الروايات الصحيحة بعد فهم وتطبيق منهج المحدثين، وهو أمر لم يعد سهلاً ميسوراً كما كان بالنسبة لخليفة بن خياط أو الطبري بسبب تضلعهم في مناهج المحدثين وطريق سبرهم للروايات وتمييزها، وعلى أية حال فنحن لا نبخس قدامى المؤرخين حقهم وفضلهم فقد جمعوا لنا المادة الأولية بالأسانيد التي تمكننا من الحكم عليها ولو بعد جهد وعناء.
والآن ماذا بعد سبر الروايات وتمييز صحيحها من سقيمها؟
المطلوب اعتماد الروايات الصحيحة وتقديمها ثم الحسنة ثم ما يعتضد من الضعيف لبناء الصورة التاريخية لأحداث المجتمع الإسلامي في عصر صدر الإسلام .... وعند التعارض يقدم الأقوى دائماً ... أما الروايات الضعيفة التي لا تقوى أو تعتضد فيمكن الإفادة منها في إكمال الفراغ الذي لا تسده الروايات الصحيحة والحسنة على ألا تتعلق بجانب عقدي أو شرعي، لأن القاعدة "التشدد فيما يتعلق بالعقيدة أو الشريعة" ولا يخفى أن عصر السيرة النبوية والخلافة الراشدة ملئ بالسوابق الفقهية، والخلفاء الراشدون كانوا يجتهدون في تسيير دفة الحياة وفق تعاليم الإسلام، فهم موضع اقتداء ومتابعة فيما استنبطوا من أحكام ونظم لأقضية استجدت بعد توسع الدولة الإسلامية على أثر الفتوح.
أما الروايات التاريخية المتعلقة بالعمران كتخطيط المدن وريازة الأبنية وشق الترع ... أو المتعلقة بوصف ميادين القتال وأخبار المجاهدين الدالة على شجاعتهم وتضحيتهم فلا بأس من التساهل فيها.
وقد تعقب ابن حجر العسقلاني إنكار بعض النقاد لخبر غريب فقال: "في طرق هذه القصة القوي والضعيف، ولا سبيل إلى رد الجميع فإنه ينادى على من أطلقه بقلة الاطلاع والإقدام على رد مالا يعلمه، لكن الأولى أن ينظر إلى ما اختلفت فيه بالزيادة والنقص فيؤخذ بما اجتمعت عليه ويؤخذ من المختلف ما
стр. 37
قوي ويطرح ما ضعف وما اضطرب، فإن الاضطراب إذا بَعُد به الجمع بين المختلف، ولم يترجح شئ منه التحق بالضعيف المردود" (١).
وما دمنا قد قبلنا هذا "المبدأ" فإنه يمكن الإفادة بصورة واسعة من كتب الحديث في دراسة عصر السيرة النبوية والخلافة الراشدة، لأن كتب الحديث خُدمت أكثر من كتب السيرة والتاريخ من قبل النقاد، فمثلاً قد تميز صحيحا البخاري ومسلم وعرف أن كل ما فيهما صحيح بعد الدراسات النقدية التي قام بها حفاظ كبار قدامى ودارسون معاصرون، وحتى الأحرف اليسيرة المنتقدة فيهما صمدت أمام النقد لأن أصولها معروفة ولم ينفرد بها البخاري ومسلم. ومادام الأمر كذلك فيمكن إذاً اعتماد ما أورده البخاري ومسلم من روايات تتعلق بالسيرة والراشدين، ثم النظر في روايات السنن الأربعة وموطأ مالك التي لقيت سبراً وتمحيصاً أيضاً رغم أنها لا ترقى إلى درجة الصحيحين ولا تخلو من الضعيف.
إن كتب الحديث تحوي قدراً كبيراً من أخبار السيرة وإن كانت لا تغطي كل أحداثها، ومن هنا تبرز أهمية النقد الحديثي لروايات كتب السيرة والتاريخ ... فكبار المحدثين أمثال الحافظ ابن سيد الناس في كتابه (عيون الأثر في المغازي والشمائل والسير) والحافظ الذهبي في كتابه (تاريخ الإسلام) عندما كتبا السيرة النبوية اعتمدا على الكتب السنة (البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة) لكنهما لم يتمكنا من الاستغناء عن كتب السيرة والتاريخ.
ولابد هنا من إيضاح حقيقة مهمة قد يؤدي إغفالها إلى شكنا في صحة تصورنا لسيرة النبي ﷺ وصحة معلوماتنا عن الخلفاء الراشدين المهديين. وهذه الحقيقة هي أن كتب الحديث تدعم ما أوردته كتب السيرة والتاريخ في معظم الجوانب المتعلقة بالسيرة، وخاصة سيرتي محمد بن إسحق بن يسار (ت ١٥١ هـ) وموسى بن عقبة (ت ١٤٠ هـ) والأولى وصلت إلينا بعنوان سيرة ابن هشام الذي قام بتهذيبها .. وقد خصصتُ سيرة ابن إسحق لأن السيرة التي تقابلها هي
стр. 38
مغازي الواقدي الذي رماه المحدثون بالوضع وضعفوه رغم تصريحهم بغزارة مادته في السيرة .... والحق أن الدراسة لمغازي الواقدي تكشف عن صحة ما يقوله المحدثون فكثير من الرواة الذي يسوق الواقدي الروايات بواسطتهم لا نجد لهم تراجم في كتب علم الرجال.
وهناك اتجاه خاطئ عند بعض المستشرقين تابعهم فيه بعض مؤرخينا يعلي من شأن مغازي الواقدي على سيرة ابن إسحق .. والحق أن سيرة ابن إسحق أدق وأوثق وتتطابق معلوماتها مع معلومات كتب الحديث في كثير من الجوانب. إن الفرق بين كتب الحديث وكتب السيرة يتمثل في كون كتب السيرة تسوق كثيراً من الروايات بأسانيد مرسلة ومنقطعة، وتوجد هذه الروايات في كتب الحديث متصلة مسندة مما يوثق معلومات كتب السيرة، ولكن لا شك أنه ستتم الإضافات والتعديلات إذا اعتمدنا على كتب الحديث إلى جانب كتب السيرة والتاريخ، وإذا طبقنا قواعد النقد الحديثية على "الرواية التاريخية". وفيما يلي بعض النتائج التي سنحصل عليها بسبب تطبيق هذا المنهج، والتي اتضحت لي من دراساتي الخاصة بهذا الموضوع.
١ - زيادة اليقين بصحة معلوماتنا عن سيرة النبي ﷺ التي تقدمها كتب السيرة المعتمدة وخاصة سيرة ابن إسحق.
وهذا من رحمة الله بعباده أن حفظ لهم سيرة نبيه ليتمكنوا من الاقتداء به.
٢ - إضافة معلومات تكمل جوانب حياة الرسول ﷺ الشاملة لأمور الدين والدنيا، وهذه الإضافات التي تقدمها كتب الحديث مهمة لأن كتب التاريخ والسيرة المختصة اقتصرت على المغازي دون تفاصيل النواحي الاجتماعية والاقتصادية والإدارية في عصر السيرة.
٣ - توضيح بعض الجوانب التي اختلف فيها المؤرخون والمحدثون، مثلاً "غزوة بني المصطلق" يذكر البخاري في صحيحه أن الرسول ﷺ داهمهم على
стр. 39
غرة أما كتب السيرة فتذكر أنه أنذرهم وأنهم تأهبوا لقتاله وقاتلوه على ماء المريسيع.
ففي مثل هذا الحال نحتاج إلى فهم موقف الإسلام من إنذار العدو وسوف نطالع ثلاثة آراء للعلماء:
الأول: يقول بعدم الوجوب مطلقاً وهو رأي حكاه المازري والقاضي عياض.
الثاني: يقول بالوجوب مطلقاً. وإلى هذا الرأي ذهب الإمام مالك وآخرون.
الثالث: يقول بالوجوب سنة لمن لم تبلغهم الدعوة وعدم الوجوب بالسنة لمن بلغتهم. وإلى هذا الرأي ذهب الأئمة أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأتباعهم وهو الراجح (١).
وبما أن بني المصطلق ممن بلغتهم الدعوة فإن رواية الإمام البخاري في مهاجمة الرسول ﷺ لبني المصطلق على غرة منسجمة مع هذا الرأي الراجح، ولا داعي إلى ترجيح رواية ابن إسحق وبقية كتاب السيرة عليها بحجة أنها أكمل وأن رواية البخاري تخالف النص القرآني ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ...﴾ (٢).
٤ - التعديل في بعض الموضوعات المتعلقة بالسيرة والتي لم تهضمها الدراسات المعاصرة المعتمدة على كتب السيرة والتواريخ فقط مثلاً "نظام المؤاخاة" و"الوثيقة التي كتبها النبي ﷺ كدستور للمدينة أول الهجرة" ....
ولكن ينبغي أن لا نبالغ في حجم التعديل الذي سيحدث في صورة السيرة كما تظهر عند كتاب السيرة القدامى وكما عرفها المسلمون في خلال الأربعة عشر قرناً.
