← История

История · id 122397

المستخرج من كتب الناس للتذكرة والمستطرف من أحوال الرجال للمعرفة

ابن منده عبد الرحمن بن محمد

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مَملَكة البَحرين وزارة العدل والشئون الإسلامية إدارة الشئون الدينية المستَخرجُ من كُتب النَّاس للتَّذكرة والمستطرف من أحوال الرِّجَالِ للمعرفة تَصنِيفُ الإِمَامِ الحَافِظِ أَبِى القَاسِمِ عَبدِ الرَّحمن بنِ مُحمَّدٍ بنِ اسحَاقَ ابن مَندَه الأَصبَهَانِىِّ ولد سنة ٣٨٣هـ وتوفي سنة ٤٧٠هـ رحمه الله تعالى المُجَلَّدُ الأول حقّقه وقدّم له وعلّق عليه أ. د. عامر حسن صبري التَّميميُّ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قالَ الله تَعَالىَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَينٍ ﵄ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : (خَيْرُ أُمّتِي قَرْنيِ، ثُمَّ الذينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الذينَ يَلُوَنَهُم) حديثٌ مُتَواتِرٌ، رَوَاهُ البُخَارِيُ ومُسْلِم وغيرُهما قالَ الإمَامُ النَّووي رَحِمَهُ الله تَعَالىَ فيِ شرحِ هَذا الحَدِيثِ مَا مُلَخَّصُهُ: (السابقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ، ومَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ هَؤُلاَءِ أَفْضَلُ الُأَمَّةِ، وَهُم المُرَادُونَ بالحَديثِ، وأَما مَنْ لْم يَكُنْ لَهُ سَابِقَةٌ ولاَ أَثَرٌ في الدِّينِ فَقَدْ يَكُونُ في القُرُونِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ القَرْنِ الأوَّلِ مَنْ يَفْضُلُهُمْ). وقالَ ابنُ الَأثير في النِهَايةِ ٤/ ٥١ مفُسِّرًا للقَرْنِ: (يَعْنِي الصَّحابةَ، ثُمَّ التَّابعِينَ، والقَرْنُ: أَهْلُ كُلِّ زَمَانِ، وَهُو مقْدارُ التَّوَسُّط في أَعْمَارِ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ، مأْخُوذٌ مِنَ الاقْتِرانِ، وكأنهُ الِمَقْدَارُ الذَي يَقْتِرنُ فيه أَهْلُ ذَلِكَ الزمَانِ في أَعْمَارِهِم وأَحْوَالِهِم).

стр. 3

تقديم صاحب المعالي الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين. أما بعد: فمن واجبنا أن نعنى بتراث سلفنا الصالح، من أولئك الجهابذة الأفذاذ، الذين ملأوا الدنيا هدى ونورا، وذكرا سَنِيَّا، وسيرة تنفح منها الأمجاد، وذلك بإحياء ما تركوه لنا من تراث عظيم، والإقبال على دراسته، وتقديمه لأجيالنا الصاعدة غذاء علميا وثقافيا صالحا، نعزز ثقتهم بماضي أمتهم التليد، الذي هو مصدر العزة والكرامة، ليتم بعد ذلك التواصل الفكري والروحي بين السابقين واللاحقين، واستئناف دورنا الحضاري الوضيء، على أصول عريقة طيّبة، من ديننا وعقيدتنا وخصائص أمتنا، التي كانت لفترة طويلة من الدهر سيدة العالم. وبين أيدينا هذا الكتاب الجليل الموسوم بـ (المستخرج من كتب الناس للتذكرة والمستطرف من أحوال الرِّجَالِ للمعرفة) من تراث الإِمام العلامة الحافظ أبي القاسم عبد الرحمن بن محمَّد بن منده المتوفى سنة (٤٧٠)، جمع فيه فوائد منوعة تتعلق بالسيرة النبوية -على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم- وما يتعلق بأخبارها

стр. 4

وأحداثها، وبعد ذلك عرّج على أسماء الصحابة الكرام الذي عرفوا بالرواية، والوفادة، والإدراك، والمشاركة في نصرة النبي ﵌، ثم خلفوه فأحسنوا الخلافة في أمته، وبعد أن انتهى من سردهم مرتبين على حروف المعجم تطرق إلى أهم أحداث التاريخ الإِسلامي بدءا من السنة الحادية عشر، وهي السنة التي توفي فيها رسول الله ﵌ والتحق إلى الرفيق الأعلى، ثم قام بسرد من توفي في كل سنة من أعيان المحدثين والأعلام، ومن ولد منهم. وقد أحسن الأستاذ الدكتور عامر حسن صبري التميمي في اختيار هذا الكتاب الجليل الذي لم تبق منه إلا نسخة واحدة محفوظة في المكتبة السليمانية باستنبول، فطلب تصويرها، ثم قام بنسخ الكتاب، وضبط نصوصه، والتعليق عليه بالتخريج والتوضيح والاستدراك، بما يقربه إلى العلماء وطلبة العلم، وزين عمله المبارك بمقدمة حافلة عن المؤلف وكتابه، ثم ختم عمله بفهارس منوعة تكشف عن مضامين الكتاب وموضوعاته، فشكر الله صنيعه، وبارك في علمه وجهده، راجيا الله تعالى أن يحقق النفع بهذا الكتاب الجليل، وأن يوفق محققه إلى إخراج مزيد من كتب تراث أمتنا التي هي كنز مكنون من كنوز حضارتنا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. عبد الله بن خالد آل خليفة

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ للِّه رَبِّ العَالمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى سَيِّدنا محُمَّدٍ، سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وعَلَى آلهِ وصَحْبهِ الغُرَرِ المَيَامِينَ، ومَن تَبِعَهُم بإحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ. وبعد: (فإنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ وتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ بَعَثَ محُمَّدًا بالهُدَى ودِينِ الحَقِّ ليُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَو كَرِهَ المُشْرِكُونَ، وأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ، فيهِ الهُدَى والنُّورُ لمَنْ اتَّبَعَهُ، وجَعَلَ رَسُولَهُ الدَّالُ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ ظَاهِرِه وبِاطِنهِ، وخَاصِّه وعَامِّه، ونَاسِخهِ ومَنْسُوخهِ، ومَا قَصَدَ لَهُ الكِتَابُ، فَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ هُو المُعَبِّرُ عَنْ كِتَابِ الله، الدَّالُ عَلَى مَعَانِيه، شَاهِدُهُ في ذَلِكَ أَصْحَابُهُ الذينَ ارْتَضَاهُم الله لِنَبِيِّه، واصْطَفَاهُم لَهُ، ونَقَلُوا ذَلِكَ عَنْهُ، فَكَانُوا هُم أَعْلَمَ النَّاسِ بِرَسُولِ الله ﷺ ، وبِمَا أَرَادَ الله مِنْ كِتَابهِ بمُشَاهَدتِهِم، ومَا قَصَدَ لهُ الكتَابُ، فَكَانُوا هُم المُعَبِّرِينَ عَنْ ذَلِكَ بعدَ رَسُولِ الله ﷺ ، قالَ جَابِرٌ: ورَسُولُ اللِّهَ ﷺ بينَ أَظْهُرِنَا، عَلَيْهِ يَنْزِلُ القُرْآنُ، وَهُو يَعْرِفُ تأوِيلَهُ، ومَا عَمِلَ بهِ مِنْ شَيءٍ عَمِلْنَا بهِ) (١). لقد شَكَّلَتْ السُّنَّةُ النبويّةُ الكَرِيمةُ الَأسَاسَ في إيْجَادِ نمَاذِجَ مُتَمِيِّزَةٍ مِنْ أَعْلَامِ الأُمَّةِ الإسْلَامِيَّةِ، مِن الصَّحَابةِ الكِرَامِ، والتَّابِعِين، ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ، مِنَ الَأئمَّةِ المُجْتَهِدِينَ، والعُلَمَاءِ العَامِلِينَ، والدُّعَاةِ المُخْلِصِينَ، وهَؤُلاَءِ الَأعْلَامُ هُم وَرَثَةُ الَأنْبِيَاءِ، وَهُم أَوْلِياءُ الله الذينَ يَخْشَوْنَهُ حَقَّ خَشْيَتهِ، ويَعْبُدُونَهُ حَقَّ عِبَادتهِ.

стр. 6

إنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ، وسِيرَ أَعْلَامِ الأُمَّةِ وعُلَمَائِهَا فَتَحَ المَجَالَ لِنُشُوءِ عِلْمِ الرِّجَالِ والتَّرَاجِمِ والطَّبَقَاتِ، ومَعْرِفَةِ تَارِيخِ الرُّوَاةِ، وتمْييزِ المُعَاصِرِينَ مِنْهُم مِنْ غَيرهم، وكَشْفِ المُتَشَابِه مِنَ الَأسْمَاءِ والكُنَى والَألْقَابِ والَأنْسَابِ، وتحْدِيدِ وَقْتِ الطَّلَبِ والِلِّقَاءِ، ومَعْرِفةِ شُيُوخِ الرَّاوِي وتَلَامِيذِه، وبَيَانِ سَنَةِ وَفَاتِه، وغَيْرِ ذَلِكَ، وكانَ لِهَذا العِلْمِ دَوْرٌ كَبِير في تَأْسِيسِ عِلْمِ لَهُ أَهَمِّيَةٌ جَلِيلَةٌ في التَّفْتِيشِ عَنِ الَأسَانِيدِ، وفَضْحِ الكَذَّابِينَ - ذَالِكُم هُو عِلْمُ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ، الذِي وَصَفَهُ إمَامُ هَذا العِلْم الحَافِظُ النَّاقِدُ عَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيّ بقولهِ: (مَعْرِفَةُ الرِّجَالِ نِصْفُ العِلْمِ). (١) وَلِمَكَانةِ هَذا العِلْمِ وأَهَمِّيتهِ صَنَّفَ العُلَمَاءُ فيهِ مُصنَّفَاتٍ شَتَّى، ونَهَجُوا في تَرْتِيبِ مَوَادِّه مَنَاهِجَ مُتَنَوِّعَةٍ، وأَسَالِيبَ مُتَعَدِّدةٍ، فَمِنْهَا ما اقْتَصَرَ عَلَى التَّعْرِيفِ بالصَحَابةِ وَهِي كُتُبُ مَعْرِفةِ الصَّحَابةِ، ومِنْها ما زَاد على ذَلِكَ فَضَمَّنَ في كِتَابِه الصَّحَابةَ والتَّابِعِينَ والَأتْبَاعِ ومَنْ تَلَاهُم وَهِى كُتُبُ الطَّبَقَاتِ، ومِنْها ما اهْتَمَّ بِبَيَانِ دَرَجةِ تَوْثِيقِ الرِّجَالِ أَو تَضْعِيفِهم، وَهِي كُتُبُ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ التي تَنَوَّعتْ أَيضًا، فِمْنَها ما اقْتَصَر عَلَى ذِكْرِ الثِّقَاتِ فَقَطْ، ومنْها ما اقْتَصَر عَلَى ذِكْرِ الضُّعَفَاءِ فَقَطْ، في حِين جَمَعَ صِنْفٌ ثَالِثٌ مِنْها بينَ الثِّقَاتِ والضُّعَفاءِ، وبعدَ ذَلِكَ ظَهَرتْ مُصَنَّفَاتٌ في رِجَالِ الحَدِيثِ المَذْكُورِينَ في أَحَدِ مجَامِيعِ الحَدِيثِ، ورَكَّزَ المُصَنِّفُونَ الَأوَائِلِ عَلَى رِجَالِ مُوطَّأ مَالِكٍ، ورِجَالِ صحِيحِ البُخَارِيِّ، ورِجَالِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وبَقِيَّةِ رِجَالِ أَصْحَابِ الكُتُبِ السِتَّةِ، ورِجَالِ مُسْنَدِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ وغَيرهم، وظَهَرتْ أَيْضًا تَوَارِيخُ الرِّجَالِ المَحَلِّيةِ مُنْذُ النِّصْفِ

