← Общие книги

Общие книги · id 122393

تهافت العلمانية في الصحافة العربية

سالم البهنساوي

Полный текст (277 стр.). Показаны 246–277 · переход к 251.

стр. 246

جوابنا على ذلك هو: أ - لقد تضمن مقالي الأول أن السلطان الديني والحكومة الدينية بالمفهوم الكهنوتي لا يقول به مسلم. وقلت في نهاية المقال: «فحكم الإسلام هو تطبيق نصوص القرآن والسنة والتزام الحاكم والمحكوم بها. وليس إعطاء قدسية ما لبعض الحكام يحرمون ويحلون من دون اللهِ. فذلك هو الشرك مع اللهِ كما جاء في القرآن وبينته السنة النبوية». ب - لم يقل علماؤنا أن القرآن والسنة قد نَصَّا على أشخاص يستمدون سطلتهم من الله في حكمهم للناس، فذلك هو المفهوم الكنسي للحكومة الدينية وهو ما يبطله الإسلام ويعده شركًا مع الله. ولكن قيام الحكومة من الناس واستمدادها السلطة من الأمة لا يعني أن هذه الحكومة تملك أن تصدر التشريع الذي يخالف القرآن والسنة النبوية. فهذا أمر مقبول في المجتمعات الغربية وله قواعد دستورية أهمها نظرية السيادة التي تجعل الشعب هو صاحب السيادة في التشريع. وفي المجتمعات الشيوعية يتولى الحزب الشيوعي نصب الحكومة التي لا تملك الخروج على مبادئ ماركس ولينين. أما الإسلام فالحكومة فيه تستمد سلطتها من الأمة ولكنها مقيدة في أعمالها وتصرفاتها، فلا تملك أن تخالف القرآن والسنة النبوية، فإن فعلت كان قرارها باطلاً لا شرعية له. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١). خَامِسًا: الإِسْلَامُ وَالدِّينُ وَالدَّوْلَةُ: يقول الدكتور خلف الله: «إن النبي لم تكن له وظيفة أخرى غير النبوة والرسالة، وإذا كان الأستاذ البهنساوي يريد أن يؤكد للناس أن الإسلام قد كان له دولة فإن عليه أن يقدم الدليل من القرآن الكريم». والجواب على ذلك هو: أ - لماذا يقتصر الدليل على ما ورد في القرآن؟. فالدكتور لا ينكر السنة وعليه أن يطلب الدليل منها. وإلا كان منكرًا لها حسب ظاهر أقواله.

стр. 247

ب - أوضحت في المقال الأول أن الدولة الحديثة لها مقومات ثلاثة هي شكل الحكومة والسلطات الثلاثة وحقوق الأفراد. وكل ذلك قد جاء به القرآن. وقدمت الدليل عليه من كتاب الله، كقول الله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (١). وقوله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ (٢). وأود أن يعلم الجميع أن الآية ٢٥ من سورة الحديد قد نصت على أن رسول الله كانت له مهمة رئيسة هي إقامة الدولة والحكم بين الناس بالقسط، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥]. فهذا النص قد وضح أن الرسل جاءوا للبشرية لإقامة حكم فيه: ١ - سلطة تشريعية هي الكتاب الذي دل على السنة. ٢ - سلطة تنفيذية رمز إليها بالحديد. وقدمت الدليل من السنة النبوية ومن ذلك الدستور الذي وضعه النبي في أول حكمه بالمدينة ليحكم العلاقات بين المسلمين وبينهم وبين غير المسلمين، وأن هذا الدستور يتضمن القانون الدولي العام والخاص. ج - إن لم يكن الرسول حاكمًا، وأمر المسلمين بإقامة حكم إسلامي، فما معنى قول الله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقوله سبحانه: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. د - إن كانت وظيفة النبي هي النبوة والرسالة فقط - أي مجرد تبليغ الدين - فالحروب والغزوات التي قام بها لا تدخل ضمن ما حدده له بها ولا تدخل ضمن ما حدده له الدكتور من عمل الرسالة. وكذلك إعداده الجيوش والقواد لغزو الروم ثم التحرك بهم حتى وصل إلى تبوك وعقده مع زعماء جرباء وأذرح وأيلة. وهل تعيينه معاذًا حاكمًا على اليمن من أعمال النبوة؟، وهل غزوة مؤتة المتجهة نحو الروم من أعمال النبوة؟، وهل تعيينه أمراء لجمع الزكاة جبرًا من أعمال النبوة؟، أم أن ذلك من أعمال الدولة فقام بها الخلفاء؟. سَادِسًا: جَعَلَ الدُّكْتُورُ خَلَفْ اللهْ رَدَّهُ بِعُنْوَانٍ: «هل يجوز أن يكون الدين من عند غير الله؟» وساهمت " الوطن " في نشر ذلك في صفحتها الأولى وهذا يوحي أنني أجيز ذلك ولا أحب أن أقول: أذلك قد ورد في مقالتي الأولى الذي نشرته " الوطن " يوم ٢٦/ ١١ / ١٩٨٢ ومقالي الثاني المنشور يوم ٣/ ١٢ / ١٩٨٢ وكلاهما تضمن أنه لا يحل لمسلم أن يقتصر على ما جاء في القرآن، فالدين يشمل القرآن

стр. 248

وَالسُّنَّةِ مَعًا، والنبي يقول: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»، والله تعالى يقول عن النبي ﵊: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١). أما ما ختم الدكتور به في قوله: «بقي أن أهمس في أذن الأستاذ البهنساوي بأن الدين غير التشريع، وأن مصدر الدين هو الله ، أما مصدر التشريع فيكون القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين والإجماع والقياس وما إلى ذلك مما عده علماء أصول الفقه من مصادر التشريع والتي وصلت إلى تسعة عشر مصدرًا». والجواب عليه: ١ - أنه لو صح أن الدين غير التشريع لكان مصدر الدين هو القرآن والسنة وليس القرآن فقط فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢). ٢ - إن مصدر التشريع ينحصر في القرآن والسنة النبوية، لأن الإجماع والقياس وغيرهما مما عده علماء الأصول مصادر هي في حقيقتها ليست مصدرًا مستقلاً. فلا حجة لها إلا إذا كان لها مستند من الكتاب والسنة. وهذا هو الذي يفرق بين الاجتهاد البشري وبين التشريع المنزل من عند الله والمتمثل في القرآن والسنة. ٣ - لقد ورد لفظ الدين في القرآن الكريم بمعنى التشريع والقانون في قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (٣). وورد الدين بمعنى العقيدة في قول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٤). وورد بمعنى المناسك التعبدية في قول الله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٥). وقد فصلت ذلك في كتابي " الحكم وقضية تكفير المسلم " المتضمن الرد على انحرافات بعض الشباب. ٤ - ولا يوجد أحد من المسلمين يقول: إن الإنسان أو الحاكم خليفة الله بمعنى أنه ينوب عن الله ويتولى سلطاته، لأن هذا ما أخبر النبي أنه شرك مع الله، في قوله لعدي بن حاتم (*) عن الأحبار والرهبان ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].

стр. 249

أما قول الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (١)، فليس معناه خليفة عن الله بل يفسره قول الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ (٢). أي يخلف بعضهم بعضًا. فقد جاء في معاجم اللغة: خلف فلان فلانًا أي جاء بعده. ومنه قول الله: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ (٣). كما قال الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (٤). فَهَذَا خَلَفَ هَذَا أَيْ جَاءَ بَعْدَهُ. أما قول الله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٥). أي أنفقوا من المال الذي أنتم عليه أمناء ويدكم عليه يد عارضة سيخلفكم فيه غيركم من الورثة وسيؤول إليهم. وختامًا نرجو أن يدرك الجميع أن ما نلقاه وذكرناه ليس جدالاً ولا مراءً (٦). وَقْفَةٌ نِهَائِيَّةٌ مَعَ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدْ خَلَفْ اللهْ: النَّبِيُّ وَالدَّوْلَةُ .. وَالاِجْتِهَادُ وَالنَّصُّ: لقد نشر الدكتور محمد خلف الله كلامًا يتعلق بالحكم الإسلامي والسنة النبوية، تناولته بالحوار لكنه في ١٧/ ١٢ / ١٩٨٢ ادعى أنني في حواري معه نقلت عنه غير الحقيقة بل أوهامًا توهمتها إذ لم أقرأ النصوص قراءة سليمة ولم أفهمها فهمًا دقيقًا، وانتهى إلى أن ما يقوله هو الحق وما قلته هو الباطل وطلب أن أهتدي معه إلى هذا الحق وأترك الجدال. ولما كان دفاعي لا يتعلق بشخصي بل ينصب حول وظيفة الرسول ﷺ ومنزلة السنة النبوية مع الدين والتشريع وهذا أمر لا يملك أحد منا أن يبتدع فيه حكمًا كما أن ما قاله كل منا ليس سرًا لم يطلع عليه أحد بل قد نشرته الصحف اليومية ويمكن الاحتكام إليه دون تراشق بالألفاظ أو تحوير الكلمات. فأضع صاحبي والقراء أمام الحقائق التالية: • أَوَّلاً: السُّنَّةُ وَقِيَامُ الدَّوْلَةِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ: «لا نستطيع أن نسمي ما قام به رسول الله ﷺ بالحكومة، فما قام به هو

