← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كتاب القبس في شرح موطأ مالك بن أنس لأبي بكر بن العربي المعافري الجزء الأول درَاسَة وتحقيق الدكتور محمد عبد الله ولد كريم دار الغرب الإسلامي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربنَا عليك توكلنَا وإليك أنبنا وإليك المصِير هذا الكتاب رسالة دكتوراه قدمت إلى كلية الشريعة والدراسات الاسلامية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة بتأريخ ٢١/ ٨/ ١٤٠٦ هـ الموافق ٣٠/ ٤/ ١٩٨٦ وحصلت على درجة الامتياز في الكتاب والسنة.

стр. 3

كتاب القبس ١

стр. 4

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٩٩٢ دار الغرب الإسلامي ص. ب: ٥٧٨٧/ ١١٣ بيروت - لبنان

стр. 5

كلمة شكر وتقدير الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد .. فإني أشكر الله تعالى على فضله حيث أتاح لي إنجاز هذا العمل بفضله، فله الحمد أولاً وآخراً. ثم أشكر أولئك الأخيار الذين مدوا لي يدَ المساعدة، خلال هذه الفترة، وفي مقدمتهم أستاذي المشرف على الرسالة فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد العال أحمد عبد العال الذي لم يدَّخر جهداً في مساعدتي، فقد فتح لي بيته، كما هي عادته مع كل طلبة العلم، وكنت أجلس معه الساعات الطوال أقرأ عليه ولا يجد في ذلك حرجاً، وكان يحثّني على البحث، ويرغِّبني فيه، ويقوّي عزيمتي عليه فله من الله الأجر ومني كل تقدير حفظه الله ومتّعه بالصحة والعافية ونفع بعلومه. كما أشكر القائمين على جامعة أم القرى وعلى رأسهم معالي الدكتور/ راشد بن راجح الشريف، مدير الجامعة، وسعادة العمداء: الدكتور/ عليان الخازمي العميد السابق لكلية الشريعة والعميد الحالي لكلية اللغة العربية، والدكتور/ علي عباس الحكمي العميد السابق لكلية الشريعة ووكيله الدكتور حمزة حسين الفعر، كما أشكر سعادة عميد كلية الشريعة الحالي سعادة الدكتور/ صالح بن عبد الله بن حميد.، ووكيله سعادة الدكتور سليمان التويجري حفظهما الله ووفقهما لكل خير لما يبذلانه من اهتمام بطلاب كلية الشريعة بصفة عامة وطلاب الدراسات العليا بصفة خاصة. كما أشكر القائمين على الدراسات العليا وكذلك القائمين على مركز البحث العلمي وخاصة مديره سعادة الدكتور عبد الرحمن العثيمين.

стр. 6

وكذلك القائمين على مكتبة الحرم المكي، فقد عايشتهم فترة إعداد هذه الرسالة، ولمست منهم كل مساعدة وخاصة أمين المكتبة الرجل المتواضع الحريص على مساعدة طلاب العلم الأستاذ/ عبد الله المعلمي، وأشكر أساتذتي بقسم الدراسات العليا عموماً وأخصّ أستاذي الدكتور أحمد محمَّد نور سيف، والدكتور الشريف منصور العبدلي، وكذلك الدكتور محمَّد أبو الأجفان الأستاذ بجامعة الزيتونة بتونس. والأستاذ محمَّد أبو خبزة أمين المخطوطات بمكتبة تطوان بالمغرب، والأستاذ أحمد جكنه البلعمشي رئيس مصلحة التراث بالمغرب. كما أشكر الزملاء الأخ إبراهيم محمَّد نور سيف، الأستاذ بالجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة، وسعادة الدكتور بابا بن بابا والشيخ حمد أبو بكر الملا، والأخ رضا محمَّد صفي الدين السنوسي، والأخ عبد الله أحمد ومحمد بن دحان. فإلى هؤلاء جميعًا وغيرهم من الأخوان أقدم شكري. والله أسأل أن يجزيهم عني خير الجزاء لما قدموه لي من مساعدة طيبة.

стр. 7

المقدمة الحمد لله العليم الحكيم باعث الرسل هادين إلى طريقه المستقيم، والصلاة والسلام على من جاء رحمة للعالمين ومنقذاً للبشرية من الشر والضلال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء/ ١٠٧] نبينا محمَّد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فإنما الهدى هدى الله وقد اشتمل عليه كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. والسنة النبوية بعد القرآن الكريم أشرف العلوم وأعلاها؛ إذ هي المبينة لمشكله، المفصّلة لمجمله، المخصّصة لعامه، المقيّدة لمطلقه وفيها أسند الله إلى رسوله، ﷺ ، بيان القرآن (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل/ ٤٤]. وكان بيانه ﷺ معصوماً موفقاً ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم/ ٣ - ٤]. ولولا بيان السنة للقرآن لما عرفنا كثيراً من الأحكام كأعداد الصلوات والركعات ومقادير الزكاة ومناسك الحج. وقد أمر الله تعالى، عند التنازع، بالرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللِه والرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله﴾ [النساء/ ٥٩]. وقال: (فَلَا ورَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فَيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء/ ٦٥]. لهذا تضافرت جهود المحدثين لخدمة السنة النبوية واهتموا بحفظها وتدوينها اهتمامًا بالغاً، فقد نقل الصحابة، رضوان الله عليهم، لنا أقوال رسول الله، ﷺ ، وأفعاله كلها من مطعم ومشرب ويقظة ونوم وقيام وقعود، فلم يتركوا شيئاً صدر عنه، ﷺ ، إلا نقلوه. وكان من شدة حرص الصحابة على تلقّي السنة من الرسول، ﷺ ، أنه إذا كانت

стр. 8

لأحدهم حاجة تمنعه من الحضور إلى رسول الله، ﷺ ، ينوب أحد إخوانه فينقل له ما سمعه من رسول الله، ﷺ . ففي البخاري عن عمر بن الخطاب قال: كنتُ أنا وجار لي من الأنصار في بني أُميّة بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله، ﷺ ، ينزل يومًا وأنزل يوماً، فإذا نزلتُ جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وإذا نزل فعل مثل ذلك .. (١). وهكذا كان اهتمام الصحابة، ومن بعدهم، في حفظ السنة ونقلها جيلاً بعد جيل، رواية وحفظاً، دون اعتماد على كتابة أو تدوين. لذا لم تكن الأحاديث في عصر النبي، ﷺ ، وعصر أصحابه والتابعين مدوَّنة في الجوامع، ولا مروية, لأنهم كانوا، في بداية الأمر، نُهُوا عن الكتابة. روى مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله، ﷺ ، قال: "لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهِ وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ. وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً .. فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (٢) وذلك مخافة اختلاط القرآن الكريم بغيره. وبعد أن رسخ حفظ الصحابة للقرآن ولم يُخْشَ خلطهم له بسواه أذِن رسول الله، ﷺ ، لبعض الصحابة بالكتابة. فقد روى الإِمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: "كنت أكتب كلَّ شيء أسمعه من رسول الله، ﷺ ، أريد حفظه فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله، ﷺ ، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا. فأمسكت عن الكتابة فذكرت ذلك لرسول الله، ﷺ ، فقال: "أُكْتبْ فَوَالَّذِي نفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنّي إلّا حَقٌ" (٣). وهكذا ثبت النهي عن كتابة الحديث، وثبت الأمر بها وكلا الأمرين حق. يقول الدكتور أكرم ضياء العمري: ذهب بعض العلماء إلى أنّ أحاديث السماح بالكتابة نسخت أحاديث النهي عنها، وذلك بعد أن رسخت معرفة الصحابة بالقرآن فلم يُخشَ خلطهم له بسواه. وممن ذهب إلى النسخ من المتقدمين ابن قتيبة الدينوري، ومن

стр. 9

المعاصرين الشيخ أحمد شاكر. وهذا الرأي لا يتعارض مع تخصيص بعض الصحابة مثل عبد الله بن عمرو بالإذن في وقت النهي العام لأن إبطال المنسوخ بالناسبخ لا علاقة له ولا تأثير في تخصيص بعض أفراد العام قبل نسخه (١). وفي رأس القرن الثاني نشطت حركة تدوين الحديث بعناية الخليفة العادل عمر ابن عبد العزيز؛ فقد كتب إلى أبي بكر بن حزم: (انظر ما كان من حديث رسول الله، ﷺ ، فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ولا تقبل إلا حديث النبي، ﷺ ، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً) (٢). وكان محمَّد بن شهاب الزهري، أحد أئمة العصر، استجاب لطلب عمر بن عبد العزيز، وكان شغوفاً بجمع الحديث والسيرة، بجمع حديث المدينة وقدّمه إلى عمر ابن عبد العزيز الذي بعث إلى كل أرض دفتراً من دفاتره (٣). وبذلك مهّد الطريق لمن بعده من العلماء المصنفين في القرن الثاني الهجري حيث نشطت حركة تدوين الحديث، ودأب العلماء على ذلك، وكان لفشو الوضع في الحديث أثر في تأكيدهم على التدوين حفظاً للسنّة ومنعاً للتلاعب بها (٤). وشاع التدوين في الطبقة التي تلي الزهري. وممن اشتهر بوضع المصنفات: عبد الملك بن جريج (ت ١٥٠) بمكة، ومحمد ابن إسحاق (ت ١٥١) بالمدينة، ومالك بن أنس (ت ١٧٩) بالمدينة، وسفيان الثوري (ت ١٦١) بالكوفة، والربيع بن صبيح (ت ١٩٠) وسعيد بن أبي عروبة (ت ١٥٦) وحماد ابن سلمة (ت ١٧٦) بالبصرة، والأوزاعي (ت ١٥٨) والليث بن سعد (ت ١٧٥) بمصر، وعبد الله بن المبارك بخراسان وغيرهم (٥). وقد ألّفتْ الكتب على أغراض مختلفة منها على المصنفات كمصنف ابن أبي شيبة (ت ٢٣٥)، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١ هـ).

