← Сира

Сира · id 122396

السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية

أكرم العمري

Полный текст (707 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مكة (١): تقع مكة في بطن واد، وتشرف عليها الجبال من جميع النواحي فإلى الشرق يمتد جبل أبو قبيس وإلى الغرب يحدها جبل قعيقعان. ويمتدان بشكل هلال فيحصران عمران مكة وتعرف المنطقة المنخفضة من الوادي بالبطحاء ويقع بها البيت العتيق، وتحيط بها دور قريش، أما المنطقة المرتفعة فتعرف بالمعلاة، أما عند طرفي الهلال فتقوم دور ساذجة لقريش الظواهر وهم أعراب فقراء أصحاب قتال، لكنهم دون قريش البطاح في التحضر والغنى والجاه. وكانت صلات النسب بين قريش وكنانة - حيث أن قريشا تنتمي إلى كنانة - التي تسكن قريباً من مكة، تعطي مكة عمقاً استراتيجياً، وقد وثقت صلة النسب بالمحالفات أيضاً، وكان الأحابيش الذين يعيشون قريباً من مكة حلفاء لقريش أيضاً، وكانوا يستخدمون في حراسة القوافل المكية. وامتدت الأحلاف لتشمل القبائل التي تقع على خطوط التجارة المكية إلى الشام والعراق واليمن، وكانت قريش تدفع لهم جعالات معينة وتشرك زعماءهم في تجارتها وسمى هذا بـ (الإيلاف) الذي أوجده هاشم بن عبد مناف. بل تمكن هاشم بن عبد مناف من الحصول على حق التجارة داخل أراضي الروم والفرس بالاتفاق مع حكامهم، وعقد المعاهدات معهم، وسلوك مسلك الحياد بين القوتين، فارس والروم. واقتصاد مكة يقوم أساساً على التجارة أما الصناعة فكانت قليلة أبرزها صناعة الأسلحة من رماح وسيوف ودروع ونبال وسكاكين ثم صناعة الفخار والنجارة لصناعة الأسرة والأرائك، كما أن الموارد الاقتصادية الأخرى مثل تربية الماشية والصيد كانت معروفة، ولكن بقيت التجارة أساساً لاقتصاد مكة فكانت سياسية الإيلاف

стр. 72

والمعاهدات سبباً في ازدهار مكة وتكاثر رؤوس الأموال فيها بسبب الانتقال من التجارة المحلية إلى التجارة الدولية، وساعد النزاع بين الفرس والروم على ازدهار طرق التجارة البحرية بدل الطريق البري بين العراق والشام فكانت البضائع تنقل من الهند إلى اليمن ثم مكة فالشام، وصارت القوافل الكبيرة تمول من قبل عدد كبير من المكيين بشكل أسهم في تزيد وتنقص حسب قدراتهم المالية، وهكذا ساعدت التجارة على تعميق أواصر المجتمع المكي إذ ربطته بالمصالح إلى جانب وشائج القربى. لكن هذه المشاركة لم تحل دون نشوء طبقة غنية متخمة وأخرى متوسطة وثالثة معدمة، فرؤوس الأموال الكبيرة بيد الأغنياء، وهي تتعاظم بالتجارة وبالإقراض الربوي للمحتاجين، وبالاستثمار في الزراعة في الطائف المجاورة. وهكذا كان من أغنياء مكة من يأكل بصحاف الذهب والفضة في حين كان أكثر أهل مكة فقراء. وكانت تجارة مكة تسلك أحياناً الطرق البحرية إلى جانب الطرق البرية، لكنها لم تكن تملك أسطولاً تجارياً بل تستخدم السفن الحبشية في العبور إلى الحبشة أما السفن الرومية فكانت تصل إلى ميناء الشعيبة قبل أن تأخذ مكانها جدة في خلافة عثمان (رض). وكانت قريش تحصل من الحبشة على البخور والأطياب وريش النعام والعاج والجلود والتوابل والرقيق الأسود، وتحصل من الشام على القمح والدقيق والزيت والخمر، وتحصل من الهند على الذهب والقصدير والحجارة الكريمة والعاج وخشب الصندل والتوابل كالبهار والفلفل ونحوها والمنسوجات الحريرية والقطنية والكتانية والأرجوان والميعة والزعفران والآنية الفضية والنحاسية والحديدية. وكانت تحمل حاصلات بلاد العرب من الزيت والبلح والصوف والوبر والشعر والجلود والسمن. والاقتصاد التجاري يحتاج إلى الأمن، وقريش كانت تستعمل سياسة الحلم واللين وليس القوة للوصول إلى غاياتها التجارية وأمان طرقها الخارجية. ولم تدخل قريش في حروب قبل الإسلام سوى حروب الفجار الأربع التي هي

стр. 73

حروب صغيرة ومناوشات. وقد شهد الرسول ﷺ آخرها وهو الفجار الرابع وعمره عشرون سنة، ولم تحرز قريش النصر على الأعراب في تلك المناوشات. وقد ساعدها على تحقيق الأمن وجود الكعبة التي يحج إليها العرب من شتى الأصقاع حيث تحيط بها أصنامهم الستون والثلثمائة بعضها جلبها عمرو بن لحي الخزاعي - وهو أول من غير دين إبراهيم ﵇ من الشام مثل هبل وبعضها صنع محلياً وبعضها ليست مصنوعة بل هي حجارة مثل أساف ونائلة. وكون مكة مركزاً لعبادة العرب يمنح قريشاً الاحترام ويحقق لها الإيلاف مع القبائل والحماية بالتالي لتجارتها. وحرمة مكة قديمة ترجع إلى إبراهيم ﵇ وقد ظلت أرضاً مقدسة وحرماً آمنا حتى ظهور الإسلام الذي أكد على حرمتها وقدسيتها، ولم يقتصر تقديس الكعبة على المكيين بل امتد إلى العرب في شبه الجزيرة، ولم تتمكن بيوت الأوثان والأصنام من منافستها مثل بيت الأقيصر وبيت ذي الخلصة وبيت صنعاء وبيت رضاء وبيت نجران، ولم تنجح محاولة أبرهة لتحويل الحج إلى القليس التي ابتناها في صنعاء بعد أن أخفقت حملته العسكرية على مكة سنة ٥٧٠ م. ورغم وجود أخبار عن سكان مكة القدامى وهم جرهم ثم خزاعة ثم قريش فإن معظم الأخبار تخص قريشاً، وكثير من أخبارها تشعر بأنها صالحة للبحث التأريخي وليست أسطورية. وخاصة بعد أن جمع قصي بن كلاب عشائر قريش واستولى بها على مقاليد الأمور بمكة - وذلك في النصف الأول من القرن الخامس للميلاد، وبذلك يتطابق التاريخ السياسي والأدبي لأن تاريخ الأدب الجاهلي لا يرقى إلى أكثر من ١٥٠ سنة قبل الإسلام- وكانت بيد خزاعة ووزع رباع مكة وخططها بين قريش، فبدأت تبني دورها بالحجر داخل الحرم بعد أن كانت منطقة مشجرة خالية من البناء، وكان الشجر مقدساً لا يقطع حتى قطعه قصي فتجرأ الناس على قطعه. ثم قام قصي بتنظيم مكة فقسم الوظائف والواجبات بين أولاده وهي الحجابة والسقاية والرفادة واللواء والندوة، وكان قصي قد اتخذ لنفسه دار الندوة وجعل بابها إلى مسجد الكعبة،

