← Сира

Сира · id 122394

الأغصان الندية شرح الخلاصة البهية بترتيب أحداث السيرة النبوية

أبو أسماء محمد بن طه

Полный текст (633 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

حتى إن خبابًا ذهب إلى النبي ﷺ يشكو له شدة ما يلقونه من المشركين، فجاء النبي ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فقال له هو وجماعة من الصحابة: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ ﷺ : "قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، ثم يؤتى بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيَتِمَّنَّ الله تعالى هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا الله وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" (١). وقد جَاءَ خَبَّابٌ يومًا إلى عُمَرَ بن الخطاب ﵁ فَقَالَ له: ادْنُ، فَمَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الْمَجْلِسِ مِنْكَ إِلَّا عَمَّارٌ، فَجَعَلَ خَبَّابٌ يُرِيهِ آثَارًا بِظَهْرِهِ مِمَّا عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ (٢). ولم يتوقف إيذاء المشركين للمسلمين على الإيذاء الجسدي فقط، بل إنَّ المشركين استحلوا أموالهم فأكلوها بالباطل. قال خباب: كنت رجلاً قينًا (٣). وَكَانَ عَلَى الْعَاصِ بن وَائِلٍ دين، فَأَتَيْتُهُ، أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا والله, لا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ, لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى تموت ثُمَّ تبعث، قَالَ: فإني إذا مت ثُمَّ أُبْعَثَ، جئتني ولي ثم مَال وَوَلَد فاعطيك، فأنزل الله ﴿أَفَرَأَيْتَ

стр. 72

الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ إلى قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ [مريم: ٧٧ - ٨٠] (١). وكان ممن عذب صهيب الرومي: قال ابن حجر نقلاً عن البغوي: وكان من المستضعفين ممن يعذب في الله (٢). ولما أقبل أبو ذر الغفاري ﵁ إلى مكة مؤمنًا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "ارْجِعْ إلى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي" فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله, فثَارَ عليه الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، فَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ, فَقَالَ: وَيْلَكُمْ! أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنْ الْغَدِ بِمِثْلِهَا، وَثَارُوا إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ فَأَنْقَذَهُ (٣). فهذا قليل من كثير مما لاقاه النبي ﷺ وأصحابه من كفار مكة لإرغامهم على ترك عقيدة التوحيد. ووالله ما كان هذا منهم لتكذيبهم له ﷺ ، فهم يعلمون جيدًا أنه الصادق، وقد شهدوا له بذلك حتى بعد مبعثه ﷺ ، ولكن الذي حملهم على ذلك جحودهم وظلمهم وكبرهم! قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا

стр. 73

يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ...﴾ [النمل: ١٤]، وكانوا ينكرون على النبي ﷺ ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥] وكان من أسباب محاربتهم للدعوة أن قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١]. فلم يكن عندهم أدنى استعداد لترك دين الآباء والأجداد حتى قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢]. ثم التجأ المشركون- بعد ذلك إلى أسلوب آخر ألا وهو أسلوب التشكيك -أي: تشكيك المؤمنين في دينهم ونبيهم- فلجأوا إلى طلب المستحيلات، حتى يعجز عنها النبي ﷺ ، ثم يغمزُن بعد ذلك أصحابه أنه لو كان نبيًا حقًا لما عجز عن ذلك، فكانوا يطالبونه بهذه الآيات ويقولون حتى تطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين، وهم لا ينوون في قرارة أنفسهم إلا نكران هذه الآيات. فلما علم الله منهم أنهم يطالبون بهذه الآيات على وجه العناد لا على وجه طلب الهدى، والرشاد لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا ولا ما إليه رغبوا، لعلم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم يعمهون، ولظلوا في غيِّهم وضلالتهم يترددون (١). عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : ادْعُ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا

стр. 74

الصَّفَا ذَهَبًا وَنُؤْمِنُ بِكَ، قَالَ: "وَتَفْعَلُوا؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَدَعَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لك: إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ الصَّفَا لَهُمْ ذَهَبًا، فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ الرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ، قَالَ: "بَلْ بَابُ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ" (١). ثم سأل المشركون رسول الله ﷺ أن يشق لهم القمر شقين فأجابهم الله لهذا: فعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فِرْقَتَينِ فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ، وَفِرْقَةً دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اشْهَدُوا" (٢). فلما انشق القمر قال كفار قريش: سحركم ابن أبي كبشه، فقال: رجل منهم: إن محمدًا إن كان سحر القمر فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها، فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا، فسألوا فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك (٣). ثم التجأ المشركون بعد ذلك إلى أسلوب المجادلة: عن جابر ﵁ قال: اجتمعت قريش يومًا فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرَّق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه، وينظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة،

стр. 75

فقالوا: أنت يا أبا الوليد! فأتاه عتبة فقال: يا محمَّد! أنت خيرٌ أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ ، فقال: أنت خيرٌ أم عبد المطلب؟ فسكت رسول لله ﷺ . ثم قال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم، فتكلم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخلة (١) قط أشأم على قومه منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى (٢)، أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة، جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً واحدًا، وإن كان إنما بك الباءة، فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرًا، فقال رسول الله ﷺ : "فرغت؟ " قال: نعم، قال رسول الله ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ " إلى أن بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ " [فصلت:١ - ١٣] فقال عتبة: حسبك، ما عندك غير هذا؟ قال: "لا" فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته. قالوا: فهل أجابك؟ فقال: نعم، ثم قال: لا والذي نصبها بيِّنة، ما فهمت شيئًا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك أيكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟! قال: لا والله, ما فهمت شيئًا مما قال، غير ذكر الصاعقة (٣).

стр. 76

٦ - عقد النبي ﷺ اجتماعات سرية بالمسلمين في دار الأرقم ليُعلِّمهم شرائع الإسلام . الشرح: كانت هذه الدار في أصل الصفا بعيدة عن أعين الطغاة ومجالسهم، فاختارها رسول الله ﷺ ليجتمع فيها بالمسلمين سرًا، فيتلوا عليهم آيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وليؤدي المسلمون عبادتهم وأعمالهم، ويتلقوا ما أنزل على رسوله وهم في أمن وسلام، وليدخل من يدخل في الإِسلام ولا يعلم به الطغاة من أصحاب السطوة والنقمة. ومما لم يكن يُشك فيه أن رسول الله ﷺ لو اجتمع بالمسلمين علنًا لحاول المشركون بكل ما عندهم من القسوة والغلظة أن يحولوا بينه وبين ما يريد من تزكية نفوسهم ومن تعليمهم الكتاب والحكمة، وربما أفضى ذلك إلى مصادمة الفريقين، بل قد وقع ذلك فعلاً، فقد ذكر ابن إسحاق أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يجتمعون في الشعاب، فيصلون فيها سرًا، فرآهم نفر من كفار قريش، فسبوهم وقاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلاً منهم فسال دمه، وكان أول دم هريق في الإسلام. ومعلوم أن المصادمة لو تعددت وطالت لأفضت إلى تدمير المسلمين وإبادتهم، فكان من الحكمة السرية والاختفاء، فكان عامة الصحابة يخفون إسلامهم وعبادتهم وإجتماعهم، أما رسول الله ﷺ فكان يجهر بالدعوة والعبادة بين ظهراني المشركين لا يصرفه عن ذلك شيء، ولكن كان يجتمع مع المسلمين سرًا، نظرًا لصالحهم وصالح الإسلام (١).