стр. 250

شيء من إدارة الأعمال أكثر منه حكومة». وفي رده يوم ١٧ ديسمبر طلب مني: أ - ألا أخلط بين شؤون الدولة والحكم، وبين شؤون النبوة والرسالة. ب - أن يكون سندي في كل ما أرغب في الوصول إليه هو القرآن الكريم. ج - ألا أنكر ولا غيري صحة قوله: «إن ما لم يرد في القرآن يكون غير ما أنزل اللهُ». وأضاف أن القارئ قد فطن إلى أن قوله هذا لا يتصل بقريب أو بعيد بعنوان مقالي الثاني «السنة بين المستشرقين وعلماء السلطان». والجواب على ذلك هو: ١ - أن تكرار طلبه أن يكون دليلي هو القرآن لهو أكبر دليل على عدم أخذه بالسنة النبوية. ٢ - أن عبارته التي يدعي أنني لم أفهمها وهي: «أن ما لم يرد في القرآن يكون غير ما أنزل الله» لا تحتاج إلى إعمال نظر في الفهم، فهي صريحة أن كل ما لم يرد في القرآن ليس من عند الله يدخل في ذلك السنة النبوية وهو حتى اليوم لم يصرح باحتكامه إلى هذه السنة. ٣ - إن المسلم لا يملك أن يقول: إن السنة النبوية غير ملزمة بدعوى أنها لم ترد في القرآن أو أن يقول أنه لا يأخذ من السنة إلا ما كان بيانًا لما في القرآن، وهذا هو إجماع المسلمين لما يأتي: - الأول: لتبين أن القرآن أمرنا بطاعة الرسول فيما أمر به أو نهى عنه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١). وقطعًا فهذا أمر آخر غير القرآن، فمن قال: غير القرآن لا يكون من عند الله دون أن يستثني السنة النبوية، يدخل هذه السنة في الفكر البشري الخاضع للاجتهاد وهذا ما يحاوله صاحبنا. - الثاني: أن قول الله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢). يخول

стр. 251

الرسول بيان ما جاء في القرآن، وهذا البيان يشمل أيضًا كل حكم جديد ليس في القرآن كتحريم لحم الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ وهذا ما فصلته في المقال الثاني مع مزيد من الأمثلة والأدلة من القرآن والسنة، وكذلك تحريم زواج العمات والخالات، وهذا ما عليه إجماع المسلمين، وصاحبنا يقول بخلافه، وهو ما يقول به المستشرقون وبعض الحكام سواءً من غير المسلمين أو مسلمين نكسوا رؤوسهم. فهل ما أجمع عليه المسلمون بشأن السنة النبوية وهو ما نتمسك به هو الضلال، والبدعة التي ينادي بها الدكتور خلف الله هي الحق الذي يجب أن نهتدي إليه؟ • ثَانِيًا: النَّبِيُّ وَالدِّينُ وَالدَّوْلَةُ: كرر صاحبنا أن النبي ﷺ لم ينشئ حكمًا ولا دولة بل قام بإصلاح إداري، ولم يبين الدولة والحكومة التي أسندت إلى النبي ﷺ الإصلاح الإداري المزعوم، والغريب أن الإسلام في رسالته الخاتمة قد تميز بتنظيمه للدولة في شؤونها الداخلية والخارجية، وقد أوضحت في المقال الأول أن هذا من مهام الرسل استنادًا إلى الآية ٢٥ من سورة الحديد، التي أشارت إلى مقومات الدولة والسلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية. ولكن صاحبنا قد تجاهل ذلك وادعى أن قول الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (١) أمر خاص بنبي الله داود ولا ينطبق على خاتم المرسلين، ويزعم أنه لم يرد في القرآن بذلك. وبهذا المنطق المعكوس يستطيع كل جاهل أو محرف لدين الله يقول إن صلاة الصبح أو صلاة الظهر لم ترد في القرآن فلا نلزم بها أو إن زكاة المعادن لم ترد في القرآن فلا نلزم بها. ومع عدم [تسليمنا] له أن يكون الدليل من القرآن فقط لأن في هذا إنكار للسنة النبوية. فإن القرآن الكريم قد قال لنبيه والمؤمنين معه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٢). وقال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٣). كما قال الله لنبيه في شأن أسرى معركة بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٤). فهذه الآيات وغيرها مما أوردته في المقال الأول متعلقة بأمور السلم والحرب، لا يمكن أن ينفذه النبي ﷺ إلا من خلال حكومة ودولة.

стр. 252

فهل كانت المدينة المنورة تحت حكم اليهود أو الوثنيين من العرب ونفذوا للنبي ﷺ هذه الآيات القرآنية لأنه قام بإصلاح إداري لحسابهم! ثم كيف ينكر مسلم أن أول شيء فعله النبي ﷺ في المدينة هو أن وضع وثيقة ودستورًا يحكم العلاقة بين أفراد الدولة التي أقامها سواءً من المسلمين أو اليهود أو غيرهم، وقد جاء في ديباجة هذا الدستور أو هذه الوثيقة أو هذه الصحيفة: «هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَهْلِ يَثْرِبَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِالحَقِّ وَلَحِقَ بِهِمْ»، وجاء بهذه الوثيقة عن اليهود «أَنَّ اليَهُودَ يَتَّفِقُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارِبِينَ». وقد حدد هذا الكتاب حدود الدولة وسماها النبي بحرم المدينة. وهذا الكتاب يقع في ٤٧ مادة أو بُنْدًا، فما حكم من أنكره؟ لقد حصر الدكتور محمد حميد الله الوثائق السياسية في عهد النبي ﷺ فبلغت ٢٤٤ وثيقة، منها هذا الدستور وصلح الحديبية، الذي تضمن وضع الحرب ١٠ سنين، والذي جاء ذكره في القرآن الكريم في سورة الفتح، فهل هذه ليست دليلاً على الدولة؟ وهل المشورة في الحروب التي قادها النبي ﷺ ليست إلا لجانًا من أولي الأمر ولا تدل على وجود دولة؟. ولم يقم بها الرسول الكريم، كما يدعي الدكتور خلف الله. وإذا كانت مشورة النبي في الحروب «ليست دليلاً على الدولة وخصوصًا عندما تكون هذه اللجان من أولي الأمر إلى جانب النبي»، وهو ما ادعاه الدكتور خلف الله. فمن هم أولو الأمر الذين شكلوا اللجان بجانب النبي ﷺ ؟ وإذا قلنا ذلك نكون محرفين بالنصوص أو لم نفهمها فهمًا دقيقًا ونكون قد قلنا الباطل؟ وإلى من يتوجه الخطاب في قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (١)، لقد نزل هذا على النبي في عصره فهل التحاكم في هذا النص وغيره موجه إلى أفراد ليس لهم سلطان الدولة التي تحتكم إليها وإلى مؤسساتها الدستورية، لأن القرآن لا يحكم هو بين الناس بل يحكم به الحكام ومن يسندون إليهم هذا الأمر من القضاة والأمراء؟

стр. 253

إن العالم في أي جانب من الجوانب الكونية إذا ما حمل بين جوانحه قلبًا مؤمنًا بالدين، فيستحيل ألا يزداد إيمانه، لأن علمه بأسرار الكائنات هو في الوقت نفسه علم بعظمة من خلق تلك الكائنات، وبدأها وسواها وأجراها على سنن منظومة، هي التي يكشف عنها العلماء ويطلقون عليها اسم «القوانين العلمية». «ومن أبرز الفوارق بينهما، أي الدين والعلم، مما لا بد أن نكون على وعي شديد به، هو أن مبادئ الدين ثابتة عند المؤمنين بهذا الدين، لأنها معايير يقاس بها السلوك ولا بد للمعيار أن يحتفظ بمعنى واحد، وإلا فقد معياريته ... وأما العلم فهو متغير مع تقدمه في تعاقب العصور». ج - وفي مقاله المنشور في " الأهرام " و" الوطن " يوم ٥/ ٤ / ١٩٨٨ يقول: «العقيدة مدارها التوحيد والقيم الضابطة للسلوك، ويرجع في ذلك إلى الأصلين، القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ إذا ما أشكل أمر لم يرد عنه نص في هذين الأصلين، فمرجع المسلم فيه هو العقل، ولا فرق بين أن نقول إنه العقل أو إنه إجماع الرأي عند الثقات. والنضج العقلي يكون بالقدرة على تمثيل المبادئ التي نزل بها دين الإسلام، والتزامها في استدلالاته العقلية بعد ذلك، كلما أراد لنفسه هداية في دنيا السلوك». لا ينكر أحد أن الرسل كانوا يحكمون، لقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١). ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٢)، وإن كان فهمي هذا باطلاً مع أنه إجماع فقهاء الأمة فمن من الفقهاء فهم مثل فهم الدكتور خلف الله وادعى أن مصلحة الناس تقدم على النص وهو القرآن أو السنة أم أن الإجماع أن المصلحة تقدم إذا لم تتعارض مع القرآن أو السنة (٣). وأخيرًا فأحيل القارئ إلى مقالي التالي والذي نشر بـ " الأهرام " حيث قد عرى الدكتور خلف الله من تمسحه بالقرآن الكريم.