стр. 74

ففيها كانت قريش تتشاور في أمور السلم والحرب وفيها تجري عقود الزواج والمعاملات فهي دار مشورة ودار حكومة يديرها (الملأ) الذين يمثلون زعماء الأسر وأصحاب الرأي في مكة ويندر أن يقل عمر أحدهم عن سن الأربعين، ويتقيد الناس بأوامر الندوة عادة وعرفاً، فليس ثمة قانون مكتوب، وليس ثمة رئيس أو حاكم أو مالك في مكة، ولا يتم انتخاب أعضاء الندوة بالاقتراع بل يحددهم العرف، ويمارس رئيس كل عشيرة صلاحياته على عشيرته. وقد فرض قصي العشر على التجار القادمين إلى مكة من غير أهلها، فصار أحد مصادر الثروة في مكة. وصار أمر قصي في قريش كالدين المتبع اعترافاً بفضله وشرفه ويمنه. وقد اتسم (الملأ) بالمحافظة الشديدة على العقائد والتقاليد والأعراف السائدة لتأكيد حقوقهم الموروثة ومكانتهم الاجتماعية ومصالحهم الاقتصادية وكل ذلك يتحقق بالمحافظة على الأوضاع السائدة ووحدة أهل مكة، مما يفسر شدة مقاومتهم للإسلام عند ظهوره، فقد رأوا فيه تهديداً لوحدة قريش، وأغاظهم جداً أن يهاجر المسلمون إلى الحبشة ثم المدينة. لقد قام أبناء قصي وأحفادهم بأعمال مهمة أدت إلى ازدهار مكة وبنفس الوقت أبرزت مكانتهم وفضلهم وشرفهم ومكنت لسيادتهم. وإذا استعرضنا ما انجزوه، فإن قصياً هو الذي جمع قريشاً ومكن لها في مكة ونظم شؤونها، وأمسك أبناؤه بزمام وظائفه من بعده من السقاية والرفادة والحجابة واللواء والندوة، وتمكن هاشم بن عبد مناف بن قصي من عقد الإيلاف وتوسيع نطاق التجارة المكية بإخراجها من الحدود المحلية إلى النطاق الدولي، وقام بحفر عدة آبار لخدمة قريش والحجيج معاً، وعرف المطلب أخو هاشم بالنسك والأمر بترك الظلم والبغي والحث على مكارم الأخلاق، وعرف عبد المطلب بن هاشم بالفياض لجوده وبشيبة الحمد لكثرة حمد الناس له، وقد اشتهر بحفر ماء زمزم التي طغت على مياه آبار مكة الأخرى لغزارتها ودوامها وأنها ألطف مذاقاً من مياه

стр. 75

آبار مكة الأخرى، وكان أبناء قصي قبل حفرها يأتون بالمياه من آبار خارج مكة. ولم يكن عبد المطلب أغنى رجل في قريش ولا زعيم مكة الوحيد، ولكن صلته بشؤون البيت العتيق وخدمة الحجيج جعلته من وجهاء مكة وهو الذي حادث أبرهة عندما غزا الأخير مكة. وقبيل ظهور الإسلام تولى أبو طالب بن عبد المطلب الرفادة والسقاية ولم يكن له مال ينفقه في هذا السبيل فاستدان من أخيه العباس بن عبد المطلب عشرة آلاف درهم فأنفقها، ولم يتمكن من رد المبلغ تنازل عن الرفادة والسقاية إلى العباس بن عبد المطلب .. وهكذا فإن عشيرة الرسول ﷺ كانت تتبوأ مكانة اجتماعية خاصة في مكة عند ظهور الإسلام، رغم أنهم كانوا وسطاء في الثراء، وربما كانوا دون أوساط تجار مكة، وكان الثراء قبيل الإسلام في بني عبد شمس وبني نوفل وبني مخزوم، وقد نازعتهم العشائر القرشية الأخرى السيادة على مكة، وكان النزاع على السيادة بين تلك العشائر القرشية قد بدأ بين أبناء قصي وأدى إلى انقسام العشائر إلى محورين هما المطيبون (بنو عبد مناف ومن حالفهم وهم بنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة وبنو تميم وبنو الحارث بن فهر) والأحلاف (بنو عبد الدار ومن حالفهم وهم سهم وجمح ومخزوم وعدي)، كما حدثت منافرات ومنازعات داخل الأسرة الواحدة أحياناً، كما حدث بين أمية بن عبد شمس وعمه هاشم بن عبد مناف، ومن بعدهما بين ابنيهما حرب بن أمية وعبد المطلب بن هاشم. وقد ساعد الأمن والسلام الذي ساد مكة قبيل الإسلام على بقاء زعمائها خلافاً لزعماء المدينة الذين أفنتهم الحروب الداخلية، وهذا أحد أسباب شدة المقاومة للدعوة الإسلامية من قبل قريش. ومن أبرز رجالات مكة في عصر الرسالة الأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث الزهري، وكانا من أعز قريش في الجاهلية، وكانا من المستهزئين بالرسول ﷺ وأصحابه.

стр. 76

ومن زعماء مكة آنذاك أبو جهل والحارث وعمرو أبناء المغيرة بن هشام المخزومي، وقد اشتهرت عداوة أبي جهل وعمرو للإسلام، وصدهما الناس عن رسول الله ﷺ ، وقيام أبي جهل بتعذيب المستضعفين من المسلمين. ومنهم حكيم بن حزام بن خويلد، والحكم بن أبي العاص بن أمية، والوليد بن المغيرة المخزومي وكان عظيم الثراء، متعالياً متغطرساً، وكان أحد المستهزئين بالإسلام أنفة وغروراً واستكباراً. ومنهم أبو أمية سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، وكان عدواً على الإسلام محرضاً على المسلمين. ومنهم عمرو بن عبد ود العامري، وهو فارس مشهور. وسهيل بن عمرو الذي مثل قريشا في صلح الحديبية. ومنهم الحارث بن قيس بن عدي السهمي أحد المستهزئين بالإسلام وأهله، ومنهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. ومنهم أبو سفيان صخر بن حرب الذي اشتهر بقيادة تجارة قريش الخارجية بالإضافة إلى قيادة مكة في الحرب، وكان معانداً للإسلام ولعله أكثر الزعماء تصدياً للإسلام حتى إسلامه وقت فتح مكة. ومنهم عبد العزى بن عبد المطلب من أغنياء مكة ووجهائها الذين وقفوا بقوة أمام الدعوة الإسلامية. ومنهم أبو لهب عم الرسول ﷺ ، وكان من وجهاء مكة وعرف بمواقفه العدائية من الإسلام. ولا شك أن هذا العدد الكبير من الزعماء الأقوياء الذين وقفوا أمام الدعوة الإسلامية وناصبوها العداء وأوقعوا بأتباعها البلاء يوضح الظروف الصعبة التي واجهت الرسول ﷺ بمكة. أما الزعماء الذين أسلموا أو وقفوا إلى جانب الإسلام في العهد المكي فهم أبو طالب وحمزة والعباس أبناء عبد المطلب وأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب.

