← Сира

Сира · id 122396

السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية

أكرم العمري

Полный текст (707 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقد استشهد في حصار حصن ناعم محمود بن مسلمة الأنصاري حيث ألقى عليه مرحب رحى من أعلى الحصن (١). وقد بارز على مرحباً هذا وقتله (٢) وكان مرحب من أبطال يهود فأثر مقتله في معنوياتهم. ووردت عدة روايات تفيد تترس علي ﵁ بباب عظيم كان عند حصن ناعم بعد أن أسقط يهودي ترسه من يده، وكلها روايات ضعيفة (٣) وأطراحها لا ينفي قوة علي وشجاعته، فيكفيه ما ثبت في ذلك وهو كثير. وقد استغرق فتح حصن ناعم عشرة أيام (٤). وتوجه المسلمون بعده إلى حصن الصعب بن معاذ في منطقة النطاة وكان فيه خمسمائة مقاتل وفيه الطعام والمتاع وكان المسلمون في ضائقة من قلة الطعام، وقد حمل الراية في فتحه الحباب ابن المنذر وأبلى بلاء حسناً، وقاوم اليهود مقاومة عنيفة واستغرق الفتح ثلاثة أيام، ثم فتح المسلمون حصن قلعة الزبير وهو آخر حصون النطاة، وقد اجتمع فيه الفارون من حصن ناعم والصعب وبقية ما فتح من حصون يهود، وكان حصن قلعة الزبير منيعا مرتفعا، وقد قطع المسلمون مجرى الماء عنهم واضطروهم إلى النزول للقتال وأصابوا منهم عشرة وفتح الحصن بعد حصار ثلاثة أيام، وانتقل المسلمون من الرجيع إلى المنزلة بعد أن تخلصوا من أهل النطاة وهم أشد اليهود. ولا شك أن موقف المسلمين قوي كثيراً بعد هزيمة أهل النطاة وحيازتهم أطعمتهم ومتاعهم، بالإضافة إلى ما أصاب بقية يهود خيبر من رعب لسقوط منطقة النطاة.

стр. 317

وقد توجه المسلمون لفتح منطقة الشق وهي تحتوي على عدة حصون منها حصن أبي وحصن النزار، وقد بدأ المسلمون بفتح حصن أبي وجرت مبارزات فردية أما الحصن اصيب فيها مقاتلة يهود ثم اقتحم المسلمون الحصن وحازوا ما فيه من طعام ومتاع، وتمكن بعض مقاتلة يهود من التحول إلى حصن نزار وتحصنوا فيه وقاتلوا المسلمين بالنبل والحجارة ثم تهاوت مقاومتهم أمام حصار المسلمين حتى فتح الحصن وفر بقية أهل الشق من حصونهم إلى منطقة الكتيبة في الجنوب الغربي من خيبر وتحصنوا في حصن القموص المنيع، وتحصن بعض فلهم من أهل حصني الوطيح والسلالم فحاصرهم المسلمون أربعة عشر يوما حتى طلبوا الصلح دون أن يقع قتال إذ إن حصن نزار كان آخر حصن جرى فيه قتال وانهارت بعده مقاومة اليهود فاقتصروا على التحصن في حصونهم وانتهي التحصن دائما بطلب الصلح. ووصف فتح حصون الصعب والزبير ومنطقتي الشق والكتيبة يعتمد على الواقدي (١). الذي انفرد بتقديم صورة واضحة عن أحداث فتح هذه المناطق، وهو إخباري غزير المعلومات رغم ضعفه عند المحدثين، ولكن مثل هذه الأخبار مما يتساهل فيه. أما روايات ابن إسحق في وصف فتح خيبر فهي مضطربة وتنقصها الدقة إذا ما طوبقت مع مواقع حصون خيبر. وقد ذكرت رواية صحيحة أن النبي ﷺ قاتل أهل خيبر فغلب على النخل والأرض، وألجأهم إلى قصرهم، فصالحوه على أن لرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء والحلقة (٢). ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا فإن فعلوه فلا ذمة لهم ولا عهد. فغيبوا مسكاً لحيي بن أخطب، وقد كان قتل قبل خيبر. وكان احتمله معه يوم بني النضير حين أجليت النضير، فيه جلبهم.

стр. 318

قال: فقال لسعية (١) أين مسك حيي بن أخطب؟. قال: أذهبته الحروب والنفقات. فوجدوا المسك. فقتل ابني أبي الحقيق، وسبي نساءهم وذراريهم (٢). ويذكر ابن إسحق دون إسناد أن الذي أخفى الكنز وسئل عنه هو كنانة بن الربيع (٣) ويذكر ابن سعد كنانة وأخوه الربيع (٤)، وفي إسناد ابن سعد محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو صدوق سيىء الحفظ جداً (٥). والثابت أن يهود حسن القموص سألوا النبي ﷺ الصلح ونكثوا العهد فحاز أموالهم. أما أهل حصني الوطيح والسلالم فإنهم لما أيقنوا بعدم جدوى المقاومة بعد سقوط النطاة والشق والقموص سألوا النبي ﷺ "أن يسيرهم وأن يحقن دماءهم ففعل" (٦). وبذلك سقطت سائر خيبر بيد المسلمين، وسارع أهل فدك في شمال خيبر إلى طلب الصلح وأن يسيرهم ويحقن دماءهم ويخلوا له الأموال فوافق على طلبهم (٧) فكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وحاصر المسلمون وادي القرى، وهي مجموعة قرى بين خيبر وتيماء ليالي (٨) ثم استسلمت فغنم المسلمون أموالاً كثيرة وتركوا الأرض والنخل بيد اليهود وعاملهم عليها مثل خيبر وصالحت تيماء على مثل صلح خيبر ووادي القرى (٩).

стр. 319

وبذلك انهارت سائر المعاقل اليهودية أمام المسلمين. وخبر طلب الصلح من قبل أهل حصني الوطيح والسلالم وأهل فدك أورده ابن إسحق بسند منقطع لا يصلح للاحتجاج به في أحكام السياسة الشرعية، وصلح لوصف الوقائع التأريخية فرواية عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم مشهور بمعرفة المغازي. وقد بلغ قتلى يهود في معارك خيبر ثلاثة وتسعين رجلاً (١). وسبيت نساؤهم وذراريهم، ووقعت في السبي صفية بنت حيي بن أخطب أم المؤمنين ﵂ فاعتقها رسول الله ﷺ وتزوجها (٢). واستشهد من المسلمين عشرون رجلاً فيما ذكر ابن إسحق (٣)، وأما الواقدي فذكر أنهم خمسة عشر رجلا (٤) وهذا من خذلان الله تعالى ليهود فإن قتلاهم وهم يدافعون في حصون منيعة أكثر بكثير من شهداء المسلمين المهاجمين في ساحات مكشوفة!! وقد صح أن امرأة يهودية أهدت النبي ﷺ شاة مشوية قد سمتها، وأكثرت السم في الذراع عندما عرفت أنه يحبها، فلما أكل من الذراع أخبرته أنها مسمومة فلفظ اللقمة، واعترفت المرأة، فلم يعاقبها (٥)، وقد قتلها بعد ذلك عندما مات بشر بن معرور من أثر السم الذي ازدرده مع الطعام (٦). ومما أعان على فتح خيبر تفرغ المسلمين بعد صلح الحديبية لقتال يهود خيبر دون أن تنجدهم قريش، وتخاذل قبيلة غطفان حليفة يهود خيبر عن نجدتهم خوفاً على ديارهم من المسلمين. وقد أصابت الكآبة والغيظ قريشاً لما بلغها خبر انتصار المسلمين على يهود خيبر (٧) وهو أمر ما كانت تتوقعه لما هو مشهور من