стр. 7

الثَّانيِ مِنَ القَرْنِ الثَّالِثِ الهِجْرِيِّ، وتَوَسَّعَتْ عَلَى مَرِّ الزَّمَنِ، ولِكَثْرَةِ عَدَدِ رُوَاةِ الحَدِيثِ احْتِمَالِ حُدُوثِ الْتِبَاسٍ بِسَببِ تَشَابُه الَأسْمَاءِ، أَو الكُنَى، أو الأَلْقَابِ، ظَهَرتْ كُتُبٌ لِضَبْطِها، وتمْيِيزِ المُؤْتَلِفِ والمُخْتَلِفِ، والمُتَّفِقِ والمُفْتَرقِ، والمُتَشَابهِ، ثُمَّ ظَهَرتْ في أَوَاخِرِ القَرْنِ الخَامِسِ كُتُبٌ في أَنْسَابِ المُحَدِّثينَ بعدَ أنْ أَصبَحَ لِكُلِّ رَاوٍ عِدَّةَ انْتِسَابَاتٍ إلى القَبِيلَةِ والمَدِينةِ والصَّنْعَةِ (١). ومِن المُصَنَّفَات التِّي اهْتَمَّ بِها المُحَدِّثُونَ كَثِيرًا مَعْرِفةُ سِنِيِّ وَفَياتِ الرُّوَاةِ، وظَهَرتْ مُصَنَّفَاتٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذا الفَنِّ مُنْذُ أَوَاخِرِ القَرْنِ الثَّالِثِ الهِجْرِيِّ، لِمَا لَها مِنْ أَهَمِّيةٍ في نَقْد إسْنَادِ الحَدِيثِ، إذ اسْتَطَاعَ النُّقَادُ عَنْ طَرِيقِ مَعْرِفةِ وَفَياتِ الرُّوَاةِ أنْ يَتَكَلَّمُوَا عَلَى الرِّوَايات، ويَفْضَحُوا الكَذَّابِينَ، ويَكْشِفُوا حَالاَتِ ادِّعَاءِ السَّمَاعِ، ولَوْلاَ مَعْرِفةُ سِنِيِّ الوَفَياتِ لمَا اسْتَطَاعُوا نَقْدَها، فَها هُو الإمامُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ المُتَوفَّى سنةَ (١٦١) يَقُولُ: (لمَّا اسْتَعْمَلَ الرُّوَاةُ الكَذِبَ اسْتَعْمَلْنا لَهُم التَّارِيخُ) (٢)، ونَحْوهُ قَوْلٌ لحَفْصِ بنِ غِيَاثٍ القَاضِي المُتَوفَّى سنة (١٩٤): (إذا اتَّهَمْتُم الشَّيْخَ فَحَاسِبُوه بالسِّنِينَ) (٣)، يَعْني اعْرُفُوا سنةَ وِلاَدةَ الرَّاوِي، وسنةَ وَفَاةِ مَنْ كَتَبَ عَنْهُ، واشْتُهِرتْ قِصَّةٌ لإسْمَاعِيلَ بنِ عيَّاشٍ المُتَوفَّى سنة (١٨١)، قالَ: (كُنْتُ بالعِرَاقِ فأَتَانيِ أَهْلُ الحَدِيثِ فَقَالُوا: هَاهُنا رَجُلٌ يُحَدِّثُ عَنْ خَالِدِ

стр. 8

بنِ مَعْدَانَ، فأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أيْ سَنَةٍ كَتَبْتَ عَنْ خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ؟ فقالَ: سنةَ ثَلَاثَ عَشَرةَ -يَعْنِي- ومَائةً، فَقُلْتُ: أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ سَمِعْتَ مِنْ خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ بعدَ مَوْتهِ بِسَبْعِ سِنِينَ؟ قالَ إسْمَاعِيلُ: مَاتَ خَالِدٌ سنَةَ سِتٍّ ومَائةٍ) (١). وهَذا الكِتَابُ الذي وَفَّقَنَا الله تَعَالىَ إلى خِدْمَتهِ يَتَناوَلُ جَانِبًا مُهِمًّا في هذا العِلْمِ الجَلِيلِ، فإنَّهُ بعدَ أنْ ذَكَر قَضَايا جِلِيلةً تَتَعلَّقُ بالسِّيرةِ النَّبَويَّةِ وبَعْضَ الفَوَائدِ الأُخْرَى المُتَعَلِّقَةِ بِها، عرَّجَ على أَسْمَاءِ الصَّحَابةِ الذينَ عُرِفُوا بالرِّوايةِ، والوِفَادةِ، والإدْرَاكِ، والصُّحْبةِ، والمُشَاركةِ مَعَ النبيِّ ﷺ في الَأحْدَاثِ، مُرَتَّبِينَ عَلَى حُرُوفِ المُعْجَمِ، ثُمَّ قامَ بِسردِ أَهَمِّ الَأحْدَاثِ السيَاسِيَّة، مُرَتِّبا ذَلِكَ على الحَوْلِيَّاتِ، مَعَ سردِ مَنْ تُوفِّي فيها مِنَ أَعيَانِ المُحَدِّثينَ والرُّوَاةِ وغَيرهم، ومَنْ وُلِدَ مِنْهُم، وَهُو يَظْهَرُ لأَوَّلِ مَرَّةٍ بعدَ أنْ خَدَمْتُهُ بِضبْطِ نُصُوصه، والتَّعْلِيقِ عَلَيه بالتَّخْرِيجِ والتَّوْضِيحِ والاسْتِدْرَاكِ، مع التَّقدِيمِ له بدراسةٍ موسَّعةٍ عن المؤلِّف وكتابهِ، ثم خَتَمْتُ الكتابَ بفهارسَ منوَّعةِ كشّافَةِ، آملًا أنْ أكُوَنَ قدْ وُفِّقْتُ فِيمَا ذَهَبْتُ إليه مِن اجْتِهَادٍ، وإلى مَا وَصَلتُ إليهَ مِن اعْتِقَادٍ، وفي ظَنِّي أَنَّنِي اسْتَنْفَدتُ غَايةَ الطَّاقةِ والجُهْدِ، والكَمَالُ للِّهِ وَحْدَهُ، وما تَوْفِيقِي إلاَّ باللِّه، عَلَيْه تَوكَّلْتُ، وإليه أُنِيبُ (٢).

стр. 9

الدِّرَاسةُ وفيها أَرْبَعةُ فُصُولٍ: الفَصْلُ الَأوَّلِ: تَرْجَمَةُ المُؤَلِّفِ. وفيهِ سِتَّةُ مَبَاحِث: المَبْحَثُ الَأوَّلُ: المُترجِمونَ له، والرَّاوُون لِحَدِيثه ومَرْوِيَّاتهِ. المَبْحَثُ الثَّانِي: اسْمُهُ ونَسَبهُ وكُنْيَتهُ، ومَوْلِدُهُ، ووَفَاتهُ. المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَهْلُ بَيْتِه. المَبْحَثُ الرَّابِعُ: نَشْأَتُهُ، وطَلَبُهُ للعِلْمِ، ورِحْلَاتهُ. المَبْحَثُ الخَامِسُ: مَذْهَبُهُ الفِقْهِيِّ، وعَقِيدَتُهُ. المَبْحَثُ السَّادِسُ: مآثِرُهُ، وثَنَاءُ العُلَمَاءِ عَلَيْهِ. الفَصلُ الثَّانيِ: شُيُوخُ الُمؤَلِّفِ وتلامِيذُهُ. وفيهِ مَبْحَثَانِ: المَبْحَثُ الَأوَّلُ: شُيُوخُ أَبي القَاسِمِ ابنِ مَنْدَه في هَذا الكِتَابِ. المَبْحَثُ الثَّانيِ: تَلَامِيذُ ابنِ مَنْدَه.

стр. 10

الفَصْلُ الثَّالِثُ: مُصَنَّفَاتُهُ ومَرْوِيَّاتُهُ. وفِيه مَبْحَثَانِ: المَبْحَثُ الَأوَّلُ: مُصنَّفَاتُهُ. المَبْحَثُ الثَّانيِ: مَرْوِيَّاتُ أَبي القَاسِمِ بنِ مَنْدَه ومَسْمُوعَاتُهُ. الفَصْلُ الرَّابِعُ: دِرَاسةُ كِتَابِ (الُمسْتَخْرَجُ مِنْ كُتُبِ النَّاسِ للتَذْكِرَةِ، والُمسْتَطْرَفُ مِنْ أَحْوَالِ الرِّجَالِ للمَعْرِفةِ). وفيه خَمْسَةُ مَبَاحِثِ: المَبْحَثُ الَأوَّلِ: تَوْثيقُ اسْمِ الكِتَابِ، وتحقِيقُ نِسْبَتهِ إلى مُؤَلِّفهِ. المَبْحَثُ الثَانيِ: مَنْهَجُ ابنِ مَنْدَه في الكِتَابِ، وشرطُهُ، وأَهَمَّيتُهُ. المَبْحَثُ الثَّالِثِ: مَوَارِدُ ابنِ مَنْدَه في الكِتَابِ. المَبْحَثُ الرَّابِعِ: وَصْفُ نُسْخَةِ الكِتَابِ. المَبْحَثُ الخَامِسِ: المَنْهَجُ المُتَّبَعُ في تحْقِيقِ الكِتَابِ.

стр. 11

الفَصلُ الَأوَّل تَرْجَمَةُ الُمؤَلِّفِ وفيهِ سِتَّةُ مَبَاحِثُ: المَبْحَثُ الَأوَّلُ: المُترجِمُونَ له، والرَّاوُون لِحَدِيثه ومَرْوِيَّاتهِ . المَبْحَثُ الثَّانِي: اسْمُهُ ونَسَبهُ وكُنْيَتهُ، ومَوْلِدُهُ، ووَفَاتهُ. المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَهْلُ بَيْتِه. المَبْحَثُ الرَّابِعُ: نَشْأَتُهُ، وطَلَبُهُ للعِلْمِ، ورِحْلَاتهُ. المَبْحَثُ الخَامِسُ: مَذْهَبُهُ الفِقْهِيِّ، وعَقِيدَتُهُ. المَبْحَثُ السَّادِسُ: مآثِرُهُ، وثَنَاءُ العُلَمَاءِ عَلَيْهِ. ... المَبْحَثُ الَأوَّلُ المُتْرجِمُونَ لَهُ، والرَّاوُونَ لِحَدِيثهِ ومَرْوِياتهِ حَرَصَ العَدِيدُ مِنْ عُلَمَاءِ الحَدِيثِ والتَرَّاجِمِ عَلَى ذِكْرِ أَبي القَاسِمِ ابنِ مَنْدَه والإشِادَةِ بهِ، ورِوَايةِ أَحَاديثهِ الَتِّي رَوَاها، والكُتُبِ التي تمَلَّكَ حَقَّ رِوَايَتِها. وقدْ تَوَجَّهْتُ نَحْو المَصَادِرِ المُتَقَدِّمةِ القَرِيبةِ مِنْ عَصرِ المُصَنِّفِ، أَمَّا المَصَادِرُ المُتَأَخِّرَةُ -وَهِي التي جَاءَتْ في القَرْنِ العَاشرٍ ومَا بَعْدَهُ- فَلَمْ أُعَرِّجْ عَلَيْهَا إلِّا قَلِيلا، لأنَّهُ لَيْسَ فِيها جَدِيدٌ سِوَى النَّقْلِ عَنِ المَصَادِرِ المُتَقَدِّمةِ.

