← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122392

الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري

عبد المجيد محمود

Полный текст (783 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

والنسائي يرتب أبوابه الأول فالأول بحسب ترتيبها في الشرع، بحيث لو جمعت تراجم الغسل من الجنابة مثلاً لكانت أشبه شيء حينئذٍ بمتون الفقه، حيث تجمع المسائل مجردة من دليلها، وها هي ذي أبواب الغسل من الجنابة: (ذِكْرُ غُسْلِ الجُنُبِ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الإِنَاءَ - بَابُ [ذِكْرِ] عَدَدِ غَسْلِ اليَدَيْنَ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِنَاءَ - إِزَالَةُ [الجُنُبِ] الأَذَى عَنْ جَسَدِهِ بَعْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ - بَابُ إِعَادَةِ الجُنُبِ غَسْلَ يَدَيْهِ بَعْدَ إِزَالَةِ الأَذَى عَنْ جَسَدِهِ - بَابُ تَخْلِيلِ الجُنُبِ رَأْسَهُ - بَابُ ذِكْرِ مَا يَكْفِي الجُنُبَ مِنْ إِفَاضَةِ المَاءِ عَلَى رَأْسِهِ - بَابُ ذِكْرِ العَمَلِ فِي الغُسْلِ مِنَ الحَيْضِ - بَابُ تَرْكِ الوُضُوءِ مِنْ بَعْدِ الغُسْلِ - بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي غَيْرِ المَكَانِ الذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ - بَابُ تَرْكِ المِنْدِيلِ بَعْدَ الغُسْلِ) (١). على أن النسائي يمتاز من بين كتاب السنن، بذكره موضوعًا هَامًّا غفلوا عنه، هو موضوع التوثيق، ففي معرض حديثه عن حكم كراء الأرض وما وقع فيه من الاختلاف، ذكر نموذجًا لكتابة مزارعه، قال فيه: قال أبو عبد الرحمن - أي النسائي -: «كِتَابَةُ مُزَارَعَةٍ عَلَى أَنَّ البَذْرَ وَالنَّفَقَةَ عَلَى صَاحِبِ الأَرْضِ، وَلِلْمُزَارِعِ رُبُعُ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ مِنْهَا». ثم ذكر صورة لهذا الكتاب. ثم روى عن سعيد بن المسيب صورة لكتاب مقارضة، وبعده ذكر صورًا مختلفة لكتابة عقد شركة، ثم صورة لتفرق زوجين، ماذا يكتب لتوثيق ذلك، إلى غير ذلك من الموضوعات التي تحتاج إلى توثيق (٢).

стр. 317

مَنْهَجُ الدَّارِمِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ: أما الدارمي فإنه كثيرًا ما يروي في الباب عن علماء التابعين وتابعيهم بأسانيده إليهم آراءهم في المسائل المختلفة (١)، كما يصرح كثيرًا برأيه في تعقيبه على الأحاديث، كقوله بعد أن روى عن عطاء رأيه في حكم المستحاضة: «قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - الدارمي -: " الأَقْرَاءُ عِنْدِي: الحَيْضُ "» (٢). وكقوله بعد أن روى عن أنس «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، كَانُوا يَفْتَتِحُونَ القِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: " بِهَذَا نَقُولُ، وَلَا أَرَى الجَهْرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» (٣). وقد روى عن النبي ﷺ : «أَنَّ الضَّبُعَ صَيْدٌ»، وأن فيه كبشًا إذا أصابه المحرم، وأن أكله حلال، ثم جاء بعد ذلك: قِيلَ لأَبِي مُحَمَّدٍ: «مَا تَقُولُ فِي الضَّبُعِ تَأْكُلُهُ؟» قَالَ: «أَنَا أَكْرَهُ أَكْلَهُ» (٤). وقد روى عن الثوري ما يفيد أن «الكُدْرَةُ وَالصُّفْرَةُ فِي أَيَّامِ الحَيْضِ حَيْضٌ، [وَكُلُّ شَيْءٍ رَأَتْهُ بَعْدَ أَيَّامِ الحَيْضِ مِنْ دَمٍ أَوْ كُدْرَةٍ أَوْ صُفْرَةٍ،] فَهِيَ [مُسْتَحَاضَةٌ]» ثم «سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ (*) تَأْخُذُ بِقَوْلِ سُفْيَانَ (**)؟ قَالَ: " نَعَمْ "» (٥). وبعد أن روى حديث المسح على الخفين والعمامة، قِيلَ لَهُ: تَأْخُذُ بِهِ؟ قَالَ: «إِيْ وَاللَّه» (٦).

стр. 318

وبعد أن روى حديث: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَلاَ صِيَامَ لَهُ»، قَالَ: «فِي فَرْضِ الوَاجِبِ أَقُولُ بِهِ» (١). وفي تعليقه على حديث: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ ذَكَرَ، فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ»، قَالَ: «أَهْلُ الحِجَازِ يَقُولُونَ: يَقْضِي، " وَأَنَا أَقُولُ: لَا يَقْضِي "» (٢). أما ابن ماجه فقد كانت تراجمه مختصرة واضحة في الدلالة على رأيه الفقهي، لكن الالتزام بذكر الآراء الفقهية للصحابة والتابعين ومن بعدهم لم يكن من منهجه، فلم يعن بذكرها لا في التراجم، ولا بعد روايته للأحاديث، بل إن تعقيبه على مروياته كان نادرًا جدًا، وأكثرها متعلق بالحديث دون الفقه (٣). مَنْهَجُ مُسْلِمٍ: أما مسلم فقد تأخرت مرتبته عن كتاب السنن من حيث العمل الفقهي في " صحيحه "، بل كان الوحيد من بين أهل الحديث، الذي روى الأحاديث دون أن يفصل بينها بتراجم توضح رأيه وتدل على استنباطه، وقد نقل النووي في مقدمته لـ " صحيح مسلم "، عن ابن الصلاح - أن السر في ترك مسلم للترجمة، هو خشيته من أن يزداد بها حجم الكتاب، أو لغير ذلك. ونستطيع أن نقول إن السبب غير ذلك، فإن تراجم الكتاب كله لن تزيد في حجمه صفحة أو صفحتين. والملاحظ أن " صحيح مسلم " مرتب ترتيبًا متقنًا حسب أبواب الفقه المختلفة، يجمع الأحاديث بطرقها في كل باب،

стр. 319

فلعله أهمل الترجمة ليجعل القارئ أمام الحديث وجهًا لوجه يستنبط منه ما يشاء دون أن يوعز إليه برأيه، أو يشير إليه بما يمكن أن يستنبط منه، بل يرويه له مجردًا من رأيه، بل ومن رأى غيره من الصحابة والتابعين وتابعيهم، إذ الترجمة في حقيقتها ليست إلا انعكاسًا لفهم المؤلف ورأيه، فيما يدل عليه المروي تحت ترجمته. وكما خلا " صحيح مسلم " من التراجم، خلا من أي تعقيبات فقهية له أو لغيره، وإن كانت روايته لحديث ما دليلاً على أنه يذهب إليه ما دام صحيحًا في نظره، أما الضعيف فلا يرويه ولا يقول به، كما يمكن أن يستنبط رأيه فيما التزمه في موضوعات مختلف الحديث، وهي التي نشرع فيها الآن. مَنْهَجُ المُحَدِّثِينَ فِي الأَحَادِيثِ المُخْتَلِفَةِ: سبق أن تكلمنا عن مختلف الحديث، وَبَيَّنَّا أن موضوعه هو الأحاديث الصحيحة التي تتعارض أحكامها من حيث الظاهر، ويمكن التوفيق بينهم بوجه من الوجوه، إما بالنسخ، أو بتقييد المطلق، أو تخصيص العام، أو بمرجح من المرجحات. وعلاج المحدثين للأحاديث المتعارضة لا يخرج عن ذلك، فإن الحديثين إذا تعارضا فقد يرى بعض المحدثين أن أحدهما لم يستوف شرطه، فيهمله ولا يلتفت إليه، إذ بضعفه عنده صار غير قابل للمعارضة، على حين يرى آخرون أن الحديث صحيح، فيتأولونه بوجه من الوجوه المتقدمة. وقد جرت عادة معظم المحدثين بأن يقدموا الأحاديث المنسوخة، ثم يتبعوها بالناسخة تحت عناوين (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ)، أو (بَابُ تَرْكِ ذَلِكَ)، أو غيرها.

