُ مَتَى طَافَ طَوَافًا مَا وَقَعَ عَنْ الْعُمْرَةِ وَلَوْ طَافَ الْكُلَّ أَوْ أَكْثَرَهُ ثُمَّ دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ أُخْرَى دَاخِلَ الْمِيقَاتِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا عِنْدَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ أَهْلِ مَكَّةَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ صَارَ مِيقَاتُهُ مِيقَاتَهُمْ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ إلَى أَهْلِهِ أَوْ مِيقَاتِ نَفْسِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ ثُمَّ يَرْجِعَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآفَاقِيِّ الَّذِي صَارَ فِي حُكْمِ الْمَكِّيِّ بِخِلَافِ الْمَكِّيِّ الْحَقِيقِيِّ فَإِنَّهُ وَلَوْ خَرَجَ إلَى الْآفَاقِ فِي الْأَشْهُرِ لَا يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا مَسْنُونًا لِمَا سَبَقَ مِنْ اشْتِرَاطِ عَدَمِ الْإِلْمَامِ فِي التَّمَتُّعِ هَذَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُتَمَتِّعِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ لَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْ إتْيَانِ الْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ

стр. 799

أَنْ يَفْعَلَ أَكْثَرَ أَشْوَاطِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَكَأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ فِي ذَلِكَ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ مُحَمَّدٍ وَقَدَّمْنَا جَوَابَهُ فِي بَابِ الْقِرَانِ. . (قَوْلُهُ وَهِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ) أَيْ أَشْهُرُ الْحَجِّ الْمُرَادَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ الْعَبَادِلَةِ الثَّلَاثَةِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَالْمُرَادُ حِينَئِذٍ مِنْ الْجَمْعِ شَهْرَانِ، وَبَعْضُ الثَّالِثِ وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ فَإِنْ قُلْت فَكَيْفَ كَانَ الشَّهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ أَشْهُرًا قُلْت اسْمُ الْجَمْعِ يَشْتَرِكُ فِيهِ مَا وَرَاءَ الْوَاحِدِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] فَلَا سُؤَالَ فِيهِ إذَنْ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَوْضِعًا لِلسُّؤَالِ لَوْ قِيلَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٌ اهـ. وَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَخَصَّ الْخُصُوصِ فِي الْعَامِّ إذَا كَانَ جَمْعًا ثَلَاثَةٌ لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بَعْدَهُ فَالْأَوْلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكَشَّافِ، وَفَائِدَةُ التَّوْقِيتِ بِهَذِهِ الْأَشْهُرِ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ لَا يَجُوزُ إلَّا فِيهَا حَتَّى إذَا صَامَ الْمُتَمَتِّعُ أَوْ الْقَارِنُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ فَأَتَى بِأَفْعَالِهَا ثُمَّ أَحْرَمَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ بِالْحَجِّ وَبَقِيَ مُحْرِمًا إلَى قَابِلٍ فَحَجَّ كَانَ مُتَمَتِّعًا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيُوجِبُ أَنْ يَضَعَ مَكَانَ قَوْلِهِمْ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فِي تَصْوِيرِ التَّمَتُّعِ، وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ. اهـ. وَسَيَأْتِي فِي بَابِ إضَافَةِ الْإِحْرَامِ إلَى الْإِحْرَامِ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّفْضُ وَالتَّحَلُّلُ لِارْتِكَابِهِ النَّهْيَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّهُ مَكِّيٌّ وَعُمْرَتَهُ وَحِجَّتَهُ مَكِّيَّةٌ وَالْمُتَمَتِّعَ مَنْ عُمْرَتُهُ مِيقَاتِيَّةٌ وَحِجَّتُهُ مَكِّيَّةٌ وَالْقَعْدَةُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ وَلَمْ يُسْمَعْ فِي الْحِجَّةِ إلَّا الْكَسْرُ. (قَوْلُهُ وَصَحَّ الْإِحْرَامُ بِهِ قَبْلَهَا وَكُرِهَ) أَيْ صَحَّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ لِعَدَمِ اتِّصَالِ الْأَفْعَالِ بِهِ فَجَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الزَّمَانِ كَالتَّقْدِيمِ عَلَى الْمَكَانِ وَكَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ بِخِلَافِ تَحْرِيمَتِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَتْ شَرْطًا عِنْدَنَا لِمَا أَنَّ الْأَفْعَالَ مُتَّصِلَةٌ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] لِأَنَّ الْفَاءَ لِلْوَصْلِ وَالتَّعْقِيبِ بِلَا تَرَاخٍ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِلطُّولِ الْمُفْضِي إلَى الْوُقُوعِ فِي مَحْظُورِهِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ ــ [منحة الخالق] زِيَادَةُ عِبَادَةٍ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِي حُكْمِ الْمَكِّيِّ إلَّا أَنَّ الْمَكِّيَّ لَيْسَ مَمْنُوعًا عَنْ الْعُمْرَةِ فَقَطْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَمْنُوعًا عَنْ التَّمَتُّعِ كَمَا تَقَدَّمَ اهـ. مَا فِي اللُّبَابِ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ دَخَلَ فِيهِ يَوْمُ النَّحْرِ وَعَنْ الثَّانِي لَا بِدَلِيلِ فَوَاتِ الْحَجِّ بِطُلُوعِ فَجْرِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يُوضَعَ لِأَدَاءِ رُكْنِ عِبَادَةٍ وَقْتٌ لَيْسَ وَقْتَهَا وَلَا هُوَ مِنْهُ، وَقَدْ وُضِعَ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ عَلَى أَنَّهُ وَقْتٌ لِلْوُقُوفِ فِي الْجُمْلَةِ بِدَلِيلِ مَا قَالَهُ السُّرُوجِيُّ لَوْ اشْتَبَهَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَوَقَفُوا، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ أَجْزَأَهُمْ لَا إنْ ظَهَرَ أَنَّهُ الْحَادِيَ عَشَرَ. (قَوْلُهُ قُلْت اسْمُ الْجَمْعِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ أَيْ اسْمٌ هُوَ الْجَمْعُ وَإِلَّا فَهُوَ جَمْعٌ حَقِيقَةً عَلَى وَزْنِ أَفْعَلَ أَحَدِ الصِّيَغِ الْأَرْبَعَةِ لِجَمْعِ الْقِلَّةِ هَذَا وَقَدْ اعْتَرَضَ الْقُهُسْتَانِيُّ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ بِأَنَّهُ مُخْرِجٌ لِلْعَشْرِ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الشَّهْرَيْنِ عَلَى أَنَّهُ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ لَا يَلِيقُ بِفَصَاحَةِ الْقُرْآنِ، وَاخْتَارَ فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُرَادَ بِهِ ثَلَاثَةٌ لَكِنْ جَعَلَ بَعْضَ الشَّهْرِ شَهْرًا تَسَامُحًا أَوْ مَجَازًا، وَهَذَا الْجَوَابُ نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الْكَشَّافِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ أَوْ نَزَلَ بَعْضُ الشَّهْرِ مَنْزِلَةَ كُلِّهِ وَرَدَّهُ فِي الْعِنَايَةِ أَيْضًا بِأَنَّ فِيهِ إلْبَاسًا بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ثُمَّ قَالَ وَأَقُولُ: هُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ وَقَرِينَةُ الْمَجَازِ سِيَاقُ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ الْحَجُّ أَشْهُرٌ وَالْحَجُّ نَفْسُهُ لَيْسَ بِأَشْهُرٍ فَكَانَ تَقْدِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْحَجُّ فِي أَشْهُرٍ، وَالظَّرْفُ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِفْرَاقَ فَكَانَ الْبَعْضُ مُرَادًا وَعَيْنُهُ مَا رُوِيَ عَنْ الْعَبَادِلَةِ وَغَيْرِهِمْ اهـ. (قَوْلُهُ وَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ الَّذِي فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَا لَفْظُهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مِنْ الْعَامِّ الْخَاصُّ إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ، وَقَدْ دَلَّ نَقْلًا وَعَقْلًا اهـ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ وَالْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ خَاصٌّ لَا يَخْفَى اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مَسْبُوقٌ إلَيْهِ فِي الْعِنَايَةِ وَفِيهَا وَلِأَنَّ الْخُصُوصَ إنَّمَا يَكُونُ بِإِخْرَاجِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ لَا بِإِخْرَاجِ بَعْضِ كُلِّ فَرْدٍ اهـ. وَهَذَا وَارِدٌ (قَوْلُهُ وَفَائِدَةُ التَّوْقِيتِ بِهَذِهِ الْأَشْهُرِ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ لَا يَجُوزُ إلَّا فِيهَا) أَقُولُ: يَرِدُ عَلَيْهِ طَوَافُ الزِّيَارَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي يَوْمَيْنِ بَعْدَ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِلَا كَرَاهَةٍ. (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا كُرِهَ لِلطُّولِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ كُرِهَ التَّقْدِيمُ فَكَانَ ابْنُ شُجَاعٍ يَقُولُ لِأَنَّهُ إحْرَامٌ، وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ مُوَاقَعَةِ الْمَحْظُورِ فَإِذَا أَمِنَ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَفِيهَا لَا يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيُكْرَهُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَقُولُ: فِيهِ إفَادَةُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَقْتِ وَقْتُ الْحَجِّ وَلَوْ لِعَامٍ مَضَى إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ مَا قَالَهُ الْفَقِيهُ إذْ لَا مَعْنَى لِكَرَاهَةِ فِعْلِ شَرْطٍ قَبْلَ وَقْتٍ مَشْرُوطٍ إلَّا كَمَا قَالَ وَلِذَا لَمْ يُعَرِّجْ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِحْرَامُهُ يَوْمَ النَّحْرِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا حَيْثُ لَمْ يَأْمَنْ، وَإِنْ كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَمَا فِي الْكِتَابِ مُقَيَّدٌ بِذَلِكَ وَإِطْلَاقُهُ يُفِيدُ التَّحْرِيمَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ بِإِسَاءَتِهِ اهـ. أَيْ فَظَاهِرُهُ عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَقَدْ شَاعَ فِي كَلَامِهِمْ فِي كِتَابِ الْحَجِّ