стр. 12

ورَتَّبْتُ المَصَادِرَ حَسَبَ وَفَياتِ مُؤَلِّفيهَا علَى النَّحْوِ الآتِي: ١ - أَبو عَبْدِ الله مُحمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحدِ بنِ مُحمَّدٍ الَأصْبَهَانيُّ الدَّقّاقُ (ت ٥١٦)، تِلْمِيذُ المُصَنِّفِ، في كِتَابهِ (الرَّسَالةِ)، وَهُو مخْطُوطٌ مُصَوَّرٌ في خِزَانَتِى مِنَ المَكْتَبةِ الظَّاهِريَّةِ بدِمَشْقَ. ٢ - أَبو الحُسَيْنِ محُمَّدُ بنُ أَبي يَعْلَى الفَرَّاءُ الحَنْبَلِيُّ (ت ٥٢٦)، في (طَبَقَاتِ الحَنَابِلة) ٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨، بتَحْقِيقِ الدُّكْتور عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ سُلَيْمَانَ العُثَيْمِينَ، طَبْعُ دَارةِ المَلِكِ عَبْدِ العَزِيزِ سنة ١٤١٩هـ. ٣ - أبو الحُسَينِ عَبْدُ الغَافِرِ بنُ إسْمَاعِيلَ بنِ عَبْدِ الغَافِرِ بنِ محُمَّدٍ الفَارِسيُّ (ت ٥٢٩)، في كِتَابِ (السِّيَاقِ لِتَارِيخِ نَيْسَابُورَ) كَمَا في مُنْتَخَبِه للصَرِيفِيْنِيِّ، ص ٣٣٩، بتَحْقَيقِ محُمَّدِ بنِ أَحْمَدَ عَبْدِ العَزِيزِ، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، بَيْرُوتُ. ٤ - أَبو سَعْدٍ عَبْدُ الكَرِيم بنُ محُمَّدِ بنِ مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ التَّمْيمِيُّ (ت ٥٦٢)، في (المُنْتَخَبِ مِنْ مُعْجَمِ شُيُوخهِ)، ينظرُ فِهْرسُ الأَعْلَامِ ٤/ ٢٦٨، بِتَحْقِيقِ صَدِيقِنا الدُّكْتُورِ مُوَفَّق عَبْدِ الله، طَبْعُ جَامِعةِ الإمَامِ محُمَّدِ بنِ سُعُودٍ الإسْلَاميَّةِ بالرِياضِ، سنة ١٤١٧هـ، وفي (التَّحْبِيِر في المُعْجَمِ الكَبِيرِ)، يُنْظَرُ: فِهْرسُ الَأعْلَامِ أَيْضًا، بِتَحْقِيقِ الأُسْتَاذةِ مُنِيرَةَ نَاجِي سَالِم، وزَارةُ الَأوْقَافِ -بَغْدَادُ، سنة ١٣٩٥ هـ-، وفي مَوَاضِعَ مِنَ كِتَابهِ الفَذِّ (الأَنْسَابِ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، بَيْرُوتُ.

стр. 13

٥ - أَبو القَاسِمِ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْن بنِ هِبَةِ الله الشَّافِعيُّ، المَعْرُوفُ بابنِ عَسَاكِر (ت ٥٧١)، في (مُعْجَمِ الشُّيُوخِ)، بِتَحْقِيقِ الدُّكْتُورةِ وَفَاء تَقِيّ الدِّينِ، دَارُ البَشَائِرِ، دِمَشْقُ، وقَد اسْتَفَدْتُ منهُ في المَبْحَثِ المُتَعَلِّقِ بِتَلَامِيذِ المُؤَلِّفِ فَقَط. ٦ - أبو مُوْسى محُمَّدُ بنُ أَبي بَكْرٍ المَدِيْنِيُّ الَأصْبَهَانِيِّ (ت ٥٨١)، في كِتَابِ (ذِكْرِ الإمامِ الحَافِظِ أَبي عَبْدِ الله بنِ مَنْدَه، ومَنْ أَدَرَكَهُم مِنْ أَصْحَابهِ الإمَامُ أَبو عَبْدِ الله الحُسَين بنُ عَبْدِ المَلِكِ الخَلَّالُ) ص ٧٠، بِتَحْقِيقِنا، دَارُ البَشَائِرِ الإسْلَامِيَّةِ، سنة ١٤٢٥ هـ. ٧ - أَبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ الفَرَجِ بنِ الجَوْزِيُّ (ت ٥٩٧)، في (المُنْتَظَمِ) ١٦/ ١٩٤، طَبْعُ دَارِ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، بَيْرُوتُ، و (مَنَاقِبِ الإمَامِ أَحْمَدَ) ص ٦٣٠، بِتَحْقِيقِ الدُّكْتُورِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ المُحْسِنِ التُّرْكِي، مَكْتَبةُ الخَانجِي بمِصْرَ، سنة ١٣٩٩ هـ. ٨ - يَاقُوتُ بنُ عَبْدِ الله الحَمَوِيُّ (ت ٦٢٦)، في (مُعْجَمِ البُلْدَانِ)، دَارُ صَادِرٍ، بَيْرُوتُ. ٩ - مُحمَّدُ بنُ عَبْدِ الغَنِيِّ، المَعْرُوفُ بابنِ نُقْطَةَ الحَنْبَلِيُّ البَغْدَادِيُّ (ت ٦٢٩)، في كِتَابِ (التَّقْيِيدِ في مَعْرِفةِ رُوَاةِ السُّنَنِ والمَسَانِيدِ) ١/ ٣٣٦ - ٣٣٧، دَائِرَةُ المَعَارِفِ العُثْمَانِيَّةِ، حَيْدَر أَبَادَ الدَّكَنِ، الهِنْدُ، سنة ١٤٠٤ هـ، وفي (تَكْمِلَةِ الإكْمَالِ) ١/ ٣٠٤، بِتَحْقيقِ صَدِيقِنا الدُّكْتُورِ عَبْدِ القَيُّومِ عَبْدِ رَبِّ النبىِّ، طَبْعُ مَركَزِ البَحْثِ العِلْمِىِّ، جَامِعَةُ أُمِّ القُرَى، مَكَّةُ المُكَرَّمةُ، سنة ١٤٠٨هـ فَمَا بَعْدَها.

стр. 14

١٠ - عِزُّ الدِّينِ عَلِيُّ بنُ محُمَّدٍ، المَشْهُورُ بابنِ الَأثِيِر الجَزَرِيُّ (ت ٦٣٠)، في (الكَامِلِ في التَّارِيخ) ١٠/ ١٠٨، دَارُ صَادِر، بَيْرُوتُ سنة ١٩٦٦ م. ١١ - مُحِبُّ الدِّينِ أَبو عَبْدِ اللِه مُحمَّدُ بنُ مَحْمُودِ بنِ الحَسَنِ، المَعْرُوفُ بابنِ النَّجّارِ البَغْدَادِيُّ (ت ٦٤٣)، في (ذِيْلِ تَارِيخِ بَغْدَادَ) ١/ ٤٥ و ٢٨٨، و ٣/ ٢٣، و٥/ ١١٣، دَائِرَةُ المَعَارِفِ العُثْمَانِيَّةِ، حَيْدَر أَبَادَ الدَّكَنِ، الهِنْدُ، سنة ١٣٩٨ هـ. ١٢ - أَبو عَبْدِ الله محُمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ أَحْمَدَ، المَعْرُوفُ بالضِيَاءِ المَقْدِسيّ (ت ٦٤٣)، في (المُخْتَارَة) ٦/ ٢٤٣، بِتَحْقِيقِ الدُّكْتُورِ عَبْدِ المَلِكِ بنِ عَبْدِ الله بنِ دِهِيش، مَكْتَبةُ النَّهْضَةِ الحَدِيثةِ، مَكَّةُ المُكَرَّمةُ. ١٣ - تَقِيُّ الدِّينِ أَبِي العبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الحَلِيمِ بنِ عَبْدِ السَّلَامِ بنِ عَبْدِ الله بنِ تَيْمِيَّةَ الحَرَّانِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الحَنْبَلِيُّ (ت ٧٢٨)، في (فَتَاوَى شَيْخِ الإسْلَامِ)، جَمْعُ وتَرْتِيبُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مُحمَّدِ بنِ قَاسِمٍ، ووَلَدِه مُحمَّدِ، طَبْعَة جَدِيدَة صَادِرَة مِنْ مُجمَّعِ المَلِكِ فَهْدٍ لِطِبَاعةِ المُصْحَفِ الشرِّيفِ بالمَدِينةِ المُنَوَّرَةِ، سنةَ (١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م)، وقد اسْتَفدتُ منهُ في المَبْحَثِ المُتَعَلِّقِ بِكُتُبِ ابنِ مَنْدَه. ١٤ - أَبو عَبْدِ الله مُحمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الهَادِي المَقْدِسيُّ الدِّمَشْقِيُّ (٧٤٤)، في (طَبَقَاتِ عُلَمَاءِ الحَدِيثِ) ٣/ ٣٦١، بِتَحْقِيقِ أَكْرَمِ البُوشِي، وإبْرَاهِيمَ الزِّيْبَقِ، مُؤْسَسةِ الرِّسَالةِ، سنة ١٤٠٩ هـ.

стр. 15

١٥ - أَبو عَبْدِ الله مُحمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عُثْمَانَ الذَّهَبِيُّ (ت ٧٤٨)، في (تَارِيخِ الإسْلَامِ) ٣١/ ٣٢٨، بِتَحْقِيقِ الدُّكْتُورِ عُمَرَ عَبْدِ السَّلَامِ تَدْمُرِي، طَبْعُ دَارِ الكَاتِبِ العَرَبِيّ، و (سِيَرِ أَعْلَامِ النُبَلَاءِ) ١٨/ ٣٤٩، بِتَحْقِيقِ مَجْمُوعةٍ مِنَ المُحَقِّقينَ، مُؤْسَسةِ الرِّسَالةِ، بَيروتُ، سنة ١٤٠١هـ فَمَا بَعْدَها، و (تَذْكِرَةِ الحُفَّاظِ) ٣/ ١١٦٥، دَائِرَةُ المَعَارِفِ العُثْمَانِيَّةِ، حَيْدَر أَبَادَ الدَّكَنِ، الهِنْدُ، سنة ١٤٧٥هـ، و (العِبَرِ في خَبَرِ مَنْ غَبَرِ) ٣/ ٢٧٤ بِتَحْقِيقِ فُؤَاد سَيِّد، طَبْعُ الكُوَيْتِ، سنة ١٩٦٩ م، و (المُعِينِ في طَبَقَاتِ المُحَدِّثينَ) ص ٣٧، بِتَحْقِيقِ الدُّكتورِ هَمَّام سَعِيد، دَارُ الفُرْقَانِ بالأُرْدُنِ سنة ١٤٠٣هـ. ١٦ - صَلَاحُ الدِّينِ خَلِيلُ بنُ أَيْبَكَ الصَّفَدِيُّ (ت ٧٦٤)، في (الوَافِي بالوَفَياتِ) ١٨/ ٢٣٣، دَارُ صَادِر، بَيْرُوتُ. ١٧ - مُحمَّدُ بنُ شَاكِرٍ الكُتُبِيُّ (ت ٧٦٤)، فِي (فَوَاتِ الوَفَياتِ) ٢/ ٢٨٨، بِتَحْقِيِقِ إحْسَان عبَّاس، دَارُ الثَّقَافةِ، بَيْرُوت، سنة ١٩٧٣ م. ١٨ - أَبو الفِدَاءِ إسْمَاعِيلُ بنُ عُمَرَ بنِ كَثِيرٍ القُرَشِيّ الدِّمَشْقِيُّ (ت ٧٧٤)، في (البَدَايةِ والنِهَايةِ) ١٦/ ٦٨، بِتَحْقِيقِ الدُّكْتُورِ عَبْدِ الله التُّرْكِيّ، دَارُ هَجَر بالقَاهِرة، ١٤١٩ هـ. ١٩ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَحْمَدَ بنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ (ت ٧٩٥)، في (الذَّيْلِ عَلَى طَبَقَاتِ الحَنَابِلةِ) ١/ ٥١، بِتَحْقِيقِ الدُّكْتُورِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ سُلَيْمَانَ العُثَيْمِينَ، مَكْتَبةُ العُبَيْكَانَ، سنة ١٤٢٥هـ.

