من الظالم ورد الفضول على أهلها، وقد سمى الحلف بحلف الفضول. وإنما ورد في الحديث باسم حلف المطيبين لأن العشائر التي عقدت حلف المطيبين هي التي عقدت حلف الفضول، وحلف المطيبين جرى قديماً بعد وفاة قصي وتنازع بني عبد مناف مع بني عبد الدار على الرفادة والسقاية بمكة (١).
ومما يدل على ذلك أن النبي ﷺ صرَّح في بعض هذه النصوص بأنه لم يشهد للمشركين سوى حلف واحد.
ثم أن حلف المطيبين القديم لا يحمل من معاني الانتصار للعدالة مثل حلف الفضول الذي شارك فيه الرسول ﷺ ، وقد ذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ كان يومذاك في العشرين من عمره (٢).
ولا شك أن العدل قيمة مطلقة وليست نسبية، وأن الرسول ﷺ يظهر اعتزازه بالمشاركة في تعزيز مبدأ العدل قبل بعثته بعقدين، فالقيم الإيجابية تستحق الإشادة بها حتى لو صدرت من أهل الجاهلية.
زواجه من خديجة:
تشير روايات ضعيفة - بل معظمها واه - إلى تفاصيل تتعلق بزواج الرسول من أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂، وهي تحدد بداية التعارف بينهما عن طريق عمل الرسول ﷺ في تجارة خديجة، التي كانت ثرية تضارب بأموالها وقد ذهب بتجارتها إلى جرش مرتين (٣) - قرب خميس مشيط (٤) وكانت تابعة لليمن
стр. 107
- أو حباشة - سوق بتهامة من نواحي مكة (١) - أو الشام (٢) فربح بتجارتها، وحكى لها غلامها ميسرة الذي صحبه عن أخلاقه وطباعه، فأعجبت به، وقد خطبها لأبيها خويلد بن أسد (٣) فزوجه منها، ويذهب ابن إسحاق إلى أن خديجة كانت في الثامنة والعشرين من العمر (٤)، في حين تذهب رواية الواقدي إلى أنها كانت في الأربعين (٥)، وقد أنجبت خديجة من رسول الله ذكرين وأربع إناث مما يرجح رواية ابن إسحاق، فالغالب أن المرأة تبلغ سن اليأس من الإنجاب قبل الخمسين.
ورغم أن هذه المعلومات لم تثبت حديثيا إلا أنها مشتهرة عند الإخباريين.
وقد سكن رسول الله ﷺ في بيت خديجة، ففيه تزوج، وولدت فيه خديجة أولادها جميعاً وفيه توفيت ﵂، فلم يزل رسول الله ﷺ فيه ساكناً حتى خرج زمن الهجرة فأخذه عقيل بن أبي طالب فيما أخذ (٦).
стр. 108
ولا يوجد من الروايات الصحيحة ما يوضح هذه الأحداث. ولكن الثابت في الروايات الصحيحة زواجه ﷺ بخديجة ﵂. وثناء النبي عليها وإظهاره محبتها وتأثره عند ذكرها بعد وفاتها، ومواقفها في تطمينه عند نزول الوحي عليه ومسارعتها للإيمان به وهي مواقف مشهورة تدل على مكانة خديجة ﵂ في الإسلام (١). ومما اتفق عليه أهل العلم أن خديجة أولى أزواجه ﷺ (٢). وقد أنجبت منه ذكرين هما القاسم وعبد الله (الملقب بالطيب والطاهر)، وأربع بنات هن زينب وأم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية (٣). فأما القاسم وعبد الله فماتا قبل الإسلام، وأدركت البنات الإسلام فأسلمن. وقد توفيت خديجة قبل هجرة النبي إلى المدينة بثلاث سنين (٤). وذلك قبل حادثة الإسراء والمعراج (٥).
صيانة الله له قبل البعثة (إرهاصات البعثة):
أجمع العلماء على أن النبي ﷺ معصوم عن الكفر قبل الوحي وبعده، وأما تعمد الكبائر فهو معصوم عنها بعد الوحي، وأما الصغائر فتجوز عمداً عند الجمهور بعد الوحي ويستفاد من كلامهم عدم امتناع صدور الكبائر عنه قبل الوحي (٦)، وهذه التقريرات العقدية يتجاوزها استقراء الروايات التاريخية التي تؤكد العصمة من الكفر والكبائر معاً قبل الوحي. فقد وردت روايات ضعيفة تفيد أن الله تعالى عصمه من سماع ومشاهدة الأعراس في صباه يوم أن كان يرعى
стр. 109
الغنم (١)، كما وردت روايات ضعيفة تفيد أن الله تعالى عصمه من العري وهو فتى ينقل مع أقرانه حجارة يلعبون بها وقد رفعوا أزرهم، فأمر أن يشد عليه إزاره (٢). ولكن قد ثبت أنه نهي عن رفع إزاره وهو رجل لما جددت قريش بناء الكعبة، فقد اشترك مع عمه العباس في نقل الحجارة، فاقترح عليه العباس أن يرفع إزاره ويجعله على رقبته ليقيه أثر الحجارة ما دام بعيداً عن الناس فلما فعل سقط على الأرض مغشياً عليه، فلما أفاق طلب أن يشدوا عليه إزاره (٣). وكان عمره حين تجديد بناء الكعبة خمساً وثلاثين سنة (٤). ولم يكن التعري مستنكراً عند العرب في الجاهلية، فقد كانوا يطوفون بالبيت العتيق عراة إلا الحمس (وهم قريش)، كما أن التعري في الطواف استمر حتى منعهم الرسول ﷺ بأمره الذي بلَّغه أبو بكر الصديق في حج سنة ٩ هـ عندما أعلن (ألَّا يحج بعد العام مشرك،
стр. 110
ولا يطوف بالبيت عريان) (١). لذلك علق ابن حجر على الحديث السابق بقوله: "وفي الحديث أنه ﷺ كان مصوناً عما يستقبح قبل البعثة وبعدها" (٢).
إن حادثة تجديد بناء الكعبة قد كشفت عن مكانة النبي الأدبية في الوسط القرشي، فقد اختلفت قريش فيمن يضع الحجر الأسود مكانه، ثم اتفقوا على أن يحكموا أول داخل من باب بنبي شيبة فدخل رسول الله، فأمر بثوب فأخذ الحجر ووضعه في وسطه، ثم أمرهم برفعه جميعا ثم أخذه فوضعه مكانه (٣). وقد ذكر عبد الله بن السائب المخزومي - وهو شاهد عيان اشترك في بناء الكعبة يومئذ - بأن قريشاً قالت لما دخل النبي من باب بني شيبة "أتاكم الأمين" (٤). مما يبرز مكانته في قومه قبيل البعثة.