стр. 77

الحياة الدينية في مكة (١): كانت هاجر ورضيعها أول ساكنين بمكة، ثم جاءت جرهم فاستقرت إلى جوار زمزم، ثم ابتنى إبراهيم الكعبة وهي أول بيت لعبادة الله، فإبراهيم كان رسولاً يدعو إلى عقيدة التوحيد، فلا بد أن جرهم اتبعت الإبراهيمية لتتم المحافظة على التوحيد في الأجيال الأولى بمكة التي أعقبت بناء الكعبة، ويبدو أن عقيدة التوحيد في نفوس الناس أصابها انحراف نحو عبادة الأصنام والأوثان، وتشير كتب الأخبار والتاريخ إلى أثر عمرو بن لحي الخزاعي في جلب هذه الأصنام من الشام إلى مكة وقيامه بالدعوة إلى عبادتها، ويبدو أن تعاليم الإبراهيمية في زمن عمرو بن لحي كانت ضعيفة التأثير في نفوس الناس وربما كانت تفاصيل الديانة قد ضاعت، ومن هنا ظهر استعداد الناس لقبول الشرك وما يتصل به من عقائد باطلة. وإذا كانت هذه الصورة مأخوذة من أقوال الإخباريين التي كثيراً ما تتضارب وتتعارض فإن من الثابت أن عمرو بن لحُيّ الخزاعي قد ابتدع عادات ومعتقدات في مكة مخالفة للدين الحق وأن النبي ﷺ بَيَّن أنه رآه في المنام يجر قصبة في النار، وأنه أول من سيب السوائب (٢)، وهو تحريم ظهر الأنعام فلا يحمل عليها شئ نذراً للأصنام فتسيب فلا تحبس عن مرعى ولا ماء ولا يركبها أحد، وهذا تحريم لم يأذن به الله حتى لو لم يقترن بالنذر للأصنام، وأما مع الاقتران فهو الشرك.

стр. 78

وهذا التأكيد من الإخباريين على أثر عمرو بن لحي لابد أنه يستند إلى أصل تاريخي يثبت أن له أثراً في تحريف الإبراهيمية ونشر الشرك بين أهل مكة وخارجها. إن أصدق مصر بين عقائد الجاهلية هو القرآن الكريم من خلال جدله الديني مع المشركين وتفنيد عقائدهم، وقد بين الله تعالى في القرآن أن العرب المشركين كانوا يعبدون آلهة مزعومة لتقربهم إلى الله زلفى ولتشفع لهم عنده " ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ " (١) فهم يعرفون الله لكنهم يستشفعون إليه بالآلهة المزعومة " ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ " (٢)، فيعبدون الأصنام والأوثان معتقدين أنها منازل الأرواح كما بين الإخباريون، وقد اتصلت فيهم هذه الوثنية مع شعائرها وعاداتها واعتقاداتها عقوداً متتابعة بسبب التقليد فكل جيل جديد يرث عن أسلافه هذه الوثنية، فترسخت على مر الأيام لما كانوا عليه من تعظيم الأسلاف " ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ " (٣) وقد أعماهم التقليد عن نقد تراثهم العقدي وتحكيم العقل والأخذ بالدليل الصحيح. واستتبع الانحراف في العقيدة انحراف في العبادة والسلوك والشعائر والشرائع، فإذا بمناسك الحج تدخلها الوثنية، حيث وضعت الأصنام حول الكعبة، وجرى الطواف حولها مع التعري من الثياب أحياناً، وأصبحت قريش أخيراً لا تخرج إلى عرفات بل تقف بمزدلفة خلافاً للناس "وكانوا لا يسلأون ولا يأقطون ولا يرتبطون عنزاً ولا بقرة ولا يغزلون صوفاً ولا وبراً ولا يدخلون بيتاً من الشعر والمدر، وإنما يكتنون بالقباب الحمر في الأشهر الحرم، ثم فرضوا على العرب قاطبة أن يطرحوا أزواد الحل إذا دخلوا الحرم، وأن يتركوا ثياب الحل ويستبدلوها بثياب الحرم، إما شراء

стр. 79

وإما عارية وإما هبة، فإن وجدوا ذلك فيها وإلا طافوا بالبيت عراياً, وفرضوا على نساء العرب مثل ذلك، غير أن المرأة كانت تطوف في درج مفرج القوائم والمآخير"، وهكذا ابتدعوا وشرعوا ما لم يأذن به الله مع ادعائهم أنهم على شريعة أبيهم إبراهيم ﵇!!. وكان تصورهم لله فيه قصور ونقص، فهم ينحرفون عن الحق في أسمائه وصفاته " ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ " (١) فينكرون بعض صفاته ويسمونه بأسماء لا توقيف فيها أو بما يوهم معنى فاسداً، وينسبون بعض صفاته ويسمونه بأسماء لا توقيف فيها أو بما يوهم معنى فاسداً، وينسبون إليه النقائص كالولد والحاجة، فزعموا أن الملائكة بنات الله، وجعلوا الجن شركاء له سبحانه " ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ " (٢) " ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ " (٣)، وجحدوا القدر واحتجوا به على الله تعالى " ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ " (٤). ومن معتقداتهم إنكار البعث " ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ " (٥)، فعبادتهم لإله وتقربهم للأصنام بالقرابين والنذور ليس من أجل الآخرة بل لتحقيق مطالب دنيوية مثل زيادة الأموال ودفع الشر والضرر عنهم في هذه الدنيا إذ لا علم لهم بالآخرة. ويستثنى من عموم المنكرين للبعث عدد ممن كانوا يقولون بالبعث من الشعراء الجاهليين وغيرهم، ولم تنقل الأخبار تصور هؤلاء لما يقع بعد البعث، وكانوا ينسبون النوازل - ومنها الموت - إلى الدهر (﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾) (٦).

стр. 80

وأما العبادة فقد نقصوا منها وزادوا فيها تبعا لأهوائهم، فكانوا ينقصون من الحج الوقوف بعرفة قالت عائشة (رض): "كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات ثم يقف بها. ثم يفيض منها، فذلك قوله سبحانه تعالى (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) (١)، ومن ذلك أنهم كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض. ومما زادوه في العبادة المكاء والتصدية في المسجد الحرام، وهما الصفير والتصفيق قال الله تعالى (﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾) (٢) وكذلك ذبحهم على النصب تعظيماً للأصنام، كما كانوا يحلفون باللات والعزى، ومن ذلك استسقاؤهم بالأنواء وأما أخلاقهم وأعرافهم وعاداتهم، فمنها كثير هدمه الإسلام، كالفخر بالأحساب والطعن بالأنساب، قال النبي ﷺ "أربع من أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنائحة" (٣) ومن خصال الجاهلية تعييرهم لبعض بفعل الأمهات والآباء، وافتخارهم بولاية المسجد الحرام قال تعالى (﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾) (٤)، وتعظيمهم الدنيا والأموال وأصحابها كما تدل الآية (﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾) (٥)، وازدراؤهم الفقراء والضعفاء، وقد شاعت فيهم العيافة والطرق والطيرة والكهانة. وكانوا يتعوذون بالجن خوفاً منهم (﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾) (٦).

стр. 81

وقد حاول البعض استغلال التشابه في مناسب الحج بين الجاهلية والإسلام، وبعض الشعائر التعبدية الأخرى، لإثارة شبهات هي أن تعاليم الإسلام امتداد للعصر الجاهلية مع تغييرات يسيرة في الطقوس، فعقيدة التوحيد نادى بها بعض شعراء العصر الجاهلي، والحج على الكعبة كان موجوداً من قبل، وكذلك تقديس الأشهر الحرم، وظهور أفكار تتناول القضاء والقدر مع غلبة الجبر، فضلاً عن التشابه في الدعوة إلى المروءة والصدق والكرم والشجاعة. إن الفهم الصحيح لهذا التماثل لا يتحقق إلا بالاعتراف بالوحي والنبوة، وإن الديانة الإبراهيمية تركت تعاليم وعبادات وقيماً دينية في مكة وما حولها، كما أن أنبياء آخرين بلغوا أدياناً صحيحة إلى الساميين في شبه جزيرة العرب خلال تاريخهم الطويل. إن الفهم الشامل للإسلام يؤكد أن هذا الدين جاء نقيضاً للواقع الفكري والاجتماعي في الحقبة التي ظهر فيها وليس امتداداً لجهود سابقة، وما هدمه من الواقع الجاهلي أعظم بكثير مما استبقاه. وإن مراد القائلين (١) بأن الإسلام امتداد وتطور وانعكاس لبيئة فكرية واجتماعية بمكة التأكيد على بشرية القرآن وإنكار النبوة والوحي. ولا شك أن المقاومة العنيفة التي واجهها الإسلام بمكة وأنحاء الجزيرة العربية عامة تجعل من الصعب قبول الأفكار التي تزعم بأن الإسلام جاء تحقيقاً

