غلامًا حدثًا: أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له، قال: فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، قال: فصمت إياس، وقام رسول الله ﷺ عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، قال: ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك، قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومه عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله تعالى ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلمًا (١).
فلما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه ﷺ ؛ خرج رسول الله ﷺ يعرض نفسه على القبائل كعادته فالتقي برهط من الخزرج أراد الله بهم خيرًا.
فقال لهم النبي ﷺ : "من أنتم؟ " قالوا: نفر من الخزرج، قال: "أمن موالي يهود؟ " قالوا: نعم، قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ " قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإِسلام، وتلا عليهم القرآن، قال: وكان مما صنع الله لهم به في الإِسلام، أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا قد عزُّوهم (٢) ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًا مبعوث الآن قد أظل زمانه، نتَّبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإِسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسئ أن يجمعهم الله تعالى بك، فسنقدم عليهم،
стр. 107
فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدَّقوا، وهم ستة نفر جميعهم من الخزرج:
١ - أسعد بن زرارة بن عُدَي، أبو أُمامة.
٢ - عوف بن الحارث بن رفاعه، وهو ابن عفراء.
٣ - رافع بن مالك بن العجلان.
٤ - قطبة بن عامر بن حَديدة.
٥ - عقبة بن عامر بن نابي.
٦ - جابر بن عبد الله بن رئاب (١).
تقول السيدة عائشة ﵂: كان يَوْمُ بُعاثَ يَوْمًا قَدَّمَهُ الله لِرَسُولِهِ ﷺ وَقَدْ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ وَقُتِلَتْ سَرَواتُهُمْ وَجُرِّحُوا فَقَدَّمَهُ الله لِرَسُولِهِ ﷺ في دُخُولِهِمْ في الْإِسْلاَم (٢).
قال ابن حجر:
(كانَ يَوْم بُعاث) بِهِ وَقْعَة بَيْن الْأَوْس والْخَزْرَج، فَقُتِلَ فِيها كَثِير مِنْهُمْ. وَكانَ رَئِيس الْأَوْس فِيهِ حُضَيْر والِد أُسَيْدِ بن حُضيْر وَكانَ يُقال لَهُ حُضَيْر الْكَتائِب وَبِهِ قُتِلَ، وَكانَ رَئِيس الْخَزْرَج يَوْمَئِذٍ عَمْرو بن النُّعْمان الْبَياضِيّ فَقُتِلَ فِيها أَيْضًا، وَكانَ النَّضر فِيها أَوَّلًا لِلْخَزْرَجِ ثُمَّ ثَبَّتَهُمْ حُضَيْر فَرَجَعُوا وانْتَصَرَتْ
стр. 108
الْأَوْس وَجُرِحَ حُضَيْر يَوْمئِذٍ فَماتَ فِيها، وَذَلِكَ قَبْل الْهِجْرَة بِخَمْسِ سِنِينَ وَقِيلَ: بِأَرْبَعٍ وَقِيلَ: بِأَكْثَر والْأَوَّل أَصَحّ، وَذَكَرَ- أبو الْفَرَج الْأَصبَهانِي أَنَّ سَبَب ذَلِكَ أَنَّهُ كانَ مِنْ قاعِدَتهمْ أَنَّ الْأَصِيل لا يُقْتَل بِالْحَلِيفِ، فَقَتَلَ رَجُل مِنْ الْأَوْس حَلِيفًا لِلْخَزْرَجِ، فَأَرادُوا أَنْ يُقِيدُوهُ فامْتَنَعُوا، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ الْحَرْب لِأَجْلِ ذَلِكَ، فَقُتِلَ فِيها مِنْ أَكابِرهمْ مَنْ كانَ لا يُؤْمِن، أَيْ يَتَكَبَّر وَيَأْنَف أَنْ يَدْخُل في الْإِسْلام حَتَّى لا يَكُون تَحت حُكْم غَيْره، وَقَدْ كانَ بَقِيَ مِنْهُمْ مِنْ هَذا النّحو عبد الله بن أبي بن سَلُول وَقِصَّته في ذَلِكَ مَشْهُورَة مَذْكُورَة في هَنا الْكِتاب وَغَيْره (١). اهـ.
١٦ - وفي السنه الثانيه عشرة من البعثه: أسري برسول الله ﷺ -من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصي، ثم عرج به إلي سدرة المنتهى ففرض الله عليه وعلى أمته الصلوات الخمس .
الشرح:
ثم كافأ الله رسوله ﷺ وسرّى عنه برحلة الإسراء والمعراج؛ فأراه من آياته الكبرى ما جعل قلبه ﷺ يطيب ويطمئن ويثبت، وينكشف عنه ما ألمَّ به من همّ وحزن وأسى بعد وفاة عمه وزوجته ﵂، وما لاقاه من إعراض قومه عن دعوته ﷺ .
فإن النبي ﷺ ما كان يحزنه الإيذاء الشخصي له ﷺ إنما الذي كان يحزنه ﷺ ويكاد يقتله؛ هو إعراضهم عن الدعوة ورفضهم لها؛ رحمة منه ﷺ وشفقة عليهم، ولذلك يقول الله له ﷺ : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ [الكهف: ٦]، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣]
стр. 109
وحادثة الإسراء والمعراج صحيحة ثابتة بالقرآن والسنة:
أما ثبوتها بالقرآن ففي قول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم:١ - ١٨].
وقد فصل النبي ﷺ أحداث هذه الرحلة المباركة تفصيلًا دقيقًا، بما ثبت عنه ﷺ من أحاديث صحيحة.
