← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أنه معدد على عشرة، وذكره ﵁، مجملاً، وكذلك ذكره مسلم وغيره، وروي من طريق ابن عباس وغيره مفسراً. (أَمَّني جِبْرِيلُ عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ) (١) الحديث الخ. وفيه نكتة بديعةُ أغفلهَا علماؤنا، ﵃، وذلك قوله، ﷺ : "فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ في الْيَوْمِ الأَوَّلِ" معناه ابتداء، وكذلك جميع الصلوات. وصلى بي الظهر في اليوم الثاني معناه فرغ من جميع الصلوات، وكذلك يحدّد الأول من الأوقات والأواخر. إشكال وحله: إذا ثبت هذا فجاء في لفظ الحديث "وَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ في الْيَومْ الْثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالأمْسِ" فاحتمل أنْ يكون معنى قوله فصلى بي بدأ أو ختم، فأنشأ هذا بين العلماء اختلافًا في اشتراك الظهر والعصر، وتاللهِ ما بينهما اشتراك، ولقد

стр. 72

زهقت فيه أقلام العلماء لأنه لم يكن معنى قوله: وصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظلّ كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس فرغ. لم يكن بياناً وإذا كان معناه فرغ ضرورة لم يكن اشتراك. وتبين بهذا أن النبي ﷺ ، في اليوم الأول بدأ بالعصر حين صار ظلّ كل شيء مثله وفرغ من الظهر في ذلك اليوم في ذلك الوقت، فصار اشتراك آخر الظهر أول وقت العصر والله أعلم. إلحاق: كما بيَّنه جبريل للنبي، ﵉، كذلك بيَّنه رسول الله ﷺ ، للسائل في حديث أبي موسى (١) وغيره، والذي أدخل مالك منه جزءً وترك سائِره إذ لم يكن كتابه على التطويل والاستيفاء، وخص مما ذكر صلاة الصبح وكانت الفائدة في ذلك أن يبيّن أن في الصبح وقتًا واسعاً اختيارياً متعدداً رداً على من يقول إنه واحد وأنه وقت ضرورة. كشف وإيضاح: نزل جبريل إلى النبي ﷺ ، مأموراً مكلَّفاً لا بتعليم النبي ﷺ ، بأصل الصلاة لأنّ الملائكة، وإن كانوا مكلّفين، فبغير شرائعنا. ولكن الله، ، كلَّف جبريل، ﵇، الإبلاع والبيان كيف ما احتِيج إليه قولًا وفعلًا. فإن قرأت بهذا أمرت صحّ أن يخبر به جبريل عن نفسه وإن قرأت أمرتَ، بفتح التاء، فمعناه أنّ الذي أمرت به من الصلاة البارحة مجملًا هذا تفسيره اليوم مفصلًا وهو الأقوى في الروايتين. وبهذا يتبين بطلان قول من يقول إن في صلاة جبريل بالنبي ﷺ ، جواز صلاة المعلم بالمتعلم (٢) أو المفترض خلف المتنفل. وأما حديث عائشة (٣)، ﵂، فدل به مالك، رحمة الله تعالى عليه،

стр. 73

على مواظبة النبي ﷺ ، على صلاة الصبح مع الفجر ولو كان نفلاً كما قاله أهل العراق (١) ما اختار حياته كلها لنفسه النفل وترك الفرض. وأما حديث أبي هريرة، ﵁ (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلَعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ) (٢). يقتضي بظاهره أن ركعة واحدة تجزيه وتكفيه، ولكن الأمة أجمعت على أنه لا بدّ أن يضيف لها أخرى. وفي البخاري (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبحِ قبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُصلِّ إِلَيْهِا أُخْرَى) (٣). كما روى النّسائي وغيره أن النبي ﷺ ، قال: (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمْعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجُمْعَةِ) (٤). فصل: قوله: (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ) استوى ها هنا وقت الضرورة ووقت الاختيار لأنه ليس بعد طلوع الشمس وقت للصبح ولا قبلها وقت ضرورة لها، وكذلك كنا نقول في العصر كما قال الأوزاعي (٥) وأبو حنيفة (٦) لولا قول النبي ﷺ ، من طريق أنس وغيره (تِلْكَ صَلاَةُ الْمُنَافَقِيِنَ ثَلاَثاً يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتى إذَا

стр. 74

اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِّ شَيْطَانٍ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعاً لَا يَذْكُرُ الله فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) (١). فإن قيل إنما وقع الذم بالنقر وقلة الذكر قلنا إذا ذكر النبي ﷺ ، وصفين وعلق الحكم عليهما لم يجز إلغاء أحدهما (٢). فلذلك قال علماؤنا هذا الحديث للحائض تطهير والصبي يبلغ والكافر يسلم، فأما الناسي يذكر فكل وقت يذكر وقت له، وكذلك المتعمد متى ما ذكر فهو وقته، وإن تمادى الذكر فكل ذكر له وقته وهو داخل تحت قوله: (مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أو نَسِيَها فلْيُصَلِّها إِذَا ذَكَرَها) (٣) , لأن الناسي هو التارك لغة (٤). استلحاق: لما جعل النبي، ﷺ ، وقت العذر في العصر متصلاً بغروب الشمس وقت الصلاة التي بعدها ركَّب عليه علماؤنا وقت ضرورة العتمة فجعلوا وقت طلوع الفجر وقت الصلاة التي بعدها، وهو إلحاق صحيح بالغ. غائلة وإِيضاح: جعل النبي، ﷺ ، أواخر الأوقات الخمس في الصلوات محدداً بمشاهد معاين لا يصح فيه اختلاف ولا يدرك فيه ارتياب إلا العتمة، فإنه جعل آخر وقتها مقدراً بالحزر والتخمين، ولذلك نرى الروايات تختلف ما بين ثلث الليل ونصفه وبهذا أدخل مالك (إِلَى شَطْر الْلَّيْلِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٥) لأنه أحد وجهي التحديد والحكمة في أن جعل