стр. 320

ونتناول فيما يأتي بعض الأحاديث المختلفة، لنبين صنيع المحدثين فيها: فِي نَوَاقِضِ الوُضُوءِ: رأى البخاري أن نواقض الوضوء محصورة فيما خرج من السبيلين وفي النوم الثقيل والإغماء فقط، ورأى أن ذلك هو الموافق لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] و [المائدة: ٦]، فإن الغائط كناية عن الحدث الموجب للوضوء، وهو لا يكون إلا بخروج شيء من أحد السبيلين، وكذلك فيما يكون مظنة لخروج شيء، وهو النوم الثقيل أو الإغماء. أما ما عدا ذلك من خروج دم أو غير السبيلين، أو مس الذكر، أو لمس المرأة، أو الضحك في الصلاة، أو أكل ما مسته النار: لحوم إبل أو غيرها - فإنه لا وضوء فيه. ولم يرو البخاري أحاديث مس الذكر أصلاً، لا الموجبة للوضوء، ولا المرخصة فيه، كما لم يرو أحاديث الوضوء مما مسته النار أو أكل لحوم الإبل، ولا المرخصة في شيء من ذلك. وقد أعلن عن رأيه في عدة تراجم، يرد فيها على ما يعتبره بعض العلماء من نواقض الوضوء، مما يخالف مذهبه، كقوله: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ إِلاَّ مِنَ المَخْرَجَيْنِ: مِنَ القُبُلِ وَالدُّبُرِ، [وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى]: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] وَقَالَ عَطَاءٌ: - فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ، أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ القَمْلَةِ - «يُعِيدُ الوُضُوءَ». وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلاَةِ أَعَادَ الصَّلاَةَ [وَلَمْ يُعِدِ] الوُضُوءَ» وَقَالَ الحَسَنُ: «إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ [وَأَظْفَارِهِ]، أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَلاَ وُضُوءَ عَلَيْهِ» وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ» وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ [النَّبِيَّ] ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ، وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلاَتِهِ». وَقَالَ الحَسَنُ: «مَا زَالَ

стр. 321

المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ». وَقَالَ طَاوُوسٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، [وَعَطَاءٌ]، وَأَهْلُ الحِجَازِ: «لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ». وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. وَبَزَقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلاَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَالحَسَنُ: «فِيمَنْ يَحْتَجِمُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلاَّ غَسْلُ مَحَاجِمِهِ». وقوله: (بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ إِلاَّ مِنَ الغَشْيِ المُثْقِلِ). وقوله: (بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيقِ وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ، [وَعُمَرُ]، وَعُثْمَانُ، ﵃، «فَلَمْ يَتَوَضَّأُوا»). وأخيرًا: (بَابُ الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنَ النَّعْسَةِ وَالنَّعْسَتَيْنِ، أَوِ الخَفْقَةِ وُضُوءًا) (١). أما مسلم فقد روى أحاديث الوضوء مما مست النار، ثم أحاديث في ترك ذلك، ثم روى حديث الوضوء من لحوم الإبل دون الغنم، فكأنه يرى استثناء لحوم الإبل من نسخ الوضوء مما مسته النار، وهذا هو مذهب عامة المحدثين (٢). فالترمذي ذكر (بَابُ الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)، ثم (بَابُ تَرْكِ الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ) (٣).

стр. 322

وكذلك فعل أبو داود: (بَابُ الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ) ثم (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ). ولكنه كان يرى الوضوء من أكل ما مسته النار، ويذهب إلى أن ترك الوضوء منه هو المنسوخ، بالإضافة إلى أنه كان يرى الوضوء من لحوم الإبل كعامة أهل الحديث. ولهذا ذكر (بَابُ الوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ) بمفرده، ثم بعده ببابين ذكر (بَابٌ فِي تَرْكِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ) ثم أعقبه بقوله: (بَابُ التَّشْدِيدِ فِي ذَلِكَ)، وقد روى أبو داود في (بَابٌ [فِي] الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ) أحاديث مختلفة لم يبين وجه الجمع بينها (١). وكذلك النسائي (بَابُ الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)، ثم (بَابُ تَرْكِ الوُضُوءِ مِنْ ذَلِكَ). (بَابُ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)، ثم (بَابُ تَرْكِ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ) (٢). وكذلك فعل ابن ماجه: (بَابُ الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)، ثم (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ). و (بَابُ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)، ثم (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ)، ثم (بَابُ مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ مِنْ [لُحُومِ] الإِبِلِ) (٣). وقد رأينا أن بعض المحدثين يُعَنْوِنُ للأحاديث المعارضة للباب الذي قدمه عليها بـ (بَابُ تَرْكِ كَذَا)، وهذ العنوان يشير إلى ميل المؤلف

стр. 323

للنسخ، على حين يعنون آخرون بقولهم: (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي كَذَا) وهو عنوان يفيد أن العمل بالأحاديث المتقدمة لم يهمل، بل العمل بها لا يخلو عن احتياط وإن كان العمل بالأحاديث المعارضة لها جائزًا. المَاءُ مِنَ المَاءِ: روى البخاري في (بَابٌ إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ». ويفهم من هذا أنه يذهب مذهب الجمهور في أن الإنزال ليس بشرط في الغسل، وأن مجرد التقاء الختانين بدون إنزال يوجبه. وبخاصة أنه روى ما يعارض ذلك تحت عنوان لا يفيد أنه يأخذ بالمعارض، حيث قال: (بَابُ غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ (*) المَرْأَةِ) روى فيه حديثين، أحدهما: أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الجُهَنِيَّ، سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ: عُثْمَانُ: «يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ» قَالَ عُثْمَانُ: «سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵃ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ». وروى في الثاني عَنْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ: «يَغْسِلُ مَا مَسَّ المَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - البخاري -: «الغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ [الآخِرُ]، وَإِنَّمَا بَيَّنَّا لاِخْتِلاَفِهِمْ» (١). ويفهم من هذه العبارة الأخيرة للبخاري أن النسخ لم يصح عنده وأن المسألة خلافية، وأن الأخذ بالأحوط هو الواجب فيها، ولهذا لم يأخذ من

стр. 324

الحديثين الأخيرين إلا غسل ما يصيب من رطوبة فرج المرأة. أما الاغتسال فقد أخذ فيه بما ترجمه أولاً من (بَابٌ إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ). وقد فهم ابن العربي من العبارة الأخيرة للبخاري: «الغَسْلُ أَحْوَطُ» أَنَّ الغُسْلَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَهُ حِينَئِذٍ وصعب عليه ذهاب البخاري إلى ذلك، لأن الصحابة الذين لم يروا غسلاً إلا من إنزال الماء رجعوا عن ذلك، وروى عن عمر أنه قال: «مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ جَعَلْتُهُ نَكَالاً»، «وَانْعَقَدَ الإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَمَا خَالَفَ فِي ذَلِكَ إِلَّا دَاوُدُ وَلَا يُعْبَأُ بِهِ فَإِنَّهُ لَوْلَا الخِلَافُ مَا عُرِفَ وَإِنَّمَا الأَمْرُ الصَّعْبُ خِلَافُ البُخَارِيِّ فِي ذَلِكَ، وَحُكْمُهُ أَنَّ الغُسْلَ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَأَجَلِّ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ مَعْرِفَةً وَعَدْلًا. وَمَا بِهَذِهِ المَسْأَلَةِ خَفَاءٌ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِيهَا ثُمَّ رَجَعُوا عَنْهَا، وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ الغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ». ثم قال: «وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ البُخَارِيِّ: " الغَسْلُ أَحْوَطُ " يَعْنِي فِي الدِّينِ مِنْ بَابِ حَدِيثَيْنِ تَعَارَضَا فَقَدَّمَ الذِي يَقْتَضِي الاحْتِيَاطَ فِي الدِّينِ وَهُوَ بَابٌ مَشْهُورٌ فِي أُصُولِ الفِقْهِ وَهُوَ الأَشْبَهُ فِي إِمَامَةِ الرَّجُلِ وَعِلْمِهِ» (١). أما مسلم فقد ذهب إلى النسخ. ويستنبط ذلك من روايته لأحاديث «المَاءُ مِنَ المَاءِ» أولاً، ثم اتبعها بما رواه عَنْ أَبِي العَلاَءِ بْنِ الشِّخِّيرِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْسَخُ حَدِيثُهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَمَا يَنْسَخُ الْقُرْآنُ بَعْضُهُ بَعْضًا». ثم أعقب ذلك بما رواه عن أبي هريرة وغيره مِنْ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ : «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ [جَهَدَهَا]، فَقَدْ وَجَبَ [عَلَيْهِ] الغُسْلُ» و «[إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ] الخِتَانُ الخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ» (٢).

стр. 325

وأما النسائي فلم يذهب إلى النسخ، إذ لم ير تعارضًا بين الأحاديث فقال: (بَابُ وُجُوبِ الغُسْلِ إِذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ) روى فيه حديث: «إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا ...»، ثم حمل ما يخالف ذلك على الاحتلام، لا على الجماع، فقال: (بَابُ الذِي يَحْتَلِمُ وَلاَ يَرَى المَاءَ)، روى فيه عن أبي أيوب: «المَاءُ مِنَ المَاءِ». وما ذهب إليه النسائي في ذلك هو رواية عن ابن عباس، لكن هذه المحاولة في التوفيق بين الحديثين مردودة بأن مورد حديث «المَاءُ مِنَ المَاءِ» هو الجماع لا الاحتلام كما سبق في رواية البخاري عن عثمان وغيره، وكما سبق مما نقلناه عن " صحيح مسلم " (١). أما الترمذي وأبو داود فقد رويا نسخ «المَاءُ مِنَ المَاءِ»، فعقد الترمذي بَابًا في (بَابُ مَا جَاءَ إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ)، ثم (بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ المَاءَ مِنَ المَاءِ) روى فيه عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: «إِنَّمَا كَانَ المَاءُ مِنَ المَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الإِسْلاَمِ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا» (٢). وتحت عنوان (بَابٌ فِي الإِكْسَالِ) روى أبو داود عن أبي بن كعب مثل ما روى الترمذي، كما روى حديث أبي هريرة: «إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا ...»، وأخيرًا روى في الباب نفسه عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «المَاءُ مِنَ المَاءِ»، وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ يَفْعَلُ ذَلِك (٣). وقدم ابن ماجه (بَابُ المَاءِ مِنَ المَاءِ)، ثم أتبعه بـ (بَابُ مَا جَاءَ فِي

стр. 326

وُجُوبِ الغُسْلِ إِذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ) (١)، ويفهم من الترجمة الأخيرة أنه يذهب إليها. نِكَاحُ المُحْرِمِ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ: روى البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ»، وذلك في موضعين من كتابه في (بَابُ تَزْوِيجِ المُحْرِمِ) و (بَابُ نِكَاحِ المُحْرِمِ) (٢)، ولم يرو ما يعارض ذلك. ولكن أبا داود مال إلى تحريم زواج المحرم، وروى في ذلك عَنْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، مَرْفُوعًا «لاَ يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلاَ يُنْكِحُ». كما روى عَنْ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ»، ثم روى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ». ولكنه أعقبه بما رواه عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: «وَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» (٣). وترجم الترمذي لحديث عثمان وغيره مما يفيد النهي عن تزويج المحرم، بقوله: (بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ تَزْوِيجِ المُحْرِمِ)، ثم ذكر أن العمل على هذا عند بعض الصحابة والتابعين، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، لا يرون أن يتزوج المحرم، فإن نكح فنكاحه باطل. ثم أتبع هذا الباب بباب آخر، روى فيه حديث ابن عباس السابق، وقال عنه: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»، وترجم له بقوله: (بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ) (٤).

