إنما هو بسبب نسخها أو ترجيح غيرها من الأخبار عليها (١).
وتجدر الإشارة إلى أن الآمدي «قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا تَعُمُّ بِهِ البَلْوَى، ومَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ إِذَا نَقَلَهُ وَاحِدٌ، فَرَدَّ الثَّانِي، وَلَمْ يُوَافِقْ الأَحْنَافَ عَلَى رَدِّهِمْ لِلْأَوَّلِ، وَمَثَّلَ لِلْثَّانِي بِمَا إِذَا أَخْبَرَ إِنْسَانٌ بِأَنَّ الخَلِيفَةَ قَدْ قُتِلَ وَسَطَ الجَامِعِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِمَشْهَدٍ مِنَ الخَلْقِ، وَلَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ سِوَى وَاحِدٌ» (٢).
[د] أما الحديث الذي يقرر حكمًا اختلف فيه الصحابة، ولم يؤثر عن أحد منهم أنه احتج به مع حاجتهم إليه - فإن هذا الحديث حينئذٍ غير مقبول، لأنه لو كان موجودًا في عصر الصحابة لردوه، ولم يشتغلوا عنه بما ليس بحجة، وهم غير متهمين بالكتمان حتى يتفقوا على كتمانه وعدم الاحتجاج به. فإذا ظهر منهم الاختلاف في الحكم، وجرت المحاجة بينهم بالرأي - والرأي ليس بحجة مع ثبوت الخبر - دَلَّ ذلك على أن هذا الخبر غير صحيح، إذ لو كان صحيحًا لاحتج به بعضهم على بعض حتى يرتفع الخلاف الواقع بينهم، فكان إعراض الجميع عن الاحتجاج به دليلاً ظاهرًا على أنه سهو ممن رواه بعدهم أو أنه منسوخ.
وذلك نحو ما يروى: «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنسَاءِ»، فإن الكبار من الصحابة اختلفوا في هذا، ولم يحتج أحد منهم بهذا الحديث، بل أعرضوا عنه، فكان ذلك دليلاً على أنه غير ثابت أو مُؤَوَّلٍ (٣).
стр. 247
ولكن سؤالاً يَرِدُ على الآخذين بهذا الأصل: هل جاء الحديث الذي ردوه بناء على هذا الأصل من طريق صحيحة، حتى يكون هذا الأصل هو السبيل الوحيدة لنقده.
إن سند الحديث إذا كان صحيحًا، فإن الاحتمالات الموجبة للأخذ به تتداعى أمام قوتها الاحتمالات الداعية إلى رده، لأن كل صحابي لم يكن محيطًا بكل السنة، بل يعمل البعض ويجهل الآخر منها، وقد يسمع بعضها شخص أو أكثر، ثم لم تكن داعية تدعو إلى نشره، فيجهله كثير من الصحابة ويتركون العمل به لعدم العلم بالحكم. لا تركًا له بعد العلم، وهذا أبو هريرة كان يقول: «إِنَّ إِخْوَانِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنْ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ»، وهناك العديد من الأمثلة التي تدل على أن الصحابة كانوا يجهلون كثيرًا من السنن، ثم يجدون علمها عند غيرهم إذا سألوا عنها (١). وبسبب ذلك رفض المحدثون الأخذ بهذه القاعدة التي قررها الأحناف.
كما لم يأخذوا أيضًا بقاعدة قريبة من هذه، قررها المالكية وجعلوها من أسس نقد الحديث، هي تركهم لخبر الآحاد إذا كان العمل في المدينة على خلافه، وقد رفض المحدثون هذه القاعدة، لأن الواجب هو العمل بالخبر، ولا يضره عمل ولا ترك «وَهَذَا أَصْلٌ قَدْ نَازَعَهُمْ فِيهِ الجُمْهُورُ، وَقَالُوا: عَمَلُ أَهْلِ المَدِينَةِ كَعَمَلِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ عَمَلِهِمْ وَعَمَلِ أَهْلِ الحِجَازِ وَالعِرَاقِ وَالشَّامِ؛ فَمَنْ كَانَتْ السُّنَّةُ مَعَهُمْ فَهُمْ أَهْلُ العَمَلِ المُتَّبَعِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ المُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ عَمَلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ، وَإِنَّمَا الحُجَّةُ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَلاَ تُتْرَكُ السُّنَّةُ لِكَوْنِ عَمَلِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ عَلَى خِلاَفِهَا ...» (٢).
стр. 248
وقد هاجم ابن حزم هذا الأصل، وذكر كثيرًا من السنن التي خالفها المالكيون بحجة أن عمل أهل المدينة على خلافها، ثم قال: «فَهَذَا مَا تَرَكُوا فِيهِ عَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ رِوَايَتِهِمْ فِي " المُوَطَّأِ " خَاصَّةً وَلَوْ تَتَبَّعْنَا ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ لَبَلَغَ أَضْعَافَ مَا ذَكَرْنَا وَمَا خَالَفُوا فِيهِ أَوَامِرَهُ ﵇ مِنْ رِوَايَتِهِمْ وَرِوَايَةِ غَيْرِهِمْ أَضْعَافَ ذَلِكَ وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَتَجَاوَزُ الأُلُوفَ» (١).
[هـ] ومما ذكره الأحناف متصلاً بهذا النوع الذي سموه بالانقطاع في المعنى - أن يروي الصحابي حديثًا، ثم يظهر منه ما يخالف الحديث قولاً أو عملاً. فإن هذه المخالفة تعتبر طعنًا في الحديث في بعض أحواله، لأن مخالفة الصحابي إن كانت قبل الرواية فإنها لا تقدح في الخبر، ويحمل على أنه كان مذهبه قبل أن يسمع الحديث، فلما سمع الحديث رجع إليه. وكذلك إذا لم يعلم هل المخالفة كانت قبل روايته للحديث أو بعدها، لأن الحمل على أحسن الوجوه مطلوب ما لم يثبت خلافه، أما إذا علم أن خلافه للحديث كان بعد روايته له، فإن هذا الحديث حينئذٍ يخرج عن أن يكون حجة، لأن فتواه أو عمله بخلاف الحديث من أبين الدلائل على الانقطاع فيحمل ما رواه على النسخ، حملاً له على أحسن الوجوه.
وذكروا من أمثلة ذلك ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ : «يُغْسَلُ الإِنَاءُ مِنَ وُلُوغِ الكَلْبِ سَبْعًا»، ثُمَّ صَحَّ مِنْ فَتْوَاهُ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالغَسْلِ ثَلَاثًا.
وما روته السيدة عائشة من قوله ﵇: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ [بِغَيْرِ] إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ»، ثُمَّ صَحَّ «أَنَّهَا زَوَّجَتْ ابْنَةَ أَخِيهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَالَفَتْ بِعَمَلِهَا رِوَايَتَهَا».
стр. 249
ومن أمثلة ذلك أيضًا ما رواه ابن عمر مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ»، ثم صح عن مجاهد قال: «صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ سِنِينَ وَكَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَّا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الافْتِتَاحِ»، وهذا يدل على نسخ الحكم (١).
أما إذا كان الحديث محتملاً لعدة معان، فيعين الصحابي بعض محتملات الحديث فإن ذلك لا يمنع كون الحديث معمولاً به على ظاهره، لأن تأويل الصحابي ليس بحجة على غيره، وإنما الحجة هو الحديث. وذلك كالذي رواه ابن عمر من قوله ﷺ : «المُتَبَايِعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا»، فـ «التَّفَرُّقُ فِي الحَدِيثِ يَحْتَمِلُ التَّفَرُّقَ بِالأَبْدَانِ»، فكان إذا أوجب البيع مشى هنيهة، ولم يأخذ الأحناف بهذا التأويل من ابن عمر، وحملوا التفرق على التفرق بالأقوال، أما المالكية فقد رَدُّوا هذا الحديث لمخالفته لما عليه العمل.
ويقول الأحناف: إن الشافعي قد فعل مثل ذلك في حديث ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، ثُمَّ أَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِـ «أَنَّ المُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلَ»، وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ هَذَا تَخْصِيصٌ لَحَقَ الحَدِيثَ مِنَ الرَّاوِي، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّأْوِيلِ، لا يكون حجة على غيره، وأخذ بظاهر الحديث، فأوجب القتل على المرتدة (٢).
وقد اختار الآمدي أنه إن علم مأخذ الصحابي في المخالفة، وكان ذلك مما يوجب حمل الخبر على ما ذهب إليه الراوي وجب اتباع ذلك الدليل،
стр. 250
لا لأن الراوي عمل به، فإنه ليس عمل أحد المجتهدين حجة على الآخر، وإن جهل مأخذه فالواجب العمل بظاهر الحديث (١).
وقد رَدَّ بعض المالكيين بناء على هذا الأصل ما روي عن عائشة مرفوعًا: «مَنْ [مَاتَ] (*) وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»، لِأَنَّهَا «أَفْتَتْ بِخِلَافِهِ حِينَ سُئِلَتْ عَنْ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ»، فقالت: «يُطْعَمُ عَنْهَا». وأخرج البيهقي أَنَّهَا قَالَتْ: «لَا تَصُومُوا عَنْ مَوْتَاكُمْ , وَأَطْعِمُوا عَنْهُمْ» (٢).
وقد استنكر المحدثون هذا الاتجاه في نقد الحديث، لأن الحجة في قول النبي ﷺ الذي يرويه الصحابي، لا في فتوى الصحابي الذي قد ينسى ما رواه، أو يجتهد فيه فيؤوله، أو تكون فتواه قبل أن يبلغه الحديث، [فإن] هذه الوجوه كلها محتملة فيما روى عنهم، لا يحل لأحد ترك كلامه ﵇ لفتيا جاءت عن صاحب مخالفة لما صح عنه ﵇ (٣).