стр. 254

القَوْمِيَّةُ وَالقُرْآنُ العَصْرِيُّ بَيْنَ خَلْفَ اللهْ وَسَيْفِ الدَّوْلَةِ: نشر الأستاذ الدكتور (محمد أحمد خلف الله) مقالاً في صفحة " الحوار القومي " تناول موضوع القومية العربية والإسلام. تطرق فيه إلى مقال للأستاذ (محمد حامد أبو النصر)، ومقال الأستاذ المرحوم (عمر التلمساني) .. وقد علل الدكتور (خلف الله) رده بقوله: «مقال المرشد العام، قد أفسد الجو بين القومية العربية والإسلام إلى الحد الذي لا يصح معه السكوت أبدًا». كما وصف مقال المرشد الراحل الأستاذ عمر التلمساني بقوله: «إنه الأقرب إلى مفهوم وحدة الأمة الذي جاء به القرآن الكريم». وبقوله: «إنه يرفع التناقض بين العروبة والإسلام». وكما قدم الدكتور خلف الله نفسه للقراء في قوله و علاقة الإسلام بالعروبة إنما تتحدد بما حدده القرآن الكريم لهذه العلاقة وليس أبدًا بما نفرضه نحن على هذه العلاقة، فهل جعل الدكتور خلف الله الإسلام هو الفيصل فيما اختلف فيه؟ إنه لم ينزل إلى حكم الإسلام في مقاله هذا، وفي فكره القومي بصفة عامة، في الوقت الذي يقول فيه: إن القرآن هو الذي يحدد علاقة الإسلام بالعروبة لهذا ودفاعًا لهذا ودفاعًا عن الإسلام نركز على الآتي: عَلَاقَةُ الإِسْلَامِ بِالعُرُوبَةِ: ذكر أن القرآن الكريم حين يحدد العلاقة بين العروبة والإسلام، يجعل العروبة هي الأصل ويجعل الإسلام هو الفرع، ثم يذكر أن الثقافة الإسلامية تؤكد ما جاء به القرآن من أن الإسلام مرتبط بالعروبة ارتباطًا عضويًا، وأن الأصل العروبة وليس الإسلام، وهذا الذي يذكره الدكتور خلف الله لا يوجد أي دليل عليه من القرآن الكريم الذي جعل العقيدة هي الأصل وليست العروبة أو غيرها .. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١). وها هو المفكر القومي الدكتور عصمت سيف الدولة في كتابه " عن العروبة والإسلام " يصحح هذا الخطأ فيقول: «لا مجال إذن للخلط بين علاقة الانتماء إلى العروبة وعلاقة الانتماء إلى الإسلام، لا في الأشخاص ولا في المضمون ...». إن الإسلام علاقة

стр. 255

انتماءً إلى دين خالد في الزمان بحكم أنه خاتم الرسالات والأديان وخالد في المكان بحكم أنه رسالة إلى كل البشر، أما العروبة فعلاقة انتماء مقصورة على شعب معين» (١)، ويقول: «وإن من المنافقين من أبناء أمتنا العربية من يناهضون الإسلام باسم العروبة»، كما يقول: «ولا نتتبع هنا كل صور النفاق الذي يخفي مناهضة الإسلام بالعروبة ومن أشكال هذا النفاق هو ظاهر السذاجة ... ومن ذلك الاستعلاء على الإسلام باسم العروبة، فالاستعلاء استئصال يمهد للاستغناء. حيث يفاخر بعض العرب بأن الرسول قد كان منهم، وكان القرآن بلغتهم وبأن في ذلك آيتين على أن الإسلام دين العرب وفضلهم على الناس كافة، وأنهم استحقوا أن توضع الرسالة فيهم فوضعت. إنهم ينافقون الشعب العربي يبغون مرضاته، ربما ليقبلهم في موقع القيادة منه، ولكنهم يجعلون من الإسلام ثمرة من ثمار حضارة ينسبونها إلى أمة عربية لم توجد قط، كأن العروبة هي الأصل وما كان الإسلام إلا فرعًا، ونشهد أننا لم نقرأ ولم نسمع شيئًا أكثر جهالة من هذا الذي اختاره العرب أسلوبًا لمناهضة الإسلام باسم العروبة» (٢). لا جدال أن الإسلام مثلما جاء للعرب وبلغتهم، فإنه جاء للناس كافة، فكما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ (٣)، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ (٤) [المائدة: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٦). الإِسْلَامُ وَالقَوْمِيَّةُ: يقول الدكتور: «يخطئ المرشد العام (أبو النصر) لأنه ذهب إلى أن العروبة هي اللسان واللغة وليست القومية». والدكتور لا ينكر أن القومية مذهب يؤمن به الإنسان عند إدراكه، أما العروبة فهي انتساب إلى وطن والأصل فيه اللغة، ولهذا قال المفكر القومي الدكتور (عصمت سيف الدولة): «إن الإسلام علاقة انتماء تنشأ بالتمييز فالإدراك فالإيمان. أما العروبة فعلاقة انتماء إلى

стр. 256

وضع تاريخي تدرك العربي منذ مولده وتصاحبه حتى وفاته ولو لم يكن مميزًا» (١). فإذا أريد بالقومية تفضيل العرب على غيرهم فالنبي ﷺ قال: «مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (٢)، وقال: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ اعْمَلِي فإِنِّي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا». وإذا أريد بالقومية، رابطة تناهض الإسلام فالله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣). أما إذا كانت القومية أن يصبح العرب أمة واحدة تتفاعل فيما بينها للدفاع عن أرضها وشعبها وتعمل من أجلهم وتجاهد من أجل عقيدتهم المشتركة فهذا لا ينازع فيه أحد من العرب والمسلمين، - إن كانوا عربًا أو مسلمين - وهذا ما أوضحه الدكتور (عصمت سيف الدولة) الذي أشاد برأي الإمام (حسن البنا) مؤسس " جماعة الإخوان " في ذلك. ويقول خلف الله: «حين دعا النبي ﷺ العرب إلى إفراد الله بالعبادة، كان يعتبر ذلك البديل للشرك العربي الممثل في اللات والعزى وما إلى ذلك .. ثم ترتبط الصلاة بالأرض العربية ويرتبط الحج بالأمكنة العربية والأزمنة العربية وكذلك الصوم يراه مرتبطًا بالشهور العربية، فهل يستطيع المسلم أن يؤدي فرائض دينه في غير مقوماتها العربية وإن كل الذي دخلوا في الإسلام سواءً تعربوا أم لا، إنما يمارسون حياتهم الدينية من حيث الفروض والواجبات على أساس من العروبة وليس يصلح لغير العربي أن يقيم الدين الإسلامي إلا على أساسه العربي وإلا كان ما سيؤديه إسلامًا آخر». ولسنا ندري ما هو النص سواءً الآية القرآنية الكريمة، أو الحديث النبوي الشريف الذي يجعل إسلام الأوروبي إسلامًا آخر إذا صلى بغير اللغة العربية. ثم ما هو النص الشرعي الذي يجعل إفراد الله بالعبادة بديلاً عن الشرك العربي، فعبادة الله وحده ليست بديلاً عن الشرك فهي أصل والشرك عارض وطارئ. الهَدَفُ مِنَ الإِسْلَامِ: إن القرآن الكريم قد حدد الهدف من رسالة الإسلام في آيات لا نكاد نحصيها منها قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ

стр. 257

فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (١). ولكن الدكتور يقول: «إن الهدف من الرسالة الإسلامية أولاً وقبل كل شيء هو الارتفاع بالمستوى الحضاري للأمة العربية، وذلك عن طريق الرسول الذي يعلمهم الكتاب والحكمة». وأين هذا من الآيات القرآنية التي تحدد رسالة الإسلام بإخراج الناس من الظلمات إلى النور عن طريق اتباع تشريع الله الممثل في القرآن والسنة، إذ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ...﴾ (٢). وقال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ...﴾ (٣). إِقْلِيمِيَّةُ الرِّسَالَةِ: يحاول الدكتور (خلف الله) أن يجعل من العروبة رسالة يصبح الإسلام تابعًا لها كما جعل العروبة هي الأصل والإسلام هو الفرع، فيقول: «وعروبة القرآن أو اختيار المولى للغة العربية لتكون لغة الوحي إنما كان بسبب أن الرسالة الإلهية موجهة إلى الأمة العربية أولاً وقبل كل شيء». وسبق أن ذكرت رد الدكتور (عصمت سيف الدولة) من أن الإسلام رسالة للناس كافة، أما العروبة فانتماء إلى شعب معين. وقد ختم هذه القضية بقوله: «كانت خلاصة ما تقدم من تحزيب وتغريب أن نشأت في كل قطر عربي طبقة قومية الانتماء، إقليمية الولاء، مادية الباطن، إسلامية الظاهر، فردية البواعث، نفعية الغايات، رأسمالية النشاط، اجتماعية الأرباح، يتعلق بها وتتغذى عليها شخوص من الفلاسفة والمفكرين والكُتَّابِ والأساتذة والتلاميذ ... وهي طبقة نشأت مع الاستعمار، لتؤدي بالنيابة عنه ولحسابه نقض الحضارة العربية من بناء شخصية الإنسان العربي» (٤). إنه لا يجهل أحد أن الإسلام جاء للعرب، ولكنه أيضًا جاء للناس كافة وهذا ما يدركه الدكتور (خلف الله) الذي لا نعنيه بالاقتباس الأخير. حَقِيقَةُ فِكْرِ الدُّكْتُورِ خَلَفْ اللهْ: إن الدكتور (خلف الله) يستشهد بالآيات القرآنية الكريمة، ليوهم القارئ أن العروبة