стр. 800

شَبِيهٌ بِالرُّكْنِ وَلِذَا إذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ بَعْدَمَا أَحْرَمَ لَا يَتَمَكَّنُ عَنْ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ ذَلِكَ الْإِحْرَامِ لِلْفَرْضِ فَالصِّحَّةُ لِلشَّرْطِ وَالْكَرَاهَةُ لِلشَّبَهِ وَأَطْلَقُوا الْكَرَاهَةَ فَهِيَ تَحْرِيمِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا الْمُرَادَةُ عِنْدَ إطْلَاقِهِمْ لَهَا. (قَوْلُهُ وَلَوْ اعْتَمَرَ كُوفِيٌّ فِيهَا وَأَقَامَ بِمَكَّةَ أَوْ بَصْرَةَ وَحَجَّ صَحَّ تَمَتُّعُهُ) أَرَادَ بِالْكُوفِيِّ الْآفَاقِيَّ الَّذِي يُشْرَعُ لَهُ التَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَصْرَةِ مَكَانٌ لِأَهْلِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَصْرَةَ أَوْ غَيْرَهَا أَمَّا إذَا أَقَامَ بِمَكَّةَ أَوْ خَارِجَهَا دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ فَلِأَنَّ عُمْرَتَهُ آفَاقِيَّةٌ وَحِجَّتَهُ مَكِّيَّةٌ، فَلِذَا كَانَ مُتَمَتِّعًا اتِّفَاقًا، وَأَمَّا إذَا خَرَجَ إلَى مَكَان لِأَهْلِهِ التَّمَتُّعُ وَلَيْسَ وَطَنَهُ فَلِأَنَّ السَّفْرَةَ الْأُولَى قَائِمَةٌ مَا لَمْ يَعُدْ إلَى وَطَنِهِ، وَقَدْ اجْتَمَعَ لَهُ نُسُكَانِ فِيهَا فَوَجَبَ دَمُ التَّمَتُّعِ ثُمَّ اخْتَلَفَ الطَّحَاوِيُّ وَالْجَصَّاصُ فَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ، وَأَنَّ قَوْلَ صَاحِبَيْهِ بُطْلَانَ التَّمَتُّعِ لِمَا أَنَّ نُسُكَيْهِ هَذَيْنِ مِيقَاتِيَّانِ، وَلَا بُدَّ فِيهِ أَنْ تَكُونَ حِجَّتُهُ مَكِّيَّةً، وَنَقَلَ الْجَصَّاصُ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ اتِّفَاقًا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ إنَّهُ الصَّوَابُ وَقَوَّى الْأَوَّلَ الشَّارِحُ وَأَطْلَقَ فِي إقَامَةِ مَكَّةَ أَوْ بَصْرَةَ فَشَمِلَ مَا إذَا اتَّخَذَهُمَا دَارًا أَوْ لَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَالْكَيْسَانِيُّ فَمَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ التَّقْيِيدِ بِاتِّخَاذِهِمَا دَارًا اتِّفَاقِيٌّ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إذْ لَوْ اعْتَمَرَ قَبْلَهَا لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا اتِّفَاقًا، وَقَيَّدَ بِالْكُوفِيِّ لِأَنَّ الْمَكِّيَّ لَا تَمَتُّعَ لَهُ اتِّفَاقًا، وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ رَجَعَ إلَى غَيْرِ وَطَنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ اتِّفَاقًا إذَا لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَعِبَارَةُ الْمَجْمَعِ وَخَرَجَ إلَى الْبَصْرَةِ أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْإِقَامَةِ بِهَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ الْإِمَامِ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ مَحِلُّ الْخِلَافِ وَفِي الثَّانِي يَكُونُ مُتَمَتِّعًا اتِّفَاقًا كَذَا فِي الْمُصَفَّى. (قَوْلُهُ وَلَوْ أَفْسَدَهَا فَأَقَامَ بِمَكَّةَ وَقَضَى وَحَجَّ لَا إلَّا أَنْ يَعُودَ إلَى أَهْلِهِ) أَيْ لَوْ أَفْسَدَ الْكُوفِيُّ عُمْرَتَهُ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ وَقَضَى الْعُمْرَةَ مِنْ عَامِهِ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا إلَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَى وَطَنِهِ بَعْدَ الْخُرُوجِ عَنْ إحْرَامِ الْفَاسِدَةِ ثُمَّ يَعُودَ مُحْرِمًا مِنْ الْمِيقَاتِ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ سَفَرَهُ انْتَهَى بِالْفَسَادِ فَلَمَّا قَضَاهَا صَارَتْ عُمْرَتُهُ مَكِّيَّةً وَلَا تَمَتُّعَ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ عُمْرَتَهُ مِيقَاتِيَّةٌ وَحِجَّتَهُ مَكِّيَّةٌ فَصَارَ مُتَمَتِّعًا وَلَا يَضُرُّهُ كَوْنُ الْعُمْرَةِ قَضَاءً عَمَّا أَفْسَدَهُ إنْ كَانَتْ قَضَاءً وَفِي قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَعُودَ إلَى أَهْلِهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ الْإِقَامَةُ بِمَكَانٍ غَيْرِ وَطَنِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَكَّةَ أَوْ غَيْرَهَا وَلَا خِلَافَ فِيمَا إذَا أَقَامَ بِمَكَّةَ، وَأَمَّا إذَا أَقَامَ بِغَيْرِهَا فَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ وَقَالَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّهُ إنْشَاءُ سَفَرٍ فَهُوَ كَالْعَوْدِ إلَى وَطَنِهِ، وَلَهُ أَنَّ سَفَرَهُ الْأَوَّلَ بَاقٍ مَا لَمْ يَعُدْ إلَى وَطَنِهِ، وَقَدْ انْتَهَى بِالْفَاسِدِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَيَّدَتْ نَقْلَ الطَّحَاوِيِّ، وَقَيَّدَهُ فِي الْمَبْسُوطِ بِأَنْ يُجَاوِزَ الْمَوَاقِيتَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَمَّا إذَا جَاوَزَهَا قَبْلَهَا ثُمَّ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِيهَا كَانَ مُتَمَتِّعًا عِنْدَ الْإِمَامِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ صَارَ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ إنْ كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَتْ وَهُوَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّمَتُّعُ كَمَا هُوَ حَرَامٌ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَلَا تَنْقَطِعُ هَذِهِ الْحُرْمَةُ بِخُرُوجِهِ مِنْ الْمَوَاقِيتِ بَعْدَ ذَلِكَ كَالْمَكِّيِّ. (قَوْلُهُ وَأَيُّهُمَا أَفْسَدَ مَضَى فِيهِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) يَعْنِي الْكُوفِيَّ إذَا قَدِمَ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَأَيَّ النُّسُكَيْنِ أَفْسَدَهُ مَضَى فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ الْإِحْرَامِ إلَّا بِالْأَفْعَالِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِأَدَاءِ نُسُكَيْنِ صَحِيحَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ السَّبَبُ فِي وُجُوبِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِنَفْيِ الدَّمِ فِي عِبَارَتِهِ، وَإِلَّا فَمَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ لَزِمَهُ دَمٌ. (قَوْلُهُ وَلَوْ تَمَتَّعَ وَضَحَّى لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْمُتْعَةِ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِغَيْرِ الْوَاجِبِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ دَمُ التَّمَتُّعِ وَإِلَّا الْأُضْحِيَّةُ فَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ، وَإِنَّمَا وَضَعَ مُحَمَّدٌ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمَرْأَةِ إمَّا لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ امْرَأَةٍ، وَإِمَّا لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَشْتَبِهُ عَلَى الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ فِيهَا أَغْلَبُ فَإِذَا لَمْ يُجْزِ عَنْ الْمُتْعَةِ فَإِنْ كَانَ تَحَلَّلَ بِنَاءً عَلَى جَهْلِهِ لَزِمَهُ دَمَانِ دَمُ التَّمَتُّعِ وَدَمُ التَّحَلُّلِ قَبْلَ أَوَانِهِ ــ [منحة الخالق] إطْلَاقُ الْإِسَاءَةِ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ لَكِنْ صَرَّحَ الْقُهُسْتَانِيُّ بِأَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ، وَقَالَ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ قُبَيْلَ بَابِ الْإِحْرَامِ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَنَقَلْنَا هُنَاكَ خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ فِيهَا فَرَاجِعْهُ وَبِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ اعْتَمَرَ كُوفِيٌّ فِيهَا) أَيْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (قَوْلُهُ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ إنَّهُ الصَّوَابُ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي الْمِعْرَاجِ إنَّهُ الْأَصَحُّ لَكِنْ قَالَ فِي الْحَقَائِقِ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا قَالُوا الصَّوَابُ مَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ وَقَالَ الصَّفَّارُ كَثِيرًا مَا جَرَّبْنَاهُ فَلَمْ نَجِدْهُ غَالِطًا وَكَثِيرًا مَا جَرَّبْنَا الْجَصَّاصَ فَوَجَدْنَاهُ غَالِطًا. (قَوْلُهُ وَعِبَارَةُ الْمَجْمَعِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَبْطُلْ تَمَتُّعُهُ بِالْإِقَامَةِ فَبِعَدَمِهَا أَوْلَى، وَالتَّقْيِيدُ بِالْخُرُوجِ لَا يُفْهِمُ الْحُكْمَ فِيمَا لَوْ أَقَامَ فَمَا هُنَا أَوْلَى.

стр. 801

وَإِلَّا فَدَمُ التَّمَتُّعِ وَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا أَنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ طَوَافِ الرُّكْنِ وَلَا مِثْلَهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ نَوَى بِهِ التَّطَوُّعَ أَجْزَأَهُ عَنْ الرُّكْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الدَّمُ كَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى. (قَوْلُهُ وَلَوْ حَاضَتْ عِنْدَ الْإِحْرَامِ أَتَتْ بِغَيْرِ الطَّوَافِ) «لِقَوْلِهِ ﵇ لِعَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ بِسَرِفَ افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» فَأَفَادَ أَنَّ طَوَافَهَا حَرَامٌ، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ دُخُولُهَا الْمَسْجِدَ وَتَرْكُ وَاجِبِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّ الطَّهَارَةَ وَاجِبَةٌ فِي الطَّوَافِ فَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَطُوفَ حَتَّى تَطْهُرَ فَإِنْ طَافَتْ كَانَتْ عَاصِيَةً مُسْتَحِقَّةً لِعِقَابِ اللَّهِ وَلَزِمَهَا الْإِعَادَةُ فَإِنْ لَمْ تُعِدْ كَانَ عَلَيْهَا بَدَنَةٌ، وَتَمَّ حَجُّهَا (قَوْلُهُ وَلَوْ عِنْدَ الصَّدْرِ تَرَكَتْهُ كَمَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ) يَعْنِي وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ عُذْرٌ وَكَذَا إذَا أَخَّرَتْ طَوَافَ الزِّيَارَةِ إلَى وَقْتِ طُهْرِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ لِلْعُذْرِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي طَوَافِ الصَّدْرِ وَأَطْلَقَ فِي سُقُوطِهِ عَمَّنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ فَشَمِلَ مَا إذَا أَقَامَ بَعْدَمَا حَلَّ النَّفْرُ الْأَوَّلُ أَوْ لَا وَفِيهِ اخْتِلَافٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ هُنَاكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ. ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا إلَخْ) أَيْ حَيْثُ لَمْ تُجْزِهِ الْأُضْحِيَّةُ عَنْ الْمُتْعَةِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي النَّهْرِ التَّصْرِيحَ بِهَذَا الْمُسْتَفَادِ عَنْ الدِّرَايَةِ. (قَوْلُهُ وَقَدْ يُقَالُ إلَخْ) ذَكَرَ فِي الشرنبلالية مِثْلَهُ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ ثُمَّ قَالَ لَكِنَّهُ قَدْ يُقَالُ لَمَّا كَانَ طَوَافُ الرُّكْنِ مُتَعَيِّنًا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وُجُوبًا كَانَ النَّظَرُ لِإِيقَاعِ مَا طَافَهُ عَنْهُ وَتَلْغُو نِيَّةُ غَيْرِهِ، وَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ فَهِيَ مُتَعَيِّنَةٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ كَالْمُتْعَةِ فَلَا تَقَعُ الْأُضْحِيَّةُ مَعَ تَعَيُّنِهَا عَنْ غَيْرِهَا اهـ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ مُتَعَيِّنَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ ذَلِكَ الْمُتَمَتِّعِ فَمُسَلَّمٌ وَلَا كَلَامَ فِيهِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا مُتَعَيِّنَةٌ فِي حَقِّهِ أَيْضًا فَلَا يُسَلَّمُ إذْ هِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُسَافِرًا، أَمَّا الْمُتْعَةُ فَهِيَ مُتَعَيِّنَةٌ عَلَيْهِ فَسَاوَتْ الطَّوَافَ اهـ. فَالْأَوْلَى مَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُهُمْ أَنَّ طَوَافَ الرُّكْنِ لَمَّا كَانَ الْوَقْتُ مُتَعَيِّنًا لَهُ لَا يَسَعُ غَيْرَهُ أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ التَّطَوُّعِ بِخِلَافِ دَمِ التَّمَتُّعِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَا فِي الشرنبلالية وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الِاعْتِرَاضُ الْمَارُّ خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ الْمُعْتَرِضُ. (قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا أَخَّرَتْ طَوَافَ الزِّيَارَةِ) أَيْ إذَا حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْدِرَ عَلَى أَكْثَرِ الطَّوَافِ قَالَ فِي اللُّبَابِ وَلَوْ حَاضَتْ فِي وَقْتٍ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَطُوفَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَلَمْ تَطُفْ لَزِمَهَا دَمٌ لِلتَّأْخِيرِ، وَلَوْ حَاضَتْ فِي وَقْتٍ تَقْدِرُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهَا شَيْءٌ فَقَوْلهمْ لَا شَيْءَ عَلَى الْحَائِضِ وَكَذَا النُّفَسَاءُ لِتَأْخِيرِ الطَّوَافِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا حَاضَتْ فِي وَقْتٍ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى أَكْثَرِ الطَّوَافِ، أَوْ حَاضَتْ قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ وَلَمْ تَطْهُرْ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ أَيَّامِ النَّحْرِ اهـ. لِمَا ذَكَرَهُ فِي اللُّبَابِ أَيْضًا مِنْ أَنَّهَا لَوْ طَهُرَتْ فِي آخِرِ أَيَّامِ النَّحْرِ وَيُمْكِنُهَا طَوَافُ الزِّيَارَةِ كُلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَلَمْ تَطُفْ فَعَلَيْهَا دَمٌ لِلتَّأْخِيرِ، وَإِنْ أَمْكَنَهَا أَقَلُّهُ فَلَمْ تَطُفْ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 802

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (بَابُ الْجِنَايَاتِ) لَمَّا كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ الْعَوَارِضِ أَخَّرَهَا، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مَا تَجْنِيهِ مِنْ شَرٍّ أَيْ تُحْدِثُهُ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ مِنْ جَنَى عَلَيْهِ شَرًّا، وَهُوَ عَامٌّ إلَّا أَنَّهُ خُصَّ بِمَا يَحْرُمُ مِنْ الْفِعْلِ، وَأَصْلُهُ مِنْ جَنْيِ الثَّمَرِ، وَهُوَ أَخْذُهُ مِنْ الشَّجَرِ، وَفِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا سَوَاءٌ حَلَّ بِمَالٍ أَوْ نَفْسٍ إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ خَصُّوهُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْفِعْلِ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ وَخَصُّوا الْفِعْلَ فِي الْمَالِ بِاسْمِ الْغَصْبِ وَالْمُرَادُ هُنَا خَاصٌّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ حُرْمَتُهُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ أَوْ الْحَرَمِ وَحَاصِلُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ الطِّيبُ وَلُبْسُ الْمَخِيطِ وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ أَوْ الْوَجْهِ، وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ مِنْ الْبَدَنِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَالْجِمَاعُ صُورَةً، وَمَعْنًى أَوْ مَعْنًى فَقَطْ وَتَرْكُ وَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ وَالتَّعَرُّضُ لِلصَّيْدِ وَحَاصِلُ الثَّانِي التَّعَرُّضُ لِصَيْدِ الْحَرَمِ وَشَجَرِهِ فَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ مِنْ الْأَوَّلِ فَقَالَ: (تَجِبُ شَاةٌ إنْ طَيَّبَ مُحْرِمٌ عُضْوًا، وَإِلَّا تَصَدَّقَ أَوْ خَضَّبَ رَأْسَهُ بِحِنَّاءٍ أَوْ أَدْهَنَ بِزَيْتٍ) ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَتَكَامَلُ بِتَكَامُلِ الِارْتِفَاقِ وَذَلِكَ فِي الْعُضْوِ الْكَامِلِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَمَالُ الْمُوجِبِ وَتَتَقَاصَرُ الْجِنَايَةُ فِيمَا دُونَهُ فَوَجَبَتْ الصَّدَقَةُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجِبُ بِقَدْرِهِ مِنْ الدَّمِ اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَبْلُغُ نِصْفَ الْعُضْوِ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ قَدْرَ نِصْفِ قِيمَةِ الشَّاةِ، وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُ رُبْعًا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ قَدْرَ رُبْعِ قِيمَةِ الشَّاةِ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَقْلِ خِلَافٍ. ثُمَّ مَا اخْتَارَهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ مِنْ أَنَّ الْكَثِيرَ هُوَ الْعُضْوُ وَالْقَلِيلَ مَا دُونَهُ هُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ عَنْ الْإِمَامِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَقَدْ أَشَارَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ إلَى أَنَّ الدَّمَ يَجِبُ بِالتَّطَيُّبِ الْكَثِيرِ وَالصَّدَقَةُ بِالْقَلِيلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْعُضْوَ، وَمَا دُونَهُ فَفَهِمَ مِنْ ذَلِكَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ أَنَّ الْكَثْرَةَ تُعْتَبَرُ فِي نَفْسِ الطِّيبِ لَا فِي الْعُضْوِ فَلَوْ كَانَ ــ [منحة الخالق] [بَابُ الْجِنَايَاتِ فِي الْحَجّ] بَابُ الْجِنَايَاتِ)

