١٢ - وفي رجب من هذه السنة: وهو في طريقه إلى تبوك مَرَّ ببئر ثمود، فنهاهم أن يشربوا أو يتوضئوا منه مائها.
الشرح:
عَنْ عبد اللهْ بن عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا نَزَلَ الْحِجْرَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَفوا مِنْهَا، فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا؟ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ وَيُهَرِيقُوا ذَلِكَ الْمَاءَ (١).
وفي رواية عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيضًا أن رَسُولَ الله ﷺ أمرهم أن يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا، وَأَنْ يَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَاقَةُ (٢).
وعنه أيضًا ﵁ أَنَّ النَّبِي ﷺ لَمَّا مَرَّ بِالْحِجْرِ (٣)، قَالَ: "لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ"، ثُمَّ تَقَنَّعَ رسول الله ﷺ بِرِدَائِهِ وَهُوَ عَلَى الرَّحْلِ.
وفي رواية: ثُمَّ زَجَرَ فَأَسْرَعَ حَتَّى خَلَّفَهَا (٤).
стр. 493
١٣ - وفي رجب من هذه السنة: وهو في تبوك جاء يُحنَّة بن رُؤْبَةَ فصالح رسول الله ﷺ على الجزية .
الشرح:
ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة، صاحب أَيْلَة، فصالح رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جَرْباءَ وأذرح فأعطوه الجزية، فكتب ليحنة بن رؤبة:
(بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبي ليُحنَّة بن رُؤبة وأهل أيلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر: لهم ذمة الله، وذمة محمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا، فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيِّب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يُمنعوا ماءً يردُونه، ولا طريقًا يريدونه، من برٍّ أو بحر) (١).
١٤ - وفي رجب من هذه السنة: وفي تبوك أتاه أهل جَرْباءَ وَأَذْرُحَ وأعطوه الجزية .
الشرح:
وكتب ﷺ لأهل جَرْباءَ وأذرح:
(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لأهل جَرْباء وأذرح، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كلِّ رجب، ومائة أوقيَّة طيبة، وأن الله عليهم كفيل بالنصح والإحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين (٢).
стр. 494
١٥ - وفي رجب منه هذه السنة: وفي تبوك أسر خالدُ بن الوليد ﵁ أُكَيدرَ مَلِك دُومَة، فحقن رسولُ الله ﷺ دمه وصالحه على الجزية .
الشرح:
بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد، إلى أكُيدر بن عبد الملك، وهو رجل من كندة كان ملكًا عليها، وكان نصرانيًا، فخرج خالد في ليلة مقمرة صائفة، وخرج أكيدر مع أهل بيته، فيهم أخ له يقال له: حسان، يصطادون البقر، فتلقتهم خيل رسول الله ﷺ ، فأخذته، وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قباء من ديباج مُخوَّص بالذهب، فاستلبه خالد، فبعث به إلى رسول الله ﷺ قبل قدومه به عليه (١).
ثم إنَّ خالدًا قدم بأكيدر على رسول الله ﷺ ، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية (٢).
وعن أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁ أن أكيدر دومة الجندل أهدى لِرَسُولِ الله ﷺ حُلَّة مِنْ سُنْدُسٍ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَال: "وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَنَادِيلَ سَعْدِ بن مُعَاذٍ في الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا" (٣).
١٦ - وفي رجب من هذه السنة: وفي تبوك صلَّى رسول الله ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف ﵁ صلاة الفجر .
الشرح:
عن الْمُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ قال: عَدَلَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا مَعَهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ قَبْلَ
стр. 495
الْفَجْرِ فَعَدَلْتُ مَعَهُ، فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ جَاءَ فَسَكَبْتُ عَلَى يَدِهِ مِنْ الْإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ حَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ، فَأَدْخَلِ يَدَيْهِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَهُمَا إلى الْمِرْفَقِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ تَوَضَّأ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ رَكِبَ، فَأَقْبَلْنَا نَسِيرُ حَتَّى نَجِدَ النَّاسَ في الصَّلَاةِ قَدْ قَدَّمُوا عبد الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ، فَصلَّى بِهِمْ حِينَ كَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَوَجَدْنَا عبد الرَّحْمَنِ وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ فَصَفَّ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَصَلَّى وَرَاءَ عبد الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ سَلَّمَ عبد الرَّحْمَنِ، فَقَامَ النبي ﷺ في صَلَاتِهِ فَفَزعَ الْمُسْلِمُونَ فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ؛ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوا النَّبِي ﷺ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ لَهُمْ: "قَدْ أصَبتُمْ أَوْ قَدْ أَحْسَنْتُمْ".
وفي رواية: قال الْمُغِيرَةُ فَانْتَهَيْنَا إلى الْقَوْمِ وَقَدْ قَامُوا في الصَّلَاةِ يُصَلِّي بهِمْ عبد الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيّ ذَهَبَ يَتَأخَّرُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِي ﷺ وَقُمْتُ، فَرَكًعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا (١).
١٧ - وفي رجب من هذه السنة: وفي غزوة تبوك مات ذو البجادين، فتولَّى رسول الله ﷺ والعُمَران غَسْلَه وَدَفْنَه ونزل رسولُ الله ﷺ قبره، وترضَّى عنه .