стр. 258

هي الأصل والإسلام هو الفرع، ويرتب على ذلك نتائج خطيرة لم يذكرها صراحة في مقاله، ولكنه نشرها في مقالات وكتب وهذه أهمها: ١ - بحوث الندوة الفكرية التي نظمها " مركز دراسات الوحدة العربية " المنشورة في كتاب باسم " القومية العربية والإسلام " والمنشور ١٩٨١. وفي هذه البحوث يرد الدكتور (محمد خلف الله) على المفكرين الذين يربطون بين الإسلام والقومية العربية فيقول: «يطلب للربط بين الإسلام والقومية العربية التنازل عن العلمانية، وهو ما لا يمكن أن تتخلى عنه القومية العربية، لأن ممارسة الحياة على أساس من العلمانية يمنح المجتمع حرية وانطلاقًا في تحقيق المصلحة العامة، على أساس من الحضارة العلمية أكثر مما يمنحه الإسلام» (١). ٢ - وكتابه " الأسس القرآنية للتقدم "، يصرح بأكثر من ذلك فيقول: «تبقى بعد ذلك عملية تحرير العقل البشري من السلطة الدينية المتمثلة في نظام النبوة» (٢). ويقول: «لقد حرر الإسلام العقل البشري من سلطان الآلهة فيما عدا سلطان الله» (٣)، ولكنه يقول: «أرجو أن يطمئن القارئ إلى الأساس الذي بنى عليه التوحيد وكيف كان تحرير العقل البشري من سلطان الآلهة بما فيهم سلطان الله» (٤). لما كان ذلك كذلك فليس للدكتور (خلف الله) أن يلبس هذا الفكر اللاديني ثوب القرآن الكريم، وله إن شاء أن يكون علمانيًا أو لادينيًا ولكن ليس له صلاحية تحوير نصوص القرآن الكريم، هذا ما نبه عليه الدكتور (عصمت سيف الدولة) في فصل النفاق وفصل العلمانية بكتابه سالف الذكر (٥). بَرَاءَةُ القُرْآنِ مِنْ أَرْكَسَةِ القَوْمِيِّينَ: بتاريخ ١٧/ ٦ / ١٩٨٧ نشر الدكتور (محمد خلف الله) مقالاً عن عروبة الإسلام ذكر فيه أنني ممن يعيشون في الوهم الذي صنعته القومية الفارسية، وأن وهمًا آخر يرسخ في ذهني، وهو أن عروبة الإسلام ضد عالميته تقتضي فصله عن عروبته، وذلك على الرغم من أنني لم أكتب ذلك ولم أقله. وكنا نود أن يذعن الدكتور (خلف الله) لحكم الإسلام في تحديد العلاقة بين الإسلام والعروبة والقومية، وخصوصًا وأنه يكرر أن الحقائق القرآنية لا يمكن أن تكون موطن الجدل

стр. 259

ومحل الشك والارتياب. غير أنه تعصب لفكره القومي العلماني، وحاول أن يجعل القرآن الكريم وسيلة لتأييد هذا الفكر مع مناهضته للإسلام حسبما فصله مقالي السابق. فها هو قد كتب في ذات الصفحة مقالين تناولا كلامي وكلام الدكتور (عبد الصبور شاهين) نشر الأول في ١٧/ ٦ بعنوان " عروبة الإسلام " والآخر في ٢٤/ ٦ بعنوان " القومية حقيقة قرآنية ". وقد وضح، أنه يحاول إيهام القارئ أن الحوار كان يدور حول مسمى المقالين، بينما القضية الرئيسة في الحوار تمثلت في سؤال صريح بدأت به مقالي السابق وهو " هل جعل الدكتور (خلف الله) الإسلام هو الفيصل فيما اختلف فيه؟ " ثم أجبت بقولي: «إنه لم ينزل على حكم الإسلام في مقاله هذا وفي فكره القومي بصفة عامة». وقد استندت في إجابتي المذكورة إلى فقرات كاملة من أقواله، كما استشهدت على بعد فكره عن القرآن الكريم بآيات عديدة منه، وبفقرات من كلام الدكتور (عصمت سيف الدولة). فما كان من الدكتور (خلف الله) إلا أن أغفل هذه [الحقيقة] ............... (*). أن يفسد منا بيني وبين الدكتور (عصمت سيف الدولة)، ومس عقيدتي مسًا لا يصدر عن مستشار يبحث دائمًا عن الحق والعدل. والحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان أن الدكتور (خلف الله) هو الذي حدد عقيدته بنفسه، وهي التي تباعد بينه وبين الدكتور (سيف الدولة) وغيره من الملتزمين بحكم الإسلام، بل ومن المنصفين من الباحثين غير المسلمين، وما كان دوري إلا أن أظهرت هذه الحقيقة، وما زال الأمر بيده إن شاء ترك فكره الذي يناهض الإسلام بالعروبة والقومية، وإن شاء أصر على موقفه السابق، غير أنه لا يوجد باحث منصف يقره على نسبه هذا الفكر إلى الإسلام. أما ما يوهم القارئ أن الحوار يدور حول مسمى مقاليه سالفي الذكر، فيتضح من قوله: «تلك هي القضية الأساسية التي لم تستوعبها الجماعات الدينية بعد، والتي يثور بشأنها الجدل والحوار ويقع ذلك على الرغم من أن عروبة الإسلام حقيقة قرآنية ...».

стр. 260

كما تتضح هذه المحاولة من عبارات أخرى له منها قوله: «إن القرآن الكريم لم يتخذ موقفًا معاديًا للقومية». وبهذه المحاولات يتجاهل أن مقالي محل رده هذا، وقد ورد به: «إذا كانت القومية أن يصبح العرب أمة واحدة ... فهذا لا ينازع فيه أحد من العرب أو المسلمين». كما تجاهل الدكتور (عصمت سيف الدولة) وهو من كبار المفكرين القوميين، قد حدد موقف كبرى الجماعات الإسلامية من العروبة والقومية بقوله: «إن الأمة العربية هي أمة الإسلام وإنجاز ثورته، وحاضنة حضارته، وحاملة رسالته إلى كل شعب يقبلها بدون إكراه، في أي دولة من دول الأرض، وهذا ما فطنته " جماعة الإخوان المسلمين " بإرشاد قائدها (حسن البنا)»: ص ١٦٥. ولعل الدكتور (محمد خلف الله) قد اطلع على " رسالة المؤتمر الخامس " للشهيد حسن البنا الذي حدد الموقف من الوحدة القومية والعربية والإسلامية فقال: «إِنَّ هَذَا الإِسْلاَمَ الحَنِيفَ نَشَأَ عَرَبِيًّا وَوَصَلَ إِلَى الأُمَمِ عَنْ طَرِيقِ العَرَبِ، وَجَاءَ كِتَابُهُ الكَرِيمُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَتَوَحَّدَتْ الأُمَمُ بِاسْمِهِ عَلَى هَذَا اللِّسَانِ يَوْمَ كَانَ المُسْلِمُونَ مُسْلِمِينَ، وَقَدْ جَاءَ فِي الأَثَرِ: إِذَا ذَلَّ العَرَبُ ذَلَّ الإِسْلَامُ ...»: ص ١٧٦. ولعل الدكتور (خلف الله) لا ينكر أنه قد اقترن بالدعوة إلى القومية العربية تياران: - أحدهما: علماني يحاول أن يجعل من القومية مذهبًا يناهض الإسلام وهو ما قال عنه الدكتور (سيف الدولة): «إن الاستعلاء على الإسلام بالعروبة مناهضة وأركسة» أي قلب للحقائق: ص ١٨٥. «ويجعلون من الإسلام ثمرة من ثمار حضارة ينسبونها إلى أمة عربية لم توجد قط، كأن العروبة هي الأصل وما كان الإسلام إلا فرعًا منها، ونشهد أننا لم نقرأ ولم نسمع شيئًا أكثر جهالة من هذا الذي اختاره بعض العرب أسلوبًا لمناهضة الإسلام باسم العروبة»: ص ١٨٢ من كتابه " عن العروبة والإسلام ". - أما التيار الآخر، فيضع القومية العربية في موضعها الطبيعي داخل النظام الإسلامي، ولهذا نادى (الكواكبي) بانتقال الخلافة إلى العرب وأن تتكون جامعة إسلامية يتم توزيع وظائفها وفقًا لأهليات وخصال الأقوام المسلمين. وحقيقة فكر الدكتور (خلف الله) أنه يتبنى اتجاه التيار الأول، ولقد برهنت على ذلك في مقالي السابق فنقلت عنه إصراره على أن تظل القومية العربية إسلامية، لكن بشرط أن لا تتخلى عن العلمانية. كما نقلت عنه ادعاءه «أن الأساس الذي بنى عليه التوحيد هو تحرير