стр. 803

كَثِيرًا مِثْلَ كَفَّيْنِ مِنْ مَاءِ الْوَرْدِ، وَكَفٍّ مِنْ الْغَالِيَةِ وَالْمِسْكِ بِقَدْرِ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاسُ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَثِيرًا، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فِي نَفْسِهِ وَالْقَلِيلُ مَا يَسْتَقِلُّهُ النَّاسُ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ كَثِيرًا، وَكَفٍّ مِنْ مَاءِ الْوَرْدِ يَكُونُ قَلِيلًا، وَوَفَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: إنَّ التَّوْفِيقَ هُوَ التَّوْفِيقُ بِأَنَّ الطِّيبَ إنْ كَانَ قَلِيلًا فَالْعِبْرَةُ لِلْعُضْوِ لَا لِلطِّيبِ فَإِنْ طَيَّبَ عُضْوًا كَامِلًا لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَصَدَقَةٌ، وَإِنْ كَانَ الطِّيبُ كَثِيرًا فَالْعِبْرَةُ لِلطِّيبِ لَا لِلْعُضْوِ حَتَّى لَوْ طَيَّبَ بِهِ رُبْعَ عُضْوٍ يَلْزَمُهُ دَمٌ، وَفِيمَا دُونَهُ صَدَقَةٌ وَنَظِيرُهُ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ فِي تَقْدِيرِ النَّجَاسَةِ الْكَثِيرَةِ اُعْتُبِرَ الْمِسَاحَةُ فِي النَّجَاسَةِ الرَّقِيقَةِ وَاعْتُبِرَ الْوَزْنُ فِي النَّجَاسَةِ الْكَثِيفَةِ. اهـ. مَا فِي الْمُحِيطِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا فِي الْمُتُونِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الطِّيبُ قَلِيلًا أَمَّا إذَا كَانَ كَثِيرًا فَلَا اعْتِبَارَ بِالْعُضْوِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ اعْتِبَارِ الْعُضْوِ صَرِيحٌ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكَثْرَةِ إشَارَةٌ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الْمُصَرَّحِ بِهِ فَيَتَّحِدُ الْقَوْلَانِ وَيَتَرَجَّحُ مَا فِي الْمُتُونِ مِنْ اعْتِبَارِ الْعُضْوِ، وَهُوَ كَالرَّأْسِ وَالسَّاقِ وَالْفَخِذِ وَالْيَدِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ إذَا خَضَّبَتْ الْمَرْأَةُ كَفَّهَا بِحِنَّاءٍ يَجِبُ عَلَيْهَا دَمٌ قَالَ: وَجُعِلَ الْكَفُّ عُضْوًا كَامِلًا، وَحَقِيقَةُ التَّطَيُّبِ أَنْ يَلْزَقَ بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ طِيبًا، وَمَا زَادَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ فِرَاشِهِ فَرَاجِعٌ إلَيْهِمَا وَالطِّيبُ جِسْمٌ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ مُسْتَلَذَّةٌ كَالزَّعْفَرَانِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالْيَاسَمِينِ وَالْغَالِيَةِ وَالرَّيْحَانِ وَالْوَرْدِ وَالْوَرْسِ وَالْعُصْفُرِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَلْتَزِقَ بِثَوْبِهِ عَيْنُهُ أَوْ رَائِحَتُهُ فَلِذَا صَرَّحُوا أَنَّهُ لَوْ بَخَّرَ ثَوْبَهُ بِالْبَخُورِ فَتَعَلَّقَ بِهِ كَثِيرٌ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَصَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالطِّيبِ بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ بَيْتًا قَدْ أُجْمِرَ فِيهِ فَعَلِقَ بِثِيَابِهِ رَائِحَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِعَيْنِهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْلِسَ فِي حَانُوتِ عَطَّارٍ، وَلَا فَرْقَ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَهُ أَوْ لَا وَلِذَا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَإِنْ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَأَصَابَ فَمَهُ أَوْ يَدَهُ خُلُوفٌ كَثِيرٌ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَصَدَقَةٌ. وَفِي الْمَجْمَعِ وَنُوجِبُهُ فِي النَّاسِي لَا الصَّبِيِّ وَنَعْكِسُ فِي شَمْسِهِ، وَأَكْلُ كَثِيرِهِ مُوجِبٌ لَهُ، وَفِي قَلِيلِهِ صَدَقَةٌ بِقَدْرِهِ. اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ مَفْهُومَ شَرْطِهِ أَنَّهُ لَوْ شَمَّ الطِّيبَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا كَمَا لَوْ تَوَسَّدَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِالزَّعْفَرَانِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَاصِرٌ عَلَى الطِّيبِ الْمُلْتَزِقِ بِالْبَدَنِ، وَأَمَّا الْمُلْتَزِقُ بِالثِّيَابِ فَلَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُ الْعُضْوِ فِيهِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ كَثْرَةُ الطِّيبِ وَقِلَّتُهُ، وَهُوَ مُرَجَّحٌ بِقَوْلِ الْهِنْدُوَانِيُّ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْبَدَنَ وَالثَّوْبَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ مِسْكًا فِي طَرَفِ إزَارِهِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَكَانَ الْمُرَجِّحُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ الْعُرْفَ إنْ كَانَ، وَإِلَّا فَمَا يَقَعُ عِنْدَ الْمُبْتَلَى. وَمَا فِي الْمُجَرَّدِ إنْ كَانَ فِي ثَوْبِهِ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ فَمَكَثَ عَلَيْهِ يَوْمًا يُطْعِمُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ فَصَدَقَةٌ يُفِيدُ التَّنْصِيصَ عَلَى أَنَّ الشِّبْرَ فِي الشِّبْرِ دَاخِلٌ فِي حَدِّ الْقَلِيلِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الطِّيبِ فِي الثَّوْبِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَإِنَّ التَّوْفِيقَ هُوَ التَّوْفِيقُ) أَيْ التَّوْفِيقَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ هُوَ التَّوْفِيقُ الْمُعْتَبَرُ أَوْ هُوَ التَّوْفِيقُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ بِأَنَّ الطِّيبَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَوَفَّقَ بَعْضُهُمْ وَالْمُرَادُ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّوْفِيقِ الثَّانِي لَكِنَّهُ لَيْسَ هُوَ لَفْظَ مَا فِي الْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا ذَكَرَ التَّوْفِيقَ قَالَ: وَالتَّوْفِيقُ هُوَ التَّوْفِيقُ (قَوْلُهُ: وَمَا زَادَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ فِرَاشِهِ) حَيْثُ قَالَ: بَعْدَمَا عَرَّفَ التَّطَيُّبَ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَنْعِ بَيْنَ بَدَنِهِ، وَإِزَارِهِ وَفِرَاشِهِ. اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَمْ يَزِدْهُ عَلَى الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ بَيْتًا إلَخْ) اُنْظُرْهُ مَعَ قَوْلِهِ عَقِبَهُ، وَلَا فَرْقَ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَهُ أَوْ لَا (قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَهُ أَوْ لَا) قَالَ: فِي اللُّبَابِ ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ فِيمَا إذَا جَنَى عَامِدًا أَوْ خَاطِئًا مُبْتَدَأً أَوْ عَائِدًا ذَاكِرًا أَوْ نَاسِيًا عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا نَائِمًا أَوْ مُنْتَبِهًا سَكْرَانَ أَوْ صَاحِيًا مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُفِيقًا مَعْذُورًا أَوْ غَيْرَهُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا بِمُبَاشَرَتِهِ أَوْ بِمُبَاشَرَةِ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ جَمِيعِهَا يَجِبُ الْجَزَاءُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَنَا لَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا فَاحْفَظْهُ. اهـ. قَالَ شَارِحُهُ: وَلَعَلَّهُ أَشَارَ أَيْ بِقَوْلِهِ غَالِبًا إلَى مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ إذَا طَيَّبَ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا لَا شَيْءَ عَلَى الْفَاعِلِ وَيَجِبُ عَلَى الْمَفْعُولِ الْجَزَاءُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْمَجْمَعِ وَنُوجِبُهُ فِي النَّاسِي إلَخْ) أَشَارَ بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ الْمُضَارِعَةِ الْمُصَدَّرَةِ بِنُونِ الْجَمَاعَةِ إلَى خِلَافِ الشَّافِعِيِّ كَمَا هُوَ مُصْطَلَحُهُ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِهِ وَنُوجِبُهُ أَيْ الدَّمَ فِي النَّاسِي أَيْ فِي جِنَايَةِ مَنْ جَنَى عَلَى إحْرَامِهِ نَاسِيًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَا الصَّبِيِّ بِالْجَرِّ مَعْطُوفٌ عَلَى النَّاسِي يَعْنِي لَا يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ الْمُحْرِمِ فِي جِنَايَتِهِ شَيْءٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ وَنَعْكِسُ الْحُكْمَ السَّابِقَ، وَهُوَ الْوَاجِبُ يَعْنِي لَا يَجِبُ فِي شَمِّهِ أَيْ شَمِّ الْمُحْرِمِ طِيبًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ، وَأَكْلُ كَثِيرِهِ أَيْ أَكْلُ الْمُحْرِمِ كَثِيرًا مِنْ الطِّيبِ بِحَيْثُ يَلْتَزِقُ بِكُلِّ فَمِهِ أَوْ أَكْثَرِهِ مُوجِبٌ لَهُ أَيْ لِلْأَكْلِ دَمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَذَكَرَ الْوُجُوبَ بِاللَّامِ تَضْمِينًا فِيهِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ، وَفِي قَلِيلِهِ صَدَقَةٌ بِقَدْرِهِ أَيْ بِقَدْرِ الدَّمِ يَعْنِي إنْ الْتَزَقَ الطِّيبُ بِثُلُثِ فَمِهِ يَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ تَبْلُغُ ثُلُثَ الدَّمِ، وَإِنْ الْتَزَقَ بِنِصْفِهِ فَصَدَقَةٌ تَبْلُغُ نِصْفَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِ الطِّيبِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ لَا اسْتِعْمَالٌ (قَوْلُهُ: فَعُلِمَ أَنَّ مَفْهُومَ شَرْطِهِ إلَخْ) أَيْ الشَّرْطُ الْوَاقِعُ فِي الْمَتْنِ بِقَوْلِهِ إنْ طَيَّبَ، وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى مَا فِي الْمَجْمَعِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ الطِّيبِ فِي الثَّوْبِ