стр. 75

موقوفاً على التخمين أن الظل بالنهار علامة معاينة، فعلق النظر بها، وليس بالليل علامة معاينة ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إلّا وُسْعَهَا﴾ (١) فوكلوا إلى التقدير وعذروا في التقصير. تأصيل: نبَّه مالك، رحمه لله تعالى، لحديث عمر، ﵁، علي أصل كبير من أصول الفقه وهو سكوت باقي القوم على قول بعضهم فإنه يكون إجماعًا (٢) لأن عمر، ﵁، كتب إلى الأمصار بكتابه فما اعترضه أحد. توصيل: ونبَّه به أيضاً على أصل آخر من أصول الفقه وهو اتصال عمل الخلفاء بحديث النبي، ﷺ ، فتقوى النفس به أو يأخذ أحاديثه فيترجح على غيره، فلم نجد ها هنا، في هذا الباب لأبي بكر، كلاماً فأردفه كلام عمر، ﵁، ووجد في الزكاة كلام أبي بكر وعمر، ﵄، فأردف كلام النبي، ﷺ ، بهما (٣). تقرير: ذكر عمر بن الخطاب، ﵁، في كتابه أنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إذا كَانَ الفَييْءُ ذِرَاعاً. والمصلون على قسمين واحد وجماعة. فأما الواحد فأول الوقت له أفضل، بلا خلاف بين المالكية والشافعية نعم وقبل النفل، فإن أراد أن يتنفَّل فبعد أن يؤدّي الفرض، وقد وهم في ذلك بعض المالكية وبيناه في موضعه. وأما الجماعة فأول الوقت أفضل لها بلا خلاف. إلا أنه لما كان تألفهم لا يمكن في أول الوقت لأنه يأتي في غفلة، فإلى أن يتأهب له الناس يمضي منه برهة فقدره لهم عمر

стр. 76

بربع القامة مصلحة لهم وحرصاً على اجتماعهم على هذه الشعيرة وفي هذا إثبات المقدرات بالقياس رداً على أهل العراق (١). وبهذا يتبين أنَّ فضل الجماعة أفضل من فضل أول الوقت، والدليل عليه الحاسم للإشكال أنه لو أن أهل بلد اتفقوا على ترك الجماعة قوتلوا، ولو اتفقوا على ترك أول الوقت لم يلاموا، ومن الرفق بهم أن قدّر لهم وقت العصر ببياض الشمس؛ لأن تقديره بظل الشخص بمثله لا يمكن إلا لمن حصله أول الزوال. ولما كان إهماله عند الخلق لكثرة أشغالهم أكثر من تحصيله عدل بهم إلى البياض لأنه دليله وأقرب في التحصيل منه وحده في المغرب وقتاً واحداً، وقد ثبت عن النبي، ﷺ ، (أنَّها إِلَى مَغِيب الشَّفَقِ) (٢) في وقت وصارت المغرب ما بين الشفق والمغرب كالصبح ما بين الفجر والطلوع، إلا أنَّ المبادرة بها أفضل وتزيد على سائر الصلوات في ذلك بأن وقتها يدخل على ذكرى من الخلق وفراغ من أعمالهم فلا وجه لتأخيرها، وقد روي عن مالك أن وقتها عند غروب الشمس واحد (٣). ولا ينبغي أن يلتفت إليه لأن الموطّأ رواه عنه خلق كثير وكتبه بيده وأقرأه عمره، لمن روى عنه هذا الذي فيه من أنّ المغرب لها وقتان، ولمن روى خلافه فلا يصح أن يترك هذا الخبر المتواتر لذلك الخبر الواحد المظنون. مزيد إيضاح: لما كتب عمر، ﵁، إلى العمال، في إقامة الصلوات بالناس جماعة،

стр. 77

فدَّر لهم ربع القامة، ولما كتب إلى أبي موسى الأشْعَرِي في خاصته (١) قال له: (صَلِّ الظُّهرَ إِذا زَاغَتِ الْشَّمْسُ). تنبيه: لما رأى مالك، رحمه الله تعالى، أن حديث جبريل في تقدير الأوقات بالظل لم يصِحّ أدخل حديث أبي مسعود المحتمل في قوله: فصلى فصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ " ثم أدخل حديث أبي هريرة في الظل المفسّر. قال: (أَنَا لَعَمْرُ الله أُخْبِركَ صَلِّ الْظُّهْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَكَ (٢) والعَصْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَيْكَ)، وغاص (٣) ذلك الحبر، وهو البخاري (٤)، على هذه النكتة فقبلها فصار يترجم بما

стр. 78

لم يصح عنده ويعقبه بتفسير الصحيح. وأما حديث أنَس في خروجهم بعد انقضاء الصلاة إلى بني عمرو بن عوف وقباء فيجدونهم يصلون العصر (١)، فإنما قصد به بيان تفاوت الناس في تقديم الصلاة وتأخيرها حسب أَعمالهم وأَشغالهم لتوسعة الباري، ﵎، عليهم. وقد اخْتُلِف في الشغل والصلاة إذا تعارضا مع الوقت، فقال أحبارهم (٢) من فقه الرجل أن يبدأ بشغله قبل صلاته حتى يقيمها بقلب فارغ لها وإلى هذا وقعت الإشارة

стр. 79

بقوله، ﷺ ، في الحديث الصحيح: "إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ (١) والصَّلاَة" زاد الدارقطني وَأَحَدُكُمْ صائِمُ، فَلْيَبْدَأْ بِالْعَشَاءِ (٢). وههنا اختلف العلماء، قديماً وحديثاً، إذا ترك الصلاة في أول الوقت بعد علمه بها هل يتركها إِلى بدلٍ أو يتركها مطلقاً. فمن العلماء من قال إنه يتركها مطلقاً وليس بشيء لأن في ذلك تسوية بينها وبين النفل، ومنهم من قال يتركها إلى بدل وهو العزم على الفعل. فإن قبل لو كان العزم على الفعل بدلاً لأسقطها إذا فعل كسائِرِ الأبدال إذا فُعِلت سقطت مبدلاتها. والجواب أن سائر المبدلات إنما سقطت بأبدالها لأنها جَعِلت بدلاً عن أصل الفعل، وفي مسألتنا جعل العزم بدلاً عن تأخير الفعل، وقد أدخل الدارقطني هذا الحديث في أوهام مالك لمخالفة الجماعة له فيه وانفراده به دونهم (٣) والله أعلم.

