وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع، وعدم قتل المسلم بالكافر، وجواز الرهن في الحضر وغير ذلك (١).
أما الذين يقدمون الكتاب على السنة من حيث الاعتبار ومن حيث الاستنباط، ويوجبون تبعًا لذلك عرض أخبار الآحاد على الكتاب (٢) فإنهم يرون أن السنة لا تأتي بحكم ليس له في القرآن أصل، فكل ما جاءت به السنة فإن معناه راجع إلى الكتاب، لأنها بيان له. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣)، فلا تجد السنة أمرًا إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية.
واستدلوا لمذهبهم:
[أ] بالآيات التي تدل على ذلك، من قوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤)، فيلزم أن تكون السنة حاصلة فيه في الجملة، ومثله قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٥)، وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٦)، وهو يريد بها إنزال القرآن. فالسنة إذن بيان لما فيه، وذلك معنى كونها راجعة إليه، وقد فسرت السيدة عائشة ﵂ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٧) بِـ «أَنَّ خُلُقَهُ القُرْآنُ» واقتصرت في بيان خلقه على ذلك، وهذا يدل على أن قوله ﷺ وفعله وتقريره راجع إلى القرآن، لأن الخلق محصور في هذه الأشياء.
стр. 212
[ب] كما استدلوا بالأحاديث التي تدل على أن الرسول ﷺ ملتزم بالقرآن في تشريعه، فقد روى ابن حزم بسنده عن مالك «لَا يُمْسِكُ النَّاسُ عَلَيَّ شَيْئًا، لَا أُحِلُّ إِلاَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلَا أُحَرِّمُ إِلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» (١).
وروى أيضًا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ ابْنَ عُمَيْرٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ إَلَى جَانِبِ الحَجَرِ، فَحَذَّرَ الْفِتَنَ، وَقَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ لَا يُمْسِكُ النَّاسُ عَلَيَّ بِشَيْءٍ، إِنِّي لَا أُحِلُّ إِلاَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلاَ أُحَرِّمُ إِلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» (٢).
وقد جاء عن عائشة مثل ذلك، حيث قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُمْسِكُوا عَنِّي شَيْئًا، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ إِلاَّ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَلا أُحَرِّمُ إِلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» (٣).
ثم ردوا الحجج التي استدل بها المخالفون، وَبَيَّنُوا أنها لا تدل على أن السنة تأتي بحكم زائد: أما بالنسبة للآيات التي تدل على طاعة الله وطاعة رسوله فلا يلزم من إفراد الطاعتين تباين المطاع فيه بإطلاق، وإذا لم يلزم ذلك لم يكن في الآيات دليل على أن ما في السنة ليس في الكتاب، بل قد يجتمعان في المعنى، ويقع العصيانان والطاعتان من جهتين، فإذا بنينا على أن السنة بيان للكتاب، فلا بد أن تكون بيانًا لما فيه احتمال، فتبين السنة أحد الاحتمالين أو
стр. 213
الاحتمالات، فإذا عمل المكلف على وفق البيان، أطاع الله فيما أراد بكلامه، وأطاع الله في مقتضى بيانه، ولو عمل على مخالفة البيان عصى الله تعالى، إذا صار عمله على خلاف ما أراد بكلامه، وعصى رسوله في مقتضى بيانه، فزيادة السنة هنا هي كزيادة الشرح على المشروح.
أما الأحاديث التي استدل بها المحدثون فإنها لا تتناول موضوع الخلاف، لأنها إنما جاءت فيمن يطرح السنة، معتمدًا على رأيه في فهم القرآن، ولم نقل بهذا.
وأما قولهم إن الاستقراء قد دل على أن هناك سُنَنًا كثيرة أثبتت أحكامًا زائدة على ما في القرآن - فقد أمكن رد هذه الأحكام إلى أصولها في الكتاب، لأنها إما تفريع للكتاب وبيان لما فيه، بتفصيل مجمله أو تقييد مطلقه أو تخصيص عامه، فإن جاءت بغير ذلك فالمقصود منها إما إلحاق فرع بأصله الذي خفي إلحاقه به، وإما إلحاقه بأحد أصلين واضحين يتجاذبانه:
فمن الأول ما ورد في السنة من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها فإنه في الحقيقة قياس على ما نص [عليه من] تحريم الجمع بين الأختين، ولذلك تعرض الحديث لبيان المصلحة المترتبة على الحكم، إذ قال ﷺ : «فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ».
ومن الثاني أن الله تعالى أحل الطيبات وحرم الخبائث، فمن الأشياء ما اتضح إلحاقه بأحد الأصلين، ومنها ما اشتبه، كالحمر الأهلية وذي الناب والمخلب، فنصت السنة على ما يرفع الشبهة، ويرجح أحد الجانبين المشتبهين، بالنهي عن أكل الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي
стр. 214
مخلب من الطير وإباحة أكل الضب والأرنب وما شابههما (١).
وإذا نظرنا إلى هذا الخلاف حول وُرُودِ السُّنَّةِ بحكم زائد على القرآن، وجدناه لا يخلو من أن يكون حول مهمة الرسول ﷺ ، ومدى سلطته في التشريع، أو أن يكون حول السنة باعتبارها مجموعة من الأخبار المروية.
فإن كان الخلاف حول مهمة الرسول، وهل من سلطته أن يأتي بحكم زائد على ما في القرآن - فإنه حينئذٍ خلاف نظري لفظي، لا يترتب عليه شيء عملي، إذ أن الإجابة على ما سبق سواء أكانت بالإيجاب أم بالنفي، فإنها تلتقي حول وجوب الأخذ بما قاله الرسول ﷺ وفرض طاعته فيه. ولا يضير بعد ذلك أن يقال إن ما قرره الرسول ليس له أصل في القرآن فإن النتيجة واحدة هي وجوب الأخذ والطاعة. ولنضرب لهذا مثلاً من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها: فالقائل بأنه تشريع مبتدأ ليس في القرآن يأخذ به، لأن للرسول حق التشريع المبتدأ، وطاعته فيه واجبة، والقائل بأن الرسول ﷺ لا يأتي بما ليس في القرآن، يأخذ هو أيضًا بهذا التحريم، لأن الرسول ألحق أحدهما بأصل في القرآن، وطاعة الرسول في ذلك واجبة.
ولكن هذا الخلاف يتجاوز حدود اللفظ إن كان موضوعه السنة المروية لنا، حيث تعتبر الزيادة على القرآن حينئذٍ - عند من يقول بها - من طرق نقد متن الحديث فَيَرُدُّ بها خبر الآحاد، وهذه المسألة هي المشهور عند الأحناف بمسألة الزيادة على النص، ويعنون بها تقييد المطلق (٢)،
стр. 215
فلا يجوز عندهم تقييد مطلق الكتاب بخبر الآحاد. وقد نصحهم السِّنْدِيُّ بأن يبحثوا عن اسم آخر لهذه المسألة غير الزيادة على النص، لأنها حينئذٍ - من حيث الصورة - تدخل في نطاق ذم رسول الله ﷺ لمن يترك مقتصرًا على ظاهر الكتاب، وذلك في تعليقه على حديث [ابن] بريدة السابق حيث قال: «وَقَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الأُصُولِ: لاَ يَجُوزُ [الزِّيَادَةُ] عَلَى الكِتَابِ [بِخَبَرٍ] فِي الصُّورَةِ، أَشْبَهُ شَيْءٍ بِهَذَا المَنْهِيِّ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ لاَ يَجُوزُ تَقْيِيدُ إِطْلاَقِ الكِتَابِ بِخَبَرِ الآحَادِ فَالاِحْتِرَازُ عَنْ إِطْلاَقِ ذَلِكَ اللَّفْظِ أَحْسَنُ وَأَوْلَى» (١).
والأحناف يقسمون السنن التي أتت بزيادة على ما في القرآن ثلاثة أقسام:
أ - أن تكون الزيادة التي أتت بها السنة من قبيل البيان للقرآن.
ب - أن تكون الزيادة التي أتت بها السنة منشئة لحكم لم يتعرض له القرآن.
وهذان القسمان لا نزاع فيهما، بل هما حُجَّةٌ باتفاق.
ج - أن تكون السنة مغيرة لحكم تعرض له القرآن. وهذا هو محل النزاع.
وقد ذهب أبو الحسن الكرخي، وجماعة كثيرة من أصحاب أبي حنيفة إلى أن الزيادة المغيرة نسخ وهو المُسَمَّى عندهم بالنسخ بالزيادة، كزيادة جزء في الواجب، مثل التغريب في حد الزنا، أو زيادة شرط بعد إطلاق الواجب عنه، كاشتراط الإيمان في رقبة اليمين (٢). ويحث
стр. 216
كانت الزيادة نسخًا، فيجب أن تكون سنة: متواترة أو مشهورة، إذ لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الآحاد.