стр. 10

كما ألفت الكتب على المساند كمسند أبي داود الطيالسي (ت ٢٠٤)، ومسند الإِمام أحمد (ت ٢٤١)، ومسند بقي بن مخلد (ت ٢٧٦). كما ألفت كتب مرتَّبة على أبواب الفقه، وممن سلك هذا الطريق محمَّد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦)، وجرى على منواله الإِمام مسلم بن الحجاج النيسابوري (٢٦١) في صحيحه، وقد تابعهم في الترتيب على أبواب الفقه معاصروهم والمتأخرون عنهم مثل: أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٣) في سننه. ابن ماجه محمَّد بن يزيد (ت ٢٧٣) في سننه. الترمذي محمَّد بن عيسى بن سورة الترمذي (ت ٢٧٩) في جامعه. النسائي أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي (ت ٣٠٣) في سننه. وقد اعتبر العلماء القرن الثالث أسعد عصور السنة وأزهاها؛ ففيه دُوِّنت الكتب الستة التي اعتمدها الأئمة ونشطت رحلة العلماء، وكان اعتمادهم على الحفظ والتدوين معاً فكان النشاط العلمي قوياً خلاله .. لذلك اعتبر الذهبي رأس سنة ثلثمائة للهجرة الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين من نقاد الحديث (١). سبب اختياري للموضوع: لما كان موطّأ مالك بن أنس، ﵁، من أهم دواوين السنة، وهو الكتاب الذي اشتمل على صحيح الحديث وعلى المأثور عن الصحابة والتابعين وعمل أهل المدينة وعلى الكثير من الآراء الفقهية والأحكام الشرعية التي قال بها إمام دار الهجرة، أحببت أن يكون موضوع رسالتي، وقد نال هذا الموطّأ عناية كثير من العلماء الذين صنَّفوا في أسانيده وشرحوا متنه وأولوه اهتمامهم البالغ. وإن كانت طُبعت بعض هذه الشروح ويُسِّر للناس الاستفادة منها، فإن بعضها ما زال ضمن المخطوطات النادرة التي لا تصل إليها أيدي القراء بيسر، ولا تتحقق الاستفادة منها لطبقة واسعة من رواد الحديث والفقه، ومن هذه الشروح البعيدة عن أيدي عامة القراء: كتاب القبس في شرح موطّأ مالك بن أنس للقاضي أبي بكر بن العربي المعافري الأشبيلي المتوفى (٥٤٣ هـ).

стр. 11

كان أول اتصالي بهذا الأثر الأندلسي النفيس عندما كنت في تركيا سنة ١٩٧٨ م أبحث في مكتباتها الثرية عما يتعلق برسالتي التي كنت أعدها لنيل شهادة التخصص الأول الماجستير- في الحديث، وموضوعها أبو أيوب الأنصاري ومروياته في مسند الإِمام أحمد، عثرت عليه هناك. وعندما تصفحته وقرأت بعض مسائله استهواني أسلوبه وحسن عرضه للمسائل، وحاولت تصويره فلم يتأتَّ لي ذلك للصعوبات القائمة إزاء التصوير بتركيا في ذلك العهد، فأرجأت تصويره وعزمت على جعله موضوع أطروحتي لنيل درجة الدكتوراه. ولما يسَّر الله لي الحصول على درجة الماجستير عرضت فكرة تحقيق كتاب القبس على أستاذي الكبير العلّامة السيد أحمد صقر، الذي قبل مشكوراً الإِشراف علي عملي، فوافق عليها ورأى هذا الكتاب جديراً بالتحقيق، وقد أخذته، في البداية، كاملاً تم اقتصرت، فيما بعد، على نصفه لظروف حلَّت بي جعلتني لا أستطيع إنهاءه في المدة النظامية، وقد وافق مجلس القسم مشكوراً على طلبي وهو الاقتصار على نصف الكتاب ورأوا أنه يغطي رسالة دكتوراه. ويرجع أهم الدواعي لاختياري لهذا الموضوع للنقاط التالية: ١ - أهمية هذا الأثر الأندلسي الجليل الذي يُعدُّ من عيون المؤلفات التي صنَّفها أعلام المالكية. ٢ - اشتماله على الكثير من الأحكام التي استنبطها مؤلفه. ٣ - ما فيه من تعمّق في الشرح والبيان والتفصيل للمسائل. ٤ - ما امتاز به من حسن الترتيب وبراعة التقسيم. ٥ - غزارة الفوائد التي اشتمل عليها من فنون مختلفة كالحديث والفقه واللغة والأصول. ٦ - إبرازه المسائل واتخاذ العناوين المختلفة لها. ٧ - قيمة المؤلف، أبي بكر بن العربي، الذي كان من ألمع رجال المذهب المالكي بالأندلس، وقد اكتمل نبوغه بعد رحلته المشرقية، التي قام بها في سن مبكرة، واتصل فيها بأشهر العلماء المحاصرين له واحتك بهم احتكاكًا علميًا واستفاد منهم، وكانوا يمثَّلون مختلف المذاهب الإِسلامية من حنفية وشافعية وحنبلية ومالكية.

стр. 12

خطة البحث وقد رأيت أن تكون خطتي في العمل كما يلي: فقد جعلته في مقدمة وبابين وخاتمة. المقدمة وتناولت فيها الكلام على كتابة السنة في العصور المتقدمة وأول من صنّف فيها وعن سبب اختياري للموضوع. أما الباب الأول: فقد اشتمل على خمسة فصول: الفصل الأول: حياة أبي بكر بن العربي وفيه ثلاثة مباحث. المبحث الأول: في اسمه ونسبه وكنيته وأسرته. المبحث الثاني: في عقيدته. المبحث الثالث: ويشتمل على خمسة مطالب. المطلب الأول: الأعمال التي قام بها والوظائف التي شغلها. المطلب الثاني: إنفاقه ماله في سبيل الخير. المطلب الثالث: طعن العلماء عليه. المطلب الرابع: جهاده. المطلب الخامس. وفاته. الفصل الثاني: حياة القاضي العلمية وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: نشأته وطلبه للعلم. المبحث الثاني: رحلته العلمية. المبحث الثالث: ويشتمل على ثلاثة مطالب. المطلب الأول: شيوخه. المطلب الثاني: تلاميذه.

стр. 13

المطلب الثالث: أولاده وأحفاده. المبحث الرابع: مكانته العلمية. المبحت الخامس: العوامل التي ساعدت على نبوغه. الفصل الثالث. الموطأ وعناية الأمة به وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الكلام على الموطّأ. المبحث الثاني: اهتمام المغاربة بموطأ يحيى بن يحيى دون غيره. المبحث الثالث: شروح الموطّأ قبل ابن العربي وبعده. الفصل الرابع: مصنفاته. الفصل الخامس: كتاب القبس وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: اسم الكتاب ونسبته إلى المؤلف. المبحث الثاني: تاريخ تأليفه. المبحث الثالث: نسخ الكتاب ووصفها. المبحث الرابع: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: منهج ابن العربي في كتاب القبس. المطلب الثاني: مزايا الكتاب. المطلب الثالث: المآخذ. الباب الثاني: قسم التحقيق: وقد نهجت في عملي فيه الخطوات التالية: ١ - نسخت النسخة الأولى التي حصلت عليها من مكتبة جامعة أم القرى المركزية والتي أصلها في تركيا. ٢ - صححت الأخطاء الواردة في المخطوطة والتي تخالف قواعد الصرف والنحو. ٣ - وبعد فترة قمت برحلة لجمع نسخ الكتاب وقد قادتني إلى تونس وإسبانيا والمغرب وحصلت على النسخ التي يأتي وصفها. ٤ - قابلت النسخ التي حصلت عليها بالأصل، الذي كان عندي، حيث أثبتُّ في الهامش كل الفروق إلا ما لا تدعو الحاجة إلى إثباته. ٥ - وضعت أرقاماً للآيات مع ذكر السورة. ٦ - وثَّقت الأحاديث والآثار من المصادر التي ترجع إليها.

стр. 14

٧ - شرحت بعض الألفاظ الغريبة. ٨ - حكمت على الأحاديث والآثار. ٩ - نسبت الأقوال الفقهية إلى أصحابها. ١٠ - ترجمت للأعلام الواردة في الكتاب. ١١ - أشرت إلى نهاية الورقة في نسخة الأصل من المخطوطة ورمزت للوجه الأيمن بحرف "أ" وبحرف "ب" للوجه الأيسر. ١٢ - عرَّفت بأهم البلدان والمدن. ١٣ - عملت خاتمة للبحث. ١٤ - عملت فهارس فنية. ١٥ - فهرس للآيات. ١٦ - فهرس للأحاديث. ١٧ - فهرس للشعر. ١٨ - فهرس للأعلام. ١٩ - فهرس للمراجع. ٢٠ - فهرس للمواضيع. الرموز المستعملة: ت ت: تهذيب التهذيب ت: تقريب التهذيب النهاية: النهاية في غريب الحديث والاثر لابن الأثير التلخيص: تلخيص الحبير للحافظ ابن حجر الدراية: الدراية في تخريج أحاديث الهداية له أيضاً الفتح: فتح الباري شرح صحيح البخاري له أيضاً التذكرة: تذكرة الحفاظ للذهبي

стр. 15

الباب الأول حياته وسيرته

стр. 16

الفصل الأول حياته الاجتماعية المبحث الأول نسبه هو الإِمام أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن أحمد المَعَافِري (١) المعروف بابن العربي المالكي القاضي، أحد حفّاظ الأندلس من أهل أشبيلية. ولد بأشبيلية في ٢٢ من شعبان سنة (٤٦٨ هـ) (٢). فهو عربي الأصل قال ابن حزم، وهو يتحدث عن نسب بني معافر: وهم باليمن والأندلس ومصر، وذكر منهم بني أبي عامر بقرطبة، وآل جحاف ببلنسية، وبني فنحل بجيان .. وهم بيوت متفرقة بالأندلس ليست لهم دار جامعة. (جمهرة أنساب العرب ص ٤١٨ - ٤١٩). ووالده هو الفقيه الوزير أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن العربي. وتجمع المصادر التي ترجمت له على أنه كان من وجوه وعلماء أشبيلية ومن أعيانها المبارزين وكان علّامة أديباً. قال الذهبي: هو الإِمام الأديب ذو الفنون أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد ابن العربي الأشبيلي والد القاضي أبي بكر. صحب ابن حزم وأكثر عنه وكان ذا بلاغة ولسن وإنشاء [سير اعلام النبلاء ١٩/ ١٣٠].

