← Сира

Сира · id 122396

السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية

أكرم العمري

Полный текст (707 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

السِّيرةُ النَّبَويَّةُ الصَّحيْحَةُ مُحَاوَلَةٌ لِتَطبِيْقِ قَوَاعِدِ المُحَدِّثيْنَ فِيْ نَقْدِ روَايَاتِ السِّيْرَةِ النَّبَويَّةِ تَأليف الدكتور أكرم ضياء العمري الجزْء الأَوَّل النَاشِر مَكتَبة العُلوم وَالحِكْمَ المدَينَة المُنَوَّرة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

السِّيرةُ النَّبَويَّةُ الصَّحيْحَةُ (١)

стр. 4

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة السادسة ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م مَكتَبة العُلوم وَالحِكْمَ ص. ب٦٨٨ هاتف:٨٤٧٣١٤٨ - ٨٢٦٣٣٥٦ المدَينَة المُنَوَّرة - المملكة العربية السعودية

стр. 5

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قرآن كريم

стр. 7

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾. * * *

стр. 8

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

стр. 9

المقَدّمَة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. إن الاهتمام بكتابة السيرة النبوية ظهر مبكراً في تاريخ الإسلام، وقد تناولها بالتصنيف المؤرخون والمحدثون في القرون الأولى. وتمتاز كتابات المؤرخين مثل الواقدي والبلاذري بالعناية بمراعاة ترتيب الأحداث ترتيباً زمنياً وموضوعياً، في حين تظهر التجزئة للأحداث في كتابات المحدثين الذين التزموا بقواعد الرواية وتمييز الأسانيد عن بعضها، وربما قطَّعوا الرواية الواحدة فخرجوا بعضها في مكان وبقيتها في مكان آخر لموضوعات (تراجم) مؤلفاتهم، كما يظهر ذلك جلياً في قسم المغازي الذي كتبه الإمام البخاري ضمن صحيحه، ويظهر بصورة أخف في صحيح الإمام مسلم بسبب عنايته الخاصة بسرد المتون الطويلة وتحرير ألفاظها. لأنه أقل عناية من البخاري بتقطيع الرواية حسب تراجم كتابه. وبعض المؤلفين جمع بين صفتي المحدث والمؤرخ مثل محمد بن إسحاق وخليفة بن خياط، ويعقوب بن سفيان الفَسَوى، ومحمد بن جرير الطبري، وهؤلاء أفادوا من منهج المحدثين بالتزام سرد الأسانيد ومحاولة إكمال صورة الحادث عن طريق جمع الأسانيد أحياناً أو سرد الروايات التي تشكل وحدة موضوعية تحت عناوين دالة. ولكن سائر الذين كتبوا في السيرة اهتموا بجمع ما أمكنهم من الروايات وتدوينها دون أن يشترطوا الصحة فيما يكتبونه، وأحالوا القارئ على الأسانيد التي أوردوها ليعرف الصحيح من الضعيف، ويشذ عن ذلك البخاري ومسلم حيث شرطا الصحة فيما روياه من روايات السيرة ضمن كتابيهما في الصحيح.

стр. 10

وكان المتخصصون في القرون الأولى يعرفون الرواة وأحوالهم والأسانيد وشروط صحتها، فكان بوسعهم الحكم على الروايات وتمييزها، لكن هذه المعرفة بالرجال والأسانيد لم تعد من أسس الثقافة في القرون المتأخرة، بل يندر أن تجد من يهتم بذلك من مثقفي هذا العصر، لذلك جاءت كتابات المعاصرين من الكتاب والمؤرخين خلواً من تمييز الروايات وفق قواعد مصطلح الحديث، ولكن كبار المؤرخين في عصرنا يترسمون مناهج (النقد التاريخي) الذي ظهر ونما في الغرب خلال القرنين الأخيرين، وهم يتعاملون مع روايات السيرة من خلال هذه المناهج النقدية التي وضعت بعد استقراء الكتابات التاريخية الغربية، ولم تكيف للتعامل مع الرواية التاريخية الإسلامية التي لها سماتها الخاصة والتي من أبرزها وجود سلاسل السند التي تتقدم الرواية عادة، والتي يعتمد منهج المحدثين عليها بالدرجة الأولى في الحكم على الرواية بالصحة أو عدمها. مما أدى إلى ظهور مكتبة ضخمة مَعْنِيَّة بتراجم الرواة وبيان أحوالهم وإمكان التقائهم ببعضهم أو عدمه، والحكم عليهم من خلال استقراء مروياتهم بالإضافة إلى رأي معاصريهم فيهم، وهذه الثورة الهائلة من المعلومات والمكتبة النفيسة ظلت بمعزل عن الإفادة منها في الدراسات التاريخية المتعلقة بتاريخ الإسلام ومنها دراسات السيرة. وما أعظمها من خسارة أن نئد جهود المئات من كبار العلماء الذين قدموا لنا هذه الخدمة الخاصة بالتعامل مع "الرواية التاريخية الإسلامية". بسبب جهلنا بقيمتها والتزامنا الحرفي بمنهج النقد التاريخي الغربي. (Historical Method) وهنا تلزم الإشارة إلى أن إهمال نقد الأسانيد في الرواية التاريخية الإسلامية والاكتفاء بنقد المتون يوقعنا في حيرة أمام الروايات الكثيرة المتعارضة عندما تكون متونها جميعاً متفقة مع المقاييس والقواعد النقدية العقلية، وهذا يحدث مع كثير من تفاصيل الأحداث التأريخية، وخاصة المتعلقة بتاريخ صدر الإسلام. إن ذلك يحتم علي الباحث استعمال منهج المحدثين في نقد الأسانيد وإلا فإنه سيقف أمام العديد من المشاكل دون حل أو ترجيح.

стр. 11

إن هذا لا يعني غمط النقد الغربي حقه، والتعسف في الحكم عليه، فلا شك أنه ثمرة عقول مفكرين كبار، طوروه من خلال التجربة والاستقراء، فأضاف اللاحق منهم على السابق حتى وصل إلى ما وصل إليه من تكامل وشمول وعمق، وهو يلتقي في كثير من جزئياته وقواعده وأصوله بمنهج العلماء المسلمين الذين سبقوا الغربيين في هذا الميدان بعدة قرون، مما يدل على جذور التأثير الإسلامي في الفكر الأوروبي منذ أن حصل التماس بين الغرب وحضارة الإسلام في العصور الوسطى الأوروبية. خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن منهج البحث العلمي عند المسلمين لا يقتصر على معطيات مدرسة المحدثين، فهناك معطيات أخرى يقدمها علماء أصول الفقه في منهجهم المنطقي العقلي وتتبلور في كتب أصول الفقه، ومعطيات يقدمها علماء الطب والفلك والرياضيات المسلمون وتتمثل في منهج البحث التجريبي، وهو المنهج الذي ارتبط في تاريخ الفكر الغربي باسم العالم روجر بيكون الذي عول في دراسته على كتب العرب وحدها كما يصرح غوستاف لوبون (١)، وهو المنهج الذي يرجع إليه الفضل في بلوغ حضارة الغرب المادية إلى مستواها التقني الرائع. ولكن الذي يهم هذه المقدمة منهج المحدثين الذي يهتم مباشرة بالتعامل مع "الرواية الحديثية" وبالتالي يمكن سحبه إلى أقرب ميدان ليتعامل مع "الرواية التأريخية" وهو الذي يلتقي كثيراً مع "منهج البحث التاريخي". وقد استقر منهج المحدثين في كتب مصطلح الحديث منذ القرن الخامس للهجرة على يد الخطيب البغدادي، ولم تلحق به إضافات أساسية، وإن أعيدت الصياغة والترتيب لأغراض مدرسية على يد ابن الصلاح والقاضي عياض، وجرت إضافات دقيقة نتيجة تطبيق الحافظ الذهبي والحافظ ابن كثير ومن بعدهما الحافظ ابن حجر لهذا المنهج في مؤلفاتهم، ولكن المنهج لم يتعرض لتعديل