أما أبو بكر الرازي الجصاص، فقد فرق بين الزيادة المقارنة للنص والمتأخرة عنه، فإن وردت الزيادة بعد استقرار حكم النص منفردة عنه كانت ناسخة، وإن وردت متصلة بالنص قبل استقرار حكمه لم تكن ناسخة وإن وردت ولا يعلم تاريخها، فإن كانت متواترة أو مشهورة، وشهدت الأصول من عمل السلف أو النظر على ثبوتهما مَعًا - أثبتناهما، وإن شهدت الأصول بالنص منفردًا عنها أثبتناه دونها، وإن لم يكن في الأصول دلالة على أحدهما فالواجب أن يحكم بورودهما مَعًا، ويكونان بمنزلة الخاص والعام إذا لم يعلم تاريخهما، ولم يكن في الأصول دلالة على وجوب القضاء بأحدهما على الآخر، فإنهما يستعملان معًا.
أما إن جاءت الزيادة من جهة أخبار الآحاد، فلا يجوز إلحاقها بالنص الثابت بالكتاب ولا العمل بها.
وإنما لم يقبل خبر الواحد بالزيادة على النص، لأن الزيادة لو كانت موجودة معه لنقلها إلينا من نقل النص، إذ غير جائز أن يكون المراد إثبات النص معقودًا بالزيادة، فيتقتصر النبي ﷺ على إبلاغ النص منفردًا عنها، فواجب إذن أن يذكرها معه، ولو ذكرها لنقلها إلينا من نقل النص. فإن كان النص مذكورًا في القرآن، والزيادة واردة من جهة السنة، فغير جائز أن يقتصر النبي ﷺ على تلاوة الحكم المنزل في القرآن دون أن يعقبها بذكر الزيادة، لأن حصول الفراغ من النص الذي يمكننا استعماله بنفسه يلزمنا اعتقاد مقتضاه من حكمه، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فإن كان الحد هو الجلد والتغريب فغير جائز أن يتلو النبي
стр. 217
- ﷺ الآية على الناس عارية من ذكر النفي عقبها، لأن سكوته عن ذكر الزيادة يلزمنا اعتقاد موجبها وأن الجلد هو كمال الحد، فلو كان معه تغريب لكان بعض الحد لا كماله، فإذا أخلى التلاوة من ذكر النفي عقيبها، فقد أراد منا اعتقاد أن الجلد المذكور في الآية هو تمام الحد وكماله، فغير جائز إلحاق الزيادة معه إلا على وجه النسخ، ولهذا كان قوله ﵇: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» - ناسخًا لحديث عُبادة بن الصامت: «... وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ»، وكذلك لما رجم ماعزًا ولم يجلده، كذلك يجب أن يكون قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ناسخًا لحكم التغريب في قوله: «البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ».
والمقصود أن هذه الزيادة لو كانت ثابتة مع النص لذكرها النبي ﷺ عقيب التلاوة، ولنقلها إلينا من نقل المزيد عليه، إذ غير جائز عليهم أن يعلموا أن الحد مجموع الأمرين، وينقلوا بعضه دون بعض، وقد سمعوا الرسول ﷺ يذكر الأمرين، فامتنع حينئذٍ العمل بالزيادة إلا من الجهة التي ورد منها الأصل، فإن وردت من جهة الآحاد: فإن كانت قبل النص فقد نسخها النص المطلق عاريًا من ذكرها، وإن كانت بعده فهذا يوجب نسخ الآية بخبر الواحد، وهو ممتنع. فإن كان المزيد عليه ثابتًا بخبر الواحد جاز إلحاق الزيادة بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخه به، فإن كانت واردة مع النص في خطاب واحد لم تكن نسخًا وكانت بيانًا (١).
ولم يوافق جمهور الفقهاء - ومنهم المحدثون - على ما ذهب إليه علماء الأحناف، من اعتبارهم الزيادة المغيرة نسخًا، بل الزيادة بجميع وجوهها
стр. 218
لا تخرج عن البيان بوجه من الوجوه، وتسميتها نسخًا اصطلاح من الأحناف لا يلزم غيرهم، فإنه لا مشاحة في الأسماء، فما يسمونه نسخًا، يسميه غيرهم تقييدًا، وهناك فروق جوهرية بين النسخ والتقييد، أهمها: «أَنَّ التَّعَارُضَ الذِي قَامَ عَلَيْهِ التَّقْيِيدُ، لَا يُعَدُّ تَعَارُضًا إِذَا قِيسَ بِالتَّعَارُضِ الذِي قَامَ عَلَيْهِ النَّسْخُ، إِنَّمَا شُيُوعٌ فِي النَّصِّ المُطْلَقِ يُضَيِّقُ دَائِرَتَهُ القَيْدُ الذِي جَاءَ فِي النَّصِّ المُقَيَّدِ، وَالحُكْمُ - بَعْدُ - بَاقٍ لَمْ يَرْتَفِعْ وَلَمْ يَنْتَهِ العَمَلُ بِهِ، وَمَا زَالَ النَّصُّ المُطْلَقُ دَلِيلاً عَلَى هَذَا الحُكْمِ، وَلَكِنْ مَعَ مُلَاحَظَةِ القَيْدِ الذِي جَاءَ فِي النَّصِّ المُقَيَّدِ» (١).
وقد رد ابن القيم على ما ذهب إليه الأحناف باثنين وخمسين وجهًا (٢)، تتلخص في وجوب طاعة الرسول ﷺ ، وفي إثبات أن الزيادة ليست نسخًا، ثم في إيراد أمثلة كثيرة لتناقض الأحناف حيث أخذوا ببعض الأحاديث، مع زيادتها على القرآن، وردوا بعضًا آخر منها بحجة الزيادة على القرآن، ويضيق بهذا التناقض قائلاً: «فَهَاتُوا لَنَا الفَرْقَ بَيْنَ مَا يُقْبَلُ مِنَ السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ، وَمَا رُدَّ مِنْهَا، فَإِمَّا أَنْ تَقْبَلُوهَا كُلَّهَا، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى القُرْآنِ» (٣).
هذه هي اتجاهات الأنظار حول ورود السنة بحكم زائد على ما في القرآن وقد رأينا أن الخلاف حول سلطة الرسول ﷺ لا يسعه إلا أن يذعن له، ويسلم به، دون توقف على شيء آخر، ﴿وَمَا كَانَ
стр. 219
لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا﴾ (١). ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢).
أما الخلاف فهو في الحقيقة محصور في النظر إلى السنة من حيث الرواية والثبوت، وهو ما سوغ للمجتهدين أن يخالفوا الحديث في بعض الأحيان، حين لا يطمئن قلبهم إلى صحته وسلامة طريقه، أو لمعارضته لما هو أقوى منه، وهذا هو ما قرره الإمام الشافعي ﵁ حين قال: «فَإِنْ شُبِّهَ عَلَى رَجُلٍ بِأَنْ يَقُولَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ حَدِيثُ كَذَا، وَحَدِيثُ كَذَا، وَكَانَ فُلَانٌ يَقُولُ قَوْلاً يُخَالِفُ ذَلِكَ الحَدِيثِ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدِي [عَنْ] عَالِمٍ أَنْ يُثْبِتَ خَبَرَ وَاحِدٍ كَثِيرًا، وَيُحِلُّ بِهِ، وَيُحَرِّمُ، وَيُردَّ مِثْلَهُ: إِلَّا مِنْ جِهَةِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ حَدِيثٌ يُخَالِفُهُ، أَوْ يَكُونَ مَا سَمِعَ وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ أَوْثَقَ عِنْدَهُ مِمَّنْ حَدَّثَهُ خِلَافَهُ، أَوْ يَكُونَ مَنْ حَدَّثَهُ لَيْسَ بِحَافِظٍ، أَوْ يَكُونَ مُتَّهَمًا عِنْدَهُ، أَوْ يَتَّهِمَ مَنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ حَدَّثَهُ، أَوْ يَكُونُ الحَدِيثُ مُحْتَمِلاً مَعْنَيَيْنِ، فَيَتَأَوَّلُ فَيَذْهَبُ إِلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ.
فَأَمَّا أَنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ فَقِيهًا عَاقِلاً يُثْبِتُ سُنَّةً بِخَبَرٍ وَاحِدٍ مَرَّةً وَمِرَارًا، ثُمَّ يَدَعُهَا بِخَبَرٍ مِثْلِهِ وَأَوْثَقَ، بِلاَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الوُجُوهِ التِي تُشَبَّهُ بِالتَّأْوِيلِ، كَمَا شُبِّهَ عَلَى المُتَأَوِّلِينَ فِي القُرْآنِ، وَتُهْمَةِ المُخْبِرِ، أَوْ عِلْمٍ بِخَبَرٍ خِلَافِهِ، فَلَا يَجُوزُ إِنْ شَاءَ اللَهُ» (٣).
وتجدر الإشارة هنا إلى أن أخبار الآحاد بزيادة على ما في
стр. 220
القرآن لا تعتبر كلها ضعيفة في رأي الأحناف، وليس كلها مهملاً، بل هم يمنعون أساسًا أن تفيد هذه الأحاديث الإلزام بالفعل أو الترك على وجه الفرضية، وهذا لا يمنع من أن يعمل بها في بعض الأحيان على جهة أخرى غير الفرضية:
فحد الزنى لغير المحصن هو الجلد، كما جاء في القرآن، وقد جاءت السنة بزيادة النفي أو التغريب على الجلد، وليست هذه الزيادة مفيدة للإلزام عند الأحناف، فلا يفترض على ولي الأمر أن يأخذ بها، ولا مانع من أن يأخذ بها على وجه السياسة في بعض الظروف لبعض الأشخاص (١).
