وإذا كان أهل الظاهر طائفة من المحدثين، فما الفرق إذن بين المحدثين وأهل الظاهر؟
إن بين الطائفتين فروقًا، نسجل أهمها فيما يأتي:
أولاً - جعل الظاهرية من الاتجاه إلى الظاهر مذهبًا ملتزمًا تقررله أصول وقواعد، جعلوها مطردة لا تتخلف، حتى لو أدت بهم إلى الإغراب والشذوذ.
فالالتزام والاطراد هما ما يميز أهل الظاهر عن أهل الحديث، إذ أن اتجاه أهل الحديث إلى الظاهر وإن كان وصفًا غالبًا - لم يكن مذهبًا ملتزمًا، ومنهجهم في ذلك أقرب شبهًا بمنهج الصحابة بعامة، وأوثق صلة بمنهج ابن عمر وأبي هريرة بخاصة.
هذا الالتزام والاطراد اللذان فرقا بين المحدثين وأهل الظاهر يمثلان العامل المشترك بين أهل الظاهر وأهل الرأي، وإن كان أهل الظاهر يحتلون الطرف البعيد المقابل لأهل الرأي.
وقد أشار الشاطبي إلى هذه الحقيقة، حين تساءل عن المجتهد الذي جاوز مرتبة الحفظ إلى مرتبة النظر فيما حفظ، حتى وصل من هذا النظر إلى الكشف عن علاقات عامة، تربط الشريعة، وتوضح اتجاهها وأهدافها وأحكامها الكلية مستخلصة من الأحداث الجزئية، فهل لهذا المجتهد حينئذٍ أن يجتهد بمقتضى الأحكام الكلية التي استخلصها، دون مراعاة للاعتبارات الخاصة بالجزئيات؟ أجاب قوم بالإيجاب، وآخرون بالنفي.
ثم ذكر الشاطبي أن من أمثلة هذه المرتبة «مَذْهَبُ مَنْ نَفَى القِيَاسَ جُمْلَةً وَأَخَذَ بِالنُّصُوصِ عَلَى الإِطْلاَقِ، وَمَذْهَبُ مَنْ أَعْمَلَ القِيَاسَ عَلَى الإِطْلاَقِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ مَا خَالَفَهُ مِنَ الأَخْبَارِ جُمْلَةً، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ
يوضح لنا كيف التزم الظاهرية بالظاهر، وطبقوه على كل الفروع، لا يستثنون منها مسألة أو فرعًا، وليس كذلك المحدثون.
ثانيًا - بالنسبة للأصول المعتمد عليها في استنباط الأحكام، افترق المحدثون عن الظاهرية فيما وراء القرآن والسنة. فقد رأينا كيف كان المحدثون يتجهون إلى الآثار، يجعلونها مع القرآن مرجعًا لأحكامهم، ودليلاً عليها، وَبَيَّنَّا أن الآثار عندهم تشمل الأحاديث وغيرها من أقوال الصحابة والتابعين، وأنهم يقصرون الحجة عليها أو يكادون، فإذا لم يوجد نص أو أثر، فليس لديهم حينئذٍ خطة موحدة، بل يتوقف بعضهم فلا يفتي فيما لا أثر فيه، وقد يفتي بعضهم بما يمليه عليه الورع والاحتياط، وقد يحيل بعضهم مستفتيه إلى من يميل إليه، ممن جرؤ على الفتوى من المعاصرين أو السابقين.
أما أهل الظاهر فقد قصروا الحجة على نصوص القرآن والسنة، ولم يروا لآراء الصحابة ومن بعدهم ما يرفعها إلى مرتبة النصوص، فلم يجعلوها حجة، إلا إذا اجتمع الصحابة جميعًا على أمر، فإن هذا الإجماع حينئذٍ حجة، ومصيره إلى النص أيضًا، لأنهم لا يجتمعون إلا عن توقيف.
ومما يوضح لنا هذا الفرق أننا قد رأينا في الأمثلة السابقة كيف أن المحدثين يتفقون مع الظاهرية في أن أثر الفعل المنهي عنه هو البطلان، يحكمون برد كل فعل منهي عنه، وضربنا مثلاً لذلك برأي البخاري في بيع التلقي والنجش ولكننا نجد بيعًا آخر، جاء نهي الرسول ﷺ بصورة مطلقة، ومع ذلك لم ينه البخاري عنه بإطلاق، كما هو مقتضى الحديث، بل قيد النهي بصورة خاصة، مستدلاً على هذا التقييد، بتفسير ابن عباس للحديث، هذا البيع المنهي عنه هو بيع الحاضر للبادي.
стр. 354
وقد ترجم البخاري لهذا البيع بعدة تراجم، أولها: (بَابٌ: هَلْ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَهَلْ يُعِينُهُ أَوْ يَنْصَحُهُ؟ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَنْصَحْ لَهُ» وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ)، وروى في هذا الباب حديثين، أولهما عن جرير، قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»، والحديث الثاني: عَنْ طَاوُوسَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، قَالَ: فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟» قَالَ: " لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا ". ثم ترجم له ثانيًا بقوله: (بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ)، روى فيه عن ابن عمر [قَالَ]: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ». وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
ثم ترجم له ثالثًا بقوله: (بَابٌ: لَا [يَشْتَرِي] حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ، وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمُ لِلْبَائِعِ وَالمُشْتَرِي وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «إِنَّ العَرَبَ تَقُولُ بِعْ لِي ثَوْبًا، وَهِيَ تَعْنِي الشِّرَاءَ»)، وقد روى في هذا الباب عن أبي هريرة مرفوعًا: «لَا يَبْتَاعُ المَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، كما روى عن أنس بن مالك قال: «نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ» (١).
فالأحاديث التي استدل بها البخاري مطلقة، ولكنه أخذ بتفسير ابن عباس لها، من أن المقصود من النهي ألا يكون له سمسارًا، والسمسار يدخل بين البائع والمشتري بأجر يستفيده منهما أو من أحدهما، فالبائع للبدوي بغير أجر خارج عن متناول النهي حينئذٍ.
أما أهل الظاهر فلا يحتجون بأقوال الصحابة ولا بتفسيرهم، إنما الحجة
стр. 355
في النصوص التي يرويها الصحابة عن رسول الله ﷺ . والنصوص مطلقة النهي، لا تفرق بين الأجر وغيره.
يقول ابن حزم: «وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى البَيْعَ سَاكِنُ مِصْرٍ، أَوْ قَرْيَةٍ، [أَوْ مِجْشَرٍ لِخَصَّاصٍ] لَا فِي البَدْوِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِمَّا يَجْلِبُهُ [الخَصَّاصُ إلَى الأَسْوَاقِ]، وَالْمُدُنِ، [وَالقُرَى]، أَصْلاً وَلَا أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ شَيْئًا لَا فِي حَضَرٍ وَلَا فِي بَدْوٍ، فَإِنْ فَعَلَ فُسِخَ البَيْعُ وَالشِّرَاءُ أَبَدًا، وَحُكِمَ فِيهِ بِحُكْمِ الغَصْبِ، وَلَا خِيَارَ لأَحَدٍ فِي إمْضَائِهِ، [وَلَكِنْ يَدَعُهُ يَبِيعُ لِنَفْسِهِ، أَوْ يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ، أَوْ يَبِيعُ لَهُ خَصَّاصٌ مِثْلُهُ، وَيَشْتَرِي لَهُ كَذَلِكَ]، لَكِنْ يَلْزَمُ السَّاكِنَ فِي المَدِينَةِ، أَوْ القَرْيَةِ، [أَوْ المِجْشَرِ]: أَنْ يَنْصَحَ [لِلخَصَّاصِ] فِي شِرَائِهِ وَبَيْعِهِ، وَيَدُلَّهُ عَلَى السُّوقِ، وَيُعَرِّفَهُ بِالأَسْعَارِ، [وَيُعِينَهُ عَلَى رَفْعِ سِلْعَتِهِ إنْ لَمْ يُرِدْ بَيْعَهَا وَعَلَى رَفْعِ مَا يَشْتَرِي].
وَجَائِزٌ [لِلْخَصَّاصِ] أَنْ يَتَوَلَّى البَيْعَ، وَالشِّرَاءَ لِسَاكِنِ المِصْرِ، وَالقَرْيَةِ» (١).
ومما يتعلق بهذا الفرق أيضًا ما جاء في النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض، فقد مال البخاري إلى قياس غير الطعام على الطعام في هذا النهي، أخذًا من رأي ابن عباس، وهو ما رواه بسنده عن طاووس قال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، يَقُولُ: «أَمَّا الذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ [حَتَّى يُقْبَضَ]»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ».
وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: (بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) (٢).
ويلاحظ أن أحمد وإسحاق قد تعلقا بظاهر الحديث - فمنعا من بيع الطعام فقط قبل القبض، وأجازاه في غير الطعام، يقول الترمذي: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ [أَكْثَرِ] أَهْلِ العِلْمِ كَرِهُوا بَيْعَ الطَّعَامِ حَتَّى يَقْبِضَهُ المُشْتَرِي،
стр. 356
وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِيمَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ، أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ، وَإِنَّمَا التَّشْدِيدُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ فِي الطَّعَامِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ» (١)، ورأي أحمد وإسحاق هو رأي الظاهرية أيضًا.
وكما لا يأخذ الظاهرية بأقوال الصحابة والتابعين، مع أن المحدثين ألحقوها بالنصوص - لا يأخذون بالرأي في أي شكل من أشكاله، سواء أكان قياسًا أم مصلحة أم استحسانًا أم غير ذلك، مما سيأتي عند الكلام على أصولهم.