ومما خالف فيه الرسول ﷺ قريشاً الوقوف بعرفة، وكانت قريش تفيض من مزدلفة على حين يفيض بقية الناس من عرفة، وتعلل قريش ذلك بأنها أهل الحرم، فليس لها أن تخرج من الحرمة، ولا تعظم غيرها كما تعظمها (٥).
стр. 111
أما رسول الله فكان يقف بعرفة، فلما رآه جبير بن مطعم واقفاً بعرفة قال: هذا والله من الحُمس فما شأنه هاهنا (١)!!
وهذا من توفيق الله لرسوله قبل البعثة، فكان يستمسك بإرث إبراهيم وإسماعيل في حجهم ومناكحهم وبيوعهم (٢).
وكان يطوف بالبيت العتيق، وقد طاف معه مولاه زيد بن حارثة مرة، فلمس زيد بعض الأصنام فنهاه رسول الله ﷺ عن ذلك، ثم عاد زيد للمسها ليتأكد من الأمر، فنهاه ثانية فانتهي حتى كانت البعثة. وقد حلف زيد بن حارثة بأن رسول الله ما مس منها صنماً حتى أكرمه الله بالوحي (٣).
وقد التقى النبي بزيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بَلْدح قبل البعثة، فقُدمت للنبي سفرة فأبى زيد أن يأكل منه لأنه خشى أن يكون الطعام مما ذبح على النصب أو لم يذكر اسم الله عليه (٤).
وقد بين الشُّرَّاح بهذه المناسبة أن النبي ما كان يأكل ما يُذبح على النصب.
стр. 112
بشارات الأنبياء بمحمد ﷺ :
لقد بشر عيسى ﵇ قومه بشارة صريحة ببعثة محمد ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١).
وقد وقع التحريف في نسخ التوراة والإنجيل وحذف منها التصريح باسم محمد ﷺ إلا توراة السامرة وإنجيل برنابا الذي كان موجوداً قبل الإسلام وحرمَّت الكنيسة تداوله في آخر القرن الخامس الميلادي، وقد أيدته المخطوطات التي عثر عليها في منطقة البحر الميت حديثاً، فقد جاءت في إنجيل برنابا العبارات المصرحة باسم النبي محمد ﷺ مثل ما جاء في الإصحاح الحادي والأربعين منه ونص العبارة (٢٩ فاحتجب الله وطردهما الملاك ميخائيل من الفردوس ٣٠ فلما التفت آدم رأى مكتوباً فوق الباب: لا إله إلا الله محمد رسول الله).
وفي موضع آخر منه هذه العبارة (١٦٣: ٧ أجاب التلاميذ يا معلم من عسى أن يكون ذلك الرجل الذي تتكلم عنه الذي سيأتي إلى العالم، أجاب يسوع بابتهاج قلب: إنه محمد رسول الله).
وتتكرر مثل هذه البشارات في إنجيل برنابا في مواضع كثيرة -وهو مطبوع-.
وأما إنجيل لوقا فقد جاء فيه (٢: ١٤) (الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد)، ولكن مترجميه إلى العربية لم يتوفقوا إلى الترجمة الصحيحة عن السريانية كما حقق ذلك الأستاذ عبد الأحد داؤد.
وجاء في إنجيل يوحنا في الإصحاح السادس عشر: (إن لم أنطلق لا يأتيكم الفار قليط) والفار قليط هو الحامد أو الحماد أو أحمد ونحوها (٢).
стр. 113
وأما تبشير التوراة والإنجيل بالرسول محمد ﷺ وصفاته وعلاماته فقد بين القرآن الكريم ذلك بقوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (١).
قال ابن تيمية: "والأخبار بمعرفة أهل الكتاب بصفة محمد ﷺ عندهم في الكتب المتقدمة متواترة عنهم" (٢).
ثم قال: "ثم العلم بأن الأنبياء قبله بَشَّروا به يُعلم من وجوه: أحدهما: ما في الكتب الموجودة اليوم بأيدي أهل الكتاب.
الثاني: إخبار من وقف على تلك الكتب ممن أسلم وممن لم يسلم بما وجدوه من ذكره بها. وهذا مثل ما تواتر عن الأنصار أن جيرانهم من أهل الكتاب كانوا يخبرون بمبعثه وأنه رسول الله وأنه موجود عندهم، وكانوا ينتظرونه، وكان هذا من أعظم ما دعا الأنصار إلى الإيمان به لما دعاهم إلى الإسلام حتى آمن الأنصار به وبايعوه.
وقد أخبر الله بذلك عن أهل الكتاب في القرآن قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٣).
ومثل ما تواتر عن إخبار النصارى بوجوده في كتبهم مثل إخبار هرقل ملك الروم والمقوقس ملك مصر والنجاشي ملك الحبشة.
والوجه الثالث: نفس إخباره بذلك في القرآن مرة بعد مرة، واستشهاده بأهل الكتاب، وإخباره بأنه مذكور في كتبهم مما يدل العاقل على أنه كان موجوداً
стр. 114
في كتبهم .. فلو لم يعلم ﷺ أنه مكتوب عندهم بل علم انتفاء ذلك لامتنع أن يخبر بذلك بمرة بعد مرة، ويظهر ذلك لموافقيه ومخالفيه وأوليائه وأعدائه (١).
ومن الثابت تأريخياً أن أهل الكتاب كانوا يستفتحون أي يطلبون من الله النصر على أعدائهم بالنبي المبعوث الذي يجدون صفته عندهم في التوراة.
وقد نصت التوراة المتداولة (ط. رجارد واطس. بلندن) على ظهور النبي ﷺ بمكة ونصها (جاء الرب من سيناء وأشرق لنا من ساعير استعلن من جبل فاران ومعه ألوف الأطهار في يمينه سِنَةُ نار).
ومعنى إن الله استعلن من جبل فاران أي من جبل مكة وهو جبل حراء، وكان أصحابه ألوفا من الأطهار ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (٢).
وقد ذكر ابن تيمية ﵀ "قد رأيت أنا من نسخ الزبور ما فيه تصريح نبوة محمد ﷺ باسمه، ورأيت نسخة أخرى بالزبور فلم أر ذلك فيها، وحينئذ فلا يمتنع أن يكون في بعض النسخ من صفات النبي ﷺ ما ليس في أخرى" (٣).