стр. 804

بِالزَّمَانِ بِخِلَافِ تَطْيِيبِ الْعُضْوِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الزَّمَانُ حَتَّى لَوْ غَسَلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ فَالدَّمُ وَاجِبٌ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلِذَا أَطْلَقَهُ فِي الْمَتْنِ قَيَّدَ بِكَوْنِهِ تَطَيَّبَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَطَيَّبَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ انْتَقَلَ بَعْدَهُ مِنْ مَكَان إلَى آخَرَ مِنْ بَدَنِهِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَإِذَا وَجَبَ الْجَزَاءُ بِالتَّطَيُّبِ فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَتِهِ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِقْلَاعِ عَنْهَا، وَذَبْحُ الْهَدْيِ لَا يُبِيحُ بَقَاءَهُ فَلَوْ لَمْ يُزِلْهُ بَعْدَ مَا كَفَّرَ لَهُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ دَمٍ آخَرَ لِبَقَائِهِ، وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ كَانَ مَحْظُورًا فَيَكُونُ لِبَقَائِهِ حُكْمُ ابْتِدَائِهِ، وَالرِّوَايَةُ تُوَافِقُهُ، وَهِيَ مَا فِي الْمُبْتَغَى عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا مَسَّ طِيبًا كَثِيرًا فَأَرَاقَ لَهُ دَمًا ثُمَّ تَرَكَ الطِّيبَ عَلَى حَالِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ لِتَرْكِهِ دَمٌ آخَرُ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الَّذِي تَطَيَّبَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ ثُمَّ أَحْرَمَ وَتَرَكَ الطِّيبَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَحْظُورًا. وَاخْتَارَهُ فِي الْمُحِيطِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ بَيَانِهِ حُكْمُ الْعُضْوِ، وَمَا دُونَهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَالْعُضْوِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ ثُمَّ إنَّمَا تَجِبُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ بِتَطْيِيبِ كُلِّ الْبَدَنِ إذَا كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ فَلِكُلِّ طِيبٍ كَفَّارَةٌ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ أَوْ لَا عِنْدَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ دَاوَى قُرْحَةً بِدَوَاءٍ فِيهِ طِيبٌ ثُمَّ خَرَجَتْ قُرْحَةٌ أُخْرَى فَدَاوَاهَا مَعَ الْأُولَى فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ مَا لَمْ تَبْرَأْ الْأُولَى، وَلَوْ كَانَ الطِّيبُ فِي أَعْضَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ فَإِنْ بَلَغَ عُضْوًا كَامِلًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ، وَفِي الْمُحِيطِ اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِرَارًا كَثِيرَةً فَدَمٌ وَالْمُرَادُ بِالْمِرَارِ الْمَرَّتَانِ فَأَكْثَرُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ، وَقَالَ: لَوْ جَعَلَ الْمِلْحَ الَّذِي فِيهِ طِيبٌ فِي طَعَامٍ قَدْ طُبِخَ وَتَغَيَّرَ، وَأَكَلَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُطْبَخْ وَرِيحُهُ يُوجَدُ مِنْهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ جُعِلَ الزَّعْفَرَانُ فِي الْمِلْحِ فَإِنْ كَانَ الزَّعْفَرَانُ غَالِبًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْمِلْحُ غَالِبًا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. اهـ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ شَاةٌ إلَى أَنَّ سُبْعَ الْبَدَنَةِ لَا يَكْفِي فِي هَذَا الْبَابِ بِخِلَافِ دَمِ الشُّكْرِ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ عُضْوُهُ بِالْإِضَافَةِ كَانَ أَوْلَى لِمَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ، وَإِذَا أَلْبَسَ الْمُحْرِمُ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا مَخِيطًا أَوْ طَيَّبَهُ بِطِيبٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَتَلَ قَمْلَةً عَلَى غَيْرِهِ. اهـ. وَقَوْلُهُ أَوْ خَضَّبَ رَأْسَهُ مَعْطُوفٌ عَلَى طَيَّبَ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِالْحِنَّاءِ مَعَ دُخُولِهَا تَحْتَ الطِّيبِ لِقَوْلِهِ ﵇ «الْحِنَّاءُ طِيبٌ» لِلِاخْتِلَافِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الرَّأْسِ، وَلَمْ يَذْكُرْ اللِّحْيَةَ كَمَا وَقَعَ فِي الْأَصْلِ لِيُفِيدَ أَنَّ الرَّأْسَ بِانْفِرَادِهَا مَضْمُونَةٌ، وَأَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ فِي عِبَارَةِ الْأَصْلِ بِدَلِيلِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الرَّأْسِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَلَمَّا كَانَ مُصَرَّحًا فِيمَا يَأْتِي بِأَنَّ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ مُوجِبَةٌ لِلدَّمِ ــ [منحة الخالق] بِالزَّمَانِ إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ إنَّ الشَّعْرَ إلَخْ، وَفِي اللُّبَابِ لَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الطِّيبِ فِي الْبَدَنِ زَمَانًا لِوُجُوبِ الْجَزَاءِ وَيُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ فَلَوْ أَصَابَ جَسَدَهُ طِيبٌ كَثِيرٌ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ غَسَلَ مِنْ سَاعَتِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ فَيَغْسِلَهُ، وَإِنْ أَصَابَ ثَوْبَهُ فَحَكَّهُ أَوْ غَسَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَثُرَ، وَإِنْ مَكَثَ عَلَيْهِ يَوْمًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَتِهِ إلَخْ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ أَيْ إنْ وَجَدَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَيَغْسِلُهُ لِئَلَّا يَصِيرَ عَاصِيًا بِاسْتِعْمَالِهِ حَالَ غَسْلِهِ، وَإِنْ زَالَ الطِّيبُ بِصَبِّ الْمَاءِ اكْتَفَى بِهِ شَرْحُ اللُّبَابِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ بَلَغَ عُضْوًا كَامِلًا) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَصْغَرُ عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ الَّتِي أَصَابَهَا الطِّيبُ كَمَا فِي انْكِشَافِ أَعْضَاءِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ وَلْيُرَاجَعْ الْمَنْقُولُ (قَوْلُهُ: فَلَا بَأْسَ بِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ: إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الزِّينَةِ إلَّا إذَا كَانَ عَنْ ضَرُورَةٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْمِرَارِ الْمَرَّتَانِ فَأَكْثَرُ) تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: كَثِيرَةٌ عَلَى أَنَّ عِبَارَةَ قَاضِي خَانْ هَكَذَا، وَإِنْ اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ فِيهِ طِيبٌ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ عَلَيْهِ الدَّمُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ انْتَهَتْ، وَهَكَذَا نَقَلَهَا عَنْهُ فِي الْفَتْحِ، وَفِيهِ عَنْ الْمَبْسُوطِ إذَا اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ فِيهِ طِيبٌ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا فَعَلَيْهِ الدَّمُ قَالَ: وَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ يُفِيدُ تَفْسِيرَ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا أَنَّهُ الْكَثْرَةُ فِي الْفِعْلِ لَا فِي نَفْسِ الطِّيبِ الْمُخَالِطِ فَلَا يَلْزَمُ الدَّمُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ كَانَ الطِّيبُ كَثِيرًا فِي الْكُحْلِ وَيُشْعِرُ بِالْخِلَافِ لَكِنْ مَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ يَعْنِي الْكُحْلَ فَفِيهِ صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِرَارًا كَثِيرًا فَعَلَيْهِ دَمٌ لَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا، وَلَوْ كَانَ لَحَكَاهُ ظَاهِرًا كَمَا هُوَ عَادَةُ مُحَمَّدٍ ﵀ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ مَا دُونَ الثَّلَاثِ كَمَا يُفِيدُهُ تَنْصِيصُهُ عَلَى الْمَرَّةِ وَالْمَرَّتَيْنِ، وَمَا فِي الْكَافِي الْمِرَارُ الْكَثِيرَةُ. اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الْمُحِيطِ هُوَ مَا فِي الْكَافِي، وَهُوَ قَوْلُهُمَا، وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ قَوْلُ الْإِمَامِ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي السِّرَاجِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ مُطَيَّبٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِرَارًا كَثِيرَةً فَعَلَيْهِ فَقَدْ صَرَّحَ بِالْخِلَافِ (قَوْلُهُ: وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ شَاةٌ إلَى أَنَّ سُبُعَ الْبَدَنَةِ لَا يَكْفِي إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية بَعْدَ نَقْلِهِ هَذِهِ الْعِبَارَةَ عَنْهُ لَكِنْ قَالَ بَعْدَهُ فِيمَا لَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِجِمَاعٍ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ أَنَّهُ يَقُومُ الشِّرْكُ فِي الْبَدَنَةِ مَقَامَهَا أَيْ الشَّاةِ. اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ. قُلْت: وَقَدْ نَقَلْت فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْقِرَانِ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ مَا هُوَ خِلَافُهُ أَيْضًا صَرِيحًا، وَمِثْلُهُ مَا يَذْكُرُهُ فِي بَابِ الْهَدْيِ

стр. 805

لَمْ يُقَيِّدْ الْحِنَّاءَ بِأَنْ تَكُونَ مَائِعَةً فَإِنْ كَانَتْ مُلَبَّدَةً فَفِيهِ دَمَانِ دَمٌ لِلتَّطَيُّبِ مُطْلَقًا وَدَمٌ لِلتَّغْطِيَةِ إنْ دَامَ يَوْمًا، وَلَيْلَةً وَغَطَّى الْكُلَّ أَوْ الرُّبْعَ فَلَوْ كَانَ التَّلْبِيدُ بِغَيْرِ الْحِنَّاءِ لَزِمَهُ دَمٌ أَيْضًا. وَالتَّلْبِيدُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الْخِطْمِيَّ وَالْآسِ وَالصَّمْغِ فَيَجْعَلَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ لِيَتَلَبَّدَ. ، وَمَا ذَكَرَهُ رَشِيدُ الدِّينِ فِي مَنَاسِكِهِ وَحَسَنٌ أَنْ يُلَبِّدَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِصْحَابُهُ التَّغْطِيَةَ الْكَائِنَةَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الطِّيبِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا، وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِك قَالَ: إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّلْبِيدِ وَالطِّيبِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَحْظُورٌ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَجَازَ اسْتِصْحَابُ الطِّيبِ الْكَائِنِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالسُّنَّةِ فَكَذَلِكَ التَّلْبِيدُ قَبْلَهُ بِالسُّنَّةِ، وَقَيَّدَ الْخِضَابَ بِالرَّأْسِ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَةَ لَوْ خَضَّبَتْ يَدَهَا أَوْ كَفَّهَا فَعَلَيْهَا دَمٌ إنْ كَانَ كَثِيرًا فَاحِشًا، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَعَلَيْهَا صَدَقَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَغَيْرُهُ بِخِلَافِ خِضَابِ الرَّأْسِ بِالْحِنَّاءِ فَإِنَّهُ مُوجِبٌ لِلدَّمِ مُطْلَقًا. وَأَمَّا خِضَابُ اللِّحْيَةِ فَوَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ مَضْمُونٌ، وَلَمْ يَقُلْ بِالدَّمِ وَزَادَ الشَّارِحُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَضْمُونٌ بِالدَّمِ، وَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ اللِّحْيَةَ مَضْمُونَةٌ بِالصَّدَقَةِ كَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا لِلْمَبْسُوطِ، وَقَيَّدَ بِالْحِنَّاءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَضَّبَ بِالْوَسْمَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ، وَلَكِنْ إنْ خَافَ أَنْ يَقْتُلَ الْهَوَامَّ أَطْعَمَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْجِنَايَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَكَامِلٍ فَيَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْوَسِمَةُ بِسُكُونِ السِّينِ وَكَسْرِهَا، وَهُوَ الْأَفْصَحُ شَجَرٌ يُخَضَّبُ بِوَرِقِهِ، وَفِي الْهِدَايَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا خَضَّبَ رَأْسَهُ بِالْوَسْمَةِ لِأَجْلِ الْمُعَالَجَةِ مِنْ الصُّدَاعِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُغَلِّفُ رَأْسَهُ، وَهَذَا صَحِيحٌ. اهـ. يَعْنِي يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ؛ لِأَنَّ التَّغْطِيَةَ مُوجِبَةٌ بِالِاتِّفَاقِ غَيْرَ أَنَّهَا لِلْعِلَاجِ فَلِهَذَا ذَكَرَ الْجَزَاءَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الدَّمَ وَالْحِنَّاءَ مُنَوَّنٌ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ فِعَالٌ لَا فَعَلَاءٌ لِيَمْنَعَ صَرْفَهُ أَلْفُ التَّأْنِيثِ، وَقَوْلُهُ أَوْ أَدْهَنَ بِزَيْتٍ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ طَيَّبَ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ مَطْبُوخًا أَوْ غَيْرَ مَطْبُوخٍ مُطَيَّبًا أَوْ غَيْرَ مُطَيَّبٍ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْكَثِيرِ لِمَا عُلِمَ مِنْ تَقْيِيدِهِ فِي الطِّيبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَرَّقَ فِي الطِّيبِ بَيْنَ الْعُضْوِ، وَمَا دُونَهُ فَالزَّيْتُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الطِّيبِ، وَفِي الزَّيْتِ الَّذِي لَيْسَ بِمُطَيَّبٍ، وَلَا مَطْبُوخٍ خِلَافُهُمَا فَقَالَا: يَجِبُ فِيهِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَدَمٌ لِلتَّغْطِيَةِ إلَخْ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة يُشْكِلُ بِقَوْلِهِمْ إنَّ التَّغْطِيَةَ بِمَا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ لَا تُوجِبُ شَيْئًا. اهـ. قَالَ فِي حَاشِيَةِ مِسْكِينٍ الْمُرَادُ بِمَا يُغَطَّى بِهِ عَادَةً مَا لِلْفَاعِلِ فِي فِعْلِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَمَا لَوْ كَانَتْ التَّغْطِيَةُ بِالْحِنَّاءِ أَوْ الْوَسِمَةِ لِلتَّدَاوِي مِنْ نَحْوِ صُدَاعٍ بِدَلِيلِ التَّمْثِيلِ لِمَا لَا تَكُونُ التَّغْطِيَةُ مُوجِبَةً لِلدَّمِ بِالْجُوَالِقِ وَالْإِجَّانَةِ فَلَا إشْكَالَ. اهـ. وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ التَّغْطِيَةَ بِالْجُوَالِقِ وَالْإِجَّانَةِ قَدْ تَكُونُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَدَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَقَدْ نَصُّوا أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ. اهـ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ تَلْبِيدَ الشَّعْرِ مُعْتَادٌ عِنْدَ أَهْلِ الْبَوَادِي وَنَحْوِهِمْ فَيَدْخُلُ فِي التَّغْطِيَةِ الْمُعْتَادَةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ إلَخْ) أَجَابَ عَنْهُ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ بِقَوْلِهِ أَقُولُ: لَا رَيْبَ فِي وُجُوبِ حَمْلِ فِعْلِهِ ﵇ عَلَى مَا هُوَ سَائِغٌ بَلْ مَا هُوَ أَكْمَلُ فَالتَّلْبِيدُ الَّذِي فَعَلَهُ يَسِيرٌ لَا يَحْصُلُ بِهِ تَغْطِيَةٌ، وَلَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءً فِعْلُهُ فِي الْإِحْرَامِ، وَلَا بَقَاؤُهُ وَالْمُوجِبُ لِلدَّمِ يُحْمَلُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِيهِ بِحَيْثُ تَحْصُلُ مِنْهُ تَغْطِيَةٌ. اهـ. وَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا ذَكَرَهُ رَشِيدُ الدِّينِ عَلَى هَذَا فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَقَيَّدَ الْخِضَابَ بِالرَّأْسِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الرَّأْسَ مِثَالٌ لَا قَيْدٌ وَالْمُرَادُ بِهَا الْعُضْوُ حَتَّى لَوْ خَضَّبَ بِهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ وَجَبَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَنْ اعْتَبَرَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ الْعُضْوَ لَا مَعْنَى لِلتَّفْرِيقِ عَلَى قَوْلِهِ بَيْنَ الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ وَلِهَذَا سَوَّى فِي الْفَتْحِ بَيْنَ الرَّأْسِ وَالْيَدِ فَقَالَ: وَكَذَا لَوْ خَضَّبَتْ يَدَهَا بِهَا، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِقِلَّةٍ، وَلَا كَثْرَةٍ، وَمَا فِي الْإِسْبِيجَابِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الْكَثْرَةِ فِي نَفْسِ الطِّيبِ، وَلَا تَنْسَ ذَلِكَ التَّوْفِيقَ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ: هُوَ السَّاهِي وَذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الْمِعْرَاجِ إنَّمَا نَقَلَ هَذَا عَنْ الْمَبْسُوطِ فِيمَا لَوْ اخْتَضَبَ بِالْوَسِمَةِ فَقَالَ: مَا لَفْظُهُ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ خَضَّبَ رَأْسَهُ بِالْوَسِمَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِلْخِضَابِ بَلْ لِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنْ خَضَّبَ لِحْيَتَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ، وَلَكِنْ إنْ خَافَ مِنْ قَتْلِ الدَّوَابِّ أَعْطَى شَيْئًا؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْجِنَايَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَكَامِلٍ فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ وَالصَّدَقَةُ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ خِضَابِ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِالدَّمِ وَخِضَابُ اللِّحْيَةِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِالصَّدَقَةِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ. اهـ. وَكَيْفَ يَكُونُ مَا فِي الْجَامِعِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَضْمُونٌ عَلَى مَا تَوَهَّمَ، وَلَا اشْتِرَاكَ بَيْنَهُمَا إذْ وُجُوبُ الدَّمِ يُغَايِرُ وُجُوبَ الصَّدَقَةِ وَيَلْزَمُهُ إيجَابُ الصَّدَقَةِ أَيْضًا فِيمَا لَوْ دَهَنَهَا بِالْخِطْمِيِّ، وَقَدْ جَزَمُوا فِيهِ بِوُجُوبِ الدَّمِ عِنْدَهُ. اهـ. وَقَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة قُلْت وَالْمُرَادُ بِالصَّدَقَةِ هُنَا غَيْرُ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهَا بِتَقْدِيرِهَا بِنِصْفِ صَاعٍ بَلْ أَعَمُّ لِقَوْلِهِ فِي الْمِعْرَاجِ أَعْطَى شَيْئًا فَإِطْلَاقُ صَاحِبِ الْبَحْرِ فِيهِ مَا فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُغَلِّفُ رَأْسَهُ) أَيْ يُغَطِّيهِ، وَقَوْلُهُ: وَهَذَا أَيْ تَأْوِيلُ أَبِي يُوسُفَ بِالتَّغْلِيفِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ تُوجِبُ الْجَزَاءَ