стр. 261

العقل البشري من سلطان الآلهة بما فيهم سلطان الله» (١). ولقد حاول الدكتور (خلف الله) أن ينقل القارئ إلى موضوع آخر يبعدنا عن الحوار سالف الذكر فحشد الآيات القرآنية التي تدل على الصلة بين الإسلام والعربية والقومية، ثم قال: «إن مصر تحركت بعد زوال الخلافة العثمانية وطلبت بالخلافة للملك (فؤاد)»، وقال: «إن المرحوم الأستاذ (حسن البنا) كان من الذين يتظاهرون من أجل دعوة الخلافة في مصر ولـ (أحمد فؤاد)». ولكن " مذكرات البنا " و" رسائله " لا تتضمن ذلك، ولم يسند الكاتب هذا إلى أي مصدر تاريخي، والمصادر تثبت أن (البنا) كان آنذاك طالبًا بدار المعلمين بدمنهور، والملك (فؤاد) لا يجرؤ في التفكير بالخلافة الإسلامية فضلاً عن أن يرشح نفسه حتى تقوم مظاهرات بتأييده، فهذا الملك كان أحد أدوات بريطانيا التي أسقطت الخلافة الإسلامية وخدعت العرب بوعد ونفذت وعدًا آخر لليهود، وفي سبيل ذلك قسمت بلاد العرب بينها وبين فرنسا طبقًا لاتفاق (سايكس بيكو). وأخيرًا يؤيد الكاتب فكره بأن كلمة الناس في أكثر آيات القرآن الكريم تعني العرب، أو المشركين منهم، من ذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (٢). وقال الناس هنا هم العرب، فالقبائل توجد فيهم إلى اليوم ولا توجد بمصر مثلاً، وقد نسي أن أصول اللغة العربية بمقتضى أن اللفظ العام يظل على عمومه ما لم تدل القرائن على أنه خاص، والعموم هنا لا دليل على تخصيصه بالعرب، لأنه إن كانت القبائل فيهم فهي توجد أيضًا في أفريقيا وأوروبا، كما أن الذكورة والأنوثة والشعوب ليست خاصة بالعرب بل الناس كافة. وفي الختام فإن لكل شخص أن يعتقد ما شاء من العقائد والأفكار، ولكن ليس له أن يفرض على القرآن الكريم مذهبًا قد ظهر على أيدي غير المسلمين، ثم تبناه بعض من أعلنوا العلمانية التي تختلف مع الإسلام، والقرآن منها براءٌ، ولكن (خلف الله) يريد أن يفرض على القراء مذهبه اللاديني، وينسب هذا الباطل إلى القرآن الكريم، وبهذا يستخف بعقول القراء ويستخدم أسلوبًا من النفاق الذي حذر منه الدكتور (عصمت سيف الدولة) (٣).

стр. 262

الثِّيُوقْرَاطِيَّةُ بَيْنَ الإِسْلَامِ وَحُكُومَةِ رِجَالِ الدِّينِ: يطلق اصطلاح «الحكومة الدينية» على ذلك الشكل من الحكومة التي يكون أعضاؤها من الكهنة ورجال الدين، الذين لهم حق وضع الشرائع الدينية وتفسيرها، ويمارسون من خلال مناصبهم السلطة الزمنية والدينية، ويتمتعون بحق إلهي في الحكم، وبذلك فهم معصومون عن الخطأ في نظر أتباعهم الذين ينتمون إلى ملتهم ويطيعونهم كطاعة الله. ولقد عُرِفَ هذا الشكل من الحكومات في كثير من الشعوب البدائية التي كانت تمنح زعماءها وحكامها منزلة الأنبياء والآلهة، فلهم حق الحكم بدون مناقشة أو معارضة، لأنهم معصومون، وتعود أقدم أشكال هذه الحكومات، إلى اليهود بعد أن حرفوا التوراة وخالفوا أنبياءهم واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله .. وبدأ الكهنة فيهم يحللون ويحرمون ويغيرون في شرع الله كما يصور لهم الهوى والحاجة، كإباحة الربا مع غير اليهود وتحريمه فيما بينهم ولقد أفاضت آيات القرآن الكريم في بيان تزويرات اليهود وتحريفات كهنتهم للكتاب وسيطرتهم على عقول أتباعهم بتسلط خبيث. وَعُرِفَتْ هذه الحكومات أيضًا في العصور الوسطى الأوروبية عندما كانت سطلة الكنيسة تسيطر على الملوك والأمراء، وتفرض عليهم الإتاوات وتمنحهم البركة وصكوك الغفران، وزعمت أن لرجال الدين صلاحية إلهية في منح البركة وشفاء المرضى وعقد الزواج وقبول الاعتراف ومنح المغفرة وسلطة التحليل والتحريم. ولقد مارست هذه السلطة أعتى تصلبها في فرض الحروب الصليبية والدعوة إليها، وفي محاربة العلم والمنطق وفي إنزال أشد العقوبة بالمخالفين، كما في محاكم التفتيش والحروب الدينية القائمة في أوروبا. من هنا نرى أن «الثيوقراطية» أو ما يسمى بحكومة رجال الدين ليس من الإسلام ولا علاقة له بها، وطالما حاول أعداء الإسلام والمتجنون عليه أن يصموا حكم المسلمين بمثل هذا الشكل من الحكومات ويقولون «إنه عفا عليها الزمن»؛ لأن أوروبا تركتها بعد الثورة الفرنسية، ونرى بعض مدعي الإسلام وهم منافقون في الواقع يعارضون حكم الإسلام والدستور الإسلامي بحجة أنه يعني «حكم المشايخ أو وزراة الأوقاف» وهم

стр. 263

بذلك يفضحون جهلهم بالإسلام وغربتهم عنه أولاً. وثانيًا يفضحون مقدار عمالتهم الفكرية حيث يريدون تطبيق المفاهيم اليهودية أو المسيحية على الإسلام. الإِسْلَامُ وَالحَقُّ الإِلَهِيُّ المُقَدَّسُ: إن الاعتقاد بألوهية الحاكم نشأ في المجتمعات البدائية كما هو معلوم في التاريخ. فكان فرعون يستدل على ألوهيته في الحكم بقوله: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ (١)، وبقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (٢). ولكن بعد غرق فرعون مصر على نبي الله موسى زالت فكرة ألوهية الحاكم، ولكن عادت هذه من جديد بعد عصر (بولس الرسول)، فكانت صكوك الغفران والحرمان التي مارسها البابوات على الشعب، وعلى الحاكم، حيث جعلت سلطة الحاكم مستمدة من الله مباشرة، وهذا عرف باسم الحق الإلهي المباشر الذي جعل البابا (ليون الثالث عشر) يقرر أن الحاكم يستمد سلطته من الله مباشرة. وبعد صراع بين الكنيسة والإمبراطور تطور هذا المفهوم فقالت الكنيسة بنظرية الحق الإلهي غير المباشر، ومقتضاه أن السلطة ممنوحة للحاكم عن طريق الشعب ولكن بتوجيه من الإرادة الإلهية غير المباشرة التي وجهت الشعب لاختيار الحاكم. ثم تطور هذا نتيجة إصرار الأباطرة على أنهم يستمدون سلطتهم من الله، ولا يمكن أن يكونوا مسؤولين أمام الشعب، وقد أدى هذا الانحراف إلى ردود فعل كبيرة، منها نظرية العقد الاجتماعي التي نادى بها (جان جاك روسو) و (توماس هوبز)، ومؤداها: أن السلطة السياسية جاءت نتيجة عقد واتفاق بين الحاكم والشعب ينوب فيه الحاكم عن الشعب ولقد كان مفهوم العقد الاجتماعي عند (لوك) أكثر تقييدًا لسلطة الحاكم إذ يشير إلى أن العقد بينهما يتضمن التزامًا على الحاكم بعدم المساس بالحقوق الطبيعية للإنسان. ولقد كان رد الفعل في أوروبا هو الديمقراطية، ومؤداها أن الشعب هو الذي يختار السلطة الحاكمة فإذا استمدت سلطتها من غير الشعب كانت سلطة غير شرعية، وهذه الديمقراطية تخول الشعب عن طريق من يمثلونه في البرلمان أن يضع ما يشاء من التشريعات.

стр. 264

طَبِيعَةُ الحُكْمِ الإِسْلَامِيِّ: الإسلام يجعل التشريع من عند الله وهو تشريع قد اكتمل في القرآن والسنة النبوية فلا يملك حاكم أو محكوم أن يضع تشريعًا يخالفها. والحاكم يختاره الشعب ومهمته تنفيذ شرع الله، وهو التشريع سالف الذكر، فالحاكم ليست له حقوق وسلطات الحاكم في النظام الديمقراطي، فلا يوجد في النظام الإسلامي ما عرف باسم سلطات رئيس الدولة بل يوجد واجبات الخليفة. وطاعة الحاكم في الإسلام مقيدة ومشروطة بالتزامه بالقرآن والسنة، للحديث النبوي: «لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ». قال الماوردي: «فَإِذَا تَكَامَلَتْ فِيهِ [فَهِيَ العَدَالَةُ] التِي تَجُوزُ بِهَا شَهَادَتُهُ، وَتَصِحُّ مَعَهَا وِلَايَتُهُ، وَإِنْ انْخَرَمَ مِنْهَا وَصْفٌ مُنِعَ مِنَ الشَّهَادَةِ وَالوِلَايَةِ، فَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ قَوْلٌ وَلَمْ يَنْفُذْ لَهُ حُكْمٌ». وقال الإمام ابن حزم الأندلسي: «فَإِذَا زَاغَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُمَا، مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَأقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ وَالحَقُّ، فَإِنْ لَمْ يُؤْمَنْ أَذَاهُ إِلَّا بِخَلْعِهِ، خُلِعَ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ». والحكم الإسلامي من أهم خصائصه أن يكفل الحريات العامة للإنسان، وأهمها الحرية الشخصية وحرية التنقل وحق الأمن وحق السكن وحرمته، وحرية العقيدة والفكر وحرية التملك وحرية العمل. إن هذه الطاعة للحاكم هي في حقيقتها طاعة للهِ الذي أمرنا باتباع هذا التشريع وطاعة من التزم به: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١) ... (٢). حِوَارٌ حَوْلَ المَفْهُومِ الإِسْلَامِيِّ لِحَاكِمِيَّةِ اللَّهِ: لَيْسَ صَحِيحًا أَنَّ الحَاكِمِيَّةَ حُكُومَةَ كَهَنُوتٍ: في يوم الجمعة الماضي نشر بالصحيفة شعار الحاكمية لله، أن السلطان السياسي في المجتمع الإسلامي ليس حَقًّا من حقوق الأمة، فالبشر ليسوا هم الحكام في مجتمعاتهم، وإنما الحاكم في هذه