стр. 17

وقال ابن خلّكان: كان من أهل الآداب الواسعة والبراعة والكتابة. [وفيات الأعيان ٤/ ٢٩٧]. ويقول المقري: كان بأشبيلية بدرًا في فلكها وصدراً في مجلس ملكها اصطفاه معتمد بني عباد اصطفاء المأمون لابن أبي دواد وولّاه الولايات الشريفة وبوّأَه المراتب المنيفة [نفح الطيب ٢/ ٣٤]. أسرته من جهة أمه: كانت أسرته، من جهة أمه، أسرة عريقة لها مكانة مرموقة بأشبيلية، فقد صاهر أبوه، عبد الله بن العربي، أسرة تشاطره الرياسة وهي أُسرة أبي حفص عمر بن الحسن الهوزني (٣٩٢ - ٤٦٠). فهو عالم الأندلس ومحدِّثها، زاحَم المعتضد بن عبّاد في أشبيلية ففتك به وقتله بيده. يقول ابن بسّام: أُفضي أمر أشبيلية إلى عبّاد، وأبو حفص، يومئذ، ذات نفسها وآية شمسها وناجذها الذي عنه تبتسم، وواحدها الذي بيده ينقضي ويبرم، وكانت بينه وبين عبّاد، قبل إفضاء الأمر إليه ومدار الرياسة عليه، ائتلاف الفرقدين وتناصر اليدين واتصال الأذن بالعين. ولما كانت سنة ٤٠٠ هـ رحل إلى المشرق ثم عاد إلى الأندلس واستقر بأشبيلية سنة (٤٥٨ هـ) ولقيه المعتضد بأعلى المحل وفوَّض إليه من الكثير والقلّ وعوَّل عليه في العقد والحلّ، فلما كان يوم الجمعة لإِحدى عشرة خلت لربيع الأول سنة (٤٦٠ هـ) أحضره القصر وباشر قتله بيده فلم ينل عبّاد بعده سولًا ولا متع بدنياه إلا قليلًا (١). كانت هذه الفعلة الشنيعة سبباً في ضياع ملك بني عباد فيما بعد؛ فقد حرص أبو القاسم الهوزني، وهو العالم الأديب والفقيه المشار إليه بالبنان بأشبيلية، أن ينتقم لوالده. وقد ساعده على تلك المهمة سوء العلاقة بين دولة المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين وبين أمراء أشبيلية، فاتصل أبو القاسم بيوسف وجعل يحرَّضه على ابن عباد حتى أطاح به وأزال ملكه وأخذه سجيناً عنده (٢).

стр. 18

المبحث الثاني عقيدته قبل التعرض لعقيدته ينبغي التنبيه على أن المغرب لم يعرف قبل دولة الموحّدين إلا العقيدة السلفية الصحيحة. قال الذهبي: قال اليسع بن حزم: سمى ابن تومرت المرابطين بالمجسمين وكان أهل المغرب يدينون بتنزيه الله تعالى عما لا يليق بجلاله تعالى مع تركهم الخوض عما تقصر العقول عن فهمه (١). ويقول المراكشي: دان أهل المغرب، في عهد المرابطين، بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علم الكلام، وقرر الفقهاء، عند أمير المسلمين، تقبيح علم الكلام وهجرهم من ظهر عليه شيء منه وأنه بدعة في الدين وربما أدّى إلى اختلال في العقائد (٢). ولم تتعزز العقيدة الأشعرية وتنتشر إلا بعد أن قوّاها سلطان ابن تومرت (ت ٥٢٤) وكان جلّ ما يدعو إليه الاعتقاد على رأي أهل الكلام، وألَّف لهم -أي لقومه- كتاب (أعز ما يطلب) ووافق المعتزلة في شيء والأشعرية في شيء (٣)، وسار من بعده على منهجه خليفته عبد المؤمن بن علي وأولاده. وابن تومرت وإن كان وفد على أهل المغرب بهذه العقيدة فإنه كان وفد بها قبله القاضي ابن العربي وذلك لأن مصدرهما واحد وهو الغزالي، أخذاها عنه ببغداد في فترات متفاوتة، وعندما عاد القاضي إلى وطنه نشر هذه العقيدة بين طلابه وبثَّها في كل كتبه، فلم يخلُ منها كتاب، وأفردها بكتب كالعواصم من القواصم والمقسط والمتوسط، والغريبين. والمطالِع لكتبه يلمس ذلك جلياً؛ فهو، ﵀، إمام العقيدة الأشعرية بالأندلس وهناك بعض الأمثلة من كتبه: فهو عندما تكلَّم على شرح حديث: ينزل ربُّنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل، ثم تكلم عليه إلى أن قال: والنزول حركة، والحركة لا تجوز على الله ، فلم يبقَ إلا العدول عن

стр. 19

حقيقة النزول إلى مجازه وهو النزول بالمعاني، [القبس ص ٢٨٤]. وقال في العواصم: النزول على وجهين: نزول حركة ونزول إحسان وبركة، إلى أن قال: فما بثَّ الله من رحمته إلى سماء الدنيا على الخلق، في تلك الساعة، عبّر عنه بالنزول فيه عربية صحيحة [العواصم ص ٢٩٣]. وقد تابع، ﵀، الكلام في الصفات على هذا المنوال وهو المنهج المعروف لدى الأشاعرة في تأويل الصفات، وهو يردُّ على كلِّ من لم يسلك هذا الطريق وتمسّك بالعقيدة السلفية الصحيحة، ﵀ وسامحه، وكان الأجدر به والأولى وهو الإِمام البحر أن يكون سلفي العقيدة داعياً إليها. يقول، ﵀: ثم جاءت طائفة قالت إنه فوق العرش بذاته، وعليها شيخ المغرب أبو محمَّد عبد الله بن أبي زيد (ت ٣٨٩)، فقالها للمتعلمين فدكت بقلوب الأطفال والكبار [العواصم ٢٩٠ - ٢٩١]. هذه أمثلة من مذهبه في العقيدة والذي يتَّضح فيه جلياً مخالفة عقيدة السلف، وقد رددنا على كل ما ورد من ذلك خلال هذا الكتاب وأرجعناه إلى عقيدة السلف التي ندين الله بها، ونذهب إلى ما ذهب إليه السلف من السكوت عن التأويل والإيمان بما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة، وننزِّه الله سبحانه عن الكيف والتشبيه بخلقه ونقول، كما قال البيهقي: وأسلمها الإيمان بلا كيف، والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار إليه. نقله الحافظ في الفتح ٣/ ٣٠، وقال ابن عبد البر: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك ولا يجدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئاً منها على الحقيقة، ويزعمون أنَّ من أقر بها مشبه وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله، ﷺ . [التمهيد] ويقول القرطبي في تفسيره: السلف الأول، ﵃، لا يقولون بنفي الجهة، ولا ينطقون بذلك بل نطقوا، هم والكافة، بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابُه وأخبرت رسلُه، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة ثم ساق قول مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة. [تفسير القرطبي ٧/ ٢١٩].

стр. 20

المبحث الثالث وفيه خمسة مطالب المطلب الأول الأعمال التي قام بها والوظائف التي شغلها وُلِّي القاضي أبو بكر بن العربي القضاء، وقد أجمع كل الذين ترجموا له أنه كان مثال العدل والاستقامة وحسن القيام بأمر القضاء. فمثلًا يقول النباهي: وُلِّي القضاء مدة أولها رجب سنة ٥٣٨ فنفع الله به لصراحته ونفوذ أحكامه، والتزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى أوذي في ذلك بذهاب كتبه وماله فأحسن الصبر على ذلك كله ثم صُرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم وبثّه (١). وقال الذهبي. وُلِّي قضاء أشبيلية فحمدتْ سياسته، وكان ذا شدة وسطوة فعُزل وأقبل على نشر العلم وتدوينه (٢). وكان بداية توليه القضاء كما يقول صاحب البيان المغرب [٤/ ٩٢ - ٩٤]، في سنة ٥٢٨ هـ. فقد قال: أصدر علي بن يوسف بن تاشفين مرسوماً بتولية أبي بكر بن العربي قضاء أشبيلية يحمل تاريخ منسلخ جمادي الثانية سنة (٥٢٨ هـ). ويشير لنا القاضي، ﵀، في كتاب العواصم إلى تولِّيه القضاء فيقول: ولقد حكمتُ بين الناس فألزمتهم الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يك يرى في الأرض منكر. واشتد الخطب على أهل الغضب وعظم على الفسقة الكرب وألبسوا وثاروا إليّ. واستسلمت لأمر الله وأمرت كل من حولي ألا يدافعوا عن داري وخرجت من السطوح بنفسي فعاثوا علي وأمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن المقدار لكنت قتيل الدار (٣). ويقول في الأحكام: كنت أيام تولية القضاء قد رفع إليّ قوم خرجوا محاربين إلى رفقة فأخذوا منهم امرأة مغالبة على نفسها من زوجها ومن جملة المسلمين معه فيها فاحتملوها،

стр. 21

فجدَّ فيهم الطلب فأُخذوا وجيىء بهم، فسألت من كان ابتلاني الله به من المفتين فقالوا: ليسوا محاربين لأن الحرابة إنما تكون في الأموال لا في الفروج، فقلت لهم: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ألم تعلموا أن الحرابة في الفروج أفحش منها في الأموال، وأن الناس كلهم ليرضَون أن تذهب أموالهم وتُحْرب من أيديهم ولا يُحرب المرء من زوجته وبنيه، ولو كان فوق ما قال الله عقوبةٌ لكانت لمن يسلب الفروج وحسبكم من بلاء صحبة الجهال وخصوصاً في الفتيا والقضاء (١). ولم تدم مدته في القضاء بل لم يجلس فيه إلا سنة وأشهراً. يقول صاحب البيان المغرب ٤/ ٩٣: ولم تمضِ سنة وأشهر على ولايته القضاء حتى ثارت الغوغاء في وجهه ونُكب، فانصرف عن القضاء أو صُرف عنه والتحق بقرطبة، وبها جماعة من محبيه ومعارفه، فانقطع للعلم والبحث وقد استراح من أعباء القضاء. ولمّا وصل إلى قرطبة أقبل عليه طلبة العلم للاستفادة منه ومذاكرته والاستماع إلى دروسه. يقول عنه أحد طلابه وهو أبو القاسم: كنا نبيت معه في منزله بقرطبة، فكانت الكتب عن يمينه وعن شماله، وإذا غلبه النوم نام ومهما استيقظ مدّ يده إلى كتاب وكان مصباحه لا ينطفئ الليل كله (٢). ويسوق لنا المراكشي قصة ثورة السفهاء على القاضي بقوله: وثارت السفلة بأشبيلية على قاضيهم أبي بكر بن العربي؛ وذلك أنه كان له في عقاب الجناة اختراعات مهلكات ومضحكات فانتدب أنفساً جملة صلبًا وضربًا وسِيق إليه أحد الزمرة فأمر بضرب يديه وثقب شدقيه .. وظلّ ابن العربي يوالي التشدد والتسلط حتى ثقل على الفساق والأشرار فهاجروا (٣). المطلب الثاني إنفاقه ماله في سبيل الخير كان ابن العربي من أثرياء الأندلس، وكان ينفق ماله في سبيل الخير. يقول عنه الذهبي: اشتهر اسمه وكان رئيساً محتشماً وافر الأموال بحيث أنشأ على أشبيلية سوراً من ماله (٤).