стр. 16

٢٠ - شَمْسُ الدِّينِ محُمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ محُمَّدِ القَيْسِيُّ، الشَّهِيرُ بابنِ نَاصِرِ الدِّينِ الدِّمَشْقِيُّ (ت ٨٤٢)، في (تَوْضِيحِ المُشْتَبِه في ضَبْطِ أَسْمَاءِ الرُّوَاةِ وأَنْسَابِهِم وأَلْقَابِهِم وكُنَاهُم)، تحْقِيقُ محُمَّدِ نَعِيم العَرَقْسُوسِيّ، مُؤَسَّسةُ الرِّسَالةِ، بَيرُوتُ، سنة ١٩٩٣م، و (التبيان لبديعة البيان) تحقيق حسين بن عكاشة ٢/ ١٩٣ قطر ١٤٢٩هـ -٢٠٠٨م. ٢١ - أَبو الفَضْلِ أَحْمَدُ بنُ محُمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ (ت ٨٥٢)، في (المُعْجَمِ المُفَهْرِسِ، أَو تجْرِيدُ أَسَانِيدِ الكُتُبِ المَشْهُورَةِ والأَجْزَاءِ المَنْثُورَةِ)، يُنْظَرُ فِهْرسُ الأَعْلَامِ ص ٤٧٣، بِتَحْقِيقِ محُمَّدِ شَكُور مَحْمُودِ أَمْرِير، مُؤَسسةِ الرِّسَالةِ، سنة ١٤١٨ هـ، و (المَجْمَعِ المُؤَسَّسِ للمُعْجَمِ المُفَهْرِسِ)، يُنْظَرُ فِهْرِسُ الَأعْلَامِ ص ٢٥٩، بِتَحْقِيقِ الدُّكْتُورِ يُوسُفَ عَبْدِ الرَّحْمنِ المَرْعَشِي، دَارُ المَعْرِفة، بيروتُ، سنة ١٤١٣ هـ. ٢٢ - يُوسُفُ بنُ تَغْرِي بَرْدِي الَأتَابِكيُّ (٨٧٤)، في (النُّجُومِ الزَّاهِرَة في مُلُوكِ مِصْرَ والقَاهِرة) ٥/ ١٠٥، طَبْعُ الهَيْئَةِ المِصْرِيَّةِ العَامَّةِ للكِتَاَبِ، القَاهِرَةُ سنة ١٩٧٤ م. ٢٣ - إبْرَاهِيمُ بنُ مُحمَّدِ بنِ مُفْلِحٍ الحَنْبَلِيُّ (ت ٨٨٤)، في (المَقْصِدِ الأَرْشَدِ في طَبَقَاتِ أَصحَابِ أَحْمَدَ) ٢/ ١٠٦، بِتَحْقِيقِ الدُّكْتُورِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ سُلَيْمَانَ العُثَيْمِينَ، مَكْتَبةُ الرُّشْدِ، الرِّياض، سنة ١٤١٠ هـ. ٢٤ - مُصطَفَى بنُ عَبْدِ الله القُسْطَنْطِينيُّ الحَنَفِيُّ، الشَّهِيرُ بِكَاتِب جَلَبِى، وأَيْضًا بِحَاجِي خَلِيفَةَ (ت ١٠٦٧)، في (كَشْفِ الظُّنُونِ في أَسَامِي الكُتُبِ والفُنُونِ) اسْتَانْبُول، سنةَ (١٣٦٠ هـ - ١٩٤١ م).

стр. 17

المَبْحَثُ الثَّاني اسْمُهُ ونَسَبُهُ وكُنْيَتُه، ومَوْلِدَهُ، ووَفَاتُهُ أ- اسْمُهُ ونَسَبُهُ وكُنْيَتُهُ: هُوَ أَبو القَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحمَّدِ بنِ إسْحَاقَ بنِ مُحمَّدِ بنِ يَحْيى بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ الوَلِيدِ بن سَنْدَه بنِ بُطَّة بنِ أُسْتَنْدَارَ، واسْمُهُ: الفَيْرزَانَ بنِ جَهَارْ بُختَ العَبْدِي الأَصْبَهَانِيُّ. وجَدُّهُ الأَعْلَى إبْرَاهِيمُ بنُ الوَلِيدِ هُو الذِي يُلَقَّبُ بِمَنْدَه، وضَبَطَهُ ابنُ خَلِكَّانَ: بِفَتْحِ المِيمِ والدَّالِ المُهْمَلَةِ، بَيْنَهُمَا نُوْنٌ سَاكِنَةٌ، وفيِ الآخِرِ هَاءٌ سَاكِنَةٌ أَيْضًا (١). وسَنْدَه، ضَبَطَهُ ابنُ نَاصِرِ الدِّينِ: بالسِّينِ والدَّالِ المُهْمَلَتَين المَفْتُوَحَتَين، بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَةٌ (٢). وبُطَّه، بِضَمِّ البَاءِ وفَتْحِ الطَّاءِ المُشَدَّدَةِ، كَذَا ضَبَطَهُ ابنُ نُقْطَةَ، وابنُ نَاصِرِ الدِّينِ (٣). والفَيْرزَانُ كَانَ مجُوسِيَّا، ثُمَّ أَسْلَمَ وَقْتَ افْتِتَاحِ الصَّحَابةِ الكَرَامِ لأَصْبَهَانَ (٤). والعَبْدِيُّ -بِفَتْحِ العِينِ المُهْمَلَةِ، وسَكُونِ البَاءِ المَنْقُوطَةِ بِوَاحِدَةٍ، وفي آخِرِهَا

стр. 18

الدَّالُ المُهْمَلَةُ- نِسْبَةً إلى عَبْدِ القَيْسِ، فيِ رَبِيعَةَ بنِ نَزَارٍ (١)، وكانَ جَدُّه الأَعْلَى الفَيْرزَانُ ولَاؤُهُ لَهُم حِينَ أَسْلَمَ، وقيلَ: نِسْبَتُهُ إلى عَبْدِ يَالِيلِ، فقدْ ذَكَروا أنّ أُمَّ مُحمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ مَنْدَه: بَرَّةُ بنتُ مُحمَّدِ بنِ الفَيْضِ بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ الفَيْضِ بنِ مَصْعَبِ بنِ الفُضَيْلِ بنِ السَّائِبِ بنِ الأَقْرَعِ بنِ عَوْفِ بنِ جَابِرِ بنِ سُفْيَانِ بنِ عَبْدِ يَالِيل بنِ سَالم بنِ مَالِكِ بنِ جُشَمَ بنِ ثَقِيفٍ (٢). والأَصْبَهَانِيُّ -نِسْبَةً إلى (أَصبَهَانَ) - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِهَا، وسُكُونِ الصَّادِ المُهْمَلَةِ، وفَتْحِ البَاءِ المُوَحَّدَةِ -ويُقَالُ: (أَصْفَهَانُ) - بالفَاءِ، وفَتْحِ الهَاءِ، وبعدَ الَألَفِ نُونٌ -وتُسَمَّى بالعَجْمِيَّةِ: (سَبَاهَان)، و (سَبَاه): العَسْكَرُ، و (هَان): الجَمْعُ، وكانتْ جُمُوعُ عَسَاكِرِ الأكاسِرَةِ تَجْتَمِعُ إذا وَقَعَتْ لَهُم وَاقِعَةٌ في هَذا المَوْضِعِ، فعرِّبَ فَقِيلَ: (أَصْبَهَان) (٣). وتَقَعُ أَصبَهَانُ اليومَ وَسَطَ إيْرَانَ، وتَبْعُدُ عَنِ العَاصِمَةِ طَهْرَانَ قُرَابةَ (٤٢٠) كَيْلا شِمَالًا، وتَتَمَيَّزُ بِطِيبِ هَوَائِهَا، وعُذُوبةِ مَائِهَا، وجَوْدَةِ تُرْبَتِهَا، وقدْ فُتِحَتْ في خِلَافَةِ أَمِيرِ المُؤْمِنينَ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ (٤)، واسْتَقَرَّتْ بِهَا بَعْضُ القَبَائِلِ العَرِبيَّةِ مِنْ ثَقِيفٍ، وخُزَاعَةَ، وتَمِيمٍ، وعَبْدِ القَيْسِ وغَيرِهِم.

стр. 19

ب- مَوْلِدُهُ: وُلِدَ سنة (٣٨٣)، على أَصَحِّ الَأقْوَالِ، وَهُو قَوْلُ أَكْثَر المُؤَرِّخِينَ، ومِنْهُم تِلْمِيذَيّ المُتْرجِمِ: ابنُ أَخِيه يَحْيى بنُ عَبْدِ الوَهَابِ بنِ مُحمَّدِ بنِ إسْحَاقَ بنِ مَنْده في تَارِيْخِ أَصْبَهَانَ، كَمَا نَقَلَهُ عنهُ ابنُ نُقْطَةَ (١)، والحُسَين بنُ عَبْدِ المَلِكِ الخَلَّالُ (٢). وقالَ تِلْمِيذُهُ أَبو عَبْدِ الله مُحمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ مُحمَّدٍ الدَّقّاقُ الأَصْبَهَانِيُّ: وُلِدَ سنةَ (٣٨١) في السنة التي تُوفيِّ فِيها الشَّيْخُ أَبو بَكْرِ بنِ المُقْرِىء، وهو الذِي اخْتَارَهُ الذَّهَبِيُّ في السِّيَرِ، ولَكِنَّهُ قَرَّرَ في التَّذْكِرَةِ أَنَّهَا كانتْ سنةَ (٣٨٣) (٣). وذَكَرَ ابنُ الجَوْزِيِّ في المُنْتَظَمِ أَنَّهَا كانتْ سنةَ (٣٨٨)، وَهُو وَهَمٌ مِنْهُ رَحِمَهُ الله تَعَالىَ، لم يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ. وكَانَ أبو القَاسِمِ أَكْبرُ إخْوَتهِ. د - وَفَاتُهُ: تُوفىِّ في سَادِسَ عَشَر شَوَّالَ، سنةَ (٤٧٠) بأَصْبَهَانَ، وصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ الإمَامُ أَبو عَمْرو عَبْدُ الوَهَابِ بنُ مُحمَّدِ بنِ إسْحَاقَ (٤)، وشيَّعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ لا يَحْصِيهِم إلَّا الله

стр. 20

تَعَالَى، ودُفِنَ بمِقْبَرةِ دُولْكَاباذ خَارِجِ المَدِينةِ (١)، وعَاشَ تِسْعًا وثَمَانِينَ عَامًا، وكانَ قَبْرُهُ مَشْهُورًا، فقدْ دُفِنَ بِجِوَارِه عَدَدٌ مِنَ العَلَمَاءِ، مِنْهُم مُحمَّدُ بنُ صالِحٍ، قالَ السَّمْعَانِيُّ في تَرْجَمَتِهِ: (دُفِنَ بِدُولْكَابَاذ حِذَاءَ قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَنْدَه) (٢).