стр. 265

المجتمعات هو الله ، أي أن الأمة هي مصدر السلطات كما تعارفت على ذلك الدساتير والأنظمة والنظريات التي تسود أغلب أنحاء الدنيا في العصر الذي نعيش فيه. وللوهلة الأولى تبدو هذه الدعوى ذات سلطان ديني يصادر تفكير الذين يختلفون مع أصحابها حول هذا الموضوع، فمن ذا الذي ينكر حكم الله؟ ومن ذا الذي يجادل ويماري في انتفاء سلطات الأمة أمام سلطان المولى ؟. هذا النفر من العاملين والمشتغلين بالدراسات الإسلامية السياسية عندما يقررون أن نظرية الإسلام السياسية تختلف جوهريًا مع الديمقراطية السياسية لأن الديمقراطية هي حكم الشعب والأمة والسلطة فيها للشعب، على حين أن السلطة في الإسلام كما يقولون هي لله إذ هو الحاكم والحاكمية له ولا حاكم إلا الله. وهم بقولهم هذا يجعلون صاحب السلطة السياسية في النظام الإسلامي الحاكم وكيلاً عن الله سَوَاءً صَرَّحُوا بِذَلِكَ أَمْ لَمْ يُصَرِّحُوا، لأن الحاكم هو في النهاية منفذ شريعة ومطبق قانون، وهو في عمله هذا إنما ينوب عن صاحب السلطة الأصلي في المجتمع، فإذا قلنا أن السلطة لله كانت دينًا ووحيًا ومن ثم كانت سلطة دينية وكان متوليها حاكمًا بالحق الإلهي ونائبًا عن الله وخليفة له وظلاً. أما إذا قلنا كما هو الحال في الفكر الديمقراطي، بأن صاحب السلطة الأصلي هو الشعب كان متوليها نائبًا عن الأمة ووكيلاً عنها أو شبه وكيل، وكان مسؤولاً أمام الأمة التي لها الحق في محاسبته ومراقبته وعزله إن هو أخل بشروط عقد البيعة والتفويض والاختيار، «على حين أن السلطة التي يزعم أربابها أن الحاكم في السياسة والاقتصاد هو الله، وتحدد بأنها تحكم باسم الله ونيابة عنه لا عن الناس». «وفي رأي هؤلاء الباحثين أن محور نظرية الإسلام السياسية يتمثل في نزع جميع سلطات الأمر والتشريع من أيدي البشر لأن ذلك أمر مختص به الله وحده، ولما كانت الديمقراطية، السلطة فيها للشعب فلا يصح إطلاق كلمة الديمقراطية على نظام الدولة الإسلامية بل أصدق منها تعبيرًا كلمة الحكومة الإلهية». انتهى.

стр. 266

المَفْهُومُ الإِسْلَامِيُّ لِلْحَاكِمِيَّةِ: يتضح من الأقوال السابقة والتي نقلناها من كتاب الدكتور (عمارة) بالحرف ما يأتي: ١ - ينسب إلى بعض العلماء والفقهاء المسلمين المعاصرين أنهم يستخدمون اصطلاح الحاكمية لله بمعنى الحكومة الإلهية، وهذا غير صحيح على إطلاقه. ٢ - يخلطون بين السلطة والتشريع، ويرتب على ذلك اتهامه لمن يقولون: إن الحاكم في السياسة والاقتصاد هو الله، بكونهم يريدون أن يحكموا الناس بالسلطان الإلهي المقدس المعروف في الكنيسة ولا يحكمون نيابة عن الناس. ٣ - يخلطون بين مفهوم نظرية الإسلام السياسية المتضمن التزام المسلمين بنصوص القرآن والسنة في أمورهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبين سلطة الشعب في النظام الديمقراطي. وفيما يلي بيان هذه الأمور بإيجاز: أَوَّلاً: بَيْنَ الحُكُومَةِ الإِلَهِيَّةِ وَحَاكِمِيَّةِ اللَّهِ: لقد كان من أثر انحراف رجال الدين في أوروبا أن زعموا أنهم مفوضون عن الله في حكم الناس، وأنهم ينوبون عن الله في التشريع والتحليل والتحريم، وبالتالي بيدهم حق إدخال الجنة وحرمان الناس منها وإدخالهم النار، وهذا ما عرف باسم صكوك الغفران والحرمان. وقد نشأ عن ذلك ما عرف باسم الحكومة الدينية أو «الثيوقراطية» التي حرقت العلماء وصادرت حريات الناس باسم الحق الإلهي سالف الذكر. ولقد جاء بعض الغافلين عن حقيقة الإسلام وحاولوا وصف الحكم الإسلامي بالحكومة الإلهية أو الدينية، قال ذلك الشيخ (خالد محمد خالد) في كتابه " من هنا نبدأ "، ولكن بعد ثلاثين عَامًا أعلن خطأه في كتاب صدر سنة ١٩٨٢ باسم " الدولة في الإسلام ". ولكن الدكتور (عمارة) يعود إلى ما انتهى إليه سلفه، ويتجنب البداية الأولى الخاطئة والتي لم يستطع منصف من اليهود أو النصارى أن يقول بها، لكنه يرى أن هذا الخلط عند بعض المعاصرين وهذه أقوالهم التي تثبت عكس ذلك. ١ - فالإمامان أبو الأعلى المودودي، وسيد قطب، هما أشهر من استخدم مصطلح «الحَاكِمِيَّةِ لِلَّهِ»، ولكنهما لم يتركا المجال للربط بين هذا المصطلح وبين نظام الحكومة

стр. 267

الدينية في أوروبا، ولكن الدكتور عمارة قد نقل فقرات من كتاب " معالم في الطريق " عن حاكمية الله، وربط بينها وبين الحكومة الدينية في أوروبا، بينما الإمام سيد قطب يقول في كتابه " معالم في الطريق " ص ٦٠: «ومملكة الله في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم - هم رجال الدين - كما كان الأمر في سلطان الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة، كما كان الحال فيما يعرف باسم " الثيوقراطية " أو الحكم الإلهي المقدس!! - ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة، وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة». ويقول، ويبين المقصود بحاكمية الله: «الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم، فيقومون منهم مقام الأرباب ويقوم الناس منهم [مكان] العبيد ... أو بالتعبير القرآني الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (١). ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٢). ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٣)». هذا هو مفهوم الحاكمية عند الأستاذ سيد قطب ﵀ ولكن عبارة الأخ الدكتور (عمارة) ومن أخذ عنهم، يجب أن تضم إلى هذه الأقوال. ٢ - والإمام المودودي يوضح مفهوم خلافة الإنسان في الأرض بقوله: «إن الإسلام لا ينوط أمر الخلافة بفرد من الأفراد أو بيت من البيوت أو طبقة من الطبقات بل يفوض أمرها إلى جميع أفراد المجتمع الذي يؤمن بالمبادئ الأساسية من التوحيد والرسالة. وإن هذا هو المقام الذي تنشأ فيه وتبتدئ منه فكرة الجمهورية في الإسلام، فكل واحد من أفراد المجتمع الإسلامي له نصيب من الخلافة وحق في التمتع بها، وهذه الحقوق سواءً فيما بين جميع أفراد المجتمع كأسنان المشط، لا يحل لأحد أن يحرم هذه الحقوق من شاء من أفراد المجتمع، فالظاهر أن كل حكومة تتهيأ لتسيير دفة هذه المملكة وإدارة أمرها، لا تتألف ولا تشكل إلا بآراء الجمهور وتأييدهم ومشورتهم، فمن نال رضاهم وحاز ثقتهم ينوب عنهم في القيام بواجبات الخلافة، ومن فقد ثقة أفراد المجتمع به، لا مندوحة له عن اعتزال هذا المنصب الجلل» (٤). وهذا هو معنى الحاكمية للهِ إذ يجعل للناس سلطة اختيار الحاكم ولكنه يقيده بالقرآن والسنة وليس في أقواله الأخيرة هذا الغموض الذي استند إليه الدكتور.

стр. 268

ثَانِيًا: السُّلْطَةُ لِلْأُمَّةِ وَالتَّشْرِيعُ مِنَ اللَّهِ: لقد ربط الدكتور (عمارة) بين سلطة الأمة في تعيين الحاكم ومحاسبته وعزله، وبين الحق الإلهي المقدس في أوروبا والذي يجعل البابوات أصحاب السلطان والتشريع ولا سلطات للأمة ولهذا قال: «إن من يقولون إن الحاكم في الاقتصاد والسياسة هو الله، يريدون أن يحكموا الناس بالسلطان الإلهي المقدس المعروف في الكنيسة ولا يحكمون نيابة عن الناس». إن الذين ينادون بحاكمية الله للبشر قد أوضحوا كما نقلنا عن المودودي وسيد قطب، عن أن الحاكمية لا تنطوي أبدًا على أن يباشر حكام بأعينهم سلطانًا من الله على الناس كما كان في أوروبا، بل تقوم الحاكمية لله بأن تكون شريعة الإسلام هي مصدر التشريع، ولا يختلف الفقهاء قديمًا وحديثًا في أن نظام الحكم في الإسلام يقوم على قاعدة أن السلطان للأمة أي الحكم لها، وذلك من خلال مبادئ ثلاثة هي البيعة والشورى ومحاسبة الحكام. وسلطان الأمة لا يعني أنها تشرع من دون الله، بل من خلال مبادئ القرآن والسنة بحيث لا يصدر تشريع يخالف هذه المبادئ. ثَالِثًا: السِّيَادَةُ بَيْنَ الإِسْلَامِ وَالعِلْمَانِيَّةِ: لقد ظهر اصطلاح معاصر يسمى نظرية السيادة أضفى عليها بعض الكُتَّابِ قدسية تعلو على ما يصدر عن الله تعالى. ويعرف البروفسور (ويسمن) السيادة بأنها «سلطة أصلية مكلفة غير محددة تهيمن على الأفراد والجماعات». كما تعرف بأنها «حق النفوذ والسلطان والأمر والنهي وما يتبع ذلك من جزاء» (١). هذه السيادة جعلها غير المسلمين للأمة وذلك كنتيجة طبيعية لنظام رجال الدين في أوروبا ولهذه ارتبطت بفصل الدين عن الدولة وجعل سلطة التشريع للناس وليس للهِ. ومن هذه النظرية نشأ النظام الديمقراطي فكانت الأمة هي مصدر التشريع ومصدر السلطات.