стр. 320

حصانة قلاع اليهود وحصونهم في خيبر وكثرة مقاتليهم وسلاحهم. وكذلك كان صدى فتح خيبر مدوياً في أوساط القبائل العربية الأخرى التي أدهشها الخبر وخذلها النصر، فكفكفت من عدائها، وجنحت إلى المسالمة والموادعة، ففتحت آفاق جديدة أمام انتشار الإسلام. عدم إجلاء يهود خيبر في عهد النبي ﷺ : وقد صح أن رسول الله ﷺ أبقى يهود خيبر فيها على أن يعملوا في زراعتها وينفقوا عليها من أموالهم ولهم نصف ثمارها. على أن للمسلمين حق إخراجهم منها متى أرادوا وكان اليهود قد بادروا بعض ذلك على النبي ﷺ وقالوا: نحن أعلم بالأرض منكم فوافق على ذلك بعد أن هم بإخراجهم منها (١). وهمه بإخراجهم دليل على أن خيبر كلها فتحت عنوة لأن من صالح منهم صالح على حقن دمه وإجلائه منها. فأقاموا فيها وكان رسول الله ﷺ يبعث من قبله رجلاً لتقدير الثمار وقبض حصة المسلمين، وقد بعث الله عبد الله بن رواحة مرة فقدر الثمار بعشرين ألف وسق من تمر ثم خيرهم بين أخذها حسب تقديره أو تركها له وفق ذلك فقالوا متعجبين من عدالته: هذا الحق وبه تقوم السموات والأرض قد رضينا أن نأخذه بما قلت (٢).

стр. 321

ولكن وردت رواية أخرى صحيحة تفيد أنه قدرها بأربعين ألف وسق فأخذوا التمر وعليهم عشرون ألف وسق (١). والجمع بين الروايتين الصحيحتين ممكن لأن المراد بالأربعين حصة اليهود والمسلمين، وبالعشرين حصة أحدهما فقط. أثر فتح خيبر: ولا شك أن فتح خيبر عاد على المسلمين بالخير الكثير وعزز إمكانياتهم الاقتصادية بدخل سنوي دائم حتى قالت عائشة ﵂ معقبة على فتح خيبر: (الآن نشبع من التمر) وقال ابن عمر ﵄: (ما شبعنا حتى فتحنا خيبر) (٢). ولا شك أن هذه الأقوال كافية لتوضيح ما عاد به فتح خيبر من تعزيز لوضع المسلمين الاقتصادي ولإيضاح حقيقة الوضع الاقتصادي قبل الفتح، ومع شدة حاجة المسلمين قبل خيبر فقد كان الرسول ﷺ يفضل إسلام يهود خيبر على كل غنيمة كما يتضح من وصيته لعلي ﵁، ولم يكن راغباً في إفناء يهود أو إجلائهم لذلك قبل الصلح لما عرض عليه يهود حصون القموص والوطيح والسلالم ذلك، كما قبل بعد الصلح - الذي وافق بموجبه اليهود على إجلائهم من خيبر - أن يبقيهم في خيبر بناء على طلبهم، وكل ذلك يدل على الروح السمحة والعدالة السامية، كما أن ذلك حقق للدولة الإسلامية مصالح عليا اقتصادية وعسكرية حيث تمت المحافظة على طاقات المسلمين العسكرية ووجهوا إلى الجهاد الدائم من أجل توحيد جزيرة العرب تحت راية الإسلام ولم يتحولوا إلى الفلاحة التي تحتاج إلى إدامة العمل في استصلاح الأرض ورعاية الزرع والنخل

стр. 322

مما يستنفذ طاقتهم، وكذلك تمت الإفادة من خبرة وطاقة الفلاحين اليهود للحفاظ على مستوى الإنتاج الزراعي في خيبر لأنهم يمتلكون خبرة الأرض وزراعتها، مما يوفر للمسلمين حصة كبيرة يمكن الإفادة منها في تجهز الجيوش والقيام بالنفقات الأخرى التي تحتاجها الدولة. وقد حاز المسلمون الأموال المنقولة، فكان الرجل يأخذ حاجته من الطعام دون أن يقسم بين المسلمين أو يخرج منه الخمس إذ كان قليلاً (١). خلافاً لما يذكره الواقدي من كثرته وأنه يكفي المسلمين يأكلون ويعلفون دوابهم شهراً أو أكثر (٢). كيفية توزيع غنائم خيبر: وقد وردت آية قرآنية توضح أن غنائم خيبر خاصة بمن شهد الحديبية من المسلمين لا يشركهم فيها أحد وهي قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣). وقد قسم الرسول ﷺ أرض خيبر إلى نصفين، نصف لما ينزل به من النوائب والوفود ونصف للمسلمين من أهل الحديبية، وبلغ عدد الأسهم كلها ستة وثلاثين سهماً (٤) منها ثمانية عشر سهماً، قسمت على أهل الحديبية، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين والراجل سهماً (٥).

стр. 323

ولم يغب عن فتح خيبر من أصحاب بيعة الحديبية أحد سوى جابر بن عبد الله ومع ذلك أعطى سهما مثل من حضر ولكن هذه الرواية ضعيفة وردت من طريق ابن إسحق دون إسناد (١). وقد ثبت أن النبي ﷺ أعطى أهل السفينة من مهاجرة الحبشة الذين عادوا منها إلى المدينة ووصلوا خيبر بعد الفتح من غنائم خيبر، وكانوا ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلاً بقيادة جعفر بن أبي طالب، ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح سواهم (٢). وربما يرجع استثناؤهم إلى أنهم حبسهم العذر عن شهود بيعة الحديبية ولولا ذلك لشهدوها. ولعله استرضى أصحاب الحق من الغانمين في الإسهام لهم، كما أعطى أبا هريرة وبعض الدوسيين من الغنائم برضا الغانمين حيث قدموا عليه بعد فتح خيبر، ولم يشتركوا في القتال (٣). نماذج من المجاهدين: وقد صح أن أعرابياً شهد فتح خيبر أراد النبي ﷺ أثناء المعركة أن يقسم له قسماً وكان غائباً، فلما حضر أعطوه ما قسم له فجاء به إلى النبي ﷺ فقال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمي هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهم فأدخل الجنة. قال: إن تصدق الله يصدقك. فلبثوا قليلاً. ثم نهضوا في قتال العدو فأتي به يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فكفنه النبي ﷺ بجبته وصلى عليه ودعا له، فكان مما قال: (اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك فقتل شهيداً، وأنا عليه شهيد) (٤).