والحق أن نسخ الكتب السماوية التي كانت متداولة بين العلماء من أهل الكتاب خلال القرون الثمانية تعرضت لحذف اسم النبي ﷺ ، وحذف النصوص الواضحة الدلالة على صفاته كما يتضح ذلك من النقول التي أوردها العلماء المسلمون منها في كتبهم مثل قتيبة والماوردي والقرافي وابن تيمية وابن القيم، مما يشير إلى قيامهم بمحو ذلك من كتبهم على أثر المجادلات الدينية واحتجاج المسلمين بها عليهم. ومع ذلك فقد بقيت نصوص ذات دلالة صريحة مثل ما جاء في سفر اشعيا في الإصحاح الحادي والعشرين ونصه: (١٣ وحي من جهة بلاد العرب في الوعر في بلاد العرب تبيتين يا قوافل الددانيين،١٤ هاتوا ماء لملاقاة العطشان يا سكان أرض تيماء وافوا الهارب بخبره، ١٥ فإنهم من أمام
стр. 115
السيوف قد هربوا. من أمام السيف المسلول ومن أمام القوس المشدود ومن أمام شدة الحرب،١٦ فإنه هكذا قال لي السيد في مدة سنة كسنة الأجير يفني كل مجد قيدار وبقية عدد قسي أبطال بني قيدار تقل لأن الرب إله إسرائيل قد تكلم).
وفيها تصريح بظهور الوحي في بلاد العرب والهجرة النبوية إلى المدينة المنورة بعد اجتماع المشركين على قتل رسول الله ﷺ ثم انتصاره على أبطال بني قيدار وهم العرب في موقعة بدر.- لأن قيدار هو ابن إسماعيل جد العرب -.
ولا شك أن الأدلة على صدق نبوة محمد ﷺ لا تتوقف على هذه البشارات، فدلالات القرآن من الإعجاز البلاغي والتشريع الباهر، ودلالات السنة النبوية الصحيحة على وقوع المعجزات الحسية ومشاهدة الألوف من المسلمين لها، ودلالات سيرة المصطفى ﷺ في إيمانه ويقينه، وعبادته ومجاهدته، ودعوته وجهاده، وعدله وصدقه، وإيمان المقربين إليه العارفين به مثل زوجه خديجة وصديقه أبي بكر ومولاه زيد بن حارثة كل ذلك يقطع بصدق البعثة المحمدية ..
وكفى بالقرآن معجزة ودلالة على اتصال رسالات الأنبياء واكتمالها برسالة محمد ﷺ ، وقد تكون حافزاً لإيمان أهل الكتاب وهم يقرأون التبشير ببعثته ﷺ في كتبهم المقدسة تصريحاً باسمه أو وصفاً لحاله وصفاته مما لا ينطبق على سواه.
بشارات علماء أهل الكتاب بنبوته:
لقد أخبر سلمان الفارسي في قصة إسلامه الطويلة أن راهب النصارى في عمورية عندما حضرته الوفاة طلب منه سلمان أن يوصيه، فقال الراهب: أي بني والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى، بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل فإنه قد أظلك زمانه".
стр. 116
ثم قصَّ سلمان خبر قدومه إلى المدينة واسترقاقه، ولقائه برسول الله حين الهجرة، وإهدائه له طعاماً على أنه صدقة فلم يأكل منه الرسول، ثم إهدائه له طعاماً على أنه هدية وأكل منه، ثم رؤيته خاتم النبوة بين كتفيه، وإسلامه على أثر ذلك (١).
وكذلك فإن يهود المدينة كانوا يعرفون أن زمان بعثة النبي قد أقترب، وكانوا يزعمون أنه منهم، ويتوعدون به العرب، وقد بيَّن الله تعالى أنهم يعرفونه بصفاته التي ذكرت في كتبهم كما يعرفون أبناءهم، وإنما أنكروا نبوته بعد ظهروه لما تبين لهم أنه من العرب فجحدوا نبوته.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٢).
وقد قال رجال من الأنصار: "إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه، لما كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد وإرم" (٣).
стр. 117
وقال هرقل ملك الروم عندما استلم رسالة النبي ﷺ : "وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم" (١).
إرهاصات نبوته:
ومن ارهاصات نبوته تسليم الحجر عليه قبل النبوة كما أخبر (٢). ومنها الرؤيا الصادقة وهي أول ما بدئ به من الوحي فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (٣).
وقد حبب إليه العزلة والتحنث (التعبد) فكان يعتزل قومه في غار حراء، وهو في جبل حراء، ويطل الغار على الكعبة (٤)، ويحتاج صعوده إلى جهد ويستغرق الصعود نصف ساعة، فكان يمكث فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك، حتى فجأه الحق وهو في غاز حراء (٥).
стр. 118
البعثة المحمدية:
بعث رسول الله وعمره أربعون سنة (١). وقد شذت رواية تفيد أن عمره ثلاث وأربعون (٢). وقد سعى البيهقي للتوفيق بين القولين بالاعتماد على مرسل الشعبي: "نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته اسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن على لسانه عشرين [سنة] " (٣). ولكن هذا المرسل لا يصح للاحتجاج به لإرساله، وتفرده، ومثل هذا الخبر لابد أن يشتهر ويعرف في جيل الصحابة، ثم إن مفاجأة الوحي للنبي تدل على خلافه، مما يؤيد رواية الصحيحين بأن البعثة المحمدية بدأت وعمره أربعون سنة.
وثبت أن الوحي نزل عليه أول ما نزل يوم الأثنين (٤).
والمشهور أن نزول القرآن بدأ في شهر رمضان (٥). والوحي المحمدي نظير الوحي الإلهي إلى الأنبياء السابقين قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٦).
стр. 119
الوحي:
كان رسول الله ﷺ يخلو في غار حراء، ولا نعلم كيف كان تعبده في حراء قبل البعثة، ولا نعلم متى حبب إليه الخلاء بالغار على وجه التحديد، ولكن ذلك كان قبيل البعثة وبعد أن بدئ بالرؤيا الصادقة التي كانت تمهيداً للوحي، ولم تذكر المصادر ما هي موضوعات الرؤى، ولكنها كانت رؤى صالحة كما وصفتها الروايات الصحيحة، وكان التحنث في الغار يستغرق ليالي عديدة حتى إذا نفد الزاد عاد إلى بيته فتزود لليالي أخرى. وفي نهار يوم الإثنين من شهر رمضان جاءه جبريل بغتة لأول مرة داخل غار حراء. قالت عائشة ﵂؛ "فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ، فقال له النبي ﷺ : ما أنا بقارئ فأخذني فغطني (١). حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فرجع بها ترجف بوادره (٢). حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال: ياخديجة مالي؟ وأخبرها الخبر. قال: قد خشيت على نفسي، فقالت له: كلا ابشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي - وهو ابن عم خديجة أخو ابيها - وكان امرءاً تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمى، فقالت له خديجة: اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره النبي ﷺ ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي
стр. 120
أنزل على موسى، ياليتني فيها جذعاً أكون حيّاً حين يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجيَّ هم؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزَّرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدَّي له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقاً. فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غداً لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدَّى له جبريل، فقال له مثل ذلك" (١).