стр. 327

ونكتفي بما ذكرناه من أمثلة لكيفية تناول المحدثين لمختلف الحديث، وهي تدل على غيرها، فعلى نهج ما قدمناه يسيرون، وتختلف أنظارهم في التوفيق بين الأحاديث، وإن كانوا يتلاقون جميعًا في أنهم لا يقلدون ولا يتعصبون، ولكنهم يجتهدون وينظرون، فما غلب على ظنهم أنه الحق أخذوا به، وعبروا عنه في تراجمهم وتعقيباتهم على تفاوت بينهم في إبراز الجوانب الفقهية من شخصياتهم، وعلى اختلاف بينهم في إيداع كتبهم مذاهب الصحابة والتابعين وتابعيهم. وقد اتضح مما تقدم أن البخاري فقيه وأي فقيه، وأنه - من زاوية الفقه - مقدم على كتاب السنن في القرن الثالث كما هو مقدم عليهم من حيث صناعة الحديث، إذ هو أعمقهم استنباطًا، وأكثرهم استقلالاً، وأصرحهم رأيًا، وأشدهم في مناقشة أهل الرأي وغيرهم. ثم يأتي بعده في العمل الفقهي الترمذي، ثم أبو داود والنسائي ثم الدارمي وابن ماجه، ثم مسلم، وأخيرًا يأتي ابن أبي شيبة.

стр. 328

البَابُ الثَّالِثُ: الاِتِّجَاهُ إِلَى الظَّاهِرِ: • الفصل الأول: بين أهل الحديث وأهل الظاهر. • الفصل الثاني: أصول أهل الظاهر. • الفصل الثالث: تقييم المذهب الظاهري.

стр. 329

الفَصْلُ الأَوَّلُ: بَيْنَ أَهْلِ الحَدِيثِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ: الاتجاه إلى أهل الظاهر، معناه الوقوف عند حدود الألفاظ التي وردت من الشارع، دون عناية بالبحث عن عللها ومقاصدها، ودون اهتمام بالقرائن والظروف التي أحاطت بالألفاظ حين ورودها (١). وقد أشرنا من قبل إلى أن الذاتية في المجتهد - في حدود الإطار المسموح فيه بحرية الاجتهاد - حقيقة لا سبيل إلى إغفالها، ولذلك لم يكن هناك بد من اختلاف الناس في فهم النصوص - التي هي أوعية المعاني - تبعًا لاختلاف ذواتهم وتكوينهم النفسي والعقلي. وإن ما حدث من الصحابة في غزوة بني قريظة، ليبين لنا مقدار الذاتية، في فهم النصوص، كما يبين لنا تسليم الرسول ﷺ بهذه الذاتية وإقراره لما تؤدي إليه. فقد طلب الرسول من أصحابه، عقب غزوة الأحزاب، أن يتوجهوا إلى ديار بني قريظة، ليعاقبوهم على خيانتهم للمسلمين ونقضهم للعهود، وطلب ﵊ من أصحابه ألا يصلي أحد منهم العصر إلا في

стр. 330

بني قريظة. فنفذ بعضهم هذا الطلب حرفيًا. وأخر العصر حتى إلى بني قريظة بعد العشاء، ورأى بعض الصحابة أن المراد هو سرعة النهوض، لا خصوص تأخير الصلاة. فصلوا العصر في الطريق، ثم واصلوا سيرهم مسرعين. ولا شك أن كُلاًّ من الفريقين قد امتثل الأمر ونفذه. ولهذا أقر الرسول ﷺ كُلاًّ من الفريقين وَلَمْ يَلُمْ أحدهما (١). بل إن المجتهد الواحد قد يختلف سلوكه في زمنين مختلفين، أو في مسألتين مختلفتين، فيميل إلى التقيد بحرفية اللفظ أحيانًا عن ظاهر اللفظ، والغوص في طلب المعاني المقصودة. وقد سبق أن ذكرنا في الفصل الذي ألمحنا فيه إلى مظاهر من فقه محدثي الصحابة - أن ابن عباس كان يميل إلى القياس، ويجتهد في طلب المعاني والعلل. وعلى الرغم من ذلك كان في بعض الأحيان يتقيد بالألفاظ ويتجه إلى التمسك بظاهرها. كما أشرنا هناك إلى أن ابن عمر ﵃ جَمِيعًا - كان على العكس من ابن عباس، حيث كان يغلب عليه الميل للظاهر. وإن لم يمنع هذا من أنه كان في بعض المسائل يتجاوز الألفاظ إلى ما وراءها. وعندما نقول هنا إن المحدثين كانوا يتجهون إلى الظاهر. فإننا نعني بذلك أن هذا الاتجاه كان هو الغالب عليهم، السائد في فقههم، وإن لم يمنع

стр. 331

هذا من أن تكون لهم اجتهادات جاوزوا فيها حدود الألفاظ، محلقين في أجواء المعاني ومقاصد التشريع. مَظَاهِرُ هَذَا الاِتِّجَاهِ فِي فِقْهِ المُحَدِّثِينَ: ولتوضيح هذا الاتجاه نذكر جملة من المسائل التي تعين على تصوره في فقه أهل الحديث، ونتبع كل مسألة بمذهب أهل الظاهر فيها. ١ - غَسْلُ اليَدَيْنِ عِنْدَ الاِسْتِيْقَاظِ مِنَ النَّوْمِ: روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلاَ يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يُفْرِغَ عَلَيْهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». وفي بعض روايات الحديث: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ». بدلاً من «اللَّيْلِ». فهذا النهي عن إدخال اليد في الإناء قبل الغسل، هل المقصود به الاحتياط في النظافة، إذ لم يقطع بحصول النجاسة في اليد؟ أو أنه بسبب النجاسة التي يمكن أن تلحق اليد أثناء النوم، لأن القوم كانوا يستجمرون بالحجارة؟ أو أن هذا النهي تعبدي لا يشتغل بالبحث عن علة له؟ وبعبارة أخرى، هل هذا النهي معلل بعلة، يدور الحكم معها وُجُودًا وَعَدَمًا، أم أنه غير معلل فيجب تنفيذه في كل الأحوال؟ ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه إلى عدم تعليل هذا النص، وأوجبا غسل اليد عند الاستيقاظ، غير أن أحمد رأى أن الحديث جاء مطلقًا في بعض الروايات، وجاء مقيدًا بـ (اللَّيْلِ) في بعضها الآخر، فحمل المطلق على المقيد، وأوجب غسل اليد عند الاستيقاظ من نوم الليل لا من نوم النهار. أما إسحاق فَقَدْ سَوَّى بين نوم الليل ونوم النهار في وجوب

стр. 332

غسل اليد عند الاستيقاظ، أخذًا بالرواية التي أطلقت الاستيقاظ من النوم. ووجوب غسل اليد عند الاستيقاظ هو مذهب ابن عمر، وأبي هريرة، والحسن البصري. فإن غمست اليد في الإناء قبل الغسل، فقد روي عن أحمد بن حنبل أنه قال: «فَأَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يُهْرِيقَ المَاءَ»، وهذه العبارة تحتمل وجوب الإراقة، وهو مذهب الحسن، وتحتمل استحباب الإراقة. وقد ذهب الشافعي إلى استحباب غسل اليد عند الاستيقاظ من أي نوم، وكراهة إدخالها الإناء قبل الغسل، فإن أدخلها قبل الغسل لم يفسد ماء الإناء إذا لم يكن على يده نجاسة. وقد مال أبو داود وابن ماجه إلى رأي أحمد، وحكى الترمذي الأقوال دون أن [يُرَجِّحَ] بينها (١). ولنستمع إلى ابن حزم يدلي برأي الظاهرية في هذه المسألة، فيقول: «وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْتَيْقِظٍ مِنْ نَوْمٍ قَلَّ النَّوْمُ أَوْ كَثُرَ، نَهَارًا كَانَ أَوْ لَيْلاً، قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ قَائِمًا. فِي صَلاَةٍ أَوْ فِي غَيْرِ صَلاَةٍ، كَيْفَمَا نَامَ - أَلاَّ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ - فِي إنَاءٍ كَانَ وُضُوءَهُ أَوْ مِنْ نَهْرٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ - حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ... فَإِنْ صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ وَتَوَضَّأَ، دُونَ أَنْ يَغْمِسَ يَدَيْهِ فَوُضُوؤُهُ غَيْرُ تَامٍّ وَصَلاَتُهُ غَيْرُ تَامَّةٍ» (٢). ويلاحظ أن ابن حزم يأخذ بالمعنى الزائد، بمعنى أنه يأخذ بالرواية التي

стр. 333

أطلقت النوم، لأن فيها معنى زائدًا، والأخذ بها يتضمن الأخذ بالرواية المقيدة وغيرها، وكذلك ورد في بعض الروايات «لَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي إِنَائِهِ»، وفي بعضها «لَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ» وهو يأخذ بهذه الرواية لأنها أعم من أن يكون الوضوء في إناء أو في غيره. ٢ - حُكْمُ السِّوَاكِ وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ: روى أبو داود بإسناده «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُمِرَ بِالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاَةٍ، طَاهِرًا وَغَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أُمِرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلاَةٍ» (١). وبناء على هذا الحديث ذهب داود وإسحاق بن راهويه إلى وجوب السواك، ونقل عن داود أنه أوجبه للصلاة، ولكن تركه لا يبطل الصلاة. وحكي عن إسحاق «أَنَّ مَنْ يَتْرُكُ السِّوَاكَ عَمْدًا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ». أما الجمهور فيرى السواك سنة وليس بواجب، للحديث المتفق عليه: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ»، يعني لأمرتهم أمر إيجاب لأن المشقة إنما تلحق بالإيجاب لا بالندب (٢). وقد روي «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي الوُضُوءِ». وإلى ذلك ذهب بعض العلماء كالشافعي وأحمد وإسحاق. وقد ذهب إسحاق إلى «أَنَّ مَنْ تَرَكَ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ عَامِدًا - فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ، وَمَنَ تَرَكَ تَخْلِيلَهَا نَاسِيًا أَوْ مُتَأَوِّلاً فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ» (٣).