стр. 12

جوهري، بل تعتبر إضافات الذهبي وابن كثير وابن حجر في جزئيات القواعد العامة، وهي إضافات مهمة تعطينا تصوراً لما كان يمكن أن يصل إليه هذا المنهج من الاكتمال لو استمرت الحركة الفكرية نشيطة في "عالم الإسلام" ولم يتوقف إبداعها ونموها في عصور التخلف الطويلة. إن الجمع بين معطيات منهج المحدثين ومنهج النقد الغربي يعطي أمثل النتائج إذا حَكَمت الأخير معايير التصور الإسلامي، ولا شك أن الدراسات التاريخية الإسلامية الحديثة ومنها دراسات السيرة النبوية ما زالت في بداية الطريق، وهي تحتاج إلى جهود هائلة للارتقاء بها إلى مستوى الدراسات التاريخية العالمية. ويكفي أن القارئ لدارسة حديثة في السيرة لا يكاد يحس فرقاً مهماً بينها وبين كتاب سيرة ابن هشام أو زاد المعاد على تباين أسلوب ومنهج الكتابين، رغم التطور الهائل في الدراسات الاجتماعية في العصر الحديث. وما تقدمه العلوم الحديثة من معطيات ضخمة تخدم الدراسات الاجتماعية، وللأسف فإننا نعيش على حافة العالم الحديث ولم نجرؤ على اقتحامه لنفيد من معطياته الثرية المتنوعة، مع أن ما ورثناه من أسلافنا في حقل التأليف التاريخي أعظم بكثير مما ورثه المؤرخون الغربيون عن أسلافهم. وإذا كان النقد التاريخي يبدو ضعيفاً في دراساتنا، فإن التحليل للروايات والتعامل معها يبدو أكثر قصوراً، بسبب النظرة التجزيئية للقضايا والسطحية في التعامل مع الروايات وعدم وضوح التصور الإسلامي لحركة التاريخ ودور الفرد والجماعة والعلاقة الجدلية بين القدر والحرية وقانون السببية والربط بين المقدمات والنتائج. فضلاً على أن الكتب التاريخية القديمة لا تمدنا بمنحى واضح في التحليل والتصور الكلي بسبب اعتمادها على سرد الروايات فقط، إذ قلما يشير المؤرخ الإسلامي القديم للسنن والنواميس والقوانين الاجتماعية التي تحكم حركة التاريخ رغم أن القرآن الكريم لفت نظر المسلمين إلى ذلك كله بوضوح بل أن أحدا من مؤرخي الإسلام لم يحاول إعادة صياغة النظرة القرآنية للتاريخ وتقديم

стр. 13

الوقائع والتطبيقات والشواهد التاريخية عليها بشكل نظريات كلية حتى وقت متأخر عندما كتب ابن خلدون مقدمته، رغم أن المفكرين المسلمين تعاملوا مع الفلسفة والمنطق منذ القرون الأولى وأفادوا منها في بناء علوم اللغة وأصول الفقه بوضوح وتصرفوا في ذلك بعقليتهم اليقظة التي تنفي ما يناقض المعتقد الإيماني والتصور الإسلامي، ونجحوا في ذلك إلى حد كبير، وكان نجاحهم في تخطي التجربة يرتبط بمدى وضوح العقيدة وصفائها في عقولهم. ويرى العديد من الدارسين -وخاصة المستشرقين- أن علماء المسلمين عنوا بنقد أسانيد الروايات وأهملوا نقد متونها، وقد يتصور البعض أن غياب العقلية النقدية هو سبب إهمال محاكمة المتن، وهنا يلزم الانتباه إلى أن هذا الكلام ليس على إطلاقه، فرغم توسع علماء المسلمين في نقد الأسانيد إلا أنهم لم يهملوا نقد المتون ومحاكمتها، بل عنوا بذلك أيضاً، ويصعب حصر الشواهد على ذلك لكثرتها، ولكن لا بأس من الإشارة إلى بعض المحاكمات التاريخية التي استندت إلى نقد المتن. لقد رفض ابن حزم الرقم الذي ذكرته المصادر الكثيرة عن عدد جند المسلمين في غزوة أحد بناء على محاكمة المتن وفق أقيسة عقلية بحتة. وقدَّم موسى بن عقبة غزوة بني المصطلق إلى السنة الرابعة مخالفاً معظم كتاب السيرة الذين يجعلونها في السنة السادسة، وتابعه ابن القيم والذهبي بناء على نقد المتن، حيث اشترك سعد بن معاذ بالغزوة وقد استشهد في أعقاب غزوة بني قريظة. وقد وقع اختلاف في تاريخ غزوة ذات الرقاع بين قدامى المؤرخين بناء على محاكمة المتن، فأخرها البخاري، وتابعه ابن القيم وابن كثير وابن حجر إلى ما بعد خيبر، خلافاً لرأي ابن إسحق والواقدي، بناء على اشتراك أبي موسى الأشعري وأبي هريرة فيها، وقد قدما على النبي ﷺ بعد فتح خيبر مباشرة.

стр. 14

وجرت مناقشات مستفيضة حول تاريخ تشريع صلاة الخوف ومعظمها مبني على محاكمة المتن. وقد كشف الخطابي عن نسخ تحريم وادي وج بالطائف بناء على محاكمة المتن. وهذه الموضوعات يمكن مراجعتها في مظانها من هذا الكتاب فهي نماذج مستقاة منه. وهناك نماذج أخرى لا يتسع المقام لسردها، ولكن لا بد من الاعتراف بحقيقة تاريخية وهي أن القرون الثلاثة الأولى انصب فيها جهد المؤرخين على جمع الروايات وتدوينها وتصنيفها في الكتب، مع قدر من الانتقاء، يتضح من المقابلة بين المؤلفات ومصادرها الأقدم، حيث يُسقط المتأخر مجموعة من روايات المتقدم، كما فعل ابن هشام مع ابن إسحق، والطبري مع مصادره الأولية. ورغم أن الانتقاء نفسه يمثل عملاً نقدياً إلا أن الجهد الضخم الذي بذل في تثبيت الروايات وحفظها في الكتب استنفد طاقة الأوائل من المؤرخين، وقام المتأخرون منهم بدور التلخيص لأعمال الأوائل والتذييل عليهم. وتبرز في مؤلفات متأخرة محاكمات دقيقة للمتون كما يتضح ذلك بجلاء لمن يطلع على (البداية والنهاية) لابن كثير و (فتح الباري) للحافظ ابن حجر في شرحه لقسم المغازي من صحيح البخاري، ولكن ذلك لا يعني أن نقد المتن تم بنفس التوسع الذي فازت به نصوص التاريخ الأوروبي في القرنين التاسع عشر والعشرين، بعدما اكتملت مناهج النقد التاريخي، ولكن هل من الإنصاف أن تُقَوَّمَ جهود القدامى بمقاييس حديثة هي من منجزات التقدم العلمي في كل ميدان عبر عدة قرون؟! ومع ذلك فإن تقويم العقلية النقدية عند علماء المسلمين القدامى ينبغي ألا يتم من خلال الكتب التاريخية وحدها، وإنما ينظر إلى جملة النتاج الفكري في الفقه والفقه المقارن (كتب أحاديث الأحكام) فلا شك أن كتب الفقه ركزت

стр. 15

على المتون تركيزاً عظيماً تفسيراً وتوضيحاً وإعراباً واستنباطاً. ومن الواضح أن عمل المحدثين والفقهاء يتكامل، فلا بد للمنصف أن يعترف بأن السنة النبوية نالت عناية عظيمة ومتوازنة من قبل العلماء المسلمين. وتتضح في كتب أصول الفقه المحاكمات الدقيقة للمتون التي تكشف عن عقلية نقدية فذة، وإذا كان المؤرخون القدامى معظمهم له جهود في حقول العلوم الإسلامية الأخرى، فإن الحكم عليهم ينبغي أن يكون من خلال تقويم جملة نتاجهم الفكري مع مراعاة عنصر الزمن حتى لا يغمطوا حقهم من التقويم. وأيضاً لا بد من توضيح أن الجانب النظري لنقد المتن كان متبلوراً إلى حد كبير منذ القرون الأولى في كتب مصطلح الحديث كما في أقسام المدرج والمعلل والمضطرب والشاذ والمنكر والموضوع وغيرها مما يدور الكلام فيها على نقد الأسانيد والمتون معاً، ولكن القصور كان في تطبيق ذلك عملياً عند التعامل مع الرواية التأريخية التي لم تحظ بنفس القدر من النقد الذي حظيت به الأحاديث النبوية. ولابد أيضاً من الإشارة إلى الموقف من المعجزات النبوية وإثباتها حيث أن للرسول ﷺ معجزات كثيرة وإن كان القرآن معجزته الدائمة الباقية. إنَّ إثبات المعجزة الخالدة (القرآن الكريم) ونفي بقية المعجزات الثابتة بالنقل الصحيح إنما هو في الحقيقة خضوع وانصياع للفكر المادي والفلسفات الوضعية، ولا بد للمسلم من الاستعلاء والاعتزاز الذي يحقق له الاستقلال التام في النظر والبحث العلمي. ومن ثم فإن هذا البحث عُنِيَ بإثبات المعجزات جميعها عندما تثبت بالنقل الصحيح. وقد اهتم البحث بالإشارة إلى الأحكام الفقهية وتاريخ تشريعها، لأن التاريخ للسيرة ينبغي أن يعني بالجانب التشريعي الذي يحتكم إليه المجتمع ويوضح الضوابط الخلقية والقانونية التي تحكم حركة الأفراد والجماعات ولا يمكن الفصل بين الجانب السياسي والعسكري والجانب الخلقي والتشريعي