يقول ﷺ : "بَيْنَما أَنا عِنْدَ الْبَيْتِ (١) في الحجر مضطجعًا (٢) بَيْنَ النّائِمِ والْيَقْظانِ (٣) إذا أتاني آتٍ فشق (٤) من النحر إلى مراقّ البطن (٥) فاستُخْرِجَ قَلْبِي (٦) ثم غسله بِماءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جاء بطست من ذهب ممتلئ حِكْمَةً وَإِيمانًا
١٧ - وفي موسم الحج من هذه السنة: وافاه اثنا عشر رجلاً من الأنصار بعضهم ممن لقي النبي ﷺ في الموسم السابق، فبايعوه عند العقبة فسميت ببيعة العقبة الأولى وأرسل معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن فأسلم على يديه كثير من أهل المدينة .
الشرح:
فلما كان موسم الحج من العام الثاني عشر من البعثة -أي بعد عام فقط من التقاء النبي ﷺ بالأنصاريين الستة أقبل على رسول الله ﷺ وفد من الأنصار
стр. 116
قوامه اثنا عشر رجلًا، عشرة من الخزرج وهم:
١ - أسعد بن زرارة.
٢ - عوف بن الحارث بن رفاعة ابن عفراء.
٣ - رافع بن مالك بن العجلان.
٤ - قُطْبة بن عامر بن حديدة.
٥ - عقبة بن عامر بن نابي.
٦ - معاذ بن الحارث بن عفراء.
٧ - ذكوان بن عبد قيس.
٨ - عبادة بن الصامت.
٩ - يزيد بن ثعلبة.
١٠ - العباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان.
واثنان من الأوس وهم:
١١ - أبو الهيثم بن التيهان، واسمه مالك (١).
١٢ - عُويم بن ساعدة (٢).
стр. 117
لم يتخلف من الستة الأُول إلا جابر بن عبد الله بن رئاب فقط.
فبايع هذا الوفد رسول الله ﷺ بيعة العقبة الثانية.
يقول عُبادَةَ بن الصّامِتِ ﵁ وكان ممن شهد البيعة: إِنِّي لَمِنْ النُّقَباءِ الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ الله ﷺ ، وَقالَ: بايَعْناهُ عَلَى أَنْ لا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيئًا، وَلا نَزْنِيَ، وَلا نَسْرِقَ، وَلا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلّا بِالْحَقِّ، وَلا نَنْتَهِبَ، وَلا نَعْصِيَ، فالْجَنَّةُ إِنْ فَعَلْنا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، كانَ قَضاءُ ذَلِكَ إلى الله (١).
وفي رواية قال عُبادَةَ ﵁: أَنَّ النبي ﷺ قالَ: "تَعالَوْا بايِعُونِي عَلَى أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيئًا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ، وَلا تَأتُوا بِبُهْتانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلا تَعْصُونِي في مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فأَجْرُهُ عَلَى الله وَمَنْ أَصابَ مِنْ ذَلِكَ شَيئًا فَعوقِبَ بِهِ في الدُّنْيا فَهُوَ لَهُ كَفّارَةٌ، وَمَنْ أَصابَ مِنْ ذَلِكَ شَيئًا فَسَتَرَهُ الله فأَمْرُهُ إِلَى الله إِنْ شاءَ عاقَبَه، وَإِنْ شاءَ عَفا عَنْهُ"، قالَ: فَبايَعْتُهُ عَلَى ذَلِكَ (٢).
أول سفير في الإسلام:
فانطلق القوم- بعد ذلك- عائدين إلى المدينة المنورة، فأرسل معهم النبي ﷺ مصعب بن عمير ﵁ وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإِسلام ويفقههم في الدين، فكان مصعب يسمى في المدينة بالمقرئ.
стр. 118
وكان منزله على أسعد بن زرارة، وكان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض (١).
стр. 119
أول جمعة بالمدينة المنورة وإمامها:
قام سفير الإسلام مصعب بن عمير بمهمته على أكمل وجه؛ فدعا إلى دين الله وأقرأ الناس وعلمهم وفقههم في الدين، وانتشر الإسلام بالمدينة، فأقيمت أول جمعة في الإسلام بالمدينة المنورة، وأمَّ المسلمين فيها أسعد بن زرارة ﵁ (١).
عَنْ عبد الرَّحْمَنِ بن كَعْبِ بن مَالِكٍ -وَكَانَ قَائِدَ أَبِيهِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بَصَرُهُ- عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بن مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَرَحَّمَ لِأَسْعَدَ بن زُرَارَةَ، فَقُلْتُ لَهُ إِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ تَرَحَّمْتَ لِأَسْعَدَ بن زُرَارَةَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بنا في هَزْمِ النَّبِيتِ (٢) مِنْ حَرَّةِ بني بَيَاضَةَ (٣) في نَقِيعٍ (٤) يُقَالُ لَهُ نَقِيعُ الْخَضَمَاتِ (٥) قُلْتُ كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ (٦).
стр. 120
١٨ - وفي السنه الثالثه عشرة من البعثة في موسم الحج: وافاه سبعون رجلاً منه الأنصار فبايعوه عند العقبة أيضًا على أن يمنعوه إن هاجر إليهم مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبنائهم, فأخرجوا له اثني عشر نقيبًا، فقال ﷺ للنقباء: "أنتم على قومكم كفلاء" فسميت ببيعه العقبه الثانية .
الشرح:
ثم كانت بيعة العقبة الثانية في الموسم التالي مباشرة.
