فَقَالَ لهم رسول الله ﷺ : "إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا"، قال: فَأَعْجَبَهُمْ ذلك، فَضَحِكَ رسول الله ﷺ (١).
٣٥ - وفي شوَّال من هذه السنة: في حصار الطائف نزل نفر من رقيق الطائف، فأعتقهم رسول الله منهم أبو بكرة ﵁ -.
الشرح:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَعْتَقَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ الطَّائِفِ مَنْ خَرَجَ إِلَيْهِ مِنْ عَبِيدِ الْمُشْرِكِينَ (٢).
وعنه أيضًا ﵁ قال: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف، فخرج إليه عبدان، أحدهما: أبو بكرة، وكان رسول الله ﷺ يعتق العبيد إذا خرجوا إليه (٣).
٣٦ - وفي أواخر شوَّال من هذه السنة: رفع رسول الله ﷺ الحصار عن الطائف، ثم رجع إلى الجُعرانة، فقدم عليه وفود هوازن قد أسلموا فردّ عليهم أسراهم .
الشرح:
أتى رسولَ الله ﷺ وفدُ هوازن وهو بالجعرانة، وكان مع رسول الله ﷺ من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء، ومن الإبل والشاء مالا يُدرى ما عدَّته (٤).
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن وفد هوازن أتوا رسول الله ﷺ
стр. 457
وهو بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فامنن علينا، مَنَّ الله عليك، قال: وقام رجل من هوازن، يقال له: زهير يكنى أبا صُرَد، فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك (١) اللاتي كنَّ يكفُلْنك، ولو أنا مَلَحْنا (٢) للحارث بن أبي شِمْر، أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل بنا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفه وعائدته (٣) علينا، وأنت خير المكفولين، فقال رسول الله ﷺ : "أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ " فقالوا: يا رسول الله خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحب إلينا، فقال لهم: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم"، فلما صلى رسول الله ﷺ بالناس الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله ﷺ : "وأما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم". فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ . وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ . فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا. وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم: بلى، ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ . قال: يقول عباس بن مرداس لبني سليم: وهنتموني. فقال رسول الله ﷺ : "أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم" (٤).
وأعطى النبي ﷺ عمر بن الخطاب جارية فوصى بها عمر لابنه عبد الله،
стр. 458
وأعطى النبي ﷺ عمر بن الخطاب جارية فوصى بها عمر لابنه عبد الله، يقول عبد الله بن عمر: فبعثت بها إلى أخوالي من بن جُمح؛ ليُصلحوا لي منها، ويهيئوها، حتى أطوف البيت، ثم آتيهم، وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها، قال فخرجت من المسجد حتى فرغت، فإذا الناس يشتدَّون، فقلت: ما شأنكم؟ قالوا: ردّ علينا رسول الله ﷺ نساءنا وأبناءنا، فقلت: تلكم صاحبتكم في بني جمح، فاذهبوا فخذوها، فذهبوا إليها فأخذوها (١).
وَعن الْمِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ : "مَعِي مَنْ تَرَوْنَ وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ" (٢)، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ قد أَنْظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنْ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ غَيرُ رَادٍّ إِلَيهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَينِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ في الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ الله عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ"، فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ في ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ"، فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ (٣)، ثُمَّ رَجَعُوا إلى رَسُولِ الله ﷺ
стр. 459
فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا (١).
٣٧ - وفي ذي القعدة من هذه السنة: فرَّق النبي ﷺ الغنائم، وأعطى المؤلفة قلوبهم كثيرًا، ووكَّل المؤمنين إلى إيمانهم، فقام ذو الخويصرة فقال ما قال .
الشرح:
عَنْ رَافِعِ بن خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قسم رَسُولُ الله ﷺ غنائم يوم حنين فأعطى أَبَا سُفْيَانَ بن حَرْبٍ، وَصَفْوَانَ بن أُمَيَّةَ، وَعُيَيْنَةَ بن حِصْنٍ، وَالْأَقْرَعَ بن حَابِسٍ، كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَعْطَي عَبَّاسَ بن مِرْدَاسٍ دُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ عَبَّاسُ بن مِرْدَاسٍ:
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْدِ ... بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ
فَمَاكَانَ بَدْرٌ وَلَاحَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ في الْمَجْمَعِ
وما كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَخْفِضْ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ
فَأَتَمَّ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ مِائَةً (٢)
وعَنْ عبد الله بن زَيْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا فَتَحَ حُنَيْنًا قَسَمَ الْغَنَائِمَ، فَأَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ فَبَلَغَهُ أَنَّ الْأَنْصَارَ يُحِبُّونَ أَنْ يُصِيبُوا مَا أَصَابَ النَّاسُ فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ فَخَطَبَهُمْ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ الله بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ الله بِي؟ وَمُتَفَرِّقِيِنَ
стр. 460
فَجَمَعَكُمْ الله بِي؟ " وَهم يَقُولُونَ: الله وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، فَقَالَ: "أَلَا تُجِيبُونِي؟ " فَقَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ شِئْتُمْ أَنْ تَقُولُوا كَنَا وَكَذَا، وَكَانَ مِنْ الْأَمْرِ كَذَا وَكَذَا، أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بالشَّاءِ وَالْإِبِلِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ الله إلى رِحَالِكُمْ، الْأَنْصارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ (١)، وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأ مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهُمْ إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً (٢)، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ (٣).
وعَنْ جَابِرِ بن عبد الله ﵄ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ الله ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، وَفِي ثَوْب بِلَالٍ فِضَّةٌ، وَرَسُولُ الله ﷺ يَقْبضُ مِنْهَا، يُعْطِي النَّاسَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اعْدِل، قَالَ: "ويلَكَ! وَمَن يَعْدِلُ إِذَاَ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ"، فَقَالَ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ ﵁: دَعْنِي يَا رَسُولَ الله فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ: "مَعَاذَ الله أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أصحابي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّة" (٤).
وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا، أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ- وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بني تَمِيمٍ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله اعْدِلْ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلُ"، فَقَالَ عُمَرُ بن الخطاب: يَا رَسُولَ الله ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ
стр. 461
رسول الله ﷺ : "دَعْهُ فَإنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُم صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِم، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم، يَمْرُقُونَ مِنْ الإِسلام كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ (١)، ثُمَّ يُنْظَرُ إلى نَضِيِّهِ وَهوَ قِدْحُهُ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ (٢)، ثُمَّ يُنْظَرُ إلى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ (٣)، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ (٤)، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْي الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تتَدَرْدَرُ (٥)، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ"، قَالً أبو سَعِيدٍ: فَأشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَأشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بن أبي طَالِبٍ ﵁ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ، فوجد، فَأُتِيَ بِهِ، حَتَّى نَظَرتُ إِلَيهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي نَعَتَ (٦).
