← Сира

Сира · id 122396

السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية

أكرم العمري

Полный текст (707 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فلما قال ذلك رسول الله ﷺ قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يارسول الله؟ قال: أجل. قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك. فامض يارسول الله لما أردت فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقي بنا عدونا غداً، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله. قال: فسر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه، ثم قال: "سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم" (١). فلما رأى النبي ﷺ طاعة الصحابة وشجاعتهم واجتماعهم على القتال، وحبهم للتضحية من أجل الإسلام بدأ بتنظيم جنده، فأعطى اللواء - وكان أبيض - إلى مصعب بن عمير، وأعطى رايتين سوداوين لعلي بن أبي طالب وسعد بن معاذ، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة (٢). وقد ظهرت الخلافات في جيش المشركين حيث كان عتبة بن ربيعة يريد العودة دون قتال المسلمين لئلا تكثر الترات بين الطرفين وبينهم أرحام وقرابات، أما أبو جهل فكان مصراً على القتال، وقد غلب رأيه أخيرا (٣)، فقام المشركون بإرسال جاسوس لهم للتعرف على عدد المسلمين فأخبرهم بعددهم (٤). وأخذ

стр. 352

أبو جهل يدعو على رسول الله ﷺ يقول: "اللهم أينا كان أقطع للرحم، وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة" فكان ذلك استفتاحه الذي أشارت إليه الآية الكريمة ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). لقد وصل المسلمون إلى بدر وقاموا باستطلاع المكان قبل وصول المشركين وقد ورد بسند حسن إلى عروة لكنه مرسل أن الحباب بن المنذر أشار على النبي ﷺ بأن يترك مياه بدر خلفه لئلا يستفيد منها المشركون وأن النبي ﷺ قبل مشورته (٢). ورغم ضعف هذه الرواية من جهة الإرسال فإن مبدأ الشورى ثابت بنصوص القرآن الكريم وأحداث السيرة المطهرة. فكثيراً ما كان الرسول ﷺ يستشير أصحابه فيما لا وحي فيه، من الكتاب والسنة تعويداً لهم على التفكير بالمشاكل العامة وحرصا على تربيتهم على الشعور بالمسئولية ورغبة في تطبيق الأمر الإلهي بالشورى وتعويد الأمة على ممارستها. وقد وصف علي (رض) في رواية صحيحة كيف بات المسلمون ليلة السابع عشر من رمضان ببدر وأمامهم معسكر المشركين قال: "لقد رأيتنا يوم بدر، وما منا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح ... ثم إنه أصابنا من الليل طش (٣) من مطر، فانطلقنا تحت الشجر

стр. 353

والحجف (١) نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله صلى الله عليه يدعو ربه ويقول: (اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد) فلما طلع الفجر نادى: (الصلاة عباد الله)، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله ﷺ وحرَّض على القتال" (٢). وقد وردت رواية ضعيفة تشير إلى أن تعبئة الجيش من حيث تهيئتهم للحرب وترتيبهم في مواضعهم تمت خلال الليل (٣).وقد أثبتت آية قرآنية نزول المطر ببدر وهي ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ (٤). ويبدو أن الرسول ﷺ أراد أن يريح جيشه فقام بحراستهم بنفسه تلك الليلة. وفي صبيحة يوم السابع عشر من رمضان نظم الرسول ﷺ جيشه في صفوف كصفوف القتال (٥). وهو أسلوب جديد في القتال يخالف ما جرت عليه عادة العرب من القتال بأسلوب الكر والفر وهو الأسلوب الذي قاتل وفقه المشركون ببدر، ولا شك أن نظام الصفوف يقلل من خسائر المسلمين ويعوض عن قلة عددهم أمام المشركين، وفيه مزية السيطرة على القوة بكاملها وتأمين العمق للجيش حيث تبقى دائماً بيد القائد قوة احتياطية في الخلف يعالج بها المواقف التي ليست بالحسبان (٦).

стр. 354

وقد بنى للرسول ﷺ عريش أو قبة كان فيها. ليدير منها المعركة باقتراح من سعد بن معاذ (١) وذلك لأهمية الحفاظ على القائد في المعركة. ولما اقترب المشركون من المسلمين قال لهم الرسول الكريم: "لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه". فدنا المشركون فقال رسول الله ﷺ : "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض" (٢). فلما سمع عمير بن الحمام الأنصاري ذلك قال: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض"؟ قال: نعم. قال: بخ بخ (٣). فقال رسول الله ﷺ : ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها. فأخرج تمرات من قرنه (٤) فجعل يأكلن منهن. ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل" (٥)!!. وحكى عمر بن الخطاب إكثار النبي ﷺ من الدعاء يوم بدر قال: (لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه "اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض". فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ " فأمده الله بالملائكة) (٦). وقد خرج من العريش وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) (٧).

стр. 355

وكان رسول الله ﷺ يباشر القتال بنفسه قال علي، ﵁: "لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً" (١). وقد بدأ القتال بمبارزات فردية، حيث تقدم عتبة بن ربيعة وتبعه ابنه الوليد وأخوه شيبة طالبين المبارزة، فانتدب لهم شباب من الأنصار فرفضوا مبارزتهم طالبين مبارزة بني قومهم، فأمر الرسول ﷺ حمزة وعليا وعبيدة بن الحارث بمبارزتهم، وقد تمكن حمزة من قتل عتبة ثم قتل علي شيبة، وأما عبيدة فقد تصدى للوليد وجرح كل منهما صاحبه فعاونه علي وحمزة فقتلوا الوليد واحتملا عبيدة إلى معسكر المسلمين (٢). وقد أثرت نتيجة المبارزة في معسكر قريش وبدأوا الهجوم، فأمر النبي ﷺ أصحابه بنضح المشركين بالنبل إذا اقتربوا منهم حرصاً على الإفادة من النبال بأقصى ما يستطاع فقال: "إذا أكثبوهم فارموا واستبقوا نبلكم" (٣). ويذكر عروة وقتادة أن الرسول ﷺ رمى الحصا في وجوه المشركين (٤)، وتدل على صحة ذلك الآية الكريمة: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٥). ثم التقى الجيشان في ملحمة قتل فيها عدد من زعماء المشركين، منهم أبو جهل عمرو بن هشام الذي وصفه الرسول ﷺ بأنه فرعون هذه الأمة (٦). وقد

стр. 356

قتله معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء وهما غلامان لا يعرفانه حتى دلهما عليه عبد الرحمن بن عوف، وقد أخبرا بأنهما يريدان قتل أبي جهل لما كان من سبه للرسول ﷺ وقد أجهز عليه ابن مسعود بعد أن أصاباه (١). ومنهم أمية بن خلف، فقد أسره عبد الرحمن بن عوف بعد المعركة وأسر معه علياً ابنه، فلمحه بلال، وكان هو الذي يعذبه بمكة، فقال: رأس الكفر أمية ابن خلف، لا نجوت إن نجا، واستصرخ عليه الأنصار فأعانوه على قتله هو وابنه علي (٢). وقد ثبت في القرآن والحديث أن الله تعالى أمد المسلمين بالملائكة يوم بدر وكذلك صح أنها قاتلت ببدر. فأما القرآن ففيه ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ

стр. 357

بَنَانٍ﴾ (١). هذا إذا أرجعنا الضمير في "اضربوا" إلى الملائكة لكن الطبري أرجعه للمؤمنين، وإن الله تعالى يعلمهم كيفية الضرب (٢). وأما الأحاديث: فقد قال ابن عباس: "بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم (٣). فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد خطم (٤) أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: صدقت ذلك مدد من السماء الثالثة" (٥). وقد أسر رجل من الأنصار العباس بن عبد المطلب، فقال العباس: "يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح (٦) من أحسن الناس وجهاً على فرس أبلق ما أراه في القوم". فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال: أسكت، فقد أيدك الله تعالى بملك كريم" (٧). وفي مغازي الأموي بإسناد حسن: "خفق النبي ﷺ خفقة في العريش ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل متعجر بعمامة آخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع أتاك نصر الله وعدته" (٨).

стр. 358

وفي صحيح البخاري: "جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: "ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: أفضل المسلمين - أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة" (١). فهذا ما صح من الآثار عن اشتراك الملائكة ببدر وقتالها فيها، وأما عن حكمة ذلك مع أن جبريل وحده قادر على إهلاكهم بأمر الله فيوضح السبكي ذلك بقوله: "وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي ﷺ وأصحابه، وتكون الملائكة مدداً على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله تعالى في عباده. والله تعالى هو فاعل الجميع والله أعلم" (٢). وقد يتحاشى بعض الكتاب المسلمين الإشارة إلى مشاركة الملائكة ببدر وهذا من مظاهر الهزيمة أمام الفكر المادي الذي لا يؤمن إلا بالمحسوسات، والإيمان برسالة محمد ﷺ يقتضي الإيمان بالملائكة. وأخذ المشركون يتساقطون صرعى، حتى قتل منهم سبعون وأسر سبعون (٣)، وكان بعضهم يصرعون في مواضع كان الرسول ﷺ قد بين لأصحابه قبل المعركة أنهم يصرعون فيها وذكرهم بأسمائهم (٤). ثم فروا لا يلوون على شيء تاركين غنائم كثيرة في ميدان المعركة. وأمر الرسول ﷺ بسحب قتلى المشركين إلى آبار ببدر فألقوا فيها، وأقام ببدر ثلاثة أيام ودفن شهداء المسلمين فيها، وهم أربعة عشر شهيدا سمتهم المصادر (٥)

стр. 359

وزاد ابن حجر عليهم في الإصابة اثنين آخرين (١). ولم يذكر أنه ﷺ صلى عليهم وهي السنة في الشهداء ولم ينقل أحد منهم من بدر ليدفن في المدينة. فلما كان اليوم الثالث ببدر وقف على أربعة وعشرين رجلا منهم من صناديد قريش في إحدى الآبار فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ويقول: "أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". قال قتادة: " أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما" (٢). ولم يطلب الرسول ﷺ قافلة أبي سفيان بعد بدر فقد وعده الله إحدى الطائفتين وأنفذ له وعده بالنصر على جيش المشركين (٣). وقد أوصى الرسول ﷺ بالمحافظة على حياة بعض المشركين الذين خرجوا إلى بدر مكرهين خائفين من لائمة قومهم، ومنهم من قدم يدا للمسلمين في العهد المكي، وقد سمى منهم بني عبد المطلب - وفيهم عمه العباس بن عبد المطلب - وأبا البختري بن هشام (٤)، فطلب من المسلمين أن يأسروهم (٥) وقد تم أسر العباس بن عبد المطلب، وأما أبو البختري فقد أصر على القتال فقتل (٦).

стр. 360

وقد استشار الرسول ﷺ أبا بكر وعمر فيما يصنع بالأسرى؟ فأشار أبو بكر بأخذ الفدية منهم وعلل ذلك بقوله "فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام" وأشار عمر بن الخطاب بقتلهم "فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها". ومال النبي ﷺ إلى رأي أبي بكر بقبول الفدية، فنزلت الآية الكريمة في موافقة رأي عمر، ﵁: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١) إلى قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (٢). وبذلك أحل لهم ما أخذوه من الفداء بعد أن عاتبتهم الآية في تفصيل الفداء على عقوبة أئمة الكفر. وهذا الحكم كان في أول الإسلام ثم جعل الخيار للإمام بين القتل أو المفاداة أو المن عليهم دون فداء ما عدا الأطفال والنساء إذ لا يجوز قتلهم (٣). وقد تباين فداء الأسرى، فمن كان ذا مال فقد أخذ فداؤه أربعة آلاف درهم (٤). وقد فدت زينب بنت رسول الله ﷺ زوجها أبا العاص بن الربيع بقلادة، فأطلق الصحابة أسيرها وردوا عليها قلادتها إكراما لرسول الله ﷺ (٥). ومن لم يكن لهم فداء من الأسرى، جعل فداؤهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة (٦). ولم يكن هم المسلمين أخذ المال من هؤلاء قدر إضعافهم معنويا، فقد قال الرسول ﷺ : (لو كان مطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى

стр. 361

لأطلقتهم له) (١). وقد أراد الأنصار إعفاء العباس من دفع الفدية فهو عم الرسول ﷺ وجدته نجارية، فأبى الرسول ﷺ ذلك وقال: "لا تذرون منه درهما" (٢) فلست هناك محاباة ولو مع عم رسول الله ﷺ ، بل الكل سواء أمام حكم الله ورسوله. رغم أنه أخبر الرسول ﷺ أنه كان مسلما وقد أكره على الخروج إلى بدر (٣). فدفع العباس مائة أوقية فدية ودفع عقيل بن أبي طالب ثمانين أوقية في حين دفع بعض الأسرى الآخرين أربعين أوقية فقط (٤)!!. هذا بالنسبة للأسرى. أما الغنائم فقد وقع خلاف حولها إذ لم يكن حكمها قد شرع بعد، قال عبادة بن الصامت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس فهم الله ﵎ العدو فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على المعسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، فنحن نفينا عنها العدو وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ : لستم بأحق بها منا نحن أحدقنا برسول الله ﷺ وخفنا أن يصيب العدو منه غرة واشتغلنا به فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فقسمها رسول الله ﷺ على فواق بين المسلمين (٥) - أي بالتساوي بينهم. وتدل الآثار الصحيحة على أن النبي ﷺ أخرج الخمس من الغنيمة ثم قسمها بين المقاتلين (٦). وكانت آية الخمس قد نزلت ضمن سياق الآيات في

