ال مقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ٣.
أما بعد: فإن الله بعث محمدا ﷺ بجوامع الكلم ٤، وخصه ببدائع الحكم٥، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بعثت بجوامع الكلم " ٦.
стр. 2
ومن الأحاديث الجوامع للكلم حديث عبد الله بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر " كما ذكر ذلك الحافظ ابن رجب في مقدمته لكتاب " جامع العلوم والحكم " حيث قال ﵀: " لأنه الجامع لقواعد الفرائض التي هي نصف العلم "١.
فرغبت شرح هذا الحديث مع بيان الأحكام الفرضية المستنبطة منه وقد جمعت ما يتعلق بهذا الحديث من كتب المحدثين والفقهاء والفرضيين التي تيسر لي الوقوف عليها وقد كان من أسباب اختياري لشرح هذا الحديث غير ما ذكر ما يأتي:-
١- بيان كلام أهل العلم في الحكمة في تقييد الرسول ﷺ الرجل يكونه ذكرا.
٢- جمع ما تفرق من الأحكام المستنبطة من هذا الحديث في مكان واحد.
٣- رغبة المساهمة في جمع ما يتعلق بهذا الحديث: رواية ودراية حيث إني لم أجد حسب اطلاعي القاصر من قام بذلك.
وقد رتبته على تمهيد وخمسة مباحث وخاتمة.
التمهيد: في التعريف بعلم الفرائض، ويشتمل على ثلاثة مطالب:-
المطلب الأول: تعريف الفرائض لغة واصطلاحا
المطلب الثاني: أهمية علم الفرائض في الكتاب والسنة
المطلب الثالث: أقسام الإرث
المبحث الأول: ألفاظ الحديث وتخريجها
стр. 3
المبحث الثاني: معاني مفردات الحديث
المبحث الثالث: المعنى الإجمالي للحديث
المبحث الرابع: الحكمة في تقييد الرجل بكونه ذكرا
المبحث الخامس: الأحكام المستنبطة من الحديث
وفيه ثلاثة مطالب:-
المطلب الأول: الأحكام المتفق عليها بين الأئمة الأربعة.
المطلب الثاني: الأحكام الراجحة من الحديث
المطلب الثالث: الأحكام المرجوحة من الحديث
الخاتمة في نتائج البحث
وسرت على المنهج الآتي:-
١- قمت بجمع المادة العلمية، ثم ترتيبها على حسب ما أراه مناسبا.
٢- رجعت إلى الكتب المعتمدة في جمع ما يتعلق بهذا الحديث سواء من كتب الحديث أو الفقه أو الفرائض، وحاولت النقل من المصدر الأقدم في الغالب.
٣- سلكت في الأحكام المستنبطة من الحديث الطريقة الآتية:-
أ - إذا كان الحكم متفق عليه بين الأئمة الأربعة، فإني أقتصر على ذكر من حكى الاتفاق فقط.
ب - إذا كان الحكم المستنبط من الحديث هو القول الراجح، فإني أذكر من قال بهذا القول من العلماء، ثم أذكر من خالف في ذلك من العلماء المشهورين مع ذكر دليلين لما استدلوا به والجواب عنهما.
ج - إذا كان الحكم المستنبط من الحديث هو: القول المرجوح، فإني أذكر من قال بهذا القول من العلماء المشهورين، ثم أذكر القول الراجح ومن
стр. 4
قال به من العلماء المشهورين، وذكر ما تيسر من أدلتهم، ثم الجواب عن الاستدلال بهذا الحديث.
٣- قمت بعزو الآيات إلى سورها مع بيان رقم الآية.
٤- قمت بتخريج الأحاديث الواردة في البحث، فإذا كان الحديث في الصحيحين فإني اكتفي بذلك، وإذا كان في أحدهما فإني أضم إلى ذلك تخريجه من السنن الأربعة ومسند الإمام أحمد، وإذا كان في غيرهما فإني أخرجه من السنن الأربعة، وأذكر ما وقفت عليه من كلام المحدثين حول الحديث صحة أو ضعفا.