وقراءة ما تيسر من القرآن في الصلاة فرض بنص القرآن ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وهو يفيد صحة الصلاة بقراءة أي جزء منه، فاتحة أو غيرها، وقد جاء في الحديث أن الصلاة لا تصح بدون قراءة الفاتحة، وهذا نسخ لإطلاق الآية، وهو لا يجوز بخبر الآحاد، لأن الكتاب قطعي الثبوت، وهم مع ذلك لا يهملون هذا الخبر، إذ يثبتون بالقرآن فرض قراءة ما تيسر ويثبتون بالخبر وجوب قراءة الفاتحة، فيفرقون بين الفرض والواجب: فالأول ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه، والثاني ما يثبت بدليل ظني فيه شبهة، وهو متأخر عن الأول في الرتبة. ولا شك أن هذه التفرقة نتيجة اتجاههم في تقديم الكتاب على السنة.
ويقال مثل ذلك فيما أثبته القرآن من الأمر بالركوع والسجود المطلقين، مع ما جاءت به السنة من تعديل الأركان والاطمئنان في الركوع والسجود (٢).
стр. 221
وقد ذهب الأحناف إلى استحباب النية في الوضوء، وكذا الترتيب والموالاة والتسمية وتخليل الأصابع، ولم يقولوا بأن شيئًا من ذلك فرض أو واجب لأن الأخبار فيها زائدة على آية الوضوء التي تدل على إجزاء غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس مطلقًا عن النية وغيرها. فلو زيد أحد هذه الأشياء لزم انتساخ القاطع بخبر الواحد (١).
فإذا لم يكن هناك مجال للعمل بالخبر الزائد على وجه من الوجوه السابقة لم يعملوا به، كحديث القضاء بالشاهد واليمين. وهو مروي عن أبي هريرة، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ورواه مالك مرسلاً عن جعفر بن محمد عن أبيه. وفي بعض هذه الروايات أن ذلك في الأموال الخاصة.
وقد سلك الأحناف في تضعيف هذه الروايات مسالك: بينوا في بعضها ضعف الإسناد، وبينوا في بعضها الآخر أن المروي عنه أنكر هذا الحديث فَقَدْ أَنْكَرَ سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ أَنْ يَكُونَ حَدَّثَ بِهِ عَنْ رَبِيعَةَ. وكان بعد ذلك يقول في روايته لهذا الحديث: «أَخْبَرَنِي بِهِ رَبِيعَةُ عَنِّي، وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ، أَنِّي حَدَّثْتُهُ إِيَّاهُ وَلاَ أَحْفَظُهُ». وأصبحت هذه المسألة إحدى مسائل الأصول التي يدور حولها الجدل (٢).
والذي يهمنا الآن هو مسلك الأحناف في تضعيف هذا الحديث على فرض صحة إسناده، حيث قالوا إنه حتى لو ورد من طريق مستقيمة، لما جاز الاعتراض به على نص القرآن، إذ غير جائز نسخ القرآن بأخبار الآحاد، لأن المفهوم من الآية حظر قبول أقل من شاهدين أو رجل وامرأتين، وفي استعمال هذا الخبر ترك موجب الآية، والأولى حمل الخبر
стр. 222
على أنه منسوخ «وَإِذَا كَانَ خَبَرُ الشَّاهِدِ وَاليَمِينِ مُحْتَمِلاً لِمَا وَصَفْنَا، وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ وَأَنْ لاَ يُزَالَ بِهِ حُكْمٌ ثَابِتٌ مِنْ جِهَةِ نَصِّ القُرْآنِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : " مَا أَتَاكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ مِنِّي، وَمَا خَالَفَهُ فَلَيْسَ مِنِّي "» (١).
وقد ذهب المحدثون (٢) - حاشا البخاري - إلى الأخذ بحديث الشاهد واليمين، وسبقهم إلى الأخذ به مالك والشافعي وفقهاء المدينة، ولم يأخذ به زيد بن علي والزهري والنخعي، وأبو حنيفة وأصحابه.
أما البخاري فلم يأخذ بهذا الحديث، ولم يروه في " صحيحه "، بل روى ما يدل على أنه غير صحيح، يستنبط ذلك من قوله: (بَابٌ اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الأَمْوَالِ وَالحُدُودِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» وَقَالَ قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ، كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ المُدَّعِي، فَقُلْتُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قُلْتُ: «إِذَا كَانَ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ المُدَّعِي، فَمَا تَحْتَاجُ أَنْ تُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى مَا كَانَ يَصْنَعُ بِذِكْرِ هَذِهِ الأُخْرَى؟»).
وقد روى البخاري في هذا الباب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِاليَمِينِ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ»، كما روى أيضًا قول النَّبِيُّ ﷺ لأحدد الخصمين المترافعين إليه: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» (٣).
стр. 223
فقوله في الترجمة إن اليمين على المدعى عليه، لا فرق بين الأموال والحدود يشير إلى رده على الذين قالوا إن يمين المدعي تقبل في الحقوق والأموال، وروايته مناقشة ابن شبرمة لأبي الزناد، واحتجاجه عليه بالآية التي اشترطت العدد في الشهود لنفي أسباب التهمة والنسيان، وأن في مضمونها ما ينفي قبول يمين الطالب والحكم له بشاهد واحد، وإقرار البخاري لابن شبرمة في ذلك، وروايته الأحاديث التي تفيد قصر اليمين على المدعى عليه، كل ذلك يؤيد أن البخاري لا يأخذ بحديث الشاهد واليمين، وأنه لا يصح عنده.
وإن مسلك البخاري في هذا المثال يؤكد ما سبق أن ذكرناه عنه من ميله إلى الربط بين القرآن والحديث في " صحيحه "، كما يؤكد هذا المثال أيضًا ما سبق أن قلناه من أن عرض الحديث على القرآن مبدأ لا غبار عليه من حيث الأصل والأساس، بدليل استعمال ابن شبرمة له، وتقرير البخاري له وعدم إنكاره عليه.
٤ - نَسْخُ السُنَّةِ بِالقُرْآنِ وَالعَكْسِ:
وهذا النسخ هو النقطة الرابعة التي نتناولها في علاقة السنة بالقرآن، لنستشف منها اتجاه المحدثين.
وقد ذهب جمهور الفقهاء والأصوليين إلى أن نسخ السنة بالقرآن، ونسخ القرآن بالسنة، جائز في العقل وواقع بالفعل.
وحجتهم في ذلك محصورة في أن الرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى، فسنته وحي كالقرآن وكل من عند الله تعالى، فما المانع حينئذٍ من أن ينسخ أحدهما الآخر؟.
стр. 224
وذهب الشافعي ﵁ في أشهر قوليه إلى منع نسخ السنة بالقرآن. واختلف النقل عنه في سبب المنع: هل هو العقل، أو السمع؟ أو لا العقل ولا السمع ولكن السبب هو عدم الوقوع بالفعل. قال السبكي: «نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - لَا يَدُلُّ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا».
أما نسخ القرآن بالسنة فإن للشافعي فيه قولاً واحدًا هو المنع.
والنص الذي يشير إليه السبكي، هو قول الشافعي في " الرسالة ": «وَأَبَانَ اللهُ لَهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا نَسَخَ مَا نَسَخَ مِنَ الكِتَابِ بِالكِتَابِ، وَأَنَّ السُّنَّةَ لَا نَاسِخَةٌ لِلْكِتَابِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَبَعٌ لِلْكِتَابِ، يُمَثِّلُ مَا نَزل نَصًّا، وَمُفَسِّرَةٌ مَعْنَى مَا أَنْزَل اللَهُ مِنْهُ جُمَلاً ...» (١).
وقوله: «وَهَكَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَهِ، لَا يَنْسَخُهَا إِلَّا سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللَهِ؛ وَلَوْ أَحْدَثَ اللَهُ لِرَسُولِهِ فِي أَمْرٍ سَنَّ فِيهِ، غَيْرَ مَا سَنَّ رَسُولُ اللَهِ: لَسَنَّ فِيمَا أَحْدَثَ اللَهُ إِلَيْهِ، حَتَّى يُبَيِّنَ لِلْنَّاسِ أَنَّ لَهُ سُنَّةٌ نَاسِخَةَ لِلَّتِي قّبْلَهَا مِمَّا يُخَالِفُهَا» (٢).
وبقول الشافعي قال أحمد بن حنبل من المحدثين (٣).