стр. 362

غزوة بدر وهي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١). وقد أسهم الرسول ﷺ لتسعة من الصحابة لم يشهدوا الغزوة لأعمال كلفوا بها في المدينة أو لإصابتهم بجروح وكسور في الطريق إلى بدر أو لغيرها من الأعذار. منهم عثمان بن عفان الذي أمره الرسول ﷺ بالعناية بزوجته رقية في مرض موتها (٢). وما إن اتضح الحكم في الغنائم وكيفية توزيعا حتى ثاب الناس إلى طاعة الله ورسوله واختفى كل خلاف، وكان هذا شأنهم في كل أمر يقطع فيه الله ورسوله بحكم. وكان تقسيم الغنائم في الصفراء في طريق عودة الجيش إلى المدينة وقد تقدمهم زيد بن حارثة إليها بالبشارة، وقد تلقى المسلمون بالمدينة هذه البشارة بالفرح الغامر والحذر ألا يكون الخبر يقينا، قال أسامة: "فوالله ما صدقت حتى رأينا الأسارى (٣). وكانت الدهشة تعلوا الوجوه، أحقا هزمت قريش وأسر زعماؤها وتحطمت كبرياؤها وظهرت حقيقة آلهتها الزائفة وعقائدها الباطلة، وها هي أم المؤمنين سودة لفرط دهشتها تقول لأبي يزيد سهيل بن عمرو ويداه معقودتان إلى عنقه بحبل: "أبا يزيد أعطيتم بأيديكم ألا متم كراما"!! فقال رسول الله ﷺ : "أعلى الله وعلى رسوله"!! - أي تؤلبين - فقالت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما ملكت حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنه بالحبل أن قلت ما قلت" (٤)!! وفي طريق عودة الجيش إلى المدينة أمر الرسول ﷺ بقتل اثنين من الأسرى أولهما النضر بن الحارث وثانيهما عقبة بن أبي معيط (٥)، وكانا يؤذيان المسلمين بمكة ويشتدان في عداوتهما لله ولرسوله. فهما من أئمة الكفر ومجرمي الحرب وفي

стр. 363

قتلهما صبرا درس للطغاة بليغ، وقد تخلى عقبة عن جبروته ونادى: من للصبية يا رسول الله؟ فأجابه: النار (١). فهلا تذكر عقبة يوم ألقى سلاة شاة على رأس الني وهو ساجد فجاءت فاطمة فغسلته عنه (٢)!! أما بقية الأسرى فقد استوصى بهم رسول الله ﷺ خيرا، حتى حكى أبو عزيز - وقد أسره أخوه مصعب بن عمير ومعه رجل أنصاري - أن آسريه كانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوه بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله ﷺ بالأسرى. حتى ما تقع في يد أحدهم خبزة إلا ناوله إياها قال: "فاستحي فأردها علي ما يمسها" (٣) وهذا الموقف آية على حسن معاملة الأسير في الإسلام وإيثاره بأفضل ما عند آسريه. مما لا نجد له مثيلاً في تواريخ الدنيا. لقد كانت موقعة بدر - رغم صغر حجمها - فاصلة في تاريخ الإسلام لذلك سماها الله تعالى في كتابه بـ "يوم الفرقان" لأنه فرق بها بين الحق والباطل، وفيها حققت العقيدة الإسلامية انتصارات كبيرة، فقد ظهر استعلاؤها على سائر المصالح والمطامح والعلائق الدنيوية، فهاهم الأنصار يعلنون قبل بدئها أن التزاماتهم تجاه العقيدة لا تحدها اللوائح والعهود التي قطعوها في بيعة العقبة الثانية، بل هم جند مطيعون ومضحون من أجل عقيدتهم دون شرط ولا قيد، وها هم المهاجرون يواجهون أقاربهم في المعركة فالابن يلقى أباه والأخ يلقى أخاه، فلا تمنعهم أواصر القربى من قتلهم لأن مصلحة العقيدة فوق كل آصرة وارتباط. وقد استحق المقاتلون ببدر أن ينالوا التقدير الكبير الذي صار يلازم كلمة "البدري" حتى كونوا الطبقة الأولى من الصحابة في سجل الجند لعمر (رض) فكانوا يأخذون أعلى العطاء واحتلوا الصفحات الأولى من كتب الطبقات، وهكذا نالهم التكريم الأدبي والمادي على مر الدهور

стр. 364

وقد أوضحت الأحاديث الصحيحة فضل البدريين وعلو مقامهم في الجنة، فقد أصيب حارثة بن سراقة الأنصاري يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر واحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع. فقال: ويحك - أو هبلت - أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس (١). وفي قصة حاطب بن أبي بلتعة الذي أخبر قريشاً بخبر قدوم المسلمين لفتح مكة فعفا عنه الرسول ﷺ وقال: "لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم" (٢) ولما قال عبد لحاطب: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. قال رسول الله ﷺ : "كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدراً والحديبية" (٣). وكانت أصداء بدر عميقة في المدينة ومكة وأرجاء الجزيرة العربية فقد استعلى المؤمنون في المدينة على اليهود وبقايا المشركين، فانخذل اليهود وظهرت أحقادهم التي دفعت بهم إلى المجاهرة بالعداء، فقد غاظتهم النتيجة التي ما كانوا يتوقعونها فلم يعودوا يسيطرون على أفعالهم وأقوالهم التي تنم عن الغضب والحقد المتأججين. فاندفعوا نحو العدوان مما أدى إلى إجلاء بني قينقاع عن المدينة. ودخل الكثيرون في الإسلام، وبعضهم دخل حماية لمصالحه بعد أن شعر برجحان كفة المسلمين، فكون هؤلاء جبهة المنافقين الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر على رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول. وأما قريش في مكة فلم تكد تصدق ما حدث، فقد قتل ساداتها وأبطالها، وتشير رواية مرسلة إلى أنها تجلدت فمنعت البكاء والنياحة على قتلاها لئلا يشمت

стр. 365

بهم المسلمون (١). وصممت على الانتقام والثأر، فأرسلت عمير بن وهب الجمحي لاغتيال الرسول ﷺ بعد أن وعده صفوان بن أمية بإعالة أهله إن قتل، فمضى إلى المدينة متوشحا سيفه، فملا بلغ المسجد أمسك به عمر بن الخطاب وذهب به إلى الرسول ﷺ فسأله عما جاء به فكذب عليه وزعم أنه جاء في طلب أسير، فأخبره الرسول ﷺ بمقصده وما كان بينه وبين صفوان بن أمية، فأعلن إسلامه وطلب أن يأذن له بدعوة أهل مكة إلى الإسلام (٢). ومما فعلته قريش للثأر لقتلاها أنها اشترت اثنين من أسرى المسلمين في حادثة الرجيع وهما خبيب وزيد ابن الدثنة فقتلتهما (٣).

