- ﷺ نهى عنها. فماذا كان موقف هذين الصحابيين الجليلين من هذا النهي؟ أما ابن عباس فقد نقد ما روي في المزارعة، وعلله بسهو الراوي أو بعدم إحاطته بالظروف التي قيل فيها الحديث، فلم يعمل بما روي فيها.
وأما ابن عمر، فمع تشككه في صحة الحديث فيها، لمناقضته لما مضى عليه العمل في عهد النبوة وفي عهد الخلفاء الراشدين، ولما كان يعلمه من أن الرسول ﷺ أقر هذا التعامل، عندما عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج من الأرض - فإنه لم يسعه إلا أن يأخذ به، ويمتثل له ويفضل أن يتهم نفسه ولا يتهم الرواية.
والأحاديث في المزارعة كثيرة لا تخلو من تعارض، ويهمنا هنا أن نذكر ما يوضح هذا الفرق الذي ذكرناه بين ابن عمر وابن عباس.
فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ عَنْ رَافِعِ بْنَ خَدِيجِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ، قَالَ ظُهَيْرٌ: " لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا "، قُلْتُ: مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَهُوَ حَقٌّ، قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟»، قُلْتُ: نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ، وَعَلَى الأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، [أَوْ أَزْرِعُوهَا]، أَوْ أَمْسِكُوهَا» قَالَ رَافِعٌ: قُلْتُ: سَمْعًا وَطَاعَةً (١).
وَرَوَى البُخَارِيُّ معنى ذلك عن جابر وأبي هريرة.
ثُمَّ رَوَى البُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، لَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَلَكِنْ قَالَ: «أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مَعْلُومًا» (٢).
стр. 177
وروى الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُحَرِّمِ المُزَارَعَةَ، وَلَكِنْ أَمَرَ أَنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ» (١).
أما ابن عمر فيتبين موقفه مما رواه البخاري عن نافع أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄: «كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ» ثُمَّ حُدِّثَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ» فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى رَافِعٍ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ». فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِمَا عَلَى الأَرْبِعَاءِ، وَبِشَيْءٍ مِنَ التِّبْنِ» (٢).
إن هذه الرواية توضح شك ابن عمر في صحة الحديث، وتشير إلى القلق الذي نشب في نفسه بين قبول هذا الحديث أو رفضه. فماذا كانت نتيجة هذا الصراع؟. إن الرواية التالية تبين أن هذا الصراع قد انتهى إلى ما يتسق مع شخصية ابن عمر ومنهجه، مِنْ أَخْذٍ بِالحَدِيثِ وَامْتِثَالٍ لَهُ، فحرم المزارعة على نفسه، رغم الظواهر التي تشكك في صحة الحديث، وترجح غلبه الوهم أو الخطأ في روايته، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الأَرْضَ تُكْرَى»، ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ
стр. 178
يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، «فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ» (١).
ولعل ورع ابن عمر وحيطته لدينه هي الدوافع في اتجاهه هذا بل هي الضوء الذي يفسر كثيرًا من تصرفاته.
وكان هذا الورع يحمله على أن يترك بعض الحلال مخافة أن يقترب من الحرام، وقد روى مالك عنه أنه قال: «إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَجْعَلَ بَيْنِي وَبَيْنَ الحَرَامِ سُتْرَةً مِنَ الحَلاَلِ» (٢).
كما كان هذا الورع يحمله على التشديد على نفسه وعلى غيره، فقد صح عنه «أَنَّهُ كَانَ يُدْخِلُ المَاءَ فِي بَاطِنِ عَيْنَيْهِ فِي الوُضُوءِ وَالغُسْلِ» (٣) (*). وقد تميز ابن عمر بشدته هذه وعرف بها، وكانت موازنة أبي جعفر المنصور في ذلك بين ابن عمر وابن عباس موازنة صادقة صحيحة، عندما طلب من الإمام مالك أن يكتب للناس كتابًا يتجنب فيه «رُخَصَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَشَدَائِدَ ابْنَ عُمَرَ».
وإذا استعرضنا طرفًا من المسائل التي استدركتها السيدة عائشة على ابن عمر - وجدناه يميل في معظمها إلى جانب الشدة، أخذًا بالحيطة حتى يبلغه عن النبي ﷺ خلاف ما ذهب إليه، فيترك قوله.
فمن ذلك أنه كان يقول: «فِي القُبْلَةِ الوُضُوءُ»، فاستدركت عليه السيدة عائشة وَقَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ [ثُمَّ] لاَ يَتَوَضَّأُ» (٤).
стр. 179
ومن ذلك أنه كان يمنع المحرم أن يتطيب قبل إحرامه، وكان يقول: «لَأَنْ أُصْبِحَ مُطَّلِيًا بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا»، ولما بلغ ذلك السيدة عائشة قالت: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا»، وفي لفظ " البخاري ": قالت: «يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا» (١).
ومن ذلك أنه كان يأمر بقطع الخفين للمرأة المحرمة إذا لم تجد نعلاً ثُمَّ حَدَّثَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهَا، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَانَ رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِي الخُفَّيْنِ» فَتَرَكَ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ (٢).
وهذا الورع ذاته كان من العوامل التي دفعت ابن عمر إلى الإقلال من الفتوى، وإلى كثرة إجابته بقوله: «لَا أَعْلَمُ»، كما كان سببًا في ميله إلى الظاهر في أغلب الأحيان، وحرصه على ظاهر اللفظ، دون تأويل له أو نظر إلى المعنى، كما سبق أن رأينا صورة من ذلك في أخذه بظاهر ما روى في قطع الصلاة بالكلب والحمار والمرأة إذا مر أحدها أمام المصلي .. ويشاركه في هذا الاتجاه أبو هريرة (٣).
لكن هذا الاتجاه إلى الظاهر لم يكن مذهبًا ملتزمًا لا يعدل عنه، بل كان الأمر مرتبطًا بمدى الاطمئنان النفسي والأخذ بالأحوط. فلو اقتضى الورع والأخذ بالأحوط أن تصرف الألفاظ عن ظاهرها، وأن تتجاوزه إلى المعاني المقصودة من ورائها - فإن الظاهر حينئذٍ يطرح ولا يلتزم.
стр. 180
ولعل أبرز مثال لذلك ينبئ عما وراءه، هو ما روي عنه في (الإيلاء) وهو في اللغة الحلف والقسم واليمين، ولكن معناه الفقهي مختلف فيه، لاختلافهم فيما يكون به المرء موليًا:
(أ) هل هو الحلف ألا يجامع الزوج زوجته على وجه الضرر والغضب؟
(ب) أو هو كل يمين حالت دون الجماع، دون فرق بين الرضا والغضب؟.
(ج) أو هو كل يمين يؤدي إلى الإضرار بالزوجة، سواء أكانت اليمين على ترك الجماع أو على عدم الكلام معها مثلاً؟
وقد التقت الأقوال الثلاثة السابقة حول ضرورة اليمين في اعتبار الإيلاء، فهي من أهم شروطه.
(د) أما الرأي الرابع فهو رأي ابن عمر، فقد ذهب إلى أن الزوج إذا هجر زوجته فهو إيلاء، ولو لم يذكر الحلف، ولو لم يكن هناك قسم: قال الجصاص تعليقًا على رأي ابن عمر: «وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَنَّ الهِجْرَانَ يُوجِبُ الطَّلاَقَ، فَإِنَّهُ قَوْلٌ شَاذٌّ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ إذَا حَلَفَ ثُمَّ هَجَرَهَا مُدَّةَ الإِيلاَءِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ خِلاَفُ الكِتَابِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وَالأَلِيَّةُ اليَمِينُ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَهِجْرَانُهَا لَيْسَ بِيَمِينٍ، فَلاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الكَفَّارَةِ» (١).
ولا شك أن ابن عمر قد علم أن الإيلاء معناه اليمين، إذ هو عربي يفهم ألفاظ القرآن ويحتج بفهمه ولغته وقد احتج الجصاص بفهم ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، حيث قال: «عَزِيمَةُ الطَّلاَقِ انْقِضَاءُ الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ» قبل الفيء إليها. «لأَنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ شَرْعًا أَوْ لُغَةً، وَأَيُّ الْوَجْهَيْنِ كَانَ فَحُجَّتُهُ ثَابِتَةٌ» (٢).