стр. 806

صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ فِيهِ قَاصِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ إلَّا أَنَّ فِيهِ ارْتِفَاقًا لِمَعْنَى قَتْلِ الْهَوَامِّ، وَإِزَالَةِ الشُّعْثِ. وَقَالَ: الْإِمَامُ يَجِبُ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ الطِّيبِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُلْقِي فِيهِ الْأَنْوَارَ كَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ فَيَصِيرُ نَفْسُهُ طِيبًا، وَلَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ طِيبٍ وَيَقْتُلُ الْهَوَامَّ وَيُلَيِّنُ الشَّعْرَ وَيُزِيلُ التَّفَثَ وَالشُّعْثَ، وَأَرَادَ بِالزَّيْتِ دُهْنَ الزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالشَّيْرَجِ فَخَرَجَ بَقِيَّةُ الْأَدْهَانِ كَالشَّحْمِ وَالسَّمْنِ، وَقَيَّدَ بِالْإِدْهَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَكَلَهُ أَوْ دَاوَى بِهِ شُقُوقَ رِجْلَيْهِ أَوْ أَقْطَرَ فِي أُذُنِهِ لَا يَجِبُ دَمٌ، وَلَا صَدَقَةٌ بِخِلَافِ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالْغَالِيَةِ وَالْكَافُورِ وَنَحْوِهَا حَيْثُ يَلْزَمُ الْجَزَاءُ بِالِاسْتِعْمَالِ عَلَى وَجْهِ التَّدَاوِي لَكِنَّهُ يَتَخَيَّرُ إذَا كَانَ لِعُذْرٍ كَمَا سَيَأْتِي، وَكَذَا إذَا أَكَلَ الْكَثِيرَ مِنْ الطِّيبِ، وَهُوَ مَا يَلْتَزِقُ بِأَكْثَرِ فَمِهِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَهَذِهِ تَشْهَدُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْعُضْوِ مُطْلَقًا فِي لُزُومِ الدَّمِ بَلْ ذَاكَ إذَا لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْكَثْرَةِ فِي نَفْسِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ قَاضِي خَانْ أَنَّهُ لَوْ خَلَطَ الطِّيبَ بِطَعَامٍ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ فَالْعِبْرَةُ لِلْغَالِبِ فَإِنْ كَانَ الطِّيبُ مَغْلُوبًا فَلَا شَيْءَ أَصْلًا زَادَ بَعْضُهُمْ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ إذَا كَانَ رَائِحَتُهُ تُوجَدُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ غَالِبًا فَهُوَ كَالْخَالِصِ، وَهَكَذَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَقَالُوا: وَلَوْ خَلَطَهُ بِمَشْرُوبٍ، وَهُوَ غَالِبٌ فَفِيهِ الدَّمُ، وَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا فَصَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشْرَبَ مِرَارًا فَدَمٌ فَإِنْ كَانَ لِلتَّدَاوِي خُيِّرَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ الْمَخْلُوطِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِطِيبٍ مَغْلُوبٍ أَمَّا بِعَدَمِ شَيْءٍ أَصْلًا كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمَأْكُولِ أَوْ بِوُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِيهِمَا كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمَشْرُوبِ، وَمَا فَرَّقَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ الطِّيبَ مِمَّا يُقْصَدُ شُرْبُهُ فَإِذَا خَلَطَهُ بِمَشْرُوبٍ لَمْ يَصِرْ تَبَعًا لِمَشْرُوبٍ مِثْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوبُ غَالِبًا كَمَا لَوْ خَلَطَ اللَّبَنَ بِالْمَاءِ فَشَرِبَهُ الصَّبِيُّ تَثْبُت حُرْمَةُ الرَّضَاعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ غَالِبًا بِخِلَافِ أَكْلِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُقْصَدُ عَادَةً فَإِذَا خُلِطَ بِالطَّعَامِ صَارَ تَبَعًا لِلطَّعَامِ وَسَقَطَ حُكْمُهُ فَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ مِنْ الطِّيبِ مَا يُقْصَدُ أَكْلًا إذَا كَانَ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ لِلْمَعْنَى الْقَائِمِ بِهِ، وَهُوَ الطِّيبِيَّةُ إمَّا مُدَاوَاةً أَوْ تَنَعُّمًا مُنْفَرِدًا أَوْ مَخْلُوطًا كَمَا يُقْصَدُ شُرْبًا الثَّانِي أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ هَذَا الْبَابِ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ النَّاسِيَ وَالْعَامِدَ وَالْجَاهِلَ سَوَاءٌ، وَذَكَرَ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ أَنِّي لَمْ أَرَهُمْ تَعَرَّضُوا بِمَاذَا تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ؟ . وَظَهَرَ لِي أَنَّهُ إنْ وَجَدَ فِي الْمُخَالِطِ رَائِحَةَ الطِّيبِ كَمَا قَبْلَ الْخَلْطِ وَحَسَّ الذَّوْقُ السَّلِيمُ بِطَعْمِهِ فِيهِ حِسًّا ظَاهِرًا فَهُوَ غَالِبٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مَغْلُوبٌ؛ لِأَنَّ الْمَنَاطَ كَثْرَةُ الْأَجْزَاءِ ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَرَهُمْ تَعَرَّضُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي التَّفْصِيلِ أَيْضًا بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ أَكْلِ الطِّيبِ وَحْدَهُ، وَإِنَّهُ بِإِثْبَاتِهِ فِيهَا أَيْضًا لَجَدِيرٌ وَيُقَالُ إنْ كَانَ الطِّيبُ غَالِبًا، وَأَكَلَ مِنْهُ أَوْ شَرِبَ كَثِيرًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ، وَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا، وَأَكَلَ مِنْهُ أَوْ شَرِبَ كَثِيرًا فَصَدَقَةٌ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ الْكَثِيرَ مَا يَعُدُّهُ الْعَارِفُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا يَشُوبُهُ شَرَهٌ وَنَحْوُهُ كَثِيرًا وَالْقَلِيلُ مَا عَدَاهُ. ثُمَّ قَالَ: وَلَا شَيْءَ فِي أَكْلِ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْحَلْوَاءِ الْمُبَخَّرَةِ بِالْعُودِ وَنَحْوِهِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ إذَا كَانَتْ رَائِحَتُهُ تُوجَدُ مِنْهُ بِخِلَافِ الْحَلْوَاءِ الْمُسَمَّى بِالْقَاوُوتِ الْمُضَافِ إلَى أَجْزَائِهَا الْمَاوَرْدَ وَالْمِسْكَ فَإِنَّ فِي أَكْلِ الْكَثِيرِ دَمًا وَالْقَلِيلِ صَدَقَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِق الْأَحْوَالِ. (قَوْلُهُ: أَوْ لَبِسَ مَخِيطًا أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ يَتَخَيَّرُ إذَا كَانَ لِعُذْرٍ) أَيْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الدَّمِ وَالصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا أَكَلَ الْكَثِيرَ مِنْ الطِّيبِ إلَخْ) ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا بِأَنْ لَمْ يَلْتَصِقْ بِأَكْثَرَ فَمِهِ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا أَكَلَهُ كَمَا هُوَ أَيْ مِنْ غَيْرِ خَلْطٍ أَوْ طَبْخٍ أَمَّا إذَا خَلَطَهُ بِطَعَامٍ قَدْ طُبِخَ كَالزَّعْفَرَانِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ مَسَّهُ النَّارُ أَوْ لَا وَسَوَاءٌ يُوجَدُ رِيحُهُ أَوْ لَا إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ إنْ وَجَدَ رِيحَهُ، وَإِنْ خُلِطَ بِمَا يُؤْكَلُ بِلَا طَبْخٍ كَالزَّعْفَرَانِ بِالْمِلْحِ فَالْعِبْرَةُ بِالْغَلَبَةِ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الْمِلْحَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ رَائِحَتُهُ مَوْجُودَةً كُرِهَ أَكْلُهُ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الطِّيبَ فَفِيهِ الدَّمُ لُبَابٌ (قَوْلُهُ: فَهُوَ كَالْخَالِصِ) أَيْ فَيَجِبُ الْجَزَاءُ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ رَائِحَتُهُ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَوِّيَ إلَخْ) أَقُولُ: لَمْ يُفَرِّقْ الزَّيْلَعِيُّ فِي الْمَخْلُوطِ بِالْمَأْكُولِ بَيْنَ الْغَالِبِ وَالْمَغْلُوبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْرُوبِ فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ أَكَلَ زَعْفَرَانًا مَخْلُوطًا بِطَعَامٍ أَوْ طِيبٍ آخَرَ، وَلَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ يَلْزَمُهُ دَمٌ، وَإِنْ مَسَّتْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فِي الْمَشْرُوبِ. اهـ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا يَأْتِي عَنْ الْحَلَبِيِّ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: وَظَهَرَ لِي أَنَّهُ إنْ وَجَدَ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَجْرِيَ هُنَا مَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي الثَّوْبِ ثُمَّ إنَّ هَذَا الْفَرْقَ يُنَافِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الطِّيبُ غَالِبًا يَجِبُ الْجَزَاءُ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ رَائِحَتُهُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنَاطَ كَثْرَةُ الْأَجْزَاءِ لَا وُجُودُ الرَّائِحَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ فِيمَا إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مِمَّا كَانَ الطِّيبُ فِيهِ غَالِبًا، وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ مَا إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَكَذَا فِيمَا إذَا كَانَ مَغْلُوبًا وَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فَإِنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَجِبَ بِأَكْلِ لُقْمَةٍ مَثَلًا كَمَا يَجِبُ بِأَكْلِ الْكَثِيرِ (قَوْلُهُ: وَأَكَلَ مِنْهُ أَوْ شَرِبَ كَثِيرًا) الضَّمِيرُ يَعُودُ إلَى الْمَخْلُوطِ بِالطِّيبِ الْغَالِبِ طَعَامًا أَوْ شَرَابًا (قَوْلُهُ: فَإِنَّ فِي أَكْلِ الْكَثِيرِ دَمًا وَالْقَلِيلِ صَدَقَةً) قَالَ: فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة يَتَأَمَّلُ فِي حُكْمِ الْمِسْكِ الْمُضَافِ

