فِي أُصُولِ الدِّينِ وَمَصَادِرِهِ، وَلَيْسَ جَرْيًا وَرَاءَ الأَهْوَاءِ وَالمَصَالِحِ، وَمِنْ ثَمَّ لاَ يَجُوزُ تَأْوِيلَ الفُرُوعِ وَوَصْفِهَا بِالأُصُولِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُبَرِّرًا لِلْخِلاَفِ» (١).
مَارْكْسِيَّةُ نَجِيبْ مَحْفُوظْ وَكَاثُولِيكِيَّةُ أَمِينْ عُثْمَانْ:
بتاريخ ٣/ ٩ / ١٩٧٣ بالعدد ١٨٩٥ نشرت " السياسة " مقابلة صحفية للأستاذ نجيب محفوظ تحت عنوان: " ما لم أقله لأحد ".
ومما جاء في هذه المقابلة قول الكاتب -: «لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ الرَّأْسْمَالِيَّةِ وَالمَارْكْسِيَّةِ، لَمَا تَرَدَّدْتُ فِي الاِخْتِيَارِ لَحْظَةً وَاحِدَةً، أَخْتَارُ المَارْكْسِيَّةَ طَبْعًا. وَلَكِنْ ذَلِكَ لاَ يَعْنِي أَنَّنِي مَارْكْسِيٌّ».
ثم أوضح الكاتب السبب بقوله: «بِقَدْرِ شَكِّي فِي النَّظَرِيَّةِ، فَإِنِّي أُؤْمِنُ بِالتَّطْبِيقِ فِي ذَاتِهِ، بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ أَخْطَاءِ التَّجْرِيبِ وَمَآسِيهِ». وأخيرًا بلور الكاتب عقيدته في قوله: «وَلِكَيْ أَكُونَ وَاضِحًا أَكْثَرَ، فَإِنَّنِي أُؤْمِنُ بِـ:
١ - تَحْرِيرِ الإِنْسَانِ مِنَ الطَّبَقِيَّةِ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ اِمْتِيَازَاتٍ كَالمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ.
٢ - أَنْ يَكُونَ أَجْرُهُ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ ...».
وأمام هذا التزييف للواقع بشأن الميراث، وللافتراء على الله تعالى، أكتفي بأن أوجه الأنظار إلى أنه قد نشأت بيننا طبقة تتقرب إلى قادة الماركسية المهيمنين على أكثر الأنظمة في المنطقة، مثما تقرب المسلم - أمين عثمان - إلى الكاثوليكية وأعلن في الأربعينات، «أَنَّ مِصْرَ تَزَوَّجَتْ بَرِيطَانْيَا زَوَاجًا كَاثُولِيكِيًّا»، ولقد دفع أمين عثمان رأسه ثمنًا لهذه الزلفى بحادث الاغتيال المشهور.
وماركسية نجيب محفوظ من هذا الطراز، وله في الصحفي موسى صبري أسوة واضحة، إذ ارتدى ثياب الماركسية في كتبه ومقالاته، ليصبح نقيبًا للصحفيين بمصر، ولما خذله الماركسيون بتوجيه من محمد حسنين هيكل - الرأسمالي -، كشف النقاب عن هذه الأمور في مقالاته بـ " أخبار اليوم ".
وسأكتفي بهذا القدر من الربط بين الماضي والحاضر، وأعود إلى جرأة نجيب محفوظ في تزييف الواقع العملي بشأن الميراث الإسلامي.
стр. 38
المِيرَاثُ لَيْسَ اِمْتِيَازَاتٍ بَلْ هُوَ أَقْوَى اللَّبِنَاتِ:
لقد زعم نجيب محفوظ أن الميراث نوع من الامتيازات الطبقية التي يجب أن يتحرر منها الإنسان.
ولكن الذي يدركه الأعمى قبل البصير، والعدو للإسلام قبل بعض من انتسبوا إليه وباعوا أنفسهم لغيره.
هو أن نظام الميراث عندنا معاشر المسلمين، يؤدي إلى تفتيت الثروة وتذويب الطبقات، كما يؤدي إلى الترابط بين الآباء والأبناء، فضلاً عن أنه يخلق في الفرد الباعث على الإنتاج، كما يربط الفرد بالمجتمع الذي يعاصره بل وبالمجتمع التالي لعصره.
وسأكتفي بشهادة عالم ليس مسلمًا، ألا وهو الأستاذ (ماسينيون). إذ يعلن أن لدى الإسلام من الكفاية ما يجعله يتشدد في تحقيق فكرة المساواة، وذلك بفرض زكاة يدفعها كل فرد لبيت المال، وهو يناهض عملية المبادلات التي لا ضابط لها، وحبس الثروات، كما يناهض الديون الربوية والضرائب، ويقف في نفس الوقت إلى جانب حقوق الوالد والزوج، وشيوع الملكية الفردية ورأس المال التجاري، وبذا يحل الإسلام مرة أخرى، مكانًا وسطًا بين نظريات الرأسمالية البرجوازية ونظريات البلشفية الشيوعية وعلى ذلك، فالإسلام بمثابة خالق السلام بين النظم الاقتصادية المتنازعة.
ونكتفي بهذه الشهادة، ونعود إلى تناقضات نجيب محفوظ الذي جهل أن الإسلام أغنى من الرأسمالية ومن الماركسية بالمبادئ الاقتصادية والاجتماعية التي تعالج طبيعة الإنسان.
تَنَاقُضٌ يَكْشِفُهُ التَّطْبِيقُ الشُّيُوعِيُّ:
لقد قال نجيب: «بِقَدْرِ شَكِّي فِي النَّظَرِيَّةِ الفَلْسَفِيَّةِ، فَإِنِّي أُؤْمِنَ بِالتَّطْبِيقِ فِي ذَاتِهِ»، وأعلن أنه يؤمن بالنظرية الشيوعية «الأَجْرُ عَلَى قَدْرِ الحَاجَةِ لاَ العَمَلِ». هذا الذي يؤمن بالتطبيق الماركسي، لا بد أنه على علم بأن التطبيق العملي جعل الماركسية تبعد كثيرًا عن النظرية، بعدًا جعلها تعود إلى نظام الأسرة، وتعود إلى نوع من الملكية الفردية، وإلى حوافز الإنتاج.
أي أن التطبيق الماركسي يؤدي إلى بقاء الميراث ولو بغير قانون وفي أضيق الحدود، كما يؤدي إلى هدم نظرية الأجر على قدر الحاجة. لقد نشرت جريدة " الأهرام " - القاهرية -
стр. 39
في عددها الصادر في ١٨/ ٥ / ١٩٦٥، تقريرًا للخبير السوفييتي (زولين) نصه - بالحرف -: «يَتَعَيَّنُ عَلَى رُوسْيَا أَنْ تَعُودَ إِلَى نِظَامٍ مَا، يَسْمَحُ بِالمِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّةِ فِي الأَرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ، وَذَلِكَ لِحَلِّ مُشْكِلاَتِ الزِّرَاعَةِ التِي تَتَجَدَّدُ عَامًا بَعْدَ عَامٍ، عَلَى أَنْ يَكُونَ تَمَلُّكَ الأَرْضِ لِمَنْ يَفْلِحُهَا».
إن نجيب محفوظ لا يجهل هذا، ولا يجهل أن نظام الطبقات الذي وجد في روسيا القيصرية قبل الثورة الشيوعية، وكذلك نظام الإقطاع الذي وجد في فرنسا قبل ثورتها، لا يوجد مثلهما في المنطقة العربية، وذلك لأن الإسلام قد عالج ذلك من البداية.
كما أن نجيب محفوظ يدرك الواقع الملموس، والذي يؤكد أن الميراث الإسلامي لا يركز الثروة في يد الابن الأكبر، كما هو الحال في أوروبا، وبالتالي فهو يفتت الثروة ولا يخلق طبقات بل يذيبها وهذا ما شهد به (ماسينيون) وغيره.
فَاقِدُ الشَّيْءِ لاَ يُعْطِيهِ:
لقد سئل نجيب محفوظ عن رأيه في حل المشكلة الجنسية في مجتمعنا فأجاب: «أَنَا لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَهُ - أَيْ الحَلَّ - وَلاَ تَسْتَطِيعُ أَنْتَ أَنْ " تَنْشُرَهُ "». وهذا يعني بوضوح أنه لا يؤمن بالزواج ولا يؤمن بقصر العلاقات الجنسية في حدود نظام الزواج، وبالتالي لا مكان للأولاد وللميراث في مجتمع هذه سماته.
وعليه فنجيب محفوظ عاجز اجتماعيًا عن أن يشم هواء العواطف الأسرية، ولا يتذوق طعم علاقات البنوة، ومن كانت هذه صفته فلا يجوز أن يكون مصدر توجيه في مجتمع قوامه الدين والأخلاق، والأسرة لبنة من لبناته، ففاقد الشيء لا يعطيه.
ونجيب محفوظ الذي يزعم أنه مؤمن بنظرية الأجر مقابل الحاجة كان أجدر به أن يتنازل عن فائض حاجته إلى البائسين من بني جنسه، ولكننا ابتلينا بمن يعلنون مبادئ تخالف سلوكهم وحياتهم وواقعهم.
ونجيب محفوظ الذي لا يجد بديلاً عن الرأسمالية إلا الماركسية، لا يود أن يعرف أن الإسلام هو الذي شرع نظامين للملكية: هما الملكية الفردية، والملكية العامة، وجعل لكل نوع مجاله ووظيفته.
وبهذا تميز عن الرأسمالية وعن الشيوعية؛ لأنه منزل من الله الذي خلق الإنسان ووضع له ما يصلح غرائزه على مر العصور والأزمان.
стр. 40
نجيب محفوظ لا يعلم أن الإسلام وضع نظامًا يكفل التوزيع العادل للأموال، وعندما خص الفقراء بنوع من الفيء أوضح السبب وهو قول الله تعالى: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (١).
والإسلام لم يقف ضده إلى أصحاب الامتيازات، سواءً امتيازات السلطة السياسية أو الامتيازات الاقتصادية، وذلك حفاظًا على امتيازاتهم.
وأخيرًا نجيب محفوظ لم يجرؤ على نقد مظالم الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية، والتي جاءت الهزيمة على يديها، ونقد نظام الميراث لا لشيء سوى لأنه جاء من عند الله، والله لا يفتح السجون والمعتقلات، ولا يأمر بإجراء عمليات غسيل المخ كما تفعل الرأسمالية والشيوعية. وأخيرًا سلام على أمة كان الإسلام فيها لا يستطيع الدفاع عن نفسه ولا يجد من رجاله إلا متفرجين (٢).
السَّلَفُ الصَّالِحُ وَجَاهِلِيَّةُ القَرْنِ العِشْرِينْ:
لقد اقترن أول أبريل بكلمات نشرت في " القبس " للدكتور لويس عوض في معرض حديثه عن اليسار واليمين، وردت فيها عبارة «الرِّجْعِيُّونَ وَالسَّلَفِيُّونَ». وفي تعريفه لهؤلاء قال: «إِنَّهُمْ يُرِيدُونَ إِعَادَةَ عَقَارِبِ السَّاعَةِ إِلَى الوَرَاءِ، وَأَكْثَرُ هَؤُلاَءِ، لَهُمْ سِمَةٌ خَاصَّةٌ، وَهِيَ الثَّوْرَةُ عَلَى الحَاضِرِ بِاِعْتِبارِهِ تَجْسِيدًا لاِنْحِلالِ البَشَرِيَّةِ فِي العَصْرِ الحَديثِ، وَبِالتَّالِي هُمْ يَدْعُونَ إِلَى الرِّجْعِيَّةِ إِلَى الوَرَاءِ، وَإِحْيَاءِ نَمَطِ الحَيَاةِ وَالفِكْرِ وَالسُّلُوكِ الشَّائِعِ عِنْدَ السَّلَفِ، أَوْ مَا يُسَمَّى أَحْيَانًا السَّلَفَ الصَّالِحَ».
نكتفي بهذه الكلمات ونتساءل هل التمسك بفكر وسلوك السلف الصالح يعد عودة إلى الوراء، إلى حياة الخيام ووسائلهم؟.
وهل في الثورة على الانحلال، أضرارٌ على المجتمعات؟
إن السلف الصالح اصطلاح لدى المسلمين، يراد به صحابة رسول الله ﷺ
стр. 41
والتابعون من بعدهم، الذين حافظوا على السنة النبوية وأنماط السلوك التي جاء بها الإسلام.
فإذا وصف لويس عوض السلف الصالح بأنهم رجعيون، فهذا يعني أن الصحابة أمثال أبي بكر وعمر وعلي وعثمان وبلال وسلمان، رجعيون، وأن الإسلام رجعي.
وقبل أن نوضح زيف وبطلان هذه السخافات والافتراءات ... نسأل لويس عوض: هل يقبل النصارى في أوروبا أن يذهب إليهم أحد المسلمين ويكتب في صحفهم ويعلن في ديارهم أن المسيح ﵇ رجعي؟ وأن الحواريين وأنصاره كانوا رجعيين؟
لو قبل ذلك هؤلاء، فإن المسلم محرم عليه مثل هذا الوصف، فالله تعالى يكلفنا بعدم التفرقة بين الأنبياء ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (١). ومنزلة السيد المسيح عند المسلمين مرفوعة مكرمة، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢).
