← Общие книги

Общие книги · id 122393

تهافت العلمانية في الصحافة العربية

سالم البهنساوي

Полный текст (277 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١). الإجمال هنا في لفظ «أَخْرَجْنَا» فلم يبين المقدار، وجاءت السنة النبوية وفصلت ذلك في أقوال النبي ﷺ : «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ [بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ]» (فيما سقي بدلو أو راشية نصف العشر) (*)، كما فصل الزكاة ومقاديرها وكل هذا بوحي من الله. ٦ - أما اللفظ المشترك مثل «القَرْءِ» و «عَيْنٍ» لا يقال أنه يشمل جميع المعاني، فتشمل العين حاسة الرؤية وعين الماء وعين الركبة وعين الجاسوس وعين الشمس بل يصبح هذا اللفظ المشترك موقوفًا على بيان المعنى المقصود بالقرائن أو سياق الكلام. • بَيْنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ: إن آيات القرآن تشتمل على ألفاظ تحتاج إلى بيان، وإن بيانها يجيء في السنة وأكثرها آحاد، وكل ما ثبت من الأحكام عن طريق السنة النبوية المتواتر منها، والآحاد هو وحي من الله ولا يمكن بحال من الأحوال أن يقال إن سنة الآحاد غير ثابتة، وبالتالي فالحكم المأخوذ منها وضع بشري، أو أن يقال إن قطعي الدلالة من المتواتر هو الملزم وما عداه غير ملزم، فلا يقبل من أحد أن يقول بوجوب الصلاة على الحائض، بدعوى أن رفع هذا التكليف جاء عن طريق السنة النبوية، التي أمرت الحائض بقضاء الصوم ولم تأمرها بقضاء الصلاة. فقد جعل النبي ﷺ خبر الآحاد حجة في أمور الدين فأرسل آحادًا يبلغون أحكام الإسلام إلى الآخرين (٢) (**). فالصحابة: علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري، قد أرسلهم النبي ﷺ كُلاًّ منهم منفردًا إلى إقليم من أقاليم اليمن، لينقل إلى المسلمين أمور الدين وأحكامه، كما أرسل عَلِيًّا وحده إلى المسلمين في موسم الحج ليبلغهم الأحكام الواردة في سورة براءة وفيها ما يتعلق بالكفر والإيمان، كما أرسل آحادًا غير هؤلاء إلى قومهم لتبليغ أحكام الإسلام. فلو كان خبر الواحد الثقة العدل لا يصلح في هذا ولا يعد ثابتًا أو يقينيًا ما فعل ذلك رسول الله ﷺ ولنزل القرآن الكريم بذلك كما نزل في أمور أخرى منها عدم الاعتداد بأقل من أربعة شهود لإثبات جريمة الفاحشة.

стр. 212

ولهذا قال الإمام الشافعي: «اِجْتَمَعَ المُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَديثًا عَلَى تَثْبِيتِ خَبَرَ الوَاحِدِ وَالاِنْتِهاءِ إِلَيْهِ» (١). والألفاظ المجملة في القرآن والسنة المتواترة تفصلها سنة الآحاد ولا يمكن أن يقال إنها ليست وحيًا من الله تعالى، فقد حدد النبي ﷺ موضع قطع يد السارق، قطع اليد من الرسغين ولم يقطعهما من الكتف أو مفصل الذراع، فلا يجوز لأحد أن ينسب هذا إلى وضع البشر، ومن هنا قال الفقهاء: إن هذا حكم بالقرآن، وكذلك الحال في الصلوات الخمس والصيام وسائر الأحكام التفصيلية كلها دل عليها القرآن الكريم (٢). قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣). • الإِجْمَاعُ وَالمَصَادِرُ المُخْتَلَفُ فِيهَا: لقد ذكر الدكتور عصمت سيف الدولة أن الإجماع والقياس والاستحسان وكل ما جاءت بها من القواعد هي حكم بشري ينسب إلى من اجتهد فوضعه، وهذه المسألة كانت تحتاج إلى تفصيل وإلى تفرقة بين أنواع منها: ١ - إذا أجمع صحابة رسول الله ﷺ على حكم شرعي ورد أصله في القرآن مجملاً، وفي هذا قال الفقهاء: «كُلُّ مَا وُجِدَ فِي القُرْآنِ مِنْ حُكْمٍ مَنُوطٍ بِلَفْظٍ يَشْتَمِلُ عَلَى بَعْضِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ أَوْ وَرَدَتْ (السُّنَّةُ بِهِ) (فَالوَاجِبُ أَنْ يُحْكَمَ بِأَنَّ مَا حَصَلَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ أَوْ وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ) مَأْخُوذٌ مِنْ القُرْآنِ وَأَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِالِاسْمِ الْمَذْكُورِ فِيهِ وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] لَمَّا احْتَمَلَ اللَّفْظُ الجِمَاعَ وَاللَّمْسَ بِاليَدِ ثُمَّ رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ الجُنُبَ بِالتَّيَمُّمِ» فَالوَاجِبُ أَنْ يَقْضِيَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ (٤)». هذا والأمر بالتيمم للجنب. رواه النسائي في كتاب الطهارة - باب ٩٢: ١/ ١٧٠؛ و" عون المعبود " (**)، كتاب الطهارة، باب ١٢٣، ١/ ٥٢٨. ويدل أيضًا أن المراد باللمس الجماع وليس اللمس باليد، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ». فالإجماع هنا ليس اجتهادًا بشريًا.

стр. 213

٢ - وقد أورد الجصاص أمثلة أخرى عن الأخذ بالإجماع على حكم ورد بالقرآن غير معين المراد منه، كقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (١). فقال: «اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ القَوَدَ حُكْمٌ لِبَعْضِ المَقْتُولِينَ ظُلْمًا فَالوَاجِبُ بِأَنْ يَحْكُمَ بِأَنَّ القَوَدَ مُرَادٌ بِالْآيَةِ». ويسمى قودًا لأن الجاني يقاد إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوه أو تصالحوا على شيء أو عفوا عنه. ٣ - كذلك قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢). حدد مراد الله فيه قول النبي ﷺ : «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ» (٣). والحكم أن ما سقي من غير جهد من الإنسان فزكاته هي العشر، وغيره الزكاة فيه هي نصف العشر والإجماع على ذلك. هذا والقول بإجماع الصحابة على تخصيص الآيات القرآنية لا يراد به أن إجماعهم في ذاته هو الحجة ولو خالف القرآن، فالدليل المخصص هو سند الإجماع حسبما ورد في الأمثلة السابقة. • القِيَاسُ وَالاِجْتِهَادُ البَشَرِيُّ: ليس كل حكم مصدره القياس هو من اجتهاد البشر ووضعهم بالتالي يكون غير مفروض، فتوجد أحكام من هذا النوع التي يكون مصدرها المصالح المرسلة وتسمى المناسب المرسل، لأن علة الحكم فيها لم يرتب الشارع حكمًا بموجبها بل هي مرسلة لا يوجد دليل باعتبارها أو بإلغائها، مثل وضع الخراج على الأراضي الزراعية. ولكن الأحكام التي يكون مصدرها القياس الجلي وهو الذي يدل فيه النص على علته فلا تحتاج إلى اجتهاد بشري مثل تحريم الخمر الوارد في القرآن الكريم، فإن النبي ﷺ قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (٤). بهذا يأخذ حكم الخمر وهو التحريم لكل مسكر من السائل أو الجامد، ولا يمكن أن يقال إن النبيذ المسكر والذي لا يسمى خمرًا قد حرم باجتهاد بشري ويكون غير ملزم إلا إذا قبله الناس.

стр. 214

وبعد، فهذا التعقيب فيما ورد من حكم تعطيل سنة الآحاد لا يقصد به الدكتور سيف الدولة، فلم يتعمد ذلك. ولكن وجب تحديد المفاهيم حتى لا يستغل المرجفون عموم العبارات (١). حَوْلَ الأَخْطَاءِ الإِصْلاَحِيَّةِ: لقد نشر مقال لفضيلة الشيخ أحمد حمائي رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر (٢) تضمن أنني لم أكن محققًا ولا مدققًا أو متحريًا الحق فيما نسبته إلى الشيخ محمد عبده ومدرسته بشأن رد المعجزات النبوية الواردة عن طريق الأحاديث النبوية التي دونت بطريق الآحاد. ونسب إلى المقال أيضًا الإفتاء بخروج هؤلاء على الإسلام وكفرهم به، وهذه الفتوى تنسحب في نظره على صحابة أبرار قالوا: بأن الإسراء بالروح فقط ومنهم حذيفة ومعاوية وعائشة ﵃. الاِتِّهَامُ المُوَجَّهُ إِلَى الشَّيْخِ مُحَمَّدْ عَبْدُهْ وَمَدْرَسَتِهِ: لقد نسب إلينا المقال القول بأن الشيخ محمد عبده ومدرسته الإصلاحية ردت المعجزات النبوية وأولت النصوص الشرعية تبعًا للهوى ومسايرة للغرب. ثم دافع عنه لأنه «ليس في طائفتهم من ينكر معجزة أو يرده، مما ورد في القرآن أو جاءت به الأحاديث الصحيحة تواترًا أو آحادًا، وليس فيهم من يؤول المعجزات الواردة في القرآن بنص صريح بل فيهم من يعتبر ذلك ردة وكفرًا». ولقد أيد وجهة نظره بأقوال الشيخ محمد، رشيد رضا تلميذ الشيخ محمد عبده. ونود أن نؤكد أنه لم يرد في مقالي أن تأويلهم النصوص كان تبعًا للهوى، بل قلت: إنهم تأثروا في الغرب فسايروه في إنكار الإسراء بالجسد ظنًا منهم أنهم يدافعون عن الإسلام. وكنت أود أن ينقل لنا الأستاذ أقوالاً للشيخ محمد عبده تفيد أنه لا يرد المعجزات النبوية الواردة بطريق أحاديث الآحاد، لأن أقوال الشيخ رشيد رضا تعبر عن وجهة نظر شيخه، اللهم إن كان شيخه لم يصرح بخلافها، فما بالنا والشيخ محمد عبده قد تجاوز الحدود العلمية في تأويل المعجزات، وقد نقلنا هذا التأويل عنه وكان الأولى أن يناقش ذلك من خالفنا ليتضح هل رجمناه بالغيب عندما نسبنا له ذلك أم أن هذه أقواله.

стр. 215

لقد جاء في مقالي ما نصه: «وقد بدأ أصحاب هذا التيار برد المعجزات التي لم ينص عليها القرآن الكريم والسنة المتواترة، ولكن النتيجة الطبيعية لهذه البدعة هي أن هؤلاء العلماء أصبحوا يؤولون المعجزات الواردة في القرآن الكريم بنص صريح. فزعموا أن الإسراء كان بالروح فقط، وزعموا أن هزيمة أصحاب الفيل كانت عن طريق الرعب والخوف مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (١) ولكن الإصلاح الديني الذي أرادوه هو الزعم بأن هذه الطيور هي مرض الجدري والحصبة الذي جعل الجيش يولي هاربًا». وهذه تأويلات الشيخ محمد عبده كما نقلت عنه في " التفسير " وفي " الأعمال الكاملة " وكتابه " رسالة التوحيد " حيث قال: «لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُتَّخَذَ حَدِيثٌ مِنْ أَحَادِيثِ الآحَادِ، دَلِيلاَ عَلَى العَقِيدَةِ مَهْمَا قَوِيَ سَنَدُهُ». تَأْوِيلُ صَرِيحِ القُرْآنِ: والشيخ محمد عبده أَوَّلَ الملائكة والجن والشياطين، فقال عن الملائكة: «هِيَ نَوَازِعُ الخَيْرِ فِي أَنْفُسِنَا، وَعَنْ الشَّيَاطِينِ هِيَ نَوَازِعُ الشَّرِّ». (المرجع السابق: ج ٤ ص ١٤٣). والشيخ محمد عبده لا يجهل ما رواه الإمام مسلم عن ابن عباس ﵄ (في تفسر سورة الجن): ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١]. فقد جاء في الحديث النبوي: «وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ. فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: مَا لَكُمْ. قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالُوا: مَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ حَدَثَ. فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا. فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا». فالحديث صريح في أن الشياطين مخلوقات تتحرك وليست نوازع في النفس الإنسانية. والقرآن الكريم فيه آيات كثيرة تدل على أن الملائكة مخلوقات وكذا الشياطين، وأن لها حياة ومملكة ووظائف نكتفي هنا بقول الله في وصف إبليس: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ

стр. 216

أَبَى﴾ (١). وقال تعالى عن وظائف الملائكة: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ (٢). ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٣). كما يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (٤). كما يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ (٥). فهل هذه نوازع في النفس أم مخلوقات لها رسالة تتحرك لتحقيقها؟ تَحْقِيقُ أَهْدَافِ المُسْتَشْرِقِينَ: إن الذين يؤولون نصوص القرآن والسنة يخدمون أهداف المستشرقين، مع أنهم ما فعلوا ذلك إلا رَدًّا على هؤلاء الأعداء ودفاعًا عن الدين فيما يفهمون، فالمستشرقون تواتروا على ذلك وحسبنا هنا ما كتبه المستشرق (درمنجم) الذي نقل عن الدكتور (هيكل) في كتابه " حياة محمد "، فقد زعم هذا المستشرق أن أحاديث الإسراء والمعراج أساطير لم يرجح منها علماء الحديث رواية واحدة يعتمد عليها. ثم يقول الدكتور (هيكل): «وأحسبك لو سألت الذين يقولون الإسراء بالروح في هذا لما رأوا فيه عجبًا بعد الذي عرف العلم في وقتنا الحاضر من إمكان التنويم المغناطيسي للتحدث عن أشياء واقعة في الجهات النائية»، ثم يأتي الشيخ محمد مصطفى المراغي - وهو من المدرسة الإصلاحية - ويكتب مقدمة كتاب " حياة محمد " فيقول (*): «وعلم استحضار الأرواح فسر للناس شيئًا كثيرًا مما كانوا فيه يختلفون، وأعان على فهم تجرد الروح وإمكان انفصالها وفهم ما تستطيعه من السرعة في طي الأبعاد، وقد انتفع الدكتور هيكل بشيء من هذا بتقريب قصة الإسراء فأتى بشيء طريف». وإذا كان هذا اتجاه المستشرقين - وهؤلاء ظهروا حديثًا - فإن التبشير والمبشرين لم يكن معاصرًا لحركة المستشرقين بل يمتد إلى عصور الإسلام بطرق مختلفة، ومنها اختلاق أحاديث وروايات ونسبتها إلى بعض الصحابة والتابعين، ولذا لا يجب الاعتماد على كتب السيرة

стр. 217

والتاريخ إلا إذا تم تحقيق رواياتها كما حدث في كتب السنة النبوية. لهذا أظهر المخطط الصليبي ومفكروه وفلاسفته رضاهم عن اتجاه مدرسة محمد عبده وتشجيعهم لها، من ذلك قول (جِبْ) في كتابه " إلى أين يتجه الإسلام ": «لسوء الحظ ظل قسم كبير من المسلمين المحافظين ولا سيما في الهند لا يخضعون لهذه الحركات الإصلاحية المهدئة وينظرون إلى الحركة التي تزعمها مدرسة عليكرة بالهند، ومدرسة محمد عبده بمصر نظرة كلها ريبة وسوء ظن لا تقل عن ريبتهم في الثقافة الأوروبية نفسها» والإصلاح الذي ينشده المستشرق (جِبْ) أوضحه في نفس الكتاب إذ قال: «إن مشكلة الإسلام بالقياس إلى الأوروبيين، ليست مشكلة أكاديمية خالصة فحسب فإن لتعاليم الدين الإسلامي من السيطرة على المسلمين في كل تصرفاتهم ما يجعل لها مكانًا بارزًا في أي تخطيط لاتجاهات العالم الإسلامي ..». التَّطَاوُلُ عَلَى الصَّحَابَةِ وَتَكْفِيرِ المُسْلِمِ: لقد نسب المقال إلى صاحب هذه السطور أنه أطلق فتواه بخروج أصحاب المدرسة الإصلاحية عن الإسلام وكفرهم به. وبهذه الفتوى هل يصدق أن حذيفة ومعاوية وعائشة قد كفروا: «كما يستفاد من الفتوى، لأنهم قالوا: إن الإسراء كان بالروح فقط كما هو في " تفسير ابن جرير الطبري "». وجوابنا أن القاصي والداني يعلم أن بعض النصوص الشرعية قد ترد بلفظ الكفر أو نفي الإيمان، ولكن تفسر بأنه كفر النعمة أو الكفر المجازي وذلك مثل حديث «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»، لأن الله تعالي يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (١). ومثل حديث: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ ... مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ». فهنا المعنى لا يكون كامل الإيمان أي النفي هنا للكمال. والعبارة التي أخذت علينا هي: إذا ما أخبر النبي أن الله قد أرسل له جبريل فأخذه على البراق حتى وصل إلى بيت المقدس، ثم صعد به إلى السماوات العُلَى حيث فرض الله عليه الصلوات الخمس، ثم عاد، لا يقبل من مسلم أن يزعم أن هذا كان بالروح فقط. وهذه العبارة لا تؤدي إلى الحكم بكفر أصحاب المدرسة الإصلاحية بل معناه أن

стр. 218

المسلم الذي لا يشك في هذه الرواية التي وردت عن النبي لا يقبل منه أن يفسرها بما لا تقبله أساليب اللغة العربية. ولا ندري كيف ينسحب هذا الحكم إن جاز جدلاً، إلى الصحابة ﵃؟ لقد استخلص المقال أن من أنكر المعجزات وزعم أن الإسراء بالروح فقط من أصحاب المدرسة الإصلاحية كان كافرًا، وهذا لم يصدر عني صراحة أو ضمنًا، كما أن الكلام لا يتصل بالصحابة أبدًا، كما لا يؤدي إلى جعل السيدة عائشة ﵂ في زمرة المتهمين بتحريف الكلام كما يقول كاتب المقال. (الرد) في هذا استنتاج في غاية الغرابة وأسلوب مرفوض في الدفاع عمن أخطأ من أصحاب المدرسة الإصلاحية، وهذه مسألة لا تحتاج إلى مزيد من الإيضاح حتى لو كانت الروايات عن عائشة وبعض الصحابة صحيحة السند، لأن وصف أصحاب هذه المدرسة بتأويل النصوص كرد فعل لهجوم المستشرقين لا يمكن أبدًا أن يفهم منه أن من قال جدلاً إن الإسراء بالروح في عهد الصحابة يكون قد أَوَّلَ لنفس العلة. أما ما نقله الفخر الرازي من روايات عن حذيفة ﵁ من أن الإسراء والمعراج كان رؤيا فقط، وما نقله عن عائشة ومعاوية والحسن ﵃، ليس إلا روايات لابن إسحاق في " السيرة "، وبتمحيصها طبقًا لقواعد علم مصطلح الحديث يتبين أن ابن إسحاق قال: «حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ أَبِي بَكْرٍ»، ولا توجد معاصرة بينه وبين من روى عنهم لأنه قد مات في منتصف القرن الثاني الهجري، كما أنه لم يذكر اسم من روى عنهم، فتكون الرواية منقطعة وليست حجة في أي استدلال علمي. والرواية المنقولة عن معاوية أيضًا منقطعة إذ يوجد فارق زمني كبير بين يعقوب بن عقبة شيخ ابن إسحاق الذي روى عنه وبين معاوية المنسوب إلى هذا القول، وهذا الانقطاع يجعل الرواية ساقطة ولا يحتج بها علميًا. وحذيفة ﵁ نقل عنه ابن كثير في " السيرة ": (ص ٦٠) أنه وعمر وبعض الصحابة ﵃ يرون أن الإسراء والمعراج كَانَا أولاً رؤيا منامية تدريبًا وتيسيرًا على النبي ﷺ وتمهيدًا للرحلة الواقعية في اليقظة وهي رحلة الإسراء والمعراج الواردة في الكتاب والسنة. كما نقل ذلك عن " شرح الشفاء " للعلامة علي القاري: ج ١ ص ٤٠٥، ٤٠٧.

стр. 219

المرجع أيضًا " رسالة الإسراء والمعراج " للأستاذ محمد أنس مراد: ص ٥٨، ٥٩. وهذا يؤكد المعجزة فإن الثابت في " الصحيحين البخاري ومسلم " أن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الفِرْيَةَ». وفي الحديث الذي نقله الناقد، أنه ﷺ قال: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ التِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ ...». وهذا يؤكد أن النبي ﷺ أسري به بالجسد والروح، وأن عائشة هي التي روت هذا فكيف تروي مرة أخرى أنه بالروح، ولو حدث هذا فالرواية الأصح هي التي تقبل. ومع ضعف سند هذه الروايات فإن الشبهة التي يرون أنها دليل لهم هي قول الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (١). وقد أجاب الجمهور على ذلك أنها رؤيا عين، وأخرج ذلك " البخاري " عن ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية. والراجح أنها تتعلق برحلة الإسراء والمعراج كمشاهدة عملية، لأن الفتنة لا مجال لها إذا كانت رؤيا فهذا يحدث لجميع الناس ولا يكذبه أحد. أما ما ورد في بعض أحاديث الإسراء والمعراج من عبارات مثل: «بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ»، ومثل: «فَاسْتَيْقَظْتُ»، فلا يدل على الرؤية المنامية، لأنه كان ﷺ نائمًا فعلاً وجاء جبريل وأيقظه، وآيات سورة الإسراء تقطع بأن الرحلة ليست رؤيا منامية. لما كان ذلك فلا يجوز أن نأخذ هذه الأحداث من كتب التاريخ أو التفسير أو السير، لأنها لم تمحص مثلما محصت الأحاديث النبوية وكتبها، فقد كانت الأمانة تجعل أصحاب هذه الكتب مثل الفخر الرازي، ينقلون في كتبهم كل ما اتصل بعلمهم ولو كانوا يشكون في صحته، ولهذا نجد في هذه الكتب أقوالاً هي إسرائيليات ونسبت إلى بعض الصحابة أمورًا حول خلافهم وتنازعهم على الحكم والدنيا بصورة لا يمكن أن تصدر عن هؤالاء الذين ﵃، بل إن بعض هذه الكتب تنقل روايات تنسب إلى النبي ﷺ أمورًا لا تصدر عن الرعاع، مثل الإسرائيليات المنقولة عن قصة الحب المزعومة بينه وبين السيدة زينب بنت جحش حيث قالوا: إن الحب المزعوم هو سبب طلاقها والقرآن يكذبهم.

стр. 220

فهل يحتج بمثل هذه الروايات لوجودها في الكتب سالفة الذكر أو في بعضها؟ لقد نقل كُتَّابُ التاريخ والسير كل ما سمعوه أو قرأوه وفيه أقوال القصاصين والوضاعين وأهل الأهواء والمذاهب المختلفة، وبالتالي فهذه المصادر تحتاج إلى تحقيق مثل الأحاديث النبوية، لأن الراوي قد نراه مردودًا ومتهمًا في علم مصطلح الحديث بينما نرى روايته في كتب السير والتاريخ هي السائدة (١).

стр. 221

الفَصْلُ السَّادِسُ: الحُكُومَةُ الدِّينِيَّةُ بَيْنَ الإِسْلاَمِ وَالعِلْمَانِيَّةِ: • حقيقة الإسلام والعلمانية. • الديمقراطية وغسيل المخ العربي. • الحقيقة الضائعة بين السلطة والعلمانية. • خصائص الدستور الإسلامي. • خصائص الدستور الإسلامي. • مع علمانية الدكتور خلف الله. • القومية والقرآن العصري بين خلف الله وسيف الدولة: • الثيوقراطية بين الإسلام وحكومة رجال الدين. • حول المفهوم الإسلامي للحاكمية.