стр. 324

إلا أن هذه الرواية شاهد قوي على ما يبلغه الإيمان من نفس أعرابي ألف حياة الغزو والسلب والنهب في الجاهلية فإذا به لا يقبل ثمناً لجهاده إلا الجنة فكيف يبلغ الإيمان إذاً من نفوس الصفوة من أصحاب رسول الله ﷺ ، أيقال إنهم فتحوا ديار يهود طمعاً في أرض ومال؟ أيتهمون بأن التعصب الديني دفعهم لطرد يهود وهم الذين دعوهم للإسلام قبل القتال وقبلوا أن يعطوهم الأمان بعد الحصار وأبقوهم في خيبر بعد الاستسلام فمكثوا فيها رغم قتلهم عبد الله بن سهل الأنصاري حيث اتهمه بقتله المسلمون، فحلفوا أنهم لم يقتلوه، فوداه الرسول ﷺ وفي قضية مقتله شرعت القسامة - وأقرهم بخيبر فاستقروا. حتى خلافة عمر ﵁ فبدت منهم العداوة والبغضاء وغدروا بالمسلمين. ففدعوا (١) يدي ورجلي عبد الله بن عمر وهو نائم في سهمه من خيبر. فأجلاهم عمر ﵁ من خيبر وأعطاهم قيمة ما كان لهم من التمر مالاً وإبلاً وعروضاً من أقتاب وحبال. وأخذ المسلمون ضياعهم من مغانم خيبر فتصرفوا فيها. وهكذا انتهى دور اليهود العسكري والاقتصادي في الحجاز وتفرغ المسلمون لإخضاع قبائل العرب المشركة ولتوحيد جزيرة العرب تحت راية الإسلام.

стр. 325

تمَّ بعونه تعالى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله: الفصل الثالث الرسول ﷺ في المدينة الجهاد ضد المشركين

стр. 326

السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النوبية تأليف الدكتور أكرم ضياء العمري الجزء الثاني الناشر مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة

стр. 327

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 328

الفصل الثالث الرسول ﷺ في المدينة الجهاد ضد المشركين

стр. 329

تشريع الجهاد الجهاد مصطلح شرعي يراد به القتال في سبيل الله لإقامة نظام عادل يلتزم بأحكام الشريعة ويسعى لتحقيق أهداف الإسلام في المعمورة .. ولم يشرع الجهاد في الإسلام في العهد المكي، بل أمر المسلمون بألا يواجهوا المشركين بالقوة وألا يحملوا السلاح في وجوههم، فكان الشعار المعلن آنذاك ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١) وهو الموقف الذي اتخذ عندما كانت الدعوة جديدة مثل النبتة الصغيرة تحتاج إلى الماء والغذاء لترسخ جذورها وتقوي على مواجهة العواصف، فلو واجهت الدعوة آنذاك المشركين بالسيف، فإنهم يجتثونها ويقضون عليها من أول الأمر، فكانت الحكمة تقتضي أن يصبر المسلمون على أذى المشركين، وأن يتجهوا إلى تقويم أنفسهم وزيادة إيمانهم بدعوتهم عن طريق العبادة ومجاهدة النفس ودعوة الآخرين لتكثير سواد المسلمين. ولم يكن المسلمون متميزين عن المشركين في معيشتهم اليومية، وليس لهم معسكر ينحازون إليه عند إسلامهم، وإن كانوا يجتمعون بينهم في دار الأرقم وغيره لتلقي تعاليم الإسلام. ولو كان الجهاد قد فرض في تلك الفترة لجرت معركة في كل بيت أسلم منه أحد. فلما هاجر المسلمون إلى المدينة وآزر الأنصار دعوة الإسلام وصارت للمسلمين أرض يمتلكون السيادة عليها شرع الله تعالى الجهاد، وكان الإذن بالقتال دفاعا عن النفس أولى المراحل وذلك في الآية الكريمة ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٢). ثم أمر المسلمون بالقتال دفاعا عن النفس والعقيدة في الآية الكريمة ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣) وكانت هذه هي المرحلة الثانية في تشريع الجهاد.

стр. 330

وهو بذلك يختلف عن القتال والحروب التي شهدها التاريخ الإنساني والتي استهدفت تحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية لأفراد أو جماعات طموحين يريدون العلو في الأرض، فالهدف وضوابط الحق والعدل والرحمة التي احتفت بالجهاد ميزته عن أنواع الحروب الأخرى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ (١). (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً) (٢). ثم كانت المرحلة الثالثة وتتمثل في الأمر بقتال المشركين وابتدائهم به، وذلك للتمكين للعقيدة الإسلامية من الانتشار دون أية عقبات تضعها قوى الشرك، ولتصبح كلمة المسلمين هي العليا في الأرض، وبذلك لا يقوى أحد على فتنة المؤمنين وصرفهم عن دينهم حيثما كانوا ويظهر هذا التوجيه الأخير في الآيات الكريمة الآتية: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٣). ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٤). وكتب معناها فرض كما في الآية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٥).

стр. 331

إن الجهاد يمثل فريضة من أبرز الفرائض الإسلامية، وهو يوضح الهدف الكبير الذي يسعى المسلمون إلى تحقيقه وهو حرية اعتناق الناس للإسلام في سائر أرجاء الأرض وتكوين القوة العسكرية والسياسية اللازمة لدعم هذه الحرية وحماية المسلمين الجدد، ورغم أن اعتناق الإسلام على صعيد الأفراد لا يمكن أن يتحقق بالقوة إذ (لا إكراه في الدين) ولكن الإعلان عنه والتمكين له وحماية معتنقيه في سائر المعمورة يقتضي التفوق على القوى السياسية والعسكرية العالمية الأخرى، خاصة في العالم الذي ظهر في الإسلام قبل أربعة عشر قرناً حيث كانت الحكومات المعاصرة تمنع أتباعها من اعتناق الإسلام وتوقع بالمسلمين الفتنة مثل ما حدث من قبل الملأ من قريش بمكة ومثل موقف الفرس والروم المتاخمين لجزيرة العرب في الشام ومصر. وقد أوضحت النصوص الإسلامية أن تشريع الجهاد ليس مؤقتا بظرف طارئ وإنما هو فرض ديني دائم ففي الحديث (الجهاد باق إلى يوم القيامة) و (من مات ولم يغزو ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق) (١). وهو من فروض الكفاية إلا إذا غزيت ديار الإسلام في عقرها فيتعين على الجميع الدفاع عنها. وقد خصصت كتب الفقه أقساماً خاصة لأحكام الجهاد المتنوعة مثل ما خصصت للصلاة والصوم والحج والزكاة مما يدل بوضوح على دوام هذه الفريضة على الأمة الإسلامية مثل بقية الفروض والأركان الأخرى. وكان الجهاد يوحد الجبهة الداخلية للأمة الإسلامية ويصرف طاقاتها في مواجهة أعدائها، وكان النداء بتحرير الإنسان من العبودية لغير الله والمساواة بين الناس وتكريم الإنسان أيا كان لونه أو جنسه يسبق قوات المسلمين حيثما توجهت، فيجتذب النداء بالمبادئ السامية القلوب قبل أن تصدعها السيوف وهذا هو السر في انتشار الإسلام وانتصار قواته.