الأَنْبِيَاءُ بَيْنَ الرِّجْعِيَّةِ وَالتَّقَدُّمِيَّةِ:
والرجعية كلمة أصبحت تطلق حديثًا ويراد بها الرجوع إلى الوراء زمانًا أو مكانًا. والتقدمية كلمة تطلق حديثًا ويراد بها التقدم إلى الأمام زمانًا ومكانًا.
هذا المفهوم شاع بعد الثورة الفرنسية أي منذ سنة ١٧٨٩ م، حيث دار التصويت في الجمعية الوطنية الفرنسية، فتجمع النواب الذين يدافعون عن الإقطاع وجلسوا في مقاعد اليمين، وتجمع المتطرفون في الدفاع عن المستضعفين وجلسوا في مقاعد اليسار وظل المعتدلون في مقاعد الوسط.
لهذا شاعت كلمة اليمين الرجعي، ويقصد بها أصحاب الدعوة إلى العودة للتمسك بما كان للإقطاع من حقوق كاذبة.
شاعت كلمة اليسار التقدمي، ويراد بها أصحاب الاتجاه المنادي بإنهاء الإقطاع وتقرير الحقوق الإنسانية للعمال والمستضعفين.
وعلى الرغم من أن الإسلام هو أول من حارب لصالح الكادحين والمستضعفين حيث
стр. 42
قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (١).
إلا أن أعداء الإسلام شرقًا وغربًا من جهلة أبناء المسلمين، مازالوا يصفون الإسلام بالرجعية أو باليمين الرجعي، وهو وغيرهم لا يجهلون أن الله تعالى حذر القاعدين عن الجهاد في سبيل الله ومن استكانوا أمام الكفر والظلم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢).
إن الدنيا كلها لا تنكر هذا ولا تستطيع أن تتجاهل هذه الآيات البينات، كما أنها لا تنكر أن أول حكومة بعد النبي ﷺ قاتلت الأغنياء انتصارًا للفقراء. فقال أبو بكر الصديق قولته المشهورة: «وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَقَالاً، كَانُوا يُؤَدُّونَهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ، مَا اسْتَمْسَكَ السَّيْفُ فِي يَدِي».
ومع هذا فما زال يظهر بيننا من يزعم صراحة أو ضمنًا أن العودة إلى الإسلام هي عودة إلى الرجعية وإلى الوراء؛ لأنه عودة إلى تشريعات صدرت منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان، وهؤلاء جاهلون أو متجاهلون أو مغرضون.
جَاهِلِيَّةُ القَرْنِ العِشْرِينَ وَلُعْبَةُ المُضَلِّلِينَ:
إن الذين يزعمون أن العودة إلى الإسلام هي عودة إلى الرجعية؛ لأنها عودة إلى أنماط من السلوك مضت عليها قرون .. طالت أم قصرت ... هؤلاء ضحايا الجاهلية الحديثة، وقد أصبحوا أداة للمضللين ولعبة بأيديهم.
فالإسلام ما جاء ليحكم الصناعة والمعمار ووسائل الحياة المادية، إنما أكد أنه يترك هذه الأمور تتغير مع الحياة المتجددة، فالنبي ﷺ يقول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ [بِأَمْرِ] دُنْيَاكُمْ».
إنما ينصب حكم الإسلام وتشريعاته على القيم الأخلاقية وهي ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، فالكذب رذيلة منذ خلق اللهُ آدمَ، وسيظل رذيلة إلى أن تقوم الساعة.
إنما ينصب حكم الإسلام
стр. 43
والفكر اليهودي والميكيافيلي الذي يزعم أن الغاية تبرر الوسيلة، فكر مضلل؛ لأن الغاية الشريفة لا يمكن أن تخدمها إلا وسيلة شريفة، ولهذا فإن جواب الإسلام عن تلك التي تزني وتتصدق هو: «لَيْتَهَا مَا زَنَتْ وَمَا تَصَدَّقَتْ».
إن (دوركايم) وغيره ممن جعلناهم فلاسفة لعلم الاجتماع، قد دفعت بهم اليهودية ليضللوا البشرية، ومن ثم خرجوا على الناس بما يسمى بنظرية «نسبية القيم».
وهذه النظرية اليهودية، ترجع إلى مبدأ أساسي في الفكر اليهودي وهي أن اليهود غير ملزمين باتباع الاخلاق مع غيرهم. وفي هذا قال اللهُ عنهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (١). وهذا هو الوارد في مخططهم السري. فالبروتوكول الأول من " بروتوكولات حكماء صهيون " جاء به: «مِنْ خِلاَلِ الفَسَادِ الحَالِيِّ الذِي نَلْجَأُ إِلَيْهِ مُكْرَهِينَ سَتَظْهَرُ فَائِدَةُ حُكْمٍ حَازِمٍ يُعِيدُ إِلَى بِنَاءِ الحَيَاةِ الطَّبِيعِيَّةِ نِظَامَهُ الذِي حَطَّمَتْهُ التَّحَرُّرِيَّةُ.
إِنَّ الغَايَةَ تُبَرِّرُ الوَسِيلَةَ، وَعَلَيْنَا ـ وَنَحْنُ نَضَعُ خِطَطَنَا ـ أَلاَّ نَلْتَفِتَ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ وَأَخْلاَقِيٌّ».
وفي البروتوكول الثاني ما نصه: «وَالأُمَمِيُّونَ (غَيْرُ اليَهُودِ) لاَ يَنْتَفِعُونَ بِالمُلاَحَظَاتِ التَّارِيخِيَّةِ [المُسْتَمِرَّةِ بَلْ يَتَّبِعُونَ نَسَقًا نَظَرِيًّا مِنْ غَيْرِ تَفْكِيرٍ فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ نَتَائِجُهُ]. وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَسْنَا فِي حَاجَةٍ إِلَى أَنْ نُقِيمَ لِلأُمَمِيِّينَ وَزْنًا .... دَعُوهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذِهِ القَوَانِينَ النَّظَرِيَّةَ التِي أَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ بِهَا إِنَّمَا لَهَا القَدَرَ الأَسْمَى مِنْ أَجْلِهِمْ ... وَبِمُسَاعَدَةِ صَحَافَتِنَا تَزِيدُ ثِقَتُهُمْ العَمْيَاءَ بِهَذِهِ القَوَانِينِ».
وعلى ذلك فإن الذين ينادون بالتمسك بنمط السلوك والمناهج الموروثة عن السلف الصالح لا يمكن أن يوصفوا بالرجعية، من ذا الذي يجرؤ أن يصف الأنبياء وأتباعهم بالرجعية، إلا أن يكون جاهلاً.
وإذا افترضنا جدلاً أن كل إحياء لفكر سابق هي عودة إلى الماضي، فإن الماضي ليس فيه عيب ولا تتوارى منه طالما أنه من التشريعات والمناهج التي تحكم السلوك والغرائز؛ لأن هذه لا تتغير بتغير الزمان والمكان. وتحديد طبيعة الخير والشر أو الحق والصواب فهذا يخرج عن اختصاص البشر ووظائفهم، لأن الناس إنما يحكمون على الأشياء عن طريق الحواس الخمس، وبالتالي فإن كل ما خرج عن هذه الدائرة لا يستطيع الإنسان أن يضع فيه حكمًا سديدًا، بل يتخبط بالتجارب، تارة يصيب وكثيرًا ما يخطئ.
стр. 44
ولهذا فالتشريعات التي يضعها البشر في نطاق السلوك والأخلاق والمعاملات تقترن بتغيرات مختلفة، وبالتالي فهي تتطلب تفسيرًا ثم تشريعًا آخر، وتظل ناقصة وعاجزة عن حكم حياة البشر، لأنها حكمت في أمر يخرج عن مجال العلوم التجريبية الخاضعة للحس والمشاهدة، وهي العلوم التي جعلها الله من خصائص الناس، وقال النبي ﷺ فيها: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ [بِأَمْرِ] دُنْيَاكُمْ».
أما ما غاب عن الحواس الخمس ونعني به المجال التربوي والأخلاقي والتشريعي في غير المعمار والصناعات، فذلك ليس من اختصاص البشر، وقد تكفل الله به عن طريق الرسل والأنبياء.
وفي هذا قال اللهُ تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (١) صدق الله العظيم.
فهل تدرك هذا جاهلية القرن العشرين؟
стр. 45
الفَصْلُ الثَّانِي: إِشْهَارُ إِفْلاَسِ العِلْمَانِيَّةِ العَرَبِيَّةِ:
• بين الإسلام والعلمانية العربية.
• العلمانية الأوروبية والعلمانية العربية.
• الوضع العربي بين الإسلام والعلمانية.
• الطعن في الإسلام تحت ستار نقد الدعاة.
• مزاعم علمانية في صحف عربية.
стр. 46
إِشْهَارُ إِفْلاَسِ العِلْمَانِيَّةِ العَرَبِيَّةِ:
الإِسْلاَمُ وَالعِلْمَانِيَّةُ العَرَبِيَّةُ:
تناولت الصحف موضوع التطرف، وكتب فيه العالم وغير العالم، حتى كثر الخلط والغلط واحتكم نفر إلى الفلسفة العقلية الوضعية، ولو ردوا الأمر إلى صاحب الأمر لما تنازعوا؛ لأن النبي ﷺ قد نهى عن التنطع في الدين، ودعا بهلاك المتنطعين.
ولما كان المسلم ملتزمًا بالقرآن والسنة، فما جاء فيهما لا يعد تطرفًا حتى لو خالف أهواء الناس.
ثم تناولت الصحافة موضوع الإسلام والعلمانية، وكثر فيها أيضًا الخلط والغلط وأصبح من التطرف في نظر بعض الكُتَّابِ أن تؤخذ التشريعات من أحكام الشريعة الإسلامية؛ لأن هذه في فهمهم عودة إلى الحكومة الدينية في النظام الأوروبي.
ولما كان من هؤلاء الكُتَّابِ من أكد أنه يحترم الدين الإسلامي، ولكنه يرفض أن تستمد منه وحدة التشريعات المدنية التي تضبط سلوك الأفراد في المجتمع، أو تفصل في منازعتهم وقضايا الخلاف بينهم، وكان منهم من حمل على خطباء المساجد لأنهم أدوا رسالتهم في توضيح حكم الله في أمر الاحتكام إلى شرعه سبحانه.
وكان مجلس التعاون الخليجي قد قرر بإجماع وزراء العدل: أن تستمد التشريعات في دول المجلس من أحكام الشريعة الإسلامية، وتبع ذلك هذه المقالات المتكررة.
فإنه بعيدًا عن الجدل مع أحد الفرقاء، وبعيدًا عن المنعطفات الجانبية والإقليمية، ودفاعًا عن الشريعة الإسلامية، وحتى لا نهلك ومجتمعاتنا بجحود شرع الله، نُذَكِّرُ الإخوة المختلفين بالآتي:
أَوَّلاً: الخَلْطُ بَيْنَ الإِسْلاَمِ وَالحُكُومَةِ الدِّينِيَّةِ:
يخلط بعض الكُتَّابِ بين حكم الإسلام وبين الحكومة الدينية في أوروبا، وسبق أن
стр. 47
فعل ذلك خالد محمد خالد في كتابه " من هنا نبدأ "، وبعد ثلاثين عامًا من صدور الكتاب أعلن صاحبه عن هذه الخطيئة، وذلك في كتابه الجديد باسم " الإسلام والدولة " وأوضح أنه كان يخلط بين الحكومة الدينية في أوروبا وبين الحكم الإسلامي من خلال نظرته لتصرفات بعض الأفراد.
ولعل الباحثين الموضوعيين من المسلمين وغيرهم، لا ينكرون أن قواعد الإسلام تعطل خصائص الحكم الديني في جميع العصور؛ لأنه يمنح الحاكم عصمة تجعله مفوضًا عن الله فيما يفعل، فلا يخضع للمحاسبة أو المراجعة، وكل ما يصدر عنه إنما يصدر باسم الحق الإلهي المفوض هو فيه.
وفي إعلان النبي ﷺ حكم الله في هذه المسالة عندما أسلم أحد كبار رجال الدين من أهل الكتاب وهو عَدِّيٌّ بْنُ حَاتِمٍ، فقرأ عليه النبي ﷺ قول الله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١). ولما ظن عَدِّيٌّ أن العبادة من دون الله تعني السجود والصلاة للأحبار والرهبان وهم لا يفعلون ذلك فقال: «مَا عَبَدْنَاهُمْ». قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَمْ يُحِلُّوا لَكُمْ الحَرامَ وَيَحَرِّمُوا عَلَيْكُمْ الحَلالَ فَتَتَّبِعُونَهُمْ؟»، قَالَ عَدِّيٌّ: «بَلَى»، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَتِلْكَ عِبَادَتَهُمْ مِنْ دُونَ اللهِ» (*) - لا يكون للحاكم بالتشريع الإسلامي عصمة، فهو يخضع للمحاسبة كآحاد الناس.