стр. 222

حَقِيقَةُ الإِسْلاَمِ وَالعِلْمَانِيَّةِ: بتاريخ ١٨/ ٧ / ١٩٨٦ نشرت " الأهرام " أقوالاً للدكتور فؤاد زكريا، تتعلق بالإسلام والعلمانية ورد فيها أنه لا يوجد تعارض بين الإسلام والعلمانية، فهي كتعبير تعرضت لسوء فهم شديد يسيء إلى سمعتها بإظهارها على أنها نقيض للإسلام، واستدل بأن مصر في الأربعينات كانت تسير في طريق علماني، وليس معنى ذلك أنه لم يكن زعماء مصر يؤدون فرائض الإسلام، وأن أوروبا اتجهت إلى العلمانية كرد فعل على التفكير الذي يتمسك بأقوال أرسطو ورجال الكنيسة، بينما كانت أوروبا تسعى للتوسع والسيطرة والتصنيع والعلوم وكان العائق هو التمسك بأفكار أرسطو والكنيسة، فلا يقال إن هذا التفكير الأوروبي ليس عندنا فلا داعي إذًا للعلمانية. لما كان ذلك وكانت هذه القضية تتردد بين الحين والآخر في كثير من المجتمعات العربية فتناولتها أقلام بهذا المفهوم الذي طرحه الدكتور (فؤاد زكريا) في ندوة نقابة الأطباء في مصر من ذلك ما نشر في صحيفة " الوطن " بالكويت بتاريخ ١٩/ ١١ / ١٩٨٢ و ١٨/ ٣ / ١٩٨٣ و ٢٣/ ٥ / ١٩٨٤ وكذلك ما نشر بصحيفة " الوفد " بتاريخ ١٢/ ٦ / ١٩٨٦ للدكتور وحيد رأفت، كل هذا كان يخلط بين الحكومة الإلهية في باريس وبين الإسلام، ثم استحدث الدكتور فؤاد زكريا تعريفًا للعلمانية لم ينسبه لأي مصدر من المصادر، وينطوي على إضفاء صفة العلم عليها، ومن ثم وجب أن نرد ما اختلف فيه إلى مصادره الأصلية وذلك على النحو التالي بإيجاز شديد: ١ - العلمانية هي ترجمة كلمة Secularism ومعناها كما جاء في " المورد " ص ٨٢٧ هو عدم المبالاة بالدين وبالاعتبارات الدينية، أي فيما يتعلق بالقواعد والنظم الاجتماعية فقد جاء في قاموس " وستر " ص ١٤٤٤ أن العلمانية هي قواعد غير مرتبطة بالقواعد ذات العلاقة بالكنيسة أو الأنظمة الدينية. وعلى هذا الأساس فالعلمانية تعني رفض القوانين التي يكون مصدرها الوحي الإلهي، فهي تحل الفواحش والربا ولحم الخنزير وسائر المحرمات الواردة بالقرآن الكريم، وفي

стр. 223

الكتب السماوية الأخرى كالأنجيل والتوراة، لمجرد أن مصدرها الدين طبقًا لما استقر عليه النظام العلماني بقاعدة فصل الدين عن الدولة. ٢ - ليس صحيحًا أن العلمانية تعني التفكير العلمي أو تقتصر على التقدم الصناعي والمعماري، فالعلم قد أثبت أن أكل لحم الخنزير يضر بالإنسان ويكفي أنه يولد الدودة الشريطية التي يصل طولها بأمعاء الإنسان إلى ثمانية عشر مترًا، كما أثبت العلم أضرار الفواحش وتمثل ذلك في أمراض الزهري والسيلان ثم أخيرًا مرض الإيدز، ومع هذا فالتشريعات العلمانية في أوروبا تبيح هذه الأمور والعلم يوجب خطرها أما أن الفكر الديني يناهض العلوم والتصنيع ولهذا لجأت أوروبا إلى المذهب العلماني فإن ذلك قاصر على أوروبا وحدها ولا ينبغي أن نتبع أوروبا في مشاكلها وأمراضها أو في علاج المشاكل والأمراض التي ليست في مجتمعاتنا، فالإسلام يطلق الحرية الكاملة في البحث العلمي وفي كل شيء يتعلق بالصناعة وغيرها مما يخضع للتجارب البشرية، فالنبي ﷺ قد قال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ [بِأَمْرِ] دُنْيَاكُمْ». والأحاديث والآيات القرآنية في هذا لا نكاد نحصيها. ٣ - إن ما عرف في أوروبا باسم الحكم الثيوقراطي أو الحكومة الإلهية، أمر لم يوجد في المجتمعات العربية ولن يوجد فيها، فإذا كان لرجال الدين في أوروبا في القرون الوسطى ما عرف باسم الحق الإلهي، الذي يخول لهم التصرف في الناس وفي التشريعات وفي أمور الحلال والحرام ثم يقولون: إن هذا من الله، وبالتالي كانوا يملكون صكوك الغفران والحرمان، كما قاموا بسجن أو حرق من بحث في العلوم الطبية أو غيرها من العلوم التجريبية فإن كل ذلك لا وجود له في الإسلام فهو لا يخول أحدًا من الناس في هذه الخصائص أو غيرها، كما أنه لا يفوض أشخاصًا بأعيانهم لتولي السطلة في الأرض أو لممارسة السلطة الدينية على الناس بل إن القرآن الكريم قد نزل لإبطال هذه المغالطات المنسوبة إلى الدين وإلى الله ﵎، فقد أعلن ذلك إلى الناس جميعًا، قال الله: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١). ٤ - إن تأدية بعض الزعماء للصوم والصلاة والنظم العلمانية ليس معناه أن هذه النظم لا تتعارض مع الدين، لأن التعارض بين الدين والعلمانية يكون فيما يتعلق بالتشريعات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية، لأن العلمانية لا تعني إنكار وجود الله والديانات كماهو الحال في الشيوعية، وقد سجل القرآن موقف أهل مدين في هذا الشأن من نبيهم شعيب في

стр. 224

قوله : ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (١). الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ وَغَسِيلِ المُخِّ العَرَبِيِّ: حَوْلَ الأُمَّةِ مَصْدَرِ السُّلُطَاتِ: نشرت جريدة " الأهرام " مقالاً للدكتور (يوسف إدريس) بعنوان " جولة في عقول القراء " وذلك بتاريخ ٥/ ١ / ١٩٨٥. وهذا المقال ذكر فيه لب الخلاف حول تطبيق الشريعة الإسلامية فقال: «لب الموضوع أن أحدًا لا ينادي أبدًا بعدم تطبيق الشريعة الإلهية الإسلامية، إنه يكون مجنونًا لو فعل ذلك، فالشرائع السماوية كلها وعلى رأسها الإسلام، فوق أنها أمر الله ، إلا أنها لم تأت إلا لتقيم العدل السياسي بمبدأ الشورى، والعدل الاقتصادي بمبدأ الزكاة، والعدل الاجتماعي بالمساواة التامة بين البشر. من هو المجنون الذي يعترض على شريعة الله؟». ثم قال: «إنما المشكلة أن الشريعة حقًا وصدقًا شريعة الله ولكن من يطبق تلك الشريعة؟ أليسوا هم البشر؟». وانتهى إلى أن نقد أقوال هؤلاء لا تعني الاعتراض على شريعة الله، لأن هؤلاء بشر يخطئون ويصيبون ليست لهم عصمة. ولقد ضرب مثلاً لذلك بالخلاف في تطبيق مبدأ الشورى أو الديمقراطية، فقال الدكتور يوسف إدريس: أ - يرى الأستاذ (خالد محمد خالد) حتمية تطبيق الديمقراطية حتى تكون الأمة هي مصدر السلطات. ب - وقال: يجيء شيخنا الأكبر الأستاذ (عمر التلمساني) ليعطي تفسيرًا مختلفًا باعتبار أن فكرة الديمقراطية نفسها فكرة غير إسلامية. ج - ثم قال: إن الأستاذ (عمر عبد الرحمن) يرى شيئًا ثالثًا مختلفًا تمامًا فيقول إن الأمة ليست مصدر السلطات. وانتهى الدكتور يوسف إدريس من ضربه لهذه الأمثال ولما يعرض في البرامج الدينية في

стр. 225

التلفزيون والإذاعة، انتهى إلى أنه اكتشف أن غسيلاً يجري للمخ العربي والمصري حول المفاهيم الشرعية، ونادى بعلاج هذه الظاهرة ونقدها لأن البشر الذين يطبقون الشريعة لا يتنزل عليهم الوحي من السماء حتى يكون رأيهم هو حكم الله الذي لا اعتراض عليه. الخِلاَفُ الرَّفِيعُ وَتَحْدِيدُ المَفَاهِيمِ: (١). لهذا وإذا قمنا نساهم في هذا الحوار فيجب أن نحدد سبب الخلاف، وأن نقبل جميعًا الحوار العلمي ورحم الله الإمام الشافعي إذ يقول: «رَأْيُنَا صَوَابٌ يَحْتَمِلُ الخَطَأَ وَرَأْيُ غَيْرِنَا خَطَأٌ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ». إن الخلاف القائم بين العلماء المعاصرين حول موقف الإسلام من النظام الديمقراطي، ليس نابعًا في حقيقته من عدم وضوح الحكم الإسلامي في هذه المسألة، بل نبع الخلاف من اختلاف هؤلاء في أمر الديمقراطية نفسها، ولهذا يقرر فقهاء الأصول في الفقه الإسلامي قاعدة هامة هي أن الحكم على الشيء فرع من تصوره. أ - لهذا فمن تصور الديمقراطية من جانب واحد هو أنها تخول أغلبية النواب الحق في إصدار التشريع الذي يرونه، حتى لو أباح الزنا والشذوذ كما هو كائن في بعض العواصم الأوروبية من تصور ذلك قال: إن الديمقراطية تتعارض مع الإسلام حيث أن أحكام الحلال والحرام وردت قطعية في القرآن والسنة ولا يحل التغيير والتبديل فيها حيث قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢) [الأحزاب: ٣٦]. ب - أما من تصور الديمقراطية من جانبها الآخر، هو أنها تخول الشعب عن طريق نوابه حق تعيين الحاكم ومحاسبته وعزله وحق إصدار القوانين فيما لا يتعارض مع الدستور الإسلامي، فقال: إن الديمقراطية نظام إسلامي واستند في ذلك إلى قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٣) وإلى قول النبي ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ

стр. 226

بِأَرْضِ فَلَاةٍ إِلَّا أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ» (١). وهذ الخلاف لا وجود له في ظل الدستور الذي ينص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، لأن من قواعد النظام الديمقراطي، قاعدة دستورية القوانين، ومن مقتضاها عدم جواز إصدار قانون يخالف الدستور، وعدم جواز إصدار لائحة أو قرار يخالف القانون، ولا يخفى على أولي الفقه والرأي أن كل أمة وكل شعب يضع لنفسه مقومات أساسية، ليتضمنها دستور هذه الأمة الذي يلتزم به النواب والحكام والقضاة، فلا يجوز إصدار ما يخالفه، ولهذا فالدول التي اختارت الماركسية مذهبًا اجتماعيًا يحظر دستورها إصدار قانون يخالف هذا المذهب. والدول التي اختارت المذهب الرأسمالي، يتضمن دستورها نَصًّا يحظر قوانين تخالف هذا المذهب أي تغير المجتمع ليصبح شيوعيًا. وعلى هذا الأساس فاختيار الديمقراطية في المجتمع الإسلامي يكون مسبوقًا بدستور ينص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، ويحدد حقوق الأمة وحقوق الحاكم وواجباته بما لا يخرج عن القواعد المجمع عليها بين فقهاء المسلمين، ومن بينها أن المال في الإسلام وظيفة اجتماعية فليس لأصحابه الحق المخول لنظرائهم في النظم الرأسمالية ولهذا فرض الإسلام الزكاة وحرم الاحتكار، وحمى حقوق الفقراء والمستضعفين في المال العام، وهذا ما عبر عنه النبي ﷺ بقوله: «لاَ حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ»، كما جعل الإسلام في المال حقوقًا أخرى غير الزكاة حسبما فصله الفقهاء المسلمون. ومن هذه القواعد أن تطبيق الإسلام لا يبدأ بالحدود وإنما يسبقه توفير المأكل والملبس والمسكن للمواطنين، وتوفير سبل تكوين الأسرة، ولهذا لم يقم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بإقامة الحد على اثنين من العمال سرقَا من مال مخدومهما لأنه لم يوفر لهما سبل العيش مما اضطرهما للسرقة. وأمير المؤمنين لم يوقف حد السرقة كما يفهم البعض خطأ، بل طبق الشروط والموانع الشرعية وبالتالي إعمالاً لهذه الموانع لم يطبع الحد على هؤلاء. الأُمَّةُ الإِسْلاَمِيَّةِ وَمَصْدَرُ السُّلُطَاتِ: إذا كان النظام الديمقراطي قد نتج عنه أن تكون الأمة هي مصدر السلطات، فإن تطبيق ذلك في مجتمع أغلبيته إسلامية لا يعني أن يصدر مجلس الأمة تشريعات تخالف