стр. 77

٧ - وفي السنة الخامسة من البعثة: هاجر جماعة من الصحابة إلى الحبشة - بإذن رسول الله ﷺ حفاظًا على دينهم, منهم: عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وجعفر بن أبي طالب, فأقاموا بها عشر سنين . الشرح: كان وقوع ذلك مرتين، وذكر أهل السير أن الأولى كانت في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وقيل وامرأتان، وقيل كانوا إثنى عشر رجلاً، وقيل عشرة، وأنهم خرجوا مشاة إلى البحر فاستأجروا سفينة بنصف دينار (١). سبب الهجرة إلى الحبشة: تقول السيدة أم سلمة ﵂ وأرضاها: لما ضاقت مكة، وأوذي أصحاب رسول الله ﷺ وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله ﷺ في منعة من قومه ومن عمه، لا يصل إليه شيء مما يكره ومما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله ﷺ : "إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه"، فخرجنا إليها أرسالاً، حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلمًا (٢). المهاجرون الأولون إلى الحبشة: كان عثمان بن عفان أول من خرج إلى أرض الحبشة، ومعه امرأته رقية

стр. 78

بنت رسول ﷺ (١)، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، ومعه امرأته سهلة بنت سهيل، فولدت له بأرض الحبشة محمَّد بن أبي حذيفة، ثم تبعهم مصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وأبو سلمة بن عبد الأسد، ومعه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، ومعه امرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سَبرة بن أبي رُهُم العامري، وامرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو، وسهيل بن بيضاء. فهؤلاء أحد عشر رجلاً وخمسة نسوة. قيل: وكان عليهم عثمان بن مظعون. وهو قول أكثر أهل السير. وقيل: كان عليهم عثمان بن عفان. والله أعلم. رجوع المهاجرين إلى مكة مرة أخري: ثم حدث بعد ذلك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ بمكة فلما وصل إلى آية السجدة منها سَجَدَ وسجد معه المسلمون والمشركون وحتى الجن سجدوا، ومَا بَقِيَ أحد مِنْ الْقَوْمِ إِلَّا سَجَدَ (٢). فوصل هذا الخبر إلى مهاجري الحبشة ولكن بصورة أخرى، حيث وصلهم أن مشركي مكة قد أسلموا، فرجعوا. حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة

стр. 79

كان باطلاً، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار، أو مستخفيًا، فكان ممن دخل عليه مكة منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد معه بدرًا، ومن حبس عنه حتى فاته بدر وغيره، ومن مات بمكة (١). وكان ممن دخل منهم بجوار: عثمان بن مظعون دخل بجوارٍ من الوليد بن المغيرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد دخل بجوار من أبي طالب بن عبد المطلب، وكان خاله، فأم أبي سلمة هي بَرَّةُ بنت عبد المطلب (٢). عثمان بن مظعون يرد جوار الوليد: فلما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله ﷺ من البلاء، وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة، قال: والله إن غدوي ورواحي آمنًا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله مالا يصيبني، لنقص كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وَفَتْ ذمَّتُك، قد رددت إليك جوارك، فقال له: لم يا ابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي، قال: لا, ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره! قال: فانطلقْ إلى المسجد فارددْ علي جواري علانية كما أجرتك علانية، قال: فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد علىَّ جواري، قال: صدق قد وجدته وفيًا كريم الجوار، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره، ثم انصرف عثمان (٣). قصة أبي سلمة في جواره: لما استجار أبو سلمة بأبي طالب، مشى إليه رجال من بني مخزوم، قالوا:

стр. 80

يا أبا طالب، لقد منعت منا ابن أخيك محمدًا، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا؟ قال: إنه استجار بي، وهو ابن أختي، وأنا إن لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي، فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قوله ,والله لتنتهنَّ عنه أو لنقومنَّ معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد، قال فقالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة، وكان لهم وليًا وناصرًا على رسول الله ﷺ ، فأبقوا على ذلك (١). دخول أبي بكر في جوار ابن الدُّغُنَّة ورد جواره عليه: روى ابن إسحاق عن عائشة ﵂ قالت: حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه ما رأى، استأذن رسول الله ﷺ في الهجرة فأذن له، فخرج أبو بكر مهاجرًا، حتى سار مكة يومًا أو يومين، لقيه ابن الدغنة (٢) أخو بني الحارث بن عبد مناف بن كنانة، وهو يومئذ سيد الأحابيش (٣) فقال ابن الدغنة: أين أبو بكر؟ قال: أخرجني وآذوني، وضيقوا عليَّ، قال: ولم؟ فوالله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتُكسب المعدوم، ارجع فأنت في جواري، فرجع معه حتى إذا دخل مكة قام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إني قد أجرت ابن أبي قحافة، فلا يعرضنَّ له أحد إلا بخير، قالت: فكفوا عنه، قالت: وكان

стр. 81

لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جُمح، فكان يصلي فيه، وكان رجلاً رقيقًا، إذا قرأ القرآن استبكى، قالت: فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته، قال: فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة, فقالوا: يا ابن الدغنة، إن لم تُجرْ هذا الرجل ليُؤذينا إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق ويبكي وكانت له هيئة ونحوٌ، فنحن نتخوف علنى صبياننا ونسائنا وضَعَفَتِنا أن يفتنهم، فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع ما شاء، قالت: فمشى ابن الدغنة إليه فقال له: يا أبا بكر، إني لم أُجرك لتؤذى قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذي أنت فيه، وتأذُّوا بذلك منك، فأدخل بيتك، فاصنع فيها ما أحببت، قال: أو أرُدُّ عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد على جواري، قال: قد رددته عليك، قالت: فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبي قحافة قد رد عليَّ جواري فشأنكم بصاحبكم (١). الهجرة الثانية إلى الحبشة: واستعد المسلمون للهجرة مرة أخرى، وعلي نطاق أوسع، ولكن كانت هذه الهجرة الثانية أشق من سابقتها، فقد تيقظت لها قريش وقررت إحباطها، بيد أن المسلمين كانوا أسرع، ويسر الله لهم السفر، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن يدركوا (٢). وكان عدد المهاجرين في هذه المرة نحو ثمانين رجلاً كما جاء في حديث ابن مسعود (٣).

стр. 82

قريش ترسل عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي ليردَّ المسلمين: عز على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنًا لأنفسهم ودينهم، فاختاروا رجلين جلدين لبيبين وهما: عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة- قبل أن يسلما- وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته (١). ولنترك إحدى شهود العيان تحكى لنا تفاصيل ما دار هناك في أرض الحبشة، وما دار بين النجاشي ﵁ ورسولا قريش. تقول السيدة أم سلمة ﵂: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمنَّا على ديننا، وعبدنا الله, لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم، فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمَّروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هدية قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم، قالت: فخرجَا فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، وعند خير جار، فلم يبعد من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه قد صبا إلى بلد الملك منَّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم

стр. 83

إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يُسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم، ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي، فقبلها منهم، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك، إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعماهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه، قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم، قال: فغضب النجاشي ثم قال: لا ها الله، ايْمُ الله، إذن لا أسلمهم إليهما ولا أُكادُ، قومًا جاوروني نزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم ماذا يقول هذان في أمرهم؟ فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني، قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا ﷺ ، كائن في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوه، وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة

стр. 84

والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، قال: فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنَّا، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك، قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه عليَّ، فقرأ عليه صدرًا من (كهيعص)، قالت: فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا ولا أُكادُ، قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لأنبئنهم غدًا عيبهم عندهم، ثم أستأصل به خضراءهم، قالت: فقال له عبد الله ابن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد، قالت: ثم غدا عليه الغد، فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيمًا فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه؟ قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثله (١) فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في