ولكن أبا داود كان يميل إلى اتجاه الأحناف والمالكية في هذا الموضوع، فَـ «كَانَ يَرَى أَنَّ عَمَلَ الرَّاوِي بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ يُضَعِّفُ الحَدِيثَ».: فَقَدْ رَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ عَطَاءٍ - عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلاَةِ وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ».
ثُمَّ رَوَى أَبُو دَاوُدُ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ عَطَاءً يُصَلِّي سَادِلاً». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَهَذَا يُضَعِّفُ ذَلِكَ الحَدِيثَ» (٤).
وقد رأى بعض الأصوليين أن عمل الصحابي بخلاف ما روى لا يسقط
стр. 251
خبره، بل يفتح الاجتهاد فيه، لاحتمال ألا يكون منسوخًا، بل يكون مصروفًا عن ظاهره، أو مفهومًا على وجه لا يتعارض مع عمله.
فيقال في «حَدِيثِ غَسْلِ الإِنَاءِ سَبْعًا» الذي رواه أبو هريرة: إن الغسل سبع مرات إحداهن بالتراب يتعلق بالإناء الذي يوضع فيه الطعام والشرب وما أفتى به أبو هريرة من الغسل ثلاثًا يتعلق بغير ذلك من ثوب أو بدن.
ويقال في مخالفة عائشة بإنكاحها ابنة أخيها لما روته من اشتراط الولي في النكاح: إن عملها يقتضي تقييد حديثها بحضور الولي، فإذا كان غائبًا كانت الحادثة محل اجتهاد، وجاز أن يكون الزواج بإذن من يهتم بمصلحة الزوجة من أقاربها، حتى لا يفوتها الزوج الكفء (١).
ولأن الاحتمالات في خبر الواحد كانت دائمًا نصب أعين الفقهاء من غير المحدثين، حتى إنهم لم يكتفوا بصحة الإسناد في نقدهم للحديث نظروا أيضًا في بعض ألفاظ الصحابي عند أدائه للحديث، فاختلفوا مع المحدثين فيها، كما اختلفوا معهم في بعض صور الإسناد.
وقد قسم الأصوليون ألفاظ الصحابي درجات، بعضها أقوى من بعض، وجعلها بعضهم سبعًا، وجعلها آخرون خمسًا (٢).
١ - أعلاها قول الصحابي: «حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَهِ ﷺ »، أَوْ «أَخْبَرَنِي»، أَوْ «قَالَ لِي»، وما أشبه ذلك.
٢ - ثم قوله: «قَالَ رَسُولُ اللَهِ ﷺ »، وهذه الصيغة في مرتبة ثانية، لاحتمال أن يكون بينه وبين النبي ﷺ واسطة، بدليل ما رواه أبو هريرة مرفوعًا: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلاَ صَوْمَ لَهُ»، فلما روجع فيه قال: «حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ»، وكذلك روى ابن عباس عَنْ
стр. 252
النَّبِيِّ ﷺ «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ»، وَلَمَّا رُوجِعَ فِيهِ «أَخْبَرَ أَنَّهُ سَمِعَ الحَدِيثَ مِنْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ».
إلا أن احتمال الواسطة بعيد، والظاهر هو المشافهة، وعلى فرض أن هناك واسطة، فإن الصحابي المسكوت عنه عدل، باعتبار أن الصحابة كلهم عدول فلا يضر عدم ذكره. وقد نقلت إلينا جل الأخبار بهذه الصيغة فلم يفهم منها إلا السماع.
٢ - ثم يأتي في الدرجة الثالثة قول الصحابي: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ بِكَذَا» أَوْ «نَهَى عَنْ كَذَا»، وهذه الصيغة فوق احتمالها التوسط الذي ذكر في سابقتها - تحتمل أيضًا اعتقاد الصحابي ما ليس بأمر أو نهي أمرًا أو نهيًا، كما أنه ليس فيها ما يدل على أنه أمر الكل أو البعض، وعلى جهة الدوام أو التوقيت بوقت معين.
ولما فيه من هذه الاحتمالات ذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه لا حجة فيه، ما لم ينقل لفظ الرسول ﷺ نفسه.
لكن الأكثرين ذهبوا إلى حجية هذه الصيغة، لأن الظاهر أن الراوي لا يطلقها إلا إذا تيقن المراد.
وهذه الدرجات الثلاث يتفق الأحناف مع المحدثين وجمهور الفقهاء في الأخذ بها.
لكن الذي فيه الخلاف بين المحدثين والأحناف هو قول الصحابي: «أُمِرْنَا بِكَذَا» أَوْ «نُهِينَا عَنْ كَذَا» - بصيغة المجهول - أو قول الصحابي: «السُنَّةُ كَذَا»، فقد ذهب الأحناف إلى أن قول الصحابي ذلك لا يعتبر حديثًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، فلا يكون حجة، لأن هذه الصيغة تحتمل - زيادة على الاحتمالات السابقة - أن يكون الآمر أو الناهي غير
стр. 253
رسول الله ﷺ ، من الأئمة والولاة والعلماء، وأن يكون المراد بالسنة سنة البلدان والرؤساء.
ولهذا قال أبو يوسف: «وَأَهْلُ الحِجَازِ يَقْضُونَ بِالقَضَاءِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: عَمَّنْ؟ فَيَقُولُونَ بِهَذَا جَرَتْ السُّنَّةُ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ قَضَى بِهِ عَامِلُ السُّوقِ، أَوْ عَامِلٌ مَا مِنَ الجِهَاتِ» (١).
وقد نقل عن الشافعي في القديم أن هذه الصيغة لها حكم الرفع عند الإطلاق، ونقل عنه في الجديد أنها لا تنصرف إلى سنة الرسول بدون البيان، للاحتمال السابق، حتى قال: «فِي كُلِّ مَوْضِعٍ قَالَ مَالِكٌ ﵀: " السُنَّةُ بِبَلَدِنَا كَذَا "، فَإِنَّمَا أَرَادَ سُنَّةَ سُلَيْمَانَ بْنَ بِلَالٍ، الذِي كَانَ عَرَيفًا بِالمَدِينَةِ» (٢).
وقد كانوا يطلقون السنة على سنة الصحابة وآرائهم، كما يبين ذلك الخلاف الذي حدث بين الزهري وأحد زملائه، فعن صَالِحِ بْنَ كَيْسَانَ قَالَ: «اجْتَمَعْتُ أَنَا وَالزُّهْرِيُّ وَنَحْنُ نَطْلُبُ العِلْمَ، فَقُلْنَا: نَكْتُبُ السُّنَنَ، فَكَتَبْنَا مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: نَكْتُبُ مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِهِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ، وَقُلْتَ أَنَا: لَيْسَ بِسُنَّةٍ فَلاَ نَكْتُبُهُ، وَكَتَبَ وَلَمْ أَكْتُبْ فَأَنْجَحَ وَضَيَّعْتُ» (٣).
وقد بَيَّنَ ذلك الطحاوي في كلامه عن صفة القعود في الصلاة، وما روي عن ابن عمر قوله: «إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلاَةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ اليُمْنَى وَتَثْنِيَ اليُسْرَى»،
стр. 254
وأن قومًا ذهبوا إلى أن صفة القعود في الصلاة كلها أن ينصب الرجل رجله اليمنى ويثني اليسرى ويقعد بالأرض، مستندين إلى ما روي عن ابن عمر من أن ذلك سنة، والسنة لا تكون إلا عن رسول الله ﷺ .
وذهب آخرون إلى غير ذلك، لأن قول ابن عمر لا يدل على أنه عن النبي، إذ قد يجوز أن يكون رأى ذلك رأيًا، أو يكون أخذهم ممن بعد النبي ﷺ ، وقد قال ﵇: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي».
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَمَّا سَأَلَهُ رَبِيعَةُ , عَنْ أُرُوشِ أَصَابِعِ المَرْأَةِ «إِنَّهَا السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي» وَلَمْ يَكُنْ مَخْرَجُ ذَلِكَ إِلاَّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَسَمَّى سَعِيدٌ قَوْلَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ سُنَّةً (١).
أما المحدثون فقد ذهبوا إلى أن قول الصحابي: «أُمِرْنَا بِكَذَا، أَوْ نُهِينَا عَنْ كَذَا، أَوْ السُّنَّةُ كَذَا»، يعتبر حديثًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ لأن الصحابي يريد به إثبات شرع وإقامة حجة، فلا يحمل على قول من لا حجة في قوله.
ولذلك جعل البخاري لهذه الصيغ حكم الرفع، فمن ذلك قوله: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: «نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ» (٢).
وروى بسنده عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ [الحُيَّضَ] يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ ...» (٣).
стр. 255
وروي عنها أيضًا قالت: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ» (١).
وقد ذهب إلى ذلك الشافعية - كما ذكرنا عن النووي -، والحنابلة، فقد جاء في " المغني " عن ابن عمر قال: «مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا، فَهُوَ مِنْ مَالِ المُبْتَاعِ». ثم قال صاحب " المغني ": «وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مَضَتْ السُّنَّةُ، يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ ».
وقد استدل الحنابلة بذلك على أن بيع ما لم يقبض من غير الطعام جائز، وإن تلف قبل القبض فهو من ضمان المشتري (٢).
لكن الظاهرية من المحدثين لم يجعلوا لهذه الصيغ حكم الرفع، وفي ذلك يقول ابن حزم: «وَإِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ " السُّنَّةُ كَذَا " وَ" أُمِرْنَا بِكَذَا " فَلَيْسَ هَذَا إِسْنَادًا وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَنَّهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يُنْسَبُ إِلَى أَحَدٍ قَوْلٌ لَمْ يَرْوِ أَنَّهُ قَالَهُ وَلَمْ يَقُمْ بُرْهَانٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَهَانَا عُمَرُ فَانْتَهَيْنَا ". وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ " السُّنَّةُ كَذَا " وَإِنَّمَا يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ عِنْدَهُ عَلَى مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ». ثم روى بطريق البخاري «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: " أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنْ الحَجِّ طَافَ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَبِالمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلاً فَيَهْدِي أَوْ يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا».