الشرح:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، قال: فاتَّبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزنيُّ قد مات، وإذا هم حفروا له، ورسول الله ﷺ في حفرته، وأبو بكر وعمر يدنيانه إليه، وهو يقول: "ادنيا إلى أخاكما"، فدلَّياه إليه، فلما
стр. 496
هيأه لشقه قال: "اللهم إني أمسيت راضيًا عنه، فارض عنه". قال: يقول عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة (١).
١٨ - وفي رجب من هذه السنة: وفي مرجعه ﷺ من تبوك هَمَّ نفر من المنافقين، بالفتك به، فأطلعه الله على ما قصدوه، ففشلت خُطَّتهم .
الشرح:
عَنْ أبي الطُّفَيلِ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَخَذَ الْعَقَبَةَ فَلَا يَأْخُذْها أَحَدٌ، فَبَيْنَمَا رَسُولُ الله ﷺ يَقُودُهُ حُذَيْفَةُ، وَيَسُوقُ بِهِ عَمَّارٌ إِذْ أَقبَلَ رَهْطٌ مُتَلَثِّمُونَ عَلَى الرَّوَاحِلِ غَشَوْا عَمَّارًا وَهُوَ يَسُوقُ بِرَسُولِ الله ﷺ وَأَقْبَلَ عَمَّارٌ يَضْرِب وُجُوهَ الرَّوَاحِلِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِحُذَيْفَةَ: "قَدْ قَدْ" حَتَّى هَبَطَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَلَمَّا هَبَطَ رَسُولُ الله ﷺ نَزَلَ وَرَجَعَ عَمَّارٌ فَقَالَ: "يَا عَمَّارٌ هَلْ عَرَفْتَ الْقَوْمَ؟ " فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُ عَامَّةَ الرَّوَاحِلِ، والْقَوْمُ مُتَلَثِّمُونَ، قَالَ: "هَلْ تَدْرِي مَا أَرَادُوا؟ " قَالَ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَرَادُوا أَنْ يَنْفِرُوا بِرسولِ الله فَيَطْرَحُوهُ" (٢).
١٩ - وفي وجب من هذه السنة: وفي مرجعه ﷺ من أمر بتحريق مسجد الضِّرار، فأُحْرِق .
الشرح:
قال ابن إسحاق ﵀ -:
ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى نزل بذي أوان -بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار- وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك،
стр. 497
فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تاتينا، فتصلي لنا فيه؛ فقال: "إني على جناح سفر، وحال شغل، ولو قد قدمنا إن شاء الله لأتيناكم، فصلينا لكم فيه".
فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدُّخْشُم، أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي، أو أخاه عاصم بن عدي، أخا بني العجلان، فقال: "انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه"، فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف -وهم رهط مالك بن الدُّخْشَم- فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل إلى أهله، فأخذ سعفًا من النخل، فأشعل فيه نارًا ثم خرجا يشتدَّان حتى دخلاه وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١١٠] (١).
٢٠ - وفي رجب من هذه السنة: تخلَّف كعبُ بن مالك وصاحباه عن غزوة تبوك ثم تابوا، فتاب الله عليهم .
الشرح:
عن كَعْبِ بن مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ في غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ
ذَكَرتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ إلى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا وإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي الله فِيمَا بَقِيتُ وَأَنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ ﷺ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ فَوَاللهِ مَا أَنْعَمَ الله عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ في نَفْسِي مِن صِدْقِي لرَسُوِلِ الله ﷺ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا فَإِنَّ الله قَالَ للذينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ فَقَالَ ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَأَرْجَأَ رَسُولُ الله ﷺ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى الله فِيهِ فَبِذَلِكَ قَالَ الله ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وَلَيسَ الَّذِي ذَكَرَ الله مِمَّا خُلِّفْنَا عَنْ الْغَزْوِ إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيهِ فَقَبِلَ مِنْهُ (١).
٢١ - وفي هذه السنة: كانت سرية خالد بن الوليد ﵁ إلى خَثْعَم .
الشرح:
روى الطبراني برجال ثقات عن خالد بن الوليد -رضي الله تعالى- عنه أن رسول الله ﷺ بعثه إلى أناس من خثعم، فاعتصموا بالسجود فقتلهم فوداهم رسول الله ﷺ نصف الدية ثم قال: "أنا بريء من كل مسلم أقام مع المشركين لا تراءى ناراهما" (٢).
стр. 503
٢٢ - وفي رجب من هذه السنة: نعى النبي ﷺ النجاشيَّ، وصلَّى عليه صلاة الغائب .
الشرح:
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَ في الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَخَرَجَ بِهِمْ إلى الْمُصَلَّى وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ (١).
وعَنْ جَابِرِ بن عبد الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَاتَ الْيَوْمَ عبد لِلَّهِ صَالِحٌ أَصْحَمَةُ" فَقَامَ فَأَمَّنَا وَصَلَّى عَلَيهِ (٢).
وذكره الطبري (٣) ضمن أحداث السنة التاسعة.
٢٣ - وفي هذه السنة: قدم عروة بن مسعود الثقفي ﵁ على سول الله ﷺ فأسلم، ورجع إلى الطائف فدعا قومه إلى الإسلام فقتلوه .
الشرح:
قيل إن عروة بن مسعود ﵁ اتبع أثر النبي ﷺ لما انصرف من الطائف، فأسلم، واستأذنه أن يرجع إلى قومه، فقال له النبي ﷺ . "إني أخاف أن يقتلوك"، فقال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني، فأذن له النبي ﷺ ، فدعاهم إلى الإِسلام ونصح لهم فعصوه، وأسمعوه من الأذى، فلما كان من السَّحَر قام على غُرفة له فأذَّن، فرماه رجل من ثقيف بسهم، فقتله، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: "مثل
стр. 504
عروة مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى الله فقتلوه" (١).