стр. 181
إن ابن عمر في هذه المسألة جاوز اللفظ ولم يقف عنده، وتوجه مباشرة إلى الغاية والمعنى المقصود من الإيلاء. ورأيه في ذلك له وزنه وقيمته. ويسد الطريق أمام من يهجرون زوجاتهم بقصد الإضرار، آمنين من تطبيق حكم الإيلاء عليهم، ما داموا لم يستكملوا المظهر الشكلي وهو القَسَمَ وَاليَمِينَ.
ومن ذلك أيضًا رأى ابن عمر في حكم المرأة الحامل في رمضان إذا خافت على ولدها وصعب عليها الصيام: فقد سئل عن ذلك فأجاب: «تُفْطِرُ، وَتُطْعِمُ، مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ».
ويعلق الإمام مالك على رأي ابن عمر بقوله: «وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَرَوْنَ عَلَيْهَا القَضَاءَ كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَيَرَوْنَ ذَلِكَ مَرَضًا مِنَ الأَمْرَاضِ مَعَ الخَوْفِ عَلَى وَلَدِهَا» (١).
ولكن رأي ابن عمر في ذلك رأي سديد، فالله تعالى أوجب الصيام على المكلفين. ثم استثنى نوعين: أولهما: المريض والمسافر، بشرط أن يقضيا ما رخص لهما في فطره، وثانيهما: المطيق له، بشرط الفدية. وكأنه يذهب إلى أن معنى الإطاقة هي استطاعة الصوم مع شدة وجهد لا يخلو من ضرر أو خطر. والقول بنسخ هذا الحكم قول مرجوح (٢).
وبهذا نكون قد أتينا على ما أردنا بيانه في هذا الكتاب من تحديد أهل الحديث وإثبات أن لهم مذهبًا فقهيًا مستقلاً، وإيضاح اتجاهات سلفهم مِنْ مُحَدِّثِي الصَّحَابَةِ. ونشرع الآن في بيان ملامح مذهب المحدثين ومنهجهم الفقهي.
стр. 182
البَابُ الثَّانِي: الاِتِّجَاهُ إِلَى الآثَارِ:
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ لِأَبِي حَنِيفَةَ: «اجْهَدْ [جَهْدَكَ]، هَاتِ مَسْأَلَةً لَا أَرْوِي لَكَ فِيهَا شَيْئًا».
وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: «رَأْيُ الأَوْزَاعِي، وَرَأْيُ مَالِكٍ وَرَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ كُلُّهُ رَأْيٌ وَهُوَ عِنْدِي سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا الحُجَّةُ فِي الآثَارِ».
• • •
• الفصل الأول: رأي المحدثين في علاقة السنة بالقرآن، ويشمل:
(أ) مكانتها بالنسبة له.
(ب) عرضها عليه.
(ج) ورودها بحكم زائد عليه.
(د) نسخه بها وتخصيصها له.
• الفصل الثاني: المناهج في الأخذ بأخبار الآحاد، والآراء في المرسل، وأقوال الصحابة والتابعين.
• الفصل الثالث: نتائج هذا الاتجاه.
стр. 183
تَمْهِيدٌ:
الاتجاه إلى الآثار اتجاه أصيل عند أهل الحديث، وظاهرة مشتركة بينهم وقد قرر ابن جريج هذا الاتجاه عندما تحدى أبا حنيفة بقوله: «اجْهَدْ جَهْدَكَ، هَاتِ مَسْأَلَةً لاَ أَرْوِي لَكَ فِيهَا شَيْئًا» (١)، كما يقرره ابن حنبل أيضًا في كلمته التي رفض فيها الرأي، وحصر الحجة في الآثار: «... وَإِنَّمَا الحُجَّةُ فِي الآثَارِ» (٢).
هذا الذي قرر ابن جريج وابن حنبل يشير إلى منهج أهل الحديث في هذا الشأن، ويدل على وفرة الآثار التي اجتهد فيها المحدثون في جمعها، حتى أصبح ميسورًا لهم أنْ يجيبوا عن كثير من المسائل التي يفرعها أهل الرأي، دون أنْ يضطروا إلى القياس الذي يكرهونه. ولذلك حرص المحدثون عَلَى أَنْ يُبَيِّنُوا أهمية الآثار، فَرَوَوْا طرفًا من أقوال التابعين والعلماء في الدعوة إلى الأخذ بها، وتقديمها على الرأي والقياس. مِنْ ذَلِكَ:
قَوْلُ شُرَيْحٍ: «إنَّ السُنَّةَ سَبَقَتْ قِيَاسَكُمْ، فَاتَّبِعُوا وَلاَ تَبْتَدِعُوا، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا مَا أَخَذْتُمْ بِالأَثَرِ».
وقول الشعبي: «إِنَّمَا هَلَكْتُمْ حِينَ تَرَكْتُمْ الآثَارَ، وَأَخَذْتُمْ بِالمَقَايِيسِ».
وقول ابن سيرين: «كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ مَا دَامَ عَلَى الأَثَرِ».
وقول سفيان: «إِنَّمَا الدِّينُ الآثَارُ».
стр. 184
وقول ابن المبارك: «لِيَكُنْ الذِي تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الأَثَرَ وَخُذْ مِنَ الرَّأْيِ مَا يُفَسِّرُ لَكَ الْحَدِيثَ» (١).
فما هو هذا الأثر الذي يدعو إليه المحدثون، ويحرضون على التمسك به؟
إنَّ الأثر قد يراد به ما يرادف الحديث، وقد يطلق على ما هو أعم من الحديث، أي على ما يضاف إلى النبي ﷺ ، وما يضاف إلى الصحابة والتابعين أيضًا. وفقهاء خراسان يخصون الموقوف باسم الأثر ويسمون المرفوع خبرًا (٢).
وجمع هذه الآثار عن النبي ﷺ . أو عن الصحابة والتابعين، هو عمل أهل الحديث، الذي تخصصوا فيه وتفرغوا له، وهو صناعتهم التي أتقنوها ونافحوا عنها، فليس غريبًا أن يبينوا أهميتها، ويركزوا دعوتهم إليها، ويوجهوا همتهم إلى استخدامها، ويجعلوا الإكثار منها شرطًا لبلوغ درجة الفقه. فقد ذكر ابن القيم أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ: «إذَا حَفِظَ الرَّجُلُ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ يَكُونُ فَقِيهًا؟ قَالَ: " لاَ "، قَالَ: " فَمِائَتَيْ أَلْفٍ؟ " قَالَ: " لاَ "، قَالَ: " فَثَلاَثَ مِائَةِ أَلْفٍ؟ " قَالَ: " لاَ "، قَالَ: " فَأَرْبَعَ مِائَةِ أَلْفٍ "، قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَحَرَّكَ يَدَهُ».
ولا شك أَن في هذا العدد الضخم كثيرًا من أقوال الصحابة والتابعين، بدليل أن ابن القيم نفسه ذكر أن الأحاديث التي تدور عليها أصول الأحكام خمسمائة حديث، وفرشها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث (٣).
стр. 185
ولأن الأثر يشتمل على سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . كما يشمل أقوال الصحابة والتابعين، سنذكر كل قسم من هذه الأقسام على حدة، مبينين موقف المحدثين منه، ونظرتهم إليه، ومسلكهم في استخدامه.
стр. 186
الفَصْلُ الأَوَّلُ: السُنَّةُ وَعَلاَقَتُهَا بِالقُرْآنِ:
١ - السُنَّةُ وَعَلاَقَتُهَا بِالقُرْآنِ:
قدمنا في التمهيد أقسام السنة وإطلاقاتها، ونذكر هنا أن الجمهور الأعظم من المسلمين - على اختلاف مذاهبه - يقول بحجية السنة، ويعتبرها - ككل - مصدرًا من مصادر التشريع، ويعترف بأهميتها. بل إن المستشرقين، على الرغم من التواء تفكيرهم بالنسبة للإسلام، سواء عن جهل بطبيعته، أو عن سوء قصد وخبث طوية، - لم يسع بعضهم إلا أن يعترف بأهمية السنة، ويدرك الدور الخطير الذي تقوم به، فيصرح بأن الإسلام إذا كان يبغي المحافظة على جوهره وطابعه ليظل إسلامًا - فما من سبيل يبلغ بها هذه الغاية أفضل من سبيل المحافظة على السُنَّةِ والاستمساك بعراها (١).
وعلى الرغم من أن جمهور المسلمين يعترف بالسنة، لم يمنع هذا من اختلاف وجهات النظر بالنسبة إليها. فهم يتفقون على الأخذ بالسنة ككل ولكنهم يختلفون في كيفية الأخذ، فتتفاوت لذلك كمية ما يأخذونه منها. وهذا التفاوت وذلك الاختلاف هو الذي سوغ لنا أن نخص المحدثين فنبين موقفهم من السنة، ومدى أخذهم بها، موازين بينهم وبين غيرهم في ذلك.