стр. 80

وقت الجمعة: اتَّبَعَ مالك، رحمة الله تعالى عليه، ذكر الأوقات بوقت الجمعة وهو الثالث عشر من الأوقات التي بنى عليها. واختلف فيه فمنهم من قال: إنها تُصلّى في ضحى النهار وابتدائه لأنها صلاة عيد (١)، ومنهم من قال: وقتها وقت الظهر. وعرضت ههنا مسألة تعلَّق بها شيء من هذا الخلاف وهي أن الجمعة هل هي أصل بنفسها والظهر بدل عنها؟ أم هي بدل والظهر أصل. اختلف في ذلك العلماء (٢) ووقع في الكتاب (٣) (إِذَا دَخَلَ يَوْمُ الخَمِيسِ يَظُنُّهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمُ الجُمُعَةِ يَظُنُّهُ يَوْمَ الخَمِيسِ) (٤). وذكر القولين. وفيها قول ثالث أنه يجزي فيهما جميعاً. وفيه قول رابع إنه لا يجزي في واحد منهما ونظيرها إن دخل المسافر خلف المقيم أو المقيم خلف المسافر بنية مطلقة أو بنية القصر أو نية الإِتمام موافقاً لنية إمامه أو مخالفاً لها. والصحيح أنه إذا اختلفت نيته مع نيه إمامه بطلت صلاته لأنه إن دخل يوم الخميس ونوى ركعتين فقد زاد في صلاته ما لم ينوِ، وإن دخل يوم الجمعة وهو يظنه يوم الخميس ونوى ركعتين فقد نقض ما يلزمه وكلاهما لا يجوز فكله لا يجزي، وهذا بيِّنٌ فليتأمل، والذي يصح أن الظهر أصلٌ والجمعة بدل لأن النبي، ﷺ ،

стр. 81

صلى الظهر أولًا ثم رجع إلى الجمعة بعد. واختلف الناس في أول جمعة فقيل جؤاثى (١)، وقيل عند بني النبيت (٢)، وقيل عند بني سالم (٣)، بعبد قدوم النبي، ﷺ ، والأشْهُر أنها جمعت ببني النبيت (٤)، ولكنه بدل يفعل مع القدرة على الأصل كرامة أكرم الله تعالى بها هذه الأمة وشيء يسَّره الله لهم. قال رسول الله، ﷺ : "نَحْنُ الآخَرُونَ السَّابِقُونَ بَيْدَ أَنَّهُمِ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا

стр. 82

وَأُوتينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَهذا اليَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا الله لَهُ فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ اليَهُودُ غَداً وَالنَّصَارَي بَعْدَ غَدٍ" (١). وفي الآثار المأثورة أن جبريل صلوات الله عليه جاء النبي، ﷺ ، بمرآة الصينية وفيها نكتة فقال له النبي، ﷺ : ما هذا؟ قال: الجمعة (٢). فالمرآة الصينية هى الشريعة ضُربت مثلاً لها، والنكته الجمعة إذ ليس فيها مثلها، ففي ذلك أربع فوائد: الأولى: أن السبق بالفعل لا بالزمان. الثانية: أن الله تعالى هدانا للتمسك بالشريعة وأن أهل الكتاب بدّلوا. الثالثة: أن ابتداء حساب الجمعة يوم الجمعة وخاتمته الخميس، إلا أن الناس أصابتهم رائحة يهودية فأخَّروا أنفسهم وقد قدَّمهم الله تعالى فيبتدؤون بيوم السبت ويختمون بيوم الجمعة. وإلى مثله وقعت الإِشارة بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣). الرابعة: أن جعل الجثت محمولة للظروف والظروف خبراً عنها في قوله اليهود غداً (٤). وقد قال عبد الملك (٥) بن مروان وكان من الفصحاء: نحن الزمن من رفعناه

стр. 83

ارتفع (١). تبيين. ثبت في الصحيح أن النبي، ﷺ "كَانَ يُصلِّي الجُمُعَةَ فَيَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ (٢) ظلٌّ " وهذا يدل على تبكيره بها، وقد قال ابن عمر: ما كنّا نتغدى ونقيل إلا بعد الجمعة (٣)، إشارة إلى التبكير إليها لا إلى التبكير بها، وأدخل مالك، رحمه الله تعالى، حديث عمر، ﵁، موافقاً له فإن الطنفسة (٤) إنما كان يغشاها ظل الجدار في أول الوقت (٥)، وذلك يعرف بثلاثة شروط: أحدها: صوب القبلة بالمدينة. والثاني: علو الجدار فإن الظل يختلف فيه. والثالث: عرض الطنفسة فإنها قد تكون بقدر الظل أو أزيد أو أنقص. وقد أُخِذَ على مالك، ﵁، في تحديد وقت صلاة الجمعة بهذا القدر الذي لا يمكن الوصول إليه إلا بعد جهد. وهذا لا يتوجه عليه لأنه إنما ساق ذلك من فعل عمر، ﵁، حجة على من قدَّم الجمعة بالمدينة أو أخَّرها، إشارة إلى أن أول الوقت هو (حدّها)، وأول الوقت يُدرك، في كل موضع، بهيئته. وقد كان الأمراء يؤخِّرونها جداً حتى يخرجوها عن أولها (٦)، فذكر مالك، رحمه الله تعالى، أيضاً حديث

стр. 84

عثمان ﵁ أنه كان (يُصَلِّي الجُمُعَةَ بِالمَدِينَةِ وَالْعَصْرَ بِمَلَلٍ (١)) (٢)، وبينهما نحو من خمسة فراسخ (٣).