ثم علق ابن حزم على هذه الرواية «بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنَ الأُمَّةِ كُلِّهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ صُدَّ عَنْ البَيْتِ لَمْ يَطُفْ بِهِ، وَلَا بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ بَلْ أَحَلَّ حَيْثُ كَانَ بِالحُدَيْبِيَةِ وَلَا مَزِيدَ. وَهَذَا الذِي ذَكَرَهُ
стр. 256
ابْنُ عُمَرَ لَمْ يَقَعْ قَطُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (١).
المُرْسَلُ:
وهو الذي سبق أن سماه السرخسي بالمنقطع صورة، وهو من النقاط الهامة في الخلاف بين المحدثين وغيرهم.
وَقَدْ عَرَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ: «مَا سَقَطَ بَيْنَ أَحَدِ رُوَّاتِهِ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ نَاقِلٌ وَاحِدٌ فَصَاعِدًا وَهُوَ المُنْقَطِعُ أَيْضًا» (٢).
وهذا التعريف هو الذي يتجه إليه الأصوليون والفقهاء، حيث لا يفرقون في الراوي المحذوف بين أن يكون واحدًا أو أكثر، وبين أن يكون صحابيًا أو غيره.
أما المحدثون فقد خصصوا الإرسال بأن يترك التابعي ذكر الصحابي الذي روى عنه، فإن سقط قبل الصحابي واحد فمنقطع، وإن كان أكثر من واحد سموه مُعضلاً (٣).
والعمل بمرسل الصحابي لا خلاف فيه بين جمهور الآخذين بخبر الواحد، لأن الصحابة كلهم عدول على الرأي الراجح (٤): فيجب أخذ مراسيلهم وقد سبق أن ذكرنا إرسال أبي هريرة عن الفضل بن عباس وإرسال ابن عباس عن أسامة بن زيد، بل إن معظم روايات ابن عباس من قبيل المرسل
стр. 257
لصغر سنه عند وفاة الرسول ﷺ ، مع كثرة روايته (١).
أما مرسل غير الصحابي فهو الذي فيه الخلاف، وقد بدأ هذا الخلاف بمناوشات خفيفة، ثم تطور إلى صراع عنيف في بداية القرن الثالث، بعد أن أعلن الإمام الشافعي ﵁ رأيه في المرسل، وفي الشروط المطلوبة لقبول الحديث.
وطبيعي أن يكون القرن الثالث هو الموعد المناسب لاحتدام الخلاف في المرسل، بعد أن قدمنا أن هذا القرن هو الذي تميز فيه مذهب أهل الحديث، وأحكمت فيه أصول صناعتهم. ولا شك أن للشافعي تأثيرًا واضحًا في المحدثين من هذه الناحية، وقد أفصح أبو داود عن هذا التأثير في " رسالته " التي بعث بها إلى أهل مكة، حيث يقول فيها: «وَأما المَرَاسِيل فقد كَانَ يحْتَج بهَا العلمَاء فِيمَا مضى، مثل سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك بن أنس وَالأَوْزَاعِي، حَتَّى جَاءَ الشَّافِعِي فَتكلم [فِيهَا] وَتَابعه على ذَلِك أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره ...» (٢).
ويقول ابن جرير مُبَيِّنًا أثر محدثي القرن الثالث في العمل بالمراسيل: «لَمْ يَزَلْ النَّاسُ عَلَى العَمَلِ بِالمَرَاسِيلِ حَتَّى حَدَثَ بَعْدَ المِائَتَيْنِ القَوْلُ بِرَدِّهَا» (٣)، ولقد قيل إن رد المراسيل بدعة حدثت بعد القرنين الأول والثاني (٤).
ومعنى ذلك أن العلماء من خلال القرنين الأولين - سواء منهم من اشتغل بالرواية ومن لم يشتغل بها - كانوا يقبلون المرسل ويتبادلون الاحتجاج به، وخاصة مرسل التابعين ولم يكن هذا الصنيع منهم عزوفًا عن التثبت، ورغبة عن الإسناد فإنهم كانوا ينتقون شيوخهم، فإذا اطمأنوا إليهم قبلوا منهم مسندهم ومرسلهم على السواء.
стр. 258
ومع أن التثبت في الحديث والمطالبة بالإسناد بدأت منذ عصر الصحابة بدليل مراجعة بعضهم بعضًا في عدد من الأحاديث، ومع أن هذا التثبت أخذ صورة جادة في عصر التابعين ومن بعدهم، منذ ظهرت فتنة عثمان وما تلاها، كما يقول ابن سيرين: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» (١). مع هذا التثبت في الحديث خلال القرنين الأولين كان الإرسال في أثنائها وبعدها، وإنما كان أثر الفتنة هو البحث والتحري عند الشك والتردد في صحة الحديث، حتى إذا استكملت شروط الرواية وأحكمت قوانين الصناعة التزم بها المحدثون التزامًا دقيقًا، ونقدوا على أساسها ما وصلهم من روايات. وقد أعانهم على ذلك الالتزام وهذا النقد ما جمعوه من أحاديث البلدان المختلفة، وما بذلوه من جهد في جمع طرقها واستقصاء أسانيدها، فظهر لهم من المرسل ما أصله الاتصال، ومن المتصل ما أصله الإرسال، وميزوا المدرج من متن الحديث، وفطنوا إلى ما وقع فيه التدليس، ونبهوا إلى المدلسين.
لذلك ذهب جمهور المحدثين، وبخاصة أهل الظاهر، إلى رد المرسل وعدم صلاحيته للاحتجاج به وَعَدُّوهُ في جملة الأحاديث الضعيفة التي فقدت شرطًا من شروط الصحة، وهو اتصال الإسناد، فإن الصحابي الذي روى عنه التابعي مجهول، وإذا كانت الرواية عمن جهلت صفته مردودة، فأولى أن ترد عمن جهلت ذاته وصفته. ومع أنهم يقولون بعدالة الصحابة، فالصحابي المجهول معلومة صفته حينئذٍ، وهي العدالة - نراهم يقولون إن
стр. 259
هناك احتمال كون الصحابي روى عن تابعي، أو يكون التابعي روى مرسله عن تابعي.
فإذا اعترض عليهم بأن رواية الصحابي عن تابعي احتمال نادر، وأن رواية التابعي الثقة حديثًا عن تابعي مثله لا تؤثر، إذ التابعي الثقة لا يروي حديثًا إلا أن يكون سمعه من صحابي - فإن الجواب عن ذلك أن الاحتياط هو الأمثل. والحقيقة أن الإجابة عن ذلك تكمن في الالتزام التام للقواعد التي أرساها المحدثون، والتي طبقها بعضهم تطبيقًا حرفيًا، حتى آل الأمر عند الظاهرية منهم إلى نوع من المغالاة والتحكم: وإلى ذلك يشير الدهلوي حيث يقول: «وَلَا يَنْبَغِي لِمُحَدِّثٍ أَنْ يَتَعَمَّقَ بِالقَوَاعِدِ التِي أَحْكَمَهَا أَصْحَابُهُ، وَلَيْسَتْ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّارِعُ، فَيَرُدُّ بِهِ حَدِيثًا أَوْ قِيَاسًا صَحِيحًا كَرَدِّ مَا فِيهِ أَدْنَى شَائِبَةِ الإِرْسَالِ وَالانْقِطَاعِ كَمَا فَعَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ، رَدَّ حَدِيثَ تَحْرِيمِ المَعَازِفِ لِشَائِبَةِ الانْقِطَاعِ فِي رِوَايَةِ البُخَارِيِّ، عَلَى أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ، فَإِنَّ مَثَلُهُ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَكَقَوْلِهِمْ: فُلاَنٌ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ فُلَانٍ مِنْ غَيْرِهِ، فَيُرَجِّحُونَ حَدِيثَهُ عَلَى حَدِيثِ غَيْرِهِ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي الآخِرِ أَلْفَ وَجْهٍ مِنَ الرُّجْحَانِ» (١)
وهكذا استقر رأي جمهور المحدثين وأهل الظاهر على عدم قبول المرسل. وفي ذلك يقول مسلم: «[وَالمُرْسَلُ فِي أَصْلِ] قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ العِلْمِ بِالأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ» (٢).
ويقول الترمذي: «وَالحَدِيثُ إِذَا كَانَ مُرْسَلاً، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الحَدِيثِ، قَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ»، ثم ذكر الترمذي السبب في رد المرسل، فقال: «وَمَنْ ضَعَّفَ المُرْسَلَ فَإِنَّمَا ضَعَّفَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةِ حَدَّثُوا عَنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِ الثِّقَاتِ، فَإِذَا رَوَى أَحَدُهُمْ حَدِيثًا وَأَرْسَلَهُ لَعَلَّهُ أَخَذَهُ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، قَدْ تَكَلَّمَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ فِي مَعْبَدِ الجُهَنِيِّ، ثُمَّ رَوَى
стр. 260
عَنْهُ». ثم نقل مثل صنيع الحسن عن الشعبي، وسفيان بن عيينة. ولم ينس الترمذي أن يشير إشارة موجزة إلى أن بعض أهل العلم يحتج بالمرسل (١).
ويقول ابن الصلاح: «وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سُقُوطِ الاحْتِجَاجِ بِالمُرْسَلِ وَالحُكْمِ بِضَعْفِهِ هُوَ المَذْهَبُ الذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ آرَاءُ جَمَاهِيرِ حُفَّاظِ الحَدِيثِ وَنُقَّادِ الأَثَرِ» (٢).