стр. 332

وقد حاول بعض الدارسين لحركة الفتوح الإسلامية أن يضعوا تفسيرات متنوعة لنجاحها وامتدادها السريع، فذهب كابتاني وبعض المستشرقين الآخرين إلى تفسيرها بالدافع الاقتصادية، بدعوى أن جزيرة العرب تعرضت لتغيرات مناخية أدت إلى نضوب المياه والجفاف مما استدعى خروج الموجات البشرية منها إلى الهلال الخصيب حيث تتوافر دواعي الرخاء الاقتصادي. وأن حركة الفتح الإسلامي موجه من هذه الموجات. ولكن الدراسة الموضوعية تبين أن الجزيرة العربية لم يحدث فيها تغير مناخي قبيل الإسلام ولم يحدث انقلاب هام في الظروف الاقتصادية المتنوعة ولم تنتقل القبائل العربية بهذا الحجم الهائل إلى الهلال الخصيب إلا بعد ظهور الإسلام وتوحدها تحت رايته وانطلاقها لتحقيق مبادئه. وكذلك يلاحظ من دراسة الرسائل المتبادلة بين الخلفاء وقادة الفتوح ومن متابعة أخبار الفتح الأخرى، مدى سيطرة العقيدة على الجند وتحقيقها للانضباط الدقيق في صفوهم، وأن المثل العليا والرغبة في هداية الناس كانت تمثل الروح المهيمنة على القيادة ومعظم الجيش، ولا يمنع ذلك من القول بأن الغنائم كانت تحفز بعض المقاتلين وتوسع عدد المشاركين، خاصة من الأعراب، لكن تفسير حركة الفتح ومعرفة الروح العامة المسيطرة على تفكير القيادة التي خططت للفتح ينبغي ألا تتأثر كثيراً بمواقف فردية لبعض الأعراب من المقاتلين، ولا شك أن القيادة كانت تحرص على هداية الناس ولو فوت ذلك عليها الغنائم الكثيرة. وإن تخفيض الضرائب على سكان المناطق المفتوحة، وإبقاء الأملاك الشخصية والمحافظة على البنية الاقتصادية لها يدل على أن روح الهداية والإعمار كانت تتحكم في موقف الفاتحين. وهناك تفسير آخر لحركة الفتح يتمثل بالعوامل السياسية، فإن اهتمام الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين بمنع حركات الردة ومحاولات تمزيق كيان الأمة الإسلامية جعلهم يوجهون الطاقات في حركة فتح شاملة بدل أن تنصرف إلى

стр. 333

الفتن والشقاق مما أدى إلى وحدة الصف الداخلي، ورغم أن هذا التصور يبين جانبًا إيجابيًا، ويكشف عن بعض الحكمة من تشريع الجهاد، إلا أنه لا يمكن أن تفسر به حركة الفتح الإِسلامي، فإن أكثر الشقاق والفتن كان يقوم بها الأعراب المرتدون في خلافة أبي بكر الصديق وقد منعهم أبو بكر بعد إخضاعهم لسلطان الدولة من المشاركة في الفتوح وجردهم من السلاح تأديبًا، لعدم الوثوق بإخلاصهم، ولأنهم لا يصلحون أن يمثلوا طلائع الفتح لعدم استكمالهم لمقومات الشخصية الإسلامية تصورًا وسلوكًا مما لا يعطي سكان المناطق المفتوحة صورة صحيحة عن الإسلام، فكان الاعتماد على سكان المدن (المدينة - مكة - الطائف) التي استقرت فيها معاني العقيدة وآثارها التربوية العميقة، وكان سائر القادة من الصحابة رضوان الله عليهم. وهناك تفسير آخر لحركة الفتح يتسم بالطابع التبريري، وهو أن حركة الفتح ذات صبغة دفاعية وأنها استخدمت الهجوم للدفاع عن الدولة الإسلامية أمام خصومها الأقوياء، وهذا التفسير يسود معظم الكتابات التي حررتها أقلام المؤرخين العرب والمسلمين، فهم أمام المفاهيم السليمة التي سادت إيديولوجيات القرن العشرين، وكراهية الناس للحرب لآثارها السيئة في دمار الحضارات وإهلاك البشر وابتلائهم بالعاهات والتشرد، ولظهور المؤسسات الدولية المعنية بالتوفيق بين مصالح الدول المتعارضة والمساعدة في إقرار السلام الدولي وإحلال التفاوض والحوار لحل المشاكل الدولية بدلًا من الحروب. فروح العصر جعلت كثيرًا من الكتاب عن حركة الفتح ينحون منحًى تبريريًا يهدف إلى التوفيق بين روح العصر الحديث وفكرة الجهاد في الإسلام، ويرجع ذلك إلى عوامل نفسية وفكرية متداخلة منها سيطرة مفاهيم الحضارة الغربية على الكثير من المتعلمين من المسلمين، بسبب الغزو الفكري، وما ولده ذلك من الإحساس بالضعف أمام الغرب ومحاولة تبرير كل ما يتعارض مع روح حضارته وتصوراتها الفكرية السلوكية، ومنها عدم فهم حقيقة الجهاد وأهدافه بحيث يتميز

стр. 334

في الأذهان بوضوح أن الجهاد لا يهدف إطلاقًا إلى فرض العقيدة الإسلامية على الناس بل يهدف إلى إزالة معوقات انتشار الإسلام في الأرض سواء بإضعاف القوى السياسية المعاصرة أو القضاء عليها بحيث يتم استعلاء المسلمين في الأرض وتمتنع فتنة أحد عن الإسلام حيثما كان. إن ارتباط الجهاد بفرض العقيدة على الناس مبعثه الدعاية والتمويه الذي شحنت به الدراسات الاستشراقية، وإن فك الارتباط بين الاثنين ضروري لتصور الحقيقة، ويكفي أن القرآن الكريم أوضح بما لا يقبل الشك حرية الناس في اختيار الإسلام أو البقاء على النصرانية واليهودية حتى داخل المجتمع الإسلامي وضمن سيادة الدولة الإسلامية، وهذا ما تثبته آيات القرآن الكريم وتدعمه الوقائع التاريخية الصحيحة حيث رحبت الشعوب بتحرير الإسلام لها من سيطرة الرومان والفرس، وعبر القبط في مصر واليعاقبة في الشام عن سرورهم بالحرية الدينية التي أعلنها الإسلام، ولولا هذا الإعلان الصادق لحرية المعتقد لذابت سائر الأقليات الدينية في المسلمين ولما حافظت على وجودها حتى الوقت الحاضر رغم مرور أربعة عشر قرنًا على ظهور الإسلام. إن دراسة الواقع التأريخي لانتشار الإسلام تكشف عن حقيقة اعتناق الناس للإسلام منذ عصر السيرة، وأنه كان يتم في ظروف السلم بنطاق أوسع بكثير من ظروف القتال، فعدد من دخله بعد صلح الحديبية كان أضعاف عدد من دخله قبل الصلح. وكانت البعثات الدعوية في عصر السيرة إلى البوادي تترى رغم الأخطار المحدقة بها، وقد استمر انتشار الإسلام بعد انحسار سلطانه العسكري والسياسي، ومازال يمتد في العصر الحديث فلا شك إذًا في تهافت مقولة إن الإسلام انتشر بالسيف. إن وصف حركة الفتح بأنها دفاعية هو محاولة تبريرية لا تصمد لأية مناقشة جادة، فهل اعتدى سكان الأندلس أو ما وراء النهر على حدود المسلمين ليفتحوها؟ وهل تأمين الحدود يقتضي التوغل في القارات الثلاث، آسيا وأوربا