وأول ما يواجهنا من مباحث السنة هو علاقتها بالقرآن الكريم ونتناول في هذه العلاقة النقاط الآتية:
стр. 187
١ - مكانة السنة ومرتبتها بالنسبة للقرآن.
٢ - عرض السنة على القرآن.
٣ - ورود السنة بحكم الزائد على القرآن.
٤ - نسخ السنة بالقرآن والعكس.
٥ - تخصيص القرآن بالسنة.
[١] أما النقطة الأولى، وهي مكانة السنة بالنسبة للقرآن - ففيها ثلاثة اتجاهات:
- الإتجاه الأول: أن القرآن والسنة في مرتبة واحدة، فكلاهما وحي من عند الله، ولا فرق بينهما إلا أن القرآن مُوحَى بلفظه ومعناه. فهو معجز متعبد بتلاوته، وليست السنة كذلك، حيث أُوحِيَ إلى الرسول معناها دون لفظها. فالقرآن والسنة كلاهما نصوص، يستعملان مَعًا، ولا يقدم أحدهما على الآخر. وإذا كان يطلق أحيانًا أن السنة تالية للكتاب وأنها المصدر الثاني بعده فليس هذا الإطلاق إلاَّ ترتيبًا لفظيًا اعتباريًا، من حيث إن القرآن هو الذي دل على حُجِيَّةِ السُنَّةِ، فإذا ثبتت حُجِيَّتُهَا صارت في قوة القرآن.
وَرَوَى الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: «كَانَ الوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [وَيُخْبِرُهُ] جِبْرِيلُ ﵇ بِالسُّنَّةِ الَّتِي تُفَسِّرُ ذَلِكَ» (١).
- الاتجاه الثاني: تقديم الكتاب على السنة، لأن الكتاب مقطوع به جملة وتفصيلاً لتواتره، والسنة مظنونة، والقطع فيها إنما يصح في الجملة لا في
стр. 188
التفصيل. والمقطوع على المظنون. وقد دل على تقديم الكتاب أخبار وآثار كثيرة كَحَدِيثِ مُعَاذٍ: «بِمَ تَحْكُمُ؟»، قَالَ: «بِكِتَابِ اللَّهِ». قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟». قَالَ: «بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ...». وكتاب عمر إلى شُرَيْح: «إِذَا أَتَاكَ أَمْرٌ فَاقْضِ [فِيهِ] بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ أَتَاكَ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَاقْضِ بِمَا سَنَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ...». وفي بعض الروايات: إِذَا وَجَدْتَ شَيْئًا فِي كِتَابِ اللَّهِ فَاقْضِ بِهِ وَلاَ تَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِهِ»، وَرُوِيَ مثل ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وكثير من السلف الصالح (١).
- الاتجاه الثالث: تقديم السنة على الكتاب. وقد نشأ هذا الاتجاه في مقابلة الاتجاه الثاني، وَرَدِّ فعل له. وهو المراد بقولهم: إن السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة، لأن الكتاب قد يكون محتملاً لأمرين فأكثر، فتأتي السنة بتعيين أحدهما، فيرجع إلى السنة ويترك مقتضى الكتاب، وهذا دليل على تقديم السنة.
يقول الأَوْزَاعِيُّ: «الْكِتَابُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْكِتَابِ». قَالَ أَبُو عُمَرَ - ابن عبد البر -: «يُرِيدُ أَنَّهَا تَقْضِي عَلَيْهِ وَتُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهُ».
ويقول مكحول: «القُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الكِتَابِ».
ويقول يحيى بن أبي كثير: «السُّنَّةِ قَاضِيَةٌ عَلَى الكِتَابِ، وَلَيْسَ الْكِتَابُ قَاضِيًا عَلَى السُّنَّةِ» (٢).
هذه هي الاتجاهات الثلاثة حول مرتبة السُنَّةِ بالنسبة للقرآن. ولعل
стр. 189
الخلاف بينهما كان نتيجة عدم الدقة في تحديد موضوع النزاع، بسبب الخلط بين الاعتبارات المتعددة للسنة.
فالذين رأوا أن القرآن والسنة في مرتبة واحدة، هي مرتبة النصوص، نظروا إلى السنة باعتبار أنها صادرة من الرسول المبلغ عن ربه، والذي لا ينطق عن الهوى، فالقرآن ما كان يظهر للناس لولا تبليغ الرسول ﷺ إياه. وكلمات الرسول وبيانه وهديه في أحاديثه ﷺ هي وحي أيضًا، أو اجتهاد أقره الله فتلحق بالوحي. وكما نسمع للرسول ﷺ ونصدقه ونطيعه فيما يبلغه لنا على أنه قرآن من عند الله يجب علينا بدرجة مساوية، أن نسمع للرسول ونطيعه فيما يبلغه لنا على أنه سنة.
وهذه النظرة إلى السنة لا ينكرها أحد، بل يعتنقها مخالفوهم ويحتجون لها.
والذين ذهبوا إلى أن الكتاب مقدم على السنة نظروا إلى السنة من جهة الرواية وطريق الثبوت، فرأوها مجموعة من الأخبار قد رويت بطريق لا يخلو من الاحتمال، ورأوا أن القرآن قد أحيط منذ البداية بكل صنوف الرعاية والحفظ، وأنه قد تواتر تواترًا يفيد العلم اليقيني، فما يفيده القرآن يكون قطعيًا وما تفيده السنة لا يرقى إلى ما يفيده القرآن.
ولا ينكر أحد هذه الموازنة بين السنة والقرآن من حيث الرواية ودرجة الثبوت.
أما الذين ذهبوا إلى أن السنة مقدمة على الكتاب فيريدون بذلك أن ما جاء في القرآن من عموم أو إطلاق أو إجمال أو غير ذلك، إنما يكون فهم معناه والعمل به متوافقًا على ما جاءت به السنة من بيان وإيضاح، وبيانها
стр. 190
حينئذ هو خير البيان وأولاه بالاتباع، لأنه عن مصدر التشريع، ومن أجل هذا يجب ألا يقتصر على ظاهر القرآن حتى يضم إليه ما جاءت به السنة، التي قد تصرفه عن ظاهره، أو تخصص عمومه أو تقيد مطلقه، أو توضح ما فيه من إجمال، ولا شك أن هذه تنطوي على الحق، ويقررها المخالفون.
ليس بين هذه الاتجاهات إذن خلافات جوهرية أو عميقة، ولكنها مع ذلك أدت إلى الخلاف حول عدد من الموضوعات، كما إذا تعارض ظاهر الكتاب مع ظاهر السنة، هل يقدم الكتاب، أم السنة؟ (١).
ويجدر بنا أن نشير إلى أن المحدثين لم يميلو إلى الاتجاه الذي يقدم الكتاب على السُنَّةِ، بل انحصر ميلهم في الاتجاهين الآخرين، فذهب أكثرهم إلى تقديم السُنَّةِ على الكتاب، وذهب القليل منهم إلى أنهما في مرتبة متساوية، كالإمام أحمد بن حنبل والإمام البخاري: فابن حنبل رأى أَنَّهُمَا نُصُوصٌ يُكَمِّلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، ولم يستسغ ما يقال من أن السُنَّةَ قَاضِيَةٌ عَلَى الكِتَابِ، فأبى أن يُرَدِّدَهُ وقال: «مَا أَجْسُرُ عَلَى هَذَا أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنِّي أَقُولُ: إِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ» (٢).
стр. 191
وقد تبعه في ذلك البخاري، كما يفهم من منهجه في " صحيحه ".
والحق أن البخاري من بين مُحَدِّثِي القرن الثالث (١)، هو الذي اهتم بالقرآن في " صحيحه "، وهو الذي تفرد بالعناية بذكر الآيات المناسبة للأبواب المختلفة تأكيدًا للصلات القوية بين القرآن والحديث، وإيضاحًا إلى تظاهرهما في إثبات الأحكام، وَنَفْيًا لما يظن من خلافهما أو تعارضهما، وكأني به قد نثر أمامه آيات الكتاب الحكيم، وقسمها إلى موضوعات، ثم نظر في السُنَّةِ، فذكر منها ما يرتبط بالقرآن مُبَيِّنًا لَهُ، على أي وجه كان ذلك البيان. والنظرة السريعة إلى " صحيحه " تشهد بصحة ما ذكرناه من اهتمامه بالقرآن واستدلاله به.