стр. 85

عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبيا، كائنًا في ذلك ما هو كائن (١)، فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول (٢). قالت: فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله! (٣) اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي، والسيوم: الآمنون, من سبكم غُرِّم ثم من سبكم غُزِم، فما أُحب أن لي دَبْرًا ذهبًا وأني آذيت رجلاً منكم، والدبر بلسان الحبشة الجبل، ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد على ملكي فآخذ الرشوة فيه, وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع

стр. 86

خير جار، قالت: فوالله إنا على ذلك إذ نزل به، يعني من ينازعه في ملكه، قالت: فوالله ما علمنا حزنًا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك، تخوفًا أن يظهر ذلك على النجاشي (١) فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه، قالت: وسار النجاشي وبينهما عُرضُ النيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله ﷺ : من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا، قالت: وكان من أحدث القوم سنًا، قالت: فنفخوا له قربة يجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة (٢). فضل مهاجري الحبشة: عَنْ أبي مُوسَى ﵁ قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمْ أَحَدُهُمَا أبو بُرْدَةَ وَالْآخَرُ أبو رُهْمٍ إِمَّا قَالَ: بِضْعٌ، وَإِمَّا قَالَ: في ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ أَوْ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلاً مِنْ قَوْمِي فَرَكِبْنَا سَفِينَةً فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إلى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بن أبي طَالِبٍ فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، وَكَانَ أُنَاسٌ مِنْ النَّاسِ يَقُولُونَ لَنَا يَعْنِي لِأَهْلِ السَّفِينَةِ سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ وَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بنتُ عُمَيْسٍ، وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا عَلَى حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ زَائِرَةً وَقَدْ كَانَتْ

стр. 87

هَاجَرَتْ إلى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ هَاجَرَ فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفْصَةَ وَأَسمَاءُ عِنْدَهَا فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: أَسْمَاءُ بنتُ عُمَيْسٍ، قَالَ عُمَرُ: الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ؟ الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ. قَالَتْ أَسْمَاءُ: نَعَمْ، قَالَ: سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ الله ﷺ مِنْكُمْ فَغَضِبَتْ وَقَالَتْ: كَلَّا وَاللهِ كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ، وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا في دَارِ أَوْ في أَرْضِ الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ بِالْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ في الله وَفِي رَسُولِهِ ﷺ ، وَايْمُ الله لَا أَطْعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ الله ﷺ وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنُخَافُ وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَسْأَلُهُ وَاللهِ لَا أَكْذِبُ، وَلَا أَزِيغُ، وَلَا أَزِيدُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ الله إِنَّ عُمَرَ قَالَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: "فَمَا قُلْتِ لَهُ؟ " قَالَتْ: قُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا قَالَ: "لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ"، قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى، وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأْتُونِي أَرْسَالًا يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَا مِنْ الدُّنْيَا شَيءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ، وَلَا أَعْظَمُ في أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ أبو بُرْدَةَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ: لَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي (١). فائدة: اختلف أهل المغازي والسير فيمن أرسلته قريش مع عمرو بن العاص إلى النجاشي، فقال بعضهم أرسلت قريش إلى النجاشي مرتين، فمرة أرسلوا مع عمرو بن العاص عبد الله بن أبي ربيعة، ومرة أرسلوا معه عمارة بن الوليد، وق آخرون لم ترسل قريش إلى النجاشي إلا مرة واحدة وانقسم أصحاب هذا القول إلى فريقين فريق قال: كان مع عمرو بن العاص عبد الله بن

стр. 88

أبي ربيعة- وهم الأكثرون- وفريق قال كان معه عمارة بن الوليد. وسبب هذا هو الاختلاف الذي وقع في الروايات التي ذكرتْ قصة الهجرة إلى الحبشة حيث ذُكر في حديثي أبي موسى وابن مسعود عمارة بن الوليد مع عمر وابن العاص، وأما حديث أم سلمة فذكر فيه عبد الله بن أبي ربيعة مع عمرو بن العاص. والحقيقة فإن الناظر في الروايات يعلم يقينًا أن قول من قال كان هذا مرتين فكان في أحدهما عمارة بن الوليد وفي الأخرى عبد الله بن أبي ربيعة قول بعيد كل البعد عن الحقيقة والصواب، وذلك لأن الروايات الثلاثة ذُكر فيها الحوار الذي دار بين الأطراف الثلاثة، النجاشي، والمسلمين، ورسوليْ قريش، وجاء ذكر الحوار في جميع الروايات هو هو لم يتغير حتى عندما قال عمرو بن العاص: إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيمًا، فأرسل النجاشي إلى المسلمين يسألهم عن ذلك فأجابه جعفر بن أبي طالب فأخذ النجاشي عودًا من الأرض وقال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود. فلأن الحوار واحد في الروايات الثلاثة يبعد جدًا أن تكون القصة قد تكررت، وإلا لو حدث هذا مرتين لَما أعاد عمرو بن العاص قولته في المرة الثانية، ولما كان أرسل النجاشي للمسلمين مرة أخرى يسألهم عما يقولون في عيسى بن مريم، وكان يكفيه أن يقول علمنا قولهم في عيسى بن مريم قبل ذلك. فبهذا يعلم أن هذا القول غير صحيح. فيبقى قول من قال كان هذا مرة واحدة، وكما سبق ذهب أصحاب هذا القول إلى أن المرسَل مع عمرو بن العاص هو عمارة بن الوليد، وذهب بعضهم أنه عبد الله بن أبي ربيعة وهو الصواب. وذلك لأن عبد الله بن أبي ربيعة جاء ذكره في حديث أم سلمة ﵂ وهو

стр. 89

حديث سنده مسلسل بالثقات غير ابن إسحاق محمد بن إسحاق بن يسار إمام أهل المغازي والسير وقد قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق يدلس. وقد أمنا من تدليسه حيث صرح بالتحديث فقال حدثني الزهريُّ. وأما حديثي أبي موسى وابن مسعود فمدارهما على أبي إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله بن عبيد ثقة ولكنه مدلس لا تقبل روايته إلا إذا صرح بالتحديث ولم يصرح في الروايتين، حيث قال في حديث أبي موسى: عن أبي بردة، وقال في حديث ابن مسعود: عن عبد الله بن عتبة. ثم هو قد اختلط بأخرة والراوي عنه حديث أبي موسى هو إسرائيل بن يونس وهو ممن أخذ عنه بعد الاختلاط. والراوي عنه حديث ابن مسعود وهو حُديج بن معاوية وهو صدوق يخطئ كما قال الحافظ، وضعفه ابن معين وغيره. فالظاهر هنا أن ذكر عمارة بن الوليد في الحديث وَهمٌ من أبي إسحاق السَبيعي أي مما اختلط عليه فيه، خاصة وأن عبد الله بن أبي ربيعة وعمارة بن الوليد من قبيلة واحدة وهي بني مخزوم فلذلك أرى أنه شبِّه عليه فيه. والله أعلم. فائدة أخرى: رُوي في سبب سجود المشركين مع النبي ﷺ بمكة أن النبي ﷺ مدح آلهتهم فقال: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. وقد رُوي هذا الحديث من طرق كثيرة بلغت العشرة ذكرها الشيخ الألباني في كتابه "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق" وكلها طرق ضعيفة لا يقوى بعضها بعضًا كما أوضح ذلك الشيخ الألباني ﵀.