٥- قمت بتوضيح الكلمات الغريبة.
هذا ما تيسر لي بحثه، مع اعترافي بالتقصير لكني ولله الحمد والمنة بذلت ما في وسعي من بحث ووقت وجهد، فأسأل الله أن ينفعني به، وينفع به من قرأه والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 5
التمهيد
المطلب الأول تعريف الفرائض لغة واصطلاحا
...
التمهيد
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الفرائض لغة واصطلاحا
المطلب الثاني: أهمية علم الفرائض في الكتاب والسنة
المطلب الثالث: أقسام الإرث
стр. 6
المطلب الأول: تعريف الفرائض لغة واصطلاحا
الفرائض لغة: جمع فريضة مأخوذة من الفرض، والفرض له معان كثيرة منها ما يأتي:
١- الحز، ومنه فرض القوس وهو الحز الذي في طرفه حيث يوضع الوتر.
٢- القطع، ومنه قولك فرضت لفلان كذا من المال أي قطعت له.
٣- الوجوب، تقول: فرضت الشيء أفرضه فرضا أي أوجبته، ومنه قوله تعالى ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ ١ أي ألزمناكم العمل بما فرض فيها.
٤- التبيين، ومنه قوله تعالى ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُم﴾ ٢ أي بين لكم ما تتحللون به من الأيمان التي عقدتموها.
٥- الفرض الهبة، يقال ما أعطاني فرضا ولا قرضا.
٦- المفروض المقتطع المحدود، ومنه قوله تعالى ﴿نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ ٣ أي نصيبا محددا ومقطوعا.
٧- الفريضة ما فرض من السائمة من الصدقة، والفريضة الهرمة المسنة ٤.
وأما تعريف الفرائض في الاصطلاح فلها عدة تعاريف، وسأقتصر على بعض تعريفات الفرضيين لها.
التعريف الأول:
فقه المواريث، وعلم الحساب الموصل لمعرفة ما يخص كل ذي حق من التركة.
стр. 7
وهذا التعريف للشيخ العلامة الفرضي أحمد بن محمد بن الهائم، والشيخ العلامة الفرضي عبد الله بن محمد الشنشوري، والشيخ العلامة الفرضي عبد القادر بن أحمد بن بدران من الحنابلة١.
التعريف الثاني:
فقه المواريث، وما ضم إلى ذلك من حسابها.
وهذا التعريف للشيخ العلامة الفرضي صالح بن حسن البهوتي، وتبعه عليه كل من الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن سيف، والشيخ عبد الرحمن ابن محمد بن قاسم، والشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد، وسماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز٢.
التعريف الثالث:
معرفة من يرث، ومن لا يرث، ومن يحجب، ومن لا يحجب
وهذا تعريف الأخضري من المالكية٣.
التعريف الرابع:
علم بأصول من فقه وحساب، تعرف حق كل من التركة
وهذا تعريف الشيخ عبد الملك البتني من الحنفية٤.
وفي النظر في هذه التعاريف أجد أن التعريف الأول، والثاني، والرابع تعاريف جامعة تشمل على فقه الفرائض وعلى حساب الفرائض بخلاف التعريف الثالث فإنه
стр. 8
تعريف غير جامع حيث لا يشتمل على حساب الفرائض.
وأجد كذلك أن التعريف الثاني مشابه للتعريف الأول إلا أن الجزء الثاني من التعريف الثاني يعتبر مختصرا من الجزء الثاني من التعريف الأول، وهذا الاختصار غير مخل للمقصود من التعريف.