стр. 366

في أعقاب بدر غزوة قرقرة الكدر: وجه المسلمون جهودهم للمحافظة على الحصار الاقتصادي الذي فرضوه على قريش، ويبدو أن بعض القبائل المستفيدة من تجارة قريش ومرورها بديارها قامت بتجمعات للتحرك ضد المسلمين من ذلك أن بني سليم وغطفان جمعوا جموعا بقرقرة الكدر وهي ماء لبني سليم، فقاد النبي ﷺ جيشا وداهمهم على الماء، فلم يجد سوى الإبل، فقد فر المقاتلون لما سمعوا بقدومه، فأقام ثلاثة أيام بالمكان ثم عاد (١). وذكر ابن سعد - بدون إسناد - أن الغنيمة كانت خمسمائة بعير، وأن المقاتلين كانوا مائتي رجل (٢). غزوة السويق: وقام أبو سفيان بعمل انتقامي حيث قدم سراً بمائتي فارس من مكة، ولجأوا إلى بني النضير في أطراف المدينة، ثم قام بمهاجمة ناحية العريض - واد بالمدينة في طرف حرة واقم - فقتل رجلين وأحرق نخلا وفر عائدا إلى مكة. وقد تعقبه المسلمون إلى قرقرة الكدر فلم يدركوه، وعادوا بالسويق الذي رماه المشركون للتخفف من حملهم والمسارعة في الفرار فسميت بغزوة السويق (٣). غزوة ذي أمر: وبعد شهر من غزوة السويق التي كانت في محرم سنة ثلاث، غزا الرسول ﷺ نجدا يريد غطفان التي تجمعت في ذي أمر ففروا أمامه ولم يقع قتال. فأقام

стр. 367

طيلة شهر صفر في ديارهم ثم عاد إلى المدينة. وهي غزوة ذي أمر (١). وبين الواقدي وابن سعد أن المجتمعين على ماء ذي أمر هم من غطفان من بني ثعلبة ابن محارب وأن عدد جيش المسلمين كان أربعمائة وخمسين رجلاً، وخالف ابن إسحق في تاريخها فذكر أن خروج المسلمين إليها كان في يوم الخميس لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة ثلاث (٢). غزوة بحران: ثم غزا الرسول ﷺ بحران من ناحية الفرع على الطريق التجارية بين مكة والشام ولم يقع قتال (٣). وذكر الواقدي أنه غاب عن المدينة في هذه الغزوة عشرة أيام (٤). وبين ابن سعد أن عدد جيش المسلمين كانوا ثلثمائة مقاتل (٥). غزوة القردة: وحاولت قريش الإفادة من الطريق التجارية عبر نجد باتجاه العراق للإفلات من الحصار الاقتصادي. فخرج أبو سفيان في تجار من قريش معظمها من الفضة، فأرسل الني ﷺ زيد بن حارثة فلقي القافلة في ماء من مياه نجد يدعى القردة، ففر الرجال تاركين القافلة غنيمة له. وكان ذلك بعد ستة أشهر من غزوة بدر الكبرى (٦). وذكر ابن سعد أن جند زيد بن حارثة كانوا مائة، وأن القافلة كانت تحمل وزن ثلاثين ألف درهم من الفضة، وأن قيمتها بلغت مائة

стр. 368

ألف درهم (١). وبذلك فشلت خطة قريش في إيجاد طريق جديد لتجارتها، وهكذا أحكم الحصار الاقتصادي عليها وأحست بشديد وطأته على اقتصاد مكة التجاري. فكان لابد أن تقوم بعمل حاسم لإنقاذ اقتصادها وسمعتها. ...

стр. 369

(صفحة تحتوي على خريطة)

стр. 370

غزوة أحد عرفت هذه الغزوة باسم الجبل الذي وقعت عنده، ويقع في شمال المدينة وكان يرتفع ١٢٨ مترا أما الآن فيرتفع ١٢١ مترا فقط بسبب عوامل التعرية، ويبعد عن المسجد النبوي خمسة أكيال ونصف الكيل (١) بدءا من باب المجيدي أحد أبواب المسجد النبوي، ويتكون أحد من صخور جرانيتية حمراء وله رءوس متعددة، ويقابله من جهة الجنوب جبل صغير يسمى "عينين" وهو الذي عرف بعد المعركة بجبل الرماة، وبين الجبلين واد عرف بوادي قناة. وقد وقعت هذه المعركة نتيجة هجوم شنته قريش على المدينة ولم يمر على غزوة بدر سوى سنة واحدة وشهر، واستهدفت الثأر لقتلاها ببدر، وإنقاذ طرق التجارة إلى الشام من سيطرة المسلمين واستعادة مكانتها عند العرب بعد أن زعزعتها موقعة بدر. وقد اتفق كتاب السيرة على أن أحد كانت في شوال في السنة الثالثة من الهجرة، واختلفوا في اليوم الذي وقعت فيه، وأشهر الأقوال أنها في يوم السبت للنصف من شوال (٢). وقد ذكر ابن إسحق عن جمع من شيوخه أن قريشا أعدت لغزوة أحد منذ هزيمتها ببدر حيث خصصت القافلة التجارية التي نجت (٣) أو أرباحها (٤) لتجهيز جيشها. ويذكر ابن إسحق أنهم أخرجوا معهم ثماني نسوة سماهن في حين يذكر الواقدي أنهن أربع عشرة سماهن (٥). وبلغ عدد جيش قريش ثلاثة آلاف رجل

стр. 371

ومعهم مائتا فرس جعلوا على ميمنتها خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل (١). وكان فيهم سبعمائة دارع (٢). يتكون جيش المشركين من قريش ومن أطاعها من كنانة وأهل تهامة (٣). وقد علم المسلمون بقدوم جيش المشركين لغزو المدينة، ورأى الرسول ﷺ رؤيا - ورؤيا الأنبياء حق وهي من الوحي - حكاها لأصحابه فقال: "رأيت في رؤيا أني هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد كأحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت بقرا - والله خير - فإذا هم المؤمنون يوم أحد" (٤). وقد فسر رسول الله ﷺ الرؤيا بأن هزيمة تكون في أصحابه وقتلا يقع فيهم (٥)، وفي رواية أخرى: "ورأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة" (٦). وقد شاور الرسول ﷺ أصحابه في البقاء في المدينة والتحصن فيها "وكانت المدينة قد شبكت بالبنيان فهي كالحصن" (٧) أو الخروج لملاقاة جيش قريش فقال: "إنا في جنة حصينة". فقال ناس من أصحابه من الأنصار: يا نبي الله إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة، وقد كنا نمتنع من الغزو في الجاهلية، فبالإسلام أحق أن نمتنع منه، فابرز إلى القوم، فانطلق رسول الله ﷺ فلبس لأمته (٨). فتلاوم القوم فقالوا: عرض نبي الله ﷺ بأمر وعرضتم بغيره، فاذهب