أما المحدثون فهم وإن كانوا يكرهون الرأي، لا يحرمون الرأي المحمود، لا على أنفسهم ولا على غيرهم، ما دام لا يخالف نصًا، ولا ينقض أصلاً. فقد قال أحمد بالقياس عند الضرورة، كما عمل بالمصلحة (٢)، وأخذ بالاستحسان، فقد جاء في " المُغْنِي " فيما إذا غصب أرضًا فزرعها ثم استرجعها ربها والزرع قائم: «إنَّمَا ذَهَبَ - أحمد - إلَى هَذَا الحُكْمِ اسْتِحْسَانًا، عَلَى خِلاَفِ القِيَاسِ» ... «وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: " هَذَا شَيْءٌ لاَ يُوَافِقُ القِيَاسَ، أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نَفَقَتَهُ، لِلأَثَرِ "» (٣).
ثالثًا - اختلف الظاهرية مع المحدثين في بعض صور الإسناد: فالظاهرية
стр. 357
لا يعتبرون من النصوص إلا ما نسب إلى الرسول ﷺ بنص صريح، فأما أن يقول الصحابي: «أُمِرْنَا بِكَذَا»، أَوْ «نُهِينَا»، «مِنَ السُنَّة كَذَا» أو «كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ » - فإن كل أولئك لا يدخل في دائرة النصوص عندهم، فلا يصلح للاحتجاج به.
أما المحدثون فقد قدمنا أنهم يعطون أمثال هذه الصيغ حكم الحديث المرفوع وقد رأينا كيف أن البخاري قد استدل بقول أم عطية: «نُهِينَا» وَ «أُمِرْنَا» (١)، كما تقدم آنفًا استدلاله بحديث أنس: «نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ».
- هذه بعض العناصر الأساسية التي تفرق بين المحدثين والظاهرية، وتجعل من الأخيرين فرقة خاصة، لها منهجها ومميزاتها.
وقد لمسنا في الفرق الثاني أصول أهل الظاهر لمسًا خفيفًا، وحان لنا أن نتحدث عن هذه الأصول، بقدر ما يوضح لنا فكرتهم ومنهجهم.
стр. 358
الفَصْلُ الثَّانِي: أُصُولُ الظَّاهِرِيَّةِ:
وتناولنا لهذه الأصول لن يكون على سبيل الاستيعاب، فليس هذا من قصدنا، إلى جانب أن ابن حزم قد أغنانا عنه بما كتبه في أصول الظاهرية في " الإحكام " و" النبذ " وغيرهما.
ولكن الذي يعنينا هنا هو أن نشير إلى أهم معالم المنهج الظاهري، وأن نسجل أوجه الخلاف أو الوفاق بينه وبين منهج المحدثين، في كل موضع تدعو الحاجة فيه إلى الموازنة.
أصول الظاهرية هي: القرآن، والسنة، والإجماع، والدليل. فإن لم يكن شيء من ذلك اعتمدوا على الاستصحاب. وكل هذه الأصول نصوص أو راجعة إلى النصوص.
يقول ابن حزم مبينًا هذه الأصول، وموضحًا معنى الدليل: «وَوَجَدْنَا فِي القُرْآنِ إِلْزَامَنَا الطَّاعَةَ لِمَا أَمَرَنَا بِهِ رَبُّنَا تَعَالَى فِيهِ وَلِمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّهُ ﷺ مِمَّا نَقَلَهُ عَنْهُ الثِّقَاتُ أَوْ جَاءَ عَنْهُ بِتَوَاتُرٍ أَجْمَعَ عَلَيْهِ جَمِيعُ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ عَلَى نَقْلِهِ عَنْهُ ﵇ فَوَجَدْنَاهُ تَعَالَى قَدْ سَاوَى بَيْنَ هَذِهِ الجُمَلِ الثَّلَاثِ فِي وُجُوبِ طَاعَتِهَا عَلَيْنَا».
«فَنَظَرْنَا فِيهَا فَوَجَدْنَا مِنْهَا جَمُلاً إذَا اجْتَمَعَتْ قَامَ مِنْهَا حُكْمٌ مَنْصُوصٌ عَلَى مَعَنَاهُ، فَكَانَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ وَجْهٌ رَابِعٌ، إِلَّا أَنَّهُ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَنَا، وَذَلِكَ نَحْوَ قولَهُ ﵇: " كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ " فَأَنْتَجَ ذَلِكَ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ فَهَذَا مَنْصُوصٌ عَلَى مَعْنَاهُ نَصًّا جَلِيًّا ضَرُورِيًّا
стр. 359
وَمِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، وَقَدْ تَيَقَّنَّا بِالْعَقْلِ الَّذِي بِهِ عَلِمْنَا الأَشْيَاءَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ مَعْدُودٍ فَهُوَ ثُلُثٌ وَثُلُثَانِ فَإِذَا كَانَ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ فَقَطُّ، وَهِيَ وَالأَبُ وَارِثَانِ فَقَطُّ فَالثُّلُثَانِ لِلْأَبِ. وَهَذَا عِلْمٌ ضَرُورِيِّ لَا مَحِيدَ عَنْه لِلْعَقْلِ وَوَجَدْنَا ذَلِكَ مَنْصُوصًا عَلَى الْمَعْنَى، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى اللَّفْظِ. وَمِثْلُ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَكَمَ بِأَنَّ دَمَ زَيْدٍ حَرَامٌ [لِإِسْلَامِهِ] ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ حَلَّ دَمُهُ. فَقُلْنَا: قَدْ تَيَقَّنَّا بِالنَّصِّ وُجُوبُ الطَّاعَةِ لِلْإِجْمَاعِ، وَقَدْ صَحَّ نَقْلُ الإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ دَمَهُ حَرَامٌ فَلَا يَجُوزُ لَنَا خِلَافَ ذَلِكَ إِلَّا بِنَصٍّ مَنْقُولٍ بِالثِّقَاتِ أَوْ بِتَوَاتُرٍ أَوْ بِإِجْمَاعٍ نَاقِلٍ لَنَا، فَهَذَا مَنْصُوصٌ عَلَى مَعْنَاهُ، وَمِثْلُ أَنْ يَدَّعِي زَيْدٌ عَلَى عَمْرٍو بِمَالٍ فَنَقُولُ: إِنَّ اللَهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى إِيجَابِ اليَمِينِ عَلَى عَمْرٍو لِأَنَّ النَّصَّ قَدْ جَاءَ بِإِيجَابِ اليَمِينِ عَلَى مَنْ ادُّعِيَ عَلَيْهِ، وَعَمْرٌو مُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَدْ أَوْجَبَ النَّصُّ اليَمِينَ عَلَى عَمْرٍو. فَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الدِّيَانَةِ أَصْلاً إِلَّا مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الأَرْبَعَةِ وَهِيَ كُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى النَّصِّ» (١).
وقد جعل ابن حزم النص مرادفًا للظاهر، فقال: «وَالنَّصُّ: هُوَ اللَّفْظُ الوَارِدُ فِي القُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ، المُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى حُكْمِ الأَشْيَاءِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ نَفْسُهُ» (٢).
وقد سبق أن ذكرنا أن أهل الظاهر يلتزمون بمذهب المحدثين في اعتبارهم القرآن والسنة في مرتبة واحدة، هي مرتبة النصوص. فنصوص القرآن والسنة يكمل بعضها بعضًا، ويضاف بعضها إلى بعض، سواء من حيث التأكيد أو البيان أو التأسيس، ولذلك كان للسنة أن تخصص عام القرآن
стр. 360
وتقيد مطلقه وتبين إجماله، وتنسخ من أحكامه، وينسخ القرآن من أحكامها، بل جعلوا أخبار الآحاد مفيدة للعلم، لا للظن الراجح كما هو مذهب الجمهور، وقد خالفوا أيضًا في اعتبارهم دلالة العام قطعية لا ظنية، وإن كان المؤدى واحدًا من حيث إنهم يتفقون مع الجمهور في قدرة السنة على تخصيص القرآن، وإن كان الطريق مختلفًا فالجمهور يعتبر العام ظنيًا، وأخبار الآحاد ظنية، فجاز تخصيص القطعي بالقطعي.
مَفْهُومُ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ عِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ:
وسلوك الظاهرية في فهم الأوامر والنواهي التي تتضمنها النصوص أحد المظاهر الهامة في الفقه الظاهري، وقد اختلف العلماء في موجب الأمر وما وضع له، وينص ابن حزم على رأي الظاهرية في هذا، مع إشارته للآراء الأخرى. فيقول: «الذِي يُفْهَمُ مِنَ الأَمْرِ أَنَّ الآمِرَ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مَا أَمَرَ، وَأَلْزَمَ المَأْمُورَ ذَلِكَ الأَمْرَ. وَقَالَ بَعْضُ الحَنَفِيِّينَ وَبَعْضُ المَالِكِيِّينَ وَبَعْضُ الشَّافِعِيِّينَ: إِنَّ أَوَامِرَ القُرْآنِ وَالسُّنَنِ وَنَوَاهِيهُمَا عَلَى الوَقْفِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى حَمْلِهَا: إِمَّا عَلَى وُجُوبٍ فِي العَمَلِ أَوْ فِي التَّحْرِيمِ وَإِمَّا عَلَى نَدْبٍ وَإِمَّا عَلَى إِبَاحَةٍ».
«وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ الطَّوَائِفِ التِي ذَكَرْنَا وَجَمِيعِ أَصْحَابِ الظَّاهِرِ إِلَى القَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ عَلَى الوُجُوبِ فِي التَّحْرِيمِ أَوْ الفِعْلِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى صَرْفِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَى نَدْبٍ أَوْ كَرَاهَةٍ أَوْ إِبَاحَةٍ فَتَصِيرُ إِلَيْهِ» (١).
فدلالة الطلب على وجوب الفعل أو الترك، ليست مما انفرد به أهل
стр. 361
الظاهر - كما رأينا في كلام ابن حزم - فليست إذن مما يميزهم. لكن الذي عنيناه بأنه من المظاهر الهامة في فقههم هو أنهم يضيقون من الأدلة التي تخرج نصوص الأوامر والنواهي عن موجبها، على حين يوسع غيرهم من الفقهاء في ذلك، ويبدو هذا في الفروع، ولذلك يتبين مدى الأخذ بظاهر الأمر والنهي في الفروع، لا في أصل القاعدة (١).