يقول جابر بن عبد الله ﵁ وكان ممن شهد هذه البيعة: مَكَثَ رَسُولُ الله ﷺ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَتْبَعُ النَّاسَ في مَنَازِلِهِمْ بعُكَاظٍ، وَمَجَنَّةَ، وَفِي الْمَوَاسِمِ بِمِنًى يَقُولُ: مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ أَوْ مِنْ مُضَرَ فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ، لَا يَفْتِنُكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابعِ، حَتَّى بَعَثَنَا الله إِلَيهِ مِنْ يَثْرِبَ، فَآوَيْنَاهُ وَصَدَّقْنَاهُ، فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا، فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إلى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، حَتًّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصارِ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، ثُمَّ ائْتَمَرُوا جَمِيعًا، فَقُلْنَا: حَتَّى مَتَى نَتْرُكُ رَسُولَ الله ﷺ يُطْرَدُ في جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ؟ فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا حَتَّى قَدِمُوا عَلَيْهِ في الْمَوْسِمِ، فَوَاعَدْنَاهُ شِعْبَ الْعَقَبَةِ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَيْهِ مِنْ
стр. 121
رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ حَتَّى تَوَافَيْنَا، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ الله: علام نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: "تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ في النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَالنَّفَقَةِ في الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تَقُولُوا فِي الله لَا تَخَافُونَ فِي الله لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي، فَتَمْنَعُونِي إِما قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمْ الْجَنَّةُ" فَقُمْنَا إِلَيْهِ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بن زُرَارَةَ، وَهُوَ مِنْ أَصْغَرِهِمْ -وفي رواية البيهقي: وهو أصغر السبعين إلا أنا- فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، فَإِنَّا لَمْ نَضْرِبْ أَكْبَادَ الْإِبِلِ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ الله، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنَّ تَعَضَّكُمْ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَأَجْرُكُمْ عَلَى الله، وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خيفة، فَبَيِّنُوا ذَلِكَ، فَهُوَ عُذْرٌ لَكُمْ عِنْدَ الله، قَالُوا: أَمِطْ عَنَّا يَا أَسْعَدُ، فَوَاللهِ لَا نَدَعُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ أَبَدًا، وَلَا نَسْلُبُهَا أَبَدًا، قَالَ: فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ، وأَخَذَ عَلَيْنَا وَشَرَطَ، وَيُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ (١).
وعن كَعْبِ بن مَالِكِ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا في الحجة التي بايعنا فيها رسول الله ﷺ بالعقبة مع مشركي قوْمنا، وَمَعَنَا الْبَرَاءُ بن مَعْرُورٍ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا، حتى إذا كنا بظاهر البيداء قَالَ: يَا هَؤُلَاءِ تعلموا إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا، وَاللهِ مَا أَدْرِي تُوَافِقُونِي عَلَيْهِ أَمْ لَا؟! فقُلْنَا: وَمَا هو يا أبا بشر؟ قَالَ: إني قَدْ أردت أَنْ أصلي إلى هَذِهِ الْبَنِيَّةِ ولا أجعلها مِنِّي بِظهْرٍ، فَقُلْنَا: لا وَاللهِ لا تفعل، والله مَا بَلَغَنَا أَنَّ النبي ﷺ يُصَلِّي إِلَّا إلى الشَّامِ، قَالَ: فإِنِّي والله لمصل إِلَيْهَا، فكان إِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ توجه إلى الْكَعْبَةِ وتوجهنا إلى الشام، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ، فقَالَ لي البراء: يَا ابْنَ أَخِي انْطَلِقْ إلى رَسُولِ الله ﷺ ، حتى أسْأَلْهُ عَمَّا صَنَعْتُ، فلقد وجدت فِي
стр. 122
نَفْسِي بخِلَافِكُمْ إِيَّايَ، قَالَ: فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، فَلَقِيَنَا رَجُلٌ بالأبطح، فقلنا: هل تدلنا على محمَّد؟ قَالَ: وهَلْ تَعْرِفَانِهِ إن رأيتماه؟ قُلْنَا: لَا والله، قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفَانِ الْعَبَّاسَ؟ فقُلْنَا: نَعَمْ، وقد كُنَّا نَعْرِفُه، كان يختلف إلينا بالتجارة، فقَالَ: إِذَا دَخَلْتُمَا الْمَسْجِدَ فانظروا الْعَبَّاسِ، قَالَ: فهو الرجل الذي معه، قال: فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رسول الله ﷺ والْعَبَّاسُ ناحية المسجد جالسين، فَسَلَّمْنَا، ثُمَّ جَلَسْنَا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "هَلْ تَعْرِفُ هَذَيْنِ الرَّجُلَينِ يَا أَبَا الْفَضْلِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، هَذَا الْبَرَاءُ بن مَعْرُورٍ سَيِّدُ قَوْمِهِ وَهَذَا كَعْبُ بن مَالِكٍ، فَوَاللهِ مَا أَنْسَى قَوْلَ رَسُولِ الله ﷺ : "الشَّاعِرُ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ له الْبَرَاءُ: يَا رسول الله إِنِّي قد رأيت في سَفَرِي هَذَا رأيًا، وقد أحببت أن أسألك عنه قال: "وما ذاك؟ " قال: رَأَيْتُ أَلَا أَجْعَلَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ مِنِّي بِظَهْرٍ فَصَلَّيتُ إِلَيْهَا، فقال له رسول الله ﷺ : "قَدْ كُنْتَ عَلَى قِبْلَةٍ لَوْ صَبَرْتَ عَلَيْهَا"، فَرَجَعَ إلى قِبْلَةِ رَسُولِ الله ﷺ وصَلَّى مَعَنَا إلى الشَّامِ. ثم وَاعَدْنَا رَسُولَ الله ﷺ الْعَقَبَةَ، أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ونحن سبعون رجلاً للبيعة، وَمَعَنَا عبد الله بن عَمْرِو بن حَرَامٍ والد جَابِرٍ، وإنه لعلى شركه، فأخذنِاه وَقُلْنَا: يَا أَبَا جَابِرٍ والله إنا لنرغب بك أن تموت على ما أنت عليه فتَكُونَ لهذه النَّارِ غَدًا حطبًا، وإن الله قد بعث رَسُولًا يأمر بتوحيده وعبادته وقد أَسْلَمَ رجلاً من قومك، وقد واعدنا رَسُولِ الله ﷺ للبيعة فأسم وطهر ثيابه، وحضرها معنا فكان نقيبًا، فلما كانت الليلة التي واعدنا فيها رسول الله ﷺ بمنى أول الليل مع قومنا، فلما استثقل الناس من النوم تسللنا من فرشنا تسلل القطا، حتى اجْتَمَعْنَا بالعقبة، فأتى رَسُولَ الله ﷺ وعَمُّهُ الْعَبَّاسُ، ليس معه غيره، أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ، فكان أَوَّلَ مُتَكَلِّمٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَهُوَ في مَنَعَةٍ من قومه وبلاده، قد منعناه ممن هو على مثل رأينا منه، وقد أبى إلا الانقطاع إليكم، وإلى ما دعوتموه إليه، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما وعدتموه، فأنتم وما تحملتم، وإن كنتم تخشون من
стр. 123
أنفسكم خُذلانًا فاتركوه في قومه، فإنه في منعة من عشيرته وقومه، فَقُلْنَا قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ، تَكَلَّمْ يَا رَسُولَ الله، فَتَكَلَّمَ وَدَعَا إلى الله، وتلا القرآن وَرَغَّبَ في الْإِسْلَامِ، فأجبناه بالإيمان والتصديق له، وقلنا له: خذ لربك ولنفسك فقَالَ: "إني أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا منعتم مِنْهُ أَبْنَاءَكُمْ ونِسَاءَكُمْ" فأجابه الْبَرَاءُ بن مَعْرُورٍ فقَالَ: نَعَمْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ الله فَنَحْنُ أَهْلُ الْحُرُوبِ وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فعرض في الحديث أبو الْهَيْثَمِ بن التَّيِّهَانِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالاً، وَإِنَّا لقَاطِعُوهَا، فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ الله أَظْهَرَكَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ فقَالَ: "بَلْ الدَّمَ الدَّمَ وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ" فقال له البراء بن معرور: ابسط يدك يا رسول الله نبايعك.
فقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا" فَأَخْرَجُوهم له، فكان نقيب بني النجار؛ أسعد بن زرارة، ونقيب بني سلمة، البراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، ونقيب بني ساعدة، سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، ونقيب بني زريق، رافع بن مالك، ونقيب بني الحارث بن الخزرج، عبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، ونقيب بني عوف بن الخزرج، عبادة بن الصامت -وبعضهم جعل بدل عبادة بن الصامت خارجة بن زيد- ونقيب بني عمرو بن عوف، سعد بن خيثمة، ونقيب بني عبد الأشهل -وهم من الأوس- أسيد بن حضير، وأبو الهيثم بن التيهان، قال: فأخذ الْبَرَاءُ بيد رَسُولُ الله ﷺ فضرب عليها، وكان أول من بايع، وتتابع الناس فبايعوا، فصرخ الشيطان على العقبة بأنفذ صوت سمعته قط، فقال: يا أَهْلَ الْجُبَاجِبِ (١) هَلْ لَكُمْ في مُذَمَّمٍ
стр. 124
وَالصُّبَاةُ مَعَهُ قَدْ أَجْتمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَةِ, هَذَا ابْنُ أَزْيَبَ، أَمَا وَاللهِ لَأَفْرُغَنَّ لَكَ ارْفَعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ".
فَقَالَ الْعَبَّاسُ بن عُبَادَةَ أخو بني سالم: يا رسول الله وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا، فَقَالَ: "إنا لَمْ نؤمَرْ بِذَلِكَ"، فرحنا إلى رحالنا فاضطجعنا، فلما أَصْبَحْنَا، أقبلت جُلَّةُ من قُرَيْشٍ فيهم الحارث بن هشام، فتى شاب وعليه نعلان له جديدتان، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ إلى صَاحِبِنَا لتَسْتَخْرِجُوهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، وإنه وَاللهِ مَا مِنْ الْعَرَبِ أَحَدٌ أَبْغَضَ إِلَيْنَا أَنْ تَنْشَبَ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مِنْكُمْ، فَانْبَعَثَ مَنْ هُنَاكَ مِنْ قومنا من المشركين يَحْلِفُونَ لَهُمْ بِاللهِ، مَا كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَمَا فعلناه، فلما تثور القوم لينطلقوا قُلْتُ كَلِمَةً كَأَنِّي أُشْرِكَهم في الكلام: يَا أَبَا جَابِرٍ -يريد عبد الله بن عمرو- أَنْتَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَتِنَا وكهل من كهولنا, لا تستطيع أَنْ تَتَّخِذَ مِثْلَ نَعْلَي هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَمِعَهَا الْحَارِثُ، فرَمَى بِهِمَا إِلَيَّ، وقَالَ: وَاللهِ لتلبسنهما، فقَالَ أبو جَابِرٍ: مهلًا أَحْفَظْتَ لعمر الله الرجل -يقول: أخجلته- أردُدْ عليه نَعْلَيْهِ، فَقُلْتُ: لا وَاللهِ لَا أَرُدَّهُمَا، فقَالَ: صُلْحٌ إني لأرجو أن أسلبه (١).
١٩ - فأمر النبي ﷺ حينئذ أصحابه بالهجرة إلى المدينه، وأقام ﷺ ينتظر الإذن بالهجرة وحبس معه أبا بكر وعليًا ﵄ -.
الشرح:
رأى النبي ﷺ دار الهجرة في رؤية منامية أراها الله إياه؛ فكان ذلك وحيًا من الله وإيذانًا له ﷺ بأن يأمر أصحابه بالهجرة لبدء مرحلة جديدة من الجهاد
стр. 125
والدعوة في سبيل الله، عسى أن تكون أفضل من سابقتها.