٢٤ - وفي رمضان من هذه السنة: قدم وفد ثقيف من الطائف على رسول الله ﷺ فأسلموا ورجعوا إلى قومهم, فما زالوا بهم حتي أسلموا .
الشرح:
مكثت ثقيف بعد قتل عروة أشهرًا، ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا، فائتمروا فيما بينهم - وذلك عن رأي عمرو بن أمية أخي بني علاج- على أن يرسلوا رجلًا منهم، فأرسلوا عبد ياليل بن عمرو بن عُمير ومعه اثنان من الأحلاف وثلاثة من بني مالك، فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة ألفوا المغيرة بن شعبة يرعى ركاب أصحاب رسول الله ﷺ ، فلما رآهم ذهب يشتدُّ ليبشِّر رسول الله ﷺ بقدومهم، فلقيه أبو بكر الصديق فأخبره عن ركب ثقيف أنهم قدموا يريدون البيعة والإِسلام, فقال أبو بكر للمغيرة أقسمتُ عليك ألا تسبقني إلى رسول الله ﷺ حتى أكون أنا أُحدثه، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر فأخبر رسول الله ﷺ بقدومهم ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروَّح الظَّهر معهم، وعلمهم كيف يُحيُّون رسول الله ﷺ ، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، ولما قدموا على رسول الله ﷺ ضُربت عليهم قُبَّة في المسجد، وسأل الوفدُ رسولَ الله ﷺ أشياء؛ حيث سألوه ترك الطاغية اللات، وعدم أداء الصلوات، فرفض ذلك رسول الله ﷺ ، ثم إن الوفد أسلم، ورجعوا إلى قومهم فكتموهم الحقيقة، وخوفوهم بالحرب والقتال، وغير ذلك، فأخذت ثقيفًا نخوة الجاهلية، فمكثوا يومين أو ثلاثة يريدون القتال، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب وقالوا للوفد: ارجعوا إليه فأعطوه ما سأل، فأظهر الوفد حقيقة الأمر، فأسلمت ثقيف (٢).
وعن جَابِر بن عبد الله ﵄ أنْ ثَقِيفًا لما بَايَعَتْ اشْتَرَطَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ، وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِي ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: "سَيَتَصَدَّقُونَ
стр. 505
وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا" (١).
٢٥ - وفي رمضان من هذه السنة: أرسل رسول الله ﷺ إلى الطائف أبا سفيان والمغيرة بن شعبة لهدم اللات فهدمها .
الشرح:
فلما فرغ الوفد من أمره، وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله ﷺ معهم أبا سفيان والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية اللات، فخرجا مع القوم فهدماها (٢).
٢٦ - وفي رمضان من هذه السنة: أمَّر رسولُ الله ﷺ على الطائف عثمان بن أبي العاص، وهو من أحدثهم سنًا لحرصه على التفقُّه وتعلُّم القرآن .
الشرح:
قال ابن إسحاق ﵀ -:
فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله ﷺ كتبهم أمَّر عليهم عثمان بن أبي العاص، وكان من أحدثهم سنًا، وذلك أنه كان أحرصهم على التفقه في الإِسلام، وتعلم القرآن (٣).
وعَنْ عُثْمَانَ بن أبي الْعَاصِ ﵁ أنه قَالَ: يَا رَسُولَ الله اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، قَالَ: "أَنْتَ إِمَامُهُمْ وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَاْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا" (٤).
стр. 506
وقال النبي ﷺ لعُثْمَانَ بن أبي الْعَاصِ: "إِذَا أَمَمْتَ قَوْمًا فَأَخِفَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ" (١).
٢٧ - وفي رمضان من هذه السنة: قدم على رسول الله ﷺ وفد ملوك حِمْير مُقرِّين بالإسلام .
الشرح:
قال محمد بن سعد ﵀ -:
قدم على رسول الله ﷺ مالك بن مُرارة الرهاوي رسول ملوك حِمْير بكتابهم وإسلامهم، وذلك في شهر رمضان سنة تسع، فأمر بلالًا أن ينزله ويكرمه ويُضيِّفه، وكتب رسول الله ﷺ إلى الحارث بن عبد كُلال وإلى نُعيم بن عبد كُلال وإلى النعمان قَيْل ذي رُعَين، ومعافر وهمدان: (أما بعد ذلكم فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنه قد وقع بنا رسولكم مقفلنا من أرض الروم فبلَّغ ما أرسلتم، وخبَّر عما قِبَلكم وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، فإن الله ﵎ قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغنم خمس الله وخمس نبيه وصفيه وما كُتب على المؤمنين من الصدقة (٢).
٢٨ - وفي رمضان من هذه السنة: مات رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول .
الشرح:
عن أسامة بن زيد ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبي يعوده
стр. 507
في مرضه الذي مات فيه، فلما عرف فيه الموت قال رسول الله ﷺ : "أما والله إن كنت لأنهاك عن حُبِّ يهود"، فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة، فمه؟ (١) يعني: فما نفعه؟
وعَنْ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عبد الله بن أبي ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَه رَسُولُ الله ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ الله ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيّ، وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ الله وَقَالَ: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ" فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: "إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا"، قَالَ: فَصلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] قَالَ عمر: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ (٢).