стр. 16

خاصة في القرون الأولى من تاريخ الإسلام حيث تتشابك العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية بالعقيدة والشريعة تشابكاً وثيقاً بحيث يصعب فهم حركة التاريخ في تلك المرحلة دون فهم روح الإسلام ومبادئه. وقد لاحظ البحث إعطاء مساحة مناسبة لحركة الفرد إلى جانب الحركة الجماعية فمن خلال بعض الشخصيات تظهر ملامح وأبعاد الحركة التاريخية لقوة فاعليتهم وأثرهم في دفع عجلة التاريخ، فليس من الصحيح إهمال أخبار الأبطال التاريخيين بحجة أنهم مجرد دمى في حركة المجتمع الواسعة. ولكن هؤلاء الأفراد لم يبرزوا لمجرد تفوقهم وامتيازهم على أقرانهم ووجود الاستعداد عندهم، إذ ما كانت هذه السمات المميزة لتظهر لولا العقيدة التي مست شغاف قلوبهم وأوقدت وهجاً منيراً في عقولهم وبصيرة عميقة في نفوسهم، فكان أن حدث التغيير الكبير في بناء الشخصية العربية ومقوماتها، وهذا الفهم سيعطي الفضل الأكبر للعقيدة ويمنع الانزلاق نحو تمجيد "الفردية" والإغراق في غرس نزعة الاستعلاء والغرور. ويكفي أن الرسول ﷺ وهو بطل الأبطال كان ينحني لله تعالى ويخشع بالدعاء ويرد إليه الفضل أولاً وآخراً في كل نصر وفتح. ولا يجد القارئ أي اهتمام بالرد على الشبهات التي أثارتها بعض الدراسات الحديثة في موضوعات السيرة وخاصة دراسات المستشرقين سواء كانت نتيجة تعسف في تفسير النصوص والأحداث بسبب الأهواء الدينية والعنصرية أو بسبب سوء فهم للغة العربية أو للإسلام وأحكامه ونظمه ومقاصده، وذلك لأن هذا المؤلَّف قصد إِلى رسم معالم السيرة بصورة صحيحة، وهو جانب إيجابي يستحق أن يُفْرَد فيه مصنف، ولا يعني ذلك التقليل من أهمية تصحيح الأخطاء سواء كانت عفوية أم مقصودة، وقد نهضت بهذا العبء دراسات أخرى في الموضوع، وإن كنت أعتقد أن الاهتمام بالتاريخ الإسلامي ينبغي أن ينصب أولاً على إعادة البناء قبل تناول الشبهات.

стр. 17

إن هذه الدراسة التي أقدم لها لا تمثل طموحي، ولكنها محاولة للإفادة من منهج المحدثين في نقد الرواية التاريخية، ويظهر بها التركيز على نقد الأسانيد والرواة إلى جانب نقد المتن، وخاصة في عملية الانتقاء من مجموع الروايات الضخمة التي دونها القدامى في السيرة. إذ أن الاعتماد على الروايات التي صححها النقاد القدامى أحياناً، أو الإفادة من منهجهم في تصحيح أو تضعيف ما لم يحكموا عليه من الروايات، هو أهم ما تهدف إليه هذه الدراسة، لينال البحث ثقة القارئ، وليعطي أصدق صورة عن السيرة. وقد تبرز معان خلقية ودينية مؤثرة في الروايات التي أهملتها، لكنني لم أكترث لذلك ما دامت ضعيفة الثبوت، وقد ظهر جلياً أن الاعتماد على صحيح الروايات وحسنها يكفل توضيح الأبعاد التاريخية للسيرة النبوية دون حاجة إلى الضعيف من الروايات. ويلاحظ القارئ أن الروايات الضعيفة من الناحية الحديثية لم تستبعد نهائياً بل تمت الإفادة منها في الموضوعات التي لا تتعلق بالعقيدة أو الشريعة، حيثما لم نجد روايات صحيحة وفق معايير المحدثين، حيث يمكن التعامل معها وفق معايير منهج النقد التاريخي. ويلاحظ الاهتمام في الدراسة بنقل الخبر عن شاهد عيان مشارك بالحادثة، وهو منهج معتبر في الدراسات التاريخية المعاصرة، كما أنه معتبر في الدراسات الحديثية في القرون الهجرية الأولى، ونلحظ أن الإمام البخاري في صحيحه كثيراً ما يختار الرواية من طريق الصحابي المشارك بالحادثة، كما فعل في نقل قصة الإفك عن عائشة ﵂، وسبب نزول سورة المنافقين عن زيد ابن الأرقم، وسبب نزول سورة الجمعة عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وقصة نزول سورة التحريم عن عائشة، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة (١). فشاهد

стр. 18

العيان أدق رواية إذ تشترك الحواس العديدة من العين والسمع واللمس في ضبط الخبر ... وهذا أقوى من النقل بواسطة السمع فقط كما يحدث عندما يغيب عن الرواية شاهد العيان. إن هذه الدراسة لم تبن على انتقاء للروايات يرتبط بخدمة فكرة معينة ويهدف لتحقيق كسب (ايديولوجي) بل إنه انتقاء للقوى من الروايات سواء عومل بمعايير المحدثين أو بمعايير النقد التاريخي. وبالتالي فإن الصورة التي ستعطيها الروايات هي أقرب الصور إلى الحقيقة التاريخية، خاصة أن فهمها والاستنباط منها تم وفق أساليب العربية وقواعدها دون أي تعسف أو تمحل في التفسير. وينبغي الانتباه إلى أن الانتقاء عندما يتم وفق قواعد صارمة، فإنه يدع مجالاً لتفلت العديد من النصوص التاريخية التي يمكن التعامل معها وفق معايير أقل صرامة، ومن ثم فإن قراءة نصوص الواقدي وفق منهج النقد التاريخي تتيح الفرصة لإضافات أخرى لمادة السيرة، وهذا ينطبق على الروايات التي أوردها ابن إسحق دون إسناد، كما ينطبق على روايات ابن سعد التي نقلها عن ابن الكلبي ... إن هؤلاء الرجال المتخصصين في فن السيرة قد عوملوا من قبل النقاد القدامى بتساهل كبير بغية الإفادة من رصيدهم التاريخي الهائل. إن الأمور المتفق عليها بين هؤلاء الإخباريين يمكن أن تحتل مكانها في الدراسات التاريخية ما لم تتعلق بالعقيدة أو الشريعة .. أما بخصوص الآيات التي استشهدت بها في هذه الدراسة فقد راجعت الروايات المتعلقة بأسباب النزول وأثبت ما تبين أنه نزل في الحادثة التاريخية أو تعقيباً عليها.

стр. 19

وقد نبه الحافظ ابن حجر إلى أنه "يوجد كثير من أسباب النزول في كتب المغازي، فما كان منها من رواية معتمر بن سليمان عن أبيه - يعني سليمان بن طرخان التيمي صاحب السيرة- أو من رواية إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبه، فهو أصلح مما فيها من كتاب محمد بن إسحاق، وما كان من رواية ابن إسحق أمثل مما فيها من رواية الواقدي" (١). ومعنى أسباب النزول ذكر الأحداث والأسئلة التي نزل بشأنها وقت وقوعها (٢) أو بعده بيسير (٣). ولكن دراسة روايات أسباب النزول لإفادة منها تاريخياً تقف أمامها عوائق عديدة أهمها الاختلاف القديم حول سبب نزول العديد من الآيات. وخاصة عندما تتعارض الروايات الصحيحة في هذا المجال كما يحدث في كتاب التفسير من صحيح البخاري. وعندما يصار إلى محاولة الجمع بالقول بتعدد المرات التي نزلت فيها الآية الواحدة (٤) فالقصص قد تتعدد، والأحداث المتماثلة تتوالى في وقت متقارب، مما يحتاج إلى جواب أو فتيا، فتنزل الآية لتجيب أصحاب الوقائع عن حكم ما حدث لهم. لذلك قال ابن حجر: "لا مانع أن تتعدد القصص ويتعدد النزول" (٥).