عن عائشة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ" -وَهُمَا الْحَرَّتَانِ- فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ وَرَجَعَ عامة مَنْ كَانَ هَاجَرَ بأَرْضِ الْحَبَشَةِ إلى المدينة وَتَجَهَّزَ أبو بَكْرٍ قِبَل المدينة فَقَالَ لَهُ رَسولُ الله ﷺ : "عَلَى رِسْلِكَ فَإنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي" فقَالَ أبو بَكْرٍ: وهَلْ تَرْجُوا ذَلِكَ بِأبي أَنْتَ؟ قَالَ: "نَعَمْ" فَحَبَسَ أبو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ لِيَصْحَبَهُ وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ وهو الخبط أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ (١).
وعَنْ أبي مُوسَى ﵁، عَنْ النَّبِيّ ﷺ : "قَالَ رَأَيْتُ في الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهْلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ" (٢).
بداية الرحلة إلى المدينة:
بدأ الصحابة رضوان الله عليهم في الاستعداد والخروج إلى المدينة المنورة، حيث علموا أن ذكر النبي ﷺ هذه الرؤيا لهم، إذن منه ﷺ بالخروج (٣) فخرجوا.
فكان أَوَّلُ مَنْ خرج مُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَبِلَالٌ، وسعد، وعَمَّارُ بن يَاسِرٍ ثم خرج عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ﷺ (٤).
стр. 126
وكان من أوائل المهاجرين أيضًا أبو سلمة ﵁ وكان لخروجه قصة عجيبة تحكيها السيدة أم سلمة ﵁ حيث تقول: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقودُ بي بعيرَه، فلما رأته رجالُ بني الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، رهْط أبي سَلمَة، فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبوا بنيّ سَلمَة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو الْمُغيرَة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت: ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني. قالت: فكنت أخرج كل غَدَاة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكي حتى أُمْسِي، سنةً أو قريبًا منها، حتى مرّ بي رجلٌ من بني عمّي، أحدُ بني الْمُغيرَة، فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني الْمُغِيرَة: ألا تُخْرجون هذه المسكينة! فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين وَلدها! قالت: فقالوا لي: الحَقي بزوجك إن شئتِ. قالت: وردّ بنو عبد الأسد إليّ عند ذلك ابني، قالت: فارتحلت بَعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة. قالت: وما معي أحد من خَلْقِ الله قالت: فقلت: أَتبلَّغ بمن لقيت حتى أقْدَم علي زوجي؛ حتى إذا كنت بالتّنْعيم لَقِيتُ عثمانَ بن طلحة بن أبي طلحة، أخا بني عبد الدار؛ فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أمية؟ قالت: فقلت أريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قالت: فقلت: لا والله إلا الله وبُنَيّ هذا. قال: والله مالك من مَتْرك، فأخذ بخطام البعير، وانطلق معي يَهْوِى بي، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قط، أرى أنه كان أكْرَمَ منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عَنِّي، حتى إذا نزلت استأخر ببعيري، فحطّ عنه، ثم
стр. 127
قيده في الشجرة، ثم تنحى إلى شجرة، فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرَّواح قام إلى بعيري فقّدمه فَرَحَلَه، ثم استأخر عَنِّي، وقال: اركبي، فإذا ركبت واستويتُ على بعيري أتى فأخذ بخطامه، فقاده، حتى ينزل بي. فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أَقْدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بُقباء، قال: زوجك في هذه القرية -وكان أبو سلمة نازلاً بها- فادخليها على بركة الله ثم انصرف راجعًا إلى مكة، قال: فكانت تقول: والله ما أعلم أهلَ بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آلَ أبي سَلمَة، وما رأيت صاحبًا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة (١).
وتأخر النبي ﷺ وحبس معه أبا بكر -كما تقدم- وعليًا أيضًا ليؤدي الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله ﷺ ليس بمكة أحد عنده شيء يُخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته ﷺ (٢).
٣٠ - واجتمعت قريش في دار الندوة للمشاورة في أمر النبي ﷺ فأجمعوا على قتله، فنزل جبريل ﵇ بالوحي من عند الله فأخبره بذلك وأذن الله له بالهجرة فهاجر .
الشرح:
يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠].
стр. 128
السنة الأولى من الهجرة
стр. 129
السنة الأولى من الهجرة
وفيها تسعة عشر حدثًا:
١ - في ربيع الأول من هذه السنة: هاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة .
الشرح:
ثم رد الله تعالى كيد المشركين واستطاع النبي ﷺ أن يخرج ومعه أبو بكر من مكة متوجهين إلى المدينة لم يرهما أحد.
وتعود بداية هذه الرحلة المباركة عندما كان أبو بكر جالسا في بيته وقت الظَّهِيرَةِ قَالَ له قَائِلٌ: هَذَا رَسُولُ الله ﷺ مُتَقَنِّعًا في سَاعَةٍ لَم يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أبي وَأُمِّي، وَاللهِ مَا جَاءَ بِهِ في هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ عائشة: فَجَاءَ رَسُولُ الله ﷺ فَاسْتَأْذَنَ، فأذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأبي بَكْرٍ: "أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ"، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأبي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ رسول الله ﷺ : "فَإنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ"، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بِأبي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "نَعَمْ"، قَالَ أبو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأبي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بِالثَّمَنِ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً في جِرَابٍ فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بنتُ أبي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ، قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ الله ﷺ وَأبو بَكْرٍ بِغَارٍ في جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عبد الله بن أبي بَكْرٍ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بن فُهَيْرَةَ مَوْلَى أبي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَيَبِيتَانِ في رِسْلٍ وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بن فُهَيْرَةَ
стр. 130
بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ (١).
وفي تلك الأثناء تفطَّن المشركون أن رسول الله ﷺ وأبا بكر قد خرجا فأخذوا يبحثون عنهما في كل مكان حتى وصلوا إلى الْغَارِ وهما فيه، ثم قربوا منه بشدة، حتى إن أبا بكر ﵁ سمع صرير أقدامهم حول الغار فرفع رأسه فَإِذَا هو بِأَقْدَامِ الْقَوْمِ فقال: يَا رسول الله لَوْ أَنَّ بَعْضَهُمْ طَأْطَأَ بَصَرَهُ رَآنَا، قَالَ: "اسْكُتْ يَا أَبَا بَكْرٍ اثْنَانِ الله ثَالِثُهُمَا" (٢).