стр. 372

يا حمزة فقل لنبي الله ﷺ (أمرنا لأمرك تبع) فأتى حمزة فقال له: (يا نبي الله إن القوم قد تلاوموا فقالوا: أمرنا لأمرك تبع). فقال رسول الله ﷺ : (إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز) (١). ومن الواضح أن الرسول ﷺ عود أصحابه على التصريح بآرائهم عند مشاورته لهم حتى لو خالفت رأيه، فهو إنما يشاورهم فيما لا نص فيه تعويدا لهم على التفكير في الأمور العامة ومعالجة مشاكل الأمة، فلا فائدة من المشورة إذا لم تقترن بحرية إبداء الرأي، ولم يحدث أن لام الرسول ﷺ أحدا لأنه اخطأ في اجتهاده ولم يوفق في رأيه، وكذلك فإن الأخذ بالشورى ملزم للإمام، فلا بد أن يطبق الرسول ﷺ التوجيه القرآني ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢) لتعتاد على ممارسة الشورى، وهنا يظهر الوعي السياسي عند الصحابة رضوان الله عليهم، فرغم أن لهم إبداء الرأي إلا أنه ليس لهم فرضه على القائد فحسبهم أن يبينوا رأيهم ويتركوا للقائد حرية اختيار ما يترجح لديه من الآراء فلما رأوا أنهم ألحوا في الخروج وأن الرسول ﷺ عزم على الخروج بسبب إلحاحهم عادوا فاعتذروا إليه، لكن الرسول الكريم علمهم درسا آخر هو من صفات القيادة الناجحة وهو عدم التردد بعد العزيمة والشروع في التنفيذ، فإن ذلك يزعزع الثقة بها ويغرس الفوضى بين الأتباع. وتتلخص دوافع الراغبين في الخروج بإظهار الشجاعة أمام الأعداء، وبرغبة الذين فاتتهم المشاركة في غزة بدر أن يشاركوا في موقعة مماثلة. أما رأي الرسول ﷺ ومن وافقه فمبني على الإفادة من حصون المدينة في الدفاع مما يقلل من خسائر المدافعين ويزيد من خسائر المهاجمين، ثم الإفادة من طاقات سائر السكان حتى الذين لا يستطيعون القتال في الميادين المكشوفة من النساء والصبيان.

стр. 373

وعلى أية حال فقد ارتفعت راية سوداء (١) وثلاثة ألوية، لواء المهاجرين يحمله مصعب بن عمير، فلما قتل حمله علي بن أبي طالب، لواء الأوس يحمله أسيد بن حضير ولواء الخزرج يحمله الحباب بن المنذر (٢). واجتمع تحتها ألف من المسلمين والمتظاهرين بالإسلام، معهم فرسان فقط ومائة دارع (٣). ولبس رسول الله ﷺ درعين (٤). رغم علمه بأن الله تعالى يعصمه من القتل تعويدا لأمته على الأخذ بالأسباب المادية ثم التوكل على الله. وخرج الجيش الإسلامي إلى أحد مخترقا الجانب الغربي من الحرة الشرقية (٥) حيث انسحب المنافق عبد الله بن أبي بن سلول بثلثمائة من المنافقين، مدعيا أنه لن يقع قتال مع المشركين!! معترضا على قرار الرسول ﷺ بالخروج بقوله (أطاعهم وعصاني) (٦). أما الواقدي فذكر أن انسحاب المنافقين كان من منطقة الشيخين قريبا من منطقة أحد (٧). وقد بين القرآن الكريم أن انسحاب عبد الله بن أبي بالمنافقين إنما هو تنقية لصف المؤمنين وتمييز لهم فلا يبقى فيهم من يرجف ويخذل. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٨). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ

стр. 374

نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (١). وقد ورد في رواية مرسلة لابن إسحق عن شيوخه أن عبد الله بن عمرو بن حرام حاول إقناع المنافقين بالعودة فأبوا وذكروا ما حكته الآية الكريمة السابقة، فقال: "أبعدكم الله أعداء الله فسيغنى الله عنكم نبيه" (٢). وقد ظهر رأيان في أوساط الصحابة، الأول: يرى قتل المنافقين الذين خذلوا المسلمين بعودتهم واشنقاقهم عن الجيش. والثاني: لا يرى قتلهم، وقد بين القرآن الكريم موقف الفريقين في الآية ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ (٣). وقد أثر موقف المنافقين في نفوس طائفتين من المسلمين ففكروا بالعودة إلى المدينة، ولكنهم غالبوا الضعف الذي ألم بهم, وانتصروا على أنفسهم بعد أن تولاهم الله تعالى فدفع عنهم الوهن، فثبتوا مع المؤمنين وهما بنو سلمة (من الخزرج) وبنو حارثة (من الأوس) (٤). وقد صور القرآن الكريم موقف الطائفتين فقال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ...﴾ (٥).

стр. 375

وفي موقع الشيخين عسكر جيش المسلمين واستعرض الرسول ﷺ صغار السن الذين لا طاقة لهم بقتال ممن هم أبناء أربع عشرة سنة أو أقل فردهم سوى رافع بن خديج أجازه لما قيل له أنه رام، وسمرة بن جندب لما علم أنه أقوى من رافع (١)، وبلغ عدد من ردهم من صغار السن أربعة عشر صبياً سماهم ابن سيد الناس (٢) وقد صح أن ابن عمر منهم (٣) وموقف هؤلاء الصبيان وهم مقبلون على الموت بشجاعة ورغبة يبعث على الدهشة حقا، وقد تنافسوا في ذلك متطلعين إلى نيل الشهادة في سبيل الله دون أن يجبرهم قانون للتجنيد أو تدفع بهم قيادة غاشمة إلى ميدان القتال، ولكن أليست هذه سمات التربية المحمدية ومزايا الروح الإسلامية؟ وقد تقدم الجيش الإسلامي إلى ميدان أحد، واتخذ مواقعه بموجب خطة محكمة حيث نظم الرسول ﷺ صفوف جيشه جاعلا ظهورهم إلى جبل أحد ووجوههم تستقبل المدينة، وجعل خمسين من الرماة بقيادة عبد الله بن جبير فوق جبل عينين المقابل لأحد لحماية المسلمين من التفاف خيالة المشركين عليهم وشدد عليهم بلزوم أماكنهم وقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا مكانكم" (٤). وبذلك سيطر المسلمون على المرتفعات تاركين الوادي لجيش قريش الذي تقدم وهو يواجه أحد وظهره إلى المدينة.

стр. 376

وتشير روايات ضعيفة - حديثياً - إلى وقوع مبارزة قبل التحام الجيشين بين علي بن أبي طالب وطلحة بن عثمان حامل لواء المشركين وأن عليا قتله (١)، وإلى محاولة أبي عامر الفاسق (الراهب) - الذي كان من زعماء الأوس وترك المدينة فالتحق بالمشركين - إقناع الأوس بالالتحاق به، لكنهم ردوه رداً شديداً (٢). وقد اشتد القتال بين الجيشين وتراجع المشركون إلى معسكرهم فقد أبدى المسلمون بطولة فائقة فهذا رسول الله ﷺ يأخذ سيفا فيقول: من يأخذ مني هذا؟ فبسطوا أيديهم كل إنسان منهم يقول: أنا. أنا قال: من يأخذه بحقه؟ قال: فأحجم القوم. فقال أبو دجانة: أنا آخذه بحقه. قال: فأخذه ففلق به هام المشركين (٣). وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتال الأبطال. فلما طلب سباع بن عبد العزى المبارزة تصدى له فقتله، وكان وحشي مولى جبير بن مطعم قد وعده مولاه أن يعتقه إن قتل حمزة - وكان حمزة قد قتل عمه طعيمة بن عدي ببدر - فكمن له وحشي تحت صخرة فلما دنا منه رماه بحربته فقتله غيلة (٤)، وهل لمثل وحشي أن ينازل حمزة منازلة الأبطال أو يواجهه كما يفعل الرجال!! واستشهد آخرون في هذه المرحلة الأولى من القتال منهم حامل الراعية داعية الإسلام مصعب بن عمير. قال خباب: "هاجرنا مع النبي ﷺ ونحن نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى - أو ذهب - لم يأكل من أجره شيئا كان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يترك إلا نمرة (أي كساء) كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطى بها رجلاه خرج رأسه. فقال لنا النبي ﷺ : "غطوا بها رأسه واجعلوا الأذخر أو قال ألقوا على رجليه من