стр. 227

الأحكام الواردة في الشريعة الإسلامية، فكون الأمة مصدر السلطات يعني أن تكون عقيدة هذه الأمة هي المصدر الرئيسي للتشريع ولهذا فإنه في ظل الدستور المصري السابق والذي كان ينص على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، قضت محكمة النقض المصرية أنه «إذا خالف الحكم نصًا من القرآن أو السنة أو خالف الإجماع، فإنه يبطل - وإذا عرض على من أصدره أبطله - وإذا عرض على غيره أهدره ولم يعمل به» (نقض مدني ٢٣/ ٦ / ١٩٧٥ طعن ٢٥٨ م ٤٠ ق، ونقض مدني ١٣/ ١٢ / ١٩٧٢ " مجموعة الأحكام " ٢٣ ص ١٣٧٧). بالتالي تكون الأمة مصدر السلطات في تعيين الحاكم ومحاسبته وعزله وفي اختيار نوابها وفي التشريع فيما لا يعارض نصًا قطعي الدلالة في القرآن أو السنة النبوية. سُلْطَةُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ: لا جدال في أن البشر يختلفون في الفهم والإدراك والملكات الذهنية وينتج عن ذلك اختلافهم في فهم النصوص - سواءً نصوص القرآن والسنة أو نصوص الدستور والقوانين - ولكن يترتب على ذلك الاختلاف أن نقول: يعطل الدستور أو يُلغى العمل بالقوانين، والإسلام بقواعده الأصولية هو أول من عالج هذه المسألة، فكانت القاعدة الأصولية أن الأمور الخلافية تمتنع إذا صدر في شأنها حكم القاضي أو قرار الحاكم. وقد توصلت الدول المعاصرة حديثًا إلى إنهاء هذا الخلاف عن طريق درجات التقاضي أمام القضاء، حيث تحكم المحكمة العليا في الأمور المختلف فيها بين المحاكم حكمًا تستقر به النصوص محل الخلاف، وبعض الدول تحدد محكمة خاصة للفصل في تفسير النصوص عند الاختلاف في ذلك. كما أن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية لا يعني إهدار جميع القوانين المطبقة حاليًا أو تعطيلها فورًا: أ - إن ما مصدره الشريعة الإسلامية أو ما هو مطابق لها لا يحتاج إلى تشريع جديد. ب - وقسم آخر لا يخالف حكمًا مقطوعًا به في الشريعة الإسلامية وهذا أيضًا يعمل به دون حاجة إلى تشريع جديد. ج - وقسم ثالث يحتاج للحكم بعدم شرعيته بحثًا يقوم به فقهاء يجمعون بين فقه الشريعة وفقه القانون، وهذا أيضًا يظل العمل به حتى يصدر بشأنه تشريع جديد. د - وقسم أخير لا خلاف في أنه يخالف أحكام الشريعة الإسلامية كما هو الحال في جريمة

стр. 228

الزنا، حيث أن قانون العقوبات المصري نقلاً عن القانون الفرنسي لا يجعل الزنا وهتك العرض جريمة في ذاته بل يصبح جريمة إذا تم عن طريق الاغتصاب أو مع زوجة بغير رضا زوجها، ومثل هذه القوانين يجب إبطالها لأن المحاكم من تلقاء نفسها يفترض أن تحكم بعدم دستوريتها على غرار محكمة النقض سالف الذكر. ولما كان ذلك: فلا مجال لتأخير تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بدعوى أن البشر الذين يطبقونها لا عصمة لهم، لأن هذه العلة متوفرة عند تطبيق القوانين البشرية والتي لا تخلو من الثغرات والكثير من الخلافات، بينما نصوص الشريعة ممثلة في القرآن والسنة النبوية قد عصمها اللهُ من الأخطاء والثغرات، وما يحتمل الخلاف فيها إنما هو للتيسير على الناس، ويرتفع هذا الخلاف بموجب القواعد الشرعية إذا تبنى القاضي أو الحاكم رأيًا من الآراء الخلافية إذ يصبح هذا الرأي هو المعمول به ولا مجال للخلاف فيه. الحُقُوقُ الضَّائِعَةُ بَيْنَ السُّلْطَةِ وَالعِلْمَانِيَّةِ: (*) رد على الدكتور وحيد رأفت. بتاريخ ٦ شوال ١٤٠٦ هـ (١٢/ ٦ / ١٩٨٦ م) نشرت جريدة " الوفد " للأستاذ الدكتور وحيد رأفت بعنون " الانتماء والولاء لمن؟ "، جاء به إنه «قد حققت الجماعات الدينية المعتدلة نصرًا ملحوظًا في موضوع تطبيق الشريعة عندما عدلت المادة الثانية من الدستور الحالي الصادر في ١١ سبتمبر ١٩٧١، وذلك للنص فيها على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. ولقد تعهدت الحكومة ومجلس الشعب بأنه لن يصدر تشريع بعد ذلك مخالف للشريعة الإسلامية، هذا بالإضافة إلى مراجعة التشريعات القائمة جميعًا لتنسيقها مع أحكام الشريعة ... غير أن الجماعات الدينية ولا سيما المتطرفة لا تكتفي بهذا القدر بل تطالب أيضًا بأن يكون لها دور أو قول في تصريف الشؤون العامة، وذلك سواءً بالسماح لها بتشكيل أحزاب دينية وهو ما يرفضه قانون الأحزاب رقم ٤٠ سنة ١٩٧٧ حتى يومنا هذا سدًا للذرائع، وحرصًا عل الوحدة الوطنية من التمزق، أو سواءً باختراق بعض الأحزاب السياسية القائمة» كما جاء به أن التيار الإسلامي الذي يملأ الآن الساحة ... يريد فرض نفسه على أرض الواقع تحت شعار أن الإسلام دين ودنيا أو دين ودولة أو عبادات ومعاملات وعقيدة وشريعة، ثم يقول: «والحق أن أحدًا لا يحاول صرف رجال الدين أو المشتغلين بالدين عن إبداء رأيهم في الشؤون العامة الدنيوية ... وفي مصر

стр. 229

علماء الأزهر الشريف على مدى التاريخ كانوا ينادون بكلمة الحق على منابر المساجد وعلى صفحات المجلات الإسلامية ... وما من دولة أو نظام مهما بلغت سعة صدره أو سماحته يقبل أن يستغل رجال الدين أو غيرهم حق التعبير عن الرأي وحق النقد والخروج على القانون والتحريض على التمرد أو الثورة على النظام، وهذا للأسف ما سعت وتسعى إليه بعض الجماعات الدينية المتطرفة، باستخدامها المنابر من أجل الترويج لأفكارها ومعتقداتها، وتحت شعار تقويم المجتمع وإصلاح شؤونه، ومن هنا كان الاتجاه إلى منع بعض الدعاة المسلمين من الخطابة في المساجد وحرمانهم من ممارسة رسالتهم في الدعوة للإصلاح بطريقتهم الخاصة، فآداب الإسلام وتعاليمه فضلاً عن القوانين الوضعية تطالبهم بأداء هذه المهمة بأسلوب مهذب لا ينبغي إثارة الفتنة أو تجريح أشخاص بأعينم سواءً كانوا في الحكم أو خارجه، ولهم في رسول الله أسوة حسنة. ولقد اعتبر الكاتب هتاف بعض الشباب (مصر إسلامية) هو «خلط بين الانتماء الديني والانتماء الوطني، بينما لا يوجد تعارض بين الاثنين، فمصر لجميع أبنائها من المصريين»، انتهى. وَقْفَةٌ مَوْضُوعِيَّةٌ وَأَخَوِيَّةٌ مَعَ العِلْمَانِيَّةِ وَالوَطَنِيَّةِ: إن هذه القواعد التي يتبناها الأستاذ الدكتور وحيد رأفت، هي ما تردده جهات تتبنى الدكتاتورية لتحقيق مصالح خاصة محلية أو عالمية، ليست هي مصلحة الأغلبية الساحقة من المصريين. والدكتور وحيد رأفت يعلم أن الفكر العلماني الذي يدين به يقرر أن الحق ما تسفر عنه آراء أغلبية الشعب، فلماذا لا يلتزم ذلك إزاء الجماعات الإسلامية التي يقرر أنها تفرض نفسها على الساحة لأنها تملأها، ولكن ما قال به هو ترديد لجهات أخرى منها: أ - فعلى سبيل المثال كتب (يوجين روسو) الذي كان مستشارًا للرئيس (جونسون) لشؤون الشرق الأوسط، وأحد مخططي حرب يونيو ١٩٦٧: «يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول أو شعوب بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية ... إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي، فلسفته وعقيدته ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي بفلسفته وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي، ولا تستطيع أمريكا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية، لأنها إن

стр. 230

فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها». (نقلاً عن كتاب " معركة المصير " للأستاذ جلال العالم: ص ٨٧ إلى ٩٤). ب - ومن وسائل تنفيذ هذا التخطيط الأمريكي ما ورد في " مجلة الإرسالية الإنجيلية " التي تصدر في لندن بقلم الدكتور (نيكلوس) حيث يقول: «إن المسيحيين في العالم الغربي ينظرون إلى الدولة العلمانية على أساس أنها ضارة بمصالحهم، إلا أن علمانية الدولة في الشرق الأوسط تعتبر من النعم التي أنعم الله بها على الكنيسة، فالتشريع الحالي في مصر يعتمد أساسًا على قانون (نابليون) الذي يمنع تكوين أي حزب سياسي يقوم على أساس من الدين، إلا أن الضغط يزداد من أجل تغيير الشخصية العلمانية الأساسية للحكومة عن طريق تحكيم الشريعة الإسلامية». وينقل (نيكلوس) عن مقال (أريك رولو) في جريدة " اللومند " (*): «أن الموقف بالنسبة للتحدي المتمثل في المحافظة على العلمانية في مصر لا يدعو إلى الاطمئنان حيث حانت ساعة سقوط الدولة العلمانية، فالمتطرفون قد تم انتخابهم في نقابات العمال ورجال [الأعمال] والاتحادات الاجتماعية والثقافية». ج - من هذه الأقوال سواء التي وردت في مقال الدكتور (وحيد رأفت) أو (يوجين روسو) أو (نيكلوس) أو (رولو) أو ما كتبه المستشرق الإنجليزي (جب) في كتابه " [إلى أين] يتجه الإسلام " من أن المقصود من حمل العالم الإسلامي على الحضارة الغربية، هو أن تفقد الحضارة الإسلامية طابعها وأن يجري التعليم على الأسلوب الغربي وعلى المبادئ الغربية وهذا هو السبيل ولا سبيل غيره. إن هذه الأقوال جميعًا تنطوي على مغالطات في بعضها وفقدان الوعي في الجانب الآخر، بحقيقة الإسلام ومبادئه، وهذا ما نشير إليه بإيجاز في البنود التالية: • أَوَّلاً: التَّطَرُّفُ وَحُقُوقُ الجَمَاعَاتِ الدِّينِيَّةِ: إن حق التعبير عن الرأي والمعتقد سواءً الأفراد أو الجماعات الدينية أو غيرها يستند إلى ما سطرته الدساتير المحلية والعالمية نقلاً عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من كفالة الحرية الدينية والسياسية وغيرها، وذلك أمر مجمع عليه في دساتير الدول جميعًا فيما عدا الكتلة الشيوعية، وهو حق طبيعي للإنسان قبل الإعلان وبعده (١) فلماذا تصبح