стр. 90

فائدة ثالثة: ذهب بعض أهل السير إلى أنَّ أبا موسى الأشعري كان مع من هاجروا إلى الحبشة من مكة، وذلك لما رواه أبو نعيم في الدلائل أن أبا موسى قال: أمرنا رسول ﷺ أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي، وهذا غير صحيح، والصحيح أن أبا موسى خرج من بلده باليمن قاصدًا النبي ﷺ بمكة فألقته السفينة إلى النجاشي بالحبشة هو ومن معه فوافقوا جعفر بن أبي طالب فأقاموا معه حتى قدموا على النبي ﷺ بخيبر (١). فهذا الحديث هو الثابت، أما الحديث السابق فرواه أبو نعيم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة، وأبو إسحاق قد اختلط كما سبق وإسرائيل ممن أخذ عنه بعد الاختلاط. والله أعلم. ٨ - وفي السنه السادسة من البعثة: أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمرو بن الخطاب ﵄ فعز الإسلام بإسلامهما . الشرح: لقد كان إسلام الفاروق عمر وأسد الله حمزة، نصرًا وفتحًا كبيرًا للإسلام والمسلمين. فهما لم يكونا مجرد رجلين عاديين كبقية الرجال ولا شخصين كبقية الأشخاص، إنما كانا ﵄ جبلين شامخين, وأسدين جسورين، وبطلين كبيرين، دحض الله بهما جحافل المشركين، وأذل بهما طوائف الحاقدين والمعاندين، وأعز بهما الإسلام والمسلمين.

стр. 91

يقول ابْنُ مَسْعُودٍ مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ (١). ويقول ابن مسعود أيضًا: ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه (٢). وقال أيضًا: إن إسلام عمر كان فتحًا، وإن هجرته كانت نصرًا، وإن إمارته كانت رحمة (٣). وأما حمزة فكان فتى قوي الشكيمة تهابه قريش ويعملون له حسابًا، حتى إنه لما ضرب أبا جهل -عليه لعائن الله- على رأسه بالقوس ما استطاع أبو جهل أن يتفوه بكلمة مع قوة أبي جهل وجبروته. إسلام حمزة ﵁ -: وقد ذكر قصة إسلام حمزة ﵁ ابن إسحاق فقال: مرَّ أبو جهل برسول الله عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره، من العيب لدينه والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله ﷺ ، ومولاةٌ لعبد الله بن جُدْعان في مسكن لها تسمع ذلك منه، ثم انصرف عنه، فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب ﵁ أن أقبل متوشحًا قوسه راجعًا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على نادٍ من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة.

стр. 92

فلما مرَّ بالمولاة، وقد رجع رسول الله ﷺ إلى بيته، قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفًا من أبي الحكم ابن هشام، وَجَدَهُ ههنا جالسًا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد ﷺ ، فاحتمل حمزة الغضبُ لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى ولم يقف على أحد، مُعدًّا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسًا في القوم فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجَّه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه أقول كما يقول؟ فَرُدَّ ذلك على إن استطعت، فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة، فإني والله قد سببتُ ابن أخيه سبًا قبيحًا، وتمَّ حمزة ﵁ على إسلامه، وعلى ما تابع عليه رسول الله ﷺ من قوله. فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عزَّ وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه (١). إسلام عمر ﵁ - روى البخاري عَنْ عبد الله بن عُمَرَ قَالَ: مَا سَمِعْتُ عُمَرَ لِشَئءٍ قَطُّ يَقُولُ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذَا إِلَّا كَانَ كَمَا يَظُنُّ. بَيْنَمَا عُمَرُ جَالس إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ فَقَالَ عمر: لَقَدْ أَخْطَاَ ظَنِّي، أَوْ إِنَّ هَذَا عَلَى دِينهِ في الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنَهُمْ، عَلَىَّ الرَّجُلَ، فَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ: فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ اسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، قَالَ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيكَ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي قَالَ: كُنْتُ كَاهِنَهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ: فَمَا أَعْجَبُ مَا جَاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ؟ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا في السُّوقِ، جَاءَتْنِي أَعْرِفُ فِيهَا الْفَزَعَ فَقَالَتْ: أَلَمْ تَرَ الْجِنَّ وَإِبْلَاسَهَا، وَيَأْسَهَا مِنْ بَعْدِ إِنْكَاسِهَا، وَلُحُوقَهَا بِالْقِلَاصِ وَأَحْلَاسِهَا، قَالَ عُمَرُ: بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ عِنْدَ آلِهَتِهِمْ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ، فَصَرَخَ بِهِ صَارِخٌ لَمْ أَسْمَعْ صَارِخًا قَطُّ أَشَدَّ صَوْتًا مِنْهُ يَقُولُ: يَا جَلِيحْ، أَمْرٌ نَجِيحْ، رَجُلٌ فَصِيحْ،

стр. 93

يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَوَثَبَ الْقَوْمُ، قُلْتُ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا، ثُمَّ نَادَى: يَا جَلِيحْ، أَمْرٌ نَجِيحْ، رَجُل فَصِيحْ، يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَقُمْتُ، فَمَا نَشِبْنَا أَنْ قِيلَ: هَذَا نَبِيٌّ (١). قال الحافظ ابن حجر: لَمَّحَ الْمُصَنِف بِإِيرَادِ هَذِهِ الْقِصَّة في بَاب: إِسْلَام عُمَر بِمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَة وَطَلْحَة عَن عُمَر مِنْ أنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ سَبَب إِسْلَامه، فَرَوَى أبو نُعَيْم في "الدَّلَائِل" أنَّ أَبَا جَهْل جَعَلَ لِمَنْ يَقْتُل مُحَمَّدًا مِائَة نَاقَة، قَالَ عُمَر: فَقُلْت لَهُ: يَا أَبَا الْحَكَم آلضَّمَان صَحِيح؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَقَلَّدَتُ سَيْفِي أُرِيدهُ، فَمَرَرْت عَلَى عِجْل وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَذْبَحُوهُ، فَقُمْت أَنْظُر إِلَيْهِمْ، فَإِذَا صَائِح يَصِيح مِنْ جَوْف الْعِجْل: يَا آلَ ذَرِيح، أَمْر نَجِيح، رَجُل يَصِيح بِلِسَانِ فَصِيح. قَالَ عُمَر: فَقُلْت في نَفْسِي إِنَّ هَذَا الْأَمْر مَا يُرَاد بِهِ إِلَّا أَنَا (٢). فكان هذا سبب إسلامه ﵁. فلما أسلم عمر ﵁ كان هذا عزًا للإسلام استجابة لدعوة الحبيب المصطفى ﷺ : "اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنٍ الرَّجُلَيْنِ إِلَيكَ بِأبي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بن الْخَطَّابِ" قَال -يعني: ابن عمر- وَكَانَ أحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ (٣). ٩ - وفي السنه السابعه من البعثه: تعاهدت قريش على قطيعه بني هاشم إلا أن يسلموا إليهم النبي ﷺ وكتبوا بذلك صحيفه وعلقوها في الكعبة . الشرح: ذكر خبر الصحيفة ابن إسحاق حيث قال: فلما رأت قريش أن أصحاب

стр. 94

رسول الله ﷺ قد نزلوا بلدًا أصابوا به أمنًا وقرارًا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله ﷺ وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم، وبني المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا, ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي- قال ابن هشام: ويقال: النضر بن الحارث- فدعا عليه رسول الله ﷺ فشُلَّ بعضُ أصابعه (١). ١٠ - وفي هذه السنة: اعتزل بنو هاشم بن عبد مناف وتبعهم إخوانهم بنو المطلب بن عبد مناف مع أبي طالب إلى شعب أبي طالب، فأقاموا به ثلاث سنين، إلى أن سعى المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وزمعه بن الأسود بن عبد المطلب بن أسد في نقض الصحيفه، فخرج بنو هاشم وبنو المطلب من الشعب في أواخر السنة التاسعة . الشرح: قال ابن إسحاق: فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب، عبد العزى بن عبد المطلب، إلى قريش فظاهرهم (٢). فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَجَزَمَ مُوسَى بن عُقْبَة بِأَنَّهَا كَانَتْ ثَلَاث سِنِينَ حَتَّى جَهِدُوا وَلَمْ يَكُنْ يَأتِيهِمْ شَئء مِنْ الْأَقْوَات إِلَّا خُفْيَة، حَتَّى كانوا