وقد أوضح هذا الحديث أن (اقرأ) هي أول ما نزل من القرآن، وأن الرسول فوجئ بالوحي دون أن يتوقعه فراعه الموقف، كما يوضح الحديث موقف خديجة ﵂ في تطمينه ومساعدته على معرفة كنه الحدث، كما يبين قدر معلومات ورقة عن الأنبياء وتنبهه للأخطار التي ستحدق بالنبي، لكن ورقة مات قبل تتابع الوحي، وقد انقطع الوحي مدة، ويوضح بلاغ الزهري الأزمة التي تعرض لها الرسول لانقطاع الوحي، وإنه كاد يتردَّى من شواهق الجبال، وأن جبريل ﵇ كان يظهر له في كل مرة ويبشره بأنه رسول الله، ولكن بلاغ الزهري لا يصلح لإثبات الحادث لتعارضه مع عصمة النبي (٢). ثم إنه مرسل
стр. 121
ضعيف. ولا يعلم على وجه التحديد كم دامت مدة انقطاع الوحي، ولكن يبدو أنها لم تدم طويلاً (١) حيث اطمأنت نفس الرسول وتهيأ لاستقباله فتتابع الوحي وكثر. وأول ما نزل بعد فتوره ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إلى ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٢) وقد تكرر إبطاء الوحي في وقت آخر ليلتين أو ثلاثاً فقال المشركون: قد ودّع محمداً ربُّه، فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٣) وقد اختلط الأمر على بعض الرواة فحسبوا أنها نزلت عقب فترة الوحي الطويلة التي أعقبت نزول ﴿اقْرَأْ﴾ (٤).
стр. 122
وقد ذكر ابن إسحاق فترة ثالثة للوحي لكنها لا تصح (١). وقد وردت روايات ضعيفة أو واهية السند ومنكرة المتن تفيد أن جبريل علَّمَ الرسول الوضوء أو أن خديجة تحققت من كون الذي يراه الرسول ملاكاً وليس شيطانًا (٢). أو أن وقوع شق الصدر تكرر معه في بدء الوحي (٣). أو أن أول مجيىء جبريل إليه كان هو نائم بحراء (٤)، أو أن أبا بكر هو الذي صحبه إلى ورقة (٥). وهذا كله لا يثبت.
وكان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة (٦)، فكان جبينه يتفصَّدُ عَرَقاً في اليوم الشديد البرد، وكان وجهه يتغير ويكرب (٧) وجسمه يثقل، يقول زيد بن ثابت: "فأنزل على رسول الله ﷺ وفخذه على فخذي فثقلت علىّ حتى خفت أن ترضَّ فخذي" (٨). وكان يركز ذهنه بشدة لحفظ القرآن، فيحرِّك به لسانه وشفتيه، فنزلت الآية ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٩) تخفيفاً عنه ﷺ ، كان شوقه إليه وحرصه عليه يدفعه إلى التعجل في تلقيه كما بينت
стр. 123
ذلك الآية ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١) وقد سئل رسول الله ﷺ :
كيف يأتيك الوحي؟ فأجاب: أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس - وهو أشده علي - فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول (٢).
وكان الوحي يأتيه في اليقظة كما تدل الأحاديث الصحيحة (٣).
لقد استغرق نزول الوحي ثلاثاً وعشرين سنة، منها ثلاثة عشر عاماً بمكة وهذا هو المشهور (٤) وعشر سنين في المدينة وهو المتفق عليه (٥).
إن ظاهرة الوحي معجزة خارقة للسنن الطبيعية، حيث تلَّقى النبي ﷺ كلام الله (القرآن) بواسطة الملاك جبريل ﵇ وبالتالي فلا صلة لظاهرة الوحي بالإلهام أو التأمل الباطني أو الاستشعار الداخلي، بل إن الوحي يتم من خارج الذات المحمدية المتلقية له، دون أن يكون لرسول الله أي أثر في
стр. 124
الصياغة والمعنى، بل تنحصر مهمته بحفظ الموحي وتبلغيه. وأما بيانه وتفسيره فيتم بأسلوب النبي كما يظهر في أحاديثه المحفوظة. وهو أسلوب مغاير تماماً لأسلوب القرآن، إن محاولة البعض تعليل اختلاف أسلوب القرآن عن أسلوب الحديث عن طريق علم النفس التحليلي بدعوى أن القرآن صدر من منطقة اللاشعور في حالة ضعف الوعي الخارجي ونشاط العقل الباطن، وأن الحديث صدر عن العقل الظاهر (١) تبدو متهافتة إذا تأملنا فيما صدر عن الحكماء والشعراء والبلغاء من آثار أدبية تتضح فيها الوحدة الأسلوبية رغم مرورهم بتجارب تأملية واستبطانية، وصار مبدأ الأسلوب أساساً لتحديد السرقات الأدبية إلى جانب سرقة المعاني، ولا شك أن الهروب من الاعتراف بالوحي هو الدافع إلى التفسيرات العديدة المتناقضة لظاهرة الوحي، والتي قدمها المستشرقون وأتباعهم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
إن ظاهرة الوحي ظلت تواجه المستشرقين فلا يتمكنون من إعطاء تفسير لها بل يقعون في الحيرة والتناقض ويلجأون إلى الاتهامات القديمة التي سبق أن قالها العرب الجاهليون في مكة عند نزول الإسلام مما رده القرآن. قال تعالى يحكي تلك الاتهامات ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ وقال ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾.
وفي القرن العشرين يقول المستشرقون إن الرسول ﷺ تعلّم من ورقة (٢) بن نوفل، ومرة يقولون من بحيرا الراهب، وأحياناً يرددون أنه تعلم من يهود مكة!! ونحن نعلم أن مكة لم يكن فيها يهود. وإن لقاءه ببحيرا - لو ثبت - لا يعدو
стр. 125
الساعة أو الساعتين وهو غلام في الثانية عشرة من عمره!! وأن التوراة والإنجيل لم يترجما إلى العربية إلا بعد قرون من عمر الرسالة، ولو كانا قد ترجما فإن أميته تحول دون إفادته منهما (١). نعم يوجد ثمة تشابه بين القصص الديني في القرآن وما ورد في التوراة (وشرحه التلمود) والإنجيل، وهو تشابه مرجعه وحدة المصدر (٢) الإلهي. كما أن ثمة اختلافا جوهريا في التصور النهائي للأنبياء وتنزيههم في أعمالهم وخصائصهم بين القرآن والكتب المنزلة السابقة عليه، وهو اختلاف يرجع إلى ما تعرضت له تلك الكتب من تحريف وتبديل يجعلها لا تمثل بصدق (كلام الله). ولكن الأهواء دفعت بعض الدارسين إلى القول بأن القرآن اقتبس تلك القصص من التوراة والإنجيل مغفلين عمداً حقيقة الاختلاف الجوهري بين القرآن وغيره.