ومن أمثلة الفروع التي حمل الظاهرية فيها الأمر على الوجوب، مخالفين الجمهور - وجوب الإشهاد على البيع، للأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ذهب إلى ذلك داود بن علي. وقد حكى وجوب الإشهاد عن بعض السلف، كأبي موسى الأشعري، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وهو مذهب الطبري (٢).
وكذلك وجوب مكاتبة العبد، إذا طلب مكاتبة سيده على قيمته. وكان العبد قادرًا على الوفاء. ووجوب معاونة المكاتب بشيء من المال، امتثالاً لظاهر الأمر في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٣)، وقد سبق أن ذكرنا أن بعض المحدثين مال إلى ذلك أيضًا.
ومن الأمثلة أيضًا: وجوب ترك البيع وقت النداء لصلاة الجمعة، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٤)، فإذا خالف أحد هذا الأمر، وباع في الوقت فبيعه باطل.
стр. 362
وهل هذا الحكم ينطبق على العقود الأخرى، كالنكاح والإجارة وغيرهما - إذا تمت وقت النداء لصلاة الجمعة!. إن الظاهرية الذين يتمسكون بالألفاظ، ولا يعترفون بالقياس، ولا يبحثون عن العلل - قد وقفوا عند حدود الأمر بترك البيع. فالبيع وقت النداء هو المحرم فقط، أما العقود الأخرى فلا يوجد نص بتحريمها في هذا الوقت، فهي باقية على حكم الإباحة.
وقد وافق المالكية الظاهرية في بطلان البيع وقت النداء للجمعة، ولكنهم زادوا عليهم تحريم العقود الأخرى وبطلانها إذا وقعت في الوقت المذكور.
يقول ابن حزم: «وَلَا يَحِلُّ البَيْعُ مُذْ تَزُولُ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ إلَى مِقْدَارِ تَمَامِ الخُطْبَتَيْنِ وَالصَّلاَةِ، لَا لِمُؤْمِنٍ، وَلَا لِكَافِرٍ، وَلَا لاِمْرَأَةٍ، وَلَا لِمَرِيضٍ، وَأَمَّا مَنْ شَهِدَ الجُمُعَةَ فَإِلَى أَنْ تَتِمَّ صَلاَتُهُمْ لِلْجُمُعَةِ، وَكُلُّ بَيْعٍ وَقَعَ فِي الوَقْتِ المَذْكُورِ فَهُوَ مَفْسُوخٌ - وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ - وَأَجَازَ البَيْعَ فِي الوَقْتِ المَذْكُورِ: الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَأَمَّا النِّكَاحُ، وَالسَّلَمُ وَالإِجَارَةُ، وَسَائِرُ العُقُودِ - فَجَائِزَةٌ كُلُّهَا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ لِكُلِّ أَحَدٍ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ - وَلَمْ يُجِزْهَا مَالِكٌ» (١).
وقد قسم ابن حزم الأمر بالنسبة للزمان الواقع فيه، إلى أمر مرتبط بوقت لا فسحة فيه، مثل صيام شهر رمضان، فغير جائز تعجيل أدائه قبل وقته ولا تأخيره عن وقته، وإلى أمر مؤقت بوقت محدود الطرفين، مثل أوقات الصلاة، فلا يجوز فيها أيضًا أداء شيء قبل دخول وقته، ولا بعد خروج وقته. وبناء على ذلك ذهب ابن حزم إلى أن من تعمد ترك صلاة حتى خرج وقتها فإنه لا يقضيها، وكذلك لو تعمد ترك صيام رمضان
стр. 363
أو بعضه فإنه لا يجزئه القضاء، وإنما كفارة الفرائض المتروكة الاستغفار والتوبة والإكثار من التطوع، أما قضاء المتروك فلا يجزئه، لأنه لا يفههم من قول الله ، ورسوله ﷺ : اعملوا كذا في وقت كذا، وصلوا صلاة كذا من حين كذا إلى حين كذا - إلا أن الزمان المحدود هو الذي أمرنا فيه بالعمل المذكور، فإذا ذهب زمان للعمل فلا سبيل إلى العمل، إلا إذا جاء نص يبيح ذلك، كما في المريض والمسافر في رمضان، وكذا في النائم والناسي للصلاة، فليصلها إذا ذكرها، أو إذا استيقظ.
وقد يكون الأمر محدود الطرف الأول غير محدود الطرف الآخر، فإن الأمر به ثابت متجدد وقتًا بعد وقت، وهو ملوم في تأخيره، فإن أداه سقط عنه إثم الترك، وعليه إثم التأخير وعدم البدار، كوجوب الزكاة والحج (١).
ومن المميزات الهامة للفقه الظاهري أن كل فعل منهي عنه فإنه يقع باطلاً، لا يترتب عليه أثر ما، كما قدمناه بالنسبة لبعض المحدثين.
فرفع البصر إلى السماء في الصلاة يبطلها، لأن النهي عنه جاء في حديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلاَةِ، أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ»، وقد عنف ابن حزم المذاهب التي لا تبطل الصلاة بتعمد رفع الأبصار إلى السماء، مع أن النص قد صح بتحريمه وشدة الوعيد فيه.
وَكَذَلِكَ نَهَى ﵇ عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ وَالحَمَّامِ وَالمَدَافِنِ،
стр. 364
فلا تصح الصلاة في هذه الأماكن ويلزم إعادتها، وكذلك لا تصح الصلاة في الأرض المغصوبة، بل إن من أكل ثومًا أو بصلاً ثم صلى في المسجد فإن صلاته باطلة لا تصح. وَقَدْ نَهَى ﵇ عَنْ التَّخَتُّمِ فِي السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، فمن فعل ذلك عامدًا، وتعمد الصلاة فلا صلاة له.
والحديث يقول: «[مَنْ عَمِلَ] عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١).
ويقرر ابن حزم مذهب الظاهرية في ذلك، فيقول: «وَكُلُّ أَمْرٍ عَلَقَ بِوَصْفٍ مَا لَا يَتِمُّ ذَلِكَ العَمَلُ المَأْمُورُ بِهِ إِلَّا بِمَا عَلَقَ بِهِ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ المَأْمُورُ كَمَا أَمَرَ - فَلَمْ يَفْعَلْ مَا أَمَرَ بِهِ فَهُوَ بَاقٍ [عَلَيْهِ] كَمَا كَانَ، وَهُوَ عَاصٍ بِمَا فَعَلَ، وَالمَعْصِيَةُ لَا تَنُوبُ عَنْ الطَّاعَةِ وَلَا يُشَكِّلُ ذَلِكَ فِي عَقَلِ ذِي عَقْلٍ.
فَمِنْ ذَلِكَ مَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ أَوْ مَغْصُوبٍ، وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ الفِعْلُ أَوْ صَلَّى فِي مَكَانٍ نُهِيَ عَنْ الإِقَامَةِ فِيهِ، كَمَكَانٍ نَجِسٍ أَوْ مَكَانٍ مَغْصُوبٍ، أَوْ فِي عَطَنِ الإِبِلِ، أَوْ إِلَى قَبْرٍ أَوْ مَنْ ذَبَحَ بِسِكِّينٍ مَغْصُوبَةٍ أَوْ حَيَوَانِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ [صَاحِبِهِ] أَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ بِآنِيَةِ فِضَّةٍ، أَوْ بِإِنَاءٍ ذَهَبٍ فَكُلُّ هَذَا لَا [يَتَأَدَّى] فِيهِ فَرْضٌ: فَمَنْ صَلَّى كَمَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يُصَلِّ، وَمَنْ تَوَضَّأَ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَمَنْ ذَبَحَ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يَذْبَحْ وَهِيَ مَيِّتَةٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَكْلُهَا، لَا لِرَبِّهَا وَلَا لَغَيْرِهِ وَعَلَى ذَابِحِهَا ضَمَانُ مِثْلِهَا حَيَّةً، لِأَنَّهُ فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ بِخِلاَفِ مَا أُمِرَ، وَقَالَ ﵇: " مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ "» (٢).
وهذا الاتجاه في فهم النهي، وإبطال العمل المنهي عنه، أو المتلبس بما هو منهي عنه - مستمد من تصورهم وجود تناقض في فعل واحد
стр. 365
بعينه. فحركة المصلي في منزل مغصوب مثلاً، فعل واحد فلو صحت صلاته فيها لأدى القول بصحتها إلى أن يكون الفعل الواحد حرامًا واجبًا في وقت واحد، وهذا تناقض، لأن الصلاة واجبة، والكون في الشيء المغصوب حرام.
وهذا التصور مردود «هَذَا خِلَافُ إجْمَاعِ السَّلَفِ، فَإِنَّهُمْ مَا أَمَرُوا الظَّلَمَة عِنْدَ التَّوْبَةِ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمُؤَدَّاةِ فِي الدُّورِ الْمَغْصُوبَةِ [مَعَ كَثْرَةِ وُقُوعِهَا] ... بَلْ نَقُولُ: الْفِعْلُ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فِي نَفْسِهِ فَإِذَا كَانَ لَهُ وَجْهَانِ مُتَغَايِرَانِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، مَكْرُوهًا مِنْ الْوَجْهِ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا الْمُحَالُ أَنْ يُطْلَبَ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يُكْرَهُ بِعَيْنِهِ، [وَفِعْلُهُ] مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَلَاةٌ مَطْلُوبٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ غَصْبٌ مَكْرُوهٌ، [وَالْغَصْبُ مَعْقُولٌ دُونَ الصَّلَاةِ وَالصَّلَاةُ مَعْقُولَةٌ دُون الْغَصْبِ]، وَقَدْ اجْتَمَعَ الْوَجْهَانِ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ، وَمُتَعَلَّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الْوَجْهَانِ الْمُتَغَايِرَانِ» (١).