стр. 231

المطالبة بمساهمة الجماعات الدينية في تصريف الشؤون العامة للبلاد بالقول أو الفعل من خلال الأحزاب أو الصحافة أو النقابات أو غيرها، نوعًا من التطرف أو يمزق الوحدة الوطنية؟ لماذا يحرم المتمسك بدينه من حقوق المواطن؟ إن مثل هذه المقولة والواردة في المقال تصادم حقائق وبديهيات منها: ١ - أن التطرف حسبما عرفه الدكتور (زكي نجيب محمود) في مقاله بـ " الأهرام " في ١١/ ١١ / ١٩٨٥ يكون «باتخاذ الإرهاب وسيلة لإرغام الخصوم، وهذا لا يلجأ إليه إنسان واثق بنفسه وعقيدته وإنما يلجأ إليه من به ضعف في أي صورة من صوره». والتطرف في " القاموس المحيط ": «هو تجاوز حد الاعتدال في المسألة»، فأين الإرهاب هنا يا قومنا. ولماذا تخشون تقديمهم للمحاكم المختصة قانونًا؟. ٢ - إن التطرف قائم في جميع بلاد العالم ولا يقتصر على بعض الجماعات الإسلامية، وعلاج هذا التطرف لا يكون بالحرمان من الحقوق كما هو الشأن في قانون الأحزاب رقم ٤٠ سنة ١٩٧٧ والذي يستند إليه الدكتور (فهمي هويدي) في صفحة الرأي بـ " الأهرام " بتاريخ ٢٠/ ٥ / ١٩٨٦: «إن القيود الموضوعية على شرعية العمل الإسلامي تصنف جميع الممارسات في مربع اللاشرعية، وتفرض حالة من الظلام والتعتيم وهي البيئة الطبيعية لنمو الأفكار المتطرفة ... وبالديمقراطية الحقيقية تطرح كل التيارات والأفكار بضاعتها في النور، ويجد كل اتجاه مكانه في المسيرة والشباب في المقدمة». ٣ - إن وجود تيارات إسلامية داخل الأحزاب السياسية القائمة أو من خلال أحزاب إسلامية لا يمكن أن يؤدي إلى نقض عُرَى الوحدة الوطنية، فالتيارات غير الإسلامية لها جماعات وأحزاب وصحف، ولا يعترض الإسلاميون على ذلك ولا ينبغي لهم على الرغم من حرمانهم من هذه الحقوق وهم يشكلون الأغلبية، فلماذا تصبح ممارسة هؤلاء وهم أقليات، أمرًا مشروعًا ولا يناقض الوحدة الوطنية وتكون مطالبة أصحاب الأغلبية بنفس الحقوق نوعًا من اللامشروعية أو تكون هدمًا لعرى الوحدة الوطنية؟ إنها الميكيافيلية بعينها وهي غاية صهيونية. ٤ - إن جوهر الرسالة الإسلامية والذي تطالب به الجماعات الدينية هو احترام الدستور لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وهذا لا يتعارض مع معتقدات المسيحيين الواردة في الإنجيل لأنه لم ينظم أحكام المعاملات والعقوبات، وبالتالي فهم يخضعون لما تخضع له

стр. 232

الأغلبية في كل بلد، والإسلام ينفرد عن سائر القوانين باستثناء هؤلاء في كل ما ورد في كتبهم المقدسة حتى لو كانت لا تندرج تحت الأحوال الشخصية كما في أحكام الخمر والخنزير. • ثَانِيًا: تَطْبِيقُ الشَّرِيعَةِ وَالوَحْدَةِ الوَطَنِيَّةِ: إن تعديل الدستور المصري في المادة الثانية والنص على الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع لم يكن مطلبًا للجماعات الدينية وحدها، بل هو مطلب الأغلبية الساحقة للمصريين مسلمين ومسيحيين، فإنه على الرغم من الدعايات الكاذبة ضد أحكام الشريعة الإسلامية، وعلى الرغم من المقالات العديدة التي نشرتها الصحف المصرية وفي مقدمتها " الأهرام " بالتحذير من تعديل هذه المادة وعلى الأخص ما كتبه الأستاذ (جمال العطيفي) في " الأهرام " وآخرها ١٤/ ٧ / ١٩٧١ مدعيًا أن التطرف يعوق حركة المشرع المصري التي بدأها نحو تقنين الثورة وقوانين يوليو الاشتراكية، إذ يصبح الباب مفتوحًا للطعن بعدم دستوريتها. وبالرغم مما كتب حول الوحدة الوطنية وتعرضها للانهيار عند تعديل هذا النص. فقد نشرت جريدة " الأخبار " في ١٥/ ٧ / ١٩٧١ أن اللجنة التحضيرية لإعداد الدستور الدائم، وافقت بالإجماع على أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. ذلك بناءً على إجماع الأغلبية الساحقة للشعب المصري وهذا ما أذاعه التلفزيون المصري في نشرة الساعة التاسعة من يوم ١٤/ ٧ / ١٩٧١ ونقلته الصحف في اليوم التالي. ودعوة تعرض الوحدة الوطنية للتمزق عند تطبيق أحكام الشريعة هي في حقيقتها تُسِيءُ إلى المسيحيين أنفسهم، لأن القوانين السائدة في أوروبا والتي يطلق عليها (يوجين روسو) و (جب) أنها الحضارة المسيحية، هذه القوانين تبيح الزنا وبعضها يبيح الشذوذ، وأضرارها عمت أوروبا وأمريكا وآخرها مرض الإيدز، والمسيحية بريئة من هذه القوانين فهي تحرم الزنا والفواحش، وجميع الأديان السماوية تحرم هذا الأمر. وكل ما ورد في الشريعة الإسلامية من أحكام تتعلق بالمعاملات لا يوجد ما يناقضه في عقيدة النصارى، وبالتالي ادعاء تمزيق الوحدة الوطنية هو كذب وافتراء، والذين يناهضون تطبيق الشريعة هم الذين يخشون أن تنالهم هذه الأحكام سواء فيما يتعلق بالسرقة من المال أو يتعلق بممارسة الفواحش الظاهرة والباطنة، أو يتعلق بمساوئ الحكام بالمحكومين في الحقوق والواجبات، والنصارى بريئون من الدفاع عن هذه المصالح والنزوات.

стр. 233

• ثَالِثًا: رِجَالُ الدِّينِ وَالشُّؤُونِ العَامَّةِ: إن ما أورده المقال من أن التيار الإسلامي يريد فرض نفسه على أرض الواقع، مع أن أحدًا لا يحاول صرف رجال الدين عن إبداء رأيهم في الشؤون العامة ولكن دون أن يستغلوا ذلك بالخروج على القانون والثورة على النظام، وهو ما سعت إليه بعض الجماعات الدينية المتطرفة باستخدامها المنابر من أجل الترويج لأفكارها ومعتقداتها. إن هذا الذي أورده الدكتور (وحيد رأفت) ينطوي على تناقضات كنا نود أن يتنزه عنها، وهو المسؤول الثاني في حزب الوفد ورجل القانون المشهور عالميًا، وذلك لأسباب أهمها: ١ - أن استخدام المنابر من أجل الترويج للأفكار والمعتقدات لا يمكن أن يوصف أنه ثورة على النظام أو تمرد أو خروج على القانون، فالدستور قد كفل حق التعبير عن الرأي وممارسة ذلك - سواءً من خلال المنابر أو الصحافة أو المؤتمرات - لا يعد خروجًا على القانون ولا ثورة على النظام، وكيف يكون ذلك هو الخروج على القانون مع فتح الباب للأعمال السرية؟ وكيف يصبح النهي عن المنكرات ثورة على النظام؟ ٢ - إن حزب الوفد يتبنى الدعوة إلى الديمقراطية وإلى احترام الدستور، والديمقراطية توجب العمل بما تتفق عليه الأغلبية، فلماذا يصبح الحَجْرُ على رأي الأغلبية سدًا للذرائع أو حفاظًا على الوحدة الوطنية، أو للحيلولة دون الثورة على النظام. والدستور الذي يكافح الوفد للذود عنه قد نص في مادته الثانية على أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وقد خالف نواب الحكومة هذا الدستور واختلقوا الأسباب الواهية للتنصل من تطبيق هذا النص، بينما عارضهم نواب الوفد، فلماذا يتغير موقف الرجل الثاني في حزب الوفد ولا ينزل على حكم الدستور وعلى الديمقراطية؟. ٣ - إن تعبير رجال الدين والاستشهاد بواقع هؤلاء في أوروبا ليس محلاً للقياس في مصر والبلاد العربية، لأن الإسلام لا يعرف هذا التعبير ولا اسم الحكومة الدينية والتي ظهرت في أوروبا حيث يكون أفرادها من الكهنة ورجال الدين الذين لهم حق التحليل والتحريم، ولهم عصمة عند أتباعهم حتى ابتدعوا صكوك الغفران والحرمان، وتحالفوا مع رجال الإقطاع ضد الشعوب وعاقبوا كل من مارس حقه في العلوم التجريبية، وكل هذه المفاسد ليست في النظام الإسلامي بل جاء القرآن لهدمها وهو ما لا ينكره أحد من المنصفين الأوروبيين. وبالتالي

стр. 234

فقصر حق النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على بعض أشخاص تعينهم وزارة الأوقاف ثم يسمون برجال الدين أمر يخالف الإسلام والدستور وكل المبادئ الإنسانية. وهذا الحق وهو النصيحة مكفول للجميع ولا يقتصر على الوعاظ الرسميين، فما بالنا وهؤلاء الوعاظ تصدر لهم التعليمات لمباركة كل ما يصدر عن الحزب الحاكم بغض النظر عن موافقته للدستور من عدمه، وعن مناهضته للدين والأخلاق من عدمه، حتى نص القانون على تحريم بعض الوعاظ لنقدهم لأي قانون في البلاد، ويدخل في ذلك القوانين التي تحمي الربا وتبيح تحريم الزنا، وفي ذلك مصادرة على أبسط الحقوق الإنسانية، ومناهضة النظام الديمقراطي الذي يخول نواب الشعب حق سن التشريعات وحق محاسبة الوزراء والمسؤولين واستجوابهم، فإذا لم يسمع هؤلاء وغيرهم كلمة الحق والنصيحة الخالصة فيما يشوب التشريعات من أخطاء وثغرات وذلك للعمل على تعديلها بالطرق القانونية. إذا لم يسمعوا هذه النصيحية تنفيذًا لهذا القانون، فيكون أمر الحكومة الدينية في أوروبا قد عاد من جديد في ثوب تنكري خداع، ينطوي على عصمة كل ما يصدر عن الحزب الحاكم فهو وصكوك الغفران سواء. ٤ - إن قيام البعض بتجريح الأشخاص لا يقتصر على المنابر، بل إن الصحافة أكثر تأثيرًا وانتشارًا، ولم يقل أحد بمنع فئات من الكتابة في الصحف لاحتمال صدور هذا منهم أو إثارتهم للفتنة، ولكن الدكتور يضفي شرعية لهذا الإجراء الخاطئ بأنه سد لذريعة إثارة الفتنة وتجريح الأشخاص، وهو نفس الاتهام الذي يوجه إلى صحيفة " الوفد " من الصحف القومية فيما تقوم به من نقد للإصلاح. فهل يعطي هذا شرعية بإصدار قانون لسحب ترخيصها أو منع رئيس تحريرها من الكتابة؟ أم يحال المخالف إلى القضاء؟ وختامًا ... فكان الأولى للكاتب الكبير وبصحيفته أن تمتد مطالبتهما بالحريات إلى حرية الجماعات الإسلامية في ممارسة ما كفله الدستور لغيرها لأن الجميع يشتركون في صفة المواطنة (١). إن هذا يقوم به رئيس التحرير الأستاذ (مصطفى شردي)، ومدير التحرير الدكتور (جمال بدوي) وكذا الأستاذ الدكتور (محمد عصفور).