стр. 21

المَبْحَثُ الثَّالثُ أَهْلُ بَيْتِهِ نَشَأَ أَبو القَاسِمِ في بَيْتِ عِلْمٍ وحَديثٍ وجَاهِ، بَيْتٌ مَعْمُورٌ بالَأئِمَّةِ، كُلُّ مَنْ فِيه عَالمٌ أو مُتَعَلِّمٌ، وقدْ أَشَادَ بِهِم الإمَامُ الحَافِظُ أَبو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ (ت ٣٤٩) - وَهُو شَيْخُ أَبيهِ، فقالَ: (بَنُو مَنْدَه أَعْلَامُ الحُفَّاظِ في الدُّنيا قَدِيمًا وحَدِيثًا) (١). * فأَبُوهُ أَبو عَبْدِ الله مُحمَّدُ بنُ إسْحَاقَ بنِ مَنْدَه أَحَدُ الَأئِمَّةِ الَأعْلَامُ، وَهُو كَمَا يُقَالُ: أَشْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ، وأَنْوَرُ منَ القَمَرِ، وشُهْرَتُهُ تُغْنِي عَنِ الإطْنَابِ في تَرْجَمَتهِ، وقَدْ تَرْجمْتُ لَهُ في مُقَدِّمةِ كِتَابِه (مَعْرِفةِ الصَّحَابةِ). * وجَدُّه إسْحَاقُ بنُ مُحمَّدِ بنِ يَحْيى بنِ مَنْدَه، كانَ مِنَ المُحَدِّثَينَ المَشْهُورِينَ، ورَوَى عنهُ ابْنُهُ مُحمَّدٌ، وقالَ عنهُ أَبو نُعَيْمٍ: كانَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الحَدِيثِ والرِّوَايةِ، قَدْ رأَيْتُهُ وشَاهَدْتُهُ، ولْم أُرْزَقْ منهُ سَماعَ حَدِيثهِ، تُوفىِّ سنة (٣٤١) (٢). * ولِجَدِّه إخْوَهٌ محُدِّثُونَ، هُم: أ- الإمَامُ أَبو مُحمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحمَّدِ بنِ يَحْيى بنِ مَنْدَه، كانَ محُدِّثًا ثِقَةً، تُوفيِّ سنة (٣٢٠) (٣). ب- وأَبو إسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بنُ مُحمَّدِ بنِ يَحْيى بنِ مَنْدَه الحَافِظُ، قالَ عَنْهُ أَبو الشَّيْخِ: أُسْتَاذُنَا وكَبِيُرنَا، ومَنْ كَتَبْنَا مَعَهُ وتَعَلَّمْنَا مِنْهُ، صَنَّفَ الشُّيُوخَ، وعُنِيَ بهِ عِنَايةً تَامَّةً، ولمْ يَكُنْ في زَمَانهِ مِثْلُهُ، تُوفيِّ سنة (٣٢٠) (٤).

стр. 22

ج- وأبو سَعِيدٍ سُفْيَانُ بنُ مُحمَّدِ بنِ يَحْيى بنِ مَنْدَه، رَوَى عنهُ أَبو الشَّيْخِ، تُوفيِّ سنة (٣١٩) (١). د- وأَبو مُحمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ مَنْدَه، قالَ أَبو نُعَيْمٍ: يَرْوِي عَنْ مُحمَّدِ بنِ عَاصِمٍ، مِنْ شُيُوخِ أَبي إسْحَاق بنِ الفَاخِرِ السُّرِنْجَانِيِّ الفَقِيه، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللِّهَ بنُ مُحمَّدِ بنِ مُعَاذٍ (٢). هـ- وعُبَيْدُ الله بنُ مُحمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ مَنْدَه، قالَ أَبو نُعَيْمٍ: رَوَى عَنْ مُحمَّدِ بنِ عَبْدِ الله المَدِيْنِيِّ، حَدَّثَ عنهُ أَبو إسْحَاقَ السُّرِنجانِيُّ (٣). * وكَذَا جَدُّ أَبيهِ مُحمَّدِ بنِ يَحْيى بنِ مَنْدَه، كانَ إمَامًا كَبِيرًا حَافِظًا ثِقَةً، قالَ عَنْهُ أَبو الشَّيْخِ: هُو أُسْتَاذُ شُيُوخِنا وإمَامُهُم، تُوفيِّ سنةَ (٣٠١) (٤). * وجَدُّه الَأعْلَى أَبو إسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بنُ الوَلِيدِ بنِ مَنْدَه، كانَ مُحدِّثًا، كَتَبَ عَنْهُ حَفِيدُهُ الإمامُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ يَحْيى بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ الوَلِيدِ بنِ مَنْدَه (٥). * وكَذَا إخْوَانُهُ كَانُوا مُحدِّثينَ ثِقَاتٍ، وَهُمَا: أ- أَبو الحَسَنِ عُبَيْدُ الله بنُ مُحمَّدِ بنِ إسْحَاقَ بنِ مَنْدَه، المُحَدِّثُ الثِّقَةُ، تُوفيِّ سنةَ (٤٦٢) (٦).

стр. 23

ب- أَبو عَمْرو عَبْدُ الوَهَابِ بنُ مُحمَّدِ بنِ إسْحَاقَ بنِ مَنْدَه، قالَ أَبو سَعْدٍ السَّمْعَانيِّ: رأَيْتُهُم بأَصبَهَانَ مُجتَمِعِينَ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَى أَبي عَمْرو وَالمَدْحِ لَهُ، وكانَ شَيْخُنا إسْمَاعِيلُ الحَافِظُ مُكْثِرًا عنهُ، وكانَ يُثْنِي عَلَيْهِ، ويُفَضِّلُهُ عَلَى أَخِيه عَبْدِ الرَّحْمَنِ، تُوفيِّ سنة (٤٧٥) (١). * وكَذا أَبْنَاءُ أَخِيه عَبْدُ الوَهَابِ كَانُوا مُحدِّثينَ، وَهُم: أ- أَبو يَعْقُوبَ إسْحَاقُ بنُ عَبْدِ الوَهَابِ، رَوَى عَنْهُ الحُسَين بنُ عَبْدِ المَلِكِ الخَلَّالُ، تُوفيِّ بعدَ سنة (٤٥٣) (٢). ب- وأَبو الحُسَين عَبْدُ المَلِكِ بنُ عَبْدِ الوَهَابِ، رَوَى عَنْهُ الحُسَين بنُ عَبْدِ المَلِكِ الخَلَّالُ أَيْضًا، تُوفيِّ بعدَ سنةَ (٤٦١) (٣). ج- وأبو إسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بنُ عَبْدِ الوَهَابِ، رَوَى عَنْهُ الحُسَين بن عَبْدِ المَلِكِ الخَلَّالُ الحَافِظُ (٤). د- وأبو زَكرِيَّا يَحْيى بنُ عَبْدِ الوَهَابِ، الإمَامُ الحَافِظُ المُؤَرِّخُ الثِّقَةُ، صَاحِبُ كِتَابِ (تَارِيخِ أَصْبَهَانَ)، تُوفيِّ سنةَ (٥١١) (٥). * وكَانَتْ أُمُّهُم زَوْجةُ عَبْدِ الوَهَابِ بنِ مَنْدَه محُدِّثةٌ، واسْمُهُا: فَاطِمَةُ بنتُ الحَسَنِ بنِ مُحمَّدِ بنِ عَبْدِ الله الشَّيْبَانيِّ الخِرَقِيِّ، وَهِي بنت خَالِ أَبْنَاءِ أَبِى عَبْدِ

стр. 24

اللهِ بنِ مَنْدَه، تُوفِّيتْ بعدَ سنةَ (٤٥٦) (١). فالإمَامُ أَبو القَاسِمِ مِنْ أُسْرَةٍ حَافِلَةِ بالعُلَمَاءِ والَأعْيَانِ، وقدْ أَفْرَدَ الإمَامُ الذهَبِىِّ جُزْءًا في تَرْجَمَتِهِم، وقالَ: (ومَا عَلِمْتُ بَيْتَا في الرُّوَاةِ مِثْلَ بَيْتِ بَنِي مَنْدَه، بَقِيتْ الرِّوَايةُ فِيهِم مِنْ خِلَافةِ المُعْتَصِمِ (أَيْ في حُدُودِ سنةَ ٢٢٥) وإلى بَعْدِ الثَّلاثِينَ وسِتَّمَائةَ) (٢).

стр. 25

المَبحَثُ الرَّابِعُ نَشْأَتُهُ، وطَلَبُهُ للعِلْمِ، ورِحْلَاُتهُ أ- نَشْأَتُهُ: نَشَأَ أَبو القَاسِمِ بإحْدَى عَوَاصِمِ الإسلَامِ ومُدُنهِ العُظْمَى حِينَها، العَامِرَةِ بالعِلْمِ والعُلَمَاءِ، وَهِى أَصْبَهَانُ التِّي كَانَتْ كَمَا يَقُولُ الإمَامُ الذَّهَبِيُّ: (تُضَاهِي بَغْدَادَ في عُلُوِّ الإسْنَادِ، وكَثرةِ الحَدِيثِ والَأثَرِ) (١)، فقدْ كانَتْ زَاخِرَةً بالعُلَمَاءِ والفُضَلَاءِ والأُدَبَاءِ، وقالَ الإمَامُ يَاقُوتُ الحَمَوِيُّ وَهُو يَصفُ مَكَانَتَهَا العِلْمِيَّةَ: (وقدْ خَرَجَ مِنْ أَصْبَهَانَ مِنَ العُلَمَاءِ والَأئِمَّةِ في كُلِّ فَنٍّ مَا لمْ يَخْرُجْ مِنْ مَدِينَةِ مِنَ المُدُنِ، وعَلَى الخُصُوصِ عُلُوُّ الإسْنَادِ، فإنَّ أَعْمَارَ أَهْلِهَا تَطُولُ، ولَهُم في ذلِكَ عِنَايةٌ وَافِرَةٌ بِسَمَاعِ الحَدِيثِ، وَبِهَا مِنَ الحُفَّاظِ خَلْقٌ لاَ يُحْصَونَ، وَلَها عِدَّةُ تَوَارِيخَ) (٢)، وكَانَ جَامِعُهُا أَعْمَرَ الجَوَامِعِ بالعلْمِ ورِوَايةِ الحَدِيثِ. وقَدْ حَظِيتْ أَصْبَهَانُ في فَتْرَةِ السَّلَاطِينِ السَّلَاجِقَةِ العِظَامِ (٤٢٩ - ٥٥٢) بِعِنَايةٍ كَبِيرَةٍ، وخَاصَّةً في زَمَنِ السُّلْطَانِ الكَبِيرِ مَلكْشَاه بنُ أَلْب أَرْسلَان (٤٦٥ - ٤٨٥) حَيْثُ كَانَت المَكَانَ المُفَضَّلِ لإقَامَتِه، فَاتَّخَذَها مَقَرَّا لمِمْلَكَتهِ، وزَيَّنَهَا بالحَدَائِقِ الوَاسِعَةِ والبِنَايَاتِ الجَمِيلَةِ، ولَمْ يَبْخَلْ بمالٍ أَو جُهْدٍ في رَفْعِ شَأْنِهَا، ونَشر سُمْعَتِها في العَالَم الإسلَامِيِّ آنَذَاكَ، فَشَجَّعَ العُلَمَاءَ على القُدُومِ إليهَا، وأَكْرَمَهُم بالعَطَاءِ والتَّقْدِيرِ، وحَثَّهُم عَلَى نَشر العِلْمِ (٣).