واحتج الشافعي لرايه بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٤)، والسنة ليست مثلاً للقرآن، ولا خيرًا منه. ورد المجيزون بأن المعنى: «نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا لَكُمْ أَوْ مِثْلَهَا لَكُمْ»، لأن القرآن أيضًا ليس بعضه خيرًا من بعض، وأيضًا فالسنة يمكن اعتبارها مثل القرآن، لأنها وحي مثله، ولاستوائها معه في وجوب الطاعة. وإنما افترقا في ألا يكتب في المصحف غير القرآن، ولا يتلى معه غيره مخلوطًا به،
стр. 225
وفي أنه معجز دونها. وهذا لا يعترض به على أنها ليست مثله، إذ ليس في العلم شيئان إلا وهما يشتبهان من وجه، ويختلفان من آخر. لا بد من ذلك ضرورة، ولا سبيل إلى أن يختلفا من كل وجه، ولا أن يتماثلا من كل وجه.
كما استدل الشافعي أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ (١) وبقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ (٢). فكل هذه الآيات تنسب النسخ والتبديل إلى الله تعالى.
وقد نوقش الشافعي في معاني هذه الآيات، فالاستدلال بالآية الأولى مبني على القول بمفهوم المخالفة، وهذا غير مُسَلَّمٍ، إذ معنى الآية أن الله يبدل آية مكان آية، وهذا أَمْرٌ مُسَلَّمٌ، وليس في الآية ما ينفي أن الله يبدل وحيًا غير متلو مكان آية ببراهين أخرى.
وكذلك بالنسبة للآية الأخيرة، لأن الرسول لا يبدل شيئًا من تلقاء نفسه، وإنما يبدله بوحي من عند الله.
كما احتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣). وهذا يفيد أن السنة مقصورة على البيان، والبيان ينافي الرفع الذي يفيده النسخ، ورد المجوزون للنسخ بأن المراد بالتبيين في الآية هو التبليغ، وبأن النسخ نوع من أنواع البيان، لأنه بيان ارتفاع الأمر
стр. 226
المنسوخ، وبيان إثبات الأمر الناسخ (١).
وما قالوه من أن المراد بالتبيين هو التبليغ غير مقبول، فإن البيان أمر زائد على التبليغ قطعًا. وما جاء في القرآن من أنه ليس عليه إلا البلاغ فالحصر فيه إضافي، يراد به أنه ليس عليه هداهم، فإن الله يهدي من يشاء (٢).
وقول الشافعي: «إِذَا أَحْدَثَ اللَهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ أَمْرًا بِرَفْعِ سُنَّةٍ تَقَدَّمَتْ، أَحْدَثَ النَّبِيُّ ﵇ سُنَّةً تَكُونُ نَاسِخَةً لِتِلْكَ السُّنَّةِ الأُولَى» - أنكره عليه بعض أصحابه، وقال: «لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَكَانَ النَّاسُ إِذَا عَمِلُوا بِسُنَّةٍ نَاسِخَةٍ - صَحَّ أَنْ يُنْسَبَ النَّسْخُ إِلَيْهِمْ»، وهذا خطأ، فكذلك الأمر بالنسبة للرسول ﷺ ، المفترض عليه الانقياد لأمر ربه ، فالناسخ هو الأمر الوارد له من الله، لا علمه الذي يأتي به انقيادًا لأمر الله (٣).
فإذا ادعى أن النسخ لم يقع بين القرآن والسنة، فهناك الأمثلة التي تثبت وقوعه:
فمن أمثلة نسخ السنة بالقرآن:
وجوب التوجه إلى بيت المقدس في الصلاة، وهذا ثابت بالسنة، نسخ بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤، ١٤٩، ١٥٠]، وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (٤).
стр. 227
ونسخ وجوب صيام عاشوراء بصوم رمضان، فقد روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: «صَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ»، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَصُومُهُ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ. كما روى عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ» (١).
وذكر الغزالي من أمثلة نسخ السنة بالقرآن، ما ورد في القرآن من صلاة الخوف فإن الأمر بصلاة الخوف ناسخ لما ثبت في السنة من جواز تأخيرها إلى انجلاء القتال، حَتَّى قَالَ ﵇ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَقَدْ أَخَّرَ الصَّلاَةَ: «حَشَا اللَّهُ قُبُورَهُمْ نَارًا» لِحَبْسِهِمْ لَهُ عَنْ الصَّلاَةِ (٢).
ولكن البخاري يميل إلى عدم النسخ، وأن حكم التأخير ما زال باقيًا عند اشتداد المعركة، ففي ترجمة لـ (بَابُ الصَّلاَةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الحُصُونِ [وَلِقَاءِ العَدُوِّ]) - نقل عن الأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الفَتْحُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاَةِ صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ القِتَالُ أَوْ يَأْمَنُوا، فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا لاَ يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ، وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا» وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ (تُسْتَرَ) عِنْدَ إِضَاءَةِ الفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَالِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاَةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلاَّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى فَفُتِحَ لَنَا»، وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلاَةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». ثم روى في هذا الباب «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
стр. 228
- ﷺ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ الخَنْدَقِ بَعْدَمَا غَرُبَتْ الشَّمْسُ» (١).
ومن الأمثلة أيضًا نسخ حرمة مباشرة النساء في ليالي رمضان، بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ...﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية، وقد جعل البخاري هذه الآية عنوانًا لباب، روى فيه عَنِ البَرَاءِ ﵁، قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلاَ يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾» (٢).
أما نسخ القرآن بالسنة: فمن الأمثلة التي ذكروها لذلك قوله ﵇: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»؛ فقد نسخ هذا الحديث عندهم الوصية الواجبة المذكورة في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ (٣)، ولا يقال إن آية المواريث هي الناسخة، لأنها لا تعارض الوصية، وليس فيها ما يمنع الوصية للوالدين والأقربين.
стр. 229
ومن الأمثلة التي ذكرها ابن حزم (١) دليلاً على نسخ القرآن بالسنة، أن القرآن أمر بمسح الرجلين في الوضوء، وجاءت السنة بالأمر بغسل الرجلين، لأن ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، سواء قرئت بالخفض أو بالفتح - لا يجوز إلا أن تكون معطوفة على الرؤوس في المسح، لأن القول بغير ذلك إشكال وتلبيس «لَا تَقُولُ ضَرَبْتُ مُحَمَّدًا وَزَيْدًا وَمَرَرْتُ بِخَالِدٍ وَعَمْرًا وَأَنْتَ تُرِيدُ أَنَّكَ ضَرَبْتَ عَمْرًا أَصْلاً، فَلَمَّا جَاءَتْ السُّنَّةُ بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ صَحَّ أَنَّ المَسْحَ مَنْسُوخٌ عَنْهُمَا وَهَكَذَا عَمَلُ الصَّحَابَةِ ﵃، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَمْسَحُونَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ حَتَّى قَالَ ﵇: " وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ وَالعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ " وكذلك قال ابن عباس: " نَزَلَ القُرْآنُ بِالمَسْحِ "» (٢).
والذين جَوَّزُوا نسخ القرآن بالسنة، اشترط أكثرهم في السنة الناسخة أن تكون متواترة أو مشهورة، وذكر عن بعض أهل الظاهر أنه لا يشترط ذلك، بل يجوز النسخ عندهم بأخبار الآحاد، وإلى ذلك ذهب ابن حزم، حيث قال: «وَسَوَاءٌ عِنْدَنَا السُّنَّةُ المَنْقُولَةُ بِالتَّوَاتُرِ وَالسُّنَّةِ المَنْقُولَةِ بِأَخْبَارِ الآحَادِ، كُلَّ ذَلِكَ يَنْسِخُ بَعْضَهُ بَعْضًا، وَيَنْسِخُ الآيَاتِ مِنَ القُرْآنِ، وَيَنْسِخُهُ الآيَاتُ مِنَ القُرْآنِ» (٣).
وقد احتج أهل الظاهر بالآيات التي تثبت أن السنة وحي كالقرآن: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم، الآيتان: ٣، ٤]، وبأن الحكم بأخبار الآحاد معلوم بدليل قاطع، والحكم به كالحكم بالآية، فجاز نسخ الآية به، كما جاء نسخ آية بآية. واعترض عليهم بأن الدليل القاطع الدال على
стр. 230
قبول الأخبار لم يتناول أخبار الآحاد إذا كانت ناسخة لدليل الكتاب، فلا يمكن أن يقال إن الحكم بها والحال هذه معلوم.
ومن حجج أهل الظاهر، أنه إذا جاز تخصيص القرآن بأخبار الآحاد فإنه يجوز النسخ بها أولى. وأجيبوا بأن ما ذكروه يدل على جواز النسخ من جهة العقل، ولا يدل على أنه ممنوع منه في الشريعة، وقد منع الإجماع منه.
وقد أورد أهل الظاهر أمثلة واقعية لنسخ الكتاب بأخبار الآحاد، منها: قوله تعالى: ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فقد نسخت هذه الآية بما روى الآحاد من تحريم أكل كل ذي ناب من السباع. ورد عليهم بأن قوله: ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ﴾ إنما يتناول ما أوحي إليه إلى تلك الغاية، ولا يتناول ما بعد ذلك.