стр. 20

وتجدر الإشارة إلى أن صحيح البخاري من أوسع كتب السنة التي استقصت روايات أسباب النزول إضافة إلى أنها في أعلى درجات الصحة (١). وأن أوسع الصحابة رواية لأسباب النزول هو ابن عباس (٢). ويلي صحيح البخاري في كثرة العناية بأسباب النزول مستدرك الحاكم (٣) ومعظم ما أورده الحاكم من حديث ابن عباس (٢٩ رواية) ويليه حديث عائشة (٧ روايات). أما أوسع كتب السنة رواية لأسباب النزول فهو مسند أحمد (٢٨ رواية) معظمها صحيح وقليل منها ضعيف، حيث أورد معظم ما أورده البخاري وزاد عليه (٤). وتبقى كتب التفسير التي تكفلت ببيان أسباب النزول سواء كانت الرواية مرفوعة أو موقوفة على الصحابة شاهدي العيان أم كانت موقوفة على التابعين فمن بعدهم، وخاصة تفسير الطبري الذي احتوى على خمسمائة سبب نزول غير مكررة (٥) وقد يخرج للآية الواحدة خمسة أسباب لكنه لا يلتزم صحة الروايات، وأكثرها موقوف أو مقطوع (٦). والآيات التي وردت روايات صحيحة مسندة إلى الصحابة في أسباب نزولها لا تكاد تبلغ الثلاثمائة من عدد آي القرآن (٦٢٠٠ آية) (٧). وقد اختصت بعض الكتب بحصر الروايات في أسباب النزول وهي: "أسباب النزول" للواحدي، و"لباب النقول" للسيوطي، و"العجاب في الأسباب" لابن حجر العسقلاني، وهذه الكتب هي العمدة في هذا الفن، وقد بلغت زيادات السيوطي على الواحدي ٣٧٠ رواية (٨). * * *

стр. 21

لقد قمت بتدريس السيرة النبوية عشرين سنة في كلية الآداب بجامعة بغداد أولا ثم في الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وقد دونت محاضراتي لطلبة الجامعتين، ونقحتها مراراً، ونشرت بعض الموضوعات منها (١). على أمل أن أعيد النظر فيها لإعدادها للنشر كاملة، ثم واتتني الفرصة لإعادة كتابة قسم السيرة منها بعد أن أشرفت على رسائل العديد من طلبة الدراسات العليا لمرحلتي الماجستير والدكتوراه في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وقد وجهت تلك الرسائل إلى نقد مرويات السيرة النبوية وتحكيم مناهج النقد عند المحدثين فيها. فكانت محاولة ضخمة طبقت فيها تلك القواعد على سائر الروايات التي أوردتها كتب الحديث والتاريخ والتراجم والأدب عن السيرة، وتقع هذه الرسائل في أكثر من ستة آلاف صفحة (فلوسكاب) وقد استغرق تنفيذ هذا المشروع أكثر من عشر سنوات (١٩٧٦ - ١٩٨٨)، ويعتبر أعظم إنجاز في توثيق مرويات السيرة النبوية رغم ما يكتنف التجارب الأولى من قصور في العادة (٢)، وأملي كبير في أن يتمكن الباحثون من تطوير هذا الإنجاز والإفادة منه

стр. 22

ليتم إعادة تحليل السيرة وعرضها من جوانبها المختلفة بالاعتماد على الروايات الموثقة ووفق التصور الإسلامي الصحيح للأحداث والدوافع والسمات. لقد أغنت هذه الرسائل الجامعية تجربتي في كتابة السيرة، ومكنتني من الاستقراء الشامل من جديد لسائر مرويات السيرة مع الموازنة بينها والتأمل فيها خلال عشر سنوات انصرمت. وما زال العديد من الرسائل يكتب في السيرة بإشرافي. وإنني آمل أن يفيد المعنيون بكتابة السيرة النبوية من هذه الرسائل الجامعية في تقديم دراسات تحليلية نافعة، وهو الجانب الذي ما زال بحاجة إلى عناية كبيرة من قبل الكتاب المتمرسين وأصحاب الأقلام الراسخين والمفكرين الناضجين وذلك خدمة للسيرة النبوية وتعميقاً للمعاني السامية التي تحتاجها الأجيال الصاعدة

стр. 23

بدرجة لا تقل عن الضرورات من وسائل المعيشة التي تسعى تكنولوجيا العصر إلى تهيئتها للإنسان، إذ إنما يمتاز الإنسان بروحه وعقله وهما ينموان بالمعاني التي تغذيهما كما يغذي الطعام الجسد وإلا فإن إنسان الغد سيتحول إلى جسد بلا روح. إن التخلف في مستوى النتاج الفكري الإسلامي لن يؤدي إلا إلى رضاع الأجيال من لبان العقول الغربية التي تشبعت عبر قرون طويلة بجفاف المادية القاتلة والبُعد عن الله تعالى والتمرد على القيم الروحية والانقياد للفكر الوضعي الحائر. وإن ما صارت إليه المجتمعات الغربية المعاصرة من أخطار اجتماعية وخلقية هو نتاج الشجرة المسمومة التي غذتها الأفكار العلمانية فلا بد أن يسعى مفكرونا لتجنيب أجيالنا أن تمر في نفس الأطوار الاجتماعية التي مرت بها أوروبا .. وخير سلاح أن ترضع الأجيال المعاصرة من لبان الإسلام وفكره فهو خير سبيل للوقاية من أخطار المادية القاتلة. وأملي كبير في نقد هذه التجربة وتقويمها من قبل العلماء المدققين والباحثين المعنيين بدراسات السيرة والتاريخ الإسلامي للإفادة من آرائهم في هذا الشأن إذ ما زلنا في أول الطريق نحو تطبيق منهج المحدثين في نقد الروايات التاريخية في القرون الأولى، وهو أمر عسير يحتاج إلى استيعاب دقيق لمصطلح الحديث، ومرونة في التعامل وفقه مع الرواية التاريخية. لقد سبق أن نشرت المقدمة والبابين الأول والثاني من (السيرة الصحيحة) بعنوان (المجتمع المدني) ولكنني في هذه الطبعة الجامعة نقحت ما سبق نشره وضممت إليه فوائد جديدة. والله أسأل أن يتقبل عملي ويجعله من حسناتي في حياتي وصدقاتي بعد مماتي إنه خير مأمول وأعظم مسئول، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الدكتور أكرم ضياء العمري المدينة المنورة.

стр. 24

منهج كتابة تاريخ صدر الإسلام ومصادر السيرة النبوية

стр. 25

منهج كتابة تاريخ صدر الإسلام . من الثغرات التي انتبه لها المفكرون المسلمون في بداية الستينات من هذا القرن قضية إعادة صياغة التاريخ الإسلامي وفق التصور الإسلامي لحركة التاريخ من ناحية التفسير التاريخي، ووفق مناهج المحدثين من ناحية البحث في التاريخ الإسلامي ... ولا شك أن تقديم المقترحات والملاحظات حول إعادة صياغة التاريخ الإسلامي خلال أربعة عشر قرناً في غاية الصعوبة، لطول الفترة الزمنية من ناحية، ولتنوع المصادر واختلافها من حيث التنظيم وطرق العرض واختلاف الجوانب التي تستحق التركيز عليها في كل حقبة، وظهور انحراف عن الإسلام في الحياة السياسية منذ فترة مبكرة، ثم انحرافات أخرى في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية في الفترات المتأخرة، ثم انحراف أخطر عن العقيدة والشريعة في القرن العشرين، مما يؤثر في تفسير دوافع حركة "التاريخ الإسلامي". ولذلك سأقصر كلامي على إعادة صياغة تاريخ صدر الإسلام ويشتمل على السيرة النبوية المطهرة وعصر الراشدين حيث يقوي تأثير العقيدة في دوافع سلوك المسلمين من ناحية، كما أن المصادر تتشابه من ناحية التزامها بسوق الروايات تتقدمها الأسانيد على طريق المحدثين في الغالب، وكذلك لخطورة تاريخ صدر الإسلام حيث يمثل التطبيق الصحيح لتعاليم الإسلام الكاملة الشاملة، فهو الصورة النموذجية والمثال الذي نسعى بمجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة للوصول إليه، وسأتعرض لبعض ملامح التصور الإسلامي للتفسير التاريخي، ثم أتعرض لمنهج البحث الافتراضي وفق قواعد مصطلح الحديث مع تمهيد لذلك ببيان الحاجة إلى كتابة تاريخنا بأقلام إسلامية. إن تاريخ الأمم الأخرى كتب بأقلام أبنائها وإن أسهم فيه غيرهم، والأصل أن نحمل - نحن المسلمين - مسئولية كتابة تاريخنا بأيدينا، وأن نعرف