وعن جَابِرِ بن عبد الله ﵄ قَالَ أَتَى رَسُولُ الله ﷺ عبد الله بن أبي بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَاُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ فَاللهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا، وَكَانَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ قَمِيصَانِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عبد الله يَا رَسولَ الله أَلْبِسْ أبي قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ قَالَ سُفْيَانُ فَيُرَوْنَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْبَسَ عبد الله قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ (٣).
стр. 508
أي: مكافأة له لما صنع حيث ألبس العباس ﵁ قميصه حين قدم العباس المدينة فلم يجدوا قميصًا يصلح له إلا قميص عبد الله بن أُبيٍّ.
٢٩ - وفي ذي الحجه من هذه السنة: حج أبو بكر الصديق ﵁ بالناس بأمر رسول الله ﷺ -.
الشرح:
بعث النبيُّ ﷺ أبا بكر ﵁ أميرًا على الحج في شهر ذي الحجة سنة تسع؛ ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم، فخرج أبو بكر ﵁ ومن معه من المسلمين (١).
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ في الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ الله ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ (٢).
٣٠ - وفي ذي الحجه من هذه السنة: بعث رسول الله ﷺ عليًّا ﵁ إلى الحج ليقرأ على الناس (براءة) ففعل ذلك يوم النحر عند الجمرة .
الشرح:
ثُمَّ بعث النَّبِيُّ ﷺ عَلِيَّ بن أبي طَالِبٍ بعد أبي بكر ﵄ فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ، قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ بِبَرَاءَةَ وَأَنْ لَا
стр. 509
يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ (١).
عَنْ زَيْدِ بن أُثَيْعٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَلِيًّا بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ فِي الْحَجَّةْ قَالَ: بُعِثْتُ بِأَرْبَعٍ: أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ فَهُوَ إلى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَلَا يدخلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هذا (٢).
٣١ - وفي هذه السنة: توفِّيت أُم كلثوم ﵂ بنت رسول الله ﷺ -.
الشرح:
قال ابن سعد ﵀ -:
خرجت أم كلثوم إلى المدينة لما هاجر النبي ﷺ ، مع فاطمة وغيرها من عيال النبي ﷺ ، فتزوجها عثمان بعد وفاة أختها رقية، في ربيع الأول سنة ثلاث، وماتت عنده في شعبان سنة تسع ولم تلد له. اهـ (٣).
وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا بنتَ رَسُولِ الله ﷺ ، وَرَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: "هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفْ (٤) اللَّيْلَةَ؟ " فَقَالَ أبو طَلْحَةَ: أَنَا، قَالَ: "فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا، فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا" (٥).
стр. 510
قال ابن حجر ﵀ -:
هي أم كلثوم زوج عثمان، رواه الواقدي عن فليح بن سليمان بهذا الإسناد، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات"، في ترجمة أم كلثوم، وكذا الدولابي في "الذرية الطاهرة"، وكذلك رواه الطبري والطحاوي من هذا الوجه، ورواه حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس فسماها رقية، أخرجه البخاري في "التاريخ الأوسط"، والحاكم في "المستدرك". قال البخاري: ما أدري ما هذا، فإن رقية ماتت والنبي ﷺ ببدر لم يشهدها، قلت (ابن حجر): وَهِمَ حماد في تسميتها فقط. اهـ (١).
٣٢ - وفي هذه السنة: تُوفّيّ سهيل بن بيضاء الفهريُّ وصلَّي عليه سوله الله ﷺ بالمدينة .
الشرح:
قال ابن عبد البر ﵀ -:
خرج سهيل مهاجرًا إلى أرض الحبشة، حتى فشا الإسلام وظهر، ثم قدم على رسول الله ﷺ بمكة، فأقام معه حتى هاجر، وهاجر سهيل، فجمع الهجرتين جميعًا، ثم شهد بدرًا، ومات بالمدينة في حياة رسول الله ﷺ سنة تسع، وصلى عليه رسول الله ﷺ في المسجد.
روى الدراورديُّ عن عبد الواحد بن حمزة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد. اهـ (٢).
стр. 511
٣٣ - وفي هذه السنة: قُتِل مَلِكُ الفُرْس، ومَلَّكوا ابنته (بوران) عليهم، فقال رسول الله ﷺ "لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة ".
الشرح:
عَنْ أبي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ فَارِسًا مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسْرَى، قَالَ: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً" (١).
٣٤ - وفي هذه السنة: فُرضَت الصدقات، وفرَّق رسول الله ﷺ عمّاله على الصدقات .
الشرح:
قال ابن إسحاق ﵀ -:
وكان رسول الله ﷺ قد بعث أُمراءه وعماله على الصدقات إلى كل ما أوطأ الإِسلام من البلدان، فبعث المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة إلى صنعاء، فخرج عليه العنَسْي وهو بها، وبعث زيد بن لبيد، أخا بني بياضة الأنصاري إلى حضرموت وعلى صدقاتها، وبعث عدي بن حاتم على طيِّئ، وصدقاتها وعلى بني أسد، وبعث مالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة، وفرق صدقة بني سعد على رجلين منهم، فبعث الزبرقان بن بدر على ناحية منها، وقيس بن عاصم على ناحية، وكان قد بعث العلاء بن الحضرمي على البحرين، وبعث علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه- إلى أهل نجران، ليجمع صدقتهم ويقدم عليه بجزيتهم (٢).