ومنها قوله ﷺ : «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» نسخ قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ ...﴾ [البقرة: ١٨٠] الآية، وأجيبوا بأن هذا الحديث جار مجرى التواتر، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا نَسَخَا ذَلِكَ بِآيَةِ المَوَارِيثِ، وَجَعَلَا الحَدِيثَ بَيَانًا لِوُقُوعِ النَّسْخِ بِالآيَةِ (١).
واتجاه أهل الظاهر إلى جواز نسخ القرآن بأخبار الآحاد اتجاه يتواءم مع ما عرف عنهم من توسع في استخدام الحديث، ويتلاءم مع مذهبهم في أن أخبار الآحاد توجب العلم، فخبر العدل الصحيح يفيد عندهم من العلم ما يفيده القرآن، وليس الأمر كذلك عند الجمهور، لأن أخبار الآحاد مفيدة للظن، فلا يتحقق التعارض المقتضي النسخ بينهما وبين
стр. 231
القرآن، لعدم استوائهما في القطعية، «وَلِذَلِكَ أَجْمَعَ المُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ لَا يَنْسِخُ القُرْآنَ وَلَا الخَبَرَ المُتَوَاتِرَ، لِأَنَّهُ رَفْعٌ لِلْمَقْطُوعِ بِهِ بِالمَظْنُونِ» (١).
على أن معظم الأمثلة التي استدل بها على وقوع نسخ القرآن بالسنة لم تسلم من المعارضة والتأويل بما يجعلها لا تدل على النسخ، مع الاتجاه - من بعض المعارضين - إلى قصر مهمة السنة على البيان بتخصيص عام القرآن، وتقييد مطلقه، وتفصيل مجمله، إلا أن يراد بالنسخ حينئذٍ ما أراده الأحناف حين سموا بعض أنواع التخصيص نسخًا - وهو التخصيص بكلام مستقل منفصل - وحين سموا بعض أنواع التقييد (نسخًا بالزيادة).
ولذلك نقل عن بعض الأحناف (*) أنه قال: «لَمْ يُوجَدْ فِي كِتَابِ اللَهِ مَا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الزِّيَادَةِ» (٢)، ولذلك يكتفون في السنة الناسخة حينئذٍ أن تكون مشهورة - وهي الوسط بين أخبار الآحاد، والمتواتر، وتفيد ظنًا قريبًا من اليقين - لأنهم يشترطون التواتر في السنة الناسخة للقرآن. ولا يجيزون نسخ المقطوع بالخبر المشهور إلا النسخ بالزيادة (٣).
стр. 232
٥ - تَخْصِيصُ القُرْآنِ بِالسُنَّةِ:
والمقصود تخصيص عام القرآن بخبر الآحاد، وهي من النقاط المختلف فيها، والتي تفرق بين المحدثين وأهل الرأي، بل جعلها الأستاذ أبو زهرة «فَيْصَلَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الفُقَهَاءِ الذِينَ غَلَبَ عَلَيْهِمْ الرَّأْيُ، وَالفُقَهَاءِ الذِينَ غَلَبَ عَلَيْهِمْ الأَثَرُ، فَإِنَّ الذِينَ غَلَبَ عَلَيْهِمْ الرَّأْيُ لَا يَأْخُذُونَ بِأَخْبَارِ الآحَادِ فِي مَقَامِ تَعَرَّضَ لَهُ القُرْآنُ، وَلَوْ بِصِيغَةِ العُمُومِ، إِذْ يَجْعَلُونَ عُمُومَاتِ القُرْآنِ فِي عُمُومِهَا، وَلَا يَجْعَلُونَ خَبَرَ الآحَادِ فِي مَرْتَبَةِ تَخْصِيصِهَا، أَمَّا الفُقَهَاءُ الذِينَ غَلَبَ عَلَيْهِمْ الأَثَرُ فَيُخَصِّصُونَ عَامَّ القُرْآنَ بِالخَبَرِ مُطْلَقًا» (١).
وتوضيح هذين الاتجاهين يستلزم إلمامة سريعة تتعرض فيها لتعريف العام، وكيف يخصص، ونبين الأساس الذي انبنى عليه كلاهما.
والعام - في أرجح الأقوال -: هو لفظ وضع للدلالة على أفراد غير محصورين، على سبيل الاستغراق والشمول، سواء كانت دلالته على ذلك بلفظه ومعناه، بأن كان بصيغة الجمع: كالمسلمين والمسلمات، والرجال والنساء، أو كانت دلالته على ذلك بمعناه فقط، كالقوم ومن وما.
والخاص لفظ وضع للدلالة على فرد واحد أو أفراد محصورين.
والتخصيص: قصر العام على بعض أفراده (٢).
وهذا الدليل المخصص قد يكون كلامًا مستقلاً (منفصلاً أو متصلاً)، وقد يكون كلامًا غير مستقل، وقد يكون أمرًا آخر غير الكلام: هو
стр. 233
العقل، والحس الواقعي، والعادة والعرف، ونقص المعنى في بعض الأفراد وزيادته في بعض الأفراد (١).
والكلام غير المستقل - وهو الاستثناء المتصل، وبدل البعض، والصفة، والشرط والغاية - (٢) لا يتعتبر ضمن المخصصات عند الأحناف، إذ تعتبر أنواعه أجزاء من الكلام متصلة به، فلا غنى لها عنه، ولا استقلال لها بدونه، وهم يشترطون في المخصصات الاستقلال عن العام، أي تمامها بنفسها (٣).
والذي يهمنا هنا هو المخصص عندما يكون كلامًا مستقلاً منفصلاً، فإن اختلاف النظرة إليه وإلى حجية العام - هو الذي ترتب عليه اختلاف أهل الرأي مع المحدثين في مسألتنا التي نحن بصدد الحديث عنها الآن، وهي تخصيص عام القرآن بخبر الآحاد.
أما بالنسبة لحجة العام، فقد ذهب جمهور الحنفية إلى أن دلالة العام على كل أفراده قطعية، ما لم يدل دليل على خروج بعضها منه، لأنه موضوع للدلالة على أفراده على سبيل الشمول والاستغراق، واحتمال خروج بعض أفراده منه دون دليل - لا يؤبه له، وإلا ضاعت الثقة باللغة.
ولكن هل معنى ذلك أنه إذا قام الدليل على خروج بعض أفراد العام منه، يكون الباقي حجة ظنية عند الأحناف.
الواقع أن هذا ليس على إطلاقه، فإنما يكون الدليل القاصر مؤثرًا في حجية العام إذا أخرج منه قدرًا غير معين، ويتحقق هذا إذا كان القاصر كلامًا مستقلاً متصلاً.
стр. 234
فإذا كان كلامًا مستقلاً منفصلاً، اعتبروه نسخًا لا تخصيصًا، ولا أثر له فتبقى دلالته على الباقي بعده قطعية، وكذلك يكون الباقي قطعيًا إذا خرج منه شيء بكلام غير مستقل، لأن هذا ليس تخصيصًا عند الحنفية.
والتفريق في الكلام المستقل بين المتصل والمنفصل، واعتبار الأحناف الأول تخصيصًا، والثاني - وهو المنفصل - نسخًا، هذا التفريق مبني على قاعدة عندهم، مؤداها أن البيان يجب ألا يتأخر عن وقت الحاجة، فالشارع إذا أراد بالعام من أول الأمر بعض أفراده - قرنه بما يدل على مراده من المخصصات حتى لا يقع التجهيل الذي يتنزه الشارع الحكيم عنه، فإذا ورد العام من غير مخصص دل على أن الشارع يريد جميع أفراده ابتداء، فإذا جاء بعد ذلك نص يخرج من العام بعض ما كان داخلاً فيه - كان ناسخًا، لا مخصصًا. فالخارج من العام بالتخصيص لم يدخل فيه ابتداء، والخارج منه بالنسخ دخل فيه ابتداءً (١).
ولأن العام عند الأحناف حجة قطعية، اشترطوا أن يكون الخاص المخرج بعض أفراد العام قطعيًا مثله، سواءً أكان متصلاً أم منفصلاً، لأنه إذا كان متصلاً كان تخصيصًا، والقطعي لا يخصص إلا بمثله. وإذا كان منفصلاً كان نسخًا والقطعي لا ينسخه إلا قطعي مثله.
ومن هنا منعوا أن يخصص عام الكتاب بخبر الآحاد، لأن أخبار الآحاد ظنية فلا تصلح لتخصيص القطعي ولا لنسخه، إلا إذا خصص العام قبل ذلك بقطعي مثله، فإن دلالته على الباقي حينئذٍ تصبح ظنية، يمكن بأخبار الآحاد تخصيصها لتساويهما في الظنية: العام المخصص ظني الدلالة وخبر الآحاد ظني الثبوت.
стр. 235
أما جمهور الفقهاء - ومنهم المحدثون - فقد ذهبوا إلى أن دلالة العام على جميع أفراده دلالة ظنية، سواء قبل التخصيص أو بعده، لأن أكثر ما ورد من ألفاظ العموم أريد به بعض أفراده، وهذا يورث شبهة في شمول العام لكل أفراده، فتكون دلالته عليها ظنية. ولهذا يجب على المجتهد إذا عرض له لفظ عام - أن يطيل البحث والتحري، حتى لا يفوقه التخصيص مع وجود المخصص (١).