стр. 335

وأفريقيا حيث وقعت الأحداث الخطيرة والمواقع الحاسمة بعيدًا عن جزيرة العرب، فكانت "توربواتيه" جنوب فرنسا وكان فتح كريت وجنوب إيطاليا وكانت موقعة طراز على نهر طلس في ما وراء النهر وأخيرًا حصار فيينا .. لذلك فإن التفسير الصحيح لحركة الفتح أنها تطبيق لفريضة دينية هي الجهاد الذي وصفه الحديث الشريف بأنه ذروة سنام الإسلام.

стр. 336

[هذه الصفحة تحتوي على خريطة لـ: طلائع حركة الجهاد قبل غزوة بدر الكبرى].

стр. 337

طلائع حركة الجهاد تتمثل طلائع حركات الجهاد في غزوات وسرايا صغيرة اتجهت إلى مواقع غربي المدينة واستهدفت ثلاثة أمور، تهديد طريق تجارة قريش إلى الشام، وهي ضربة خطيرة لاقتصاد مكة التجاري. والثاني: عقد المحالفات والموادعات مع القبائل التي تسكن المنطقة لضمان تعاونها أو حيادها على الأقل - في الصراع بين المسلمين وقريش وهي خطوة هامة يعتبر تحقيقها نجاحًا للمسلمين، لأن الأصل أن هذه القبائل تميل إلى قريش وتتعاون معها، إذ بينها محالفات تاريخية سماها القرآن الكريم بالايلاف، سعت قريش من خلالها لتأمين تجارتها مع الشام واليمن، ثم إن هذه القبائل لها مصالح وثيقة مع قريش سادنة البيت الحرام حيث يحج العرب جميعًا إلى الأصنام حوله هذا فضلًا عن وحدة العقيدة بين هذه القبائل وقريش واشتراك الجميع في معاداة الإسلام، فلا شك إذًا في أن تمكن المسلمين من موادعة هذه القبائل وتحييدها خلال الصراع يعتبر نجاحًا كبيرًا لهم في تلك المرحلة. والثالث: إبراز قوة المسلمين في المدينة أمام اليهود وبقايا المشركين، فالمسلمون صاروا لا يقتصرون على السيادة في المدينة بل يتحركون لفرض سيطرتهم على أطرافها وما حولها من القبائل، ويؤثرون في مصالحها وعلاقتها. وأولى الغزوات هي غزوة الأبواء (١)، تسمى بغزوة ودّان أيضًا، وهما موقعان متجاوران بينهما ستة أميال أو ثمانية، والأبواء تبعد عن المدينة حوالي أربعة وعشرين ميلًا، ولم يقع قتال في هذه الغزوة بل تمت موادعة بني ضمرة (من كنانة)، وكانت هذه الغزوة في ١٢ صفر سنة اثنتين. وقد عاد الجيش إلى

стр. 338

المدينة (١) بعد أن مكث خارجها إلى بداية شهر ربيع الأول في رواية المدائني (٢) ويذكر عروة بن الزبير أن النبي ﷺ أرسل سرية من الأبواء تضم ستين رجلًا بقيادة عبيدة بن الحارث (٣)، في حين يذكر ابن إسحاق أن السرية أرسلت إلى سيف البحر بعد العودة إلى المدينة، وأن ثمة سرية أخرى من ثلاثين رجلًا بقيادة حمزة بن عبد المطلب اتجهت إلى سيف البحر أيضًا في نفس الوقت للتعرض إلى قافلة قرشية لكن السريتين لم تشتبكا مع القرشيين في قتال، فقد حالت القبائل الموادعة للطرفين دون ذلك في سرية حمزة، وجرى تراشق بالسهام فقط بين سرية عبيدة والقرشيين (٤). ولا شك أن السريتين استهدفتا تهديد تجارة قريش بالدرجة الأولى، وهو تحذير أولى لقريش بأن تجارتها أصبحت في خطر ما لم تغير موقفها المتعنت من الإسلام، وفي ربيع الثاني استمر المسلمون في حملاتهم باتجاه الطريق التجاري أيضًا، فكانت غزوة بواط إلى رضوى قرب ينبع في مائتي مقاتل لاعتراض قافلة تجارية قرشية، ثم غزوة العشيرة (بينبع) في جمادى الأولى ولم يقع قتال في رضوى والعشيرة لكنه جرت موادعة بني مدلج في العشيرة (٥)، وقد تعرض كرز بن جابر الفهري في جمادى الآخرة في أعقاب العشيرة إلى أطراف المدينة ونهب بعض الإبل والمواشي فطارده الرسول ﷺ إلى سفوان من نواحي بدر فسميت الغزوة ببدر الأولى. وقد تمكن كرز من الإِفلات من حملة المطاردة (٦)، لكن الحادث أكد للمسلمين ضرورة تأمين العلاقة مع جيران المدينة فاستمرت الحملات، ولم

стр. 339

يقتصر تعرض المسلمين لتجارة قريش مع الشام بل تعرضوا لطريق تجارتها مع اليمن أيضًا، فأرسلت سرية عبد الله بن جحش في ثمانية من المهاجرين إلى نخلة جنوب مكة في آخر رجب للاستطلاع والتعرف على أخبار قريش لكنهم تعرضوا لقافلة تجارية لقريش فظفروا بها وقتلوا قائدها وأسروا اثنين من رجالها وعادوا بها إلى المدينة (١)، ونظرًا لأن هذه الحادثة وقعت في الشهر الحرام فقد أثار المشركون ضجة كبيرة بدعوى أن المسلمين ينتهكون حرمة الأشهر الحرم، وكان لذلك وقع خطير في الحواضر والبوادي، فهو خرق لعرف عام ساد الجزيرة العربية مدة طويلة قبل الإسلام. والواقع أن عبد الله بن جحش كان يدرك خطورة الأمر، فقد اختار قرار القتال بعد مشاورة لأصحابه، ولما رجع إلى المدينة وأراد تسليم الغنائم أبى الرسول ﷺ تسلمها وقال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، وانتشرت داعية قريش أن قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال!! وقد نزلت آيات من كتاب الله توضح سلامة موقف المسلمين، فأخذ الرسول ﷺ الغنائم وفادى الأسيرين مع قريش، والآيات هي ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٢) وهكذا بينت الآيات أن ما فعلته قريش من فتنة المسلمين عن دينهم وإخراجهم من مكة أكبر من قتال المسلمين في الشهر الحرام (٣) -مع إقرار مطلع الآية لحرمة "الأشهر الحرم"- فهلا التزمت قريش بالقيم والأعراف فيما فعلته مع المسلمين حتى يحق لها أن تعلن عن نفسها وكأنها القيم على الأعراف والمقدسات!!

