← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قدح، فلما عممت الجبال دفعنا فرمينا الجمرة وحلقت وذبحت لفدية كانت علي ثم دخلت مكة وطفت وسعيت وصلّيت بها الظهر. [العارضة ٤/ ١٥٣]. شربه زمزم بنية العلم والإيمان: ولقد كنت بمكة مقيماً في ذي الحجة سنة (٤٨٩ هـ)، وكنت أشرب ماء زمزم كثيراً، وكلما شربته نويت به العلم والإيمان حتى فتح الله لي في المقدار الذي يسَّره لي من العلم، ونسيت أن أشربه للعمل وياليتني شربته لهما حتى يفتح الله علي فيهما ولم يقدر، فكان صغوي إلى العلم أكثر منه إلى العمل نسأل الله الحفظ والتوفيق. [الأحكام ص ١١٢٤، ونفح الطيب ٢/ ٤١]. نشاطه العلمي في موسم الحج: لقد استغلّ هذه المناسبة السعيدة أحسن استغلال، فأخذ عن الكثير من الشيوخ الذين حضروا إلى مكة لأداء فريضة الحج. وبعد أداء فريضة الحج توجه إلى المدينة، وكان يقضي أغلب وقته في الروضة الشريفة يستمع إلى أحاديث علماء المدينة. ولم تطل إقامته هناك فقد توجه إلى بغداد ثانية ولقي بها جملة من العلماء من جملتهم الغزالي الذي قال عنه: ورد علينا ذا شمر فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية، معرضاً عن الدنيا مقبلًا على الله تعالى، وعرضنا أمنيتنا عليه وقلت له: أنت ضالتنا الذي كنا ننشد ... [قانون التأويل ص ٤١]. كما أخذ عن الأساتذة الزائرين لبغداد، وكان متأثراً بقرّاء بغداد وحُسن تلاوتهم للقرآن، يقول: سمعت بمدينة السلام شيخ القراء البصريين بدار بهاء الملك يقرأ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ﴾؛ فكأني ما سمعتها قط حتى بلغ إلى قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُريدُ﴾ فكأن الإيوان قد سقط علينا. [الأحكام ص ١٥٩٦]. وبعد أن أمضى، في زيارته الثانية، قرابة السنتين قضاها في التردد على حلق الذكر يستفيد ويفيد غادر بغداد، في طريق عودته إلى وطنه، صحبه والده ماراً بدمشق وكان ذلك في سنة (٤٩١ هـ). قال ابن عساكر: خرج من دمشق راجعاً إلى مقره سنة (٤٩١ هـ) ولما غريب صنَّف عارضة الأحوذي. [نفح الطيب ٢/ ٢٨]. ويقول ابن العربي: قفلنا وقد قضينا من الهجرة إلى الخلافة المفترض وحصلنا من

стр. 37

العلوم على بعض الغرض، وكان بودي أن لو أقمت هناك برد شبيبتي وأفنيت معهم بقية عمري [شواهد الحيلة ل ٣٢ ب]. وقد توجها من دمشق إلى بيت المقدس وقابل القاضي هناك شيوخه السابقين وزار بعض الأماكن ووجدها تغيرت بعده، يقول: دخلت بيت لحم سنة (٤٨٥ هـ) فرأيت في متعبدهم غارًا عليه جذع يابس كان رهبانهم يذكرون أنه جذع مريم بإجماع، فلما كان في المحرم سنة (٤٩٢ هـ). دخلت بيت لحم قبل استيلاء الروم عليه لستة أشهر فرأيت الغار في المتعبد خالياً من الجذع فسألت الرهبان عنه فقالوا نخر وتساقط. [الأحكام ص ١٢٥٢ - ١٢٥٣]. ويقول في موضع آخر: وكان صاحب مصر الملقب بالأفضل قد دخلها (أي بيت المقدس) في المحرم سنة (٤٩٢ هـ)، وحوَّلها عن أيدي العباسية، وهو حنق عليها وعلى أهلها، بحصاره لهم وقتالهم، فلما صار فيها وتدانى بالمسجد الأقصى منها وصلى ركعتين تصدّى له ابن الكازروني وقرأ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. فما ملك نفسه حين سمعه أن قال للناس، على عظم ذنبهم وكثرة حقده عليهم: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]، [الأحكام ص ١٥٩٧]. ولم تطلْ إقامته، هذه المرة، ببيت المقدس وغادرها متوجهاً إلى الإسكندرية وحل فيها ضيفًا على أستاذه السابق وابن بلده، الذي لازمه بالقدس طيلة مقامه بها، وقد انتقل أبو بكر الطرطوشي إلى الإسكندرية وأصبح من الشخصيات اللامعة بها، وأحيا بها المذهب السني وحارب البدع. وكان الطرطوشي يقدِّر تلميذه كل التقدير كما أن ابن العربي كان يقدِّر شيخه ويحترمه غاية الاحترام ويتأثر بسلوكه. يقول ابن العربي: (وفي أثناء القفول لقيت زاهد الوقت .. بثغر الإسكندرية للقاءة الثانية وأقمت معه نتجاذب ذيول الإشكال ونختبر فصول القيل والقال). [شواهد الجلة ل ٣١ ب مخطوط الخزانة العامة بالرباط].

стр. 38

وفاة والده: توفي والده في نهاية الرحلة، وقد أسف لذلك كثيراً ولا غرو فقد كان خير معين له طيلة هذه الرحلة الطويلة: ومعي صارم لا أخاف نَبْوَتَه وحصان لا أتوقع كبوته، أب في الرتبة وأخ في الصحبة، يستعين ويعين ويسقي من النصيحة بماء معين .... [شواهد الجلة ل ٢٧ أ]. وكانت وفاة والده في أوائل سنة (٤٩٣ هـ) [انظر الغنية ص ٦٧، الديباج ٢/ ٢٣٣، المرقبة العليا ص ١٠٦، الفكر السامي ٢/ ٢٢٢، وفيات الأعيان ٤/ ٢٩٦]. قلت. كل المصادر التي تعرَّضت لوفاة والده ذكرت أنه مات بالإِسكندرية لكن الذهبي يرجح أنه ببيت المقدس فقد قال: رجع إلى الأندلس بعد أن دفن أباه في رحلته أظن ببيت المقدس. [سير أعلام النبلاء ٢٠/ ١٩٩ والراجح أنه بالإِسكندرية كما تقدم]. مدَّة الرحلة: لقد حددها ابن العربي نفسه فقال: وقد تجولت في تلك الأقطار الكريمة ودخلت تلك الأمصار العظيمة وجبت الأقطار القاصية نيفاً على عشرة أعوم. [العواصم ٢/ ٨٢]. ويقول في العارضة، وهو يتحدث عن خلفاء بغداد: المقتدي أدركته سنة (٤٨٦ هـ) وعهد إلى المستظهر أحمد ابنه وتوفي في المحرم سنة (٤٨٦ هـ)، ثم بايع المستظهر لابنه أبي منصور الفضل وخرجت عنهم سنة (٤٩٥ هـ). [العارضة ٩/ ٦٨ - ٦٩]. وينقل الضبي، في بغية الملتمس، ص ٨٣، عن أحد طلابه، وهو أبو القاسم عبد الرحمن بن محمَّد، قال. لما رحلت إلى قرطبة قرأت على الحافظ أبي بكر ولزمته فسمعني ذات يوم أذكر الانصراف إلى وطني المرية فقال لي. ما هذا القلق، أَقِمْ حتى يكون لك في رحلتك عشرة أعوام كما كان لي. الخلاف في رحلة ابن العربي: يرى البعض أن رحلة ابن العربي، وولده القاضي، كانت رحلة سياسية وأنهما خرجا موفدين من قبل يوسف بن تاشفين، ملك الدولة اللمتونية، وهذا رأي ابن خلدون. فقد قال: لما محى رسم الخلافة وتعطل دستها وقام بالمغرب يوسف بن تاشفين، ملك لمتونة، فملك العدوتين، وكان من أهل الخير والاقتداء، نزعت به همته إلى الدخول في طاعة الخليفة كميلًا لمراسم دينه فخاطب المستظهر العباسي وأوفد عليه ببيعته عبد الله ابن العربي وابنه القاضي أبا بكر من مشيخة أشبيلية يطلبان توليته إياها على المغرب وتقليده

стр. 39

ذلك فانقلبوا إليه بعهد الخلافة له على المغرب (١). ورأي ابن خلدون هذا يعارضه سياق القاضي لرحلته مع والده فقد قال: (دعت الضرورة إلى الرحلة فخرجنا والأعداء يشمتون بنا .. ولقد كنت مع غزارة السببية ونضارة الشبيبة أحرص على طلب العلم في الآفاق) (٢). وعندما كان ابن العربي في بيت المقدس وأراد والده الحج طلب منه أن يتركه مع مشايخه في تلك الديار لطلب العلم. قلتُ لأبي رحمة الله عليه: إن كانت لك نيَّة في الحجِ فامضِ لعزمك فإني لست برايم هذه البلدة حتى أعلم علم من فيها وأجعل ذلك دستوراً للعلم وسلّماً إلى مراقيها. فساعدني حين رأى جِدّي وكانت صحبته لي من أعظم أسباب جِدي (٣). فالنصوص السابقة تدل على أن ابن العربي كان هدفه من الرحلة هو المعرفة والتعرف على العلماء لكنه لم يقتصر على ذلك، فيما بعد، واتصلا بالخليفة المستظهر بالله ورفعا إليه خطاباً مطوَّلاً يذكران فيه ما يقوم به الأمير يوسف بن تاشفين من دعوة للخلافة الإِسلامية، وإشاعة العدل بين الرعية، وجهاد أعداء الإِسلام وطلبا من الخليفة التقليد له بأمير المسلمين بالمغرب. ولما وصلنا مدينة السلام ولقينا فيها كبار الإِسلام كتب أبي، برَّد الله مثواه، إلى الخليفة كتاباً في درج طويل على صفة أدراجهم في مخاطباتهم (٤). وقد أشاد عبد الله بن العربي، في هذا الخطاب، بيوسف بن تاشفين فوصفه بالعدل والجهاد المستمر لأعداء الدين، وفي نهاية الخطاب يستأذن الخليفة في صدوره، هو وابنه، إلى الوطن بعد أن ظلّا ببغداد عامين كاملين في ضيافة الخلافة العباسية. وصدر جواب الخليفة على ظهر نفس الدرج بتاريخ رجب سنة (٤٩١ هـ) يتضمن التقليد الرسمي للأمير ابن تاشفين، كما يتضمن الأمر السامي إلى الأمير ابن تاشفين بأن يختص حاملي الخطاب، ابن العربي وولده، بالأنعام الذي يضفو عليهما برده ويصفو لهما وده ليظهر عليهما من المهاجرة جميل الأثر فليقابل الأمر الأسنى بالاستقبال إن شاء الله (٥).