٣٨ - وفي ذي القعدة من هذه السنة، جيء بالشيماء أُخت رسول الله ﷺ من الرضاعة، أسيرة، فمنَّ عليها وأعطاها وأطلقها .
الشرح:
ذكر ذلك ابن إسحاق ﵀، وغير واحد من أهل السيرة، أنه جيء بالشيماء بنت الحارث بن عبد العُزَّى أخت رسول الله ﷺ في الرضاعة، فساقوها إلى رسول الله ﷺ ، فعنفوا عليها في السياق، فقالت للمسلمين: تعلموا
стр. 462
والله إني لأختُ صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدقوها حتى أتوا بها إلى رسول الله ﷺ (١)، فمنَّ عليها وأعطاها عطايا وأطلقها.
٣٩ - وفي ذي القعدة من هذه السنة: اعتمر رسول الله ﷺ من الجُعْرانة .
الشرح:
عن أنس بن مالك ﵁ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلَّهُنَّ في ذِي الْقَعْدَةِ، إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ؛ عُمْرَةً مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ في ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ في ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنْ جِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ في ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ (٢).
٤٠ - وفي ذي القعدة من هذه السنة: تزوج رسول الله ﷺ فاطمة بنت الضَّحَّاك الكُلابية، فاستعاذت منه ففارقها، فكانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول: أنا الشقية .
الشرح:
عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ الْكِلَابِيَّةَ لَمَّا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِي ﷺ ، قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ الْحَقِي بِأَهْلِكِ" (٣).
٤١ - وفي ذي الحجة من هذه السنة: وَلَدَتْ ماريةُ إبراهيم بن النبي ﷺ -.
الشرح:
عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيتُهُ
стр. 463
بِاسْمِ أبي إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى أُمِّ سَيْفٍ، امْرَأَةِ قَيْنٍ (١) يُقَالُ لَهُ: أبو سَيْفٍ، فَانْطَلَقَ يَأْتِيهِ وَاتَّبَعْتُهُ، فَانْتَهَيْنَا إلى أبي سَيْفٍ وَهُوَ يَنْفُخُ بِكِيرِهِ، قَدْ امْتَلَأَ الْبَيْتُ دُخَانًا، فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ بَينَ يَدَيْ رَسُولِ الله ﷺ فَقُلْتُ: يَا أَبَا سيفٍ أَمْسِكْ، جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَأَمْسَكَ، فَدَعَا النَّبيَّ ﷺ بالصَّبيِّ فَضمَّهُ إلَيهِ، وَقَالَ: مَا شَاءَ الله أَنْ يَقُولَ (٢).
وكان مولده ﵁ في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة (٣).
وعَنْ أَنَسٍ أيضًا قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضعًا لَهُ في عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ، وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا، فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ (٤).
٤٢ - وفي هذه السنة: ولَدَتْ زينب بنتُ رسول الله ﷺ من أبي العاص بن الربيع ابنتها أُمامة التي كان يحملها النبي ﷺ في الصلاة .
الشرح:
ذكر تاريخ ولادتها ﵂ الذهبي ﵀ في "مغازيه" (٥).
وعَنْ أبي قَتَادَةَ الْأَنْصارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بنتَ زَيْنَبَ بنتِ رَسُولِ الله ﷺ .
стр. 464
وَلِأبي الْعَاصِ بن الربيع: فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا (١).
٤٣ - وفي هذه السنة: عُمِل منبر رسول الله ﷺ فخطب عليه، فحنَّ إليه الجذع الذي كان يخطب عليه .
الشرح:
عَنْ جَابِرِ بن عبد الله الأنصاري ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلى شَجَرَةٍ أَوْ نَخْلَةٍ، فَقَالَتْ: امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أَوْ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله أَلَا نَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتُمْ"، فَجَعَلُوا لَهُ مِنْبَرًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دُفِعَ إلى الْمِنْبَرِ، فَصَاحَتْ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ، ثُمَّ نَزَلَ النَّبِي ﷺ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّنُ، قَالَ: كَانَتْ تَبْكِي عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ الذِّكْرِ عِنْدَهَا (٢)، وذكر ذلك التاريخ الذهبي في "مغازيه" (٣).
٤٤ - وفي هذه السنة: وهبت سودة أم المؤمنين يومها لعائشة ﵂ -.
الشرح:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ في مِسْلَاخِهَ (٤)، مِنْ سَوْدَةَ بنتِ زَمْعَةَ، مِنْ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ (٥)، قَالَتْ عائشة: فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ
стр. 465
يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ لِعَائِشَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله ﷺ قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ، فَكَان رَسُولُ الله ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ، يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ (١).
وذكر ذلك التاريخ الذهبي في "مغازيه" (٢).
٤٥ - وفي ذي الحجة من هذه السنة: حجَّ بالناس عَتَّابُ بن أسيد ﵁، أمير مكَّة .
الشرح:
قال ابن إسحاق ﵀:
وحجَّ الناس في تلك السنة على ما كانت العربُ تحج عليه، وحج بالمسلمين تلك السنة عَتَّابُ بن أَسيد، وهي سنة ثمان (٣).
٤٦ - وفي هذه السنة: تُوفّي مُغَفَّلُ بن عبد نَهْمٍ المزّنيُّ والدُ الصحابي عبد الله بن مَغَفَّلٍ، وله صُحْبة .
الشرح:
قال ابن عبد البر ﵀:
مُغَفَّل بن غَنَم، ويقال: ابن عبد نَهْم بن عفيف بن أُسَيْحم (٤)، وكان بن الكلبي يقول في أسيحم: سُحيم بن ربيعة بن عدي المزني، وهو والد
стр. 466
عبد الله بن مغفل، مات بطريق مكة قبل أن يدخلها، وذلك سنة ثمان من الهجرة، عام الفتح، وقبل الفتح بقليل، وذكر ذلك الطبري. اهـ (١).