ولقد بين كاتبان نصرانيان هما سال sale وتايلور أن الرسول ﷺ لم يجد نموذجاً أخلاقياً ودينياً لينقله أو يحتذيه في الإسلام، بسبب انحراف أتباع الديانات القديمة وانحطاط تصوراتهم بل وتحريف أصولهم الدينية، يقول سال: "إذا قرأنا التأريخ الكنسي بعناية، فسنرى أن العالم المسيحي قد تعرض منذ القرن الثالث لمسخ صورته، بسبب أطماع رجال الدين والانشقاق بينهم والخلافات على أتفه المسائل، والمشاجرات التي لا تنتهي، والتي كان الانقسام يتزايد بشأنها. وكان المسيحيون في تحفزهم لإرضاء شهواتهم واستخدام كل أنواع الخبث والحقد والقسوة قد انتهوا تقريباً إلى طرد المسيحية ذاتها من الوجود، بسبب جدالهم المستر حول طريقة فهمها، وفي هذه العصور المظلمة بالذات ظهرت بل وثبتت أغلب أنواع الخرافات والفساد" (٣).
стр. 126
أما تايلور فيقول:"إن ما قابله محمد وأتباعه في كل اتجاه لم يكن إلا خرافات منفرة ووثنية منحطة ومخجلة، ومذاهب كنسية مغرورة وطقوساً دينية منحلة وصبيانية" (١).
ثم إن القرآن قد فند كثيرا من العقائد والتقاليد اليهودية والنصرانية فكيف ينقض النموذج الذي احتذاه - على حد مزاعمهم - (٢).
مرحلة الدعوة السرية:
بدأت الدعوة الإسلامية بمكة سرية، ويحدد ابن إسحاق والواقدي هذه المرحلة بثلاث سنين (٣)، وحددها البلاذري بأربع سنين (٤).
وكان المجتمع المكي - شأن سائر الجزيرة العربية - يعتمد في تنظيمه على القبيلة، فهي الوحدة الاجتماعية والسياسية ويعتمد في تلاحمه على العصبية القبلية فهي التي تشد أبناءها إلى بعضهم. ولما كانت مكة تخضع لقبيلة واحدة هي قريش بفروعها الأربعة عشر، فقد بدت هذه الفروع (العشائر) وحدات ذات كيان خاص، لكنها متحالفة داخل الكيان العام لقريش، وكان المتوقع أن ينتشر الإسلام في العشيرة التي ينتسب إليها الرسول ثم في قريش التي ينتمي إليها أخيراً. ولكن يلاحظ أن انتشار الإسلام لم يرتبط بالعصبية القبلية، ولا العشائرية، فلم يكن نصيبه من أفراد بني هاشم أعظم من بقية عشائر قريش، وإن كان بنو هاشم يتعاطفون معه أكثر من سواهم، لكن هذا التعاطف لم يجرهم إلى الدخول في الإسلام، بل مات كبيرهم وأقوى مناصريهم للرسول ﷺ وهو أبو طالب دون أن يدخل في الإسلام.
стр. 127
لقد انتشر الإسلام في المرحلة المكية في سائر فروع قريش بصورة متوازنة، دون أن يكون لإحدى عشائرها ثقل كبير في الدعوة الجديدة، وهذه الظاهرة مخالفة لطبيعة الحياة القبلية آنذاك.
وهي إذا أفقدت الإسلام الاستفادة الكاملة من التكوين القبلي والعصبية القبلية لحماية الدعوة الجديدة ونشرها، فإنها بنفس الوقت لم تؤلب عليه العشائر الأخرى بحجة أن الدعوة تحقق مصالح العشيرة التي انتمت إليها وتعلي من قدرها على حساب العشائر الأخرى.
ولعل هذا الانفتاح المتوازن على الجميع أعان في انتشار الإسلام في العشائر القرشية العديدة دون تحفظات متصلة بالعصبية فأبو بكر الصديق من "تيم" وعثمان بن عفان من "بني أمية" والزبير بن العوام من "بني أسد" ومصعب بن عمير من "بني عبد الدار" وعلي بن أبي طالب "من بني هاشم" وعمر بن الخطاب من "بني عدي" وعبد الرحمن بن عوف من "بني زهرة" وعثمان بن مظعون من "بني جمح" بل إن عدداً من المسلمين في هذه المرحلة لم يكونوا من قريش فعبد الله بن مسعود من هذيل، وعتبة بن غزوان من مازن، وعبد الله بن قيس من الأشعريين، وعمار بن ياسر من عنس من مذجح، وزيد بن حارثة من كلب, والطفيل بن عمرو من دوس, وأبو ذر من غفار, وعمرو بن عبسة من سليم، وعامر بن ربيعة من عنز بن وائل، وصهيب النمري من بني النمر بن قاسط. لقد كان واضحاً منذ الوهلة الأولى أن الإسلام ليس خاصاً بمكة وقريش.
المسلمون الأوائل:
يدل حديث بدء الوحي على أن خديجة ﵂ كانت أول من عرف خبر النبوة ونزول الوحي، وأنها صدقت الرسول وآزرته وثبتته وخففت عنه. فلا
стр. 128
غرابة أن تكون أول من آمن كما يقول الزهري وابن إسحاق (١).
وقد أسلم علي بن أبي طالب بعد خديجة في هذا الوقت المبكر فقد كان في حجر النبي ﷺ قبل (٢) الإسلام. - معونة من رسول الله لأبي طالب ورداً لجميله، فقد كان قليل المال كثير العيال - فكان أول الذكور إسلاما (٣). وقوي الحافظ ابن حجر أن يكون عمر علي ﵁ حين المبعث عشر سنين (٤).
وقد كثرت الروايات الواهية والموضوعة، حول تحديد يوم إسلامه وصلاته بيوم الثلاثاء بعد الرسول ﷺ وخديجة بيوم واحد، وأنه صلى قبل المسلمين الآخرين سبع سنين (٥)!! وفضائل علي ﵁ الثابتة كثيرة فلا يحتاج إلى مثل هذا الكذب والمغالاة.
وأما أبو بكر ﵁ فقد استنبط ابن كثير من حديث صحيح فيه "إن
стр. 129
الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله" إنه أول الناس إسلاماً (١).
وقد أسلم أهل بيت أبي بكر بإسلامه، قالت عائشة ﵂: "لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين" (٢).