стр. 85

باب من أدرك ركعة من الصلاة ثبت عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ" (١)، وليس معناه أنها تجزيه عن باقيها، وإنما معناه أنه أدرك الفضل ولزمه حكم الإِمام الذي نواه ولزمه في الاقتداء به، ونشأت ههنا عضلة (٢)، من العضل، ليس عن النبي، ﷺ ، فيها نص وهو أنه إذا كان مدركاً بركعة للصلاة هل يكون ذلك أولَ صلاته أم آخرها؟ فاضطرب الناس فيه وضرب بينه وبين الأكثر منهم باب لم ينفذوا فيه ولا يحتمل هذا (القبس) إزالة ظلمة الإشكال فيه؛ فالذي يجب أن يعوَّل عليه أن الذي أدرك أول صلاته (فيبني عليها في) الجلوس والقراءة (وهذا الفصل تعرفونه، إن شاء الله تعالى، فلا وجه إلى الإطناب فيه) ولا الإِطالة إلّا أنه دخل عليه فرعان اختلف فيهما علماؤنا وهي اختلاط القضاء بالأداء في مسألة الراعف (٣) وفي صلاة الخوف (٤)، ونشأ منه تخريج فرع في صلاة المسافر مع المقيم، والذي يهديكم فيه أن تجعلوا أول صلاته ما أدرك ثم تركبوا الجلوس عليه وتركبوا عليه القراءة، فإن أدرك ركعة وقام إلى الثانية، في صلاة الجهر، جهر بالثانية، وإن كان في صلاة السرّ قرأ بالسورة ثم جلس. ثم اختلف الناس هل يقضي الجهر في الثالثة والسورة أم لا، والصحيح أنه يأتي بها عندنا لأنه لو أدرك ركعتين من رباعية الجهر وقام إلى القضاء

стр. 86

لجهرِ وقرأ السورة، والأصل في ذلك نكتة بديعة وهي أنه إذا أدرك ركعة، أوما يكون به مدركاً، فقد فاتته أركان وصفات أركان. فليقضِ ما فاته من ركن أو صفة ركن ومن جملتها ما فاته في الركعة التي أدرك فإنه فاته فيها ركن، وهي الجهر والسورة، فمن الناس من ألغاها لأنه جعلها تبعاً لركنها وقد مضى. ومن الناس من قال بل يقضيها في محل مثلها وهو الصحيح كما تقدم. وقد سمعت أبا الوفا (١) إمام الحنابلة ببغداد، يقول: من نسي قراءة الفاتحة في الثلاث ركعات قرأها في الركعة الرابعة أربع مرات، ويسند ذلك إلى أبي بكر الصديق، ﵁، ولا أقول به. تتميم: إذا ثبت أنه يكون مدركاً بركعة لحكم الصلاة فلا يكون مدركاً بأقل منها لا من جهة دليل الخطاب ولكن من حيث أن أقل من ركعة لا يكون في معنى الركعة بحال فإن قيل فقد روى البخاري أن النبي، ﷺ ، قال: "مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنَ الصلاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ" (٢)، أجيب عنه بثلاثة أجوبة: أحدها: أنّا نقول للمخالفين لنا: أنتم قد تركتم هذا الحديث؛ فإنكم قلتم إنه لو أدرك، بعد سلام الإِمام، مقدار تكبيرة الإحرام لكان مدركاً للصلاة، فإن قيل إنما فعلنا ذلك لأنه لم يرد السجدة بعينها وإنما أراد ركناً من أركان الصلاة والتكبير ركن، قلنا هذا حجة عليكم؛ لأن السجود ليس بركن في نفسه وإنما هو ركن على معنى التبعية للركوع إجماعاً، فكيف ألحقتم ركناً مستقلًا بنفسه وهو تكبيرة الإحرام بركن تابع لغيره وهو السجود.

стр. 87

الثاني. "أنّا نقول: قد اتفقنا على ترك هذا الحديث بإجماعنا أن من أدرك السجدة لا يعتد بالركعة". الثالث: أن المراد بالسجود هاهنا الركوع لأنه أخوه جواراً في الركن ومعنى في الخضوع. والدليل القاطع على ذلك تمام الحديث في الصحيح قال: "مَنْ أدرَكَ سَجْدَةً مِنَ الصَّلَاةَ فَقَدْ أدْرَكَ الصَّلَاةَ، والسَّجْدَةُ هِيَ الرَّكْعَةُ" (١) فإن كان من قول النبي، ﷺ ، وهو الظاهر، فلا كلام، وإن كان من قول الراوي فتفسيره، وقد سمع الحديث، أولى من تفسير غيره.

стр. 88

باب ما جاء في دلوك (١) الشمس أدخله مالك، رحمه الله تعالى، لنكتة واحدة وان كان فيه كلام كثير ليبيّن، من قول ابن عمر (٢) وابن عباس (٣)، ﵄، وهما أصلان في اللغة أن الدلوك الزوال حتى يكون قوله تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ إلى قوله: ﴿مَشْهُودًا﴾ (٤) متناولًا للصلوات الخمس.

стр. 89

تأصيل: بيَّن مالك، ﵀، في هذا الباب، أصلاً من أصول الفقه وهو أن الحكَم إذا تعلَّق باسم له أول واخر تعلق بأوله (١). وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافاً كثيراً، وتتعلق به الفروع من كتاب الطهارة إلى أمهات الأولاد (في) آخر الفقه. وللدلوك أول وهو سقوط الشمس عن كبد السماء، وآخر وهو الغروب في رأى العين؛ فكل ذلك من مَثَلٍ أو خبرٍ، أو شعرٍ، أو قرآنٍ يتعلق بهذد الجملة على حد ما يليق به منهما فارقبوه وركبوه. حديث: قوله، ﷺ : "منْ فاتَتْهُ صلاةُ العَصْر فَكَأَنَّما وَتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ" (٢). أدخل مالك، ﵁، هذا الحديث في جامع الوقوت بما رأى من تضييع الناس لها خصوصا حتى أخرجوها عن وقتها المختار لها وهو البياض الغالب على الشمس، وقد أدخل فضل. غيرها في موضعه وقدم هذه الصلاة للحاجة إلى تقديمها. وفي البخاري عن بريده "منْ فاتتْهُ صلاةُ العَصْرِ فقد حبط (٣) عَمَلُهُ" معناه ذهب. ففي حديث ابن عمر جعلها قرينة الأهل والمال، وفي حديث بريدة جعلها معادلة العمل، والمعنيان يتشاركان عند التأويل لأن المراد بقوله. "وَتِرَ أَهلهُ وَمَالَهُ" بقي سليباً محرومًا في الدنيا فضربه مثلاً لبقائه كذلك في الآخرة، وكذلك هو يكون إذا حبط عمله. فأحد اللفظين مَثَل والآخر حقيقة، فإن قيل ظاهر ما ذكرتم يقدح في عقيدة أهل السنة وهي أن الكبائر لا تحبط الأعمال فما تأويل هذا؟ قلنا. أما من يقول بأن مخرج الصلاة عن وقتها (٤) كافر وقد كشف الغطاء فيه، ولكنه