стр. 40

وقد استصدر ابن العربي من شيخه الغزالي فتوى مسهبة أورد أبو بكر خلاصتها في شواهد الجلة؛ وفيها أن يوسف كان على حق في إظهار شعار الإِمامة للخليفة المستظهر، وأن هذا الواجب على كل ملك استولى على قطر من أقطار المسلمين، وإذا نادى الملك المشمول بشعار الخلافة العباسية وجبت طاعته على كل الرعايا والرؤساء ومخالفته مخالفة للإِمام وكل من تمرَّد واستعصى فحكمه حكم الباغي (١). وأرفق الغزالي، مع تلميذه، خطاباً وجَّهه إلى ابن تاشفين يحضُّه فيه على التمسك بالعدل وينوَّه بمحامد سيرته ومحاسن أخلاقه، ويذكر الدور الذي قام به أبو محمَّد ابن العربي وولده أبو بكر في إشاعة ذلك مما تعطَّرت به أرجاء العراق، ويذكر أن الخلافة دعت الشيخ ابن العربي إلى الإِقامة ببغداد تحت البر والكرامة فأبى إلى الرجوع إلى ذلك الثغر لملازمة الجهاد مع الأمراء، ولا ينسى أن ينوِّه بمقام أبي بكر في العلم والمعرفة في رحلته الطويلة في المشرق وفي بغداد بصفة خاصة فيقول: والشيخ أبو بكر قد أحرز من العلم، في وقت تردُّده إليّ ما لم يحرزه غيره مع طول الأمد وذلك لما خُصَّ به من توقّد في الذهن وذكاء الحس وإنفاذ البصيرة، وما يخرج من العراق إلا وهو مستقلّ بنفسه حائز قصب السبق بين أقرانه (٢). وفي نهاية الخطاب يوصي ابن تاشفين بالشيخين خيراً لأنهما أهل لذلك ومن أحقّ بالإِكرام من أهل العلم (٣). ثم غادرا بغداد عائدَيْن إلى بلدهما سنة (٤٩١ هـ) مارين بالشام وبيت المقدس ثم الإِسكندرية، وقد شاءت إرادة الله أن يموت عبد الله، والد القاضي، في نهاية الرحلة بذلك الثغر، ويأسف عليه ابنه أشدّ الأسف ثم واصل سيره إلى بلاده، وقد ودعه شيخه وابن بلده أبو بكر الطرطوشي وزوده برسالة إلى الأمير يوسف ابن تاشفين يوصيه فيه بتقوى الله وطاعته. ويقول: ومِمَّا أتحفك به وهو خير لك من قلاع الأرض ذهباً لو أنفقته في سبيل الله

стр. 41

حديث: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغرِبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أمْرُ الله" (١). والله أعلم هل أرادكم رسول الله، ﷺ ، معشر المرابطين أو أراد بذلك جملة أهل المغرب وما هم عليه من التمسك بالسنة والجماعة وطهارتهم من البدع والإِحداث في الدين، وإنَّا لنرجو أن تكونوا أوليِ بقية ينهَوْن عن الفساد في الأرض. ولقد كنّا في الأرض المقدسة، جبر الله مصابها، تترى علينا أخبارك وما قمت به من أداء فريضة الله تعالى في جهاد عدوّه وإعزاز دينه وكلمته .. ولئن كنت تستنصر لك بجنود أهل الأرض فلقد كنا نستنصر لك بجنود أهل السماء حتى قدم علينا الأرض المقدسة أبو محمَّد بن العربي وابنه الفقيه الحافظ أبو بكر، فذكروا من سيرتك في جهاد العدو، وصبرك على مكافحته ومصابرته وإعزازك للدين وأهله والعلم وحملته، حتى تمنينا أن نجاهد الكفار معك ونكثر سواد المسلمين في جملتك. وينهي الطرطوشي رسالته بالتنويه بمكانة تلميذه أبي بكر ويوصي الأمير به وأن يشد يديه عليه. والفقيه أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن العربي ممن صحبنا أعواماً يدارس العلم ويمارسه، بلوناه وخبرناه وهو ممن جمع العلم ووعاه، ثم تحقق به ورعاه وناظر فيه وجدّ حتى فاق أقرانه ونظر آراءه ثم رحل إلى العراق فناظر العلماء، وصحب الفقهاء، وجمع من مذاهب العلم عيونها، وكتب من حديث رسول الله، ﷺ ، وروى صحيحه وثابته والله يؤتي الحكمة من يشاء. وهو وارد عليك بما يسرُّك فاشددْ عليه يديك واحفظْ فيه، وفي أمثاله، وصية الله سبحانه لنبيه ﵇: ﴿وإذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرحْمَةَ﴾، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته (٢). وقد توجَّه ابن العربي، في بداية أمره، إلى مراكش، عاصمة الدولة المرابطية، واستقبله الأمير يوسف بن تاشفين بكل ترحاب، وتسلم منه الرسائل الموجهة إليه، ثم عاد إلى إشبيلية وطنه معزَّزاً مكرَّماً، وهناك بدأ يناظر ويدرس وينشر ما حصل عليه من علم. نتائج الرحلة: لم يهمل ابن العربي الحديثَ عن هذه الرحلة وما استفاده فيها من مشافهة العلماء،

стр. 42

وما حصل عليه من كتب نادرة ولا يحصل عليها إلا من رحل وكانت له همَّة كهمة ابن العربي فقد قدم بعلم كثير وكتبه جمَّة. يقول المقري: نُقل عنه أنه قال: كل من رحل لم يأتِ بمثل ما أتيت به أنا والقاضي أبو الوليد الباجي. أو قاد: لم يرحل غيري وغير الباجي وأما غيرنا فقد تعب. [أزهار الرياض ٣/ ٦٣]. عودته إلى وطنه: عاد ابن العربي، كما قدَّمنا، من هذه الرحلة بنتائج هامة كان لها أحسن الأثر في حياته وفي حياة بلده. يقول تلميذه الفتح ابن خاقان: فكَّر راجعاً إلى الأندلس فحلَّها والنفوسُ إليه متطلِّعة ولأنبائِه متسمِّعة، فناهيك من حظوة لقى ومن عزة سقى ومن رفعة سما إليها ورقى، وحسبك من مفاخر قلّدها ومحاسن أنسٍ أثبتها وخلدها .. [نفح الطيب ٢/ ٣٤].

стр. 43

المبحث الثالث ويشتمل على ثلاثة مطالب شيوخه - تلاميذه أولاده وأحفاده المطلب الأول شيوخه تكلمنا، في ما مضى، على كون القاضي ابن العربي، ﵀، كان مثالاً في الجد والاجتهاد، وأنه رحل في طلب العلم متنقِّلاً من بلد إلى بلد لتلقِّي مختلف العلوم، وللأخذ عن العلماء والشيوخ لسماع الكتب بالأسانيد المتصلة والعالية. ومما لا شك فيه أن ابن العربي أخذ عن شيوخ هم من الكثرة بحيث لا يستطيع أحد أن يحيط بهم في هذه الدراسة الموجزة. وقد حرص ابن العربي على أن يضع فهرساً لأسماء شيوخه الذين أخذ عمهم وقد شاء الله أن يضيع هذا الفهرست. ولكن ضياعه لا يمنعنا من محاولة التعرف على بعض شيوخه، والترجمة لهم وخاصة المشاهير الذين تلقى عنهم وأثَّروا في حياته العلمية وكوَّنوا عنده هذه الملكة القوية والعقلية العلمية النيِّرة التي جعلته يتبوأ مكان الصدارة في عصره بين العلماء. تتلمذ القاضي أبو بكر بن العربي على شيوخ في مختلف العلوم الشرعية، فله شيوخ في القراءات والفقه وأصول الفقه واللغة والحديث. ١ - أبو عبد الله بن أحمد: من أهل سرقسطة روى عن أبي عبد الله بن شريح وغيره. قال ابن بَشْكُوَال: أخذ عنه القراءات شيخنا القاضي الإِمام أبو بكر بن العربي وذكر أنه كان شيخاً صالحاً، وكان يقرئ الناس بحضرة أشبيلية. توفي سنة (٥٠٠ هـ) (١). ٢ - الفقيه الوزير الرئيس أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن العركي المَعَافِري، والد القاض: قال الذهبي: الإِمام العلَّامة الأديب ذو الفنون أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن العربي الأشبيلي، والد القاضي. صحب ابن حزم وأكثر عنه ثم ارتحل بولده أبي بكر فسمعا من طرّاد الزّيني