стр. 22

المطلب الثالث طعن العلماء عليه لموالاته للسلطان قال ابن الأبّار إن الإِمام الزاهد أبا عبد الله بن مجاهد الأشبيلي لازم القاضي ابن العربي نحوًا من ثلاثة أشهر ثم تخلّف، فقيل له في ذلك فقال: كان يدرس وبغلته عند الباب ينتظر الركوب إلى السلطان. [نقلاً عن المقري في نفح الطيب ٢٩/ ٢]. ونقل الذهبي عن أبي يحيى اليسع بن حزم أنه وُلِّي القضاء فمُحِنَ وأصبح تتحرك بآثاره الألسنة ويأتي بما أجراه عليه القدر النوم والسنة، وما أراد إلا خيراً. نصب السلطان عليه شباكه وسكن الإدبار حراكه فأبداه للناس صورة تذم وسورة تتلى لكنه تعلَّق بأذيال الملك ولم يجرِ مجرى العلماء في مجاهدة السلاطين وحزبهم بل داهن. [سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢٠٢]. وهناك مظهر آخر من مظاهر سخط العلماء عليه وإنكارهم عليه، وإن كان بغير حق. يقول الذهبي: قرأتُ بخط ابن مسدي (١)، في معجمه، أخبرنا أحمد بن محمَّد بن مفرج (٢) النباتي سمعت ابن الجد الحافظ وغيره يقولون حضر فقهاء أشبيلية فتذاكروا حديث المِغْفَر فقال ابن المرخي (٣): لا يُعرف إلا من حديث مالك عن الزهري (٤). قال ابن العربي: قد رويتُه من ثلاثة عشر طريقاً غير طريق مالك، فقالوا أفدنا هذا فوعدهم ولم يخرج لهم شيئاً وفي ذلك يقول خلف بن خير الأديب (٤): يا أهل حمص ومن بها أوصيكم ... بالبر والتقوى وصية مشفقِ فخذوا عن العربي أسمار الدّجى ... وخذوا الرواية عن إمام متَّقِ إن الفتى حلو الكلام مهذب ... إن لم يجد خبراً صحيحاً يخلقِ قال الذهبي، تعقيباً على هذا القول، قلت: هذه حكايته باردة لا تدل على تعمُّد،

стр. 23

ولعلَّ القاضي، ﵀، وَهِمَ وسرى ذهنه إلى حديث آخر، والشاعر يخلق الإفك ولم أنقم على القاضي، ﵀، إلا إقذاعه في ذمّ ابن حزم واستجهاله له، وابن حزم أوسع دائرة من أبي بكر في العلوم وأحفظ بكثير، وقد أصاب في أشياء وأجاد، وزلق في مضايق لغيره من الأئمة والإنصاف عزيز، [سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣، وانظر تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٩٦ - ١٢٩٧]. وقد صوَّب الحافظ، ﵀، رأي ابن العربي فقال في النكت ٢/ ٦٥٥، وابن مسدي تعقَّب هذه الحكاية بأن شيخه فيها كان متعصباً على ابن العربي (يعني فلا يقبل قوله فيه) قال الحافظ: قلت وهو تعقُّب غير مرضي، بل هو دالّ على قلة اطلاع ابن مسدي، وهو معذور, لأن أبا جعفر بن المرجي، راويها في الأصل، كان مستبعداً لصحة قول ابن العربي بل هو وأهل البلد حتى قال قائلهم. وساق الأبيات السابقة. وعنى بأهل حمص أهل أشبيلية فلما حكاها أبو العباس النباتي لابن مسدي، على هذه الصورة، ولم يكن عنده اطلاع على حقيقة ما قاله ابن العربي فاحتاج من أجل الذبّ عن ابن العربي أن يتهم النباتي حاشا وكلَّا ما علمنا عليه من سوء بل ذلك مبلغهم من العلم. وقد تتبعتُ طرف هذا الحديث فوجدته كما قال ابن العربي من ثلاثة عشر طريقاً عن الزهري غير طريق مالك بل أزيد، وساق تلك الطرق ثم قال فهذه طرق كثيرة غير طريق مالك عن الزهري عن أنس، ﵁، فكيف يجمل ممن له ورع أن يتهم إماماً من أئمة المسلمين بغير علم ولا اطلاع. ولقد أطلتُ في الكلام، على هذا الحديث، وكان الغرض منه الذبّ عن أعراض هؤلاء الحفّاظ والإرشاد إلى عدم الطعن والرد بغير اطلاع، وآفة هذا كله الإطلاق في موضع التقييد. فقول من قال من الأئمة إن هذا الحديث تفرَّد به مالك عن الزهري ليس على إطلاقه وإنما المراد بشرط الصحة. وقول ابن العربي إنه رواه من طرق غير طريق مالك إنما المراد به في الجملة سواء صح أو لم يصح فلا اعتراض ولا تعارض. وما أجود عبارة الترمذي في هذا فإنه قال، بعد تخريجه، لا يعرف كبير أحد رواه عن الزهري غير مالك، وكذا عبارة ابن حبان لا يصح إلا من رواية مالك عن الزهري، فهذا التقييد أولى من ذلك الإطلاق.

стр. 24

المطلب الرابع جهاده كان، ﵀، من العلماء المجاهدين في الله لإعلاء كلمة الله فكان، ﵀، يحث الحكام والمحكومين على الجهاد ويشارك في كل المعارك. وعندما حصلت المواجهة بين المسلمين والصليبيين في معركة (كتندة)، من أعمال سرقسطة ببلاد الأندلس، سنة (٥١٤ هـ) قام المسلمون جميعاً يقودهم الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين وكانت هذه المعركة من أشدّ المعارك على المسلمين، وقد اشترك فيها القاضي ونجا فيها بفضل الله. يقول عن ذلك ابن الأبار: يوم (كتندة) المشهور بالثغر الأعلى، يوم الخميس لست بقين من ربيع الآخر من تلك السنة (أي سنة ٥١٤ هـ)، وحقت على المسلمين الهزيمة .. وقد قتل فيها من المتطوعة نحو عشرين ألفاً، ولم يقتل فيها من العسكر، يعني الجند، أحد .. وكان القاضي أبو بكر بن العربي حضرها وسئل عن تخلّصه منها عن حاله فقال: حال من ترك الخباء والعباءة [المعجم لابن الأبار ص ٤ - ٥]. ويشير، ﵀، إلى دوره البارز في تحريض المسلمين على الجهاد في حادثة أخرى بعد الحادثة الأولى بثلاث عشرة سنة، وبالتحديد سنة (٥٢٧ هـ). فيقول: ولقد نزل بنا العدو: قصمه الله، سنة سبع وعشرين وخمسمائة، فجاس ديارنا وأسر جيرتنا وتوسَّط بلادنا في عدد هال الناس عددُه وإن لم يبلغ ما حدَّدوه فقلت للوالي والمولى عليه: هذا عدوُّ الله وقد حصل على الشرك والشبكة فلتكن عندكم بركة، ولتظهر منكم إلى نصرة دين الله المتعينة عليكم حركة، فليخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع هذه الأقطار فيخاطبه فإنه هالك لا محالة، إن يسَّركم الله له، فغلبت الذنوب ووجفت القلوب بالمعاصي، وصار كل أحد ثعلباً يأوي إلى وجاره وإن رأى المكروه بجاره، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل ... فكيف بنا وعندنا عهد الله ألَّا نسلم إخواننا إلى الأعداء، وننعم وهم في الشقاء، وأن نملك بالحرية وهم أرقاء يالله لهذا الخطب الجسيم نسأل الله التوفيق للجمهور والمنة بصلاح الأمر والمأمور. [الأحكام ٢/ ٩٥٥ - ٩٥٦]. وفي سنة ٥٢٢ هـ خرج مع الأمير أبي بكر بن يوسف بن تاشفين للغزو في الثغور الشرقية للأندلس. انظر التكملة ص ١/ ٣٥٠.