стр. 26

بحضارتنا ومبادئنا وقيمنا وفق فهمنا لها، وإن أسهم الآخرون في الكتابة معنا فإنها مشاركة محدودة وليست في الأصل في تصورنا لتاريخنا ولا في عرضنا له أمام أنظار العالم. إن ما حدث هو عكس ما ينبغي، حيث إن التخلف الحضاري للعالم الإسلامي ينعكس على تقويمه لتاريخه. إن البعض من المعنيين بالتاريخ ما بين ناكصين عن الإسلام كارهين لتاريخه معتقدين أنه سبب التأخر الحضاري في ديار الإسلام وهم يحملونه حتى مسئولية الهزائم العسكرية أمام يهود، وهؤلاء يؤمنون بضرورة إحداث فجوة بين الماضي والحاضر وعزل الأجيال الإسلامية الجديدة عن الإسلام. وتراثه الأدبي، أو كسالى احترفوا الكتابة التاريخية فهم يسودون الصحف البيضاء بما يترجمونه من كتب المستشرقين التي يجدون فيها مادة للتدريس والكتابة لا تكلفهم عناء البحث والتدقيق والتأليف، ولا يبالون بعد ذلك بالسموم التي ينفثونها في المجتمع الإسلامي. إن مما ساعد على ذلك تخلف الحركة الفكرية في العالم الإسلامي وعدم مواكبتها للحركة الفكرية العالمية، وذلك مرتبط بما حدث من تباين حضاري بين الشرق والغرب منذ عهد النهضة في أوروبا، فقلما تجد دراسة تاريخية جادة كتبت من قبل المسلمين في القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، فلا غرابة إذا ما كانت معظم الدراسات التاريخية التي قام بها المسلمون في تلك الفترة صدى وانعكاساً لآراء وأفكار المستشرقين. أما المؤمنون بالإسلام، العاملون على توثيق صلة الأجيال الجديدة به فهم يحملون عبئاً ضخماً ومسئولية كبيرة في هذا الميدان لأنهم وحدهم القادرون على التصور الصحيح للتاريخ الإسلامي والمجتمع الإسلامي، ويتذوقون طعم الإيمان ويحسون بأثره على سلوكهم مما يمكنهم من فهم دوافع حركة الفرد المسلم والمجتمع المسلم وبالتالي حركة التاريخ الإسلامي.

стр. 27

إن التفسير الإسلامي منبثق من تصور الإسلام للكون والحياة والإنسان، فهو يقوم على الإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى، وهو لا يخرج عن دائرة المعتقدات الإسلامية، وهو مبني على فهم دوافع السلوك في المجتمع الإسلامي مما يجعل حركة التاريخ الإسلامي ذات طابع متميز عن حركة التاريخ العالمي لأثر الوحي الإلهي فيه. وهو ليس تفسيراً تبريرياً بل تبرز فيه خصائص الإيمان المستعلي على ما سواه. كما أنه ليس تفسيراً مادياً يحصر المؤثرات على حركة التاريخ البشري في العوامل المادية كتبديل وسائل الإنتاج - كما في الفكر الماركسي، أو التفسيرات المعتمدة على أثر البيئة الخارجية (من مناخ وجغرافية واقتصاد ...). كما في الفكر المادي الغربي، بل هو يوضح دور الإنسان ومسئوليته عن التغير الاجتماعي والتاريخي في إطار المشيئة الإلهية. وكذلك فإنه ليس عنصرياً يركز على دور شعب بعينه، بل يقوم دور الشعوب الإسلامية وفق حجمها وعطائها الحقيقي. كما أنه ليس طائفياً يوجه التاريخ لخدمة مذهب معين أو طائفة على حساب الحقائق التاريخية. وكل هذه الملامح تحتاج إلى تفصيل كثير لا مجال له في هذا الكتاب، لكنني سأفصل بعض هذه الملامح فقط، وأرجئ تفصيل بقية الملامح إلى وقت آخر إن شاء الله تعالى.

стр. 28

ملامح التصور الإسلامي للتفسير التاريخي . ١ - مراعاة الحقائق التي قررها القرآن الكريم: مثلاً (الأصل في عقائد البشر التوحيد لا الشرك) الأصل في عقيدة البشر التوحيد من لدن آدم ﵇، ثم طرأ عليهم الشرك (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) أي كانوا أمة واحدة على التوحيد، فلما تركوه وانحرفوا عنه أرسل الله تعالى الأنبياء ليردوهم إليه. هذا ما قرره القرآن الكريم، فإذا راجعنا كتب التاريخ القديم، وجدنا المؤرخ المنتسب للإسلام يقرر ما يخالف القرآن حين يذكر أن الأصل عبادة الحيوان والكواكب والقوى الطبيعية، ثم نتيجة ارتقاء العقل البشري وصل إلى التوحيد .. وهم يعتبرون الفرعون "اخناتون" أقدم الموحدين لأنه دعا إلى عبادة الشمس وحدها دون بقية المعبودات عند المصريين. إن هذا التقرير يرجع إلى أمرين: الأول: إنكار الوحي والنبوة حيث اعتبر ظهور العقائد الدينية وتطورها من تعدد الآلهة إلى التوحيد مجهوداً بشرياً نتيجة الارتقاء العقلي والثقافي. الثاني: التأثر بنظرية داروين وتطبيق نظرية النشوء والارتقاء في مجال العقيدة الدينية. على أن من الحق أن نذكر فكرة شاملة تتطابق مع النظرة القرآنية طرحها عالم الأجناس البشرية إيفار ليسنر في كتابه (الإنسان والله والسحر) تقول: "إن أسلافنا البدائيين قد اعتقدوا بوجود إله واحد، ثم انحطوا بالتدريج بسبب النفوذ الشرير لسحرة القبائل وساحراتها وتحولوا إلى عباد لآلهة متعددة" *. إن المطلوب من المؤرخ المسلم أن يستوعب كليات التصور القرآني للتاريخ البشري ويلتزم به في الكتابة التاريخية، ولو ظهرت بعض النظريات التي تخالف بعض هذه الكليات فليتهم هذه النظريات ما دامت لم تصبح حقائق قطعية،

стр. 29

ومعظم استنتاجات التاريخ القديم ترتكز على علم الآثار والحفريات، وهي تعطي معلومات مشتتة لا تكفي لتغطية الفجوات الكبيرة في التاريخ البشري القديم، وإذا كان المؤرخ غير المسلم لا يستطيع التصور إلا من خلال الآثار المادية التي تزوده بالمعلومات ... فإن المؤرخ المسلم يستند إلى القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الكتاب الإلهي الوحيد الذي لم ينله التحريف والتبديل وهي نعمة عظيمة أنعمها الله تعالى على المسلمين بحفظ كتابه يتلونه كما أنزل في كل عصر، مطمئنة نفوسهم إلى أنه "كلام الله" مما له أعمق الأثر في نفوسهم وعقولهم وسلوكهم وشخصيتهم وطبيعة مجتمعهم وحضارتهم، وهو أمر لم يتحقق لأمة أخرى غير الأمة الإسلامية. ٢ - تفسير دوافع السلوك عند المسلمين في صدر الإسلام: إن دوافع السلوك في المجتمع الإسلامي الذي تهيمن عليه العقيدة تتأثر كثيراً بالتطلع إلى ما عند الله ... إلى الجزاء الأخروى، وصفوة المؤمنين لا يشركون دوافع أخرى في سلوكهم، إذ لا بد من إخلاصهم النية لله تعالى في كل أعمال المسلم سواء كانت جهاداً بالنفس أو نشاطاً اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياساً، فنشاط المسلم في كل مجالات الحياة يدور حول محور - إرضاء الله تعالى - ويعرف المسلم أنه إذا أشرك في نيته فإنه يحبط عمله كما في الحديث الشريف "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له وابتغي به وجهه" وإذا كان هذا التصور يتحكم في الكثير من المسلمين الواعين اليوم فكيف كان أثر ذلك في جيل الصحابة والتابعين والأتباع - وهم خير القرون - إذاً؟. إن معرفة أثر الإسلام في تربية أتباعه في صدر الإسلام وتزكية أرواحهم وتثقيف عقولهم وإخلاص عقيدتهم وتوجههم إلى الله وحده بالعبادة والمجاهدة يجعل من البدهي التسليم بأن الدافع لهم في مشاركتهم في الفتوح ونشر الإسلام والتمكين له وتنظيم المناطق المفتوحة والاجتهاد في حل المشاكل والأقضية المستجدة وفق تعاليم الإسلام، لم يكن دافعاً دنيوياً ولا رغبة في التسلط