٤٧ - وفي هذه السنة: أسلَم كَعْبُ بن زهير، وقال قصيدته المشهورة في مدح النبي ﷺ بانتَ سُعَادُ
الشرح:
عن عبد الرحمن بن كعب بن زهير قال: خرج كعب وبجير ابنا زهير حتى أتيا أبرق العزاف، فقال بجير لكعب: أثبت في عجل هذا المكان حتى آتي هذا الرجل، يعني رسول الله فأسمع ما يقول: فثبت كعب وخرج بجير فجاء رسول الله ﷺ فعرض عليه الإِسلام فأسلم فبلغ ذلك كعبًا فقال:
أَلا أَبلِغا عَنَي بُجَيرًا رِسالَةً ... عَلَى أَيِّ شَيءٍ وَيْحَ غَيْرَكَ دَلَكا
عَلى خُلُقٍ لَم تُلفِ أُمّاً وَلا أَباً ... عَلَيهِ وَلَم تُدرِك عَلَيه أَخاً لَكا
سَقَاكَ أبو بكرٍ بِكَأَسِ رَويِةٍ ... وَأَنَهلكَ المَأَمورُ مَنْهَا وعَلَكَا
فلما بلغت الأبيات رسول الله ﷺ أهدر دمه، فقال: "من لقي كعبًا فليقتله" فكتب بذلك بجير إلى أخيه يذكر له أن رسول الله ﷺ قد أهدر دمه ويقول له: النجا وما أراك تفلت ثم كتب إليه بعد ذلك: اعلم أن رسول الله ﷺ لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا قَبِل ذلك, فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم، وأقبل، فأسلم كعب وقال القصيدة التى يمدح فيها رسول الله ﷺ , ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله ﷺ ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ مع أصحابه والقوم متحلقون معه حلقة دون حلقة
стр. 467
يلتفت إلى هؤلاء مرة فيحدثهم وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم، قال كعب: فأنخت راحلتي بباب المسجد فعرفت رسول الله ﷺ بالصفة فتخطيت حتى جلست إليه فأسلمت، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله الأمان يا رسول الله قال: "ومن أنت؟ "، قلت: أنا كعب بن زهير: قال: "أنت الذي تقول" ثم التفت إلى أبي بكر: "كيف قال يا أبا بكر" فأنشده أبو بكر ﵁:
سَقَاكَ أبو بكرٍ بِكَأَسِ رَويِةٍ ... وَأَنَهلكَ المَأَمورُ مَنْهَا وعَلَكَا
قال: يا رسول الله ما قلت هكذا قال: "وكيف قلت؟ " قال: إنما قلت:
سَقَاكَ أبو بكرٍ بِكَأَسِ رَويِةٍ ... وَأَنَهلكَ المَأَمونُ مَنْهَا وعَلَكَا
فقال رسول الله ﷺ : "مأمون والله" ثم أنشده القصيدة كلها حتى أتى على آخرها. واملاها على الحجاج بن ذي الرقيبة حتى أتى على آخرها:
بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ ... مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفَدْ مَكْبولُ (١)
إلى آخر القصيدة.
٤٨ - وفي هذه السنة: تُوفِّيتْ زينبُ بنتُ رسول الله ﷺ ، وهي أكبر أولاده، وغسَّلتها أمُّ عطية ﵂ -.
الشرح:
عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: لما توفيت زينب بنت رسول الله ﷺ قال لنا رسول الله ﷺ : "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ
стр. 468
وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ في الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي"، قالت: فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حقْوَهُ (١)، فَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا (٢). إِيَّاهُ".
وفي رواية: قالت أم عطية: أنهن نقضن شعرها ثم غَسَلْنه، ثم جعلنه ثلاثة قرون، وألقيناها خلفها.
وفي رواية: عن أم عطية أن رسول الله ﷺ حين أمرها أن تغسل ابنته قال لها: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها (٣).
قال ابن عبد البر ﵀:
كانت زينب أكبر بناته ﷺ لا خلاف أعلمه في ذلك، إلَّا ما لا يصح ولا يُلتفت إليه، وإنما الاختلاف بين زينب والقاسم أيها وُلد أولاً، وتُوفيِّت في حياة رسول الله ﷺ سنة ثمانٍ من الهجرة (٤).
٤٩ - وفي هذه السنة: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى جَيْفَر وعمرو ابني الجَلَنْدي من الأزدْ، فأسلما .
الشرح:
بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص في ذي القعدة سنة ثمان إلى جيفر وعبد (٥) ابني الجلندى، وهما من الأزد والملك منهما جيفر، يدعوهما إلى
стр. 469
الإِسلام، وكتب معه إليهما كتابًا وختم الكتاب، قال عمرو: فلما قدمت عمان عمدت إلى عبد، وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقًا، فقلت: إني رسولُ رسولِ الله ﷺ إليك وإلى أخيك، فقال: أخي المقدم عليَّ بالسن والملك وأنا أُوصلك إليه حتى يقرأ كتابك، فمكثت أياما ببابه، ثم إنه دعاني فدخلت عليه، فدفعت إليه الكتاب مختومًا ففض خاتمه وقرأه حتى انتهى إلى آخره ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته، إلَّا أني رأيت أخاه أرقَّ منه، فقال: دعني يومي هذا وارجع إليَّ غدًا، فلما كان الغد رجعت إليه، قال: إني فكرت فيما دعوتني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إذا ملَّكتُ رجلاً ما في يديَّ، قلتُ: فإني خارج غدًا، فلما أيقن بمخرجي أصبح فأرسل إليَّ، فدخلت عليه فأجاب إلى الإِسلام هو وأخوه جميعًا وصدَّقا بالنبي ﷺ ، وخلَّيا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لي عونًا على من خالفني، فأخذت الصدقة من أغنيائهم فرددتها في فقرائهم، فلم أزل مقيمًا فيهم حتى بلغنا وفاة رسول الله" (١).
٥٠ - وفي هذه السنة: غلا السِّعر، فقالوا: يا سول الله سَعَّر لنا، فقال: "إنَّ الله هو المسَّعِّر والقابض الباسط الرَّزَّاق ".
الشرح:
عَنْ أَنَس بن مالك ﵁ قَالَ: غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: "إنَّ الله هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ في دَمٍ وَلَا مَالٍ" (٢).
стр. 470
٥١ - وفي هذه السنة: نزلت سورة النصر .
الشرح:
قال ابن إسحاق ﵀ -:
فلما افتُتحت مكة، ودانت لها قريش، ودوَّخها الإِسلام، عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عدواته، فدخلوا في دين الله كما قال الله : أفواجا يضربون إليه من كل وجه، يقول الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١]. أي: فأحمد الله على ما أظهر من دينك، واستغفره إنه كان توابا. اهـ (١).
٥٢ - وفي هذه السنة: جاء وفد ثعلبة إلى رسول الله ﷺ -.
الشرح:
عن رجل من بني ثعلبة، عن أبيه لما قدم رسول الله من الجعرانة سنة ثمان، قدمنا عليه أربعة نفر وقلنا: نحن رسل من خلفنا من قومنا، ونحن وهم مُقرُون بالإِسلام، فأمر لنا بضيافة وأقمنا أيامًا (٢).
٥٣ - وفي هذه السنة: جاء وفد سُلَيم إلى رسول الله ﷺ -.