стр. 807

يَوْمًا، وَإِلَّا تَصَدَّقَ) مَعْطُوفٌ عَلَى طَيَّبَ بَيَانٌ لِلثَّانِي وَالثَّالِثِ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ التَّقْدِيرُ بِالزَّمَانِ فَإِنَّ قَوْلَهُ يَوْمًا رَاجِعٌ إلَى اللُّبْسِ وَالتَّغْطِيَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَإِلَّا تَصَدَّقَ أَيْ، وَإِنْ كَانَ لُبْسُ الْمَخِيطِ وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ لَزِمَهُ صَدَقَةٌ لِمَا عُلِمَ أَنَّ كَمَالَ الْعُقُوبَةِ بِكَمَالِ الْجِنَايَةِ، وَهُوَ بِكَمَالِ الِارْتِفَاقِ، وَهُوَ بِالدَّوَامِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا دَفْعُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَالْيَوْمَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِمَا فَوَجَبَ الدَّمُ وَالْجِنَايَةُ قَاصِرَةٌ فِيمَا دُونَهُ فَوَجَبَتْ الصَّدَقَةُ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ مِنْ جُمْلَةِ لُبْسِ الْمَخِيطِ فَهِيَ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَوْ لَبِسَ الْقَمِيصَ وَالْعِمَامَةَ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ عَلَّلُوا بِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَاحِدَةٌ وَحَقِيقَةُ لُبْسِ الْمَخِيطِ أَنْ يَحْصُلَ بِوَاسِطَةِ الْخِيَاطَةِ اشْتِمَالٌ عَلَى الْبَدَنِ وَاسْتِمْسَاكٌ فَلِذَا لَوْ ارْتَدَى بِالْقَمِيصِ أَوْ اتَّشَحَ أَوْ ائْتَزَرَ بِالسَّرَاوِيلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ لُبْسَ الْمَخِيطِ لِعَدَمِ الِاشْتِمَالِ، وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ مَنْكِبَيْهِ فِي الْقَبَاءِ، وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي الْكُمَّيْنِ، وَلَمْ يَزُرَّهُ لِعَدَمِ الِاشْتِمَالِ أَمَّا إذَا أَدْخَلَ يَدَيْهِ أَوْ زَرَّهُ فَهُوَ لُبْسُ الْمَخِيطِ لِوُجُودِهِمَا بِخِلَافِ الرِّدَاءِ فَإِنَّهُ إذَا اتَّزَرَ بِهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْقِدَهُ بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمَعَ هَذَا لَوْ فَعَلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ لُبْسَ الْمَخِيطِ لِعَدَمِ الِاشْتِمَالِ أَطْلَقَ فِي اللُّبْسِ فَشَمَلَ مَا إذَا أَحْدَثَ اللُّبْسَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ أَوْ أَحْرَمَ، وَهُوَ لَابِسُهُ فَدَامَ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ انْتِفَاعِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالطِّيبِ السَّابِقِ عَلَيْهِ قَبْلَهُ لِلنَّصِّ، وَلَوْلَاهُ لَأَوْجَبْنَا فِيهِ أَيْضًا وَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا مُخْتَارًا أَوْ مُكْرَهًا فَيَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى النَّائِمِ لَوْ غَطَّى إنْسَانٌ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ حَصَلَ لَهُ، وَعَدَمُ الِاخْتِيَارِ أَسْقَطَ الْإِثْمَ عَنْهُ كَالنَّائِمِ الْمُنْقَلِبِ عَلَى شَيْءٍ أَتْلَفَهُ، وَشَمَلَ مَا إذَا لَبِسَ ثَوْبًا وَاحِدًا أَوْ جَمَعَ اللِّبَاسَ كُلَّهُ الْقَمِيصَ وَالْعِمَامَةَ وَالْخُفَّيْنِ وَلِذَا لَمْ يَقُلْ لَبِسَ ثَوْبًا كَغَيْرِهِ. وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْيَوْمِ، وَمَا دُونَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الزَّائِدِ عَلَيْهِ لِيُفِيدَ أَنَّهُ كَالْيَوْمِ فَلَوْ لَبِسَ الْمَخِيطَ وَدَامَ عَلَيْهِ أَيَّامًا أَوْ كَانَ يَنْزِعُهُ لَيْلًا وَيُعَاوِدُهُ نَهَارًا أَوْ عَكْسُهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ مَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى التَّرْكِ عِنْدَ النَّزْعِ فَإِنْ عَزَمَ عَلَيْهِ ثُمَّ لَبِسَ تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ أَوَّلًا، وَفِي الثَّانِي خِلَافُ مُحَمَّدٍ، وَلَوْ لَبِسَ يَوْمًا فَأَرَاقَ دَمًا ثُمَّ دَاوَمَ عَلَى لُبْسِهِ يَوْمًا آخَرَ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ آخَرُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ لِلدَّوَامِ فِيهِ حُكْمَ الِابْتِدَاءِ، وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ، وَعِنْدِي الْمُودِعُ إذَا لَبِسَ قَمِيصَ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُودِعِ فَنَزَعَهُ بِاللَّيْلِ لِلنَّوْمِ فَسُرِقَ الْقَمِيصُ فِي اللَّيْلِ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَلْبَسَ الْقَمِيصَ مِنْ الْغَدِ لَا يُعَدُّ هَذَا تَرْكَ الْخِلَافِ وَالْعَوْدَ إلَى الْوِفَاقِ حَتَّى يَضْمَنَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ لَا يَلْبَسَ الْقَمِيصَ مِنْ الْغَدِ كَانَ هَذَا تَرْكَ الْخِلَافِ حَتَّى لَا يَضْمَنَ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ اللُّبْسَ شَيْءٌ ــ [منحة الخالق] إلَى الْحَلْوَى مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اخْتِلَاطِهِ بِمَا يُؤْكَلُ وَيُطْبَخُ، وَفِيمَا إذَا لَمْ يُطْبَخْ. اهـ. أَيْ فَإِنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ إنْ جَعَلَهُ فِي طَعَامٍ وَطُبِخَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَلَطَهُ بِمَا يُؤْكَلُ بِلَا طَبْخٍ فَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ غَالِبًا وَجَبَ الْجَزَاءُ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ رَائِحَتُهُ، وَعَلَى هَذَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْحَلْوَى غَيْرُ مَطْبُوخَةٍ، وَإِنْ طَيَّبَهَا غَالِبٌ لِيُوَافِقَ مَا تَقَدَّمَ. (قَوْلُهُ: لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْعُقُوبَةَ بِكَمَالِ الْجِنَايَةِ إلَخْ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ، وَهُوَ لَابِسٌ الْمَخِيطَ، وَأَدَّى ذَلِكَ النُّسُكَ بِتَمَامِهِ فِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَحَلَّ مِنْهُ أَنْ تَلْزَمَهُ صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يُوجَدَ نَصٌّ صَرِيحٌ بِخِلَافِهِ فَإِنْ قُلْت التَّجَرُّدُ عَنْ الْمَخِيطِ فِي النُّسُكِ وَاجِبٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ طَالَ زَمَنُ إحْرَامِهِ أَمْ قَصُرَ وَالتَّقْدِيرُ بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا طَالَ زَمَنُ الْإِحْرَامِ أَمَّا إذَا قَصُرَ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ فِي نُسُكِهِ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ فَيَكُونُ تَارِكًا لِوَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِ إحْرَامِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الدَّمُ قُلْت لَا شَكَّ فِي نَفَاسَتِهِ، وَلَكِنْ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ. اهـ. مُلَخَّصًا. مِنْ حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَنْ شَرْحِ الْمَنْسَكِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَفِيفِ، وَفِيهَا عَنْ فَتَاوَى تِلْمِيذِهِ الْفَاضِلِ عَبْدِ اللَّهِ أَفَنْدِي عَتَاقِيٍّ أَنَّهُ مَالَ إلَى وُجُوبِ الدَّمِ. (قَوْلُهُ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: التَّحْقِيقُ أَنَّ بَيْنَ لُبْسِ الْمَخِيطِ وَالتَّغْطِيَةِ عُمُومًا وَخُصُوصًا مُطْلَقًا فَيَجْتَمِعَانِ فِي التَّغْطِيَةِ فِي نَحْوِ الْعِرْقِيَّةِ الْمَخِيطَةِ وَتَنْفَرِدُ التَّغْطِيَةُ بِوَضْعِ نَحْوِ الشَّاشِ مِمَّا لَيْسَ مَخِيطًا عَلَى رَأْسِهِ، وَهَذَا كَافٍ فِي صِحَّةِ التَّغَايُرِ. (قَوْلُهُ: بِوَاسِطَةِ الْخِيَاطَةِ) يَرُدُّ عَلَيْهِ اللَّبَّادُ الْمُشْتَغِلُ بِاللَّصْقِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ خِيَاطَةٌ مَعَ أَنَّهُ عُدَّ مِنْ الْمَخِيطِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْخِيَاطَةِ انْضِمَامُ بَعْضِ الْأَجْزَاءِ بِبَعْضِهَا شَرْحِ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ: أَوْ جَمَعَ اللِّبَاسَ كُلَّهُ) أَيْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ وَسَنَذْكُرُ عَنْهُ قَرِيبًا مَا يُخَالِفُهُ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى التَّرْكِ إلَخْ) أَيْ لَمْ يَنْزِعْهُ عَلَى غُرْمِ التَّرْكِ بَلْ نَزَعَهُ عَلَى قَصْدِ أَنْ يَلْبَسَهُ ثَانِيًا أَوْ خَلَعَهُ لِيَلْبَسَ بَدَلَهُ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ فَقَدْ أَفَادَ أَنَّ خَلْعَهُ لِتَبْدِيلِهِ بِغَيْرِهِ لَا يَتَعَدَّدُ بِهِ الْجَزَاءُ فَلْيُحْفَظْ فَإِنَّهُ كَثِيرُ الْوُقُوعِ (قَوْلُهُ: وَفِي الثَّانِي) أَيْ فِيمَا إذَا لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَعِنْدِي الْمُودَعُ) كَذَا فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ بِإِضَافَةِ عِنْدَ إلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ، وَهَكَذَا رَأَيْته فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ بِدُونِ يَاءٍ (قَوْلُهُ: فَالْحَاصِلُ إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ: تَنْبِيهٌ: قَدْ يَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ فِي لُبْسٍ وَاحِدٍ بِأُمُورٍ: الْأَوَّلُ التَّكْفِيرُ بَيْنَ اللُّبْسَيْنِ بِأَنْ لَبِسَ ثُمَّ كَفَّرَ وَدَامَ عَلَى لُبْسِهِ، وَلَمْ يَنْزِعْهُ. وَالثَّانِي تَعَدُّدُ السَّبَبِ. وَالثَّالِثُ الِاسْتِمْرَارُ عَلَى اللُّبْسِ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ. وَالرَّابِعُ حُدُوثُ عُذْرٍ آخَرَ. وَالْخَامِسُ لُبْسُ الْمَخِيطِ الْمَصْبُوغِ بِطِيبٍ لِلرَّجُلِ وَيَتَّحِدُ