стр. 512
٣٥ - وفي هذه السنة: قدم ضمام بن ثعلبة على رسول الله ﷺ فأسلم، ثم عاد إلى قومه، فدعاهم إلى الإسلام، فما أمسي ذلك اليوم في حاضره رجله ولا امرأة إلاَّ مسلمًا .
الشرح:
عن أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁ قال: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ فَقَالَ: لَهُمْ أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَرَسُولُ الله ﷺ مُتّكئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، قُلْنَا لَهُ: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عبد الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : "قَدْ أَجَبْتُكَ" فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي سَائِلُكَ يَا مُحَمَّدُ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ في الْمَسْأَلَةِ فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ، قَالَ: "سَلْ مَا بَدَا لَكَ" فَقَالَ الرَّجُلُ: نَشَدْتُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ الله أَرْسَلَكَ إلى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اللَّهُمَّ نَعَمْ" قَالَ: فَأَنْشُدُكَ الله الله أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ في الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اللَّهُمَّ نَعَمْ" قَالَ: فَأَنْشُدُكَ الله الله أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنْ السَّنَةِ؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اللَّهُمَّ نَعَمْ" قَالَ: فَأَنْشُدُكَ الله الله أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اللَّهُمَّ نَعَمْ" فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي وَأَنَا ضِمَامُ بن ثَعْلَبَةَ أَخُو بني سَعْدِ بن بَكْرٍ (١)، فانطلق ضمام فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال بئست اللات والعُزَّى، قالوا: مَهْ يا ضمام! اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون؟ قال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد
стр. 513
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، وما نهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلاَّ مسلمًا.
يقول ابن عباس ﵄: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة (١).
٣٦ - وفي هذه السنة: قدم وفد بني أسد على رسول الله ﷺ -.
الشرح:
قدم عشرة رهط من بني أسد بن خزيمة على رسول الله ﷺ ، في أول سنة تسع، فيهم حضرمي بن عامر، وضرار بن الأَزْوَر، ووابصة بن معبد، وقتادة بن القايف، وسلمة بن حبيش، وطلحة بن خويلد، ونقادة بن عبد الله بن خلف (٢).
٣٧ - وفي هذه السنة: قدم وفد الداريين مِن لَخْمٍ على رسول الله ﷺ -.
الشرح:
قدم وفد الداريين على رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك، وهم عشرة نفر، فيهم تميم ونُعيم ابنا أوس بني خارجة بن سواد بن جُذيمة بن درَّاع بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نُمارة بن لخم، ويزيد بن قيس بن خارجة، والفاكهة بن النعمان، وجبلة بن مالك، وأبو هند والطيب ابنا ذرٍّ، وهانئ بن حبيب، وعزيز ومُرَّة ابنا مالك بن سياد، فأسلموا (٣).
стр. 514
٣٨ - وفي هذه السنة: قدم وفد بَهْراء على رسول الله ﷺ -.
الشرح:
قدم وفد بَهْراء من اليمن وهم ثلاثة عشر رجلاً، فأقبلوا يقودون رواحلهم حتى انتهوا إلى باب المقداد بن عمرو ببني جُديلة، فخرج إليهم المقداد فرحب بهم، وأنزلهم في منزل من الدار، وأتوا النبي ﷺ ، فأسلموا وتعلَّموا الفرائض وأقاموا أيامًا، ثم جاءوا رسول الله ﷺ يُودعونه، فأمر بجوائزهم وانصرفوا إلى أهلهم (١).
٣٩ - وفي هذه السنة: قدم وفد بني البَكَّاء على رسول الله ﷺ -.
الشرح:
وَفِدَ من بني البَكَّاء على رسول الله ﷺ سنة تسع ثلاثة نفر: معاوية بن ثور بن عبادة بن البَكَّاء، وهو يومئذ ابن مائة سنة، ومعه ابن له يقال له: بشر، والفُجيع بن عبد الله بن جندح بن البكاء، ومعهم عبد عمرو البكائي، وهو الأصم، فأمر لهم رسول الله ﷺ بمنزل وضيافة وأجازهم ورجعوا إلى أهلهم (٢).
٤٠ - وفي هذه السنة: قدم وفد بني فزارة على رسول الله ﷺ -.
الشرح:
لما رجع رسول الله ﷺ من تبوك، وكان ذلك سنة تسع، قدم عليه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلاً، فيهم خارجة بن حصن، والحُرُّ بن قيس بن حصن وهو أصغرهم، على ركاب عجاف، فجاءوا مُقرِّين بالإِسلام، وسألهم رسول الله ﷺ
стр. 515
عن بلادهم، فقال أحدهم: يا رسول الله أسنتت بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا، فادع لنا ربك، فصعد رسول الله ﷺ المنبر فدعا لهم فمطرت (١).
٤١ - وفي هذه السنة: قدم وفد ثعلبة بن مُنْقِذٍ على رسول الله ﷺ -.
الشرح:
ذكر قدوم وفد ثعلبة بن مُنقذ، ابن جرير الطبري في "تاريخه"، ضمن حوادث سنة تسع (٢).
٤٢ - وفي هذه السنة: قدم وفد سعد هُذيم على رسول الله ﷺ -.