стр. 95

يُؤْذُونَ مَنْ اِطَّلَعُوا عَلَى أَنَّهُ أَرْسَلَ إلى بَعْض أَقَارِبه شَيْئًا مِنْ الصِّلَات، إلى أَنْ قَامَ في نَقْضِ الصَّحِيفَة نَفَر مِنْ أَشَدّهمْ في ذَلِكَ صَنِيعًا هِشَام بن عَمْرو بن الْحَارِث الْعَامِرِيّ، وَكَانَتْ أُمّ أَبِيهِ تَحْت هَاشِم بن عبد مَنَافٍ قَبْل أَنْ يَتَزَوَّجهَا جَدّه، فَكَانَ يَصِلَهُمْ وَهُمْ في الشِّعْب، ثُمَّ مَشَى إلى زُهَيْر بن أبي أُمَيَّة وَكَانَتْ أُمّه عَاتِكَة بنت عبد الْمُطَّلِب فَكَلَّمَهُ في ذَلِكَ فَوَافَقَهُ، وَمَشَيَا جَمِيعًا إلى الْمُطْعِم بن عَدِيّ وَإِلَى زَمْعَة بن الْأَسْوَد فَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا جَلَسُوا بِالْحِجْرِ تَكَلَّمُوا في ذَلِكَ وَأَنْكَرُوهُ وَتَوَاطَئُوا عَلَيْهِ فَقَالَ أبو جَهْل: هَذَا أَمْر قُضِيَ بِلَيْل، وَفِي آخِر الْأَمْر أَخْرَجُوا الصَّحِيفَة فَمَزَّقُوهَا وَأَبْطَلُوا حُكْمهَا، وَذَكَرَ اِبْن هِشَام أنَّهُمْ وَجَدُوا الْأَرَضَة قَدْ أَكَلَتْ جَمِيع مَا فِيهَا إِلَّا اِسْم الله، وقيل أنها لَمْ تَدَع اِسْمًا لِلَّهِ إِلَّا أَكَلَتْهُ. والله أعلم (١). ١١ - وفي السنه العاشرة من البعثة: مات أبو طالب، ثم ماتت خديجة ﵂ بعده بثلاثة أيام , فحزن رسول الله ﷺ لموتهما حزنًا شديدًا، ونالت قريش منه ﷺ مالم تنلْه في حياة عمه أبي طالب . الشرح: روى البخاري عَنْ هِشَامٍ بن عروة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِي ﷺ إلى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثٍ (٢). وكان ذلك بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام فقط (٣) وهما نصيرا رسول الله ﷺ اللذان كانا يصدان عنه أذى قريش واعتداءاتهم عليه ﷺ ، لمكانتهما بين قريش.

стр. 96

ولذلك حزن النبي ﷺ لموتهما حزنًا شديدًا. واشتهر هذا العام عند أهل التاريخ والسير بعام الحزن. وكان النبي ﷺ حريصًا على إسلام عمه أبي طالب أشد الحرص حتى لحظة وفاته ولكنَّ إرادة الله غالبة. روى الإِمام البخاري عَنْ الْمُسَيَّبِ بن حَزْن ﵁ قال: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِب الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدَهُ أبو جَهْلٍ، فَقَالَ: "أَيْ عَمِّ، قُلْ لَا إلَهَ إِلَّا الله كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله"، فَقَالَ أبو جَهْلٍ وَعبد الله بن أبي أُمَيَّةَ: يَا أبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عبد الْمُطَّلِب، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: هو عَلَى مِلَّةِ عبد الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ"، فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣] وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] (١). ومع ذلك فقد نفعه دفاعه عن النبي ﷺ . عن العباس بن عبد الْمُطَّلِبِ عم رسول الله ﷺ أنه جاء إلى النَّبِيِّ ﷺ فقال له: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فَإنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ، فقَالَ: "نعم هُوَ في ضَحْضَاحٍ (٢) مِنْ نَارٍ وَلَوْلَا أنَا لَكَانَ في الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ" (٣).

стр. 97

فلما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب (١). ١٢ - وفي شوال من هذه السنة: عقد رسول الله ﷺ على عائشه وهي بنت ست سنين، ولم يبن بها إلا في السنة الأولي من الهجرة، وهي بنت تسع سنين ﵂ -. الشرح: قَالَتْ عائشة ﵂: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا بنتُ سِتِّ سِنِينَ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَنَزَلْنَا في بني الْحَارِثِ بن خَزْرَجٍ فَوُعِكْتُ فَتَمَرَّقَ شَعَرِي (٢) فَوَفَى جُمَيْمَةً (٣) فَأَتَتْنِي أُمِّيِ أمُّ رُومَانَ وإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا، لَا أدْرِي مَا تُرِيدُ بِي فَأَخَذَتْ بيَدِي حَتَّى أوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ، وَإِنِّي لَأُنْهجُ، حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَأسِي، ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإذَا نِسْوَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ في الْبَيْتِ، فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ (٤) فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ، فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي (٥) إِلَّا رَسُولُ الله ﷺ ضُحى، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ، وَأنَا يَوْمَئِذٍ بنتُ تِسْعِ سِنِينَ (٦).

стр. 98

وروى الإمام مسلم عَنْ عَائِشَةَ أيضًا: أن رسول الله ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بنتُ سِتٍّ، وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بنتُ تِسْعٍ، وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بنتُ ثَمَانِ عَشْرَةَ (١). وجاء في بعض الروايات الصحيحة أيضًا عن عائشة أن النبي ﷺ عقد عليها وهي بنت سبع سنين (٢). قال الإِمام النووي ﵀: وَأَمَّا قَوْلهَا في رِوَايَة: (تَزَوَّجَنِي وَأَنَّا بنت سَبْع)، وَفِي أَكْثَر الرِّوَايَات (بِنْت سِتّ) فَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّهُ كَانَ لَهَا سِتّ وَكَسْر، فَفِي رِوَايَة اِقْتَصَرَتْ عَلَى السِّنِينَ، وَفِي رِوَايَة عَدَّتْ السَّنَة الَّتِي دَخَّلَتْ فِيهَا. وَاَلله أَعْلَم (٣). وكان ذلك في شهر شوال لما رواه مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ الله ﷺ في شَوَّالٍ وَبَنَى بِي في شَوَّالٍ فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ الله ﷺ كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟ (٤). وكان زواج النبي ﷺ من عائشة ﵂ بوحي من الله عزوجل. قَالَ النبي ﷺ لعائشة ﵂: "أُرِيتُكِ في الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةِ حَرِيرٍ (٥) فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَأكشِفُهَا فَإِذَا هِيَ أَنْتِ فَأَقُولُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ الله يُمْضِهِ" (٦).