стр. 26

وكَانَ للحَديِثِ والأَثَرِ ومَا يَتْبَعَهُ مِنْ عُلُومٍ في مُقَدِّمَةِ المَوْضوعَاتِ التِّي كانَ يُعْنَى بِهَا أَهْلُ أَصبَهَانَ، حَيْثُ كانَ لَهُم عِنَايةٌ وَافِرَةٌ لسَمَاعهِ، فَكَثُر بِهَا الحُفَّاظُ والمُحَدِّثُونَ كَثرْةً بَالِغَةً، وذَاعتْ شُهْرَتُهَا الحَدِيثِيَّةِ، ويَمَّم شَطْرَها طُلَّابُ الحَديِثِ ورَحَلُوا إليها مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَسْتَمِعُوا إلى أُولَئِكَ المُعَمَّرِينَ الحُفَّاظِ، ولِيَرْوُوا عَنْهُم، إمَّا لِعُلوِّ إسْنَادهِم، وإمِّا لِسَعةِ عِلْمِهِم، وعَظِيمِ مَكَانَتِهِم. في هَذِه البِيْئَةِ العِلْمِيَّةَ الرَّفِيعَةِ، وفي رِحَابِ تِلْكَ الأُسْرَةِ المُتَمَيِّزَةِ المُشْتَغِلَةِ بالعِلْمِ والرِّوَايةِ، نَشَأ الحَافِظُ أَبو القَاسِمِ ابنُ مَنْدَه، وتَلَقَّى عُلُومَهُ الأُولىَ. ب- طَلَبُهُ للعِلْمِ: بَدأَ أَبو القَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ طَلَبَ العِلْمِ وَهُو مَا يَزَالُ يَافِعًا في مُقْتَبلِ عُمُرهِ، حَيْثُ عَهِدَ به أَبُوهُ إلى أَحَدِ الشُّيُوخِ في بَلَدِه لِيُعَلِّمَهُ كَمَا يُعَلِّمُ أَتْرَابَهُ آنَذَاكَ، فَلَمَّا قَارَبَ العَشَرةَ مِنْ عُمُرهِ اتجَهَ لِدِرَاسةِ الحَديِثِ وسمَاعهِ عَلَى أَعْيَانِ العُلَمَاءِ والرُّوَاةِ في بَلَدِهِ. وأَوَّلُ شَيْخٍ سَمِعَ مِنْهُ الحَديِثَ، وكَتَبَ عَنْهُ، ورَوَى مُؤَلَّفَاتهِ ورِوَايَاتهِ: وَالِدُهُ، الذِي كانَ مِنْ أَعْيَانِ المُحَدِّثينَ، وتُوفيِّ سنة (٣٩٥). وأَقْدَمُ شُيُوخهِ بعدَ أَبيهِ: المُسْنِدُ أَبو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بنُ مُحمَّدِ بنِ المَرْزُبَانَ الَأبْهَرِيُّ الأَصبَهَانِيُّ، المُتَوفَّى سنةَ (٣٩٣)، سَمِعَ جُزْءَ (لُوَيْنٍ) المَشْهُورِ مِنْ مُحمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ الحَزَوَّرِيِّ سنةَ خَمْسٍ وثَلَاثُمَائةَ، وكانَ دَيِّنًا فَاضِلًا عَاليِ الإسْنَادِ، وسَمِعَ المُسْنِدَ عَبْدَ الله بنَ مُحمَّدِ بنِ عَبْدِ الوَهَابِ، أَبا عُمَرَ السُّلَمِيَّ الأَصبَهَانِيَّ المُقْرِىء،

стр. 27

المُتوفَّى سنةَ (٣٩٣)، وكانَ أَبو القَاسِمِ لم يُجِاوِزْ عُمُرهُ عَشْرَ سِنِينَ. وسَمِعَ أَبا بَكْرٍ أَحْمَدَ بنَ مُحمَّد بنِ أَحْمَدَ بنِ جَعْفَرٍ القَصَّارَ الَأصْبَهَانيَّ، الفَقِيهَ الإمَامَ، كانَ مِنْ كِبَارِ الشَّافِعيَّة، وتُوفيِّ سنةَ (٣٩٩)، والإمَامَ الحَسَنَ بنَ عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ بنِ سُلَيْمَانَ، أَبا عَلِيٍّ البَغْدَادِيَّ، نَزِيلَ أَصبَهَانَ التَّاجِرَ، المُحَدِّثَ الثِّقَةَ مُسْنِدَ أَصْبَهَانَ، تُوفيِّ سنةَ (٣٩٩). وسَمِعَ أبا إسْحَاقَ إبْرَاهِيمَ بنَ عَبْدِ الله بنِ مُحمَّدِ بنِ خُرَّشِيذْ قُوْلَه الكِرْمَانِيَّ الَأصْبَهَانِيَّ التَّاجِرَ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٠٠)، ولَهُ ثَلَاثٌ وتِسْعُونَ سنةً، وكانَ أَسْنَدَ مَنْ بَقِيَ بأَصبَهَانَ، وتَفَرَّدَ في وَقْتهِ بِرِوَاياتٍ كَثِيرَةٍ. ثُمَّ أَخَذَ أبو القَاسِمِ يَتَنَقَّلُ بِبَلَدِه إلى حَلَقَاتِ الشُّيُوخِ والحُفَّاظِ بِهِمَّةِ ونَشَاطٍ، ورَغْبَةٍ تَامَّةٍ، وإقْبَالٍ شَدِيدٍ، فَسَمِعَ كَثِيرًا، وحَصَّلَ الأُصُولَ، والكُتُبَ النَّفِيسَةَ، ونَسَخَ الأَجْزَاءَ، وعُنِيَ بِهَذا الشَّأنِ أَتَمَّ عِنَايَةٍ، ومِنَ الذينَ سَمِعَ مِنْهُم فيِ بَلَدهِ: الإمَامُ المُحِدِّثُ الثِّقَةُ مُسْنِدُ أَصْبَهَانَ أَبو عَبْدِ الله مُحمَّدُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ جَعْفَرٍ اليَزْدِيُّ الجُرْجَانِيُّ، المُتَوفَّى سنة (٤٠٨)، والإمَامُ الحَافِظُ الثَّبْتُ أَبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ مُوسَى بنِ مَرْدُوْيه الأَصبَهَانيُّ، صاحِبُ التَّصَانِيفِ كالتَّفْسِيرِ وغَيْرِه، المُتَوفَّى سنةَ (٤١٠)، والمُحَدِّثُ الثِّقَةُ أَبو سَعِيدٍ مُحمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ عَمْرو بنِ مَهْدِيٍّ النَّقّاشُ الحَنْبَلِيُّ الأَصبَهَانيُّ، المُتَوفَّى سنةَ (٤١٤)، والمُحَدِّثُ الثِّقَةُ الحَافِظُ أَبو بَكْرٍ مُحمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْد الرَّحْمَنِ الهَمْدَانِيّ الذَّكْوَانِيُّ الأَصْبَهَانيُّ، المُتَوفَّى سنةَ (٤١٩)، والمُحَدِّثُ الصَّالِحُ المُسْنِدُ الثِّقَةُ أَبو الحُسَينِ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحمَّدِ بنِ الحُسَين الخَرْجَانيُّ، نَزِيلُ أَصْبَهَانَ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٢٠)، والمُحَدِّثُ الثِّقَةُ عَلِيُّ

стр. 28

بنُ يَحْيى بنِ جَعْفَرٍ، أَبو الحَسَنِ بن عَبْدِ كَوَيْه الأَصْبَهَانِيُّ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٢٢)، والمُحَدِّثُ الثَّبْتُ أَبو بَكْرٍ مُحمَّدُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ أَحْمَدَ الأَرْدَسْتَانِيُّ الأَصبَهَانِيُّ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٢٧)، والمُحَدِّثُ الهَيْثَمُ بنُ مُحمَّدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ مُحمَّدِ بنِ الحَسَنِ أَبو أَحْمَدَ الخَرَّاطُ الأَصبَهَانِيُّ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٢٧)، والمُحَدِّثُ الثِّقَةُ المُقْرِئ اللُّغَوِيُّ أَبو بَكْرٍ مُحمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أَحْمَدَ بنِ القَاسِمِ بنِ المَرْزُبَانَ بنِ شَاذَانَ الأَصبَهَانِيُّ، يُعْرَفُ بأَبِي شَيْخٍ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٣١)، والمُحَدِّثُ المُسْندُ المُعَمَّرُ أَبو القَاسِمِ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ مِهْرَانَ المَدِيْنِيُّ الأَصْبَهَانِيُّ الصَحَّافُ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٣٥)، والعَالِمُ الأَدِيبُ مُسْنِدُ العَصرِ مُحمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أَحْمَدَ بنِ إبْرَاهِيمَ التَّاجِرُ الأَصْبَهَانِيُّ، المَشْهُورُ بابنِ رِيْذَه، كانَ رَاوِيةَ كُتُبِ الطَّبَرانِيِّ عنهُ، وتُوفِّى سنةَ (٤٤٠) عنْ أَرْبَعٍ وتِسْعِينَ سنةً، والمُحَدِّثُ الحَسَنُ بنُ مُحمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ أَحْمَدَ بنِ يُوسُفَ بنِ يَوَه المَدِيْنِيُّ الأَصبَهَانِيُّ اللُّنْبَانِيُّ، كانَ رَاوِيةً لِكُتُبِ ابنِ أَبي الدُّنْيَا. كَمَا أَنَّ أَبا القَاسِمِ لمْ يَكْتَفِ بالسَّمَاعِ مِنْ هَؤُلاَءِ العُلَمَاءِ وغَيرِهم، وإنَّما كَانَ -بِمُسَاعَدِة أَبيهِ- يُرَاسِلُ العُلَمَاءَ المَشْهُورِينَ، ويَكْتُبُ إليهِم في أَمْصَارِهِم، فقدْ رَوَى عَنِ الإمَامِ العَلَّامَةِ زَاهِرِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحمَّدِ بنِ عِيسَى، أَبو عَلِيٍّ السَّرْخَسِيُّ، وكانَ فَقِيهَ خُرَاسَانَ، وشَيْخَ القُرَّاءَ والمُحَدِّثينَ، تُوفيِّ سنةَ (٣٨٩)، فِيمَا كَتَبَ إليهِ مِنْ سَرْخَس، ولمَّا يَتَجَاوَزُ مِنَ العُمُرِ سَبْعَ سِنِينَ، وكَتَبَ إليه مِنْ بَغْدَادَ المُحَدِّثُ الثِّقَةُ أَبو بَكْرٍ مُحمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحمَّدٍ الخيَّاطُ المُقْرِىءُ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٦٧). واسْتَمرَّ أَبو القَاسِمِ في سَمَاعِ الحَدِيثِ ورِوَايتِهِ عَنْ شُيُوخِ بَلَدِه بِعَزِيمْةٍ قَوِيَّةٍ،