وما دام العام عند الجمهور حجة ظنية، فليس هناك ما يمنع من تخصيصه بأخبار الآحاد سواء منها المستقل المنفصل، والمستقل المتصل، لا كما فعل الحنفية من التفرقة بينهما، فهما عند الجمهور سواء في إفادة التخصيص، والتخصيص عند الجمهور من بيان التفسير، لا من بيان التبيدل الذي هو النسخ.
стр. 236
الفَصْلُ الثَّانِي (*): خَبَرُ الوَاحِدِ بَيْنَ المُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ:
بعد أن بينا علاقة السنة بالقرآن، وأشرنا إلى الاتجاهات المختلفة في تحديد هذه العلاقة، وبعد أن رأينا أن معظم مباحث هذه العلاقة يدور حول خبر الآحاد، إذ هو جل السنة، حتى لكأنه المعني بها عند الإطلاق - لم يكن بد من التعرض لخبر الآحاد، وبيان اختلاف العلماء في الشروط التي يجب أن تتوافر فيه ليكون صالحًا للاحتجاج به، حتى تتضح الفروق بين المحدثين وغيرهم من القائلين بحجية خبر الآحاد. أما الذين أنكروا حجية خبر الآحاد. فليست مناقشتهم مما تعنينا هنا. وقد كفانا العلماء من السلف والخلف مؤونة هذه المناقشة (١).
وخبر الآحاد قسيم الخبر المتواتر ومقابله، إذ الخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد: فالمتواتر «مَا اتَّصَلَ بِنَا عَن رَسُولِ اللَهِ ﷺ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر
مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ القَائِلِ: تَوَاتَرَتْ الكُتُبُ، إِذَا اتَّصَلَتْ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فِي الوُرُودِ مُتَتَابِعًا. وَحَدُّ ذَلِكَ أَّنْ يَنْقُلَهُ قَوْمٌ لَا يُتَوَهَّمُ اجْتِمَاعُهُمْ وَتَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الكَذِبِ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَتَبَايُنِ أَمْكِنَتِهِمْ عَنْ قَوْمٍ مِثْلَهُمْ هَكَذَا إِلَى أَنْ يَتَّصِلَ بِرَسُولِ اللَهِ ﷺ فَيَكُونُ أَوَّلُهُ كَآخِرِهِ،
стр. 237
وَأَوْسَطِهِ كَطَرَفَيْهِ وَذَلِكَ نَحْوَ نَقْلِ أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ وَمَقَادِيرِ الزَّكَاةِ وَالدِّيَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكِ» (١).
والمتواتر يفيد العلم، خلافًا لِلْسُّمَنِيَّةِ الذين حصروا العلوم في الحواس وحصرهم باطل (٢).
والجمهور على أن العلم الحاصل بالتواتر ضروري أي لا يحتاج إلى نظر وكسب، وذهب إمام الحرمين وأبو الحسين البصري وغيرهم إلى أنه نظري.
وهناك اختلاف في أقل عدد يفضي إلى العلم في المتواتر. والصحيح هو ما قرره الغزالي حين قال: «أَقَلُّ عَدَدٍ يُورِثُ العِلْمَ لَيْسَ مَعْلُومًا لَنَا، لَكِنَّا بِحُصُولِ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ نَتَبَيَّنُ كَمَالَ العَدَدِ لَا أَنَّا بِكَمَالِ العَدَدِ نَسْتَدِلُّ عَلَى حُصُولِ العِلْمِ» (٣).
ولذلك هاجم الغزالي فكرة تحديد العدد، كما هاجمها أيضًا ابن حزم وأجاز أن يحصل العلم الضروري بخبر اثنين فأكثر، حتى خبر الواحد قد يصبح العلم بصحته ضروريًا، إلا أن ضروريته ليست بمطردة ولا في كل وقت ولكن على قد ما يتهيأ (٤).
стр. 238
أما خبر الآحاد فهو ما لا ينتهي من الأخبار إلى حد التواتر المفيد للعلم، سواء كان مستفيضًا - وهو ما زاد عدد رواته على الثلاثة، كما جزم به ابن الحاجب والآمدي - (١) أو غير مستفيض.
وقد جعل الأحناف الخبر المستفيض قسمًا وسطًا بين المتواتر والآحاد، وعرفوه بأنه ما كان متواتر الفرع آحاد الأصل، ويشيرون إليه بقولهم: «فِي حَيِّزِ المُتَوَاتِرِ، أَوْ المَشْهُورِ». وكان الجصاص يعده أحد قسمي المتواتر، على معنى أنه يثبت به علم اليقين، ولكنه علم اكتساب. «وَكَانَ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ ﵀ يَقُول: " لَا يَكُونُ المُتَوَاتِرُ إِلاَّ مَا يُوجِبُ العِلْمَ [ضَرُورِيًّا] فَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي فَهُوَ مَشْهُورٌ وَلَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ [وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا، وَبَيَانُ هَذَا النَّوْعِ فِي] كُلِّ حَدِيثٍ نَقَلَهُ عَنْ رَسُولِ اللَهِ ﷺ عَدَدٌ يُتَوَهَّمُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الكَذِبِ وَلَكِنْ تَلَقَّتْهُ العُلَمَاءُ بِالقَبُولِ وَالعَمَلِ بِهِ [فَبِاعْتِبَارِ الأَصْلِ هُوَ مِنَ الآحَادِ وَبِاعْتِبَارِ الفَرْعِ هُوَ مُتَوَاتِرٌ وَذَلِكَ] نَحْوَ خَبَرِ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ وَ [خَبَرِ] تَحْرِيمِ المُتْعَةِ بَعْدَ الإِبَاحَةِ وَ [خَبَرِ] تَحْرِيمِ نِكَاحِ المَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَعَلَى خَالَتِهَا [وَخَبَرِ حُرْمَةِ التَّفَاضُلِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ وَمَا أَشْبَهَ] ذَلِكَ» (٢).
والقائلون بوجوب العمل بخبر الواحد مختلفون في دليل الوجوب، بين أن يكون هذا الدليل هو السمع، أو العقل، أو هما مَعًا. وهو اختلاف لا يفضي إلى نتيجة.
لكن اختلافهم في إفادة خبر الواحد العلم هو الجدير بالاهتمام، لما يترتب عليه من النظر المختلف في مدى تأثير خبر الواحد في الفروع وفي الاعتقاد.
والمحدثون أو معظمهم - وبخاصة أهل الظاهر منهم - يميلون إلى أن خبر الآحاد مفيد للعلم، يعمم بعض الأصوليين هذا الحكم على المحدثين ويقصر آخرون على بعضهم.
وذكر ابن حزم أن إفادة خبر الآحاد العلم هو مذهب الحارث بن أسد المحاسبي، والحسين بن علي الكرابيسي، وداود الظاهري، ورواية عن مالك.
أما الحنفيون والشافعيون وجمهور المالكيين وجميع المعتزلة والخوارج فذهبوا إلى أن خبر الواحد لا يوجب العلم، لما فيه من احتمالات السهو والانقطاع.
وقد انحاز ابن حزم إلى رأي الطائفة الأولى وأطال في الاستدلال لمذهبه، وتفنيد حجج خصومه (١).
ونلاحظ أن ابن حزم لم يشر إلى رأي أحمد بن حنبل، ولا إلى رأي الحنابلة في هذه المسألة، وقد نقلنا عن الآمدي آنِفًا أن ابن حنبل له قولان في إفادة خبر الآحاد العلم، ويقر ابن بدران أن القول بعدم حصول العلم به هو قول الأكثرين والمتأخرين من أصحاب أحمد، وينقل عن الطوفي أن ذلك هو أظهر القولين. وحمل بعض العلماء قول الإمام أحمد الثاني - أي الخاص بإفادة خبر الآحاد العلم - على أخبار مخصوصة كثرت رواتها وتلقتها الأمة بالقبول، ودلت القرائن على صدق ناقليها، فيكون إذن من المتواتر (٢).
وقد رجح الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن " ابن حنبل " الرواية التي تقرر أن ابن حنبل كان يذهب إلى أن أخبار الآحاد مفيدة للعلم، وأنه كان يأخذ بها في الاعتقاد وفي الفروع، «فَيُؤْمِنُ بِكُلِّ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، كَمَا يُؤْمِنُ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الكِتَابُ الكَرِيمُ، وَلَا يُفَرِّقُ فِي الأَخْذِ بِأَحَادِيثِ رَسُولِ اللَهِ
стр. 241
- ﷺ بَيْنَ عَمَلٍ وَاعْتِقَادٍ، وَلَا بَيْنَ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ وَإِذْعَانِ القَلْبِ وَالعَقْلِ» (١).
وقول ابن حنبل الذي رجحه الأستاذ أبو زهرة في هذه المسألة هو قول عامة المحدثين في القرن الثالث، وقول بعض المتأخرين منهم (٢). وهذا الاتجاه يعني أن خبر الآحاد إذا استوفى شروط الصحة فإن صدوره عن الرسول ﷺ حينئذٍ أمر مقطوع به، متيقن منه، لا يحتمل الشك. ومن هنا كانت حملتهم الشديدة على الذين لا يأخذون بالخبر في بعض المواطن، واتهامهم لهم بمخالفة رسول الله ﷺ ، وتشنيعهم عليهم لذلك.