وهكذا رأينا الظاهرية يحكمون بالبطلان على كل فعل منهي عنه على أي وجه كان هذا النهي، لأنه وقع على خلاف ما يطلب الشارع، فكان بوضعه هذا غير مشروع، وإذا كان غير مشروع، فلا يترتب عليه أي أثر شرعي، ودليلهم في ذلك هو ما سبق أن استدل به البخاري «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (*).
أما الجمهور فقد قسم المنهي عنه لذاته، أو لصفة ملازمة له، فهو حينئذٍ باطل أو فاسد - على الخلاف بين الأحناف والشافعية
стр. 366
في ذلك (١)، وإلى منهي عنه لأمر خارج مجاور له، فإنه يقع صحيحًا، وتترتب عليه آثاره مع الإثم: كالوطء في الحيض، والذبح بسكين مغصوبة، لأن جهة المشروعية فيه تخالف جهة النهي، ولا تلازم بينهما، فترتب الآثار على الفعل أو القول باعتبار وقوعه كاملاً على الوجه المشروع فيه بحسب حقيقته، والإثم لازم، بسبب ما صاحبه من أمور خارجة عن تلك الحقيقة، فتعتبر الزوجة بالوطء في الحيض مدخولاً بها حقيقة وتحل لمن طلقها ثلاثًا، وإن كان الواطئ آثمًا. والذبح بسكين مغصوبة تذكى بها الذبيحة مع الإثم، وتصح الصلاة في الأرض المغصوبة، وتبرأ بها الذمة مع الإثم، والبيع وقت النداء لصلاة الجمعة يفيد آثاره مع الإثم (٢).
وقد أغرق الظاهرية في تطبيق هذا الأصل، وأدى استمساكهم به
стр. 367
دائمًا إلى شيء من الشذوذ والحرج، مما رأينا أمثلة له قبل ذلك بقليل، ومن أمثلته أيضًا أن ابن حزم أبطل الصيام بارتكاب معصية ما، أَيًّا كانت هذه المعصية، وفي ذلك يقول: «وَيُبْطِلُ الصَّوْمَ أَيْضًا تَعَمُّدُ كُلِّ مَعْصِيَةٍ - أَيِّ مَعْصِيَةٍ كَانَتْ، لَا نُحَاشِ شَيْئًا - إذَا فَعَلَهَا عَامِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ، كَمُبَاشَرَةِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ أُنْثَى أَوْ ذَكَرٍ، أَوْ تَقْبِيلِ امْرَأَتِهِ وَأَمَتِهِ المُبَاحَتَيْنِ لَهُ مِنْ أُنْثَى أَوْ ذَكَرٍ، أَوْ إتْيَانٍ فِي دُبُرِ امْرَأَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ كَذِبٍ، أَوْ غِيبَةٍ، أَوْ نَمِيمَةٍ، أَوْ تَعَمُّدِ تَرْكِ صَلاَةٍ، أَوْ ظُلْمٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا حَرُمَ عَلَى المَرْءِ فِعْلُهُ؟». واحتج لذلك بقوله ﷺ : «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ، وَلَا [يَصْخَبْ] فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ؟ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ». وبالحديث الشريف: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». ثم روى عن أنس بن مالك: «إذَا اغْتَابَ الصَّائِمُ أَفْطَرَ»، وَعَنْ النَّخَعِيِّ قَالَ: «كَانُوا يَقُولُونَ: الْكَذِبُ يُفْطِرُ الصَّائِمَ» (١).
مع ملاحظة أنه لا يروي قول أنس وإبراهيم النخعي للاحتجاج، ولكن ليبين أنه غير شاذ فيما ذهب إليه.
وبهذا المنطق أيضًا يؤكد ابن حزم أن كل فسوق يتعمده المحرم في الحج ذاكرًا لإحرامه، فقد بطل إحرامه وحجه وعمرته، لقول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٢).
نَقْلُ النُّصُوصِ فِي المِيزَانِ الظَّاهِرِي:
هذه صورة لجانب هام من الفقه الظاهري في فهمه للنصوص، رأينا
стр. 368
فيها كيف يأخذ بظاهر اللفظ في الأوامر والنواهي، لا يؤولها ولا يبعد عنها. فالنص هو محور المنهج الظاهري، والحجة مقصورة عليه، والأخذ بالظاهر المتبادر من ألفاظ النص - التزام عند الظاهرية، يجب التقيد به والوقوف عنده.
والذي يُقَلِّبُ كُتُبَ ابن حزم - فيلسوف الظاهرية وأصوليهم - سيجد أن كلمة «النَّصَّ» ومشتقاتها كثيرة الدروان والشيوع فيها، لا تكاد صفحة من صفحات كتبه تخلو منها.
وابن حزم ينكر بشدة أن توجد مسألة لا نص فيها، بل كل مسألة في الدين ففيها نص ولا بد إِنْ خَاصًّا، وَإِنْ كَانَ عَامًّا. ويقول في ذلك: «وَاعْلَمُوا أَنَّ قَوْلَهُمْ هَذِهِ المَسْأَلَةَ لَا نَصَّ فِيهَا قَوْلٌ بَاطِلٌ وَتَدْلِيسٌ فِي الدِّينِ، وَتَطْرِيقٌ إِلَى هَذِهِ العَظَائِمِ، لِأَنَّ كُلَّ مَا يُحَرِّمُهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ إِلَى أَنْ مَاتَ ﷺ فَقَدْ حَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ...﴾ [البقرة: ٢٩] وَقَوْلِهِ: ﴿... وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] وَكُلُّ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ ﵇ فَلَمْ يُوجِبْهُ ...» (١).
ولو حاولنا أن نصف المنهج الظاهري في أسطر قليلة، لوضح لنا ثقل كلمة (النَّصِّ) في الميزان الظاهري ومدى تقيده به:
[أ] فالمبادرة إلى إنفاذ الأمر واجبة إلى أن يفيد التأخير نص آخر أو إجماع فيوقف عنده (٢).
[ب] والأمر والنهي على الوجوب في الفعل والترك، إلا أن يأتي
стр. 369
نص يصرفه عن ذلك، ولا عبرة بما يقال من أن الأمر بعد الحظر يكون للإباحة (١).
[ج] يجب ألا تؤول النصوص عن ظاهرها إلا بنص آخر صريح مخبر أن النص على غير ظاهره. «فَالثِّيَابُ» في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، هي ثياب حقيقية مأمور بتطهيرها، لأنه لم يأت نص بصرفها عن ذلك، أما «الظُّلْمُ» في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، فقد جاء نص الرسول ﷺ يبين أن المراد به «الشِّرْكَ» كما في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ويقوم مقام النص في ذلك - الضرورة المانعة من حمله على ظاهره، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فبيقين الضرورة والمشاهدة، ندري أن جميع الناس لم يقولوا: «إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ» (٢).
[د] لا يحل القول بدليل الخطاب، لأنه مسكوت عنه ولا نص فيه، ودليل الخطاب هو الذي يعرف بمفهوم المخالفة، وهو ثبوت نقيض حكم المنطوق به لمسكوت عنه، ويقول عنه ابن حزم: «إِنَّ هَذَا المَذْهَبَ وَالقِيَاسَ ضِدَّانِ مُتَفَاسِدَانِ، لِأَنَّ القِيَاسَ هُوَ أَنْ يَحْكُمَ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِحُكْمِ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَكِلَا المَذْهَبَيْنِ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُمَا [تَعَدِّي لِـ] (*) حُدُودِ اللَّهِ، وَتَقَدُّمٌ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنَّمَا الحَقُّ أَنْ تُؤْخَذَ الأَوَامِرُ كَمَا وَرَدَتْ، وَأَلَّا يُحْكَمَ لِمَا لَيْسَ فِيهَا بِمِثْلِ حُكْمِهَا، وَلَكِنْ يَطْلُبُ الحُكْمَ فِي ذَلِكَ مِنْ نَصٍّ آخَرَ، فَلَمْ يُفَرِّطْ اللَّهُ تَعَالَى فِي الكِتَابِ شَيْئًا، لِأَنَّ القِيَاسَ إِدْخَالُ المَسْكُوتِ عَنْهُ فِي حُكْمِ
стр. 370
المَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَدَلِيلُ الخِطَابِ إِخْرَاجُ المَسْكُوتِ عَنْهُ عَنْ حُكْمِ نَفْسِهِ، وَهَذَا أَيْضًا لَا يَحِلُّ ...» (١).
[هـ] لا يصح تعليل نص إلا إذا جاء النص مُبَيِّنًا لِعِلَّتِهِ (٢).
[و] إذا كانت العلة منصوصة، فيجب الوقوف عندها، وعدم تعديتها إلى غير ما جاءت مبينة له، «وَإِذَا نَصَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَنَّ حُكْمَ كَذَا فِي أَمْرٍ كَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَعَدَّى بِذَلِكَ الحُكْمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ المَحْكُومِ فِيهِ، فَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَقَدْ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا مِثْلَ قَوْلِهِ ﷺ " أَمَّا السِّنُّ فَإِنَّهُ عَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ " فَلَا يَجُوزُ أَنْ نَتَعَدَّى بِهَذَا الحُكْمِ السِّنَّ وَالظُّفُرَ» (٣).
[ز] أقوال الرسول فقط هي التي تفيد الوجوب، لأنها هي الملفوظة المنصوصة، أما أفعاله ﵊ فحكمها القدوة والندب، إلا ما كان منها بيانًا لأمر، أو تنفيذًا لحكم، وأما تقريراته فحكمها الإباحة (٤).