ونستطيع أن نسجل بعض الملاحظات على هذا المنهج الذي سلكه البخاري، من إيراده للآيات في عناوين الأبواب، فنذكر في وصفه - على سبيل المثال، لا الحصر - النقاط الآتية:
١ - قد يذكر البخاري عنوان الكتاب، مقترنًا بالآيات التي تعتبر أصلاً تتفرع منه الفروع وتبوب الأبواب، ثم لا يمنعه هذا من ذكر الآيات المناسبة للأبواب المندرجة تحت هذا الكتاب، أو تحت هذا الأصل الذي قررته الآيات:
стр. 192
فمن ذلك قوله: (كِتَابُ التَّيَمُّمِ. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١). ثم عقب على ذلك بذكر الأبواب المندرجة تحت هذا الكتاب: من بيان السبب في نزول الآية، وكيفية التيمم، وحكم التيمم في الحضر إذا لم يجد ماء وخاف فوات الوقت، إلى غير ذلك.
وكقوله: (كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢).
٢ - قد يكون الباب أصلاً لأبواب أخرى تندرج فيه، فيصنع فيه ما يصنعه في الكتاب، لأن الباب حينئذٍ يشبه الكتاب في أنه أصل تتفرع عنه فروع. ويعتبر هذا من الأسباب التي جعلت البخاري يكتفي في ترجمته بالآية، دون أن يذكر في الباب حديثًا. فيقول مثلاً: (كِتَابُ العِلْمِ، بَابُ فَضْلِ العِلْمِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]، وَقَوْلُهُ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾) (٣)، ولم يرو البخاري في هذا الباب شيئًا، وكأنه اعتبر هذا الباب مُكَمِّلاً لترجمة الكتاب، وأصلاً لما سيعقبه من الأبواب.
ومن هذا القبيل قوله: (بَابُ المُحْصَرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ
стр. 193
مَحِلَّهُ﴾ (١)، ولم يذكر شيئًا من الأحاديث في هذا الباب، لكنه ذكر الأبواب التي تتفرع على ذلك من إحصار المعتمر، وإحصار الحاج، وغير ذلك.
وكقوله أيضًا: (بَابٌ فِي الشُّرْبِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقوله - جَلَّ ذِكْرُهُ -: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]، الأُجَاجُ: المُرُّ. المُزْنُ: السَّحَابُ (٢)، ثم فرع على هذا الباب غيره، فجاء بعده مباشرة (بَابٌ فِي الشُّرْبِ وَمَنْ رَأَى صَدَقَةَ الْمَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ ...).
٣ - قد يأتي بالآيات المذكورة في الترجمة، للاحتجاج بها على فهمه أو استنباطه لأمر ما، وبخاصة إذا كان الموضوع خلافيًا:
كقوله: (كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]).
وقد عَلَّقَ السِّنْدِي على هذا العنوان بقوله: «لَمَّا كَانَ الوَحْيُ يُسْتَعْمَلُ فِي الإِلْهَامِ وَغَيْرِهِ. كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧]، ذَكَرَ الآيَةَ التِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِيحَاءَ إِلَيْهِ إِيحَاءَ نُبُوَّةٍ، كَمَا أَوْحَى إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ» (٣).
стр. 194
وقد ذهب البخاري إلى أن الإيمان يزيد وينقص، فقال في كتاب الإيمان مستدلاً على ذلك: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ»، وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، وَقَوْلُهُ: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] (١).
فانظر كيف جمع البخاري هذا الحشد من الآيات المتناظرة ليستدل بها على ما ذهب إليه!.
وكقوله: بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فَبَدَأَ بِالعِلْمِ (٢).
وفي «تَعْذِيبِ المَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» يجمع بين ما روى عن ابن عمر في ذلك، وما روى عن عائشة، مستدلاً بالقرآن، فيقول: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» فَإِذَا لَمْ يَكُنْ
стр. 195
مِنْ سُنَّتِهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]) (١).
٤ - وفي بعض الأحيان قد يجعل البخاري الآية عنوانًا للباب، ليس له عنوان غيرها، ثم يذكر من الأحاديث ما هو تفسير للآية، أو بيان لها، أو تعريف بسبب نزولها.
فمن ذلك (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]). وقد روى في هذا الباب: حَدَّثَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّا [مِنْ] هَذَا الحَيِّ مِنْ رَبِيعَةَ وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلاَّ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذْهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا، فَقَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيمَانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ ...»). قال السندي في تعليقه على هذا الحديث: «كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُفِيدُ أَنَّ تَرْكَ الصَّلاَةِ مِنْ أَفْعَالِ المُشْرِكِيْنَ، بِنَاءً عَلَىَ أَنَّ مَعْنَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، أَيْ بِتَرْكِ الصَّلاَةِ وَقَدْ قَرَّرَهُ الحَدِيثُ، حَيْثُ عَدَّ فِيهِ الصَّلاَةَ مِنَ الإِيمَانِ، فَصَارَ الحَدِيْثُ مُبَيِّنًا لِمَعْنَى القُرْآنِ» (٢).
ومن ذلك أيضًا: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٦])
وقد روى في هذا الباب قوله ﷺ :
стр. 196
«مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (١).
وكقوله في كتاب الحج (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَهُوَ مُخَيَّرٌ، فَأَمَّا الصَّوْمُ فَثَلاَثَةُ أَيَّامٍ) ثُمَّ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟»، قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ انْسُكْ بِشَاةٍ» (٢).
ثم أعقب بباب آخر بَيَّنَ فِيهِ أن مقدار الصدقة إطعام ستة مساكين، روى فيه الحديث السابق نفسه مع اختلاف يسير في الألفاظ.
وكقوله أيضًا: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧])، ثم روى عن ابن عباس سبب نزول هذه الآية: «كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلاَ يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]» (٣).
٥ - وقد يكون ظاهر الآية غير مراد، فيذكرها البخاري في الترجمة، ثم يروي من الحديث ما هو بيان لها، لئلا تؤخذ على ظاهرها: ومن ذلك قوله: ([بَابُ] الرَّهْنِ فِي الحَضَرِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ...) وروى فيه عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «وَلَقَدْ رَهَنَ
стр. 197
[النَّبِيُّ] ﷺ دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ ...) (١).
وكقوله، (بَابُ تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ [يُوصِي] بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وَيُذْكَرُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ»، وَقَوْلِهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] «فَأَدَاءُ الأَمَانَةِ أَحَقُّ مِنْ تَطَوُّعِ الوَصِيَّةِ») (٢). والبخاري يشير بهذا إلى أن تقديم الوصية على الدَّيْنَ في نسق الآية لا يفيد عليه في الواقع، بل يقضي الدَّيْنَ أولاً، ثم تنفذ الوصية. فإن بقي شيء فهو للورثة.
هذه بعض الملاحظات التي أمكن استنتاجها من منهج البخاري في ربطه بين القرآن والسنة في " صحيحه "، وهي تدل دلالة واضحة على أنه يرى أنهما متعاونان في إثبات الأحكام. ومن منهجه في ذلك يمكن القول بأنه كان أميل إلى رأي من يجعل الكتاب أصلاً لكل ما جاءت به السنة. وإذا لم تكن الملاحظات السابقة قاطعة بذلك، فإنها على الأقل تؤكد أن البخاري لم يندفع في تيار الذين قَدَّمُوا السُّنَّةَ عَلَى القُرْآنِ، ولا شك أن موقفه في ذلك موقف معتدل سليم، ومنهجه وسط قديم.
٢ - عَرْضُ السُّنَّةِ عَلَى القُرْآنِ:
يراد بعرض السنة على القرآن أَلا يكتفى بالنظر إلى السند في الحكم على الحديث، بل يجب أن يضاف إليه النظر في متنه ومعناه، للتأكد من أنه لم يأت بما يخالف القرآن، فإن جاء الحديث بما يخالف القرآن، اعتبرت هذه المخالفة علة يضعف بها الحديث، وقرينة على خطأ ما في الرواية،
стр. 198
فالقرآن قاض على الحديث من حيث الصحة والضعف، حاكم على السنة من حيث الأخذ بها أو الترك، إذ هو الأصل الثابت المقطوع بثبوته.
وقد اختلف في الأخذ بهذا المبدأ في اعتبار صحة الحديث. وقد ذكر الأسنوي أن الشافعي ذهب إلى أنه لا يجب عرض خبر الواحد على الكتاب، وأن عيسى بن أبان رأى أن ذلك واجب (١).