стр. 99

قال ابن حجر: وَعِنْد الْآجُرّيّ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ عائِشَة: (لَقَد نَزَلَ جِبْرِيل بِصُورَتِي في راحَته -أي: في كفه- حِين أُمِرَ رَسُول الله ﷺ أَنْ يَتَزَوَّجنِي) وَيُجْمَع بَيْن هَذا وَبَيْن ما قَبْله- أنها كانت في قطعة حرير- بِأنّ الْمُراد أَنَّ صورَتها كانَتْ في الْخِرْقَة والْخِرْقَة في راحَته، وَيَحتَمِل أَنْ يَكُون نَزَلَ بِالْكَيْفِيَّتَيْنِ لِقَوْلِها في نَفْس الْخَبَر: (نَزَلَ مَرَّتَينِ). اهـ (١). فهذا وحي من الله لأنّ رؤيا الأنبياء وحي، وعصمتهم في المنام كاليقظة. ولم يتزوج النبي ﷺ بكرًا إلا عائشة ﵂. روى الإمام البخاريُّ عَنْ عائِشَةَ ﵂ أنها قالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْها ووَجَدْتَ شَجَرًا لَم يُؤْكَلْ مِنْها في أَيِّها كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قالَ: "في الَّذِي لَم يُرتَعْ مِنْها" تَعْنِي أنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَم يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَها (٢). ١٣ - وفي شوال من هذه السنه: تزوج النبي ﷺ -سودة بنت زمعه ﵂ -. الشرح: عن عائشة ﵂ قالت: لَمّا هَلَكَتْ خَدِيجَةُ، جاءَتْ خوْلَةُ بنتُ حَكِيمٍ امْرَأَةُ عُثْمانَ بن مَظْعُونٍ قالَتْ: يا رَسُولَ الله أَلا تَزَوَّجُ؟ قالَ: "مَنْ؟ " قالَتْ: إِنْ شِئْتَ بِكْرًا، وَإِنْ شِئْتَ ثَيِّبًا، قالَ: "فَمَنْ الْبِكْرُ؟ " قالَتْ: ابْنَةُ أَحَبِّ خَلْقِ الله إِلَيْكَ، عائِشَة ابنة أبي بَكْرٍ، قالَ: "وَمَنْ الثَّيِّبُ؟ " قالَتْ: سَوْدَةُ بنت زَمْعَةَ، قَدْ آمَنَتْ بِكَ وَأتبَعَتْكَ عَلَى ما تَقُولُ، قالَ: "فَاذْهبِي فاذْكُرِيهِما عَلَىَّ" فَدَخَلَتْ بيْتَ أبي بَكْرٍ فَقالَتْ: يا أُمَّ رُومانَ، ماذا أَدخَلَ الله عَلَيْكُمْ مِنْ الْخَيْرِ والْبَرَكَةِ! قالَتْ: وَما ذاكَ؟

стр. 100

قالَتْ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ الله ﷺ أَخْطُبُ عَلَيْهِ عائِشَةَ، قالَتْ: انْتَظِرِي أَبا بَكْرٍ حَتَّى يَأْتِيَ، فَجاءَ أبو بَكْرٍ فَقالَتْ: يا أَبا بَكْرٍ، ماذا أَدْخَلَ الله عَلَيْكُمْ مِنْ الْخَيْرِ والْبَرَكَةِ! قالَتْ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ الله ﷺ أَخْطُبُ عَلَيْه عائِشَةَ، قالَ: وَهَلْ تَصْلُحُ لَهُ؟! إِنَّما هِيَ ابْنَةُ أَخِيهِ، فَرَجَحَتْ إلى رَسُولِ الله ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ قالَ: "ارْجعِي إِلَيهِ فَقُولِي لَهُ: أَنا أَخُوكَ، وَأَنْتَ أَخِي في الْإِسْلامِ، وابْنَتُكَ تَصلُحُ لِي" فَرَجَعَتْ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، قالَ: انْتَظِرِي، وَخَرَجَ قالَتْ أُمُّ رُومانَ: إِنَّ مُطْعِمَ بن عَدِيٍّ قَدْ كانَ ذَكَرَها عَلَى ابْنِهِ، واللهِ ما وَعَدَ مَوْعِدًا قَطُّ فَأَخْلَفَهُ- لِأبي بَكْرٍ - فَدَخَلَ أبو بَكْرٍ عَلَى مُطْعِمِ بن عَدِيٍّ وَعِنْدَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ الْفَتَي فَقالَتْ: يا ابْنَ أبي قُحافَةَ، لَعَلَّكَ مُصْبٍ صاحِبَنا مُدخِلُهُ في دِينِكَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ إِنْ تَزَوَّجَ إِلَيْكَ؟ فقالَ أبو بَكْرٍ لِلْمُطْعِمِ بن عَدِيٍّ: أقَوْلَ هَذِهِ تَقُولُ؟ قالَ: إِنَّها تَقُولُ ذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، وَقد أَذْهَبَ الله ما كانَ في نَفْسِهِ مِنْ عِدَتِهِ الَّتِي وَعَدَهُ، فَرَجَعَ فَقالَ لِخَوْلَةَ: ادعِي لِي رَسُولَ الله ﷺ ، فَدَعَتْهُ فَزَوَّجَها إِيّاهُ، وَعائِشَةُ يَوْمَئِذٍ بنت ستِّ سِنِينَ، ثُمَّ خَرَجَتْ فَدَخَلَتْ عَلَى سَوْدةَ بنتِ زَمْعَةَ فَقالَتْ: ماذا أَدْخَلَ الله عَلَيْكِ مِنْ الْخَيْرِ والْبَرَكَةِ! قالَتْ: وما ذاكَ؟ قالَتْ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ الله ﷺ أَخْطُبُكِ عَلَيْهِ! قالَتْ: وَددْتُ، ادْخُلِي إلى أبي فاذْكُرِي ذَلكَ لَهُ، وَكانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ أَدْرَكَهُ السِّنُّ، قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ الْحَجِّ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَحَيَّتْهُ بِتَحِيَّةِ الْجاهِلِيَّةِ، فَقالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقالَتْ: خَوْلَةُ بنتُ حَكِيمٍ، قالَ: فَما شَأْنُكِ؟ قالَتْ: أَرْسَلَنِي مُحَمَّدُ بن عبد الله أَخْطُبُ عَلَيْهِ سَوْدَةَ، فقالَ: كُفْؤ كَرِيمٌ، ماذا تَقُولُ صاحِبَتُكِ؟ قالَتْ: تُحِبُّ ذاكَ، قالَ: ادعُيها لِي، فَدَعَتُها، قالَ: أَيْ بنيَّةُ، إِنَّ هذِهِ تَزْعُمْ أَنَّ مُحَمَّدَ بن عبد الله بن عبد الْمُطَّلِبِ قَدْ أَرْسَلَ يَخْطُبُكِ، وَهُوَ كُفْؤ كَرِيمٌ، أَتُحِبِّينَ أَنْ أُزَوِّجَكِ بِهِ؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: ادْعِيهِ لِي، فَجاءَ رَسُولُ الله ﷺ فَزَوَّجَها إِيّاهُ، فَجاءَها أَخُوها عبد بن زَمْعَةَ مِنْ الْحَجِّ، فَجَعَلَ يَحثِي في رَأْسِهِ التُّرابَ، فَقالَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ: لَعَمْرُكَ إِنِّي لَسَفِيهٌ يَوْمَ أَحْثِي في رَأْسِي التُّرابَ؛ أَنْ تَزَوَّجَ رَسُولُ الله ﷺ سَوْدةَ بنتَ زَمْعَةَ (١).