وقد ذهب ابن حزم إلى التسليمة الأولى في الصلاة فرض. أما الثانية فهي سنة. «وَإِنَّمَا لَمْ نَقُلْ بِوُجُوبِ التَّسْلِيمَتَيْنِ جَمِيعًا فَرْضًا كَمَا قَالَ الحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: فَلأَنَّ الثَّانِيَةَ إنَّمَا هِيَ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَيْسَتْ أَمْرًا مِنْهُ ﵇، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَمْرُهُ لَا فِعْلُهُ» (٥).
стр. 371
[ح] الإجماع لا يكون إلا مستندًا إلى نص وسيأتي تفصيل الكلام فيه.
[ط] لا يحل القول بالرأي وما يتفرع إليه من قياس أو استحسان أو مصلحة أو ذريعة، لأن كل أولئك لا نصوص فيها توجب العمل بها.
ونكتفي بهذه اللمحة عن منهج الظاهرية في أخذهم بالنصوص، ووقوفهم عند ألفاظها، لننتقل إلى الأصل الثاني بعد نصوص القرآن والسنة، وهو الإجماع، لنبين مفهومه عندهم، ثم نجمل بعده موقفهم من الرأي.
مَفْهُومُ الإِجْمَاعِ عِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ:
ومذهب الظاهرية في الإجماع مرتبط بمذهبهم في قصر الحجة على النصوص. كما أنه متأثر إلى حد كبير بمذهب الشافعي وأحمد بن حنبل فيه، وبالجملة التي شنها عليهم خصومهم. واتهموهم فيها بمخالفة الإجماع في المسائل التي شذوا فيها.
وكون الإجماع حجة هو موضع اتفاق بين الظاهرية وغيرهم (١)، وإنما الخلاف في ماهية هذا الإجماع.
وقد حكى ابن حزم فيه ما يقرب من سبعة عشر قولاً (٢)، والذي يهمنا هو ما حكاه من تصور داود الظاهري وكثير من أصحابه للإجماع، فقد قالوا: إنه لا إجماع إلا إجماع الصحابة ﵃، لأنهم شهدوا التوقيف من رسول الله ﷺ ، وقد صح أنه لا إجماع إلا عن توقيف، ولأنهم كانوا جميع المؤمنين، لا مؤمن من الناس سواهم، فإجماعهم حينئذٍ هو الإجماع المقطوع به، أما كل عصر بعدهم، فإنما هم بعض
стр. 372
المؤمنين لا كلهم، وليس إجماع بعض المؤمنين، إنما الإجماع إجماع جميعهم، وقد كان الصحابة عددًا محصورًا يمكن أن يحاط بهم وتعرف أقوالهم، وليس من بعدهم كذلك (١).
وقد ذهب ابن حزم أيضًا إلى أن الإجماع هو إجماع الصحابة، وقسمه إلى قسمين:
- أولهما: كل ما لا يشك أحد من المسلمين في أن من لم يقل به فليس مسلمًا، كالنطق بالشهادتين، وكوجوب الصلوات الخمس، وصوم رمضان، وتحريم الميتة والخنزير، والإقرار بالقرآن، وجملة الزكاة.
- ثانيهما: شيء شهده جميع الصحابة من فعل رسول الله ﷺ ، أو تيقن أنه عرفه كل من غاب عنه منهم، كَفِعْلِهِ فِي خَيْبَرَ، إِذْ أَعْطَاهَا اليَهُودَ بِنِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ، يخرجهم المسلمون إذا شاءوا. ومخالفة هذا القسم الأخير، لا تؤدي إلى الكفر، إذا كانت المخالفة نتيجة الخطأ في الاجتهاد (٢).
ويقول ابن حزم: «وَأَمَّا نَحْنُ فَلَيْسَ هَذَا عِنْدَنَا إجْمَاعًا، وَلَا يَكُونُ إجْمَاعًا إلَّا مَا لَا شَكَّ فِي أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ يَقُولُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقُلْهُ فَهُوَ كَافِرٌ: كَالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وَالحَجِّ إلَى مَكَّةَ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ» (٣).
وإذا قارنا مذهب الظاهرية في الإجماع، وبخاصة هذه العبارة الأخيرة لابن حزم، بما أثر عن الشافعي وأحمد من رأيهما في الإجماع - أدركنا تشابهًا كبيرًا في الفكرة، يوحي بتأثيرهما في أهل الظاهر.
стр. 373
فالشافعي - مع قوله بحجية الإجماع واستدلاله له - يقول: «لَسْتُ أَقُولُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: هَذَا مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ، إِلَّا لَمَّا لَا تَلْقَى عَالِمًا أَبَدًا إِلَّا قَالَهُ لَكَ، وَحَكَاهُ عَمَّنْ قَبْلَهُ، كَالظُّهْرِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَكَتَحْرِيمِ الخَمْرِ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا» (١).
وأحمد بن حنبل يقول: «مَنْ ادَّعَى الإِجْمَاعَ فَهُوَ كَاذِبٌ، لَعَلَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا، وَلَكِنْ يَقُولُ: لَا نَعْلَمُ النَّاسَ اخْتَلَفُوا، أَوْ لَمْ يَبْلُغْنَا» (٢).
ومما يدل على أن موقف الظاهرية من الإجماع متأثر كذلك بحملة خصومهم عليهم - أنهم مع تسليمهم بحجية الإجماع يختلفون مع الجمهور في موضعين: أحدهما أن الإجماع لا بد من استناده إلى نص. وثانيهما: كما يقول ابن حزم: «دَعْوَاهُمْ - أَيْ غَيْرَ الظَّاهِرِيَّةِ - الإِجْمَاعُ فِي مَوَاضِعَ ادَّعُوا فِيهَا البَاطِلَ بِحَيْثُ لَا يَقْطَعُ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ بِلَا بُرْهَانٍ: أَمَّا فِي مَكَانٍ قَدْ صَحَّ فِيهِ الاِخْتِلَافُ مَوْجُودًا وَإِمَّا فِي مَكَانٍ لَا نَعْلَمُ نَحْنُ فِيهِ اِخْتِلَافًا إِلَّا أَنَّ وُجُودَ الاِخْتِلَافِ فِيهِ مُمْكِنٌ» (٣).
هذه ملامح من فكرة الظاهرية عن الإجماع، وهي في جوهرها تؤكد أن الإجماع عندهم لا يخرج عن أن يكون نصوصًا مجمعًا عليها.
الدَّلِيلُ:
بعد أن عرضنا لمفهوم النصوص والإجماع عند الظاهرية، ننتقل
стр. 374
الآن إلى الأصل الأخير من الأصول التي ذكرها ابن حزم فيما نقلناه عنه في بداية حديثنا عن أصول أهل الظاهر، وهذا الأصل هو الدليل.
ويذكر ابن عبد البر أن داود بن علي ومن قال بقوله قد نفوا القياس في التوحيد والأحكام جميعًا، ولكنهم أثبتوا الدليل والاستدلال في الأحكام.
ثم بَيَّنَ أن الدليل عند داود ومن تابعه، نحو قول الله - جَلَّ وَعَزَّ -: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، لو قال قائل: فيه دليل على رد شهادة الفساق كان مستدلا مصيبًا. ونحو قول الله ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] كان فيه دليل على قبول خبر العدل. ونحو قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، دليل على أن كل مانع من السعي إلى الجمعة فتركه واجب، لأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن جميع أضداده.
ثم ذكر ابن عبد البر أن العلماء قد اختلفوا في هذا الاستدلال على وجهين:
أولهما - أنه نوع من أنواع القياس فيدخله ما يدخل القياس من العلل.
وثانيهما - أنه هو النص بعينه وفحوى خطابه.
ثم رجح أنه غير قياس، فقال: «القِيَاسُ الذِي لَا يُخْتَلَفُ أَنَّهُ قِيَاسٌ هُوَ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ إِذَا أَشْبَهَهُ، وَالحُكْمُ لِلنَّظِيرِ بِحُكْمِ نَظِيرِهِ إِذَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ، وَالْحُكْمُ لِلْفَرْعِ بِحُكْمِ أَصْلِهِ إِذَا قَامَتْ فِيهِ العِلَّةُ التِي مِنْ أَجْلِهَا وَقَعَ الحُكْمُ» (١).
والأمثلة التي ذكرها ابن عبد البر ليوضح بها معنى الدليل، فيها ما يوهم أن الظاهرية يقولون بمفهوم المخالفة إذا كان الدليل على قبول خبر الواحد العدل مقصورًا عندهم على قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦]، فقط مع ما قد ذكرناه عنهم من رفضهم هذا المفهوم، إذ هو غير منصوص.
стр. 375
وقد رد ابن حزم هذا التأويل الموهم بقوله: «وَلَوْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا هَذِهِ الآيَةَ وَحْدَهَا، لَمَا كَانَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ العَدْلِ، وَلَا عَلَى المَنْعِ مِنْ قَبُولِهِ بَلْ إِنَّمَا مَنَعَ فِيهَا مِنْ قَبُولِ خَبَرِ الفَاسِقِ فَقَطْ، وَكَانَ يَبْقَى خَبَرُ العَدْلِ مَوْقُوفًا عَلَى دَلِيلِهِ، وَلَكِنْ لَمَّا اسْتَفَاضَتْ هَذِهِ الآيَةُ التِي فِيهَا المَنْعُ مِنْ قَبُولِ خَبَرِ الفَاسِقِ، إِلَى الآيَةِ التِي فِيهَا قَبُولُ نَذَارَةِ النَّافِرِ لِلْتَّفَقُّهِ، صَارَتَا مُقَدَّمَتَيْنِ أَنْتَجَتَا قَبُولَ خَبَرِ الوَاحِدِ العَدْلِ، دُونَ الفَاسِقِ بِضَرُورَةِ البُرْهَانِ» (١).
وهو يشير إلى أن قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، يوجب قبول الخبر النافر للتفقه. ولا يخلو هذا النافر من أن يكون عدلاً أو فاسقًا، ولا سبيل إلى قسم ثالث، وقد أمر الله بالتوقف في قبول خبر الفاسق بقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦]. فلم يبق إلا قبول خبر العدل، وهذا استدلال بمنطوق النصوص، لا بمفهومها.
