شَرْحُ صَحِيح مُسْلِمِ لِلقَاضِى عِيَاض
المُسَمَّى
إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم
لِلإِمَام الحَافظ أبى الفضل عيَاض بن مُوسَى بن عيَاض اليَحْصَبِى
ت ٥٤٤ هـ
تحْقِيق
الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيل
الجزءُ الأوّلُ
стр. 2
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤١٩هـ - ١٩٩٨م
دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - ج. م. ع - المنصورة
الإدارة: ش الإمام محمد عبده المواجه لكلية الآداب ص. ب ٢٣٠
ت: ٣٤٢٧٢١/ ٣٥٦٢٢٠/ ٣٥٦٢٣٠ فاكس ٣٥٩٧٧٨
المكتبة: أمام كلية الطب ت ٣٤٧٤٢٣
الإهداء
* إلى "جبهة علماء الأزهر" فى عهدها الجديد ..
* جدّد الله له بها العافية ..
* وحقق له وللأمة بها الرجاء ..
* وردّ بها عن الجميع كل عادية ..
آمين آمين والأقطار أجمعها ... مرددات معى آمين آمين
стр. 6
كلهم حاولوا الدواء ولكن ... ما أتى بالشفا إلا عياض
стр. 7
مقدمة الطبعة الأولى
كتاب (إكمال المُعْلِم بفوائد مسلم) واحدٌ من كتب الدراية الفريدة التى سارت بها الرُّكبان -كما شهد بذلك أهل هذا الشأن وأئمته (١) ثم هو واحدٌ من مصنفات القاضى عياض الكثيرة المفيدة- على وفق قول الإمام ابن كثير (٢).
وصاحب الكتاب أرفع من أن يُجهَل، وأجَلّ من أن يصاب ذِكْره بخمول، فهو - كما ذكر ابن خلِّكان: " إمام الحديث فى وقته، وأعرف الناس بعلومه، وبالنحو، واللغة، وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم" (٣).
لا يُدرَك -كما قال الحافظ القضاعى (٤) - شأوه، ولا يبلغ مداه فى العناية بالحديث، والآثار، وخدمة العلم، فكان جمال العصر، ومفخرة الأفق، وينبوع المعرفة، ومعدن الإفادة، وإذا عدت رجالات المغرب - فضلاً عن الأندلس - حسب فيهم صدرا (٥).
ومع هذا لم يَحْظَ كتابٌ بحظ وافر من الغمط مثلما حظى هذا الكتاب مع أخيه المعلم!!، إنك لا تكاد تطالع كتاباً من كتب أئمة الرواية والدراية لكل من أتى بعده، إلا وتجد لعياض بكتابه الإكمال فيه ذكراً منشوراً، وراية خفاقة، يأرزون إليها فيما أُشْكِل، ويعتمدون على ضبطه فيما أُبْهِم، بل كان أحياناً أصلاً من أصول كتب ذاعت بسببه واشتهرت - كالمنهاج للنووى، وإكمال الإكمال وتكملته للأبى والسنوسى (٦).
كل واحد منهم لزم ظله، ووضع يده حيث كان يرفع قدمه.
ثم هذا ابن حجر فى " الفتح "، والعينى فى " العمدة "، يلزم كل منهما ضبطه، وينسج فى الكثير من مباحثه على نوله (٧).
стр. 8
الدراسة
وتشمل:
١ - ترجمة للقاضى عياض وللإمام المازرى صاحب المعلم
٢ - الحديث عن نسخ الكتابين وبيان قيمتهما العلمية
٣ - أسانيد القاضى عياض إلى صحيح مسلم
стр. 9
عصر القاضى عياض ونسبه
يُعدُّ القاضى عياض أحد أئمة الرواية والدراية الذين نبتوا بأرض المغرب، وذاع صيتهم بالحق فى أرجاء المعمورة، وثبَّت الله بعلمهم وعملهم أمر الإسلام فى أوطانهم.
لقد شهد عصره مولد أشر فتنةٍ حلت بأرض الإسلام بالمغرب، على يد قرينه ابن تومرت (١)، كلاهما ولد فى عصر واحد، وفى وطن واحد، ونشأ نشأة واحدة، هى نشأة الطلب، لكن الثانى كان له غاية غير غاية صاحبه، هى نوال الرياسة (٢)، فدخل فى الدماء وشغف بالمؤامرات، حتى سهل لأعداء الأمة اصطياده، وتسخير مواهبه لتحقيق مأربه ومأرب عدو دينه وأمته، فتجهز لذلك بالحيل، حتى إنه طلب من أحد الفقهاء الذين خدعوا به - وهو عبد الله الونشريسى - أن يخفى علمه وفصاحته، ويتظاهر بالجهل واللكن مُدَّة، ليجعل من إظهار نفسه أمام الأغرار معجزة.
قال الذهبى: " فلما كان عام تسعة وخمسمائة خرج يوماً فقال: تعلمون أن البشير - يريد الوَنشريسى - رجُلٌ أمى، ولا يثبت على دابة، فقد جعله الله مُبشِّراً لكم، مطلعاً على أسراركم، وهو آية لكم، فقد حفظ القرآن، وتعلم الركوب، وقال: اقرأ، فقرأ الختمة فى أربعة أيَّام، وركب حصاناً وساقه، فبُهتوا، وعدوها آية لغباوتهم، فقام خطيباً وتلا: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٣) وتلا: ﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤) - فهذا البشير مطلع على الأنفس، مُلهم، ونبيكم ﷺ يقول: " إن فى هذه الأمة محدَّثين، وإن عمر منهم " (٥)، وقد صحبنا أقوامٌ أطلعه الله على سِرِّهم، ولابد من النظر فى أمرهم، وتيمُّم العدل فيهم، ثم نودى فى جبال المُصامدَة: من كان مطيعاً للإمام فليأت، فأقبلوا يُهرَعون، فكانوا يُعرضون على البشير، فيُخرجُ قوماً على يمينه، ويَعُدُّهم من أهل الجنة، وقوماً على يساره فيقول: هؤلاء شاكُّون فى الأمر، وكان يُؤتى بالرجُل منهم فيقولُ: هذا تائبٌ رُدوهُ على
стр. 10
اليمين، تاب البارحة، فيعترف بما قال.
واتفقت له فيهم عجائب، حتى كان يُطلق أهل اليسار وهم يعلمون أن مآلهم إلى القتل، فلا يَفرُّ منهم أحد، وإذا تجمَّع منهم عدة قتلهم قراباتهم حتى يقتل الأخ أخاه (١).
قال فيما نقله عن اليسع من تاريخه: " وكل ما أذكره من حال المصامدة فقد شاهدته، أو أخذته متواتراً، وكان فى وصيته إلى قومه إذا ظفروا بمُرابطٍ أو تلمسانى أن يحرقوه " (٢).
قال: " فالذى صحَّ عندى أنهم قُتِل منهم سبعون ألفاً على هذه الصفة، ويُسمُّونه التمييز " (٣).
وقال ابن خلكان: " وقد بلغنى أن ابن تومرت أخفى رجالاً فى قبورٍ دَوارِس، وجاء فى جماعةٍ ليريهم آيةً، فصاح: أيُها الموتى، أجيبوا، فأجابوه: أنت المهدى المعصُوم، وأنت وأنت، ثم إنه خاف من انتشار الحيلة فخسَف فوقهم القبور فماتوا " (٤).
وبهذه الحيل جمع حوله الكثير من أغرار قومه لينقضَّ بهم على إمام المسلمين بالمغرب وحامل راية الجهاد فيها ضد الصليبية المتربصة، يوسف بن تاشفين (٥)، وغرَّه به حبُّه للعفو وميله إلى العلماء، فكان أن عمد إلى حيلة أخرى معه، بأن ذهب قبل الفجر وجلس حيث يجلس يوسف بن تاشفين للصلاة، فلما حضر الأمير، تمسك بحقه المزعوم بالمكان لأنه السابق إليه، ثم بدأ يوجه له اللوم فى تقصيره تجاه حق الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، كل ذلك ليلفت الأنظار إليه، ويكسب ما يمكن كسبه من أنصارٍ منه.
حتى إذا غادر يوسف مراكش إلى إسبانيا ليصد عادية الفونس الأرجونى على
стр. 11
غرناطة (١) هَبَّ ابن تومرت بمراكش يدعو إلى دولة الموحدين، تعريضاً بالمرابطين الذين وصفهم بالمجسمين - ويعنى بالموحدين أصحابه، ثم أصحاب عبد المؤمن بعده (٢).
وقامت دعوته على أساس أن الإمامة ركنٌ من أركان الدين، وعمدةٌ من عمد الشريعة (٣)، وأن الإمام لا يكون إلا معصوماً من الباطل، ومعصوماً من الضلال، ومعصوماً من الفتن، ومعصوماً من العمل بالجهل (٤).
وعرَّف الإمامة بأنها الاتباع والاقتداء، والسمع والطاعة والتسليم، وامتثال الأمر، واجتناب النهى، والأخذ بسنة الإمام فى القليل والكثير (٥).
فهى دعوة واضحة الملامح فى أصولها وأسلوبها، دعوة شيعية لا خفاء فى هذا، الغرض منها ضرب الجهاد الإسلامى فى الغرب العربى حين عزَّ عليها الإجهاز عليه فى دار الخلافة بالمشرق ببزوغ دولة صلاح الدين الفتية فيه، وتحطيمه لآمالها به. فكان أن تعاون الخبث الشيعى مع الكيد الكنسى ضد دولةٍ أذاق الله بجهادها الصليبيين فى الغرب والأندلس عذاب الهوان والخوف، وكان إمامها على ما يحرزه من نصر وتمكين لا يزداد على هذا إلا طاعة للخليفة فى دار الإسلام ببغداد.