الشرح:
قدم على رسول الله ﷺ رجل من بني سُلَيم يقال له: قيس بن نُسيبة، فسمع كلامه وسأله عن أشياء فأجابه، ووعى ذلك كله، ودعاه رسول الله ﷺ إلى
стр. 471
الإِسلام فأسلم، ورجع إلى قومه بني سُليم فقال: قد سمعت ترجمة الروم، وهينمة فارس، وأشعار العرب، وكهانة الكاهن، وكلام مقاول حمير، فما يشبه كلام محمَّد شيئًا من كلامهم، فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم إلى رسول الله ﷺ , فلقوه بقُديد وهم تسعمائة، ويقال: كانوا ألفًا، فيهم العباس بن مرداس وأنس بن عياض بن رعل وراشد بن عبد ربه فأسلموا وقالوا: اجعلنا في مقدمتك، واجعل لواءنا أحمر، وشعارنا مقدم، ففعل ذلك بهم، فشهدوا معه الفتح والطائف وحنينًا (١).
٥٤ - وفي هذه السنة: جاء وفد ربيعة: عبد القيس إلى رسول الله ﷺ -.
الشرح:
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقال: "مرحبًا بالقوم غير خزايا ولا الندامى"، فقالوا: يا رسول الله إن بيننا وبينك المشركين من مضر، وإنا لا نَصِلُ إليك إلا في أشهر الحُرُم، حدثنا بِجُمَلٍ من الأمر إن عملنا بها دخلنا الجنة، وندعوا من وراءنا، قال: "آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، الإيمان بالله، هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله, وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تُعْطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن أربع: ما انتبذ في الدُّبَّاء والنقير والمزفَّت" (٢).
стр. 472
وقال النبي ﷺ لأشج عبد القيس: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة".
وعن أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أن النَّبِي ﷺ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيها وَعِنْدِها نِسْوَةٌ مِنْ بني حَرَامٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فصلى ركعتين، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْخَادِمَة، فقلت: قُومِي إلى جَنْبِهِ فَقُولِي: تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ الله أَلَمْ أَسْمَعْكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخَرَت عنه، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "يَا بنتَ أبي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، إِنَّهُ أَتَانِي أُنَاسٌ مِنْ عبد الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِي عَنْ الرَّكْعَتَينِ اللتين بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ" (١).
٥٥ - وفي هذه السنة: جاء وفد صُدَاء إلى رسول الله ﷺ -.
الشرح:
لما انصرف رسول الله ﷺ من الجعرانة سنة ثمان بعث قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن وأمره أن يطأ صُدَاء فعسكر بناحية قناة في أربعمائة من المسلمين وقدم رجل من صداء فسأل عن ذلك البعث فَأُخْبر بهم فخرج سريعا حتى ورد على رسول الله ﷺ فقال جئتك وافدًا على من ورائي فاردد الجيش وأنا لك بقومي فردهم رسول الله ﷺ فقدم منهم بعد ذلك على رسول الله ﷺ
стр. 473
خمسة عشر رجلاً فأسلموا وبايعوا رسول الله ﷺ على من وراءهم من قومهم ورجعوا إلى بلادهم ففشا فيهم الإِسلام فوافى النبي ﷺ مائةُ رجل منهم في حجة الوداع (١).
٥٦ - وفي هذه السنة: جاء وفد ثمالة والحُدَّان إلى رسول الله ﷺ -.
الشرح:
قدم عبد الله بن عَلَس الثُّمالي، ومُسيلمة بن هِزَّان الحُدَّاني على رسول الله ﷺ في رهط من قومهما بعد فتح مكة فأسلموا وبايعوا رسول الله ﷺ على قومهم، وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابًا بما فُرض عليهم من الصدقة في أموالهم، كتبه ثابت بن قيس بن شماس، وشهد فيه سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة (٢).
стр. 474
السنة التاسعة من الهجرة
стр. 475
السنة التاسعة من الهجرة
وفيها تسعة وأربعون حدثًا:
١ - في المحرَّم من هذه السنة: كانت سرية عُيينة بن حصن ﵁ إلى بني تميم، فَسَبَوا منهم سبيًا، فجاء رؤساؤهم إلى النبي ﷺ ، فنادوه من وراء الباب: يا محمد، فنزلت فيهم صدر سورة الحجرات .
الشرح:
بعث رسول الله ﷺ عُيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم في خمسين فارسًا من العرب، ليس فيهم مهاجريٌ ولا أنصاري، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فهجم عليهم في صحراء، فدخلوا وسرحوا مواشيهم، فلما رأوا الجمع ولَّوا، وأخذ منهم أحد عشر رجلاً، ووجدوا في المحلة إحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبيًا، فجلبهم إلى المدينة، فأمر بهم رسول الله ﷺ فحُبسوا في دار رملة بنت الحارث، فقدم فيهم عِدَّة من رؤسائهم؛ عطارد بن حاجب، والزِّبرقان ابن بدر، وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأهتم، ورباح بن الحارث بن مجاشع، فلما رأوهم بكى إليهم النساء والذراري فعجلوا وجاءوا إلى باب النبي ﷺ ، فنادوا: يا محمَّد اخرج إلينا، فخرج رسول الله ﷺ ، وأقام بلال الصلاة وتعلَّقوا برسول الله ﷺ يكلمونه، فوقف معهم، ثم مضى فصلى الظهر، ثم جلس في صحن المسجد، فقدَّموا عطارد بن حاجب فتكلم وخطب، فأمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس بن شماس فأجابهم، ونزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا
стр. 476
يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الحجرات: ٤]، فرَّد عليهم رسول الله ﷺ الأسرى والسبي (١).
٢ - وفي صفر من هذه السنة: بعث رسولُ الله ﷺ عبد الله بن عوسجة ﵁ إلى بني حارثة بن عمرو يدعوهم إلى الإسلام فأبوا .
الشرح:
قيل أنَّ رسول الله ﷺ بعثه إلى بني حارثة بن- عمرو بن قُريط، يدعوهم إلى الإِسلام، فأخذوا الصحيفة فغسلوها، ورقعوا بها أسفل دَلْوهم، فدعا عليهم النبي ﷺ (٢).
٣ - وفي صفر من هذه السنة: كانت سرية قُطْبة بن عامر ﵁ إلى خثعم بناحية بيشة فغنموا وأسروا, ولكن قُطبة قتِل .
الشرح:
قال ابن سعد ﵀:
قالوا: بعث رسول الله ﷺ قُطبة في عشرين رجلاً إلى حي من خثعم، بناحية تَبالة، وأمره أن يشنَّ الغارة، فخرجوا على عشرة أبعرة يعتقبونها، فأخذوا رجلاً فسألوه، فاستعجم (٣) عليهم، فجعل يصيح بالحاضرة ويحذِّرهم، فضربوا عنقه، ثم أقاموا حتى نام الحاضر، فشنُّوا عليهم الغارة فاقتتلوا قتالاً شديدًا حتى كثرت الجرحى في الفريقين جميعًا، وقُتِل قطبة بن عامر فيمن قُتل،
стр. 477
وساقوا النَّعم والشاء والنساء إلي المدينة (١).