وقد قسم بعض العلماء الحديث بالنسبة للقرآن ثلاثة أقسام: «حَدِيثٌ مُوَافِقٌ لِمَا فِي القُرْآنِ، فَالأَخْذُ بِهِ فَرْضٌ، وَحَدِيثٌ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي القُرْآنِ، فَهُوَ مُضَافٌ إِلَى مَا فِي القُرْآنِ، وَالأَخْذُ بِهِ فَرْضٌ، وَحَدِيثٌ مُخَالِفٌ لِمَا فِي القُرْآنِ فَهُوَ مُطَّرِحٌ» (٢).
وإلى عرض السنة على الكتاب ذهب أبو يوسف، كما يفهم من مناقشته للأوزاعي في حكم الرجل يموت في دار الحرب أو يقتل، هل يضرب له بسهم في الغنيمة؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يضرب له بسهم، وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: «أَسْهَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قُتِلَ بِخَيْبَرَ فَأَجْمَعَتْ أَئِمَّةُ الهُدَى عَلَى الإِسْهَامِ لِمَنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ».
وقد رد أبو يوسف على الأوزاعي ذلك، وكان مما قاله: «فَلاَ نَعْلَمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسْهَمَ لأَحَدٍ مِنَ الغَنِيمَةِ مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وَلاَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَلاَ يَوْمَ خَيْبَرَ وَقَدْ قُتِلَ بِهَا رَهْطٌ مَعْرُوفُونَ فَمَا نَعْلَمُ أَنَّهُ أَسْهَمَ لأَحَدٍ مِنْهُم وَهَذَا مَا لاَ يَخْتَلِفُ فِيهِ، فَعَلَيْكَ مِنَ الْحَدِيثِ بِمَا تَعْرِفُ العَامَّةُ وَإِيَّاكَ وَالشَّاذَّ مِنْهُ فَإِنَّهُ حَدَّثَنَا ابنُ أَبِي كَرِيمَة عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ دَعَا اليَهُودَ فَسَأَلَهُمْ فَحَدَّثُوهُ حَتَّى
стр. 199
كَذَبُوا عَلَى عِيسَى ﵊ فَصَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ المِنْبَرَ فَخَطَبَ النَّاس فَقَالَ: " إِنَّ الْحَدِيثَ سَيَفْشُو عَنِّي فَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُوَافِقُ الْقُرْآنَ فَهُوَ عَنِّي وَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُخَالِفُ الْقُرْآنَ فَلَيْسَ مِنِّي "» (١).
وقد تابع أبا يوسف في ذلك معظم الأحناف، فجعلوا عرض السنة على الكتاب من أسس نقد الحديث. فالسرخسي يقسم الانقطاع في الخبر إلى انقطاع في اللفظ - ويعني به المرسل -، وانقطاع في المعنى ثم يبين أن من الانقطاع في المعنى أن يكون الحديث مخالفًا لكتاب الله تعالى، فإنه حينئذٍ لا يكون مقبولاً ولا يكون حجة، عامًا كان ما تقرره الآية أو خاصًا، نَصًّا أَوْ ظَاهِرًا.
وقد استدل على ما ذهب إليه بالنقل والعقل. أما النقل، فقوله ﵊: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَكِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ». وقد فسر السرخسي هذا الحديث بقوله: «وَالمُرَادُ كُلَّ شَرْطٍ هُوَ مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا أَنْ يَكُونَ المُرَادُ مَا لَا يُوجَدُ عَيْنُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ...». كما استدل أيضًا بما رواه من قوله ﵇: «تَكْثُرُ لَكُمْ الأَحَادِيثُ بَعْدِي، فَإِذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَمَا وَافَقَهُ فَاقْبِلُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مِنِّي، وَمَا خَالَفَهُ فَرُدُّوهُ وَاعْلَمُوا أَنِّي مِنْهُ بَرِيءٌ».
أما استدلاله العقلي فيتركز على الموازنه بين الكتاب والخبر من جهة الثبوت «لِأَنَّ الكِتَابَ مُتَيَقَّنٌ بِهِ وَفِي اتِّصَالِ الخَبَرِ الوَاحِدِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ شُبْهَةٌ فَعِنْدَ تَعَذُّرِ الأَخْذِ بِهِمَا لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ بِالمُتَيَقَّنِ وَيُتْرَكَ مَا فِيهِ شُبْهَةٌ وَالعَامَّ وَالخَاصَّ فِي هَذَا سَوَاءٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ العَامَّ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ
وممن ذهب مذهب الأحناف في ذلك - مع اختلاف يسير - الإمام مالك، فقد قارب فقهاء العراق في عرضهم أخبار الآحاد على الكتاب، وقد استنبط المالكية من صنيع إمامهم أن مالكًا يقدم ظاهر القرآن على السنة إلا إذا عارض السنة أمر آخر، من قياس أو عمل أهل المدينة، وَرَدَّ لذلك بعض السنن (١).
وقد أيد الشاطبي مسلك الأحناف في عرض السنة على القرآن وذكر أن السلف الصالح كانوا يفعلونه، ثم قال بعد أن ذكر أمثلة لذلك: «وَفِي الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا، وَفِي اعْتِبَارِ السَّلَفِ لَهُ نَقْلٌ كَثِيرٌ. وَلَقَدِ اعْتَمَدَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ لِصِحَّتِهِ فِي الاعْتِبَارِ».
ثم ذكر بعض الأمثلة لأخذ مالك بهذا الأصل، وَرَدَّ بناء على القول به " حَدِيثَ غَسْلِ الإِنَاءِ مِنَ الكَلْبِ "، وَ" حَدِيثَ خِيَارِ المَجْلِسِ "، وَ" حَدِيثَ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ " (٢).
أما المحدثون وغيرهم ممن ذهب إلى أن الكتاب والسنة في مرتبة سواء، أو أن السنة قاضية على الكتاب - فإنهم لم يأخذوا بمبدأ عرض الحديث على القرآن، بل هاجموه بشدة، ومنعوا أن يكون هناك حديث صحيح مخالف للقرآن ويعبر ابن حزم عن رأيهم فيقول: «لَا سَبِيلَ إِلَى وُجُودِ خَبَرٍ صَحِيحٍ مُخَالِفٍ لِلْقُرْآنِ أَصْلاً، وَكُلُّ خَبَرٍ شَرِيعَةٍ فَهُوَ إِمَّا مُضَافٌ إِلَى مَا فِي القُرْآنِ وَمَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَمُفَسِّرٌ لِجُمْلَتِهِ وَإِمَّا مُسْتَثْنَى مِنْهُ مُبَيِّنٌ لِجُمْلَتِهِ وَلَا سَبِيلَ إِلَى وَجْهٍ ثَالِثٍ» (٣).
وقد صنف الإمام أحمد بن حنبل كتابًا في طاعة رسول الله ﷺ رَدَّ فيه على من احتج بظاهر القرآن في معارضة السنن، وقد ذكر
стр. 202
وقد ذكر ابن القيم خطبة أحمد في هذا الكتاب (١).
وكما استدلت الفئة الأولى بحديث يفيد وجوب عرض السنة على القرآن، استدل المحدثون أيضًا بحديث يفيد عدم وجوب هذا العرض، فقد روى ابن ماجه عَنِ المِقْدَامِ بْنِ معْدِ يكَرِبَ الكِنْدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ».
ونقل السندي عن الخطابي أن في هذا الحديث تحذيرًا من مخالفة السنن التي ليس لها في القرآن ذكر، «عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الخَوَارِجُ وَالرَّوَافِضُ فَإِنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِظَاهِرِ القُرْآنِ وَتَرَكُوا التِي قَدْ ضُمِّنَتْ بَيَانَ الكِتَابِ فَتَحَيَّرُوا وَضَلُّوا. قَالَ: وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ حَاجَةَ بِالحَدِيثِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَى الكِتَابِ وَأَنَّهُ مَهْمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ حُجَّةً بِنَفْسِهِ» (٢).
وروى ابن ماجه أيضًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ» (٣).
أما الحديث الذي رواه من رأى وجوب عرض الحديث على القرآن،
стр. 203
فقد ضعفه المحدثون، بل حكموا عليه بالوضع، فنقل الخطابي عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: «هَذَا حَدِيثٌ وَضَعَهُ الزَّنَادِقَةُ» (١)، قَالَ فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: «الزَّنَادِقَةُ وَالخَوَارِجُ وَضَعُوا هَذَا الحَدِيثَ». «وَقَدْ عَارَضَ هَذَا الحَدِيثَ قَوْمٌ، فَقَالُوا: نَحْنُ نَعْرِضُهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ [قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَنَعْتَمِدُ عَلَى ذَلِكَ]، [قَالُوا]: فَلَمَّا عَرَضْنَاهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، [وَجَدْنَاهُ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ]، لأَنَّا لَمْ نَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ لَا نَقْبَلَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلاَّ مَا وَافَقَ [كِتَابَ اللَّهِ]، بَلْ وَجَدْنَا كِتَابَ اللَّهِ يُطْلِقُ التَّأَسِّيَ [بِهِ]، وَالأَمْرَ بِطَاعَتِهِ، وَيُحَذِّرُ مِنَ المُخَالَفَةِ عَنْ أَمْرِهِ جُمْلَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ» (٢).