стр. 235

خَصَائِصُ الدُّسْتُورِ الإِسْلاَمِيِّ: الدستور من الناحية الموضوعية هو القواعد الضابطة للسلوك الاجتماعي، ومن هذا المنطلق يكون القرآن هو دستورنا لأنه اشتمل على هذه القواعد وأحالها على السنة النبوية لتفصيلها في قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١). لكن من ينظر إلى التعريف الشكلي للدستور المتضمن هذه الوثيقة التي تحدد شكل الحكم وحقوق الحاكم وعلاقة السلطات الثلاث ببعضها البعض، قد لا يقبل شعار «القُرْآنُ دُسْتُورُنَا». ونحن نرى أن الدستور الإسلامي هو الصحيفة أو البيان الذي أعلنه النبي ﷺ لقيام حكومته بالمدينة وحدد فيه حقوق الدولة والأفراد من مختلف الأديان. والدستور الإسلامي بالمعنى الشكلي أو الموضوعي ليس له مصدر واحد، لأن المصدر الرئيسي هو القرآن الكريم ويليه السنة النبوية ويليها أعمال الخلفاء الراشدين ومذاهب الأئمة. ولكن المصدر الثالث والرابع لا استقلال لهما بل يكشفان عن المبادئ من خلال المصدر الأول والثاني، أي الكتاب والسنة. ويتميز الدستور الإسلامي بأمور أهمها: ١ - أن الحكم لله ولذلك لا طاعة للحاكم ولا للقانون فيما خالف القرآن والسنة. ٢ - أن الشورى هي أساس الحكم. ٣ - أن الحاكم لا يتميز بشيء من الحقوق. ٤ - أنه حدد غاية الدولة ورسالتها فلا يخضع ذلك لسلطة الأمة. ٥ - أنه ليس من عند البشر، فقد كفل حقوق الفرد كما كفل حقوق المجتمع، فليس فيه عيوب المذهب الفردي أو الجماعي. الدُّسْتُورُ الإِسْلاَمِيُّ بَيْنَ الدَّسَاتِيرِ الحَدِيثَةِ: إن ما يهمنا كمسلمين نلتزم بتقييم الحياة من خلال مبادئ الإسلام، هو أن نصنف الدساتير في العالم إلى أنواع ثلاثة حسب الواقع الحالي وهي: • الدساتير الخاصة بالدول الغربية، وهي تقوم على أساس نظرية السيادة، ومؤداها أن الأمة

стр. 236

هي مصدر السلطات وبالتالي يملك ممثلوها وضع التشريعات التي تتفق عليها أغلبية المجالس التشريعية. • الدساتير الخاصة بالدول الشيوعية، وهي تقوم على أساس الالتزام بالماركسية، فلا يملك ممثلو الأمة الخروج عليها. وهذه لا مجال للمقارنة بينها وبين الإسلام، لأنها تنكر الأديان. • دساتير الدول الإسلامية، ونعني بها التي بها أغلبية مسلمة، وتتضمن دساتيرها نصوصًا مؤداها أن الدولة دينها الإسلام، وهو مصدر رئيسي للتشريع، كما تتضمن دساتيرها أيضًا أن السيادة للأمة وهي مصدر السلطات. لهذا يهمنا كمسلمين أن نبين مضمون نظرية السيادة وهل تتعارض مع الإسلام أم تتفق معه، والأدلة على ذلك بإيجاز. الإِسْلاَمُ وَنَظَرِيَّةُ السِّيَادَةِ: هذه النظرية كما يعرفها فقهاء القانون الدستوري، هي سلطة أصيلة مطلقة عامة غير محددة، تهيمن على الأفراد والجماعات. وقد وقف منها علماء المسلمين في عصرنا موقفين متعارضين، فأغلبية منهم يعتبرونها نظامًا إسلاميًا لقول الله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١)، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٢). بل منهم من يصرح بأن الأمة مصدر جميع السلطات. والخطأ في ذلك هو هذا الإطلاق الذي يخول الشعب حق التشريع المطلق كما هو الحال في الغرب، بينما الإسلام يقيد ذلك بنصوص القرآن والسنة لقول النبي ﷺ : «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ»، ولقول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣). أما الطائفة الأخرى من علماء المسلمين فترى أنه لا وزن لرأي الأغلبية لا في الأمور التشريعية ولا في غيرها مما لم يرد فيه نص شرعي، مستندين إلى أقوال في الفقه تتضمن أن الشورى معلمة لا ملزمة. والخطأ في ذلك هو إعطاء الحاكم سلطة مطلقة استنادًا إلى قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٤). وقد أجاب الإمام البخاري على ذلك في قوله: «وَأَنَّ المُشَاوَرَةَ قَبْلَ العَزْمِ وَالتَّبَيُّنِ ...» أي في الأمور التي لم يتبين فيها للشرع حكم، تجب المشاورة ويلتزم الحاكم

стр. 237

بنتيجة الشورى. أما إذا تبين للشرع حكم فيكون العزم في تنفيذ هذا الحكم، وهذا ما فعله الخليفة الأول في شأن قتال مانعي الزكاة، وما فعله النبي والصحابة في غزوة بدر حيث نزل الرسول على رأي الحُبَابِ بْنِ المُنْذِرِ لعدم وجود وحي من الله وأن الموضوع متروك للرأي والحرب. كما نزل النبي على رأي الأغلبية في اختيار مكان موقعة أحد، وكان رأيه وكبار الصحابة البقاء بالمدينة وكانت ترى الأغلبية الخروج لملاقاة العدو فأخذ بذلك. شُبُهَاتٌ حَوْلَ الدُّسْتُورِ الإِسْلاَمِيِّ: وأما عدم وضوح الدساتير العربية في الالتزام الكامل بأحكام الإسلام فيما يصدر من تشريعات، فإن تيارًا شعبيًا يدعو إلى تغيير النص المتضمن أن الشريعة مصدر رئيسي للتشريع ليصبح «الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع». وقد أثار بعض الكُتَّابِ ممن ينتمون إلى الفكر الرأسمالي والفكر الماركسي شبهات حول هذا المطلب تركزت فيما نشرته الصحافة لبعضهم متضمنًا أن هذا التعديل ينقل سلطة التشريع إلى وزارة الأوقاف أو كلية الشريعة، وأنه يكفي لضمان سيادة الإسلام على التشريع أن نواب المجالس التشريعية مسلمون كلهم أو أكثرهم وكذلك الناخبون، كما قيل إن التعديل غير ديمقراطي. ونأمل أن يكون واضحًا أن كل شعب أو أغلبية لها عقيدة أو مبدأ تضع في الدستور نصًا باحترام هذا المبدأ بحيث لا يصدر تشريع مخالف له، ولا تكتفي الأنظمة بذلك بل تفرض ما يسمى بالرقابة الشعبية. فدستور الاتحاد السوفياتي، الذي التزم بالمبدأ اللينيني الماركسي، لم يكتف بذلك، فنص في المادة ١٤ من دستور عام ١٩٣٦ على اختصاص مجلس السوفيات الأعلى بالإشراف على تنفيذ الدستور، مع أن الماركسية التي يحميها من خيال االبشر وقد عدلوا عن كثير منها في روسيا والصين وأحزابهم بأوروبا كما نرجو أن يكون واضحًا أن وجود مثل هذا النص المقترح في دساتير البلاد الإسلامية لا يعني اختصاص الوعاظ بالأوقاف أو مدرسي الشريعة بوضع التشريعات المدنية والجنائية والتجارية والتأمينية، فليس في الإسلام رجال دين يملكون حق التشريع أو التفسير المطلق وليس أدل على ذلك من أن الإسلام يحيل إلى أهل الاختصاص. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١).

стр. 238

لهذا نجد في كل بلد إسلامي لجنة من المتخصصين في كل فرع من فروع القانون، ولكن يوضع أمامهم قاعدة الالتزام بالإسلام في كل تشريع. أما عدم ديمقراطية التعديل فهو تعبير مغلوط، لأن الديمقراطية هي حكم الشعب أي النزول على رأي الأغلبية. والأغلبية العظمى في البلاد العربية مسلمون، ويريدون حكم الإسلام بمن فيهم غير الملتزمين بجميع أحكامه، ولكن الأقلية هي التي تفرض التشريعات الإسلامية مخالفة حكم الله، والديمقراطية التي تتحصن خلفها. وهؤلاء الذين يريدون بهذه المقولة أن تظل هذه الميوعة في الدساتير العربية، لا يجهلون أن الدستور السوفياتي يمنع إصدار أي تشريع يتعارض مع الماركسية ومع هذا لم تتناول أقلامهم ذلك بالتعدي والاتهام بعدم الديمقراطية! كما يجهل هؤلاء أن بعض الدساتير العربية تتضمن الالتزام ببعض الأمور التي هي من وضع البشر وتخضع للخطأ والصواب، مثل تحديد اختصاص القضاء وإخراج أعمال السيادة من اختصاص المحاكم، وهذه الأمور ليست محل استهجان من هؤلاء الكُتَّابِ. تَوْجِيهٌ إِلَى الإِسْلاَمِيِّينَ: وأخيرًا نشير إلى أن بعض الفئات الإسلامية تظن أن الإسلام قد اشتمل على شكل محدد للدولة كالخلافة أو الإمامة أو الجمهورية، وكل فئة ترى أن الاسم والشكل الأخير هو نظام كفر. ونود أن ندرك جميعًا أنه لا يوجد نص في القرآن أو السنة النبوية يحدد هذا الشكل لأنهما تضمنا فقط قوعد عامة هي الالتزام بالشورى والعدل في حدود الإسلام. وليس أدل على ذلك من أن أبا بكر قد اصطلح الصحابة على تسميته (خليفة رسول الله)، ثم وافق نفس الصحابة على اقتراح عمر بن الخطاب في تسميته (أمير المؤمنين). فالعبرة بالمسميات والتزام الإسلام في جوهره وليس في شكلية يعتقدها بعضنا. فإذا ما التزم نظام الحكم بالتشريع الإسلامي كله وجبت طاعته ويحرم الخروج عليه بغض النظر عن الوصف الذي يضيفه على شكل الحكم، لأن الخروج شرعًا لا يكون إلا فيما حدده النبي بقوله: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا (ظاهرًا)، [عِنْدَكُمْ] مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» (١). فالمشرع يوجب أن نلتزم بأحكام الإسلام، ولا يطلب منا شكلاً فقط، كالخلافة أو الإمامة بينما يوجد تحت هذه اللافتة الظلم والفساد والانحراف.

стр. 239

وَقْفَةٌ مَوْضُوعِيَّةٌ مَعَ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدْ خَلَفْ اللهْ: في يوم الجمعة الماضي نشر للدكتور محمد أحمد خلف الله تصريحات خطيرة زعم فيها أن النبي ﷺ لم تقم له حكومة أو حكم بل إدارة أعمال وأن من يطالب بحكم الإسلام إنما يطالب بحكومة دينية لا وجود لها بعد النبي، وأن ما لم يرد في القرآن فلا نلتزم به أي لا يلتزم المسلم بالسنة النبوية، ثم عاد وادعى أن السنة لا يعمل بها، إلا إن كانت مبنية للنصوص القرآنية، غير قطعية الدلالة. إنه من التحريف البين لنصوص القرآن الكريم وأحداث السيرة النبوية ما زعمه الكاتب المجتهد في قوله: «لا نستطيع أن نسمي ما قام به رسول الله ﷺ بالحكومة فما قام به هو شيء من إدارة الأعمال أكثر منه حكومة، ولو كان حكومة في ذلك الوقت لكان ملكًا وهذا مرفوض من وجهة نظر النبي، ففي حياته عرض عليه الملأ من قريش أن يكف عن أعمال الرسالة ويعطوه الملك إن أراد حيث قالوا له: " إن كنت تريد ملكًا ملكناك "، فأبى إلا أن يكون رسولاً». هذا القول فيه تحريف ومغالطة وذلك على النحو التالي: - أولاً: صحيح أن الكفار قد طلبوا من النبي ﷺ أن يجعلوه ملكًا أو حاكمًا عليهم ورفض ذلك، ولكن سبب الرفض هو أنهم أرادوا أن يترك رسالة الإسلام مقابل الحكم، فليس صحيحًا أن الرفض سببه أن النبي ما جاء ليحكم، فقد قال الله تعالى لنبيه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١). وقال لنبيه داود: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٢). - ثانيًا: إن أحداث السيرة النبوية تؤكد أن النبي ﷺ قد أقام دولة المدينة المنورة، وليس صحيحًا أن ما قام به من هذا الشأن هو إدارة أعمال فقط، فالنبي ﷺ أقام دولة وحكومة بكل المقومات الحديثة للدولة. فإذا رجعنا إلى القوعد الدستورية الحديثة نجد أن الدولة لها مقومات ثلاثة: • الأول: شكل الحكومة ودعامتها: والإسلام حدد ذلك من قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ

стр. 240

شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (١). • الثاني: السلطات ومصدرها ومن يتولاها: والإسلام يجعل التشريع هو القرآن والسنة. • الثالث: حقوق الأفراد وحرياتهم: والإسلام قد كفل هذه الحقوق، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). والنبي ﷺ قد ضمن حقوق الإنسان في إعلانه بحجة الوداع إذ قال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا». كما أن النبي ﷺ بصفته رئيسًا للدولة وضع القانون الذي ينظم العلاقة بين المسلمين وغيرهم، وهذا الكتاب قد جاء به «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ أَنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ، المُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ وَهُمْ يَفْدُونَ عَانِيَهُمْ بِالمَعْرُوفِ وَالقِسْطِ». كما جاء بهذا الدستور: «وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ». إلى أن قال: «وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا (٣) بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ وَعَقْلٍ ... وَإِنَّهُ لَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لِقُرَيْشٍ وَلَا نَفْسًا وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ ... وَإِنَّكُمْ مَهْمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ مَرَدَّهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » (٤). - ثالثًا: المبادئ القانونية والتشريعية: ففي نطاق القوانين المحلية بين المؤمنين وغيرهم. والتي لم تصل إليها الدول إلا بعد أربعة عشر قرنًا. وتعرف باسم القانون الدولي الخاص. فإن الكتاب الذي وضعه النبي كدستور الحكومة بالمدينة تضمن أن المؤمنين أمة من دون الناس وأنهم متضامنون في الحياة الاجتماعية وفي أداء الديات، وأن هذه المعاهدة مفتوحة لمن أراد الانضمام إليها من غير المسلمين. وفي مجال تنازع القوانين حسم النبي الأمر فقرر ﷺ أنه عند اختلاف الديانات فالقانون الواجب التطبيق هو شريعة الإسلام إذا اختلف أصحاب هذه الديانة ولجأوا إلى محاكم المسلمين.