وقد بالغ ابن حزم في رد المرسل، وذكر أنه غير مقبول ولا تقوم به حجة، لأنه عن مجهول، ومن جهل حاله ففرض علينا التوقف في قبول خبره حتى نعلم حاله، وسواء قال الراوي: «حَدَّثَنَا الثِّقَةُ»، أو لم يقل، «إِذْ قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ ثِقَةٌ مَنْ لَا يَعْلَمُ مِنْ جَرْحَتِهِ مَا يَعْلَمُ غَيْرُهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الجَرْحَ أَوْلَى مِنَ التَّعْدِيلِ»، ثم ذكر ابن حزم مِنْ أَسْبَابِ رَدِّ المرسل حصول الكذب في عهد الرسول ﷺ ووجود منافقين ومرتدين بنص القرآن: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ (٣)، «وَلِقَاءُ التَّابِعِيِّ لِرَجُلٍ مِنْ أَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ شَرَفٌ وَفَخْرٌ عَظِيمٌ فَلِأَيِّ مَعْنَى يُسْكَتُ عَنْ تَسْمِيَتِهِ لَوْ كَانَ مِمَّنْ حُمِدَتْ صُحْبَتُهُ وَلَا يَخْلُو سُكُوتُهُ عَنْهُ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إِمَّا أَنَّهُ لَا يَعْرِفْ مَنْ هُوَ وَلَا عَرَفَ صِحَّةَ دَعْوَاهُ الصُّحْبَةَ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ بَعْضِ مَا ذَكَرْنَا» (٤).
وقد استثنى ابن حزم من المرسل ما قد صح الإجماع بما فيه، ونقل جيلاً بعد جيل كنقل القرآن، فاستغنى عن السند، كقوله ﷺ : «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»، وكثير من أعلام نبوته ومعجزاته (٥).
стр. 261
وقد سبق أن ذكرنا أن جمهور المحدثين في القرن الثالث قد رَدَّ المرسل، أما القليل منهم فذهب إلى أنه صالح للاستدلال، وأخروا رتبته عن المسند، ومن هؤلاء أبو داود السجستاني حيث قال في " رسالته إلى أهل مكة " - والتي سبق أن نقلنا طرفًا منها - موضحًا منهجه في " سننه ": «فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْنَدٌ غَيْرِ المَرَاسِيلِ، وَلَمْ يُوجَدْ المُسْنَدُ فَالمُرْسَلُ يُحْتَجُّ بِهِ وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَ المُتَّصِلِ فِي القُوَّةِ».
وقد نقلنا عن أبي داود أيضًا أن ابن حنبل قد تابع الشافعي في الكلام في المراسيل. وقد رُوِيَ عن أحمد في المرسل قولان: أحدهما يضعه مع أبي حنيفة ومالك وغيرهما ممن قبلوا المرسل، والآخر يجعله متأثرًا بالشافعي في المنع منه.
والقول الثاني أقرب لمسلك الإمام أحمد ومكانته في صناعة الحديث، وإن كان هذا لا يمنعه من العمل به، فالمرسل من حيث الصناعة حديث ضعيف، ولهذا أخره أحمد عن فتوى الصحابي، وهو لا يقدمها على حديث صحيح (١)، ولكنه من حيث المعنى، يدخل في نطاق الأثر، فإنه إن لم يكن حديثًا فلن يخرج عن أن يكون قولاً لصحابي أو تابعي، والعمل بالأثر بمفهومه الواسع، خير من العمل بالرأي.
ولما سبق أن ذكرناه من تأثر المحدثين بالشافعي في موقفهم تجاه المرسل، حتى إن حججهم في رده لا تخرج عن الحجج التي ساقها الشافعي، توجز رأي الشافعي ﵁ في المرسل، ولعله أول من نظم الكلام في شرائط الرواية، وكما كانت له اليد الطولى على علم أصول الفقه كان له مثلها على علم أصول الحديث.
стр. 262
وقد بَيَّنَّا من قبل أن المرسل في عرف الفقهاء والأصوليين وبعض المحدثين يطلق على مرسل التابعي ومرسل غيره مما يسمى في عرف المحدثين بالمنقطع.
والشافعي يرفض مرسل غير التابعي رفضًا تامًا، وكذلك مرسل صغار التابعين الذين تكثر مشاهدتهم للصحابة، لما حدث من توسع في الرواية حتى روى بعضهم عن الضعفاء، كما قد يروي بعض العلماء عن ضعيف يعلمه إذا وافق قولاً يقوله: «وَمَنْ نَظَرَ فِي العِلْمِ بِخِبْرَةٍ وَقِلَّةِ غَفْلَةٍ، اسْتَوْحَشَ مِنْ مُرْسَلِ كُلِّ مَنْ دُونَ كِبَارِ التَّابِعِينَ» (١).
أما مرسل كبار التابعين فلا ينهض بمفرده أن يكون حجة، ولكن يمكن قبوله إذا انضم إليه واحد من أربعة، بعضها أقوى من بعض في الدلالة، وها هي ذي مرتبة ترتيبًا تنازليًا:
١ - أن يوافقه مسند صحيح في معناه.
٢ - أن يوافقه مرسل آخر في معناه، روي من غير طريق الأول.
٣ - أن يوافقه قول لأحد الصحابة.
٤ - أن يفتي بمثل معنى المرسل جماعات من أهل العلم.
ولا يقتصر الشافعي على ذلك، بل يضيف إليه أن يكون هذا التابعي الكبير معروفًا بالضبط والحيطة، وألا يكون في شيوخه، الذين يصرح بهم في رواياته المتصلة - أحد مرغوب عنه ولا مجهول. وفي ذلك يقول: «ثُمَّ يُعْتَبَرُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ إِذَا سَمَّى مَنْ رَوَى عَنْهُ لَمْ يُسَمِّ مَجْهُولًا وَلَا مَرْغُوبًا عَنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهِ فِيمَا رَوَى عَنْهُ، وَيَكُونُ إِذَا شَرِكَ أَحَدًا مِنَ الحُفَّاظِ فِي حَدِيثٍ لَمْ يُخَالِفْهُ، فَإِنْ خَالَفَهُ وُجِدَ حَدِيثُهُ أَنْقَصَ: كَانَتْ فِي هَذِهِ دَلَائِلُ عَلَى صِحَّةِ مَخْرَجِ حَدِيثِهِ. وَمَتَى خَالَفَ مَا وَصَفْتُ أَضَرَّ
стр. 263
بِحَدِيثِهِ، حَتَّى لَا يَسَعَ أَحَدًا مِنْهُمْ قَبُولَ [مُرْسَلِهِ]» (١).
هذه هي الشروط التي قيد بها الشافعي قبول المرسل، وهذا المرسل المقبول بكل ما عضده أضعف المسند، لأن فيه من الاحتمال ما ليس في المسند: «وَإِذَا وُجِدَتْ الدَّلَائِلُ بِصِحَّةِ حَدِيثِهِ بِمَا وَصَفْتُ، أَحْبَبْنَا أَنْ نَقْبَلَ مُرْسَلَهُ. وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَزْعَمَ أَنَّ الحُجَّةَ تَثْبُتُ بِهِ ثُبُوتَهَا بِالمُتَّصِل، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى المُنْقَطِعِ مُغَيَّبٌ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُمِلَ عَنْ مَنْ يُرْغَبُ عَنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ إِذَا سُمِّيَ وَإِنَّ بَعْضَ المُنْقَطِعَاتِ - وَإِنْ وَافَقَهُ مُرْسَلٌ مِثْلَهُ - فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَخْرَجُهَا وَاحِدًا، مِنْ حَيْثُ لَوْ سُمِّيَ لَمْ يُقْبَلْ» (٢).
أما موقف الأصوليين بعد الشافعي، فالأحناف منهم ينقلون الاتفاق بين علمائهم على قبول مراسيل القرون الثلاثة الأولى: (الصحابة والتابعين وتابعيهم)، فأما مراسيل من بعد هذه القرون الثلاثة، فَقَدْ كَانَ أَبُو الحَسَنِ الكَرْخِيِّ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَرَاسِيلِ أَهْلِ الأَعْصَارِ (*)، وكان يقول (**): «مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ مُسْنَدًا، تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ مُرْسَلاً»، واختاره الآمدي من الشافعين حيث يقول: «وَالمُخْتَارُ قَبُولُ مَرَاسِيلِ العَدْلِ مُطْلَقًا» (٣).
«وَذَهَبَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ إِلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ مَنْ اِشْتَهَرَ فِي النَّاسِ بِحَمْلِ الْعَلْمِ مِنْهُ، كَمُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ مَثُلاً، وَمَنْ اشْتَهَرَ بِالرِّوَايةِ دُونَ العِلْمِ فَإِنَّ مُسْنَدَهُ يَكُونُ حُجَّةً، وَمُرْسَلَهُ يَكُونُ مَوْقُوفًا إِلَى أَنْ يَعْرِضَ عَلَى مَنْ اشْتَهَرَ بِحَمْلِ الْعِلْمِ عَنْهُ. وَذَهَبُ أَبُو بَكَرَ الرَّازِيِ الْجَصَّاصُ إِلَى أَنَّ مُرْسَلَ مَنْ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ الثَّلاثَةِ حُجَّةٌ، مَا لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ الرِّوايَةَ عَمَّنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ ثِقَةٍ، وَمُرْسَلُ مَنْ كَانَ بَعْدَهُمْ لَا يَكُونُ حُجَّةٌ إِلّا مَنْ اشْتَهَرَ بِأَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلّا عَمَّنْ هُوَ عَدْلٌ ثِقَةٌ»،
стр. 264
واختاره السرخسي (١).
وَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأَخِّرِينَ - وَمِنْهُمْ ابْنُ الحَاجِبِ المَالِكِيُّ، وَكَمَالُ الدِّينِ بْنُ الهُمَامِ الحَنَفِيِّ - إِلَى أَنَّ المُرْسَلَ يُقْبَلُ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ فِي أَيِّ قَرْنٍ، وَيُتَوَقَّفُ فِي المُرْسَلِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ " مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ " (٢).