٤ - وفي صفر من هذه السنة: قدم وَفْدُ عُذرة على رسول الله ﷺ وأسلموا .
الشرح:
قال ابن سعد ﵀:
قالوا: قدم على رسول الله ﷺ في صفر سنة تسع وفد عُذرة اثنا عشر رجلاً، فيهم حمزة بن النعمان العُذري، وسُليم وسعد ابنا مالك، ومالك بن أبي رباح، فنزلوا دار رملة بنت الحارث النجَّارية، ثم جاءوا إلى النبي ﷺ ، فسلموا بسلام أهل الجاهلية، وقالوا: نحن إخوة قصي لأمه، ونحن الذين أزاحوا خزاعة وبني بكر عن مكة، ولنا قرابات وأرحام، وسألوا رسول الله ﷺ عن أشياء في أمر الدين، وأسلموا (٢).
٥ - وفي ربيع الأول من هذه السنة: كانت سرية الضحاك بن سفيان الكلابي ﵁ إلى بني كلاب بالقُرْطاء .
الشرح:
بعث رسول الله ﷺ جيشًا إلى القرطاء عليها الضحاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر الكلابي، ومعه الأَصْيَد بن سلمة بن قرط، فلقوهم بالزُّج، زج لاوة، فدعوهم إلى الإِسلام فأبوا، فقاتلوهم فهزموهم، فلحق الأصْيدُ أباه سلمة، وسلمة على فرس له، فدعا أباه إلى الإِسلام، وأعطاه الأمان، فسبَّه
стр. 478
وسبَّ دينه، فضرب الأصيد عرقوبي فرس أبيه، فلما وقع الفرس على عرقوبيه ارتكز سلمة على رمحه في الماء، ثم استمسك حتى جاءه أحدهم فقتله، ولم يقتله ابنه (١).
٦ - وفي ربيع الأول من هذه السنة: قدم وفدُ بليّ، فنزلوا على رويفع بن ثابت البلوي ﵁ -.
الشرح:
عن رويفع بن ثابت البلوي قال: قدم وفد قومي في شهر ربيع الأول سنة تسع، فأنزلتهم في منزلي ببني جديلة ثم خرَّجتهم حتى انتهينا إلى رسول الله ﷺ وهو جالس مع أصحابه في بيته في الغداة، فقدم شيخ الوفد أبو الضباب فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ، فتكلم، وأسلم القوم وسألوا رسول الله ﷺ عن الضيافة وعن أشياء من أمر دينهم، فأجابهم، ثم رجعت بهم إلى منزلي، فأقاموا ثلاثًا، ثم جاءوا رسول الله ﷺ يودعونه، فأمر لهم بجوائز كما كان يجيز قبلهم، ثم رجعوا إلى بلادهم (٢).
٧ - وفي ربيع الآخر من هذه السنة: كانت سرية علقمة بن مجزّر المدلجي ﵁ إلى الأحباش بجُدَّة، فهربوا .
الشرح:
قال ابن سعد ﵀:
قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أنَّ ناسًا من الحبشة رآهم أهل جُدَّة، فبعث إليهم علقمة بن مُجزَّر في ثلثمائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر، وقد خاض إليهم البحر فهربوا منه، فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهليهم فأذن لهم (٣).
стр. 479
وعَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عَلْقَمَةَ بن مُجَزِّرٍ عَلَى بَعْثٍ، وَأَنَا فِيهِمْ، فَلَمَّا انْتَهَى إلى رَأْسِ غَزَاتِهِ، أَوْ كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، اسْتَأْذَنَتْهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْجَيْشِ، فَأَذِنَ لَهُمْ وَأَمَّرَ، عَلَيْهِمْ عبد الله بن حُذَافَةَ بن قَيْسٍ السَّهْمِيَّ، فَكُنْتُ فِيمَنْ غَزَا مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَوْقَدَ الْقَوْمُ نَارًا لِيَصْطَلُوا أَوْ لِيَصْنَعُوا عَلَيْهَا صَنِيعًا، فَقَالَ عبد الله -وَكَانَ فِيهِ دُعَابَةٌ- أَلَيْسَ لِي عَلَيْكُمْ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَمَا أَنَا بِآمِرِكُم بِشَيءٍ إِلَّا صَنَعْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَم، قَالَ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكُمْ إِلَّا تَوَاثَبْتُمْ في هَذِهِ النَّارِ، فَقَامَ نَاسٌ فَتَحَجَّزُوا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّهُمْ وَاثِبُونَ قَالَ: أَمْسِكُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّمَا كُنْتُ أَمْزَحُ مَعَكُمْ، فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِي ﷺ فَقَالَ: "مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْهُمْ بِمَعْصِيَةِ الله فَلَا تُطِيعُوهُ" (١).
٨ - وفي ربيع الآخر من هذه السنة: كانت سرية علي بن أبي طالب ﵁ إلى الفُلس, صَنَم طيِّئ, فهدموا وأسروا وغنموا .
الشرح:
بعث رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب في خمسين ومائة رجل من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرسًا، ومعه راية سوداء ولواء أبيض إلى الفلس ليهدمه، فشنُّوا الغارة على محلَّة آل حاتم مع الفجر، فهدموا الفُلْس وحرقوه، وملأوا أيديهم من السبي والنَّعم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام ووجد في خزانة الفُلْس ثلاثة أسياف، وثلاثة أدرع، واستعمل رسول الله ﷺ على السبي أبا قتادة، واستعمل على الماشية والأموال عبد الله بن عَتيك (٢).
стр. 480
٩ - وفي ربيع الآخر من هذه السنة: كانت سرية عكاشة بن محصن ﵁ إلى الجناب, أرض عُذْرة وبلي .
الشرح:
ذكرها ابن سيد الناس (١)، وقال: سرية عُكَّاشة بن محصن إلى الجناب أرض عُذْرة وبلي، وكانت في شهر ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة.
١٠ - وفي رجب من هذه السنة: بعث رسول الله ﷺ طلحة بن عُبيد الله ﵁ إلى بيت سُويلم اليهوديِّ ليحرقه على من فيه من المنافقين الذين يخذِّلون عن رسول الله ﷺ ، ففعل .
الشرح:
بلغ رسول الله ﷺ أن ناسًا من المنافقين يجتمعون في بيت سُويلم اليهودي، يُثبِّطون الناس عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فبعث إليهم النبي ﷺ طلحة بن عُبيد الله في نفر من أصحابه، وأمره أن يُحرِّق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا (٢).