стр. 30

والاستحواذ ولا طمعاً في خيرات البلاد المفتوحة ولا فراراً من شظف الحياة في الصحراء كما يقول كايتاني وغيره من المستشرقين. روى الطبري في خبر مفاوضة المغيرة بن شعبة لرستم، وما رد به على عروض رستم المادية مقابل تخلي المسلمين عن القتال حيث أجابه المغيرة بقوله: "أتيناكم بأمر ربنا نجاهد في سبيله، وننفذ لأمره، وننجز موعوده، وندعوكم إلى الإسلام وحكمه، فإن أجبتمونا تركناكم ورجعنا وخلفنا فيكم كتاب الله، وإن أبيتم لم يحل لنا إلا أن نعاطيكم القتال أو تفتدوا نفوسكم بالجزية فإن فعلتم وإلا فإن الله قد أورثنا أرضكم وأبناءكم وأموالكم. فاقبلوا نصيحتنا، فوالله لإسلامكم أحب إلينا من غنائمكم ... " (١). وروى الطبري أن ربعي بن عامر دخل على رستم قائد الفرس في مجلسه فسأله: ما جاء بكم؟ فقال:"الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد .. إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه، لندعوهم إليه"، إن ما قاله كل من ربعي بن عامر والمغيرة بن شعبة للفرس لم يكن يعبر عن شعور فردي، وإنما كان يمثل الفكرة المهيمنة على قيادة المسلمين ومعظم جندها المجاهدين، ولا يمنع هذا القول من مشاركة بعض الأعراب في الجهاد ممن تحفزهم العوامل المادية إلى جانب الرغبة في الجهاد، لكن هؤلاء لا يمثلون قيادة الحركة ولا روحها الموجهة، إنما أقرر ذلك لأن المجتمع المسلم مجتمع بشري فيه الصفوة الخيرة التي تلتزم المثل العليا وتخلص النية لله وتجعل كل همها كسب رضاه، وفيه طبقات دونها تأخذ نفسها بالحد الأدنى الذي يحقق لها صفة الإسلام. وينبغي أن يتقرر بوضوح كامل أن تفسير حركة التاريخ الإسلامي في صدر الإسلام لا يمكن أن يقوم به إلا المسلم الذي يردد كل يوم قول الحق تعالى لنبيه

стр. 31

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ (١). والذي تفاعل قلبه وشعوره مع القرآن والسنة وأحس بأثرهما في صياغة شخصيته وتحديد دوافع سلوكه. ومن هنا جاءت التفسيرات الغربية والاستشراقية قاصرة عن فهم دوافع السلوك عند المسلمين في صدر الإسلام، فمثلاً عندما يعرض المستشرق الأب (لا مانس) لحادثة سقيفة بن ساعدة - وهي سابقة رائعة لتطبيق الشورى الإسلامية، حيث اقتنعت الأكثرية برأي الأقلية - فإن صور المؤامرات في البلاد الفرنسي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر تشوه رؤيته لأحداث السقيفة، فيلطع علينا بصورة مشوهة عندما يقرر تآمر أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ واتفاقهم على انتزاع الخلافة والتعاقب عليها فيما بينهم في سقيفة بني ساعدة. إن الدراسات الاستشراقية وهي كثيرة جدا ومتباينة من حيث المستوى والدقة العلمية والبعد عن التعصب الديني والقومي، لكنها على العموم تصدر عن مفكرين عاشوا في بيئة بعيدة عن الإسلام لها حضارتها وفلسفاتها ومقاييسها وأذواقها، فيصعب عليهم تذوق الإسلام وبالتالي يتعذر عليهم فهم دوافع سلوك المسلم في حركته الفردية والجماعية، وهم يقيسون على التاريخ الأوروبي في تفسيرهم لحركة التاريخ الإسلامي رغم اختلاف طبيعة التاريخين، ولا نغفل عن كون الأوروبيين عموماً ينظرون إلى العالم من خلال موقفهم المتفوق عسكرياً وتكنولوجياً، فهم ينسبون كل مأثرة لأنفسهم وكل منقصة لسواهم. وعندما أرَّخ توينبي لحضارات العالم أعطى الحضارة الإسلامية مساحة ضيقة لا تتناسب مع حجمها ودورها الحقيقي في التاريخ العالمي. إن أعظم قصور يواجه الدراسات الاستشراقية هو عجزها عن التصور السليم للإسلام وروحه وأثره في المجتمع الإسلامي وحركته التاريخية، وهو

стр. 32

قصور كبير يمنع إمكان الاعتماد على هذه الدراسات خاصة في عصر السيرة حيث تتطابق النظريات الإسلامية مع الواقع التاريخي. ٣ - تقويم الحضارة يرتبط بمدى ملاءمتها لعبادة الله: إن المؤرخ المسلم لا يحكم على المستوى الذي تبلغه أيه حضارة من خلال منجزاتها المادية فقط، وإنما ينظر إلى مدى تحقيقها للهدف الأساسي الذي وضعه "الخالق" لـ "خلقه"، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فالحضارة السامية في نظر المسلمين هي التي تهيئ الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمادية الملائمة لتوجه الإنسان نحو توحيد الله وإفراده بالعبودية والتزام تعاليمه في كل ألوان النشاط الذي يمارسه، دون أن تعيقه المؤسسات والأجهزة القائمة في المجتمع أو توقعه في التناقض بين "عقيدته" و"سلوكه" ودون أن تضغط عليه لتحرفه عن التزامه أمام رب العالمين. لذلك مهما تقدمت الحضارة في العلوم والمعارف والآداب والفنون، ومهما تفننت في ريازة الدور والقصور وفي الأثاث واللباس والطعام .. وفي تيسير الحياة المادية الرخية للإنسان، أقول مهما وصلت الحضارة في التقدم المادي فإنها تبقى في نظر المؤرخ المسلم "متخلفة" و"قاصرة" ما دامت لا تهيئ الظروف الملائمة لعبادة الله والوفاء بالالتزام بشرعه. والحضارة الإسلامية نفسها مرت بمراحل تاريخية مختلفة .. ولا شك أن التضخم في منجزاتها المادية لم يكن في صدر الإسلام بل كان في القرنين الثالث والرابع الهجريين، لذلك فإن المؤرخ الغربي آدم ميتز يرى أن القرن الرابع الهجري يمثل أوج الحضارة الإسلامية في حين أن المؤرخ المسلم يرى أن عصر صدر الإسلام يمثل أوج الحضارة لأنه أكثر ملاءمة لعبادة الله وتوحيده، وسلوك المسلمين في صدر الإسلام أكثر التزاماً بتعاليم الشريعة من سلوك المسلمين في القرن الرابع الهجري، وهذا ما أشار إليه الرسول الأعظم ﷺ في حديثه: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".

стр. 33

إن هذا المنطق والتصور يبدوان غريبين بالنسبة للمؤرخين غير المسلمين لأنهم يخضعون في مقاييسهم لقيم الحضارة الغربية، أما المؤرخ المسلم فإن الأمر يبدو بدهياً أمامه لأنه تمكن من تمزيق طوق القيم والمقاييس والتصورات المنبثقة عن الحضارة المادية الغربية ولم يتم ذلك إلا بعد الوعي الإسلامي الذي ظهرت آثاره في العالم الإسلامي المعاصر .. ومن آثاره التفلت من كماشة الحضارة الغربية والاستعلاء بالإيمان والإسلام عليها والشعور بالذات والاستقلال الروحي والفكري. وهو أمر يمثل الخطوة الصحيحة على طريق الحضارة إن شاء الله. ٤ - رفض منطق "التبرير" كأساس لتفسير تاريخ صدر الإسلام. إن هذا المنطق أثر للقهر النفسي والفكري الذي أحدثه الغزوة الفكري في عقولنا، ومن ذلك الأسلوب الاعتذاري الذي يستخدمه بعض المؤرخين المسلمين المعاصرين في الكلام عن الجهاد في الإسلام وحركة الفتوح الإسلامية واعتبارها دفاعاً عن حدود شبه جزيرة العرب أمام تحركات الفرس والروم، بل إن غزوات الرسول ﷺ لم تسلم من هذا الأسلوب التبريري وجعلوها دفاعاً عن دولة المدينة المنورة (دراسة العلامة محمد شبلي النعماني عن السيرة مثلاً فهو على فضله وقع في هذا الخطأ). بل إن بعض المؤرخين المسلمين ذهب إلى نفي روايات صحيحة عندما عجز عن التبرير الذي يريده، فقد نفى أحد الكتاب (١) روايات ابن إسحق حول قتل مقاتلة بني قريظة، وهي ثابتة في كتب الحديث والسيرة والتاريخ. وكأنه يشك في عدالة قتلهم، فالتفسير الإسلامي إذا ليس دفاعياً تبريرياً بل ينطلق من اعتقاد أن الإسلام حق وما عداه باطل، وأن ما شرعه الإسلام من الجهاد وغيره حق لا يحتاج إلى اعتذار أو تبرير، حتى لو بدا ذلك غريباً أما الذهنية المهيمنة على الناس في القرن العشرين، لأننا لا نطوع "الإسلام وتاريخه" لأذواق الناس واتجاهاتهم الفكرية في "عصر معين" فما يحبذه