وقد رأى المحدثون أن الاتجاه إلى عرض السنة على القرآن اتجاه خطير، يؤدي إلى القول بترك السنة أصلاً، والاقتصار على الكتاب. وهذا رأي [قَوْمٍ] لا خلاق لهم من الدين خارجين على إجماع المسلمين، وقد أشار الخطابي آنفًا إلى أن هذا هو رأي الخوارج والروافض، ويقرر ابن القيم رأي المحدثين في مناصرته لرأي الإمام أحمد، فيقول: «وَلَوْ سَاغَ رَدُّ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا فَهِمَهُ الرَّجُلُ مِنْ ظَاهِرِ الكِتَابِ لَرُدَّتْ بِذَلِكَ أَكْثَرُ السُّنَنِ، وَبَطَلَتْ بِالْكُلِّيَّةِ. فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ تُخَالِفُ مَذَاهِبَهُ وَنِحْلَتَهُ إلاَّ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَتَشَبَّثَ بِعُمُومِ آيَةٍ أَوْ إطْلاَقِهَا، وَيَقُولُ: هَذِهِ السُّنَّةُ مُخَالِفَةٌ لِهَذَا الْعُمُومِ وَالإِطْلاَقِ فَلاَ تُقْبَلُ» (٣) (*).
ولعل الخوارج والروافض وغيرهما من الفرق التي عاصرت هذا الخلاف هي التي أدت إلى احتدامه، وحالت دون لقائهما حول معنى
стр. 204
قريب. بالإضافة إلى فقهاء أهل الرأي قد أدخلوا في مفهوم عرض الحديث على الكتاب ما عرف بمسألة الزيادة على النص - التي سنعرض لها في النقطة التالية - حين ردوا أحاديث لمجرد أنها أتت بأحكام زائدة على القرآن، وإلا فإن فكرة عرض الحديث على الكتاب فكرة سليمة لا غبار عليها. والقول بها ليس بدعة ولا حدثًا في الدين. فقد رأينا في فصل سابق أنها كانت موجودة في عصر الصحابة. استعملها من أكثر الرواية منهم ومن لم يكثر، ولكنهم في الواقع لم يستعملوها على أنها مبدأ ملتزم به، بل على أنها حكم عند التنازع، وأصل يرجع إليه عند الاختلاف أو الشك في صحة بعض الأحاديث.
وَلِذَا رَأَى السِّنْدِيُّ أن العرض المذموم هو الذي يقصد منه رد الحديث بمجرد أنه ذكر فيه ما ليس في الكتاب «وَإِلاَّ فَالعَرْضُ لِقَصْدِ الفَهْمِ وَالجَمْعِ وَالتَّثَبُّتِ لاَزِمٌ» (١).
يقول الأستاذ الشيخ أبو زهرة: «وَمِنْ هُنَا تَرَى أَنَّ فُقَهَاءَ الرَّأْيِ الذِينَ لَا يَقْبَلُونَ الأَحَادِيثَ إِلَّا بَعْدَ عَرْضِهَا عَلَى المُحْكَمِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ - قَدْ اعْتَمَدُوا فِي مَنْهَجِهِمْ عَلَى الصَّحَابَةِ، أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَائِشَةَ وَغَيْرَهُمْ - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - وَحَاكُوهُمْ فِي مَنَاهِجِهِمْ، وَلَمْ يُبَاعِدُوا عَنْ سَمْتِهِمْ، فَمَا كَانُوا مُبْتَدِعِينَ، وَلَكِنْ كَانُوا مُتَّبِعِينَ» (٢).
ومما يدل على أن الفكرة في حد ذاتها فكرة [سليمة] وأن الاختلاف فيها نشأ بسبب الظروف المحيطة بها والاختلاف في مفهومها - أن المحدثين أنفسهم لم يغفلوها بل راعوها، وجعلوها من أسس نقد الحديث، جعلوا مناقضة الحديث لصريح القرآن من علامات الوضع في المتن (٣).
стр. 205
ولذلك علق الشاطبي على حديث عرض السنة على القرآن، وهوالذي رفضه المحدثون، بأن معناه صحيح، صَحَّ سَنَدُهُ أَوْ لَا، واحتج لذلك ببعض ما رواه الطحاوي في هذا المعنى، ثم قال: «وَالحَاصِلُ مِنَ الجَمِيعِ صِحَّةُ اعْتِبَارِ الحَدِيثِ بِمُوَافَقَةِ القُرْآنِ وَعَدَمِ مُخَالَفَتِهِ، وَهُوَ المَطْلُوبُ عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ هَذِهِ المَنْقُولاَتِ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ تَصِحَّ، فَلاَ عَلَيْنَا إِذْ المَعْنَى المَقْصُودُ صَحِيحٌ» (١).
٣ - وُرُودِ السُنَّةِ بِحُكْمٍ زَائِدٍ عَلَى مَا فِي القُرْآنِ:
والخلاف في هذا الموضوع مبني على اختلاف الاتجاهات في مكانة السنة بالسنة للقرآن، أما غيرهم فلم يمنع ذلك.
وقد أشرنا في موضوع عرض السنة على القرآن إلى أن القائلين به كانوا يقصدون منه أحيانًا رَدَّ السُّنَنِ التي تأتي بحكم زائد على ما في القرآن فخلطوا أحد الموضوعين بالآخر. وقد آثرنا أن نعالجهما كموضوعين مستقلين، على أن يخص موضوع العرض بمخالفة الحديث لصريح القرآن فيكون حينئذٍ أحد عناصر نقد متن الحديث، بخلاف موضوع الزيادة.
ونتناول الآن الموضوع بشيء من التفصيل فنقول:
قَسَّمَ الإمام الشافعي ﵁ البيان الملزم للناس إلى أقسام:
فمنه ما أبانه لخلقه نصًا، مثل جمل فرائضه في أن عليهم صلاة وزكاة وصومًا وَحَجًّا.
стр. 206
ومنه ما أحكم فرضه بكتابه، وَبَيَّنَ كيف هو على لسان نبيه، مثل عدد الصلاة والزكاة ووقتها.
ومنه ما «سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ نَصُّ حُكْمٍ، وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ طَاعَةَ رَسُولِهِ ﷺ ، وَالانْتِهَاءِ إِلَى حُكْمِهِ، فَمَنْ قَبِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فبِفَرْضِ اللَّهِ قَبِل.
وَمِنْهُ مَا فَرَضَ اللهُ عَلَى خَلْقِهِ الاجْتِهَادَ فِي طَلَبِهِ، وَابْتَلَى طَاعَتَهُمْ فِي الاجْتِهَادِ، كَمَا ابْتَلَى طَاعَتَهُمْ فِي غَيْرِهِ» (١).
ويشير الشافعي فيما تقدم إلى أن السنة قد تكون مُبَيِّنَةً لِلْكِتَابِ، وقد تأتي بحكم جديد سكت عنه الكتاب. ويؤكد الشافعي هذا القسم الثاني للسنة، ويحتج له، فيقول: «وَمِنْهَا: مَا بَيَّنَهُ عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ بِلَا نَصِّ كِتَابٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا بَيَانٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ قَبِلَ عَنْ اللَّهِ فَرَائِضَهُ فِي كِتَابِهِ - قَبِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ سُنَنَهُ بِفَرْضِ اللَّهِ طَاعَةَ رَسُولِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَأَنْ يَنْتَهُوا إِلَى حُكْمِهِ، وَمَنْ قَبِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَمِنَ اللَّهِ قَبِلَ لِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ مِنْ طَاعَتِهِ ...» (٢).
وبتفصيل أكثر، ومزيد من البيان للآراء حول هذا الموضوع، يقول في موضع ثالث: «فَلَمْ أَعْلَمْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ [مُخَالِفًا] فِي أَنَّ سُنَنَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ، فَاجْتَمَعُوا مِنْهَا عَلَى [وَجْهَيْنِ].