стр. 241

أما في نطاق اتصال الدولة بغيرها من الدول وهو ما يعرف حاليًا بالقانون الدولي، فالإسلام نظام عالمي تضمن المعاهدات الداخلية والمعاهدات بين الدول في السلم والحرب. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٣). - رابعًا: وأخيرًا تعلل الباحث بأمر آخر فقال: «لقد نص القرآن الكريم على أن محمدًا ﵇ هو آخر النبيين والمرسلين. ومعنى ذلك أن استمداد الحاكم السلطة من الله لمن يكون بعد وفاة النبي. فكل من جاء بعده وتولى الخلافة كان يستمد سلطته من الناس وليس من الله»، وقال: «ونستطيع أن ننظر في الخلافة فنرى الخليفة يستمد سلطته من الناس عن طريق البيعة، فإن كانت الحكومة الإسلامية التي تطالب بها الجماعات الدينية، هي الحكومة التي تستمد سلطتها من الناس فلا فرق كبير بينهما وبين ما تمارس به الحكومة اليوم من سلطات. وأما إذا كانوا يدعوننا إلى سلطة دينية فإن السلطة الدينية لا تكون إلا من الله وقد أعلن القرآن الكريم أن محمدًا ﵇ آخر الأنبياء وخاتم المرسلين، أي آخر الناس الذين يستمدون سلطتهم في إدارة شؤون الحياة من الله». إن هذا القول يخلط بين حكم الإسلام وبين الحكومة الدينية التي ظهرت في أوروبا وكانت تدعي أنها ظل الله في الأرض، وبالتالي فما يصدر عنها يكون تشريعًا من الله لأنها جاءت بسلطان من الله تعالى. وهذا الأمر يرفضه الإسلام جملة وتفصيلاً. والقاصي والداني يعلم ذلك. فالقرآن الكريم قد حذر من هذا السلطان الديني الكاذب وعده من أنواع الشرك بالله، وهذا ما قاله النبي ﷺ (*) لعدي بن حاتم: «أَلْقِ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ»، وَقَرَأَ عَلَيْهِ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١]، قَالَ عَدِيٌّ: «مَا عَبَدْنَاهُمْ». قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَمْ يُحِلُّوا لَكُمْ الحَرَامَ فَاتَّبَعْتُمُوهُمْ». قَالَ عَدِيٌّ: «بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ»، قَالَ:

стр. 242

«فَتِلْكَ عِبَادَتُكُمْ إِيَّاهُمْ». ولقد نص القرآن على أن الرسول هو خاتم النبيين وذلك ليمنع قيام مثل هذا السلطان الديني، فلا يملك أحد بعد النبي أن يشرع للناس بخلاف ما جاء في القرآن والسنة. وهذا هو الفيصل بين حكم الإسلام وبين ما يسمى بالحكومة الدينية، فحكم الإسلام هو تطبيق نصوص القرآن والسنة والتزام الحاكم والمحكوم بها وليس إعطاء قدسية لبعض الحكام يحلون ويحرمون من دون الله. فذلك هو الشرك مع الله كما جاء في القرآن وبينته السنة النبوية (١). وحسبنا ما كتبه الأستاذ الشيخ خالد محمد خالد في كتابه " الدولة الإسلامية " حيث اعترف بخطئه الفاحش فيما كتبه عن الحكم الإسلامي وأنه نوع من الحكومة الدينية في أوروبا وكان ذلك عام ١٩٥٠ في كتابه " من هنا نبدأ ". وقد بين أسباب انحرافه في هذا الفهم وساق الأدلة على أن الإسلام لا يعرف ما يسمى بالحكومة الوثنية وهذا ما نتناوله في المقام القادم إن شاء الله (٢). وَقْفَةٌ أَخَوِيَّةٌ مَعَ الدُّكْتُورِ خَلَفْ اللهْ: بَيْنَ الإِسْلَامِ وَحُكُومَةِ الكَهَنُوتِ: بتاريخ ١٩/ ١١ / ١٩٨٢ نشرت جريدة " الوطن " حديثًا للأستاذ محمد خلف الله تضمن أمورًا منها: أ - لا نستطيع أن نسمي ما قام به الرسول ﷺ بالحكومة، فما قام به هو شيء من إدارة الأعمال أكثر منه حكومة. ب - إن كان ما لم يرد في القرآن يكون غير ما أنزل الله، فنحن نفكر ونتعامل بعقولنا مع كل ما هو ناجم عن الفكر البشري وليس له أساس من كتاب الله، أي أنه لم ينزل من عند الله. ج - الحكم يجب أن يكون بما أنزل الله إذا كان ما أنزل الله قطعي الدلالة أو ما يبينه الرسول كان من القرآن الكريم غير قطعي الدلالة. لهذا ... وبتاريخ ٢٠/ ١١ / ١٩٨٢ أرسلت إلى السيد رئيس التحرير رَدًّا من

стр. 243

ثلاث مقالات: - الأولى: تضمنت أن النبي أقام دولة وحكومة شملت جميع مقومات الدولة والحكومة في الأنظمة الدستورية المعاصرة. - الثانية: تضمنت أن ما أنزل الله يشمل القرآن والسنة النبوية مَعًا وَأَنَّ قَصْرَ ما أنزل الله على القرآن وحده هو إنكار للسنة النبوية. كما أن ما جاء في القرآن غير قطعي الدلالة لا يتوقف العمل به على ورود حديث نبوي قطعي الدلالة. - الثالثة: تضمنت بيان الحكومة والسلطة في الإسلام والفرق بينها وبين الحكومة الدينية التي ظهرت في أوروبا. وأوضحت أن الإسلام لا يعرف هذا المفهوم الكنسي للحكومة. ولقد قامت " الوطن " بنشر المقالة الأولى في الصفحة الدينية يوم الجمعة ٢٦/ ١١ / ١٩٨٢ والمقال الثاني الخاص بالسنة النبوية يوم ٣/ ١٢ / ١٩٨٢ مصحوبًا بكلمة من " الوطن " بعنوان: " الدكتور خلف الله لم ينكر السنة " لأن ما ورد في حديث الدكتور يشير إلى أن الدين من عند الله ورسوله الكريم. وإن العبارة الواردة أن الدين لا يكون إلا من عند الله، فالمغزى منها واضح إذ يتجه القصد إلى اجتهادات المجتهدين والفقهاء وليس إلى أحاديث الرسول ﷺ . وفي اليوم المحدد لنشر المقال الثالث الخاص بالحكومة الدينية نشر بدلاً منه رد للدكتور محمد خلف الله عن الموضوع الخاص بهذا المقال الذي لم ينشر، فإذا كان هو حرية الدكتور خلف الله في الرد فإن ذلك يكون بعد انتهاء المقالات التي سيرد عليها أو نشر مقالي ورده مَعًا. لما كان ذلك وكان الدكتور خلف الله في رده قد طلب مني أن أجيب على أسئلة طرحها وطلب مني أن أهتدي بهدي القرآن الكريم لأخرج من الظلمات إلى النور وأهتدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. فإنني أوضح الحقائق التالية: أَوَّلاً: حَقِيقَةُ أَقْوَالِ الفُقَهَاءِ: إن جريدة " الوطن " ليست وكيلاً عن الدكتور خلف الله، ولا تملك أن تعبر عن قصده، فعبارته: «إن كل ما لم يرد في القرآن يكون غير ما أنزل الله» هذه العبارة في ظاهرها تفيد أن

стр. 244

السنة النبوية ليست ما أنزل الله، وبالتالي تسري بشأنها القاعدة التي وضعها وهي أن التعامل معها بعقولنا فنقبل منها ما تقبله هذه العقول التي تختلف باختلاف الزمان والمكان والأفهام والتأثيرات اليمينية واليسارية. وإذا كان الدكتور خلف الله يقصد أن أقوال ابن تيمية وابن القيم والمودودي وسائر الفقهاء ليست بذاتها من عند الله، وبالتالي لنا أن نجتهد فيها وأن نتعامل معها بعقولنا فهذا ما يقوله الصغير والكبير في الجماعات الإسلامية التي أشار إليها الدكتور. فأقوال الفقهاء تعرض على القرآن والسنة النبوية ولا تطاع إلا في حدود موافقتها لهما. ولكن سياق عبارة الدكتور خلف الله تشمل السنة النبوية كما تشمل أقوال الفقهاء. فكان عليه الإيضاح إن كان ما يقصده هو ما أجابت به جريدة " الوطن ". ثَانِيًا: طَبِيعَةُ الحُكُومَةِ الإِسْلَامِيَّةِ: أورد الدكتور في رده أن الخلفاء لا يخلفون الله من حيث أن الله لم ينص ذلك كما نص في خلافة داود. ومن حيث أن الخليفة يخلف غيره حين يغيب لمرض أو سفر أو وفاة وليس يصح شيء من ذلك بالنسبة إلى الله. وتساءل الدكتور: هل أملك أن أعين خليفة للهِ في أرض اللهِ من غير أن يأذن اللهُ؟. وأين هو الإذن؟ ولن أجيب على ذلك بما أوردته في المقال الثالث عن الحكومة الدينية التي كانت ظل الله في الأرض. لأن هذا قد أوقفت " الوطن " نشره. وإنما أحيل الجميع إلى المقال الأول المنشور يوم ٢٦/ ١١ / ١٩٨٢ حيث جاء به بالحرف: «إن قول الدكتور خلف الله يخلط بين حكم الإسلام وبين الحكومة الدينية التي ظهرت في أوروبا. وكانت تدعي أنها ظل الله في الأرض، وبالتالي فما يصدر عنها يكون تشريعًا من الله، لأنها جاءت بسلطان من الله تعالى. وهذا الأمر يرفضه الإسلام جملة وتفصيلاً، والقاصي والداني يعلم ذلك. فالقرآن الكريم قد حذر من هذا السلطان الديني الكاذب وعده من أنواع الشرك بالله وهذا ما قاله النبي ﷺ لعدي بن حاتم حين جاء يعلن إسلامه. فَقَدْ قَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ قَوْلَ اللهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، فَقَالَ عَدِيٌّ: «مَا عَبَدْنَاهُمْ». قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَمْ يُحِلُّوا لَكُمْ الحَرَامَ وَيُحَرِّمُوا عَلَيْكُمْ الحَلَالَ فَاتَّبَعْتُمُوهُمْ». قَالَ عَدِيٌّ: «بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ»، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُكُمْ إِيَّاهُمْ». انتهى (*)

стр. 245

ثَالِثًا: بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالحُكُومَةِ الدِّينِيَّةِ: قال الدكتور: «لقد كان محمد ﵊ يستمد سطلته من الله. فهل أمده اللهُ بسلطة غير سلطة النبوة والرسالة. وهل أمد الله خلفاء محمد ﵇ بمثل هذه السلطة؟». وطلب مني الدكتور أن أجيب. وجوابي أشرت إليه في المقال الأول على النحو السالف ثم قلت: «ولقد نص القرآن على أن الرسول هو خاتم النبيين وذلك ليمنع قيام مثل هذا السلطان الديني فلا يملك أحد بعد النبي أن يشرع للناس بخلاف ما جاء في القرآن والسنة. وهذا هو الفيصل بين حكم الإسلام وبين ما يسمى بالحكومة الدينية». وأما سلطة الحكم ففي البند التالي. ثم قلت: «الإسلام لا يعرف ما يسمى بالحكومة الدينية وهذا ما نتناوله في المقال القادم إن شاء الله». ولكن المقال لم ينشر. رَابِعًا: الحُكْمُ الإِسْلَامِيُّ وَالحُكُومَةُ الدِّينِيَّةُ: يقول الدكتور خلف الله: «أعتقد أن ما بيني وبين الأستاذ سالم البهنساوي قريب جِدًّا وأن الاختلاف يمكن أن يقضي عليه عندما نقف عند المفاهيم القرآنية ولا تتجاوزها إلى مفاهيم أخرى عصرية، لم يقصدها القرآن الكريم أبدًا. وأول هذه المفاهيم هو معنى الحكم الذي أشار إليه الأستاذ البهنساوي، وقدم الدليل عليه من القرآن الكريم حين أورد قول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١). ووقوف الأستاذ البهنساوي عند هذا الحد من الآية الكريمة هو الذي حال بينه وبين مفهوم كلمة الحكم من حيث أن كل الآيات التي وردت في القرآن الكريم لا تعني من هذه الكلمة الحكومة أو السلطة وإنما تعني بها القضاء بالعدل». ثم أورد آيات الحكم بما أنزل الله وعلق عليها بقوله: «إن الحكم في هذه الآيات جميعها، وفي كل آية وردت فيها هذه الكلمة لا يعني أبدًا غير الفصل في الخصومات بالأحكام الشرعية التي وردت في التوراة والإنجيل والقرآن. الحكم في القرآن كله لا يعني غير القضاء والفصل في المنازعات. والحكم في القرآن الكريم لا يعني أبدًا الحكم الذي يستمد سلطته من الناس وينشئ الحكومة التي تدير شؤون الحياة في المجتمعات».