يقول ابن الأثير - وهو من أقدم مصادرنا فى ذلك -: " إن يوسف بعد أن تم له افتتاح ممالك الطوائف والاستيلاء على الأندلس وعاد إلى حضرة ملكه مراكش، جمع الفقهاء، وأحسن إليهم، فذكروا له أنه ينبغى أن تكون ولايته صادرة من الخليفة لتجب طاعته على الكافة، وأنه يجب أن يأتيه منه تقليد بحكمه للبلاد، فأرسل يوسف على أثر ذلك إلى الخليفة المقتدى بأمر الله، فوافقته الخلع والأعلام، والتقليد، ولقب بأمير المسلمين وناصر الدين (٦).
وذلك على رغم وفرة قوته وامتداد دولته، فقد امتدت مساحتها حتى شملت من تونس شرقاً إلى المحيط الأطلنطى غرباً، ومن ضفاف نهرى الأميزو والتاجة فى شبه الجزيرة الإسبانية شمالاً إلى قلب الصحراء الإفريقية الكبرى ونهر النيجر جنوباً (٧).
وفى قوته يقول الذهبى: " تملك مدائن كباراً (٨) بالأندلس، وبالغدوة، ولو سار
стр. 12
لتملك مصر والشام.
وقد تم له ذلك بعد واقعة الزلاقة عام (٤٧٩ هـ/ ١٠٨٦ م)، تلك الواقعة التى أدال الله فيها للمسلمين بالأندلس، وصارت بها الأندلس ولاية غربية تخضع لحكومة مراكش بعد أن كانت دويلات متخاذلة متنابذة يسودها الانحلال، ويقضم أسسها الترف والخور " (١).
ويقول محمد عنان: " كان المرابطون يضطرمون بروح جهاد قوية خالصة، وقد استطاعوا فى ظل هذا الروح الدافع أن يصدوا عن الأندلس عدوان إسبانيا النصرانية، وأن يحرزوا بعد الزلاقة النصر فى عدة مواقع مماثلة حاسمة فى صدع قوى إسبانيا النصرانية (٢)، وقد أحرز المرابطون خلاله ضد النصارى عدة من الانتصارات الباهرة، ولا سيما فى إقليس سنة (٥٠١ هـ/ ١١٠٨ م) وفى إفراغة (٥٢٨ - ١١٣٤)، وقد استطاع المرابطون على وجه العموم -حتى أواخر عهدهم- أن يحافظوا على رقعة الوطن الأندلسى، ولم يصدع من كفاحهم ضد النصارى سوى قيام الثورة عليهم فى مختلف القواعد عند ظهور الموحدين وعبورهم إلى الأندلس (٣).
بدأت ثورات الموحدين حين جاز على بن يوسف بن تاشفين الجواز الثانى والثالث بنفسه إلى إسبانيا سنة (٥١٥ هـ/ ١١٢١ م)، وغزا أرض طليطلة والبرتغال، وأثخن فيها، واستولى على قلعة قلمرية الهامة، وأتى على جميع سكانها النصارى قتلاً وأسراً، ثم عاد إلى قرطبة، ومنها إلى إفريقية بعد أن عهد إلى أخيه تميم بالنظر فى شؤون الأندلس، ثم ثارت فى قرطبة ثورة شديدة، اضطرته أن يعبر من إفريقية بجيش ضخم، فاضطرمت ثورة الموحدين بعبوره هذا اضطراماً استغرق كل اهتمامه وقواه، ولم تتح له أن يولى شؤون الأندلس كثيراً من عنايته (٤).
وكان هذا شأن المرابطين وسنتهم فى أراضى النصارى كل عام تقريباً، ويعودون بكثير من الأسرى والغنائم العظيمة، ففى رجب سنة (٥٠٣ هـ) سار على بن يوسف فى نخبة جنده المرابطين إلى ولاية طليطلة، واستولى على عدد كبير من القلاع والحصون الصغيرة، وانتسف الحقول، واسترق السكان، وبث الروع والذعر حتى أبواب عاصمة إسبانيا النصرانية، ثم عاد إلى قرطبة مكللاً بغار الفخر، ثم عهد إلى
стр. 13
قائده مزدلى بتكرار هذه الغزوات لسفره إلى مراكش، وفى نفس الوقت الذى كان على يهدد فيه طليطلة سار جيش آخر من المرابطين بقيادة الأمير سيرين أبى بكر إلى البرتغال لمقاتلة أميرها الكونت هنرى، وافتتح شنترة وبطليموس وبايرة، وشنترين، وأشبونة، وهدد قلمرية عاصمة الولاية، وسار جيش ثالث بقيادة والى مرسية، فاخترق سرقسطة وحاصر برشلونة مدى عشرين يوماً، ثم غادرها سنة (٥٠٤ هـ/ ١١١١ م) وفى سنة (٥٠٦/ ١١١٣ م) سار مزدلى إلى طليطلة وحاصرها ثمانية أيام، واستولى على قورية (١).
وفى عام (٥٠٩ هـ/ ١١١٤ م) غزا مزدلى قشتالة مرة أخرى، واستشهد فيها، وخلفه فى الولاية والقيادة ولده محمد، وفى هذا الوقت - أوائل سنة (١١١٥ م) - فقد المرابطون الجزائر الشرقية (البليار) ثم استردوها، وكان القطلونيون قد استولوا على جزيرة ميورقة، وقتلوا أهلها المسلمين، فسير المرابطون أسطولاً إلى ميورقة، واستردوها وانتقموا للمسلمين، ثم سيروا بعض سفنهم إلى شواطئ اشتوريش وجليفية بشمالى غربى أسبانيا (٢).
وكان من أثر انتساف الحقول على إسبانيا الوسطى ونقص المحصول المرتب على سوء الأحوال الجوية، أن عصف بشبه الجزيرة الإسبانية سنة (٥١١ هـ/ ١١١٧ م) قحط شديد، ذهب فى سبيله من الأرواح ما لم يذهب من قبل بالحرب والسيف (٣).
فى أثناء ذلك سار على بن يوسف فى المحرم سنة (٥١١ هـ) فغزا قَلمريَّة بالبرتغال، وأثخن فى تلك الأنحاء تخريباً وقتلاً وسبياً، ولم تستطع قوات الملكة بيتريسا ملكة البرتغال أن تقوم بأية أعمال دفاعية ذات شأن، وفرَّ أمامه النصارى فى كل مكان، واعتصموا بالمعاقل المنيعة، وإنه على العموم -كما يقول يوسف أشياخ- دوَّخ بلاد الشرك بجيوش لا تحصى (٤).
بيد أنه فى رمضان سنة (٥١٢ هـ/ ديسمبر ١١١٨ م) سقطت سرقسطة - ثانى معقل للمسلمين فى إسبانيا، بعد أن لبثت فى قبضتهم أربعمائة عام، واتخذ ملك أراجون منها عاصمة لملكه، وحول مسجدها الجامع إلى كنيسة، وجعل منها مركز الأسقفيَّة، وكافأ الفرسان الفرنسيين الذين عاونوه بإقطاعهم أحياء منها، لا سيما الكونت جاستون (٥).
стр. 14
وبسقوط سرقسطة بدأت مرحلة جديدة من المؤامرة الخبيثة، مرحلة تعاون أبناء هود - ملوك سرقسطة - مع الموحدين من جهة، ومع النصارى من جهة أخرى.
فقد عوض الفونسو ريموندس سيف الدولة أحمد بن عبد الملك بن هود أميرها عن أملاكه بها بأراض فى ولاية طليطلة، ثم سيره إلى قرطبة على رأس قوة من جند النصارى الذين أمدهم بها ملك قشتالة، ونودى به ملكاً على قرطبة، ولم يلبث حكمه بها أكثر من ثمانية أيام، فقد قام عليه أهل قرطبة لما انكشف لهم أثر عمالته، واضطروه إلى حصن بعض أوليائه فرنجو لسن (١).
وظل هذا حال أبناء هود حتى عاون ابن حمدين الموحدين فى الاستيلاء على إشبيلية سنة (٥٤١ هـ/ أوائل سنة ١١٤٧ م) إذ كان حزبه هو الغالب فيها.
فى هذه الأثناء سقطت مراكش، وانتهت دولة المرابطين فى إفريقية، استولى عليها عبد المؤمن، بعد حصار طويل أكلت فيها الأطعمة الفاسدة والرديئة، والجثث البشرية، وأكل السجناء فى السجن بعضهم بعضاً، وانتشرت الأمراض حتى فنى من أبنائها فى وقت قصير زهاء مائتى ألف نفس، وكان أزهق مثلها من سكان تلمسان (٢).
وكان ابن تومرت قد لقى عبد المؤمن حين نزل ملالة بعد أن طرد من مراكش عام (٥١٤ هـ) فاستبشر به لما رأى فيه من نجابة ناسبته، وصحبه على هذه الغواية، وجعله صاحب الأمر من بعده، وإليه يرجع وزر التمكين لدولة الموحدين.
وما كان لمراكش أن تنالها أيدى الموحدين ويدخلوها قاهرين، لولا خيانة فرسان النصارى الأندلسيين، الذين كانوا فى جيش إبراهيم بن تاشفين، حيث كانوا من خاصته، فهم الذين عمدوا إلى جنود الموحدين ففتحوا لهم أبواب مراكش. وبسقوط مراكش تعطل الجهاد وبدأ المد الإسلامى فى الغرب فى الانحسار.
على ضوء هذه الوقائع ينبغى أن ننظر إلى ما صدر عن ابن تومرت من فعال، وما تمتع به من خلال، فبغير هذا يضطرب الباحث، وقد يخرج بنتائج غير مستقيمة مع الوقائع (٣).
стр. 15
لقد كان لابن تومرت بعض الجهود وبعض الخلال التى تبدو حميدة بغير ربطها بالوقائع السابقة.
لقد كان فى ابن تومرت طرف من الزهد والعبادة، وكان يلبس العباءة المرقعة (١)، وأخذ من العلم بحظ، بل إنه تجشم الرحلة له إلى بغداد ومصر وتونس وبجاية، حتى إنه كان ممن أخذ عن الإمام أبى حامد الغزالى (٢)، ووضع كتاباً فى الحديث اختصر فيه موطأ مالك أسماه " محاذى الموطأ " (٣)، كذلك أملى كتاب الصحيح لمسلم على أصحابه وأسماه أتباعه: " الإعلام بفوائد مسلم للمهدى الإمام " (٤).