وَالوَجْهَانِ يَجْتَمِعَانِ وَيَتَفَرَّعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ نَصَّ كِتَابٍ، فبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلَ مَا نَصَّ الكِتَابُ.
وَالآخَرُ: مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ جُمْلَةَ كِتَابٍ، فَبَيَّنَ عَنْ اللَّهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ، وَهَذَانِ الوَجْهَانِ اللَّذَانِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِمَا.
стр. 207
وَالوَجْهُ الثَّالِثُ: مَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَعَلَ اللهُ [لَهُ]، بِمَا افْتَرَضَ مِنْ طَاعَتِهِ، وَسَبَقَ فِي عِلْمِهِ مِنْ تَوْفِيقِهِ لِرِضَاهُ، أَنْ يَسُنَّ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمْ يَسُنَّ سُنَّةً قَطُّ إِلَّا وَلَهَا أَصْلٌ فِي الكِتَابِ، كَمَا كَانَتْ سُنَّتُهُ لِتَبْيِينِ عَدَدِ الصَّلَاةِ وَعَمَلِهَا، عَلَى أَصْلِ جُمْلَةِ فَرْضِ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ مَا سَنَّ مِنَ البُيُوعِ وَغَيْرِهَا مِنَ الشَّرَائِعِ، لِأَنَّ اللهَ قَالَ: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، وَقَالَ: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فَمَا أَحَلَّ وَحَرَّمَ فَإِنَّمَا بَيَّنَ فِيهِ عَنْ اللهِ، كَمَا بَيَّن الصَّلَاةَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ جَاءَتْهُ [بِهِ] رِسَالَةُ اللهِ، فَأَثْبَتَتْ سُنَّتَهُ بِفَرْضِ اللهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أُلْقِيَ فِي رُوعِهِ كُلُّ مَا سَنَّ، وَسُنَّتُهُ الحِكْمَةُ: الذِي أُلْقِيَ فِي رُوعِهِ عَنْ اللهِ، فَكَانَ مَا أُلْقِيَ فِي رُوعِهِ سُنَّتُهُ.
... ، وَهِيَ الحِكْمَةُ التِي ذكَرَ اللهُ، وَمَا نَزَلَ بِهِ عَلَيْهِ كِتَابٌ، فَهُوَ كِتَابُ اللهِ، وَكُلٌّ جَاءَهُ مِنْ نِعَمِ اللهِ، كَمَا أَرَادَ اللهُ، وَكَمَا جَاءَتْهُ النِّعَمُ، تَجْمَعُهَا النِّعْمَةُ، وَتَتَفَرَّقُ بِأَنَّهَا فِي أُمُورٍ بَعْضُهَا غَيْرُ بَعْضٍ، وَنَسْأَلُ اللهَ العِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ.
وَأَيُّ هَذَا كَانَ، فَقَدْ بَيَّنَ اللهُ أَنَّهُ فرَضَ فِيهِ طَاعَةُ رَسُولِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ عُذْرًا بِخِلَافِ أَمْرٍ عَرَفَهُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ» (١).
ومن هذا القول عن الإمام الشافعي نجده قد قسم السنة بالنسبة لما جاء في القرآن إلى ثلاثة أقسام:
[أ] القسم الأول: أن تكون السنة موافقة للقرآن من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها، كالأحاديث الدالة على وجوب الصلاة والزكاة وغيرهما مما صرح به القرآن.
стр. 208
[ب] القسم الثاني: أن تكون السنة بيانًا لما أريد بالقرآن وتفسيرًا له، إما بتفصيل مجمله، كبيان عدد الصلوات ومواقيتها وأركانها، ومقادير الزكاة وغير ذلك مما أجمله القرآن وتولت السنة تفصيله، وإما بتقييد مطلقه، كتقييد السنة لقطع يد السارق بأن يكون من الرسغ، وكتقييد السنة للوصية في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] بألا تزيد على الثلث. وإما بتخصيص عامه، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فخصصت السنة هذا العموم بقوله ﷺ : «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ»، وقوله: «لَا تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا».
وهذان القسمان محل اتفاق بين المحتجين بالسنة، كما قال الشافعي، وإن كان هناك خلاف في التفصيل مثل تخصيص خبر الواحد لعام القرآن حيث خالف الحنفية في جوازه، وقصروا تخصيصه على السنة المتواترة والمشهورة.
[ج] القسم الثالث: أن تكون السنة موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه، أو محرمة لما سكت عن تحريمه. وهذا هو القسم المختلف فيه (١).
ويبدو أن الخلاف حول هذا الموضوع قد بدأ منذ عصر الصحابة، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدُ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونَنَا بِأَحَادِيثَ مَا نَجِدُ لَهَا أَصْلاً فِي القُرْآنِ. فَغَضِبَ عِمْرَانُ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ: «أَوَجَدْتُمْ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، وَمِنْ كُلِّ كَذَا وَكَذَا شَاةً شَاةٌ، وَمِنْ كُلِّ كَذَا وَكَذَا بَعِيرًا كَذَا وَكَذَا، أَوَجَدْتُمْ هَذَا فِي القُرْآنِ؟» قَالَ: لاَ، قَالَ: «فَعَنْ مَنْ أَخَذْتُمْ هَذَا؟ أَخَذْتُمُوهُ عَنَّا، وَأَخَذْنَاهُ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ
стр. 209
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ نَحْوَ هَذَا» (١).
وقد ذهب المحدثون إلى أن السنة قد تأتي بأحكام لا توجد في القرآن، إذ كل منهما أصل تفترض طاعته، ولا مانع من أن تأتي في أحدهما ما لم يأت في الآخر، فقد ترك الكتاب موضعًا للسنة، وتركت السنة موضعًا للكتاب، فما كان من السنة زائدًا على ما في القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته «وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَلاَّهُ مَنْصِبَ التَّشْرِيعِ عَنْهُ ابْتِدَاءً، كَمَا وَلاَّهُ مَنْصِبَ البَيَانِ لِمَا أَرَادَهُ بِكَلاَمِهِ» (٢). وليس هذا تقديمًا لها على الكتاب، بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله. ولو كان رسول الله ﷺ لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به. «بَلْ أَحْكَامُ السُّنَّةِ التِي لَيْسَتْ فِي القُرْآنِ إنْ لَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ مِنْهَا لَمْ تَنْقُصْ عَنْهَا. فَلَوْ سَاغَ لَنَا رَدُّ كُلِّ سُنَّةٍ زَائِدَةٍ كَانَتْ عَلَى نَصِّ القُرْآنِ لَبَطَلَتْ سُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهَا إلاَّ سُنَّةً دَلَّ عَلَيْهَا القُرْآنُ» (٣).
واستدل المحدثون على رأيهم في جواز وُرُودِ السُّنَّةِ بِالزِّيَادَةِ، ووقوعها فعلاً ووجوب قبولها بما يأتي:
[أ] بالآيات القرآنية التي أوجبت طاعة الرسول وحذرت من مخالفة أمره. وقد حشد الإمام أحمد كثيرًا من الآيات في مقدمة كتابه، الذي رد فيه على من عارض السنن بظاهر القرآن. وقد ذكر ابن القيم طرفًا منه في " إعلام الموقعين " (٤). فمن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا
стр. 210
اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ...﴾ (١) الآية. والرد إلى الله هو الرد إلى الكتاب والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته بعد موته. وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ (٢). وغيرها من الآيات التي اقترنت فيها طاعة الرسول بطاعة الله - إنما تدل على أن طاعة الله هي امتثال ما أمر به ونهى عنه في كتابه. وطاعة الرسول ﷺ هي امتثال ما أمر به ونهى عنه مما ليس في القرآن، إذ لو كان في القرآن لكان من طاعة الله. وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤). وذلك يدل على أن الرسول اختص بشيء يطاع فيه، وأن كل ما أمر به ونهى عنه فهو لاحق في الحكم بما جاء في القرآن، فلا بد أن يكون زائدًا عليه.
[ب] واستدلوا ثانيًا بما روي من الأحاديث التي تحذر من ترك السنة والاقتصار على الكتاب، مما ذكرناه قبل ذلك من حديث المقدام بن معد يكرب الكندي، وحديث عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه، وهي تدل دلالة واضحة على أن في السنة ما ليس في الكتاب.
[ج] دل التتبع والاستقراء على أن في السنة أشياء لا تحصى كثرة وهي غير منصوص عليها في القرآن كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها،
стр. 211
وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع، وعدم قتل المسلم بالكافر، وجواز الرهن في الحضر وغير ذلك (١).