стр. 9
المطلب الثاني: أهمية علم الفرائض في الكتاب والسنة
أهمية الفرائض في الكتاب تتضح مما يأتي:
١- فصل الله الفرائض ثلاث آيات من كتابه أكثر من غيرها مثل الصلاة فهي مجملة في كتاب الله وبينها رسول الله ﷺ بيانا شافيا١. ولهذا: ذكر الحافظ ابن كثير: إن علم الفرائض مستنبط من هذه الآيات الثلاث وهي الآية الحادية عشرة، والآية الثانية عشرة والآية الأخيرة من سورة النساء٢.
٢- أن الله سبحانه تولى قسمة الفرائض بنفسه فلم يكلها إلى ملك مقرب، ولا إلى نبي مرسل، بل بينها سبحانه في محكم كتابه٣.
٣- أن الله جعل هذا التقسيم فريضة كما قال تعالى في آخر الآية الأولى من آيات الفرائض ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ ٤.
стр. 10
٤ - أن الله وعد من أطاعه في تقسيم الفرائض على وجهها الشرعي دخول الجنة، وهذا فضل عظيم يدل على أهمية الفرائض. قال تعالى بعد أن ذكر الآية الأولى والثانية من آيات الفرائض ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١.
٥- أن الله توعد من لم يطعه أو لم يطع رسوله ﵊، وتعدى حدود الله ؛ وذلك بأن لم ينفذ فرائضه ومنها تقسيم الفرائض على الوجه الشرعي بدخول النار. قال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٢.
ولهذا قال الحافظ ابن كثير في تفسير هاتين الآيتين ما نصه: " أي هذه الفرائض، والمقادير التي جعلها الله للورثة - بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه - هي: حدود الله فلا تعتدوها، ولا تجاوزوها؛ ولهذا قال ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ أي فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضها بحيلة ووسيلة، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٣ أي لكونه غير ما حكم الله به، وضاد الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم " ٤.
وأما أهمية الفرائض في السنة فتتضح في الآتي:
стр. 11
١- أن الرسول ﷺ أمر بتنفيذ الفرائض على وجهها الشرعي كما في أول هذا الحديث الذي أنا بصدد شرحه.
٢- أن الرسول ﷺ بين بعض أحكام الفرائض ومنه آخر هذا الحديث الذي أنا بصدد شرحه حين وضح الرسول ﷺ مصرف التركة بعد أصحاب الفرائض. ومنه ميراث الجدة فقد ثبت بالسنة النبوية الصحيحة، فعن قبيصة بن ذؤيب أنه قال جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق ﵁ تسأله ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنة رسول الله شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثلما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر الصديق١.
٣- أن الرسول ﷺ روي عنه عدة أحاديث في فضل علم الفرائض وفي الحث على تعلمها وسأقتصر على حديثين مما اشتهر عند علماء الفرائض.
الحديث الأول:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله عليه وسلم " يا أبا هريرة تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم وهو ينسى وهو أول
стр. 12
شيء ينزع من أمتي " ١.
الحديث الثاني:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: " تعلموا القرآن وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموه الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها " ٢.
стр. 13
المطلب الثالث أقسام الإرث
إرث بالفرض
...
المطلب الثالث: أقسام الإرث
الإرث ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: إرث بالفرض.
القسم الثاني: إرث بالتعصيب.
* فالقسم الأول: الإرث بالفرض.
والفروض المقدرة ستة في كتاب الله، والسابع ثلث الباقي ثبت بالاجتهاد، وإليك ملخص ذلك:
١- أصحاب النصف وهم ستة:
أ - الزوج ويستحقه بشرط واحد وهو: عدم الفرع الوارث الذي هو الابن وابن الابن وإن نزل بمحض الذكور، والبنت وبنت الابن وإن نزل أبوها بمحض الذكور.
ب - البنت وتستحقه بشرطين وهما: عدم المعصب وهو أخوها؛ لأن وجود الابن ينقلها إلى التعصيب. وعدم المشارك وهو أختها؛ لأن وجود بنت أخرى تنتقل هي وإياها إلى الثلثين.