ولكن لما كانت أخبار الآحاد عند غير المحدثين تفيد ظنًا راجحًا، لأن الاحتمالات التي يتعرض لها خبر الواحد، كالكذب والسهو والخطأ وغيرها تقصر به عن إفادة ما يفيده المتواتر من العلم - لما كان ذلك كذلك، وضع هؤلاء الفقهاء شروطًا لخبر الواحد تراعى فيها هذه الاحتمالات، وحددوا مجال العمل به بالنسبة لما هو مقطوع به من القرآن والسنة المتواترة. وكثير من هذه الشروط موضع نزاع بينهم وبين المحدثين وهذا يدعونا إلى أن نستعرض شروط الصحيح بين المحدثين وغيرهم.
ويشترط المحدثون في الحديث الصحيح شروطًا يمكن حصرها في عدالة الراوي وضطبه، واتصال الإسناد، وسلامة الحديث من الشذوذ والعلل (٣)
стр. 242
فإذا توافرت هذه الشروط في الحديث فهو صحيح يجب العمل به سواء أكان في الاعتقاد أم في الفروع.
وقد يختلف المحدثون فيما بينهم في عدالة راو أو ضبطه أو صحة سماعه ممن روى عنه، كما قد يختلفون في درجة الوصف، بمعنى هل العدالة والضبط عنده في درجة ممتازة أو متوسطة أو ضعيفة، مما يترتب عليه اختلافهم في الترجيح. فالبخاري مثلاً لا يكتفي بمعاصرة الراوي لمن روى عنه حتى يثبت اتصاله به ومسلم يكتفي بالمعاصرة، والبخاري ترك رجالاً رأى مسلم أنه لا بأس بهم، وكذلك ترك مسلم رجالاً لم ير البخاري بهم بأسًا، ورأى غيرهما من أصحاب السنن أَنْ يَرْوُوا أحاديث صحت في نظرهم لثقتهم في رواتها، أو لأنه لا بأس برواتها وإن لم يكونوا في الدرجة العليا من العدالة والضبط.
أما غير المحدثين فيضيفون إلى هذه الشروط شروطًا أخرى تتعلق بمتن الحديث، فليس كل ما صح سنده يلتزم قبوله. حتى يكون متنه سالمًا من المعارضة، وللأحناف والمالكية في ذلك ما ليس لغيرهم.
ولهذا رأينا الأحناف في نقدهم للحديث وبيان وجوه الانقطاع فيه يقسمون الانقطاع إلى انقطاع في الصورة، وانقطاع في المعنى. ويعنون بالمنقطع صورة المرسل - وسيأتي الحديث عنه.
أما الانقطاع في المعنى فقد يكون نتيجة عدم توافر الشروط المطلوبة في الراوي. فسلسلة الإسناد مترابطة من حيث الظاهر، غير أن إحدى
стр. 243
حلقاتها لما فقدت الشروط أصبحت في حكم المعدوم، وذلك كرواية الفاسق والكافر والمعتوه، وأمثال ذلك.
وقد يكون الانقطاع في المعنى نتيجة معارضة متن الحديث لدليل آخر. وهذا القسم هو الذي يمثل بحق نقد متن الحديث، إذ قد يردونه نتيجة لهذا النقد، حتى مع استيفائه شروط الصحة في الإسناد وهو يعد من الفروق الجوهرية بين المحدثين وأهل الرأي.
ومن أنواع هذا القسم المخالف للدليل:
[أ] أن يكون الحديث مخالفًا لكتاب الله تعالى.
[ب] أو لسنة مشهورة عن رسول الله ﷺ .
[ج] أن يكون الحديث شاذًا لم يشتهر فيما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته.
[د] أو يكون حديثًا قد أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول، بأن ظهر منهم الاختلاف في حادثة يقررها الحديث المروي، ومع ذلك لم تجر المحاجة بينهم به.
[هـ] مخالفة الصحابي قولاً أو عملاً لما رواه (١).
[أ، ب] وقد قدمنا في موضوع علاقة السنة بالقرآن وجهة نظر المحدثين وغيرهم في عرض السنة على القرآن، وتخصيصها لعامه، وتقييدها لمطلقه، وقد بينا أن المحدثين أيضًا يمنعون أن تأتي السنة بما يعارض القرآن،
стр. 244
وأن الخلاف بينهم وبين الأحناف إنما هو في المسائل الجزئية، هل السنة فيها معارضة أم مبينة.
وكذلك خبر الآحاد إذا خالف السنة المشهورة اعتبر ذلك انقطاعًا في المعنى، ولا يبعد أن يكون هذا الأصل أيضًا محل اتفاق، والخلاف إنما هو في التطبيق.
فقد ذكروا مثالاً لذلك ما جاء في بيع الرطب بالتمر، وهو ما روى أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ البَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟، قَالَ: البَيْضَاءُ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟» قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ (١).
وقد رأى أبو حنيفة أن خبر سعد هذا مخالف للسنة المشهورة، وهو قوله ﵇: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلاً بِمِثْلٍ»، فلم يأخذ به، وأخذ به أبو يوسف ومحمد، لأن السنة المشهورة لا تتناول الرطب، لأن مطلق اسم التمر لا تتناوله، بدليل أن من حلف لا يأكل تمرًا فأكل رطبًا لم يحنث، ولو حلف لا يأكل هذا الرطب فأكله بعد ما صار تمرًا لم يحنث، فإذا لم تتناوله السنة المشهورة، وجب إثبات الحكم فيه بالخبر الآخر.
وهذا هو الذي ذهب إليه أصحاب الحديث، فقد قال الترمذي بعد روايته لحديث سعد هذا: «... وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِنَا».
стр. 245
[ج] أما الحديث الغريب فيما تعم به البلوى فقد رده بعض الحنفية والمالكية (١)، لأن عدم اشتهاره مع الحاجة إليه قرينة على علة فيه، وأحسن أحواله أن يصرف عن ظاهره: فإن جاء بأمر كان للندب والاستحباب لا للوجوب، وإن جاء بنهي كان للكراهية لا للتحريم، إذ لو كان المراد به الإيجاب أو التحريم لاشتهر ذلك الحكم بين السلف، ولنقل إلينا الخبر مستفيضًا، فنقله على خلاف ذلك يدل على أنه قد ترك العمل به عند أكثر الناس، لعدم حرمة ترك العمل به (٢).
أما المحدثون فلم يعتبروا هذا الشرط، لأن الأدلة التي أوجبت قبول خبر الواحد لم تفرق بين ما تعم به البلوى من الأخبار وغيرها، ولأن الراوي عدل ثقة، وذلك يغلب على الظن [صِدْقُهُ]، وكما يقبل خبره في غير ذلك يقبل أيضًا فيما تعم به البلوى.
وكان البخاري يرد على أهل الرأي في ترجمته التي يقول فيها: (بَابُ الحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ أَحْكَامَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ ظَاهِرَةً، وَمَا كَانَ يَغِيبُ بَعْضُهُمْ مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمُورِ الإِسْلاَمِ) (٣).
وذكر الأحناف أمثلة لذلك منها: خبر مس الذكر، والجهر بالتسمية في الصلاة، وخبر رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، والوضوء مما مسته النار (٤).
وقد يوافق بعض المحدثين الأحناف في عدم الأخذ ببعض هذه الأخبار ولكن مسلكهم في ذلك يختلف عن مسلك الأحناف، إذ عدم أخذهم بها
стр. 246
إنما هو بسبب نسخها أو ترجيح غيرها من الأخبار عليها (١).
وتجدر الإشارة إلى أن الآمدي «قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا تَعُمُّ بِهِ البَلْوَى، ومَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ إِذَا نَقَلَهُ وَاحِدٌ، فَرَدَّ الثَّانِي، وَلَمْ يُوَافِقْ الأَحْنَافَ عَلَى رَدِّهِمْ لِلْأَوَّلِ، وَمَثَّلَ لِلْثَّانِي بِمَا إِذَا أَخْبَرَ إِنْسَانٌ بِأَنَّ الخَلِيفَةَ قَدْ قُتِلَ وَسَطَ الجَامِعِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِمَشْهَدٍ مِنَ الخَلْقِ، وَلَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ سِوَى وَاحِدٌ» (٢).
[د] أما الحديث الذي يقرر حكمًا اختلف فيه الصحابة، ولم يؤثر عن أحد منهم أنه احتج به مع حاجتهم إليه - فإن هذا الحديث حينئذٍ غير مقبول، لأنه لو كان موجودًا في عصر الصحابة لردوه، ولم يشتغلوا عنه بما ليس بحجة، وهم غير متهمين بالكتمان حتى يتفقوا على كتمانه وعدم الاحتجاج به. فإذا ظهر منهم الاختلاف في الحكم، وجرت المحاجة بينهم بالرأي - والرأي ليس بحجة مع ثبوت الخبر - دَلَّ ذلك على أن هذا الخبر غير صحيح، إذ لو كان صحيحًا لاحتج به بعضهم على بعض حتى يرتفع الخلاف الواقع بينهم، فكان إعراض الجميع عن الاحتجاج به دليلاً ظاهرًا على أنه سهو ممن رواه بعدهم أو أنه منسوخ.