١١ - وفي رجب من هذه السنة: كانت غزوة تبوك .
الشرح:
تقع تبوك شمال الحجاز، وتبعد عن المدينة المنورة ٧٧٨ كم حسب الطرق المعبدة في الوقت الحاضر، وكانت من ديار قُضاعة الخاضعة لسلطان
стр. 481
الروم آنذاك (١).
وقد عزم النبي ﷺ غزو الروم لنشر الدين الإِسلام في هذه البلاد التي هي من أقرب البلاد إلى أرض الحجاز، والتي تقع تحت السيطرة الرومية، ولتكون تلك هي المواجهة الثانية مع الروم بعد غزوة مؤتة التي لم تحقق جميع أهدافها المرجوَّة؛ فبرغم أنها أظهرت للعالم قدرة المسلمين الفائقة، حتى في مواجهة أعظم إمبراطورية في العالم حينها، وهي إمبراطورية الروم، إلَّا أنها لم تحقق الهدف الأسمى الذي ينشده المسلمون، ألا وهو إخضاع هذه الإمبراطورية وتلك الدول للإسلام والمسلمين وبالتالي توسيع المجال أمام الدعوة الإِسلامية أن تنشر بين ساكني تلك الدول، التي يمنع حكامها الظالمون المسلمين من نشر الدين الحق فيها.
والذي جعل النبي ﷺ يخرج في هذا الوقت بالذات، رغم ما كان بالمسلمين من شدة وعُسرة، وصول خبر إلى المدينة أنَّ أحد ملوك غسان تجهز لغزو المسلمين، مما جعل النبي ﷺ يسارع في الخروج لملاقاتهم في بلادهم، قبل مباغتتهم المسلمين في بلادهم (٢).
فنادى منادي رسول الله ﷺ في الصحابة بالجهاد لغزو الروم، ولم تكن تلك عادة النبي ﷺ أن يعلم الصحابة بوجهته الحقيقة إنما كان ﷺ إذا أراد غزوة يغزوها وَرَّى بغيرها (٣).
стр. 482
عن كَعْبِ بن مَالِكٍ ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَغَزَاهَا رَسُولُ الله ﷺ في حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاستَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَازًا (١)، وَاسْتَقْبَلَ غَزْوَ عَدُوٍّ كَثِيرٍ، فَجَلَّى (٢) لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ؛ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ (٣).
وأمر النبي ﷺ أصحابه بالإنفاق لتجهيز جيش العُسْرة (٤)، فقَالَ النَّبِي ﷺ : "مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ"، فَجَهَّزَهُ عُثْمَانُ بن عفان ﵁ (٥).
وقد تبرع عُثْمَانُ ﵁ من المال فقط بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَجاء بها فنْثُرَهَا في حِجْرِ النبي ﷺ ، فجعل النَّبِي ﷺ يُقَلِّبُهَا في حِجْرِهِ، وَيَقُولُ: "ما ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ، مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ" (٦).
وأخذ المنافقون في تثبيط المؤمنين عن الخروج والجهاد في سبيل الله وقالوا: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١].
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)﴾ [التوبة: ٨١].
стр. 483
يُبلغهم الله تعالى أن نار جهنم التي سيصيرون إليها بسبب مخالفتهم أمره ﷺ أشد حرًا مما فروا منه.
وجاء المعذّرون من الأعراب الذين يسكنون حول المدينة يشكون للنبي ﷺ ضعفهم وفقرهم وعدم استطاعتهم الخروج معه ﷺ ، كما جاء المنافقون مبدين الأعذار الكاذبة والحجج الواهية مستأذنين النبي ﷺ في عدم الخروج.
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾ [التوبة: ٩٠].
ثم بيَّن الله تعالى حال أصحاب الأعذار الحقيقية، وأنه لا سبيل عليهم، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾ [التوبة: ٩١].
كما بيَّن الله تقبله عذر الفقراء الذين جاءوا إلى النبي ﷺ ليحملهم معه في تلك الغزوة، فلم يجد النبي ﷺ ما يحملهم عليه، فتولَّوا وهم يبكون من شدة حزنهم لعدم استطاعتهم الخروج، فقال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩٢].
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾ [التوبة: ٩٣].
وكان أكثر المنافقين الذين تخلَّفوا من الأعراب أهل البادية، ولذلك
стр. 484
يقول الله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)﴾ [التوبة: ٩٧، ٩٨].
ثم بيَّن الله تعالى أنه ليس كلهم كذلك، بل منهم من هو مؤمن، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾ [التوبة: ٩٩].
ثم أوضح الله تعالى أن بالمدينة منافقون أيضًا، فقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة: ١٠١].
وعمومًا فقد أذن النبي ﷺ لكل من جاءه معتذرًا، فهو ﷺ لم يشُق عن قلوبهم ولا يعلم ما بداخلها.
فعاتبه الله تعالى فأنزل عليه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٣].
يقول الله تعالى لرسوله ﷺ : هلَّا تركتهم لمَّا استأذنوك، فلم تأذن لأحد منهم في القعود، لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب، فإنهم إن كانوا مؤمنين حقًا ثم وجدوك لم تأذن لهم في القعود لخرجوا معك ولو كان بهم شدَّة.
وعلى أية حال فقد كان عدم خروجهم في مصلحة المؤمنين يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ
стр. 485
وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [التوبة: ٤٦، ٤٧].
ويحكي أبو مُوسَى الأشعري ﵁ قصة الأشعريين الذين أرسلوه إلى النبي ﷺ يسألونه الحُملان لهم، فيقول ﵁: أَرْسَلَنِي أصحابي إلى رَسُولِ الله ﷺ أَسْأَلُهُ الْحُمْلَانَ لَهُمْ إِذْ هُمْ مَعَهُ في جَيْشِ الْعُسْرَةِ، وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَقُلْتُ: يَا نَبِي الله إِنَّ أصحابي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيءٍ،- يقول أبو موسى-: وَوَافَقْتُة وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَا أَشْعُرُ، وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ النَّبِي ﷺ وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِي ﷺ وَجَدَ في نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إلى أصحابي فَأَخْبَرْتُهُمْ الَّذِي قَالَ النَّبِي ﷺ ، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِيِ أَيْ عبد الله بن قَيْسٍ، فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ الله ﷺ يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ، قَالَ: خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ (١) -لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ- فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إلى أَصْحَابِكَ، فَقُلْ: إِنَّ الله -أَوْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله- يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَارْكَبُوهُنَّ فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِم بِهِنَّ، فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِي ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنِّي وَاللهِ لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إلى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ الله ﷺ ، لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُم شَيئًا لَم يَقُلْهُ رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَالُوا لِي: وَاللهِ إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ، فَانْطَلَقَ أبو مُوسَى بنفَرٍ مِنْهُمْ حَتَّى أَتَوْا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ الله ﷺ مَنْعَهُ إِيَّاهُمْ ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أبو مُوسَى (٢).