стр. 82

لطموح العرب وتطلعهم للوحدة والعدالة الاجتماعية، إن الوعي بقضايا الوحدة والعدالة الاجتماعية ما زال حتى يومنا ضئيلاً في عالم البشر في أكثر أرجاء المعمورة، وما زال الاستئثار بالسلطة والظلم الاجتماعي وانتقاص كرامة وحقوق الإنسان تمثل مشكلة مستعصية، فضلاً عن العرب الذين طغت عليهم البداوة والتشتت قبيل الإسلام ... فالحقوق التي نالها الإنسان مثل حق الحياة والتملك والشورى وحرية العقيدة وتكافؤ الفرص في الحقوق العامة والمساواة أمام الشرع والقضاء وحقوق المرأة لم تكن ثمرة نضال اجتماعي كما حدث في تاريخ الحضارة الغربية، بل اكتسب الإنسان هذه الحقوق بواسطة الشرع من سلطة عليا مطلقة، ولئن ضعفت المجتمعات الإسلامية بعد عصر الراشدين عن مواصلة السير على نهجهم بنفس المستوى بل ظهر النقص والعدوان على حقوق الإنسان فإن المسئولية تقع على الناس الذين لم يحافظوا على مستوى من الوعي يمكنهم من الحصول على حقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية ولا تقع على الإسلام نفسه. صفة رسول الله ﷺ : كان رسول الله من أحسن الناس وجهاً، أبيض اللون بياضاً مزهراً، مستدير الوجه، مليحه، واسع الفم، طويل شق العينين، رجل الشعر - بين الجعودة والسَّبط - يصل إلى شحمة أذنيه، وأحياناً بين أذنيه وعاتقه، وقد يمتد حتى منكبيه أحياناً أخرى، ولم يشب شعره الأسود إلا اليسير منه، حيث قدر شيبه في أواخر عمره بعشرين شعرة موزعة في الرأس وتحت الفم والصدغين، ويميل اللون إلى الحمرة في بعض شعره من أثر الطِّيب. وكان متوسط القامة، متوسط الوزن، ليس بالنحيف ولا الجسيم، عريض الصدر ضخم اليدين والقدمين، مبسوط الكفين، كفاه لينتان، قليل

стр. 83

لحم العقبين، يحمل في أعلى كتفه اليسرى خاتم النبوة وهو شعر مجتمع كالزر (١). وهذه الصفات الجسيمة تدل على جمال المظهر، واكتمال الجسم وقدرته على النهوض بالواجبات العظيمة التي انيطت به، فلم ير اعداؤه في مظهره ما يعيبونه عليه أو يلقبونه به على سبيل الانتقاص. وإضافة لحسن خلقته الجبلية وسلامة حواسه وأعضائه، فقد اعتنى بمظهره من النظافة وحسن الهيئة والتطيب بالطيب. أما صفاته الخلقية، فقد وصفه القرآن الكريم (﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾) (٢) وقالت عائشة ﵂: "كان خلقه القرآن" (٣). ومن دراسة سيرته وقراءة الأحاديث النبوية في صفاته الخلقية تطالعنا صور التواضع المقترن بالمهابة، والحياء المقترن بالشجاعة، والكرم الصادق البعيد عن حب الظهور، والأمانة المشهورة بين الناس، والصدق في القول والعمل، والزهد في الدنيا عند إقبالها، وعدم التطلع إليها عند إدبارها، والإخلاص لله في كل ما يصدر عنه، مع فصاحة اللسان وثبات الجنان، وقوة العقل، وحسن الفهم. والرحمة للكبير والصغير، ولين الجانب ورقة المشاعر وحب الصفح والعفو عن المسيء والبعد عن الغلظة والجفاء والقسوة، والصبر في مواطن الشدة، والجرأة في قول الحق.

стр. 84

النبي المختار: قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ فهذا اصطفاء النبوة، وفي الحديث الصحيح: "إنَّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (١) فهذا اصطفاء النسب. وفي حديث صحيح آخر: "بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرن حتى كنت من القرن الذي كنت فيه" (٢). فهذا اصطفاء الزمن ... وقد أجمع النسابون على نسبه إلى عدنان، وإن لم ينقل حديث صحيح بكامل نسبه، ولكن صحت أحاديث ببعضه، على أن من يعرف مدى اهتمام العرب بأنسابها في عصر النبوة وما قبله يدرك أن سلسلة نسبه إلى عدنان لا تحتاج إلى كبير توثيق، ما دام علماء النسب والأخبار متفقين عليها، وما دامت من المعلوم بالضرورة في ذلك العصر. ونسبه الذي يسوقه علماء النسب هو: "محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب

стр. 85

ابن فِهر بن مالك بن النَّضْر بن كِنانة بن خُزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار بن معدّ بن عدنان" (١). وأما أُمُّه آمنةُ بنت وَهْب فإنها من بني زُهرة. وقد أقر أبو سفيان أمام هرقل بعلّو نسب النبي ﷺ حين سأله: "كيف نسبه فيكم؟ فأجاب أبو سفيان: هو فينا ذو نسب. فقال هرقل: فكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها" (٢). حفر زمزم: وقد تعددت مآثر عشيرة النبي ﷺ في مكة، فكان قُصي -جد هاشم، وهاشم جد والد النبي عبد الله- أبرزَ رجالات قريش في عصره، وهو الذي نظم إدارة مكة عن طريق استحداث دار الندوة التي يعقد فيها ملأ قريش اجتماعاتهم، كما أنه وزع الرِّفادة والسِّقاية والحج واللواء بين عشائر قريش. وقد حافظت العشيرة على مكانتها زمن عبد المطلب الذي اشتهر بحفر بئر زمزم التي بقيت قرونًا عديدة تمثل أهم عيون المياه بمكة ومصدر معلوماتنا عن قصة حفر زمزم هو الصحابي الجليل علي بن أبي طالب، ويبدو أن الرواية كانت معروفة مشهورة لقرب العهد بها، ولعل عليًا سمعها من أبيه الذي سمعها بدوره من عبد المطلب، وأما طريق نقل الرواية فهو سند حسن إلى علي ﵁ من رواية ابن إسحاق مصرحًا بالسماع. وخلاصة ما حكاه عبد المطلب أنه رأى رؤيا منامية في أربع ليال، يأمره آتٍ بحفر البئر دون أن يحدد موقعها وفي المرة الرابعة حدّد له موقع البئر وصرح باسمها "زمزم". فحفر عبد المطلب في موقعها وكشف عن الماء، فنازعته قريش

стр. 86

وطلبت إشراكها معه في الماء، فلم يقبل، فاحتكموا إلى كاهنة، ولكن قبل وصولهم إليها حدث أن نفد الماء عند عبد المطلب، ومن معه، وأبت قريش أن تشركه بالماء الذي عندها، حرصًا على الماء في الصحراء، فلما أشرف عبد المطلب ومن معه على الهلاك وحفروا قبورهم انبجست عين ماء تحت حافر ناقة عبد المطلب، فشرب القوم جميعًا واعتبروا ذلك علامة على أحقية عبد المطلب بماء زمزم فأسلموها إليه. ولا شك أن الحادثة والسيطرة على الماء معًا عزَّزتا مكانة بني هاشم في مكة (١). وأما الآثار التي زعم أنه عثر عليها في البئر كالغزال الذهبي والسيوف القلعية فلم تصح بها الرواية (٢). ورغم ذلك فإن تعدد مخارج الخبر (سعيد بن المسيب + الزهري) ينهض لدعم الحدث التأريخي ما دام لا يتعلق بالعقيدة أو الشريعة. نذر عبد المطلب: وقد صح النقل عن عبد الله بن عباس أنه قال: " ... كان عبد المطلب ابن هاشم نذر أن تَوافى له عشرةُ رهطٍ أن ينحر أحدهم. فلما توافى له عشرة،