стр. 377

الأذخر" (١).ولما استشهد مصعب بن عمير أخذ علي بن أبي طالب اللواء (٢). وقد أشارت الآية الكريمة ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ (٣) إلى قتل المسلمين للمشركين بإذن الله في هذه المرحلة من القتال. فلما رأى الرماة هزيمة المشركين قالوا لعبد الله بن جبير: "الغنيمة الغنمية ظهر أصحابكم فما تنتظرون. فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة" (٤). ثم انطلقوا يجمعون الغنائم. وتبين رواية مرسلة للسدي ما حدث بعد نزول الرماة، فقد رأى خالد بن الوليد - وكان على خيالة المشركين - الفرصة سانحة ليقوم بالالتفاف حول المسلمين، ولما رأى المشركون ذلك عادوا إلى القتال من جديد (٥). وأحاطوا بالمسلمين من جهتين، وفقد المسلمون مواقعهم الأولى، وأخذوا يقاتلون دون تخطيط، بل لم يعودوا يميزون بعضهم، فقد قتلوا اليمان - والد حذيفة بن اليمان - وهو شيخ كبير وابنه يصيح فيهم: أبي. فأجهزوا عليه فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (٦)!! ولم ينفع بأس المسلمين وحرارة قتالهم ما دام لا تحكمه خطة منظمة، فأخذوا يتساقطون شهداء في الميدان وقد فقد المسلمون اتصالهم بالرسول ﷺ وشاع أنه قد قتل (٧).

стр. 378

وأسقط في يد المسلمين، ففر كثيرون منهم من ميدان القتال، وانتحى بعضهم جانبا فجلس دون قتال (١) في حين آثر آخرون الموت على الحياة بعد فقد رسول الله ﷺ منهم أنس بن النضر الذي كان يأسف لعدم شهوده بدرا ويقول: "والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله ﷺ ليرين الله كيف أصنع". فلما رأى في أحد بعض المسلمين جلوسا محتارين صاح "واها لريح الجنة أجد دون أحد" فقاتل حتى قتل ووجد في جسده بضع وثمانون أثرا من بين ضربة ورمية وطعنة حتى ما عرفته أخته الربيع بنت النضر إلا ببنانه، ونزلت فيه وفي أمثاله من المجاهدين الصادقين هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٢). وقد أرسل الرسول ﷺ زيد بن ثابت بعد المعركة يتفقد أنس بن النضر، فوجده بين القتلى وبه رمق فما كان منه - بعد أن رد علي سلام الرسول ﷺ إلا أن قال: "أجدني أجد ريح الجنة، وقل لقومي من الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول الله ﷺ وفيكم شفر يطرف. وفاضت عينه (٣). فما أروعها من وصية وما أقواه من التزام لا يؤثر فيه الموت وآلام الجراحات!!. وقد حكى القرآن خبر فرارهم والعفو عنهم فقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٤). ويبدو أنهم ترخصوا في الفرار لسماعهم بخبر قتل الرسول ﷺ (٥) وكان أول من عرف بأن الرسول ﷺ حي هو كعب بن مالك فنادى

стр. 379

في المسلمين يبشرهم فأمره الرسول بالسكوت لئلا يفطن له المشركون (١). وقد صمدت فئة قليلة كانت حول الرسول ﷺ الذي ثبت في الميدان ولم تزعزعه الأحداث كما هو شأنه ﵊ في سائر المواقف الصعبة، فكان يدعو أصحابه كما حكى القرآن الكريم ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (٢). وخلص بعض المشركين إلى الرسول ﷺ نفسه وهو في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فقال: "من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟ فقاتلوا عنه واحدا واحدا حتى استشهد الأنصار السبعة (٣). ثم قاتل عنه طلحة بن عبيد الله قتالا مشهورا حتى شلت يده بسهم أصابها (٤)، وقاتل سعد بن أبي وقاص بين يدي رسول الله ﷺ وهو يناوله السهام ويقول: "إرم فداك أبي وأمي" (٥) وكان سعد من مشاهير الرماة. ودافع أبو طلحة الأنصاري عن رسول الله ﷺ وكان راميا، فكان النبي يشرف على القتال فيقول له أبو طلحة: "لا تشرف يصبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك" وكان إذا مر الرجل معه جعبة السهام يقول الرسول: "انثرها لأبي طلحة" (٦). وقد عبر الرسول عن إعجابه بقتاله فقال: "لصوت أبي طلحة في الجيش أشد على المشركين من فئة" (٧). ورغم استبسال الصحابة في الدفاع عن الرسول ﷺ فقد أصيب إصابات كثيرة فكسرت رباعيته وشج وجهه فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل

стр. 380

يمسح الدم وهو يقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الإسلام" فأنزل الله في ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (١). لقد استبعد الرسول ﷺ أن يوفق الله من آذوه بهذه الصورة فأخبره الله سبحانه بأن ذلك ليس ببعيد إن أراد الله هدايتهم، فقال ﵊ لما طمع بإسلامهم "رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (٢). وقد ورد أن أبا دجانة كان يحمي الرسول ﷺ بظهره حتى كثر النبل فيه، وأن قتادة بن النعمان أبلى بين يدي رسول الله ﷺ وأن عينه أصيبت فردها الرسول ﷺ بيده فكانت أحسن عينيه (٣). وقال رجل للنبي ﷺ : أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال "في الجنة فألقى ثمرات في يده ثم قاتل حتى قتل (٤). وكان عبد الله بن جحش قد دعا ربه فقال: (إني أقسم أن نلقي العدو فإذا لقينا العدو أن يقتلوني ثم يبقروا بطني ثم يمثلوا بي فإذا لقيتك سألتني: فيم هذا؟ فأقول: فيك. فلقى العدو ففعل ذلك به) (٥). وقد أبى عمرو بن الجموح- وكان أعرج شديد العرج مما يسقط عنه الجهاد - إلا أن يشهد المعركة مع أبنائه الأربعة طلبا لشهادة، فقال للرسول