стр. 486
وخرج النبي ﷺ متوجهًا إلى تبوك بجيش يقرب من الثلاثين ألف مقاتل (١)، معهم حوالي عشرة آلاف فرس، وخلَّف على المدينة عليَّ بن أبي طالب ﵁ (٢)، فَقَالَ عليٌّ للنبي ﷺ : أَتُخَلِّفُنِي في الصِّبْيَانِ وَالنِسَاءِ؟ قَالَ: "أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي (٣).
وكان خَرَوجَ النبي ﷺ إلى هذه الغزوة يَومَ الْخَمِيسِ حيث كَانَ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ في جميع أصفاره (٤).
وفي الطريق أصاب المسلمين مجاعة شديدة وعطش، فعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَوْ أبي سَعِيدٍ (شَكَّ الْأَعْمَشُ) قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا، فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : افْعَلُوا، قَالَ فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ ثُمَّ ادْعُ الله لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ لَعَلَّ الله أَنْ يَجْعَلَ في ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "نَعَمْ"، فَدَعَا بنطَعٍ فَبَسَطَهُ ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِم،
стр. 487
قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ الله ﷺ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: خُذُوا في أَوْعِيَتِكُمْ، قَالَ: فَأَخَذُوا في أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا في الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّا مَلَئُوهُ، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى الله بِهِمَا عبد غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبَ عَنْ الْجَنَّةِ" (١).
فأكل الصحابة ﵃ وشربوا، بعد ما نالوه من جوع وعطش شديَدْين.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: خرجنا إلى تبوك في قَيظ شديد، فنزلنا منزلًا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إنَّ الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرْثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا، فادع الله لنا، فقال: أتحب ذلك؟ قال: نعم، قال: فرفع يديه نحو السماء، فلم يرجعها حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (٢).
فقال الصحابة لأحد المنافقين ممن كان معهم: وَيْحَك؛ هَلْ بَعْدَ هَذَا شَئءٌ؟! قَالَ: سَحَابَةٌ مَارّةٌ (٣).
стр. 488
وفي الطريق فُقدت ناقة النبي ﷺ ، فقال أحد المنافقين -واسمه زيد بن اللُّصيت- وكان في رَحْل صحابي اسمه عُمارة بن حزم: أليس محمَّد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله ﷺ وعمارة عنده: إن رجلاً قال: هذا محمَّد يخبركم أنه نبي، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته، وأنا والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي في شِعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها، فذهبوا فجاءوا بها، فرجع عمارة بن حزم إلى رحله، فقال: والله لعجبٌ من شيء حدثناه رسول الله ﷺ آنفًا، عن مقالة قائل أخبره الله عنه بكذا وكذا -للذي قال زيد بن اللُّصيت- فقال رجل: ممن كان في رحل عُمارة ولم يحضر رسول الله ﷺ : زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي، فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه، ويقول: إلى عباد الله، إن في رحلي لداهية وما أشعر، اخرج أي عدو الله من رحلي، فلا تصحبني (١).
ومضى رسول الله ﷺ ، فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: تخلف فلان، فيقول: دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك، فقد أراحكم الله منه.
وتلوَّم على أبي ذر بعيرُه، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فجعله على ظهره، ثم
стр. 489
خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيًا، ونزل رسول الله ﷺ في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله, إن هذا الرجل ماش على الطريق، وحده، فقال رسول الله ﷺ : "كن أبا ذر"، فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر، فقال رسول الله ﷺ : "رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، وببعث وحده" (١).
وكان أبو خَيْثَمَةَ ﵁ رَجَعَ -بَعْدَ أَن سَارَ رَسُولُ الله ﷺ أَيّامًا- إلَى أَهْلِهِ في يَوْمٍ حَارّ، فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ في عَرِيشَيْنِ (٢) لَهُمَا في حَائِطِهِ، قَدْ رَشّتْ كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا، وَبَرّدَتْ لَهُ فِيهِ مَاءً، وَهَيّأَتْ لَهُ فِيهِ طَعَامًا، فَلَمّا دَخَلَ قَامَ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ، فَنَظَرَ إلَى امْرَأَتَيْهِ وَمَا صَنَعَتَا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ في الضّحّ (٣) وَالرّيحِ وَالْحَرّ، وَأبو خَيْثَمَةَ في ظِلّ بَارِدٍ، وَطَعَامٍ مُهَيّأٍ، وَامْرَأَةٍ حَسْنَاءَ، في مَالِهِ مُقِيمٌ، مَا هَذَا بِالنّصَفِ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللهِ لَا أَدْخُلُ عَرِيشَ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَتّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ الله ﷺ ، فَهَيّئا لِي زَادًا، فَفَعَلَتَا، ثُمَّ قَدّمَ نَاضِحَهُ فَارْتَحَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ في طَلَبِ رَسُولِ الله ﷺ حَتّى أَدْرَكَهُ حِينَ نَزَلَ تَبُوكَ، وَقَدْ كَانَ أَدْرَكَ أَبَا خَيثَمَةَ عُمَير بن وَهْبٍ الْجُمَحِي في الطّرِيقِ، يَطْلُبُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَتَرَافَقَا، حَتّى إذَا دَنَوَا مِنْ تَبُوكَ، قَالَ أبو خَيْثَمَةَ لِعُمَيْرِ بن وَهْبٍ: إنّ لي ذَنْبًا، فَلَا عَلَيْك أَنْ تَخَلّفَ عَنّي حَتّى آتِيَ رَسُولَ الله ﷺ ، فَفَعَلَ حَتّى إذا دَنَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ بِتَبُوكَ، قَالَ النّاسُ: هَذَا رَاكِبٌ عَلَى الطّرِيقِ مُقْبِلٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كُنْ أَبَا خَيثَمَةَ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله هُوَ وَاَللهِ أبو خَيْثمَةَ، فَلَمّا أَنَاخَ أَقْبَلَ فَسَلّمَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : "أَوْلَى لَكَ (٤) يَا أَبَا خَيثَمَة"، ثُمَّ أَخْبَرَ
стр. 490
رَسُولَ الله ﷺ الْخَبَرَ؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : "خَيرًا"، وَدَعَا لَهُ بِخَيرِ (١).