стр. 340

وقد تعرض الشبهة للبعض فيظن أن تعرض المسلمين لقوافل المشركين يشبه أعمال قطاع الطرق، فرد هذه الشبهة بأن المسلمين كانوا في حالة حرب مع قريش فإضعافها اقتصاديًا وبشريًا من مقتضيات حالة الحرب، هذا فضلًا عما قامت به قريش من مصادرة أموال المسلمين عند هجرتهم من مكة، وما زالت حالة الحرب حتى الوقت الحاضر تسمح بضرب الطاقات البشرية والاقتصادية للعدو. * * * وفي شهر رجب أيضًا، وقع حادث مهم لابد من التنويه به لأثره في التأكيد على تمييز المسلمين واستقلالهم في وجهة صلاتهم، وهو تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة. * * *

стр. 341

تحويل القبلة إلى الكعبة كان النبي ﷺ يتجه في صلاته بمكة قبل الهجرة مستقبلًا بيت المقدس تاركًا الكعبة المشرفة بينه وبين بيت المقدس. هكذا ورد في رواية صحيحة الإسناد إلى عبد الله بن العباس (١). وذهب بعض العلماء إلى أنه كان يصلي بمكة إلى الكعبة فلما هاجر إلى المدينة استقبل بيت المقدس. وقد مال إلى هذا الرأي الأخير الحافظ أبو عمرو بن عبد البر القرطبي (٢)، وانتقد الحافظ ابن حجر هذا الرأي وضعَّفه فقال: "وهذا ضعيف ويلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصح لأنه يجمع بين القولين، وقد صححه الحاكم وغيره" (٣) وقد بين سعيد بن المسيب أن الأنصار كانوا يصلون إلى بيت المقدس قبل الهجرة بثلاث سنوات (٤). ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة المنورة استمر في الاتجاه بصلاته نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا (٥) وفي منتصف رجب سنة اثنتين للهجرة أمره الله تعالى بالتحول في صلاته إلى الكعبة قبلة إبراهيم وإسماعيل، وقد حدّد سعيد بن

стр. 342

المسيب تاريخ تحويل القبلة إلى الكعبة بشهرين قبل بدر (١)، فيكون في ١٧ رجب سنة اثنتين إذا توخينا الدقة أو منتصف رجب كما هو قول الجمهور إذا لم نعتبر اليومين (٢). وقد أرخ ابن إسحاق تحويل القبلة في رجب بعد سبعة عشر شهرًا من قدومه (٣) وورد عنه أيضًا رواية شاذة أن التحويل في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة (٤). وأما الواقدي فأرخ ذلك للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرًا (٥). وهناك روايات شاذة فقد جزم موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادى الآخرة، وقال آخرون: ثلاثة عشر شهرًا، وتسعة أشهر، وعشرة، وشهرين (٦) وسنتين (٧). وإذا أسقطنا الروايات الشاذة، فإن ظاهر التعارض بين "ستة عشر شهر" و "سبعة عشر شهرًا" يسهل إزالته بالجمع بين القولين بأن يكون من جزم بستة عشر شهر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا وألغى الزائد، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معًا، ومن شك تردد في ذلك (٨).

стр. 343

ولا شك أن استمرار النبي ﷺ بعد الهجرة في الصلاة إلى بيت المقدس لقي ترحيباً من اليهود الذين كانوا قد عاهدوه. ولعل ما يذكره مجاهد من أنهم استغلوا ذلك قائلين: "يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا" (١) صحيح، فكأنهم يرون أن الدين الجديد يتابعهم في قبلتهم ويأخذ عنهم في التقاليد والطقوس وقد يطمحون في جره إليهم، وقد ذهب البعض إلى القول بأن تغيير القبلة إلى بيت المقدس كان أول الهجرة إلى المدينة تأليفاً ليهود (٢) وقد تبين أن الصحيح خلاف ذلك وأن الصلاة إلى بيت المقدس كانت استمراراً لما كانت عليه الحال بمكة قبل الهجرة. وكان الرسول ﷺ يتطلع إلى الوحي ويرغب في التوجه إلى الكعبة .. عودة إلى قبلة إبراهيم ﵇ حيث أول بيت مبارك بني لتوحيد الله وعبادته، ورغبة في تمييز المسلمين بقبلة مستقلة تقطع على يهود دعايتهم فاستجاب الله تعالى له وحقق أمنيته ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣). وأول صلاة صلاها النبي ﷺ إلى الكعبة كانت صلاة الظهر في بني سلمة، وأول صلاة صلاها في المسجد النبوي العصر، وأول صلاة صلاها أهل قباء في مسجدهم الفجر عندما بلغهم خبر تحويل القبلة (٤). وكان وقع ذلك على اليهود شديداً، فقد غضبوا للأمر وقاموا بدعاية واسعة، فنزل القرآن الكريم في تفنيد مزاعمهم، فلما زعموا أن البر في الاتجاه بالصلاة إلى بيت المقدس نزل قوله تعالى ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (٥) وعندما يتساءلون عن سبب التحول عن

стр. 344

القبلة الحق - في نظرهم - يعلم نبيه أن يجيبهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١).وقد أوضح القرآن الكريم أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة امتحان وابتلاء للمؤمنين لتظهر قوة عقيدتهم وتختبر سرعة استجابتهم لأوامر الله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). يعني: وما جعلنا صرفك عن القبلة التي كنت عليها وهي بيت المقدس إلا للاختبار وإنما يظهر وجه الابتلاء عندما تطالعنا الأخبار التي تعكس صدى تحويل القبلة حيث يزعم المشركون أن الرسول ﷺ تحير في دينه ورجع إلى قبلتهم ويرجف المنافقون في أوساط المؤمنين ما بال محمد يحولنا مرة إلى هنا ومرة إلى هنا حتى خاف المسلمون على صلواتهم التي صلوها إلى بيت المقدس أن يبطل أجرها (٣). فأوضحت الآية أن الله لا يضيع صلاة من صلى منهم إلى بيت المقدس ومات قبل تحويل القبلة دون أن يتجه إلى الكعبة، وهم عشرة من الصحابة، لأنهم أطاعوا الله ورسوله بالاتجاه إلى بيت المقدس كما أطاعه الأحياء في الاتجاه إلى الكعبة (٤).