стр. 334

٣ - حُكْمُ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ: روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ، فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ، أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ، لَشَهِدَ العِشَاءَ». وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: (بَابُ وُجُوبِ صَلاَةِ الجَمَاعَةِ، وَقَالَ الحَسَنُ: «إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ شَفَقَةً لَمْ يُطِعْهَا») (١). واستنادًا إلى الحديث السابق ذهب عطاء، والأوزاعي، وأبو ثور، وابن خزيمة وداود إلى أن صلاة الجماعة فرض عين، بل ذهب داود إلى أنها شرط لصحة الصلاة، وقد ذكر صاحب " المغني " أن أحمد بن حنبل قد نص على أن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة على الرغم من أنه يقول بوجوبها. وذهب الجمهور إلى أن الجماعة ليست فرض عين، ثم اختلفوا هل هي فرض كفاية أو سنة، واختار النووي أنها فرض كفاية (٢)، وعمدة الجمهور في عدم الوجوب الأحاديث التي فضلت صلاة الجماعة على صلاة الفرد فإنها تفيد صحة الصلاة المفضولة. وقد ترجم الترمذي للحديث السابق بقوله: (بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ فَلاَ يُجِيبُ)، ثم علق عليه بقوله: «وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلاَ صَلاَةَ

стр. 335

لَهُ». «وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: هَذَا عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ، وَلَا رُخْصَةَ لأَحَدٍ فِي تَرْكِ الجَمَاعَةِ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ». قَالَ مُجَاهِدٌ، «وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، لَا يَشْهَدُ جُمُعَةً وَلَا جَمَاعَةً؟ فَقَالَ: " هُوَ فِي النَّارِ "». ثم أَوَّلَ الترمذي كلمة ابن عباس بأنها «لِمَنْ يَتْرُكُ الجَمَاعَةَ وَالجُمُعَةَ رَغْبَةً عَنْهَا، وَاسْتِخْفَافًا بِحَقِّهَا، وَتَهَاوُنًا بِهَا» (١). وقد روى ابن ماجه حديث أبي هريرة السابق تحت (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الجَمَاعَةِ)، كما روي في هذا الباب أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَلاَ صَلاَةَ لَهُ، إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ». فكأنه يذهب إلى وجوبها. وقد علق السندي على هذا الحديث بقوله: «وَظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ الجَمَاعَةَ [فِي المَسْجِدِ الذِي سَمِعَ نِدَاءَهُ] فَرْضٌ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا بَطَلَتْ صَلاَتُهُ. وَهُوَ خِلاَفُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الفِقْهِ فَلاَ بُدَّ لَهُمْ مِنْ حَمْلِ الحَدِيثِ عَلَى نُقْصَانِ تِلْكَ الصَّلاَةِ» (٢). وقد ذكرنا أن داود بن علي الظاهري ذهب إلى أن الجماعة شرط لصحة الصلاة، ويقرر ابن حزم مذهب الظاهرية في حكم صلاة الجماعة فيقول: «وَلَا تُجْزِئُ صَلاةُ فَرْضٍ أَحَدًا مِنْ الرِّجَالِ، إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الأَذَانَ أَنْ يُصَلِّيَهَا إلَّا فِي المَسْجِدِ مَعَ الإِمَامِ، فَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ الأَذَانَ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ مَعَ وَاحِدٍ إلَيْهِ فَصَاعِدًا وَلَا بُدَّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلاَ صَلاَةَ لَهُ إلاَّ أَنْ لَا يَجِدَ أَحَدًا يُصَلِّيهَا مَعَهُ فَيُجْزِئَهُ حِينَئِذٍ، إلَّا مَنْ لَهُ عُذْرٌ فَيُجْزِئَهُ حِينَئِذٍ التَّخَلُّفُ عَنْ الجَمَاعَةِ». ويقول في موضع آخر: «وَأَمَّا نَحْنُ، فَإِنَّ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْ صَلَاةِ

стр. 336

الجَمَاعَةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لَكِنْ قِلَّةَ اهْتِبَالٍ، أَوْ لِهَوًى، أَوْ لِعَدَاوَةٍ مَعَ الإِمَامِ -: فَإِنَّنَا نَنْهَاهُ، فَإِنْ انْتَهَى وَإِلَّا أَحْرَقْنَا مَنْزِلَهُ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١). ٤ - إِذَا أَدْرَكَ المَأْمُومِ إِمَامَهُ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ مَعَهُ، لَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ: ذهب البخاري إلى أن قراءة الفاتحة في الصلاة فرض على الإمام والمأموم في الصلوات كلها، في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت. وقد روى في هذا الباب عن عبادة بن الصامت «لَا صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» فهذا الحديث يفيد وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، ولكنه لا يفيد وجوب تكرارها في كل الركعات، ولذلك عقب عليه بحديث حَدِيثِ المُسِيءِ صَلَاتِهِ، وقول الرسول له: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» مِرَارًا، ثم علمه الصلاة، فكان مما قاله له: «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ ... وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا» (٢). وفي أثناء مناقشة البخاري لمن لا يرون وجوب القراءة خلف الإمام، حكى احتجاجهم بأن المأموم إذا أدرك الركوع جازت تلك الركعة مع خلوها من القراءة، فكما أجزأته في الركعة دون قراءة، كذلك تجزيه في الركعات، ولكن البخاري رَدَّ على ذلك بقوله: «إِنَّمَا أَجَازَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَالذِينَ لَمْ يَرَوُا القِرَاءَةَ خَلْفَ الإِمَامِ، فَأَمَّا مَنْ

стр. 337

رَأَى القِرَاءَةَ، فَقَدْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " لَا يُجْزِيهِ حَتَّى يُدْرِكَ الإِمَامَ قَائِمًا "» (١). وهو مذهب الظاهرية نفسه، حيث إن قراءة الفاتحة عندهم فرض على المنفرد، والمأموم، والإمام، ويقول ابن حزم: «فَمَنْ دَخَلَ خَلْفَ إمَامٍ فَبَدَأَ بِقِرَاءَةِ أُمِّ القُرْآنِ فَرَكَعَ الإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ هَذَا الدَّاخِلُ أُمَّ القُرْآنِ فَلاَ يَرْكَعُ حَتَّى يُتِمَّهَا ... فَإِنْ جَاءَ وَالإِمَامُ رَاكِعٌ فَلْيَرْكَعْ مَعَهُ، وَلَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ القِيَامَ، وَلَا الْقِرَاءَةَ، وَلَكِنْ يَقْضِيهَا إذَا سَلَّمَ الإِمَامُ» (٢). ٥ - إِذَا صَلَّى المَأْمُومُ وَحْدَهُ خَلْفَ الصَّفِّ بَطُلَتْ صَلَاتُهُ وَعَلَيْهِ الإِعَادَةِ: وهو رأي أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والترمذي، وأبي داود، والدارمي، وابن ماجه، لما روى أَنَّ وَابِصَةَ بْنَ مَعْبَدٍ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ (*) «فَأَمَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ». وقد ذهب الجمهور إلى أن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه (٣). ٦ - التَّفْرِيقُ بَيْنَ المُفْطِرِ بِالوِقَاعِ عَمْدًا فِي رَمَضَانَ، وَالمُفْطِرُ عَمْدًا بِالأَكْلِ وَالشُّرْبِ: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ

стр. 338

هَلَكْتُ. قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟»، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟»، قَالَ: لَا، [قَالَ: «اجْلِسْ»]، فَجَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، - وَالعَرَقُ: المِكْتَلُ الضَّخْمُ -، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ»، فَقَالَ: مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَحَدٌ أَفْقَرَ مِنَّا، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، قَالَ: «فَخُذْهُ، فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» (١). وقد اتفق العلماء على أن من أفطر في رمضان متعمدًا بالجماع، فعليه الكفارة الموضحة في الحديث. واختلفوا فيمن أفطر متعمدًا من أكل أو شرب: فذهب بعضهم إلى أن عليه القضاء والكفارة. وقاسوا تعمد الإفطار بالأكل والشرب على تعمد الإفطار بالجماع، إذ المقصود تعمد هتك حرمة الصيام بما يفطره لا خصوص الجماع. وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق والأحناف والمالكية وغيرهم. وذهب بعض العلماء ومنهم الشافعي وأحمد وأصحاب السنن إلى أن الكفارة مخصوصة بالجماع المتعمد في نهار رمضان، دون تعمد الإفطار بالأكل والشرب، لأن الكفارة المذكورة في الحديث إنما جاءت فيمن جامع، ولا يشبه الأكل والشرب الجماع (٢).