стр. 40
الماضية، فإن الدراسة والمقارنة تكشف عن التطابق بين كتب الحديث وكتب السيرة في كثير من الأسس والتفاصيل معاً، وهذا من حفظ الله تعالى لسيرة نبيه لتبقى مناراً يقتدي بها المسلمون في كل عصر ومصر. فكان أن هيأ لها جهابذة المحدثين من طبقة التابعين وتلاميذهم لكتابتها في وقت مبكر مستقين أخبارها من الصحابة الذين كانوا شهود عيان ومشاركين في الأحداث، فلم يقع انقطاع بين الأحداث والتدوين يؤدي إلى الضياع أو التحريف أو التهويل، وعندما نستعرض أصحاب كتب السيرة نجد معظمهم من المحدثين وليسوا من الأدباء أو القصاصين ولذلك أهميته، فهم معروفون بالتوثيق، ولهم مناهج نقدية واضحة. وأساليبهم جدية بعيدة عن المبالغة والحشو والخيال.
٥ - بيان أن علماء المسلمين حرصوا على جمع كل ما ورد عن رسول الله ﷺ من أحاديث وأخبار سيرته سواء كانت -في رأيهم- صحيحة أو مختلفة، وأحياناً ضُم النوعان من الروايات في كتاب واحد، مع البيان الصريح لحال الرواية من الصحة أو الضعف، أو البيان الضمني لذلك بذكر السند الذي يحتوي على اسم الراوي المتهم.
وأحياناً أخرى يضم الكتاب الأخبار الصحيحة فقط كما هو شأن صحيحي البخاري ومسلم، في حين ضمت بعض المؤلفات الأخبار الواهية والموضوعة فقط مثل العلل المتناهية للدارقطني، واللآلئ المصنوعة للسيوطي وتنزيه الشريعة لابن عراق.
إن الحرص على جمع الصحيح والموضوع ينفي أن يكون المسلمون قد حجبوا بعض أخبار سيرة النبي ﷺ . بل إن القرآن أشار إلى اتهامات المشركين للرسول ﷺ وشبههم فكان أحياناً المصدر الوحيد للتعرف على وجهة نظر خصوم الإسلام (١).
стр. 41
ضرورة المرونة في تطبيق قواعد المحدثين في نطاق التاريخ الإسلامي العام .
لا شك أن اشتراط الصحة الحديثية في كل رواية تاريخية نريد قبولها فيه تعسف، لأن ما تنطبق عليه هذه الشروط لا يكفي لتغطية العصور المختلفة للتاريخ الإسلامي، مما يولد فجوات في تاريخنا، وإذا قارنا ذلك بتواريخ العالم فإنها كثيراً ما تعتمد على روايات مفردة أو مؤرخين مجهولين، بالإضافة إلى ذلك فهي مليئة بالفجوات .. لذلك يكفي في الفترات اللاحقة التوثق من عدالة المؤرخ وضبطه لقبول ما يسجله مع استخدام قواعد النقد الحديثي في الترجيح عند التعارض بين المؤرخين.
إن اشتراط الأمانة والثقة والدين في المؤرخ ضروري لقبول شهادته على الرجال والأمم وتقويم دورهم التاريخي، إن مراحل التاريخ الإسلامي كلها بحاجة إلى إعادة تقويمها من وجهة النظر الإسلامية، وقد تبين مدى تغير الصورة التاريخية لفترة ما من تاريخنا عندما يتناولها بالبحث كتاب مسلمون منصفون كما حدث في إعادة تقويم الدولة العثمانية وفتح ملفها من جديد. ويبدو لي أن التغير الذي سيحدث في تصورنا للتاريخ الأموي والعباسي وما بعدهما من حلقات حتى تاريخنا المعاصر سيكون كبيراً جداً .. وسيكشف عن مدى الزيف والتحريف الذي أصاب تاريخنا ...
ولا يسعني إلا أن أدعوا المؤرخين المسلمين إلى تقديم دراسات مفصلة تكشف عن ملامح التفسير الإسلامي للتاريخ وعن أبعاد المنهج النقدي الذي تعامل وفقه روايات التاريخ الإسلامي، كما أحذر شبابنا من الاعتماد في فهم أحداث التاريخ الإسلامي وتصور عظماء رجاله على روايات تسوقها كتب التاريخ
стр. 42
والأخبار دون تمحيص، مما يعطي صوراً مشوهة لأحداث التاريخ الإسلامي لتأثر الإخباريين الذين اعتمدهم الطبري وغيره من المؤرخين بالأهواء المختلفة والاتجاهات المذهبية والسياسية المتباينة التي طبعت رواياتهم عن عصر الراشدين وما بعده من عصور الأمويين والعباسيين، وأنه لابد من محاولة جادة لإعادة صياغة التاريخ الإسلامي بأقلام إسلامية تؤمن بالله وبرسوله وتحس بدور الإسلام وأثره في تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا.
стр. 43
مصادر السيرة النبوية
تعتمد دراسة السيرة النبوية على مصادر متنوعة، منها الأصلية ومنها التكميلية، فمن المصادر الأصلية في دراسة السيرة النبوية القرآن الكريم والحديث الشريف وكتب الدلائل والشمائل وكتب السيرة المختصة والتواريخ العامة، أما المصادر التكميلية فهي لا تختص بالسيرة أو التاريخ، بل تتناول موضوعات أخرى لكنها تفيد في حقل دراسة السيرة، مثل كتب الأدب ودواوين الشعر وكتب الرجال والتراجم وكتب الجغرافية التاريخية وكتب الفقه وكتب الأنساب ومعاجم اللغة ... إلخ.
ولا شك أن استيعاب هذه المصادر عند دراسة السيرة يعطي (أكمل صورة ممكنة) وهي صورة واضحة فيها كثير من التفاصيل.
وسأحاول إعطاء فكرة عن هذه المصادر وقيمتها وكيفية استعمالها، وأول ما ينبغي أن يلتفت إليه الباحث أن هذه المصادر تتباين قوة وضعفاً وأصالة ووضعاً، لذلك لا ينبغي أن توضع في مصاف واحد وتعامل على السواء، فلا يمكن معارضة آية قرآنية أو حديث صحيح برواية من كتب التاريخ أو الأدب (١)، فلابد إذًا من تقويم هذه المصادر ووضعها في الموضع الذي تستحق.
ويقف القرآن الكريم في مقدمة مصادر السيرة (٢)، والقرآن هو كلام الله تعالى المنزل على نبيه محمد ﷺ لفظاً ومعنى بطريق الوحي، ويتضمن بيان العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية، وترد فيه آيات الأحكام ذات الأهمية
стр. 44
الكبيرة في بيان النظم الإسلامية ونشأتها فهي تلقي ضوءاً على التشريعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي عمل بمقتضاها النبي ﷺ في إدارة الدولة الإسلامية الأولى.
وفي القرآن الكريم ذكر لبعض الأحداث التاريخية في عصر السيرة مثل بدر، أحد، الخندق، حنين (١)، حيث يصور الظروف والأجواء العامة التي وقعت فيها الغزوات والأحداث الأخرى الهامة، وخاصة الأبعاد النفسية مما لا نستطيع الحصول عليه - بالدقة والصدق التي ترد في القرآن الكريم - من المصادر الأخرى.
وكذلك نجد فيه تصويراً دقيقاً للصراع الفكري والمادي بين المسلمين واليهود في الحجاز (٢) وبإشارة القرآن الكريم إلى الأمم الماضية وسَّع النظرة التاريخية عند المسلمين فشملت دراساتهم التاريخية الأنبياء السابقين والأمم الماضية، وبتطرقه إلى أحداث خارج شبه الجزيرة العربية كالصراع بين الروم والفرس جعلهم يهتمون بالتاريخ العالمي فيسجلون أخبار الروم والفرس والترك والأحباش وغيرها (٣).
ولكن ينبغي أن لا نتوقع تفاصيل عن الأحداث التاريخية في القرآن الكريم لأنه ليس كتاباً في التاريخ بل هو دستور للحياة، ثم إن هناك صعوبة في معرفة أسباب ووقت نزول كثير من الآيات، إما لعدم ورود روايات في ذلك أو لتضارب الروايات الواردة (٤) مما يحتاج إلى تحقيق لتمييز الروايات الصحيحة أولاً ثم إزالة التعارض إن وجد بعد ذلك.
стр. 45
وينبغي التفطن إلى أن الإفادة التامة من القرآن الكريم لا تتم إلا بالرجوع إلى كتب التفسير الموثقة، وخاصة التفسير بالمأثور مثل تفسير الطبري وتفسير ابن كثير، وينبغي أيضاً الرجوع إلى كتب الناسخ والمنسوخ، وكتب أسباب النزول وغيرها مما يتصل بالقرآن وعلومه.
إن بعض المؤرخين المعاصرين يأنفون من الرجوع إلى هذه المؤلفات، ويعتمدون على ذوقهم في فهم أساليب اللغة ومعانيها مما يؤدي بهم إلى وقوع في أخطاء كبيرة، مثل تفسير المستشرقين لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ حيث ذهبوا إلى أن الأمية هنا تعني الجهل بالدين لا الكتابة، في حين أن القرآن الكريم وصف النبي ﷺ بأنه ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ ولا يعقل أن يكون النبي جاهلاً بالدين (١).!!!.