стр. 345

(صفحة تحتوي على خريطة) من كتاب "معجم معالم السيرة النبوية"

стр. 346

غزوة بدر الكبرى رغم تهديد المسلمين لطرق التجارة إلى الشام فإنهم لم يشتبكوا مع قوافل قريش في قتال حاسم حتى هذه المرحلة، مما جعل قريشاً تواصل إرسال قوافلها التجارية مع تأمين الحراسة لها، ولكن المسلمين كانوا لها بالمرصاد، فلما بلغهم تحرك قافلة كبيرة لقريش عائدة من الشام ترصدوها وكان يقودها أبو سفيان صخر ابن حرب، وكانت تحمل أموالاً عظيمة لقريش. ويحرسها ثلاثون أو أربعون رجلا (١)، وقد أرسل النبي ﷺ بسبس لاستطلاع أخبار القافلة، فلما رجع إليه بخبرها ندب أصحابه للخروج، وتعجل بمن كان مستعداً دون أن ينتظر من رغب في الخروج من سكان العوالي لئلا تفوتهم القافلة (٢). لذلك فإن جيش المسلمين ببدر لا يمثل كل طاقتهم العسكرية فإنهم خرجوا لأخذ القافلة ولم يعلموا أنهم سيواجهون جيش قريش. وقد ذكر عكرمة أن الرسول ﷺ أرسل عدي بن الزغباء وبسبس بن عمرو إلى بدر طليعة للتعرف على أخبار القافلة، فرجعا إليه بخبرها (٣) وخبر إرسال بسبس ثابت في صحيح مسلم وهو دليل على الأخذ بالأسباب ومن ذلك التجسس على العدو وجمع أخباره. وقد خرج المسلمون إلى بدر وهم ثلثمائة وتسعة عشر رجلا فقط (٤) منهم مائة من المهاجرين وبقيتهم من الأنصار، إذا أخذنا براوية الزبير بن العوام، وقد شهد الموقعة، أما البراء بن عازب الذي رده الرسول ﷺ عن شهودها لصغر سنه

стр. 347

فقد ذكر أن المهاجرين كانوا يزيدون على الستين وأن الأنصار كانوا يزيدون على أربعين ومائتين (١). وقد ذكرت المصادر أسماء ٣٤٠ صحابياً ممن شهد بدراً، وهذا بسبب الاختلاف بينها في شهود بعضهم الغزوة (٢). وقد أذن رسول الله ﷺ لحذيفة بن اليمان ولأبيه بعدم شهود بدر لأنهما كانا قد وعدا كفار قريش بعدم القتال معه فطلب منهما الوفاء بعهدهما (٣). وقد التحق بهم أحد شجعان المشركين في الطريق ليقاتل مع قومه فرده الرسول ﷺ وقال: ارجع فلن أستعين بمشرك وكرر الرجل المحاولة فرفض الرسول حتى أسلم الرجل والتحق مع المسلمين (٤). فلا بد أن تظهر الصبغة العقائدية على أولى الملاحم الإسلامية، ولا بد من وحدة الهدف فيها. وكان مع المسلمين سبعون بعيرا يتعاقبون على ركوبها (٥) وكان الرسول ﷺ وأبو لبابة وعلي بن أبي طالب يتعاقبون على بعير واحد، فأرادا أن يؤثراه بالركوب فقال: "ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغني عن الأجر منكما" (٦) ويالروعة هذا الموقف عندما يستوي القائد والجند في تحمل الشدائد وقد تملكم الصدق والإخلاص في التطلع إلى رضوان الله وثوابه! وكيف لا يحتمل الجند المشاق وقائدهم يسابقهم في ذلك, ولا يرضى أن يكون دونهم في مواجهتها، وهو شيخ في الخامسة والخمسين من عمره!!.

стр. 348

وقد أمر النبي على المدينة عند خروجه عبد الله بن أم مكتوم للصلاة بالناس، ثم أعاد أبا لبابة من الروحاء - وهي على أربعين ميلا من المدينة - وعينه أميراً على المدينة (١). مما يبين أهمية وجود الأمير في الحضر والسفر والسلم والحرب. وقد بلغ أبا سفيان خروج المسلمين لأخذ القافلة، فسلك بها في طريق الساحل وأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري لاستنفار أهل مكة، فلما علمت قريش الخبر استعد للخروج دفاعاً عن قافلتها، وقد ذكر ابن عباس وعروة بن الزبير أن عاتكة بنت عبد المطلب رأت في المنام أن رجلاً استنفر قريشا وألقى بصخرة من رأس جبل أبي قبيس بمكة فتفتتت ودخلت سائر دور قريش، وقد أثارت الرؤيا خصومة بين العباس وأبي جهل حتى قدم ضمضم وأعلمهم بخبر القافلة (٢). فسكنت مكة وتأولت الرؤيا. وكان وقع الخبر على قريش كالصاعقة، فإن التعرض لقوافلها السابقة كان ينتهي بمناوشات خفيفة قصد منها المسلمون إقلاق قريش، أما هذه المرة فقد قصدوا أخذ القافلة فعلا، يدل على ذلك قول الرسول ﷺ للمسلمين: "هذه عير قريش فيها أموالهم، فأخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها" (٣). لذلك سارعت قريش للخروج، وحاولت أن تجند كل طاقتها، فلم يتخلف أحد من فرسانها ورجالها إلا البعض - مثل أبي لهب - ممن أرسل بدله رجلاً. فقد كانت قريش في أشد الغضب وكانت ترى فيما حدث امتهاناً لكرامتها وحطاً لمكانتها بين

стр. 349

العرب، فضلاً عن ضرب مصالحها الاقتصادية الكبيرة. لذلك كان من يظهر التردد في الخروج مع جيش قريش يتجه إليه زعماء قريش بالعتاب واللوم حتى يقنعوه بالخروج (١). وقد صح أن عدد جيش المشركين بلغ ألفاً (٢)، وقد ذكر ابن إسحق - دون إسناد - أنهم كانوا تسعمائة وخمسين مقاتلا معهم مائتا فرس يقودونها، ومعهم القيان يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين (٣). وأما عن تمويل الجيش فإن الأموي ذكر - دون إسناد - أن أثرياء قريش كانوا ينحرون الإبل مرة تسعاً ومرة عشراً لإطعام الجيش (٤). وقد انشق بنو زهرة ورجعوا إلى مكة بعد أن نصحهم بذلك الأخنس بن شريق حين علموا بنجاة القافلة. وهم بالجحفة شرق رابغ (٥)، ولكن معظم الجيش تقدموا حتى وصلوا إلى منطقة بدر. فلم تعد نجاة القافلة هدفهم بل تأديب المسلمين وتخليص طرق التجارة من تعرضهم وإعلام العرب بقوة قريش وسلطانها وسقط بعض خدمهم أسرى بيد المسلمين عند عيون المياة ببدر، وقد عرف منهم الرسول ﷺ عدد الجيش وموقعه وزعماءه، فقد ذكروا عدد ما ينحرون من الإبل لطعامهم كل يوم فقال:"القوم ألف، وكل جزور لمائة وتبعها" (٦). ولم يرتح بعض المسلمين لنجاة القافلة ومواجهة جيش المشركين لأنهم لم يستعدوا للقتال. وقد صور القرآن الكريم موقفهم في الآيات التالية: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي

стр. 350

الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (١). وكان الأنصار قد بايعوا الرسول ﷺ في بيعة العقبة الثانية على أن يحموه في بلدهم، ولم يبايعوه على القتال معه خارج المدينة لذلك اقتصرت السرايا التي سبقت بدر على المهاجرين، ونظرا لوجود الأنصار مع المهاجرين ببدر وتفوقهم العددي الكبير فقد أراد الرسول ﷺ معرفة رأيهم في الموقف الجديد. فكان أن شاور أصحابه عامة وقصد الأنصار خاصة، وقد روى ابن إسحق خبر المشورة بسند صحيح قال: "فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول الله ﷺ خيراً ودعا له. ثم قال رسول الله ﷺ أشيروا عليّ أيها الناس؟ وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يارسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا نمنعك ما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله ﷺ يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم.