стр. 44

وعدة، وكان ذا بلاغة ولسن وإنشاء. مات بمصر سنة (٤٩٣ هـ) ومولده سنة (٤٣٥ هـ)، رجع ابنه إلى الأندلس (١). ٣ - أبو محمَّد جعفر بن أحمد بن الحسين. ذكر في العواصم ص ١٥١: أنه قارئ محدِّث أديب، من القراء المشهورين. قال ابن رَجَب: جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن جعفر السرَّاج المقرئ المحدِّث الأديب أبو محمَّد، ولد سنة (٤١٧ هـ) أو أول (٤١٨ هـ). ذكره السَّلفي عنه. وقال الشجاع الذّهلي سنة (٤١٦ هـ) وقرأ القرآن بالروايات وأَقرأَ سنين. سمع أبا علي شاذان وأبا محمَّد الخَلّال وأبا القاسم بن شاهين والبرمكي والقزويني وخلقاً كثيراً .. قال ابن الجوزي: حدثنا عنه أشياخُنا، وآخر من حدَّثَنا عنه شهدة بنت الإبري .. ذكره القاضي أبو بكر بن العربي فقال: ثقة، عالم، مقرئ له أدب ظاهر واختصاص بالخطب. وقال السلفي: كان ممن يُفتخر برؤيته وروايته، وله تواليف مفيدة، وفي شيوخه كثرة وأعلاهم إسناداً ابن شاذان مات سنة (٥٠٠ هـ) (٢). ٤ - الفقيه الحافظ أبو القاسم بن عمر بن الحسن الهَوْزَني الأشبيلي: كان زعيم بلده في وقته. سمع أباه وابن منظور وغيرهما من أهل بلده ورحل وكتب عن جماعة من العلماء، وأجازه محمَّد بن الوليد وأبو منصور الشَّهْرَزُورِي وسمع منه. توفي سنة (٥١٢ هـ) (٣). ٥ - أبو محمَّد بن الأكفاني هِبَة الله بن أحمد بن أحمد بن محمَّد الأنصاري الدمشقي الحافظ: سمع أباه وأبا القاسم الجنائي وأبا بكر الخطيب وطبقتهم ولزم أبا محمَّد الكناني مدة، وكان ثقة، فهماً، شديد العناية بالحديث والتاريخ، كتب الكثير وكان من كبار العدول، مات سنة (٥٢٤ هـ) (٤). ٦ - الحافظ أبو المظفر عبد الرحمن بن قاسم الشَّعْبي المالقي: [راحع الأعلام ٤/ ٩٧] ولِّي

стр. 45

القضاء ببلده نيابة ثم استقلالاً، وكان حافظاً للمسائل، وعليه كان يدور الفتيا بقطره. وكان يستحضر كتابَي الموطّأ والمدوّنة، وقد جرت بينه وبين ابن العربي، عند اجتيازه على مالقة، مناظرات في ضروب من العلوم ولا سيما فيما يرجع إلى رواية أشهب ونظرائه مات سنة (٤٩٩ هـ) (١). ٧ - أبو عبد الله محمَّد بن موسى بن عمّار الكلاعي: من أهل العلم والفهم ورحل فلقي بقية مشيخة القيروان السّيوري وطبقته، وأخذ الكلام والأصول هناك عن أبي عمر بن سراج أبي سراج وأبي عبد الله الصَّيْرفي وأبي القاسم الدّياجي. وأخذ بصقلية عن شيوخها أبي محمَّد عبد الحق وأبي العباس الخرّاز. ولقي شيوخ مصر ومن كان بمكة، وغلب عليه التوحيد والكلام فيه. وكان حسن العبارة جيِّد القريحة (٢)، قال ابن الأبّار: سمع منه ابن العربي في رحلته إلى المشرق سنة (٤٨٥ هـ) (٣). ٨ - مكي بن عبد السلام أبو القاسم بن الرّميلي المَقْدسي الحافظ: أحد من استشهد بالقدس. رحل وجمع وعنى بهذا الشأن، وكان ثقة متحرِّياً. روى عن محمَّد بن يحيى بن سلوان المازني وأبي عثمان بن وَرَقاء وعبد الصمد بن المأمون وطبقتهم. مات سنة (٤٩٢ هـ) (٤). قال ابن النجّار: مكّي من الحفّاظ، رحل وحصّل وكان مفتياً في مذهب الشافعي سمع ابن سلوان، وكانت الفتوى تجيئه من مصر ومن الساحل ودمشق (٥). ٩ - أبو منصور محمَّد بن محمَّد بن الصَّبَّاغ: ذكره في العارضة: انظر [العارضة: ٣/ ٢٠٧]. قال السبكي. هو أبو منصور بن الصباغ البغدادي، ابن أخي الشيخ أبي نصر وزوج ابنته. إمام عالم جليل القدر تفقَّه على القاضي أبي الطيب وعلى عمه الشيخ أبي نصر، صروى الحديث عن القاضي أبي الطَّيِّب، والحسن بن علي الجوهري، وأبي يعلي بن الفَرّاء، وأبي الحسين بن النقور، وأبي القاسم بن اليُسْرَى. روى عنه محمَّد بن طاهر المقدسي. قال ابن النجار. كان فقيهاً فاضلاً حافظاً للمذهب.

стр. 46

مات سنة (٤٩٤ هـ) (١). ١٠ - أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمَّد بن طلحة النّعالي. ذكره في [العارضة: ٨/ ١٦٥]، قال الذهبي: رجل عامّي من أولاد المحدثين، عمّر دهراً وانفرد بأشياء. روى عن أبي عمر بن مهدي، وأبي سعد الماليني وطائفة. توفي في صفر (٤٩٣ هـ) (٢). المطلب الثاني في تلاميذه مما لا شك فيه أن القاضي أبا بكر وصل بجده واجتهاده ومداومة الطلب والتحصيل والرحلة الواسعة إلى درجة رفيعة في العلوم جعلته محط الرحال لطلاب العلم، فوفدوا إليه متجشمين الأخطار والصعاب كي يتعلموا على هذا الإِمام الفذِّ الذي أصبح حافظ العصر ومدققه بلا نزاع. وكثرت طلبته حتى كان رؤوس العلم من تلاميذه وتخرج به علماء أصبحوا أعلام هداية وأساتذة أجيال ورواد علم، وسأترجم فيما يلي لبعضهم ترجمة موجزة. ١ - القاضي عِيَاض: هو عِيَاض بن موسى بن عِيَاض العلامة أبو الفضل السبتي المالكي أحد الأعلام. قال ابن فرحون: كان إمام وقته في الحديث وعلومه، عالماً بالتفسير وجميع علومه، فقيهاً أصولياً عالماً بالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، بصيراً بالأحكام عاقداً للشروط، حافظاً لمذهب مالك ﵀. رحل إلى الأندلس وأخذ بقرطبة عن القاضي أبي عبد الله محمَّد بن علي بن حمدين، وأبي الحسين بن سراج، وأبي محمَّد بن عتاب وغيرهم، وأخذ عن ابن العربي عند اجتيازه سبتة. قال القاضي عياض: اجتاز ببلدنا فكتبت عنه فوائد حديثية وناولني كتاب المُؤْتَلِف والمُخْتَلِف للدارقطني. مات ﵀ سنة (٥٤٤ هـ) (٣). ٢ - السهيلي أبو زيد وأبو القاسم وأبو الحسن عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد العلاّمة

стр. 47

الأندلسي المالقي: النحوي الحافظ العلم، صاحب التصانيف. أخذ القراءات عن سليمان بن يحيى وجماعة وروى عن ابن العربي والكبار وبرع في العربية واللغات والأخبار والأثر وتصدر للإفادة. مات سنة (٥١٨ هـ) (١). ٣ - أبو زيد عبد الرحمن بن محمَّد بن يحيى الغماري: من أهل الجزيرة الخضراء وأصله من بلاد غمارة بشمال المغرب. روى عن ابن العربي واستظهر عليه موطّأ مالك، وأجاز له، وكان من حفّاظ العلم. كف بصره وهو ابن اثنتي عشرة سنة، حدث الناس عنه وسمعوا عليه الموطّأ بلفظه وكان يورده من حفظه ويقول: هكذا كنت أعرضه على أبي بكر بن العربي. توفي سنة (٦٠٢ هـ) (٢). ٤ - ولده أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن العربي: كان من أهل النباهة والجلالة معنياً بالرواية وسماع العلم. قُتل خطأ يوم أن دخلت أشبيلية على المرابطين من قبل الموحدين، فثكله أبوه وحسن صبره عليه سنة (٥٤١ هـ) (٣). ٥ - عبد الرحمن بن محمَّد بن حبيش القاضي أبو القاسم الأنصاري المرّي: نزيل مرسية. عاش ثمانين سنة. قرأ القراءات على جماعة ورحل بعد ذلك فسمع بقرطبة من يونس ابن محمَّد بن مغيث والكبار، وكان من أئمة الحديث والقراءات والنحو واللغة. ولي خطابة مرسية وقضاءها مدة واشتهر ذكره وبعد صيته وكانت الرحلة إليه في زمانه (٤). مات سنة (٥٨٤ هـ). وكان عبد الرحمن أيام إقامته بقرطبة عند القاضي ابن العربي، بعد تركه القضاء، وكان ينزل معه في بيته وقد سمعه يوماً يذكر الانصراف إلى وطنه (المرية) فقال له: ما هذا القلق؟ أقِمْ حتى يكون لك في رحلتك عشر سنين كما كان لي (٥). قلت: وهو الذي روى عن القاضي كتاب القبس. ٦ - محمَّد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن فرج الجدّ الفهري: الحافظ الجليل، يكنى