أما الذين يقدمون الكتاب على السنة من حيث الاعتبار ومن حيث الاستنباط، ويوجبون تبعًا لذلك عرض أخبار الآحاد على الكتاب (٢) فإنهم يرون أن السنة لا تأتي بحكم ليس له في القرآن أصل، فكل ما جاءت به السنة فإن معناه راجع إلى الكتاب، لأنها بيان له. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣)، فلا تجد السنة أمرًا إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية.
واستدلوا لمذهبهم:
[أ] بالآيات التي تدل على ذلك، من قوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤)، فيلزم أن تكون السنة حاصلة فيه في الجملة، ومثله قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٥)، وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٦)، وهو يريد بها إنزال القرآن. فالسنة إذن بيان لما فيه، وذلك معنى كونها راجعة إليه، وقد فسرت السيدة عائشة ﵂ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٧) بِـ «أَنَّ خُلُقَهُ القُرْآنُ» واقتصرت في بيان خلقه على ذلك، وهذا يدل على أن قوله ﷺ وفعله وتقريره راجع إلى القرآن، لأن الخلق محصور في هذه الأشياء.
стр. 212
[ب] كما استدلوا بالأحاديث التي تدل على أن الرسول ﷺ ملتزم بالقرآن في تشريعه، فقد روى ابن حزم بسنده عن مالك «لَا يُمْسِكُ النَّاسُ عَلَيَّ شَيْئًا، لَا أُحِلُّ إِلاَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلَا أُحَرِّمُ إِلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» (١).
وروى أيضًا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ ابْنَ عُمَيْرٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ إَلَى جَانِبِ الحَجَرِ، فَحَذَّرَ الْفِتَنَ، وَقَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ لَا يُمْسِكُ النَّاسُ عَلَيَّ بِشَيْءٍ، إِنِّي لَا أُحِلُّ إِلاَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلاَ أُحَرِّمُ إِلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» (٢).
وقد جاء عن عائشة مثل ذلك، حيث قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُمْسِكُوا عَنِّي شَيْئًا، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ إِلاَّ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَلا أُحَرِّمُ إِلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» (٣).
ثم ردوا الحجج التي استدل بها المخالفون، وَبَيَّنُوا أنها لا تدل على أن السنة تأتي بحكم زائد: أما بالنسبة للآيات التي تدل على طاعة الله وطاعة رسوله فلا يلزم من إفراد الطاعتين تباين المطاع فيه بإطلاق، وإذا لم يلزم ذلك لم يكن في الآيات دليل على أن ما في السنة ليس في الكتاب، بل قد يجتمعان في المعنى، ويقع العصيانان والطاعتان من جهتين، فإذا بنينا على أن السنة بيان للكتاب، فلا بد أن تكون بيانًا لما فيه احتمال، فتبين السنة أحد الاحتمالين أو
стр. 213
الاحتمالات، فإذا عمل المكلف على وفق البيان، أطاع الله فيما أراد بكلامه، وأطاع الله في مقتضى بيانه، ولو عمل على مخالفة البيان عصى الله تعالى، إذا صار عمله على خلاف ما أراد بكلامه، وعصى رسوله في مقتضى بيانه، فزيادة السنة هنا هي كزيادة الشرح على المشروح.
أما الأحاديث التي استدل بها المحدثون فإنها لا تتناول موضوع الخلاف، لأنها إنما جاءت فيمن يطرح السنة، معتمدًا على رأيه في فهم القرآن، ولم نقل بهذا.
وأما قولهم إن الاستقراء قد دل على أن هناك سُنَنًا كثيرة أثبتت أحكامًا زائدة على ما في القرآن - فقد أمكن رد هذه الأحكام إلى أصولها في الكتاب، لأنها إما تفريع للكتاب وبيان لما فيه، بتفصيل مجمله أو تقييد مطلقه أو تخصيص عامه، فإن جاءت بغير ذلك فالمقصود منها إما إلحاق فرع بأصله الذي خفي إلحاقه به، وإما إلحاقه بأحد أصلين واضحين يتجاذبانه:
فمن الأول ما ورد في السنة من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها فإنه في الحقيقة قياس على ما نص [عليه من] تحريم الجمع بين الأختين، ولذلك تعرض الحديث لبيان المصلحة المترتبة على الحكم، إذ قال ﷺ : «فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ».
ومن الثاني أن الله تعالى أحل الطيبات وحرم الخبائث، فمن الأشياء ما اتضح إلحاقه بأحد الأصلين، ومنها ما اشتبه، كالحمر الأهلية وذي الناب والمخلب، فنصت السنة على ما يرفع الشبهة، ويرجح أحد الجانبين المشتبهين، بالنهي عن أكل الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي
стр. 214
مخلب من الطير وإباحة أكل الضب والأرنب وما شابههما (١).
وإذا نظرنا إلى هذا الخلاف حول وُرُودِ السُّنَّةِ بحكم زائد على القرآن، وجدناه لا يخلو من أن يكون حول مهمة الرسول ﷺ ، ومدى سلطته في التشريع، أو أن يكون حول السنة باعتبارها مجموعة من الأخبار المروية.
فإن كان الخلاف حول مهمة الرسول، وهل من سلطته أن يأتي بحكم زائد على ما في القرآن - فإنه حينئذٍ خلاف نظري لفظي، لا يترتب عليه شيء عملي، إذ أن الإجابة على ما سبق سواء أكانت بالإيجاب أم بالنفي، فإنها تلتقي حول وجوب الأخذ بما قاله الرسول ﷺ وفرض طاعته فيه. ولا يضير بعد ذلك أن يقال إن ما قرره الرسول ليس له أصل في القرآن فإن النتيجة واحدة هي وجوب الأخذ والطاعة. ولنضرب لهذا مثلاً من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها: فالقائل بأنه تشريع مبتدأ ليس في القرآن يأخذ به، لأن للرسول حق التشريع المبتدأ، وطاعته فيه واجبة، والقائل بأن الرسول ﷺ لا يأتي بما ليس في القرآن، يأخذ هو أيضًا بهذا التحريم، لأن الرسول ألحق أحدهما بأصل في القرآن، وطاعة الرسول في ذلك واجبة.
ولكن هذا الخلاف يتجاوز حدود اللفظ إن كان موضوعه السنة المروية لنا، حيث تعتبر الزيادة على القرآن حينئذٍ - عند من يقول بها - من طرق نقد متن الحديث فَيَرُدُّ بها خبر الآحاد، وهذه المسألة هي المشهور عند الأحناف بمسألة الزيادة على النص، ويعنون بها تقييد المطلق (٢)،
стр. 215
فلا يجوز عندهم تقييد مطلق الكتاب بخبر الآحاد. وقد نصحهم السِّنْدِيُّ بأن يبحثوا عن اسم آخر لهذه المسألة غير الزيادة على النص، لأنها حينئذٍ - من حيث الصورة - تدخل في نطاق ذم رسول الله ﷺ لمن يترك مقتصرًا على ظاهر الكتاب، وذلك في تعليقه على حديث [ابن] بريدة السابق حيث قال: «وَقَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الأُصُولِ: لاَ يَجُوزُ [الزِّيَادَةُ] عَلَى الكِتَابِ [بِخَبَرٍ] فِي الصُّورَةِ، أَشْبَهُ شَيْءٍ بِهَذَا المَنْهِيِّ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ لاَ يَجُوزُ تَقْيِيدُ إِطْلاَقِ الكِتَابِ بِخَبَرِ الآحَادِ فَالاِحْتِرَازُ عَنْ إِطْلاَقِ ذَلِكَ اللَّفْظِ أَحْسَنُ وَأَوْلَى» (١).
والأحناف يقسمون السنن التي أتت بزيادة على ما في القرآن ثلاثة أقسام:
أ - أن تكون الزيادة التي أتت بها السنة من قبيل البيان للقرآن.
ب - أن تكون الزيادة التي أتت بها السنة منشئة لحكم لم يتعرض له القرآن.
وهذان القسمان لا نزاع فيهما، بل هما حُجَّةٌ باتفاق.
ج - أن تكون السنة مغيرة لحكم تعرض له القرآن. وهذا هو محل النزاع.
وقد ذهب أبو الحسن الكرخي، وجماعة كثيرة من أصحاب أبي حنيفة إلى أن الزيادة المغيرة نسخ وهو المُسَمَّى عندهم بالنسخ بالزيادة، كزيادة جزء في الواجب، مثل التغريب في حد الزنا، أو زيادة شرط بعد إطلاق الواجب عنه، كاشتراط الإيمان في رقبة اليمين (٢). ويحث