стр. 87

أقرع بينهم أيهم ينحر، فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب، وكان أحب الناس إلى عبد المطلب، فقال عبد المطلب: اللهم هو أو مائة من الإبل ثم أقرع بينه وبين الإبل، فطارت القرعة على المائة من الإِبل (١). والرواية يبدو أنها كانت متداولة في أوساط العائلة. وقد بيَّنَت روايتان مرسلتان عن الزهري وأبي مجلز أن النذر وقع عندما حفر عبد المطلب زمزم واشتدَّ عليه من قومه الأذى (٢). ومناسبة النَّذر وردت من طرق أخرى عديدة لكنها شديدة الضعف مدارها على الواقدي وابن أبي سَبْرة وأمثالهما. (٣). ولم تحدد رواية صحيحة تأريخ عزم عبد المطلب على الوفاء بنذره بنحر عبد الله ابنه، لكن رواية ضعيفة من طريق الواقدي تذكر أن ذلك قبل مولد النبي ﷺ بخمس سنين (٤). ولعل هذا يوافق ما ذكره موسى بن عقبة عن الصحابي حكيم بن حزام بن خويلد الأسدي -ابن أخي خديجة- قال: ولدت قبل الفيل بثلاث عشرة سنة وأنا أعقل حين أراد عبد المطلب أن يذبح ابنه عبد الله (٥). والحادث يوحي بما خطه القدر الإلهي من ميلاد الرسول ﷺ من أبيه عبد الله ابن عبد المطلب، فقد حفظ الله حياة عبد الله بما صرف عبد المطلب عن نحره.

стр. 88

زواج عبد الله من آمنة: ومن الثابت تاريخيًا أن عبد الله بن عبد المطلب تزوج من آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وبنو زهرة عشيرة من قريش، وكان عبد المطلب قد تزوج هالة بنت وهيب، ووهيب عم آمنة وقد تربت في بيته، وتفاصيل الزواج لم ترد من طريق صحيحة إذ مدارها على هشام الكلبي وعبد العزيز بن عمران والواقدي، وكلهم متروك عند المحدثين (١). ولكن موضوع الزواج والعلاقات النسبية مستفيض لا يحتاج إلى سند موثق. وقد نسج بعض الكاذبين حكاية حول عبد الله أرادوا بها المبالغة بإضفاء طابع أسطوري على المولد النبوي، فادعوا أن بغيًا -ومرةً امرأة مستبضِعة، وثالثة: كاهنة، ورابعة: زوجة ثانية لعبد الله- دعت عبد الله إلى نفسها وقد رأت في عينيه نورًا، ففارقها إلى آمنة زوجه، ثم عاد إليها فامتنعت منه بحجة أن النور قد اختفى بعد لقائه آمنة! (٢).

стр. 89

وهذه الرواية منكرة سندًا ومتنًا، ومن يقرأ الروايات المختلفة عنها يدرك مدى الاختلاف والاضطراب في سوقها سواء في تعيين المرأة، إذ مرة هي خثعمية وأخرى أسدية قرشية اسمها قتيلة، وثالثة عدوية اسمها ليلى، وكذلك في صفة عبد الله عندما التقته فمرة هو مطيَّن الثياب وأخرى هو في زينته (١)!! ومثل هذا الاختلاق ينبغي أن يطرح من دراسات السيرة الجادة. وفاة عبد الله: ولم يرَ الرسول ﷺ أباه، فقد مات في المدينة عند أخواله بني عدي بن النجار، وكان في مهمة تجارية فمرض عند العودة ومات فدفن هناك. ولم ترد رواية صحيحة في حادثة وفاته، إذ كل ما ورد عنها ضعيف ضعفًا شديدًا أو مرسل ضعيف وأقوى ما ورد قول الزهري مرسلًا: "بعثَ عبدُ المطلب عبدَ الله بن عبد المطلب يمتار له تمرًا من يثرب، فتوفى عبد الله بها، وولدت آمنة رسول الله ﷺ فكان في حجر عبد المطلب" (٢). ويتفق مع قول الزهري حديث يرويه قيس بن مخرمة وهو صحابي ذكر ولادة الرسول ﷺ فقال:"توفى أبوه وأمه حبلى به" (٣).

стр. 90

وهذا هو المشهور الذي رجحه ابن إسحاق والواقدي وابن سعد (١). وخالفهم الكلبي وعوانة بن الحكم فزعما أن عبد الله لما توفي كان عمر النبي ﷺ ثمانية وعشرين شهرًا ويقال سبعة أشهر (٢) وانفرد الواقدي بتحديد سنِّ عبد الله حين وفاته وأنه في الخامسة والعشرين من عمره (٣). والمعروف المشهور أن النبي ﷺ ولد يتيم الأب. قال ابن كثير: "وهذا أبلغ اليتم وأعلى مراتبه" (٤). وقد صحت الرواية في ذلك (٥)، وإليه ذهب الواقدي وابن سعد ووافقهما ابن كثير وآخرون، لكن السهيلي قال: "وأكثر العلماء على أنه كان في المهد" (٦). وما دامت الرواية الصحيحة قد أثبتت مولده ﷺ يتيمًا، فلا مندوحة عن الأخذ بها وإن خالفها الأكثرون. وقد ذكر يتمه في القرآن: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾. مولده ﷺ عام الفيل: وقد صح أن مولد النبي ﷺ كان يوم الإثنين (٧) وتفيد أقوى الروايات التي وصلت إلينا أن مولده كان عام الفيل (٨).

стр. 91

وقد ذكر خليفة أنه "المجتمع عليه" (١). فكأنه لا يعتد بمن خالف، والحق أن الروايات المخالفة كلها معلولة الأسانيد وهي تفيد أن مولده بعد الفيل بعشر سنوات أو ثلاث وعشرين سنة أو أربعين سنة (٢) وقد ذهب معظم العلماء إلى القول بمولده عام الفيل، وأيدتهم الدراسات الحديثة التي قام بها باحثون مسلمون ومستشرقون اعتبروا عام الفيل موافقًا للعام ٥٧٠ أو ٥٧١ الميلادي (٣). إن حادثة الفيل ثابتة الوقوع بنص القرآن ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. فنص القرآن يقدم أدق تصوير لما حدث لجيش أبرهة، ولا تكاد الروايات التأريخية تخرج عن الوصف القرآني إلا في تحديد جزئيات وتفصيلات يسيرة، وهي روايات تقف عند ابن عباس وعبيد بن عمير من الصحابة، أو عند قتادة (ت ١١٧ هـ) أو ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) (٤) ولا شك أن بينهم وبين الأحداث نصف قرن على الأقل بالنسبة للصحابة الصغار، ولعلهم استقوا المعلومات عمن بقوا أحياء ممن شاهد الحاديث، حيث تأخرت وفيات بعضهم، فقد رأت عائشة ﵂ قائد