ج - بنت الابن وتستحقه بثلاثة شروط وهي: عدم المعصب وهو ابن الابن. وعدم المشارك وهي بنت الابن الأخرى. وعدم الفرع الوارث الذي هو أعلا منها من ابن فيحجبها وبنت فتنقلها إلى السدس تكملة للثلثين.
стр. 14
د - الأخت الشقيقة وتستحقه بأربعة شروط وهي: عدم المعصب، وهو الأخ الشقيق. وعدم المشارك وهي الأخت الشقيقة الأخرى، وعدم الفرع الوارث، وعدم الأصل من الذكور الوارث من أب أو جد.
هـ - الأخت لأب وتستحقه بخمسة شروط وهي: عدم المعصب وهو الأخ لأب، وعدم المشارك وهي الأخت لأب الأخرى. وعدم الفرع الوارث، وعدم الأصل من الذكور الوارث من أب أو جد، وعدم الأخ الشقيق والأخت الشقيقة.
٢- أصحاب الربع وهم اثنان:
أ - الزوج ويستحقه بشرط واحد وهو: وجود الفرع الوارث وهم الأولاد وأولاد الأبناء.
ب - الزوجة وتستحقه بشرط واحد وهو: عدم الفرع الوارث.
٣- صاحب الثمن وهو واحد:
الزوجة وتستحقه بشرط واحد وهو وجود الفرع الوارث.
٤- أصحاب الثلثين وهم أربعة:
أ - البنات ويستحقنه بشرطين: أن يكن اثنتين فأكثر، وعدم المعصب.
ب - بنات الابن ويستحقنه بثلاثة شروط وهي: أن يكن اثنتين فأكثر، وعدم المعصب، وعدم الفرع الوراث الذي هو أعلا منهن.
ج - الأخوات الشقيقات ويستحقنه بأربعة شروط وهي: أن يكن اثنتين فأكثر، وعدم الفرع الوارث، وعدم الأصل من الذكور الوارث.
د- الأخوات لأب ويستحقنه بخمسة شروط وهي: أن يكن اثنتين فأكثر، وعدم المعصب، وعدم الفرع الوارث، وعدم الأصل من الذكور الوارث، وعدم الأخ الشقيق والأخت الشقيقة.
стр. 15
٥- أصحاب الثلث وهما اثنان:
أ - الأم وتستحقه بثلاثة شروط وهي: عدم الفرع الوارث، وعدم الجمع من الإخوة مطلقا، وعدم كون المسألة إحدى الغراوين.
ب - الإخوة لأم ويستحقونه بثلاثة شروط وهي: وجود المشارك، وعدم الفرع الوارث، وعدم الأصل من الذكور الوارث.
٦ - أصحاب السدس وهم سبعة:
أ - الأم وتستحقه بشرط واحد وهو: وجود الفرع الوارث أو وجود الجمع من الإخوة.
ب- الأب ويستحقه بشرط واحد وهو: وجود الفرع الوارث.
ج- الجد ويستحقه بشرطين وهما: عدم الأب، ووجود الفرع الوارث.
د- بنت الابن فأكثر وتستحقه بشرطين وهما: عدم المعصب، وعدم الفرع الوارث الذي هو أعلى منها سوى صاحبة النصف من بنت أو بنت ابن أعلى منها فإنها لا تستحق السدس إلا معها تكملة للثلثين.
هـ- الأخت لأب فأكثر وتستحقه بشرطين وهما: عدم المعصب، وكونها مع أخت شقيقة مستحقة للنصف فرضا.
و ولد الأم وهو الأخ لأم أو الأخت لأم ويستحقه بثلاثة شروط وهي: عدم المشارك، وعدم الفرع الوارث، وعدم الأصل من الذكور الوارث.
ز- الجدة وتستحقه بشرط واحد وهو: عدم الأم.