стр. 269

ويرى الدكتور (عمارة) أن من ينادي من المسلمين بالحاكمية للهِ في الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية إنما يعلنون هدم النظام الديمقراطي، لأن الديمقراطية تجعل السلطة للشعب، ونظام الحاكمية يجعل السلطة للهِ، ورتب على ذلك أنهم يطالبون بحكومة البابوات. وهذه الأقوال تتداخل فيها الديمقراطية كنظام سياسي يتمثل في تخويل الأمة حق اختيار الحاكم ورقابته، وهذه لا تتعارض مع النظام الإسلامي في هذا الخصوص بل الإسلام قرر ذلك وكانت أوروبا في ظلامها السابق. ويختلف الإسلام مع الديمقراطية كنظام ينبع عن نظرية السيادة للشعب وتتمثل في حق الشعب المطلق في التشريع بأغلبية أصوات النواب حتى لو أحل الحرام وحرم الحلال، فأباح الشذوذ والزنا كما هو قائم في بلاد أوروبية، بينما الحاكمية لله في الإسلام بمعنى: أن يلتزم الحاكم بشرع الله وهي تتعارض مع الديمقراطية في هذا الجانب فقط، والإسلام ليس هو النظام الوحيد الذي يضع قيودًا على الناس في أمر التشريع، فالماركسية تضع قيودًا على الشعب فلا يملك أن يشرع أمرًا يخالف المذهب الماركسي. الأنظمة الديمقراطية تضع قيودًا على السلطة التشريعية عند تعديلها لبعض القوانين، هذه القيود والاستثناءات تسمى أعمال السيادة، ففي مصر مثلاً كان من أعمال السيادة ما يصدر عن رئيس الجمهورية من قرارات، وكذا حتمية تمثيل العمال والفلاحين بنسبة ٥٠ % بمجلس الأمة، فلا يجوز المساس بهذين القيدين، ويوجد شبيه بذلك في دول أخرى عربية وأوروبية. فإذا نص القرآن الكريم على هيمنة تشريعات الإسلام وأحكامه الممثلة في القرآن والسنة على جميع التشريعات كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١). نقارن هذا النص وقول الدكتور (عمارة): «سنكون عندئذٍ قد عدنا بعقارب الساعة إلى فلسفة الحكم بالحق الإلهي على النحو الذي عرفته الفرس أيام كسرى وروما (*) وخطر تلك الفلسفة السياسية والقول بأن الحاكم ملتزم بالشريعة لأن العدول عن مبدأ (الأمة مصدر السلطات) سيحرر الحاكم بدرجات متفاوتة من قيد تستخدمه الأمة للحيلولة دون الشطط والاستبداد، كما سيفتح له الطريق كي يضفي عليه نفسه قداسة معينة وسلطة

стр. 270

ربانية تتنافى تمامًا مع روح الإسلام ونصل إلى أن الاستبداد يكون بمخالفة الإسلام». فأيهما نتبع، فلسفة الغرب ومن أخذ عنهم أم قول الله تعالى؟. فالدكتور (عمارة) يرى أن روح الإسلام هو في الالتزام بمبدأ الأمة مصدر السلطات وهذا يخول لأعضاء المجالس التشريعية أن يصدروا من القوانين ما يريدون حتى لو أباحوا الزنا والشذوذ الجنسي، كما هو حاصل اليوم في بعض دول أوروبا، ثم هل يكون الالتزام بشريعة الله وسيلة لإضفاء قدسية على الحاكم تمكنه من العودة إلى حكم كسرى وقيصر وحكم البابوات في أوروبا وهذا لم يقل به علماء الإسلام مع أن الذي يمكن الحاكم من هذا الطغيان هو نظرية السيادة، فالسلطة التشريعية للأمة التي يجعلها الغربيون بديلاً عن تشريع الله، فالنواب الذين يوصلهم بعض الحكام إلى المجلس التشريعي يضعون لهم ما يريدون من القوانين، لأنه لا يوجد أي قيد على التشريعات الصادرة عن هذا المجلس حيث أصبح أعضاؤه يمثلون الحق الإلهي المقدس الذي ظن العلمانيون أنه قد أبطلته نظرية السيادة للأمة. إن تقييد السلطة التشريعية بالقرآن والسنة النبوية أنفع للناس، فهما مصدران معلومان للكافة وليس فيهما ما يضفي قدسية على الحاكم بل ينفرد التشريع الإسلامي عن سائر التشريعات الوضعية في الشرق أو الغرب بتجريد الحاكم من كل قدسية وهيمنة وجعله كباقي البشر، بينما الأمر ليس كذلك في غير الإسلام. فضلاً عن ذلك فإن المسلم يعتقد أن حكم الله أصلح له في الدنيا ويدرأ عنه العذاب في الآخرة، وحسبنا قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ (١). وهل من مصلحة جماهير الناس أن يتنازلوا عن هذه الحماية التي كفلها الإسلام لهم، ويفوضوا المجلس التشريعي في أن يمارس الحق الإلهي المقدس لصالح فئة قليلة من أصحاب النفوذ والسلطان كما هو ملموس في عدد من البلاد النامية وغيرها. وأخيرًا إذا كان هؤلاء الناس يملكون نسخ تشريع الله باسم شعار الأمة مصدر السلطات، فهل لدى الدكتور (عمارة) دليل على أن الشعب المسلم قد اختار هذا بحريته أم أنه ليس هو مصدر السلطات؟. أمام هذا يلزم أن يحدد الدكتور (عمارة) قصده من قوله: «من ذا الذي ينكر حكم الله؟ ومن ذا الذي يجادل ويماري في انتفاء سلطات الأمة أمام سلطان المولى - سُبْحَانَهُ

стр. 271

وَتَعَالَى -» فهذا التقرير يتعارض مع ما انتهى إليه، كما يلزم أن يبحث معنا ومع غيرنا عن المقصود بالدعوة إلى تنقيح التشريعات بما يتلاءم مع الإسلام وهي التي تبناها مجلس الأمة في مصر والكويت والسودان وغيرها، ونتج عن ذلك صدور تشريعات في الكويت تتلاءم مع التشريع الإسلامي، ومنها نص الجزاء الذي عاقب على الزنا بعد أن كان القانون السابق مستمدًا من التشريع الغربي الذي يجعل ذلك من الحرية الشخصية، هل المقصود بذلك العودة إلى نظام الحكومة الدينية؟ أم يظل أمر اختيار الحكام ومحاسبتهم متروكًا للأمة على النحو المبين في القانون وما معنى إثارة موضوع الحكومة الدينية الذي لا يعرفه أحد من المسلمين؟ ومع هذا نشكره على قبوله النقد بصدر رحب. رَابِعًا: الدَّوْلَةُ بَيْنَ الحُكْمِ وَالقَضَاءِ: استعرض البعض آيات قرآنية وردت عن الحكم ومنها قول الله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ ...﴾ (١). قول الله لنبيه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٢). وقال: إن القرآن يستخدم مصطلح الحكم بمعنى القضاء لا بمعنى السلطة السياسية ويلتزم هذا الاستخدام حتى عندما يكون الحديث عن الدنيا. استشهد بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]. وقال: المعنى، يقضي بما يريد من تحليل وتحريم. وهذا التحليل يرتبط بالمقدمة السابقة وهي أن الحاكمية في المجتمعات إنما تكون للناس طبقًا للقاعدة القانونية الأمة مصدر السلطات. وقد أوضحنا خطأ هذه المقدمة وبالتالي فالنتيجة خاطئة أيضًا لأسباب أهمها: ١ - أن كلمة الحكم لها في معاجم اللغة عدة معان فترد بمعنى: أ - القضاء والفصل في الخصومات. ب - وبمعنى الحاكم والسلطات. ج - وبمعنى العلم والفقه والحكمة. ولكن الكاتب تعمد تجريد هذه الكلمة من أحد معانيها وهو الحكم والسلطان