стр. 808

وَاحِدٌ مَا لَمْ يَتْرُكْهُ وَيَعْزِمْ عَلَى التَّرْكِ. اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إيجَابِ الْجَزَاءِ إذَا لَبِسَ جَمِيعَ الْمَخِيطِ مَحِلُّهُ مَا إذَا لَمْ يَتَعَدَّدْ سَبَبُ اللُّبْسِ فَإِنْ تَعَدَّدَ كَمَا إذَا اُضْطُرَّ إلَى لُبْسِ ثَوْبٍ فَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ فَإِنْ لَبِسَهُمَا عَلَى مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ يَتَخَيَّرُ فِيهَا، وَإِنْ لَبِسَهُمَا عَلَى مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ وَغَيْرِهِ لَزِمَهُ كَفَّارَتَانِ يَتَخَيَّرُ فِيهَا لِلضَّرُورَةِ فَقَطْ، وَمِنْ صُوَرِ تَعَدُّدِ اللُّبْسِ وَاتِّحَادِهِ مَا إذَا كَانَ بِهِ مَثَلًا حُمًّى يَحْتَاجُ إلَى اللُّبْسِ لَهَا وَيَسْتَغْنِي عَنْهُ فِي وَقْتِ زَوَالِهَا فَإِنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ تَعَدَّدَ اللُّبْسُ مَا لَمْ تَزُلْ عَنْهُ فَإِنْ زَالَتْ، وَأَصَابَهُ مَرَضٌ آخَرُ أَوْ حُمًّى غَيْرُهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ كَفَّرَ لِلْأُولَى أَوْ لَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي الثَّانِي، وَكَذَا إذَا حَصَرَهُ عَدُوٌّ فَاحْتَاجَ إلَى اللُّبْسِ لِلْقِتَالِ أَيَّامًا يَلْبَسُهَا إذَا خَرَجَ إلَيْهِ وَيَنْزِعُهَا إذَا رَجَعَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يَذْهَبْ هَذَا الْعَدُوُّ فَإِنْ ذَهَبَ وَجَاءَ عَدُوٌّ غَيْرُهُ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى. وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى اتِّحَادِ الْجِهَةِ وَاخْتِلَافِهَا لَا إلَى صُورَةِ اللُّبْسِ كَيْفَ كَانَتْ، وَلَوْ لَبِسَ لِضَرُورَةٍ فَزَالَتْ فَدَامَ بَعْدَهَا يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ فَمَا دَامَ فِي شَكٍّ مِنْ زَوَالِ الضَّرُورَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ تَيَقَّنَ زَوَالَهَا كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى لَا يَتَخَيَّرُ فِيهَا هَكَذَا ذَكَرُوا، وَذَكَرَ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ أَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا لَبِسَ شَيْئًا مِنْ الْمَخِيطِ لِدَفْعِ بَرْدٍ ثُمَّ صَارَ يَنْزِعُ وَيَلْبَسُ كَذَلِكَ ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ الْبَرْدُ ثُمَّ أَصَابَهُ بَرْدٌ آخَرُ غَيْرَ الْأَوَّلِ عُرِفَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْمُفِيدَةِ لِمَعْرِفَتِهِ فَلَبِسَ لِذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ. اهـ. وَشَمَلَ كَلَامُهُ أَيْضًا مَا إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَ الْمَخِيطِ فَلِذَا قَالَ فِي الْمَجْمَعِ: وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا السَّرَاوِيلَ فَلَبِسَهُ، وَلَمْ يَفْتُقْهُ نُوجِبُهُ أَيْ الدَّمَ، وَأَطْلَقَ فِي التَّغْطِيَةِ فَانْصَرَفَتْ إلَى الْكَامِلِ، وَهُوَ مَا يُغَطِّي بِهِ عَادَةً كَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْعِمَامَةِ فَخَرَجَ مَا لَا يُغَطَّى بِهِ عَادَةً كَالطِّسْتِ وَالْإِجَّانَةِ وَالْعَدْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا يُفَرَّعُ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ مَا لَوْ دَخَلَ الْمُحْرِمُ تَحْتَ سِتْرِ الْكَعْبَةِ فَإِنْ كَانَ يُصِيبُ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَظَاهِرُ مَا فِي الْمُتُونِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَغْطِيَةِ جَمِيعِ الرَّأْسِ فِي لُزُومِ الدَّمِ، وَمَا رَأَيْته رِوَايَةٌ، وَلِهَذَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِحُكْمِ مَا دُونَهَا، وَإِنَّمَا الْمَنْقُولُ عَنْ الْأَصْلِ اعْتِبَارُ الرُّبْعِ، وَمَشَى عَلَيْهِ ــ [منحة الخالق] الْجَزَاءُ مَعَ تَعَدُّدِ اللُّبْسِ بِأُمُورٍ مِنْهَا اتِّحَادُ السَّبَبِ، وَعَدَمُ الْعَزْمِ عَلَى التَّرْكِ عِنْدَ النَّزْعِ وَجَمْعُ اللِّبَاسِ كُلِّهِ فِي مَجْلِسٍ أَوْ يَوْمٍ. اهـ. قَالَ شَارِحُهُ أَيْ مَعَ اتِّحَادِ السَّبَبِ. ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْيَوْمَ فِي اتِّحَادِ الْجَزَاءِ فِي حُكْمِ اللُّبْسِ كَالْمَجْلِسِ فِي غَيْرِهِ مِنْ الطِّيبِ وَالْحَلْقِ وَالْقَصِّ وَالْجِمَاعِ كَمَا سَيَأْتِي؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْفَارِسِيُّ وَالطَّرَابُلُسِيّ أَنَّهُ إنْ لَبِسَ الثِّيَابَ كُلَّهَا مَعًا، وَلَبِسَ خُفَّيْنِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ لَبِسَ قَمِيصًا بَعْدَ يَوْمِهِ ثُمَّ لَبِسَ فِي يَوْمِهِ سَرَاوِيلَ ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْنِ، وَقَلَنْسُوَةً عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَيَّدَ بِالْيَوْمِ لَا بِالْمَجْلِسِ، وَفِي الْكَرْمَانِيِّ، وَلَوْ جَمَعَ اللِّبَاسَ كُلَّهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ لِوُقُوعِهِ عَلَى جِهَةِ وَاحِدَةٍ وَسَبَبٍ وَاحِدٍ فَصَارَ كَجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ إذَا حَلَقَ فِي أَرْبَعِ مَجَالِسَ عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ، وَقِيلَ عَلَيْهِ أَرْبَعُ دِمَاءٍ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي مُنْيَةِ النَّاسِكِ بِتَعَدُّدِ الْجَزَاءِ فِي تَعَدُّدِ الْأَيَّامِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ لَبِسَ الْعِمَامَةَ يَوْمًا ثُمَّ لَبِسَ الْقَمِيصَ يَوْمًا آخَرَ ثُمَّ الْخُفَّيْنِ يَوْمًا آخَرَ ثُمَّ السَّرَاوِيلَ يَوْمًا آخَرَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ لُبْسٍ دَمٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: كَمَا إذَا اُضْطُرَّ إلَى لُبْسِ ثَوْبٍ فَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ، وَكَذَلِكَ نَحْوُ أَنْ يَضْطَرَّ إلَى لُبْسِ قَمِيصٍ فَلَبِسَ قَمِيصَيْنِ أَوْ قَمِيصًا وَجُبَّةً أَوْ اُضْطُرَّ إلَى لُبْسِ قَلَنْسُوَةٍ فَلَبِسَهَا مَعَ عِمَامَتِهِ. اهـ. وَكَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ سَيَذْكُرُ مَا يُخَالِفُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ، وَإِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ إلَخْ فَتَنَبَّهْ لَهُ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَبِسَهُمَا عَلَى مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) ، وَكَذَا إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى مَوْضِعَيْنِ لِضَرُورَةٍ بِهِمَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِأَنْ لَبِسَ عِمَامَةً وَخُفًّا بِعُذْرٍ فِيهِمَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ كَفَّارَةُ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ اللُّبْسَ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ فَتَجِبُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ: وَمِنْ صُوَرِ تَعَدُّدِ اللُّبْسِ) كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْتهَا، وَاَلَّذِي فِي الْفَتْحِ وَالنَّهْرِ عَنْهُ السَّبَبُ بَدَلُ اللُّبْسِ. (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ أَنَّ مُقْتَضَاهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَالْحُكْمُ فِي الْمَذْهَبِ مَسْطُورٌ كَذَلِكَ ثُمَّ سَاقَ عَنْ الْفَتْحِ مَسْأَلَةَ الْحُمَّى السَّابِقَةِ (قَوْلُهُ: وَمَا رَأَيْته رِوَايَةٌ) أَيْ مَا رَأَيْت ظَاهِرَ مَا فِي الْمُتُونِ مَرْوِيًّا، وَقَوْلُهُ وَلِهَذَا عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ يَقْتَضِي لَا لِقَوْلِهِ، وَمَا رَأَيْته، وَالضَّمِيرُ فِي لَمْ يُصَرِّحُوا لِأَصْحَابِ الْمُتُونِ، وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا سَتَرَ بَعْضَ كُلٍّ مِنْهُمَا أَيْ الْوَجْهَ وَالرَّأْسَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ الرُّبْعَ فَبِتَغْطِيَةِ رُبْعِ الرَّأْسِ يَجِبُ مَا يَجِبُ بِكُلِّهِ كَمَا ذُكِرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى مَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَكْثَرُ الرَّأْسِ عَلَى مَا نَقَلَ عَنْهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَالْمَبْسُوطِ وَنَقَلَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ وَالْبَدَائِعِ وَالْكَرْمَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ لَكِنْ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ، وَقِيَاسُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ الْوُجُوبَ بِحِسَابِهِ مِنْ الدَّمِ. اهـ. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْوَجْهِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا مَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ، وَإِنْ غَطَّى ثُلُثَ رَأْسِهِ أَوْ رُبْعَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَلْقِ فَهُوَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ غَيْرِهِ بَلْ لِكَلَامِهِ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَبِتَغَطِّيهِ رُبْعِ وَجْهِهِ أَوْ رُبْعِ رَأْسِهِ يَجِبُ مَا يَجِبُ بِكُلِّهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَيْ مِنْ الدَّمِ لَا مِنْ

стр. 809

كَثِيرٌ وَاخْتَارَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، وَعَزَاهُ فِي الْهِدَايَةِ إلَى أَنَّهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارُ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا كَمَا اُعْتُبِرَ أَكْثَرُ الْيَوْمِ فِي لُزُومِ الدَّمِ وَاخْتَارَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ جِهَةِ الدِّرَايَةِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الرُّبْعَ رَاجِحٌ رِوَايَةً وَالْأَكْثَرُ رَاجِحٌ دِرَايَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّ تَكَامُلَ الْجِنَايَةِ لَا يَحْصُلُ بِمَا دُونَ الْأَكْثَرِ بِخِلَافِ حَلْقِ رُبْعِ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ مُعْتَادٌ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ فَعَلَى اعْتِبَارِ الرُّبْعِ إنْ أَخَذَتْ قَدْرَهُ مِنْ الرَّأْسِ لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَصَدَقَةٌ فَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالظَّهِيرِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ عَصَبَ رَأْسَهُ يَوْمًا فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَأْخُذْ قَدْرَ الرُّبْعِ أَوْ مُفَرَّعٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَكْثَرِ. وَأَرَادَ بِالرَّأْسِ عُضْوًا يَحْرُمُ تَغْطِيَتُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ فَدَخَلَ الْوَجْهُ فَلَوْ غَطَّى رُبْعَهُ لَزِمَهُ دَمٌ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً وَخَرَجَ مَا لَا يَحْرُمُ تَغْطِيَتُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَوْ عَصَبَ مَوْضِعًا آخَرَ مِنْ جَسَدِهِ، وَلَوْ كَثُرَ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَعَقْدِ الْإِزَارِ وَتَخْلِيلِ الرِّدَاءِ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغَطِّيَ أُذُنَيْهِ وَقَفَاهُ، وَمِنْ لِحْيَتِهِ مَا هُوَ أَسْفَلُ مِنْ الذَّقَنِ بِخِلَافِ فِيهِ، وَعَارِضِهِ وَذَقَنِهِ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ دُونَ ثَوْبٍ وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْيَوْمِ، وَمَا دُونَهُ فَأَفَادَ أَنَّ اللَّيْلَةَ كَالْيَوْمِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْمُحِيطِ؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ الْكَامِلَ الْحَاصِلَ فِي الْيَوْمِ حَاصِلٌ فِي اللَّيْلَةِ، وَإِنَّ مَا دُونَهَا كَمَا دُونَهُ، وَأَطْلَقَ فِي وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِيمَا دُونَ الْيَوْمِ فَشَمَلَ السَّاعَةَ الْوَاحِدَةَ، وَمَا دُونَهَا خِلَافًا لِمَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ أَنَّهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ نِصْفُ صَاعٍ، وَفِي أَقَلَّ مِنْ سَاعَةٍ قَبْضَةٌ مِنْ بُرٍّ وَلِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ فِي لُبْسِ بَعْضِ الْيَوْمِ قِسْطَهُ مِنْ الدَّمِ كَثُلُثِ الْيَوْمِ فِيهِ ثُلُثُ الدَّمِ، وَفِي نِصْفِهِ نِصْفُهُ، وَمِنْ الْغَرِيبِ مَا فِي فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ هُنَا فَإِنْ لَبِسَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ لُبْسُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَرَاقَ لِذَلِكَ دَمًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. اهـ. فَإِنَّ الصَّوْمَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي وُجُوبِ الْجِنَايَةِ بَلْ يَكُونُ الدَّمُ فِي ذِمَّتِهِ إلَى الْمَيْسَرَةِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الصَّوْمُ فِيمَا إذَا فَعَلَ شَيْئًا لِلْعُذْرِ كَمَا سَيَأْتِي. (قَوْلُهُ: أَوْ حَلَقَ رُبْعَ رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ كَالْحَالِقِ أَوْ رَقَبَتَهُ أَوْ إبْطَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ مَحْجَمِهِ) مَعْطُوفٌ عَلَى طَيَّبَ، وَقَوْلُهُ أَوْ لِحْيَتِهِ بِالْجَرِّ مَعْطُوفٌ عَلَى رَأْسِهِ أَيْ حَلَقَ رُبْعَ لِحْيَتِهِ، وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا أَيْ، وَإِنْ كَانَ حَلَقَ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ الرَّأْسِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ اللِّحْيَةِ يَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ كَمَا يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ إذَا حَلَقَ رَأْسَ غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ أَوْ رَقَبَتَهُ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مَعْطُوفٌ عَلَى الرُّبْعِ أَيْ يَجِبُ الدَّمُ بِحَلْقِ الْمُحْرِمِ رَقَبَتَهُ كُلَّهَا أَوْ بِحَلْقِ إبْطَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ بِحَلْقِ مَحَاجِمِهِ وَالْمَحْجَمَةُ هُنَا بِالْفَتْحِ مَوْضِعُ الْمَحْجَمَةِ مِنْ الْعُنُقِ وَالْمِحْجَمَةُ بِالْكَسْرِ قَارُورَةُ الْحِجَامِ، وَكَذَا الْمِحْجَمُ بِطَرْحِ الْهَاءِ، وَقَوْلُهُمْ يَجِبُ غَسْلُ الْمَحَاجِمِ يَعْنِي مَوَاضِعَ الْحِجَامَةِ مِنْ الْبَدَنِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَإِنَّمَا كَانَ حَلْقُ رُبْعِ الرَّأْسِ أَوْ رُبْعِ اللِّحْيَةِ مُوجِبًا لِلدَّمِ لِتَكَامُلِ الْجِنَايَةِ بِتَكَامُلِ الِارْتِفَاقِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَعْتَادُهُ بِخِلَافِ تَطْيِيبِ رُبْعِ الْعُضْوِ فَإِنَّ الْجِنَايَةَ فِيهِ قَاصِرَةٌ، وَكَذَا تَغْطِيَةُ رُبْعِ الرَّأْسِ عَلَى قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ الْأَكْثَرَ، وَإِذَا حَلَقَ أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ فِيهِمَا تَقَاصَرَتْ الْجِنَايَةُ فَوَجَبَتْ الصَّدَقَةُ وَاعْتِبَارُ الرُّبْعِ فِي الْحَلْقِ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ اعْتَمَدَهَا الْمَشَايِخُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْأَصْلِ فَاعْتِبَارُ الثُّلُثِ، وَفِي الْمُحِيطِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ الدَّمُ بِحَلْقِ الْأَكْثَرِ. اهـ. وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالْحَلْقِ الْإِزَالَةَ، سَوَاءٌ كَانَ بِالْمُوسَى أَوْ بِغَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُخْتَارًا أَوْ لَا فَلَوْ أَزَالَهُ بِالنُّورَةِ أَوْ نَتَفَ لِحْيَتَهُ أَوْ احْتَرَقَ شَعْرُهُ بِخُبْزَةٍ أَوْ مَسَّهُ بِيَدِهِ فَسَقَطَ فَهُوَ كَالْحَلْقِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَنَاثَرَ شَعْرُهُ بِالْمَرَضِ أَوْ النَّارِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلزِّينَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْنٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ أَيْضًا، وَأَطْلَقَ فِي وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِيمَا إذَا حَلَقَ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ الرَّأْسِ أَوْ اللِّحْيَةِ فَشَمَلَ مَا إذَا بَقِيَ شَيْءٌ بَعْدَ الْحَلْقِ أَوْ لَا فَكَذَا لَوْ كَانَ أَصْلَعَ عَلَى نَاصِيَتِهِ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِ الرَّأْسِ فَإِنَّمَا فِيهِ صَدَقَةٌ وَكَذَا لَوْ حَلَقَ كُلَّ رَأْسِهِ، وَمَا عَلَيْهِ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِ شَعْرِهِ كَمَا أَطْلَقَ وُجُوبَ الدَّمِ بِحَلْقِ ــ [منحة الخالق] الصَّدَقَةِ وَيَكُونُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمَا لَا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَأَفَادَ أَنَّ اللَّيْلَةَ كَالْيَوْمِ) أَيْ فَإِذَا لَبِسَ لَيْلَةً وَجَبَ دَمٌ كَمَا فِي الْيَوْمِ قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِقْدَارُ أَحَدِهِمَا فَيُفِيدُ أَنَّ مَنْ لَبِسَ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ انْفِصَالٍ، وَكَذَا فِي عَكْسِهِ لَزِمَهُ دَمٌ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: وَفِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، وَلَيْلَةٍ صَدَقَةٌ وَتَمَامُهُ فِيهِ، وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ قَالَ الشَّيْخُ حَنِيفُ الدِّينِ الْمُرْشِدِيُّ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ فِيمَا اطَّلَعْت عَلَيْهِ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَغَيْرِهَا. اهـ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ أَرَادَ بِالسَّاعَةِ الْفَلَكِيَّةَ. (قَوْلُهُ: كَمَا سَيَأْتِي) أَيْ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ حَلَقَ بِعُذْرٍ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ سَنَذْكُرُهُ. (قَوْلُهُ: وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالْحَلْقِ الْإِزَالَةَ إلَخْ) يَشْمَلُ التَّقْصِيرَ فَفِي اللُّبَابِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْحَلْقِ فِي وُجُوبِ الدَّمِ بِهِ وَالصَّدَقَةِ فَلَوْ قَصَّرَ كُلَّ الرَّأْسِ أَوْ