وأما ثلث الباقي فتستحقه الأم في المسألتين الغراوين وهما: زوج، وأم، وأب، أو زوجة، وأم، وأب.
стр. 16
* وأما القسم الثاني فهو ال إرث بالتعصيب .
والتعصيب ينقسم إلى قسمين:
стр. 17
القسم الأول وهو العصبة بالنسب.
القسم الثاني وهو العصبة بالسبب.
فالقسم الأول: العصبة بالنسب ينقسم إلى أنواع ثلاثة:
١- عصبة بالنفس، وأصنافهم اثنا عشر وهم على الترتيب الآتي:
الابن، ثم ابن الابن، ثم الأب، ثم الجد، ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب.
٢- عصبة بالغير وأصنافهم أربعة:
أ - البنت فأكثر مع الابن فأكثر.
ب - بنت الابن فأكثر مع ابن الابن فأكثر.
ج - الأخت الشقيقة مع الأخ الشقيق فأكثر.
د - الأخت لأب مع الأخ لأب فأكثر.
٣- عصبة مع الغير وهما صنفان:
أ - الأخت الشقيقة فأكثر مع البنت، أو بنت الابن فأكثر.
ب - الأخت لأب فأكثر مع البنت، أو بنت الابن فأكثر.
والقسم الثاني من العصبة عصبة السبب أي الولاء وهم المعتق أو المعتقة، ثم عصبتهما المتعصبون بأنفسهم وهم الذكور فقط، وحصرهم وارد كما في القسم الأول من العصبة.
وما ذكرته هو ملخص الورثة واستحقاقهم، ومن أراد التفصيل مع التمثيل فهو موجود في كتب الفرضيين١.
стр. 18
المبحث الأول: ألفاظ الحديث وتخريجها
والحديث له لفظان وإليك تخريجهما:
اللفظ الأول:
عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: " ألحقوا لفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" أخرجه البخاري في كتاب الفرائض باب ميراث الولد من أبيه وأمه١، وفي باب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن٢، وفي باب ميراث الجد مع الأب والإخوة٣، وفي باب ابني عم أحدهما أخ للأم والآخر زوج٤.
وأخرجه مسلم في كتاب الفرائض باب ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر٥.
وأخرجه الترمذي في كتاب الفرائض باب في ميراث العصبة٦، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى في كتاب الفرائض باب ابنة الأخ مع أخت لأب وأم٧
стр. 19
اللفظ الثاني:
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ " أقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر "
أخرجه مسلم في كتاب الفرائض باب ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر١.
وأخرجه أبو داود في كتاب الفرائض باب في ميراث العصبة٢.
وأخرجه ابن ماجه في كتاب الفرائض باب ميراث العصبة٣.
стр. 20
المبحث الثاني: معاني مفردات الحديث
ألحقوا: بفتح الهمزة وكسر الحاء أي أوصلوا١.
الفرائض: الألف واللام للعهد وهي الأنصباء المقدرة في كتاب الله وهي النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس٢.
بأهلها: من يستحقها بنص كتاب الله عز وجل٣.
اقسموا: فعل أمر من القسم وهو فرز المال إلى أجزاء٤.
المال: المراد بالمال هنا هو ما خلفه الميت.
أهل الفرائض: أي الأنصباء المقدرة في كتاب الله، والمراد بأهلها المستحقون لها بنص القرآن٥.
على كتاب الله: أي على وفق ما نزل في كتابه٦.
فما بقي: أي فضل بعد إعطاء ذوي الفروض فروضهم المقدرة لهم٧.
فلأولى رجل ذكر: أقرب رجل ذكر، فلأولى بفتح الهمزة واللام وبينهما واو ساكنة، أفعل تفضيل مأخوذة من الولي بسكون اللام على وزن الرمي، وهو
стр. 21
القرب أي لمن يكون أقرب في النسب. وليس المراد بأولى هنا أحق بخلاف قولهم الرجل أولى بماله؛ لأنه لو حمل هنا على أحق لخلي عن الفائدة؛ لأنا لا ندري من هو الأحق١.