стр. 272

ليصل إلى النتيجة التي يحاربها والتي تخول للناس حق التحليل والتحريم. ٢ - أنه لو جاز جدلاً أنه لا يوجد كلمة الحكم إلا معنى القضاء، فكل ذي حس وبصيرة يدرك ويعلم أن القضاء لا يتولاه الأشخاص إلا من خلال مجتمع له رئيس أيًا كان اسم هذا الرئيس، حاكمًا أو أميرًا أو خليفة أو سلطانًا، أو رئيس جمهورية أو غير ذلك. ٣ - أن النبي ﷺ كان هو رئيس المجتمع الإسلامي، وكانت عاصمته المدينة المنورة، وكان يجمع بين سلطة القضاء وسلطة رئيس الدولة، ثم أسند القضاء في بعض المناطق إلى قضاة عينهم لذلك بوصفه الرئيس الأعلى للدولة كما فعل الخلفاء من بعده مثل ذلك. وأنه بهذه الصفة أمره الله تعالى بالحكم بما أنزل الله. قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ...﴾ (١). ٤ - أنه من الخلط البين القول أن آيات الحكم الخاصة بالنبي ﷺ تعني قضاء القاضي وليس نظام حكم وسياسة المجتمع، لسببين: - الأول: أن القاضي لا يملك تنفيذ حكمه إلا من خلال دولة وسلطة تنفيذية، والنبي ﷺ كان حاكمًا قبل أن يكون قاضيًا، ولهذا أمره الله بجمع الزكاة جبرًا من أصحاب الأموال. قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ...﴾ (٢). وقد أسند النبي أمر جمع الزكاة إلى أشخاص خولهم هذه السلطة بصفته رئيسًا للدولة لا قاضيًا. - الثاني: أن الأوامر الصادرة إليه من الله بالحكم بالإسلام لم تصدر إليه بصفته قاضيًا مختارًا بل بصفته رئيسًا لدولة تضم المسلم وغير المسلم، لهذا كان التكليف هو: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٣). فالقضاء احد مقومات الدولة. ٥ - أنه ليس صحيحًا أن آيات الحكم الخاصة بداود وسليمان خاصة بالقضاء وليست بالحكم، فقد قال اللهُ عن داود: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ...﴾ (٤). فهذا النبي كان حاكمًا وقد كان سليمان صاحب ملك ودولة واسعة تضم الإنس والجن والطير، قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ (٥).

стр. 273

٦ - أنه لا ينكر غير المسلمين، أن النبي ﷺ قد أسس دولة عاصمتها المدينة المنورة، وأنه قاد الجيوش في حروب مع أعداء الإسلام وأبرم المعاهدات كرئيس لهذه الدولة، فكيف يقبل من مسلم أن يقول: إن آيات الحكم المتعلقة بالنبي تخاطبه بوصفه قاضيًا لا حاكمًا سياسيًا. والنتيجة أن مبدأ الأمة مصدر السلطات مقبولة في النظام الإسلامي، إذا طبق فيما يتعلق باختيار الحكام ومحاسبتهم وعزلهم، ويتعارض مع الإسلام فيما يتعلق بحق المجالس النيابية كسلطة تشريعية في التحليل والتحريم من دون الله تعالى (١).

стр. 274

الفهرس: الصفحة الموضوع ٥ - المقدمة. • الفصل الأول: غسيل المخ والتيارات الفكرية: ١٢ - الإسلام والأسرار الكنسية. ١٣ - المقدمات الخاطئة وجنة الطغاة. ١٣ - الإسلام الرأسمالي والماركسي. ١٥ - النكبة العربية الكبرى. ١٦ - العلمانية في ماضيها وحاضرها. ١٧ - وضع عميد الأدب العربي. ١٨ - كاثوليكية أمين عثمان. ١٨ - توبة خالد محمد خالد. ١٨ - التفسير العصري بين لبنان ومصر. ١٨ - دور لويس عوض. ١٩ - غسيل مخ المرأة بين الشيوعية والأمية. ٢١ - الإسلام المفترى عليه بين الشرق والغرب. ٢٢ - المادية الجدلية جهل وجاهلية. ٢٣ - المادية الجدلية تهدم المجتمع الشيوعي. ٢٥ - فشل الماركسية اقتصاديًا. ٢٥ - إنكار الدين. ٢٦ - اعتراف القادة السوفييت. ٢٧ - الخيانة الوطنية. ٢٨ - ولاء العرب لغيرهم خيانة وطنية. ٢٩ - غسيل مخ العرب والتيارات الفكرية الحديثة. ٣٠ - أعداء الدين في الماضي والحاضر. ٣١ - التيارات الحديثة في المجتمع. ٣١ - أولا: تيارات وافدة من الغرب. ٣٢ - ثانيا: تيارات وافدة من الشرق. ٣٤ - ثالثا: تيارات عربية محلية. ٣٨ - ماركسية نجيب محفوظ وكاثوليكية أمين عثمان. ٣٩ - تناقض يكشفه التطبيق الشيوعي.

стр. 275

الصفحة الموضوع ٤١ - السلف الصالح وجاهلية القرن العشرين. ٤٢ - الأنبياء بين الرجعية والتقدمية. ٤٣ - جاهلية القرن العشرين ولعبة المضللين: • الفصل الثاني: إشهار إفلاس العلمانية العربية: ٤٨ - أولا: الخلط بين الإسلام والحكومة الدينية. ٥٠ - ثانيا: الخلط بين نظام الخلافة وبين التشريع والمذاهب والأديان. ٥٢ - ثالثا: الخلط بين الإسلام والعلمانية. ٥٣ - رابعا: لعنة الله والحصانة للعلماء والقضاء. ٥٤ - خامسا: إزالة الشبهات عن الإسلام. ٥٤ - سادسا: الإسلام والفصل بين السلطات. ٥٦ - مفاهيم علمانية خاطئة. ٦٤ - الإسلام والحكم والفصل بين السلطات. ٦٧ - الأوروبيون وخصوم الإسلام. ٦٨ - الخلط بين نقد الإسلام ونقد دعاته. ٦٩ - الإسلام والفصل بين السلطات. ٧٢ - العلمانية الأوروبية والعلمانية العربية. ٧٥ - العقل بين الخلاف والاحتكام إلى السيف. ٧٨ - بين العقل وشيطان الحرية. ٨٠ - مستقبل العرب بين الإسلام والعلمانية العربية. ٨٢ - أوهام وتناقضات. • الفصل الثالث: الماركسية والواقع العربي. ٩٣ - هدم المخيال الديني وإقامة العلمانية. ٩٦ - العلمانية والثالوث اللاديني. ١٠٠ - ادعاء المساواة وحتمية الماركسية.

стр. 276

الصفحة الموضوع ١٠٢ - الشورى بين اليمين واليسار. ١٠٥ - المثقفون بين اليمين واليسار. ١٠٩ - اليسار الإسلامي بين الحقيقة والوهم. ١١١ - الوجه الشيوعي لليمن الجنوبي بين العلمانية واللادينية. ١١٦ - الثورة في الجزيرة والخليج. ١١٧ - نداء من اليسار العربي بامتداد الثورة في الخليج العربي. ١٢١ - بريطانيا وشيوعية عدن. ١٢٤ - دور الحزب الشيوعي المصري. ١٢٦ - موسكو بين اليهود والمسلمين. ١٣٣ - لينين والحركة الصهيونية. ١٣٦ - الجواب في " البروتوكولات " و" التوراة ". ١٣٨ - الصلة بين البروتوكولات والكتب المقدسة. ١٣٩ - هل يفيق اليسار العربي؟. ١٤٢ - تزوير المذهب المادي للتاريخ. • الفصل الرابع: القيم الأخلاقية بين الإلحاد والعلمانية: ١٤٧ - خطر الحرية الجنسية. ١٥١ - الدور النسائي في المخطط الأنجلو - صهيوني. ١٥٧ - إخضاع النفس للتجارب. ١٥٨ - المخطط الإسرائيلي وواجب العرب. ١٦٣ - أمية المثقف وحديث الصوم. ١٦٥ - إتلاف الخمور بين الشرعية القانونية والمصالح الفردية. ١٦٧ - أنقذوا كرامتنا المهانة باسم الفن والسياحة. ١٧١ - الغزو الماركسي للتاريخ والسيرة.

стр. 277

الصفحة الموضوع • الفصل الخامس: الفكر الإسلامي بين التأويل والتعطيل: ١٨٣ - الحكم جزء من العقيدة والنقاب ليس بدعة والرجم حد شرعي. ١٩٠ - خطاب مفتوح إلى رئيس الجمهورية حول مشاكل الأسرة. ٢٠٠ - قوانين الأسرة بين ضعف النساء وعجز العلماء. ٢٠٤ - الطلاق ومسؤولية القضاة. ٢٠٨ - تحديد موقف العلمانيين والقوميين والإسلاميين. ٢١٩ - حول الأخطاء الإصلاحية. • الفصل السادس: الحكومة الدينية بين الإسلام والعلمانية: ٢٢٩ - حقيقة الإسلام والعلمانية. ٢٣١ - الديمقراطية وغسيل المخ العربي. ٢٣٥ - الحقوق الضائعة بين السلطة والعلمانية. ٢٣٦ - وقفة موضوعية وأخوية مع العلمانية والوطنية. ٢٤٢ - خصائص الدستور الإسلامي. ٢٤٦ - وقفة موضوعية مع الدكتور محمد خلف الله. ٢٤٩ - وقفة أخوية مع الدكتور خلف الله: بين الإسلام وحكومة الكهنوت. ٢٥٦ - وقفة نهائية مع الدكتور محمد خلف الله: (النبي والدولة .. والاجتهاد والنص). ٢٦١ - القومية والقرآن العصري بين خلف الله وسيف الدولة. ٢٦٥ - براءة القرآن من أركسة القوميين. ٢٦٤ - الثيوقراطية بين الإسلام وحكومة رجال الدين. ٢٦٦ - حوار حول المفهوم الإسلامي لحاكمية الله. ٢٨١ - الفهرس.