стр. 48

أبا بكر جليل أشبيلية وزعيم وقته في الحفظ، كان في حفظ الفقه بحراً يغرف من محيط. روى عن أبي الحسن بن الأخضر ودرس عليه كتاب سيبويه، وأخذ عنه كتب اللغات والآداب، وسمع من ابن العربي، وبرع، أولاً، في العربية واقتصر عليها ثم مال إلى دراسة الفقه ومطالعة الحديث والإشراف على الاتفاق والاختلاف بتحريض أبي الوليد بن رشد. انتهت إليه الرياسة في الفتيا وقدم للشورى مع أبي بكر ابن العربي ونظرائه بأشبيلية سنة (٥٢١ هـ)، وتمادى به ذلك نيفاً على ستين سنة في ازدياد سمو الرياسة واطراد تمكن الحظوة، ولم يشتغل بالتأليف مع غزارة حفظه واتساع مادة علمه. مات سنة (٥٨٦ هـ) (١). ٧ - أبو بكر محمَّد بن خير بن عمر اللمتوني الإِمام الحافظ شيخ القراء الأشبيلي: أتقن القراءات على شرَيْح بن محمَّد واختص به حتى ساد أهل بلده، وسمع منه ومن أبي مروان الباجي والقاضي أبي بكر بن العربي، وبقرطبة من أبي جعفر ابن جعفر ابن عبد العزيز وابن عمه أبي بكر وأبي القاسم بن بقي وابن مُغِيث وطائفة سواهم. قال ابن الأبّار: كان مكثراً إلى الغاية. سمع من رفاقه وشيوخه أكثر من مائة نفس، لا نعلم أحداً من طبقته مثله. وتصدر بأشبيلية للإقراء والإسماع وحمل الناس عنه كثيراً، وكان مقرئاً مجوداً ومحدثًا متقناً أديباً نحوياً لغوياً، واسع المعرفة رضاً مأموناً، لما مات بيعت كتبه بأغلى الأثمان لصحَّتها، ولم يكن له نظير، في هذا الشأن، مع الحظ الأوفر من علم اللسان، توفي سنة (٥٧٥ هـ) (٢). ٨ - أبو القاسم بن بَشْكُوَال خلف بن عبد الملك بن مسعود الأنصاري القرطبي: الحافظ محدِّث الأندلس ومؤرِّخها ومسندها، سمع أبا محمَّد بن عَتَّاب وأبا بحر بن العاص وطبقتهما، وأجاز له أبو علي الصَّدَفي، وله عدة تصانيف. توفي سنة (٥٧٨ هـ) (٣) تولّى القضاء ببعض جهات أشبيلية لأبن العربي. أخذ عن ابن العربي الجم الغفير من معاصريه من الأئمة وطلاب العلم.

стр. 49

المطلب الثالث أولاده وأحفاده أنجب أبو بكر بن العربي عدة أولاد منهم: ١ - أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن العربي، تقدمت ترجمته في تلاميذه. ٢ - أبو الحسن عبد الرحمن بن محمَّد بن العربي. سمع أباه وشُرَيْح بن محمَّد، ويروي عن أبي محمَّد بن عتّاب وأبي الحسن بن مغيث وسمع الحديث المسلسل بالأخذ باليد من أبي محمَّد بن أيوب الشاطبي، وكان له اعتناء بالعلم والمداومة عليه، قال ابن الأبّار: لم يبلغ مبلغ التحديث (١). ٣ - أحمد بن محمَّد بن العربي ذكرته بعض المصادر عرضًا ولعله لم يكن من أهل المعرفة (٢). أحفاده منهم ١ - أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن أحمد بن محمَّد أبو بكر بن العربي، حفيد القاضي، رحل إلى المشرق وجاور بالحرمين الشريفين وحجّ سبع حجج. كان من الفضل والدين والتواضع ولين الجانب بمكان (ت ٦١٧ هـ) (٣). ٢ - أبو الحسن علي بن عمر بن عبد السلام بن أحمد بن محمَّد بن محمَّد بن أحمد ابن الحافظ أبي بكر بن العربي، كذا ذكره في الاتحاف وقال فيه: كان متقناً استوطن فاساً مدة ثم رحل عنها إلى مكناس وأسندت إليه رياسة التوقيت في الجامع الكبير (٤). ٣ - أنجب هذا الميقاتي ولداً يعرف بأبي زيد عبد الرحمن بن علي بن العربي. كان فقيهاً حافظاً محدثاً، قيل إنه بلغ رتبة الاجتهاد، مات بمراكش سنة (٨٣٤ هـ) (٥).

стр. 50

المبحث الرابع مكانته العلمية وثناء العلماء عليه طلب ابن العربي العلوم وجدَّ في تحصيلها، وأقبل على العلوم بكليته، وطوّف البلاد فسمع بالاسكندرية والقاهرة والقدس ونابلس ودمشق وبغداد ومكة والمدينة وغيرها من البلاد، وأكثر من السماع جداً، ولم يزلُ مقبلًا على طلب العلم حتى صار إمام الناس في وقته في أغلب العلوم، وقد وصفه معاصروه بالحفظ والإتقان. فقد قال عنه ابن بَشْكُوال: كان مقدَّماً في المعارف كلها، حريصاً على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب فيها، ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق مع حسن المعاشرة ولين الكنف وكثرة الاحتمال وكرم النفس وحسن العهد وثبات الود. وقال أيضاً فيه الإِمام خاتمة علماء الأندلس (١). أما ابن فرحون فيقول فيه: هو الإِمام العلَّامة الحافظ المتبحّر ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفّاظها .. درس الفقه والأصول وقيّد الحديث واتسع في الرواية وأتقن مسائل الخلاف والأصول والكلام على أئمة هذا الشأن (٢). وقال الذهبي. أدخل الأندلس إسناداً عالياً وعلماً جمّاً، وكان ثاقب الذهن عذب المنطق كريم الشمائل كامل السؤدد. وقال: كان القاضي ممن يقال إنه بلغ رتبة الاجتهاد. وقال ابن النجار: حدَّث ببغداد بيسير، وصنَّف في الحديث والفقه والأصول وعلوم القرآن والأدب والنحو والتواريخ، واتسع حاله وكثر أفضاله ومدحته الشعراء (٣). وقال الحجاري: لو لم يُنسب لأشبيلية إلا هذا الإِمام الجليل لكان لها به من الفخر ما يرجع عنه الطرف وهو كليل. وقال هو الإِمام بحر العلوم وإمام كل محفوظ ومعلوم (٤).

стр. 51

المبحث الخامس العوامل التي ساعدت على نبوغه لقد ساعدت على نبوغ الحافظ أبي بكر بن العربي عدة عوامل كونت منه شخصية فذة. وعوامل تنمية الشخصية وتنمية المواهب لها وخلق الملكات عند المرء حتى ينبغ في عصره ويتميز عن أقرانه يتوقف على أمور ومؤثرات منها ما يكون خلقياً كالذكاء والمواهب، ومنها ما يكون مكتسباً يرجع إلى حسن استغلال المرء للظروف التي تحيط به وسلامة توجيهه ومدى استعداده وقابليته للإفادة من ذكائه ومواهبه، وفي العوامل المكتسبة يبرز التنافس ويظهر التفاضل بين الأخوة والأقران. وقد تضافرت عوامل ومؤثرات ساعدت على نبوغ القاضي أبي بكر بن العربي وجعلته من بين أقرانه يحتل مكانة علمية مرموقة: ١ - بيئته الخاصة: وهي أكثر تأثيراً على الإنسان من البيئة العامة. فإذا انطبع الإنسان من الصِّغَر بطابع خاص يتأصل فيه ولا ينفكّ عنه في جميع مراحل حياته، وهذا ما بيَّنه الرسول ﷺ ، في حديثه: "مَا مِن موْلود إلّا على الْفطْرَةِ فأَبَواهُ يُهَودَانَهُ أَوْ يُنَصِّرَانَهُ أو يُمَجِّسانَهُ" (١) الحديث. فيرث الطفل من أسلافه السيرة الحميدة والسلوك القويم والأخلاق الطيبة، والبيئة التي نشأ فيها ابن العربي بيئة على جانب كبير من العلم والصلاح؛ فوالده كان عالماً صاحب مكانة مرموقة في وطنه، وقد صحبه في رحلته الطويلة وكان قبل دلك ربّاه أحسن تربية منذ الصغر. ٢ - رحلته إلى المشرق وما لقيه فيها من كبار العلماء وما اشتراه من كتب نادرة أدخلها لأول مرة إلى الأندلس (٢)، أضف إلى ذلك فراغ البال من كل شيء إلا من العلم.

стр. 52

٣ - ما وهبه الله سبحانه من ذكاء مفرط وحافظة قوية وقدرة كبيرة على المطالعة والاستيعاب والجلد والصبر على الطلب والتحصيل (١). ٤ - حسن استغلاله للوقت؛ فقد كان القاضي ابن العربي لا يفتر عن المطالعة والدراسة أو التصنيف أو العبادة أو غير ذلك. يقول عنه أحد طلابه الذين رحلوا إليه إبان إقامته بقرطبة، وهو أبو القاسم عبد الرحمن بن محمَّد بن عبد الله بن حبيش: كنا نبيت معه في منزله بقرطبة فكانت الكتب عن يمينه وعن شماله، وكان لا يتجرَّد من ثوبه، وكانت له ثياب طويلة يلبسها بالليل وينام فيها إذا غلبه النوم، ومهما استيقظ مدَّ يده إلى كتاب وكان مصباحه لا ينطفئ الليل كله (٢). ٥ - وظائفه ومناصبه التي تولّاها وشغلها من تدريس وخطابة وإفتاء وإملاء وقضاء فمن شأنها أن توسع مداركه، وقد انعكس أثر ذلك فيما بعد على تآليفه في مختلف العلوم.