стр. 101

ولما أسنَّت السيدة سودة وهبت نوبتها للسيدة عائشة ﵂. عن عائشة ﵁ قالت: كانَ رَسُولُ الله ﷺ لا يُفَضِّلُ بَعْضَنا عَلى بَعْضٍ في الْقَسْمِ مِنْ مُكْثهِ عِنْدَنا، وَكانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنا جَمِيعًا، فَيَدنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ حَتَّى يَبْلُغَ إلى الَّتِي هُوَ يَوْمُها فَيَبِيتَ عِنْدَها، وَلَقَد قالَتْ سَوْدةُ بنتُ زَمْعَةَ حِينَ أَسَنَّتْ وَفَرِقَتْ أَنْ يُفارِقَها رَسُولُ الله ﷺ : يا رَسُولَ الله يَوْمِي لِعائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْها. قالَتْ نَقُولُ في ذَلِكَ أَنْزَلَ الله وَفِي أَشْباهِها، أُراهُ قالَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨] (١). ١٤ - وفي هذه السنه: خرج النبي ﷺ إلي الطائف يدعوهم إلي الإسلام، فأبوا، وآذوه، فرجع مهمومًا، فثبته الله بأمرين: أرسل إليه ملك الجبال، وأسلم على يديه مجموعه من الجنِّ، ثم دخله مكه في جوار المطعم بن عدي . الشرح: لمّا مات أبو طالب وخديجة ﵂، واشتدَّ إيذاء قريش له ﷺ ؛ قرر النبي ﷺ الخروج إلى مكان آخر غير مكة يلقي فيه دعوته، لعلَّه يجد من ينصره ويؤويه حتى يبلِّغ كلمة التوحيد.

стр. 102

فخرج النبي ﷺ إلى الطائف يلتمس النُصرة من ثقيف، فلم يجد ما كان يتمنّاه، بل ناله منهم ما لم ينله من أحد قط. روى البخاريُّ بسنده عن عائشة ﵁ أنها سألت النبي ﷺ فقالت له: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قالَ: "لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ ما لَقِيتُ وَكانَ أَشَدَّ ما لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عبد يالِيلَ بن عبد كُلالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى ما أَردتُ فانْطَلَقْتُ وَأَنا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَم أَسْتَفِقْ إِلّا وَأَنا بِقَرنِ الثَّعالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا أَنا بِسَحابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإذا فِيها جبريلُ فَنادانِي فَقالَ: إِنَّ الله قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَما رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَد بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبالِ لِتَأمُرَهُ بِما شِئْتَ فِيهِمْ فَنادانِي مَلَكُ الْجِبالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ فَقالَ: ذَلِكَ فِيما شِئْت إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَينِ"، فَقالَ النَّبِي ﷺ : "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أصلابِهِم مَنْ يَعبد الله وَحدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا" (١). ثم لمّا كان النبي ﷺ في طريق الرجوع إلى مكة، ونزل بوادي نخلة القريب

стр. 103

من مكة يصلي ويقرأ القرآن، نزل عليه مجموعة من الجن فلما سمعوه أنصتوا، قالوا: صه، وكانوا تسعة: أحدهم زوبعة، فأنزل الله- : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢] (١). ورويَ أنَّ النبي ﷺ دخل مكة- بعد رجوعه- في جوار المطعم بن عديّ (٢). ولذلك قالَ النبي ﷺ في أُسارَى بَدرٍ: "لَوْ كانَ الْمُطْعِمُ بن عَدِيٍّ حَيا ثُمَّ كَلَّمَنِي في هَؤُلاءِ النَّتْنَي لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ" (٣). ١٥ - وفي السنه الحادية عشرة من البعثه: عرض نفسه الكريمه على القبائل في موسم الحج كعادته، فآمن به ستة من رؤساء الأنصار، ورجعوا إلى المدينه ففشا فيهم الإسلام . الشرح: كان النبي ﷺ يستغل مواسم الحج وإقبال الناس وتوافدهم إلى بيت الله

стр. 104

الحرام للدعوة إلى دينه ورسالته لعلَّ أحدًا أن يستجيب له فيؤويه وينصره بعد ما كذبه قومه. عَنْ جابِرٍ ﵁ قالَ: مَكَثَ رَسُولُ الله ﷺ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَتْبَعُ النّاسَ في مَنازِلِهِمْ بعُكاظٍ وَمَجَنَّةَ وَفِي الْمَواسِمِ بِمِنًى يَقُولُ: "مَنْ يُؤْوِيني؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ " حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ أَوْ مِنْ مُضَرَ فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلامَ قُرَيْشٍ لا يَفْتِنُكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجالِهِمْ، وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصابعِ، حَتَّى بَعَثَنا الله إِلَيهِ مِنْ يَثْرِبَ فآوَيْناهُ وَصَدَّقْناهُ، فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنّا فَيُؤْمِنُ بِهِ وَيُقْرِئُهُ الْقُرْاَنَ، فَيَنْقَلِبُ إلى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلامِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصارِ إِلّا وَفِيها رَهْطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلامَ (١). وعنه أيضًا قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النّاسِ بالْمَوْقِفِ فيقول: "هل من رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلى قَومه، فَإنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِي" (٢). وعن أبي الزِّنادِ قالَ: أَخْبَرَنِي رَجُل يُقالُ لَهُ رَبِيعَةُ بن عَبّادٍ مِنْ بني الدِّئلِ، وَكانَ جاهِلِيًّا فأسلم، قالَ: رَأَيْتُ رسول الله ﷺ في الْجاهِلِيَّةِ في سُوقِ ذِي الْمَجازِ، وَهُوَ يَقُولُ: "يا أَيُّها النّاسُ، قُولُوا لا إِلَهَ إِلّا الله تُفْلِحُوا" والنّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيهِ، وَوَراءَهُ رَجُلٌ وَضِيءُ الْوَجْهِ أَحوَلُ، ذُو غَدِيرَتَينِ (٣) يَقُولُ: إِنَّهُ صابِئٌ كاذِبٌ، يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذهبَ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَذَكَرُوا لِي نَسَبَ رَسُولِ الله ﷺ

стр. 105

وَقالوا: هَذا عَمُّهُ أبو لَهَبٍ (١). وكان من القبائل التي عرض النبي ﷺ نفسه عليها؛ قبيلة كنْده، وبطن من بني كلب يقال لهم بنو عبد الله، وبنو حنيفة، وبنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة، وفزارة، وغسان، ومرَّة، وسُليم، وعبس، وبنو نضر، والحارث بن كعب، وعذرة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد. وتصدى النبي ﷺ لسويد بن الصامت الذي كان يسميه قومه (الكامل) لجلده، وشرفه، ونسبه، فدعاه إلى الإِسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي؛ فقال له رسول الله ﷺ : "اعرضها عليّ"، فعرضها عليه؛ فقال له: "إنَّ هذا لكلام حسن؛ والذي معي أفضل منه، قرآن أنزله الله تعالى عليَّ هو هدى ونور" فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن ودعاه إلى الإِسلام، فلم يبْعُد منه، وقال: إنَّ هذا لقول حسن، ثم انصرف عنه، فقدم المدينة علي قومه، فلم يلبث أنْ قتله الخزرج، فإن كان رجال من قومه ليقولون: إنا لنراه قد قتل وهو مسلم، وكان قتله قبل يوم بعاث (٢). وعرض النبي ﷺ نفسه على بني عبد الأشهل حيث قدموا يلتمسون الحلف من قريش علي قومهم من الخزرج، فعرض عليهم الإِسلام، وقال لهم: "هل لكم في خير مما جئتم له؟ " فقالوا له: وما ذاك؟ قال: "أنا رسول الله بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل عليَّ الكتاب" قال: ثم ذكر لهم الإِسلام، وتلا عليهم القرآن، قال: فقال إياس بن معاذ وكان

стр. 106

غلامًا حدثًا: أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له، قال: فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، قال: فصمت إياس، وقام رسول الله ﷺ عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، قال: ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك، قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومه عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله تعالى ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلمًا (١). فلما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه ﷺ ؛ خرج رسول الله ﷺ يعرض نفسه على القبائل كعادته فالتقي برهط من الخزرج أراد الله بهم خيرًا. فقال لهم النبي ﷺ : "من أنتم؟ " قالوا: نفر من الخزرج، قال: "أمن موالي يهود؟ " قالوا: نعم، قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ " قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإِسلام، وتلا عليهم القرآن، قال: وكان مما صنع الله لهم به في الإِسلام، أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا قد عزُّوهم (٢) ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًا مبعوث الآن قد أظل زمانه، نتَّبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإِسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسئ أن يجمعهم الله تعالى بك، فسنقدم عليهم،