أما معظم الأصوليين من الشافعية، فقد تبنوا فكرة الشافعي في المرسل ودافعوا عنها.
وأدلة الذين قبلوا المرسل تتلخص فيما يأتي:
[أ] أن الصحابة قد أرسلوا كثيرًا من الأحاديث، وقد اتفق على قبول مراسيلهم، وهذا حجة في قبول أصل المرسل.
[ب] أن رواية العدل عن الأصل المسكوت عنه تعديل له، لأنه لو روى عمن ليس بعدل ولم يبين حاله، لكان ملبسًا وغاشًا، وذلك ينافي عدالته، بل بالغ بعضهم فجعل المرسل لذلك أقوى من المسند، لأنه إذا أسنده فقد وكل أمره إلى الناظر فيه ولم يلتزم صحته، بخلاف ما إذا أرسله، لأنه لا ينسب حديثًا إلى الرسول ﷺ إلا إذا غلب على ظنه صدق من روى عنه.
ولهذا قال إبراهيم النخعي للأعمش عندما قال له: «إِذَا حَدَّثْتَنِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَأَسْنِدْ»، فرد عليه إبراهيم بقوله: «إِذَا قُلْتُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَإِذَا قُلْتُ حَدَّثَنِي فُلانٌ فَحَدَّثَنِي فُلانٌ»
و «كَانَ الحَسَنُ إِذَا اجْتَمَعَ لَهُ أَرْبَعَةٌ عَلَى الحَدِيثِ أَرْسَلَهُ إِرْسَالاً» (٣).
стр. 265
أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ:
في بداية حديثنا عن الأثر بينا أنه يشمل السنة، وأقوال السلف من الصحابة والتابعين، وبعد أن استعرضنا موقف المحدثين ومنهجهم بالنسبة إلى الحديث، ننتقل الآن لنبين موقفهم من فتاوى الصحابة والتابعين.
وقد بَيَّنَّا أيضًا في فصل سابق أهمية عصر الصحابة، ووجوب دراسة فقههم واتجاههم، لتأثيرهم العميق فيمن أتى بعدهم من العلماء. ولهذا قال مالك: «" لَا تَجُوزُ الفُتْيَا إِلَّا لِمَنْ عَلِمَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ "، قِيلَ لَهُ: اخْتِلَافُ أَهْلِ الرَّأْيِ؟ فَقَالَ: " لَا، اخْتِلَافُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَهِ ﷺ " ...» (١).
وقد اتجه المحدثون إلى الأخذ بأقوال الصحابة إذا اتفقوا، وإلى التخير من أقوالهم وعدم الخروج عليها إذا اختلفوا، واعتبروا أقوالهم حينئذٍ حجة تقدم على القياس.
وكان لهم في ذلك سلف من التابعين: فقد روى الأوزاعي عن سعيد بن المسيب، أنه سئل عن شيء، فقال: «اخْتَلَفَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلاَ أَرَى لِي مَعَهُمْ قَوْلاً (*)».
قال ابن وضاح - هو محمد بن وضاح، من رواة هذا الخبر -: «هَذَا هُوَ الحَقُّ». قال أبو عمر بن عبد البر: «مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِقَوْلٍ يُخَالِفُهُمْ [جَمِيعًا] بِهِ» (٢).
وروى ابن حزم بسنده «عَنْ صَالِحٍ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: " قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: رَجُلٌ
стр. 266
طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً فَجَاءَ آخَرُ فَتَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا؟ "، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: " يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، وَتُكْمِلُ عِدَّتَهَا الأُولَى، وَتَأْتَنِفُ مِنْ هَذِهِ عِدَّةً جَدِيدَةً، وَيُجْعَلُ صَدَاقُهَا فِي بَيْتِ المَالِ، وَلاَ يَتَزَوَّجُهَا أَبَدًا وَيَصِيرُ الأَوَّلُ خَاطِبًا ".
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: " يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَتُكْمِلُ عِدَّتَهَا الأُولَى، وَتَسْتَقْبِلُ مِنْ هَذَا عِدَّةً جَدِيدَةً وَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، وَيَصِيرُ كِلاَهُمَا خَاطِبَيْنِ - قَدْ أَخْبَرْتُكَ بِقَوْلِ هَذَيْنِ، فَإِنْ أَخْبَرْتُكَ بِرَأْيٍ فَبُلْ عَلَيْهِ "» (١).
وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ المُتْعَةِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ , فَقَالَ: «كَرِهَهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵄ , فَإِنْ يَكُنْ عِلْمًا فَهُمَا أَعْلَمُ مِنِّي، وَإِنْ يَكُنْ رَأْيًا فَرَأْيُهُمَا أَفْضَلُ» (٢).
وقد كان أحمد بن حنبل يقدر الصحابة ويجلهم، ويتتبع خطاهم ويتأسى بهم.
رَوَى عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْسَعَ، وَالبُرُّ أَفْضَلُ مِنْ التَّمْرِ "» قَالَ: إنَّ أَصْحَابِي سَلَكُوا طَرِيقًا، وَأَنَا أُحِبُّ أَنَّ أَسْلُكَهُ.
قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: «وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ جَمَاعَةَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُخْرِجُونَ التَّمْرَ فَأَحَبَّ ابْنُ عُمَرَ مُوَافَقَتَهُمْ، وَسُلُوكَ طَرِيقَتِهِمْ، وَأَحَبَّ أَحْمَدُ، أَيْضًا الاقْتِدَاءَ بِهِمْ وَاتِّبَاعَهُمْ» (٣) (*)، فكان أحب إليه أن يخرج التمر في زكاة الفطر.
وقد ذكرنا فيما مضى أن ورع ابن عمر دفعه إلى التشدد حتى «إِنَّهُ كَانَ يُدْخِلُ المَاءَ فِي عَيْنَيْهِ فِي الوُضُوءِ» (**)، وقد ذكر بعض الحنابلة لذلك أن إدخال
стр. 267
الماء في العينين من سنن الوضوء، وذهب بعضهم إلى استحباب ذلك في الغسل خاصة، لأن أحمد «نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ»، ولأن غسل الجنابة أبلغ (١).
وقد جعل أحمد أقوال الصحابة من الأصول التي اعتمد عليها في استنباط فقهه، وتأتي مرتبتها بعد النصوص (القرآن والسنة الصحيحة) وقبل العمل بالحديث الضعيف والقياس، وقسم ابن القيم هذه الأقوال إلى قسمين: أولهما أقوى من ثانيهما: فالأول فتوى الصحابي التي لا يعرف لها مخالف والتي يسميها البعض بالإجماع السكوتي. والثاني إذا اختلف الصحابة في مسألة، فإن أحمد يتخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف ولم يجزم بقول (٢).
وذكر ابن عبد البر أن أحمد بن حنبل لم يكن يستجيز النظر في اختلاف الصحابة بقصد الترجيح بينها: فقد روى أن محمد بن عبد الرحمن الصيرفي قال لأحمد: «إِذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْأَلَةٍ هَلْ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي أَقْوَالِهِمْ لِنَعْلَمَ مَعَ مَنِ الصَّوَابُ مِنْهُمْ فَنَتَّبِعَهُ؟». فَقَالَ لِي: «لَا يَجُوزُ النَّظَرُ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » فَقُلْتُ: «فَكَيْفَ الوَجْهُ فِي ذَلِكَ؟». قَالَ: «تُقَلِّدْ أَيَّهُمْ أَحْبَبْتَ» (٣).
وفي بيان تأثر ابن حنبل بالصحابة وتأسيه بهم يؤكد ابن القيم أن من تأمل فتاواه وفتاوى الصحابة رأى مطابقة كل منهما على الآخر، ورأى الجميع كأنه تخرج من مشكاة واحدة، حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على
стр. 268
قولين، جاء عنه في المسألة روايتان، وحتى إنه ليقدم فتاواهم على الحديث المرسل: «قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ فِي " مَسَائِلِهِ ": " قُلْت لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُرْسَلٌ بِرِجَالٍ ثَبَتَ أَحَبُّ إلَيْك أَوْ حَدِيثٌ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مُتَّصِلٌ بِرِجَالٍ ثَبَتَ؟ " قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵀: " عَنْ الصَّحَابَةِ أَعْجَبُ إلَيَّ "» (١).
ومما جاء من الفروع موضحًا هذا الاتجاه عند أحمد: «أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا غَصَبَ عَيْنًا فَنَقَصَتْ هَذِهِ العَيْنُ فِي يَدِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ قِيمَةُ النَّقْصِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الأَعْيَانِ».
ولكن روي عن أحمد بن حنبل «أَنَّ الدَّابَّةَ بِالذَّاتِ إِذَا أُصِيبَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهَا فَإِنَّهَا تُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا العُمُومِ، وَتَضْمَنُ حِينَئِذٍ بِرُبْعِ قِيمَةِ الدِّيَّةِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ».
أما إذا فقئت عيناها، فقد قال أحمد: «مَا سَمِعْتُ فِيهَا شَيْئًا».
وقد «رَأَى أَحْمَدُ أَنَّ البَعِيرَ وَالبَقَرَةَ وَالشَّاةَ غَيْرَ الدَّابَةِ، وَيُنْتَفَعُ بِلَحْمِهَا فَيُعَوَّضُ فِيهَا قِيمَةُ النَّقْصِ»، «وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَوْجَبَ مِقْدَارًا فِي العَيْنِ الْوَاحِدَةِ مِنْ الدَّابَّةِ، وَهِيَ الفَرَسُ وَالبَغْلُ وَالحِمَارُ خَاصَّةً لِلأَثَرِ الوَارِدِ فِيهِ، وَمَا عَدَا هَذَا يُرْجَعُ إلَى القِيَاسِ» (٢).