стр. 53

الفصل الثالث الموطأ وعناية الأمة به وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول الكلام على الموطَّأ وفضله ورواته إن أهل العلم مجمعون على فضل الموطَّأ ومكانته بين الكتب، ولذلك قال فيه الشافعي: ما كتاب أكثر صواباً، بعد كتاب الله، من كتاب مالك، يعني الموطّأ. وقال أيضاً: ما في الأرض، بعد كتاب الله، أكثر صواباً من موطّأ مالك بن أنس، وقال: ما كتاب، بعد كتاب الله ، أنفع من موطّأ مالك بن أنس. وقال: ما رأيت كتاباً ألِّفَ في العلم أكثر صواباً من موطّأ مالك. [التمهيد ١/ ٧٦ - ٧٩]. وقال ابن عبد البر. الموطّأ لا مثيل له ولا كتاب فوقه بعد كتاب الله تعالى . [التقصي ص ٩]. وقد أطلق عليه مُغَلْطاي وصف الصحة فقال: أول من صنّف في الصحيح مالك. [تنوير الحوالك ١/ ٨]. وقال ابن العربي: كتاب الجُعْفي (أي البخاري) هو الأصل الثاني في هذا الباب، والموطّأ هو الأول واللباب وعليهما بناء الجميع كالقُشَيْري والتِّرْمِذِي فما دونهما. [العارضة ١/ ٥]. وقال الدَّهْلَوِي: كتاب الموطّأ أصحّ كتب الفقه وأشهرها وأقدمها وأجمعها. وقد اتفق السواد الأعظم من الملة المرحومة على العمل به والاجتهاد في روايته والاعتناء بشرح مشكلاته، والاهتمام باستنباط معانيه وتشييد مبانيه. [المسوى ١/ ٦٣]. رواة الموطّأ ونظراً لمكانة مالك العلمية وشهرته بعالم المدينة في وقته تكاثر عليه الرواد للأخذ عنه وخاصة كتابه الموطأ، فقد أخذه عنه الجمُّ الغفير من العلماء. قال القاضي عِيَاض: لم

стр. 54

يُعْتَنَ بكتاب من كتب الحديث والعلم اعتناء الناس بالموطَّأ، فإن الموافق والمخالف اجتمع على تقديره وفضله وروايته وتقديم حديثه وتصحيحه. فأما من اعتنى بالكلام على رجاله وحديثه والتصنيف في ذلك فعدد كثير من المالكيين وغيرهم. [ترتيب المدارك ١/ ١٩٨]. وقد خص رواة الموطّأ عن مالك بتأليف خاص العلماء منهم ابن ناصر الدين الدمشقي فقد ألَّف كتاباً في رجال الموطّأ قال في مقدمته: وبعد، فإن بعض أهل السنة وخدّامها، ومن نشأ بين أئمتها وأعلامها، قصد مني والتمس ذكر رواة موطّأ الإِمام مالك بن أنس الذين لقوه، ﵁، وسمعوا كتابه الموطّأ منه، فأجبته إلى ما قصد وذكرت بعض. مرويات غالبهم عن مالك بالسند. وكنتُ نظمت فيمن وقع لي منهم شعراً ليكون عوناً على حفظهم نثراً وذلك لمّا رأيت الحافظ أبا القاسم علي بن عَساكر ثقة الدين بلغ برواة الموطّأ عن مالك واحداً وعشرين أشار إلى ذلك بنظم يحويهم .. فتتبعت زيادة على من حواه فوقع لي ثمانية وخمسون سواهم من الرواة، نظمت الجميع في أبيات للتعريف ثم نثرتهم حسب السؤال في هذا التأليف إلا من ذكرهم الإِمام القاضي عِياض في ترتيب المدارك إتحاف السالك برواه الموطّأ عن مالك [ل (١) من نسخة الشيخ حمد أبو بكر حفظه الله]. عدد أحاديث الموطّأ: اختُلِف في عدد أحاديثه. نُقل عن سُلَيْمان بن بِلال قوله: لقد وضع مالك الموطّأ وفيه أربعة آلاف حديث، أو قال أكثر، فمات وهي ألف حديث ونيِّف يخلصها عاماً عاماً بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين وأمثل في الدين. [المدارك ١/ ١٩٣]. وقال أبو بكر الأَبْهَري: جملة ما في الموطّأ من الآثار عن النبي، ﷺ ، وعن الصحابة والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثاً، المُسنَد منها ستمائة حديث، والمرسل مائتان واثنان وعشرون حديثاً، والموقوف ستمائة وثلاثة عشر، ومن قول التابعين مائتان وخمس وثمانون. وقال ابن حزم في كتاب مراتب الديانة: أحصيتُ ما في موطّأ مالك فوجدت فيه من المسند خمسمائة ونيفاً وفيه ثلاثمائة ونيّف مرسلاً وفيه نيّف وسبعون حديثاً؛ قد ترك مالك نفسه العمل بها، وفيه أحاديث ضعيفة وهّاها جمهور العلماء. وقال الحافظ صلاح الدين العَلاَئي: روى الموطّأ عن مالك جماعات كثيرة وبين رواياتهم اختلاف من تقديم وتأخير وزيادة ونقص، وأكثرها رواية القَعْنَبِي، ومن أكثرها

стр. 55

زيادات رواية أبي مصعب لقد قال ابن حزم: في موطّأ أبي مُصْعَب زيادات على سائر الموطّآت نحو مائة حديث. [تنوير الحوالك ١/ ٩]. وقال الغَافِقي في مسند الموطّأ: اشتمل كتابنا هذا على ستمائة حديث وستة وستين حديثاً، وهو الذي انتهى إلينا مع مسند موطّأ مالك رحمه الله تعالى، وذلك أني نظرت في الموطّأ من اثنتي عشرة رواية رويت عن مالك وهي: رواية عبد الله بن وَهَب ورواية عبد الرحمن بن القاسم، وعبد الله بن مسلمة القَعْنَبي، وعبد الله بن يوسف التَّنيسي ومَعْن ابن عيسى، وسعيد بن عَفِير ويحيى بن عبد الله بن بكير وأبي مُصْعَب أحمد بن أبي بكر الزُّهْري، ومُصعَب بن عبد الله الزُّبَيْرِي، ومحمد بن المبارك الصُّوري، وسليمان بن برد، ويحيى بن يحيى الأندلسي، فأخذت الأكثر من رواياتهم وذكرت اختلافهم في الحديث والألفاظ، وما أرسله بعضهم، أو وَّقفه وأسنده غيرهم، وما كان من المرسل اللاحق بالمسند. [مسند الموطّأ للغَافقي ل ٣٠٤ ب، مخطوط مكتبة الحرم المكي ٣١٣]. وقال السُّيُوطي: وقد وقفت على الموطّأ من روايتين أخريين سوى ما ذكر الغَافِقي. إحداهما رواية سويد بن سعيد، والأخرى رواية محمَّد بن الحسن، صاحب أبي حنيفة، وفيها أحاديث يسيرة زيادة على سائر الموطّآت منها حديث: إنما الأعمال بالنيات، [تنوير الحوالك ١/ ١٠].

стр. 56

المبحث الثاني اهتمام المغاربة برواية يحيى بن يحيى إنّ أجل الروايات للموطّأ وأوعبها رواية يحيى بن يحيى الليثي، وهي التي اعتمدها الناس في المغرب والمشرق وشرحوها وصحَّحوها. هكذا يقول المرحوم الطاهر بن عاشور في كشف المغطّى ص ٣٩. ويقول السيد محمَّد بن جعفر الكَتّاني: بعد الكلام على الموطّآت وأحسنها رواية يحيى بن يحيى بن كثير الليثي الأندلسي: وإذا أُطلق، في هذه الأعصار، موطّأ مالك فإنما ينصرف لها. [الرسالة المستطرفة ص ١٣ - ١٤]. أما الحافظ ابن عبد البر فيقول اعتمدت على رواية يحيى بن يحيى المذكورة خاصة لموضعه عند أهل بلدنا من الثقة والدين والفضل والعلم والفهم، ولكثرة استعمالهم لروايته وراثة عن شيوخهم وعلمائهم. [التمهيد/ ١٠]. أما ابن العربي فيقول: والكلام في شرح الموطّأ إنما هو على كتاب يحيى بن يحيى اللّيثي، الذي دخل الأندلس وأدخله .. وكان يحيى بن يحيى الراوية خيِّراً وقوراً عاقلًا آخذاً في هيئة بزمالك وسمته سمع من مالك الموطّأ مالك وسمع بمصر من اللَّيْث بن سعد. [المسالك ل ٤أ - ب].

стр. 57

المبحث الثالث شروط الموطّأ قد قدّمنا، فيما سبق، قول القاضي عِياض، ﵀، إنه لم يعتن بكتاب من كتب الحديث والفقه اعتناء الناس بموطأ مالك، وقد وُضِعت عليه شروح كثيرة نذكر أهمها: ١ - التمهيد لما في الموطّأ من المعاني والأسانيد لأبي عمر بن عبد البر النَّمري (ت ٤٦٣ هـ). ٢ - الاستذكار لما في الموطّأ من المعاني والآثار للمؤلف السابق. ٣ - المنتقى في شرح موطّأ إمام دار الهجرة لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي (ت ٤٧٤ هـ). ٤ - المسالك في شرح موطّأ الإِمام مالك لأبي بكر بن العربي (ت ٥٤٣ هـ). ٥ - القبس في شرح موطّأ مالك بن أنس، وهو كتابنا هذا وسيأتي الكلام عليه. ٦ - تنوير الحوالك على شرح موطّأ مالك لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت ٩١١ هـ). ٧ - شرح ملّا على سلطان محمَّد القاري الحنفي (ت ١٠١٤ هـ). ٨ - شرح الزرقاني على موطّأ الإِمام مالك لمحمد عبد الباقي بن يوسف الزرقاني (ت ١١٢٢ هـ). ٩ - المسوى في شرح الموطّأ لقطب الدين أحمد ولي الله بن عبد الرحيم الدَّهْلَوي (ت ١١٧٦ هـ). ١٠ - أوجز المسالك إلى شرح موطّأ مالك لمحمد زكريا الكَانْدَ هْلَوي.