أَقْسَامُ الدَّلِيلِ:
والدليل عند الظاهرية ينقسم إلى قسمين: دليل مأخوذ من النص ودليل مأخوذ من الإجماع، وقد أشار ابن حزم إلى كلا القسمين، بذكره أمثلة لهما في عبارته التي صدرنا بها كلامنا عن أصول أهل الظاهر.
فمن أنواع الدليل المأخوذ من النص، ما سبق في المثال الذي ذكره ابن حزم، من أن النص يشتمل على مقدمتين، دون أن يذكر فيه النتيجة المترتبة عليهما كقوله ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ». فإن هاتين المقدمتين ينتج عنهما: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، فهذا
стр. 376
منصوص على معناه نصًا جليًا ضروريًا، وإن لم ينص على لفظه، لأن المسكر هي الخمر، والخمر هي المسكر، والخمر حرام، فالمسكر الذي هو هي حرام، فتحريم المسكرات من أنواع الخمور حتى ولو لم ينص عليها بالذات - ليس أخذًا بالقياس، وإنما هو تطبيق للنص، حيث إن النتائج مطويات في المقدمات.
ومن أنواع الدليل المأخوذ من النص أيضًا ما يعرف في الأصول بـ (تحقيق المناط) أي الاجتهاد في الفروع لمعرفة تحقق مناط الحكم أو عدم تحققه فيها، كالبحث في نبيذ الشعير، وهل هو مسكر فيلحق بعصير العنب، أو غير مسكر، فلا يلحق به، وكقوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١). فإن كل من ينتهي يغفر الله له، وكالمثال الذي سبق أن ذكره ابن حزم، وهو أن يدعي زيد على عمرو بمال، فنقول: إن الله تعالى نص على إيجاب اليمين على عمرو، لأن النص قد جاء بإيجاب اليمين على من ادعى عليه، وعمرو مدعى عليه، فقد أوجب النص اليمين على عمرو.
ومن أنواعه أيضًا، أن يكون المعنى الذي يدل عليه اللفظ متضمنًا في ذاته نفى آخر، لا يمكن أن يتلاءم مع المعنى الذي اشتمل عليه اللفظ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ (٢) (*). فإنه يتضمن حتمًا أن إبراهيم ليس بسفيه، لأن السفيه لا يمكن أن يتلاءم مع معنى الحلم.
ولعل المثال الأخير الذي ذكره ابن عبد البر من أمثلة الدليل - من هذا النوع، فقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى
стр. 377
ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) دليل على أن كل مانع من السعي إلى الجمعة تركه واجب، وعلل ذلك بأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن جميع أضداده. وقد قرر ابن حزم أن الأمر بالشيء هو نهي عن فعل كل ما خالف الفعل المأمور، وعن كل ضد له خاص أو عام، يقصد بالضد الخاص، المضاد في النوع وبالضد العام، المضاد في الجنس، فالأمر بالقيام يقتضي النهي عن القعود والاضطجاع والانحناء وعن كل هيئة ما عدا القيام (٢).
هذا بعض أنواع الدليل المأخوذ من النص، وهناك أنواع أخرى لا تخرج أيضًا عن دلالة اللفظ (٣) وكان من المفروض أن يكون هذا الدليل بكل أنواعه من أبحاث الألفاظ التي تشتمل عليها النصوص، كالأمر والنهي والعموم والخصوص، ولكن لما كانت أنواع الدليل ليست من قبيل الدلالة الظاهرة للنص، وإنما هي أخذ بما تضمنته دلالتها من معان لا تظهر إلا بعد تأمل، وكان منهج الظاهرية حرفيًا ملتزمًا للنص الظاهر - احتاجوا أن يفردوا الدلالات اللازمة للمعنى الظاهر تحت اسم خاص هو الدليل (٤).
أما الدليل المأخوذ من الإجماع فقد قسمه ابن حزم إلى أربعة أقسام، هي: الاستصحاب أو استصحاب الحال، وأقل ما قيل، وإجماعهم على ترك قولة ما، وإجماعهم على أن حكم المسلمين سواء.
أما النوع الأول وهو الاستصحاب، فقد أشار إليه ابن حزم بالمثال
стр. 378
الذي ذكره فيما نقلناه عنه في بداية حديثنا عن أصول الظاهرية أيضًا، حيث قال: «مِثْلَ إِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِأَنَّ دَمَ زَيْدٍ حَرَامٌ بِإِسْلَامِهِ، ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ، قَدْ حَلَّ دَمُهُ. فَقُلْنَا: قَدْ تَيَقَّنَّا بِالنَّصِّ وُجُوبَ الطَّاعَةِ لِلْإِجْمَاعِ، وَقَدْ صَحَّ الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ دَمَهُ حَرَامٌ، فَلَا يَجُوزُ لَنَا خِلَافُ ذَلِكَ، إِلَّا بِنَصٍّ مَنْقُولٍ بِالثِّقَاتِ أَوْ بِتَوَاتُرٍ أَوْ بِإِجْمَاعٍ نَاقِلٍ لَنَا، فَهَذَا مَنْصُوصٌ عَلَى مَعْنَاهُ»، وهذا يفيد أن ما ثبت بالإجماع، يظل ثابتًا ولا يقبل دعوى تغييره، حتى يقوم على تغيير حكمه دليل من نص أو إجماع آخر، وهذا هو معنى الاستصحاب، فقد عرفه الأصوليين بأنه الحكم على الشيء بما كان ثابتًا له، أو منفيًا عنه، لعدم قيام الدليل على خلافه. فمعناه عدم قيام الدليل على تغيير حكم سابق، فهو دليل سلبي، لا إيجابي، ولذلك اختلف فيه، هل هو حجة للدفع فقط، أو للدفع والإثبات (١).
وقد توسع الظاهرية في استخدام هذا الدليل، نظرًا لاقتصارهم على النصوص ومنعهم الاستدلال بالرأي، كما أكثر منه فقهاء المحدثين، كأحمد بن حنبل، لما قدمناه من كراهيتهم للرأي، وميلهم إلى الوقوف عند حدود النصوص.
وقد فرق ابن حزم بين الاستصحاب، وأقل ما قيل - وهما القسمان الأولان من أقسام الدليل المأخوذ من الإجماع - في صورة سؤال وجوابه حيث قال: «فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ هَذَانِ اسْمَانِ (٢) مُخْتَلِفَانِ فِي المَعْنَى فَمَا الفَرْقُ
стр. 379
بَيْنَهُمَا؟ وَلِمَ صِرْتُمْ إِلَى أَحَدِهِمَا فِي بَعْضِ الأَمْكِنَةِ، وَإِلَى الآخَرِ فِي أَمْكِنَةٍ أُخْرَى؟ وَمَا حَدُّ المَوَاضِعِ التِي تَأْخُذُونَ فِيهَا بِاسْتِصْحَابِ الحَالِ؟ وَمَا حَدُّ المَوَاضِعِ التِي تَأْخُذُونَ فِيهَا بِأَقَلِّ مَا قِيلَ؟ وَأَنْتُمْ تُسَمُّونَ فِعْلَكُمْ فِي كِلَا المَوْضِعَيْنِ اتِّبَاعًا لِلْإِجْمَاعِ وَإِجْمَاعًا صَحِيحًا ...».
ثم أجاب بقوله: «إِنَّ الذِي عَمِلْنَا فِيهِ بِأَنْ سَمَّيْنَاهُ أَقَلَّ مَا قِيلَ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي حُكْمٍ أَوْجَبَ غَرَامَةَ مَالٍ، أَوْ عَمَلاً بِعَدَدٍ، لَمْ يَأْتِ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ ذَلِكَ نَصٌّ فَوَجَبَ فَرْضًا أَلَّا نَحْكُمَ عَلَى أَحَدٍ لَمْ يُرِدْ نَاقِضٍ فِي الحُكْمِ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِجْمَاعٍ عَلَى الحُكْمِ عَلَيْهِ، وَكَانَ العَدَدُ الذِي قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِهِ، وَقَدْ صَحَّ الإِجْمَاعُ فِي الحُكْمِ بِهِ، وَكَانَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلاً بِلَا دَلِيلٍ، لَا مِنْ نَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ فَحَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ الأَخْذَ بِهِ.
وَأَمَّا الذِي عَمَلْنَا فِيهِ بِأَنْ سَمَّيْنَاهُ اسْتِصَحَابَ الحَالِ، فَكُلُّ أَمْرٍ ثَبَتَ إِمَّا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، فِيهِ تَحْرِيمٌ أَوْ تَحْلِيلٌ أَوْ إِيجَابٌ، ثُمَّ جَاءَ نَصٌّ مُجْمَلٌ يَنْقُلُهُ عَنْ حَالِهِ، فَإِنَّمَا نَنْتَقِلُ مِنْهُ إِلَى مَا نَقَلْنَا النَّصَّ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِبُرْهَانٍ عَلَى أَحَدِ الوُجُوهِ التِي اخْتَلَفُوا [عَلَيْهِ]، وَكَانَتْ كُلُّهَا دَعَاوَى، [فَإِذَا] ثَبَتَ عَلَى مَا قَدْ صَحَّ الإِجْمَاعِ أَوْ النَّصِّ عَلَيْهِ، وَنَسْتَصْحِبُ تِلْكَ الحَالِ، وَلَا نَنْتَقِلُ عَنْهَا إِلَى دَعَاوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا» (١).
ثم ذكر لذلك أمثلة، منها: أن الذهب لم يأت فيه نص بمقدار النصاب ولا في مقدار الحق المأخوذ منه فصرنا في ذلك إلى الإجماع ضرورة، لأنه لا يحل من مال المسلم إلا ما أوجبه نص أو إجماع، فلم نوجب في الذهب إلا أقل ما قيل في نصابه، وهو أربعون دينارًا، فلا يؤخذ زكاة في أقل من أربعين دينارًا، بخلاف الفضة، لأن الفضة ورد فيها نص، أما الذهب فلم يرد في مقدار ما يؤخذ منه نص يصح البتة.