الشرح:
قدم وفد سعد هُذيم على رسول الله ﷺ حتى أتوا المسجد، فوجدوا رسول الله ﷺ يصلي على جنازة، فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: "من أنتم؟ " قالوا: من بني سعد هُذيم فأسلموا وبايعوا، ثم انصرفوا إلى رحالهم، فأمر بهم رسول الله ﷺ فأُنزلوا وضُيِّفوا ثلاثًا، ثم جاءوا ليودعوه فقال: "أَمِّروا عليكم أحدكم"، وأمر بلالًا فأجازهم بأواق من فضة، ورجعوا إلى قومهم، فرزقهم الله الإِسلام (٣).
٤٣ - وفي هذه السنة: قدم وفدُ مرة على رسول الله ﷺ -.
الشرح:
قدموا على رسول الله ﷺ سنة تسع مرجعه من تبوك، وكانوا ثلاثة عشر
стр. 516
نفرًا، رأسهم الحارث بن عوف، فأجازهم، رسول الله ﷺ بعشر أواق من فضة، وأعطى الحارث بن عوف ثنتي عشرة أُوقَيَّة، وذكروا أن بلادهم مجدبة، فدعا لهم رسول الله ﷺ ، فلما رجعوا إلى بلادهم وجدوها قد مَطَرت ذلك اليوم الذي دعا لهم فيه رسول الله ﷺ (١).
٤٤ - وفي هذه السنة: قدم وفد كلاب على رسول الله ﷺ -.
الشرح:
قدم وفد بني كلاب في سنة تسع على رسول الله ﷺ ، وهم ثلاثة عشر رجلاً، فيهم لَبيد بن ربيعة، وجَبَّار بن سَلْمى، فأنزلهم دار رَمْلَة بنت الحارث، وكان بين جبار وكعب بن مالك خُلَّة، فبلغ كعبًا قدومهم، فرحَّب بهم وأهدى لجبار وأكرمه، وخرجوا مع كعب فدخلوا على رسول الله ﷺ فسلَّموا عليه بسلام الإسلام، وقالوا: إنَّ الضحاك بن سفيان سار فينا بكتاب الله وبسنتك التي أمرته، وإنه دعانا إلى الله فاستجبنا لله ولرسوله، وإنه أخذ الصدقة من أغنيائنا فردَّها على فقرائنا (٢).
٤٥ - وفي هذه السنة: قدم وفد كنانة على رسول الله ﷺ -.
الشرح:
وَفِدَ واثلة بن الأسقع الليثي على رسول الله، فقدم المدينة ورسول الله ﷺ يتجهز إلى تبوك، فصلَّى معه الصبح، فبايع رسول الله ﷺ ورجع إلى أهله فأخبرهم، فقال له أبوه: والله لا أكلمك كلمة أبدًا، وسمعت أخته كلامه فأسلمت وجهزته، فخرج راجعًا إلى رسول الله ﷺ ، فوجده قد صار إلى
стр. 517
تبوك، فقال: من يحملني عُقبه وله سهمي؟ فحمله كعب بن عُجرة ﵁ حتى لحق برسول الله ﷺ وشهد معه تبوك، وبعثه رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى أكيدر، فغنم فجاء بسهمه إلى كعب بن عجرة، فأبى أن يقبله، وسوَّغه إياه، وقال: إنما حملتك لله (١).
٤٦ - وفي هذه السنة: قدم وفد تُجيبٍ على رسول الله ﷺ -.
الشرح:
قدم وفد تُجيب على رسول الله ﷺ سنة تسع، وهم ثلاثة عشر رجلًا، وساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فَسرَّ رسولُ الله ﷺ بهم، وأمر بلالًا أن يُحسن ضيافتهم وجوائزهم، وأعطاهم أكثر مما يُجيز به الوفد، ثم انطلقوا راجعين إلى أهليهم، ثم وافوا رسول الله ﷺ في الموسم بمنى سنة عشر (٢).
٤٧ - وفي هذه السنة: آلى النبي ﷺ من نسائه شهرًا .
الشرح:
عن عبد الله بن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَصْبَحْنَا يَوْمًا وَنِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ يَبْكِينَ، عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهنَّ أَهْلُهَا، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ مَلْآنُ مِنْ النَّاسِ، فَجَاءَ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ فَصَعِدَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي غُرْفَةٍ لَهُ فَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَنَادَاهُ فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالَ: "لَا وَلَكِنْ آلَيْتُ مِنْهُنِّ شَهْرًا" فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ثُمَّ
فَقَالَ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بنتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، فَنَزَلَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تَتُوبَا﴾ [التحريم: ٤] لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا (١).
فكان هذا هو تظاهر عائشة وحفصة ﵄ على النبي ﷺ ، وكان ذلك سبب غضبه وإيلائه من نسائه ﷺ .
وذكر ابن سيد الناس ﵀ هذا الحدث ضمن أحداث السنة التاسعة (٢).
٤٨ - وفي هذه السنة: لاعن عُوَيْمر العَجْلاني امرأته .
الشرح:
عن سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِى جَاءَ إلى عَاصِمِ بن عَدِيٍّ الْأَنْصارِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِم أَرَأَيتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ الله ﷺ ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَكَرِهَ رَسُولُ الله ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إلى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ الله ﷺ ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ: لَم تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ الله ﷺ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى جَاءَ رَسُولَ الله ﷺ وَسَطَ النَّاسِ فَقَالَ: يَا
стр. 523
رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا" قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ الله إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ذَاكُمْ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ" (١).
وذكر ابن سيد الناس ﵀ هذا الحدث ضمن أحداث السنة التاسعة (٢).
٤٩ - وفي هذه السنة: كانت سرية خالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن .
الشرح:
الذي في "الإصابة" (٣)، و"الاستيعاب" (٤)، و"أُسْد الغابة" (٥). أنَّ النبي ﷺ بعثه عاملًا على صدقات اليمن، وليست سرية. والله أعلم.
стр. 524
السنة العاشرة من الهجرة
стр. 525
السنة العاشرة من الهجرة
وفيها ثمانية وثلاثون حدثًا:
١ - في ربيع الأوَّل من هذه السنة: كانت سرية خالد بن الوليد ﵁ إلى بني عبد المدان بنجران .
الشرح:
أرسل ﵊ خالد بن الوليد في جمع لبني عبد المدان بنجران من أرض اليمن، وأمره أن يدعوهم إلى الإِسلام ثلاث مرات، فإن أبوا قاتلهم، فلما قدم إليهم بعث الركبان في كل وجه يدعون إلى الإِسلام، ويقولون: أسْلِموا تسلموا، فأسلموا ودخلوا في دين الله أفواجًا، فأقام خالد بينهم يعلمهم الإِسلام والقرآن، وكتب إلى رسول الله ﷺ بذلك فأرسل إليه أن يقدم بوفدهم ففعل (١).
وذكر ابن إسحاق هذه السرية وقال: سرية خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب بنجران في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر (٢).
٢ - وفي ربيع الأول من هذه السنة: جاء وفد الحارث بن كعب إلى رسول الله ﷺ .
الشرح:
فأقبل خالد إلى رسول الله ﷺ ، وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب،
стр. 526
منهم قيس بن الحصين، ويزيد بن عبد المَدَان، ويزيد بن المحجَّل، وعبد الله بن قُراد الزيادي، وشداد بن عبد الله القَناني، وعمرو بن عبد الله الضِّبابي، وأمَّر رسول الله ﷺ على بني الحارث بن كعب قيسَ بن الحصين، فرجع وفد بني الحارث إلى قومهم في بقية من شوال، أو في صدر ذي القعدة (١).
٣ - وفي شعبان من هذه السنة: قدم عدي بن حاتم الطائي على رسول الله ﷺ فأسلم .
الشرح:
عَنْ عَدِيِّ بن حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ الْقَوْمُ هَذَا عَدِيُّ بن حَاتِمٍ وَجِئْتُ بِغَيْرِ أَمَانٍ وَلا كِتَابٍ فَلَمَّا دُفِعْتُ إِلَيْهِ أَخَذَ بِيَدِي وَقَدْ كَانَ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ الله يَدَهُ فِي يَدِي" قَالَ: فَقَامَ فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ وَصَبِيٌّ مَعَهَا، فَقَالَا: إِنَّ لَنَا إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَامَ مَعَهُمَا حَتَّى قَضَى حَاجَتَهُمَا ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أَتَى بِي دَارَهُ فَأَلْقَتْ لَهُ الْوَلِيدَةُ وِسَادَةً فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "مَا يُضرُّكَ أَنْ تَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله؟ فَهَلْ تَعْلَمُ مِنْ إِلَهٍ سِوَى الله؟ " قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا تَفِرُّ أَنْ تَقُولَ الله أَكْبَرُ وَتَعْلَمُ أَنَّ شَيْئًا أَكبَرُ مِنْ الله؟ "، قَال: قُلْتُ: لَا، قَالَ: "فَإنَّ الْيَهُودَ مَغْضُوبٌ عَلَيهِمْ وَإِنَّ النَّصَارَى ضُلَّالٌ"، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي جِئْتُ مُسْلِمًا، قَالَ: فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ تَبَسَّطَ فَرَحًا، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِي فَأُنْزِلْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ جَعَلْتُ أَغْشَاهُ آتِيهِ طَرَفَيْ النَّهَارِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ عَشِيَّةً إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ في ثِيَابٍ مِنْ الصُّوفِ مِنْ هَذِهِ النِّمَارِ، قَالَ: فَصَلَّى وَقَامَ فَحَثَّ عَلَيْهِمْ، ثُم قَالَ:
стр. 527
"وَلَوْ صَاعٌ وَلَوْ بنصْفِ صَاعٍ وَلَوْ بِقَبْضَةٍ وَلَوْ بِبَعْضِ قَبْضَةٍ يَقِي أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ حَرَّ جَهَنَّمَ أَوْ النَّارِ وَلَوْ بِتَمْرَةٍ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإنَّ أَحَدَكُمْ لَاقِي الله وَقَائِلٌ لَهُ مَا أَقُولُ لَكُمْ أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ سَمْعًا وَبَصَرًا فَيَقُولُ: بَلَى فَيَقُولُ أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالًا وَوَلَدًا؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَيْنَ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ؟ فَيَنْظُرُ قُدَّامَهُ وَبَعْدَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ لَا يَجِدُ شَيْئًا يَقِي بِهِ وَجْهَهُ حَرَّ جَهَنَّمَ لِيَقِ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيّبَةٍ فَإنِّي لَا أَخَافُ عَلَيكُمْ الْفَاقَةَ فَإنَّ الله نَاصِرُكُمْ وَمُعْطِيكُمْ حَتَّى تَسِيرَ الظَّعِينَةُ فِيمَا بَيْنَ يثْرِبَ وَالْحِيرَةِ أَوْ أكثَرَ مَا تَخَافُ عَلَى مَطِيَّتِهَا السَّرَقَ"، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ في نَفْسِي: فَأَيْنَ لُصُوصُ طَيّىءٍ؟ (١).