стр. 22
المبحث الثالث: المعنى الإجمالي للحديث
اختلف شراح الحديث في المعنى الإجمالي لهذا الحديث على قولين:
القول الأول: وهو المشهور عند كثير من شراح الحديث، وممن ذكر ذلك الخطابي، وابن بطال، والبغوي، وابن دقيق العيد، والحافظ ابن حجر، والعيني، والصنعاني، والشوكاني، وعبد العظيم آبادي١، ونص عليه من الفرضيين الشيخ عبد الله الشنشوري، والشيخ إبراهيم الباجوري، والشيخ العلامة صالح بن فوزان ٢.
ويتلخص معنى هذا الحديث على هذا القول: اعطوا الفرائض المقدرة لمن سماها الله لهم فما بقي بعد هذه الفروض، فيستحقه أولى الرجال أي لأقرب رجل ذكر.
القول الثاني: ذكره الحافظ ابن رجب واختاره: أن المراد بقوله ﵊ " ألحقوا الفرائض بأهلها " وقوله ﵊ " اقسموا المال بين أهل الفرائض " جملة من سماه الله في كتابه من أهل المواريث من ذوي الفروض والعصبات كلهم فإن كل ما يأخذه الورثة فهو فرض فرضه الله لهم سواء كان مقدرا أو غير مقدر كما قال بعد ذكر ميراث الوالدين، والأولاد ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ٢ وفيهم ذو فرض وعصبة، وكما قال ﴿لِلرِّجَالِ
стр. 23
نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ ١.
وهذا يشمل العصبات وذوي الفروض فذلك قوله " اقسموا الفرائض بين أهلها على كتاب الله " يشمل قسمته بين ذوي الفروض والعصبة على ما في كتاب الله، فإن قسم على ذلك، ثم فضل منه شيء فتخص الفاضل أقرب الذكور من الورثة، ولذلك إذا لم يوجد في كتاب الله تصريح بقسمته بين من سماه الله من الورثة فيكون المال حينئذ لأولى رجل ذكر منهم، فهذا الحديث مبين لكيفية قسمة المواريث المذكورة في كتاب الله بين أهلها، ومبين لقسمة ما فضل من المال عن تلك القسمة مما لم يصرح به في القرآن من أحوال أولئك الورثة، وأقسامهم، ومبين أيضا لكيفية توريث بقية العصبات الذين لم يصرح بتسميتهم في القرآن. فإذا ضم هذا الحديث إلى آيات القرآن انتظم ذلك كله معرفة قسمة المواريث بين جميع ذوي الفروض والعصبات، وذكر هذا المعنى الحافظ ابن رجب واختاره ٢. وأشار إليه ابن قيم الجوزية وهو مقتضى ما ذهب عليه الطحاوي، وابن التين ٢.
والفرق بين المعنيين أنه على المعنى الأول فالحديث دخله التخصيص حيث خص منه العصبة بالغير، والعصبة مع الغير. وعلى المعنى الثاني فالحديث ليس فيه تخصيص؛ لأن أول الحديث " ألحقوا الفرائض بأهلها " يدخل فيه الفروض المقدرة في كتاب الله، والعصبة بالغير، والعصبة مع الغير، والمراد بآخر الحديث بقية العصبات، والله أعلم بالصواب.
стр. 24
المبحث الرابع الحكمة في تقييد الرجل كونه ذكرا
...
المبحث الرابع: الحكمة في تقييد الرجل بكونه ذكرا
اختلف العلماء في الحكمة في تقييد الرجل بكونه ذكرا على عدة أقوال إليك بيانها:-
القول الأول:
أنه لما كان الرجل يطلق في مقابلة المرأة، والصبي، جاءت الصفة لبيان أنه في مقابلة المرأة. وممن ذكر ذلك الشيخ زكريا الأنصاري، والشيخ منصور البهوتي، والشيخ إبراهيم بن سيف١.