стр. 339

وقد سئل الإمام أحمد: كيف لا تجعل الآكل والشارب عمدًا في رمضان، مثل من أصاب أهله؟ فأجاب: «أَنَا أَجْعَلُهُ؟ لَيْسَ فِي حَدِيثٍ. كَيْفَ أُوجِبُ عَلَيْهِ بِالأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَفَّارَةً، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ النَّبِيُّ ﵊ بِالجِمَاعِ؟ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ كُلُّهَا مَعْصِيَةٌ، فَلَا يُشْبِهُ الأَكْلَ وَالشُّرْبَ بِالجِمَاعِ، فِي الجِمَاعِ يُرْجَمُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الغُسْلُ وَمَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ» (١) وبقول أحمد قال أهل الظاهر (٢). ٧ - حُكْمُ الكِتَابَةِ: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. وبناء على ما أمرت به هذه الآية من مكاتبة العبد إذا رغب العبد في ذلك وكان يستطيع الوفاء بالكتابة - مال البخاري إلى وجوب الكتابة، كما يفهم من ترجمته (٣): (بَابُ المُكَاتِبِ، وَنُجُومِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا، وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] وَقَالَ رَوْحٌ: عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالاً، أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: «مَا أُرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا». وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: تَأْثُرُهُ عَنْ أَحَدٍ؟، قَالَ: «لَا» ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ سِيرِينَ، سَأَلَ أَنَسًا، المُكَاتَبَةَ - وَكَانَ كَثِيرَ المَالِ - فَأَبَى، فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ ﵁، فَقَالَ: " كَاتِبْهُ " فَأَبَى، فَضَرَبَهُ

стр. 340

بِالدِّرَّةِ، " وَيَتْلُو عُمَرُ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] فَكَاتَبَهُ ". وهذا هو ما ذهب إليه الظاهرية، فقد قرروا أن العبد إذا رغب في الكتابة ففرض على السيد أن يكاتبه وفرض عليه أن يؤتي عبده بعض ماله ليعينه على الكتابة، مستدلين بصيغتي الأمر الواردتين في الآية السابقة: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾، ﴿وَآتُوهُمْ﴾، وقد نعى ابن حزم على من ذهب إلى أن الأمر هنا للندب (١). ٨ - وُجُوبُ الوَلِيمَةِ عِنْدَ الزَّوَاجِ: ذهب إلى ذلك البخاري، كما يفهم من قوله: (بَابٌ: الوَلِيمَةُ حَقٌّ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ») (٢). والبخاري يشير بقوله: (الوَلِيمَةُ حَقٌّ) إلى حديث ضعيف، رواه الترمذي في " سننه " (٣)، كما يشير إلى أن الحق هنا مقصود به الوجوب، ويؤيده أمر الرسول ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: «أَوْلِمْ»، والأمر يقتضي الوجوب. وقد قال بوجوب الوليمة عند العرس - مالك، وقيل إن المشهور عنه أنها مندوبة، وروي الوجوب عن أحمد وبعض الشافعية وأهل

стр. 341

الظاهر. وذهب الجمهور إلى أنها سنة غير واجبة (١). ٩ - النَّهْيُ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ: إذا جاء أشخاص من خارج المدينة يحملون بضاعة لعرضها في سوق المدينة، فقد نهى المدني عن تلقي هؤلاء الأغراب الجالبين بضائع إلى سوقها، باعتراض طريقهم والانفراد بهم والشراء منهم قبل بلوغهم إلى السوق، لما في ذلك من احتمال الإضرار بأهل السوق، حيث يحتكر المشتري هذه البضاعة، ثم يبيعها بالثمن الذي يحدده، ومن احتمال الإضرار بالجالب وغبنه، حيث تفوت عليه فرصة المنافسة في الشراء وبخاصة عندما يكون جاهلاً بالسعر، فيبيع بأقل من السعر العادي. وقد أخذ الجمهور بظاهر النهي عن تلقي الركبان فمنع من تلقي الجلب في كل الأحوال، حتى يبلغ بالسلعة إلى السوق. أما أبو حنيفة والأوزاعي فقد بحثا عن علة النهي، وأداهما البحث إلى أن يجيزا تلقي الركبان إذا لم يضر بالناس، فإن أضر بهم كره ذلك البيع ووقع صحيحًا مع الإثم. والجمهور مع منعه من هذا البيع، يذهب إلى صحته لو وقع، مع إثم المخالف للنهي، أو على أنه يقع غير لازم فيكون للجالب الخيار إذا ورد السوق. أما أهل الظاهر ومعظم المحدثين فقد ذهبوا إلى بطلان ذلك البيع المنهي عنه ووجوب فسخه، لأنهم لا يفرقون بين أن يكون النهي لصفة ملازمة أو لأمر خارج عن المنهي عنه مجاور له. وقد ترجم البخاري لتلقي الركبان بقوله: (بَابُ النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ لِأَنَّ صَاحِبَهُ عَاصٍ آثِمٌ إِذَا كَانَ بِهِ عَالِمًا وَهُوَ خِدَاعٌ فِي

стр. 342

البَيْعِ، وَالخِدَاعُ لَا يَجُوزُ) (١). ويقرر ابن حزم مذهب الظاهرية فيقول: «وَلَا يَحِلُّ [لِأَحَدٍ] تَلَقِّي الجَلَبِ، سَوَاءٌ خَرَجَ لِذَلِكَ أَوْ كَانَ [سَاكِنًا] عَلَى طَرِيقِ الجَلَّابِ، وَسَوَاءٌ بَعُدَ مَوْضِعُ تَلَقِّيهِ أَمْ قَرُبَ، وَلَوْ أَنَّهُ عَلَى السُّوقِ عَلَى ذِرَاعٍ فَصَاعِدًا، لَا لِأُضْحِيَّةٍ، وَلَا لِقُوتٍ، وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، أَضَرَّ ذَلِكَ بِالنَّاسِ أَوْ لَمْ يَضُرَّ. فَمَنْ تَلَقَّى جَلَبًا - أَيَّ شَيْءٍ كَانَ - فَاشْتَرَاهُ فَإِنَّ الْجَالِبَ بِالْخِيَارِ إذَا دَخَلَ السُّوقَ مَتَى مَا دَخَلَهُ وَلَوْ بَعْدَ أَعْوَامٍ فِي إمْضَاءِ الْبَيْعِ، أَوْ رَدِّهِ». واستدل بما رواه مسلم عن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَلَقَّوْا الجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ، فَهُوَ بِالخِيَارِ» (٢). ويلاحظ أن البخاري لم يرو هذا الحديث، فلم يثبت الخيار للبائع لذلك. • • • هذه بعض الأمثلة (٣) التي تصور جانبًا من فقه المحدثين، وقد رأينا كيف اقتصروا في بعضها على مورد النص، وقدمنا مثالاً لذلك قصرهم على الكفارة على متعمد الفطر في رمضان بالجماع، دون غيره من المفطرات، ورأينا كيف أن أصحاب الصحاح والسنن جميعًا قد ذهبوا إلى ذلك، التزامًا منهم بمورد النص، وكيف أن الإمام أحمد بن حنبل قد أنكر على من سأله

стр. 343

التسوية بين الجامع وغيره، رَادًّا عليه بأن النص ورد في المجامع، ولم يأت في غيره نص. ثم لم ينس أن ينبه القياسيين على أن هناك فرقًا بين الفطر بالجماع والفطر بالأكل والشرب، وأن هذا الفرق يمنع إلحاق أحدهما بالآخر، وأن التغليظ بإيجاب الكفارة يناسب أحدهما دون الآخر. ولعله أخذ من الشافعي هذه الحجة التي تمنع قياس الفطر بغير الجماع على الفطر بالجماع. وقد رأينا في هذا المثال نفسه، كيف أن إسحاق بن راهويه - وهو من أئمة الحديث، والذي بالغ في التمسك بالظاهر في بعض المواقف، حتى جعل ترك السواك وتخليل اللحية مبطلاً للصلاة - قد خالف أصحابه في هذه المسألة وذهب إلى مساواة المفطر المتعمد بالأكل والشرب، بالمفطر المتعمد بالجماع. كما رأينا فيما تقدم من الأمثلة، كيف أن المحدثين يحملون معظم الأوامر والنواهي على الوجوب، وكيف حكموا بالبطلان على أفعال منهي عنها، لا يفرقون بين أن يكون النهي لذات الشيء، أو لصفة ملازمة له، أو لأمر خارج عن ماهيته مجاور له، لأن كل ذلك وقع على وجه لا يريده الشارع، وكل شيء ليس على وفق إرادة الشارع فهو مردود، كما حكم البخاري برد البيوع المتلقاة، وسندهم في ذلك، النهي الخاص بها، مع النص العام في ذلك، وهو قوله ﷺ : «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ»، أي مردود. فموجب الأمر عند البخاري هو الوجوب، وموجب النهي عنده هو التحريم إلا إذا دل دليل على إخراج الأمر والنهي عن موجبهما، وقد استنتجنا هذا المذهب للبخاري من الأمثلة السابقة، ومن غيرها من الجزئيات العديدة التي عرض لها في " صحيحه "، بل نراه يصرح بهذا المذهب في الترجمة التي قال فيها: (بَابُ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى التَّحْرِيمِ إِلَّا مَا تُعْرَفُ إِبَاحَتُهُ، وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ، نَحْوَ قَوْلِهِ حِينَ أَحَلُّوا: «أَصِيبُوا مِنَ