стр. 381

صلى الله عليه وسلم: "أرأيت إن قتلت اليوم أطأ بعرجتي هذه الجنة؟ قال: نعم قال: فوالذي بعثك بالحق لأطأن بها الجنة اليوم إن شاء الله ثم قاتل حتى قتل (١). واستشهد حنظلة بن أبي عامر الغسيل وهو جنب، وكان عروسا ليلة أحد فسمع النداء بالخروج فعجل بالخروج ولم يغتسل فقال الرسول ﷺ "إن صاحبكم لتغسله الملائكة" (٢)!! وقتل في أحد مخيريق الذي كان من علماء يهود بني النضير وكان قد أوصى بأمواله - إن قتل - للرسول ﷺ فقبلها (٣). وقد أبى شيخان كبيران تركهما الرسول ﷺ في الحصون مع النساء والأطفال عند خروجه إلا اللحاق به والاشتراك في القتال طلبا للشهادة وهما اليمان والد حذيفة بن اليمان وثابت بن وقش فاستشهدا في الميدان. فأما ثابت فقتله المشركون، وأما اليمان فقتله المسلمون خطأ ووداه الرسول ﷺ فتصدق ابنه حذيفة بديته مما زاده عند الرسول خيراً (٤). وسارع عمرو بن أقيش إلى أحد، وكان للإسلام كارها، فلما رآه المسلمون منعوه، فقال: "إني قد آمنت" فقاتل حتى جرح فحمل إلى أهله جريحا، فجاءه سعد بن معاذ فقال لأخته: "سليه حمية لقومك أو غضباً لهم أو غضبا

стр. 382

لله؟ فقال: بل غضبا لله ولرسوله، فمات فدخل الجنة وما صلى لله صلاة" (١)!! وقد ثبت أن رجلاً (٢) أخبر الناس الرسول ﷺ عن حسن بلائه. فقاله: إنه من أهل النار، ثم أخبرهم الرجل بأنه إنما قاتل عصبية لقومه وليس لله. وقد انتحر بسهمه لما آلمته الجراح!! وفي هذين الخبرين آية وبيان لمكان النية في الجهاد، فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ومن قاتل لغير ذلك من الأهداف مهما سمت في نظر الناس فليس بشهيد (٣). وقد خرجت بعض النسوة مع جيش المسلمين إلى أحد منهن أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية التي اضطرت للقتال دفاعا عن رسول الله ﷺ حتى جرحت جراحا كثيرة (٤). وكانت حمنة بنت جحش الأسدية تسقي العطشي وتداوي الجرحى (٥). وثبت أن أم سليط كانت تحمل قرب الماء لسقاية المسلمين (٦). وصح أن عائشة (رض) وأم سليم قامتا بسقي الجرحى بعد تراجع المسلمين (٧).وهذه الآثار تدل على جواز الانتفاع بالنساء عند الضرورة لمداواة الجرحى وخدمتهم إذا أمنت فتنتهن مع لزومهن الستر والصيانة، ولهن أن يدافعن عن أنفسهن بالقتال إذا تعرض لهن الأعداء. مع أن الجهاد فرض على الرجال وحدهم إلا إذا داهم العدو ديار الإسلام فيجب قتاله من الجميع رجالاً ونساء.

стр. 383

ورغم ما أصاب المسلمين من جراح، وما لحق بالرسول ﷺ من أذى فقد استمر القتال بين الطرفين وأجهد الجانبين. وقد بدأ الرسول ﷺ بالانسحاب نحو شعاب أحد وقد لحق به المسلمون حتى صعد في أحد شعابه وتمكن المسلمون من صد المشركين عنه، وقد ثبت أن الله تعالى أرسل جبريل وميكائيل من الملائكة ليقاتلا دفاعا عنه لأن الله تعالى تكفل بعصمته من الناس (١). ولم يصح أن الملائكة قاتلت في أحد سوى هذا القتال. وإن وعدهم الله تعالى أن يمدهم، لأنه جعل وعده معلقاً على ثلاثة أمور: الصبر والتقوى وإتيان الأعداء من فورهم، ولم تتحقق هذه الأمور فلم يحصل الإمداد (٢). ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (٣) وكان المسلمون مغتمين لما أصاب الرسول ﷺ ولما أصابهم فأنزل الله تعالى عليهم النعاس فناموا يسيرا ثم أفاقوا وقد زال عنهم الخوف وامتلأت نفوسهم طمأنينة، قال أبو طلحة الأنصاري: "كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه ويسقط فآخذه" (٤). وقال تعالى ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. وهذه الطائفة التي أهمتها نفسها دون أن تفكر بمصاب المسلمين ومصير الإسلام هي المنافقون الذين قال قائلهم: (لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا) (٥). ولا شك أن النعاس أعاد للمسلمين بعض

стр. 384

طاقتهم ونشطهم للدفاع عن أنفسهم خلال الانسحاب، وقد تبعهم بعض المشركين منهم أبي بن خلف الجمحي وقد حلف أن يقتل رسول الله ﷺ فرماه الرسول بحربة فجرحه فرجع إلى أصحابه ومات في طريق عودتهم من أحد (١). وقد يئس المشركون من إنهاء المعركة بنصر حاسم، وتعبوا من طولها ومن جلادة المسلمين، فكفوا عن مطاردة المسلمين في شعاب أحد، ولكن أبا سفيان تقدم من المسلمين وخاطبهم فقال: "أفي القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله عليك ما يخزيك. قال أبو سفيان: أعل هبل. فقال النبي ﷺ : أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي ﷺ : أجيبوا. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني" وفي رواية أخرى قال عمر: "لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" (٢). وكان السكوت عن إجابة أبي سفيان أولا تصغيرا له حتى إذا انتشى وملأه الكبر أخبروه بحقيقة الأمر وردوا عليه بشجاعة.

стр. 385

ويقرر ابن إسحق والواقدي أن أبا سفيان واعدهم لحرب أخرى بعد عام وأنهم وافقوا على الموعد (١). وذكر ابن إسحق والسدي أن الرسول ﷺ أرسل علياً ليعرف وجهة قريش وهل تنوي غزو المدينة أم العودة إلى مكة (٢) كما ذكر الواقدي أنه أرسل سعد بن أبي وقاص لهذا الاستطلاع (٣)، والقول الأول أقوى. وعلى أية حال، فقد امتطت قريش إبلها ورضيت بما أحرزت من انتقام دون أن تتطلع إلى نصر حاسم بتعقب المسلمين في شعاب أحد والقضاء عليهم قضاء مبرماً أو بغزو المدينة. وما إن غادرت قريش المكان حتى أمر الرسول ﷺ بدفن الشهداء، وكانوا سبعين شهيداً (٤)، ولم يؤسر أحد من المسلمين، أما قريش فقد قتل منها اثنان وعشرون رجلاً سماهم ابن إسحق (٥). وأسر منهم أبو عزة الشاعر فقتل صبراً لأنه أخلف وعده للرسول ﷺ بأن لا يقاتل ضده عندما منَّ عليه ببدر وأطلقه فعاد فقاتل بأحد (٥). وقد صح أن الرسول ﷺ جمع بني الرجلين من الشهداء في ثوب واحد، وقدَّم عند الدفن أكثرهم حفظاً للقرآن، وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصلَّ عليهم، وقال: (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة) (٦).