فإذا لم يكن في المسألة من قرآن أو سنة، ولم يؤثر فيها قول لأحد من الصحابة - تخير ابن حنبل من أقوال التابعين: «قَالَ الأَثْرَمُ: " سَمِعْتُ
стр. 269
أَبَا عَبْدِ اللَهِ يَقُولُ: إِذَا كَانَ فِي المَسْأَلَةِ عَن النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ لم نَأْخُذ فِيهَا بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا بِقَوْلِ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَإِذَا كَانَ فِي المَسْأَلَةِ عَن أَصْحَابِ رَسُولِ اللَهِ ﷺ قَوْلٌ مُخْتَلَفٌ نَتَخَيَّرُ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ وَلَا نَأْخُذُ بِقَوْلِ مَنْ بَعْدَهُمْ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَدِيثٌ وَلَا قَوْلٌ لِأَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ نَتَخَيَّرُ مِنْ أَقْوَالِ التَّابِعِينَ، وَرُبَّمَا كَانَ الحَدِيثُ عَنْ النَّبِي ﷺ وَفِي إِسْنَادِهِ شَيْءٌ فَنَأْخُذُ بِهِ إِذَا لَمْ يَجِيءَ خِلاَفُهُ. قَالَ: وَرُبَّمَا أَخَذْنَا بِالحَدِيثِ المُرْسَلِ إِذَا لَمْ يَجِيءَ خِلاَفُهُ» (١).
وقد فرق أحمد بين التقليد والاتباع، وجعل أقوال الصحابة والتابعين من الاتباع. فقد روى أبو داود أنه سمع أحمد يقول: «الاتِّبَاعُ أَنْ يَتْبَعَ الرَّجُلُ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ هُوَ مِنْ بَعْدُ فِي التَّابِعِينَ مُخَيَّرٌ» (٢).
والتخيير هنا معناه رفع اللوم عمن لا يقول بقول التابعين، وإن قال بقولهم فهو متبع لا مقلد.
وقد ذكر الأستاذ الشيخ أبو زهرة في كتابه عن " ابن حنبل " «أَنَّ هُنَاكَ رِوَايَتَيْنِ فِي أَخْذِهِ بِفَتَاوَى التَّابِعِينَ، وَإِنَّ مَنْ يَقُولُونَ بِالأَخْذِ بِهَا مِنَ الحَنَابِلَةِ يَخْتَلِفُونَ فِي تَقْدِيمِهَا عَلَى القِيَاسِ أَوْ تَأْخِيرَهَا عَنْهُ، ثُمَّ رَجَّحَ أَنَّ أَحْمَدَ كَانَ يَأْخُذُ بِهَا لِمَا اشْتَهَرَ عَنْهُ مِنَ التَّوَرُّعِ عَنْ الرَّأْيِ، وَالرَّغْبَةِ فِي الحِيطَةِ» (٣).
وقد رأينا البخاري يكثر من ذكر آراء الصحابة والتابعين يدعم بها
стр. 270
رأيه، وبخاصة في مواضع الاختلاف، ويكاد يعتمد عليها وحدها في أبواب التفسير.
فقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «البِئْرُ جُبَارٌ، وَالعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمْسُ». وقد اختلف في تفسير الركاز: هل هو دفن الجاهلية خاصة، أم هو ما احتوته الأرض من كنوز الثروة الطبيعية، أو الصناعية التي خبأها الإنسان؟.
وقد ترتب على ذلك خلاف في العنبر الذي يستخرج من البحر، هل فيه الخمس أم لا؟ وقد ذهب البخاري إلى أن العنبر ليس بركاز، فلا شيء فيه، وكذلك كل ما يستخرج من البحر، وارتضى ما روي عن ابن عباس في ذلك، ورد على الحسن الذي قال: «إِنَّ فِيهِ الخُمُسُ»:
يقول البخاري: (بَابُ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «لَيْسَ العَنْبَرُ بِرِكَازٍ هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ». وَقَالَ الحَسَنُ: «فِي العَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ: الخُمُسُ» فَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ «فِي الرِّكَازِ الخُمُسَ» لَيْسَ فِي الذِي يُصَابُ فِي المَاءِ).
ثم استدل بما روي عن النبي ﷺ «أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَخَرَجَ المَدِينُ يَبْحَثُ عَنْ مَرْكَبٍ فِي البَحْرِ لِيَصِلَ إِلَى الدَّائِنِ فَيُوفِيَهُ دَيْنَهُ فَلَمْ يَجِدْ، فَأَخَذَ خَشَبَةً، فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، ثُمَّ رَمَى بِهَا فِي البَحْرِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ، فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا» (١).
стр. 271
ويقول البخاري: (بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: «مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلاَّ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا»، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: «أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ». وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: «مَا خَافَهُ إِلاَّ مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلاَّ مُنَافِقٌ») (١).
ويقول: (بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيقِ وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، ﵃، «فَلَمْ يَتَوَضَّئُوا») (٢) بل إنه أحيانًا يعقد الباب لا يذكر فيه حديثًا واحدًا مرفوعًا، بل يقتصر على الترجمة التي يذكر فيها رأيه، ويدعمه بأقوال الصحابة والتابعين، ومن ذلك قوله في كتاب الطلاق: (بَابُ لَا طَلاَقَ قَبْلَ النِّكَاحِ. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا، فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٤٩] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «جَعَلَ اللَّهُ الطَّلاَقَ بَعْدَ النِّكَاحِ». وَيُرْوَى فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، وَشُرَيْحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَطَاوُوسٍ، وَالحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَعَامِرِ بْنِ سَعْدٍ (*)، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَمْرِو بْنِ هَرِمٍ، وَالشَّعْبِيِّ: أَنَّهَا لاَ تَطْلُقُ) (٣).
هذا هو كل ما ذكره في هذا الباب، وهو لا يعدو أن يكون رأيًا لهذا الجمع من السلف الصالح. بل قد رأينا البخاري يعطي قول الصحابي حكم الحديث
стр. 272
المرفوع فيستدل به فيما يعقده من الأبواب. ومن أمثلة ذلك ما جاء في الباب الذي ترجمه بقوله: (بَابُ مَنْ رَأَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُوجِبِ السُّجُودَ. وَقِيلَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «الرَّجُلُ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ لَهَا»، قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ قَعَدَ لَهَا كَأَنَّهُ لاَ يُوجِبُهُ عَلَيْهِ». وَقَالَ سَلْمَانُ: «مَا لِهَذَا غَدَوْنَا» وَقَالَ عُثْمَانُ ﵁: «إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَهَا ...». وقد روى البخاري في هذا الباب «أَنَّ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَرَأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ، فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانَتْ الجُمُعَةُ القَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ، قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ، فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ، فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ﵁» وَزَادَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ» (١).
ونلاحظ أن هذا الحديث ليس فيه إضافة إلى قول للرسول ﷺ ، أو إلى عمل له، وإنما فيه قول عمر فقط، إلا أن يقال إنه ذكر ذلك بمحضر الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، فصار إجماعًا، والإجماع لا يكون إلا عن توقيف عند من يرى ذلك.
إلى غير ذلك من الأمثلة العديدة التي حفل بها " صحيح البخاري " (٢).
ولم يأخذ الظاهرية بأقوال الصحابة والتابعين، ونعى ابن حزم على من يأخذ بأقوال الصحابة فيما لا مدخل للرأي فيه، مرجحًا أنه لا يقول ذلك إلا عن توقيف، وقد أبطل ابن حزم ذلك، مبينًا أن أقوال الصحابة فيها الصواب والخطأ (٣).
стр. 273
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: «الوِتْرُ كَصَلاَةِ المَغْرِبِ». وعلق ابن حزم على ذلك بقوله: «قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا لَمْ يَرْوِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَلاَ نَقُولُ بِهِ، إِذْ لَا حُجَّةَ إلاَّ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلُهُ أَوْ عَمَلُهُ أَوْ إقْرَارُهُ فَقَطْ» (١).
وحتى في التقديرات التي يقدرها الصحابة، والتي رأى بعض العلماء وجوب اتباع الصحابة فيها، لأنها لا تقال بالرأي، لم ير ابن حزم أنها حجة، ولم يجد فيها ما يمنعه من الاجتهاد ومخالفة أقوال الصحابة، يتضح ذلك في كفارة اليمين، فقد ذهب ابن حزم إلى أن من أراد التكفير بالإطعام فلا يجزئه إلا إطعام عشرة مساكين، أما المقدار فهو مثل ما يطعم الإنسان أهله: إن كان دقيقًا، فليعط المساكين دقيقًا، أو حَبًّا أو خبزًا كذلك، يعطي من الصفة والكيل الوسط، لا الأعلى ولا الأدنى.
ثم ذكر ما جاء من الاختلاف في ذلك: «فَصَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فِي كَفَّارَةِ اليَمِينِ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ [حِنْطَةٍ]، أَوْ صَاعُ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ. وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ. [وَرُوِّينَا] عَنْ ابْنِ عُمَرَ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ حِنْطَةٍ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِثْلُهُ. وَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ أَوْ صَاعُ تَمْرٍ - وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَابْنِ سِيرِينَ ...» الخ الآراء التي ذكرها، ثم عقب عليها بقوله: «هَذِهِ أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ لاَ حُجَّةَ بِشَيْءٍ مِنْهَا مِنْ قُرْآنٍ وَلاَ سُنَّةٍ» (٢).
أما موقف (٣) باقي المذاهب في الأخذ بأقوال الصحابة والتابعين، فنجملها فيما يلي: إذا قال الصحابي قولاً، ولم يعلم له مخالف: فإن كان هذا القول مشهورًا في عصر الصحابة، فالذي عليه جماهير الفقهاء أنه إجماع
стр. 274
وحجة، وقالت طائفة منهم: هو حجة وليس بإجماع. وقالت شرذمة من المتكلمين وبعض الفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعًا ولا حجة.