стр. 90

يرجع معناه في صلاة العصر إلى الفوت المعقب لغروب الشمس لاختلاف العلماء في أن ما قبل غروب الشمس وقت اختياري للعصر أم لا. وإنما يتوجه الإشكال على من ينكر حبط الكبائر للأعمال. والذي يكشف الغطاء فيه ما مهَّدناه، في كتب الأصول، عند ذكر الآيات والأحاديت المتشابهة والجمع بينها وبين المحكمة وهتك الخفاء عن أن الأعمال لا يحبطها إلا الشرك وأن المعاصي والطاعات متعارضة حتى يحكم الله فيها للعبد بالخاتمة فإن مات على الإيمان فلابد من مغفرتها على أربعة (١): أحدها: الخروج من النار، عافانا الله تعالى من ذلك، فاطلبوه هنالك بيد أنّا نذكر لكم ههنا دستوراً مختصراً يستشرف به المبتدى ويشرف به على الغاية المنتهى وذلك أن اللفظ العام (٢) إذا ورد فلا يخلو إما أن يتعلق بالزمان أو بالأعيان أو بالأمكنة كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣) فهذه الآية ركن العموم. فإن فيها ذكر الأزمنة كلها كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وفيها ذكر الكفار بأجمعهم كقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. وفيها ذكر الأمكنة كقول: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وفيها تعيين (٤) الغاية لقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ فمثل هذه الآية هي التي يتعب في تخصيص عموماتها. وأما قوله: "وَتِرَ أَهْلَهُ أَوْحَبِطَ عَمَلُهُ" فليس من ألفاظ العموم وإنما هو خبر عن حال أو صفة؛ فالذي يدَّعي عموم الصفة والحال هو الذي يلزمه الدليل. فإن قيل لقد عرفنا هذا الأصل حق معرفته فهل من مزيد بيان في تفصيل تأويله؟ قلنا: نعم. فيه وجهان: أما أحدهما فمعناه يوقف عمله عنه مدة يكون فيها بمنزلة المحبط حتى يأتيه من

стр. 91

فضل الله ما يدرك به ثواب عمله، وإلى هذا التوقيف وقعت الإشارة بحديث يروى (أَوَّلُ مَا ينظُرَ الله فِيهِ مِنْ عَمَلِ العَبْدِ يَوْمَ القِيَامَة الصَّلاَة (١)، فَإنْ جَاءَ بِهَا نَظَرَ في سَائِرِ عَمَلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا لَمْ يَنْظُرْ في شَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ). فكما أنه في قسم المنهيات أيضاً أول ما يحكم فيه منها الدماء (٢)، فإن خلص منها نظر في سائر معاصيه وان لم يخلص منها فهذه تكفيه فيتوقف النظر في بقية المعاصي مدة ها هنا كما يتوقف النظر في بقية الطاعات مدة هناك. الجواب الثاني: أن معنى حبط عمله عند الموازنة فإنه إذا وضعت الحسنات

стр. 92

والسيئات في كفتيهما فرجحت كفة السيئات- نعوذ بالله تعالى- فقد بطلت حينئذ وصار صاحبها في قسم العقاب، وبقي أمر الله، ، فإذا جاء بالفضل بعد الاقتصاص من الزائد أو إسقاطه أدرك ثواب عمله (١)، وهذا هو تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (٢) فافهموا ذلك.

стр. 93

باب النوم (١) عن الصلاة ذكر مالك، ﵁، حديث النوم عند القفول (٢) من خيبر (٣)، وقد ثبت في الصحيح أنّ النبي، ﷺ ، "نام عن الصلاة ثلاث مرات". الأولى: كان رسول الله، ﷺ ، أولهم استيقاظاً (٤). الثانية: استيقظ قبله أبو بكر وعمر وكبَّر عمر حتى استيقظ رسول الله، ﷺ (٥). والثالثة: لم يحضرها أبو بكر ولا عمر وإنما كان في ركب ثمانية أو نحوها (٦). وكل ذلك ثابت بنقل العدل عن العدل.

стр. 94

حقيقة: خلق الله العبد حيّاً داركاً مفكراً قادراً في أحسن تقويم، ثم رده أسفل السافلين، ثم سلَّط عليه السهو والغفلة ليتبين قصور هذه الفضائِل التي فيه حتى لا يقول أنا وأنا، وسلّط عليه النوم وهي آفة تدرك الحواس وركود يقوم بالجوارح لا يلحق القلب ولا الروح ولا النّفس منها شيء، ولذلك قال علماؤنا، ﵃، إن الرؤيا إدراك حقيقة وعلم صحيح، والمرء في يقظته ومنامه لا ينفكّ عن حاله التي هو عليها، إن كان في اليقظة في تخليط وتلاعب مع البطالين انتقل إلى مثل ذلك في المنام، وإن كان في يقظته في العلم والتحقيق انتقل إلى مثل ذلك في المنام. فلقفه ملك الرؤيا إلى نفسه وألقى عليه مثل ما كان فيه من التحقيق. لكن الرؤيا أكثر حقا لأنها أقرب إلى الله، ، ولأنها تأتي بواسطة الملك وليس عنده إلّا الحق فلذلك كانت جزءاً من النبوة (١)؛ لأن الملك يلقيها إلى كل عبد ولأجل ذلك كانت بشرى لأنها خبر من الملك عن الله، ، ونظيرها في اليقظة الفأل (٢)؛ فقد كان النبي ﷺ ، يصغي إليه ويعوِّل عليه. ولكن الفأل أدنى منزلة إذ يكون من طفل وامرأة ومؤمن وكافر في دار الشّعوب (٣)، وهي اليقظة، والرؤيا تكون من الملك محصلة في حالة الخلوص. لكن لغلبة الشهوات بالآدميين، واستيلاء الغفلات علي العباد، والإقبال على شهوة البطن والفرج. قد يقع العبد من النوم في غمرة فلا يرى شيئاً حقيقة ولا خيالاً يكون نسبة تلك الغفلة في المنام نسبة السكر والوَلَه في اليقظة، وهذه الصبابة تكفي من بحر الرؤيا إذا ثبت هذا فالنبي ﷺ ، في حكم الآدمية وجبلة البشر مطهر عن ذلك كله وعن أسبابه في ابتدائه وفي مآله، وكيفما اختلف حاله من نوم أو يقظة في حق وفي تحقيق ومع الملائكة في كل طريق، إن نسى فتأكد من المنسي اشتغل وإن نام فقلبه