كل هذا لا تفسير له يناسب الوقائع السابقة غير أنه كان السبيل الذى لا سبيل غيره آنئذ لبلوغ غايته، التى للأسف بلغها وأقر بها أعين النصارى وكل عدو للمسلمين.
يقول ابن القطان: " ثم أمروا - يعنى الموحدين - الصبيان الذين يربون تربية موحدية فى عهد عبد المؤمن بن على بكتب التوحيد وحفظه، وكتب موطأ الإمام وحفظه، ومسلم وحفظه " (٥).
فى هذه الظروف كان القاضى عياض أحد أعمدة المواجهة، التى اعتمد عليها أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ودولة المرابطين فى منازلة الصليبيين، ومدافعة أذنابهم من أتباع وجنود دولة الموحدين المزعومة، فقربه يوسف إليه، وكان لا يحظى لديه إلا من برع فى علم الفروع (٦).
ولم يكن جو الجهاد هذا بالغريب على القاضى، فإن أجداده الأعلين قد أسرهم الصليبيون وحملوهم إلى قرطبة - كما سيأتى قريباً - مما حمل جده عمرون للرحيل إلى سبتة ليكون قريباً من أخويه الأسيرين هناك.
وكان إلى القاضى عياض فضل الدفاع عن سبتة - بعد الله تعالى - حيث كان رئيسها بسبب دينه، وأبوته ومنصبه (٧).
стр. 16
عراقة نسبه:
القاضى عياض يضرب بنسبه إلى جذور فى أصالة النسب والعلم عريقة.
فهو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض [بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض] (١) اليحصبى، بفتح الياء المنقوطة باثنتين من تحتها وسكون الحاء المهملة وكسر الصاد المهملة، وقيل: بضمها وكسر الباء المنقوطة بواحدة. نسبة إلى يحصب. مولده سنة ست وسبعين وأربعمائة. ويحصب قبيلة من حمير، أكثرهم نزلوا بالشام، ثم تفرقوا ما بين حمص (٢) ومصر وفاس أولاً، ثم إلى الأندلس بعد فتحها.
ومن الأندلس تحول عمرون جد القاضى إلى سبتة (٣)، بعد أن أسر العبيديون أخويه القاسم بن موسى بن عياض وعيسى، وحملوهما رهينة إلى قرطبة، فخرج عمرون إلى سبتة ليكون قريباً من قرطبة حيث أخويه.
وكان عمرون رجلاً فاضلاً صالحاً، من أهل القرآن، وقد حج إحدى عشرة حجة على تنائى داره.
وقد أعجب عمرون بمدينة سبتة، فاشترى بها داراً وسكنها، ثم بنى بها مسجداً، وأوقف عليه أوقافاً بها، وكذلك بنى بها مدافن للمسلمين.
وظل عمرون منقطعاً فى المسجد الذى بناه إلى أن قضى به نحبه سنة سبع وتسعين وثلاثمائة. وكان قد أنجب قبل وفاته بيسير ابنه عياض، الجد الأول للقاضى الذى أنجب موسى والد القاضى (٤).
وخال القاضى هو أبو بكر محمد بن على المعافرى، ويعرف بابن الجوزى، رحل لإفريقية - تونس - وأخذ عن عبد العزيز الديباجى وروى عنه، وهو ممن ألف فى التفسير والتوحيد (٥).
стр. 17
وفى سبتة هيأ الله للقاضى أسباب التحصيل، إذ كانت سبتة آنذاك مرفأ القاصدين إلى المشرق من المغرب، والقاصدين إلى المغرب من المشرق.
وأول من أخذ عنه فيها الحافظ أبو على الغسَّانى، وأبو إسحاق اللواتى (١).
علمه وعمله:
من يطالع مؤلفات القاضى يدرك بيسر أنه كان إليه المنتهى فى ضبط الكتاب، والغيرة على العلم، سهل الانتصاف له ولو من نفسه، تستطيع أن ترى هذا فى مثل قوله فى كتاب: " الإكمال " حين يعرض للحديث " من رواية القاسم بن زكريا، حدثنا حسين، ثنا زائدة " فيقول: " كذا هو فى أكثر النسخ والأصول، ووقع فى بعضها حصين، وكذا وجدته مصلحاً فى كتابى بخطى حصين - بالصاد المهملة - ولست أدرى من أين كتبته، وهو خطأ، والصواب حسين بالسين " (٢) أهـ. لقد كان بوسعه أن يكتفى بالتنبيه على وقوع الخطأ فى بعض النسخ، وبخاصة أنه ضبط الاسم بعد ذلك بما يدفع الخلل بعد ذلك عنه، فقال: وهو حسين بن على مولى الجعفيين (٣)، لكن عظمة نفسه فى الحق أبت عليه أن يحجبها عن اللوم، لتحمل نصيبها من المؤاخذة فى تطرق الخلل غير المغتفر عنده لأصول كتابه، وبهذا الخلق يسَّر الله له أمر قياده لنفسه، فلم يكن ير بأساً من المجاهرة بأنه رَاجَع فى بعض المسائل من هو أعلم منه - على علو كعبه وعظمة شأنه فيه وارتفاع ذكره به، وبخاصة كتاب الإكمال هذا، الذى يغلب على الظن عندى أنه آخر ما ألف (٤)، ومع ذلك نراه يراجع فى بعض ألفاظ الكتاب السابقين عليه من الأئمة والشيوخ، ويعلن هذا للطلبة، وهو يعلم أنه مما يسجل فى القراطيس. وذلك أنه وهو يعرض لحديث شق صدره ﷺ يقول: فى هذا الحديث من رواية عبد الله بن هاشم المختصرة عن ثابت عن أنس قال: قال النبى ﷺ " انطلقوا بى إلى زمزم، فشرح عن صدرى، ثم غسل بماء زمزم ثم أنزلت " قال: " كذا رويناه عن جميعهم بضم الهمزة وكسر الزاى، وضم التاء، وحكى لنا بعض شيوخنا عن القاضى أبى الوليد الوقشى - وكان أكثر اعتنائه بأمثال هذه الألفاظ المشكلة والجسارة على تقويمها بزعمه وإصلاحها - أن اللفظة وهمٌ من الرواة وتصحيف وصوابها " ثم تركت "، فعرضت هذا على شيخنا أبى الحسين بن سراج الحافظ اللغوى فقال لى: هذا تكلفٌ، وأنزلت بمعنى تركت فى كلام العرب معروف، فاتفقا فى المعنى واختلفا فى صحة اللفظ
стр. 18
" قال ": ثم ظهر لى أنا بعدُ أن أنزلت على بابها المستعمل، الذى هو ضد رفعت ... إلخ (١).
وهذا النص يكشف لنا عن تواضع قد جبل عليه الشيخ، تواضعٍ غير متكلف له بشىء، إذ لو كان تكلفاً لما كان هناك حاجة لذكر مراجعته للقاضى الوقشى، ثم معارضة ما سمع منه بعد عرضه على أبى الحسين بن سراج، وقد استقام له الدرب بما وفق له بعد، وظهر له من دلالة العبارة وألفاظها.
وتتبدى كذلك شدة ضبطه للكتاب فى قوله آخر كتاب الإلماع: " وكتبه لنفسه بخط يده موسى بن عمران بن موسى بن عياض اليحصبى عنا ".
وبذلك حدَّد صورة الإجازة مع تحديد كيفيتها (٢).
وقد ألان الله له قياد اللغة، وأمكنه من نواصيها مكنة أذنت له أن ينتقد - بغير تثريب - على كثير من أئمتها، ومن يرد على ذلك دليلاً فعليه بكتابه " مشارق الأنوار على صحاح الآثار " (٣).
وإن كُلفنا مزيد التحديد فإليك ما جاء فى الجزء الثانى منه، عند تناوله مادة " العين مع النون " " عن " حين يقول: " اعلم أن حرف " عن " حرف جر مثل " من "، قالوا: وهى بمعنى " من " إلا فى خصائص تخصها؛ إذ فيها من البيان والتبعيض نحو ما فى " من "، قالوا: إلا أن " من " تقتضى الانفصال فى التبعيض أما " عن " لا تقتضيه، تقول: أخذت من زيد مالاً، فتقتضى انفصاله، وأخذت عنه علماً فلا تقتضى انفصالاً، ولهذا اختصت الأسانيد بالعنعنة ".
قال: " وهذا غير سديد، وإن قاله مقتدى به لأنه يصح أن يقال: أخذ من علم زيد، وأخذت منه علماً، فلا تقتضى انفصالاً، وأخذت عن زيد ثوباً، فتقتضى انفصالاً، وقد حكى أهل اللسان: " حدثنى فلان من فلان، بمعنى عنه، وإنما الفرق بين الانفصال والاتصال فيهما فيما يصح منه ذلك أو لا يصح، لا من مقتضى اللفظتين " (٤).
стр. 19
أما عن فقهه فهو فيه علم فذٌّ، استبحر -كما قال الذهبى- من العلوم، وجمع وألف وسارت بتصانيفه الركبان (١)، وكانت تواليفه نفيسة.
وحينما تطالع كتابه " الإكمال " ستجد أنه كمن جمع له فقه الأئمة السابقين على طرف لسان وأطراف بنان.
ومع ذلك، فإنه رزق عفة الأسلوب مع وفرة الحجج عند وقوع الاختلاف فى المسائل، ويظهر هذا فى مثل قوله السابق: " وإن كان قاله مقتدى به " (٢).
وكان وافر التواضع لشيوخه، فلا يفُتْه أن يسبق نقله عنهم أن يقول: " طالعت بهذا الرأى أهل التحقيق " (٣).
فكانت أخلاقه شاهد صدق لانتفاعه بعلمه، وأخذ نفسه به وتقويمها عليه.
ولقد كان ﵀ إليه مؤونة الدفاع عن سبتة (٤)، حيث كان -كما يقول ابن خلدون- يومئذ رئيسها بدينه وأبوته ومنصبه (٥).
