← Общие книги

Общие книги · id 122393

تهافت العلمانية في الصحافة العربية

سالم البهنساوي

Полный текст (277 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (١). ٣ - كما أنهم لا يردون أي فكر أو حضارة لا تحل الحرام أو تحرم الحلال، لأن النبي ﷺ يقول: «الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ [أَحَقُّ بِهَا]». ٤ - لهذا فما زلت أقول إن من خلطوا بين الإسلام والحكومة الدينية، ومن ينادون بالعلمانية في المجتمعات الإسلامية ليسوا أصحاب هذا الفكر فهم مقلدون لأوروبا. بل إن تقليدهم هو إشهار علني لإفلاس العلمانية العربية، لأن العلمانية الأوروبية كانت رد فعل لصكوك الغفران والحرمان ولمظالم الحكومة الدينية هناك، والذي تبنى حرق العلماء التجريبيين بتهمة ممارسة السحر الأسود، ومخالفة الإرادة الإلهية، وكل هذه الخرافات ليست في الإسلام، ولا يجوز لمسلم أن يقول بها، أو أن يدعي أنه يملك هذه الصكوك، وإلا تم الحجر عليه قانونًا وأودع إحدى المصحات. ٥ - وخير للعلمانيين العرب أن يكونوا مقلدين للعلمانية الأوروبية، لأن نسبة نشأة العلمانية إليهم يخالف الحقائق التاريخية ويجعل مناداتهم بالعلمانية في المجتمع الإسلامي أمر فيه تقول وافتراء على التشريع الإسلامي، وتكذيب للقرآن والسنة. وخير لهم أن يكونوا مقلدين لآخرين من أن يكونوا مكذبين لله ولرسوله. ولهذا فوصفهم بأنهم ليسوا أصحاب فكر، أي الفكر العلماني كما هو واضح من سياق المقال المنشور في ١٨/ ٤، أمر ليس من الشتائم وهو خير لهم من التكذيب والافتراء على الله ورسوله. ٦ - إن عبارات التكفير والسب والشتم والأوهام والسخط والنقولات، هي من الاتهامات التي ساقها ضدي الدكتور العمر، فكان لزامًا عليه أن يجدد هذه الاتهامات، وأين نشرت، ومن هو صاحبها؟ فمن المسلمات الأخلاقية ألا تنهى عن خلق ثم تأتي بمثله، فضلاً عن ذلك فإن كان الوصف بالتكفير قد ورد عن قول له أو لغيره فإن الفيصل في هذه المسألة لا يكون بأهواء من يكفر الغير، ولا بآراء من ينادي بعدم صلاحية الإسلام، بل برد الأمر المختلف فيه إلى نصوص القرآن والسنة، فهل دلت هذه النصوص على عدم كفر من أنكر أمرًا معلومًا من الدين، أو عدم كفر من أعلن خطأ القرآن والسنة؟ وذلك على الرغم من أن مقالي لم يحدد شخصًا بعينه وينسب إليه الكفر، أو غلى آخرين.

стр. 72

٧ - إن هذه الأسباب وغيرها جعلت دعاة اليسار في مصر وبعض البلاد العربية يغيرون في مناهجهم العلمانية، ويجعلون الشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع (١)، كما أن مجلس التعاون الخليجي أصدر قرارًا بتعديل التشريعات، لتتفق مع الشريعة الإسلامية. كل ذلك إشهار لإفلاس العلمانية العربية. وأما تمسك الدكتور العمر بعبارة مصدر رئيسي، ورفضه عبارة المصدر الرئيسي، فإن كان الهدف منها إدخال مصادر أخرى تحلل الحرام وتخالف الإسلام، فذلك من التحاكم إلى الطاغوت الذي أمرنا الله أن نكفر به، أما إن كان الهدف الأخذ بتجارب الغير فيما لا يحرم أو يحلل من دون الله فذلك قد أمرنا اللهُ به. وإن كان الهدف تجنب تسلط أنظمة لا يطمئن إليها وعدم تبصيره بحكم يحترم شعبه ودينه فذلك يحتاج إلى صياغة أوردتها في مقالي الأول. ثَانِيًا: العَقْلُ بَيْنَ الخِلاَفِ وَالاِحْتِكَامِ إِلَى السَّيْفِ: يحاول الدكتور العمر أن يرد على قولي أنه جاء بشيء لم يجرؤ عليه أحد بين المسلمين، حيث يبتدع مقولة لم يقل بها مسلم، وهي أن أبناء المسلمين لا يسلمون برد الأمر إلى القرآن والسنة فيقول: ١ - هل هناك اتفاق بين المسلمين على مرتكب الكبيرة، هل يظل مسلمًا أم يخرج من ملة الإسلام؟ ٢ - هل تجوز الثورة على الحاكم، أو يصير المسلم على جور الحاكم وظلمه؟ ٣ - هل حدثت الفتنة الكبرى منذ القدم أو اختلفت آراء المسلمين فظهرت فرق الخوارج والشيعة والمرجئة؟ لولا تباين في وجهة نظرهم حول الكتاب والسنة. ٤ - لماذا لا يلجأ المسلمون إلى الكتاب والسنة ليضعوا حدًا للنزاعات كمصيبة الحرب بين العراق وإيران؟ أَسْبَابُ الخِلاَفِ: ولعل الدكتور لا ينكر أن الخلاف بين المسلمين لم يكن حول الاحتكام إلى القرآن

стр. 73

والسنة الثابتة عند كل منهم فهذا لا يقول به مسلم. بل كان الاختلاف حول دلالات الألفاظ في القرآن والسنة، وأيضًا كان بعضه بسبب ثبوت الحديث النبوي في الموضوع المختلف فيه، فمن ثبت عنده الحديث أخذ به ومن شك في رواته عمل بالقياس على الثابت في السنة، وعلى القرآن الكريم، والعمل بالقياس لا يعني الاختلاف حول القرآن والسنة. ولقد تم إيضاح ذلك في مقالي الذي يرد عليه فقلت: «وَمِنَ البَدَهِيِّ أَنَّ القُرْآنَ فِي رَدِّهِ الأَمْرَ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لاَ يُلْغِي دَوْرَ العَقْلِ فِي اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ مِنْهَا عَنْ طَرِيقِ الإِجْمَاعِ وَالقِيَاسِ، عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ نَصٍّ مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، لأَنَّ الإِجْمَاعَ وَالقِيَاسَ لاَ يَسْتَقِلاَّنِ بِالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بَلْ يُبْنَيَانِ عَلَى القَوَاعِدِ العَامَّةِ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ مَا يُعْرَفُ بِاسْمِ مُسْتَنَدِ الإِجْمَاعِ وَالقِيَاسِ». وإذا كان الدكتور يظن أنه توصل إلى نظرية تحسم الخلاف وتؤدي إلى المحبة والوئام، وهي كما كرر في مقالات سابقة وفي مقالة بتاريخ ٢٤/ ٥ / ١٩٨٤ اتخاذ العقل حَكَمًا فِي المُنَازَعَاتِ، وإبعاد الدين والفصل بين الدين والدولة. فإن أكثر أسباب الخلاف ترجع إلى العقل سواءً كان التشريع علمانيًا أم دينيًا، وذلك لاختلاف العقول في قوة الاستنباط، أو ضعفه، وإدراك دلالات الألفاظ أو الجهل بها، أو الغوص في أعماق المعاني. فالتشريع الذي يحتكم إليه الناس سواءً كان لا دينيًا أو شرعيًا، ما هو إلا نصوص يفسرها العقل الذي يختلف حكمه للأسباب السابقة، وأيضًا لاختلاف البيئات والمؤثرات والمصالح، ولهذا اختلف فقهاء القانون في كل مجتمع. وإذا كان الناس قد اختلفوا ويختلفون عند تفسير التشريع الذي يحتكمون إليه، فما بالنا لو طبقت نظرية العلمانيين وأبعدنا حكم الله واحتكم كل منا إلى ما يريد بعقله، إذًا لكثرت النظريات والتشريعات ولتقاتل أصحابها. إنها الطامة الكبرى والصراع الدائم والحروب التي لا نهاية لها، وما أمر المعسكر الشرقي بأجنحته، والمعسكر الغربي بأجنحته ببعيد عن أحد لهذا كانت رحمة الله بالناس، وتمثلت في قواعد تشريعية أهمها: ١ - أن يكون التشريع من عند الله، لأن الاحتكام إلى عقول الناس يزيد من الخلافات، ولأن مجال عمل العقول فيما يخضع للتجارب، وعلاج الغرائز أمر لا يخضع للتجارب.

стр. 74

٢ - استقلال القضاء وحيدته ونزاهته، لأنه الأمين على تطبيق هذا التشريع. ٣ - تحويل الحاكم صلاحية الحسم في الأمور الخلافية وعند التنازع، فإذا ما حكم بموجب هذه الصلاحية وفي هذه الحالات لا يجوز للعلماء والفقهاء أن يردوا حكمه إلا إذا خالف نصًا صريحًا قطعي الدلالة أو خالف إجماعًا. وفي هذا كله قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ...﴾ (١). الخِلاَفُ وَالسَّيْفُ: إن الخلافات التي نشبت بين الخوارج وغيرهم لم يكن سببها شرع الله، بل إن شرع الله عصم الأمة من الاستمرار في القتال، وذلك بالاحتكام إلى القرآن والسنة. لقد زال الخلاف وأجمع المسلمون سنة أربعين هجرية، وسمي بعام الجماعة. وكان سبب الخلاف هو اختلاف العقول في فهم نصوص الشريعة، واستخدام السيف والقتال لا يرجع إلى الشرع بل يرجع إلى استخدام العقل في غير موضعه وهل كانت الحروب بين الكوريين أو الصينيين بسبب الدين؟ وما ردده الدكتور العمر من أن القتال بين العراق وإيران سببه الدين، أمر لا أساس له من الصحة أو الواقع ولا يجوز السعي إليه، فهل كانت العراق تتبنى مذهبًا دينيًا، وبسببه اختلفت مع إيران ونشبت الحروب. وهل كان القتال بسبب الاختلاف حول شيعية إيران وسنية العراق؟ أم أن الخلاف له جذور ترجع إلى عصر الشاه. وإنه لمن الفتنة أن ترجع أسباب الخلاف إلى المذهبية الدينية وهو ليس كذلك، وإن تذرع أحد أطرافه بالدين، والأمور الخلافية التي ذكرها الدكتور العمر لا مجال لها ولو احتكم المسلمون إلى الإسلام، وهذا الاحتكام يلزمه تربية النفوس، لتصبح إسلامية في واقعها وسلوكها وأخلاقها، إذ ليس من الإسلام في شيء أن يتذرع كل إنسان باسمه الإسلامي ليطعن في صلاحية الإسلام.