стр. 95

ونفسه على الله، ، أقبل، وهذا القدر الذي ألقينا إليكم قد علمته الصحابة، رضوان الله عليهم، فإنها قالت في الصحيح: وكان رسول الله ﷺ ، إذا نام لا نوقظه حتى يستيقظ لأنّا لا ندري ما هو (١) فيه فنومه ﷺ ، عن الصلاة، أو نسيانه لشيء منها لم يكن عن آفة وإنما كان بالتصرف من حالة إلى حالة مثلها ليكون لها سنة. قال ﷺ : "إِنَّمَا أَنَا بَشَر مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسَيْتُ فَذَكِّرُوني" (٢)، فبيّن الاشتراك في البشرية والنسيان وظهر الفرق في سبب ذلك بينه وبين كل إنسان. فقه: أخَّرَ النبيّ ﷺ ، الصلاة عند الهبوب من النوم حتى اقتادوا لأحد خمسة أوجه أو لمجموعها: أحدهما: انتظار الأمر من الله ، كيف يكون العمل في ذلك. الثاني: لتحرُّزٍ من العدوِّ واستشراف له. الثالث. كراهية للبقعة التي وقعت فيها الآفة. الرابع: ليعم الاستيقاظ والنشاط إذا رحلوا جميعهم. الخامس: قال أصحاب أبي حنيفة: حتى يزول وقت النهي (٣) عن الصلاة وفي

стр. 96

الحديث "حَتَّى إذاً ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَضَّتْ نَادى رَسُول الله ﷺ ، بِالْصَّلاَةِ" (١) وفي تتبع هذه الأوجه كلام طويل لا يليق بهذا القبس. تفريع: لم يختلف أحد من رواة الأحاديث في نوم النبي ﷺ ، في الصحيح أنه، ﷺ ، لما استيقظ (٢) أذَّن بالصلاة وأقام لها وفي ذلك خلاف من العلماء (٣)، وخلاف مذهبي أيضاً، وفي بعض الطرق أذَّن وأقام أو أذَّن (٤) أو أقام.

стр. 97

واليقين في الأحاديث الصحاح أَوْلى أن يتبع من الشك. كما أنه لا بد من صلاة ركعتي الفجر لأن النبيَّ ﷺ صلاهما في الصحيح، قبل صلاة الصبح (١) فلا تلتفتوا لرواية تركهما. تكملة: قول النبيّ ﷺ ، "إنَّ هذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ" نص في وجود الشياطين ولا خلاف فيه بين أهل السنة؛ وهم نوع من الخلق خلقهم الله تعالى ويسّر لهم التبدل في الصور باختيارهم كما يسّر لنا التصرف في الحركات، وسلّطهم على الخلق تسليطاً سبق به الوعد الحق ليتميز في الوجود المطيع من العاصي بفتنته، كما تميّز عند الله، ، في علمه وكلمته فتسلّط على "بلال" حتى أضجعه وشغله عن الصلاة وفاتت لرسول الله ﷺ ، وللأُمة، وظن الشيطان أنه قد حصل على صفقة، فهيأ الله تعالى لنا فيها سنة لكل من نام عن صلاة أو نسيها وكمل لنا فيها المثوبة، وهكذا يفعل الله تعالى بالأولياء إذا طالبهم الأعداء قد ينفذ مراده فيهم، ولكن يعقبهم بعد ذلك عقبى جميلة حتى يتمنى العدو أنه لم يكن ما أراد. تنبيه على مقصد: قد بينّا أن مالكاً، ﵀، قصد، في هذا الكتاب، التبيين لأصول الفقه وفروعه ومن جملتها مسألة ذكرها في مواضع من موطئه وهي: أن شرع من قبلنا شرع لنا لا خلاف عند مالك فيه، وقد نصّ عليه في كتاب الديات (٢) على ما يأتي إن شاء الله تعالى. والنكتة المشار إليها، في هذا الحديث، قول النبيّ ﷺ ، فإن الله يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣)، وهذا خطاب لموسى، ﵇، أعلمنا النبيّ ﷺ ، أنه متوجه إلينا كتوجهه إلى موسى وأمته. اشتراك وتبيين باحتجاج النبيّ: ﷺ ، بما في مسألتنا هذه مسألة لغوية وهي إضافة المصدر إلى المفعول المعنى أقم الصلاة إذا اختلف لك الذكر لها، وغير ذلك من

стр. 98

التأويلات طائح لأن النبي ﷺ ، قد بيَّن المراد بها اللهم إلا أن سائر التأويلات لا يعطيها الاشتقاق ويشهد لها سائر الأدلة (١). فائدة: قال النبي ﷺ : "إِنَّ الله قَبَضَ أَرْوَاحَنَا" (٢). وقال: "أخذ بِنَفْسِي الَّذِي أخَذَ بِنَفْسِكَ" وقال علماؤنا، رحمة الله عليهم: هذا دليل على أن النفس والروح شيء واحد واسمعوا جعلكم الله ممن يستمع. مسألة: النفس والروح ليس للشريعة فيها تصريح وإنما كلامها كله فيها تلويح حجبها الله تعالى عن الخلق بالغيب. قال إمام الحرمين (٣): وجعل لهم (٤) فيها آية في الدلالة