стр. 107

فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدَّقوا، وهم ستة نفر جميعهم من الخزرج: ١ - أسعد بن زرارة بن عُدَي، أبو أُمامة. ٢ - عوف بن الحارث بن رفاعه، وهو ابن عفراء. ٣ - رافع بن مالك بن العجلان. ٤ - قطبة بن عامر بن حَديدة. ٥ - عقبة بن عامر بن نابي. ٦ - جابر بن عبد الله بن رئاب (١). تقول السيدة عائشة ﵂: كان يَوْمُ بُعاثَ يَوْمًا قَدَّمَهُ الله لِرَسُولِهِ ﷺ وَقَدْ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ وَقُتِلَتْ سَرَواتُهُمْ وَجُرِّحُوا فَقَدَّمَهُ الله لِرَسُولِهِ ﷺ في دُخُولِهِمْ في الْإِسْلاَم (٢). قال ابن حجر: (كانَ يَوْم بُعاث) بِهِ وَقْعَة بَيْن الْأَوْس والْخَزْرَج، فَقُتِلَ فِيها كَثِير مِنْهُمْ. وَكانَ رَئِيس الْأَوْس فِيهِ حُضَيْر والِد أُسَيْدِ بن حُضيْر وَكانَ يُقال لَهُ حُضَيْر الْكَتائِب وَبِهِ قُتِلَ، وَكانَ رَئِيس الْخَزْرَج يَوْمَئِذٍ عَمْرو بن النُّعْمان الْبَياضِيّ فَقُتِلَ فِيها أَيْضًا، وَكانَ النَّضر فِيها أَوَّلًا لِلْخَزْرَجِ ثُمَّ ثَبَّتَهُمْ حُضَيْر فَرَجَعُوا وانْتَصَرَتْ

стр. 108

الْأَوْس وَجُرِحَ حُضَيْر يَوْمئِذٍ فَماتَ فِيها، وَذَلِكَ قَبْل الْهِجْرَة بِخَمْسِ سِنِينَ وَقِيلَ: بِأَرْبَعٍ وَقِيلَ: بِأَكْثَر والْأَوَّل أَصَحّ، وَذَكَرَ- أبو الْفَرَج الْأَصبَهانِي أَنَّ سَبَب ذَلِكَ أَنَّهُ كانَ مِنْ قاعِدَتهمْ أَنَّ الْأَصِيل لا يُقْتَل بِالْحَلِيفِ، فَقَتَلَ رَجُل مِنْ الْأَوْس حَلِيفًا لِلْخَزْرَجِ، فَأَرادُوا أَنْ يُقِيدُوهُ فامْتَنَعُوا، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ الْحَرْب لِأَجْلِ ذَلِكَ، فَقُتِلَ فِيها مِنْ أَكابِرهمْ مَنْ كانَ لا يُؤْمِن، أَيْ يَتَكَبَّر وَيَأْنَف أَنْ يَدْخُل في الْإِسْلام حَتَّى لا يَكُون تَحت حُكْم غَيْره، وَقَدْ كانَ بَقِيَ مِنْهُمْ مِنْ هَذا النّحو عبد الله بن أبي بن سَلُول وَقِصَّته في ذَلِكَ مَشْهُورَة مَذْكُورَة في هَنا الْكِتاب وَغَيْره (١). اهـ. ١٦ - وفي السنه الثانيه عشرة من البعثه: أسري برسول الله ﷺ -من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصي، ثم عرج به إلي سدرة المنتهى ففرض الله عليه وعلى أمته الصلوات الخمس . الشرح: ثم كافأ الله رسوله ﷺ وسرّى عنه برحلة الإسراء والمعراج؛ فأراه من آياته الكبرى ما جعل قلبه ﷺ يطيب ويطمئن ويثبت، وينكشف عنه ما ألمَّ به من همّ وحزن وأسى بعد وفاة عمه وزوجته ﵂، وما لاقاه من إعراض قومه عن دعوته ﷺ . فإن النبي ﷺ ما كان يحزنه الإيذاء الشخصي له ﷺ إنما الذي كان يحزنه ﷺ ويكاد يقتله؛ هو إعراضهم عن الدعوة ورفضهم لها؛ رحمة منه ﷺ وشفقة عليهم، ولذلك يقول الله له ﷺ : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ [الكهف: ٦]، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣]

стр. 109

وحادثة الإسراء والمعراج صحيحة ثابتة بالقرآن والسنة: أما ثبوتها بالقرآن ففي قول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم:١ - ١٨]. وقد فصل النبي ﷺ أحداث هذه الرحلة المباركة تفصيلًا دقيقًا، بما ثبت عنه ﷺ من أحاديث صحيحة. يقول ﷺ : "بَيْنَما أَنا عِنْدَ الْبَيْتِ (١) في الحجر مضطجعًا (٢) بَيْنَ النّائِمِ والْيَقْظانِ (٣) إذا أتاني آتٍ فشق (٤) من النحر إلى مراقّ البطن (٥) فاستُخْرِجَ قَلْبِي (٦) ثم غسله بِماءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جاء بطست من ذهب ممتلئ حِكْمَةً وَإِيمانًا

стр. 110

فأَفْرَغَهُ في صَدرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ (١) ثُمَّ أُتِيتُ بِدابَّةٍ أَبْيَضَ يُقالُ لَهُ: الْبُراقُ فَوْقَ الْحِمارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَي طَرْفِهِ (٢) فاسْتَصعَبَ عَلَيهِ، فَقالَ لَهُ جبريلُ: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذا؟ فَما رَكِبَكَ أحدٌ أكرَمُ عَلَى الله مِنْهُ قالَ فارْفَضَّ عَرَقًا (٣) حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَزبِطُ بِهِ الْأَنْبِياءُ، قالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ (٤) فَصَلَّيْتُ بالنبيين والمرسلين إمامًا (٥) ثُمَّ خَرَجْتُ فَجاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ بِإناءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِناءٍ مِنْ لَبَنٍ فاخْترتُ اللَّبَنَ، فَقالَ جِبْرِيلُ-﵇: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ (٦) ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَلَمّا جِئْتُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، قالَ جِبْرِيلُ لِخازِنِ السَّماءِ: افْتَح، قالَ: مَنْ هَذا؟ قالَ: جِبرِيلُ، قالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قالَ: نَعَمْ مَعِي مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَقالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قالَ: نعَمْ، فَلَمّا فَتَحَ علَوْنا السَّماءَ الدُّنْيا فَإِذا رَجُلٌ قاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَي يَسارِهِ أَسْودِةٌ، إِذا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذا نَظَرَ قِبَلَ يَسارِهِ بَكَى، فَقالَ: مَرحَبًا بِالنَّبِي الصّالِحِ، والابْنِ الصّالِحِ، قُلْتُ لِجِبرِيلَ: مَنْ هَذا؟ قال: هذا آدم وَهَذهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينهِ وَشِمالِهِ نَسَمُ بنيهِ فأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، والْأَسْوِدةُ الَّتِي عَنْ شِمالِهِ أَهْلُ النّارِ فَإذا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذا نَظَرَ قِبَلَ شِمالِهِ بَكَي (٧) ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّماءَ الثّانِيَةَ فاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هذا؟ قالَ: جبريلُ، قِيلَ: وَمَنْ
следующие страницы →