стр. 25

المطلب الخامس وفاته وتاريخها ومكانها لما اضطربت أمور الدولة المرابطية بالأندلس، وهي الدولة التي كان القاضي يتمتع فيها بكامل الاحترام، خاف القاضي، إن لم يقم بتأييد الحكم الموحدي الجديد، أن يؤذَى فعبر البحر إلى المغرب على رأس وفد كبير من علماء أشبيلية وأعيانها، وقدَّم الوفد الولاء للخليفة عبد المؤمن بن علي بمراكش عقب افتتاحها من قبل الموحدين. يقول الأستاذ عبد الله عنان: وحدث خلال وجود عبد المؤمن بمراكش أن قدم عليه من الأندلس وفد أشبيلية، وعلى رأسه القاضي أبو بكر بن العربي بعد مقتل ولده عبد الله في حوادث أشبيلية، والخطيب أبو عمر بن الحجاج، وأبو بكر بن الجد الكاتب، وأبو الحسن الزهري، وأبو الحسن بن صاحب الصلاة وغيرهم من زعماء أشبيلية ووجوهها. فاستقبلهم عبد المؤمن وألقى القاضي أبو بكر، وبعض زملائه، بين يديه خطباً بليغة ورفعوا إليه بيعة أهل أشبيلية مكتوبة بخطوطهم، فاستحسن عبد المؤمن موقفهم وقبل طاعتهم وأغدق عليهم الجوائز والصلات .. وكان لهذا الوفد أثره فيما بعد من إيثار الموحدين لأشبيلية واتخاذها حاضرة الأندلس في عهدهم. [عصر المرابطين والموحدين بالأندلس ١/ ٢٦٧]. وما أن انتهت مهمة الوفد وقفل راجعًا إلى وطنه، حتى أدركت القاضي الوفاة سنة (٥٤٣ هـ)، كما يقول ابن بشكوال في الصلة ص ٥٩١، والمقري في نفح الطيب ٢/ ٢٨، والضبي في البغية ٨٨، وابن فرحون في الديباج ٢/ ٢٥٦. كلهم يقولون: توفي، ﵀، قرب مدينة فاس منصرفه من مراكش. ويحكي ابن فرحون الخلاف في مكان دفنه فيقول: حُمِل ميتاً إلى مدينة فاس ودفن بها بباب الجيسة والصحيح خارج باب المحروق من فاس [الديباج ٢/ ٥٦]. قلت: وما رجَّحه ابن فرحون هو الذي رجَّحه المقري في نفح الطيب ٢/ ٣٠. فقال: وقد حبسوا بمراكش نحو عام ثم سرحوا فأدركته منيته. ووقع في عبارة ابن الزبير تبعاً لجماعة أنه دُفن خارج باب الجيسة بفاس والصواب خارج باب المحروق .. وينقل الحجوي، عن ابن خلدون، أن وفاته كانت سنة ٥٤٢ هـ، وذلك بعد ما قتل ولده عبد الله في هيئة دخول الموحدين إلى أشبيلية من غير قصد، فضاعف الله له الأجر، وقال الأول أصح أي أنه سنة ٥٤٢ هـ. وقال عن سبب الوفاة قيل: إنه مات مسموماً، ولا يبعد ذلك إذا صح أنه بني سور مدينته من ماله لأن استبداد الملوك يأبى ذلك ويورث المغيرة. [الفكر السامي ٢/ ٢٢٣].

стр. 26

الفصل الثاني في حياة ابن العربي العلمية المبحث الأول نشأته وطلبه للعلم نشأ ابن العربي في أسرة علم ومكانة اجتماعية رفيعة، فقد كان البيتان المحيطان به من أهم البيوتات بأشبيلية، وقد اعتنى به أبوه عناية فائقة وعنه أخذ تعليمه الأول وكذلك خاله أبو القاسم الهوزني وأبو عبد الله السرقسطي. يقول المقرى: سمع بالأندلس من أبيه وخاله أبي القاسم الحسن الهوزني وأبي عبد الله السرقسطي (١)، ومما لا شك فيه أنه قد ابتدأ التعليم في سن مبكرة حفظ فيها القرآن وعلم القراءات وأجاد اللغة والحساب. يقول: لم يأت على ابتداء الا شد، في العام السادس عشر، إلا وأنا قد قرأت من أحرف القرآن نحواً من عشرة بما يتبعها من إدغام وإظهار وقصر ومدّ وتخفيف وشدّ وتحريك وتسكين ... وجمعت من العربية فنوناً، وتصرفت فيها تمريناً، وحفظت كتيراً من أشعار العرب والمحدثين، وقرأت اللغة وعلم الحساب، وسمعت جملة من الحديث على المشيخة ويذكر قبل هذا أنه حفظ القرآن وهو ابن تسع سنين (٢).

стр. 27

المبحث الثاني رحلته إلى الشرق قبل الخوض في تفاصيل رحلته لا بد من التنبيه على أهمية الرحلة ودوافعها عند العلماء. وهي عند ابن العربي ترجع إلى عاملين: علو الإِسناد، والثاني لقاء العلماء ومذاكرتهم, لأن أئمة الحديث كانوا أشد الناس اهتماماً بالرحلة ومقاساة مشقتها، وذلك اهتماماً منهم بسنَّة المصطفى، ﷺ ، وخدمة لها ولأهلها، وقياماً بواجبهم وتأدية لأمانة التبليغ، وقد أجمل الخطيب، ﵀، مقصود الرحلة في أمرين فقال: المقصود بالرحلة في الحديث أمران: أحدهما: تحصيل علو الإِسناد وقدم السماع. والثاني: لقاء الحفّاظ والمذاكرة لهم والاستفادة عنهم. فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب ومعدومين في غيره فلا فائدة من الرحلة، فالاقتصار على ما في البلد أوْلى. [فتح المعنيث ٢/ ٨٧]. ويقول ابن خلدون إن الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعلم، والسبب في ذلك أنّ البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ينتحلون به من المذاهب والفضائل تارةً علماً وتعليماً وإلقاءً، وتارة محاكاة وتلقيناً بالمباشرة، إلَّا أنَّ حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكاماً وأقوى رسوخاً، فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها .. فالرحلة لا بدَّ منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال [مقدمة ابن خلدون ص ٥٤١]. وللأسباب السابقة كانت رحلة القاضي أبي بكر من الأندلس إلى المشرق ليحصل مقاصد الرحلة في طلب العلوم بصفة عامة والحديث بصفة خاصة. ويحدد ابن العربي ملامح الرحلة بقوله: خرجنا مكرمين أو قل مكرهين آمنين وإن شئت خائفين، ففررت منكم لما خفتكم، فوهب لي ربّي حكماً وجعلني من المرسلين وكتبني في أتباع من قال: ﴿إنّي ذَاهِبٌ إلَى رَبّي سَيهْدِينِ﴾ [الصافات/ ٩٩]. فكان أول بلدة دخلت مالقة (١)، فألفيت بها أمة رأسهم الشعبي (٢) أشهر ما عنده نسبه

стр. 28

وعنده رواية ومسائل ولديه حشمة، وله عند الأمراء قدم وجاه. ثم طرقت غرناطة (١) إلى المرية (٢) فرأيت بها رجالات في المسائل والقراءات وأدباء متوسطي المنزلة بين درجتي التقصير والكمال في أيام قلائل لبثت بها لم أخبر بها حالهم فربّك أعلم بهم. وركبت البحر إلى بجاية (٣) فرأيت فيها جماعة من أهل المسائل ولقيت بها محمَّد بن عمّار الميورقي (٤) رأساً فيهم، وربما كانت عنده في الأصول إشارة تومئ إلى المراد منسوجة على منوال الباجي ونظرائه. ويتابع القاضي جمع والده رحلتهما طوراً بالبر وطوراً بالبحر، وقد أحاط بهم الكرب واشتدت الأنواء ومرا في طريقهما على بونة (عنّابة (٥) حالياً) ولقيا بها بعض الشخصيات ودخلا تونس وزارا سوسة ثم نزلا المهدية. يقول ابن العربي. ثم دخلت سوسة (٦) والمهدية (٧) ولقيت بها جملة من فقهاء القيروان .. فأخذت في قراءة شيء من أصول الدين والمناظرة فيها مع الطالبين ولزمت مجالس المتفقهين. سفره من تونس إلى الحجاز وما حل به في هذه المرحلة من الرحلة: يقول ابن العربي: فلما حان وقت إقلاع المركب في البحر إلى ديار الحجاز اعتزمنا فركبناه بعد أن وعيت جملاً من المعلومات، فركبنا وقد سبق في علم الله أن يعظم علينا البحر بزوله (٨) ويغرقنا في هوله فخرجنا من البحر خروج الميت من القبر، وانتهينا، بعد خطب طويل، إلى بيوت بني كعب من سليم ونحن من السغب على عطب، ومن العري في أقبح زي، فقد قذف البحر رقاق زيت مزقت الحجارة هيئتها ودسمت الأدهان وبرها وجلدتها فاحتزمناها أزراً واشتملناها لففاً تمجنا الأبصار وتخذلنا الأنصار، فعطف أميرهم

стр. 29

علينا، لعِرقٍ كان فيه من الحضر، وخفرنا بحرمة أورثتها عنده سجية مصرية؛ إذ كان نشأ في ديار الإِسكندرية ودرت عليه هناك الدرة الدينية، فآوينا إليه فآوانا وأطعمنا الله على يديه وسقانا وأكرم مثوانا وكسانا بأمر حقير طفيف وفن من العلم طريف، وشرحه أنّا، لما وقفنا على بابه، ألفيناه وهو يدير بأعواد الشاه فعل السامد اللاه فدنوتُ منه، في تلك الأطمار، وسمح لي بيادقته، إذ كنت من الصغر في حد يسمح فيه للأغمار، ووقفت بإزائهم أنظر إلى تصرفهم من ورائهم، إذ كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة في مجلس البطالة مع غلبة الصبوة فقلت للبيادقة: الأمير أعلم من صاحبه. فلمحوني شزرًا عظمتُ في عيونهم بعد أن كنت نزراً، وتقدم إلى الأمير مَنْ نقل إليه الكلام فاستدناني فدنوت منه فسألني هل لي بما هم فيه بصر؟ قلت له فيه بعض نظر سيبدو لك ويظهر. حرِّكْ تيك القطعة ففعل، وعارضه صاحبه فأمرته أن يحرَّك أخرى وما زالت الحركات بينهم كذلك تترى حتى هزمه الأمير وانقطع التدبير .. واقبلوا يتعجَّبون مني ويسألون كم سنّي ويستكشفونني عني. فبقرتُ لهم حديثي وذكرت لهم نجيثي، وأعلمتُ الأمير بأنّ معي أبي، فاستدعاه وقمنا الثلاثة إلى مأواه، فخلع علينا خلعه وأسبل أدمعه، وجاء كلّ خوان بأفنان الألوان .. وأقمنا عنده حتى ثابت إلينا نفوسنا وذهب عنا بؤسنا وسألنا الإِقامة عنده .. فأبينا إلا الاستمرار على العزيمة الأُولى والتصميم إلى المرتبة الكريمة التي كانت بنا أوْلى ففارقناه على ضنانة بنا وحرص علينا (١). وصوله إلى مصر: وبوصول القاضي ووالده إلى مصر بدأت بدأت الحقيقية؛ فقد دخلا إلى الإِسكندرية ولم يطل مقامهما بها وواصلا سيرهما إلى الفسطاط (القاهرة حالياً)، وبذلك تكون الرحلة الحقيقية بدأت منها. وكان وصولهما إلى تلك الديار في ذي الحجة من تلك السنة التي خرجا فيها وهي سنة (٤٨٥ هـ). وكان الحكم بمصر في تلك الفترة بيد المستنصر أبي تميم معد (٢) والدعوة الفاطمية