стр. 75

أو أن يفسر نصوص القرآن كما يشاء، أو أن يحل سفك الدم الحرام. كل ذلك أمر لا صلة له بالإسلام، فالإسلام شيء وأعمال بعض المسلمين شيء آخر (١). بَيْنَ العَقْلِ وَشَيْطَانِ الحُرِّيَّةِ: إن مقال الدكتور عبد الله العمر المنشور في " الوطن " يوم ٢٣/ ٥ / ١٩٨٤ قد تضمن أنه من تلاميذ الدكتور زكي نجيب محمود، فيلسوف المذهب الوضعي في العالم العربي. وكان لزامًا عليه أن يعلم أن أستاذه قد كتب مقالات تضمنت براءته من شيطان الحرية، ومن إطلاق الحرية للعقل ليصادم الوحي السماوي. أ - ففي مقاله المنشور بـ " الأهرام " و" الوطن " يوم ١٢/ ١١ / ١٩٨٥، ذكر أن المسلمين متفقون جميعًا على ما جاء في القرآن الكريم، ومتفقون أن الإسلام والشيوعية ضدان، لا يجتمعان. كما ذكر أن شهادة أن لا إله إلا الله تبدأ بنفي ألوهية البشر. ب - وفي مقاله المنشور بـ " الأهرام " وفي " الوطن " يوم ٢٦/ ١ / ١٩٨٨ يقول: «في هذا العصر المضطربة أحكامه، اختلط على الناس أين الحرية وحدودها، وأين أضدادها من أصفاد وأغلال ... فليس صحيحًا أن الإنسان إما ذا عقل علمي، وإما ذا دين. بل الصحيح أن الإنسان الواحد يلتقي فيه الدين والعلم، ولا ينفي ذلك أن يكون لكل جانب منهما لحظاته ... ، ولن يكون بين القطبين شد ولا جذب، إذا ما عرف كل منهما أين مجاله، وما هي حدود ذلك المجال فللعقل مجال الاستدلال الذي يستند إلى ركيزة مقبولة، حتى لو كان ذلك مقبولاً مؤقتًا ومأخوذًا على سبيل الفرض، ومن تلك الركيزة يلتمس طريقة إلى نتيجة يستدلها .. الذي يشتمل فيما يشتمل عليه، على الإيمان الديني بكل أهميته في حياة الناس .. لكن الذي نريده لأنفسنا هما الجانبان مَعًا، لكل من العقل والقلب مجاله وفي الإنسان وحياته يلتقي الطرفان ... فقوة أي منهما تضفي قوة على الآخر، وضعف أي منهما يضفي ضعفًا، إنهما كالعينين أو الأذنين، يستقلان ويتعاونان في آن مَعًا ... أقول

стр. 76

إن العالم في أي جانب من الجوانب الكونية إذا ما حمل بين جوانحه قلبًا مؤمنًا بالدين، فسيتحيل ألا يزداد إيمانه، لأن علمه بأسرار الكائنات هو في الوقت نفسه علم بعظمة من خلق تلك الكائنات، وبدأها وسواها وأجراها على سنن منظومة، هي التي يكشف عنه العلماء ويطلقون عليها اسم (القوانين العلمية)». «ومن أبرز الفوارق بينهما، أي الدين والعلم، مما لا بد أن نكون على وعي شديد به هو أن مبادئ الدين ثابتة عند المؤمنين بهذا الدين، لأنها معايير يقاس بها السلوك، ولا بد للمعيار أن يحتفظ بمعنى واحد، وإلا فقد معياريته ... وأما العلم فهو متغير مع تقدمه في تعاقب العصور ..». ب - وفي مقاله المنشور في " الأهرام " و" الوطن " يوم ٥/ ٤ / ١٩٨٨ يقول: «العقيدة مدارها التوحيد والقيم الضابطة للسلوك، ويرجع في ذلك إلى الأصلين، القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ إذا ما أشكل أمر لم يرد عنه نص في هذين الأصلين، فمرجع المسلم فيه هو العقل، ولا فرق بين أن نقول إنه العقل أو إنه إجماع الرأي عند الثقات. والنضج العقلي يكون بالقدرة على تمثيل المبادئ التي نزل بها دين الإسلام، والتزامها في استدلالاته العقلية بعد ذلك، كلما أراد لنفسه هداية في دنيا السلوك».

стр. 77

مُسْتَقْبَلُ العَرَبِ بَيْنَ الإِسْلاَمِ وَالعِلْمَانِيَّةِ العَرَبِيَّةِ: (١). عقدت " الوطن " ندوة بعنوان (الوضع العربي الراهن، مشكلته ومستقبله). وقد تولى إدراتها الدكتور أحمد الربعي، ودعا إليها عددًا مختارًا، اختيارًا خاصًا: هم الأساتذة والدكاترة: ١ - خلدون النقيب. ٢ - عبد الله عبد الدايم. ٣ - فؤاد زكريا. ٤ - مصطفى خوجلي. ٥ - خليل علي حيدر. ٦ - رمزي زكي. ولقد تضمنت وصفًا لما سمي أزمة الفكر، ونذكر منه ما يأتي: ١ - ذكر الدكتور فؤاد زكريا، أن هناك علاقة غير طبيعية بين الإنسان العربي وماضيه، وهذه العلاقة تنحصر في أن الماضي يريد أن يحل محل الحاضر في ذهن الإنسان العربي. وذكر أن هناك أممًا لها ماض مجيد جِدًّا كاليونان، ولكنها لا ترتبط بماضيها بنفس الطريقة التي نرتبط نحن بها، وهذه النقطة أساسية، ومنها نستطيع معالجة مشكلة مثل مسألة موقفنا من التراث .. وكذا الدور الذي تلعبه الدعوة إلى الأصولية أو الدعوة السلفية أو مختلف التيارات الإسلامية، وما يسمى بالصحوة الإسلامية التي تطل برأسها في هذه الأيام وتريد أن تقتلع كل شيء. وقد أيد ذلك الدكتور أحمد الربعي، لأن الأمة اليونانية مثلاً لا تتعلق بتراثها بشكل نرجسي، كما هو الحال عند العرب. ٢ - ودعا الدكتور مصطفى خوجلي إلى تكوين سيكولوجية جديدة غير مرتبطة بالماضي في جوانبه السلبية، فلا بد أن تحدث ثورة. وهذه الثورة بالتالي مرتبطة بالتفكير .. وهذا يقودنا إلى ما يدور حول التفكير الميتافيزيقي وربطه بالماضي والسلفية وغيره. ٣ - ذكر الدكتور أحمد الربعي أن العالم العربي الآن يشهد تحولاً واسعًا في مسألة

стр. 78

العودة إلى الماضي، إلى السلفية بطريقة معينة، وبالتأكيد فإن لها تأثيرًا مباشرًا على مستقبلنا في هذه المنطقة. ٤ - ذكر الدكتور رمزي زكي أن المجتمع المتخلف، كما هو الحال في البلاد العربية، هو الذي يحن إلى الماضي خصوصًا إذا كان هذا الماضي زاهرًا، كما كان الحال في المنطقة العربية. ٥ - ذكر الدكتور عبد الله عبد الدايم أن هذه الندوة تذكر بندوة التخلف الحضاري التي عقدت في الكويت عام ١٩٧٤ فيظل التركيز على هذ الموضوع دليلاً على أنه موضوع حي وواقعي، وهو يحجب سواه ويعطله في بعض الأحيان، لأن النزعة إلى الماضي تصبح عبئًا ثقيلاً على الشعوب إذا لم تعرف كيف تدمجها دمجًا وثيقًا بالحاضر والمستقبل. وقال: «للإجابة على سؤال الدكتور فؤاد زكريا .. لماذا حنين الأمة العربية إلى الماضي؟ لا بد أن نذكر أن أسباب ذلك في مرحلة الاستعمار كانت العودة إلى الماضي للحفاظ على الذات والهوية، وعدم الذوبان في ثقافات الآخرين ... ولكن هذا لا يعني العودة حرفيًا إلى شكل من أشكال الماضي وتفاصيله .. فليست الثقافة التي تحقق الهوية مجرد الثقافة التي تعود إلى الماضي. ولا تستطيع أن تكون فعالة إلا إذا أسهمت في معالجة القيم الثقافية والمواقف الثقافية المنتشرة في المجتمع». ٦ - وذكر الأستاذ خليل حيدر أن العقل العربي في بعض جوانبه متوقف عند القرن الأول أو الثاني الهجري، وتجد هذا واضحًا جدًا وقويًا في كتابات التيار الديني .. والأدهى من ذلك أن القطاع الذي ظل عبر التاريخ مجمدًا، وهو قطاع النساء استطاعت الحركة الدينية بسهولة أن تحركه بزخم جماهيري لم تشهد أي حركة أخرى مثيله. (نشرت هذه الأقوال يوم ٢٥/ ٥ / ١٩٨٦). ٧ - وبتاريخ ٢٩/ ٥ / ١٩٨٦ نشر قول الدكتور مصطفى خوجلي: «إن الصراع بين التعليم والفكر الميتافيزيقي والعلمي هو أساسًا مرتبط فيما ذكر بموضوع السلطة، وإذا لم تحل هذه القضية فلن نستطيع حل القضية الأساسية والمواطن العربي الذي يستطيع أن يفكر ويتفاعل وينتقد».

стр. 79

٨ - كما ذكر الدكتور فؤاد زكريا «أن وزارات التربية في العالم هي التي تضم النخبة من المحافظين، وأن هذا النوع من التعليم مرتبط بانتشار فكرة السلطة، فسلطة الأب مفروضة داخل الأسرة، وسلطة الدين وهو يفسر تفسيرًا سلطويًا فيه الطاعة العمياء دون مناقشة، فيمتد كل هذا إلى ميادين التعليم الذي يصبح سلطويًا أيضًا». ٩ - وبتاريخ ٣١/ ٥ / ١٩٨٦ نشر قول الأستاذ خليل حيدر «... إن الحركة الدينية تطورت من حركة سياسية تطالب بتجميع كل القوى العربية والإسلامية، للتصدي للاستعمار الغربي في القرن التاسع عشر، انتقلت مع سقوط الخلافة في أوائل العشرينات إلى حركة تطالب بإعادة الخلافة الإسلامية، وانتقلت بعد الحرب العالمية الثانية إلى المطالبة بالدولة الإسلامية البحتة .. ونجدهم لا يتحدثون أبدًا عن الديمقراطية، بل التركيز على الشورى وفيها لهم مفهوم خاص، فهي ليست إشراك كافة القوى السياسية في الحكم. فالشورى هي إشراك الصفوة، أو نوع من الديمقراطية المحتواة». أَوْهَامٌ وَتَنَاقُضَاتٌ !!: إن هذه الأقوال تتوارد فيها المعاني والعبارات، لتتفق على أمر رئيسي، هو أن تخلف الأمة العربية يرتبط بتقيدها بماضيها، ومنه التراث الإسلامي والسلفية - أي الأصولية الإسلامية -، وإن علاج هذا التخلف يحتاج إلى ثورة فكرية، وعلى الأخص فيما يتعلق بالتفكير الميتافيزيقي وربطه بالماضي والسلفية أو غيره، وهذا ينطوي على الثورة على العقيدة الإسلامية، والتشريعات الواردة في القرآن والسنة باعتبارها فكر غيبي؛ لأن معنى التفكير الميتافيزيقي - الذي لَمْ يُشِرْ إليه أصحاب هذه الأقوال - هو التفكير الغيبي، والميتافيزيقا هي ما وراء الطبيعة. وتشمل الأنتولوجيا: وهو علم الوجود، والكوزمولوجيا: وهي علم أصل الكون وتكوينه، وعند التوسع فيها تشمل الفلسفة وفروعها، ويتضيق المعنى وحصره تشمل علم الوجود (الأنتولوجيا). كما تشمل مجموعة المبادئ التي يقوم عليها موضوع معين. وهذا الذي تواردت عليه أقوال من ذكرنا هو وهم، بل أوهام، قدمت للقراء في ثوب علمي خداع، ينطوي على تناقضات، وهذا ما نركزه في الآتي: أَوَّلاً: الخَلْطُ بَيْنَ الإِسْلاَمِ وَالنِّظَامِ البَابَوِيِّ: إن جوهر الخديعة والتناقض هو قياس تراث الأمة العربية، بما فيه القرآن الكريم

стр. 80

والسنة النبوية بالبابوية، وبالتالي طلب الثورة عليه تقليدًا لأوروبا. مع أنه توجد فوارق رئيسية بين التراثين، تناولها فلاسفة أوروبا أنفسهم، ومنهم الفيلسوف (روجيه جارودي) والدكتور (موريس بوكاي) وغيرهما. وأهم هذه الفوارق: أ - ليس في الإسلام صكوك غفران أو حرمان لطبقة معينة تسمى رجال الدين، بل لا توجد هذه الطبقة أصلاً في الإسلام. ب - لا يوجد في الإسلام صراع بين الدين والعلم كما حدث في أوروبا. ج - كما لا يوجد في الإسلام ولا في التاريخ الإسلامي تحالف بين علماء الدين وبين رجال الإقطاع ضد الشعوب، بل لا توجد طبقة الإقطاع، كما لا يوجد صراع بين الدين والحكم، لأن الصراع نشأ في أوروبا بسبب وجود نص نسب إلى السيد المسيح وهو قوله: «دَعْ مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ، وَمَا للهِ للهِ». وقد أوضح الدكتور نظمي لوقا في كتابه " محمد الرسول والرسالة " أن الإسلام يهدم هذه القاعدة. فالقرآن الكريم ينص على أن الأمر كله لله فلا يملك أحد التشريع مع الله. د - بل إن القرآن الكريم قد أكد في أكثر من آية، على أن الرسول ﷺ بعث ليضع عن البشرية الأغلال والقيود التي وضعها الأحبار والرهبان. وعلى سبيل المثال، يقول الله تعالى عن النبي: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (١). وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢). ثَانِيًا: الخَلْطُ بَيْنَ الوَحْيِ وَاجْتِهَادَاتِ البَشَرِ: يخلط هؤلاء بين الوحي الممثل في القرآن والسنة النبوية وبين اجتهادات فقهاء المسلمين وغيرها، ويطلقون اسم التراث والسلفية والأصولية الإسلامية على كل ذلك، ويزعمون أن المسلمين الأصوليين يقفون عند القرن الأول أو الثاني للهجرة، وأنه تجب الثورة على الماضي وعلى هذا التخلف والجمود، بينما لا يوجد أحد من علماء المسلمين ولا