وذهب الزهري إلى أن أول الناس إسلاماً هو زيد بن حارثة (٣) - مولى رسول الله - ونظراً لأقوال الزهري في أن أول من أسلم خديجة، فلعله عني أن زيداً أول من أسلم من الرجال ويبدو أن الواقدي أول من حاول التوفيق بين قولي الزهري (٤).
وقد تتالت محاولات التوفيق والجمع بعده بين الروايات التي تحدد أسماء أول الناس إسلاماً.
وتدل رواية صحيحة على إسلام سعد بن أبي وقاص، وأنه بقي أسبوعاً ثالث مسلم ثم أسلم آخرون (٥).
وقد نزل القرآن في خبر إسلامه كما أخبر عن نفسه قال: "حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب قالت: زعمت أن الله
стр. 130
وصَّاك بوالديك، وأنا أمّك وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثة أيام حتى غشي عليها من الجهد. فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد فأنزل الله في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ وفيها ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا ثم أوجروها" (١).
والحادثة تدل على صلابة موقف المؤمنين الأوائل أمام الفتن المتنوعة التي تعرضوا لها، كما تدل على أنماط المواجهة التي تجمع بين التأثير العاطفي والضغط النفسي حيناً وبين استخدام القهر والقوة أحياناً أخرى.
ولقد أسلم عثمان بن عفان ﵁ في وقت مبكر ولكن لم يصح قوله عن نفسه أنه الرابع في الإسلام (٢).وأسلم طلحة بن عبيد الله، لكن تفاصيل خبر إسلامه لا تصح (٣).
وأسلم الزبير بن العوام، وتوحي روايات ابنه الصغير عروة - الذي لم يدرك الرواية عن أبيه مما جعل مروياته عنه مرسلة - بأن إسلامه تَمَّ وهو صغير ابن ثماني سنين (٤)، لكن حفيده هشام بن عروة يقول أنه كان ابن ست عشرة سنة (٥).
وتشير رواية أبي الأسود إلى تعذيب عم الزبير له بالنار بسبب إسلامه (٦).
стр. 131
ولعل مصدر هذا الخبر عائلي لأن أبا الأسود أحد رواة مغازي عروة عنه وقد حددت رواية الواقدي سنه -حين أسلم- بسبع عشر سنة (١).
وممن بكر في الدخول في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص، لكن تفاصيل قصة إسلامه لم تثبت حيث تفرد بها الواقدي (٢).
وعبد الله بن مسعود حيث حكى خبر إسلامه قال: "كنت غلاماً يافعاً أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط بمكة، فأتى علىّ رسول الله ﷺ وأبو بكر وقد فرا من المشركين، فقال: يا غلام هل عندك لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن ولست بساقيكما. قالا: فهل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم. فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله ﷺ الضرع فدعا، فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقياني. ثم قال للضرع: اقلص، فقلص.
فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ ، قلت: علمني من هذا القول الطيب - يعني القرآن -، فقال رسول الله ﷺ : "إنك غلام مُعَلَّم. فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد (٣) ".
وقد ذكرت رواية الواقدي أن عبد الله بن مسعود أسلم قبل دخول رسول
стр. 132
الله ﷺ دار الأرقم (١). وذكرت رواية ضعيفة أخرى أنه كان سادس مسلم (٢).
ولا شك في تقدم إسلام خباب بن الأرت ولكن لم يثبت، أنه سادس ستة في الإسلام (٣)، كذلك تقدم إسلام بلال الحبشي (٤) وكان رقيقاً ثم اشتراه أبو بكر وأعتقه (٥).
وقد ثبت أن عمار بن ياسر أسلم مبكراً، فقد قال عن نفسه: "رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وأمرأتان وأبو بكر" (٦). وقال ابن مسعود: "أول من أظهر إسلامه سبعة رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سميه، وصهيب، وبلال، والمقداد" (٧) وكان عمرو بن عبسة السلمي يرى أنه رابع أربعة هم أول المسلمين. قال: فلقد رأيتني إذ ذاك ربع الإسلام (٨).
وأما عن بواعث إسلامه فقد قال: "كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شئ وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة
стр. 133
يخبر أخباراً، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفياً جراء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي. فقلت وما نبي؟ قال: أرسلني الله. فقلت: وبأي شئ أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان، وأنه يوحد الله لا يشرك به شئ. قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد. قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به. فقلت: إني متبعك. قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس!! ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني، قال فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة حتى قدم على نفر من أهل يثرب، من أهل المدينة، فقلت: ما فعل الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة، فدخلت عليه ... " (١).
ويبدو أن رسول الله ﷺ لم يخبره بأسماء سائر من أسلم وإنما سمي أبا بكر وبلالاً فقط حرصا على سلامة من أسلم من الأذى، وربما لأنه إنما أسلم بعد إجابة سؤاله عمن أسلم يومئذ وتعبير عمرو بن عبسة "فلقد رأيتني إذ ذاك ربع الإسلام" إنما هو بحسب ما بدا له. وإلا فقد كان عدد المسلمين أكثر من ذلك في المرحلة التي أظهرت فيها قريش جرأتها على الإسلام وأذاها للمسلمين كما يدل قول الرسول: ألا ترى حالي وحال الناس!!
стр. 134
ومما يدل على أن المسلمين كانوا متكتمين في أمر إسلامهم أن أبا ذر الغفاري ﵁ كان يرى نفسه رابع الإسلام أيضاً (١). وقد علل بعض الرواة تعارض كلام أبي ذر مع كلام عمرو بن عبسة فقال: "كلاهما لا يدري متى أسلم الآخر" (٢). مما يشير إلى أن مبدأ سرية الدعوة كان يراعى في بعض الحالات حتى مرحلة الدعوة الجهرية تبعا لما تقتضيه مصلحة الدعوة الناشئة.
إسلام الجن:
بعث محمد ﷺ لعالمي الإنس والجن، والجن كائنات مستترة عن أنظار البشر في الأصل، وإن كانت لهم قدرة على التجسد والظهور بأشكال مختلفة.
ويدل القرآن والسنة على أن نفراً من الجن، رأوا رسول الله بنخلة عامداً إلى عكاظ - وقد حيل بين الجن وبين استراق السمع من السماء فكانوا يبحثون في أرجاء الأرض عن السبب - فاستمعوا إليه وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فآمنوا به ورجعوا إلى قومهم فقالوا: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ فأنزل الله على نبيه ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ وإنما أوحي إليه قول الجن (٣) ولم ير رسول الله الجن في هذه المرة ولم يقرأ عليهم وإنما
стр. 135
آذنته بهم شجرة (١). ثم أوحى إليه خبرهم (٢). وقد حددت رواية مرسلة عدد من الجن وأنهم كانوا تسعة (٣). ولم تثبت من جن نصبين (٤).