стр. 380
ومثل الاختلاف في زكاة حلي الذهب، فقد أجمعت الأمة على وجوب الزكاة في الذهب قبل أن يصاغ حليًا، إذا بلغ المقدار السابق، ثم اختلفوا في سقوطها إذا صيغ، فاستصحبنا الحال التي أجمعنا عليها، ولم نسقط بالاختلاف ما قد وجب باليقين والإجماع (١).
فلا يؤثر تبدل الأزمان والأمكنة، ولا تغير أحوال المحكوم عليه - في الحكم الثابت بالنص أو بالإجماع، إلا إذا ورد نص أو إجماع يفيد تغير الحكم، أو بتغير المحكوم عليه بحيث يتبدل اسمه، فما دام الذهب هو الذهب قبل أن يصاغ وبعد أن يصاغ، فالحكم ما زال باقيًا، وهو وجوب الزكاة.
أما الإجماع على الترك، فهو أن يختلف الناس في مسألة ما على عدة أقوال ويجمعوا على ترك قول في الموضوع، كما اختلف الصحابة في ميراث الجد مع الإخوة وهل يرثون معه أو لا؟ فقال بعضهم: إنه كالأب عند فقده، وكما أن الأب يحجب الإخوة، فكذلك الجد يحجبهم فلا يرثون معه. وقال آخرون: إنه يكون معهم كأخ شقيق أو لأب، بشرط ألا يقل نصيبه عن الثلث، وقال فريق ثالث: إنه كالأخ إذا كان الإخوة ذكورًا، ويكون عصبة وحده إن كانوا إناثًا، بشرط ألا يقل عن السدس في الحالين.
وكل هذه الأقوال أجمعت على أن الجد يرث مع الإخوة، وأجمعت على ترك القول بعدم ميراثه معهم، فلا يحل لأحد أن يخالف هذا الإجماع باستحداث قول يحرم به الجد من الميراث مع الإخوة.
أما القسم الأخير من أقسام الدليل المأخوذ من الإجماع، وهو الإجماع على أن حكم المسلمين سواء، فهو قريب من القاعدة التي تقول:
стр. 381
العبرة بعموم الحكم لا بخصوص السبب، فإذا خوطب بالحكم بعض المسلمين، فهو حكم لعامتهم، ما دامت لم توجد خصوصية ثابتة من النص نفسه، وعلى ذلك يكون الحكم عامًا وإن كان اللفظ خاصًا.
وقد ذهب الظاهرية مثلاً، إلى أن رضاعة الكبير من المرأة، إذا استوفت شروطها تعتبر رضاعة محرمة لأن الحديث قد جاء في ذلك، دون نص بالخصوصية، لأنه وإن جاء في (سَالِمٍ) إلا أن الإجماع قد انعقد على أن حكم المسلمين سواء، ولم يجيء من النصوص ما يجعل هذا الحكم خاصًا بسالم وحده (١).
مَوْقِفُ الظَّاهِرِيَّةِ مِنَ الرَّأْيِ:
هذه هي الأصول التي يعتمد عليها الظاهرية في استنباط الأحكام، أجملنا منهجهم في الاستدلال بها، ورأينا كيف أن النص هو مركز دائرتها، وقطب رحاها.
أما الاجتهاد بالرأي، فلم يكتب الظاهرية بتجنبه وإهماله، بل وقفوا منه موقف الخصم الألد، والعدو المستبد، وحملوا عليه وعلى القائلين به - وهم جمهور الفقهاء - حملة عنيفة لم تخل من التحامل والتشنيع والتقريع.
و [الأصوليون] يُعَرِّفُونَ الاجتهاد بالرأي بأنه بَذْلُ الجهد للتوصل إلى الحكم في واقعة لا نص فيها، بالتفكير واستخدام الوسائل التي هدى الشرع إليها للاستنباط فيما لا نص فيه، كالقياس والمصلحة وغيرهما.
فالاجتهاد في النص لتعيين المراد منه لا يسمى اجتهادًا بالرأي، كما أن
стр. 382
الاجتهاد فيما لا نص فيه بغير الوسائل المشروعة لا يسمى في الاصطلاح الأصولي اجتهادًا بالرأي (١).
وقد أثر عن الصحابة والتابعين كثير من الآثار في ذم الرأي والتحذير منه، وفي الوقت نفسه روى عنهم كثير من الآثار التي تقر الرأي، وكثير من الفتاوى والأحكام التي اعتمدوا فيها عليه، ولما كان من غير المعقول أن ينهى السلف عن شيء ثم يستعملونه، ولا أن يحرموا شيئًا على غيرهم ويحلوه لأنفسهم، ولا أن يرد التحليل والتحريم على أمر واحد في وقت واحد - كان الأمر المنهي عنه غير الأمر المباح ولا بد، ولهذا قسم العلماء الرأي إلى رأي محمود، مأخوذ عن النصوص بالحمل عليها، أو باستعمال القواعد المستمدة منها، وإلى رأي مذموم يكون مخالفًا للنصوص المحكمة، معتمدًا على مجرى الهوى.
وقد عقد ابن عبد البر بَابًا في ذم القول في دين الله بالرأي والظن والقياس على غير أصل، وبعد أن حشد الآثار الكثيرة في ذلك عقب عليه بأن العلماء اختلفوا في تحديد الرأي المقصود إليه بالذم في هذه الآثار، فقالت طائفة: إن الرأي المذموم هو البدع المخالفة للسنن في الاعتقاد، كرأي جَهْمٍ وأهل الكلام، لأنهم استعملوا قياسهم ورأيهم في رد الأحاديث، فردوا حديث الشفاعة وسؤال القبر وغيرهما.
وذهب الأكثرون إلى أن الرأي المذموم المذكور في الآثار - هو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات في مسائل الفقه، ورد الفروع والنوازل بعضها على بعض قياسًا، دون ردها على أصولها، فاستعمل فيها الرأي قبل أن
стр. 383
تنزل، ففي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل للسنن وبعث على جهلها (١).
هذا هو الرأي المحمود منه والمذموم، كما يفهمه الجمهور، فما هو مفهوم الرأي عند الظاهرية؟.
إنهم لا يقسمون الرأي هذا التقسيم، فالرأي كله سواء، وكله لا خير فيه، وكله مذموم.
ولقد عَرَّفَ ابن حزم الرأي بقوله: «الرَّأْيُ: مَا تَخَيَّلَتْهُ النَّفْسُ صَوَابًا دُونَ بُرْهَانٍ، وَلَا يَجُوزُ الحُكْمُ بِهِ أَصْلاً» (٢).
ولكنه يضطر، إزاء ما روي عن الصحابة والتابعين وغيرهم من قول بالرأي - إلى تعديل هذا التعريف بما يخفف من حدته، ويجعله أقرب إلى توضيح مفهومه عند أهل الظاهر، فيقول: «وَالرَّأْيُ هُوَ الحُكْمُ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ نَصٍّ، بَلْ بِمَا يَرَاهُ المُفْتِي أَحْوَطَ وَأَعْدَلَ فِي التَّحْرِيمِ أَوْ التَّحْلِيلِ» (٣).
فالرأي عند الظاهرية هو الحكم بغير نص، أو بتعبير آخر: هو الحكم المستمد من غير الأصول التي ارتضاها أهل الظاهر، كالقياس، والمصلحة والاستحسان، والذرائع، وما بنيت عليه هذه الأصول من تعليل الأحكام.
ولا يجوز الحكم بالرأي، ولا يحل للعمل به لأحد من المسلمين. هذا هو حكم الظاهرية على الرأي.
ويحاول ابن حزم أن يقرر أن هذا الرأي بكل أنواعه - بدعة
стр. 384
مستحدثة، عند بيانه للتسلسل التاريخي لنشأة الرأي، فيعترف بأن الرأي قد حدث في قرن الصحابة بعد الرسول ﷺ ، ومع ذلك فكل من روى عنه الصحابة شيء من الرأي، فهو متبرئ [منه] غير قاطع به.
ثم حدث القياس في القرن الثاني، فقال به بعضهم وأنكره سائرهم.
ثم حدث الاستحسان في القرن الثالث، ويعرف الاستحسان بأنه «فَتْوَى المُفْتِي بِمَا يَرَاهُ حَسَنًا فَقَطْ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى، وَقَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَالأَهْوَاءُ تَخْتَلِفُ فِي الاسْتِحْسَانِ».
ثم حدث التعليل والتقليد في القرن الرابع: والتعليل هو أن يستخرج المفتي علة الحكم الذي جاء به النص. وهذا باطل، لأنه إخبار عن الله أنه حكم بكذا من أجل تلك العلة، وإخبار عن الله بما لم يخبر به عن نفسه (١).
ويقول ابن حزم: «وَلَا يَحِلُّ الحُكْمُ بِالرَّأْيِ» (٢)، «وَلَا يَحِلُّ الحُكْمُ بِالقِيَاسِ فِي الدِّينِ، وَالقَوْلُ بِهِ بَاطِلٌ مَقْطُوعٌ عَلَى بُطْلاَنِهِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى» (٣) «فَقَدْ صَحَّ أَنَّ القَوْلَ بِالقِيَاسِ وَالتَّعْلِيلِ بَاطِلٌ وَكَذِبٌ، وَقَوْلٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَحَرَامٌ لَا يَحِلُّ البَتَّةَ» (٤).