стр. 99

على التوحيد عظيمة، فإن بين جنبيك موجوداً ترى أفعاله مشاهدة ولا تقدر أن تصل إلى درك حقيقته، ولا تحيط بكيفية صفته، فلا تستنكرنّ وجود الإله الذي نشاهد أفعاله ولا سبيل إلى الإحاطة به، ولا تغترنّ بمن يقول هي جسم (١) أو عرض (٢) فإن ذلك كله ضعف في المعرفة ومرض وقد بيَّنا في كتاب المشكلين معنى الأخبار الواردة فيها. تعليق: قال الأستاذ أبو المظفر (٣) الإِسفرائيني: قال الله تعانى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (٤) فأخبر تعالى أنه يتوفاها في الوضعين، وقال : ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ (٥). وقال تعالى في موضع ثالث: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ والثلاثة الأحوال المعدَّدة حالة واحدة في الحقيقة، ووجه الجمع بينها أن الله تعالى هو الفاعل الأول الكلي، جعل إلى ملك الموت جزءاً من أفعاله وهو قبض الأرواح قرن به جنوداً من ملائكته وأوعز إليهم أن يتصرفوا بأمره. فإذا أمر الله الملك فبادر إلى أمره أعوانه وتولو حينئذ أمر ربهم، فإذا نسبته إلى الأول الحقيقي قلت إن الله قبض أرواحنا وإذا نسبته إلى الواسطة المقدم لذلك قلت: يتوفّاهم ملك الموت، وإذا نسبته إلى المباشرين

стр. 100

الفعل قلت: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ وانتظمت بذلك الآيات الثلاث المختلفات في الظاهر في سلك الانتظام الواحد (١).

стр. 101

باب النهي عن الصلاة في الهاجرة هذا وقت أنشأته الحاجة ورخصت فيه الشريعة رفعاً للمشقة، وليس له تحديد في الشريعة إلا ما ورد في حديث ابن مسعود، ﵁، أن النبيَّ، ﷺ : (كان يصلي الظهر في الصيف من ثلاث (١) أقدام إلى أربعة أقدام، وفي الشتاء من خمسة أقدام إلى ستة أقدام) (٢)، وذلك بعد طرح ظل الزوال. أما إنه وردت فيه إشارة واحدة وهي في الحديث: (كنّا نصلّي الجمعة وليس للحيطان (٣) ظلّ)، فلعل الإبراد كان ريثما يكون للجدار ظلّ يأوى إليه المجتاز، وهو وقت يختص (٤)، بالجماعةٌ. فأما الفذ فليس له إلا أول الوقت ويخص الظهر بصلاة الهاجرة ليس للعصر فيه حظٌّ، فلا يلتفت إلى ما اختلف فيه ابن القاسم (٥) وأشهب (٦) فإن موضع العصر إبرادها.

стр. 102

فائدة لغوية: قوله: (أبْرِدوا عَنْ الصَّلاَةِ) كلام قلق في الظاهر ونظامه البين. أبردوا الصلاة. يقال: أبرد الرجل إذا دخل زمان البرد أو مكانه ولكنه مجاز عبر فيه بأحد قسمي المجاز وهو التسبب حسب ما بيَّناه في أصول الفقه (١)، فكنَّى عن الشيء بثمرته وهو التأخير، وكأنه قال: تأخروا عن الصلاة صيانة لها عن أن يناط بها التأخير لفظاً فكيف فعلاً، وقد قال النبي، ﷺ ، لعمر، ﵁: (أَخَّرْ عَنِّي (٢) يا عُمَرُ) يعني نفسه. نكتة أصولية: قال: اشتكت النار إلى ربها. اختلف الناس هل هذه الشكوى حقيقة بكلام أم هي مجاز عبّر فيها (٣) بلسان الحال عن لسان المقال (٤) كما قال الراجز: يشكو إليَّ جملي طول السّرى ... صبراً جميلًا فكلانا مبتلى (٥)

стр. 103

وفي الحديث أن النبيّ، ﷺ قال: "مَنْ كَذَبَ (١) عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَداً" قالوا. يا رسول الله أَوَ لِجَهَنَّمَ عينان؟ قال: أَوَ مَا سمعتم إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (٢) وفي الخبر الصحيح عن يوم القيامة

стр. 104

"فَيَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ فَيَلْتَقِطُ الكُفَّارَ لَقْطَ الطَّائِرِ حَبَّ السُّمْسُمِ" (١) يعني يفصلهم عن الخلق في المعرفة كما يَفصل الطائر حب السمسم من التربة. وليس من شرط الكلام عندنا (٢) والعلم في القيام بالجسم إلا الحياة، فأما الهيئة واللسان والبَلَه فليس من شرطه، وليس أيضاً من شرطه وجود الحياة بالجسم وجود بنية ولا بله، وسمعت شيخنا أبا بكر (٣) الفِهْرِي يقول بالمسجد الأقصى، أما قوله اشتكت (٤) النار إذا قلنا إنه حقيقة فليس يحتاج إلى أكثر من وجود الكلام في الجسم. وأما قوله: تحاجت الجنة (٥) والنارُ فلا بد من وجهد العلم مع الكلام لأن المحاجة

стр. 105

تقتضي التفطن لوجه الدلالة قال لنا الإِمام "أبو سعيد الشهيد الزنجاني" (١): ألا ترى إلى قول الهدهد ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ﴾ إلى قوله ﴿الْعَظِيمِ﴾ (٢) فلم يدرك حديث الشمس وزخرفة الشيطان وصدوف (٣) الخلق عن الحق ووجود الإله ومعرفته بالخفيات واستوائه (٤) على العرش العظيم إلا بالعلم وهذا هو التوحيد كله. تتميم: قوله (فَأَذِنَ لَهَا في كُلِّ عَامٍ بِنَفْسَيْنِ) إشارة إلى أنها مطبقة محاط عليها بجسم من جميع نواحيها لم يتصور باضطرابها أن يشقه، كما يفعل كل رأي في مجوف حتى النبات في الصخرة الملساء، وكانت الحكمة في النفس عنها إعلام الخلق بأنموذج منها فأشد ما يوجد من الحر حرها وأشد ما يوجد من البرد بردها. فإن قيل: وهل في النار من برد؟ قلنا: هي دار عذاب وعذاب الأبدان هو ابتلاؤها بما يؤلمها، والحَرَّ عند الإفراط يمزق الجلد كما يمزقه البرد، ولهذا سمّت الأطباء نبتاً يقطع اللحمَ "النار البارد" وعبّر عن نوعي العذاب جميعاً بأحدهما كما تفعله العرب كثيراً.