стр. 34

الناس في عصر قد ينكرونه في عصر آخر، وما يحسبه أبناء بلدة حسناً يراه سواهم منكراً، والحكم لله ولشرعه وليس لأذواق الناس وأهوائهم والله غالب على أمره. ٥ - استعمال المصطلحات الشرعية في الكتابة التاريخية: إن استعمال المصطلحات الشرعية ضروري عند كتابة التاريخ الإسلامي من خلال التصور الإسلامي النابع من القرآن الكريم والسنة المطهرة، لأن هذه المصطلحات ذات دلالة واضحة ومحددة ولأنها معايير شرعية لها قيمتها في وزن الأشخاص والأحداث. والقرآن الكريم قسم الناس إلى "المؤمن" و"الكافر" و"المنافق" ولكل من الثلاثة صفات محددة ثابتة ودقيقة لا تقبل التلاعب فيها. فما ينبغي أن نحيد عن هذا التقسيم إلى مصطلحات نبتت في أوساط غير إسلامية كوصف الإنسان بأنه "يميني" أو "يساري" أو غير ذلك من النعوت غير الشرعية التي ليست محددة بصورة دقيقة ثابتة، وكذلك فإن الحكم على الأعمال والمنجزات الحضارية ينبغي أن تستخدم فيه المصطلحات الشرعية وهي "الخير" و"الشر" و"الحق" و"الباطل" و"العدل" و"الظلم" كما حددها الشرع ولا تستخدم معايير الفكر الغربي "كالتقدمية والرجعية". لقد انجرَّ بعض الكتاب المسلمين إلى استخدام مصطلحات وألفاظ ليست في "القاموس الإسلام" وفي ذلك يكمن خطر الذوبان في الفكر الجاهلي والضياع وسط مصطلحاته الكثيرة التي تفقدنا ذاتيتنا المستقلة. إن استعمال المصطلحات الشرعية عند إعادة صياغة التاريخ الإسلامي ضروري جداً للحفاظ على استقلال التصور والمنهج الإسلامي وإبراز هويته بالإضافة إلى أن المصطلحات الشرعية أوضح وأدق من المصطلحات الغربية. والآن ما هو المقصود بالبحث في التاريخ الإسلامي وفق مناهج المحدثين؟. المقصود أن للمحدثين مناهج وطرقاً في نقد الأحاديث ومعرفة الصحيح من الضعيف، والمطلوب تطبيق هذه المناهج في نقد الروايات التاريخية المتعلقة.

стр. 35

بتاريخ صدر الإسلام، لأن هذه الروايات التاريخية تشبه الأحاديث من حيث وجود الأسانيد التي تتقدم المتون مما يمكن الناقد من معرفة الرواة المتعاقبين الذين نقلوا الخبر أو الرواية خلفاً عن سلف. وتستمد المعلومات عن الرواة من كتب علم الرجال التي تختص ببيان أحوال الرواة، فمثلاً شرط الصحيح من الحديث هو أن يرويه العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، فشرط الرواية التاريخية الصحيحة أن كل رواتها المتعاقبين إلى - شاهد العيان - متدينون تديناً صحيحاً وعندهم ملكة الحفظ التي تمنع وقوعهم في الأوهام والتخليط وتؤدي إلى ضبطهم للرواية سواء في صدورهم أو كتبهم، يضاف إلى ذلك أن تكون الرواية متفقة مع الروايات الأخرى التي يرويها رواة يتمتعون بتوثيق أكثر، أما إذا خالفتها فهي شاذة مرجوحة، وكذلك أن لا يكون في الرواية التاريخية علة خفية قادحة بصحتها كالتدليس الخفي أو الإرسال الخفي أو الاضطراب في معلومات المتن، وإذا كانت الروايات التاريخية لا ترقى إلى درجة الصحة الحديثية وفق الشروط المتقدمة، فإنه ينظر إلى تعدد طرقها بجمع ما يتعلق بالمسألة التاريخية الواحدة والنظر في اتفاقها أو اختلافها، فإن تعددت مخارج الرواية الواحدة، فإنها تقوى خاصة عند استحالة اجتماع الرواة الذين رووها واتفاقهم على الكذب. ولكن ينبغي ملاحظة منهج المحدثين عند التعامل مع الرواية التاريخية, فهم يتساهلون في رواية الأخبار التاريخية، كما نلاحظ عند ثقات المؤرخين مثل محمد بن إسحق وخليفة بن خياط والطبري حيث يكثرون من الأخبار المرسلة والمنقطعة. كما أن الطبري يكثر النقل عن رواة في غاية الضعف مثل هشام بن الكلبي وسيف بن عمر التميمي ونصر بن مزاحم وغيرهم. ولا شك أن عدم تمحيص المؤرخين للأخبار كما فعلوا في الحديث، واكتفاءهم بإلقاء العهدة على الرواة المذكورين في أسانيد الروايات ألقى عبئاً كبيراً على "المؤرخ المعاصر المسلم" لأنه يحتاج إلى بذل جهد ضخم للوصول إلى

стр. 36

الروايات الصحيحة بعد فهم وتطبيق منهج المحدثين، وهو أمر لم يعد سهلاً ميسوراً كما كان بالنسبة لخليفة بن خياط أو الطبري بسبب تضلعهم في مناهج المحدثين وطريق سبرهم للروايات وتمييزها، وعلى أية حال فنحن لا نبخس قدامى المؤرخين حقهم وفضلهم فقد جمعوا لنا المادة الأولية بالأسانيد التي تمكننا من الحكم عليها ولو بعد جهد وعناء. والآن ماذا بعد سبر الروايات وتمييز صحيحها من سقيمها؟ المطلوب اعتماد الروايات الصحيحة وتقديمها ثم الحسنة ثم ما يعتضد من الضعيف لبناء الصورة التاريخية لأحداث المجتمع الإسلامي في عصر صدر الإسلام .... وعند التعارض يقدم الأقوى دائماً ... أما الروايات الضعيفة التي لا تقوى أو تعتضد فيمكن الإفادة منها في إكمال الفراغ الذي لا تسده الروايات الصحيحة والحسنة على ألا تتعلق بجانب عقدي أو شرعي، لأن القاعدة "التشدد فيما يتعلق بالعقيدة أو الشريعة" ولا يخفى أن عصر السيرة النبوية والخلافة الراشدة ملئ بالسوابق الفقهية، والخلفاء الراشدون كانوا يجتهدون في تسيير دفة الحياة وفق تعاليم الإسلام، فهم موضع اقتداء ومتابعة فيما استنبطوا من أحكام ونظم لأقضية استجدت بعد توسع الدولة الإسلامية على أثر الفتوح. أما الروايات التاريخية المتعلقة بالعمران كتخطيط المدن وريازة الأبنية وشق الترع ... أو المتعلقة بوصف ميادين القتال وأخبار المجاهدين الدالة على شجاعتهم وتضحيتهم فلا بأس من التساهل فيها. وقد تعقب ابن حجر العسقلاني إنكار بعض النقاد لخبر غريب فقال: "في طرق هذه القصة القوي والضعيف، ولا سبيل إلى رد الجميع فإنه ينادى على من أطلقه بقلة الاطلاع والإقدام على رد مالا يعلمه، لكن الأولى أن ينظر إلى ما اختلفت فيه بالزيادة والنقص فيؤخذ بما اجتمعت عليه ويؤخذ من المختلف ما