стр. 30

قائمة والعلماء في خمول يكاد لا يوصف. ويسجل لنا القاضي رحلته بأسلوبه الأدبي فيقول: فألفينا بها جماعة من المحدِّثين والفقهاء والمتكلِّمين، والسلطان عليهم جريء وهم من الخمول في سرب خفي ومن هجران الخلق بحيث لا يرشد إليهم حري، ولا ينبسون من العلم ببنت شفة ولا ينسب أحد منهم في فن إلى معرفة بله الأدب (١). قلت: ورغم ما ذكر من الركود العلمي، والذي صوَّره ابن العربي، فقد كان هناك علماء أجلّاء أخذ عنهم رأسهم شيخ الشافعية في وقته وهو أبو الحسن الخلعي. يقول عنه ابن العربي: شيخ منعزل له علوّ في الرواية. وأخذ أيضاً عن الشيخ أبي الحسن بن أبي داود الفارسي بعض مجالسه بالفسطاط، ومهدى الوراق وغيرهم. ولم يلبث القاضي مدة بمصر حتى تكشفت له بعض العقائد الفاسدة كعقائد الإِسماعيلية الفاطمية، وذكر أنها أول بدعة واجهته. يقول: وهذه أول بدعة لقيت في رحلتي؛ فإني خرجت من بلادي على الفطرة، فلم ألقَ في طريقي إلا مَنْ كان على سنن الهدى، حتى بلغت بلاد هذه الطائفة وزرت بها قبر عمرو بن العاص فلبثت فيهم ثمانية أشهر لم يبق باطل إلا سمعته، ولا كفر إلا شوفهت به ثم خرجت عنهم إلى الشام، [العواصم ص ٥٩ - ٦٠]. وتردد القاضي على مجالس القراء بمصر وسجل إجابه بقوله: سمعت تاج القرّاء ابن لفتة بجامع عمرو يقرأ: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء/ ٧٩]. فكأني ما سمعت لآية قط [وسمعت ابن الرفا، وكان من القراء العظام، وأنا حاضر بالقرافة يقرأ ﴿كهيعص﴾ فكأني ما سمعتها قط. [الأحكام ١٥٩٦]. وبعد إقامته بمصر ثمانية أشهر توجَّه إلى بيت المقدس. مغادرته مصر إلى بيت المقدس: وكان وصوله سنة ٤٨٦ هـ، كما سيأتي عنه وكانت بيت المقدس -ردَّها الله لديار الإِسلام وأزاح عنها شر اليهود ومن شايعهم- مركزاً من أهم مراكز الإِشعاع الفكري يجتمع فيها العلماء من كل المذاهب، ولكل مذهب مدارسه وأئمته. وكانت هذه المدارس محلاً للمناظرات. ومن أجل هذا الجو العلمي آثر ابن العربي لبقاء أطول مدة في هذه الديار؛ فقد مكث فيها ما يزيد على ثلاثة أعوام.

стр. 31

ويقول ﵀ في وصف حالته في تلك الديار: رحلنا عن ديار مصر إلى الشام ودخلنا الأرض المقدسة، وبلغنا المسجد الأقصى فلاحَ لي بدرُ المعرفة فاستنرت به أزيد من ثلاثة أعوام، وحين صلّيت بالمسجد الأقصى، فاتحة دخولي له، عمدت إلى مدرسة الشافعية فألفيت بها جماعة من علمائهم، في يوم اجتماعهم للمناظرة، عند شيخهم القاضي الرشيد يحيى، الذي كان استخلفه عليهم شيخنا الإِمام الزاهد نصر بن إبراهيم النابلسي المقدسي، وهم يتناظرون على عادتهم، فكانت أولى كلمة سمعتها من شيخ من علمائهم يقال له مجلي .. فلم أفهم من كلامه حرفًا ولا تحقَّقت منه ذكراً ولا عرفاً، وأقمت حتى انتهى المجلس. [قانون التأويل، قسم التحقبق ٢٥ - ٢٦]. وبعد انتهاء هذا الدرس، الذي لم يقدِّر الله له فهمه وهو من هو ذكاء، جمع كتبه وذهب إلى مدرس آخر ولكنه هذه المرة ابن بلده وهو الطرطوشي. يقول ابن العربي: ومشيتُ إلى شيخنا أبي بكر الفهري، ﵀، مع أبي فألفيناه بباب السكينة فشاهدت هديه وسمعت كلامه فامتلأت عيني وأذني منه، وأعلمه أبي بنيتي فأناب وطالعه بعزيمتي فأجاب، وانفتح لي به إلى العلم كل باب ونفعني الله به في العلم والعمل ويسَّر لي على يديه أعظم أمل، فاتخذت بيت المقدس مباءة. والتزمت فيه القراءة لا أقبل على دنيا ولا أكلِّم إنسيا، نواصل الليل بالنهار. أدخل إلى مدارس الحنفية والشافعية في كل يوم لحضور التناظر بين الطوائف لا تلهينا تجارة ولا تشغلنا صلة رحم ولا تقطعنا مواصلة وليّ وتقاة عدو. [قانون التأويل قسم التحقيق ص ٢٦ - ٢٧، رسالة ماجستير للأخ محمَّد السليماني]. هكذا كانت فترة إقامته؛ فقد كانت كلَّها عملاً دائبًا وسعياً متواصلاً في سبيل البحث والدرس، استطاع خلالها أن يدرس أُمَّهات العلوم الشرعية من تفسير وحديث وفقه وأصول وجدل وعلم كلام ولغة وأدب وتاريخ وسِيَر مما جعله يتصدر قائمة العلماء. ويصف لنا، ﵀، ازدهار العلم ببيت المقدس ومظاهر الحضارة وتعدد المذاهب والنحل فيقول: وردت على بيت المقدس، طهره الله، فألفيت فيه ثمان وعشرين حلقة ومدرستين. إحداهما للشافعية بباب أسباط، والأخرى للحنفية بإزاء قمامة، تعرف بمدرسة أبي عقبة، وكان فيه من رؤوس العلماء ورؤوس المبتدعة، على اختلاف طبقاتهم، كثيرٌ ومن أحبار اليهود والنصارى والسمرة جملٌ لا تحصى. فأوفيت على القصد من طريقه ووعيت

стр. 32

العلم بتحقيقه ونظرت إلى كل طائفة تناظر وناظرتها بحضرة شيخنا أبي بكر الفهري، ﵀، وغيره من مشيخة أهل السنة [العواصم ص ٦١]. مشاهداته ببيت المقدس: كان، ﵀، مولعاً بحب الاستطلاع، مغرماً بالرغبة في التجول وقد دفعه إلى التجول في كل أنحاء فلسطين. فهو يصف محرابَ داود بقوله: شاهدت محراب داود، ﵇، في بيت المقدس، بناء عظيماً من حجارة صلدة لا تؤثر فيها المعاول، طول الحجر خمسون ذراعاً وعرضه ثلاثة عشر ذراعاً، وكلما قام بناؤه صغرت حجارته، يُرى له ثلاثة أسوار لأنه في السحاب أيام الشتاء كلها لا يظهر لارتفاع موضعه وارتفاعه في نفسه. [الأحكام ص ١٥٩٨]. وشاهد قبر يوسف، ﵇، وزاره يقول: شاهدت قبره في قبلة قبور آبائه، إبراهيم وإسحاق وزوجاتهم في قبلة الحرم الذي فيه هذه القبور. زرناه مراراً وذكرنا الله فيه. [العارضة ٤/ ٢٧٤]. وزار مسجد عمر بن الخطاب، ﵁، لما فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس .. واتخذ به مسجداً رأيته وصلَّيت فيه ما لا أحصي. [العارضة ٩/ ٤٦، وانظر ١٣/ ٢٧٧]. كما أنه دخل باب حطة وهو الباب الذي أمر بنو إسرائيل بالدخول منه، وهو الباب الثامن من أبواب المسجد، وهو من جهة القبلة معلوم مذكور. قال ابن العربي: دخلته سنة (٤٨٦ هـ) وسجدت وخضعت وقلت: لا إله إلا الله. اللهم أحطط عني ذنبي واغفر لي، وبقيت فيه أعواماً، وكل مرة أكرِّرها وأكثر من الدخول والقول سمعنا وأطعنا والحمد لله رب العالمين. [العارضة ١١/ ٧٨]. ودخل نابلس وسجل لنا عفَّة نسائها بقوله: ولقد دخلت نابلس، وهي قرية من ترى المنجنيق لإبراهيم ﵇، فما رأيت أحسن منه، وسكنته مدة وتردَّدت عليه مرارًا فما وقعت فيه عيني على امرأة نهاراً حتى إذا كان يوم الجمعة امتلأ منهن ثم لا تقع عين عليهن إلا الجمعة الأخرى [القبس ل ٢٨ ب]. دخوله عسقلان: دخل مدينة عسقلان وأقام بها ستة أشهر انغمر فيها مع رجال الأدب فهو يقول: خرجت إلى عسقلان متساحلًا ألفيت بها بحْرَ أدبٍ يعبُّ عبابه ويغبِّ ميزابه فأقمت لا أرتوي