ثم اسْتَأْجَرَ رَسُولُ الله ﷺ وَأبو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بني الدِّيلِ وَهُوَ مِنْ بني عبد بن عَدِيٍّ (٣) هَادِيَا خِرِّيتًا -وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ- قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ الْعَاصِ بن وَائِلٍ السَّهْمِيّ وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ (٤).
ثم انتظروا حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَخَلَا الطَّرِيقُ لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ (٥).
فلما نجا سراقة قصَّ على رسول الله ﷺ أخبار قريش وأنهم جعلوا فيه الدِّيَةَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ منهِمْ ثم عَرَضْ على النبي ﷺ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ يقول سراقة: فَلَمْ يَرْزَآنِي، وَلَمْ يَسْأَلَانِي إِلَّا أَنْ قَالَ: أَخْفِ عَنَّا، فَسَأَل سراقة النبي ﷺ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ فَأَمَرَ عَامِرَ بن فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ في رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ (١).
ثم وفى سراقة بما وعد به رسول الله ﷺ -حيث وعده أن يرد عنهما الطلب- فكان لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا ههُنَا فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلاَّ رَدَّهُ (٢).
وكان من شأن سراقة ﵁ أنه كان جالسا في مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمه بني مُدْلِجٍ يقول سراقة: فأَقْبَلَ رَجُل مِنْهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ أرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا ثُمَّ لَبِثْتُ في الْمَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الْأَرْضَ وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي فَخَرَرْتُ عَنْهَا فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ يَدِي إلى كِنَانَتِي فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الْأَزْلَامَ تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ وَأبو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي في الْأَرْضِ حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ فَخَرَرْتُ عَنْهَا ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ فَلَمْ تَكَدْ
стр. 133
تُخْرِجُ يَدَيْهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ (١) سَاطِعٌ في السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ فَنَادَيْتُهُمْ بِالْأَمَانِ فَوَقَفُوا فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ وَوَقَعَ في نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنْ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ الله ﷺ (٢).
ثم ذكر سراقة ﵁ الحوار الذي دار بينه وبين النبي ﷺ .
ثم مضى رسول الله ﷺ فلقي في الطريق الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام فكسا الزبيرُ رسولَ الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض.
ومرَّ النبيُ ﷺ وأبو بكر ﵁ ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة ودليلهما الليثي عبد الله بن أريقط على خيمتي أم معبد الخزاعية وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة ثم تسقي وتطعم فسألوها لحمًا وتمرًا ليشتروا منها فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد" قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم قال: "هل بها من لبن" قالت: هي أجهد من ذلك، قال: "أتأذنين لي أن أحلبها" قالت: بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها، فدعا بها رسول الله ﷺ فمسح بيده ضرعها وسمى الله تعالى ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت فاجترت فدعا بإناء يربض الرهط فحلب فيه ثجًا حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب آخرهم حتى أراضوا ثم حلب فيه الثانية على هدة حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها ثم بايعها وارتحلوا عنها، فقل ما لبثت حتى جاءها زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا
стр. 134
يتساوكن هزالاً منهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن أعجبه، قال: من أين لك هذا يا أم معبد والشاء عازب حائل ولا حلوب في البيت؟ قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا قال: صفيه لي يا أم معبد، قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة ولم تزريه صعلة وسيم قسيم، في عينيه دعج وفي أشفاره وطف وفي صوته صهل وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزج أقرن إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأباه من بعيد وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق فصلاً لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة لا تشنأه من طول ولا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به إن قال سمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود لا عابس ولا مفند، قال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً، وأصبحا صوت بمكة عاليًا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلاها بالهدى واهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيا لقصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجازى وسؤدد
ليهن أبا بكرسعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد
وليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
стр. 135
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
ودعاها بشاة حائل فتحلبت ... عليه صريًا ضرة الشاة مزبد
فغادره رهنًا لديها لحالب ... يرددها في مصدر بعد مورد (١)
ثم مضى النبي ﷺ هو وأبو بكر ﵁ فَالْتَفَتَ أبو بَكْرٍ فَإِذَا هُوَ بِفَارِسٍ قَدْ لَحِقَهُمْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله هَذَا فَارِسٌ قَدْ لَحِقَ بنا فَالْتَفَتَ نَبِيُّ الله ﷺ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ" فَصَرَعَهُ الْفَرَسُ ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِمُ (٢)، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله مُرْنِي بِمَا شِئْتَ قَالَ: "فَقِفْ مَكَانَكَ لَا تَتْرُكَنَّ أَحَدًا يَلْحَقُ بنا" قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَى نَبِيِّ الله ﷺ وَكَانَ آخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً لَهُ (٣).
وكان النبي ﷺ قد أشرف على الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ، وَأبو بَكْرٍ شَيخٌ يُعْرَفُ وَنَبِيُّ الله ﷺ شَابٌّ لَا يُعْرَفُ (٤) قَالَ: فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ، فَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، قَالَ: فَيَحْسِبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الْخَيْرِ (٥).
وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ الله ﷺ مِنْ مَكَّةَ فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ
стр. 136
غَدَاةٍ إلى الْحَرَّةِ فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ فَلَمَّا أَوَوْا إلى بُيُوتِهِمْ أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ (١) لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَبَصُرَ بِرَسُولِ الله ﷺ وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ (٢) يَزُولُ بِهِمْ السَّرَابُ (٣) فَلَمْ يَمْلِكْ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ هَذَا جَدُّكُمْ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ (٤) فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إلى السِّلَاحِ فَتَلَقَّوْا رَسُولَ الله ﷺ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ (٥).