стр. 37

قوي ويطرح ما ضعف وما اضطرب، فإن الاضطراب إذا بَعُد به الجمع بين المختلف، ولم يترجح شئ منه التحق بالضعيف المردود" (١). وما دمنا قد قبلنا هذا "المبدأ" فإنه يمكن الإفادة بصورة واسعة من كتب الحديث في دراسة عصر السيرة النبوية والخلافة الراشدة، لأن كتب الحديث خُدمت أكثر من كتب السيرة والتاريخ من قبل النقاد، فمثلاً قد تميز صحيحا البخاري ومسلم وعرف أن كل ما فيهما صحيح بعد الدراسات النقدية التي قام بها حفاظ كبار قدامى ودارسون معاصرون، وحتى الأحرف اليسيرة المنتقدة فيهما صمدت أمام النقد لأن أصولها معروفة ولم ينفرد بها البخاري ومسلم. ومادام الأمر كذلك فيمكن إذاً اعتماد ما أورده البخاري ومسلم من روايات تتعلق بالسيرة والراشدين، ثم النظر في روايات السنن الأربعة وموطأ مالك التي لقيت سبراً وتمحيصاً أيضاً رغم أنها لا ترقى إلى درجة الصحيحين ولا تخلو من الضعيف. إن كتب الحديث تحوي قدراً كبيراً من أخبار السيرة وإن كانت لا تغطي كل أحداثها، ومن هنا تبرز أهمية النقد الحديثي لروايات كتب السيرة والتاريخ ... فكبار المحدثين أمثال الحافظ ابن سيد الناس في كتابه (عيون الأثر في المغازي والشمائل والسير) والحافظ الذهبي في كتابه (تاريخ الإسلام) عندما كتبا السيرة النبوية اعتمدا على الكتب السنة (البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة) لكنهما لم يتمكنا من الاستغناء عن كتب السيرة والتاريخ. ولابد هنا من إيضاح حقيقة مهمة قد يؤدي إغفالها إلى شكنا في صحة تصورنا لسيرة النبي ﷺ وصحة معلوماتنا عن الخلفاء الراشدين المهديين. وهذه الحقيقة هي أن كتب الحديث تدعم ما أوردته كتب السيرة والتاريخ في معظم الجوانب المتعلقة بالسيرة، وخاصة سيرتي محمد بن إسحق بن يسار (ت ١٥١ هـ) وموسى بن عقبة (ت ١٤٠ هـ) والأولى وصلت إلينا بعنوان سيرة ابن هشام الذي قام بتهذيبها .. وقد خصصتُ سيرة ابن إسحق لأن السيرة التي تقابلها هي

стр. 38

مغازي الواقدي الذي رماه المحدثون بالوضع وضعفوه رغم تصريحهم بغزارة مادته في السيرة .... والحق أن الدراسة لمغازي الواقدي تكشف عن صحة ما يقوله المحدثون فكثير من الرواة الذي يسوق الواقدي الروايات بواسطتهم لا نجد لهم تراجم في كتب علم الرجال. وهناك اتجاه خاطئ عند بعض المستشرقين تابعهم فيه بعض مؤرخينا يعلي من شأن مغازي الواقدي على سيرة ابن إسحق .. والحق أن سيرة ابن إسحق أدق وأوثق وتتطابق معلوماتها مع معلومات كتب الحديث في كثير من الجوانب. إن الفرق بين كتب الحديث وكتب السيرة يتمثل في كون كتب السيرة تسوق كثيراً من الروايات بأسانيد مرسلة ومنقطعة، وتوجد هذه الروايات في كتب الحديث متصلة مسندة مما يوثق معلومات كتب السيرة، ولكن لا شك أنه ستتم الإضافات والتعديلات إذا اعتمدنا على كتب الحديث إلى جانب كتب السيرة والتاريخ، وإذا طبقنا قواعد النقد الحديثية على "الرواية التاريخية". وفيما يلي بعض النتائج التي سنحصل عليها بسبب تطبيق هذا المنهج، والتي اتضحت لي من دراساتي الخاصة بهذا الموضوع. ١ - زيادة اليقين بصحة معلوماتنا عن سيرة النبي ﷺ التي تقدمها كتب السيرة المعتمدة وخاصة سيرة ابن إسحق. وهذا من رحمة الله بعباده أن حفظ لهم سيرة نبيه ليتمكنوا من الاقتداء به. ٢ - إضافة معلومات تكمل جوانب حياة الرسول ﷺ الشاملة لأمور الدين والدنيا، وهذه الإضافات التي تقدمها كتب الحديث مهمة لأن كتب التاريخ والسيرة المختصة اقتصرت على المغازي دون تفاصيل النواحي الاجتماعية والاقتصادية والإدارية في عصر السيرة. ٣ - توضيح بعض الجوانب التي اختلف فيها المؤرخون والمحدثون، مثلاً "غزوة بني المصطلق" يذكر البخاري في صحيحه أن الرسول ﷺ داهمهم على

стр. 39

غرة أما كتب السيرة فتذكر أنه أنذرهم وأنهم تأهبوا لقتاله وقاتلوه على ماء المريسيع. ففي مثل هذا الحال نحتاج إلى فهم موقف الإسلام من إنذار العدو وسوف نطالع ثلاثة آراء للعلماء: الأول: يقول بعدم الوجوب مطلقاً وهو رأي حكاه المازري والقاضي عياض. الثاني: يقول بالوجوب مطلقاً. وإلى هذا الرأي ذهب الإمام مالك وآخرون. الثالث: يقول بالوجوب سنة لمن لم تبلغهم الدعوة وعدم الوجوب بالسنة لمن بلغتهم. وإلى هذا الرأي ذهب الأئمة أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأتباعهم وهو الراجح (١). وبما أن بني المصطلق ممن بلغتهم الدعوة فإن رواية الإمام البخاري في مهاجمة الرسول ﷺ لبني المصطلق على غرة منسجمة مع هذا الرأي الراجح، ولا داعي إلى ترجيح رواية ابن إسحق وبقية كتاب السيرة عليها بحجة أنها أكمل وأن رواية البخاري تخالف النص القرآني ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ...﴾ (٢). ٤ - التعديل في بعض الموضوعات المتعلقة بالسيرة والتي لم تهضمها الدراسات المعاصرة المعتمدة على كتب السيرة والتواريخ فقط مثلاً "نظام المؤاخاة" و"الوثيقة التي كتبها النبي ﷺ كدستور للمدينة أول الهجرة" .... ولكن ينبغي أن لا نبالغ في حجم التعديل الذي سيحدث في صورة السيرة كما تظهر عند كتاب السيرة القدامى وكما عرفها المسلمون في خلال الأربعة عشر قرناً.

стр. 40

الماضية، فإن الدراسة والمقارنة تكشف عن التطابق بين كتب الحديث وكتب السيرة في كثير من الأسس والتفاصيل معاً، وهذا من حفظ الله تعالى لسيرة نبيه لتبقى مناراً يقتدي بها المسلمون في كل عصر ومصر. فكان أن هيأ لها جهابذة المحدثين من طبقة التابعين وتلاميذهم لكتابتها في وقت مبكر مستقين أخبارها من الصحابة الذين كانوا شهود عيان ومشاركين في الأحداث، فلم يقع انقطاع بين الأحداث والتدوين يؤدي إلى الضياع أو التحريف أو التهويل، وعندما نستعرض أصحاب كتب السيرة نجد معظمهم من المحدثين وليسوا من الأدباء أو القصاصين ولذلك أهميته، فهم معروفون بالتوثيق، ولهم مناهج نقدية واضحة. وأساليبهم جدية بعيدة عن المبالغة والحشو والخيال. ٥ - بيان أن علماء المسلمين حرصوا على جمع كل ما ورد عن رسول الله ﷺ من أحاديث وأخبار سيرته سواء كانت -في رأيهم- صحيحة أو مختلفة، وأحياناً ضُم النوعان من الروايات في كتاب واحد، مع البيان الصريح لحال الرواية من الصحة أو الضعف، أو البيان الضمني لذلك بذكر السند الذي يحتوي على اسم الراوي المتهم. وأحياناً أخرى يضم الكتاب الأخبار الصحيحة فقط كما هو شأن صحيحي البخاري ومسلم، في حين ضمت بعض المؤلفات الأخبار الواهية والموضوعة فقط مثل العلل المتناهية للدارقطني، واللآلئ المصنوعة للسيوطي وتنزيه الشريعة لابن عراق. إن الحرص على جمع الصحيح والموضوع ينفي أن يكون المسلمون قد حجبوا بعض أخبار سيرة النبي ﷺ . بل إن القرآن أشار إلى اتهامات المشركين للرسول ﷺ وشبههم فكان أحياناً المصدر الوحيد للتعرف على وجهة نظر خصوم الإسلام (١).
следующие страницы →