стр. 29

وهِمَّةٍ عَالِيةٍ حَتَّى انْتَهَى مِنْ سَمَاعهِ لأَكْثَرِ عُلَمَاءِ بَلَدِه، ومِنَ القَادِمينَ إليهَا مِنَ الغُرَبَاءِ، ثُمَّ تَطَلَّعتْ نَفْسُهُ إلى الرِّحْلَةِ لِلِقَاءِ الشُّيُوخِ الكِبَارِ أَصحَابِ الأَسَانِيدِ العَالِيةِ، والرِّوَاياتِ الكَثِيرَةِ، فَسَافرَ وطَافَ البِلَادَ، والْتَقَى بالعُلَمَاءِ وجَالَسَهُم. ج- رِحْلَاتهُ: كَانت الرِّحْلَةُ لِطَلَبِ الحَدِيثِ تَقْلِيدٌ مُتَّبَعٌ مِنْ لَدُنِ الصَّحَابةِ الكِرَامِ، إلى عَهْدِ الأَئِمَّةِ الأَعْلَامِ، فَرُوَاةُ الحَدِيثِ لم يَكُونُوا يَقْنَعُونَ بأَخْذِ العِلْمِ عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِم، بَلْ كَانُوا يَرْحَلُونَ إلى الأَمْصَارِ والحَوَاضِرِ العِلْميَّةِ. وللرِحْلَةِ أَهَمِّيتَانِ: أَهَمِّيةٌ يَجْنِيهَا المُحَدِّثُ لِنَفْسِه، وأَهَمِّيَةٌ تَجنِيهَا الأُمَّةٌ بِسَببِه: فالأُولىَ: تَتَمثَّلُ في نَيْلِ أَجْرِ الرِّحْلَةِ في طَلَبِ الحَديث وثَوَابِهَا، قالَ الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ: (ونَحْنُ مُعْتَقِدُونَ اعْتِقَادًا لَا يَدْخُلُه شَكَّ أنًّ الطَّالِبَ للحَديِثِ مُثَابٌ عَلى طَلَبهِ ... ثُمَّ أَسْنَدَ إلى وَكِيعِ بنِ الجَرَّاح قَوْلَهُ: لَو أنَّ الرَّجُلَ لمْ يُصَبْ في الحَدِيثِ شَيْئًا إلَّا أنَّهُ يمْنَعُهُ مِنَ الهَوَى كانَ قَدْ أصَابَ فِيهِ ... وأَسْنَدَ أَيْضًا إلى زَكَرِيَّا بنِ عَدِيٍّ أنَّهُ رأَى عَبْدَ الله بنَ المُبَارَكِ فقالَ لَهُ: مَا فَعَلَ بكَ رَبُّكَ؟ فأَجَابَ: غَفَرَ لي بِرِحْلَتِي في الحَدِيثِ) (١). وأَمَّا الأَهَمِّيةُ الثَّانِيَةُ: فَهِيَ التِّي حَدَّدَها الإمَامُ إبْرَاهِيمُ بنُ أَدْهَمَ الزَّاهِدُ العَابِدُ بِقَوْلهِ: (إنَّ الله يَدْفَعُ البَلَاءَ عَنْ هَذِه الأُمَّةِ بِرِحْلَةِ أَصْحَابِ الحَدِيثِ)، وهَذا البَلَاءُ الذِي تحَدَّثَ عنهُ هُو بَلَاءُ الجَهْلِ ورَفْعُ العِلْمِ، فإذا عَمَّ الجَهْلُ ورُفِعَ العِلْمُ (اتَّخَذَ النَّاسُ

стр. 30

رُؤُوسًا جُهَّالًا فَأفْتُوا بِغَير عِلْمِ فَضَلُّوا وأَضَلُّوا)، كمَا جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ (١). ولِدَرْء كُلِّ هَذا سَنَّ صَحَابةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ومَنْ بَعْدَهُم مِنَ التَّابِعينَ لَهُم بإحْسَانِ الرِّحْلَةَ لِتَحْصِيلِ الحَدِيثِ، وطَلَبِ عُلُوِّ الإسْنَاد في المَرْوِياتِ، وهذا المَقْصَدُ مِنْ أَهَمِّ دَوَاعِي الرِّحْلَةِ، فيَتَمكَّنُ مِنْ مُلَاقَاةِ الشُّيُوخِ والرِّوَايةِ عَنْهُم مُبَاشَرةً دُونَ وَسَائِطَ، قالَ الإمَامُ مُحمَّدُ بنُ طَاهِرٍ المَقْدِسيُّ: (اعْلَمْ أنَّ طَلَبَ العُلُوِّ مِن الحَدِيثِ مِنْ عُلُوِّ هِمَّةِ المُحَدِّثِ، ونُبْلِ قَدْرِه، وجَزَالةِ رأْيهِ، وقدْ وَرَد في طَلَبِ العُلُوِّ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ .... ثُمَّ قالَ: فَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ النَّقْلِ عَلَى طَلَبِهِم العُلُوَّ ومَدْحِه، إذ لو اقْتَصَرُوا على سَمَاعهِ بِنُزُولٍ لم يَرْحَلْ أَحَدٌ مِنْهُم، ثُمَّ وَجَدْنا الأَئِمَّةَ المُقْتَدَى بِهِم في هذا الشأنِ سَافَرُوا الآفاقَ في سَمَاعهِ ولو اقْتَصَرُوا على النُّزُولِ لَوَجدَ كُلُّ وَاحِدِ مِنْهُم بِبَلَده مَنْ يُخْبُره بذلكَ الحَدِيثِ) (٢). وجَمَعَ شَيْخُنَا العَلَّامَةُ عَبْدُ الَفَتَّاحِ أَبو غُدَّةَ رَحِمَهُ الله تَعَالىَ نمَاذِجَ جَلِيلَةً مِمَّا لَقِيَهُ عُلَمَاءُ الحَديثِ مِنْ شِدِّة ولأوْاءٍ في رِحْلَاتِهِم لِتَكُونَ حَافِزًا للنُفُوسِ، وتَقْوِيةً للهِمَمِ، ومِمَّا قَالَهُ غَفَر الله لنا ولهُ: (فإذا نَظَر المُتَبَصِّرُ في هذه الرِّحْلَاتُ التي كَانُوا

стр. 31

يَقُومُونَ بِها- وَهُم كَمَا عَرَفْنا مِنَ الفَقْرِ، وشَظَفِ العَيْشِ، وصُعُوبةِ وَسَائِلَ السَّفَرِ والارْتحَالِ ... أَدْرَكَ عُلُوَّ هِمَمِهِم في الصَّبرْ والتَّحَمُّلِ، وعَلِمَ غَلَاءَ العِلْمِ لَدَيْهِم وعَلَى قُلُوبِهِم، إذ رَكِبُوا في تحْصِيلهِ الصَّعْبَ والذَّلُولِ، وقَطَعُوا البَرارِي والقِفَارَ، وامْتَطُوا مِنْ أَجْلِهِ المَخَاطِر والبِحَارِ، ولَقُوا مَا لَقُوا مِنَ الشَّدَائدِ والأَهْوَالِ مَا الله به عَلِيمٌ ....) (١). وبعد هَذِه المُقَدِّمة لأَهَمِّيةِ الرِّحْلَةِ في طَلَبِ الحَدِيث أَذْكُر ما قَامَ به الإمَامُ أَبو القَاسِمِ ابنُ مَنْدَه مِنْ رِحْلَات عِلْمِيَّةِ، فإنَّهُ لمَّا بَلَغَ الثَّالِثةَ والعِشرينَ مِنْ عُمُرهِ -وكانَ قد اسْتَوْفَى قِسْطًا مُهِمًّا مِن العَلْم على شُيُوخِ بَلَده أَصْبَهَانَ ومَا يُجَاوِرُها ومِنَ القَادِمينَ عَلَيْهَا- عَزَم على طَلَبِ المَزِيدِ، ومجُالَسةِ أَعْيَانِ العُلَمَاءِ. وكانتْ مَرَاكِزُ العِلْمِ مُنْتَشرِةً في طُولِ العَالِم الإسْلَامِيِّ وعَرْضهِ، والعُلَمَاءُ والمُحَدِّثُونَ والفُقَهَاءُ مُنْتَشِرُونَ في كَافَّةِ الأَصْقَاعِ، ولَكِنَّ الإشْعَاعَ كَانَ يَنْتَشرُ مِنْ مَرَاكِزَ اسْتَطَاعتْ أنْ تَسْتَقْطِبَ أَهْلَ العِلْمِ في الحَدِيثِ والرِّوَايةِ وغَيرها، واشْتَهَرت فيها حَلَقَاتُ التَّدْرِيسِ والسَّمَاعِ والإقْرَاءِ، وكانتْ بَغْدَادُ آنذاكَ مِنْ أَشْهَرِ المَرَاكِزِ العِلْميَّةِ التي كانَ يَتَوجَّهُ إليها الطَّلَبةُ، فَهِي كَمَا وَصَفَها بَعْضُ الأُدَبَاءِ: (كانتْ جنَّةَ الأَرْضِ، ومَدِينةَ السَّلَامِ، وقُبَّةَ الإسْلَامِ، ومجْمَعَ الرَّافِدَيْنِ، وغُرَّةَ البِلَاد، وعَينْ العِرَاقِ، ودَارَ الخِلَافةِ، ومجْمَعَ المَحَاسِنِ والطَّيِّبَاتِ، ومَعْدَنَ الظَّرَائِفِ واللَّطَائِفِ، وبِهَا أَرْبَابُ الغَايَاتِ في كُلِّ فَنٍّ، وآحَادُ الدَّهْرِ في كُلِّ نَوْعٍ) (٢).

стр. 32

وعَلَى الرَّغْمِ مِنْ تَدَنيِّ نُفُوذِهَا السِّيَاسِي إلى مُسْتَوى كَبِيرٍ -في بعض الأزمان- فَقَد حَافَظتْ عَلى دَوْرِها الرِّيَادِي، حَيْثُ ظَلَّتْ تجذِبُ طَلَبةَ الحَدِيثِ والفِقْه وبَقِيَّةِ العُلُومِ، ولمْ يَسْتَطِعْ أَيٌّ مِن المَرَاكِزِ الأُخْرَى في ذَلِك الوَقْت مِثْل مِصْرَ والشَّامِ والحِجَازِ، وبُلْدَانٍ أُخْرَى في خُرَاسَانَ وبِلَادِ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ أنْ تَنَالَ مِنْ أَهَمِّيةِ بَغْدَادَ ودَوْرِهَا. وقدْ عُرِفَ عَنْ أَهْلِ بَغْدَادَ أَنَّهُم أَرْغَبُ النَّاسِ في طَلَبِ الحَدِيثِ، وأَشَدُّهُم حِرْصا عَلَيْهِ وأَكْثَرهُم كَتْبًا له، قالَ الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ -وَهُو مُعَاصِرٌ لأَبي القَاسِمِ ابنِ مَنْدَه-: (وأَهْلُ بَغْدَادَ مَوْصُوفُونَ بِحُسْنِ المَعْرِفةِ، والتَّثَبُّتِ في أَخْذِ الحَدِيثِ وآدَابهِ، وشِدَّةِ الوَرَعِ في رِوَايتِهِ، اشْتُهِرَ ذَلِكَ عَنْهُم وعُرِفُوا به، حَتَّى قالَ إسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيَّةَ: (ما رأَيْتُ أَحْسَنَ رَغْبَةً في طَلَبِ الحَدِيثِ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ)، وقالَ سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ: (شُبَّانُ البَغْدَادِيينَ أَوْرَعُ أَو خَير مِنْ شُبَّانٍ مِنَ البَصْرَةِ والكُوْفَةِ)، وهذا قَالَهُ سُفْيَانُ مَعَ صحَّةِ رِوَايةِ البَصْرِيينَ الذينَ مَا زَالُوا بالتَّحَفُّظِ والوَرَعِ مَعْرُوفِينَ، وأَمَّا أَهْلُ الكُوْفَةِ، وأَهْلُ خُرَاسَانَ أَيْضًا فَلَهُم مِنَ الأَحَادِيثِ المَوْضُوعَةِ، والأَسَانِيدِ المَصْنُوعَةِ نُسُخٌ كَثِيرَةٌ، وقَلَّ مَا يُوجَدُ -بِحَمْدِ الله- في محُدِّثي البَغْدَادِيينَ مَا يُوجَدُ في غَيْرِهم مِنَ الاشْتِهَارِ بِوَضْعِ الحَدِيثِ والكَذِبِ في الرِّوَايةِ اخْتِصَاصًا لَهُم وتَوْفِيقًا مِنَ الله الكَرِيم، ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ والله ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ) (١).