٢ - وفي هذه السنة: نزل ﷺ بقباء, وبنى مسجد قباء .
الشرح:
ثم عَدَلَ النبي ﷺ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ في بني عَمْرِو بن عَوْفٍ (٦) وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَقَامَ أبو بَكْرٍ لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ الله ﷺ صَامِتًا فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَم يَرَ رَسُولَ الله ﷺ يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ حَتَّى أَصَابَتْ الشَّمْسُ رَسُولَ الله ﷺ فَأَقْبَلَ أبو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ الله ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَبثَ رَسُولُ الله ﷺ في بني عَمْرِو بن عَوْفٍ أربع عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ اَلَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ (٧).
стр. 137
٣ - وفيها: صلى الجمعةحين ارتحل من قباء إلى المدينة، صلاها في طريقه ببني سالم, وهي أول جمعة صلاها وأول خطبه خطبها في الإسلام .
الشرح:
مكث النبي ﷺ -كما تقدم- بقباء أربعة عشر يومًا بني خلالها مسجد قباء، ثم أراد النبي ﷺ دخول المدينة المنورة، فخرج من بين أظهرهم يوم الجمعة، فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة (١).
٤ - وفيها: نزل ﷺ بدار أبي أيوب الأنصاري .
الشرح:
كان النبي ﷺ قد أرسل إلى بني النجار لما عقد العزم علنى التحرك من قباء إلى المدينة فجاءوه متقلدي سيوفهم، حرسًا له ﷺ .
فلما أشرف حبيبنا ﷺ على المدينة ليلاً استقبله أهلها استقبالاً حافلاً، وفرحوا بمقدمه عليهم ما لم يفرحوا بشيء مثله قط.
يقول أنس بن مالك: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ الْمَدِينَةَ لَعِبَتْ الْحَبَشَةُ لَقُدُومِهِ فَرَحًا بِذَلِكَ، لَعِبُوا بِحِرَابِهِمْ (٢) ويقول أَنَسُ بن مَالِكٍ ﵁: فأقام فيهم -أي: في بني عَمْرِو بن عَوْفٍ- أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ أَرْسَلَ إلى مَلَإِ بني النَّجَّارِ، قَالَ: فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي سُيُوفِهِمْ، قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلى رَسُولِ الله ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ
стр. 138
وَأبو بَكْرٍ رِدْفَهُ وَمَلَأُ بني النَّجَّارِ حَوْلَهُ (١)، فَقِيلَ فِي الْمَدِينَةِ: جَاءَ نَبِي الله، جَاءَ نَبِيُّ الله (٢).
فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: "أَنْزِلُ عَلَى بني النَّجَّارِ أَخْوَالِ عبد الْمُطَّلِبِ أُكرِمُهُمْ بِذَلِكَ" فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ وَالْخَدَمُ فِي الطُّرُقِ يُنَادُونَ يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ الله, يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ الله (٣)، فَقَالَ النَبِيُّ ﷺ : "أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ؟ "، فَقَالَ أبو أَيُّوبَ: أَنَا يَا نَبِي الله هَذِهِ دَارِي وَهَذَا بَابِي، فقَالَ ﷺ : "فَانْطَلِقْ فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا"، قَالَ: قُومَا عَلَى بَرَكَةِ الله (٤).
النبيُّ ﷺ في دار أبو أيوب الأنصاري:
فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ في دار الصحابي الجليل خالد بن زيد أبي أيوب الأنصاري
فأقام النبي ﷺ فِي السُّفْلِ، وَأبو أَيُّوبَ فِي الْعِلْوِ، فَانْتَبَهَ أبو أَيُّوبَ لَيْلَةً فَقَالَ: نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَتَنَحَّوْا فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "السُّفْلُ أَرْفَقُ"، فَقَالَ: لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْعُلُوِّ، وَأبو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ، فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيّ ﷺ طَعَامًا فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ، فَصنَعَ لَهُ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِع أَصَابع النَّبِيّ ﷺ فَقِيلَ لَهُ لَمْ يَأْكُلْ، فَفَزعَ وَصَعِدَ إِلَيْهِ فَقَالَ:
стр. 139
أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: "لَا وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ" قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ أَوْ مَا كَرِهْتَ.
قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤْتَى (١).
٥ - وفيها: بني المسجد النبويَّ والحجرات .
الشرح:
حينما دخل النبي ﷺ المدينة وكان راكبًا رَاحِلَتَهُ سَارَ بها حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِزبَدًا لِلتَّمْرِ لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في حَجْرِ أَسْعَدَ بن زُرَارَةَ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ: "هَذَا إِنْ شَاءَ الله الْمَنْزِلُ"، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ الله ﷺ الْغُلَامَينِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا فَقَالَا: لَا بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ الله فَأَبَى رَسُولُ الله أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا ثُمَّ بناهُ مَسْجِدًا وَطَفِقَ رَسُولُ الله ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمْ اللَّبِنَ في بنيَانِهِ وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ:
هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالَ خَيْبَرْ ... هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَر
وَيَقُولُ:
اللهُمَّ إِنَّ الْأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ ... فَارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَة (٢)
стр. 140
وكانت في هذه الأرض التي بنى عليها المسجد قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَتْ فِيهِ خِرَبٌ، وَكَانَ فِيهِ نَخْلٌ فَأَمَرَ رَسُولُ الله بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً (١).
وكَانَ النبي ﷺ قبل بناء المسجد يُصَلِّي حَيثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَيُصَلِّي في مَرَابِضِ الْغَنَمِ (٢).
صفة مسجد النبي ﷺ -:
يقول عبد الله بن عمر: كان الْمَسْجِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ.
فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أبو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بنيَانِهِ في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ (٣) وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ (٤).
стр. 141
٦ - وفيها: أسلم حبر اليهود عبد الله بن سلام .
الشرح:
يحكي عبد الله بن سلام ﵁ بداية دخول الإسلام قلبه فيقول ﵁:لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ الناسُ إِلَيهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ فَجِئْتُ في النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ الله ﷺ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ" (١).
ثم أراد عبد الله بن سلام أن يتيقن من أمر النَّبِيّ ﷺ فَأَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ، مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزعُ إلى أَبِيهِ أَوْ إلى أُمِّهِ؟ فقَالَ: "أَخْبَرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا"، قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: "أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنْ الْمَشْرِقِ إلى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ (٢)، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ الْوَلَدَ" قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّكَ رَسُولُ الله، قَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي فَجَاءَتْ الْيَهُودُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَي رَجُلٍ عبد الله بن سَلَامٍ فِيكُمْ؟ " قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا وَأَفْضَلُنَا وَابْنُ أَفضَلِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عبد الله بن سَلَامٍ؟ " قَالُوا: أَعَاذَهُ الله مِنْ ذَلِكَ، فَأَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عبد الله, فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، قَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَتَنَقَّصوهُ، قَالَ: هَذَا كُنْتُ أَخَافُ يَا
стр. 142
رَسُولَ الله (١).
٧ - وفيها: بعث النبي ﷺ إلى بناته وزوجته سودة بنت زمعة زيد بن حارثة، وأبا رافع فحملاهنَّ من مكة إلى المدينة ما عدا زينب .
٨ - وفيها: هاجر آل أبي بكر الصديق ﵁ -.
الشرح:
ولما رجع عبد الله بن أريقط الديلي إلى مكة بعث معه رسول الله ﷺ وأبو بكر، زيد بن حارثه وأبا رافع مولى رسول الله ﷺ ، ليأتوا بأهاليهم من مكة، وبعثا معهم بحملين وخمسمائة درهم ليشتروا بها إبلاً من قُدَيْد، فذهبوا فجاءوا ببنتي النبي ﷺ فاطمة وأم كلثوم، وزوجتيه سودة وعائشة، وأمها أم رومان وأهل النبي ﷺ وآل أبي بكر، صحبة عبد الله بن أبي بكر (٢).
٩ - وفي ربيع الآخر من هذه السنة: زِيْدَ في صلاة الحضر ركعتان وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين .
الشرح:
عَنْ عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: فَرَضَ الله الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَينِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ (٣).
стр. 143
قال ابن جرير ﵀ -:
وفي هذه السنة -يعني: السنة الأولى من الهجرة- زِيْدَ في صلاة الحضر -فيما قيل- ركعتان، وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين، وذلك بعد مقدم النبي ﷺ المدينة بشهر ربيع الآخر لمضيِّ اثنتيْ عشرة ليلة منه (١).
١٠ - وفيها: ولد عبد الله بن الزبير ﵁ وهو أول مولود للمهاجرين في الإسلام .
الشرح:
عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعبد الله بن الزُّبَيْرِ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ (٢) فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ بِقُبَاءٍ فَوَلَدْتُهُ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَوَضَعْتُهُ في حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا ثُمَّ تَفَلَ في فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ الله ﷺ ثُمَّ حَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ (٣).
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ عبد الله بن الزُّبَيْرِ، أَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ تَمْرَةً فَلَاكَهَا (٤)، ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي فِيهِ، فَأَوَّلُ مَا دَخَلَ بَطْنَهُ رِيقُ النَّبِيِّ ﷺ (٥).
стр. 144
١١ - وفيها: ولد النعمان بن بشير ﵄ وهو أول مولد للأنصار بعد الهجرة .
الشرح:
قال ابن كثير ﵀ -:
فكان أول مولود ولد في الإسلام -يعني: عبد الله بن الزبير- من المهاجرين، كما أن النعمان بن بشير أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة ﵄ (١).
١٢ - وفيها: توفِّي من الصحابه كُلْثوم بن الهدم، وأسعد بن زرارة ﵄ -.
الشرح:
قال ابن جرير ﵀ -:
كان أول من توفي بعد مقدمه ﵇ المدينة من المسلمين -فيما ذُكر- صاحب منزلهِ كلثوم بن الهدم، لم يلبث بعد مقدمه إلا يسيرًا حتى مات، ثم توفي بعده أسعد بن زرارة، وكانت وفاته في سنة مقدمه، قبل أن يَفْرَغَ بناءُ المسجد، بالذُّبحة أو الشهقة (٢).
١٣ - وفيها: شرع الأذان .
الشرح:
فلما اطمأنَّ رسول الله ﷺ بالمدينة، واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين،
стр. 145
واجتمع أمر الأنصار، استحكم أمر الإسلام، فقامت الصلاة، وفرضت الزكاة والصيام، وقامت الحدود، وفرض الحلال والحرام، وتبوأ الإسلام بين أظهرهم، وكان هذا الحي من الأنصار هم الذين تبوءوا الدار والإيمان, وقد كان رسول الله ﷺ حين قدمها- إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها، بغير دعوة، فهمَّ رسول الله ﷺ -حين قدمها- أن يجعل بوقًا كبوق يهود الذي يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس، فنُحت يُضرب به للمسلمين للصلاة، فبينما هم على ذلك إذ رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، أخو بلحارث ابن الخزرج، النداء (١).
عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يُعْمل ليُضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي -وأنا نائم- رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبد الله! أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعوا به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى، فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله, أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أنَّ محمدا رسول الله, حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله, أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
فلما أصبحتُ، أتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته بما رأيت، فقال: "إنها لرؤيا حقٍ إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت، فليؤذنْ به فإنه أندى