إن النزاهة العلمية تقتضي الرجوع إلى كتب التفسير الموثقة وإعطاء النصوص القرآنية معانيها الصحيحة المرادة، وليس تأويلها تبعاً للهوى رغبة في دعم رأي أو مذهب، وقد حذر النبي ﷺ من ذلك بقوله: "من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليبوأ مقعده من النار" (٢).
أما عن أهمية الحديث في دراسة السيرة المطهرة، فإن الأحاديث توضح العقائد والآداب الإسلامية، وتبين أحاديث الأحكام النواحي العبادية والتشريعية من صوم وصلاة وحج وزكاة ونظم سياسية ومالية وإدارية، ولا يمكن تكامل تصور الإسلام إلا بمعرفة الحديث، ولكل هذه الجوانب التي تناولتها الأحاديث صلة بالحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية في عصر النبي ﷺ ، وما تلاه، لأن المسلمين التزموا - بتطبيق "السنة" في حياتهم إلى حد كبير.
стр. 46
وكذلك فإن بعض مصنفات الحديث تخصص قسماً للمغازي والسير مثل صحيح البخاري (١). ولا شك أن مادة السيرة في كتب الحديث موثقة يجب الاعتماد عليها وتقديمها على روايات كتب المغازي والتواريخ العامة، وخاصة إذا أوردتها كتب الحديث الصحيحه لأنها ثمرة جهود جبارة قدمها المحدثون عند تمحيص الحديث ونقده سنداً ومتناً، وهذا التدقيق والنقد الذي حظي به الحديث لم تحظ به الكتب التاريخية، ولكن ينبغي التفطن إلى أن كتب الحديث - بحكم عدم تخصصها - لا تورد تفاصيل المغازي وأحداث السيرة بل تقتصر على بعض ذلك، مما ينضوي تحت شرط المؤلف أو وقعت له روايته، ومن ثم فإنها لا تعطي صورة كاملة لما حدث وينبغي إكمال الصورة من كتب السيرة المختصة، وإلا فقد يؤدي ذلك إلى لبس كبير (٢).
ولكن بسبب ترتيب الأحاديث في كتب الحديث إما على الرواة من الصحابة مثل كتب المسانيد ومن أجلّها مسند الإمام أحمد بن حنبل أو على المواضيع مثل الكتب الستة، دون مراعاة عنصر الزمن في كلا الترتيبين، لذلك تبرز أمام الباحث صعوبة في تحديد الأحاديث زمنياً على أن كتب السير والتاريخ المرتبة على السنين تسد هذا النقص في كثير من الحالات. إن أقدم كتب الحديث الشاملة التي وصلت إلينا هي موطأ مالك وصحيحا البخاري ومسلم وسنن أبي داود
стр. 47
والترمذي والنسائي وابن ماجة ومسند الدارمي ومسند أحمد بن حنبل (١).
أما كتب الدلائل فهي تتناول المعجزات والدلائل التي تبين صدق النبي ﷺ .
ورغم أن كتب الحديث اشتملت على أبواب في علامات النبوة وآياتها ودلائلها (٢) وخصائص الرسول ﷺ ، لكن أقدم من أفردها محمد بن يوسف الفريابي (ت ٢١٢ هـ) وهو محدث ثقة ثبت في كتابه (دلائل النبوة) * ثم على ابن محمد المدائني (ت ٢٢٥ هـ) في كتابة (آيات النبي) (٣) وداود بن علي الأصبهاني (ت ٢٧٠ هـ) في كتابه (أعلام النبوة) وابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) في مؤلفه (أعلام رسول الله) وابن أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ) في كتابه (أعلام النبوة) وأبو بكر بن أبي الدنيا (ت ٢٨١ هـ) وأبو عبد الله بن مندة (ت ٣٩٥ هـ) وأبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) وقد طبع مختصر منه، وفيه روايات كثيرة ضعيفة. والقاضي عبد الجبار المعتزلي (ت ٤١٥ هـ) في كتابه (تثبيت دلائل النبوة) وهو مطبوع.
وأبو العباس جعفر بن محمد المستغفري (ت ٤٣٢ هـ).
وأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) وكتابه مطبوع، ويضم أحاديث صحيحة وحسنة وأخرى ضعيفة وموضوعة، وقد امتدح الحافظ الذهبي هذا الكتاب (٤).
وأبو الحسن على بن محمد الماوردي (ت ٤٥٠ هـ) وكتابه مطبوع.
стр. 48
وأبو القاسم إسماعيل الأصفهاني (ت ٥٣٥ هـ).
وعمر بن علي بن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في كتابه (خصائص أفضل المخلوقين) وأخيراً جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) في كتابه (الخصائص الكبرى) وهو مطبوع ويتناول السيرة والدلائل والشمائل. وكتب الخصائص كثيرة فاقتصرت على بعضها، وليست هذه القائمة مشتملة على سائر ما ألِّف فهناك مؤلفات أخرى في هذا الموضوع.
أما كتب الشمائل فتتناول أخلاق وآداب وصفات النبي ﷺ ، وأقدم من أفرادها: أبو البختري وهب بن وهب الأسدي (ت ٢٠٠ هـ) في مؤلفه "صفة النبي" ثم أبو الحسن على بن محمد المدائني (ت ٢٢٤ هـ) في كتابه "صفة النبي" ثم داود بن علي الأصبهاني (ت ٢٧٠ هـ) في كتابه (صفة أخلاق النبي) كما ذكر ابن النديم (١) والحافظ الترمذي (ت ٢٧٩ هـ) في كتاب (الشمائل النبوية والخصائص المصطفوية) وهو مطبوع.
ثم أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن حيان الأصبهاني (ت ٣٦٩ هـ) في كتابه (أخلاق النبي وآدابه) وهو مطبوع.
ثم أبو سعيد عبد الملك بن محمد النيسابوري (ت ٤٠٦ هـ) في كتاب (شرف المصطفى). ثم أبو العباس المستغفري (ت ٤٣٢ هـ) في كتاب (شمائل النبي).
ثم القاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ) بعنوان (كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى) وهو مطبوع أيضاً، وهو كتاب جامع.
وخرّج أحاديثه الحافظ السيوطي (ت ٩١١ هـ) في كتابه (مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا). وهو مطبوع.
وشرحه عدد من العلماء منهم علي القاري (ت ١٠١٤ هـ) في (شرح
стр. 49
الشفا) مطبوع، والخفاجي (ت ١٠٦٩ هـ) في كتابه (نسيم الرياض في شرح الشفا للقاضي عياض)، ثم صنف الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) كتابه (شمائل الرسول) وهو مطبوع.
أما كتب السيرة المختصة فإنها تلي من حيث الدقة القرآن الكريم والحديث الشريف، ومما يعطيها قيمة علمية كبيرة أن أوائلها كتبت في وقت مبكر جداً، وعلى وجه التحديد في جيل التابعين حيث كان الصحابة موجودين فلم ينكروا على كتاب السيرة مما يدل على إقرارهم لما كتبوه، والصحابة على علم دقيق وواسع بالسيرة لأنهم عاشوا أحداثها وشاركوا فيها، وكانت محبتهم للرسول ﷺ وتعلقهم به ورغبتهم في اتباعه وأخذهم بسنته في الأحكام سبباً في ذيوع أخبار السيرة ومذكراتهم فيها وحفظهم لها، فهي التطبيق العملي لتعاليم الإسلام. وقد اشتهر عدد من الصحابة باهتمامهم الكبير بموضوع السيرة منهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص والبراء بن عازب (١).
وكذلك فإن التبكير في كتابة السيرة قلل إلى حد كبير من احتمال تعرضها للتحريف أو للمبالغة والتهويل أو للضياع.
ولقد كتبت عدة دراسات حديثة عن رواد كتابة السيرة من التابعين ومن تلاهم (٢)، ولكنها لم تهتم ببيان حالهم من الجرح والتعديل ولم تقوم مؤلفاتهم من زاوية حديثية ووفق قواعد مصطلح الحديث وهم:
أبان بن عثمان بن عفان (ت١٠١ - ١٠٥ هـ) وهو محدث ثقة عن التابعين.
стр. 50
عروة بن الزبير بن العوام (ت ٩٤ هـ) وهو محدث ثقة من التابعين، وبعد أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة (١).
عامر بن شراحيل الشعبي (ت ١٠٣ هـ). وهو محدث ثقة له كتاب المغازي (٢). عصام بن عمر بن قتادة (ت ١١٩ هـ) وهو محدث ثقة.
محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت١٢٤ هـ) وهو من كبار المحدثين في عصره (٣).
стр. 51
وثقة الجهابذة من علماء الجرح والتعديل، وهو أول من استخدم طريقة جمع الأسانيد ليكتمل السياق وتتصل الأحداث دون أن تقطعها الأسانيد، وقد انتقد الزهري لتلفيقه الحديث أحياناً عن عدد من شيوخه دون أن يفرد حديث كل واحد منهم عن الآخر، لكن هذا الانتقاد الذي حكاه القاضي عياض عن القدامى ردّه كبار العلماء مثل النووي والعراقي، حيث أوضحا أن عمله جائز ما دام قد بين ذلك وما دام الجميع ثقات (١).