دافع عنها كيد الدولة الدخيلة البغيضة - دولة الموحدين - ومع كونه كان فى ميدان المدافعة فرداً لا نظير له، إلا أنه ثبت لها بيقينه وعلمه وثاقب نظره، حتى نفذ بها حكم القدر الكونى، وغلبت دولة الموحدين، ونزل به ما ينزل بأمثاله فى تلك المحن الشديدة، فنفى عن بلده ثم عذب على صلاحه، وظل هذا حاله حتى لقى عليه ربه.
يقول الإمام الذهبى: " بلغنى أنه قتل بالرماح، لكونه أنكر عصمة ابن تومرت " (٦).
وقال ابن بشكوال: " توفى القاضى مُغَرّباً عن وطنه فى وسط سنة أربع - أى وأربعين وخمسمائة " (٧).
стр. 20
كتاب الإكمال وقيمته العلمية
أهمية كتاب " الإكمال ":
إن أهمية هذا الكتاب - كما قصد صاحبه له - ترجع أولاً إلى كونه استكمالاً لما بدأه الإمام المازرى فى كتابه " المعلم "؛ حيث إن كتاب المعلم على نفاسته، وجودة موضوعه، لم يكن تأليفاً استجمع له مؤلفه؛ وإنما هو تعليق ما تضبطته الطلبة من مجالسه (١). وأنه أول كتاب يتناول شرح الصحيح لمسلم بالتحرير والتقييم، والشرح والتهذيب (٢).
وقد أوفى القاضى- ﵀ على هذه الغاية، وأربى بكثير كثير، مما يجعل من الكتاب مرجعاً فى خدمة صحيح مسلم، لم ينافس من المتقدمين، ولن يستطيع أحد بلوغ شأوه أو الاقتراب منها فى المتأخرين؛ وذلك لما تضمنه من الفوائد البالغة بعد هذه الفائدة، التى لو لم يأت بغيرها لكفته فى تقدمة أمره على كثير من المراجع الحديثية التى اشتهر ذكرها وذاع صيتها.
وتتمثل تلك الفوائد التى وقفنا عليها فيما يلى:
أولاً: أمور كشف عنها وأزال الإبهام فيها:
أ- أن " الإكمال " كشف عما جاء فى بعض النسخ لصحيح مسلم من تبويب وتراجم، غابت عن كثير من الشراح الذين تناولوا النسخ غير المبوبة، حتى ذاع - خطأ - بين طلبة العلم بعامة، والمتخصصين فى الحديث وعلومه بخاصة، أن مسلماً لم يبوب كتابه، وأن البخارى فضل عليه فى ذلك (٣). وذلك فى مثل ما جاء فى كتاب الطهارة، باب التطييب بعد الغسل من الجنابة.
قال عقبه القاضى: " وبذلك بطل من ادعى أن مسلماً لم يبوب كتابه " (٤).
ب- أنه جاء فى المقدمة بمسائل لعلوم الحديث تعتبر إضافة وتكميلاً لكتابه " الإلماع "، إلى ذلك أشار بقوله فيها: " والكلام فى هذا الباب - يعنى صيغ التحمل - كثير، يحتاج إلى بسط، وقد ذكرنا منه ما يحتاج إليه من له تهمم بهذا الباب وعلمه، وبسطنا فى هذه الفصول فى كتاب " الإلماع لمعرفة أصول الرواية والسماع "، وأشرنا منه إلى نكت غريبة، لعلك لا تجدها مجموعة فى غير هذين الكتابين " (٥).
جـ- أنه نقل عن مصادر هامة لم يبق الزمان لنا منها غير ما احتفظ لنا به القاضى فى كتابه مثل: " الموعب فى شرح الموطأ " ليونس به مغيث، ومالك فى غير
стр. 21
" الموطأ " (١).
د- زيادة الصحيح، فإن النسخة التى اعتمد عليها لمسلم غير النسخة التى اعتمد عليها النووى (٢) مثلاً.
ثانيا: ضبطه للنصوص وتصحيحه للتصحيف الواقع فى فنون بعض كتب الحديث:
أ- إحاطة صاحب الإكمال بجميع روايات " الموطأ " لمالك أعانته على تصحيح ما وقع فى الصحيح من أوهام. ويظهر ذلك فى مثل ما جاء فى كتاب الطهارة: " أَنَّ ابنة جحش كانت تستحاض "، فقد فسره الإمام المازرى أن فى بعض نسخ مسلم عن أبى العباس الرازى: " أن زينب بنت جحش "، ثم قال: قال بعضهم: هو وهم، وليس زينب، إنما هى أم حبيبة بنت جحش، قال الدارقطنى عن أبى إسحاق الحربى: الصحيح قول من قال: أم حبيب - بلا هاء - واسمها حبيبة، قال الدارقطنى: قول أبى إسحاق صحيح، وكان أعلم الناس بهذا الشأن، قال غيره: وقد روى عمرة عن عائشة: أن أم حبيب ... الحديث. بعد هذا قال القاضى: " اختلف أصحاب " الموطأ " فيه عن مالك، فأكثرهم يقولون: زينب، وكثير من الرواة يقول: عن ابنة جحش ".
ثم قال: " ويبين الوهم فيه رواية مالك، وبعضهم ": " وكانت تحت عبد الرحمن ابن عوف "، وزينب هى أم المؤمنين، لم يتزوجها قط عبد الرحمن، إنما تزوجها أولاً زيد بن حارثة، ثم تزوجها النبى ﷺ ، والتى كانت تحت عبد الرحمن هى أم حبيبة ... " (٣).
ب- اجتهاده فى تصحيح ما وقع فى " الموطأ " من أوهام الرواة والناقلين، حيث يقول مثلاً: " وسألت شيخنا أبا الحسن يونس بن مغيث عما ذكر عن كتاب جده فصححه لى عنه، وإذا كان هذا برأ الله مالكاً ممن نسب الوهم إليه فى تسمية أم حبيبة زينب " (٤).
جـ- دفع الخطأ المنسوب إلى مسلم بما جاء فى بعض النسخ عنه، والتى اقتصر عليها الإمام بما جاء على الصواب فى النسخ التى اعتمد عليها القاضى، حيث وافقت رواية البخارى، مما يجعل التصويب فيها تصويب نسخ لا تصويب رواية.
стр. 22
وبذلك يندفع عن الإمام مسلم دعوى التوهيم له فيها، والخطأ فى أمثالها.
فقد اعتمد الإمام المازرى على نسخ ابن ماهان والجلودى والكسائى فقط، وقد وقع فيها الخطأ فى مثل تسمية ابن يسار بأنه عبد الرحمن، وصوبها الإمام المازرى بأنه عبد الله - على وفق رواية البخارى - ونسخة القاضى الزائدة على تلك النسخ - وهى نسخة السمرقندى - جاءت فيها الرواية على الصواب: عبد الله بن يسار (١).
د- يضبط المصطلحات التى ترد ضبطاً يزيل الشك عنها، وذلك بذكر إسناده فيها، ففى قول مسلم فى شهر: إن شهراً نزكوه، يقول القاضى: " هذه الرواية الصحيحة بالنون والزاى، وهكذا سماعنا فيه من الأسدى عن السمرقندى عن الفارسى، وكذا أقرأناها على بن أبى جعفر عن الطبرى عن الفارسى عن الجلودى، وسمعناها من القاضى الصدفى وغيره عن العذرى ".
ثم قال: " وسائر الرواة: تركوه - بالتاء والراء - وبالنون والزاى ذكر هذا الحرف الهروى، وفَسَّره، وهو الأشبه بمساق الكلام، ومعناه: طعنوا فيه، وهو مأخوذ من النيزك، وهو الرمح القصير " (٢).
هـ- التنبيه على ما جاء من اختلاف فى بعض الروايات، وقد تركها غيره اختصاراً أو اكتفاءً ممن نقل عنه، كالنووى، حيث اكتفى برواية أبى كُرَيْبٍ فى حديث المغيرة؛ أن موسى سأل الله تعالى عن أخس أهل الجنة حظاً ".
فقد قال القاضى عقبها: " كذا للرواة، ولأبى العباس الدلائى: أحس. وهو تصحيف، والصواب الأول " (٣).
وبدون هذا التنبيه يقع للمتأخرين الجزم بغير ورودها على وجه الصواب، فيكون من القائلين بغير علم.
و- بظهور الإكمال أمكننا تصويب الكثير من عبارات الأئمة الذين أخذوا عنه ونقلوا منه، ووقع فيما كتبوا أوهام وتصحيفات، لم يكن من الممكن تصويبها قبل ظهور الأصل وهو الإكمال. فقد جاء فى نسخة النووى فى رواية مسلم لحديث الشعب: " الإيمان بضع وستون شعبة ".
وقد قال القاضى: " ووقع فى " الأم " فى حديث زهير الشك فى سبعين أو ستين،
стр. 23
وكذلك وقع فى البخارى من رواية أبى زيد المروزى أول الكتاب: ستون، والصواب ما وقع فى سائر الأحاديث ولسائر الرواة: سبعون " (١).
أقول: جاءت العبارة فيما نقله النووى بالمطبوعة: " وستون " (٢).
كذلك جاء فى النووى " فى الصبرى " وهو الطبرى بن القاسم، والذى فى " الإكمال ": أبو القاسم، وفى حديث أبى هريرة: " شهدنا مع رسول الله ﷺ غزوة حنين " لم يزد النووى على أن قال فيها: قال عياض: والصواب خيبر، وجاء فى " الإكمال " أنها من رواية الذهلى (٣).
ز- دقة النسخ التى اعتمد عليها القاضى لصحيح مسلم، فحديث: " اللهم إنى أعوذ بك من زوال نعمتك، وتَحوّلِ عافِيَتِكَ، وفجاءة نقمتك، وجميع سَخَطك " ورد فى النسخ المتداولة ضمن كتاب الرقاق مع متعلقاته، لكنه فى " الإكمال " و " إكمال الإكمال " جاء فى آخر كتاب الدعاء، وهو الأليق بالسياق.