ثَانِيًا: الخَلْطُ بَيْنَ نِظَامِ الخِلاَفَةِ وَبَيْنَ التَّشْرِيعِ وَالمَذَاهِبِ وَالأَدْيَانِ:
خلط بعض الكُتَّابِ بين نظام الخلافة وبين الالتزام بالتشريع الإسلامي من جانب، والالتزام بمذهب بعينه من جانب آخر. وأوضح ما يلي:
١ - لا يوجد ارتباط بين التزام كل دولة إسلامية بالتشريع الإسلامي في إقليمها وبين الطعن بعدم دستورية نظم الحكم الحالية طلبًا في توحيدها في نظام الخلافة الإسلامية، الذي لا يقبل تعدد الخلفاء، فهذه مرحلة أخرى يلزم أن يسبقها تربية الجيل أو الأجيال يحملون هذه الرسالة والأمانة، ويسعون إلى تطبيقها بتجرد وإخلاص حتى تتحد الدول في أي شكل أو صورة. وحتى يتم ذلك، فالدستور إذا تضمن نصًا بأن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع، مع نص آخر يحدد نظام الحكم في الدولة، فلا يترتب على النص الأول أي انعدام للدستورية نظام الحكم الوارد في النص الآخر، إذا تضمن الدستور قيام هذا
стр. 48
النظام على أساس الشورى والعدل اختيار الأغلبية للحاكم ورضاها به، ثم حدد الوسيلة لذلك.
فضلاً عن ذلك فإنه من القواعد الفقهية، أن حكم الحاكم وقضاء القاضي لا يعد باطلاً إلا إذا اصطدم بنصوص شرعية قطعية الدلالة، أو اصطدام بقاعدة شرعية إجماعية ونظام الحكم من الأمور التي ترك الإسلام فيها مجال الاجتهاد في حدود العدل والشورى ومن ثم فالطعن بعدم الدستورية في الأمور الخلافية لا محل له.
٢ - أن الالتزام بالتشريع الإسلامي لا يمس حقوق غير المسلمين؛ لأن الإسلام كفل لهم حرية الاعتقاد وتطبيق تشريعهم في الأحوال الشخصية.
ومن المعلوم للكافة أن " الإنجيل " ليس فيه أحكام تشريعية في المسائل المدنية والتجارية، ولهذا يأخذ النصارى في كل دولة بتشريعها في هذا المجال.
فضلاً عن ذلك فالقوانين الدولية قد تواترت على إقليمية التشريع في جميع التشريعات إلا مسائل الأحوال الشخصية، وبمقتضى ذلك يخضع الشخص لقانون الإقليم الذي يعيش فيه، وبالتالي ففي الأمور الجزائية والمدنية والتجارية، أي فيما عدا الأحوال الشخصية يخضع الشخص لتشريع وطنه، أي يخضع لتشريع الإقليم الذي تمت فيه الوقائع، كما يخضع النصارى في غير الدول الإسلامية للتشريعات المدنية والتجارية لهذه الدول، كما يخضع النصارى وغيرهم من الأقليات في البلاد الإسلامية لتشريعاتها في هذا المجال طبقًا لهذه القاعدة، وهي إقليمية القانون أي سريانه من حيث المكان.
٣ - إن الإسلام لا يكرس المذهبية والخلافات، ولا توجد أي مشكلة في تطبيق التشريع الإسلامي، لأن الله يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) أي أن الفيصل في المسائل الخلافية أو المذهبية هو القرآن والصحيح من الحديث النبوي، فإن احتمل النص أكثر من دلالة في المعنى، فما تراه أغلبية الفقهاء محققًا لمصلحة المجتمع فهو التشريع الملزم طبقًا للقاعدة الفقهية - المشار إليها في البند [١]- وبالتالي ما يثار من الخلافات المذهبية لا أثر له على التشريع.
стр. 49
ثَالِثًا: الخَلْطُ بَيْنَ الإِسْلاَمِ وَالعِلْمَانِيَّةِ:
إنه سواءً كانت العلمانية هي اللادينية كما أثبت أكثر من عالم منهم الأستاذ محمد محمد حسين في كتابه " حصوننا مهددة من داخلها " وكتاب " الاتجاهات الوطنية " وكما هو ثابت في المعاجم، أو كانت العلمانية لا تتصل بأوامر الدين ونواهيه وإنما تعني فقط فصل الدين عن الدولة كما يقول المدافعون عنها حسبما نشر في " الوطن " بتاريخ ٢٦/ ٢ / ١٩٨٤ م، فإن النتيجة المترتبة على الأخذ بالعلمانية في الحالين هو فصل الدين عن شؤون الحياة، وبالتالي يخضع المسلم جبرًا عنه وبقوة القانون لتشريع يخالف تشريع الله تعالى، وهذا يخالف الإسلام والعلمانية مَعًا.
أ - أما مخالفته للإسلام فالله تعالى يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١) ويقول: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢). وقد استعرضت إدارة الإفتاء بالمملكة العربية السعودية الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في هذا الشأن وأصدرت بيانًا للمسلمين طبع ضمن كتاب سنة ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م بعنوان " دليل الحاج والمعتمر "، جاء به أن «اعْتِقَادَ جَوَازِ الحُكْمِ بِغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ مِنَ المُعَامَلاَتِ أَوْ الحُدُودِ أَوْ غَيْرِهَا كُفْرٌ؛ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ؛ لأَنَّهُ بِذَلِكَ يَكُونُ قَدْ اِسْتَبَاحَ مَا حَرَّمَ اللهُ إِجْمَاعًا، وَكُلُّ مَنْ اِسْتَبَاحَ مَا حَرَّمَ اللهُ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَالزِّنَا وَالخَمْرِ وَالرِّبَا وَالحُكْمِ بِغَيْرَ شَرِيعَةِ اللهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ».
ب - إن العلمانية أساسها رد الأمر إلى الأمة لأنها في النظام العلماني هي مصدر السلطات، وبالتالي فالتشريع الذي ترتضيه الأغلبية يصبح واجب النفاذ ويلزم الجميع، ولما كانت أغلبية المجتمعات الإسلامية تطالب بالإسلام ولا ترضى أن تستمد تشريعاتها من مصادر أخرى،
فلماذا تصر أقلية قليلة على إكراه المسلم على الخضوع لغير شرع الله من جانب وإكراه الأغلبية على تشريع لا ترضاه أغلبية الأمة، وذلك يصادم أيضًا النظام الديمقراطي الذي تقول هذه الأقلية أنها تتبعه وترتضيه طبقًا لمفهوم العلمانية.
стр. 50
رَابِعًا: لَعْنَةُ اللهِ وَالحَصَانَةُ لِلْعُلَمَاءِ وَالقَضَاءِ:
إن المجتمعات البدائية والمتخلفة هي وحدها التي تقبل بعدم استقلال القضاء وبخضوعه لأهواء الأقوياء.
أما المجتمعات التي أخذت شكل الدولة فإن دساتيرها تنص على استقلال القضاء، وذلك لضمان تحقيق العدل بين الناس.
ولما كانت أمانة الكلمة وبيان حكم الله للمسلمين منوطًا بالعلماء العاملين؛ فإن تقرير هذه الحصانة لهم جزء لا يتجزأ من أداء الأمانة وتحقيق العدل.
وبالتالي فإن التشهير بخطباء المساجد والعلماء لأنهم بصروا المسلمين بأخطار اختيار التشريعات والقوانين غير الإسلامية هو إخلال بحيدة القضاء وحيدة العلماء؛ لأن كليهما يعمل من أجل هدف واحد ورسالة واحدة يكمل بعضها بعضًا.
بل إن حصر رسالة العلماء والخطباء في أحكام الحيض والنفاس والنجاسة والطهارة وعذاب القبر والسكوت عن المنكرات الاجتماعية، من شأنه أن تخلو الأمة من أهم مقومات بقائها وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا من نتائجه:
أ - أَنْ يُعَرِّضَ الأمة كلها لغضب الله وللهلاك الجماعي، فالله تعالى يقول: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١).
ب - أن يتعرض العلماء والأمة لغضب الله فتحل بهم لعنته - قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢).
إن حرية قيام خطباء المساجد بهذه الرسالة لهو مفخرة للدولة التي توفر هذا الأمن وترفع عن نفسها اللعنة وأسباب الهلاك، ولكن إذا أخطأ أحدهم في وسيلة التقويم كما هي في القرآن والسنة فجرح الأشخاص والهيئات، فلا يكون العلاج بالتشهير على الجميع، بل يكون بالنصح الفردي للمخالف، فإن لم يستجب على الفور يدفع الموضوع إلى الوزارة
стр. 51
الأوقاف والشؤون الإسلامية لتقوم بالتحقيق في الموضوع ووضع الأمر في نصابه.
خَامِسًا: إِزَالَةُ الشَّبُهَاتِ عَنْ الإِسْلاَمِ:
«إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ الدَّعْوَةِ إِلَى العِلْمَانِيَّةِ وَالفَصْلِ بَيْنَ الإِسْلاَمِ وَالمُجْتَمَعِ، مَا نُشِرَ مِنْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلاَمِيَّةَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَوْعِبَ مَلاَيِينَ القَضَايَا وَالمَشَاكِلِ الإِنْسَانِيَّةِ المُعَقَّدَةِ، أَوْ أَنْ تُقَدِّمَ حُلُولاً جَاهِزَةً لَكُلِّ مَا يَسْتَجِدُّ عَلَى مَسْرَحِ الحَيَاةِ» (" الوطن ": ١٢/ ٣ / ١٩٨٤ م)، وهذا التصور قائم على أساس أن الحكم بالإسلام من شأنه إلغاء كل اجتهادات البشر وتجاربهم، وإبطال كل عرف واجتهاد لم يرد من القرآن والسنة.
وهذا تصور قد حكم الإسلام بفساده - فقد شرع الله تعالى للناس قواعد عامة للأمور التي حرمها اللهُ وأمرنا باجتنابها، وأرشدنا أن ما سكت اللهُ عنه فلم يبينه فهو مباح، لنا أن نجتهد فيه في حدود هذه القواعد العامة أي بما لا يحل حرامًا.
قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]. وقد أوضح النبي ﷺ أن الله سكت عن أمور غير نسيان ولكن رحمة بنا كما أرشدنا أن ما سكت اللهُ عنه فهو من المباح الذي يخضع لاجتهاد كل مجتمع.
وفي هذا قال ﷺ : «أَنْتُمْ أَعْلَمُ [بِأَمْرِ] دُنْيَاكُمْ».
ولا نعني بتطبيق الشريعة الأخذ بالحدود وحدها كما يريد بعض الحاكمين، فالإسلام نظام ترتبط فيه الصلاة بالزكاة، والزواج بالأخلاق والحدود بالشورى وحرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترتبط أيضًا بالتكافل الاجتماعي الإسلامي.
سَادِسًا: الإِسْلاَمُ وَالفَصْلُ بَيْنَ السُّلُطَاتِ:
وقالوا: «إِنَّ تَفْضِيلَ العِلْمَانِيَّةِ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهَا مَبْدَأٌ يَقُومُ عَلَى الفَصْلِ بَيْنَ السُّلُطَاتِ الثَّلاَثِ، وَبِالتَّالِي يَكُونُ القَضَاءُ مُسْتَقِلاًّ عَنْ السُّلْطَةِ التَّنْفِيذِيَّةِ، أَمَّا نِظَامُ الحُكْمِ فِي الإِسْلاَمِ فَلاَ يَفْصِلُ بَيْنَ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، فَنَجِدُ تَعْرِيفَ السِّيَاسَةِ وَإِدَارَةِ شُؤُونِ العِبَادِ مُنَاطَةٌ بِيَدِ حَاكِمٍ فَرْدٍ، وَفِي النُّظُمِ البَرْلَمانِيَّةِ يُمْكِنُ مُحَاسَبَةُ رَئِيسِ الدَّوْلَةِ نَفْسَهُ وَمَحَاكَمَتُهُ وَعَزْلُهُ، وَهَذَا لاَ يَتَحَقَّقُ فِي مُجْتَمَعٍ يَقُومُ عَلَى الاِلْتِزَامِ بِالشَّرِيعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ حَرْفِيًّا لِعَدَمَ الفَصْلِ بَيْنَ السُّلُطَاتِ، فَإذَا أَسَاءَ الحَاكِمُ فَلاَ تُوجَدُ جِهَةٌ رَسْمِيَّةٌ عُلْيَا تَحَاسِبِهُ، وَيَكُونُ مَصِيرُ العُلَمَاءِ وَالمُفَكِّرِينَ مَرْهُونًا بِمِزَاجِهِ كَمَا سُجِنَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَعُذِّبَ أَحَمْدُ بْنُ حَنْبَلَ» (مقال بـ " الوطن " في ٢٥/ ٣ / ١٩٨٤ م).
стр. 52
إن هذه الحجة قد ولدت ميتة؛ لأن النظم البرلمانية هي التي لاَ تُخْضِعُ رئيس الدولة للمحاكمة أمام القضاء كما تدل على ذلك الدساتير، والتي إن أخذت بمبدأ المحاكم فإنها تجعل له محكمة خاصة وإجراءات خاصة، لأن الأساس في هذه النظم هو أن رئيس الدولة ذاته مصونة لا تمس، والإسلام يخالف ذلك تمامًا فرئيس الدولة يخضع للقضاء العادي ويحاسب ويحاكم كسائر أفراد الشعب كما هو ثابت في جميع المصادر التاريخية. ويقول اللهُ تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقول النبي ﷺ : «النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ المُشْطِ»، «كُلُّكُمْ لآدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ». والفصل بين السلطات مبدأ شرعة الإسلام وطبقه الرسول والخلفاء بعده، فالتشريع محدد في أحكام القرآن والسنة، فلا يستطيع الحاكم أن يشرع طبقًا لهواه وذلك خلافًا للعلمانية، والقضاء مستقل أيضًا عن الحاكم ويخضع له رئيس الدولة، والثابت أن النبي ﷺ عَيَّنَ قُضَاةَ كما فعل الخلفاء من بعده.