стр. 246

جوابنا على ذلك هو: أ - لقد تضمن مقالي الأول أن السلطان الديني والحكومة الدينية بالمفهوم الكهنوتي لا يقول به مسلم. وقلت في نهاية المقال: «فحكم الإسلام هو تطبيق نصوص القرآن والسنة والتزام الحاكم والمحكوم بها. وليس إعطاء قدسية ما لبعض الحكام يحرمون ويحلون من دون اللهِ. فذلك هو الشرك مع اللهِ كما جاء في القرآن وبينته السنة النبوية». ب - لم يقل علماؤنا أن القرآن والسنة قد نَصَّا على أشخاص يستمدون سطلتهم من الله في حكمهم للناس، فذلك هو المفهوم الكنسي للحكومة الدينية وهو ما يبطله الإسلام ويعده شركًا مع الله. ولكن قيام الحكومة من الناس واستمدادها السلطة من الأمة لا يعني أن هذه الحكومة تملك أن تصدر التشريع الذي يخالف القرآن والسنة النبوية. فهذا أمر مقبول في المجتمعات الغربية وله قواعد دستورية أهمها نظرية السيادة التي تجعل الشعب هو صاحب السيادة في التشريع. وفي المجتمعات الشيوعية يتولى الحزب الشيوعي نصب الحكومة التي لا تملك الخروج على مبادئ ماركس ولينين. أما الإسلام فالحكومة فيه تستمد سلطتها من الأمة ولكنها مقيدة في أعمالها وتصرفاتها، فلا تملك أن تخالف القرآن والسنة النبوية، فإن فعلت كان قرارها باطلاً لا شرعية له. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١). خَامِسًا: الإِسْلَامُ وَالدِّينُ وَالدَّوْلَةُ: يقول الدكتور خلف الله: «إن النبي لم تكن له وظيفة أخرى غير النبوة والرسالة، وإذا كان الأستاذ البهنساوي يريد أن يؤكد للناس أن الإسلام قد كان له دولة فإن عليه أن يقدم الدليل من القرآن الكريم». والجواب على ذلك هو: أ - لماذا يقتصر الدليل على ما ورد في القرآن؟. فالدكتور لا ينكر السنة وعليه أن يطلب الدليل منها. وإلا كان منكرًا لها حسب ظاهر أقواله.

стр. 247

ب - أوضحت في المقال الأول أن الدولة الحديثة لها مقومات ثلاثة هي شكل الحكومة والسلطات الثلاثة وحقوق الأفراد. وكل ذلك قد جاء به القرآن. وقدمت الدليل عليه من كتاب الله، كقول الله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (١). وقوله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ (٢). وأود أن يعلم الجميع أن الآية ٢٥ من سورة الحديد قد نصت على أن رسول الله كانت له مهمة رئيسة هي إقامة الدولة والحكم بين الناس بالقسط، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥]. فهذا النص قد وضح أن الرسل جاءوا للبشرية لإقامة حكم فيه: ١ - سلطة تشريعية هي الكتاب الذي دل على السنة. ٢ - سلطة تنفيذية رمز إليها بالحديد. وقدمت الدليل من السنة النبوية ومن ذلك الدستور الذي وضعه النبي في أول حكمه بالمدينة ليحكم العلاقات بين المسلمين وبينهم وبين غير المسلمين، وأن هذا الدستور يتضمن القانون الدولي العام والخاص. ج - إن لم يكن الرسول حاكمًا، وأمر المسلمين بإقامة حكم إسلامي، فما معنى قول الله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقوله سبحانه: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. د - إن كانت وظيفة النبي هي النبوة والرسالة فقط - أي مجرد تبليغ الدين - فالحروب والغزوات التي قام بها لا تدخل ضمن ما حدده له بها ولا تدخل ضمن ما حدده له الدكتور من عمل الرسالة. وكذلك إعداده الجيوش والقواد لغزو الروم ثم التحرك بهم حتى وصل إلى تبوك وعقده مع زعماء جرباء وأذرح وأيلة. وهل تعيينه معاذًا حاكمًا على اليمن من أعمال النبوة؟، وهل غزوة مؤتة المتجهة نحو الروم من أعمال النبوة؟، وهل تعيينه أمراء لجمع الزكاة جبرًا من أعمال النبوة؟، أم أن ذلك من أعمال الدولة فقام بها الخلفاء؟. سَادِسًا: جَعَلَ الدُّكْتُورُ خَلَفْ اللهْ رَدَّهُ بِعُنْوَانٍ: «هل يجوز أن يكون الدين من عند غير الله؟» وساهمت " الوطن " في نشر ذلك في صفحتها الأولى وهذا يوحي أنني أجيز ذلك ولا أحب أن أقول: أذلك قد ورد في مقالتي الأولى الذي نشرته " الوطن " يوم ٢٦/ ١١ / ١٩٨٢ ومقالي الثاني المنشور يوم ٣/ ١٢ / ١٩٨٢ وكلاهما تضمن أنه لا يحل لمسلم أن يقتصر على ما جاء في القرآن، فالدين يشمل القرآن

стр. 248

وَالسُّنَّةِ مَعًا، والنبي يقول: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»، والله تعالى يقول عن النبي ﵊: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١). أما ما ختم الدكتور به في قوله: «بقي أن أهمس في أذن الأستاذ البهنساوي بأن الدين غير التشريع، وأن مصدر الدين هو الله ، أما مصدر التشريع فيكون القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين والإجماع والقياس وما إلى ذلك مما عده علماء أصول الفقه من مصادر التشريع والتي وصلت إلى تسعة عشر مصدرًا». والجواب عليه: ١ - أنه لو صح أن الدين غير التشريع لكان مصدر الدين هو القرآن والسنة وليس القرآن فقط فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢). ٢ - إن مصدر التشريع ينحصر في القرآن والسنة النبوية، لأن الإجماع والقياس وغيرهما مما عده علماء الأصول مصادر هي في حقيقتها ليست مصدرًا مستقلاً. فلا حجة لها إلا إذا كان لها مستند من الكتاب والسنة. وهذا هو الذي يفرق بين الاجتهاد البشري وبين التشريع المنزل من عند الله والمتمثل في القرآن والسنة. ٣ - لقد ورد لفظ الدين في القرآن الكريم بمعنى التشريع والقانون في قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (٣). وورد الدين بمعنى العقيدة في قول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٤). وورد بمعنى المناسك التعبدية في قول الله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٥). وقد فصلت ذلك في كتابي " الحكم وقضية تكفير المسلم " المتضمن الرد على انحرافات بعض الشباب. ٤ - ولا يوجد أحد من المسلمين يقول: إن الإنسان أو الحاكم خليفة الله بمعنى أنه ينوب عن الله ويتولى سلطاته، لأن هذا ما أخبر النبي أنه شرك مع الله، في قوله لعدي بن حاتم (*) عن الأحبار والرهبان ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].

стр. 249

أما قول الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (١)، فليس معناه خليفة عن الله بل يفسره قول الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ (٢). أي يخلف بعضهم بعضًا. فقد جاء في معاجم اللغة: خلف فلان فلانًا أي جاء بعده. ومنه قول الله: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ (٣). كما قال الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (٤). فَهَذَا خَلَفَ هَذَا أَيْ جَاءَ بَعْدَهُ. أما قول الله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٥). أي أنفقوا من المال الذي أنتم عليه أمناء ويدكم عليه يد عارضة سيخلفكم فيه غيركم من الورثة وسيؤول إليهم. وختامًا نرجو أن يدرك الجميع أن ما نلقاه وذكرناه ليس جدالاً ولا مراءً (٦). وَقْفَةٌ نِهَائِيَّةٌ مَعَ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدْ خَلَفْ اللهْ: النَّبِيُّ وَالدَّوْلَةُ .. وَالاِجْتِهَادُ وَالنَّصُّ: لقد نشر الدكتور محمد خلف الله كلامًا يتعلق بالحكم الإسلامي والسنة النبوية، تناولته بالحوار لكنه في ١٧/ ١٢ / ١٩٨٢ ادعى أنني في حواري معه نقلت عنه غير الحقيقة بل أوهامًا توهمتها إذ لم أقرأ النصوص قراءة سليمة ولم أفهمها فهمًا دقيقًا، وانتهى إلى أن ما يقوله هو الحق وما قلته هو الباطل وطلب أن أهتدي معه إلى هذا الحق وأترك الجدال. ولما كان دفاعي لا يتعلق بشخصي بل ينصب حول وظيفة الرسول ﷺ ومنزلة السنة النبوية مع الدين والتشريع وهذا أمر لا يملك أحد منا أن يبتدع فيه حكمًا كما أن ما قاله كل منا ليس سرًا لم يطلع عليه أحد بل قد نشرته الصحف اليومية ويمكن الاحتكام إليه دون تراشق بالألفاظ أو تحوير الكلمات. فأضع صاحبي والقراء أمام الحقائق التالية: • أَوَّلاً: السُّنَّةُ وَقِيَامُ الدَّوْلَةِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ: «لا نستطيع أن نسمي ما قام به رسول الله ﷺ بالحكومة، فما قام به هو

стр. 250

شيء من إدارة الأعمال أكثر منه حكومة». وفي رده يوم ١٧ ديسمبر طلب مني: أ - ألا أخلط بين شؤون الدولة والحكم، وبين شؤون النبوة والرسالة. ب - أن يكون سندي في كل ما أرغب في الوصول إليه هو القرآن الكريم. ج - ألا أنكر ولا غيري صحة قوله: «إن ما لم يرد في القرآن يكون غير ما أنزل اللهُ». وأضاف أن القارئ قد فطن إلى أن قوله هذا لا يتصل بقريب أو بعيد بعنوان مقالي الثاني «السنة بين المستشرقين وعلماء السلطان». والجواب على ذلك هو: ١ - أن تكرار طلبه أن يكون دليلي هو القرآن لهو أكبر دليل على عدم أخذه بالسنة النبوية. ٢ - أن عبارته التي يدعي أنني لم أفهمها وهي: «أن ما لم يرد في القرآن يكون غير ما أنزل الله» لا تحتاج إلى إعمال نظر في الفهم، فهي صريحة أن كل ما لم يرد في القرآن ليس من عند الله يدخل في ذلك السنة النبوية وهو حتى اليوم لم يصرح باحتكامه إلى هذه السنة. ٣ - إن المسلم لا يملك أن يقول: إن السنة النبوية غير ملزمة بدعوى أنها لم ترد في القرآن أو أن يقول أنه لا يأخذ من السنة إلا ما كان بيانًا لما في القرآن، وهذا هو إجماع المسلمين لما يأتي: - الأول: لتبين أن القرآن أمرنا بطاعة الرسول فيما أمر به أو نهى عنه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١). وقطعًا فهذا أمر آخر غير القرآن، فمن قال: غير القرآن لا يكون من عند الله دون أن يستثني السنة النبوية، يدخل هذه السنة في الفكر البشري الخاضع للاجتهاد وهذا ما يحاوله صاحبنا. - الثاني: أن قول الله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢). يخول
следующие страницы →