стр. 58

الفصل الرابع مصنفات ابن العربي ١ - الأمد الأقصى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى. ٢ - كتاب الأفعال. ٣ - كتاب المتوسط في معرفة صحة الاعتقاد والرد على من خالف السنة وذوي البدع والإلحاد. ٤ - كتاب العواصم من القواصم. ٥ - الوصول إلى معرفة الأصول. ٦ - أنوار الفجر في مجالس الذكر. ٧ - أحكام القرآن الكبرى. ٨ - أحكام القرآن الصغرى. ٩ - خامس الفنون. ١٠ - قانون التأويل. ١١ - الناسخ والمنسوخ. ١٢ - عارضة الأحْوَذِي في شرح التِّرْمذي. ١٣ - القَبَس في شرح موطّأ مالك بن أنس. ١٤ - المسالك في شرح موطّأ مالك. ١٥ - كتاب النيرين في شرح الصحيحين. ١٦ - شرح الصحيح. ١٧ - الأحاديث المسلسلات. ١٨ - الأحاديث السباعيات. ١٩ - شرح حديث أم زرع. ٢٠ - شرح حديث الإفك. ٢١ - شرح حديث جابر في الشفاعة. ٢٢ - كتاب مصافحة البخاري مسلم.

стр. 59

٢٣ - مشكل القرآن والحديث. ٢٤ - المحصول في علم الأصول. ٢٣ - كتاب التمحيص. ٢٦ - شرح غريب الرسالة. ٢٧ - تبيين الصحيح في تعيين الذبيح. ٢٨ - ستر العورة. ٢٩ - كتاب الكافي في أن لا دليل على النافي. ٣٠ - كتاب الإنصاف في مسائِلِ الخلاف. ٣١ - مسائِلَ الخلاف. ٣٢ - التقريب والتبيين في شرح التلقين. ٣٣ - الرسالة الحاكمة على الأيمان اللازمة. ٣٤ - كتاب المقسّط في شرح المتوسّط. ٣٥ - نزهة المناظر وتحفة الخاطر. ٣٦ - سراح المريدين في سبيل المهتدين. ٣٧ - سراح المهتدين. ٣٨ - أحكام الآخرة والكشف عن أسرارها الباهرة. ٣٩ - رسالة المستبصر. ٤٠ - مراقي الزلفى. ٤١ - كتاب العقد الأكبر للقلب الأصغر. ٤٢ - تفصيل التفضيل بين التحميد والتهليل. ٤٣ - كتاب الأمر. ٤٤ - كتاب الفقراء. ٤٥ - ملجأة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين. ٤٦ - رده على ابن السيد البَطْلَيُوسي. ٤٧ - ترتيب الرحلة للترغيب في الملّة. ٤٨ - شواهد الجلة والأعيان في مشاهد الإِسلام والبلدان. ٤٩ - أعيان الأعيان. ٥٠ - فهرست شيوخه.

стр. 60

الفصل الخامس كتاب القبس المبحث الأول اسم الكتاب و نسبته إلى المؤلف عرف الكتاب بهذا الاسم (القبس في شرح موطّأ مالك بن أنس) نص عليه الشارح في الأحكَام ص ١٠٠٠، وفي المعارضة ٨/ ٢١٨، وفي القبس ٧٨٨، وكذلك في المسالك ل ٤أ، وذكره كل من ترجم له في مؤلفاته. انظر على سبيل المثال الديباج لابن فَرْحُون ٢/ ٢٥٤، نفح الطيب ٢/ ٣٥، أزهار الرياض ٣/ ٩٤، طبقات المفسرين للدَّاودي ٢/ ١٦٩، والمرشد الوجيز ٩٧، وانظر تعليق محقق الأنساب للسَّمْعاني ١/ ٢٩٨، وسماه، في آخر المخطوطة، قبس النور الأعظم ل ١٧٨ ب. نسبته إلى المؤلف: أولاً: إنه بإثباتنا لعنوان الكتاب نكون قد قطعنا شوطاً في تحقيق نسبته إلى المؤلف، ويزيد ذلك وضوحاً أن الذين ترجموا له ينسبونه إليه ضمن مؤلفاته. ثانياً: وجود ابن العربي على جميع نسخ الكتاب المخطوطة. ثالثًا: إحالته فيه على أغلب كتبه، انظر على سبيل المثال القبس ٢٣٦. رابعاً: النقول عنه. انظر شرح الرزقاني ١/ ١٩٠، فقد قال في القبس ليس للمتقدم، قبل الإِمام سبب إلا طلب الاستعجال، ودواؤه أن يستحضر أنه لا يسلم قبل الإِمام فلا يستعجل في هذه الأفعال. وبالرجوع إلى القبس نجد هذا النص بكامله في ص ٢٢٤. ونقل الحافظ الكلام السابق وحده بقوله: قال صاحب القبس، فتح الباري ٢/ ١٨٤، وكذلك القرطبي في تفسيره ١٨/ ١٥٢، و ٨/ ١١٨، ونقل عنه الحافظ أيضاً في الفتح ٢/ ٤٣١، وابن الجزري في الفتح ١/ ٣٥.

стр. 61

المبحث الثاني تاريخ تأليفه أملى هذا الكتاب في (٥٣٢ هـ) بقرطبة عندما كان مقيماً بها في فترة اعتزاله للقضاء وتركه لبلده أشبيلية. فقد جاء في نسخة ك وم وص عن أبي القاسم عبد الرحمن بن محمَّد ابن عبد الله بن يوسف بن حبيش، ﵁: حدثنا الإِمام الخطيب جمال الإِسلام أقضى القضاة أبو بكر محمَّد بن العربي، ﵀، إملاء علينا من لفظه بداره بقرطبة، حرسها الله، ونحن نكتب في شهور سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة قال: هذا كتاب القبس في شرح موطّأ مالك بن أنس، ﵀. نسخة م ل أ.

стр. 62

المبحث الثالث نسخ الكتاب ووصفها حصلت من هذا الكتاب على ست نسخ: النسخة الأولى: والتي تعد أقدم النسخ التي حصلت عليها من المكتبة المركزية بجامعة أم القرى وأصلها في مكتبة نور عثمانية بتركيا رقم (١١١٥). وقد جعلتها هي الأصل ورمزت لها بحرف (ت)، وهي تقع في ١٧٨ ورقة، وعدد الأسطر في الصفحة ٣٢ سطراً، وخطها نسخ جميل جداً إلا أنها تكثر فيها الأخطاء، وقد استعمل فيها الناسخ الحروف. ح - ش - للدلالة على قول الشارح: قال أبو حنيفة، قال الشافعي. نسخت هذه النسخة سنة (٨٧٢ هـ)، فقد جاء في آخر النسخة انتهى جميع الكتاب، وكان الفراغ من نقده ونسخه. في جمادى الأخيرة سنة اثنين وسبعين وثمانمائة على يد العبد الفقير إلى الله تعالى الحقير المعترف بالعجز والتقصير الفاني محمَّد بن سالم الحسابي الشافعي غفر الله له ولوالديه. وقد اعتمدت هذه النسخة، رغم ما فيها، مضطراً لأني ليس عندي غيرها في ذلك الوقت، ولم أحصل على النسخ الأخرى إلا في وقت متأخر جداً وقد سجلت منها للموضوع من ١ - ١٠٠ ك. النسخة الثانية: نسخة مكتبة الحرم المدني، وتقع في مائتي ورقة وخطها مغربي جميل وتاريخ نسخها (١٣٠٠ هـ)، وعدد الأسطر ٢٩ سطراً. وفيها تحديد تاريخ إملاء القبس بشهور سنة (٥٣٢ هـ) بقرطبة، وهذا التحديد في بقية النسخ غير الأصل. وقد رمزت لها بحرف (م). النسخة الثالثة: نسخة الخزانة العامة بالرباط رقم ج ٢٥، وخطها مغربي جميل، وعدد الصفحات ٣٧٧، وعدد الأسطر ٢٥ سطرًا وتاريخ نسخها (١٣٠٠ هـ) وناسخها مجهول، وهذه النسخة وصلت إليّ متأخرة ولذلك لم أجعل لها رقماً. النسخة الرابعة: نسخة بالخزانة العامة بالرباط ورقمها ك ١٩١٦ وكتب عليها ملك

стр. 63

محمَّد عبد الحي الكَتّاني، وعدد أوراق هذه النسخة ٢٨٧ ورقة وهي ناقصة من الآخر وقد رمزت لها بحرف (ك). النسخه الخامسة: النسخة التونسية وهي في المكتبة الوطنية برقم ٨٠٠٩ ومكتوب على الورقة الأولى منها: التحق هذا الكتاب بخزائن المكتبة الصادقية بالجامع الأعظم تحت عدد ١٠٣٥٣ ليجري عليه قانون المكتبة وذلك في سنة. ولم يذكر السنة، وهي ناقصة من الآخر عدة صفحات، وعدد أوراقها ٣٤٤، وعدد الأسطر ٢٢ سطراً، وقد رمزت لها بحرف (ص). وكانت استفادتي منها محدودة نظراً لرداءة تصويرها، فقد صورت تصويراً سقيماً لم يظهر على الورق، ولذلك كنت أحيل عليها في الأماكن المقروءة منها. ويظهر لي أن النسخ الأربع، بعد الأصل، أصلها واحد فهي لا تختلف إلا في القليل النادر. النسخة السادسة: نسخة المكتبة الوطنية بالجزائر تحت رقم ٤٢٧، وخطها مغربي جميل كتبت سنة (٦٣٦ هـ)، وعدد الأسطر فيها ٢٥ سطراً، وهذه النسخة لم يصل إليّ منها إلا القسم الأخير الذي لا أشتغل عليه ولا أدري هل هي ناقصة في الأصل أم لا. وهذه النسخة أصابت الأرَضَة بعض الأماكن منها والذي سلم خطه واضح ومقروء.