стр. 81

صبيان العلماء يقول بهذا الخلط، فلا يوجد أي قدسية لأقوال الفقهاء في ذاتها. فالقدسية لما نزل من عند الله وهو القرآن الكريم، وللسنة النبوية باعتبارها وحي من الله، لبيان ما ورد في القرآن عَامًّا أو مجملاً أو مطلقًا ولكن ألفاظهما ليست من عند الله. ثَالِثًا: الخَلْطُ بَيْنَ العَقْلِ وَالوَحْيِ: يخلط هؤلاء بين ما جاء به الوحي من تشريع، كتحريم الخمر والفواحش وعلاج الغرائز عن طريق العبادات وكل ما يتعلق بتربية النفس، يخلطون بين ذلك وبين ما يخضع لسلطان العقل واجتهادات البشر، وهو ما يطلق عليه اسم العلم التجريبي، فيوحون للقراء أن التمسك بالأصولية والسلفية الإسلامية معناه أن نقتلع كل شيء توصلت إليه البشرية في العلوم التجريبية، وهم لا يجهلون طبقًا لتخصصاتهم أن الإسلام يفرق بين هذين الأمرين تمامًا. فالنبي ﷺ يقول كما ورد في " صحيح مسلم ": «أَنْتُمْ أَعْلَمُ [بِأَمْرِ] دُنْيَاكُمْ» كما أنه أكثر من موقف في الأمور التي لم ينزل فيها وحي من الله كان ينزل على رأي الخبراء، كما حدث في تحديد مكان غزوة بدر، أو على الأغلبية كما حدث في تحديد مكان غزوة أحد. رَابِعًا: التَّلْبِيسُ فِي التَّرْبِيَةِ وَالاِجْتِمَاعِ: قد خلت جميع هذه الأقوال من تحديد المقصود في أن الماضي يفرض نفسه على الحاضر مما يعوق التقدم، بينما لا يوجد هذا التعلق النرجسي عند الأمم الأخرى. وهم بهذا يرددون مقولة (دوركايم) التي تضمنتها مناهج الاجتماع والتي تدرس في المدارس العربية، وهذه المقولة تزعم أن تقليد الماضي مهما كان يَحُولُ دُونَ تكوين رأي حر مستنير، وأن تقليد الزعماء مهما كانوا يَحُولُ دُونَ تكوين رأي حر مستنير. وهذا جزء مما يسمى نسبية القيم في الأخلاق، وكله فكر يهودي يريد الثورة على الماضي مهما كان، أي ولو كان مصدره الرسالات السماوية، وعدم التقيد بأقوال المصلحين مهما كانوا، أي ولو كانوا من الرسل والأنبياء، ويزعم هذا الفكر أن الأخلاق نسبية، تتغير من عصر إلى آخر ومن شخص إلى آخر، وهو ما تضمنته التوراة بعد تحريفها، حيث امتدحت فتاة ارتكبت الفاحشة مع حاكم لتخدم بذلك اليهود، وامتدحت ما زعموه من أن نبي الله موسى أمر اليهود بسرقة حلي المصريين، عند الرحيل من مصر في زمن الفرعون. وغير ذلك مما لا مجال لتفصيله. ولا يجهل أي باحث أن القرآن الكريم قد حكم ببطلان بدعة نسبية القيم في الأخلاق .. قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ

стр. 82

إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١). كما لا يجهل أي باحث أن القرآن يفرق بين الصحيح وبين الفاسد من الماضي، فيقر الصحيح كقول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٢). وقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣). كما يهدم القرآن الفاسد من الماضي، ويطلب الثورة عليه. قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ...﴾ (٥). ولهذا يخاطب العصور كلها أن تربط حركتها بالحق وحده، فيقول سبحانه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦). تَحْقِيقُ أَهْدَافِ المُسْتَشْرِقِينَ: إن هذه الاتجاهات وإن لم تقطع بصلة أصحابها بالخصوم فإنها تحقق أهداف المبشرين، مثل (زويمر) الذي أوصى أن تدفن جثته في مقابر اليهود، مما دل على أصله الحقيقي، وعلى أن الحقد اليهودي والصليبي قد اجتمعا في شخصيته حين قال مخاطبًا المبشرين في المؤتمر التبشيري الذي عقد في القدس ١٩٣٥: «إِنَّكُمْ أَعْدَدْتُمْ نَشْئًا فِي بِلاَدِ المُسْلِمِينَ لاَ يَعْرِفُ الصِّلَةَ بِاللهِ، وَلاَ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَهَا، وَأَخْرَجْتُمْ المُسْلِمَ مِنَ الإِسْلاَمِ وَلَمْ تُدْخِلُوهُ فِي المَسِيحِيَّةِ، وَبِالتَّالِي جَاءَ النَّشْءُ الإِسْلاَمِيُّ طِبْقًا لِمَا أَرَادَهُ الاِسْتِعْمَارُ المَسِيحِيُّ، لاَ يَهْتَمُّ بِالعَظَائِمِ وَيُحِبُّ الرَّاحَةَ وَالكَسَلَ، وَلاَ يَعْرِفُ هِمَّةً إِلاَّ فِي الشَّهَوَاتِ.

стр. 83

فَإِذَا تَعَلَّمَ فَلِلْشَّهَوَاتِ، وَإِذَا جَمَعَ المَالَ فَلِلْشَّهَوَاتِ، وَإِنْ تَبَوَّأَ أَسْمَى المَرَاكِزِ فَفِي سَبِيلِ الشَّهَوَاتِ يَجُودُ بِكُلِّ شَيْءٍ. وَإِنَّ مُهِمَّتَكُمْ تَمَّتْ عَلَى أَكْمَلِ الوُجُوهِ، وَانْتَهَيْتُمْ إِلَى خَيْرِ النَّتَائِجِ، وَبَارَكَتْكُمْ المَسِيحِيَّةُ وَرَضِيَ عَنْكُمْ الاسْتِعْمَارُ، فَاسْتَمِرُّوا فِي الأَدَاءِ، فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ بِفَضْلِ جِهَادِكُمْ المُبَارَكِ مَوْضِعَ بَرَكَاتِ الرَّبِّ» (١). خَامِسًا: الطَّعْنُ فِي نِظَامِ الشُّورَى الإِسْلاَمِي: يطعن أحد هؤلاء في نظام الشورى الإسلامي، وينسبه إلى ما يسميه الصحوة الإسلامية، وإلى كتب سيد قطب والمودودي، وما يسميه غيره الدعوة السلفية التي تطل برأسها لتقتلع كل شيء. وهؤلاء وغيرهم لا يجهلون أن الشورى وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية، لم يبتدعها أحد ممن يسمونهم رجال الصحوة. كما لا يجهلون أن كل ما طعنوا عليه ونسبوه إلى رجال الصحوة، هو أحكام وردت في القرآن والسنة النبوية، ولم يبتدعها العلماء أو غيرهم. فالقضية هي في حقيقتها عدم الإيمان بصحة ما ورد في القرآن والسنة، متعلقًا بالتشريعات الاجتماعية، أو الاقتصادية أو غيرها، مما تناولته الفلسفات البشرية شرقية أو غربية. وفيما يتعلق بالشورى التي تنال تلبيسًا ومغالطات، فإن هذه الشورى تتفق مع الديمقراطية الغربية في اختصاص الأمة، باختيار الحاكم ومحاسبته وعزله: بل تنفرد عن النظم البشرية في اعتبار الحاكم كآحاد الناس، فلا تشكل له محكمة خاصة ولا يتفرد بأمور خاصة عن باقي الناس. والشورى لا تتفق مع الديمقراطية فيما تذهب إليه من تحويل الأغلبية حق التحليل والتحريم من دون الله. وقد ثبت للعالم كله أن ممارسة هذا الحق أدى إلى عدم تحريم الفواحش، بل والشذوذ، فأصاب هذه المجتمعات بالأمراض التي تحطم المجتمع، ولكن

стр. 84

المنحرفين يصرون على الخديعة والتضليل، ولا يجهلون أن الإسلام لا ينفرد بتحديد مقومات أساسية للمجتمع لا يجوز المساس بها، فالماركسية تفعل ذلك، كما يوجد هذا في النظم الغربية ولكن الخلاف في تحديد هذه المقومات. وأخيرًا .. نتحدى أي إنسان أن يثبت تناقض العلم الحديث مع ما ورد في القرآن والسنة، وهذا ما يتهرب منه الذين يشغبون على الماضي ويخلطون الأمور على النحو سالف الذكر. مَزَاعِمُ عِلْمَانِيَّةٍ فِي صُحُفٍ عَرَبِيَّةٍ: إن الحملات الصحفية المتكررة التي تستخدم فيها الأقلام ضد مسيرة العمل الإسلامي، إنما تستهدف الإسلام ذاته. وأظهر مثال لذلك، هي كتابات (خليل حيدر) فهو في هذه الندوة يطعن في نظام الشورى في الإسلام، ولكنه يغلف ذلك بأن الحركة الإسلامية تجعل للشورى مفهومًا خاصًا يتعارض مع الديمقراطية وهو وغيره على علم بأن الشورى نظام جاء به الإسلام، ولم يبتدعه من يسمهم رجال الدعوة الإسلامية، فالطعن في حقيقته ضد الإسلام ذاته، وشواهد ذلك من أقواله هي كما نشرت بـ " الوطن ". ١ - يقول في مقاله يوم ١٤/ ١٠ / ١٩٨٥: «هل المسلم حفار القبور في الفلبين أفضل من المسيحي الذي يساعد المقاومة الفلسطنية؟». ٢ - وبتاريخ ٨/ ٨ / ١٩٨٤: يقول «القرآن والسنة إن صلحا لعصر فلن يصلحا الآن». ويقول: «الدين يحتاج إلى تفسير والمفسرون ذوي ميول وأهواء، وهكذا كان الوضع في الماضي وهكذا اليوم أبدًا» والماضي يشمل الصحابة. ٣ - وبتاريخ ١٧/ ١١ / ١٩٨٥: «إنني مع الرأي القائل بأن مزج الدين بالسياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة، يعرقل التطور كَمًّا وَكَيْفًا، ويسبب آلامًا لا آخر لها بدون مبرر». وهذه الأقوال وغيرها تدل على خروج ظاهر على الإسلام ذاته، مهما غلف ذلك بادعاء نقده للدعاة المعاصرين وهذا الموقف يسفه كل عقول العلمانيين، فالدكتور زكي نجيب محمود فيلسوف المذهب الوضعي في المجتمع الغربي في مقال نشر بـ " الوطن " يوم ١٢/ ١١ / ١٩٨٥: «لا يجوز تفسير الإسلام من خلال الفكر الماركسي، فالإسلام