شرحبيل بن سعد المدني (ت ١٢٣) وهو صدوق اختلط بآخره، مات وقد قارب المائة (٢). وقد خرج ابن خزيمة وابن حبان حديثه في صحيحيهما، وقال ابن عيينة: لم يكن أحد أعلم بالمغازي والبدريين منه (٣).
يزيد بن هارون الأسدي المدني (ت ١٣٠ هـ) تابعي ثقة، ألفّ في المغازي معتمداً على عروة والزهري، يروي عنه ابن إسحق (٤).
عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم (ت ١٣٥ هـ)، وهو محدث ثقة من التابعين.
موسى بن عقبة (ت ١٤٠ هـ) وهو محدث ثقة من تلاميذ الزهري، وقد أثنى الإمام مالك على كتابه في المغازي وقال إنه أصح المغازي (٥). وقال يحي ابن معين: "كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب" (٦).
وقال الإمام الشافعي: "ليس في المغازي أصح من كتاب موسى بن عقبة مع صغره وخلوه من أكثر ما يذكر في كتب غيره" (٧).
стр. 52
وقال الذهبي: "وأما مغازي موسى بن عقبة فهي في مجلد ليس بالكبير، سمعناها وغالبها صحيح ومرسل جيد، لكنها مختصرة تحتاج إلى زيادة بيان وتتمة" (١).
وقد اطلع الحافظ ابن حجر على مغازي موسى بن عقبة وتملك حق روايتها بالإجازة (٢). وكذلك سمعها على بن عثمان بن الصيرفي (ت ٨٤٤ هـ) من حسن بن محمد بن القريشة (٣).
سليمان بن طرخان التيمي (ت ١٤٣ هـ) وهو محدث ثقة من التابعين، ويعتبر من علماء الجرح والتعديل، وقد اطلع الحافظ ابن حجر على سيرته (*). له كتاب (السيرة الصحيحة) مفقود إلا قسما (٤).
معمر بن راشد (ت ١٥٣ هـ) وهو محدث ثقة من تلاميذ الزهري أيضا. "كان من أوعية العلم مع الصدق والتحري والورع والجلالة وحسن التصنيف" (٥).
محمد بن إسحق (ت١٥١ هـ) من تلاميذ الزهري، إمام في المغازي لكن مروياته لا ترقي إلى درجة الصحيح بل الحسن بشرط أن يصرح بالتحديث لأنه مدلس، سيرته على الحسن والضعيف معاً، وقد قال ابن عدى "وقد فتشت أحاديث فلم أجد في أحاديثه ما يتهيأ أن يقطع عليه بالضعف، وربما أخطأ أو يهم، كما يخطئ غيره، ولم يتخلف في الرواية عنه الثقات والأئمة وهو لا بأس به".
стр. 53
وهذه الشهادة عظيمة الأهمية لا لمكانة ابن عدي ولتشدده في التوثيق فقط، بل لأنها مبنية على سبر الروايات وليس على نقل أقوال النقاد القدامى فقط والتي تدور حول اتهام ابن إسحق بالقدر وبالتشيع والتدليس (١) وبالتصحيف فقد انتقده يحيي بن سعيد الأموي بقوله: "ابن إسحق يصحف في الأسماء لأنه إنما أخذها من الديوان" (٢) ومرة باحتمال كذبه في الرواية عن فاطمة زوجة هشام بن عروة بن الزبير، ولم يثبت كذبه فقد رد الاتهام عدد من الأئمة النقاد منهم الإمام أحمد بن حنبل، وقال الحافظ الذهبي: "لا ريب أن ابن إسحق كثَّر وطول بأنساب مستوفاة، اختصرها أملح، وبأشعار غير طائلة حذفها أرجح، وبآثار لم تصحح، مع أنه فاته شئ كثير من الصحيح لم يكن عنده، فكتابه محتاج إلى تنقيح وتصحيح ورواية ما فاته" (٣).
وقال الذهبي:"ابن إسحق حجة في المغازي وله مناكير وعجائب" (٤).
وقد أجاد الحافظ الذهبي في بيان مرتبة حديثه فقال عنه: "وله ارتفاع بحسبه، ولا سيما في السير، وأما في أحاديث الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة، إلا فيما شذّ فيه فإنه يعد منكراً" (٥).
وقال الحافظ العراقي: "المشهور قبول حديث ابن إسحق إلا أنه مدلس فإذا صرّح بالتحديث كان حديثه مقبولاً" (٦).
وقال الحافظ الذهبي (٧): "والذي يظهر لي أن ابن إسحق حسن الحديث صالح الحال صدوق، وما تفرّد ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئاً، وقد احتج به الأئمة".
стр. 54
وقال أيضاً "كان أحد أوعية العلم حبراً في معرفة المغازي والسير، وليس بذلك المتقن، فانحط حديثه عن رتبة الصحة، وهو صدوق في نفسه مرضي" (١).
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "ما ينفرد به وإن لم يبلغ الصحيح فهو في درجة الحسن إذا صرح بالتحديث ... وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن، ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحاً، وهذه طريقة ابن حبان ومن ذكر معه" (٢). ولا يعني ذلك توثيق سائر مرويات كتابه في السيرة، فقد أورد فيها روايات منكرة ومنقطعة كما قال عنه الحافظ الذهبي: "صالح الحديث ماله عندي ذنب إلا ما قد حشاه في السيرة من الأشياء المنكرة والمنقطعة" (٣).
وقد قام الحافظ ابن حجر بتخريج الأحاديث المنقطعة في سيرة ابن هشام في مصنف مستقل، وللأسف فقد هذا المصنف (٤).
إن رواة السيرة عن ابن إسحق هم يزاد بن عبد الله البكائي - ومن طريقه رواها ابن هشام - وبكر بن سليمان - ومن طريقه يروي خليفة بن خياط في التاريخ - وسلمة بن الفضل الأبرش - وفيه يقول الطبري: "ليس من لدن بغداد إلى أن يبلغ خراسان اثبت في ابن إسحق من سلمة بن الفضل" (٥).
ويونس بن بكير (ت ١٩٥ هـ) - ويرى ابن حجر أنه صدوق يخطئ (٦)،
стр. 55
ويرى الذهبي بأنه حسن الحديث. وقد أخرج له مسلم في الشواهد لا في الأصول، وذكره البخاري في الشواهد (١). في حين أن ناقداً قديماً هو أبو داود السجستاني كان يصرح بأنه ليس بحجة وأنه كان يأخذ كلام ابن اسحق فيوصله بالأحاديث (٢). وإبراهيم بن سعد الزهري (ت ١٨٥ هـ) - ومن طريقه يروي أحمد بن محمد بن أيوب صاحب المغازي- وهي الرواية التي اقتبس بواسطتها الحاكم النيسابوري في المستدرك (٣). - وهارون بن أبي عيسى - حيث اعتمد ابن سعد على روايته - وعبد الله بن إدريس الأودي- ومن طريقه أخذ ابن سعد أيضاً. ويحيى بن سعد الأموي الذي تحصل على المغازي عن ابن اسحق سماعاً وزاد فيها (٤). وتوجد بعض الاختلافات بين هذه الروايات للسيرة، مما يدل على أن ابن إسحق كان ينقح في سيرته مع الأيام.
ويبدو أن رواية يونس بن بكير من أقدم هذه الروايات، وأن البكائي حمل نسخة كان ابن إسحق قد نقحها، ومن ذلك أن عبد الله بن مسعود ذكره ابن إسحق - في رواية البكائي - في مهاجرة الحبشة الهجرة الثانية (٥). وفي رواية يونس ابن بكير عده في المهاجرين الأولين (٦).
كذلك فقد ورد في رواية البكائي أن جعفر بن أبي طالب هو الذي كلم النجاشي باسم المسلمين.
أما في رواية يونس بن بكير فإن عثمان بن عفان هو الذي كلم النجاشي، وأن جعفر بن أبي طالب قام بعمل المترجم فقط، ولكن ابن إسحق عقب على هذه الرواية بنفي صحتها (٧).
стр. 56
ومن هذه الاختلافات بين الروايات العديدة لسيرة ابن إسحق ما ذكره ابن إسحق في رواية يونس بن بكير من أن النبي ﷺ أرسل إلى النجاشي الأصحم كتاباً - في الوقت الذي أرسل فيه كتاباً إلى ملوك الأرض - يدعوه إلى الإسلام (١). في حين لم يذكر (الأصحم) في رواية البكائي (٢).
مما يدل على تنقيح ابن إسحق لسيرته، لأن النجاشي أصحمة أسلم فتكون الدعوة موجهة لنجاشي آخر بعده كما نص على ذلك الإمام مسلم (٣).