ولما وصلوا إلى تبوك حدث أيضًا ما يرويه مُعَاذ بن جَبَلٍ ﵁ أن النبي ﷺ كَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمًا أَخَّرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ: "إِنكُمْ سَتَاْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ الله عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنكم لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِيَ"، فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلَانِ، وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَئءٍ مِنْ مَاءٍ، قَالَ: فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ الله ﷺ : "هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيئًا؟ "، قَالَا: نَعَمْ، فَسَبَّهُمَا النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ لَهُمَا: "مَا شَاءَ الله أَنْ يَقُولَ"، ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى اجْتَمَعَ في شَئءٍ، وَغَسَلَ رَسُولُ الله ﷺ فِيهِ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتْ الْعَيْنُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ -أَوْ قَالَ: غَزِيرٍ- حَتَّى اسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ: "يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَا هَا هُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا" (٢).
وأَقَامَ النبي ﷺ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا (٣)، فلم يلق كيدًا؛ حيث خافه ملكُ بني الأصفر والقبائل العربية المتنصّرة، فلم يحضروا.
فقفل النبي ﷺ بجيشه راجعًا إلى المدينة، بعد ما عرف الجميع قوة الجيش الإسلامي التي ظنوا أنها ستضعف بعد مؤتة، فوجودوها قد ازدادت قوة وصلابة، حتى إنهم قد خافوا الخروج إليهم.
وصدق رَسُولُ الله ﷺ حيث قام من الليل يصلي -وهو في تَبُوكِ- فَاجْتَمَعَ
١٢ - وفي رجب من هذه السنة: وهو في طريقه إلى تبوك مَرَّ ببئر ثمود، فنهاهم أن يشربوا أو يتوضئوا منه مائها.
الشرح:
عَنْ عبد اللهْ بن عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا نَزَلَ الْحِجْرَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَفوا مِنْهَا، فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا؟ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ وَيُهَرِيقُوا ذَلِكَ الْمَاءَ (١).
وفي رواية عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيضًا أن رَسُولَ الله ﷺ أمرهم أن يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا، وَأَنْ يَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَاقَةُ (٢).
وعنه أيضًا ﵁ أَنَّ النَّبِي ﷺ لَمَّا مَرَّ بِالْحِجْرِ (٣)، قَالَ: "لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ"، ثُمَّ تَقَنَّعَ رسول الله ﷺ بِرِدَائِهِ وَهُوَ عَلَى الرَّحْلِ.
وفي رواية: ثُمَّ زَجَرَ فَأَسْرَعَ حَتَّى خَلَّفَهَا (٤).
стр. 493
١٣ - وفي رجب من هذه السنة: وهو في تبوك جاء يُحنَّة بن رُؤْبَةَ فصالح رسول الله ﷺ على الجزية .
الشرح:
ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة، صاحب أَيْلَة، فصالح رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جَرْباءَ وأذرح فأعطوه الجزية، فكتب ليحنة بن رؤبة:
(بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبي ليُحنَّة بن رُؤبة وأهل أيلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر: لهم ذمة الله، وذمة محمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا، فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيِّب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يُمنعوا ماءً يردُونه، ولا طريقًا يريدونه، من برٍّ أو بحر) (١).
١٤ - وفي رجب من هذه السنة: وفي تبوك أتاه أهل جَرْباءَ وَأَذْرُحَ وأعطوه الجزية .
الشرح:
وكتب ﷺ لأهل جَرْباءَ وأذرح:
(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لأهل جَرْباء وأذرح، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كلِّ رجب، ومائة أوقيَّة طيبة، وأن الله عليهم كفيل بالنصح والإحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين (٢).
стр. 494
١٥ - وفي رجب منه هذه السنة: وفي تبوك أسر خالدُ بن الوليد ﵁ أُكَيدرَ مَلِك دُومَة، فحقن رسولُ الله ﷺ دمه وصالحه على الجزية .
الشرح:
بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد، إلى أكُيدر بن عبد الملك، وهو رجل من كندة كان ملكًا عليها، وكان نصرانيًا، فخرج خالد في ليلة مقمرة صائفة، وخرج أكيدر مع أهل بيته، فيهم أخ له يقال له: حسان، يصطادون البقر، فتلقتهم خيل رسول الله ﷺ ، فأخذته، وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قباء من ديباج مُخوَّص بالذهب، فاستلبه خالد، فبعث به إلى رسول الله ﷺ قبل قدومه به عليه (١).
ثم إنَّ خالدًا قدم بأكيدر على رسول الله ﷺ ، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية (٢).
وعن أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁ أن أكيدر دومة الجندل أهدى لِرَسُولِ الله ﷺ حُلَّة مِنْ سُنْدُسٍ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَال: "وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَنَادِيلَ سَعْدِ بن مُعَاذٍ في الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا" (٣).
١٦ - وفي رجب من هذه السنة: وفي تبوك صلَّى رسول الله ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف ﵁ صلاة الفجر .
الشرح:
عن الْمُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ قال: عَدَلَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا مَعَهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ قَبْلَ
стр. 495
الْفَجْرِ فَعَدَلْتُ مَعَهُ، فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ جَاءَ فَسَكَبْتُ عَلَى يَدِهِ مِنْ الْإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ حَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ، فَأَدْخَلِ يَدَيْهِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَهُمَا إلى الْمِرْفَقِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ تَوَضَّأ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ رَكِبَ، فَأَقْبَلْنَا نَسِيرُ حَتَّى نَجِدَ النَّاسَ في الصَّلَاةِ قَدْ قَدَّمُوا عبد الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ، فَصلَّى بِهِمْ حِينَ كَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَوَجَدْنَا عبد الرَّحْمَنِ وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ فَصَفَّ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَصَلَّى وَرَاءَ عبد الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ سَلَّمَ عبد الرَّحْمَنِ، فَقَامَ النبي ﷺ في صَلَاتِهِ فَفَزعَ الْمُسْلِمُونَ فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ؛ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوا النَّبِي ﷺ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ لَهُمْ: "قَدْ أصَبتُمْ أَوْ قَدْ أَحْسَنْتُمْ".
وفي رواية: قال الْمُغِيرَةُ فَانْتَهَيْنَا إلى الْقَوْمِ وَقَدْ قَامُوا في الصَّلَاةِ يُصَلِّي بهِمْ عبد الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيّ ذَهَبَ يَتَأخَّرُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِي ﷺ وَقُمْتُ، فَرَكًعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا (١).
١٧ - وفي رجب من هذه السنة: وفي غزوة تبوك مات ذو البجادين، فتولَّى رسول الله ﷺ والعُمَران غَسْلَه وَدَفْنَه ونزل رسولُ الله ﷺ قبره، وترضَّى عنه .
الشرح:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، قال: فاتَّبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزنيُّ قد مات، وإذا هم حفروا له، ورسول الله ﷺ في حفرته، وأبو بكر وعمر يدنيانه إليه، وهو يقول: "ادنيا إلى أخاكما"، فدلَّياه إليه، فلما