ولقد كان الحكام والأمراء والخلفاء يخضعون لهذا القضاء كسائر أفراد الشعب، وحسبنا أن الله ﵎ قد قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (١). فالكتاب يشير إلى التشريع، والميزان إلى القضاء، والحديد إلى السلطة التنفيذية.
أما الاستشهاد بسجن ابن تيمية وتعذيب أحمد بن حنبل، فهو في غير محله، ذلك أن النظم المسماة بالديمقراطية يستغل فيها بعض الحكام هذا النظام فلا يقتلون فردًا أو يحبسونه فقط، بل يقتلون قُرَى وَمُدُنًا بِأَكْمَلِهَا، ومع هذا لا ينسب ذلك إلى النظام الديمقراطي بل إلى استغلال هذا النظام. والإسلام لا تسمح قواعده عند تطبيقها بهذا الاضطهاد وهذه المظالم ولا يجوز أن يكون خطأ بعض الحكام مبررًا لانتساب ذلك الخطأ إلى الإسلام. ويجب في ظل الحكم المستند إلى الشريعة الإسلامية أن ينص الدستور على مبدأ الفصل بين السلطات، وعلى ما يتعلق بمحاسبة الوزراء ورئيس الدولة في النظم الديمقراطية، وكذلك السيادة للأمة مما لا يخالف القرآن والسنة وفيما يقبل الاجتهاد في هذه النصوص بضوابط الاجتهاد الشرعية (٢).
стр. 53
مَفَاهِيمُ عِلْمَانِيَّةٍ خَاطِئَةٍ:
تحت عنوان " بين العلمانية والشريعة " وعنوان " الإشكال الذي يقع فيه عدد كثير من المفكرين المسلمين ".
كتب الدكتور عبد الله العمر يرد على مقال نشر لي بعنوان " الإسلام والعلمانية العربية ". وقد جاء بصدر هذا الرد أنه يلفت نظري إلى الأخطاء، وأنه يصحح لي ولكثير من المفكرين المسلمين الإشكال الذي نقع فيه .. وأنه يحلل العبارات والأقوال التي تضمنها مقالي، ليبين نصيبها من الخطأ والصواب لأنني تناولت فكره ولم أذكر اسمه.
لقد جاء في الرد: «أَنَّهُ كَمْ مِنْ أَبْنَاءِ المُسْلِمِينَ أَنْفُسُهُمْ يُوَافِقُونَ عَلَى رَدِّ الأَمْرِ إِلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ». ثم وجه إِلَيَّ السُّؤَالَ «هَلْ أَعْتَقِدُ أَنَّ كِتَاب اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهَ وَحْدَهُمَا هُمَا الأَسَاسُ المُطْلَقُ الذِي يُمْكِنُ أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَيْهِ كَلِمَةُ المُسْلِمِينَ؟ .. إِذْ لَوْ كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ الأَوَّلُونَ فِي حَاجَةٍ إِلَى الاِجْتِهَادِ أَسَاسًا، وَلاَ إِلَى اِعْتِمَادِ القِيَاسِ، وَلَمَا كَانَ هُنَاكَ اِخْتِلاَفٌ بَيْنَ المَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ ...».
هذه العبارات التي نقلناها بالحرف من مقالة هي التي تجعلنا نُذَكِّرُ النَّاقِدَ، ومن قرأ مقالته بالآتي:
أَوَّلاً: الدُّكْتُورُ لَيْسَ صَاحِبَ فِكْرٍ:
أن الدكتور العُمُرْ ليس صاحب فكر، فهو مقلد لفكر أوروبي له أسبابه وظروفه التاريخية، التي لا تتصل بواقع الأمة العربية من قريب أو من بعيد، وقد سبقه في هذا أساتذة له ولغيره، ثم تابوا عن هذا الخلط والخطأ - مثل الدكتور زكي نجيب محمود، والدكتور خالد محمد خالد، والدكتور مصطفى محمود، والأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي .. ولهذا لم يرد اسمه في مقالي، بل أوضحت هذا في صدر المقال بقولي: «بَعِيدًا عَنْ الجَدَلِ مَعَ أَحَدٍ مِنَ الفُرَقَاءِ وَبَعِيدًا عَنْ المُنْعَطَفَاتِ الإِقْلِيمِيَّةِ وَالمَحَلِّيَّةِ، وَدِفَاعًا عَنْ الشَّرِيعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ حَتَّى لاَ نَهْلَكَ نَحْنُ وَمُجْتَمَعَاتُنَا بِجُحُودِ شَرْعِ اللهِ».
والقضية التي يثيرها ويكتب فيها منذ أسابيع قد ماتت وعفى عليها الزمان، فالعلمانية نشأت في أوروبا كرد فعل للحكم الديني في أوروبا، الذي كان يظن أنه يملك صكوك الغفران والحرمان، ولا يوجد هذا ولا غيره في الإسلام، بل إن الأوروبيين أنفسهم
стр. 54
يشيدون بمزايا الإسلام، وأنه دين ودولة .. وآخر كتاب صدر في ذلك هو كتاب " الإسلام والدولة " للصحافي البريطاني (إدوارد مورتيمر) أكد فيه أن الإسلام دين ودولة، وأنه يعني التسليم بأوامر الله والالتزام بها، فلا يعد مسلمًا من ادعى أن من حقه أن يختار شريعة أخرى أو قانونًا آخر غير الإسلام، ويؤكد أنه لا يوجد في الإسلام نظام الحكومة الدينية في أوروبا .. فلا صلة أبدًا بين التشريع الإسلامي وحكومة الكهنوت في أوروبا، وقد شهد بهذا علماء من النصارى منهم الدكتور (نظمي لوقا) في كتابه " محمد الرسول والرسالة " والشمس لا تحتاج إلى شهادة أحد.
ولهذا، فمن العبث وضياع الجهد والوقت أن أسترسل في بيان هذه المسألة.
ثَانِيًا: أَيْنَ الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ يَا أَتْبَاعَ العِلْمَانِيَّةِ ؟:
يذكر الدكتور العمر أن لي أفكارًا طرحتها في مقالي، وهو يكتب ليصحح ذلك لي ولغيري من المفكرين المسلمين، ولا يجهل أحد من الباحثين وغيرهم، أن ما تضمنه مقالي ليس فكرًا خاصًا بي .. بل هو قواعد أولية في الشريعة الإسلامية، وهذه القواعد تدرس في مدارس المسلمين ومعاهدهم وجامعاتهم، ويعلمها صبيان العلماء منذ خمسة عشر قرنًا من الزمان.
وهذه البديهيات جعلت الشعوب الإسلامية تُجمع في جميع الاستفتاءات على اختيارها الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للقوانين، ولهذا تم تعديل الدستور المصري وتضمن هذا النص، وحدث مثل هذا في السودان، وفي الباكستان، وفي إيران، وأجمع وزراء العدل بمجلس التعاون الخليجي على تعديل القوانين لتتفق مع الشريعة الإسلامية.
ولم يكن هؤلاء مكرهين أو مضللين أو جاهلين، حتى يصحح لهم الدكتور العمر عقائدهم وفكرهم .. وإذا كان يستمسك حَقًّا بالديمقراطية لأقر هذه الأغلبية فيما اختارته ورضيت به ..
ولا يوجد مسلم على وجه الأرض يقول شيئًا مما كتبه الدكتور العمر؛ لأن من أبجديات الإسلام أن تؤمن بالله، وهذا الإيمان من شروطه التسليم بما أنزله اللهُ على رسوله .. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١). ولكن الدكتور العمر يبتدع مقولة لم يقل بها مسلم، وهي
стр. 55
قوله: «إِنَّ أَبْنَاءَ المُسْلِمِينَ لاَ يُسَلِّمُونَ بِرَدِّ الأَمْرِ إِلَى القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ».
ثَالِثًا: بَدَهِيَّاتُ لُغَةِ التَّخَاطُبِ:
لقد نقل عبارتي: «وَلَوْ رَدُّوا الأَمْرَ إِلَى صَاحِبِ الأَمْرِ لَمَا تَنَازَعُوا .. لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَهَى عَنْ التَّنَطُّعِ فِي الدِّينِ وَدَعَا عَلَى هَؤُلاَءِ المُتَنَطِّعِينَ»، ثم علق على ذلك مُدَّعِيًا أن في هذه العبارة غموضًا .. إذ لم أكلف نفسي إيضاح ما أعنيه بالتطرف - هل هو الديني أو السياسي أو العلمي أو العاطفي -، ولعل القارئ لا يجهل أن من بدهيات القواعد اللغوية في التخاطب أن حذف المعلوم جائز، ومع هذا لم أحذف معلومًا لأن عنوان المقال " الإسلام بين التطرف والعلمانية " يُفْصِحُ عن أن الموضوع خاص بالتطرف الديني وليس التطرف العاطفي أو غيره.
رَابِعًا: صَاحِبُ الأَمْرِ عِنْدَ التَّنَازُعِ:
نقل الدكتور العُمُرْ قولي عن التطرف: «وَاحْتَكَمَ نَفَرٌ إِلَى الفَلْسَفَةِ العَقْلِيَّةِ الوَضْعِيَّةِ وَلَوْ رَدُّوا الأَمْرَ إِلَى صَاحِبِ الأَمْرِ لَمَا تَنَازَعُوا لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَهَى عَنْ التَّنَطُّعِ ...».
وقد ادعى أن في هذه العبارة غموضًا كسابقاتها، والغموض عنده أنني لم أفصح من صاحب الأمر الذي يرد إليه .. هل هو القرآن أو القرآن والسنة أم هما مع سيرة السلف ورجال الفقه واجتهاد الأئمة؟.
ولا يخفى على القارئ أن العبارة التي يدعي غموضها، فيها تصريح بأن النبي ﷺ قد نهى عن التنطع وَدَعَا على المتنطعين بالهلاك.
فصاحب الأمر هنا - وفي هذه المسألة - هو النبي، أي السنة النبوية، لأن هذه التفصيلات وردت في السنة، والقرآن قد أحال إليها في قول الله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١).
وهذه بدهيات يعلمها الباحث المسلم وغير المسلم حتى لو لم يصرح بها المقال. ومن البدهيات أيضًا، في شريعة الإسلام أنه عند التنازع يرد الأمر إلى القرآن والسنة - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ
стр. 56
فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (١).
خَامِسًا: بَيْنَ الفَلْسَفَةِ العَقْلِيَّةِ وَالوَضْعِيَّةِ:
كما ادعى الدكتور أن العبارة السابقة فيها تناقض في قولي: «وَاحْتَكَمَ نَفَرٌ إِلَى الفَلْسَفَةِ العَقْلِيَّةِ الوَضْعِيَّةِ ...»، وقال: «إِنَّنِي عَلَى يَقِينٍ أَنَّ الفَلْسَفَةَ العَقْلِيَّةَ تَعْنِي شَيْئًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا .. بَلْ وَمُتَعَارِضًا كُلَّ التَّعَارُضِ مَعَ مَا تَعْنِيهِ الفَلْسَفَةُ الوَضْعِيَّةُ، فَالفَلْسَفَةُ العَقْلِيَّةُ تَنْصَبُّ عَلَى قَوَانِينِ العَقْلِ المُجَرَّدَةِ وَاسْتِنْبَاطِ الأَفْكَارِ مِنَ المَبَادِئِ الأَوَّلِيَّةِ، أَوْ المَقُولاَتِ الفِطْرِيَّةِ التِي لَيْسَتْ لَهَا صِلَةٌ بِالعَالَمِ المَادِّيِّ أَوْ مُسْتَمَدَّةً مِنَ التَّجْرِبَةِ الحِسِّيَّةِ ... أَمَّا الفَلْسَفَةُ الوَضْعِيَّةُ، فَإِنَّهَا تَنْصَبُّ أَسَاسًا عَلَى الوَقَائِعِ العَيْنِيَّةِ وَتَسْتَنِدُ فِي الأَصْلِ عَلَى الخِبْرَةِ الحِسِّيَّةِ وَالأَحْدَاثِ التِي تَقَعُ فِي عَالَمِ الطَّبِيعَةِ بِالفِعْلِ ..».
وفيما نقله الدكتور من فوارق بين ما يسمى بالمذهب العقلي أو الفلسفة العقلية والتي نادى بها (ديكارت)، و (سبينوزا)، و (ليبز)، و (هيجل) وبين ما يسمى بالمذهب الوضعي أو الفلسفة الوضعية التي نادى بها (أوجست كونت) ... يجد هو وغيره من الباحثين أن بين الفلسفتين عاملاً مشتركًا هو إبعاد الدين عن مجال الأحكام في الأمور التي لا تخضع للتجارب والخبرة الحسية، ويشمل ذلك الأمور الغيبية، وهذه الأمور لها مصدر واحد هو الوحي المنزل على رسول الله .. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٢).