ح- ضبطه لكثير من العبارات الواردة بصحيح مسلم بالتصويب والترجيح بما صح له من غيره، مثال ذلك: ما جاء فى شرحه لحديث: " فما منكم من أحد بأشد مُناشدَة لله فى استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين فى النار ".
فقد قال فيها: كذا هى الرواية، وكذا فى جميع النسخ، وفيه تغييرٌ ووهم، وصوابه ما وقع فى كتاب البخارى عن ابن بُكَيْر: " بأشد مناشدة لى فى استقصاء الحق " يعنى " فى الدنيا من المؤمنين " (٤).
ط- أحياناً ينبه على أصل الخطأ إذا كان فى الحديث خطأ من - سند أو متن - ومصدره.
ففى حديث: " أصبح من الناس شاكر وكافر " جاء بإسناده: ثنا عباس بن عبد العظيم العنبرى. قال القاضى فيه: " كذا الرواية، وعند العذرى: " الغُبرى " وهو تصحيف " (٥).
ثالثاً: تقويمه للمصادر مع تصويبه للآراء الواردة فى الكتب السابقة عليه والمشتملة على شرح مسلم وغيره:
أ- تعزيز تصويب الإمام المازرى لبعض روايات مسلم وتصحيح ما نقله من الحديث فى الاستعانة به فى شرحه، وذلك مثل الذى جاء فى حديث: جاءت فاطمة
стр. 24
بنت أبى حبيش بن عبد المطلب ... حيث نقل قول الإمام المازرى: " هكذا فى أكثر النسخ، قال بعضهم: عبد المطلب هاهنا وهم، وصوابه: ابن المطلب بن أسد بن عبد العزى ".
قال القاضى بعدها: " هذا هو الصواب كما قال، واسم جدها المطلب مشهور، ولم يختلف فيه أهل الخبر ". ومثل ما جاء فى قوله (١) عقب قول الإمام: " انقطع عقدها ". قال: " وليس ذلك فى الحديث ".
ب- أعانه تمكنه من ناصية اللغة من تصويب ما ذهب إليه بعض أئمة اللغة فى بيان عبارة، أو تفسير لفظٍ لرواية، وذلك فى مثل ما جاء من استدراكه على كلام الهروى فى قوله ﷺ : " تربت يداك ": إن هذا ليس بدعاء عليه، وأنَّ هذا ترغيب فى استعمال الوصاة به، مستدلاً على ذلك بأن العرب تقول: لا أم لك ولا أب لك، يريدون: لله درُّك، وبقول الشاعر:
هوت أُمّهُ ما يتعث الصبح غادياً ... وماذا يؤدى الصبح حين يؤوب
فظاهر ذلك: أهلكه الله، وباطنه لله دره (٢).
قال القاضى بعد أن عرض لقول أئمة أهل اللغة والصنعة فى العبارة:
" وليس المراد فى شىء منها أصل استعمالها، وأما البيت الذى استشهد به الهروى فهو من هذا الباب، لكن قوله: ظاهره: أهلكه الله، وباطنه: لله دره، ففيه تساهلٌ، والصواب: ظاهره هلكت أمه، وإنما أهلكه الله، تفسير: ثكلته أمه " (٣).
جـ- كذلك تهذيب الكثير من النقول، ومثال ذلك: فيما نقله من قول الأئمة فى لفظة " جنابذ ": إنها القباب، وعقب عليه بأنها شبه القباب (٤).
د- ردّ الروايات المخالفة إلى أصولها، وبيان أسانيدها، ففى حديث: " وينبتون نبات الشىء " التى قال فيها النووى: إنها وردت فى عبد الحق " نبات الدمن " يقول عياض: " وعند ابن سعيد السجزى - وهو أحد رواة الصحيح لمسلم -: نبات الدمن " (٥).
وبهذا نقطع بأن هذه النسخة لم تصل للنووى؛ إذ لو وصلته لاستغنى بها عن غير الصحيح.
هـ- التدقيق فى المراجع وسعة استيعابه لها، مما ساعده على تصويب نقل الإمام صاحب المعلم عنها، ففى تفسير قوله ﷺ : " إذا جلس بين شعبها الأربع " قال الإمام: قال الهروى: قيل: هى اليدان والرجلان، وقيل: بين رجليها وفخذيها. ثم
стр. 25
عقب القاضى على ذلك بقوله: " الذى عندنا فى أصل الهروى الذى سمعناه: " بين رجليها وشفريها ".
قال: وهذا كما قال الخطابى: " بين فخذيها وأسكتيها ". ثم قال القاضى: " الأولى فى هذا والأحرى على معنى الحكم أن الشعب نواحى الفرج الأربع ... " (١) إلخ.
و- تصحيح أخطاء بعض العلماء فى تصويباتهم لبعض ألفاظ الحديث، كتصويبه للخطابى فى توهيمه أصحاب الحديث فى تسكينهم باء " الخبث والخبائث "، حيث قال: " رويناه عن شيوخنا بالوجهين، سكون الباء وضمها، وأكثر روايات الشيوخ فيه بالإسكان، وكذا ذكره أبو عبيد، وفَسَّره بالشر، وبالضم سمعناه من القاضى الشهيد، وكذا صوَّبه الخطابى، ووهم أصحاب الحديث فى روايتهم السكون " (٢).
ز- تقييم كلام الأئمة فى بعض القضايا الحديثية، فهو ينقل كلامهم لا للاستشهاد فقط، بل لتصويبه أحياناً، كما فعل فى تعقيبه على كلام الهروى والخطابى السابقين، وكقوله: " ذهب معظم الفقهاء والأصوليين والمحدثين ... وذهب بعض أصحاب " الحديث " ... وهو مذهب أبى حنيفة " (٣).
ح- التنبيه على قيمة ما يسوقه المازرى من رواية فى شرحه لبعض قضايا الحديث، ففى قوله ﷺ فى شأن عمه أبى طالب: " وجدته فى غبرات من النار " قال المازرى: الغبرات: البقايا، وفى رواية أخرى: " غمرات منها " أى شىء كثير.
قال القاضى عقبه: " لم نروه إلا " غمرات " وهو الذى يصح به المعنى، ولا وجه هنا للبقايا " (٤).
وقول المازرى فى قوله ﷺ : " الكبر بطر الحق وغمط الناس "، وفى رواية أخرى: " وغمص الناس " قال القاضى: " لم نرو هذا الحديث عن جميع شيوخنا وفى البخارى إلا بالطاء، وبالطاء ذكره أبو داود فى مصنفه أيضاً، وذكره أبو عيسى وغيره بالصاد " (٥)، وهذا مما يعد تهذيباً للمازرى.
ط- أنه يبين قيمة ما جاء زائداً على الصحيح عند المازرى، ففى قوله ﷺ فى حديث الرؤية: " نور أنَّى أراهُ "، قال المازرى: " وفى نسخة: نُورانىُّ " قال القاضى عقبها: " هذه الرواية لم تقع إلينا، ولا رأيتها فى شىء من الأصول، إلا ما حكاه الإمام أبو عبد الله " (٦).
стр. 26
ى- اعتماد صاحبه فى البيان كثيراً على أصول النسخ من مراجع اختلف النقل عنها، مما أعاننى على تصويب ما جاء فى تلك المراجع المتداولة. وذلك مثل ما جاء فى تعليقه على قول المازرى فى قوله ﷺ : " إذا جلس بين شعبها الأربع "، حيث قال: " قال الإمام: قال الهروى: قيل: هى اليدان والرجلان. وقيل: بين رجليها وفخذيها ".
ثم عقب على ذلك فقال: " الذى عندنا فى أصل الهروى الذى سمعناه: بين رجليها وشفريها " (١).
ك- تنوع مصادره فى شرحه للحديث، فقد راجع كثيراً من الأدباء واللغويين، وكثيراً من أئمة الرواية والفقه، فوق استعانته بغيرهم من المؤلفات.
رابعاً: عنايته بالجوانب الفقهية فى الحديث:
أ- بيان قيمة ما ذهب إليه أصحاب الحديث فى المسائل الفقهية، ففى حديث ابن عمر: " وإذا قام من الركعتين رفع يديه " قال: " وذكره أبو داود فى حديث أبى حميد الساعدى فى عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وروى عن بعض أهل الحديث الرفع عند السجود والرفع منه، وقد جاءت بذلك آثار لا تثبت، وليس هذا الرفع بواجب ولا شىء منه عند العلماء، إلا داود فأوجبه عند تكبيرة الإحرام، وخالفه بعض أصحابه فلم يوجبوه، وقال بعضهم: هو واجب كله، قال بعض المتكلمين: كان شرع الرفع فى أركان الصلاة أولاً علامة للاستسلام، لقرب عهدهم بالجاهلية، والإبانة عن الإسلام، فلما أنسُوا بذلك، واطمأنت قلوبهم، خفف عنهم، وأبقى فى أول الصلاة علامة على الدخول فيها لمن لا يسمع التكبير " (٢) خير مثال لذلك.
ب- توثيق بعض الفتاوى الفقهية (٣)، وذلك كقوله فى التيمم: " وكلام عبد الله وأبى موسى فى تيمم الجنب يدل على أن مذهب ابن مسعود كان لا يتيمم ولا يصلى حتى يجد الماء، ثم روى أنه رجع بعد إلى التيمم، هذان القولان معروفان، وقد حكى عنه أن من قوله: لا يغتسل إذا تيمم، ولكنه إذا أحدث توضأ للصلاة، وهذا لا يصح عنه ولا عن أحد من العلماء، إلا أبا سلمة بن عبد الرحمن وحده ".
جـ- التنبيه على أصول الفقه والفتوى لأهل الحديث، مما جعل هذا الكتاب مرجعاً هاماً لذلك الموضوع، ففى مسألة الترجيع فى الأذان ردَّ اختيار أهل الحديث فيها إلى أصلهم فى تلك المسألة بأنه إذا صحت الأحاديث واختلفت ولم يعرف المتأخر من المتقدم، أنها للتوسعة والتخيير (٤)، ثم إنه أحياناً يوجه الأحكام الفقهية بعد أن يجمع
стр. 27
شواردها ويتتبع لواحقها (١).