هذه هي نظرة أهل الظاهر للرأي، كما عبر عنها ابن حزم بأسلوبه الحاد وهذا هو حكمهم عليه. ومن قبل ابن حزم قرر داود الظاهري هذه المبادئ، واتخذ من الرأي موقف العداء، وأصدر حكمه عليه، فقال: «وَالقَوْلُ بِالقِيَاسِ لَا يَجِبُ، وَالقَوْلُ بِالاِسْتِحْسَانِ لَا يَجُوزُ»، ثم قال: «وَلَا [يَجُوزُ] أَنْ يُحَرِّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَيُحَرِّمُ مُحَرِّمٌ غَيْرَ مَا حَرَّمَ،
стр. 385
لأَنَّهُ يُشْبِهُهُ إِلَّا أَنْ يُوقِفَنَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عِلَّةٍ مِنْ أَجْلِهَا وَقَعَ التَّحْرِيمُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: حَرَّمْتُ الحِنْطَةَ بِالحِنْطَةِ لأَنَّهَا مَكِيلَةٌ، وَاغْسِلْ هَذَا الثَّوْبَ لأَن فِيهِ دَمًا، أَوْ اقْتُلْ هَذَا إِنَّهُ أَسْوَدٌ، يَعْلَمُ بِهَذَا أَنَّ الذِي أَوْجَبَ الحُكْمَ مِنْ أَجْلِهِ هُوَ مَا وَقَفَ عَلَيْهِ وَمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَالبَعِيدُ وَاقِعٌ بِظَاهِرِ التَّوْقِيفِ وَمَا جَاوَزَ ذَلِكَ فَمَسْكُوتٌ عَنهُ دَاخِلٌ فِي بَابِ مَا عَفَى عَنهُ» (١).
وأهم ما يحتج به الظاهرية في إبطال الرأي، هو أن نصوص القرآن والسنة بما فيها من معان عامة - وافية بأحكام الحوادث، دون حاجة إلى الرأي. لأن الله تعالى يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وما لم ينص على حكمه فهو مباح، لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
والحكم بالرأي معناه ادعاء المفتي بأن حكمه المبني على الرأي هو حكم الله، ولا تصح هذه الدعوى إلا بالنص القاطع على ذلك، وحيث لا يوجد نص قاطع بأن حكم الله في هذه المسألة هو كذا، فالحكم بالرأي حينئذٍ هو قول بغير علم، وقطع على الله بالظن، وكلاهما قد حرم علينا، بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]، وبقوله ﵊: «إِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ».
ويضاف إلى ذلك الآثار الكثيرة الواردة في ذم الرأي والقياس، ثم
стр. 386
محاولة التشكيك في الآثار التي اعترفت بالرأي وأقرت به، كتضعيفهم حديث معاذ، الذي قال له رسول الله ﷺ حينما بعثه إلى اليمن: «كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟»، قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟»، قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟»، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرِي وَقَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ» (١).
هذه لمحة بسيطة عن وجهة نظر الظاهرية في إبطالهم الرأي. فلسنا في مجال بسط الأدلة ولا الرد عليها، فقد اكتظت صفحات عديدة من كتب الأصول بإيراد الأدلة ومناقشتها وموازنتها، ويكفينا أن نشير هنا إلى أن القائلين بالرأي يستندون في القول به إلى القرآن والسنة والآثار أيضًا وأنهم ليسوا خارجين على النصوص، وإنما هم يوسعون مجال العمل بها، وأنهم لا يقولون على الله ما لا يعلمون، بل يقولون عليه ما أرشدهم الله ورسوله إليه. وأن الظن ليس مذمومًا على إطلاقه، بل هو لفظ مشترك في اللغة، يطلق على الشك والتردد كما يطلق على الراجح بين طرفي الاعتقاد غير الجازم، كما يطلق على اليقين ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]، لأنه لا بد من اليقين في الإيمان بالآخرة، كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣]، كما
стр. 387
يطلق الظن على التهمة ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]- في قراء الظاء - أي بمتهم.
فالظن المذموم هو ما كان بمعنى الشك، فطرفاه مستويان لا راجح فيها فهذا يحرم العمل به اتفاقًا، وهو المعنى بأكذب الحديث، وهو الذي لا يغني من الحق شيئًا، وهو بعض الإثم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. وأما الظن الذي بمعنى الطرف الراجح، فهو متعبد به قطعًا، بل أكثر الأحكام الشرعية دائرة عليه، ومنه حديث: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ». وهذا هو الظن الراجح الصادر عن أمارة صحيحة (١).
ويجدر بنا أن نشير إلى أن داود بن علي الظاهري، ليس أول من قال بنفي القياس، بل سبقه في ذلك النَظَّامُ، الذي يعتبره ابن عبد البر أول من أحدث نفي القياس مخالفًا بذلك علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم الذين كانوا يستعملون القياس ويجيزونه، وقد تابع إبراهيم بن سيار النظام على ذلك بعض أصحابه، وقد خالفه في ذلك بعض أئمة الاعتزال، منهم أبو الهذيل العلاف، الذي رد على النظام وقمعه. ومنهم بشر بن المعتمر الذي كان شيخ البغداديين ورئيسهم، وكان أشد الناس نصرة للقياس واجتهاد الرأي في الأحكام، وكان هو وأبو الهذيل كأنما ينطقان في ذلك بلسان واحد (٢).
القِيَاسُ الذِي يُنْكِرُهُ دَاوُدُ:
كما نشير أيضًا إلى أن الآراء قد تضاربت حول إنكار داود القياس: هل ينكر كل أنواعه، أم أنه ينكر غير الجلي منه؟
стр. 388
وقد نقل السبكي عن والده أن الذي صح عنده هو أن داود لا ينكر القياس الجلي، وإن نقل إنكاره عنه ناقلون - بل ينكر القياس الخفي فقط، أما لذي ينكر القياس كله، جليه وخفيه، فهم طائفة من أصحابه، زعيمهم ابن حزم.
ويعقب السبكي على رأي والده، بأنه بعد اطلاعه على " رسالة " لداود في الأصول وجد أن ظاهر كلام داود فيها يدل على إنكاره للقياس جملة، وأنه لا يقول بشيء منه، نعم إنه يطبق العلة إذا كانت منصوصة، ولكنه لا يسمي هذا التطبيق قياسًا، بل هو استعمال لدلالة النص (١).
وبهذا يرد أيضًا على ابن عبد البر، الذي اعتبر (الدليل) نوعًا من أنواع القياس (٢)، وقد سبق أنه من دلالة النص أو الإجماع.
وذكر الغزالي أن نفاة القياس ثلاث فرق بالنسبة للعلة المنصوصة:
١ - الفرقة الأولى ذهبت إلى أن التنصيص على العلة، كذكر اللفظ العام فإذا قال الشارع: حرمت الخمر لإسكارها، فإن هذا يساوي: حرمت كل مسكر، وإذا قال: «اقْتُلْ هَذَا الكَلْبَ لِأَنَّهُ أَسْوَدٌ»، كان معنى ذلك: اقتل كل كلب أسود.
٢ - الفرقة الثانية: أجازت القياس بالعلة المنصوصة دون المستنبطة وهؤلاء كالفريق الأول، لم يفارقوه إلا في التسمية، حيث سمى هذا النوع قياسًا، وأبى ذلك الفريق الأول.
٣ - الفرقة الثالثة: أنكرت الإلحاق مع وجود النص على العلة،
стр. 389
لأن تعليل حكم ما بعلة معينة، لا يوجب تعميم هذه العلة ما لم تكن بلفظ عام، فلو قال الشارع: «اتَّقُوا الرِّبَا فِي كُلِّ مَطْعُومٍ» فهو توقيف عام، ولو قال: «اتَّقُوا الرِّبَا فِي البُرِّ، لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ» فهذا لا يساوي الأول، ولا يقتضي الربا في غير البر، كما لو قال المالك: «أَعْتِقُ مِنْ عَبِيدِي كُلَّ أَسْوَدٍ». عتق كل أسود، فلو قال: «أَعْتِقْ فُلَانًا لِسَوَادِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ أَسْوَدٌ». - لم يعتق جميع عبيده السود (١).
ويبدو أن داود وابن حزم وغيرهما من أهل الظاهر، من هذا الفريق الثالث.
стр. 390
الفَصْلُ الثَّالِثُ: عَلاَقَةُ الظَّاهِرِيَّةِ بِالمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ، وَنَقْدِ المَذْهَبَ الظَّاهِرِيَّ:
بعد هذه الإشارة الموجزة عن أصول أهل الظاهر، نعود فنلقي نظرة على طبيعة العلاقة التي كانت تربطهم بغيرهم من المذاهب الفقهية، ورأى هذه المذاهب في الظاهرية، ورأى الظاهرية فيهم.
وإذا استعرضنا المذاهب الفقهية وقارناها بالمذهب الظاهري، فسوف نجد أن أقربها إلى هذا المذهب هو مذهب المحدثين والمذهب الحنبلي باعتبار ما قدمناه من القرابة القريبة بين المحدثين وأهل الظاهر. ثم يليها في ذلك المذهب الشافعي، باعتبار صداقته للمحدثين وقرب أصوله، ثم يأتي المذهب الحنفي والمذهب المالكي في الطرف القصي من المذهب الظاهري، ولهذا صوب ابن حزم سهام نقده وتعنيفه لهذين المذهبين، لتوسعهما في الرأي، مع كثرة أتباعهما، ولم يسلم الشافعية من هجومه أيضًا، لقولهم بالقياس، أما الحنابلة والمحدثون بعامة، فلم يتعرض لهم على الإطلاق. وهو لا يلوم أئمة المذاهب بقدر ما يعنف المقلدين لهم، أما الأئمة فهم مجتهدون، يصيبون ويخطئون، وفي الحالتين هم مثابون.
وفي ذلك يقول ابن حزم: «وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا - رَحِمَهُمَا اللهُ - اجْتَهَدَا وَكَانَا مِمَّنْ أَمَرَ بِالاِجْتِهَادِ، إِذْ كُلُّ مُسْلِمٍ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي دِينِهِ وَجَرْيًا عَلَى طَرِيقِ [مَنْ سَلَفَ] فِي تَرْكِ