أما المذهب الوضعي أو الفلسفة الوضعية فإن كانت تنصب على الوقائع المادية والتجارب الحسية .. إلا أنها تزعم «أَنَّ المَعْرِفَةَ الصَّحِيحَةَ هِيَ المَعْرِفَةُ المَبْنِيَّةُ عَلَى الوَاقِعِ وَالتَّجْرِبَةِ فَقَطْ، وَأَنَّ العُلُومَ التَّجْرِيبِيَّةَ هِيَ التِي تُحَقِّقُ المَثَلَ الأَعْلَى لِلْيَقِينِ» (٣)، وترتب على هذا الزعم أن تلاميذ هذه المدرسة من قال: «لاَ أَرَى عَقْلَ الأُسْتَاذِ، فَهُوَ بِغَيْرِ عَقْلٍ»؛ لأن هذا المذهب يقوم على زعم آخر كنتيجة لهذه الفلسفة هو «أَنَّ الفِكْرَ البَشَرِيَّ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْتَنِبَ القَطِيعَةَ وَالخَطَأَ إِلاَّ إِذَا اتَّصَلَ بِالتَّجْرِبَةِ وَأَعْرَضَ عَنْ كُلِّ مَا هُوَ قَبْلِيٌّ ..» (٤).
فهذه الفلسفة تتعارض مع الأديان في حصرها المعرفة واليقين في العلوم التجريبية،
стр. 57
فكل شيء غير محسوس ولا يخضع للتجارب فهو غير يقيني.
ولا يخفى على الباحثين أن العلماء اكتشفوا الأصوات والتموجات الكهربائية وهي غير ملموسة ولا مرئية، كما اكتشفوا كوكب النبتون ولم ترصده المناظير الأرضية، بل استدلوا عليه بالأشعة التي صدرت عنه وعكستها كواكب أخرى.
وهكذا أصبح من المسلمات العلمية أن تقطع بوجود أشياء غير مرئية بالآثار الصادرة عنها، وهذا ما خاطب به القرآن الناس منذ خمسة عشر قرنًا من الزمان - قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ (١).
والقرآن المكي مليء بهذه الاستشهادات، فليرجع إليه.
لما كان ذلك .. فإن اتفاق الفلسفتين على إبعاد الدين عن مصادر المعرفة، يرفع التناقض الذي ظنه الدكتور الناقد. ومع هذا فعبارتي قد خلت من هذه المقولة والافتراضات الفلسفية التي هي بطبيعتها مقولات نظرية يدور حولها الجدل الذي يبعد كثيرًا عن الواقع، ويستمر هذا الجدل والحوار بغير جدوى وكأن الكلام غاية في ذاته، فقولي: «وَاحْتَكَمَ نَفَرٌ إِلَى الفَلْسَفَةِ العَقْلِيَّةِ الوَضْعِيَّةِ ...» هذه العبارة لها أكثر من مدلول:
[أ] فهي تجمع بين الفلسفتين وتجعلهما شيئًا واحدًا في خصوصية هذه المسألة، وهي رد الأمر إلى الكتاب والسنة والنعي على من يبعد الدين عن مصادر المعرفة والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، متقدمان ما كان من وضع البشر.
[ب] وهي أيضًا تصف الفلسفة العقلية بالوضعية باعتبارها من وضع البشر.
[ج] وهي تشير إلى مقالات نشرت عن التطرف، احتكم فيها بعض الكُتَّابِ إلى أساتذتهم في الجامعة - وهم أصحاب فلسفة عقلية وضعية - وكل هذه المدلولات الثلاث واردة في دلالات هذه العبارة، ولكن الموضوع الذي تناوله مقالي هو التشريع الإسلامي الذي لا ينكره علماء الغرب أنفسهم وهو مختلف تمامًا عن هذه الفلسفات النظرية التي تدور في فلك جدلي لا ينتهي .. ومن ثم أترك غيري للأخذ والرد والإرخاء والشد في معاني هذه الألفاظ.
стр. 58
سَادِسًا: الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَصْدَرُ التَّشْرِيعِ:
يزعم الدكتور عبد الله العمر أن الكتاب والسنة ليسا وحدهما الأساس المطلق الذي تجتمع عليه كلمة المسلمين، وإلا لما احتاج الأولون إلى الاجتهاد والقياس، ولما كان هناك اختلاف بين مذاهب أهل السنة، ولما كان هناك اختلاف بين السنة والشيعة أدى إلى صراعات دامية عبر التاريخ، وينتهي إلى أن صاحب الأمر يجب أن يكون هو العقل وهذا لا يمنع عنده أن يكون للدين دور في تصريف بعض شؤوننا المدنية.
وبادئ ذي بدء فالذي لا يختلف عليه أحد من عقلاء المسلمين أو غيرهم أن القرآن الكريم قد نص على رد الأمر إلى الله ورسوله عند التنازع .. أي إلى الكتاب والسنة .. فلا يقبل من أحد أن يزعم أن المسلم له مصدر آخر يحتكم إليه عند التنازع، إذ لو كان مسلمًا لكان الكتاب والسنة هما مصدر الأحكام له ويرد إليهما النزاع وهذه بدهيات في قاموس التشريع الإقليمي والدولي ...
فالقانون الدولي الذي أجمعت عليه جميع التشريعات الدولية يقضي أنه عند التنازع في مسائل الأحوال الشخصية يحتكم فيها إلى قانون جنسية الزوجين، إن اتفقت جنسيتهما، أو قانون الزوج إن اختلفت الجنسية.
فلا يقبل من أحد أن يختار لنفسه قانونًا غير قانون جنسيته إلا إذا تنازل عن هذه الجنسية واكتسب جنسية أخرى .. والمسلم لا يقبل منه أن يطل الاحتكام إلى تشريع آخر غير الإسلام، فإن كان جَادًّا في طلبه ومنطقيًا مع ما يدعيه من اعتقاد .. فعليه أن يترك دين الإسلام وأن يكتسب الديانة أو الجنسية التي تحقق له السعادة التي ينشدها.
ومن البدهي أيضًا أن القرآن في رده الأمر عند التنازع إلى الكتاب والسنة، لا يلغي دور العقل في استنباط الأحكام منها عن طريق الإجماع والقياس عند عدم وجود نص في القرآن والسنة، لأن الإجماع والقياس لا يستقلان بالشرع، بل يبنيان على القواعد العامة في القرآن والسنة وهو ما يعرف باسم مستند الإجماع والقياس ..
أما الصراع الدموي بين طوائف من المسلمين تاريخيًا، فلم يكن سببه الدين .. بل الدنيا وأهلها، وهذا لا يجهله أحد من المنصفين.
وأيضًا الخلاف بين السنة والشيعة لا يمنع من رد الأمر إلى القرآن، لأنه مصدر مجمع عليه بينهما .. ومن رد الأمر إلى السنة الثابتة عند الفريقين.
стр. 59
أما الخلاف في الأحكام الفقهية العلمية فمسألة لا يترتب عليها أي إشكال لا بين المسلمين أو بينهم وبين غيرهم .. فتوجد قاعدة قانونية دولية تسمى «إقليمية القوانين»، ومن مقتضاها خضوع الشخص جبرًا عنه إلى قانون الإقليم الذي يقيم فيه بالنسبة لجميع التشريعات، ما عدا مسائل الأحوال الشخصية فيخضع فيها الشخص لشريعة، - أي قانون جنسية - الزوجين إن اتفقت جنسيتهما، أو قانون جنسية الزوج إن اختلفت جنسيتهما.
سَابِعًا: عُرْفُ الصَّحَافَةِ وَالإِعْلاَنِ التِّجَارِيِّ:
لفت الدكتور الناقد نظري إلى مخالفتي لما سماه بالعرف السائد في ميدان الكتابة والذي يمنع - في نظره - من أن ينشر مقالي في " المجتمع " بتاريخ ٣/ ٤ / ١٩٨٤ وفي " الوطن " بتاريخ ٥/ ٤ / ١٩٨٤ وفي كل من " السياسة " و" القبس " بتاريخ ٦/ ٤ / ١٩٨٤ .. ويعلل ذلك بأن المقالة الصحفية ليست إعلانًا تجاريًا .. وهذه مقدمة غير صحيحة، لأن النشر للموضوع في أكثر من جهة ليس قاصرًا على الأمور التجارية، وليس بيد أصحاب هذه الموضوعات، بل يرجع إلى الصحف نفسها والمختصين فيها، هم الذين يقدرون مدى صلاحية المقال للنشر من جديد، وهذه ليست أول مقالة لي ولا لغيري يعاد نشرها. فما زالت الصحف المحلية والعربية بل وغيرها تنشر لي ولغيري منذ عشرات السنين دون اعتراض من أحد مِنَ الكُتَّابِ، بل ودون سعي مباشر أو غير مباشر مني ..
فإن كان السبب لديه أن مقالي يرد عليه، فإن اسمه لم يذكر في مقالي، وإن قيل: فالمقال يرد على فكره، فإن كان هذا الفكر معلومًا لدى قراء هذه الصحف توجب أن يكون الرد معلومًا لهم، وإن كان مجهولاً عندهم فماذا يضيره أن يقرأوا مقالاً يرد على فكر مجهول لديهم.
وأخيرًا فصاحب الحق في النشر من عدمه هي الصحف، فإن امتنعت صحف الكويت، هل يملك أن يمنع صحفيًا في السعودية وقطر والإمارات ومصر والهند وباكستان والأردن نشر المقالات التي تعد دفاعًا عن الإسلام وتوضيحًا لمبادئه، باعتباره عقيدة هذه الشعوب والمصدر الرئيسي لتشريعاتها ونظامها الاجتماعي.
- غلق الحوار الجدلي:
وأخيرًا فإنني من جانبي أغلق الحوار في هذه الفلسفات العقلية، التي لا ينكر أتباعها أنها تتغير من وقت لآخر ومن كاتب لآخر، بل إن هذا التغيير حاصل في
стр. 60
الفلسفات التي تدعي الحتمية مثل الماركسية، وهو تغيير ظهر أثره في الخلاف بين روسيا والصين، وبينهما وبين الأحزاب الشيوعية في أوروبا، والتي هي الأخرى تختلف أيضًا فيما بينها في الأصول وليس في الفروع، فإن خفي هذا على أحد في الكويت وظن أن العقل هو الفيصل والحكم في الأمور المختلف عليها بين الناس، أو خفي عليه أن التشريع الإسلامي يرتكز على أصول ثابتة لا تتغير ولا تتبدل هي القرآن والصحيح من السنة النبوية، وأنه بهذا يتميز الإسلام عن غيره، كما يتوحد المصدر الذي يحتكم إليه عند الخلاف، كما خفي عليه أسباب الخلاف بين فقهاء المسلمين الذي لا يؤثر في هذه الأمور الثابتة، فلا نحاور في هذه الحقائق فليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل (١).
стр. 61
الإِسْلاَمُ وَالحُكْمُ وَالفَصْلُ بَيْنَ السُّلُطَاتِ:
بتاريخ ٢٣/ ٥ / ١٩٨٤ نشرت " الوطن " مقالاً للدكتور عبد الله العمر بعنوان (فصل المقال وتقرير ما بين العلمانية والشريعة من الانفصال)، وقد خصصه كما قال لتفنيد أفكار لي نشرت في " الوطن " بتاريخ ١٨/ ٤ / ١٩٨٤، وذلك على الرغم من أن مقالي المذكور تضمن بوضوح أن ما سطرته ليس فكرًا لي ولا لغيري، إنما هي أحكام الإسلام الذي يؤمن به المسلمون، وعلى الرغم أيضًا من أنني ختمت المقال بعنوان (غلق الحوار الجدلي) أعلنت فيه أنني من جانبي أغلق باب الحوار الجدلي في هذه الفلسفات العقلية التي لا ينكر أتباعها أنها تتغير من عصر إلى آخر، بل من كاتب إلى آخر ... أما التشريع الإسلامي فإنه يرتكز على أصول ثابتة لا تتغير وهي القرآن الكريم وما ثبت من السنة النبوية، وهذه الأصول حقائق ثابتة لا يجوز لمسلم أن يحاور فيها، إذ لا يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل.
ولكن لما كان الدكتور في رده ينسب إِلَيَّ مقالي سالف الذكر أمورًا ليست صحيحة بعد أن مضى على المقال شهر تقريبًا نسي فيه القراء هذه العبارات، كما أنه بمقاله يبرهن عملاً على إفلاس العلمانية العربية، وذلك أنها لم تجد في الإسلام صكوك الغفران والحرمان ولا مفهوم الحكومة الدينية، فراحت بلا علم تخلط بين الإسلام وأعمال حكام المسلمين، أو المرتدين عن الإسلام، ومع هذا فلا وجه للقياس على الحكومة الدينية أو الحاكم الذي هو ظل الله في الأرض في أوروبا، والذي إذا أحل شيئًا فهو حلال في السماء، وإذا حرم شيئًا فهو محرم في السماء، كما أن من يدعي أنهم يكفرون غيرهم، فلا يزعم أحد أنهم يملكون صكوك الغفران والحرمان!!.