стр. 810

الرُّبْعِ فَلِذَا لَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ قَدْرُ رُبْعِ شَعْرِهِ لَوْ كَانَ شَعْرُ رَأْسِهِ كَامِلًا فَفِيهِ دَمٌ، قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَعَلَى هَذَا يَجِيءُ مِثْلُهُ فِيمَنْ بَلَغَتْ لِحْيَتُهُ الْغَايَةَ فِي الْخِفَّةِ، وَعُلِمَ مِنْ إيجَابِهِ الدَّمَ بِحَلْقِ أَحَدِ الْإِبْطَيْنِ أَوْ الْإِبْطَيْنِ أَنَّ جِنَايَةَ الْحَلْقِ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ فِي الْبَدَنِ فَلِذَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَإِبْطَيْهِ بَلْ كُلَّ بَدَنِهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَدَمٌ وَاحِدٌ بِشَرْطَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَكُونَ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ فَلَوْ أَرَاقَ دَمًا لِحَلْقِ رَأْسِهِ ثُمَّ حَلْقِ لِحْيَتِهِ لَزِمَهُ آخَرُ. الثَّانِي أَنْ يَتَّحِدَ الْمَجْلِسُ فَإِذَا اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ فَلِكُلِّ مَجْلِسٍ مُوجِبُ جِنَايَتِهِ إنْ تَعَدَّدَ الْمَحَلُّ كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ اتَّحَدَ فَدَمٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ كَمَا إذَا حَلَقَ الرَّأْسَ فِي مَجَالِسَ وَخَالَفَ مُحَمَّدٌ فِيمَا إذَا تَعَدَّدَ الْمَحَلُّ فَأَلْحَقَهُ بِمَا إذَا اتَّحَدَ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ أَنَّ فِي إزَالَتِهِ لِشَعْرِ الرَّأْسِ أَوْ اللِّحْيَةِ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ نِصْفَ صَاعٍ، وَلَوْ كَانَ شَعْرَةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُمْ قَالُوا كُلُّ صَدَقَةٍ فِي الْإِحْرَامِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ فَهِيَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ إلَّا مَا يَجِبُ بِقَتْلِ الْقَمْلَةِ وَالْجَرَادَةِ كَمَا أَنَّ وَاجِبَ الدَّمِ يَتَأَدَّى بِالشَّاةِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ مَنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ، وَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الطَّوَافِ فَإِنَّهُ بَدَنَةٌ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنْ ذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ إنْ نَتَفَ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ مِنْ أَنْفِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ شَعَرَاتٍ فَلِكُلِّ شَعْرَةٍ كَفٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ فِي خُصْلَةٍ نِصْفُ صَاعٍ. فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اشْتِبَاهًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ الصَّدَقَةَ، وَلَمْ يَفْصِلْهَا، وَأَطْلَقَ فِي لُزُومِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْحَالِقِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ مُحْرِمًا سَوَاءٌ كَانَ الْمَحْلُوقُ مُحْرِمًا أَوْ لَا أَوْ حَلَالًا وَالْمَحْلُوقُ رَأْسُهُ مُحْرِمٌ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا إذَا كَانَا حَلَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجِنَايَةٍ مِنْهُمَا، وَكَلَامُهُ فِيمَا يَكُونُ جِنَايَةً، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الصَّدَقَةُ فَقَطْ لِقُصُورِ جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِإِزَالَةِ شَعْرِ غَيْرِهِ انْتِفَاعًا قَلِيلًا بِخِلَافِ الْمَحْلُوقِ، وَإِنَّمَا صَارَ جِنَايَةً مِنْ الْحَالِقِ الْحَلَالِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ شَعْرَ الْمُحْرِمِ اسْتَحَقَّ الْأَمْنَ، وَقَدْ أَزَالَهُ ــ [منحة الخالق] رُبْعَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَفِي أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ صَدَقَةٌ، وَلَوْ قَصَّرْت الْمَرْأَةُ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ مِنْ رُبْعِ شَعْرِهَا فَعَلَيْهَا دَمٌ قَالَ شَارِحُهُ أَيْ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْكَرْمَانِيِّ، وَهُوَ الصَّوَابُ قِيَاسًا عَلَى التَّحَلُّلِ وَوَقَعَ فِي الْكِفَايَةِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ أَنَّ التَّقْصِيرَ لَا يُوجِبُ الدَّمَ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا يَجِيءُ إلَخْ) أَيْ إنْ كَانَ قَدْرُ رُبْعِهَا كَامِلَةً فَفِيهِ دَمٌ، وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ كَمَا فِي اللُّبَابِ (قَوْلُهُ: الثَّانِي أَنْ يَتَّحِدَ الْمَجْلِسُ) هَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ فَلَوْ أَسْقَطَ أَوَّلًا مِنْ كَلَامِهِ: قَوْلُهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَاسْتَقَامَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ) أَنْ وَصْلِيَّةٌ، وَلَوْ حَذَفَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لَكَانَ أَقْرَبَ لِلْفَهْمِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ، وَإِنْ اتَّحَدَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ إنْ تَعَدَّدَ الْمَحَلُّ، وَهُوَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ وَحُكْمُ مَا إذَا اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ مَفْهُومٌ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ: كَمَا إذَا حَلَقَ الرَّأْسَ فِي مَجَالِسَ) قَالَ فِي اللُّبَابِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَا نَقَلَ الْمُؤَلِّفُ الِاتِّفَاقَ فِيمَا سَيَأْتِي عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَصِّ الْأَظْفَارِ قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ: لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ مُتَّفِقَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَمَنْسَكِ الْفَارِسِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْكَافِي وَشَرْحِ الْكَنْزِ، وَفِي الْبَحْرِ الزَّاخِرِ فَدَمٌ وَاحِدٌ بِالْإِجْمَاعِ وَيُخَالِفُهُ بِظَاهِرِهِ مَا ذَكَرَهُ الْخَبَّازِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ إذَا حَلَقَ رُبْعَ الرَّأْسِ ثُمَّ حَلَقَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ فِي أَزْمَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ تَجِبُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ؛ لِأَنَّ حَلْقَ كُلِّ رُبْعٍ جِنَايَةٌ مُوجِبَةٌ لِلدَّمِ فَإِذَا اخْتَلَفَ أَزْمَانُ وُجُودِهَا نَزَلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِ الْمَكَانِ فِي تِلَاوَةِ آيَةِ السَّجْدَةِ فَلَا يَتَدَاخَلُ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْأَزْمَانِ الْأَيَّامُ لَا الْمَجَالِسُ الْمُتَعَدِّدَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَخَالَفَ مُحَمَّدٌ فِيمَا إذَا تَعَدَّدَ الْمَحَلُّ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا الْمَجْلِسُ بَدَلُ الْمَحَلِّ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ خِلَافَهُ فِيمَا إذَا تَعَدَّدَ الْمَحَلُّ وَالْمَجْلِسُ (قَوْلُهُ: فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ مُحْرِمًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ إنَّ فِي كَلَامِهِ اشْتِبَاهًا أَيْضًا وَذَلِكَ أَنَّ الْمَحْلُوقَ رَأْسُهُ لَوْ كَانَ حَلَالًا، وَكَانَ الْحَالِقُ مُحْرِمًا تَصَدَّقَ بِمَا شَاءَ، وَفِي غَيْرِهِ نِصْفُ صَاعٍ. اهـ. وَسَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ قُبَيْلَ قَوْلِهِ أَوْ قَصَّ أَظْفَارَ يَدَيْهِ (قَوْلُهُ: أَوْ حَلَالًا) أَيْ أَوْ كَانَ الْحَالِقُ حَلَالًا وَالْمَحْلُوقُ رَأْسُهُ مُحْرِمٌ فَتَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ، وَمَشَى فِي اللُّبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْحَالِقِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَنَقَلَ شَارِحُهُ مَا مَشَى عَلَيْهِ فِي اللُّبَابِ عَنْ الْبَدَائِعِ وَالْكَرْمَانِيِّ وَالْعِنَايَةِ وَالْحَاوِي وَنَقَلَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِقِيلِ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ وَابْنِ الْهُمَامِ وَالشُّمُنِّيِّ ثُمَّ قَالَ: وَوَجْهُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ إذْ الْحَلَالُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مُوجِبَاتِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَوْ يُبَاحُ فِعْلُهُ هَذَا أَوْ يُكْرَهُ الظَّاهِرُ الْآخَرُ وَذَكَرَ وَجْهَهُ وَذَكَرَ أَيْضًا وَجْهَ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ غَيْرِهِ حَيْثُ تَجِبُ الْجِنَايَةُ وَبَيْنَ مَا إذَا أَلْبَسَ الْمُحْرِمُ مُحْرِمًا لِبَاسًا مَخِيطًا حَيْثُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَرَاجِعْهُ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ إذْ لَا شَكَّ فِي تَأَذِّي الْإِنْسَانِ بِتَفَثِ غَيْرِهِ يَجِدُهُ مَنْ رَأَى إنْسَانًا ثَائِرَ الرَّأْسِ شَعِثَهَا وَسِخَ الثَّوْبِ تَفِلَ الرَّائِحَةِ، وَمَا سُنَّ غُسْلُ الْجُمُعَةِ إلَّا لِذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ شَعْرَ الْمُحْرِمِ اُسْتُحِقَّ إلَّا مِنْ إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا أَلْبَسَ الْمُحْرِمُ مُحْرِمًا مَخِيطًا أَوْ طَيَّبَهُ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ، وَكَذَا لَوْ غَطَّى رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ كَمَا فِي اللُّبَابِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ الْأَمْنُ عَنْ مُسْتَحَقِّهِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا فِي عِبَارَةِ الظَّهِيرِيَّةِ السَّابِقَةِ مِنْ قَوْلِهِ، وَكَذَا لَوْ قَتَلَ قَمْلَةً عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ إلَّا مَنْ تَأَمَّلَ، وَأَمَّا لَوْ قَلَّمَ أَظَافِيرَ
следующие страницы →