وبعد هذه الحادثة دعا الجن رسول الله مرة - وهو معسكر بأصحابه خارج مكة - فذهب معهم وقرأ عليه القرآن ثم أرى أصحابه آثارهم وآثار نيرانهم (٥). وقد بين الشعبي أنهم وفد جن نصبين (٦).
بدء الدعوة الجهرية:
انقضت مرحلة الدعوة السرية بنزول الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فخرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش، فقال: "يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا ما جَّربنا عليك كذباً. قال: فإني نذير لكم بن يدي عذاب شديد.
стр. 136
فقال أبو لهب: تبا لك، أما جمعتنا إلا لهذا!! ثم قام.
فنزلت هذه السورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ (١).
وقد ذكرت روايات واهية أن رسول الله ﷺ جمع ثلاثين من أهل بيته على أثر نزول ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فأكلوا وشربوا -وبعضها يشير إلى ظهور معجزة كفاية الطعام القليل للعدد الكبير- ثم سألهم: من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة، وخليفتي في أهلي؟ فسكتوا. فقال علي: أنا (٢). وفضائل علي ﵁ كثيرة لكن هذه الرواية منكرة، وسائر شواهدها
стр. 137
واهية حبكها الكاذبون وتخيلها القصاصون من أصحاب الأهواء. ويجعل الطبري نزول الآية " ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ " إيذانا بانتهاء مرحلة السرية، والآية مكية، وفيها ما يفيد الأمر بالجهر بالقرآن، ويحتمل أن تكون نزلت لتنهي مرحلة السرية، ولكن يصعب الجزم بذلك لضعف إسناد الرواية. (١)
"ومن الطبيعي أن يبدأ الرسول دعوته العلنية بإنذار عشيرته الأقربين، إذ أن مكة بلد توغلت فيه الروح القبلية، فبدء الدعوة بالعشيرة قد يعين على نصرته وتأييده وحمايته، كما أن القيام بالدعوة في مكة لابد أن يكون له أثر خاص لما لهذا البلد من مركز ديني خطير، فجلبها إلى حظيرة الإسلام لابد وأن يكون له وقع كبير على بقية القبائل .. على أن هذا لا يعني أن رسالة الإسلام كانت في أدوارها الأولى محددة بقريش، لأن الإسلام كما يتجلى من القرآن اتخذ الدعوة في قريش خطوة أولى لتحقيق رسالته العالمية، والواقع أن كثيراً من الآيات المكية كانت تنص على أن القرآن ﴿مَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ الأمر الذي يدل على أن فكرة الدعوة العالمية كانت قائمة منذ هذا الوقت المبكر" (٢).
وقد أسلم في مرحلة الدعوة العلنية أبو ذر الغفاري، فقد استدل ابن حجر من قصة إسلام أبي ذر ورؤية علي له بأنها وقعت بعد المبعث بأكثر من سنتين بحيث يتهيأ لعلي أن يستقل بمخاطبة الغريب ويضيفه (٣).
وقد وردت قصة إسلام أبي ذر من حديث صحابيين هما عبد الله بن عباس في صحيحي البخاري ومسلم، وعبد الله بن الصامت في صحيح مسلم وحده، وبينهما تعارض، ويرى القرطبي أن الجمع بينهما فيه تكلف شديد، في حين يرى
стр. 138
الحافظ ابن حجر أن بينهما مغايرة كثيرة ولكن الجمع بينهما ممكن (١). وعلى أية حال فالقاعدة أن الأصح ما اتفق عليه البخاري ومسلم لذلك يلزم عند التعارض اعتماد رواية ابن عباس، ويؤخذ من الروايات الصحيحة أنا أبا ذر ﵁ كان منكراً لحال الجاهلية، يأبى عبادة الأصنام وينكر على من يشرك بالله، وكان يصلي لله قبل إسلامه، بثلاث سنوات دون أن يخص قبلة بعينها بالتوجه، ويبدو أنه كان متأثراً بالأحناف، ولما سمع بالنبي ﷺ قدم إلى مكة وكره أن يسأل عنه حتى أدركه الليل، فاضطجع فرآه علي ﵁ فعرف أنه غريب، فاستضافه ولم يسأله عن شئ، ثم غادره صباحاً إلى المسجد الحرام فمكث حتى أمسى، فرآه علي فاستضافه لليلة ثانية، وحدث مثل ذلك في الليلة الثالثة ثم سأله عن سبب قدومه، فلما استوثق منه أبو ذر أخبره بأنه يريد مقابلة الرسول ﷺ ، فقال له علي:"فإنه حق وهو رسول الله فإذا أصبحت فاتبعني فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني، فتبعه وقابل الرسول ﷺ واستمع إلى قوله فأسلم، فقال له النبي ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري. فقال: والذي نفسي بيده لأصرخنَّ بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه"، فأتى العباس بن عبد المطلب فحذرهم من انتقام غفار والتعرض لتجارتهم التي تمر بديارهم إلى الشام. فأنقذه منهم (٢). وهذه الرواية تفيد وجود بعض الأحناف في البوادي ولعل ما بدا من حذر علي ﵁ وما وقع من ضرب قريش لأبي ذر ومن وصف أنيس أخي أبي ذر الحالة في مكة عندما دخلها قبيل دخول أبي ذر فقال
стр. 139
لأخيه محذراً "وكن على حذر من أهل مكة فإنهم قد شنفوا له وتجهموا" (١) لعل في ذلك كله ما يؤكد أن إسلامه جرى بعد إعلان الدعوة وانتهاء المرحلة السرية.
لقد عاد أبو ذر إلى غفار فأسلم نصفهم، وأسلم النصف الثاني بعد الهجرة النبوية.
كذلك يظهر من سياق قصة إسلام ضماد - من ازد شنوءة - أنه تم في بداية مرحلة الجهر بالدعوة، وبعد أن جاهر الرسول ﷺ بتسفيه عقائد المشركين، فردوا عليه بالدعاية الكاذبة واصفين إياه بالجنون، فلما قدم ضماد مكة وسمع سفهاء مكة يتهمون النبي بالجنون، وكان ضماد يرقي من مس الجنون ذهب إلى الرسول وعرض عليه أن يرقاه. فقال رسول الله: "إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد" فقال ضماد: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهنَّ عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات، فقال ضماد: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ثم أسلم وبايع عن نفسه وقومه (٢).