أبو معشر السندي (ت ١٧١ هـ) وهو بصير في المغازي ضعيف في الحديث، لكن ضعفه نسبي يكتب معه حديثه، لاسيما حديثه عن محمد بن كعب ومحمد بن قيس تمشياً مع رأي الطبقة المتوسطة من النقاد، لأن منهج المحدثين الأخذ بقول الطبقة المتوسطة في التجريح إذا تعارض مع قول الطبقة المتشددة (٤).
وعبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن حزم المدني (ت ١٧٦ هـ) محدث ثقة في كتابه "المغازي" (٥).
يحيي بن سعيد الأموي (ت ١٩٤ هـ) محدث ثقة صنف المغازي.
الوليد بن مسلم الدمشقي (ت ١٩٦ هـ) محدث ثقة.
ويونس بن بكير (ت ١٩٩ هـ) وهو أحد رواة سيرة ابن إسحق وله زيادات على المغازي كما ذكر الحافظ ابن حجر (٦).
стр. 57
محمد بن عمر الواقدي (ت٢٠٧ هـ). وهو ضعيف عند المحدثين (١) مع غزارة مادته العلمية، ويقدم أحياناً إضافات على سيرة ابن إسحق، ويبدي رأيه في الروايات ويرجح بينها (٢). وكان يمتلك مكتبة كبيرة تضم ستمائة قمطر كتب، واحتاج نقلها من الكرخ إلى الرصافة إلى عشرين ومائة وقر (٣). ولم يقتصر على ما في الكتب بل تتبع مواضع الأحداث التاريخية بنفسه ووصفها، ولا تصلح مروياته للاحتجاج بها فيما يتعلق بالعقيدة والشريعة، ولكنها تنفع في وصف تفاصيل الأحداث مما لا يتصل بالعقيدة والشريعة، خاصة إذا لم يخالف الأخبار الصحيحة، فقد قال الحافظ ابن حجر - وهو الذي حكم على الواقدي بأنه متروك: "والواقدي إذا لم يخالف الأخبار الصحيحة ولا غيره من أهل المغازي فهو مقبول عند أصحابنا" (٤). وقد انتقى الحافظ ابن حجر من مغازي الواقدي وقال إنه في نفسه مصدر عند أهل العلم وأركان معدي المغازي مما لا يخالف غيره فيه (٥).والملاحظ في استقراء مغازيه أنه يسوق روايات كثيرة، من طرق فيها رجال لا نجد لهم تراجم في كتب علم الرجال، وأما الروايات التي ينقلها ابن سعد عن الواقدي فيبدو أنه انتقاها، حيث نجد تراجم رجال الإسناد في كتب علم الرجال، ومعنى ذلك أن أسانيد الواقدي فيها رجال ليست لهم رواية في الحديث، لذلك لم تترجم لهم كتب الرجال، أو أنهم مختلقون وضع أسماءهم الواقدي أو بعض شيوخه. وقد قال الإمام أحمد: "الواقدي يركب الأسانيد" (٦). ومن هنا يتضح سبب اتهام المحدثين النقاد له بالكذب والوضع
стр. 58
وحكمهم عليه بأنه متروك، ولا شك أن جمع مرويات الراوي ودراستها والحكم عليه من خلالها كان منهج كثير من الأئمة النقاد في الحكم على الرواة المكثرين. وقد لخص الحافظ الذهبي الحكم عليه بدقة بارعة فقال: "جمع فأوعى، وخلط الغث بالسمين، والخرز بالدر الثمين، فاطّرحوه لذلك، ومع هذا فلا يستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة وأخبارهم". ثم قال: "وقد تقرر أن الواقدي ضعيف، يحتاج إليه في الغزوات والتاريخ، وتورد آثاره من غير احتجاج. أما في الفرائض فلا ينبغي أن يذكر، فهذه الكتب الستة ومسند أحمد وعامة من جمع في الأحكام تراهم يترخصون في إخراج أحاديث أناس ضعفاء بل ومتروكين، ومع هذا لا يخرجون لمحمد بن عمر شيئاً. مع أن وزنه عندي أنه ضعيف يكتب حديثه ويروي لأني لا أتهمه بالوضع، وقول من أهدره فيه مجازفة من بعض الوجوه، كما أنه لا عبرة بتوثيق من وثقه كيزيد وأبي عبيد والحربي ومعن، إذ انقعد الإجماع اليوم على أنه ليس بحجة وأن حديثه في عداد الواهي" (١).
وقد مال أبو داود السجستاني إلى أن الواقدي كان يفتعل الحديث، وأضاف: "ليس ننظر للواقدي في كتاب إلا تبين أمره، وروى في فتح اليمين وخبر العنسي أحاديث عن الزهري ليست من حديث الزهري" (٢).
وقال يحيي بن معين: "نظرنا في حديث الواقدي، فوجدنا حديثه عن المدنيين عن شيوخ مجهولين أحاديث مناكير، فقلنا يحتمل أن تكون تلك الأحاديث المناكير منه، ويحتمل أن تكون منهم، ثم نظرنا إلى حديثه عن ابن أبي ذئب ومعمر فإنه يضبط حديثهم، فوجدناه قد حدث عنهما بالمناكير، فعلمنا أنه منه فتركنا حديثه" (٣).
стр. 59
وقال ابن حبان: "كان يروي عن الثقات المقلوبات، وعن الثقات المعضلات حتى ربما سبق إلى القلب أنه كان المتعمد لذلك" (١).
وقال ابن عدي: "ومتون أخبار الواقدي غير محفوظة، وهو بيّن الضعف والبلاء منه" (٢).
وقد دافع ابن سيد الناس عن الواقدي فقال: "إن سعة العلم مظنة لكثرة الإغراب، وكثرة الإغراب مظنة للتهمة، والواقدي غير مدفوع عن سعة العلم فكثرت غرائبه" (٣).
ومال إلى صدقه الحافظ ابن كثير فقال:"الواقدي عنده زيادات حسنة وتاريخ محرر غالباً، فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار، وهو صدوق في نفسه مكثار" (٤).
محمد بن عائذ الدمشقي (ت ٢٣٤ هـ) محدث ثقة. سمع الحافظ الذهب معظم كتاب المغازي له (٥). وقرأ الحافظ ابن حجر جزءا منتقى من مغازيه (٦)
على بن محمد المدائني (ت ٢٢٥ هـ) ذكر ابن عدي أنه ليس بالقوي في الحديث، وترجم له العسقلاني في لسان الميزان - وهو كتاب يختص بتراجم الضعفاء - مما يدل على أنهم تكلموا فيه بالتضعيف في الحديث (٧). ولكن ورد في ترجمته ما يدل على صدقه في الأخبار. قال عنه الطبري: "كان عالما بأيام الناس صدوقاً في ذلك" (٨) وقال عنه الحافظ الذهبي: "العلامة الحافظ الصادق ..
стр. 60
كان مصدقاً فيما ينقله عالي الإسناد" (١).
ويمتاز المدائني بتناوله موضوعات من السيرة أفردها في مصنف، وهي مهمة في دراسة الجوانب الاجتماعية والاقتصادية للسيرة، ويعتبر فقدانها خسارة جسيمة لعلم التاريخ الإسلامي.
وصالح بن إسحق الجرمي النحوي (ت ٢٢٥ هـ) "كان جليلاً في الحديث والأخبار، وله كتاب في السيرة عجيب" (٢).
وإسماعيل بن جميع (ت ٢٧٧ هـ) في كتابه (أخبار النبي ومغازيه وسراياه) (٣).
وسعيد بن يحيي بن سعيد الأموي (ت ٢٤٩ هـ) محدث ثقة صنف المغازي (*).
وأحمد بن الحارث الخرَّاز (ت ٢٥٨ هـ) في كتابه (مغازي النبي وسراياه وأزواجه).
وعبد الملك بن محمد الرقاشي البصري (ت ٢٧٦ هـ) في كتابه (المغازي) وهو صدوق يخطئ.
وإبراهيم بن إسماعيل العنبري الطوسي (ت ٢٨٠ هـ) في كتابه (المغازي).
وإسماعيل بن إسحق القاضي (ت ٢٨٢ هـ) في كتابه (المغازي).
وقد ذكرت كتب التراجم أسماء عدد من التابعين وأتباعهم من وتلاهم ووصفتهم بالعلم بالسيرة والاهتمام بها، مثل عكرمة مولى ابن عباس الذي قال عنه الطحاوي "عكرمة مولى ابن عباس والزهري عليهما يدور أكثر أخبار المغازي" (٤) وأبي إسحق عمرو بن عبد الله السبيعي (ت ١٢٧ هـ) ويعقوب بن عتبة بن المغيرة المدني (ت ١٢٨ هـ) وداود بن الحسين الأموي (ت ١٣٥ هـ)، وعبد الرحمن بن عبد العزيز الحنيفي (ت ١٦٢ هـ).
стр. 61
ومحمد بن صالح بن دينار (ت ١٦٨ هـ).
وعبد الله بن جعفر المخرمي المدني (ت١٧٠ هـ).
وهؤلاء لم تصرح المصادر بتأليفهم كتباً في السيرة بل أشارت إلى عنايتهم واهتمامهم بالتحديث بها (١).