وذكره الطبري (٢)، ضمن أحداث السنة العاشرة.
٤ - وفي شعبان من هذه السنة: قدم وفد خولان على رسول الله ﷺ مؤمنين مُصَدِّقين .
الشرح:
قدم وفد خولان في شعبان سنة عشر، وهم عشرة نفر، فسألهم رسول الله ﷺ -عن صنمهم الذي يقال له: عَمُّ أَنَس، فقالوا: أُبدلنا به خيرًا منه، ولو قد رجعنا لهدمناه، وتعلَّموا القرآن والسنة، فلما رجعوا هدموا الصنم، وأحلوا ما أحل الله، وحرموا ما حرم الله (٣).
стр. 528
٥ - وفي رمضان من هذه السنة: قدم وفد غامد على رسول الله ﷺ -.
الشرح:
قدم وفد غامد على رسول الله ﷺ في شهر رمضان، وهم عشرة، فنزلوا ببقيع الغرقد، ثم لبسوا من صالح ثيابهم، ثم انطلقوا إلى رسول الله- ﷺ ، فسلَّموا عليه وأقرُّوا بالإِسلام، وكتب لهم رسول الله ﷺ -كتابًا فيه شرائع الإِسلام، وأتوا أبي بن كعب فعلَّمهم قرآنًا، وأجازهم رسول الله ﷺ كما يجيز الوفد وانصرفوا (١).
٦ - وفي رمضان من هذه السنة: اعتكف رسول الله ﷺ عشرين يومًا، وعارضه جبريل ﵇ بالقرآن مرَّتين .
الشرح:
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عُرِضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ (٢).
٧ - وفي رمضان من هذه السنة: قدم وفد غسَّان على رسول الله ﷺ -.
الشرح:
عن عدي بن بكير الغساني عن قومه غسان قالوا: قدمنا علي رسول الله ﷺ في شهر رمضان سنة عشر، المدينة، ونحن ثلاث نفر، فنزلنا دار رملة بنت
стр. 529
الحارث، فإذا وفود العرب كلهم مصدقون بمحمد ﷺ ، فأتينا رسول الله ﷺ ، فأسلمنا وصدقنا، وشهدنا أن ما جاء به الحق، ولا ندري أيتبعنا قومنا أم لا، فأجاز لهم رسول الله ﷺ بجوائز وانصرفوا راجعين، فقدموا على قومهم فلم يستجيبوا لهم، فكتموا إسلامهم حتى مات منهم رجلان مسلمين وأدرك واحد منهم عمر بن الخطاب عام اليرموك، فلقي أبا عبيدة فخبَّره بإسلامه فكان يكرمه (١).
٨ - وفي رمضان من هذه السنة: كانت سرية عليِّ بن أبي طالب ﵁ إلى اليمن، فأسلمت على يده هَمْدان كلُّها في يوم واحد .
الشرح:
عن البراء بن عازب ﵄ قال: بعث رسولُ الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإِسلام، قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإِسلام، فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله ﷺ بعث عليَّ بن أبي طالب، وأمره أن يُقفل خالدًا، إلا رجلاً كان ممن مع خالد فأحبَّ أن يُعَقب مع عليٍّ فَلْيُعَقِب معه، قال البراء: فكنت فيمن عَقَّب مع عليِّ، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلَّى بنا عليٌّ، ثم صفنا صفًا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا، وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان جميعًا، فكتب عليٌّ إلى رسول الله بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خَرَّ ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: "السلام على همْدان، السلام على همْدان" (٢).
стр. 530
٩ - وفي رمضان من هذه السنة: قدم جرير بن عبد الله البَجَليُّ ﵁ على رسول الله ﷺ مسلمًا، فبعثه رسول الله ﷺ إلى ذي الخلصة فهدمها .
الشرح:
عن جَرِير بن عبد الله ﵁ قال: لَمَّا دَنَوْتُ مِنْ الْمَدِينَةِ أَنَخْتُ رَاحِلَتِي، ثُمَّ حَلَلْتُ عَيْبَتِي، ثُمَّ لَبِسْتُ حُلَّتِي، ثُمَّ دَخَلْتُ فَإِذَا رَسُولُ الله ﷺ يَخْطُبُ، فَرَمَانِي النَّاسُ بِالْحَدَقِ (١)، فَقُلْتُ: لِجَلِيسِي. يَا عبد الله ذَكَرَنِي رَسُولُ الله ﷺ ؟ قَالَ: نعَمْ ذَكَرَكَ آنِفًا بِأَحْسَنِ ذِكْرٍ؛ فَبَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ إِذْ عَرَضَ لَهُ في خُطْبَتِهِ، وَقَالَ: "يدخلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ- أَوْ مِنْ هَذَا الْفَجِّ- مِنْ خَيْرِ ذِي يَمَنٍ إِلَّا أَنَّ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةَ مَلَكٍ" (٢).
قَالَ جَرِيرٌ: فَحَمِدْتُ الله عَلَى مَا أَبْلَانِي (٣).
قال ابن حجر ﵀ -:
جزم الواقديُّ بأنه وَفِدَ على النبي ﷺ في شهر رمضان سنة عشر ....
وفيه عندي نظر؛ لأنَّ شريكًا حدَّث عن الشيباني، عن الشعبي، عن جرير؛ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "إنَّ أَخَاكُمْ النَّجَاشِي قَدْ مَاتَ ... " الحديث.
أخرجه الطبراني (٤)، فهذا يدل علئ أن إسلام جرير كان قبل سنة عشر؛ لأن