стр. 85

والشيوعية ضدان لا يجتمعان، فالمنهج العلمي ينكر أن يفسر أحد الإسلام من خلال المذاهب اللادينية». والأستاذ محمد حسنين هيكل في دراسته المنشورة في " الوطن " يوم ٣/ ٥ / ١٩٨٣ يقول عن الصحوة الإسلامية: «كانت العودة إلى الدين طلبًا لليقين، حركة طبيعية، وما اصطلح على تسميته بالأصولية الإسلامية، تمثل عودة إلى الأصول الأولى للإسلام، بالنقاء التي كانت عليه حين تنزل بها وحي السماء على النبي ﷺ ، فلم تكن رسالته قاصرة على مجرد العقائد الدينية، ولكنها أيضًا كانت ترسم منهاجًا لتنظيم المجتمع وسلوك أفراده، إن الإسلام قد حدد علاقات الإنسان بربه، وعلاقته مع غيره من البشر، ولم يكن هذا التنظيم الاجتماعي صالحًا فقط لأجلهم وبلادهم، وإنما كان صالحًا للناس في كل زمان ومكان، ومن هنا أخذت العقيدة الإسلامية طابعها الشامل المتكامل». إن أصول البحث العلمي توجب أن تفرق بين الإسلام وبين المسلمين. فإذا أخطأ عالم أو جمع من العلماء فلا ينسب هذا إلى الإسلام، ولكن خليل حيدر يتهم الإسلام أولاً بالقصور ثم ينسب أمورًا إلى سيد قطب والمودودي ليدين بها الإسلام ذاته. خَلِيلْ حَيْدَرْ وَالتَّطَرُّفُ وَدَعْوَى قَتْلِ المُسْلِمِينَ وَنَهْبِهِمْ: إن السيد خليل حيدر في دراسته الأخيرة لم يستخدم العبارات التي تصرح بعدم صلاحية القرآن والسنة، ولكنه اختار كل ما كتب على لسان الخصوم، ونشر ما وصل إلى نتيجة ظهرت في مقال الجمعة ٢٥ أكتوبر سنة ١٩٨٥ وعنوانه " تيار التطرف يكتسح الساحة " ففي هذا المقال يلخص ما سماه النتيجة الحتمية لأفكار التيار الديني العقائدي، وبالذات الجناح الثوري منه في المجتمع العربي. فيذكر أن هذه الأفكار نشأت منذ ١٩٦٥ م - ١٣٧٥ هـ، ومضمونها هو: ١ - المجتمع الذي نعيش فيه مجتمع كافر، وأن الأفراد والحكومات مرتدون مارقون. ٢ - المساجد مساجد ضرار، لأنها تسير في ركاب الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل اللهُ، والمؤسسات الإسلامية الأهلية والحكومية حكمها حكم المجتمع. ٣ - وجوب الخروج على الحكام وقتالهم بالسلاح، وأما المجتمعات والشعوب فتعامل طبقًا

стр. 86

للبنود الآتية: أ - يجوز اغتيالهم، ويجوز إظهار النفاق معهم حتى نتمكن من قتلهم، إذ يجوز الخداع معهم. ب - كل ديار المسلمين حاليًا ديار حرب، يجوز فيها القتل والنهب والغصب والخطف. ج - أموال هؤلاء يعني المسلمين الذين يعيشون في هذا المجتمع، يجوز سرقتها ونهبها باعتبارها أموال كفار وغنيمة. د - ليس للنساء والأطفال حرمة ويجوز استرقاق النساء وسبيهم. هـ - تجب العزلة الشعورية في هذا المجتمع، وبالتالي لا تجوز الصلاة في المساجد التي تنفق عليها الدولة. وكل هذه الأحكام لا يمكن للناقد الذي عاصر هذه المجتمعات أن يقول إنها تمثل تيارات الصحوة الدينية المعاصرة، وأنها تكتسح الساحة، حتى لو كان قد نقل أكثر هذه الأحكام أو بعضها من كتاب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق " فصول من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله " كما يزعم، فهذه المقولات تنسب إلى أفراد حوكموا في قضية قتل وخطف الشيخ الذهبي، وقد أطلقت عليهم وسائل الإعلام اسم (جماعة التكفير والهجرة)، وهم قلة قليلة وقد صدرت ضدهم أحكام بالسجن وأعدم بعضهم ولا يمثلون تيارًا عامًا في الساحة وبالتالي لا يمكن نسبة أفكارهم إلى دعاة الإسلام المعاصر، فضلاً عن أنهم لا يتفقون جميعًا على هذه الأفكار وأكثرها نقل عنهم من غيرهم ومن خصومهم، ولا توجد مطبوعات لهم، ومن باب أولى فالذي انتهى إليه السيد / خليل حيدر في هذا المقال من أن «الكثير من هذه الأفكار هي تطوير لأصول فكرية وضعها القادة المعتدلون لأن الشباب المتطرف لم يخترع فكرة المجتمع الجاهلي وحاكمية الله والطاغوت والعزلة الشعورية والجماعة، فهذه وغيرها وما تحمله من مضامين صدامية وضعها كُتَّابٌ مثل المودودي وسيد قطب، ثم تطورت أكثر فأكثر في التطرف ومحاولة تفسير الإسلام من خلال القرآن والسنة». إنه مع هذه البدهيات فإنه ما زالت بعض الصحف تقدم خليل حيدر على أنه مفكر إسلامي، وهو أيضًا يقوم بنقد الحركة الإسلامية من الداخل، مع أنه صرح في كتاباته أنه لا يعتقد بصلاحية الإسلام (مقالة بـ " الوطن " يوم ٨/ ٨ / ١٩٨٤ والمقالات المشار إليها من قبل) ثم تقدم هذه الدراسة على أساس أنها دراسة علمية .. فهل هي دراسة علمية؟ إن لينين الذي يؤمن به العلمانيون أكثر من إيمانهم بالإسلام يقول في كتابه " تاريخ

стр. 87

الحزب الشيوعي ": «إنه قبل أن نتحد ولأجل أن نتحد، ينبغي أن نبين الحدود التي تفصل بيننا بحزم وجرأة». فهل بَيَّنَ (خليل حيدر) الحدود التي تفصل بينه وبين الإسلام. وإذا كان قد فعل ذلك وأعلن عدم صلاحية الإسلام، فكيف يصبح مفكرًا إسلاميًا، ولماذا يصر هو ومن ينشر له على أن يخدع الناس بأنه مفكر إسلامي، وأنه ناقد من داخل الحركة الإسلامية. إن الدكتور (زكي نجيب محمود) الذي يعد فيلسوفًا للمذهب الوضعي في العالم العربي يقول في مقاله بـ " الوطن " يوم ١٢/ ١١ / ١٩٨٥: «إن الإسلام والشيوعية ضدان لا يجتمعان، وبالتالي لا يمكن أن يفسر الإسلام من خلال الفكر الماركسي، أو أي فكر آخر يناهض القرآن والسنة». كما يحدد ما هو التطرف فيقول: «أن يأخذ المسلم بفريضة معينة في الفهم، أو قال بمذهب معين، ثم يعلن أنه هو الصحيح وحده». «أو أن يتخذ الإرهاب وسيلة لإرغام الخصوم، وهذا لا يلجأ إليه إنسان واثق بنفسه وعقيدته». فهل التزم الناقد العلماني بهذه الأصول العلمية. وهل يستطيع أن يقول: إن الشيوعية تقضي باعتبار الشيوعي المؤمن بالملكية الجماعية، متطرفًا وخارجًا على المذهب الشيوعي. وإذا كان ذلك غير مقبول في أي منطق علمي، فكيف يصبح مقبولاً منه أو غيره أن يزعم بتطرف من يتمسك بأحكام وردت في القرآن والسنة؟ إنه الإرهاب الفكري والتضليل الذي لا يجرؤ عالم على أن يكتبه! إن أساتذتنا محمد بن عبد الوهاب وحسن البنا والمودودي وسيد قطب، لم يبتدعوا حكم كفر الحاكم بغير تشريع الله ولم يبتدعوا وصفه بحكم الجاهلية ولم يبتدعوا حكم تحريم زواج المسلمة من غير المسلم ولكن خليل حيدر يكذب على الأحياء والأموات وينسب هذه الأحكام الشرعية إلى قيادات الصحوة الإسلامية ثم يطعن فيها زاعمًا أنه يدين التطرف.

стр. 88

الفَصْلُ الثَّالِثُ: المَارْكْسِيَّةُ وَالوَاقِعُ العَرَبِيُّ: • العلمانية والثالوث اللاديني. • المثقفون بين اليمين واليسار. • اليسار الإسلامي بين الحقيقة والوهم. • الوجه الشيوعي لليمن السعيد. • مراحل النمو الاقتصادي والاشتراكيات المحلية بين اليمين واليسار. • موسكو بين اليهود والمسلمين. • متى يفيق اليسار العربي.

стр. 89

هَدْمُ المِخْيَالِ الدِّينِيِّ وَإِقَامَةِ العِلْمَانِيَّةِ: يشترك الفكر الماركسي مع الفكر العلماني في إبعاد الدين عن التشريعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتنفرد الماركسية بإنكار وجود الله تعالى، وبالتالي إنكار العبادات، التي تعد في الفكر العلماني من المسائل الشخصية. لهذا يرى الدكتور جلال أحمد أمين أن التيار الماركسي فرع من فروع التيار العلماني، ولا يختلف عنه إلا في أنه يستوحي مصدرًا آخر من مصادر الفكر بتأكيده على قضية الصراع الطبقي (١). أي أن العلمانية الغربية واللادينية الماركسية تتفقان في أن الإصلاح المنشود يكون عن طريق استبعاد الدين. مشكلة المثقفين العلمانيين، كما يحلو لهم هذا النعت، أنهم بحكم عامل الشد الذي يتنازعهم بين الأصالة والمعاصرة قد أصاب فكرهم وانتماءهم شرخ حاد .. شرخ طولي، فتراهم لا هم مع هذه الثقافة ولا هم مع تلك. مصابون بحالة من الاضطراب وانفصام الشخصية في جانبها الثقافي والفكري على وجه الخصوص. إنهم مع «الأصالة» والأصالة متضمنة التراث، والتراث كله دين وعقيدة وتاريخ إسلامي وفكر إسلامي. وهذه كلها في عرفهم «رجعية». ولهذا فهم مع «التقدمية»، والتقدمية ثورة على الأصالة والثقافة الإسلامية ... التقدمية اتجاه نحو الغرب بقيمه وأخلاقياته ومفاهيمه. المشكلة ثانية أنهم يرفضون «الأصالة» ولا يستطيعون الانفصال عنها، وينجذبون نحو «المعاصرة»، ولا يستطيعون الانسلاخ عن تراث أمتهم بما يشتمل عليه مصطلح «التراث» من فكر وثقافة وعقيدة وفن ... الخ.

стр. 90

من هنا نشأ الاضطراب والقلق في طروحاتهم الفكرية، بل في مسلكهم الحياتي. الأمثلة كثيرة على هذا الانفصام والاضطراب، وترانا هنا نقدم أحدثها وليس آخرها بالطبع: تقدم إحدى المجلات العربية المتخصصة أحد العلمانيين على هذا النحو: «برغم الفترة الطويلة التي قضاها هشام شرابي في الولايات المتحدة الأمريكية كطالب في البداية، ثم كأستاذ تاريخ في جامعة جورج واشنطن، فإنه لم ينقطع أبدًا عن جذوره ...». لا بأس، فالتقديم ينطوي على إطراء جميل، ولكن عزله عن سياق حديث هشام شرابي نفسه فيه ظلم للقارئ وتعمية للحقيقة، فلنقرأ إذن ما قاله الدكتور شرابي جوابًا على سؤال: هل هناك أمل في نهضة ثقافية وفكرية عربية؟. يقول الدكتور مجيبًا: «إن الانتقال إلى مرحلة جديدة قد يتم إذا تبلورت الرؤيا العلمانية التقدمية الحديثة، وإذا تمكن الجيل الطالع من رفض هيمنة " المخيال الديني الرجعي، وتجاوز قيم الثقافة البطركية أهدافها». ويضيف متابعًا: «وإن فشل عن ذلك، فليس لهذا المجتمع من مستقبل إلا الفوضى وهيمنة الرجعية». وتقع مسؤولية المثقفين التقدميين العلمانيين في رأي الدكتور شرابي، في وضع فكر نقدي جديد يفكك المفاهيم البطركية السائدة، ويمهد الطريق لنشوء رؤيا اجتماعية جديدة تمكن الجيل الطالع من هدم البنية البطركية القائمة، وتجاوزها وإقامة بنية علمانية حديثة مكانها». مع هذا الحديث يكون شرابي قد انقطع عن جذوره حتمًا. وإلا بات ضروريًا أن نبحث في جذور تراثنا عن هذه (العلمانية) التي من أهدافها نسف (المخيال الديني الرجعي). ولكن (العلمانية) التى يدعو لها ويتبناها شرابي هي في الحقيقة إفراز للثقافة الغربية .. سنلمس مَعًا هذا الخلط والاضطراب الذي يعيشه العلمانيون في جواب شرابي على سؤال حول التأثر السلبي للثقافة الغربية على الثقافة العربية. «... بالتأكيد، كان هذا التأثير سلبيًا، فقد خلق ثقافة ممسوخة، لا أصالة فيها،

стр. 91

ولا حداثة حقيقية ..». لقد حيرنا الدكتور، حمانا الله وإياه من حيرة الشك أو الاضطراب أو الدوار الفكري، الذي يصيب كل العلمانيين الذين يمخرون عباب البحر إلى الغرب في سفينة الهجرة عن العقيدة والتراث!! (١). دعك يا دكتور من الاشتغال بأدوات الغرب فهذه الأدوات لم تصنع إلا «الديسكو» و «الايدز» والفراغ الروحي، والانغماس في المادية حتى العظم، حتى بلي العظم .. الغرب يا دكتور كما تقول أنت في حديثك: «مصدر ويلات العرب ومركز الخطر الداهم الذى يهدد وجودهم ومستقبلهم».