стр. 106

باب (١) النهي عن دخول المسجد بريح الثوم ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ أَكَلَ ثُوماً أَوْ بَصَلاً أَوْكَرَّاثاً فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا". وورد الحديث في الصحيح من طريق ابن عمر (٢) وجابر (٣) وأنس (٤) وأبي سعيد (٥) ووقع طرف منه في حديث سلمة بن الأكوع وهو قوله (أصابتنا مخمصة بخيبر) (٦) لأن النبي ﷺ ، قد كان نهى عن أكل الثوم والبصل فأصابتهم مجاعة بخيبر فوقعوا في زراعة بصل فأكلوها من الجوع، فقال النبي ﷺ : "مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْ مَسَاجِدَنَا" (٧) فقال الناس حرمت حرمت، فبلغ ذلك النبيِّ، ﷺ ، فقام ﷺ ، فخطب الناس فقال: "يَا أيُّهَا النَّاسُ لَيْسَ لِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ الله وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكْرَهُ رِيحَهَا" (٨). وذكر النبيُّ، ﷺ ، في ذلك ثلاثَ علل قوله "يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ"، وقوله: "فَإِنَّ

стр. 107

الملَائِكَةَ تَتَأذَّى بمَا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ"، وذلك يدل على أنهم مركبون من ريش وجسم لا كما تقوله الفلاسفة أنهم بسائط وتقول (١) إنهم يكبرون حتى يملأ أحدهم الأفق، ويصغرون حتى يصير أحدهم كالريضيع، ولذنك قال النبيُّ، ﷺ ، لصاحبه: "كُلْ مِنَ القِدْرِ الَّذِي فِيهَا الخضْرَوَاتِ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي" (٢)، إشارة إلى أن الملك يأتيه من غير وعد فربما وجده على تلك الحال. وفي الآثار المرسلة "أَنَّ الرَّجُلَ يِكْذُبُ الكِذْبَةَ فَتُبَاعِدُ عَنْهُ المَلَكَ منْ نَتْنِ رِيحِهِ" (٣)، وذلك كثير في الشريعة. والعلة الثالثة قوله: فَلَا يَقْرُبْ مَسَاجِدَنَا وَمَسْجِدَنا، فذكر الصفة في الحكم وهي المسجدية، وذكر الصفة في الحكم تعليل لأن الأسماء التي علّقت عليها الأحكام على قسمين: أحدهما مشتق والآخر جامد. فإذا علق الحكم على اسم مشتق أفاد الحكم والعله كقوله أكرم العالم ومعناه لعلمه. وإذا كان الاسم جامداً لم يفد إلَّا ما قيَّدته الإِشارة وهو بيان المحل كقوله أكرم زيداً. وعلى القسم الأول جاء قوله سهى فسجد وزنا فرجم وقتل فقتل (٤) وهذا يدل على مسألة حسنة من أصول الفقه وهي تعلُّق الحكم الشرعي بعلل كثيرة كامتناع من وطئ الحائض المحرمة الصائمة بخلاف العلل العقلية فإن الحكم لا يتعلق منها إلا بواحدة.

стр. 108

ترجمة فائدة (١): إدخال مالك هذا الباب في هذا الموضع أنه لما بيّن أوقات الصلوات للواحد والجماعات وذكر التخصيص عليها وعلم أنها تتعلَّق بمحلين زمان، وهو الذي بين ومكان وهو المسجد أراد أن يفيدك أن صلاة الجماعة ليست بفرض إذ لو كانت فرضاً لما جاز أن يتخلف عنها بأكل الثوم. فإن قيل لا يمتنع أن يسقط المباح الفرض كالسفر يسقط الصوم وشطر الصلاة، قلنا: السفر لم يسقط الصوم ولا الصلاة وإنما نقلها إلى بدل بخلاف أكل الثوم فإنه يسقط الجماعة رأساً فدل على أنها ليست بفرض. لَحَق. قوله: "يُؤذينا بِريحِ الثُّومِ" المساجد على ضربين مختطة كمصلى العيدين ومصلى المسافرين إذا نزلوا، ومبنية كسائر المساجد، فإن كانت المساجد مختطة تعلَّق الحكم بعلتين إذاية الملائكة وإذاية الإِنس لأن المسجد المختط غير المبني لا حرمة له، إنما الحرمة للمختط المبني، ولذلك قلنا إنه لا يدخل آكل الثوم مجالس العلم ولا مشاهد الرأي والمشورة في الحرب، نعم ولا الأسواق المختلطة التىِ لا يمكن أحد أن ينفصل من موضعه إلا بتبديد تجارته (٢). والدليل على صحة ذلك قول عمر بن الخطاب، ﵁، في الصحيح كان النبي، ﷺ : "إذا وَجَدَ رِيحَهَا مِنْ أَحَدٍ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى البَقِيعَ" (٣). تحقيق لغوي شرعي: قوله: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ" الخبث في اللغة عبارة عن كل ما لا يلائم الحاستين الشم والذوق ويستعار في غير ذلك. والخبيث في الشريعة (٤) عبارة في الأطعمة عن المحرم وهو معنى قوله: ﴿وَيُحَرِّمُ

стр. 109

عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١) يريد يحرم عليهم المحرمات أي بعينها. وقال غير مالك من العلماء معنى الخبائث ههنا كل مستكرهٍ، وقد بينا تحقيق الآية في كتاب الأحكام (٢). العمل في الوضوء: ذكر مالك حديث عبد الله بن زيد (٣)، وروى وضوء رسول الله، ﷺ ، جماعة منهم عبد الله ومنهم عثمان (٤) وعلي (٥) وعبد الله ابن عباس (٦) وجماعة هؤلاء أصولهم. والوضوء

стр. 110

أصل في الدين وطهارة المسلمين وخصيصة لهذه الأمة في العالمين، وقد روي أن النبيّ، ﷺ : "تَوَضَّأَ فَقَالَ: هذَا وُضُوئي وَوُضُوءُ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي وَوُضُوءُ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ" (١)
следующие страницы →