стр. 344

النِّسَاءِ»، وَقَالَ جَابِرٌ: «وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ» وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ [الجَنَازَةِ]، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» (١). ومذهب البخاري في موجب الأمر والنهي هو مذهب الظاهرية، لا يفارقه إلا في إجازته أن يكون الدليل المخرج لهم عن موجبهما غير منصوص، والظاهرية يشترطون فيه أن يكون منصوصًا. وقد رأينا في الأمثلة السابقة كيف التقى المحدثون مع أهل الظاهر وكيف صدروا في استخلاصهم للأحكام عن منهج واحد. ولكن هل يعني هذا أن المحدثين هم الظاهرية، وأن الظاهرية هم المحدثون؟ إن مما لا شك فيه أن بينهما تشابهًا وتلاقيًا كبيرًا في الفكرة والمنهج، ولكن بينهما أيضًا من الفروق ما يجعل من أهل الظاهر فرقة خاصة، لها كيانها المستقل عن أهل الحديث. ونستطيع أن نصف العلاقة بين المحدثين والظاهرية، بعبارة موجزة نستعيرها من المناطقة، فنقول: إن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا، بمعنى أن كل ظاهري فهو من أهل الحديث، ولكن ليس كل محدث ظاهريًا. وفي الصفحات التالية نعرض للعلاقة بين المحدثين والظاهرية، ثم نوجز القول في أصول الظاهرية ومواطن الخلاف بينهم وبين المحدثين، وعلاقة الظاهرية بالمذاهب الأربعة. المَذْهَبُ الظَّاهِرِيُّ وَأَثَرُ المُحَدِّثِينَ فِي نَشْأَتِهِ: قدمنا أن الاتجاه إلى الظاهر له جذوره العميقة إلى عصر

стр. 345

الصحابة، وأن الاتجاه إليه لم يكن مذهبًا ملتزمًا في كل الأحوال ولا في جميع المسائل، بل كان يخضع لذاتية المجتهد فيما يؤديه إليه اجتهاده في بعض المسائل دون بعضها الآخر. أما أول من جعل الاتجاه إلى الظاهر مذهبًا ملتزمًا، يدعو إليه وينتصر له، فهو داود بن علي (١) الأصفهاني، المتوفى سنة ٢٧٠ هـ (سبعين ومائتين). وقد كان القرن الثالث، الذي شهد حياة داود - توقيتًا ملائمًا لإعلان هذا المذهب، إذ شهد هذا القرن تميز المذاهب الفقهية، وظهور الدعاة الذين يحتجون لها ويرسون أصولها، فتوفرت فيه العوامل التي ساعدت على ظهوره، والمناخ الصالح لنموه. وقد أسهم المحدثون بنصيب وافر في نشأة المذهب الظاهري، ويمكننا أن نتبع آثارهم في هذه النشأة، وأن نوجزها فيما يأتي: ١ - أهل الظاهر محدثون، من المحدثين انبثقوا، وعلى أيديهم تخرجوا. وإمامهم داود بن علي قد تلقى علمه على أعلام المحدثين في عصره كإسحاق بن راهويه وغيره، كما تلقى فقهه على أصحاب الشافعي. وقد كان بين أهل الحديث ومذهب الشافعي تعاطف، منشؤه تقدير المحدثين لبلاء الشافعي في نصرتهم، وتقدير ابن حنبل - إمام المحدثين - له وإعجابه به، وقد أعجب

стр. 346

داود أيضًا بالشافعي، وتعصب له، حتى ألف كتابين في مناقبه (١). وقد كانت كتب داود [وفقهه] مملوءة بالأحاديث والآثار، كما يقول الخطيب البغدادي: «وَفِي كُتُبِهِ حَدِيثٌ كَثِيرٌ، إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُ عَزِيزَةٌ جدًّا» (٢). وللعلاقة الوثيقة بين المحدثين والظاهرية، اعتبر بعض العلماء أحمد بن حنبل من أهل الظاهر، وجعله من أئمتهم. فقد جاء في رسالة للشيخ محمد الشطي ما نصه: «وَلَمَّا كَانَ الإِمَامُ أَحْمَدَ مِنْ أَئِمَّةِ الظَاهِرِ، كَدَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ الظَّاهِرِي، وَابْنِ حَزْمٍ، وَغَيْرِهِمَا - الْتَزَمَ البَعْضُ مِنْ مُتَقَدِّمِي الفُقَهَاءِ الحَنَابِلَةِ نَقْلَ أَحْكَامِ مَذْهَبِ دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، كَكِتَابِ " رُؤُوسِ المَسَائِلِ " لِأَبِي الخَطَّابِ، وَ" الرِّعَايَتَيْنِ الصُّغْرَى وَالكُبْرَى " لابْنِ حَمْدَانَ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الكُتُبِ المُعْتَمَدَةِ فِي المَذْهَبِ» (٣). وذكر الحجوي أن صاحب " المدارك " «وَصَفَ دَاوُدَ بِمَا وَصَفَ بِهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، مِنْ مَعْرِفَتِهِ الحَدِيثَ - وَإِنْ فَاقَهُ أَحْمَدُ فِيهِ، دُونَ الإِمَامَةِ فِي الفِقْهِ، وَلَا جَوْدَةَ النَّظَرِ فِي مَأْخَذِهِ، إِذْ لَمْ يَتَكَلَّمَا فِي نَوَازِلَ كَثِيرَةٍ كَلَامَ غَيْرِهِمَا، وَمَيْلِهِمَا لِظَاهِرِ السُّنَّةِ» (٤). وأخيرًا فإن ابن حزم نفسه يصرح بأن الظاهرية من المحدثين في قوله: «... وَإِنَّ أَصْحَابِ الظَّاهِرِ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ ﵃، أَشَدُّ اتِّبَاعًا وَمُوَافَقَةً لِلْصَّحَابَةِ ﵃ ...» (٥). ٢ - أهدى المحدثون لأهل الظاهر المادة التي يعتمدون عليها في فقههم،

стр. 347

فقد نجح المحدثون في أن يجمعوا قدرًا كبيرًا من الحديث من مختلف البلدان ومختلف الطرق، فَيَسَّرُوا لأهل الظاهر تناولها، وأمدوهم بالنصوص التي تسعفهم في الإجابة عن كثير من المسائل. بل أخذ الظاهرية من المحدثين احترام هذه النصوص، ومحاولة العمل بها كلها ما أمكن، وعدم إهمال بعضها بمحاولات الترجيح أو النسخ إلا إذا قام برهان واضح على النسخ. وإذا قارنا في ذلك بين ما قرره ابن حنبل، وما قرره ابن حزم في أصول الظاهرية فسوف تهدينا هذه المقارنة إلى البرهان الدال على تأثر الظاهرية بالمحدثين. فقد جاء في " مسائل عبد الله بن أحمد ": «سَأَلْتُ أَبِي عَنْ الثَّوْب [تُصِيبُهُ] الجَنَابَةُ، قَالَ: " اذْهَبْ فِيهِ إِلَى الخَبَرَيْنِ جَمِيعًا: حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَغْسِلُهُ، وَحَدِيثُ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِي ﷺ فَرَكَهُ وَصَلَّى». وَرَوَاهُ أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيَم عَنْ الأَسْوَدِ [عَنْ عَائِشَةَ]: فَرَكَهُ ". قَالَ أَبِي: " اذْهَبْ إِلَى الخَبَرَيْنِ جَمِيعًا وَلَا أَرُدُّ أَحَدَهُمَا بِالآخَرِ ". وَلِهَذَا مِثَالٌ مِنْهُ قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: " لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ". ثمَّ أَجَازَ السَّلَمَ. وَالسَّلَمُ بَيْعُ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى صِفَةٍ وَهَذَا عِنْدِي مِثْلَ الأَوَّلِ وَمِنْهُ أَيْضًا الشَّاةُ الْمُصَرَّاةُ إِذَا اشْتَرَاهَا الرَّجُلُ فَحَلَبَهَا فَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَرَدَّ صَاعَ تَمْرٍ، وَقَوْلُهُ ﷺ : " الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ " فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اللَّبَنُ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ ضَامِنٌ بِمَنْزِلَةِ العَبْدِ إِذَا اسْتَعْمَلَهُ فَأصَابَ بِهِ عَيْبًا، رَدَّهُ وَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ بِضَمَانِهِ، وَقَوْلُهُ ﷺ : " لَا يُصَلَّى بَعْدَ العَصْرِ "، ثمَّ قَالَ: " مَنْ نَامَ عَن صَلاَةٍ فَنَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا " فَلاَ يُرَدُّ أَحَدُهُمَا بِالآخَرِ إِذَا نَسِيَهَا صَلاَّهَا إِذَا ذَكَرَهَا وَلَا يَتَطَوَّعُ بَعْدَ العَصْرِ فَنَسْتَعْمِلُ الخَبَرَيْنِ جَمِيعًا.