стр. 92

العِلْمَانِيَّةُ وَالثَّالُوثُ اللاَّدِينِى: إن القيم الأخلاقية هي عماد العدل، الذي أمر به الله تعالى في قوله : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (١). هذه القيم هي أساس الحياة الاجتماعية، وبدونها تنهار المجتمعات الإنسانية، ولكن العلمانية تزعم أن القيم الأخلاقية من المسائل الشخصية، ولا يجوز أن تتدخل في التشريعات الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية. وقد ابتدع فلاسفة اليهود وسائل لتحقيق هذا المأرب، وهو إبعاد الأخلاق عن الحياة الاجتماعية، فمن هذه الوسائل ما يسمى بعلم الاجتماع، القائم على أساس أن القيم والأخلاق نسبية، تتغير من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان آخر. ومن هده الوسائل نشر الإلحاد ممثلاً في الماركسية والوجودية وغير ذلك. ولا شك أن العلمانية وكذا الماسونية، من وسائل تحطيم القيم الأخلاقية، وذلك تحت شعارات مضللة، مثل الحرية والإخاء والمساواة وها هو (ناحوم جولدمان) (*) الذي كان سنة ١٩٥٦ رئيسًا للوكالة اليهودية، يقول: «لا يهمنا نحن اليهود أن نكون في جانب واحد من التيارات السياسية العالمية، ما دمنا نعيش في أنحاء العالم كيهود فقط لا يهمنا أن نكون رأسماليين، أو شيوعيين؛ لأننا لا نفكر إلا في أننا يهود والقضاء والقدر قد حتما علينا أن نعيش في الأربع جهات من هذا العالم .. فإذا دعت روسيا لدعوتها ضد أمريكا كان اليهود أسبق الناس إلى تعضيد الشيوعية، وإذا دعت أمريكا لدعوتها ضد روسيا كان يهود أمريكا أسبق الأمريكيين إلى الدعوة ضد الشيوعية .. وهكذا يبقى مركزنا (كيهود) سليمًا إلى الأبد». " جهاد ناطق " (**): ص ١٢٣ للأستاذ عمر زاده، وقد سبق لكاتبين فرنسيين وهما الأخوان (جان وجيروم تارو) (...): أن وصفا اليهود وصفًا أصاب كبد الحقيقة في كتاب لهما عربه الخوري (أنطون يمين) تحت عنوان " إذا ملك إسرائيل " جاء فيه: «إن اليهودي شخص ذاتي يسعى في المجتمعات التي يعيش فيها إلى توحيد ثقافتها توحيدًا تامًا في جميع مناحي حياتها؟! حتى تذوب فيها المميزات العنصرية المؤلفة منها هذه

стр. 93

المجتمعات .. ويبقى وحده محتفظًا بميزته اليهودية الخاصة، التي لا يمكن أن تتحور مهما تقلبت عليها السنون والأجيال وبهذه الطريقة يبقى قويًا». ويسخر الكاتبان كثيرًا من أولئك المفكرين الذين يزعمون أن اليهودي يندمج مع العناصر التى يعيش في بلادها ويقولان: «إن اليهودى في الواقع يظل يهوديًا دائمًا وأبدًا، حتى أنه لو أحب الشعوب التي يعيش بينها أو اعتقد أنه أحبها، أو أنه أحبها بالفعل، فإن دمه يبقى دائمًا وأبدًا يهوديًا يسيطر على كافة تصرفاته وأعماله ويوجهها ..» (١). وهذا ما عبر عنه الفيلسوف اليهودي - إسحق دويتشر - (في محاضرة له في المؤتمر اليهودي لعام ١٩٥٨ خلال أسبوع الكتاب اليهودي) حيث يقول: «إن اليهودي يظل يهوديًا وإن ارتكب خطيئة». ويقصد بذلك: أن الفيلسوف اليهودي يظل يهوديًا في تفكيره وإن لم يكتب في اليهودية، أو أنه رغم ما يبدو من أصمية فلسفته يظل يهوديًا جدًا على نحو .. أو يظل منه شيء من جوهر الحياة اليهودية والفكر اليهودي .. وقد رأينا في اليهود حول المدينة المنورة اتجاهًا دائمًا نحو العزلة والبعد عن الاندماج في المجتمع الإسلامي .. وهكذا كان اليهود في الإمبراطورية الرومانية القديمة وكذلك في انكلترا وأوروبا وروسيا القيصرية وفي كل مكان حلوا فيه. ويعمل اليهود في كل مكان وزمان ضد الدولة التى ينعمون بخيراتها .. ويسعدون بالأمن في ظلها .. فنجدهم يساعدون الغازي ضد أهل البلد الذي مد لهم يد العون، ويقومون بأعمال التجسس والتخريب ضد الوطن الذي احتضنهم وتكرر ذلك جليًا على مدار التاريخ، وذلك إذا آنسوا في البلد الذي يحلون فيه ضعفًا ظاهرًا .. أما إذا لم يستطيعوا الظهور بأشخاصهم والجهر بعداوة من حولهم، فإنهم يلجأون إلى التنظيمات والأحزاب السرية، يكمنوا فيها كالجراثيم ليهاجموا المجتمعات في عقائدها وآدابها وأخلاقها وعاداتها .. أو لتوجيه عملية الهجوم من خلال بعض الأقلام المدربة والتي صنعوها على أعينهم .. متسترين بما ترفعه تلك الأحزاب والتنظيمات التي ينتمون لها من شعارات براقة .. ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب. وهذا ما وضحه خير توضيح الأستاذ الكبير - عباس محمود العقاد - في مقال له تحت عنوان: " الوجودية ... الجانب المريض منها " .. حيث يقول:

стр. 94

«ولن نفهم المدارس الحديثة في أوروبا ما لم نفهم هذه الحقيقة التي لا شك فيها .. وهي أن أصبعًا من الأصابع اليهودية كامنة وراء كل دعوة تستخف بالقيم الأخلاقية وترمي إلى هدم القواعد التي يقوم عليها مجتمع الإنسان في جميع الأزمان فاليهودي كارل ماركس: وراء الشيوعية التى تهدم قواعد الأديان والأخلاق .. واليهودي دوركايم: وراء علم الاجتماع الذي يلحق نظام الأسرة بالأوضاع المصطنعة، ويحاول أن يبطل آثارها في تطور الفضائل والآداب .. واليهودي سارتر: وراء الوجودية التي نشأت معززة بكرامة الفرد، فجنح بها إلى حيوانية تصيب الفرد والجماعة بآفات القنوط والانحلال .. ومن الخير أن تدرس المذاهب الفكرية .. بل الأزياء الفكرية .. كلما شاع منها مذهب جديد في أوروبا .. ولكن من الشر كل الشر أن تدرس بعناوينها وظواهرها .. دون ما وراءها من عوامل المصادفة العارضة والتدبير المقصود ..». وهناك الكثير من الأقوال التي تلقي الضوء على أصول الماركسية .. والتي تبين أنها نبتة يهودية ماسونية خبيثة .. من ذلك مثلاً: ١ - ما ذكره الشيخ جابر العلي في صحيفة " السياسة " الكويتية تحت عنوان " خواطر لمسؤول معروف "، حيث قال في خاطرته السياسية: «كرس ماركس وغيره من المفكرين كل جهودهم للوصول إلى أهدافهم، وبمفاهيم تتلاءم مع روح التراث في كل عصر .. فبغض النظر عما كانت عليه أوضاع الظلم والاضطهاد في المجتمع الأوروبي وتسلط الكنيسة والقياصرة .. استوصى ماركس ذلك الاضطهاد بنظرية من إرث تاريخ يهودي، وهو واحد من أساطيرهم، وقد شعر أن المؤمنين بالمسيحية والإسلام هو الأغلبية الساحقة من سكان العالم .. بينما اليهود أقلية .. وكان شعوره بالدرجة الثانية بأن هناك قوميات مختلفة وليس لليهود قومية تربطهم .. وهم منتشرون في بقاع مختلفة من بلاد العالم .. وكذلك رفض ماركس العزة الوطنية لأنه ليس لليهود وطن، وإذن فعليه أن يدمر هذه الأديان وهذه القوميات والمشاعر الوطنية، لكي يخلق طبقة واحدة أممية تعتمد على من يزرع ومن يصنع، وهذا سيكون أمام آلته، والآخر في حقله .. وبالتالي من الذي يفكر له ويوجهه، إذن ماركس اليهودي .. والمتأكد من تفوق صهيونيته العنصرية، ومفكروها القديرون يتولون قيادة المشتغلين بالآلة والحقل، وقد حصل ذلك، فبعدما كانت الصهيونية تتبعها قلة من اليهود ..

стр. 95

أصبح - نبيها - الجديد يسيطر على ملايين كثيرة في العالم». ٢ - جاء فى مجلة " أكاسيا " الماسونية الصادرة عام ١٩٥٣ ما نصه: «والماسونية هي التي هيأت الجو للثورة الماركسية، وعلى الماسونيين أن يعملوا بالاشتراك مع العمال، لأن الماسونية تملك القوة الفكرية والإمكانات العقلية، والعمال الذين يملكون القوة التدميرية يكونون عددًا هائلاً، وباجتماع هاتين القوتين يتولد الاضطراب الاجتماعي». (" أسرار الماسونية ": ص ٣١). ٣ - وقال السيد فاروق القدومي - رئيس الدائرة السياسية بمنظمة التحرير الفلسطينية - في المجلس الوطني الذي انعقد في أيار عام ١٩٦٩ مانصه: «الماركسية والماسونية مماثلتان». (انظر مجلة " دراسات عربية "، السنة الرابعة عدد ٦، سنة ١٩٧١). ٤ - وقال الشاعر الكويتي - أحمد السقاف - في محاضرة له تحت عنوان " تطور الوعي القومي في الكويت .. ": (قامت رابطة الأدباء في الكويت بطبعها عام ١٩٨٣) ما نصه: «لقد استغل دعاة الماركسية التفاوت الطبقي والفقر والبطالة والاستعمار في سوريا ولبنان ومصر والعراق .. فجندوا لتحقيق أهدافهم من استطاعوا تجنيده، ويكفي أن نعلم أن بعض رسل الماركسية ومؤسسي أحزابها السرية في الأقطار العربية قد كانوا من اليهود الروس والبولنديين، وكان هدف هؤلاء التمهيد لقيام الكيان اليهودي في فلسطين». ٥ - وقال الدكتور رفعت السعيد في صفحة (١٧٦ - ١٧٧) من كتابه " تاريخ المنظمات اليسارية المصرية ١٩٤٠ - ١٩٥٠ سنة ١٩٧٦ " مانصه: «ويكمل اليهودي - هنري كورييل - القصة قائلاً: " وفي عام ١٩٣٧ - ١٩٣٨ اقتنعت بالماركسية .. وبدأت في الاتصال بآخرين .. اتصلت بـ (جورج بواتيه) و (راؤول كورييل - أخي-) و (مارسيل إسرائيل) وآخرين .. وبدأنا في تأسيس الاتحاد الديمقراطي .. " إلى أن يقول: " واتخذ الاتحاد الديمقراطي أول اجتماعاته في مقر إحدى الجمعيات الماسونية؟!!! "». ٦ - ذكر الأستاذ يوسف الحاج (في صفحة ٩٠ - ٩١) من كتابه " الشيوعية "