стр. 64

المبحث الرابع وفيه ثلاثة مطالب المطلب الأول منهج ابن العربي في كتابه القبس بدأ المؤلف بقوله: هذا كتاب القبس في شرح موطّأ مالك بن أنس رحمه الله تعالى، وهو أول كتاب أُلِّف في شرائع الإِسلام وهو آخره لأنه لم يؤلَّف مثله؛ إذ بناه مالك، ﵁، على تمهيد الأصول للفروع ونبَّه فيه على معظم أصول الفقه التي ترجع إليها مسائله وفروعه، وسترى ذلك، إن شاء الله، عيانًا وتحيط به يقيناً عند التنبيه عليه في موضعه أثناء الإملاء بحول الله تعالى. [القبس ص ١]. وبعد هذا بدأ في الشرح مباشرة وفي أقصى ما يكون من حسن الترتيب وتقسيم للمسائل تحت عناوين بارزة مشيراً إلى نكت وقضايا تحت عناوين الحاق - كشف وإيضاح - تفصيل - استلحاق - تفريع - تكملة تنبيه على مقصد - استدراك - فائدة، نكتة أصوليه - تتميم - تحقيق لغوي وتحقيق شرعي - تنبيه على وهم - مسألة أصولية - تأصيل - تعليق - وهم وتنبيه - تفسير - تحديد - تأصيل - ترجمة - تأسيس - عطف - مزلة قدم - عارضة - مزيد إيضاح - توحيد - تأديب - حكمة وحقيقة وتوحيد - بديعة - تبيين مشكل - توصية توفية وهكذا. مثلاً: يقول استلحاق: لما جعل النبي، ﷺ ، وقت العذر في العصر متصلاً بغروب الشمس وقت الصلاة التي بعدها ركب عليه علماؤنا وقت ضرورة العتمة فجعلوا وقت طلوع الفجر وقت الصلاة التي بعدها وهو إلحاق صحيح بالغ. ويقول: غائلة وإيضاح: جعل النبي، ﷺ ، أواخر الأوقات الخمس من الصلوات محدداً بمشاهد معاين لا يصح فيه اختلاف ولا يدرك فيه ارتياب إلا العتمة، فإنه جعل آخر وقتها مقدراً بالحزر والتخمين .. [القبس ص ٨]. تفريع: لم يختلف أحد من رواة الأحاديث في نوم النبي، ﷺ ، في الصحيح أنه، ﷺ ، لما استيقظ أذَّن بالصلاة وأقام لها، وفي ذلك خلاف من العلماء وخلاف مذهبي أيضاً [القبس ٣٦].

стр. 65

والشارح، ﵀، معروف بدقة النظر وتحرير محل النزاع في المسائل المختلف فيها بين الأئمة: فهو إذا عرضت مسألة خِلافية يناقشها ويبين أقوال العلماء، ويعرب عن رأيه صريحاً، وأحياناً يرجِّح المذهب المالكي، وأحياناً يرجِّح غيره من المذاهب إذا ظهر له أنه الحق، يقول به ولو خالف مالكاً نفسه، وذلك في كثير من المسائل. ففي مسألة الوضوء من مس الذكر يقول: والعجب لإمامنا، ﵁، يرويه في كتابه (أي الحديث الوارد في ذلك) ويدرسه مدى عمره ثم لا يقول به وتختلف فيه فتواه. فتارة يضعِّفه وتارة يقوِّيه وتارة يعتبر فيه الشهوة وتارة يسقطها، ونحن نقبل روايته فنقول: الحديث صحيح ولا نقبل تفريعه، فنقول: ينتقض الوضوء من مسه بقصد أو بغير قصد [القبس ١٢٠]. ويقول في الظهار: وعجباً للشافعي حيث يقول: إذا قال لها أنتِ عليّ كظهر أختي لا يكون ظهارًا وما هن أخواتهم، كما قال: ما هن أمهاتهم، والمعنى واحد. فأين الاستنباط وأين حمل النظير على النظير ثم قال تعالى: ﴿مِنْكُم﴾ فذهل الشافعي فقال: ظهار الذمي صحيح. [القبس ٨٧٢]. ويتعرض لمسألة أخرى اختلف فيها رأي مالك مع غيره وهي هل كان النبي ﷺ ، مفرداً أو متمتعاً أو قارناً. فقد رأى مالك والشافعي أنه كان مفردًا ويرد هو هذا القول بقوله: وأما المعاني التي تعلَّق بها مالك، ﵁، والشافعي ففعل النبي، ﷺ ، يسقطها وقد كان قارناً فوجب امتثال فعله وإسقاط الاعتراضات عليه، والحق أحق أن يتبع [القبس ص ٦٤٠]. هذه بعض الأمثلة في طريقة عرضه للمسائل. أما طريقته مع أبواب الموطّأ فهو يذكر الباب الذي ترجم به مالك، ثم بعد ذلك يقول حديث فلان. انظر مثلا ترجمة مالك في الموطّأ ١/ ١٩٣، باب النهي عن استقبال القبلة للحاجة. قال الشارح: الحديث الأول حديث أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله، ﷺ : "إذا ذهب أحدكم للغائط" [القبس ٤١٥]. ثم بعد ذلك يدمج الحديث بالشرح. وهو لا يكرر المسائل التي يتكلم عليها قبل، بل يحيل عليها سواء كانت المسألة في نفس مباحث الكتاب أو كتاب آخر له، وهذا ما جعل الباحث يجد بعض الصعوبة في

стр. 66

إحالاته على كتبه التي بعضها انعدم في حياته والبعض الآخر لا يزال مخطوطًا ولم يطبع من كتبه إلا النزر اليسير. * * * المطلب الثاني مزايا الكتاب يُعدّ هذا الكتاب من أهم شروح الموطّأ؛ فقد أبان فيه ابن العربي عن علم مالك ومكانته ومكانة كتابه الموطّأ الذي وصفه بأنه أول كتاب ألِّف في شرائع الإِسلام. وقد شرحه هو هذا الشرح الذي أتى فيه بما كان انتقد على أبي الوليد الباجي التقصير فيه، وهو علوم الحديث الذي تضمنه كتاب الموطّأ. قال في المسالك: وأما الباجي فقد أشبع القول في هذا الفن (أي في الفقه) وأغفل كثيراً من علوم الحديث الذي يتضمنه كتاب الموطّأ [المسالك ل ٤ (أ)]. كما أنه ناقش المسائل الفقهية والأصولية وأظهر أن مالكًا وضع في كتابه الموطَّأ، مصطلحات فقهية لم يسبق إليها. يقول ﵀ في كتاب الفرائض: قال مالك: ميراث الصلب الموّطأ [٢/ ٥٠٣]. قال ابن العربي: هي كلمة بديعة هو أول من تلقفها من القرآن في قوله (يَخْرِجُ مِنْ بَيْن الصُّلْبِ وَالتَّرائِب﴾ [القبس ل ١٥٤أ]. وقد أشار إلى تعبير آخر لمالك لم يسبق إليه من اختيار المناسبة والترتيب. قول مالك في آخر الموّطأ. [كتاب الجامع ٢/ ٨٨٤]. قال ابن العربي: هذا كتاب اخترعه مالك، رحمه الله تعالى، في التصنيف لفائدتين: إحداهما: أنه خارج عن رسم التكليف المتعلق بالأحكام التي صنَّفها أبوابًا ورتبها أنواعاً. الثانية: أنه لما لحظ الشريعة وأنواعها ورآها منقسمة إلى أمر ونهي، وإلى عبادة ومعامله، وإلى جنايات وعادات نظمها أسلاكاً وربط كل نوع بجنسه. [القبس ل ١٥٧ ب من نسخة (الأصل)]. * * *

стр. 67

المطلب الثالث المآخذ التي تؤخذ على الشارح لما كان الخطأ لا يسلم منه أحد فالشارح، كغيره من الناس، يحصل له الخطأ كما يحصل لكل البشر. وهذا الخطأ لا يسقط مكانته إذا عدَّ في جانب ذلك البحر الزاخر من الحسنات. وتتمثل هذه المآخذ في طعنه على الأئمة وقد يصل أحياناً إلى القذع الشديد. يقول في مقدمه المسالك: إنما حملني على جمع هذا المختصر بما فيه، إن شاء الله، كفاية وتنوع أمور ثلاثة؛ وذلك أني ناظرت جماعة من أهل الظاهر الحزمية الجهلة بالعلم والعلماء وقلة الفهم على موطّأ مالك ابن أنس فكلُّ عابه وهزأ به. [المسالك ل ٣ ب]. ويقول [في القبس ٤٩٢]: ويحكى عن قوم أن الصوم في السفر لا يجوز، وأن من صام لا يجزئه، وهم أقل خلقاً وقولهم أعظم فرقاً في الدين وفتقاً، ولولا ما شدَّك من قلوب الناس في بلادنا بهذه المقالة الركيكة ما لفتنا نحوها ليتاً. ويقصد هنا بالقوم الظاهرية. ويقول: ليس في الأمم طائفة أعظم تعلقاً بالظاهر من اليهود ومنه هلكوا .. إلى أن قال: وهذه الطريقة أراد أن يسلكها داود في الدين. [القبس ١١١٧ بتصرف]. هذا عن الظاهرية، وهم الأعداء الألداء له، ولكن غيرهم لم يسلم فيقول مثلاً في أبي حنيفة والشافعي. قال مالك: من حلف لا يأكل الطعام ولا يلبس هذا الثوب أنه لا ينتفع بهما في حال .. وقال أبو حنيفة والشافعي: يبيعه ويأكل منه، وهذه فتوى يهودية. [القبس ١١١٨]. ويقول، وهو يستعرض أقوال الأئمة في مسائل القذف: وأما أبو حنيفة فهو أعجمي ولا يستنكر عليه الجهل بهذه المسألة. [القبس/ ١٠١٩]. ويقول في باب الغسل: وقعت للبخاري في جامعه كلمة منكرة فإنه ذكر اختلاف الأحاديث، ثم قال: والغسل أحوط وإنما بيَّنا ذلك لاختلافهم، وهذا خطأ فاحش فكيف ينتقل الغسل من الوجوب إلى الاحتياط. [القبس/ ١٦٩]. هذا جزء بسيط من كلامه، ﵀، ذكرناه كمثال.