وإن لم يشتهر قول الصحابي فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة: هذا هو قول أبي حنيفة وجمهور الحنفية (١)، وهو مذهب مالك وأصحابه، وتصرفه في " موطئه " يدل عليه (٢). وهو قول إسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وهو منصوص أحمد في غير موضع عنه، واختيار جمهور أصحابه.
وهو منصوص الشافعي في القديم والحديث: أما القديم فأصحابه مقرون به، وأما الجديد فكثير منهم يحكي عنه أنه ليس بحجة، وفي هذه الحكاية نظر ظاهر جدًا (٣).
وقد ذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة،
стр. 275
وأكثر المتكلمين إلى أنه ليس بحجة، لأن الصحابي مجتهد غير معصوم فلا يجب تقليده (١).
وإذا قال الصحابي قولاً لم يخالف فيه، فإنه يقدم على القياس عند الآخذين به لأنه ملحق بالنصوص، فيأتي بعد الكتاب والسنة، ويترك القياس لأجله.
وذهب بعض العلماء إلى أنه حجة فيما خالف القياس لا فيما وافقه، لأن مخالفته القياس دليل على أن قوله عن توقيف لا عن رأي.
أما إذا اختلف الصحابة فإنه يرجح بين أقوالهم، ولا يخرج عنها.
وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ القَيِّمِ فِي دَعْمِ حُجِّيَّةِ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ، وَسَاقَ فِي ذَلِكَ سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ وَجْهًا (٢).
المَوْضُوعِيَّةُ بَيْنَ المُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ:
في نهاية بحثنا مسائل الاتجاه إلى الآثار، التي رأينا أن التعرض لها مما يعين على تعرف منهج المحدثين، ويوضح الفروق بينهم وبين غيرهم في الأخذ بالسنة وآثار السلف، نقف وقفة قصيرة تجمع فيها شتات ما قيل في ذلك، ولنلقي عليه نظرة فاحصة، محاولين تقويم عمل هؤلاء وهؤلاء، قبل أن ننتقل إلى النتائج التي أسفر عنها هذا الاتجاه.
وقد رأينا أن مظهر الخلاف بين المحدثين وغيرهم - وبخاصة الأحناف
стр. 276
والمالكية - ينحصر في أخبار الآحاد، فإنهم بعد الاتفاق على وجوب الأخذ بها تميز المحدثون - ومن ذهب مذهبهم - عن غيرهم في أمرين:
- أولهما: ميلهم إلى أن أخبار الآحاد مفيدة للعلم، وخالفهم الجمهور في أنها لا تفيد إلا الظن.
- ثانيهما: ميلهم إلى الاهتمام بالإسناد، حتى إن شروطهم في صحة الحديث تكاد تكون مقصورة عليه، وَلَا يَرُدُّونَ مَتْنًا سَلِمَ إِسْنَادُهُ، إلا إذا خالف القرآن والسنة المتواترة مخالفة صريحة لا مجال فيها للتأويل (١). فمتى تحققت صحة الإسناد بتوافر شروطه، اعتبر الحديث صحيحًا، وأصبح نصه حينئذٍ مساويًا لنص الكتاب، فيفيد الحديث مع الآية، ما تفيده الآية مع الآية، من نسخ حكم، أو بسط مجمل، أو تقييد مطلق، أو تخصيص عام.
أما المذاهب الأخرى فتوافق المحدثين في بعض الشروط، وتخالفها في بعضها الآخر، ويستحدث بعضها بعضًا لنفسه شروطًا زائدة.
فالعدالة والضبط وما يتفرع عنهما: من الإسلام، وحسن الخلق، والصدق، والحفظ، وعدم الغفلة والوهم، كل أولئك شروط متفق على أصلها، وإن اختلف في مقدارها وتطبيقها.
стр. 277
ولكن اتصال السند شرط للمحدثين خالفهم فيه غيرهم، مما ترتب عليه رد المرسل وقبوله عند الآخرين على التفصيل الذي بيناه آنِفًا.
ولكن الأحناف والمالكية اشترطوا للخبر شروطًا أخرى، فلم يقبلوه بإطلاق إذا عارض الكتاب أو قيد مطلقه، وكذلك إذا كان مما تعم به البلوى، أو أفتى الصحابي بخلاف روايته، أو كان مخالفًا لما عليه عمل أهل المدينة، وردوا بذلك أحاديث صحت أسانيدها.
ويلفت النظر أن الأحناف والمالكية الذين نقدوا متن الحديث بناء على أسسهم السابقة، قد أخذوا بالمرسل الذي لم يستوف شرط الإسناد، وكأنهم يضعون في المقام الأول المعاني التي تتضمنها الأحاديث، ثم يأتي السند بعد ذلك في مرتبة ثانية على عكس رجال الحديث.
ولكن إذا كان أخذ هؤلاء بالمرسل حذرًا من ترك شيء من السنن، وحسن ظن بمن أرسل، فإن هذا السبب نفسه متحقق فيما تركوه.
ولئن كانت الحيطة في الدين، والخوف من أن يدخل في السنة ما ليس منها هو الذي دفعهم إلى ترك ما تركوه، فإن هذا بعينه متحقق في المرسل.
إن النظرة السريعة للمنهجين السابقين، قد تصم منهج المحدثين السطحية وعدم الاهتمام بنقد متن الحديث، وإغفالهم للاحتمالات الممكنة التي قد تلحق خبر الآحاد.
ولكن الإنصاف يقتضي أن نقرر أن المحدثين في اهتمامهم بالسند قد قللوا من احتمالات السهو والخطأ، وكان لاهتمامهم [بالطرق] المختلفة ما أعانه على كشف المدرج في الحديث من الأصل، وعلى تمييز الموقوف من المرفوع، وألفوا في المدلسين وغيرهم، ووصلت بهم الدقة إلى أن يعرفوا هل استمر حفظ الحافظ أو تغير، وإذا تغير فمتى؟ وَمَنْ مِنَ الرواة روى
стр. 278
عنه قبل التغير، ومن منهم روى عنه بعدما تغير، إلى غير ذلك من الأصول المحكمة التي تجعل الاحتمالات التي يمكن أن تلحق بالأخبار بعد ذلك احتمالات نادرة، لا يلتفت إليها.
إن اتجاه المحدثين في الشروط يمثل النظرة الموضوعية، ويضع القاعدة المطردة، التي لا تتأثر كثيرًا بذاتية الباحث، فكلما تحققت الشروط، تحققت صحة الحديث، فوجب العمل به، وكلما فقد شرط تأثرت صحة الحديث، فلا يلزم قبوله. وشروطهم شروط موضوعية، تلتزم الظاهر، وتترك الاحتمالات الناشئة لا عن دليل، أو كما يقول الغزالي: «لَسْنَا نَعْنِي بِالقَبُولِ التَّصْدِيقَ وَلاَ بِالرَّدِّ التَّكْذِيبَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا قَبُولُ قَوْلِ العَدْلِ، وَرُبَّمَا كَانَ كَاذِبًا أَوْ غَالِطًا، وَلاَ يَجُوزُ قَبُولُ قَوْلِ الفَاسِقِ وَرُبَّمَا كَانَ صَادِقًا. بَلْ نَعْنِي بِالمَقْبُولِ مَا يَجِبُ العَمَلُ بِهِ، وَبِالمَرْدُودِ مَا لَا تَكْلِيفَ عَلَيْنَا فِي العَمَلِ بِهِ» (١).
ولكن هذه الموضوعية عند المحدثين تحولت عند بعضهم إلى نوع من التزمت الصارم، والحرفية في التطبيق، والالتزام العبودي للقواعد التي صنعوها، فلم يفتحوا عيونهم على الآفاق الرحيبة للتشريع الإسلامي، وقد نقلنا فيما سبق قول الدهلوي: «وَلَا يَنْبَغِي لِمُحَدِّثٍ أَنْ يَتَعَمَّقَ بِالقَوَاعِدِ التِي أَحْكَمَهَا أَصْحَابُهُ، وَلَيْسَتْ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّارِعُ، فَيَرُدُّ بِهِ حَدِيثًا أَوْ قِيَاسًا صَحِيحًا ...».
أما من تكلم في الأصول من الأحناف والمالكية، فإن كثيرًا منهم لم ينظروا إلى شروطهم في الحديث نظرة موضوعية مجردة، بل نظروا إليها نظرة ذاتية مقيدة بمذاهب أئمتهم واتجاهاتهم، بمعنى أن أئمتهم كانت لهم آراء
стр. 279
لم يفصحوا في كثير منها عن مستندهم فيها، فجاء هؤلاء وألبسوها أصولاً تناسبها، فكان فيها من التناقض ما أتاح لخصومهم أن يشهروا بهم، ويشنعوا عليهم، لأنهم في الحقيقة لم يقروا أصولاً تخضع لها الفروع، بل أخضعوا الأصول لما أثر عن أئمتهم من الفروع، ناسين أن الأئمة كانوا مجتهدين، والذاتية في المجتهد أمر لا مفر منه على الرغم من الأصول العامة التي لا يحق له أن يتعداها، إلا أنها تمنحه حرية الحركة في إطارها، فما لم يعلن المجتهد بنفسه عن خطته في قبول الحديث فإن وضع منهج له من خلال تصرفه يكون أمرًا ظنيًا يدخله الكثير من الاحتمالات، لأن سلوك اثنين الطريق واحد، ليس دليلاً على وحدة الدوافع ولا وحدة الأهداف، وكذلك اتفاقهما على صحة الحديث لا يستلزم اتفاقهما في أسباب الصحة ولا في وجوب العمل به. ولهذا كان لزامًا على من يتكلم في أسس نقد الحديث أن يتصل به اتصالاً مباشرًا مجردًا عن النتائج التي تسبق مقدماتها، والأحكام التي يبحث لها عن مسوغات.