د- يعمد أحياناً إلى تقويم الروايات عن مالك فى بعض المسائل الفقهية، والتنبيه على شواذ المسائل فى مذهبه، مع بيان موردها.
ففى حديث: " كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذى منكبيه وقبل أن يركع ... " يقول: " والمعروف من عمل الصحابة ومذهب جماعة العلماء بأسرهم - إلا الكوفيين - الرفع فى الصلاة عند الافتتاح وعند الركوع والرفع منه، وهى إحدى الروايات المشهورات عن مالك، وعمل بها كثير من أصحابه ورووها عنه، وأنه آخر أقواله ... ".
وروى عنه: لا رفع فى أول الصلاة ولا فى شىء منها، وهى أضعف الروايات عنه (٢). وغير هذا كثير.
ومثل هذا لا يتيسر الوقوف عليه - على أهميته - عند غيره، انظر مثلاً إلى قوله فى قراءة المأموم خلف الإمام: " وقد اختلف العلماء فى القراءة فى الصلاة، فذهب جمهورهم إلى وجوب أم القرآن للإمام والفذ فى كل ركعة - وهو مشهور قول مالك - وعنه أيضاً أنها واجبة فى جُلّ الصلاة، وهو قول إسحاق، وعنه أيضاً: إنما يجب فى ركعة، وقال المغيرة والحسن وعنه: إنها لا تجب فى شىء من الصلاة، وهو أشد رواياته، وهو مذهب أبى حنيفة، إلا أن أبا حنيفة يشترط أن يقرأ غيرها من القرآن فى جُلّ الصلاة ... إلخ " (٣).
وإلى قوله فى تشقيقاته لبنية المذهب المالكى فى بعض المسائل الفقهية، حيث يقول فى المسائل الفقهية بصورها المختلفة الثلاث مقالات فى مذهبنا تقف على يقين من هذا الأمر.
هـ- استكماله لبعض المباحث الفقهية فى بعض روايات مسلم، وذلك بسوق أدلتها من غيره، حتى تكتمل لذلك المسألة الفقهية، ففى حديث الأذان لأبى محذورة قال القاضى: " ولم يذكر مسلم فى روايته رفع الصوت ولا خفضه، وقد اختلفت
стр. 28
الرواية فيه عن أبى محذورة فى غير كتاب مسلم فى مصنف أبى داود وغيره من رواية ابنه عبد الملك ... ولم يذكر مسلم: " الصلاة خير من النوم "، وذكره أبو داود وغيره ... إلخ " (١).
و- حرصه على بيان معانى بعض الأحكام الفقهية، مما لا يتيسر الوقوف عليه مجتمعاً فى غير هذا الكتاب، وذلك كما فى تفسيره لرفع الأيدى فى التكبير حيث يقول: " ثم اختلف فى معنى الرفع، فقيل: استكانةٌ واستسلام، وإنها صورة المستكين المستسلم، وكان الأسير إذا غلب مد يديه علامة لاستسلامه، وقيل: استهوال لما دخل فيه، وقيل: لتمام القيام، وقيل: إشارة لطرح أمور الدنيا وراء ظهره، وإقباله بكليته على صلاته ومناجاة ربه، كما تضمن ذلك قوله: " الله أكبر "، فيطابق فعله قوله، وإعلانه بدخوله فى الصلاة عملاً، كما أظهرها بالتكبير قولاً، وليراه من يسمعه ممن يأتم به. قال: وهذه المعانى كلها مشاكلة لمن رأى رفعها منتصبة وإلى أذنيه، وقيل: خضوعاً ورهبة، وهذه مطابقة لصورة من نصبهما أو حنا أطرافهما " (٢).
ز- يعرض كثيراً لغرائب فى مسائل فقهية اندثرت، مما يساعد فى بيان تاريخ التشريع، يساعد الفقيه على الفتوى بالرخصة - وإن كانت شاذة - عند الحاجة.
اسمع إليه وهو يقول فى حديث: " أقيمت الصلاة ورسول الله ﷺ يناجى ربه فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه ثم صلى بهم "، وفى حديث: " كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلون ولا يتوضؤون ": " فيه دليل على أن النوم ليس بحدث " فى نفسه، وأن موجب الوضوء منه المستثقل الذاهب بحس المرء حتى لا يعلم بالحدث إذا خرج منه ثم قال: " وقد كان بعض السلف لا يرى النوم حدثاً على أى وجه كان حتى يحقق خروج الحدث فيه " تقف على جلية هذا الأمر.
ح- إحاطته بالمذاهب الفقهية، واستجماعه لعلم أصول الفقه، ساعداه على رد الخلافات الفقهية الواردة فى الكتاب إلى أسبابها العلمية ودواعيها (٣).
ط- الكشف عن أصول بعض الاستخراجات الفقهية وإظهار مذاهب لبعض أتباع الأئمة انفردوا بها، كقوله فى الحائضة إذا زاد أيام حيضتها على خمسة عشر يوماً: " ... قيل: تترك الصلاة قدر أيام لداتها، وهل تستظهر على ذلك أم لا؟ فيه قولان وما
стр. 29
ألزمنا المخالف هو حقيقةُ مذهب ابن القاسم على ما ذهب إليه بعض حذاق شيوخنا " (١).
خامساً: فوائد أخرى فى الأصول والرجال واللغة:
أ- تحديده لمصادر بعض المراجع الأصلية فى علوم الرجال، كقوله فى عبد الغنى: " إنه إنما رأى من مسلم نسخة ابن ماهان، ولم يكن بعد دخلت نسخة الليودى " (٢).
ب- قطع النزاع فى الاحتمالات والتفسير، بما يسوق للعبارة من نص يسنده، فهو كثيراً ما يفعل ذلك فى أثناء تناوله لقضايا الكتاب، ويقول مثلاً: " قد روينا هذا الحرف " قالت " صحيحاً من طريق العذرى، والشنتجالى " (٣)، وكما قالوا فى الحديث: " ونُبلغُه مَنْ وراءنا ": كذا روايتنا فيه بنصب مَنْ ونصب وراءنا على الظرف " (٤).
جـ- تحديد ميلاد بعض المصطلحات الحديثية والقضايا العلمية والفقهية، ففى التفريق بين " حدثنا " و " أخبرنا " فى التحمل يقول: " إن أول من أحدث الفرق بين هذين اللفظين ابن وهب بمصر، وقالوا: لا يكون حدثنا إلا فى المشافهة من المخبر " (٥)، وفى التدليس يقول: " إن أول ظهور له كان فى عصر التابعين "، وفى مسألة تعليق الإيمان على المشيئة يقول: " وهى مسألة اختلف فيها من زمان الصحابة " (٦).
د- بيان السبب الحامل على التلقيب لبعض الأئمة الوارد ذكرهم فى الكتاب، كقوله فى أحمد بن صالح المصرى: المعروف بابن الطبرى لغلبة الحديث عليه " (٧).
هـ- جمع فى كثير من مسائله بين نظره وإجازة أهل التحقيق له (٨).
و- تحديد جهة وأسلوب الاستفادة التى أفادها من شيوخه واكتفى مَنْ بعده بالعزو إليه وحده، فحيث يقول النووى: قال عياض، تجد عياضاً يحدد هذا بقوله: " وممن باحثناه من شيوخنا وكاشفناه ... " (٩).
ز- أن هذا الكتاب كان الأصل الذى أخذ منه ابن الصلاح ثم النووى بعده، ومن بعدهما ترادف أئمة الشروح على النقل منه والأخذ عنه، كالعراقى، وابن حجر والعينى (١٠).
стр. 30
ح- بيان مصدر غيره ممن أتى بعده ونقل عنه ولم يشر إليه (١).
ط- تصحيح الإسناد فى بعض النقول عنه، فقد ينقل القاضى عنه ثم يتبين أن التصويب له عن غيره (٢).
стр. 31
منهج القاضى عياض فى كتابه " الإكمال "
لما كان موضوع " الإكمال " هو إكمال عمل الإمام المازرى فى شرحه لصحيح مسلم وتهذيب ما تم منه، فقد وجدت بتتبعى له فى عمله أنه لزم لذلك منهجاً تمثل فيما يلى:
١ - يفصل كثيرًا مما أجمله الإمام من مذاهب العلماء فى النص (١).
٢ - الأصل فى عمله أن يأتى كلامه بعد كلام الإمام المازرى فى الحديث، إلا أنه كان أحياناً يفسر ما جاء فى الحديث أولاً، ثم ينقل كلام الإمام، وهذا إذا كان التفسير قليلاً (٢).
٣ - ما تركه الإمام من أجزاء فى الحديث بغير تعليق أو شرح فإن القاضى يبدأ به، وذلك كما فى حديث: " أيما عبد أبق من مواليه "، فالإمام لم يتحدث فيه إلا عن جزء قبول الصلاة (٣)، ومن هنا فإن القاضى بدأ كلامه ببيان معنى الإباق.
٤ - يترك الكلام على الحديث إذا لم يكن عنده ما يضيفه إلى كلام الإمام، وذلك ما وقع منه فى حديث: " لا تقنطوا من رحمة الله ".
٥ - حيث يسوق شاهداً لمعنى فإنه يتولى غالباً بيان المراد من بقيته.
٦ - يرجح بين الروايتين الصحيحتين بمقتضى السياق اللغوى.
ففى حديث: " تعين صانعاً أو تصنع لأخرق " قال القاضى: " روايتنا فى هذا الحديث: (ضايعاً) من طريق هشام أولاً بالضاد المعجمة وبالياء بعد الألف، وكذلك فى الحديث الآخر من جميع طرقنا عن مسلم من حديث هشام والزهرى، إلا من رواية أبى الفتح الشاشى عن عبد الغافر الفارسى، فإن شيخنا أبا بحر حدثنا عنه فيهما بالصاد المهملة، وهو صواب الكلام لمقابلته بأخرق، وإن كان المعنى من جهة معونة الصانع أيضاً صحيحاً " (٤). وهذا منهجه فى عمله فى هذا الكتاب وفى غيره، ففى كتاب " مشارق الأنوار " يقول فى رواية: " حتى سمعت غطيطه أو خطيطه ": " الغطيط صوت نَفَس النائم عند استثقاله من منخره، ولا معنى للخطيط وهو وهم ".