стр. 92

الفيل وسائسه أعميين يستطعمان الناس بمكة (١) كما بين الصحابي قباث بن أشيم أن أمه أوقفته على بقايا روث فيل أبرهة وقد تغير لونها، وكان يعقل حيث ولد قبل الفيل بسنوات يسيرة (٢). إن القرائن التأريخية المحتفَّة بالروايات التي تفيد مولد النبي ﷺ عام الفيل قوية، ويرى ابن القيم ويتابعه القسطلاني أن مولد النبي كان في عام الفيل بعد حادثة الفيل، لأن قصة الفيل توطئة وارهاص لظهوره، حيث دفع الله نصارى الحبشة عن الكعبة دون حولٍ من العرب المشركين تعظيمًا لبيته (٣). وقد اختلف المؤرخون في تاريخ يوم مولده وشهره فذهب ابن إسحاق إلى أنه ولد لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول (٤). وذهب الواقدي إلى أنه ولد لعشر ليال من شهر ربيع الأول (٥) وذهب أبو معشر السندي إلى أنه ولد لليليتين خلتا من شهر ربيع الأول (٦). وابن إسحاق أوثق الثلاثة. صفة حمل آمنة به: لقد رويت قصص وأخبار حول صفة حمل آمنة به، وأنها لم تر أخفَّ ولا أيسرّ منه، وأنها كانت تلبس التعاويذ من حديد فيتقطع، وأنها رأت في منامها بشارة بجليل مقامه، وأمرت بتسميته بمحمد، ورأت عند استيقاظها صحيفة

стр. 93

من ذهب فيها أشعار لتدعو له بها، ولم يثبت شيء من هذه الحكايات (١). كما وردت أخبار ضعيفة تفيد أنه "وقع حين ولدته وقوعًا ما يقعه المولود معتمدًا على يديه، رافعًا رأسه إلى السماء (٢) "وأنه وضع تحت قدر من حجر، فانفلقت عنه ليبقى بصره شاخصًا إلى السماء (٣)، وأنه ولد مختونًا (٤)، أو خَتَنَهُ

стр. 94

جبريل ﵇ (١)، أو خَتَنَهُ عبدُ المطلب يومَ سابعِهِ وجعل له مأدبة وسماه محمدًا (٢)، ورغم ما في إسناد الرواية الأخيرة من ضعف شديد فقد قال الحافظ الذهبي "إنه أصح من حديث العباس أنه ولد مختونًا (٣) ". فسرور عبد المطلب بالمولود الذكر وقيامه نحو اليتيم بالواجب من ختان ووليمة على عادة قومه لا يحتاج إلى أدلة. وقد وردت في ذلك روايات واهية (٤). وكذلك وردت روايات موضوعة حول هواتف الجان في ليلة مولده وتبشيرها به وانتكاس بعض الأصنام في المعابد الوثنية بمكة (٥). وحول ارتجاس إيوان كسرى وسقوط شرفاته وخمود نيران المجوس وغَيض بحيرة ساوة ورؤيا الموبذان الخيل العربية تقطع دجلة وتنتشر في بلاد الفرس (٦).

стр. 95

كذلك وردت روايات ضعيفة عن إخبار يهود بليلة مولده (١). وإخبار الراهب عيصا بمر الظهران بمولده (٢). وقول العباس عمه إنه رآه في المهد يُناغي القمر (٣). ولكن ثمة أخبارًا تَقوى بعضها ببعض إلى الحسن احتفَّت بمولده منها ما يفيد أن آمنة رأت حين وضعته نورًا خرج منها أضاءت منه قصور بصرى من أرض الشام (٤).

стр. 96

مرضعاته: لقد صح أن ثويبة -مولاة أبي لهب- أرضعته (١). وثبت أن عمه حمزة بن عبد المطلب أخوه من الرضاعة (٢). وأما خبر إرضاع حليمة السعدية له في ديار بني سعد، وما ظهر عليه من البركة فهو خبر مستفيض في كتب السيرة قديمها وحديثها، وأقدم من أورده من كتاب السيرة ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) (٣).

стр. 97

وإذا كان خبر حليمة الطويل المشتهر حول رضاعة لم يحظَ بتصحيح المحدثين لعلل إسنادية، فإن رضاعه ﷺ في بني سعد من قبل حليمة السعدية ثابت من طرق أخرى (١). معجزة شق الصدر: وقعت أحداث شق صدر النبي ﷺ وغسله ولأمِهِ، مرتين (٢)، الأولى عندما كان طفلًا في الرابعة من عمره (٣).، يلعَبُ في بادية بني سعد، وقد روى الإِمام

стр. 98

مسلم في صحيحه حادثة الشق الأولى عن أنس بن مالك "أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﷺ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقةً فقال: هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه (١)، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني ظئره- فقالوا إن محمد قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره (٢). ولا شك أن التطهير من حظ الشيطان هو إرهاص مبكر للنبوّة، وإعداد للعصمة من الشر وعبادة غير الله. فلا يحل في قلبه شيء إلا التوحيد (٣) وقد دّلت أحداث صباه على تحقق ذلك فلم يرتكب إثمًا ولم يسجد لصنم (٤). رغم شيوع ذلك في قومه. أما المرة الثانية التي وقع فيها شق صدره ﵊ فكانت ليلة الإسراء (٥).

стр. 99

لقد أدت هذه الحادثة إلى إعادة الرسول إلى أمه آمنة وجده عبد المطلب، لأن حليمة خافت عليه (١) ورغبت في إنهاء مسئوليتها عنه رغم حبِّها له وتعلقها به. وحكى الواقدي عن ابن عباس أنه كان في الخامسة من عمره عندما أعادته حليمة (٢). وذكر غيره أنه رد إلى أمه وهو ابن أربع سنين، وكان معها إلى أن بلغ ست سنين (٣). حيث توفيت أمه آمنة بالأبواء بين مكة والمدينة، وكانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار، فماتت وهي راجعة إلى مكة (٤). ولم تثبت هذه الأخبار برواية صحيحة، ولكنها مما يتساهل فيه عادة. وقد ترك يُتم النبي في نفسه أعمق الأثر، ففي طفولته فقد أمه وكان قد ولد يتيمَ الأب. وقد بيَّن الزُّهري أن جده عبد المطلب كفله ورعاه (٥). ويذكر الواقدي أن جدّه حين توفي -وكان عمره اثنتين وثمانين سنة- أوصى أبا طالب -عمَّه- به (٦).

стр. 100

وكان رسول الله في الثامنة من العمر (١). ولا شك أن محمدًا أحس بفقدان جده لما كان يَحبُوه به من العطف والرعاية (٢). وقد وردت روايات تفيد عطف أبي طالب عليه وتعلقه به (٣)، ومما يدل على شدة محبة أبي طالب إياه صحبته له في رحلته إلى الشام. ويبدو أنه في فترة حضانة أبي طالب له ساعده محمد ﷺ في رعي غنمه، وقد ثبت أنه عمل على رعيها لأهل مكة مقابل قراريط (٤)، ولعل ضيق حال أبي طالب هو الذي دفعه إلى العمل لمساعدته، ورعي الغنم فيه دربة لرسول الله ﷺ على رعاية البشر فيما بعد، فقد ألف العمل والكفاح منذ طفولته، واعتاد أن يهتم بما حوله، ويبذل العون للآخرين، وربما يذكرنا رعيه للغنم بأحاديثه التي تحث على الإحسان للحيوان. قصة بحيرى الراهب: لقد اصطحب أبو طالب النبي ﷺ في سفرة تجارية له إلى الشام، وكان النبي في التاسعة أو العاشرة أو الثانية عشرة من عمره على اختلاف الروايات (٥) وقد دعا راهب يدعى بحيرى في مدينة بُصرى رجال القافلة القرشية إلى طعام،