لذلك لم أثبتهم ضمن أسماء المؤلفين في السيرة واكتفيت بهذه الإشارة إليهم.
هؤلاء هم الرواد الأوائل في كتابة السيرة، ويتضح من توثيق نقاد الحديث لأكثرهم ما تميزوا به من العدالة والضبط، وهما شرطان عند العلماء لتوثيق الرواة، فلئن كانوا قد وثقوا عند المحدثين رغم دقة شروطهم في التوثيق، ورغم ونظرتهم لهم على أنهم محدثون مادتهم الأحاديث وليسوا إخباريين مادتهم الأخبار، والنقاد يتشددون في مادة الحديث كثيراً ويتساهلون في قبول الأخبار (٢) فإن هذا التوثيق يعطي كتاباتهم في السيرة قيمة علمية كبيرة.
لقد حفظ الله تعالى سيرة نبيه ﷺ من الضياع والتحريف والمبالغة والتهويل بأن هيأ لها جهابذة المحدثين ليعنوا بها ويدونوا أصولها الأولى قبل أن تتناولها أقلام المؤرخين والقصاصين، وهذه ميزة لمصادر السيرة لم تتوافر لغيرها من كتب التاريخ والأخبار.
ميزة لكون المحدثين ثقات مأمونين في الرواية، وميزة لكونهم علماء لهم مناهج واضحة في نقد الروايات سنداً ومتناً، ولهم أسلوب يتسم بالجدية والبعد عن الحشو والمبالغة.
стр. 62
وحقاً فإن مصنفات هؤلاء الأعلام الذين ذكرتهم في السيرة معظمها مفقود لكن المصادر التالية التي وصلت إلينا اعتمدت على مصنفاتهم فنقلت عنها كثيراً بالأسانيد، وقد ظلت مادة المصنفات الأولى هي الأساس في المصنفات المتأخرة، ليس في المادة فقط بل في طريقة العرض أيضاً، ومن أبرز المصادر التي وصلت إلينا في السيرة.
(سيرة ابن هشام): وهي تهذيب لسيرة ابن إسحق، حيث حذف ابن هشام منها كثيراً من الإسرائيليات والأشعار المنتحلة وأضاف إليها معلومات في اللغة والأنساب، مما جعلها - بعد التهذيب - تنال رضا جمهور العلماء فليس من مؤلف بعده إلا كان عيالاً عليه. والحق أن الصورة التي تعطيها مغازيه عن حياة الرسول ﷺ تقترب إلى حد كبير مما أوردته كتب الحديث الصحيحة مما يعطي سيرته توثيقاً كبيراً. وقد شرح سيرة ابن هشام الحافظ السهيلي (ت ٥٨١ هـ) في كتابه "الروض الأنف" وهو مطبوع.
ومنها (الطبقات الكبرى) لمحمد بن سعد (ت ٢٣٠ هـ) حيث خصص المجلدين الأولين من كتابه للسيرة، وابن سعد ثقة يتحرى في كثير من رواياته كما يقول الخطيب البغدادي والعسقلاني، لكنه ينقل عن الضعفاء مثل الواقدي الذي أكثر من النقل عنه حتى اتهمه ابن النديم بسرقة مصنفاته، لكن التدقيق يثبت أن ابن سعد مؤلف له منهجه وأنه يكثر النقل عن الواقدي كما يكثر عن شيوخ آخرين يبرز بينهم عفان بن مسلم وعبيد الله بن موسى والفضل بن دكين والثلاثة من ثقات المحدثين (١). وقد ذكر الحافظ الذهبي: "ويقولون إن ما رواه عنه - أي الواقدي - كاتبه في الطبقات هو أمثل قليلاً في رواية الغير عنه" (٢)
ومنها (تاريخ خليفة بن خياط) المتوفى ٢٤٠ هـ، وهو محدث ثقة من شيوخ
стр. 63
الإمام البخاري في "الصحيح"، وكتابه تاريخ عام تناول في بدايته أحداث السيرة باقتضاب معتمداً على ابن إسحق بالدرجة الأولى (١).
ومنها (أنساب الأشراف) لأحمد بن يحيي بن جابر البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) وهو تاريخ عام مرتب على النسب وقد خصص البلاذري القسم الأول منه للسيرة، وينظر المحدثون إلى البلاذري نظرة تضعيف، فقد أورد العسقلاني ترجمته في كتابه عن الضعفاء (لسان الميزان).
ومنها (تاريخ الرسل والملوك) لمحمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) حيث خصص قسماً من تاريخه للسيرة والطبري ثقة واعتمد على ابن إسحق بالدرجة الأولى، ومنهج الطبري أنه لا يهتم بنقد الروايات التي يوردها من حيث الصحة والضعف بل يسوقها بأسانيدها تاركاً للقارئ مهمة التحقيق والترجيح (٢).
ومنها (الدرر في اختصار المغازي والسير) لابن عبد البر القرطبي (ت ٤٦٣ هـ) وهو من أعلام المحدثين في عصره، وقد اعتمد على سيرة ابن إسحق وسيرة موسى بن عقبة وتاريخ ابن أبي خيثمة إضافة إلى كتب الحديث (٣)، ولم يصرح بالنقل عن الواقدي إلا في موضع واحد (٤)، لكنه أشار إلى روايته لمغازيه (٥)، وقد صرح بمتابعة ابن إسحق في البناء العام لكتابه (٦)، ولم يتقيد بذكر الإسناد كثيراً.
ومنها (جوامع السيرة) لابن حزم الظاهري (ت ٤٥٦ هـ) وقد تخلى عن
стр. 64
طريقة ذكر الأسانيد ولم يشر إلى مصادره (١)، ورجح بين الروايات وأثبت في كتابه ما اختاره وحقق في تواريخ الأحداث (٢) وغلبت عليه طريقة التلخيص فجرد السيرة من الأشعار والقصص (٣).
ومنها (الكامل في التاريخ) لابن الأثير الجزري (ت ٦٣٢ هـ)، وهو مؤرخ ثقة وكتابه تاريخ عام خصص قسماً منه للسيرة.
ومنها (عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير) لابن سيد الناس (ت ٧٣٤ هـ) وهو محدث ثقة، وثقه الذهبي وابن كثير، وقد أكثر فيه النقل عن كتب الحديث إلى جانب كتب المغازي التي سبقته، وقد ذكر مصادره في مقدمة كتابه.
ومنها (زاد المعاد في هدي خير العباد) لابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ) وهو من أعلام العلماء في عصره، وكتابه نفيس في الشمائل والآداب والفقه والمغازي، فهو مزيج من ذلك كله.
ومنها (السيرة النبوية) للحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، وهو مؤلف ثقة يمتلك عقلية ناقدة جيدة وخاصة في استخدام قواعد المحدثين التي يعتبر من أهل الاستقراء التام فيها، وقد اقتصر على نقد بعض الروايات في كتابه هذا.
ومنها (البداية والنهاية) للحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) وهو تاريخ عام خصص قسماً منه للسيرة، وابن كثير من الأئمة الثقات المتحققين وثقه الذهبي والعسقلاني ابن العماد الحنبلي.
стр. 65
ومنها (إمتاع الأسماع) للمقريزي، وهو ثقة، وقصد الاختصار وتخلي عن ذكر الإسناد، وقال السخاوي عن (الإمتاع): "فيه الكثير مما ينتقد" (١).
ومنها (المواهب اللدنية بالمنح المحمدية) لأحمد بن محمد القسطلاني (ت ٩٢٣ هـ).
ومنها (شرح المواهب اللدنية) لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني (ت ١١٢٢ هـ).
والمواهب وشرحه من الكتب الجامعة في الشمائل والسيرة.
ومنها (السيرة الحلبية) لبرهان الدين الحلبي (ت ٨٤١ هـ) فيه حشو وقصص إسرائيلي (٢). وقد حذف أسانيد الروايات واكتفى بذكر راوي الخبر وشرح بعض الغريب وإضافة تعليقات أخرى.
ومنها (سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد) لمحمد بن يوسف الدمشقي الشامي (ت ٩٤٢ هـ) انتخبها من أكثر من ٣٠٠ كتاب.
هذا أهم ما وصل إلينا من مصادر السيرة، وهي كما ذكرت تلي من حيث الدقة القرآن الكريم والحديث الشريف، ولكن هذا لا يعني أن كل ما أوردته كتب السيرة له نفس القيمة من حيث الصحة، بل ولا يشترط أن يكون كله صحيحاً، بل فيه الصحيح والضعيف، وينبغي عند دراسة السيرة الاعتماد على الصحيح أولا ثم استكمال الصورة بما هو حسن أو مقارب للحسن، ولا يلجأ إلى الضعيف فيما له أثر في العقائد أو التشريع، ولا بأس من الأخذ به - عندما لا نجد غيره من الروايات القوية - فيما سوى ذلك من أخبار تتعلق بالحث على مكارم الأخلاق أو وصف لعمران أو صناعات أو زرع، أو ما شاكل ذلك.
وهذا المنهج اتبعه أهل الحديث أنفسهم، قال عبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٧ هـ) "إذا روينا عن النبي ﷺ في الحلال والحرام والأحكام شدّدنا في
стр. 66
الأسانيد وانتقدنا في الرجال، وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب سهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال" (١).