ولذا .. كان لزامًا أن أسطر الجواب التالي، حتى لا تكون هناك فتنة في الدين، وليكون الأمر للهِ وليس لبعض خلق الله.
أَوَّلاً: أَيْنَ صُكُوكُ الغُفْرَانِ الإِسْلاَمِيَّةِ ؟:
نقل الدكتور قولي: «إِنَّ العِلْمَانِيَّةَ نَشَأَتْ فِي أُورُوبَا كَرَدِّ فِعْلٍ لِلْحُكْمِ الدِّينِيِّ هُنَاكَ، الذِي كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَمْلِكُ صُكُوكَ الغُفْرَانِ وَالحِرْمَانِ». ثم كرر عبارات له سابقة هي اختصاصه أن «يُبَيِّنَ نَصِيبَ هَذَا الكَلاَمِ مِنَ الصِّحَّةِ عَلَى نَحْوِ مَا فَعَلَ فِي مَرَّاتٍ سَابِقَةٍ». ثم قال: «لَوْ افْتَرَضْنَا أَنَّ هَذِهِ العِبَارَةَ صَحِيحَةٌ مِنَ النَّاحِيَةِ التَّارِيخِيَّةِ، فَهَلْ يَخْتَلِفُ حَالُنَا اليَوْمَ
стр. 62
مَعَ رِجَالِ الدِّينِ المُسْلِمِينَ المُتَطَرِّفِينَ عَمَّا دَرَجَ عَلَيْهِ رِجَالُ الكَنِيسَةِ فِي قَضِيَّةِ صُكُوكِ الغُفْرَانِ، أَوْ طَرْدِ النَّاسِ مِنَ الكَنِيسَةِ، أَلاَ يَعْمَلُ رِجَالُ الدِّينِ المُتَطَرِّفُونَ فِي يَوْمِنَا هَذَا عَلَى تَكْفيرِ كُلَّ مَنْ يُخَالِفُهُمْ أَوْ يُسِيءُ إِلَيهِمْ، وَهَلْ غَابَ عَنْ بَالِنَا أَنَّهُمْ رَاحُوا بِكُلِّ سَذَاجَةٍ أَوْ غَبَاءٍ يَهْدِرُونَ دَمَ الذِينَ لاَ يُشَاطِرُونَهُمْ الرَّأْيَ، وَيَخْرُجُونَ عَلَيْنَا بِفَتْوَى تُؤَكِّدُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الصَّلاَةُ عَلَى مَنْ عَصَى لَهُمْ أَمْرًا، وَلاَ يَصِحُّ دَفْنُ مَنْ خَرَجَ عَلَى مِلَّتِهِمْ فِي مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ؟».
وجوابي على ذلك هو:
١ - سبق أن كرر الدكتور أنه يصحح لي ولكثير من المفكرين المسلمين أخطاءنا والإشكال الذي نقع فيه بشأن العلمانية. ونود أن يتذكر الدكتور أن الذين يصحح لهم أفكارهم ليسوا هم أصحاب هذه الأفكار، إن صح تسميتها أفكارًا، فهم يستمسكون بنصوص القرآن والسنة النبوية، ويعتقدون أن كل مسلم لا يملك أن يتجاوز حدود هذه النصوص؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١).
٢ - التصحيح لا يكون إلا بالاحتكام إلى مصدر لا خلاف عليه، لهذا فالمسلمون يحتكمون إلى القرآن والسنة، والشيوعيون يحتكمون إلى الماركسية والدكتور من المسلمين .. ولم يقل أحد خلاف ذلك - لم يكتب يومًا المصدر الذي احتكم إليه ليصحح لنا ولغيرنا هذا الفكر، ويفترض أنه كمسلم يرد الأمور المختلف فيها إلى القرآن والسنة، فهل في أقوالي وأفكاري ما يخالف القرآن والسنة؟ وأين هذه المخالفة؟ أما إن ادعى أن الإسلام لا يمنعه من تحكيم عقله أو عقل غيره من الناس في هذا، فالإسلام ليس أسرارًا خفية لا يعلمها إلا الكهنة، وليس له لغة لا يفقهها إلا الأحبار والرهبان، بل هو آيات بينات أقام عليها حضارة علمية ومدارس فقهية وفكرية. ويقول الله عن هذه الآيات: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٢).
والإسلام يرد على هذه البدعة بقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ (٣).
٣ - إن الإنسان الذي يملك صكوك الغفران والحرمان هو الذي يملك تصحيح أفكار
стр. 63
الناس بقوله المجرد؛ لأنه يعتقد أنه لا ينطق إلا باسم الله الذي فوضه في ذلك، وليس بين المسلمين من يدعي لنفسه ذلك، فكيف يدعي هو ذلك؟ لأنه يرفض أن يكون القرآن والسنة المصدر الذي نحتكم إليه.
٤ - إن الربط بين بعض المتطرفين المسلمين وبين صكوك الغفران لرجال الدين في أوروبا أمر غير صحيح، وهو قياس مع الفارق، فرجال الدين في أوروبا كانوا يزعمون أنهم يتحدثون، باسم الله، ولهذا فإن ما يحلونه في الأرض يحله الله في السماء، وما يحرمونه في الأرض يحرمه الله في السماء وهم يستندون في ذلك إلى " الإنجيل " الذي ينص على أن ما يحله عيسى باعتباره ابْنًا للهِ يحله الله في السماء، وما يحرمه في الأرض يحرمه الله في السماء، ولهذا لجأ الناس إلى العلمانية وهي عدم المبالاة بالدين والاعتبارات الدينية.
فهل يوجد من المسلمين من يدعي أنه يملك صكوك الغفران والحرمان، بمعنى أنه يملك أن يطرد أحدًا من جنة الله، أو أن يدخله هذه الجنة لأنه يملك أن يحط عنه ذنوبه أو يحملها عنه.
نرجو أن يدلنا الدكتور بالاسم على من يقول بذلك من المسلمين لندخله مستشفى المجانين؛ لأنه بهذا يكون قد فقد عقله أَوْ اسْتَحَقَّ الحَجْرَ عَلَيْهِ.
٥ - أن من أسماهم بالمتطرفين المسلمين لا يكفرون من خالفهم، أو أساء إليهم ولا يهدرون دم من خالفهم في الرأي. بل يقولون إن من أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، أو فعل فعلاً لا يحتمل إلا الكفر فقد حكم على نفسه «بِإِنْكَارِهِ أَوْ فِعْلِهِ» بالكفر، وجعل نفسه نِدًّا للهِ، ويكفر بذلك بالإجماع. كما أن النبي ﷺ قد أهدر دم المرتد عن الدين الخارج عن الجماعة، وأن الذي يوقع العقوبة هو الحاكم المناط به تنفيذ أمر العقوبات، كأي نظام اجتماعي في الدنيا بأسرها. كما أنهم لا يبتدعون حكمًا من عند أنفسهم بل يقولون بحكم الله تعالى، الذي أجمع عليه المسلمون وكان على من رمى هؤلاء بالتطرف أن يذكر النص الشرعي الذي خالفوه. أما من خرج على هذا الإجماع وزعم أن المسلم لا ينبغي أن يحتكم إلى شريعة الله، فقد انطبق عليه قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، ولكن لا نحدد أشخاصًا أو أسماء لنقول إنها بأسمائها وأعيانها كفرت؛ لأن هذه مهمة المحكمة الإسلامية فيما يعرض عليها من وقائع وليست مهمة الأفراد.
стр. 64
٦ - لا يجوز أن ينسب الدكتور أمورًا كهذه أو غيرها إلى أحد دون أن يذكر أسماءهم، أو المصدر الذي نشروا فيه هذه الأقاويل أو غيرها، مما ذكره الدكتور في مقاله.
كما لا يجوز له ولا لغيره في مجال الرد على شخص بعينه أن يعمم القول بالتطرف الديني؛ لأن الحكم بالتطرف يستلزم ذكر اسم المتطرف، والأقوال أو الأعمال التي تعد من التطرف، ثم بيان المصدر الذي يصف القول أو العمل بالتطرف؛ لأنه بغير ذلك تصبح الاتهامات بجميع أنواعها سلاحًا إرهابيًا بيد كل كاتب ليشهره في وجه من شاء بغير قيود ولا ضوابط.
ثَانِيًا: الأُورُوبِيُّونَ وَخُصُومُ الإِسْلاَمِ:
نسب الدكتور إِلَيَّ القول: «إِنَّ الأُورُوبِيِّينَ أَنْفُسُهُمْ يُشِيدُونَ بِمَزَايَا الإِسْلاَمِ». ثم رتب على هذه المقدمة الافتراضية نتائج أهمها:
أ - أنني أعمم هذا الحكم على جميع الأوروبيين فيما يتعلق بالإسلام.
ب - إن هذا ربما يؤدي إلى القول بأن خصوم الإسلام هم المعسكر الشيوعي وإسرائيل وجنوب أفريقيا، بينما المعسكر الغربي يناصر الإسلام.
ج - إن كان هذا هو طابع الإشادة الأوروبية بإسلامنا فما عسى أن يكون سلوك الغرب نحونا.
د - هل يجوز أن نقول إن الغربيين يناصرون الإسلام بالفعل أو يتعاطفون مع مطالبنا وحقوقنا.
ولعل هذه النتائج نفسها تؤكد أن ذلك ليس مقصودًا من هذه العبارة مع أنها قد اجْتُزِئَتْ من موضوع في مجمله لا يمكن أن يفهم منه أي شيء من ذلك، حتى لو حذف حرف في الطباعة فإن سياق الكلام لا يؤدي أبدًا إلى هذا الخلط.
وَمَا كَتَبْتُهُ هُوَ: «الحُكْمُ الدِّينِيُّ فِي أُورُوبَا، الذِي كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَمْلِكُ صُكُوكَ الغُفْرَانِ وَالحِرْمَانِ، وَلاَ يُوجَدُ هَذَا وَلاَ غَيْرُهُ فِي الإِسْلاَمِ، بَلْ إِنَّ الأُورُوبِّيِّينَ أَنَفْسُهُمْ يُشِيدُونَ بِمَزَايَا الإِسْلاَمِ، وَأَنَّهُ دِينٌ وَدَوْلَةٌ .. وآخِرُ كِتَابٍ صَدَرَ فِي ذَلِكَ هُوَ كِتَابُ " الإِسْلاَمُ وَالدَّوْلَةُ " لِلْصَّحَافِيِّ البَرِيطَانِيِّ (إِدْوَارْدْ مُورْتِيمَرْ) أَكَدَّ فِيه أَنَّ الإِسْلاَمِ دِينٌ وَدَوْلَةٌ، وَأَنَّهُ يَعْنِي التَّسْلِيمَ بِأَوَامِرِ اللهِ وَالاِلْتِزَامِ بِهَا» (*). وما كان للدكتور العمر أن يجتزئ عبارة من هذه العبارات ويفصلها عن باقي سياق الموضوع ليخلص إلى المقدمة والنتائج سالفة الذكر.
стр. 65
فسياق الكلام أن الأوروبيين لا يقولون بما يقول هو به عن الإسلام في خصوص الحكومة الدينية وصكوك الغفران الإسلامية.
فكيف يتحول هذا السياق إلى مقدمة خاطئة ونتائج أكثر خطأ وشططًا.
ثَالِثًا: الخَلْطُ بَيْنَ نَقْدِ الإِسْلاَمِ وَنَقْدِ دُعَاتِهِ:
يردد أنصار العلمانية العربية والقومية العربية، أن المسلم إذا تكلم في الأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية، يكون بهذا قد عرض فكره للنقد وتأسيسًا على هذه المقولة يرد الدكتور العُمُرْ أنه يصحح لكثير من المفكرين المسلمين أفكارهم، عندما يقولون: إن القرآن والسنة وحدهما هما الأساس المطلق التي يمكن أن تجتمع عليه كلمة المسلمين.
هذه المقولة يمارس أصحابها نوعًا من الإرهاب الفكري، ليبرروا لأنفسهم الطعن بعدم صلاحية القرآن والسنة.
ولا يخفى على أحد أنه إن كان الفكر الذي يطرحه دعاة الإسلام في هذه الأمور مستندًا إلى القرآن والسنة، فهو ليس اجتهادًا منهم يقبل النقد والتجريح، بل هو حكم الله الذي لا يحل لمسلم أن يخالفه.
فهذا هو الفيصل في هذه الأمور، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١).
رَابِعًا: الخَلْطُ بَيْنَ الإِسْلاَمِ وَأَعْمَالِ الحُكَّامِ:
نقل الدكتور قولي: «الشُّعُوبُ الإِسْلاَمِيَّةُ تَجْمَعُ فِي جَمِيعِ الاِسْتِفْتَاءَاتِ عَلَى اخْتِيَارِهَا الشَّرِيعَةَ الإِسْلاَمِيَّةَ، وَلِهَذَا تَمَّ تَعْدِيلُ الدُّسْتُورِ المِصْرِيِّ وَتَضَمَّنَ هَذَا، وَحَدَثَ مِثْلَ هَذَا فِي السُّودَانِ وَالبَاكِسْتَانِ وَإِيرَانَ».
هذه العبارة نقلها وحدها من السياق الذي يدلل على أن المسلمين يجمعون على الاحتكام للإسلام وليس إلى العلمانية كما يدعي أصحابها من العرب، وذلك رَدًّا على مقال له بتاريخ ١٤/ ٤ قال فيه: «كَمْ مِنْ أَبْنَاءِ المُسْلِمِينَ يُوَافِقُونَ عَلَى رَدِّ الأَمْرِ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَى القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ».