стр. 101

حيث تعرف على النبي من خلال صفاته وأحواله؛ فعرف أنه يتيم، وأنه يحمل خاتم النبوة بين كتفيه، ورأى الغمامة تظله من الشمس وفيء الشجرة يميل عليه عندما ينام إليها. وتختم الرواية القصة بتحذير الراهب لأبي طالب عم النبي من اليهود والروم. إن أقوى طرق هذه القصة ورد عند الترمذي في جامعه (١) وقال عنه الترمذي:"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه" وصححه الحاكم (٢)، وتعقبه الذهبي قائلًا "أظنه موضوعًا وبعضه باطل" (٣) وبيَّن اعتراضاته على سند الرواية ومتنها ووصفها بالنكارة، بل يفهم من كلامه شكه في الرواية كلها (٤). فأما انتقاده للسند فقد قال عن عبد الرحمن بن غزوان -راويها- "له مناكير" ثم قال: أنكر ماله حديثه عن يونس بن أبي إسحق في سفر النبي ﷺ وهو مراهق مع أبي طالب إلى الشام" (٥) وأما انتقاده للمتن فقد قال:"وهو حديث منكر جدًا، وأين كان أبو بكر؟ كان ابن عشر سنين، فإنه أصغر من رسول الله ﷺ بسنتين ونصف، وأين كان بلال في هذ الوقت؟ فإن أبا بكر لم يشتره إلا بعد المبعث، ولم يكن ولد بعد، وأيضًا فإذا كان عليه غمامة تظله كيف يتصور أن

стр. 102

يميل فيء الشجرة؟ لأن ظل الغمامة يَعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها، ولم نرَ النبي ﷺ ذكَّر أبا طالب قط بقول الراهب، ولا تذاكرته قريش، ولا حكته أولئك الأشياخ مع توافر هممهم ودواعيهم على حكاية مثل ذلك، فلو وقع لاشتهر بينهم أيما اشتهار، ولبقي عنده ﷺ -حسٌّ من النبوَّة، ولما أنكر مجيء الوحي إليه أولًا بغار حراء وأتى خديجة خائفًا على عقله، ولما ذهب إلى شواهق الجبال ليرمي نفسه (١) ﷺ وأيضًا فلو أثَّر هذا الخوف في أبي طالب ورده كيف كانت تطيب نفسه أن يمكنه من السفر إلى الشام تاجرًا لخديجة؟ وفي الحديث ألفاظ منكرة تشبه ألفاظ الطرقيَّة، مع أن ابن عائذ قد روى معناه في مغازيه دون قوله: "وبعث معه أبو بكر بلالًا .. إلى آخره". فقال حدثنا الوليد بن مسلم أخبرني أبو داؤد سليمان بن موسى فذكره بمعناه (٢). وإنما سقت كلام الذهبي بتمامه لأنه أعلم من انتقد هذه الرواية، فضلًا عما يكشفه كلامه من عناية بالغة بنقد المتون وعدم الاقتصار على نقد الأسانيد -كما يتهم البعض المحدثين- وكان ابن سيد الناس (ت ٧٣٤ هـ) قد تعقب رواية الترمذي ونبّه على ما في متنها من نكارة، لكنه حصر النكارة في إرسال أبي بكر مع النبي ﷺ بلالًا الذي ورد في آخر الرواية (٣). ولعل الحافظ الذهبي (ت٧٤٨ هـ) استفاد منه في نقده لمتن الرواية، وكذلك فإن ابن القيِّم (ت ٧٥١ هـ) أفاد منه فيما يبدو حين بيَّن أن ذكر بلال في الرواية خطأ فاحش (٤). بل يمكن اعتبار ابن إسحاق أول من شكك بالرواية باستعماله صيغة التمريض (يزعمون) ثلاث مرات!!

стр. 103

وقال الحافظ ابن حجر بعد أن نقل توثيق النقاد لقراد: "وله عند الترمذي حديث من رواية أبي موسى الأشعري فيه ألفاظ منكرة" (١). وقال في التعقيب على ذكر أبي بكر وبلال "بأن هذه اللفظة مدرجة في هذا الحديث مقتطعة من حديث آخر .. وفي الجملة هي وهم من أحد رواته" (٢). ومن هذا العرض يتبين أن نقد الأئمة لهذه الرواية ينصب على المتن، وخاصة الفقرة الأخيرة من الرواية التي تذكر أبا بكر وبلالًا. وقد بين الألباني أن الجزري صحح الإِسناد وقال: "وذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ" وعقب الألباني بذكر ما ورد في رواية البزار "وأرسل معه عمه رجلًا" مما جعل احتمال التصحيف في عبارة حديث الترمذي قويًا بين "رجلًا" و"بلال" (٣). لكن تبقى صعوبةُ تصحيف "أبي بكر" إلى "عمه" وعلى أية حال فإن وجود النكارة في الفقرة الأخيرة لا يعني ضعف سائر الرواية. ما دام السند صحيحًا، وقول الذهبي في قراد "له مناكير" لا يؤثر في توثيقه لأن الثقة قد تقع في روايته المناكير، ويحتمل منه ذلك إذا لم يُكثر منها، وأما توسع الذهبي في رد سائر الرواية لمجرد احتمالات قابلة للنقاش، ولا تصلح أدلة للطعن في سائر الرواية فلا مبرر له. ويمكن أن تطمئن النفس إلى إثبات سفره ﷺ مع عمه إلى بُصرى، وتحذير الراهب بحيرا لعمه من يهود والروم بالاعتماد على رواية الترمذي، والاستئناس بالروايات الضعيفة الأخرى مثل رواية ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري (٤) (ت١٣٥ هـ) وهو من التابعين المعنيين بالسيرة ولكن إسناد ابن إسحاق هذا معضل ضعيف رغم اعتماد معظم المؤلفين

стр. 104

على هذه الرواية في قصة بحيرا (١). وكذلك رواية أبي مِجلز لاحق بن حميد (ت١٠٦ هـ) بإسناد صحيح إليه لكنه مرسل (٢). وكذلك مرسل الزهري (٣) وكذلك فإن ثمة روايتين من طريق الواقدي أوردهما ابن سعد وأبو نعيم الأصبهاني (٤). ومثل الواقدي يُستأنس بمرواياته إذا لم يخالف وإن كانت مرواياته لا تنهض للاحتجاج، بل ولا يعتبر بها في تقوية الضعيف عند علماء الحديث. وقد حاول بعض المستشرقين أن يبني على هذه القصة اتهامات فيها مجازفة علمية حيث زعموا أن النبي تلقى علم التوراة عن بحيرا (٥) إذ كيف يعقل أن يتلقى النبي في سن الثانية عشرة علم التوراة في ساعة الطعام التي التقى خلالها ببحيرا، وهو أمي لا يحسن القراءة والكتابة؟! فضلًا عن حاجز اللغة إذ لم يكن قد وجد في ذلك الوقت توراة ولا إنجيل باللغة العربية (٦). وإذا كان المقصود رد أصول الإسلام إلى التوراة، فأين أثر تعاليم التوراة تلك في حياة الرسول ﷺ وما بين لقائه ببحيرا وبعثته ثمانية وعشرون سنة!! أما بالنسبة لمعلوماتنا عن بحيرا فإن المصادر لا تكاد تتفق على شيء بشأنه، بل هي متضاربة في اسمه فمرة جرجيس وأخرى جرجس وثالثة سرجيس ورابعة سرجس (٧). ومرة أنه مشتق من الآرمية معناه المنتخب، وأخرى من السريانية