٧ - يستفيد من النسخ المغايرة لنسخة مسلم المعتمدة لديه؛ لبيان سبب الحديث وكشف عباراته.
стр. 32
٨ - فى تحقيقه لدقائق المسائل، فإنه لا يكتفى فيها ببيان نظره فيها، بل يعرضها على أهل التحقيق من شيوخه، ولهذا كثيراً ما نراه يردد أن هذا مستفاد من متقنى شيوخنا (١).
٩ - إذا كثر الاختلاف فى أصل الاشتقاق للمصطلح الشرعى استعان على تصويب ما يختار بسير القدامى، ومطالعة الآثار القريبة المعنى بها، مع استقراء كلام العرب وأشعارها فيه، وذلك مثل ما جاء فى كلمة الصلاة، حيث يقول: " كلام العرب وأشعارها أن الصلاة كانت عندهم معلومة على هيئتها عندنا، من أفعال وأقوال، ودعاء، وخضوع وسجود، وركوع. وقد تنصَّر كثير منهم وتهوَّد وتمجَّس، وتقربوا بالصلوات والعبادات، وجاوروا أهل الديانات، وداخلوا أهل الملل، ووفد أشرافهم على ملوكهم، وألفت قريش رحلة الشتاء والصيف إلى بلادهم، وثابر كثير منهم على بقايا عندهم من دين إبراهيم، وعرفوا السجود والركوع والصوم والحج والعمرة والاعتكاف، وحجوا كل عام واعتمروا، وحضوا على الصدقة، وصاموا عاشوراء، ومن طالع أخبارهم ودرس أشعارهم علم ذلك منهم ضرورة، فجاء الشرع بهذه العبادات وهى عندهم معلومة مفهوم المراد منها ... " (٢).
وذلك ليصل إلى أنه متى أعطيت هذه الألفاظ من البحث حقها، وجدت عند المخاطبين بها لأول ورودها من أهل الشريعة معروفة المعنى على ما جاءت به من أفعال مخصوصة وعبارات مقررة، إلا ما غير الشرع فيها من بدع الجاهلية، أو نسخ من شرائع من تقدم من الكتابية " (٣).
١٠ - يميل كثيراً إلى الاختصار فى عرض المسائل الفقهية المتصلة بالحديث.
١١ - مراعاة الدقة فى وصف حالة التحمل، وذلك مثل قوله: " كذا وجدته بخط شيخنا الشهيد متقناً فى تاريخ البخارى " (٤).
١٢ - إذا نقل عن أحد من الأئمة قولاً فى مسألة - المعنى فيه محتمل لغيره - أورد المعانى المحتملة بصيغة غير ملزمة، كقوله فى قول مالك: لا يؤخذ الحديث عن صاحب هوى يدعو إلى هواه. قال: " فانظر اشتراطه الدعاء، هل هو ترخيص فى الأخذ عنه إذا لم يدع؟ أو أن البدعة سبب لتهمته أن يدعو الناس إلى هواه؟، أى لا تأخذوا عن ذى بدعة، فإنه ممن يدعو إلى هواه، أو أن هواه يحمله أن يدعو إلى هواه
стр. 33
فتهمته لذلك؟ وهذا المعروف من مذهبه " (١).
١٣ - أنه شديد العناية ببنية الكلمة وسلامة معناها " لذلك نراه:
أ- يرجع إلى أهل اللغة أولاً فى بيان معانى الألفاظ، كقوله فى تفسير " السبحات ": " هى تلك الحجب التى ذكر من النور والنار وجلال الملكوت وعظيم القدرة، لو كشفها لأحرقت كل من رآها ... "، ويتأول فى ذلك ما يتأول فى قوله: ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾: " وفى تسميته (نوراً) يستقيم المعنى الحقيقى، وينطبق على اللفظ العربى، وعلى تفسير أهل اللغة التى لا بد لنا من الرجوع إليهم فى معانى هذه الألفاظ " (٢).
ب- فى شرحه لمفردات الحديث يسترسل له بإيراد الشواهد لها من كتاب الله تعالى وأمثالها من الحديث النبوى.
جـ- يعرض ما للفظة من روايات لغوية متعددة، ثم يقيم تلك الروايات بردها أولاً إلى الاصول اللغوية والقواعد النحوية، ومثال ذلك فيما جاء فى عرضه للفظة " مربيد " الذى قال فيه بعض العلماء أنه شدة البياض فى السواد، علق على هذا بقوله:
" إن هذا يقال له: أبلق، والرّبْدة: هى شىء فى بياض يسير يخالط السواد كلون النعام "، ثم ساق ما عنده من روايات تؤكد هذا (٣).
١٤ - يعزو القول إلى قائله، سواء فى السند أو المتن.
١٥ - شديد العناية بضبط المختلف فيه من رجال السند.
١٦ - يلزم دائماً الاعتدال عند تناول القضايا العلمية إذا كانت بعيدة عن المباحث المذهبية، وما عدا ذلك فهو شديد الميل للانتصاف لمذهب مالك، وإن انتقد عليه أحياناً وانتصر لغيره (٤)، حيث يقول: " واضطرب مذهبنا على هذه الأقوال " (٥).
١٧ - إذا عرض له ما يستوجب التصحيح فى السند، عجَّل بالتنبيه عليه قبل الفراغ من الحديث فى المتن (٦).
١٨ - لا يمنعه إجلاله للإمام من أن يعقب ويستدرك عليه ويصحح له ما وقع فى كلامه من أوهام وأخطاء، فحين قال الإمام - مثلاً - فى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 34
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْم﴾ (١): وقول الصحابة فيها لما أنزلت لرسول الله ﷺ : " وأينا لم يظلم نفسه" يدل بظاهره عند بعض أهل الأصول على أنهم كانوا يقولون بالعموم، لأن الظلم عندهم يعم الكفر وغيره، فلهذا أشفقوا، قال القاضى: " الظلم فى كلام العرب وضع شىء فى غير موضعه، وقد يقع الظلم بمعنى النقص، وقد قيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ (٢) " ثم قال: " وليس يظهر لى فى هذا الحديث حجة للعموم " (٣) إلخ. ولما مال إلى تفسير مسلم لبعض ألفاظ حديث الفتن " كالكوز مجخياً " وقال: وقع تفسير ذلك فى كتاب مسلم، فال القاضى: " ما وقع من التفسير فى (الأم) مما ذكره مسلم، فى بعضه تلفيق، وفى بعضه تصحيف " (٤).
١٩ - حيث يقدم المعلم الحديث عن السند فى الشرح والبيان، فإن " الإكمال " يؤخره.
٢٠ - حرصَ على ترتيب مسائل " المعلم " وفق ترتيب الصحيح لمسلم، فتراه يقول حين يجد الإمام قدّم حديثاً فى التعرض له عن غيره: " وليس هذا بموضعه " (٥).
٢١ - يعمد إلى إسناد المعانى المستنبطة إلى أول قائل لها، مثل قوله: " وحكى لنا بعض شيوخنا عن القاضى أبى الوليد الوقشى، وكان أكثر اعتناءً بأمثال هذه الألفاظ المشكلة ... إلخ " (٦).
مزايا كتاب " المعلم ":
١ - توارد المعلم والإكمال على تصحيح ما وقع فى بعض النسخ وروايات مسلم فى الصحيح، فالنسخة التى اعتمد عليها الإمام غير النسخة التى اعتمد عليها القاضى.
ففى الحديث الذى أخرجه مسلم فى تفسير صفة المسح حيث جاء إسناده: روى الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن ابن هرمز عن عمير مولى ابن عباس، أنه سمعه يقول: " أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة حتى دخلنا على أبى الجهم ... ".
قال الإمام المازرى: كذا وقع عند الجلودى والكسائى وابن ماهان، وهو خطأ والمحفوظ: " أقبلتُ أنا وعبد الله بن يسار "، وهكذا رواه البخارى عن ابن بكير عن الليث، وذكره مسلم هنا مقطوعاً.
стр. 35
قال القاضى: " راويتنا من طريق السمرقندى عن الفارسى عن الجلودى فيما حدثنا به أبو بحر عن عبد الله بن يسار، على ما ذكر، وكذلك قاله النسائى وأبو داود وغيرهما من الحفاظ " (١).
وبهذا التعدد فى نسخ الصحيح يبرأ صاحبه مما وقع فى الصحيح من أخطاء وأوهام (٢).
٢ - أنه و " الإكمال " كشفا عن الزيادات التى ثبتت فى بعض النسخ لمسلم، كقول المازرى: " بوب على هذا الحديث فى بعض نسخ مسلم. ووافقه القاضى على ذلك، مما يعد إضافة للصحيح " (٣).
ثم انفرد " المعلم " بما يلى:
١ - النقل عن مصادر غيرِ ميسور الرجوع إليها الآن، وذلك غير المصادر التى انفرد بها صاحب " الإكمال " وذلك مثل كتاب " المطرز فى اليواقيت " (٤).
٢ - يتتبع ميلاد كثير من أقوال مالك فى الحديث والمسألة من قبل أن تكون مذهباً، ويشير إلى وقت ميلادها، مما يمثل ثروة فى تقييم المذهب.
وذلك كقوله فى مسألة المسح على الخفين: " اختلف قول مالك فى المسح على الخفين، فروى عنه فيه قولة شاذة أنه لا يمسح فى سفر ولا حضر، وروى عنه أنه يمسح فيهما، وروى عنه المسح فى السفر خاصة، فأما القول بأنه لا يمسح جملة فإن المالكية لا يعرّجون عليه، ولا يكاد كثير منهم يعرفه، وأظن أن صفة ما روى فيه عن مالك أنه قال: لا أمسح، فإن كانت الرواية هكذا فقد يتأول على أنه إنما اختار ذلك فى خاصة نفسه، لا أنه ينكر جواز ذلك، وإن كان لفظ الرواية تقتضى إنكار جواز المسح فإنه يكون وجهه التمسك بالآية، وتقديمها على أحاديث المسح، وقد أشار مالك فيما روى عنه إلى ذلك فقال: " إنما هى أحاديث وكتاب الله أحق أن يتبع " (٥).