إن الكلمات النبوية تلمس شغاف قلوب البشر وتزيل الحجب بينهم وبين حقيقة توحيد الألوهية التي غابت عنهم آماداً طويلة فتنقلهم الكلمات بصدقها
стр. 140
ومباشرتها وملامستها للفطرة إلى عالم الإسلام (١).
وهناك قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي وكرامته لكنها، لم يثبت منها إلا أنه دعا رسول الله ﷺ للالتجاء إلى حصن دوس المنيع فأبى الرسول ذلك (٢). ولا بد أن الدعوة هذه جرت بعد اشتداد المقاومة القرشية.
وتشير رواية صحيحة أن الطفيل دعا قومه إلى الإسلام ولقى منهم صدوداً حتى طلب الطفيل من رسول الله أن يدعو عليهم لكن الرسول دعا لهم بالهداية (٣). وكان الرسول آنئذ بالمدينة المنورة (٤).
أما عثمان بن مظعون فقد أسلم مبكراً لكن قصة إسلامه فيها ضعف (٥) وقد أسلم حمزة في وقت اشتدت فيه جرأة قريش على رسول الله ولكن تفاصيل قصة إسلامه لم تثبت من طريق صحيحة (٦).
стр. 141
وممن كان يخفي إيمانه بمكة المقداد بن الأسود (١).
أذى المشركين للرسول ﷺ :
لا شك أن الاستجابة للأمر الإلهي بإعلان الدعوة اقتضى من المسلمين مواجهة المشركين بحقائق التوحيد وبفساد الشرك، مما جعل المشركين يلحقون الأذى بالرسول ﷺ وأصحابه، ففضلاً عن المعتقدات الباطلة التي عشعشت بعقولهم وتوارثوها خلفا عن سلف، فإنهم مدركين لجدواها في تحقيق مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية عندما تؤم القبائل العربية مكة حيث الأصنام الثلاثمائة والستون المحيطة بالكعبة، وينجم عن ذلك حركة بيع وشراء تحقق الأرباح الوفيرة للملأ - سادة مكة - كما تؤمن - عبر الإيلافات واحترام قريش دينيًا - التجارة المكية نحو اليمن والشام.
واتخذ الأذى صوراً شتى من السب العلني والضرر المادي وقد وردت رواية من طرق تعتضد ببعضها لإثبات الحدث تاريخياً تقول إنه لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ (٢) أقبلت أم جميل بنت حرب، امرأة أبي لهب، وهي تنشد: مذمم أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر ﵁، فسألت أبا بكر إن كان النبي قد هجاها فنفى ذلك (٣)
стр. 142
وكان رسول الله ﷺ يفرح لأن المشركين يسبون مذمما يقول: "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً وأنا محمد" (١).
ويحكي شاهد عيان هو عبد الله بن مسعود ﵁: "بينما رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، وجمع من قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها، فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم، فلما سجد رسول الله ﷺ وضعه بين كتفيه. وثبت النبي ﷺ ساجداً، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك. فانطلق منطلق إلى فاطمة ﵍ وهي جويرية - فأقبلت تسعى وثبت النبي ﷺ حتى ألقته عنه. وأقبلت عليهم تسبهم. فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش.
ثم تسمى: اللهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد، قال عبد الله بن مسعود: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب (٢) - قليب بدر - ثم قال رسول الله ﷺ : وأتبع أصحاب القليب لعنة" (٣).
وقد بينت الروايات الصحيحة الأخرى أن الذي رمى الفرث عليه هو عقبة
стр. 143
ابن أبي معيط، وأن الذي حرضه هو أبو جهل (١)، وأنا المشركين تأثروا لدعوة الرسول، وشق عليهم الأمر، لأنهم يرون أن الدعوة بمكة مستجابة (٢).
وقد ثبت أن النبي ﷺ دعا على قريش لما كذبوه واستعصوا عليه فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأخذتهم سنة فحصت كل شئ حتى أكلوا الميتة والجلود، وجعل الرجل يرى بينه وبين السماء دخانا من الجوع.
فأتى أبو سفيان إلى الرسول ﷺ فقال: إنك تأمر بطاعة الله، وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فأدع الله لهم. وقد أثبت القرآن هذا الحادث فقال تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله ﴿عَائِدُونَ﴾ (٣) فلما دعا ربه لهم آملاً توبتهم عادوا إلى كفرهم ونسوا ما حكاه القرآن على لسانهم قالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (٤).
ويرى الحافظ الدمياطي أن ابتداء دعاء النبي على قريش بذلك كان عقب طرحهم على ظهره سلا الجزور (٥). ولكن من المهم أن نلاحظ أن دعوته عليهم كانت بسبب تكذيبهم إياه واستعصائهم على الإيمان، وليس بسبب إيذائهم له،
стр. 144
فطالما احتمل أذاهم ولم يدع عليهم، بل دعا لهم بالهداية مما يصلح مثلا أعلى في الصبر على الدعوة واحتمال المدعوين وإن آذوا أصحاب الدعوة في أموالهم ومصالحهم وأنفسهم.
وكان المشركون إذا سمعوا القرآن يجهر به الرسول وهو يصلي بأصحابه مستخفياً يسبون القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فأمره الله تعالى أن يتوسط بالقراءة بحيث يسمعه اتباعه دون المشركين قال تعالى ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١).
إن حرص الرسول ﷺ على الصلاة في المسجد الحرام أدى إلى الاحتكاك بالمشركين مراراً، ولعله حرص على إظهار شعائر الإسلام، واحترام الكعبة، ولقاء الناس لأغراض الدعوة.
ومن هنا حاول المشركون تفويت هذه الأغراض عليه بمضايقته وإيذائه دون التورع عن ذلك حتى وهو يسجد لله في صلاته!!
إن التهديد بالأذى والقتل على لسان زعماء المشركين لم يكن ينقطع في مرحلة الدعوة العلنية، بل كان يتصاعد ويشتد مع الأيام. فمرةً "قال أبو جهل: هل يعفَّر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم.
فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب.
فأتى رسول الله ﷺ ، وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته. فلما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه فقيل له: مالك؟
فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة.
стр. 145
فقال رسول الله ﷺ : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا (١).
لقد خلّد القرآن هذا الحَدَث فقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (٢). ولعله في هذه المرة نفسها جاءه أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي ﷺ بعد أن نهر أبا جهل وغلظ له القول، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها نادٍ أكثر مني. فأنزل الله ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (٣).
وقد سأل عروةُ بن الزبير عبدَ الله بن عمرو بن العاص: "أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ ؟
قال: بينا رسول الله ﷺ يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي مُعَيط، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله ﷺ وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤). وكان عمرو بن العاص والد عبد الله شاهدَ عيانٍ للحادثة، والغالب أنه سمع الخبر منه (٥).