стр. 105

معناه العالم المتبحر (١). ومرة ينسب لقبيلة عبد القيس فهو عبقسي (٢). ومرة هو نصراني (٣) وأخرى يهودي (٤). شهوده حلف المطيبين: ذهبت رواية الواقدي وابن إسحاق - بدون إسناد - إلى شهوده ﷺ حرب الفجار بين قريش وكنانة من ناحية وقيس وعيلان من ناحية أخرى وهي حرب في إطار الأعراف والأحلاف الجاهلية، ولم يثبت أن رسول الله ﷺ شهدها، ولكن ثبت أنه أخبر عن شهوده حلف المطيبين وأثنى عليهم قائلاً: "شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه (٥) ". وحلف المطيبين كان بين بني هاشم وبني أمية وبني زهرة وبني مخزوم (٦).وكان الحلف في دار عبد الله بن جدعان، وهو تحالف على التناصر والأخذ للمظلوم

стр. 106

من الظالم ورد الفضول على أهلها، وقد سمى الحلف بحلف الفضول. وإنما ورد في الحديث باسم حلف المطيبين لأن العشائر التي عقدت حلف المطيبين هي التي عقدت حلف الفضول، وحلف المطيبين جرى قديماً بعد وفاة قصي وتنازع بني عبد مناف مع بني عبد الدار على الرفادة والسقاية بمكة (١). ومما يدل على ذلك أن النبي ﷺ صرَّح في بعض هذه النصوص بأنه لم يشهد للمشركين سوى حلف واحد. ثم أن حلف المطيبين القديم لا يحمل من معاني الانتصار للعدالة مثل حلف الفضول الذي شارك فيه الرسول ﷺ ، وقد ذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ كان يومذاك في العشرين من عمره (٢). ولا شك أن العدل قيمة مطلقة وليست نسبية، وأن الرسول ﷺ يظهر اعتزازه بالمشاركة في تعزيز مبدأ العدل قبل بعثته بعقدين، فالقيم الإيجابية تستحق الإشادة بها حتى لو صدرت من أهل الجاهلية. زواجه من خديجة: تشير روايات ضعيفة - بل معظمها واه - إلى تفاصيل تتعلق بزواج الرسول من أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂، وهي تحدد بداية التعارف بينهما عن طريق عمل الرسول ﷺ في تجارة خديجة، التي كانت ثرية تضارب بأموالها وقد ذهب بتجارتها إلى جرش مرتين (٣) - قرب خميس مشيط (٤) وكانت تابعة لليمن

стр. 107

- أو حباشة - سوق بتهامة من نواحي مكة (١) - أو الشام (٢) فربح بتجارتها، وحكى لها غلامها ميسرة الذي صحبه عن أخلاقه وطباعه، فأعجبت به، وقد خطبها لأبيها خويلد بن أسد (٣) فزوجه منها، ويذهب ابن إسحاق إلى أن خديجة كانت في الثامنة والعشرين من العمر (٤)، في حين تذهب رواية الواقدي إلى أنها كانت في الأربعين (٥)، وقد أنجبت خديجة من رسول الله ذكرين وأربع إناث مما يرجح رواية ابن إسحاق، فالغالب أن المرأة تبلغ سن اليأس من الإنجاب قبل الخمسين. ورغم أن هذه المعلومات لم تثبت حديثيا إلا أنها مشتهرة عند الإخباريين. وقد سكن رسول الله ﷺ في بيت خديجة، ففيه تزوج، وولدت فيه خديجة أولادها جميعاً وفيه توفيت ﵂، فلم يزل رسول الله ﷺ فيه ساكناً حتى خرج زمن الهجرة فأخذه عقيل بن أبي طالب فيما أخذ (٦).

стр. 108

ولا يوجد من الروايات الصحيحة ما يوضح هذه الأحداث. ولكن الثابت في الروايات الصحيحة زواجه ﷺ بخديجة ﵂. وثناء النبي عليها وإظهاره محبتها وتأثره عند ذكرها بعد وفاتها، ومواقفها في تطمينه عند نزول الوحي عليه ومسارعتها للإيمان به وهي مواقف مشهورة تدل على مكانة خديجة ﵂ في الإسلام (١). ومما اتفق عليه أهل العلم أن خديجة أولى أزواجه ﷺ (٢). وقد أنجبت منه ذكرين هما القاسم وعبد الله (الملقب بالطيب والطاهر)، وأربع بنات هن زينب وأم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية (٣). فأما القاسم وعبد الله فماتا قبل الإسلام، وأدركت البنات الإسلام فأسلمن. وقد توفيت خديجة قبل هجرة النبي إلى المدينة بثلاث سنين (٤). وذلك قبل حادثة الإسراء والمعراج (٥). صيانة الله له قبل البعثة (إرهاصات البعثة): أجمع العلماء على أن النبي ﷺ معصوم عن الكفر قبل الوحي وبعده، وأما تعمد الكبائر فهو معصوم عنها بعد الوحي، وأما الصغائر فتجوز عمداً عند الجمهور بعد الوحي ويستفاد من كلامهم عدم امتناع صدور الكبائر عنه قبل الوحي (٦)، وهذه التقريرات العقدية يتجاوزها استقراء الروايات التاريخية التي تؤكد العصمة من الكفر والكبائر معاً قبل الوحي. فقد وردت روايات ضعيفة تفيد أن الله تعالى عصمه من سماع ومشاهدة الأعراس في صباه يوم أن كان يرعى

стр. 109

الغنم (١)، كما وردت روايات ضعيفة تفيد أن الله تعالى عصمه من العري وهو فتى ينقل مع أقرانه حجارة يلعبون بها وقد رفعوا أزرهم، فأمر أن يشد عليه إزاره (٢). ولكن قد ثبت أنه نهي عن رفع إزاره وهو رجل لما جددت قريش بناء الكعبة، فقد اشترك مع عمه العباس في نقل الحجارة، فاقترح عليه العباس أن يرفع إزاره ويجعله على رقبته ليقيه أثر الحجارة ما دام بعيداً عن الناس فلما فعل سقط على الأرض مغشياً عليه، فلما أفاق طلب أن يشدوا عليه إزاره (٣). وكان عمره حين تجديد بناء الكعبة خمساً وثلاثين سنة (٤). ولم يكن التعري مستنكراً عند العرب في الجاهلية، فقد كانوا يطوفون بالبيت العتيق عراة إلا الحمس (وهم قريش)، كما أن التعري في الطواف استمر حتى منعهم الرسول ﷺ بأمره الذي بلَّغه أبو بكر الصديق في حج سنة ٩ هـ عندما أعلن (ألَّا يحج بعد العام مشرك،

стр. 110

ولا يطوف بالبيت عريان) (١). لذلك علق ابن حجر على الحديث السابق بقوله: "وفي الحديث أنه ﷺ كان مصوناً عما يستقبح قبل البعثة وبعدها" (٢). إن حادثة تجديد بناء الكعبة قد كشفت عن مكانة النبي الأدبية في الوسط القرشي، فقد اختلفت قريش فيمن يضع الحجر الأسود مكانه، ثم اتفقوا على أن يحكموا أول داخل من باب بنبي شيبة فدخل رسول الله، فأمر بثوب فأخذ الحجر ووضعه في وسطه، ثم أمرهم برفعه جميعا ثم أخذه فوضعه مكانه (٣). وقد ذكر عبد الله بن السائب المخزومي - وهو شاهد عيان اشترك في بناء الكعبة يومئذ - بأن قريشاً قالت لما دخل النبي من باب بني شيبة "أتاكم الأمين" (٤). مما يبرز مكانته في قومه قبيل البعثة. ومما خالف فيه الرسول ﷺ قريشاً الوقوف بعرفة، وكانت قريش تفيض من مزدلفة على حين يفيض بقية الناس من عرفة، وتعلل قريش ذلك بأنها أهل الحرم، فليس لها أن تخرج من الحرمة، ولا تعظم غيرها كما تعظمها (٥).
следующие страницы →