٣ - يبين أحياناً أسباب الخلاف بين المذاهب فى بعض المسائل الفقهية المستندة على الحديث، كقوله فى هذه المسألة: " وأما وجه القول بالتفرقة بين الحضر والسفر فى المسح فلأن أكثر الأحاديث إنما وردت فى السفر؛ لأن السفر محل الرخص، وقد خص بالقصر والفطر والتنفل على الدابة وشبه ذلك ".
أسانيد القاضى عياض إلى صحيح مسلم وقيمتها العلمية:
لقد حصَّل القاضى صحيح مسلم المسمى عنده " المسند الصحيح المختصر من السنن " من نسختين:
стр. 36
سند عياض للنسخة الأولى له إلى صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (نسخة الجلودى)
(١) أبو على الحسين بن محمد الصدفى
(٢) أبو بحر سفيان بن العاصى الأسدي
(٣) الفقيه أبو محمد عبد الله بن أبى جعفر الخشنى
(٤) أبو محمد عبد الرحمن بن عتاب
(٥) الفقيه القاضى أبو عبد الله محمد بن عيسى التميمى
(٦) الحافظ أبو على الحسين بن محمد الجيانى الغسانى
أبو العباس أحمد بن عمر العذرى
أبو الليث السمرقندى نصر بن الحسن الشاشى
أبو عبد الله الحسين بن على الطبرى
أبو العباس أحمد بن الحسن الرازى
أبو الحسين عبد الغافر ابن محمد الفارسى
أبو حفص الهوزنى
أبو محمد الشنتجالى
أبو سعيد عمر بن محمد السجزى
أبو القاسم الطرابلسى
حاتم الصقلى
أبو أحمد محمد بن عيسى الجلودى
الكسائى
إبراهيم بن سفيان المروزى
الإمام مسلم
стр. 37
أولاهما: نسخة الجلودى:
وهى رواية عن إبراهيم بن سفيان المروزى عن الإمام مسلم، وهى النسخة المعتمدة المشهورة - كما ذكر ابن الصلاح (١) - ووصله من أكثر من طريق.
الثانية: نسخة القلانسى:
وهى النسخة التى انفرد بها أهل المغرب (٢).
يقول الإمام ابن الصلاح: " لم أجد للقلانسى ذكراً عند غيرهم " (٣).
أما رجال إسناد النسخة الأولى التى تلقاها عنهم بالسماع أو الإجازة فهم:
١ - الحافظ أبو على الحسين بن محمد الجيانى الغسانى، شيخ الأندلس فى وقته، وصاحب رحلتهم، وأضبط الناس لكتاب، وأتقنهم لرواية، مع الحظ الوافر من الأدب والنسب والمعرفة بأسماء الرجال، وسعة السماع. انتقل أبوه من جيان إلى قرطبة فاستوطنها ولم يرحل الحافظ من الأندلس.
سمع أبا عمر بن عبد البر، وأبا عمر بن الحذاء، وأبا العباس الدلائى، وأبا القاسم الطرابلسى، والفقيه أبا عبد الله بن عتَّاب، والقاضى أبا الوليد الباجى، والقاضى سراج بن عبد الله، وابن سعدون وابن حيان، وصحب أبا مروان بن سراج، وأتقن كتب اللغة والغريب، والشروح عليه، وكان من جهابذة الحفاظ وكتابه " تقييد المهمل وتمييز المشكل " من الكتب التى سارت بذكرها الركبان، قيد فيه المهمل، وميَّزَ المشكل بين الأسماء والكنى والأنساب لمن ذكر اسمهم فى صحيحى البخارى ومسلم وهو كبير الفائدة (٤).
مولده سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وتوفى فى شعبان سنة ثمان وتسعين وأربعمائة (٥). وقد أخذه عنه بالإجازة التامة منه له، حيث كتب إليه به، وذكر له سنده فيه إلى مسلم فقال: حدثنى به الدلائى (٦) وحدثنى به أيضاً أبو القاسم حاتم بن
стр. 38
محمد الطرابلسى (١) عن أبى سعيد السجزى (٢)، قال: هو والرازى والفارسى ثنا أبو أحمد محمد بن عيسى الجلودى ثنا إبراهيم بن سفيان المروزى ثنا مسلم بن الحجاج.
٢ - القاضى الشهيد الحافظ أبو على الحسن بن محمد الصدفى بن سُكَّرة الأندلسى، السرقسطى.
وهو ممن أكثر عنه القاضى فإن أصله من سرقسطة، ومولده بحاضرتها، فى نحو أربع وخمسين وأربعمائة.
أخذ عن شيوخها وقرأ على مقرئيها وسمع بها، وروى عن أبى الوليد الباجى ومحمد بن سعدون القروى، وسمع بالمريَّة وبلنسية من العذرى وابن سعدون، وحج سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، ورحل إلى المشرق، فلقى بقايا شيوخ إفريقية - تونس - بالمهدية - وبمصر الحبَّال والخلعى، وبمكة الطبرى وأبا بكر الطرطوشى، وأبا عبد الله الحافظ وغيرهم، وبالبصرة ابن شعبة، وأبا يعلى، وأبا العباس الجرجانى، وجماعة، وسمع بواسط من شيوخها، وأقام ببغداد خمس سنين، وأخذ فيها عن بقية محدثيها ومسنديها أبى الحسن الطيورى، وابن خيرون، وابن البطر، والبانياسى، وأبى محمد التميمى، والإمام أبى بكر الشاشى، وابن فهد العلاف، ودرس الفقه والأصول على الشاشى، ولقى جماعة من الخراسانيين الحجاج؛ كالإمام أبى القاسم عبد الله بن طاهر التميمى المعروف بابن شافور البلخى، والقاضى أبى محمد الناصحى.
قال عياض: " بلغ شيوخه نحو مائتى شيخ، ولما وصل الأندلس رحل الناس إليه، وكثر الآخذون عنه، واستوطن مرسية، وسمع منه الناس كثيراً، وسمع منه من هو فى عداد شيوخه. وكان عارفاً بالحديث، قائماً به، حافظاً لأسماء الرجال، عارفاً
стр. 39
بقويهم من ضعيفهم، ذا دين متين، وخلق حسن، وصيانة، من أجل من لقيناه " (١).
وقد أخذه عنه بقراءته عليه فى مدينة مرسية (٢)، حدثهم به عن أبى العباس أحمد ابن عمر العذرى الدلائى.
استشهد - رضى الله عنه - فى ملحمة قتندة بثغر الأندلس فى ربيع الأول سنة أربع عشرة وخمسمائة (٣).
٣ - أبو بحر سفيان بن العاصى الأسدى، الفقيه النحوى، الراوية. قال فيه القاضى: " أحد المتفننين المتقنين للكتب، المتسعى الرواية " (٤).
أصله من حصن مربيطر (٥)، نشأ ببلنسية، وسمع أبا العباس الدلائى، وأبا عمر ابن عبد البر، والقاضى أبا الوليد الباجى، وأجازه أبو مكتوم عيسى بن أبى ذر الهروى.
روى عنه ابن بشكوال، وأبو الوليد الدباغ فيمن رووا عنه وهم كثير.
توفى فى جمادى الآخرة سنة عشرين وخمسمائة.
وقد أخذ عنه القاضى صحيح مسلم سماعاً بقرطبة (٦). حدثه به - هو والصدفى - عن أبى العباس العذرى عن أبى العباس أحمد بن الحسن الرازى، عن أبى أحمد محمد ابن عيسى الجلودى، عن إبراهيم بن سفيان المروزى عن مسلم.
وحدثه به - أبو بحر - من روايته عن الشيخ أبى الليث نصر بن الحسن الشاشى السمرقندى، عن أبى الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسى عن الجلودى.
قال فيه القاضى: كان شيخ فقهاء وقته بشرق الأندلس، وأحفظهم للمذهب - مذهب مالك - مع المعرفة لكتاب الله، والتفنن فى المعارف، والمشاركة فى علومه.
سمع أباه، وأبا القاسم الطرابلسى، وأبا الوليد الباجى وابن سعدون القروى، ولقى فقهاء طليطلة، وقرطبة، وحج فسمع بمكة من أبى عبد الله الطبرى كتاب مسلم.
توفى ﵀ بمرسية سنة ست وعشرين وخمسمائة، ومولده سنة سبع
стр. 40
وأربعين وأربعمائة (١).
٤ - أبو محمد عبد الرحمن بن عتاب بن محسن الجذامى، الفقيه وهو - كما قال فيه خلف بن بشكوال -: آخر الشيوخ الجلة الأكابر بالأندلس فى علو الإسناد، وسعة الرواية، وكان عارفاً بالطرق، واقفاً على كثير من التفسير والغريب والمعانى، مع حظٍّ وافر من اللغة والعربية، وكان من أهل الفضل والحلم، والوقار والتواضع، وكانت الرحلة إليه فى وقته (٢)، لعلو سنده وانقراض طبقته، وصبره على الجلوس والإسماع آناء ليله وأطراف نهاره (٣).
توفى ﵀ فى جمادى الأولى سنة عشرين وخمسمائة.
وقد حدثه به عن أبى محمد الشنتجالى إجازة.
٥ - الفقيه أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الخشنى - المعروف بابن أبى جعفر - لقيه القاضى بسبتة عند صدوره من الحج، وسمع منه شيئاً، ثم رحل إليه ببلده مرسيَّة، فقرأ عليه صحيح مسلم بسماعه بمكة عن الإمام أبى عبد الله الحسين بن على الطبرى عن أبى الحسين الفارسى، عن الجلودى، عن إبراهيم بن سفيان المروزى، عن مسلم.
وبسماعه عن أبى حفص الهوزنى (٤) - عمر بن حسين - عن أبى محمد عبد الله بن سعيد الشنتجالى (٥)، عن أبى سعيد عمر بن محمد السجزى عن الجلودى (٦).