إن السيرة بحاجة إلى تمحيص أسانيدها ومتونها تبعاً لقواعد المحدثين في نقد الحديث، ومما يعين على ذلك أن سائر مصادر السيرة المهمة قد أوردت الروايات تتقدمها الأسانيد، وأن معظم رواة السير من المحدثين الذين ترجمت لهم كتب الرجال وأوضحت حالهم وبينت ما قيل فيهم من جرح وتعديل.
إن عدم استعمال البعض لهذا المنهج يرجع إلى ما في ذلك من صعوبة وجهد في معرفة الرجال وأحوالهم والتفتيش عنهم، وفي إتقان علوم الحديث والتمرس على تطبيقها في النقد التاريخي، لكن آخرين قد يتجاهلون هذا المنهج ويغمطونه حقه بالتقليل من جدواه والتشكيك من قيمته وتوسيع بعض المآخذ عليه.
إن هؤلاء - لا شك - يجهلون حقيقته - وقد أوضح أسد رستم - وهو رجل نصراني لا يتعصب لدين - قيمة مناهج المحدثين في النقد مثبتاً لهم سابقتهم وإبداعهم، وذلك في كتابه (مصطلح التاريخ)، إنه لا بد من ابتاع هذا المنهج في نقد دراسة السيرة، بل دراسة التاريخ الإسلامي عامة، فلئن كان التدقيق في حقل السيرة أهم وأولى لتعلقها بالعقيدة والشريعة وصياغة الشخصية الإسلامية، فإن الحاجة إلى استعمال هذا المنهج في دراسة تاريخ الراشدين والأمويين والعباسيين شديدة لتأثير الأهواء على الإخباريين واختلاط الحق بالباطل اختلاطاً يصعب تمييزه إلا على المتضلعين بالرجال ومعرفة جرحهم وتعديلهم وميولهم وعقائدهم. إن كتب التاريخ مزيج من مقتطفات أوردها إخباريون ذوو اتجاهات سياسية ومذهبية متباينة، فلو أريد إعطاء صورة عن العصر الأموي مثلاً من خلال مرويات أبي مخنف فقط، فإنها تكون مغايرة كثيراً للصورة التي تكونها مرويات عوانة ابن الحكم أو أبي اليقظان النسابة وحدها.
стр. 67
مصادر أخرى تكميلية:
وتأتي المصادر التكميلية بعد القرآن الكريم والحديث الشريف وكتب السيرة المختصة من حيث الدقة والأهمية، وهي تكمل معالم الصورة، وتملأ بعض الثغرات التي ظلت باقية بعد استيفاء المصادر الأصلية.
فكتب الأدب تلقي ضوءاً على الحياة الثقافية ومستوى المعيشة وأنواع الملابس والأطعمة والعادات وغير ذلك من جوانب الحياة في عصر السيرة، والشعر خاصة يعتبر وثيقة تأريخية مهمة حيث يعكس الحياة العقلية والاجتماعية ويصور المعارك ويبرز البطولات، ويكفي هنا الإشارة إلى دور كل من حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة في تصوير بعض أحداث السيرة، ولكن ينبغي الانتباه إلى أن كتب الأدب تعني بالشاذ والغريب والطريف فتدونه أكثر من عنايتها بأحداث الحياة الرتيبة، ومن هنا نتبين خطورة تعميم ما فيها.
وكتب معرفة الصحابة تترجم للجيل الذي عاش أحداث السيرة، فتقدم معلومات تاريخية موثقة، وإن كانت مشتتة وقليلة، بعضها يتناول أنسابهم وبعضها يتناول أخبارهم، وبقية كتب التراجم والرجال (إضافة لكتب معرفة الصحابة) تفيد في التعريف برجال أسانيد كتب السيرة مما له أثر كبير في دراسة موارد تلك الكتب وفي التمكين من نقد أسانيدها.
وكتب الجغرافية التاريخية تلقي ضوءاً على تضاريس الجزيرة العربية التي دارت فيها أحداث السيرة وتبين مستوى المعيشة وحاصلاتها الزراعية وتحدد المسافات بين الأماكن وتوضح توزيع العشائر.
وهكذا، فإن المصادر التكميلية تساعد على استكمال دراسة جوانب السيرة وإجلاء تفاصيلها ودقائقها.
(وبعد): فهذه نظرة عجلى في مصادر السيرة، ولا يسعني في الختام إلا الإشارة إلى حاجتنا إلى مناهج شاملة في النقد التاريخي والتفسير التاريخي، حيث
стр. 68
ستظل الدراسات التاريخية الإسلامية قاصرة وعاجزة عن التعبير - بصدق وعلمية - عن مسيرة أمتنا التاريخية ما لم تتكامل مناهج النقد والتفسير التاريخيين.
لقد قدم الفكر الأوروبي مجموعة كبيرة من الدراسات عن طبيعة التاريخ ومناهج نقده وتفسيره، بعضها مترجم إلى العربية (١)، ولكن هذه الدراسات تعكس وجهة النظر الغربية وهي نابعة من فلسفة الحياة الأوروبية، وطبيعة التاريخ الأوروبي ومشاكل دراسته، كما أن تطبيقاتها مأخوذه منه، ونحن بحاجة إلى دراسات - في مستواها - تنبع من عقيدتنا وتتكيف لتاريخنا ولا تنظر إليه من خلال زاوية النظر الغربية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض العرب المسلمين كتبوا دراسات أولية (٢)، وطرحوا تصورات مفيدة بهذا الصدد، ولا شك أن توالي الجهود وتضافرها سينتهي إلى منهج كامل للبحث ونظرية شاملة لتفسير التاريخ الإسلامي من المنطلقات الإسلامية الصحيحة.
стр. 69
الفصل الأول
الرسول ﷺ في مكة
стр. 70
قبل البعثة
стр. 71
مكة (١):
تقع مكة في بطن واد، وتشرف عليها الجبال من جميع النواحي فإلى الشرق يمتد جبل أبو قبيس وإلى الغرب يحدها جبل قعيقعان. ويمتدان بشكل هلال فيحصران عمران مكة وتعرف المنطقة المنخفضة من الوادي بالبطحاء ويقع بها البيت العتيق، وتحيط بها دور قريش، أما المنطقة المرتفعة فتعرف بالمعلاة، أما عند طرفي الهلال فتقوم دور ساذجة لقريش الظواهر وهم أعراب فقراء أصحاب قتال، لكنهم دون قريش البطاح في التحضر والغنى والجاه. وكانت صلات النسب بين قريش وكنانة - حيث أن قريشا تنتمي إلى كنانة - التي تسكن قريباً من مكة، تعطي مكة عمقاً استراتيجياً، وقد وثقت صلة النسب بالمحالفات أيضاً، وكان الأحابيش الذين يعيشون قريباً من مكة حلفاء لقريش أيضاً، وكانوا يستخدمون في حراسة القوافل المكية. وامتدت الأحلاف لتشمل القبائل التي تقع على خطوط التجارة المكية إلى الشام والعراق واليمن، وكانت قريش تدفع لهم جعالات معينة وتشرك زعماءهم في تجارتها وسمى هذا بـ (الإيلاف) الذي أوجده هاشم بن عبد مناف. بل تمكن هاشم بن عبد مناف من الحصول على حق التجارة داخل أراضي الروم والفرس بالاتفاق مع حكامهم، وعقد المعاهدات معهم، وسلوك مسلك الحياد بين القوتين، فارس والروم. واقتصاد مكة يقوم أساساً على التجارة أما الصناعة فكانت قليلة أبرزها صناعة الأسلحة من رماح وسيوف ودروع ونبال وسكاكين ثم صناعة الفخار والنجارة لصناعة الأسرة والأرائك، كما أن الموارد الاقتصادية الأخرى مثل تربية الماشية والصيد كانت معروفة، ولكن بقيت التجارة أساساً لاقتصاد مكة فكانت سياسية الإيلاف
стр. 72
والمعاهدات سبباً في ازدهار مكة وتكاثر رؤوس الأموال فيها بسبب الانتقال من التجارة المحلية إلى التجارة الدولية، وساعد النزاع بين الفرس والروم على ازدهار طرق التجارة البحرية بدل الطريق البري بين العراق والشام فكانت البضائع تنقل من الهند إلى اليمن ثم مكة فالشام، وصارت القوافل الكبيرة تمول من قبل عدد كبير من المكيين بشكل أسهم في تزيد وتنقص حسب قدراتهم المالية، وهكذا ساعدت التجارة على تعميق أواصر المجتمع المكي إذ ربطته بالمصالح إلى جانب وشائج القربى. لكن هذه المشاركة لم تحل دون نشوء طبقة غنية متخمة وأخرى متوسطة وثالثة معدمة، فرؤوس الأموال الكبيرة بيد الأغنياء، وهي تتعاظم بالتجارة وبالإقراض الربوي للمحتاجين، وبالاستثمار في الزراعة في الطائف المجاورة. وهكذا كان من أغنياء مكة من يأكل بصحاف الذهب والفضة في حين كان أكثر أهل مكة فقراء.