стр. 96

بأن المنشورات التي كانت توزع على الشعب الروسي قبيل الثورة الماركسية كانت تتضمن الشعارات التالية: أ - إن الحياة الاشتراكية هي الطريقة المثلى لسعادة الدولة وجنة الإنسان في الأرض. ب - إن الدين هو أفيون الحياة ومخدر أعصاب العقول. ادِّعَاءُ المُسَاوَاةِ وَحَتْمِيَّةِ المَارْكْسِيَّةِ: (١). تبشر الماركسيه الناس بالعدل والمساواة، ولهذا فالتحليل الماركسي أن مظالم الرأسمالية تؤدي حتمًا إلى الشيوعية، ولم يشر ماركس ولا غيره من الشيوعيين إلى نتائج المظالم الشيوعية. يقول الفيلسوف (أندريه جيد) عن تجربته في الحزب الشيوعي: «لقد حدث أن زرت إحدى المزارع الجماعية والنموذجية وهي أبدع المزارع في الاتحاد السوفياتي وأغناها، ودخلت بيوتًا متعددة، وليتنى أستطيع أن أنقل ذلك الانطباع المطرد الكئيب الذي يحس به من يدخل هذه البيوت من أثر انعدام الفردية انعدامًا كاملاً، لقد كان في كل منها نفس قطع الأثاث القبيحة، ونفس الصورة للزعيم ستالين، ولا شيء غير هذا .. ولو دخل أحد السكان بيتًا غير بيته ناسيًا لما أحس بأي تغيير أو اختلاف ... وأن الناس في روسيا تعتقد أنه لا يوجد هناك إلا رأي واحد فقط، هو الصائب مهما كان الموضوع والبحث وتقوم جريدة " البرافدا " في كل صباح بمهمة إخبار الناس بما هم في حاجة إلى معرفته، وبما ينبغي عليهم أن يؤمنوا به. ولقد أدهشني أن الجرائد لم تذكر شيئًا عن الحرب الأهلية في أسبانيا .. لقد أصبحت عقول الناس مدربة على الطاعة والامتثال بشكل طبيعي. إن اختفاء الرأسمالية لم يجلب الحرية للعامل السوفياتي، فلم يعد يستغلهم حملة الأسهم الرأسماليون، ولكنهم يستغلون أبشع استغلال وبطرق خفية وملتوية، وغالبيتهم العظمى يعيشون تحت مستوى الفقر .. إن ديكتاتورية الطبقة العاملة التي طالما نادت بها الماركسية لم تتحقق بعد، إلا أنه توجد ديكتاتورية من نوع آخر ديكتاتورية الحكومة الاستبدادية».

стр. 97

ويقول: «إن الكاتب من بين جميع العمال الموظفين في الاتحاد السوفياتي يلقى أكبر الفضل وأعظم الرفق، ولقد أدهشتني وأفزعتني تلك الامتيازات الهائلة التي عرضت علي حتى لقد خفت أن أستجيب للإغراء .. لقد كان الثمن المطلوب أن يمتنع الكاتب عن أي معارضة، ومجرد النقد الحر يعتبر معارضة، لقد اكتشفت أن عضوا بارزًا من أعضاء أكاديمية العلوم قد أخرج من سجنه حديثًا، وكانت جريمته أنه مستقل الرأي، وقد طرد عالم آخر من أستاذيته في الجامعة وحرم من تسهيلات إنشاء مختبر " معمل " خاص، لأنه يعبر عن بعض الآراء العلمية التي لم تتطابق مع الرأي السوفياتي السائد، ثم أرغم على كتابة خطاب يتبرأ فيه من آرائه لكي يتجنب النفى إلى سيبيريا» (١). كَذِبُ المَادِّيَّةِ الجَدَلِيَّةِ: لقد استند (ماركس) و (إنجلز) ومن قبلهما (هيجل) على النظريات العلمية في عصرهم لإثبات قانون التناقض. فقالوا: إن الذرة هي وحدة الكون كله وأن الطبيعة مكونة من ٩٢ عنصرًا تختلف باختلاف عدد الذرات بها، وعليه فحركة الطبيعة تثبت وجود تناقض بين عناصرها المختلفة لاختلاف تكوينها، وطبق هذا التناقض على الجنس البشري. ولكن كيف نشأت الذرة الأولى التي نشأ فيها أول صراع؟ تزعم المادة الجدلية أن الكون يتوالد باستمرار، ويحمل في أحشائه قدرته الخاصة في الحركة والتحول، وهو لذلك ليس في حاجة إلى محرك، وهذا التفسير يرتبط بإنكارهم وجود الخالق، ولكنهم عجزوا عن بيان خالق الذرة الأولى التي نشأ منها الكون وبنى عليها أول صراع. لقد قامت الماركسية على أساس هذا التفسير العلمي الذي يسمى بالاشتراكية العلمية. لقد أثبت العلم الحديث أن الذرة ليست هي وحدة الكون، حيث تم اكتشاف مكوناتها التي تنقسم إلى نواة، تتكون من بروتونات ونيترونات وأجسام أخرى يحيط بها عدد من الإلكترونات، والأكترون ذو شحنة سالبة والبروتون ذو شحنة موجبة والنيترون متعادل. ولم يعد هناك احتمال القول بوجود تناقض في المادة، فعدد الالكترونات السالبة في الذرات الواحدة يساوي عدد البروتونات بها، وهما لا يتصارعان داخل الذرة وذلك حسب اكثشاف (كولومب) المسمى بقانون كولومب. وثبت علميًا أن المادة تتحول إلى أخرى عن طريق فصل أو تجميع الذرات، كما

стр. 98

تتحول من صورة إلى أخرى فلا يتم التناقض والصراع كما كان يعتقد ماركس، ولم تعد المادة ذات تأثير وتغير ذاتي من داخل الذرة إذ لا يوجد أي تأثير خارجي أي تأثير ذرة على أخرى لكي يتم التحويل، وتحويل مادة من صورة إلى أخرى يحتاج إلى مؤثر خارجى فمن الجامد إلى السائل يحتاج رفع درجة الحرارة. (انظر: " الغزو الفكري للتاريخ والسيرة "). هذه الحقائق العلمية تحطم النظرية الماركسية، لهذا حاول البعض التنصل منها والتحايل، فقد قال الدكتور عصمت سيف الدولة في كتابه " أسس الاشتراكية ": «لقد قامت الجدلية المادية على فرضية لفظية أن الطبيعة جدلية وليس معنى ذلك أنه قد ثبت هذا علميًا ولكنها ضرورة لتفسير التاريخ ..» ولكن كتابه " العروبة والإسلام " يحطم الإلحاد. فهل يدرك الماركسيون العرب وكل من له عقل من البشر أن التفسير العلمي يضع تحليلات (ماركس) في سلة المهملات (١). الشُّورَى بَيْنَ اليَمِينِ وَاليَسَارِ: ما زالت تظهر بين الفترة والأخرى بحوث ومقالات تصنف المسلمين إلى اليمين واليسار، ولكن من الجرأة على تاريخ الأسلام والمسلمين أن يمتد هذا التصنيف إلى صحابة - رسول الله ﷺ فنجد مقالات في مجلة " الكاتب " باسم الصراع بين اليمين واليسار في الإسلام (٢) (وتفصيل الرد على ذلك فى كتاب " الغزو الفكري " للمؤلف). صاحب هذه المقالات أراد أن يخدم اليسار في عصرنا على حساب الإسلام وصحابة رسول الله والتاريخ الإسلامي. فيزعم الكاتب أن النبى ﷺ هو مؤسس اليسار الإسلامي وواضع مبادئه، ثم يختلق مقدمة كاذبة ليصل إلى نتيجة خاطئة، ليقنع بها الغافلين من المسلمين. أما المقدمة الكاذبة فهي قول الكاتب: «في حياة النبى كان رجاله المقربرن هم المستضعفون، وعلى رأسهم على بن أبي طالب الذي لم يفارق النبى لحظة من حياته، إلا أن السياسة العليا لتثبيت دعائم الدولة الجديدة اقتضت ألا يدخل في مجلس الشورى، الذي لا نعرف بالضبط ما هي الصورة الرسمية التي تشكل على أساسها. فكل ما نعرفه أنهم كبار المسلمين من حيث مركزهم القبلى والسياسي».

стр. 99

ثم يقول في هذه المقدمة «هذا المجلس لم يكن يضم من اليساريين الثوريين إلا علي بن أبي طالب. ولو تشكل مجلس الشورى أو على الأصح لو كان ممكنًا أن يتشكل المجلس منهم، لسار الإسلام سيرة أخرى تمامًا. ولكن ما كان يمكن أن يتصدر مجلس الشورى رجال من أمثال سلمان الفارسي أو أبي ذر الغفاري أو عمار بن ياسر أو صهيب الرومي والقبلية ما زالت في عنفوانها». هذه المقدمة تزعم أن النبي ﷺ شكل مجلس الشورى من أصحاب المراكز الاجتماعية. وأنه لم يدخله من المستضعفين إلا علي بن أبي طالب ﵁، والذي جعله الكاتب يساريًا. هذه المقدمة الكاذبة تؤدي إلى نتيجة كاذبة خاطئة، هي أن صحابة رسول الله ﷺ كانوا موزعين إلى يمين ويسار. وأن اليساريين منهم كانوا مقربين إلى النبى ﷺ ، لأنه زعيم اليسار ومؤسس مبادئه ولكنه لم يستطع أن يدخلهم في مجلس الشوري الذي أسسه، لوجوب موانع طبقية، اضطرته أن يبعدهم ما عدا علي بن أبي طالب. إن المصادر التاريخية التى يستقي منها هذا الكاتب، وكل من كتب أو يكتب عن هذه الفترة تكذب كل ما سطره الكاتب المذكور. ونكتفي من هذه الأدلة بما يأتي: أولاً: القرآن الكريم وهو أول هذه المصادر، يصف النبي ﷺ وصحابته بقول الله : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (١) وبقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢)، كما يقول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (٣)، ويقول الله تعالى عن المهاجرين ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٤). ويقول الله تعالى عن الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥).

стр. 100

ثانيًا: أن صحابة رسول الله ﷺ وفي مقدمتهم الإمام علي بن أبي طالب، لم يكن من اليمين أو اليسار، بل هذا الاصطلاح لا وجود له في هذه الفترة ولم يظهر إلا في القرن الثامن عشر، أي بعد مضي اثني عشر قرنًا على عصر الصحابة. ثالثًا: أن النبي ﷺ لم يشكل مجلسًا خاصًا للشورى، بل كان يستشير الحاضرين من الصحابة لا يفرق بين الفقير والغني والرئيس والمرءوس. لهذا شاور جميع الصحابة في أمر قريش واعتراض قوافلها، وشاور جميع من حضر غزوة بدر في اختيار موقع المعركة. وشاور جميع الحاضرين من الصحابة في غزوة أحد، فاختار أغلبيتهم أن يخرجروا لملاقاة قريش خارج المدينة، واستشار الصحابة في تسليم ثلث ثمار المدينة مقابل انسحاب قريش وحلفائها في غزوة الخندق، فآثر الصحابة من أهل المدينة استمرار القتال وفاءً بعهدهم وبيعتهم لله ورسوله. كما شاورهم في صلح الحديبية، واستشار زوجته أم سلمة في أمر الصحابة، الذين لم يستجيبوا لبعض شروط الصلح ولم يتحللوا في العمرة، وعمل ﷺ برأيها فكان خيرًا وبركة. رابعًا: أن جميع المصادر التاريخية تثبت أنه لم يكن للنبي مجلس للشورى بتشريعنا الحالي بل كان يستشير جميع الحاضرين على النحو سالف الذكر. خامسًا: كما تثبت هذه المصادر التاريخية الكذب والاختلاق فيما زعمه الكاتب اليساري من استبعاد من سماهم بالمستضعفين أو اليساريين ومنهم سلمان الفارسي، فلا ينكر أحد من المؤرخين أن سلمان الفارسي هو الذي أشار بحفر الخندق في غزوة الأحزاب، وأخذ بذلك النبي ولم يكن أحد من العرب يعرف هذه الوسيلة الدفاعية. سادسًا: أن المركز الاجتماعي ليس شرطا لتولي أي عمل أو مسؤولية في الإسلام، والمصادر كلها تكذب الكاتب في دعواه قصر الشورى على طبقة بعينها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال النبي ﷺ : «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَلَوْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ». وشروط عضوية مجلس الشورى عند الفقهاء ثلاثة: على ما أورده الماوردي وهي العدالة، والحلم، والثالث هو: الرأي والحكمة (" الأحكام السلطانية ": ص ٦) (١).