стр. 66
ولكن الدكتور بهذا التصرف في العبارات يصل إلى ما يريد في قوله: «إِنَّ الفِكْرَ يَحَارُ بِالفِعْلِ حَوْلَ الاِسْتِشْهَادِ بِتَجَارِبِ السُّودَانِ وَالبَاكِسْتَانِ وَإِيرَانَ، أَيُعْقَلُ أَنْ نَسْتَشْهِدَ بِمُمَارَسَاتِ هَذِهِ المُجْتَمَعَاتِ، وَهِي عَلَى مَا هِي عَلَيْهِ مِنْ فَوْضَى وَتَرَدِّي وَاِسْتِبْدَادٍ». ولا يوجد في سياق كلامي ما يدل على هذا، بل فيه أن قواعد الشريعة تدرس في المدارس والمعاهد، ويعلمها صبيان العلماء منذ خمسة عشر قرنًا من الزمان، وهذه البدهيات جعلت الشعوب الإسلامية تجمع في جميع الاستفتاءات على اختيار الشريعة الإسلامية.
إنه بنفس المنطق رد الدكتور البغدادي بتاريخ ٢١/ ٤ فقال: «إِنَّ مَا يُرَدِّدُهُ الدُّكْتُورُ العُمَرُ لاَ يَقولُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَكِلاَنَا لاَ يَعْنِي الاِسْتِشْهَادَ أَوْ التَّمَسُّكَ أَوْ الإِشَادَةَ بِالمُمَارَسَاتِ الاِسْتِبْدَادِيَّةَ فِي هَذِهِ المُجْتَمَعَاتِ مَعَ أَنَّ الاِسْتِبْدَادَ لَيْسَ مِنَ المُجْتَمَعَاتِ بَلْ مِمَّنْ بِيَدِهِمْ السُّلْطَةُ فِيهَا».
ولكن الدكتور العمر يحلو له أن يجعل من أعمال بعض الحكام أو أكثرهم دليلاً على عدم صلاحية التشريع الإسلامي، ولعله يذكر أن مقاله في ١٦/ ٤ قد تضمن الاستشهاد بحكام بني أمية، ليدلل على أن الإسلام حكم فردي مطلق لا فصل فيه بين السلطات.
خَامِسًا: الإِسْلاَمُ وَالفَصْلُ بَيْنَ السُّلُطَاتِ:
ولقد ردد الدكتور في مقاله سالف الذكر أن «فِي نِظَامِ الحُكْمِ الإِسْلاَمِيِّ السُّلُطَاتُ الثَّلاَثُ التَّشْرِيعِيَّةُ وَالتَّنْفِيذِيَّةُ وَالقَضَائِيَّةُ جَمِيعُهَا مُنَاطَةٌ بِيَدِ حَاكِمٍ وَاحِدٍ فَرْدٍ، وَوَاحِدٌ مُنْفَرِدٌ لاَ يُحَاسِبُهُ أَحَدٌ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ».
وسبق أن كرر ذلك في مقاله بتاريخ ٢٥/ ٣ / ١٩٨٤ وزاد أن مصير العلماء والمفكرين في الحكم الإسلامي يكون مرهونًا بمزاج الحاكم.
ولا يخفى على أحد من المسلمين على الأقل أن التشريع في النظام الإسلامي ليس من اختصاص الحكام أو غيرهم، ومن ادعى الإسلام ثم طلب الاحتكام عند التنازع إلى غير القرآن والسنة قال الله عنه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (١).
فكيف يكون التشريع في النظام الإسلامي بيد حاكم فرد وهو لا يملك ذلك، وقد سبق
стр. 67
أن تضمن مقالي الأول في ٥/ ٤ / ١٩٨٤ بيان ذلك وأن الإسلام لا يجمع بين السلطات الثلاث واستشهدت بالآية ٢٥ من سورة الحديد (١).
أما من يستشهد بالتطبيق في زمن النبي ﷺ فإنه مبلغ عن الله، ولا يشرع من نفسه كما لا يحكم بشيء من عند نفسه، حيث كان يتنزل الوحي بحكم الله تعالى، فلا يوجد جمع في يده بين السلطات وقد أنزل الله عليه ليعلن للناس كافة ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠].
ومع هذا فقد عين قضاة في بعض الاختصاصات، وآخرين في البلاد البعيدة.
فقد عين كُلاًّ من الإمام علي وأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل قضاة في أقاليم متفرقة من اليمن.
أما الخليفة أبو بكر الصديق فقد بدأ بفصل القضاء عن الحكم، فعين عمر بن الخطاب قاضيًا على المدينة التي بها مقر الحكومة، كما عين قضاة للأقاليم.
أما عمر بن الخطاب فكتابه الذي هو دستور القضاء قد أشاد به المتخصصون من الأوروبيين حيث توسع في هذا الأمر وفي النظم الإدارية.
أما الإمام علي بن أبي طالب فيكفي أنه ظل حكمه وخلافته اختلف مع يهودي على درع، فاحتكما إلى القاضي واستشهد الخليفة بابنه الحسن وتابعه قنبر، لأن الإمام علي يرى قبول شهادة الابن فالعبرة بالعدالة والثقة، ولكن القاضي لا يرى ذلك فاكتفى بشهادة قنبر، وانتهى في حكمه إلى رفض دعوى الإمام علي لعدم اكتمال الشهادة.
ومع هذا فما زال العلمانيون العرب يتخيلون أن الإسلام ليس فيه مبدأ الفصل بين السلطات، ثم ينسبون إلى الإسلام ما ليس فيه.
سَادِسًا: تَكْفِيرُ المُخَالِفِ وَالإِسَاءَةُ إِلَيْهِ:
ورد في رد الدكتور العمر عبارة «أَنَّهُمْ رَاحُوا بِكُلِّ سَذَاجَةٍ وَغَبَاءٍ يَهْدِرُونَ دَمَ الذِينَ لاَ يُشَاطِرُونَهُمْ الرَّأْيَ». «تَكْفِيرُ كُلَّ مَنْ يُخَالِفُهُمْ وَالإِسَاءَةُ إِلَيْهِمْ». وفي رده على مقالي المنشور في ١٨/ ٤ قال: «عَجِبْتُ مِنْ رَدِّهِ وَالتَّقَوُّلاَتِ التِي جَاءَتْ فِي مَقَالَتِهِ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ
стр. 68
يَتَقَوَّلَ بِعِبَارَاتٍ أَوْ يَخْتَلِقَ أَفْكَارًا مِنْ عِنْدِهِ وَيَنْسِبَهَا إِلَيَّ».
وفي الوقت الذي يصف فيه مقالي بالتشنج والسخط يقول في مقاله بتاريخ ٢٣/ ٤ تعليقًا على قولي أنه ليس صاحب فكر «أَشْكُرُهُ لأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الوَصْفِ، وَلَمْ يُكْمِلْ بَقِيَّةَ السِّلْسِلَةِ مِنَ التُّهَمِ وَالافْتِرَاءَاتِ وَالسَّبِّ وَسَاقِطِ القَوْلِ».
وهذا منه يدل أنه لا يوجد في مقالي غير عبارة «لَيْسَ صَاحِبَ فِكْرٍ».
ومع هذا يكتب عن التقول عليه واختلاق الأفكار ونسبتها إليه، وعن تكفيره والإساءة بكل سذاجة وغباء (١).
وكل عالم يدرك أن وصفي له في هذا الحوار أنه ليس صاحب فكر، ليس من السباب وساقط القول، كما يقول من ناصره بغير بينة.
فالدكتور يردد أفكار العلمانيين العرب، ومن أخذوا عنهم من اليهود، ويفتخر أنه يقلد الدكتور زكي نجيب محمود، الذي تعهد بنشر المذهب الوضعي في العالم العربي، ثم رجع عن كثير من معقتداته الأوروبية (٢).
стр. 69
العِلْمَانِيَّةُ الأُورُوبِيَّةُ وَالعِلْمَانِيَّةُ العَرَبِيَّةُ: (١).
ما إن نشرت مقالاً باسم " الإسلام والعلمانية العربية " حتى بدأ الدكتور عبد الله العمر من ذلك التاريخ في أوائل إبريل وحتى اليوم يكتب معلنًا، إنه يصحح لكثير من المفكرين المسلمين أوهامهم وأخطاءهم.
وسبيله للتصحيح أن يقدم كلمات من المقال يفصلها عن باقي سياق الموضوع، ليصل إلى نتيجة يريدها من ذلك أن اعتبر أني أقول بعدم وجود نظام لمحاسبة الحاكم في النظام الديمقراطي، وهو يعلم أني لو جهلت ذلك ما حصلت على ليسانس الحقوق، ويبني على ذلك أن يقدم من الدساتير الغربية الأدلة والبراهين على شيء لم أخالفه فيه، حيث كان قولي إن النظام الإسلامي ينفرد بنظام لمحاسبة الحاكم حيث يجعله كالأفراد العاديين، فلا تشكل له محكمة خاصة وإجراءات خاصة، ولم أقل بعدم وجود نظام لمحاسبة الحاكم في النظام الديمقراطي. وفي مقال آخر يثبت لنا أصول التعامل مع غير المسلمين، مظهرًا أننا نحمل سيفًا أو نلعنهم مساءً ونحن نعلم قول الله : ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢).
لهذا آثرت وكتبت ردًا واحدًا فقط أعلنت فيه غلق باب الحوار ولكن الدكتور استمر في أسلوبه هذا.
وبتاريخ ٢٣/ ٥ / ١٩٨٤ كتب الدكتور العمر يقول: إنه يرد على مقالي المنشور في ١٨/ ٤ ليصحح ما به من أخطاء.
وفي سبيل ذلك ربط بين صكوك الغفران والحرمان في أوروبا، وبين من سماهم رجال الدين المتطرفين من المسلمين، ووصفهم بتكفير من يخالفهم في الرأي، وأنهم بكل سذاجة وغباء يهدرون دم الذين لا يشاطرونهم الرأي.
وسبق أن رد على هذا المقال بتاريخ ٢٣/ ٤ / ١٩٨٤، فقال: إنه يتعجب من التقولات التي جاءت في مقالي وإن عباراتي عاطفية ساخطة، وأنه يبين مواطن الضعف والخطأ في تصوراتي وأوهامي، لأني صاحب فكر مزيف هدام! وهو يعلم أن فكري من الإسلام ولا يستطيع أن يقول إنني ادعيت غير ذلك، أو أن يثبت خروج هذا الفكر على القرآن والسنة.
стр. 70
وفي مقال بتاريخ ٢٨/ ٤ / ١٩٨٤ كتب الأستاذ الأديب / عبد الرزاق البصير أن وصف الدكتور أنه ليس صاحب فكر يعد من الشتائم، وأن الأقلام التي ردت عليه لم تلتزم الأصول العلمية للنقاش واتصفت بالتشنج.
ومع خلو مقالاتي من السباب ومن التشنج والتكفير بالرأي ومع التزامي الأصيل بغلق باب الجدل مع هذه الفلسفات، لأنها في الحقيقة تكرر الفكر العلماني الذي نشأ في أوروبا كرد فعل لصكوك الغفران والحرمان، ولمظالم رجال الدين والحكومة الدينية بمفهومها الكهنوتي الأوروبي.
إلا أنني سطرت إيضاحًا هذه تكملته، لأن ادعاء الرد على مقالي بعد شهر من نشره، ثم نقل عبارات منه وفصلها عن سياقها، ثم ترتيب نتائج على هذه العبارة، أمر لا يسيء إِلَيَّ فقط بل إلى المناهج العلمية كلها، وهذا ما فضلت الرد عليه بمقالي السابق، وحتى اليوم لم يحدد أحد ما هي الشتائم عندي وما هو التكفير أو التقول على الدكتور العمر أو غيره.
وفي سبيل غلق هذا الجدل مرة أخرى أحصر الخلاف في هذه القضية في الآتي:
أَوَّلاً: حَقِيقَةُ العِلْمَانِيَّةِ:
العلمانية تعني عدم المبالاة بالدين والاعتبارات الدينية كما جاء في " المورد ": ص ٨٢٧ لكملة SECULARISM والعلمانية هي قواعد غير مرتبطة بالقواعد والأنظمة الرهبانية، ولا بالقواعد ذات العلاقة بالكنيسة أو الأنظمة الدينية (١).
١ - فليس صحيحًا أن العلمانية تعني التقدم العلمي الصناعي، أو أن من تعريفاتها الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، فالأنظمة التي تتبنى الشيوعية ولا تفصل بين هذه السلطات هي أنظمة علمانية، لأنها تتبنى قواعد غير دينية.
٢ - والذين ينكرون الأخذ بالعلمانية في المجتمع الإسلامي - أي الذي يتكون من أغلبية إسلامية - لا يريدون السعي إلى الاستبداد وعدم الفصل بين السلطات.
ولا ينكرون التقدم الصناعي والعمراني، بل يسعون إلى كل ذلك. فالنبي ﷺ يقول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ [بِأَمْرِ] دُنْيَاكُمْ»، والله يقول: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ
стр. 71
فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (١).