стр. 348

وَمِثْلُ مَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ أَنَّهُ سَجَدَهُمَا قَبْلَ وَبَعْدَ - أَيْ قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ -[فَنَسْتَعْمِلُ الأَخْبَارَ فِيهَا كَمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَمَا وُصِفَ ذَلِكَ عَنْهُ فَيَسْجُدُهُمَا الرَّجُلُ كَمَا سَجَدَ فِيهَا بَعْدُ] (*)، وَلَا يَرُدُّ بَعْضُهَا بَعْضَ. هَذَا وَشَبَهُهُ اسْتَعْمَلَ الأَخْبَارَ حَتَّى [تَأْتِي] الدَّلَالَةُ بِأَنَّ الخَبَرَ قَبْلَ الخَبَرِ، فَيَكُونُ الأَخِيرُ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ، مِثْلَ مَا قَالَ ابْنُ شِهَابِ الزُّهْرِيّ: " يُؤْخَذ بِالأَحْدَثِ فَالأَحْدَث مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ " وَذَلِكَ أَنَّهُ صَامَ فِي سَفَرِهِ حَتَّى بَلَغَ الكُدَيْدَ ثُمَّ أَفْطَرَ. سَأَلْتُ أَبِي عَنْ المَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ؟ قَالَ: إِذَا جَفَّ فَفَرَكَهُ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ غَسَلَهُ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ مَسَحَهُ وَهُوَ رَطْبٌ فَلَا [بَأْسَ] (*)» (١). فهذا كلام أحمد يوضح منهجه في الأخبار المتعارضة، ويفيد أنه يأخذ بالنصوص كلها ما أمكن، ولا يلجأ إلى النسخ حتى يأتي دليل على النسخ. وقد وافقه على ذلك ابن حزم، وتكلم عن التعارض في أماكن كثيرة من كتبه، ونكتفي هنا بفقرة من كلامه، نضع يدنا على تأثره بالمحدثين وبخاصة أحمد بن حنبل. يقول ابن حزم: «إِذَا تَعَارَضَ الحَدِيثَانِ أَوْ الآيَتَانِ أَوْ الآيَةُ وَالحَدِيثُ [فِيمَا يَظُنُّ مَنْ لَا يَعْلَمُ] فَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ اسْتِعْمَالُ كُلَّ ذَلِكَ لَأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُ ذَلِكَ أَوْلَى بِالاِسْتِعْمَالِ مِنْ بَعْضٍ. فَإِذَا وَرَدَ النَّصَّانِ كَمَا ذكرَنَا، فَلَا يَخْلُو مَا يَظُنُّ بِهِ التَّعَارُضَ وَلَيْسَ تَعَارُضًا مِنْ أَحَدِ أَرَبْعَةَ أَوْجُهٍ لَا خَامِسَ لَهَا: إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَقَلُّ مَعَانِي مِنَ الآخَرِ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا حَاظِرًا وَالآخَرُ مُبِيحًا، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُوجِبًا وَالثَّانِي نَافِيًا. فَوَاجِبٌ هُنَا أَنْ يُسْتَثْنَى الأَقَلُّ مَعَانِي مِنَ الأَكْثَرِ مَعَانِي ... الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ النَّصَّيْنِ حَاظِرًا لِمَا أُبِيحَ فِي النَّصِّ

стр. 349

الآخَرِ بِأَسْرِهِ». ويذكر ابن حزم أمثلة لكل هذه الأنواع، وفيها بعض ما مثل به أحمد، مثل النهي عن الصلاة بعد العصر، مع الأمر بالصلاة المنسية وقت التذكر (١). ٣ - كراهية المحدثين للقياس وغضهم من شأنه وتحذيرهم من استعماله، وعدم التجائهم إليه إلا عند الضرورة، كل ذلك مهد للظاهرية أن ينكروا القياس جملة. بل الظاهرية يحتجون بأقوال المحدثين في إثبات مذهبهم، وقد رأينا أن ابن حنبل أرشد المستفتي إلى سؤال صاحب الحديث دون صاحب الرأي، وأنه فضل ضعيف الحديث على الرأي، وقد سلك ابن حزم هذا المسلك نفسه، فقال: «وَإِذَا قِيلَ لَهُ إِذَا سَأَلَ عَنْ أَعَلْمِ أَهْلِ بَلْدَةٍ بِالدِّينِ: هَذَا صَاحِبُ حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَذَا صَاحِبُ رَأْيٍ وَقِيَاسٍ، فَلْيَسْأَلْ صَاحِبَ الْحَدِيثِ، وَلَا يَحِلُ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ صَاحِبَ الرَّأْيِ أَصْلًا ...». ثم يروي عن الشعبي أنه قال: «السُنَّةُ لَمْ تُوضَعْ بِالمَقَايِيسِ»، ويروى عن ابن حنبل: «الحَدِيثُ الضَّعِيفُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنَ الرَّأْيِ». ويروى عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: «سَأَلْتُ أَبِي عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ بِبَلَدٍ لَا يَجِدُ فِيهِ إِلَّا صَاحِبَ حَدِيثٍ لَا يَعْرِفُ صَحِيحَهُ مِنْ سَقِيمِهِ، وَأَصْحَابَ رَأْيٍ، فَتَنْزِلُ بِهِ النَّازِلَةُ، فَمَنْ يَسْأَلُ؟ فَقَالَ أَبِي: " يَسْأَلُ صَاحِبَ الحَدِيثِ، وَلَا يَسْأَلُ صَاحِبَ الرَّأْيِ. ضَعِيفُ الحَدِيثِ أَقْوَمُ مِنْ رَأْيِ فُلاَنٍ "» (٢). وقد سئل داود عن سبب إنكاره القياس، ومخالفته إمامه الشافعي في

стр. 350

ذلك. فأجاب بِـ «أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ أَدِلَّةَ الشَّافِعِيِّ فِي إِنْكَارِ الاِسْتِحْسَانِ تَنْطَبِقُ عَلَى القِيَاسِ، فَلِذَلِكَ أَنْكَرَهُ». ومن هذا نرى أن هجوم المحدثين على الرأي والقياس، كان من الأسباب القوية التي أدت إلى نشأة الظاهرية، بالإضافة إلى غلو بعض العلماء في القياس وإغراقهم فيه، وإعطائهم له قوة معارضة النصوص، مما نتج عنه رد فعل، بدأ بالهجوم على القياس وكبح جماحه، حتى لا يعدو قدره، وانتهى بإنكاره جملة، وعدم الاعتراف به كمصدر تشريعي، ونقد المستعملين له وتخطئتهم. ٤ - المحدثون هم الذين مهدوا لنشأة المذهب الظاهري في المغرب، على يد بقي بن مخلد وغيره، فقد كان المذهب المالكي هو المذهب السائد في الأندلس، لا يعرف أهلها شيئًا عن غيره، فلما رجع بقي بن مخلد من رحلته إلى المشرق، متأثرًا بالمحدثين، وبخاصة أحمد وإسحاق وداود - تعصب عليه علماء الأندلس، لإظهاره مذهب أهل الأثر، ولقد قال ابن حزم: «كَانَ بَقِيٌّ فِي خَاصَّةٍ مِنْ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَجَارِيًا فِي مِضْمَارِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالنِّسَائِيِّ» (١) ويقول ابن العربي: «وَكَانَ عِنْدَنَا فِي الأَنْدَلُسِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، رَجُلٌ رَحَلَ وَرَوَى الحَدِيثَ، وَعَادَ فَأَسْنَدَ، وَادَّعَى أَنَّهُ لَا قِيَاسَ وَلَا نَظَرَ» (٢). الفَرْقُ بَيْنَ المُحَدِّثِينَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ: وإذا كان المحدثون يميلون إلى الأخذ بالظاهر، ويكرهون الرأي،

стр. 351

وإذا كان أهل الظاهر طائفة من المحدثين، فما الفرق إذن بين المحدثين وأهل الظاهر؟ إن بين الطائفتين فروقًا، نسجل أهمها فيما يأتي: أولاً - جعل الظاهرية من الاتجاه إلى الظاهر مذهبًا ملتزمًا تقررله أصول وقواعد، جعلوها مطردة لا تتخلف، حتى لو أدت بهم إلى الإغراب والشذوذ. فالالتزام والاطراد هما ما يميز أهل الظاهر عن أهل الحديث، إذ أن اتجاه أهل الحديث إلى الظاهر وإن كان وصفًا غالبًا - لم يكن مذهبًا ملتزمًا، ومنهجهم في ذلك أقرب شبهًا بمنهج الصحابة بعامة، وأوثق صلة بمنهج ابن عمر وأبي هريرة بخاصة. هذا الالتزام والاطراد اللذان فرقا بين المحدثين وأهل الظاهر يمثلان العامل المشترك بين أهل الظاهر وأهل الرأي، وإن كان أهل الظاهر يحتلون الطرف البعيد المقابل لأهل الرأي. وقد أشار الشاطبي إلى هذه الحقيقة، حين تساءل عن المجتهد الذي جاوز مرتبة الحفظ إلى مرتبة النظر فيما حفظ، حتى وصل من هذا النظر إلى الكشف عن علاقات عامة، تربط الشريعة، وتوضح اتجاهها وأهدافها وأحكامها الكلية مستخلصة من الأحداث الجزئية، فهل لهذا المجتهد حينئذٍ أن يجتهد بمقتضى الأحكام الكلية التي استخلصها، دون مراعاة للاعتبارات الخاصة بالجزئيات؟ أجاب قوم بالإيجاب، وآخرون بالنفي. ثم ذكر الشاطبي أن من أمثلة هذه المرتبة «مَذْهَبُ مَنْ نَفَى القِيَاسَ جُمْلَةً وَأَخَذَ بِالنُّصُوصِ عَلَى الإِطْلاَقِ، وَمَذْهَبُ مَنْ أَعْمَلَ القِيَاسَ عَلَى الإِطْلاَقِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ مَا خَالَفَهُ مِنَ الأَخْبَارِ جُمْلَةً، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ

стр. 352

غَاصَ بِهِ الفِكْرُ فِي مَنْحًى شَرْعِيٍّ مُطْلَقٍ عَامٍّ اطَّرَدَ لَهُ فِي جُمْلَةِ الشَّرِيعَةِ اطِّرَادًا لاَ يُتَوَهَّمُ مَعَهُ فِي الشَّرِيعَةِ نَقْصٌ وَلاَ تَقْصِيرٌ، بَلْ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم﴾ [المائدة: ٣]. فَصَاحِبُ الرَّأْيِ يَقُولُ: الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ مَصَالِحِ العِبَادِ وَدَرْءِ مَفَاسِدِهِمْ، وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّتْ أَدِلَّتُهَا عُمُومًا وَخُصُوصًا، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الاِسْتِقْرَاءُ، فَكُلُّ فَرْدٍ جَاءَ مُخَالِفًا فَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ شَرْعًا، إِذْ قَدْ شَهِدَ الاِسْتِقْرَاءُ بِمَا يُعْتَبَرُ مِمَّا لاَ يُعْتَبَرُ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ عَامٍّ، فَهَذَا الخَاصُّ المُخَالِفُ يَجِبُ رَدُّهُ وَإِعْمَالُ مُقْتَضَى الكُلِّيِّ العَامِّ، لأَنَّ دَلِيلَهُ قَطْعِيٌّ، وَدَلِيلَ الخَاصِّ ظَنِّيٌّ فَلاَ يَتَعَارَضَانِ. وَالظَّاهِرِيُّ يَقُولُ: الشَّرِيعَةُ إِنَّمَا جَاءَتْ لابْتِلاَءِ المُكَلَّفِينَ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، وَمَصَالِحُهُمْ تَجْرِي عَلَى حَسَبِ مَا أَجْرَاهَا الشَّارِعُ، لَا عَلَى حَسَبِ أَنْظَارِهِمْ، فَنَحْنُ مِنَ اتِّبَاعِ مُقْتَضَى النُّصُوصِ عَلَى يَقِينٍ فِي الإِصَابَةِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا تَعَبَّدَنَا بِذَلِكَ وَاتِّبَاعُ المَعَانِي رَأْيٌ، فَكُلُّ مَا خَالَفَ النُّصُوصَ مِنْهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، لأَنَّهُ أَمْرٌ خَاصٌّ مُخَالِفٌ لِعَامِّ الشَّرِيعَةِ، وَالخَاصُّ الظَّنِّيُّ لَا يُعَارِضُ العَامَّ القَطْعِيَّ. فَأَصْحَابُ الرَّأْيِ جَرَّدُوا المَعَانِيَ، فَنَظَرُوا فِي الشَّرِيعَةِ بِهَا، وَاطَّرَحُوا خُصُوصِيَّاتِ الأَلْفَاظِ، وَالظَّاهِرِيَّةُ جَرَّدُوا مُقْتَضَيَاتِ الأَلْفَاظِ، فَنَظَرُوا فِي الشَّرِيعَةِ بِهَا، وَاطَّرَحُوا خُصُوصِيَّاتِ المَعَانِي القِيَاسِيَّةِ، وَلَمْ تَتَنَزَّلْ وَاحِدَةٌ مِنَ الفِرْقَتَيْنِ إِلَى النَّظَرِ فِيمَا نَظَرَتْ فِيهِ الأُخْرَى بِنَاءً عَلَى كُلِّيِّ مَا اعْتَمَدَتْهُ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ» (١). هذا الكلام الذي نقلناه عن الشاطبي، والذي يدل على أصالته وعمقه

стр. 353

يوضح لنا كيف التزم الظاهرية بالظاهر، وطبقوه على كل الفروع، لا يستثنون منها مسألة أو فرعًا، وليس كذلك المحدثون. ثانيًا - بالنسبة للأصول المعتمد عليها في استنباط الأحكام، افترق المحدثون عن الظاهرية فيما وراء القرآن والسنة. فقد رأينا كيف كان المحدثون يتجهون إلى الآثار، يجعلونها مع القرآن مرجعًا لأحكامهم، ودليلاً عليها، وَبَيَّنَّا أن الآثار عندهم تشمل الأحاديث وغيرها من أقوال الصحابة والتابعين، وأنهم يقصرون الحجة عليها أو يكادون، فإذا لم يوجد نص أو أثر، فليس لديهم حينئذٍ خطة موحدة، بل يتوقف بعضهم فلا يفتي فيما لا أثر فيه، وقد يفتي بعضهم بما يمليه عليه الورع والاحتياط، وقد يحيل بعضهم مستفتيه إلى من يميل إليه، ممن جرؤ على الفتوى من المعاصرين أو السابقين. أما أهل الظاهر فقد قصروا الحجة على نصوص القرآن والسنة، ولم يروا لآراء الصحابة ومن بعدهم ما يرفعها إلى مرتبة النصوص، فلم يجعلوها حجة، إلا إذا اجتمع الصحابة جميعًا على أمر، فإن هذا الإجماع حينئذٍ حجة، ومصيره إلى النص أيضًا، لأنهم لا يجتمعون إلا عن توقيف. ومما يوضح لنا هذا الفرق أننا قد رأينا في الأمثلة السابقة كيف أن المحدثين يتفقون مع الظاهرية في أن أثر الفعل المنهي عنه هو البطلان، يحكمون برد كل فعل منهي عنه، وضربنا مثلاً لذلك برأي البخاري في بيع التلقي والنجش ولكننا نجد بيعًا آخر، جاء نهي الرسول ﷺ بصورة مطلقة، ومع ذلك لم ينه البخاري عنه بإطلاق، كما هو مقتضى الحديث، بل قيد النهي بصورة خاصة، مستدلاً على هذا التقييد، بتفسير ابن عباس للحديث، هذا البيع المنهي عنه هو بيع الحاضر للبادي.

стр. 354

وقد ترجم البخاري لهذا البيع بعدة تراجم، أولها: (بَابٌ: هَلْ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَهَلْ يُعِينُهُ أَوْ يَنْصَحُهُ؟ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَنْصَحْ لَهُ» وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ)، وروى في هذا الباب حديثين، أولهما عن جرير، قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»، والحديث الثاني: عَنْ طَاوُوسَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، قَالَ: فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟» قَالَ: " لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا ". ثم ترجم له ثانيًا بقوله: (بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ)، روى فيه عن ابن عمر [قَالَ]: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ». وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. ثم ترجم له ثالثًا بقوله: (بَابٌ: لَا [يَشْتَرِي] حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ، وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمُ لِلْبَائِعِ وَالمُشْتَرِي وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «إِنَّ العَرَبَ تَقُولُ بِعْ لِي ثَوْبًا، وَهِيَ تَعْنِي الشِّرَاءَ»)، وقد روى في هذا الباب عن أبي هريرة مرفوعًا: «لَا يَبْتَاعُ المَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، كما روى عن أنس بن مالك قال: «نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ» (١). فالأحاديث التي استدل بها البخاري مطلقة، ولكنه أخذ بتفسير ابن عباس لها، من أن المقصود من النهي ألا يكون له سمسارًا، والسمسار يدخل بين البائع والمشتري بأجر يستفيده منهما أو من أحدهما، فالبائع للبدوي بغير أجر خارج عن متناول النهي حينئذٍ. أما أهل الظاهر فلا يحتجون بأقوال الصحابة ولا بتفسيرهم، إنما الحجة

стр. 355

في النصوص التي يرويها الصحابة عن رسول الله ﷺ . والنصوص مطلقة النهي، لا تفرق بين الأجر وغيره. يقول ابن حزم: «وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى البَيْعَ سَاكِنُ مِصْرٍ، أَوْ قَرْيَةٍ، [أَوْ مِجْشَرٍ لِخَصَّاصٍ] لَا فِي البَدْوِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِمَّا يَجْلِبُهُ [الخَصَّاصُ إلَى الأَسْوَاقِ]، وَالْمُدُنِ، [وَالقُرَى]، أَصْلاً وَلَا أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ شَيْئًا لَا فِي حَضَرٍ وَلَا فِي بَدْوٍ، فَإِنْ فَعَلَ فُسِخَ البَيْعُ وَالشِّرَاءُ أَبَدًا، وَحُكِمَ فِيهِ بِحُكْمِ الغَصْبِ، وَلَا خِيَارَ لأَحَدٍ فِي إمْضَائِهِ، [وَلَكِنْ يَدَعُهُ يَبِيعُ لِنَفْسِهِ، أَوْ يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ، أَوْ يَبِيعُ لَهُ خَصَّاصٌ مِثْلُهُ، وَيَشْتَرِي لَهُ كَذَلِكَ]، لَكِنْ يَلْزَمُ السَّاكِنَ فِي المَدِينَةِ، أَوْ القَرْيَةِ، [أَوْ المِجْشَرِ]: أَنْ يَنْصَحَ [لِلخَصَّاصِ] فِي شِرَائِهِ وَبَيْعِهِ، وَيَدُلَّهُ عَلَى السُّوقِ، وَيُعَرِّفَهُ بِالأَسْعَارِ، [وَيُعِينَهُ عَلَى رَفْعِ سِلْعَتِهِ إنْ لَمْ يُرِدْ بَيْعَهَا وَعَلَى رَفْعِ مَا يَشْتَرِي]. وَجَائِزٌ [لِلْخَصَّاصِ] أَنْ يَتَوَلَّى البَيْعَ، وَالشِّرَاءَ لِسَاكِنِ المِصْرِ، وَالقَرْيَةِ» (١). ومما يتعلق بهذا الفرق أيضًا ما جاء في النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض، فقد مال البخاري إلى قياس غير الطعام على الطعام في هذا النهي، أخذًا من رأي ابن عباس، وهو ما رواه بسنده عن طاووس قال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، يَقُولُ: «أَمَّا الذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ [حَتَّى يُقْبَضَ]»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ». وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: (بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) (٢). ويلاحظ أن أحمد وإسحاق قد تعلقا بظاهر الحديث - فمنعا من بيع الطعام فقط قبل القبض، وأجازاه في غير الطعام، يقول الترمذي: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ [أَكْثَرِ] أَهْلِ العِلْمِ كَرِهُوا بَيْعَ الطَّعَامِ حَتَّى يَقْبِضَهُ المُشْتَرِي،
следующие страницы →