стр. 280
الفَصْلُ الثَّالِثُ (*): نَتَائِجُ الاِتِّجَاهِ إِلَى الآثَارِ:
أسفر هذا الاتجاه عن نتائج، نسجل أهمها فيما يأتي:
[أ] التَّوَقُّفُ فِيمَا لَا أَثَرَ فِيهِ:
رأينا فيما سبق أن غير المحدثين شاركوا المحدثين في الأخذ بالآثار، ولكن اتجاه المحدثين إلى الآثار كان يعني قصر الحجة عليها، وعدم اعتبار الرأي، ولهذا توسعوا في الأخذ بها.
وهذا الاتجاه يقتضي التوقف في المسائل التي لا أثر فيها، والإحالة إلى من جرؤ على الفتيا من معاصريهم أو ممن سبقهم.
ولهذا كثر في إجابتهم «لَا أَدْرِي»، أو «لَا أَعْلَمُ»، يتواصون بها وينقلونها عن السلف، فعن أبي الدرداء (**) قال: «قَوْلُ الرَّجُلِ فِيمَا لَا يَعْلَمُ: لاَ أَعْلَمُ نِصْفُ العِلْمِ» (١) وعن ابن عباس: «إِذَا أَخْطَأَ العَالِمُ لَا أَدْرِي - أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ» (٢)، وَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: «لَا أَدْرِي» فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ: " نِعِمَّا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، سُئِلَ عَمَّا لاَ يَعْلَمُ فَقَالَ: «لَا عِلْمَ لِي بِهِ» (٣).
وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: «هِيَ زَبَّاءُ هَلْبَاءُ ذَاتُ وَبَرٍ وَلاَ أُحْسِنُهَا وَلَوْ أُلْقِيَتْ عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لأَعْضَلَتْ بِهِ، وَإِنَّمَا نَحْنُ فِي العُنُوقِ (...) وَلَسْنَا فِي النُّوقِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: قَدِ اسْتَحْيَيْنَا مِنْكَ مِمَّا رَأَيْنَا مِنْكَ، فَقَالَ: لَكِنَّ المَلاَئِكَةَ المُقَرَّبِينَ لَمْ تَسْتَحِ حِينَ قَالَتْ:
стр. 281
﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]» (١).
وسئل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء فقال: «لَمْ أَسْمَعْ فِي هَذَا بِشَيْءٍ» فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: إِنِّي أَرْضَى بِرَأْيِكَ , فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ: «لَعَلِّي [أَنْ] أُخْبِرُكَ بِرَأْيِي ثُمَّ تَذْهَبُ، [فَأَرَى بَعْدَكَ] رَأْيًا غَيْرَهُ [فَلاَ أَجِدُكَ]» (٢).
وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ، إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ، قَالَ: «لَيْسَ عِنْدِي فِيهِ إِلاَّ رَأْيٌ أَتَّهِمُهُ» فَيُقَالُ لَهُ: قُلْ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ بِرَأْيِكَ فَيَقُولُ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رَأْيِي يَثْبُتُ لَقُلْتُ فِيهِ، وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ أَرَى اليَوْمَ رَأْيًا وَأَرَى غَدًا غَيْرَهُ، فَأَحْتَاجُ أَنْ أَتْبَعَ النَّاسَ فِي دُورِهِمْ» (٣).
وهذا الموقف نفسه يُرْوَى عن ابن شهاب الزهري، فقد سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: «مَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا وَمَا نَزَلَ بِنَا»، فقال السائل: إنه قد نزل لبعض إخوانك. قال: «مَا سَمِعْتُ فِيهِ بِشَيْءٍ وَمَا نَزَلَ بِنَا، وَمَا أَنَا بِقَائِلٍ فِيهِ شَيْئًا» (٤).
هذا التوقف في المسائل التي لا أثر فيها، حتى وإن كانت هذه المسائل مما يعانيه الناس ويبتلون به، قد ورثه المحدثون عن السلف، فساروا على منوالهم، لا يفتون إلا عن علم، ويتحرجوا من الإفتاء بالرأي. والعلم في عرفهم هو العلم بالآثار (٥).
يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلاَ بِقِيَاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الرُّوحِ فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ (١).
وقول الإنسان: «لَا أَعْلَمُ» فيما لا يعلمه قول جميل يدل على ورع وشجاعة في مواجهة الغرور وغيره من أهواء النفس الإنسانية.
ولكن الإكثار من هذا القول، وبخاصة فيما يمكن أن يعلم، وفيما تتطلبه احتياجات الناس، يجعل الاتجاه إلى قاصرًا عن الوفاء بهذه الاحتياجات، فينصرف الناس عن المحدثين، ويحملهم على أن يُوَلُّوا وجوههم شطر من يستطيعون الإجابة عن أسئلتهم، وتلبية مطالبهم ومن يمتازون بسرعة الفصل فيما نزل وفيما يستجد من النوازل، ولعل هذا الموقف من المحدثين كان من أسباب انصراف الناس عن فقههم، ولولا ظهور محنة ابن حنبل وما هيأته له من مكانة ما قصد للفتوى هذا القصد، وما اهتم أحد بجمع فقهه ونشره هذا الاهتمام.
ولقد أكثر المحدثون من قول: «لَا أَدْرِي»، وتناقلوا أن قولها نصف العلم، حتى نقل عن أبي حنيفة أنه شنع عليهم بذلك، كما شنعوا عليه بكثرة المسائل، فقال: «يَكْفِي المَرْءَ أَنْ يَقُولَ: (لَا أَدْرِي) مَرَّتَيْنِ، حَتَّى يَسْتَكْمِلَ العِلْمَ» (٢).
[ب] كَرَاهِيَةُ الفِقْهِ التَّقْدِيرِيِّ:
وإذا كان موقف المحدثين فيما لا أثر فيه هو التوقف والتحرج، فإننا لا نتوقع منهم أن يرحبوا بالمسائل الافتراضية، التي يبتغي منها استنباط أحكام لأحداث لم تقع بعد، ولكن يفترض حدوثها.
стр. 284
بل إنهم قد وجهوا كثيرًا من النقد إلى هذا الفقه التقديري، مستدلين في إثبات كراهيته بآيات وأحاديث، وأقوال للصحابة والتابعين (١).
وقد عنون البخاري بابًا بقوله: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لاَ يَعْنِيهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]) (٢).
[ج] كَرَاهِيَةُ إِفْرَادِ الفِقْهِ بِالتَّدْوِينِ:
وهذه أيضًا من نتائج اتجاه المحدثين إلى الآثار وحصرهم الحجة فيها، فالآثار هي الأصل، أما الآراء فليس فيها من الأصالة ما يتيح لها الدوام والاستقرار، فإن لم يكن بد من ذكر الرأي فليذكر متصلاً بالنصوص والآثار، حتى لا يطغى الرأي على النصوص أو يتخذ أصلاً دونها، وحتى يكون عند الناظر فيه فرصة للموازنة بين النصوص وما استنبط منها.
ولهذا لم نعثر على كتاب فقهي مستقل لأحد من المحدثين (٣)، تجمع فيه المسائل على حسب ما تندرج فيه من أبواب، بل نقل عنهم كراهية ذلك، فكان أحمد بن حنبل لا يستجيز التدوين بالنسبة للآراء الفقهية، ويرى أن من البدع تدوين آراء الناس، وكان يكره من أصحابه أن ينقلوا عنه فتاويه، أو فتاوى غيره، وينهى المحدثين عن أن يكتبوا كتب الشافعي وأبي ثور وكتب أهل الرأي (٤).
стр. 285
وكراهية تدوين الآراء الفقهية يستمد اعتباره من صنيع السلف، إذ يروى أن أقوامًا سألوا زيد بن ثابت عن أشياء، فلما أجابهم عنها كتبوها من غير علمه، ثم أخبروه فقال: «لَعَلَّ كُلَّ شَيْءٍ حَدَّثْتُكُمْ خَطَأٌ، إِنَّمَا اجْتَهَدْتُ لَكُمْ رَأْيِي».
قِيلَ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، إِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ مَا يَسْمَعُونَ مِنْكَ فَقَالَ: «إِنَّا لِلَهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، يَكْتُبُونَ رَأْيًا أَرْجِعُ عَنْهُ غَدًا».
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، [فَسَأَلَهُ] عَنْ شَيْءٍ، فَأَمْلَاهُ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ رَأْيِهِ، فَأَجَابَهُ فَكَتَبَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ سَعِيدٍ: «أَيَكْتُبُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ رَأْيَكَ؟». فَقَالَ سَعِيدٌ لِلرَّجُلِ: «" نَاوِلْنِيهَا "، فَنَاوَلَهُ الصَّحِيفَةَ فَخَرَقَهَا (*)» (١).
[د] كَرَاهِيَةُ القِيَاسِ:
وإذا كان المحدثون يتوقفون فيما لا أثر فيه، لاتهامهم الرأي، فمن الطبيعي أن [يرغبوا] عن القياس، إذ هو أبرز سمات الرأي وأقوى دعاماته.
ولذلك لم يأل المحدثون جهدًا في أن يجمعوا الآثار الذامة للرأي والقياس، والمحذرة من استعماله.
وقد ذكر البخاري رأيه في القياس في عدة تراجم، فذكر منها: (بَابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ ذَمِّ الرَّأْيِ وَتَكَلُّفِ القِيَاسِ، ﴿وَلاَ تَقْفُ﴾ - لاَ تَقُلْ - ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] (٢)، ومنها: (بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ مِمَّا [لَمْ] يُنْزَلْ عَلَيْهِ الوَحْيُ، فَيَقُولُ: «لَا أَدْرِي»، أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