стр. 101

المُثَقَّفُونَ بَيْنَ اليَمِينِ وَاليَسَارِ: يظن بعض الكتاب المسلمين أن اليسار تعبير عن اتجاه يدعو إلى الأخذ بحلول جذرية لا تقبل المعالجة السطحية للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية. كما يظن آخر أن اليمين بين المسلمين في عرف اليسار تعبير عن أشخاص يلحون على الدعوة إلا الشعائر التعبدية التي لا تمس المظالم والفوارق الصارخة ويتعمدون السكون على المنكرات والمظالم. وفي المعلوم للجميع أنه قد نشأ اليمين واليسار كرد فعل للثورة الفرنسية، فأصحاب اليمين كانوا يدافعون عن القديم، ومن ثم يتمسكون بالدستور ويدافعون عنه وأصحاب اليسار يرون أن هذا القديم يمثل بقايا مظالم نظام الإقطاع في أوروبا، ولذلك ينادون بتغييره. ومن المعلوم أنه قد ظهرت حركة الإصلاح الديني التي قادها (مارتن لوثر) ضد الكنيسة فكانت تكافح تعاليم البابوية التي سماها تعاليم الشيطان، ولهذا، طالب بإلغاء سلطة البابا، وإلغاء صكوك الغفران وصكوك الحرمان. أما رد الفعل المتطرف فتمثل في فلسفة (هيجل) الذي ادعى أن خلق الكون يرجع إلى فكرة سماها العقل المطلق، فالله عنده عقل مطلق، ويقابل ذلك العقل المقيد وهو الطبيعة. ثم ظهر بعد ذلك (ماركس) وأخذ بفلسفة (هيجل) وقال إنها تسير على الرأس وتجعل القدمين في الهواء ويلزم في نظره أن تقلب ولهذا قال: الطبيعة والمادة هي أساس الخلق، وليس العقل، أي أن الطبيعة خلقت العقل والحياة والإنسان وتقوم فلسفة (هيجل) و (ماركس) على أساس النظريات العلمية آنذاك قد توصلت إلى أن هناك تناقضًا في أجزاء الذرة. أي أن حركة الطبيعة تنطوي على تناقض في عناصرها وبالتالي فالإنسان باعتباره من المخلوقات التي أوجدتها الطبيعة في نظرهم يخضع لهذا التناقض في حركته عبر التاريخ، ولهذا قال (ماركس) بالصراع الطبقي. ولكن ثبت علميًا أن المادة تتكون من عناصر متعادلة ولا تناقض بينها وأنه يمكن أن تتحول إلى أخرى عن طريق فصل أو تجميع الذرات وليس عن طريق التناقض والصراع، وهذا يسمى بـ (قانون كولومب) وبدلاً من أن يعلن الماركسيون عن توبتهم عن اتباع هذا الخطأ بدأ بعضهم يبرر هذه الخطيئة يبرر هذه الخطيئة فيدعي أن المادية الجدلية عند (ماركس) تقوم على افتراض

стр. 102

لفظي، عندما كانت حركة المادة غير معروفة ويقول: ولعل هذا قد وضع لتبرير تطبيق القوانين الجدلية على المادة (١). إن هذا التبرير من بعض الأعراب ليس له أساس ويناقض أقوال قادة الماركسية. يقول (لينين) (٢): «إن المعنى الدقيق للجدلية هو دراسة التناقضات داخل ذات جوهر الأشياء». ويقول (ماوتسي تونج) (٣): «فالمتناقضات الكامنة في الأشياء والظواهر هي السبب الرئيسي لنموها، بينما صلة الشيء أو الظاهرة المتبادلة مع الأشياء، أو الظواهر الأخرى وتأثيرها عليها إنما هي أسباب ثانوية». ويقول (إنجلز) (٤): «أما المادة الحية فهي تخضع أيضًا لعملية تطور مستمرة فلقد تكونت ابتداءً من أول مراحل الحياة، ولذا لم يعد بالإمكان الاعتقاد بالخرافة التي نشرها الدين، منذ مئات السنين، بأن الله خلق الأنواع مرة واحدة فهي لا تتغير». إنه بالمناقشة الهادئة لهذه المفاهيم الخاطئة نصل بعون الله إلى الحقائق التالية: أولاً: ليس صحيحًا أن هذا التفسير المادي للأحداث التاريخية هو من باب الاستفادة من الفكر الإنساني فقد اتضح أن هذا التفسير ليس علمًا من العلوم التي يستفاد بها حيث بنى على نظرية ثبت عدم صحتها كما ذكرنا من قبل. ثانيًا: وليس صحيحًا أن اليمين أو اليسار سبيل لتحقيق العدل، وأنه أيما طريق لاستخراج العدل فثم شرع الله. فالعدل قد اختلفت طرقه البشرية وتنازعت وتصارعت، فالماركسية ترى أن العدل يتحقق بسيادة الطبقة العاملة، ودفنها لباقي فئات الشعب وتصفيتها جسديًا. والرأسمالية ترى أن العدل يتحقق بترك الحرية المطلقة لأصحاب الأموال يستغلون حاجة العمال وغيرهم حتى لو أدى ذلك إلى احتكار السلع وتجويع الشعوب. ثالثًا: إنه من العبث بالفكر والرشد الإنساني أن ينادي مسلم باتباع الماركسية، أو الرأسمالية، تاركًا شرع الله الذي لا يميز العمال أو أصحاب الأموال ولا يفرق بين الناس بسبب المال أو النسب أو الجاه حيث يصبح والحال هذه كالتي نقضت غزلها من بعد قوة

стр. 103

أنكاثًا. لهذا جاء البيان الإسلامي للإنسانية وتمثل في قول الله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] (١). رابعًا: وليس صحيحًا أن أمور الاقتصاد والاجتماع من الفروع التي تقع تحت طائلة الاجتهاد فيمكن للمسلم أن يتبع النظام الراسمالي أو النظام الشيوعي ويصبح يمينيًا أو يساريًا ذلك أن الإسلام قد وضع لهذه الأمور قواعد كلية، لا يجوز الخروج عليها، وهي القواعد الواردة في القرآن والسنة وفيها قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢). ولو كانت هذه فرعيات ومتروكة للاجتهاد كما يزعمون لأصبح لدى المسلمين إسلام ماركسي وإسلام اشتراكي وإسلام رأسمالي. واللهُ يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ ...﴾ (٣). وأيضًا فإن الشيء وضده ينسب إلى الإسلام، كتحريم الملكية على الأفراد أو ترك الحرية للاحتكار والاستغلال. خامسًا: وليس صحيحًا أن رفض اصطلاح اليسار واليمين يؤدي إلى فرض الانتماء السياسي في عهد الرسول ﷺ والخلفاء، وهو في نظرهم انتماء لا يتفق مع مقتضيات عصرنا فما طَبَّقَهُ الرسول والخلفاء الراشدون ليس انتماءً سياسيًا بل اتباع لشريعة الله. فقد تجاهل هؤلاء أن الإسلام يطلق الاجتهاد للأمور التي تخضع للحواس، اي للتجربة البشرية فهذه تركها للناس، حيث قال ﷺ : «أَنْتُمْ أَعْلَمُ [بِأَمْرِ] دُنْيَاكُمْ». أما ما لا يخضع للحواس والتجارب فقد نزل فيه الوحي بالقرآن والسنة. من ذلك النظام السياسي والاجتماعي الذي فرض الشورى في مصالح الناس الدنيوية. قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٤). فالإسلام يقوم على التسليم بسيادة الله وشرعه في الحلال والحرام. قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٥) [الأنبياء: ٢٣]. وقال

стр. 104

﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ (١). فإذا اتبع الخلفاء الراشدون ذلك، واتبع المسلمون من بعدهم هذه النصوص، فلا يقال إن أحدًا يفرض على المسلم انتماءً من عنده، فكما أن الخلق لله فالحلال والحرام من عند الله القائل: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٢). سادسًا: وأخيرًا فقد تناسى الماديون والشيوعيون أن نظريتهم تؤدي إلى إنكار وجود سلعة بغير ثمن أو مقابل، حيث لا يوجد إله يرزق الناس بغير ثمن كما يزعمون، والواقع يكذب ذلك، فقد خلق اللهُ الهواء والماء ليكونا من المنافع المشاعة مجانًا للجميع من إنسان أو حيوان أو نبات، ولأنها خلق الله فلا مجال لاحتكارها، حتى لا يتحكم مخلوق في خلق الله، حيث يتوقف عليها استمرار الحياة، ولهذا قال النبي ﷺ : «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي المَاءِ وَالكَلَأِ وَالنَّارِ». لما كان ذلك: فإن من السذاجة أن يشيع أتباع هذه الاتجاهات الخاطئة أن الثقافة ترتبط بإنكارهم الرسل والرسالات، وأنهم الطليعة المثقفة في وطنهم. وإنه من الخديعة والمغالطة أن تقتصر المؤتمرات الثقافية على هؤلاء ... ومن والاهم أو رضي بكفرهم بالله ورسوله، وأن تصدر منهم قرارات في شكل الإجماع والأغلبية المطلقة ثم ينسب جذورها إلى المثقفين الغائبين عن هذه المؤتمرات. وهي بإجماع الملاحدة فقط. وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) (٤).

стр. 105

اليَسَارُ الإِسْلاَمِيُّ بَيْنَ الحَقِيقَةِ وَالوَهْمِ: إن الأسباب والمبررات التي ساقها أصحاب اصطلاح اليسار الإسلامي واليمين المسلم تبعد كثيرًا عن الحقائق التاريخية والمصطلحات العلمية، وهذا ما نوجزه فيما يلي: أولاً: اليسار السياسي والاجتماعي: إن اصطلاح اليسار واليمين قد كان في بدايته اصطلاحًا سياسيًا، فقد نتج عن الثورة الفرنسية أن انعقدت الجمعية التشريعية في أول أكتوبر ١٧٩١ م، لتنفيذ الدستور وحماية نتائج الثورة ومكاسبها، وقد انقسم أعضاؤها إلى يسار ويمين ووسط (" تاريخ القرن التاسع عشر " لمحمد قاسم وحسين حسني: ص ١٨ عام ٤٩). أ - أفكار اليسار يضم أنصار اليعاقبة الذين ينقمون على الدستور اعتداله في عرفهم ونادوا بالجمهورية وإلغاء طبقة الإقطاع. ب - وكان حزب اليمين من أنصار جماعة القويان الذين يعضدون الدستور ويحافظون عليه. ج - وكان حزب الوسط ويشمل الذين غلب عليهم طابع الحذر والتردد فليسوا من أنصار اليمين أو اليسار. ثانيًا: اليسار الاعتقادي: إذا كانت الثورة الفرنسية واليسار السياسي هما رد الفعل السياسي والاجتماعي لمظالم رجال الدين وأمراء الإقطاع في أوروبا فإن رد الفعل قد تمثل في الآتي: - حركة الإصلاح الديني التي قادها (مارتن لوثر) في القرن الخامس عشر، فكافح تعليم البابوية وسماها تعاليم الشيطان، وطالب بإلغاء سلطة البابا وصكوك الغفران والحرمان. ظهر (نيتشه) في القرن الثامن عشر وطالب باستقلال العقل وسيادته على النفس والعالم الخارجي عنه، وقال بالنقيض في مجال القصور الذهني وذلك بإدراك قيمة العقل واستقلاله وحريته. ومع بداية القرن التاسع عشر ظهر (هيجل) واستخدم مبدأ النقيض في مجال الفكرة، فادعى أن خلق العالم يرجع إلى فكرة اسمها " العقل المطلق ". فالله في نظره فكرة

стр. 106

مطلقة أو عقل مطلق، ونقيض ذلك العقل المقيد وهي الطبيعة التي هي ضد العقل المطلق فهي مقيدة ومحدودة. فالله عند (هيجل) لم يخلق الطبيعة بل يحمل في ذاته نقيضه، لذلك كانت الطبيعة ضرورية وصدفة وليس فيها حرية اختيار، والدولة هي صورة من صور العقل المجردة التي تمثل الإرادة العاقلة الإلهية، ولهذا كان (هيجل) يدعو إلى طاعة الدولة طاعة عمياء، فسمى بفيلسوف البلاط، ومن ثم ظهر المذهب الوضعي الذي [دعا] إليه (كونت)، ويرفض سيادة الدين أو العقل ويميل إلى سيادة الطبيعة على الدين والعقل الذي لا يعترف إلا بما جاء عن التجارب الحسية، وادعى (كونت) أن ما وراء الطبيعة «الله والوحي والدين» هو وهم سراب. ثم جاء (كارل ماركس) بعد هذه المراحل وبعد تكتل القوى ضد الدين الكنسي وضد الإقطاع فاستخدم مبدأ النقيض في مجال الاقتصاد ودعا إلى الفلسفة المادية التي تستخدم جدلية (هيجل) ولكنه ادعى أنها كانت مقلوبة فعدله، فـ (هيجل) يقول: إن العقل أساس الخلق، بينما (ماركس) يقول: إن المادة خالقة العقل، وينكر وجود الله تمامًا. وكان من أثر الثور الفرنسية ١٧٨٩ م قيام النظام الرأسمالي الذي رفع شعار الحرية وفصل الدين عن الدولة، وعبارة (آدم سميث) هي: «دعه يعمل، دعه يمر»، وبالتالي سيطر رأس المال على الأخلاق وعلى مقدرات البشر، وتحكم كالماركسية في حاضرهم ومستقبلهم، وأصبحت المنفعة هي الضابط الذي يتحكم في الإنسان (١).