وذلك نحو ما يروى: «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنسَاءِ»، فإن الكبار من الصحابة اختلفوا في هذا، ولم يحتج أحد منهم بهذا الحديث، بل أعرضوا عنه، فكان ذلك دليلاً على أنه غير ثابت أو مُؤَوَّلٍ (٣).
стр. 247
ولكن سؤالاً يَرِدُ على الآخذين بهذا الأصل: هل جاء الحديث الذي ردوه بناء على هذا الأصل من طريق صحيحة، حتى يكون هذا الأصل هو السبيل الوحيدة لنقده.
إن سند الحديث إذا كان صحيحًا، فإن الاحتمالات الموجبة للأخذ به تتداعى أمام قوتها الاحتمالات الداعية إلى رده، لأن كل صحابي لم يكن محيطًا بكل السنة، بل يعمل البعض ويجهل الآخر منها، وقد يسمع بعضها شخص أو أكثر، ثم لم تكن داعية تدعو إلى نشره، فيجهله كثير من الصحابة ويتركون العمل به لعدم العلم بالحكم. لا تركًا له بعد العلم، وهذا أبو هريرة كان يقول: «إِنَّ إِخْوَانِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنْ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ»، وهناك العديد من الأمثلة التي تدل على أن الصحابة كانوا يجهلون كثيرًا من السنن، ثم يجدون علمها عند غيرهم إذا سألوا عنها (١). وبسبب ذلك رفض المحدثون الأخذ بهذه القاعدة التي قررها الأحناف.
كما لم يأخذوا أيضًا بقاعدة قريبة من هذه، قررها المالكية وجعلوها من أسس نقد الحديث، هي تركهم لخبر الآحاد إذا كان العمل في المدينة على خلافه، وقد رفض المحدثون هذه القاعدة، لأن الواجب هو العمل بالخبر، ولا يضره عمل ولا ترك «وَهَذَا أَصْلٌ قَدْ نَازَعَهُمْ فِيهِ الجُمْهُورُ، وَقَالُوا: عَمَلُ أَهْلِ المَدِينَةِ كَعَمَلِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ عَمَلِهِمْ وَعَمَلِ أَهْلِ الحِجَازِ وَالعِرَاقِ وَالشَّامِ؛ فَمَنْ كَانَتْ السُّنَّةُ مَعَهُمْ فَهُمْ أَهْلُ العَمَلِ المُتَّبَعِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ المُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ عَمَلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ، وَإِنَّمَا الحُجَّةُ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَلاَ تُتْرَكُ السُّنَّةُ لِكَوْنِ عَمَلِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ عَلَى خِلاَفِهَا ...» (٢).
стр. 248
وقد هاجم ابن حزم هذا الأصل، وذكر كثيرًا من السنن التي خالفها المالكيون بحجة أن عمل أهل المدينة على خلافها، ثم قال: «فَهَذَا مَا تَرَكُوا فِيهِ عَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ رِوَايَتِهِمْ فِي " المُوَطَّأِ " خَاصَّةً وَلَوْ تَتَبَّعْنَا ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ لَبَلَغَ أَضْعَافَ مَا ذَكَرْنَا وَمَا خَالَفُوا فِيهِ أَوَامِرَهُ ﵇ مِنْ رِوَايَتِهِمْ وَرِوَايَةِ غَيْرِهِمْ أَضْعَافَ ذَلِكَ وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَتَجَاوَزُ الأُلُوفَ» (١).
[هـ] ومما ذكره الأحناف متصلاً بهذا النوع الذي سموه بالانقطاع في المعنى - أن يروي الصحابي حديثًا، ثم يظهر منه ما يخالف الحديث قولاً أو عملاً. فإن هذه المخالفة تعتبر طعنًا في الحديث في بعض أحواله، لأن مخالفة الصحابي إن كانت قبل الرواية فإنها لا تقدح في الخبر، ويحمل على أنه كان مذهبه قبل أن يسمع الحديث، فلما سمع الحديث رجع إليه. وكذلك إذا لم يعلم هل المخالفة كانت قبل روايته للحديث أو بعدها، لأن الحمل على أحسن الوجوه مطلوب ما لم يثبت خلافه، أما إذا علم أن خلافه للحديث كان بعد روايته له، فإن هذا الحديث حينئذٍ يخرج عن أن يكون حجة، لأن فتواه أو عمله بخلاف الحديث من أبين الدلائل على الانقطاع فيحمل ما رواه على النسخ، حملاً له على أحسن الوجوه.
وذكروا من أمثلة ذلك ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ : «يُغْسَلُ الإِنَاءُ مِنَ وُلُوغِ الكَلْبِ سَبْعًا»، ثُمَّ صَحَّ مِنْ فَتْوَاهُ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالغَسْلِ ثَلَاثًا.
وما روته السيدة عائشة من قوله ﵇: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ [بِغَيْرِ] إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ»، ثُمَّ صَحَّ «أَنَّهَا زَوَّجَتْ ابْنَةَ أَخِيهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَالَفَتْ بِعَمَلِهَا رِوَايَتَهَا».
стр. 249
ومن أمثلة ذلك أيضًا ما رواه ابن عمر مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ»، ثم صح عن مجاهد قال: «صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ سِنِينَ وَكَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَّا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الافْتِتَاحِ»، وهذا يدل على نسخ الحكم (١).
أما إذا كان الحديث محتملاً لعدة معان، فيعين الصحابي بعض محتملات الحديث فإن ذلك لا يمنع كون الحديث معمولاً به على ظاهره، لأن تأويل الصحابي ليس بحجة على غيره، وإنما الحجة هو الحديث. وذلك كالذي رواه ابن عمر من قوله ﷺ : «المُتَبَايِعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا»، فـ «التَّفَرُّقُ فِي الحَدِيثِ يَحْتَمِلُ التَّفَرُّقَ بِالأَبْدَانِ»، فكان إذا أوجب البيع مشى هنيهة، ولم يأخذ الأحناف بهذا التأويل من ابن عمر، وحملوا التفرق على التفرق بالأقوال، أما المالكية فقد رَدُّوا هذا الحديث لمخالفته لما عليه العمل.
ويقول الأحناف: إن الشافعي قد فعل مثل ذلك في حديث ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، ثُمَّ أَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِـ «أَنَّ المُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلَ»، وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ هَذَا تَخْصِيصٌ لَحَقَ الحَدِيثَ مِنَ الرَّاوِي، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّأْوِيلِ، لا يكون حجة على غيره، وأخذ بظاهر الحديث، فأوجب القتل على المرتدة (٢).
وقد اختار الآمدي أنه إن علم مأخذ الصحابي في المخالفة، وكان ذلك مما يوجب حمل الخبر على ما ذهب إليه الراوي وجب اتباع ذلك الدليل،
стр. 250
لا لأن الراوي عمل به، فإنه ليس عمل أحد المجتهدين حجة على الآخر، وإن جهل مأخذه فالواجب العمل بظاهر الحديث (١).
وقد رَدَّ بعض المالكيين بناء على هذا الأصل ما روي عن عائشة مرفوعًا: «مَنْ [مَاتَ] (*) وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»، لِأَنَّهَا «أَفْتَتْ بِخِلَافِهِ حِينَ سُئِلَتْ عَنْ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ»، فقالت: «يُطْعَمُ عَنْهَا». وأخرج البيهقي أَنَّهَا قَالَتْ: «لَا تَصُومُوا عَنْ مَوْتَاكُمْ , وَأَطْعِمُوا عَنْهُمْ» (٢).
وقد استنكر المحدثون هذا الاتجاه في نقد الحديث، لأن الحجة في قول النبي ﷺ الذي يرويه الصحابي، لا في فتوى الصحابي الذي قد ينسى ما رواه، أو يجتهد فيه فيؤوله، أو تكون فتواه قبل أن يبلغه الحديث، [فإن] هذه الوجوه كلها محتملة فيما روى عنهم، لا يحل لأحد ترك كلامه ﵇ لفتيا جاءت عن صاحب مخالفة لما صح عنه ﵇ (٣).
ولكن أبا داود كان يميل إلى اتجاه الأحناف والمالكية في هذا الموضوع، فَـ «كَانَ يَرَى أَنَّ عَمَلَ الرَّاوِي بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ يُضَعِّفُ الحَدِيثَ».: فَقَدْ رَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ عَطَاءٍ - عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلاَةِ وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ».
ثُمَّ رَوَى أَبُو دَاوُدُ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ عَطَاءً يُصَلِّي سَادِلاً». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَهَذَا يُضَعِّفُ ذَلِكَ الحَدِيثَ» (٤).
وقد رأى بعض الأصوليين أن عمل الصحابي بخلاف ما روى لا يسقط