стр. 33

منه نحوًا من ستة أشهر. [قانون التأويل قسم التحقيق ص ٣٣ من رسالة ماجستير بجامعة أم القرى تحقيق الأخ محمَّد السليماني]. قلت: لم يذكر هؤلاء الشيوخ الذين أخذ عنهم، كما لم تتعرَّض المصادر لذكرهم. ويقول، في موضع آخر: نزلت إلى الساحل لأغراض نصصتها في كتاب ترتيب الرحلة، وكان الساحل المذكور مملوءاً من النِحَل الملحدة والمذاهب الباطنية والإمامية، فطوَّفت في مدن الساحل لأجل تلك الأغراض الدينية نحوًا من خمسة أشهر. [العواصم: ص ٦١]. خروجه من عسقلان ومنها إلى عكا فدمشق: وخرجت عن عكا إلى طبرية على حوران والبثنية، وعدلت عن بصرى إلى دمشق. [العواصم ص ٧٥]. إعجابه بقرّاء بيت المقدس: كان ابن الكازروني يأتي إلى المسجد الأقصى ثم تمتَّعنا به ثلاث سنوات، وكان يقرأ في مهد عيسى فيسمع من في الطور فلا يقدر أحد أن يصنع شيئاً طول قراءته إلا الاستماع إليه. [الأحكام ص ١٥٩٦]. وصوله إلى دمشق: يشير سياق الرحلة إلى أنه وصل دمشق سنة ٤٨٩ هـ، فهو يقول في سياق الحديث عن طبرية: وقفت عليها في جمادي الأولى سنة (٤٨٩ هـ) وأقمت عليها أياماً. [العارضة ٩/ ٨٩]. ومن المعلوم أنه مرَّ بطبرية في توجهه إلى دمشق. ويقول في وصف دمشق أثناء كلامه على هذه الآية (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُما إلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمعينٍ﴾ [المؤمنون/ ٥٠]. دمشق في موضع مرتفع تتشقّق منه الأنهار العظيمة، وفيها الفواكه البديعة من كل نوع، وقد اتُّخذ بها مسجد يُقصد إليه وُيتعبد فيه. [الأحكام ص ١٣١٥]. ويصف مظهرًا عجيباً من مظاهر الترف، الذي كان شائعاً آنذاك بدمشق، فيقول إنه دخل بيوت بعض الأكابر ورأى فيه النهر جائياً إلى موضع جلوسهم، ثم يعود من ناحية أخرى فلم أفهم معنى ذلك حتى جاءت موائد الطعام في النهر المقبل إلينا، فأخذها الخدم ووضعوها بين يدينا، فلما فرغنا ألقى الخدم الأواني في النهر الراجع فذهب بها إلى ناحية الحريم من غير أن يقرب الخدمُ تلك الناحية فعلمت السرَّ وإن هذا لعجيب. [نفح الطيب ٢/ ٣٣].

стр. 34

أما عن الشيوخ الذين أخذ عنهم بدمشق فيقول: صمدنا إلى دمشق وفيها جماعة من العلماء رأسهم شيخ الوقت سناء وسناً وعلماً وديناً نصر بن إبراهيم المقدسي النابلسي وأصحابه متوافرون، وهم على سبيل أهل الأرض المقدسة سائرون، وفي مدرجتهم سالكون وبتلك الدرجة متمكنون. فلزمنا شيخنا نصر بن إبراهيم في السّماع وانتهينا إلى سماع كتاب البخاري، بعد تقدم غيره عليه، وكان يقرؤه علينا بلفظه لثقل سمعه. [قانون التأويل قسم التحقيق ص ٣٦ رسالة ماجستير لأخينا محمَّد السليماني]. قلت: وسيأتي أنه أخذ بدمشق عن عدة شيوخ غير نصر بن إبراهيم. توجهه إلى العراق: غادر ابن العربي، مع والده، دمشق متوجهاً إلى بغداد منسلخ شعبان سنة (٤٨٩ هـ). وكانت بغداد، في ذلك الوقت، من أكبر مراكز العلم في العالم الإِسلامي، فكانت محط رحال العلماء من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. أنشأ بها نظام الملك، الوزير السلجوقي ٤٨٦، المدرسة النظامية وافتتحت رسمياً سنة (٤٥٩ هـ) (١)، وقد جلب إليها من شيوخ العلم وحفّاظ الحديث مما أهَّلها لأن تصبح جامعة ذلك العصر. ويصف القاضي رحلته من دمشق إلى بغداد بقوله: خرجنا إلى العراق .. يوم الأحد منسلخ شعبان سنة (٤٨٩ هـ). فبينا نحن نقطع المفازة إلى ماء يقال له الأطواء أهلَّ علينا هلال رمضان فكبَّر الناس والتفت إليّ أبي، ﵀، يكبر بتكبيرهم فما صرفت بصري إليه كراهية في جهة المغرب التي كان بها وتشوقاً إلى جهة المشرق التي كنت أؤملها: [قانون التأويل، قسم التحقيق ص ٣٨]. أول درس سمعه بعد هذا الشوق الشديد إلى بغداد وعلمائها: بلغنا بغداد فنزلنا بها، وخرجت إلى جامع الخليفة يوم الجمعة فصلّيت وجلست إلى حلقة حسين الطبري (٢)، النائب في ولاية التدريس بالدار النظامية في ذلك الوقت. [قانون التأويل ص ٣٨ - ٣٩]. ويصوِّر ما شاهد هناك فيقول: اتصل بنا المسير إلى دار السلام فألفيت بها من رؤساء

стр. 35

العلم ورؤوسه وأشياخ الملَّة وأحبارها ما يملأ الخافقين فقلت هذه ضالتي التي كنت أنشد [العواصم ص ٧٥ - ٧٦]. وكان يلازم فخر الإِسلام الشاشي ويصفه بفقيه الوقت وإمامه فهو يقول: فاوضت العلماء وواظبت المجالس واختصصت بفخر الإِسلام أبي بكر الشاشي، فقيه الوقت وإمامه، فطلعت لي شموس المعارف فقلت الله أكبر هذا هو المطلوب الذي كنت أحمد، والوقت الذي كنت أرقب وأرصد، فدرست وقيَّدت وارتويت وسمعت ووعيت. [قانون التأويل ص ٤٠ - ٤١]. ورغم أن ابن العربي لم تطل إقامته هذه المرة ببغداد لأنه على نية العودة إليها ثانية فقد قيَّد على الكثير من الشيوخ سيأتي ذكرهم. توجهه إلى الحجاز: كان توجُّهه إلى الديار المقدسة في هذه السنة أي سنة (٤٨٩ هـ) في شهر ذي القعدة. وكما يصف هو ذلك لنا فيقول: لما كانت سنة (٤٨٩ هـ) أهلّ علينا هلال ذي الحجة ليلة الخميس بالدبرة فرحلنا عنه وقد فرح الناس بوقفة الجمعة ليجتمع لهم فضل اليومين، فضل يوم عرفة وفضل يوم الجمعة، ولأن حج النبي، ﷺ ، أيضاً كان يوم الجمعة، فبتنا بمكان يقال له المسجد ثم رجعنا سحراً. فلما صلّينا الصبح وأشرقت الشمس إذا بقافلة البلقاء نرى فيها النفر المحرمين بالثياب البيض بين الناس فقلت: ما هذا؟ قال لي بعضهم: هم الشيعة لا يحرمون من ميقات عمر (ذات عرق). قلت: فمن أين لهم هذا؟ قال لي: يزعمون أن علياً خرج من الكوفة فأحرم من هذا الماء. قلت له: ومن روى هذا؟ قال لي: هم رووه. [العارضة ٤/ ٤٩ - ٥٠]. وصوله إلى مكة: وحرصه على أن يحجَّ حجَّ النبي، ﷺ ، ونقده لفعل بعض الحجيج، يقول ﵀: مررت من ذات عرق، فألفيت الحاج كلَّه بائناً بعرفة وليس على من فعل ذلك شيء، ولكنه ترك فعل رسول الله، ﷺ ، ولقد خاب من تركه. [العارضة ٤/ ١١٠]. ويقول في موضع آخر: وأما أنا فجئت مراهقاً من ذات عرق إلى الموقف ليلة عرفة نصف الليل فأصبحت بها ووقفت من الزوال يوم الجمعة سنة (٤٨٩ هـ)، ثم دفعت بعد غروب الشمس إلى المزدلفة فبتُّ بها ثم أصبحت فوقف بها الأمير حتى طلعت الشمس على

стр. 36

قدح، فلما عممت الجبال دفعنا فرمينا الجمرة وحلقت وذبحت لفدية كانت علي ثم دخلت مكة وطفت وسعيت وصلّيت بها الظهر. [العارضة ٤/ ١٥٣]. شربه زمزم بنية العلم والإيمان: ولقد كنت بمكة مقيماً في ذي الحجة سنة (٤٨٩ هـ)، وكنت أشرب ماء زمزم كثيراً، وكلما شربته نويت به العلم والإيمان حتى فتح الله لي في المقدار الذي يسَّره لي من العلم، ونسيت أن أشربه للعمل وياليتني شربته لهما حتى يفتح الله علي فيهما ولم يقدر، فكان صغوي إلى العلم أكثر منه إلى العمل نسأل الله الحفظ والتوفيق. [الأحكام ص ١١٢٤، ونفح الطيب ٢/ ٤١]. نشاطه العلمي في موسم الحج: لقد استغلّ هذه المناسبة السعيدة أحسن استغلال، فأخذ عن الكثير من الشيوخ الذين حضروا إلى مكة لأداء فريضة الحج. وبعد أداء فريضة الحج توجه إلى المدينة، وكان يقضي أغلب وقته في الروضة الشريفة يستمع إلى أحاديث علماء المدينة. ولم تطل إقامته هناك فقد توجه إلى بغداد ثانية ولقي بها جملة من العلماء من جملتهم الغزالي الذي قال عنه: ورد علينا ذا شمر فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية، معرضاً عن الدنيا مقبلًا على الله تعالى، وعرضنا أمنيتنا عليه وقلت له: أنت ضالتنا الذي كنا ننشد ... [قانون التأويل ص ٤١]. كما أخذ عن الأساتذة الزائرين لبغداد، وكان متأثراً بقرّاء بغداد وحُسن تلاوتهم للقرآن، يقول: سمعت بمدينة السلام شيخ القراء البصريين بدار بهاء الملك يقرأ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ﴾؛ فكأني ما سمعتها قط حتى بلغ إلى قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُريدُ﴾ فكأن الإيوان قد سقط علينا. [الأحكام ص ١٥٩٦]. وبعد أن أمضى، في زيارته الثانية، قرابة السنتين قضاها في التردد على حلق الذكر يستفيد ويفيد غادر بغداد، في طريق عودته إلى وطنه، صحبه والده ماراً بدمشق وكان ذلك في سنة (٤٩١ هـ). قال ابن عساكر: خرج من دمشق راجعاً إلى مقره سنة (٤٩١ هـ) ولما غريب صنَّف عارضة الأحوذي. [نفح الطيب ٢/ ٢٨]. ويقول ابن العربي: قفلنا وقد قضينا من الهجرة إلى الخلافة المفترض وحصلنا من