стр. 107

الوَجْهُ الشُّيُوعِيُّ لِلْيَمَنِ الجَنُوبِيِّ بَيْنَ العِلْمَانِيَّةِ وَاللاَّدِينِيَّةِ: (١). تَجْرِبَةٌ لِلْتَّنْفِيذِ بِالسَّعُودِيَّةِ وَدُوَلِ الخَلِيجِ: استكمالاً للوقائع والمقدمات التي ركزت عليها في مقالاتي السابقة، المتضمنة أن الحكام وسائر المسؤولين بدول الخليج وبالمملكة العربية السعودية [يزمعون] اتخاذ تدابير وقائية ضد العناصر اليسارية، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه النصح ولا تقبل النصيحة. أنصح هؤلاء أن الوقاية لا تكون باعتقال اليساريين واضطهادهم، فذلك سبيل الفاشلين ومناخ طبيعي للشيوعيين، إنما يكون بالتدابير بتوعية اليسار في الجيوش وصفوف الطلبة والعمال، وفتح حوار معهم، ليدركوا أضرار العمالة لليسار واليمين، وليوقنوا فشل مبادئ (ماركس) و (لينين)، وهذا الحوار إنما يصدر عن مجتمع تسوده الحرية والعدالة الاجتماعية، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. التَّطَوُّرُ المُفَاجِئُ: لقد بدأت الثورة الفعلية ضد حكم أسرة حميد الدين باليمن الشمالي سنة ١٩٤٨ م إذ تم قتل الإمام يحيى في ٢٣ سبتمبر / أيلول من هذا العام بتدبير من مجموعة من الوطنيين، ظهر منهم أحمد بن الوزير عضو ديوان الإمام، ومحمد محمود الزبيري الملقب بأبي الأحرار اليمنيين، والفضيل الورتلاني والنعمان وآخرين ممن كانوا أعضاء بالجمعية اليمنية التي شكلت في عدن. ولم يكتب النجاح لهذه الثورة فتمكن الإمام أحمد عن طريق الدول العربية من إعادة الأوضاع، وتم إعدام ابن الوزير وآخرين وفر الزبيري والورتلاني إلى خارج اليمن، وتمكن الإمام أحمد من سجن آخرين مثل الإرياني وأحمد النعمان وحسن العمري وآخرين. مِيثَاقٌ لِلْوَحْدَةِ اليَمَنِيَّةِ: ثم في خلال شهري فبراير ومارس ١٩٦١ قام المناهضون للأوضاع باليمن شماله وجنوبه، بعقد مؤتمرات، مثل فيها الشمال الزبيري والنعمان وآخرون، أمثال قحطان الشعبي.

стр. 108

وكلف المؤتمر الشعبي بتقديم دراسة عملية تضمنت، أن «الحل العملي لا يمكن أن يكون إلا بتكوين جبهة قومية، تضم الفئات المخلصة في الحقل الوطني، وهي التي تؤمن إيمانًا حقيقيًا بقضيتها ومسؤوليتها القومية في إقليم اليمن جميعه، وتعتبر حركتنا القومية في اليمن بجزئيه إنما هي جزء لا يتجزأ من معركتنا العربية العامة، وأن مصير الشعب العربي جميعه في اليمن يرتبط ارتباطًا كاملاً بالوحدة العربية الشاملة». وبناءً على هذا التقرير شكل المؤتمر لجنة بالقاهرة في يناير سنة ١٩٦٢ للعمل على وحدة اليمن في إطار الوحدة العربية الشاملة، وكانت اللجنة تتكون من أحمد النعمان، محمود الزبيري، قحطان الشعبي، محسن العيني، محمد أحمد النعمان، أحمد المعلمي، حسن السحولي. قِيَامُ الثَّوْرَةِ فِي الشَّمَالِ: وفي ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢، أي بعد وفاة الإمام أحمد بأسبوع قامت الثورة اليمنية في الشمال، وأعلنت الجمهورية على أساس ميثاق الوحدة اليمنية، وكان من مبادئها الظاهرة إقامة العدل على أساس إسلامي صحيح، وتحقيق الوحدة اليمنية في ظل حكم ديمقراطي إسلامي. وما إن قامت هذه الثورة حتى سارع (عبد الناصر) الدخول فيها شريكًا خاسرًا، إذ نجم عن ذلك مساندة السعودية للإمام (البدر) الذي تمكن من الفرار، وظل القتال ست سنوات عجاف راح ضحيته الملايين من المصريين واليمنيين، وشل حركة الجيش المصري أمام العدوان الإسرائيلي سنة ١٩٦٧، وخسرت مصر من الأموال ما لم يعلن عنه وما زال أثره حتى اليوم خفيًا عن الأمة وممثليها. ولأول مرة يكتب أحد قادة الجيش المصري بذلك، وهو الفريق صلاح الدين الحديدي، فبعد أن ذكر هذه النتيجة المؤسفة، قال في كتابه " شاهد على حرب سنة ١٩٦٧ ": «لقد ساد الإحساس عام ١٩٦٢ م (انفصال سوريا، وهرب زغلول عبد الرحمن ومؤتمر شتورا) أن القاهرة بدأت تفقد الأرض التي تقف عليها، وأن الدول العربية أو غالبيتها تتأهب لتقف في الجانب الآخر. لكل هذه الأسباب ونتيجة طبيعية لها، كان القيام بضربة مضادة سياسيًا مفيدة

стр. 109

لمصر إلى حد بعيد، لتغيير الوضع غير الطبيعي الذي وجدت نفسها فيه عامي ١٩٦١ و ١٩٦٢ ... وهكذا بدأت المباراة وبدأت الاشتباكات المسلحة بين الجمهوريين وبين الملكيين في اليمن وانغمست مصر فيها» انتهى. لقد رغب الإنجليز في الانسحاب من عدن، بل من شرق السويس، لأن البقاء هناك يكلفهم نفقات كبيرة، لعدم أهمية القوات البرية بعد وجود الصواريخ والاعتماد على إسرائيل كقاعدة للغرب في المنطقة. وبدلاً من أن يتركوا الأمور تجري في مسارها الطبيعي، عمدوا كعادتهم إلى خلق شقاق دائم بين أبناء الوطن الواحد، فسلموا الحكم لـ (الجبهة القومية) برئاسة قحطان الشعبي، الذي رفع شعارات ماركسية، ونقض ما اتفق عليه مع إخوانه في الشمال والجنوب. وكان طبيعيًا أن تنكر اليمن الشمالية هذا التصرف، وأن تتنكر هي وسائر الدول العربية لهذه العمالة، ولكن لاعتبارات أخرى اعترفوا بها وهي لا تمثل الشعب، حيث كان هناك خمسة عشر حزبًا بعدن وحدها، منها (جبهة التحرير) التي كانت تساندها مصر، و (رابطة أبناء الجنوب) التي تساندها السعودية، وكانت (الجبهة القومية) التي تكافح بالبيانات الصحفية، هي التي سلمتها بريطانيا الحكم مع إعلانها الماركسية. وبعض هذه الاعتبارات أشار إليها القاضي عبد الرحمن الإرياني رئيس المجلس الجمهوري باليمن الشمالي، فهو يصرح للبعثة الصحفية المصرية يوم ٣/ ١٠ / ١٩٧٢ الساعة ١٠.٣٠ مَساءً، بأنه «لقد واصلت (جبهة التحرير) النضال والكفاح إلى أن اقتنع الإنجليز أن بقاءهم أصبح مستحيلاً، ولكن من عادة الاستعمار لا بد وأن يقف وراءه مشكلة للمواطنين، فاستدعى (الجبهة القومية) لمفاوضتها، وأعطاهم الاستقلال وأعلنوا الجمهورية، وفي رأيي أننا كنا متفقين معهم على الوحدة، غير أننا اضطررنا للاعتراف حتى لا يعطى الإنجليز أي مبرر في التأخير». مُحْسِنْ العَيْنِي يَكْشِفُ الحُكْمَ فِي الجَنُوبِ: لقد نشرت الصحف العربية حديث الأستاذ محسن العيني رئيس وزراء اليمن الشمالية، الذي أدلى به إلى البعثة المصرية، فكان مما نشرته الصحف في ٥/ ١٠ / ١٩٧٢ ما نصه:

стр. 110

الإِنْجْلِيزْ سَلَّمُوا الحُكْمَ لِـ (الجَبْهَةِ القَوْمِيَّةِ): قال: «قبل وجود القوات العربية في اليمن لم تكن هناك معارك مع الإنجليز، وكان بعض المشايخ واللاجئين وأتباعهم لاجئين هنا في اليمن، لخلافات مع الإنجليز، و (الجبهة القومية) وغير القومية لم يكن لها وجود عسكري، وجاءت القوات العربية، ومدوهم بالسلاح ودربوهم، ودخلوا الجنوب وعملوا ضد الإنجليز، وإلى ما قبل الاستقلال بحوالي سنة، كانت (الجبهة القومية) ترفض اللقاء مع (جبهة التحرير)، التي كانت الجمهورية العربية المتحدة واضعة ثقتها فيها، لأنهم يعملون بدون ضجيج، وليسوا أصحاب شعارات فارغة، ومع ذلك فقد حاولوا أن يجمعوا (جبهة التحرير) و (الجبهة القومية) في جبهة واحدة، ورفض القوميون ذلك، وعزلوا أنفسهم حتى عن الكفاح، وذهب بعضهم إلى القاهرة والبعض الآخر بقي في الشمال وبعضهم في الجنوب، فواصلت (جبهة التحرير) الكفاح، ولكن الإنجليز فاوضوا (الجبهة القومية) وسلموا الحكم إليها وحدها إضرارًا بالمواطنين، لأن الإنجليز يعرفون اتجاهات هذه الجبهة وشعاراتها». زُعَمَاءُ (الجَبْهَةِ القَوْمِيَّةِ) يَرْفُضُونَ رِئَاسَةَ الدَّوْلَةِ اليَمَنِيَّةِ المُتَّحِدَةِ: لقد أعلن الأستاذ محسن العيني للبعثة الصحفية المصرية، «أنه بوصفه رئيسًا للوزارة باليمن الشمالي، عرض على الأستاذ سالم ربيع رئيس حكومة اليمن الجنوبي أن يتم إدماج شطري اليمن في دولة واحدة يرأسها سالم ربيع، فرفض الأخير، وكان ذلك بحضور الرئيس معمر القذافي، وكانت شروطه للوحدة أن تكون (الجبهة القومية) هي الحزب الوحيد الحاكم في اليمن الشمالي وجنوبه، وهذا عند حكومة الشمال مستحيل، إذ لا وجود للحزبية هناك و (الجبهة القومية) لا تمثل الشعب اليمني وقد ضرب الرئيس لشقيقه مثلاً بالاتحاد السوفياتي، فشعبه أكثر من ٢٣٢ مليونً بينما الحزب الشيوعي الحاكم لا يمثل إلا ما بين ١٠ إلى ١٥ مليون فقط». رَأْيُ القَاضِي الإِرْيَانِيِّ فِي الحِزْبِيَّةِ: لقد أعلن القاضي عبد الرحمن الإرياني رئيس المجلس الجمهوري باليمن الشمالي، إننا لا نقبل الحزبية سواءً جاءت في ثوب الشيطان، أو ارتدت مسوح الرهبان. فالامتناع
следующие страницы →