стр. 33

وقدْ رَحَلَ أَبو القَاسِمِ إلى بَغْدَادَ سنة (٤٠٦)، وَهِيَ أَوَّلُ سَفْرَةٍ في طَلَبِهِ للعِلْمِ (١)، فَسَمِعَ فِيها مِنَ الإمَامِ الصَّالِحِ الثِّقَةِ الحُسَيْنِ بنِ الحَسَنِ بنِ مُحمَّدِ بنِ القَاسِمِ الغَضَائِرِيِّ البَغْدَادِيِّ (ت ٤١٤)، وسَمِعَ بِها أَيْضًا مِنْ أَبي مُحمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، المَعْرُوفِ بابنِ البَيِّعِ (ت ٤٠٨)، وعَبْدِ اللهِ بنِ يَحْيى بنِ عَبْدِ الجَبَّارِ السُّكَّرِيِّ (ت ٤١٧)، وأَبي الحَسَنِ أَحْمَدَ بنِ مُحمَّدَ بنِ الصَّلْتِ الأَهْوَازِيِّ (ت ٤٠٩)، وأَبي عُمَرَ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ مُحمَّدِ بنِ مَهْدِيٍّ (ت ٤١٠)، وهِلَالِ بنِ مُحمَّدٍ الحفَّارِ (ت ٤١٤) (٢). وسَمِعَ بِوَاسِطَ مِن ابنِ خَزَفةَ عَلِيِّ بنِ مُحمَّدِ بنِ عَلِيِّ الوَاسِطيِّ (ت ٤٠٩) وغَيْرِهم (٣). وحَجَّ حَجَّاتٍ، فَسَمِعَ بِمَكَّةَ مِنْ أَبي الحَسَنِ بنِ جَهْضَمٍ الهَمَذَانِيِّ (ت ٤١٤)، وابنِ نَظِيفٍ الفَرَّاءِ المَصْرِيِّ (ت ٤٣١)، وأَبي أُسَامةَ الهَرَوِيِّ المُقْرِئ وجَمَاعةٍ (٤). وارْتحَلَ أَيْضا إلى نَيْسَابُورَ (٥)، وسَمِعَ فِيها المُحَدِّثَ الثِّقَةَ أَبا سَعِيدٍ مُحمَّدَ بنَ

стр. 34

مُوسَى بنِ الفَضْلِ بنِ شَاذَانَ الصَّيرْفيَّ النَّيْسَابُورِيَّ، المتوفَّى سنةِ (٤٢١)، والإمَامَ الحَافِظَ المُصَنِّفَ أَبا بَكْرٍ أَحْمَدَ بنَ عَلِيِّ بنِ مُحمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ مَنْجُويه الأَصبَهَانِيِّ، نَزِيلَ نَيْسَابُورَ، المُتَوفَّى سنة (٤٢٨)، وسَمِعَ فِيها أَيْضًا الإمَامَ المُحَدِّثَ الجَلِيلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ حَمْدانَ النَّصْرَويِي النَّيْسَابُورِيَّ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٣٣)، والمُحَدِّثَ مُحمَّدَ بنَ عَبْدِ الله بنِ أَحْمَدَ الرِّزْجَاهِيَّ، وسَمِعَ فِيها أَيْضًا الإمَامَ الحَافِظَ مُسْنِدَ خُرَاسَانَ أَبا بَكْرٍ أَحْمَدَ بنَ الحَسَنِ الحِيْرِيَّ الشَّافِعيَّ قَاضِي القُضَاةِ (ت٤٢١)، ولكنْ قالَ الذَّهَبِيُّ: (مَا رَوَى عنهُ لا هو ولا أَبو إسْمَاعِيلَ الأَنْصَارِيُّ لأَشْعَرِيَّتهِ) (١).

стр. 35

وارْتحَل إلى مَرُو (١)، فَسَمِعَ بِهَا مُحمَّدَ بنَ أَحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ بنِ عَلِىِّ بنِ مَهْدِي الكُرَاعِيَّ. كَمَا ارْتحَلَ إلى بَلْخٍ (٢)، وكانَتْ حَاضرَةً عِلْميَّةً مَشْهُورَةً، فَسَمِعَ فِيها مِنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بنِ مُحمَّدٍ العَاصِميَّ.

стр. 36

وارْتحَلَ إلى دِينَورَ (١)، فَسَمِعَ فِيها مِنْ مُحمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَلِيِّ بنِ مَمُّويه المُقْرِئ (ت ٤١٤). وارْتحَل إلى الأَهْوَازِ، فَسَمِعَ فِيها مِنَ الفَقِيه عَلِيِّ بنِ عُمَرَ بنِ العبَّاسِ الشَّافِعيِّ. وسَافَر إلى الحِجَازِ، وهَمَذَانَ، وشِيرَازَ -عَاصِمةِ محُافِظَةِ فَارِسَ- وخُرَاسَانَ وغَيْرِها، وسَمِعَ مِنْ مَشَايِخِها.

стр. 37

المَبْحَثُ الخَامِسُ مَذْهَبُهُ الفِقْهِيِّ، وعَقِيدَتُهُ ١ - مَذْهَبُهُ الفِقْهِيِّ: كانَ أَبو القَاسِمِ فَقِيهًا حَافِظًا لِمَذْهَبِ الإمَامِ أَحْمَدَ، كَمَا هُو حَالُ أَهْلِ بَيْتهِ، ولَكِنَّهُ لمْ يَكُن مُتَعَصِّبا لِمَذْهَبهِ، بلْ رُبَّما خَالَفَهُ، واخْتَارَ مَا يَرَاهُ مُوَافِقًا لأَهْلِ الحَدِيثِ والسُّنَّةِ، وهَذه غَايةُ كُلِّ مُتِّبِعٍ، أنْ يَدُورَ مَعَ الحَقِّ حَيْثُما دَارَ، دُون التِفَاتٍ إلى مَنْ قالَ بهِ، ومَنْ لمْ يَقُلْ. وإليكَ مِثَالًا يَدُلُّ عَلَى التِزَامِ أَبي القاسِم بالسُّنَّةِ ومَا يَرَاهُ مُوافِقًا للدَلِيلِ، قالَ شَيْخُ الإسْلَامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ: إنَّ أَبا القَاسِمِ بنَ مَنْدَه كانَ مِنَ الأَصْحَابِ، وكانَ يَذْهَبُ إلى الجَهْرِ بالبَسْمَلةِ في الصَّلَاةِ، وذَكَرَ أنَّهُ مِمَّنْ كانَ يَذْهَبُ مِنَ الحَنَابلةِ إلى تَرْكِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ (١). ٢ - عَقِيدَتُهُ: كانَ أَبو القَاسِمِ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ (٢)، وكانَ حَرِيصًا على نَشْرِ العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وإظْهَارِ زَيْفِ مَا سِوَاهَا، شَدِيدًا عَلَى المُخَالِفِينَ عَنِ

стр. 38

السُّنَّةِ، جَرِيئًا بالحَقِّ، لَا تَأْخُذُهُ في اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فقدْ رَوَى ابنُ أَخِيه يَحْيَى بنِ عَبْدِ الوَهَابِ في كِتَابِ تَارِيخِ أَصْبَهَانَ عنه قالَ: (كَتَبْتُ عَنْ عَبْدِ اللِّهَ بنِ مُحمَّدِ بنِ عَقِيلٍ البَاوَرْدِيِّ جُزْأَيْنِ مِنْ حَدِيث أَحْمَدَ بنِ سَلْمَانَ فقالَ ليِ يَوْمًا: مَنْ لمْ يَكُنْ عَلَى مَذْهَبِ الاعْتَزَالِ فَلَيْسَ بمُسْلِمٍ، فَلَمَّا سَمِعْتُ منهُ هَذا القَوْلَ مَزَّقْتُ الجُزْأَيْنِ وتَرَكْتُ الرِّوايةَ عَنْهُ) (١)، وكانَ ﵀ شَدِيدًا عَلَى الأَشَاعِرَةِ (٢)، وتَقَدَّمَ

стр. 39

أنَّهُ سَمِعَ مِنْ الإمامِ أبي بَكْرٍ الحِيريِّ، إلَّا أنَّهُ لم يُحَدِّثْ عنهُ لأَشْعَرِيَّتهِ، وكانتْ له مَعَهُم محُاوَرَاتٍ ومُعَارَضاتٍ ومُنَاقَشَاتٍ، وأَلَّفَ في الرَّدِّ عليهم مُؤَلَّفَاتٍ،

стр. 40

سَنَذْكُرهَا في مَبْحَثِ مُصَنَّفَاتهِ، ومِنْ مُؤَلَّفَاتهِ التي وَصَلَتْنا في الرَّدِّ عَلَيْهِم كِتَابُ (الرَّدُّ على مَنْ يَقُولُ أَلْم حَرْفٌ لِيَنْفِى الأَلِفَ واللَامَ والميمَ عَنْ كَلَامِ الله وَهُو يَنْصُرُ اعْتِقَادَ أَهْلِ السُّنَّةِ بأنَّ القُرْآنَ الكَرِيم المَسْطُورُ مَا بَين الدَّفَتَيْنِ هُو كَلَامُ اللهِ تَعَالىَ بِحُرُوفهِ ومَعَانِيه جَمِيعًا، ولَيْسَ منهُ شيءٌ مخلُوقٌ، وأنَّ الله تَكَلَّم بِحُرُوفهِ العَرِبيَّةِ التِّي مِنْها: الأَلِفُ، واللَامُ، والمِيمُ، وفيِ هَذا رَدٌّ على الأَشْعَرِيَّةِ ومُوَافِقِيهم مِنْ أنَّ (أَلْم) حَرْفٌ، لِيُبْطَلَ كَوْنَ كَلَامِ الله حُرُوفًا مُتَعَدِّدَةً، وَهُو غَير مخْلُوقٍ، ولَكِن هذه الحُروفُ عِبَارَةٌ عنهُ ودِلَالةٌ عَلَيْه، وَهِي مخلُوقَةٌ. وكانَ مَنْهَجُه في العَقِيدةِ يَقُومُ على التَّسْلِيمِ المُطْلَقِ لِمَا جَاءَ في كِتَابِ الله وسُنَّةِ رَسُولهِ ﷺ ، والمُتَابَعَةِ البَاطِنَةِ والظَّاهِرَةِ لِمَا جَاءَ فِيهِما، فقالَ: (عَلَامةُ الرِّضَا إجَابَةُ الله ﵎ مِنْ حَيثُ دَعَا بالكِتَابِ والسُّنَّةِ، وعَلَامةُ الوَرَعِ الخُرُوجُ مِنَ الشُّبُهَاتِ بالأَخْبَارِ والآياتِ، وعَلَامةُ القَنَاعةِ السُّكُوتُ عَلَى الكِتَابِ والسُّنَّةِ في الوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ، وعَلَامَةُ الإخْلَاصِ زِيَادَةُ السرِّ عَلَى الإعْلَانِ في إيْثَارِ قَوْلِ اللهِ تَعَالىَ، وقَوْلِ رَسُولهِ ﷺ عَلَى الأَقَاوِيْلِ كُلِّهَا بالإيمْانِ والاحتِسَابِ، وعَلَامةُ الصَّبرْ حَبْسُ النَّفْسِ في اسْتِحْكَام الدَّرْسِ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ، وعَلَامَةُ التَّسْلِيمِ الثِّقَةُ باللِّه الحَكِيمِ في قَوْلهِ، والسُّكُونِ إلى الله العَظِيمِ بِقَوْلِ رَسُولهِ ﷺ في جَمِيعِ الأَشْيَاءِ) (١). وقالَ ابنُ أَخِيه أَبو زَكَرِيَّا يَحْيى بنُ عَبْدِ الوَهَابِ بنِ مُحمَّدِ بنِ مَنْدَه: (كانَ عَمِّى سَيْفًا عَلَى أَهْلِ البِدَعِ، وَهُو أكْبرُ مِنْ أَنْ يُثْنِي عَلَيْهِ مِثْلِي، كانَ وَاللِّه آمِرًا بالمَعْرُوفِ،
следующие страницы →