стр. 351

فلما قال ذلك رسول الله ﷺ قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يارسول الله؟ قال: أجل. قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك. فامض يارسول الله لما أردت فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقي بنا عدونا غداً، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله. قال: فسر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه، ثم قال: "سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم" (١). فلما رأى النبي ﷺ طاعة الصحابة وشجاعتهم واجتماعهم على القتال، وحبهم للتضحية من أجل الإسلام بدأ بتنظيم جنده، فأعطى اللواء - وكان أبيض - إلى مصعب بن عمير، وأعطى رايتين سوداوين لعلي بن أبي طالب وسعد بن معاذ، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة (٢). وقد ظهرت الخلافات في جيش المشركين حيث كان عتبة بن ربيعة يريد العودة دون قتال المسلمين لئلا تكثر الترات بين الطرفين وبينهم أرحام وقرابات، أما أبو جهل فكان مصراً على القتال، وقد غلب رأيه أخيرا (٣)، فقام المشركون بإرسال جاسوس لهم للتعرف على عدد المسلمين فأخبرهم بعددهم (٤). وأخذ

стр. 352

أبو جهل يدعو على رسول الله ﷺ يقول: "اللهم أينا كان أقطع للرحم، وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة" فكان ذلك استفتاحه الذي أشارت إليه الآية الكريمة ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). لقد وصل المسلمون إلى بدر وقاموا باستطلاع المكان قبل وصول المشركين وقد ورد بسند حسن إلى عروة لكنه مرسل أن الحباب بن المنذر أشار على النبي ﷺ بأن يترك مياه بدر خلفه لئلا يستفيد منها المشركون وأن النبي ﷺ قبل مشورته (٢). ورغم ضعف هذه الرواية من جهة الإرسال فإن مبدأ الشورى ثابت بنصوص القرآن الكريم وأحداث السيرة المطهرة. فكثيراً ما كان الرسول ﷺ يستشير أصحابه فيما لا وحي فيه، من الكتاب والسنة تعويداً لهم على التفكير بالمشاكل العامة وحرصا على تربيتهم على الشعور بالمسئولية ورغبة في تطبيق الأمر الإلهي بالشورى وتعويد الأمة على ممارستها. وقد وصف علي (رض) في رواية صحيحة كيف بات المسلمون ليلة السابع عشر من رمضان ببدر وأمامهم معسكر المشركين قال: "لقد رأيتنا يوم بدر، وما منا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح ... ثم إنه أصابنا من الليل طش (٣) من مطر، فانطلقنا تحت الشجر

стр. 353

والحجف (١) نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله صلى الله عليه يدعو ربه ويقول: (اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد) فلما طلع الفجر نادى: (الصلاة عباد الله)، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله ﷺ وحرَّض على القتال" (٢). وقد وردت رواية ضعيفة تشير إلى أن تعبئة الجيش من حيث تهيئتهم للحرب وترتيبهم في مواضعهم تمت خلال الليل (٣).وقد أثبتت آية قرآنية نزول المطر ببدر وهي ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ (٤). ويبدو أن الرسول ﷺ أراد أن يريح جيشه فقام بحراستهم بنفسه تلك الليلة. وفي صبيحة يوم السابع عشر من رمضان نظم الرسول ﷺ جيشه في صفوف كصفوف القتال (٥). وهو أسلوب جديد في القتال يخالف ما جرت عليه عادة العرب من القتال بأسلوب الكر والفر وهو الأسلوب الذي قاتل وفقه المشركون ببدر، ولا شك أن نظام الصفوف يقلل من خسائر المسلمين ويعوض عن قلة عددهم أمام المشركين، وفيه مزية السيطرة على القوة بكاملها وتأمين العمق للجيش حيث تبقى دائماً بيد القائد قوة احتياطية في الخلف يعالج بها المواقف التي ليست بالحسبان (٦).

стр. 354

وقد بنى للرسول ﷺ عريش أو قبة كان فيها. ليدير منها المعركة باقتراح من سعد بن معاذ (١) وذلك لأهمية الحفاظ على القائد في المعركة. ولما اقترب المشركون من المسلمين قال لهم الرسول الكريم: "لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه". فدنا المشركون فقال رسول الله ﷺ : "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض" (٢). فلما سمع عمير بن الحمام الأنصاري ذلك قال: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض"؟ قال: نعم. قال: بخ بخ (٣). فقال رسول الله ﷺ : ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها. فأخرج تمرات من قرنه (٤) فجعل يأكلن منهن. ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل" (٥)!!. وحكى عمر بن الخطاب إكثار النبي ﷺ من الدعاء يوم بدر قال: (لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه "اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض". فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ " فأمده الله بالملائكة) (٦). وقد خرج من العريش وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) (٧).

стр. 355

وكان رسول الله ﷺ يباشر القتال بنفسه قال علي، ﵁: "لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً" (١). وقد بدأ القتال بمبارزات فردية، حيث تقدم عتبة بن ربيعة وتبعه ابنه الوليد وأخوه شيبة طالبين المبارزة، فانتدب لهم شباب من الأنصار فرفضوا مبارزتهم طالبين مبارزة بني قومهم، فأمر الرسول ﷺ حمزة وعليا وعبيدة بن الحارث بمبارزتهم، وقد تمكن حمزة من قتل عتبة ثم قتل علي شيبة، وأما عبيدة فقد تصدى للوليد وجرح كل منهما صاحبه فعاونه علي وحمزة فقتلوا الوليد واحتملا عبيدة إلى معسكر المسلمين (٢). وقد أثرت نتيجة المبارزة في معسكر قريش وبدأوا الهجوم، فأمر النبي ﷺ أصحابه بنضح المشركين بالنبل إذا اقتربوا منهم حرصاً على الإفادة من النبال بأقصى ما يستطاع فقال: "إذا أكثبوهم فارموا واستبقوا نبلكم" (٣). ويذكر عروة وقتادة أن الرسول ﷺ رمى الحصا في وجوه المشركين (٤)، وتدل على صحة ذلك الآية الكريمة: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٥). ثم التقى الجيشان في ملحمة قتل فيها عدد من زعماء المشركين، منهم أبو جهل عمرو بن هشام الذي وصفه الرسول ﷺ بأنه فرعون هذه الأمة (٦). وقد
следующие страницы →