стр. 386

وقد وردت روايات تفيد الصلاة على شهداء أحد لكنها لا تقوى على معارضة أحاديث نفي الصلاة عليهم، فكلها متكلم فيها (١). وقد دفن الاثنان والثلاثة في قبر واحد (٢) وحمل بعض الشهداء أهلوهم ليدفنوهم في المدينة فأمرهم الرسول ﷺ بدفنهم في أماكن استشهادهم بأحد (٣). ولما انتهى من دفن الشهداء صف أصحابه وأثنى على ربه (٤) فقال: "اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة (أي الفاقة)، والأمن يوم الخوف، اللهم عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعت، اللهم حبب الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الخلق" (٥) ثم ركب فرسه ورجع إلى المدينة.

стр. 387

وقد ظلت ذكرى شهداء أحد عميقة في نفسه ﵊ فقد تمنى أن يكون استشهد معهم فكان إذا ذكروا يقول: "أما والله لوددت أني غودرت مع أصحابي نحص الجبل - أي سفحه - " (١). وكانت صور المقاتلين الشجعان تمر بمخيلته فيثنى عليهم، لما أعطى علي (رض) سيفه لفاطمة (رض) قائلا: "هاك السيف فإنها قد شفتني" قال رسول الله ﷺ : "لئن كنت أجدت الضرب بسيفك لقد أجاد سهل بن حنيف وأبو دجانة وعاصم بن ثابت الأقلح والحارث بن الصمة" (٢). وفي المدينة خرجت نسوة وأطفال يتطلعون في وجوه الجيش ينشدون آباءهم وأزواجهم، وقد استعلت فيهم معاني الإيمان واحتمال المصاب، فلما أخبرت حمنة بنت جحش باستشهاد أخيها عبد الله بن جحش وخالها حمزة بن عبد المطلب استرجعت واستغفرت، ثم أخبرت باستشهاد زوجها مصعب فصاحت وولولت، فقال الرسول ﷺ إن زوج المرأة منها لبمكان. لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها (٣). ومر رسول الله ﷺ بامرأة من بني عبد ديتار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيراً يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه؟ فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل - تعني صغيرة (٤)!! وقد بشر رسول الله ﷺ المسلمين بما نال الشهداء من عظيم الأجر فقال

стр. 388

لابنة عبد الله بن عمرو والد جابر: لم تبكين؟! فما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفع (١). وقد سمع رسول الله لأهل المدينة نحيبا وبكاء على قتلاهم، فقال: لكن حمزة لا بواكي له. فبكته نسوة الأنصار، فقال لهن رسول الله ﷺ خيراً ونهاهن عن النياحة أشد ما يكون النهي (٢). وبذلك حرمت النياحة على الميت إلى الأبد ولم يؤذن إلا بدمع العيون. وقد نزل في شهداء أحد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٣)، وقال الجمهور: إن الشهداء أحياء حياة محققة وإن أرواحهم في أجواف طير خضر، وإنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون (٤). وكذلك نزلت آيات القرآن الكريم تمسح جراحات المسلمين، وتزيل عنهم آثار أحد: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥). ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٦). ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٧). وكان المسلمون يواجهون في المدينة اليهود الشامتين والمنافقين االمرجفين ويواجهون في أطراف المدينة الأعراب المشركين الذين كانوا يتطلعون بشراهة إلى

стр. 389

ثمار المدينة وخيراتها. وكان ثمة احتمال أن تندم قريش فتعود لمهاجمة المدينة فكان لابد من التحرك السريع لاستعادة موقع المسلمين والاحتفاظ بمكانتهم، ومن هنا أمر الرسول ﷺ الجيش الذي شهد "أحدا" أن يخرج لمطاردة جيش قريش إلى حمراء الأسد (١) رغم إصابة الكثيرين منهم بالجراح، ولم يأذن لسواهم بالاشتراك في حملة المطاردة هذه (٢)، وقد سارع سبعون من الصحابة للاشتراك ثم بقية الجيش فصار عددهم ستمائة وثلاثين. وقد أثنى القرآن الكريم على مبادرتهم بالخروج. قالت عائشة (رض) لعروة بن الزبير في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالت: أبوك منهم الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال: من يذهب في أثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلاً" (٣). ويذكر ابن إسحق دون إسناد أن النبي ﷺ أقام بحمراء الأسد ثلاثة أيام هي الاثنين والثلاثاء والأربعاء وأن معبد الخزاعي مر به ثم لقي أبا سفيان والمشركين بالروحاء وقد اعتزموا العودة لاستئصال المسلمين، فخذلهم وأخبرهم بخروج المسلمين إلى حمراء الأسد ونصحهم بالعودة إلى مكة (٤). ولا شك أن حملة حمراء الأسد حققت الأهداف المرسومة بإظهار قدرة المسلمين على التصدي لخصومهم من الأعراب وقريش رغم ما أصابهم في أحد، فإنهم إذا كانوا قادرين على التحرك العسكري خارج المدينة فهم أقدر على مواجهة اليهود والمنافقين داخلها.

стр. 390

في أعقاب أحد وكان من نتائج غزوة أحد أن تجرأ الأعراب حول المدينة على المسلمين، وظهر ذلك في التجمعات التي قام بها بنو أسد بقيادة طليحة الأسدي وأخيه سليمة في نجد، وبنو هذيل بقيادة خالد بن سفيان الهذلي في عرفات، مستهدفين غزو المدينة طمعا في خيراتها وانتصارا لشركهم ومظاهرة لقريش وتقربا إليها، وكان ذلك في شهر محرم من السنة الرابعة للهجرة (١). وتحرك المسلمون قبل أن يستفحل الأمر، فأرسل الرسول ﷺ أبا سلمة بن عبد الأسد بمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار إلى طليحة الأسدي الذي تفرق عنه أتباعه تاركين إبلهم وماشيتهم بيد المسلمين من هو المفاجأة (٢). وأرسل عبد الله بن أنيس الجهني إلى خالد بن سفيان الهذلي فقتله وهو يرتاد بماشيته في بطن عرنة (٣) - واد معروف قرب عرفات -. وسعت هذي للثأر لسفيان الهذلي ولجأت إلى الغدر والخديعة، ففي صفر (٤) سنة أربع قدم وفد من قبيلتي عضل والقارة المضريتين إلى المدينة، وطلبوا من الرسول ﷺ أن يرسل جمعا من أصحابه ليفقهوهم في الدين، فبعث عشرة من الصحابة - وقال ابن إسحق إنهم ستة، وقال موسى بن عقبة إنهم سبعة وذكرا أسماءهم - وجعل عليهم عاصم بن ثابت الأقلح أميرا، فلما وصل الوفد بين عسفان ومكة، أغار عليهم بنو لحيان (من هذيل) وهم قريب من مائتي
следующие страницы →