وكانت تجارة مكة تسلك أحياناً الطرق البحرية إلى جانب الطرق البرية، لكنها لم تكن تملك أسطولاً تجارياً بل تستخدم السفن الحبشية في العبور إلى الحبشة أما السفن الرومية فكانت تصل إلى ميناء الشعيبة قبل أن تأخذ مكانها جدة في خلافة عثمان (رض). وكانت قريش تحصل من الحبشة على البخور والأطياب وريش النعام والعاج والجلود والتوابل والرقيق الأسود، وتحصل من الشام على القمح والدقيق والزيت والخمر، وتحصل من الهند على الذهب والقصدير والحجارة الكريمة والعاج وخشب الصندل والتوابل كالبهار والفلفل ونحوها والمنسوجات الحريرية والقطنية والكتانية والأرجوان والميعة والزعفران والآنية الفضية والنحاسية والحديدية. وكانت تحمل حاصلات بلاد العرب من الزيت والبلح والصوف والوبر والشعر والجلود والسمن.
والاقتصاد التجاري يحتاج إلى الأمن، وقريش كانت تستعمل سياسة الحلم واللين وليس القوة للوصول إلى غاياتها التجارية وأمان طرقها الخارجية. ولم تدخل قريش في حروب قبل الإسلام سوى حروب الفجار الأربع التي هي
стр. 73
حروب صغيرة ومناوشات. وقد شهد الرسول ﷺ آخرها وهو الفجار الرابع وعمره عشرون سنة، ولم تحرز قريش النصر على الأعراب في تلك المناوشات. وقد ساعدها على تحقيق الأمن وجود الكعبة التي يحج إليها العرب من شتى الأصقاع حيث تحيط بها أصنامهم الستون والثلثمائة بعضها جلبها عمرو بن لحي الخزاعي - وهو أول من غير دين إبراهيم ﵇ من الشام مثل هبل وبعضها صنع محلياً وبعضها ليست مصنوعة بل هي حجارة مثل أساف ونائلة. وكون مكة مركزاً لعبادة العرب يمنح قريشاً الاحترام ويحقق لها الإيلاف مع القبائل والحماية بالتالي لتجارتها. وحرمة مكة قديمة ترجع إلى إبراهيم ﵇ وقد ظلت أرضاً مقدسة وحرماً آمنا حتى ظهور الإسلام الذي أكد على حرمتها وقدسيتها، ولم يقتصر تقديس الكعبة على المكيين بل امتد إلى العرب في شبه الجزيرة، ولم تتمكن بيوت الأوثان والأصنام من منافستها مثل بيت الأقيصر وبيت ذي الخلصة وبيت صنعاء وبيت رضاء وبيت نجران، ولم تنجح محاولة أبرهة لتحويل الحج إلى القليس التي ابتناها في صنعاء بعد أن أخفقت حملته العسكرية على مكة سنة ٥٧٠ م. ورغم وجود أخبار عن سكان مكة القدامى وهم جرهم ثم خزاعة ثم قريش فإن معظم الأخبار تخص قريشاً، وكثير من أخبارها تشعر بأنها صالحة للبحث التأريخي وليست أسطورية. وخاصة بعد أن جمع قصي بن كلاب عشائر قريش واستولى بها على مقاليد الأمور بمكة - وذلك في النصف الأول من القرن الخامس للميلاد، وبذلك يتطابق التاريخ السياسي والأدبي لأن تاريخ الأدب الجاهلي لا يرقى إلى أكثر من ١٥٠ سنة قبل الإسلام- وكانت بيد خزاعة ووزع رباع مكة وخططها بين قريش، فبدأت تبني دورها بالحجر داخل الحرم بعد أن كانت منطقة مشجرة خالية من البناء، وكان الشجر مقدساً لا يقطع حتى قطعه قصي فتجرأ الناس على قطعه. ثم قام قصي بتنظيم مكة فقسم الوظائف والواجبات بين أولاده وهي الحجابة والسقاية والرفادة واللواء والندوة، وكان قصي قد اتخذ لنفسه دار الندوة وجعل بابها إلى مسجد الكعبة،
стр. 74
ففيها كانت قريش تتشاور في أمور السلم والحرب وفيها تجري عقود الزواج والمعاملات فهي دار مشورة ودار حكومة يديرها (الملأ) الذين يمثلون زعماء الأسر وأصحاب الرأي في مكة ويندر أن يقل عمر أحدهم عن سن الأربعين، ويتقيد الناس بأوامر الندوة عادة وعرفاً، فليس ثمة قانون مكتوب، وليس ثمة رئيس أو حاكم أو مالك في مكة، ولا يتم انتخاب أعضاء الندوة بالاقتراع بل يحددهم العرف، ويمارس رئيس كل عشيرة صلاحياته على عشيرته. وقد فرض قصي العشر على التجار القادمين إلى مكة من غير أهلها، فصار أحد مصادر الثروة في مكة. وصار أمر قصي في قريش كالدين المتبع اعترافاً بفضله وشرفه ويمنه.
وقد اتسم (الملأ) بالمحافظة الشديدة على العقائد والتقاليد والأعراف السائدة لتأكيد حقوقهم الموروثة ومكانتهم الاجتماعية ومصالحهم الاقتصادية وكل ذلك يتحقق بالمحافظة على الأوضاع السائدة ووحدة أهل مكة، مما يفسر شدة مقاومتهم للإسلام عند ظهوره، فقد رأوا فيه تهديداً لوحدة قريش، وأغاظهم جداً أن يهاجر المسلمون إلى الحبشة ثم المدينة.
لقد قام أبناء قصي وأحفادهم بأعمال مهمة أدت إلى ازدهار مكة وبنفس الوقت أبرزت مكانتهم وفضلهم وشرفهم ومكنت لسيادتهم. وإذا استعرضنا ما انجزوه، فإن قصياً هو الذي جمع قريشاً ومكن لها في مكة ونظم شؤونها، وأمسك أبناؤه بزمام وظائفه من بعده من السقاية والرفادة والحجابة واللواء والندوة، وتمكن هاشم بن عبد مناف بن قصي من عقد الإيلاف وتوسيع نطاق التجارة المكية بإخراجها من الحدود المحلية إلى النطاق الدولي، وقام بحفر عدة آبار لخدمة قريش والحجيج معاً، وعرف المطلب أخو هاشم بالنسك والأمر بترك الظلم والبغي والحث على مكارم الأخلاق، وعرف عبد المطلب بن هاشم بالفياض لجوده وبشيبة الحمد لكثرة حمد الناس له، وقد اشتهر بحفر ماء زمزم التي طغت على مياه آبار مكة الأخرى لغزارتها ودوامها وأنها ألطف مذاقاً من مياه
стр. 75
آبار مكة الأخرى، وكان أبناء قصي قبل حفرها يأتون بالمياه من آبار خارج مكة.
ولم يكن عبد المطلب أغنى رجل في قريش ولا زعيم مكة الوحيد، ولكن صلته بشؤون البيت العتيق وخدمة الحجيج جعلته من وجهاء مكة وهو الذي حادث أبرهة عندما غزا الأخير مكة.
وقبيل ظهور الإسلام تولى أبو طالب بن عبد المطلب الرفادة والسقاية ولم يكن له مال ينفقه في هذا السبيل فاستدان من أخيه العباس بن عبد المطلب عشرة آلاف درهم فأنفقها، ولم يتمكن من رد المبلغ تنازل عن الرفادة والسقاية إلى العباس بن عبد المطلب ..
وهكذا فإن عشيرة الرسول ﷺ كانت تتبوأ مكانة اجتماعية خاصة في مكة عند ظهور الإسلام، رغم أنهم كانوا وسطاء في الثراء، وربما كانوا دون أوساط تجار مكة، وكان الثراء قبيل الإسلام في بني عبد شمس وبني نوفل وبني مخزوم، وقد نازعتهم العشائر القرشية الأخرى السيادة على مكة، وكان النزاع على السيادة بين تلك العشائر القرشية قد بدأ بين أبناء قصي وأدى إلى انقسام العشائر إلى محورين هما المطيبون (بنو عبد مناف ومن حالفهم وهم بنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة وبنو تميم وبنو الحارث بن فهر) والأحلاف (بنو عبد الدار ومن حالفهم وهم سهم وجمح ومخزوم وعدي)، كما حدثت منافرات ومنازعات داخل الأسرة الواحدة أحياناً، كما حدث بين أمية بن عبد شمس وعمه هاشم بن عبد مناف، ومن بعدهما بين ابنيهما حرب بن أمية وعبد المطلب بن هاشم. وقد ساعد الأمن والسلام الذي ساد مكة قبيل الإسلام على بقاء زعمائها خلافاً لزعماء المدينة الذين أفنتهم الحروب الداخلية، وهذا أحد أسباب شدة المقاومة للدعوة الإسلامية من قبل قريش.
ومن أبرز رجالات مكة في عصر الرسالة الأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث الزهري، وكانا من أعز قريش في الجاهلية، وكانا من المستهزئين بالرسول ﷺ وأصحابه.