٣ - كما أنهم لا يردون أي فكر أو حضارة لا تحل الحرام أو تحرم الحلال، لأن النبي ﷺ يقول: «الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ [أَحَقُّ بِهَا]».
٤ - لهذا فما زلت أقول إن من خلطوا بين الإسلام والحكومة الدينية، ومن ينادون بالعلمانية في المجتمعات الإسلامية ليسوا أصحاب هذا الفكر فهم مقلدون لأوروبا.
بل إن تقليدهم هو إشهار علني لإفلاس العلمانية العربية، لأن العلمانية الأوروبية كانت رد فعل لصكوك الغفران والحرمان ولمظالم الحكومة الدينية هناك، والذي تبنى حرق العلماء التجريبيين بتهمة ممارسة السحر الأسود، ومخالفة الإرادة الإلهية، وكل هذه الخرافات ليست في الإسلام، ولا يجوز لمسلم أن يقول بها، أو أن يدعي أنه يملك هذه الصكوك، وإلا تم الحجر عليه قانونًا وأودع إحدى المصحات.
٥ - وخير للعلمانيين العرب أن يكونوا مقلدين للعلمانية الأوروبية، لأن نسبة نشأة العلمانية إليهم يخالف الحقائق التاريخية ويجعل مناداتهم بالعلمانية في المجتمع الإسلامي أمر فيه تقول وافتراء على التشريع الإسلامي، وتكذيب للقرآن والسنة.
وخير لهم أن يكونوا مقلدين لآخرين من أن يكونوا مكذبين لله ولرسوله. ولهذا فوصفهم بأنهم ليسوا أصحاب فكر، أي الفكر العلماني كما هو واضح من سياق المقال المنشور في ١٨/ ٤، أمر ليس من الشتائم وهو خير لهم من التكذيب والافتراء على الله ورسوله.
٦ - إن عبارات التكفير والسب والشتم والأوهام والسخط والنقولات، هي من الاتهامات التي ساقها ضدي الدكتور العمر، فكان لزامًا عليه أن يجدد هذه الاتهامات، وأين نشرت، ومن هو صاحبها؟ فمن المسلمات الأخلاقية ألا تنهى عن خلق ثم تأتي بمثله، فضلاً عن ذلك فإن كان الوصف بالتكفير قد ورد عن قول له أو لغيره فإن الفيصل في هذه المسألة لا يكون بأهواء من يكفر الغير، ولا بآراء من ينادي بعدم صلاحية الإسلام، بل برد الأمر المختلف فيه إلى نصوص القرآن والسنة، فهل دلت هذه النصوص على عدم كفر من أنكر أمرًا معلومًا من الدين، أو عدم كفر من أعلن خطأ القرآن والسنة؟ وذلك على الرغم من أن مقالي لم يحدد شخصًا بعينه وينسب إليه الكفر، أو غلى آخرين.
стр. 72
٧ - إن هذه الأسباب وغيرها جعلت دعاة اليسار في مصر وبعض البلاد العربية يغيرون في مناهجهم العلمانية، ويجعلون الشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع (١)، كما أن مجلس التعاون الخليجي أصدر قرارًا بتعديل التشريعات، لتتفق مع الشريعة الإسلامية.
كل ذلك إشهار لإفلاس العلمانية العربية.
وأما تمسك الدكتور العمر بعبارة مصدر رئيسي، ورفضه عبارة المصدر الرئيسي، فإن كان الهدف منها إدخال مصادر أخرى تحلل الحرام وتخالف الإسلام، فذلك من التحاكم إلى الطاغوت الذي أمرنا الله أن نكفر به، أما إن كان الهدف الأخذ بتجارب الغير فيما لا يحرم أو يحلل من دون الله فذلك قد أمرنا اللهُ به.
وإن كان الهدف تجنب تسلط أنظمة لا يطمئن إليها وعدم تبصيره بحكم يحترم شعبه ودينه فذلك يحتاج إلى صياغة أوردتها في مقالي الأول.
ثَانِيًا: العَقْلُ بَيْنَ الخِلاَفِ وَالاِحْتِكَامِ إِلَى السَّيْفِ:
يحاول الدكتور العمر أن يرد على قولي أنه جاء بشيء لم يجرؤ عليه أحد بين المسلمين، حيث يبتدع مقولة لم يقل بها مسلم، وهي أن أبناء المسلمين لا يسلمون برد الأمر إلى القرآن والسنة فيقول:
١ - هل هناك اتفاق بين المسلمين على مرتكب الكبيرة، هل يظل مسلمًا أم يخرج من ملة الإسلام؟
٢ - هل تجوز الثورة على الحاكم، أو يصير المسلم على جور الحاكم وظلمه؟
٣ - هل حدثت الفتنة الكبرى منذ القدم أو اختلفت آراء المسلمين فظهرت فرق الخوارج والشيعة والمرجئة؟ لولا تباين في وجهة نظرهم حول الكتاب والسنة.
٤ - لماذا لا يلجأ المسلمون إلى الكتاب والسنة ليضعوا حدًا للنزاعات كمصيبة الحرب بين العراق وإيران؟
أَسْبَابُ الخِلاَفِ:
ولعل الدكتور لا ينكر أن الخلاف بين المسلمين لم يكن حول الاحتكام إلى القرآن
стр. 73
والسنة الثابتة عند كل منهم فهذا لا يقول به مسلم. بل كان الاختلاف حول دلالات الألفاظ في القرآن والسنة، وأيضًا كان بعضه بسبب ثبوت الحديث النبوي في الموضوع المختلف فيه، فمن ثبت عنده الحديث أخذ به ومن شك في رواته عمل بالقياس على الثابت في السنة، وعلى القرآن الكريم، والعمل بالقياس لا يعني الاختلاف حول القرآن والسنة.
ولقد تم إيضاح ذلك في مقالي الذي يرد عليه فقلت: «وَمِنَ البَدَهِيِّ أَنَّ القُرْآنَ فِي رَدِّهِ الأَمْرَ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لاَ يُلْغِي دَوْرَ العَقْلِ فِي اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ مِنْهَا عَنْ طَرِيقِ الإِجْمَاعِ وَالقِيَاسِ، عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ نَصٍّ مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، لأَنَّ الإِجْمَاعَ وَالقِيَاسَ لاَ يَسْتَقِلاَّنِ بِالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بَلْ يُبْنَيَانِ عَلَى القَوَاعِدِ العَامَّةِ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ مَا يُعْرَفُ بِاسْمِ مُسْتَنَدِ الإِجْمَاعِ وَالقِيَاسِ».
وإذا كان الدكتور يظن أنه توصل إلى نظرية تحسم الخلاف وتؤدي إلى المحبة والوئام، وهي كما كرر في مقالات سابقة وفي مقالة بتاريخ ٢٤/ ٥ / ١٩٨٤ اتخاذ العقل حَكَمًا فِي المُنَازَعَاتِ، وإبعاد الدين والفصل بين الدين والدولة. فإن أكثر أسباب الخلاف ترجع إلى العقل سواءً كان التشريع علمانيًا أم دينيًا، وذلك لاختلاف العقول في قوة الاستنباط، أو ضعفه، وإدراك دلالات الألفاظ أو الجهل بها، أو الغوص في أعماق المعاني.
فالتشريع الذي يحتكم إليه الناس سواءً كان لا دينيًا أو شرعيًا، ما هو إلا نصوص يفسرها العقل الذي يختلف حكمه للأسباب السابقة، وأيضًا لاختلاف البيئات والمؤثرات والمصالح، ولهذا اختلف فقهاء القانون في كل مجتمع.
وإذا كان الناس قد اختلفوا ويختلفون عند تفسير التشريع الذي يحتكمون إليه، فما بالنا لو طبقت نظرية العلمانيين وأبعدنا حكم الله واحتكم كل منا إلى ما يريد بعقله، إذًا لكثرت النظريات والتشريعات ولتقاتل أصحابها. إنها الطامة الكبرى والصراع الدائم والحروب التي لا نهاية لها، وما أمر المعسكر الشرقي بأجنحته، والمعسكر الغربي بأجنحته ببعيد عن أحد لهذا كانت رحمة الله بالناس، وتمثلت في قواعد تشريعية أهمها:
١ - أن يكون التشريع من عند الله، لأن الاحتكام إلى عقول الناس يزيد من الخلافات، ولأن مجال عمل العقول فيما يخضع للتجارب، وعلاج الغرائز أمر لا يخضع للتجارب.
стр. 74
٢ - استقلال القضاء وحيدته ونزاهته، لأنه الأمين على تطبيق هذا التشريع.
٣ - تحويل الحاكم صلاحية الحسم في الأمور الخلافية وعند التنازع، فإذا ما حكم بموجب هذه الصلاحية وفي هذه الحالات لا يجوز للعلماء والفقهاء أن يردوا حكمه إلا إذا خالف نصًا صريحًا قطعي الدلالة أو خالف إجماعًا.
وفي هذا كله قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ...﴾ (١).
الخِلاَفُ وَالسَّيْفُ:
إن الخلافات التي نشبت بين الخوارج وغيرهم لم يكن سببها شرع الله، بل إن شرع الله عصم الأمة من الاستمرار في القتال، وذلك بالاحتكام إلى القرآن والسنة.
لقد زال الخلاف وأجمع المسلمون سنة أربعين هجرية، وسمي بعام الجماعة.
وكان سبب الخلاف هو اختلاف العقول في فهم نصوص الشريعة، واستخدام السيف والقتال لا يرجع إلى الشرع بل يرجع إلى استخدام العقل في غير موضعه وهل كانت الحروب بين الكوريين أو الصينيين بسبب الدين؟
وما ردده الدكتور العمر من أن القتال بين العراق وإيران سببه الدين، أمر لا أساس له من الصحة أو الواقع ولا يجوز السعي إليه، فهل كانت العراق تتبنى مذهبًا دينيًا، وبسببه اختلفت مع إيران ونشبت الحروب.
وهل كان القتال بسبب الاختلاف حول شيعية إيران وسنية العراق؟ أم أن الخلاف له جذور ترجع إلى عصر الشاه.
وإنه لمن الفتنة أن ترجع أسباب الخلاف إلى المذهبية الدينية وهو ليس كذلك، وإن تذرع أحد أطرافه بالدين، والأمور الخلافية التي ذكرها الدكتور العمر لا مجال لها ولو احتكم المسلمون إلى الإسلام، وهذا الاحتكام يلزمه تربية النفوس، لتصبح إسلامية في واقعها وسلوكها وأخلاقها، إذ ليس من الإسلام في شيء أن يتذرع كل إنسان باسمه الإسلامي ليطعن في صلاحية الإسلام.
стр. 75
أو أن يفسر نصوص القرآن كما يشاء، أو أن يحل سفك الدم الحرام.
كل ذلك أمر لا صلة له بالإسلام، فالإسلام شيء وأعمال بعض المسلمين شيء آخر (١).
بَيْنَ العَقْلِ وَشَيْطَانِ الحُرِّيَّةِ:
إن مقال الدكتور عبد الله العمر المنشور في " الوطن " يوم ٢٣/ ٥ / ١٩٨٤ قد تضمن أنه من تلاميذ الدكتور زكي نجيب محمود، فيلسوف المذهب الوضعي في العالم العربي.
وكان لزامًا عليه أن يعلم أن أستاذه قد كتب مقالات تضمنت براءته من شيطان الحرية، ومن إطلاق الحرية للعقل ليصادم الوحي السماوي.
أ - ففي مقاله المنشور بـ " الأهرام " و" الوطن " يوم ١٢/ ١١ / ١٩٨٥، ذكر أن المسلمين متفقون جميعًا على ما جاء في القرآن الكريم، ومتفقون أن الإسلام والشيوعية ضدان، لا يجتمعان. كما ذكر أن شهادة أن لا إله إلا الله تبدأ بنفي ألوهية البشر.
ب - وفي مقاله المنشور بـ " الأهرام " وفي " الوطن " يوم ٢٦/ ١ / ١٩٨٨ يقول: «في هذا العصر المضطربة أحكامه، اختلط على الناس أين الحرية وحدودها، وأين أضدادها من أصفاد وأغلال ...
فليس صحيحًا أن الإنسان إما ذا عقل علمي، وإما ذا دين. بل الصحيح أن الإنسان الواحد يلتقي فيه الدين والعلم، ولا ينفي ذلك أن يكون لكل جانب منهما لحظاته ... ، ولن يكون بين القطبين شد ولا جذب، إذا ما عرف كل منهما أين مجاله، وما هي حدود ذلك المجال فللعقل مجال الاستدلال الذي يستند إلى ركيزة مقبولة، حتى لو كان ذلك مقبولاً مؤقتًا ومأخوذًا على سبيل الفرض، ومن تلك الركيزة يلتمس طريقة إلى نتيجة يستدلها .. الذي يشتمل فيما يشتمل عليه، على الإيمان الديني بكل أهميته في حياة الناس .. لكن الذي نريده لأنفسنا هما الجانبان مَعًا، لكل من العقل والقلب مجاله وفي الإنسان وحياته يلتقي الطرفان ... فقوة أي منهما تضفي قوة على الآخر، وضعف أي منهما يضفي ضعفًا، إنهما كالعينين أو الأذنين، يستقلان ويتعاونان في آن مَعًا ... أقول