стр. 68

الباب الثاني قسم التحقيق

стр. 69

بسم الله الرحمن الرحيم (١) وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قال الإِمام أبو بكر محمَّد بن العربي، ﵁: هذا أول كتاب أُلِّفَ في شرائع (٢) الإِسلام وهو آخره؛ لأنه لم يُؤَلَّف مثله إذ بناه مالك، ﵁، على تمهيد الأصول للفروع ونبّه فيه على معظم أصول الفقه، التي ترجع إليها مسائله وفروعه، وسترى ذلك، إن شاء الله تعالى، عيانًا وتحيط به يقيناً عند التنبيه عليه في موضعه أثناء الإملاء بحول الله تعالى. ذكر ابتدائه: اختلفت مقاصد المؤلفين على ستة أنحاء فمنهم من بدأ بالوحي (٣)، ومنهم من بدأ بالإيمان (٤)، ومنهم من بدأ بالاستنجاء (٥)، ومنهم من بدأ بالوضوء (٦)، ومنهم من بدأ بالصلاة، ومنهم من بدأ بالوقوت (٧)، وهو أسعدهم في الإصابة لأن الوحي والإيمان علم

стр. 70

عظيم منفرد بنفسه فإن ذكر منه قليلًا لم يغنه عن المقصود. وإن ذكر كثيراً صرف عما تصدى له، وأما من بدأ بغير ذلك فإنه لا يلزم الاستنجاء ولا الوضوء ولا الصلوات إلا عند دخول الوقت، ولذلك قال محققو علمائنا، رحمة الله عليهم، إنه ليس في الشريعة نفل يجزئ عن فرض قبل الوقت. وسمعت الشَّاشي (١)، بمدينة السلام (٢)، يقول: إن الوضوء واجب عليه في وقت غير معين متى فعله أجزأه وهذا ضعيف لأنه لا يصح وجوب الفرع مع عدم وجوب الأصل ولا وجوب الشرط مع عدم وجوب المشروط. تنبيه: قال مالك، ﵁: وقوت (٣) الصلاة، وقد اتفق أرباب اللغة على أن فعولاً جمع الكثرة وأفعالًا جمع القلة (٤). وكذلك فعل هو، ﵁، فإنه أدخل تحت الترجمة ثلاثة عشر وقتاً. وكل وقت منها ينفرد عن صاحبه بحكم ويغايره من وجه. الإسناد: ذكر مالك، ﵁، حديث صلاة جبريل معدداً على خمس (٥). وفي مسلم

стр. 71

أنه معدد على عشرة، وذكره ﵁، مجملاً، وكذلك ذكره مسلم وغيره، وروي من طريق ابن عباس وغيره مفسراً. (أَمَّني جِبْرِيلُ عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ) (١) الحديث الخ. وفيه نكتة بديعةُ أغفلهَا علماؤنا، ﵃، وذلك قوله، ﷺ : "فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ في الْيَوْمِ الأَوَّلِ" معناه ابتداء، وكذلك جميع الصلوات. وصلى بي الظهر في اليوم الثاني معناه فرغ من جميع الصلوات، وكذلك يحدّد الأول من الأوقات والأواخر. إشكال وحله: إذا ثبت هذا فجاء في لفظ الحديث "وَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ في الْيَومْ الْثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالأمْسِ" فاحتمل أنْ يكون معنى قوله فصلى بي بدأ أو ختم، فأنشأ هذا بين العلماء اختلافًا في اشتراك الظهر والعصر، وتاللهِ ما بينهما اشتراك، ولقد

стр. 72

زهقت فيه أقلام العلماء لأنه لم يكن معنى قوله: وصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظلّ كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس فرغ. لم يكن بياناً وإذا كان معناه فرغ ضرورة لم يكن اشتراك. وتبين بهذا أن النبي ﷺ ، في اليوم الأول بدأ بالعصر حين صار ظلّ كل شيء مثله وفرغ من الظهر في ذلك اليوم في ذلك الوقت، فصار اشتراك آخر الظهر أول وقت العصر والله أعلم. إلحاق: كما بيَّنه جبريل للنبي، ﵉، كذلك بيَّنه رسول الله ﷺ ، للسائل في حديث أبي موسى (١) وغيره، والذي أدخل مالك منه جزءً وترك سائِره إذ لم يكن كتابه على التطويل والاستيفاء، وخص مما ذكر صلاة الصبح وكانت الفائدة في ذلك أن يبيّن أن في الصبح وقتًا واسعاً اختيارياً متعدداً رداً على من يقول إنه واحد وأنه وقت ضرورة. كشف وإيضاح: نزل جبريل إلى النبي ﷺ ، مأموراً مكلَّفاً لا بتعليم النبي ﷺ ، بأصل الصلاة لأنّ الملائكة، وإن كانوا مكلّفين، فبغير شرائعنا. ولكن الله، ، كلَّف جبريل، ﵇، الإبلاع والبيان كيف ما احتِيج إليه قولًا وفعلًا. فإن قرأت بهذا أمرت صحّ أن يخبر به جبريل عن نفسه وإن قرأت أمرتَ، بفتح التاء، فمعناه أنّ الذي أمرت به من الصلاة البارحة مجملًا هذا تفسيره اليوم مفصلًا وهو الأقوى في الروايتين. وبهذا يتبين بطلان قول من يقول إن في صلاة جبريل بالنبي ﷺ ، جواز صلاة المعلم بالمتعلم (٢) أو المفترض خلف المتنفل. وأما حديث عائشة (٣)، ﵂، فدل به مالك، رحمة الله تعالى عليه،

стр. 73

على مواظبة النبي ﷺ ، على صلاة الصبح مع الفجر ولو كان نفلاً كما قاله أهل العراق (١) ما اختار حياته كلها لنفسه النفل وترك الفرض. وأما حديث أبي هريرة، ﵁ (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلَعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ) (٢). يقتضي بظاهره أن ركعة واحدة تجزيه وتكفيه، ولكن الأمة أجمعت على أنه لا بدّ أن يضيف لها أخرى. وفي البخاري (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبحِ قبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُصلِّ إِلَيْهِا أُخْرَى) (٣). كما روى النّسائي وغيره أن النبي ﷺ ، قال: (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمْعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجُمْعَةِ) (٤). فصل: قوله: (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ) استوى ها هنا وقت الضرورة ووقت الاختيار لأنه ليس بعد طلوع الشمس وقت للصبح ولا قبلها وقت ضرورة لها، وكذلك كنا نقول في العصر كما قال الأوزاعي (٥) وأبو حنيفة (٦) لولا قول النبي ﷺ ، من طريق أنس وغيره (تِلْكَ صَلاَةُ الْمُنَافَقِيِنَ ثَلاَثاً يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتى إذَا

стр. 74

اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِّ شَيْطَانٍ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعاً لَا يَذْكُرُ الله فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) (١). فإن قيل إنما وقع الذم بالنقر وقلة الذكر قلنا إذا ذكر النبي ﷺ ، وصفين وعلق الحكم عليهما لم يجز إلغاء أحدهما (٢). فلذلك قال علماؤنا هذا الحديث للحائض تطهير والصبي يبلغ والكافر يسلم، فأما الناسي يذكر فكل وقت يذكر وقت له، وكذلك المتعمد متى ما ذكر فهو وقته، وإن تمادى الذكر فكل ذكر له وقته وهو داخل تحت قوله: (مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أو نَسِيَها فلْيُصَلِّها إِذَا ذَكَرَها) (٣) , لأن الناسي هو التارك لغة (٤). استلحاق: لما جعل النبي، ﷺ ، وقت العذر في العصر متصلاً بغروب الشمس وقت الصلاة التي بعدها ركَّب عليه علماؤنا وقت ضرورة العتمة فجعلوا وقت طلوع الفجر وقت الصلاة التي بعدها، وهو إلحاق صحيح بالغ. غائلة وإِيضاح: جعل النبي، ﷺ ، أواخر الأوقات الخمس في الصلوات محدداً بمشاهد معاين لا يصح فيه اختلاف ولا يدرك فيه ارتياب إلا العتمة، فإنه جعل آخر وقتها مقدراً بالحزر والتخمين، ولذلك نرى الروايات تختلف ما بين ثلث الليل ونصفه وبهذا أدخل مالك (إِلَى شَطْر الْلَّيْلِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٥) لأنه أحد وجهي التحديد والحكمة في أن جعل

стр. 75

موقوفاً على التخمين أن الظل بالنهار علامة معاينة، فعلق النظر بها، وليس بالليل علامة معاينة ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إلّا وُسْعَهَا﴾ (١) فوكلوا إلى التقدير وعذروا في التقصير. تأصيل: نبَّه مالك، رحمه لله تعالى، لحديث عمر، ﵁، علي أصل كبير من أصول الفقه وهو سكوت باقي القوم على قول بعضهم فإنه يكون إجماعًا (٢) لأن عمر، ﵁، كتب إلى الأمصار بكتابه فما اعترضه أحد. توصيل: ونبَّه به أيضاً على أصل آخر من أصول الفقه وهو اتصال عمل الخلفاء بحديث النبي، ﷺ ، فتقوى النفس به أو يأخذ أحاديثه فيترجح على غيره، فلم نجد ها هنا، في هذا الباب لأبي بكر، كلاماً فأردفه كلام عمر، ﵁، ووجد في الزكاة كلام أبي بكر وعمر، ﵄، فأردف كلام النبي، ﷺ ، بهما (٣). تقرير: ذكر عمر بن الخطاب، ﵁، في كتابه أنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إذا كَانَ الفَييْءُ ذِرَاعاً. والمصلون على قسمين واحد وجماعة. فأما الواحد فأول الوقت له أفضل، بلا خلاف بين المالكية والشافعية نعم وقبل النفل، فإن أراد أن يتنفَّل فبعد أن يؤدّي الفرض، وقد وهم في ذلك بعض المالكية وبيناه في موضعه. وأما الجماعة فأول الوقت أفضل لها بلا خلاف. إلا أنه لما كان تألفهم لا يمكن في أول الوقت لأنه يأتي في غفلة، فإلى أن يتأهب له الناس يمضي منه برهة فقدره لهم عمر
следующие страницы →