стр. 37

العلوم على بعض الغرض، وكان بودي أن لو أقمت هناك برد شبيبتي وأفنيت معهم بقية عمري [شواهد الحيلة ل ٣٢ ب]. وقد توجها من دمشق إلى بيت المقدس وقابل القاضي هناك شيوخه السابقين وزار بعض الأماكن ووجدها تغيرت بعده، يقول: دخلت بيت لحم سنة (٤٨٥ هـ) فرأيت في متعبدهم غارًا عليه جذع يابس كان رهبانهم يذكرون أنه جذع مريم بإجماع، فلما كان في المحرم سنة (٤٩٢ هـ). دخلت بيت لحم قبل استيلاء الروم عليه لستة أشهر فرأيت الغار في المتعبد خالياً من الجذع فسألت الرهبان عنه فقالوا نخر وتساقط. [الأحكام ص ١٢٥٢ - ١٢٥٣]. ويقول في موضع آخر: وكان صاحب مصر الملقب بالأفضل قد دخلها (أي بيت المقدس) في المحرم سنة (٤٩٢ هـ)، وحوَّلها عن أيدي العباسية، وهو حنق عليها وعلى أهلها، بحصاره لهم وقتالهم، فلما صار فيها وتدانى بالمسجد الأقصى منها وصلى ركعتين تصدّى له ابن الكازروني وقرأ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. فما ملك نفسه حين سمعه أن قال للناس، على عظم ذنبهم وكثرة حقده عليهم: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]، [الأحكام ص ١٥٩٧]. ولم تطلْ إقامته، هذه المرة، ببيت المقدس وغادرها متوجهاً إلى الإسكندرية وحل فيها ضيفًا على أستاذه السابق وابن بلده، الذي لازمه بالقدس طيلة مقامه بها، وقد انتقل أبو بكر الطرطوشي إلى الإسكندرية وأصبح من الشخصيات اللامعة بها، وأحيا بها المذهب السني وحارب البدع. وكان الطرطوشي يقدِّر تلميذه كل التقدير كما أن ابن العربي كان يقدِّر شيخه ويحترمه غاية الاحترام ويتأثر بسلوكه. يقول ابن العربي: (وفي أثناء القفول لقيت زاهد الوقت .. بثغر الإسكندرية للقاءة الثانية وأقمت معه نتجاذب ذيول الإشكال ونختبر فصول القيل والقال). [شواهد الجلة ل ٣١ ب مخطوط الخزانة العامة بالرباط].

стр. 38

وفاة والده: توفي والده في نهاية الرحلة، وقد أسف لذلك كثيراً ولا غرو فقد كان خير معين له طيلة هذه الرحلة الطويلة: ومعي صارم لا أخاف نَبْوَتَه وحصان لا أتوقع كبوته، أب في الرتبة وأخ في الصحبة، يستعين ويعين ويسقي من النصيحة بماء معين .... [شواهد الجلة ل ٢٧ أ]. وكانت وفاة والده في أوائل سنة (٤٩٣ هـ) [انظر الغنية ص ٦٧، الديباج ٢/ ٢٣٣، المرقبة العليا ص ١٠٦، الفكر السامي ٢/ ٢٢٢، وفيات الأعيان ٤/ ٢٩٦]. قلت. كل المصادر التي تعرَّضت لوفاة والده ذكرت أنه مات بالإِسكندرية لكن الذهبي يرجح أنه ببيت المقدس فقد قال: رجع إلى الأندلس بعد أن دفن أباه في رحلته أظن ببيت المقدس. [سير أعلام النبلاء ٢٠/ ١٩٩ والراجح أنه بالإِسكندرية كما تقدم]. مدَّة الرحلة: لقد حددها ابن العربي نفسه فقال: وقد تجولت في تلك الأقطار الكريمة ودخلت تلك الأمصار العظيمة وجبت الأقطار القاصية نيفاً على عشرة أعوم. [العواصم ٢/ ٨٢]. ويقول في العارضة، وهو يتحدث عن خلفاء بغداد: المقتدي أدركته سنة (٤٨٦ هـ) وعهد إلى المستظهر أحمد ابنه وتوفي في المحرم سنة (٤٨٦ هـ)، ثم بايع المستظهر لابنه أبي منصور الفضل وخرجت عنهم سنة (٤٩٥ هـ). [العارضة ٩/ ٦٨ - ٦٩]. وينقل الضبي، في بغية الملتمس، ص ٨٣، عن أحد طلابه، وهو أبو القاسم عبد الرحمن بن محمَّد، قال. لما رحلت إلى قرطبة قرأت على الحافظ أبي بكر ولزمته فسمعني ذات يوم أذكر الانصراف إلى وطني المرية فقال لي. ما هذا القلق، أَقِمْ حتى يكون لك في رحلتك عشرة أعوام كما كان لي. الخلاف في رحلة ابن العربي: يرى البعض أن رحلة ابن العربي، وولده القاضي، كانت رحلة سياسية وأنهما خرجا موفدين من قبل يوسف بن تاشفين، ملك الدولة اللمتونية، وهذا رأي ابن خلدون. فقد قال: لما محى رسم الخلافة وتعطل دستها وقام بالمغرب يوسف بن تاشفين، ملك لمتونة، فملك العدوتين، وكان من أهل الخير والاقتداء، نزعت به همته إلى الدخول في طاعة الخليفة كميلًا لمراسم دينه فخاطب المستظهر العباسي وأوفد عليه ببيعته عبد الله ابن العربي وابنه القاضي أبا بكر من مشيخة أشبيلية يطلبان توليته إياها على المغرب وتقليده

стр. 39

ذلك فانقلبوا إليه بعهد الخلافة له على المغرب (١). ورأي ابن خلدون هذا يعارضه سياق القاضي لرحلته مع والده فقد قال: (دعت الضرورة إلى الرحلة فخرجنا والأعداء يشمتون بنا .. ولقد كنت مع غزارة السببية ونضارة الشبيبة أحرص على طلب العلم في الآفاق) (٢). وعندما كان ابن العربي في بيت المقدس وأراد والده الحج طلب منه أن يتركه مع مشايخه في تلك الديار لطلب العلم. قلتُ لأبي رحمة الله عليه: إن كانت لك نيَّة في الحجِ فامضِ لعزمك فإني لست برايم هذه البلدة حتى أعلم علم من فيها وأجعل ذلك دستوراً للعلم وسلّماً إلى مراقيها. فساعدني حين رأى جِدّي وكانت صحبته لي من أعظم أسباب جِدي (٣). فالنصوص السابقة تدل على أن ابن العربي كان هدفه من الرحلة هو المعرفة والتعرف على العلماء لكنه لم يقتصر على ذلك، فيما بعد، واتصلا بالخليفة المستظهر بالله ورفعا إليه خطاباً مطوَّلاً يذكران فيه ما يقوم به الأمير يوسف بن تاشفين من دعوة للخلافة الإِسلامية، وإشاعة العدل بين الرعية، وجهاد أعداء الإِسلام وطلبا من الخليفة التقليد له بأمير المسلمين بالمغرب. ولما وصلنا مدينة السلام ولقينا فيها كبار الإِسلام كتب أبي، برَّد الله مثواه، إلى الخليفة كتاباً في درج طويل على صفة أدراجهم في مخاطباتهم (٤). وقد أشاد عبد الله بن العربي، في هذا الخطاب، بيوسف بن تاشفين فوصفه بالعدل والجهاد المستمر لأعداء الدين، وفي نهاية الخطاب يستأذن الخليفة في صدوره، هو وابنه، إلى الوطن بعد أن ظلّا ببغداد عامين كاملين في ضيافة الخلافة العباسية. وصدر جواب الخليفة على ظهر نفس الدرج بتاريخ رجب سنة (٤٩١ هـ) يتضمن التقليد الرسمي للأمير ابن تاشفين، كما يتضمن الأمر السامي إلى الأمير ابن تاشفين بأن يختص حاملي الخطاب، ابن العربي وولده، بالأنعام الذي يضفو عليهما برده ويصفو لهما وده ليظهر عليهما من المهاجرة جميل الأثر فليقابل الأمر الأسنى بالاستقبال إن شاء الله (٥).

стр. 40

وقد استصدر ابن العربي من شيخه الغزالي فتوى مسهبة أورد أبو بكر خلاصتها في شواهد الجلة؛ وفيها أن يوسف كان على حق في إظهار شعار الإِمامة للخليفة المستظهر، وأن هذا الواجب على كل ملك استولى على قطر من أقطار المسلمين، وإذا نادى الملك المشمول بشعار الخلافة العباسية وجبت طاعته على كل الرعايا والرؤساء ومخالفته مخالفة للإِمام وكل من تمرَّد واستعصى فحكمه حكم الباغي (١). وأرفق الغزالي، مع تلميذه، خطاباً وجَّهه إلى ابن تاشفين يحضُّه فيه على التمسك بالعدل وينوَّه بمحامد سيرته ومحاسن أخلاقه، ويذكر الدور الذي قام به أبو محمَّد ابن العربي وولده أبو بكر في إشاعة ذلك مما تعطَّرت به أرجاء العراق، ويذكر أن الخلافة دعت الشيخ ابن العربي إلى الإِقامة ببغداد تحت البر والكرامة فأبى إلى الرجوع إلى ذلك الثغر لملازمة الجهاد مع الأمراء، ولا ينسى أن ينوِّه بمقام أبي بكر في العلم والمعرفة في رحلته الطويلة في المشرق وفي بغداد بصفة خاصة فيقول: والشيخ أبو بكر قد أحرز من العلم، في وقت تردُّده إليّ ما لم يحرزه غيره مع طول الأمد وذلك لما خُصَّ به من توقّد في الذهن وذكاء الحس وإنفاذ البصيرة، وما يخرج من العراق إلا وهو مستقلّ بنفسه حائز قصب السبق بين أقرانه (٢). وفي نهاية الخطاب يوصي ابن تاشفين بالشيخين خيراً لأنهما أهل لذلك ومن أحقّ بالإِكرام من أهل العلم (٣). ثم غادرا بغداد عائدَيْن إلى بلدهما سنة (٤٩١ هـ) مارين بالشام وبيت المقدس ثم الإِسكندرية، وقد شاءت إرادة الله أن يموت عبد الله، والد القاضي، في نهاية الرحلة بذلك الثغر، ويأسف عليه ابنه أشدّ الأسف ثم واصل سيره إلى بلاده، وقد ودعه شيخه وابن بلده أبو بكر الطرطوشي وزوده برسالة إلى الأمير يوسف ابن تاشفين يوصيه فيه بتقوى الله وطاعته. ويقول: ومِمَّا أتحفك به وهو خير لك من قلاع الأرض ذهباً لو أنفقته في سبيل الله
следующие страницы →