القول الثاني:
أنه قد يطلق الرجل ويراد به الشخص، مثل قول الرسول ﷺ " من أدرك ماله بعينه عند رجل، أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره " ٢, ولا فرق بين أن يجده عند رجل، أو امرأة فتقييده بالذكر ينفي هذا الاحتمال، وتخلصه للذكر دون الأنثى وهو المقصود. وممن ذكر ذلك الحافظ ابن رجب٣.
стр. 25
القول الثالث:
التنبيه على سبب استحقاقه وهو الذكورة التي هي سبب العصوبة، وسبب الترجيح في الإرث، ولهذا جعل للذكر مثل حظ الأنثيين. وممن ذكر ذلك الشيخ محمد المازري، والقاضي عياض، والنووي١.
القول الرابع:
لبيان أن الإحاطة بالميراث إنما يكون للذكر دون الإناث إجماعا، والذي يقول ترث الابنة جميع المال النصف بالميراث، والنصف بالرد إنما هو شيئان في كل واحد منهما لا يحيط بالميراث، وإنما تكون الإحاطة بالسبب الواحد، وليس ذلك إلا للذكر فلأجل هذا نبه عليه بكونه ذكرا. وممن ذكر ذلك ابن العربي٢.
القول الخامس:
إنما كرر للبيان في نعته بالذكورة؛ ليعلم أن العصبة إذا كان عما أو ابن عم مثلا، وكان معه عمة أو بنت عم أنها لاترث، ولا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. وممن ذكر ذلك الخطابي٣.
القول السادس:
أنه للتأكيد، وبه قال ابن التين والصنعاني٤.
القول السابع:
أنه احتراز من الخنثى؛ لأن الخنثى لا يحوز المال إذا انفرد، نقله جمع منهم
стр. 26
ابن الأثير، والحافظ ابن حجر١.
القول الثامن:
أنه لبيان أن العاصب يرث صغيرا كان أو كبيرا بخلاف عادة الجاهلية إذ لا يورثون إلا الرجل الكبير. وممن نقل ذلك الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي، والشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم٢.
القول التاسع:
فقوله أولى رجل ذكر يريد القريب في النسب الذي قرابته من قبل رجل وصلب لا من قبل بطن رحم، فالأولى هنا هو ولي الميت فهو مضاف إليه في المعنى دون اللفظ، وهو في اللفظ مضاف إلى النسب وهو الصلب، فعبر عن الصلب بقوله: " أولى رجل "؛ لأن الصلب لا يكون إلا رجلا فأفاد بقوله:" لأولى رجل " نفي الميراث عن الأولى الذي هو من قبل الأم كالخال، وأفاد بقوله:" ذكر" نفي الميراث عن النساء، وإن كن من المدلين إلى الميت من قبل صلب، لأنهن إناث٣. وإليه ذهب السهيلي ﵀ وقرر في كتابه كتاب الفرائض وشرح آيات الوصية أن ما ذكره يزيل الإشكال الوارد على الحديث، ثم قال ﵀: وسبب الإشكال من وجهين: أحدهما أنه لما كان مخفوضا ظن نعتا لرجل، ولو كان مرفوعا لم يشكل، كأن يقال فوارثه أولى رجل ذكر. والثاني: أنه جاء بلفظ أفعل، وهذا الوزن إذا أريد به التفضيل كان بعض ما يضاف إليه كفلان أعلم إنسان فمعناه أعلم الناس فتوهم أن المراد بقوله " أولى رجل " أولى الرجال وليس كذلك، وإنما هو أولى الميت بإضافة
стр. 27
النسب وأولى صلب بإضافته كما تقول: هو أخوك أخو الرخاء لا أخو البلاء. قال: فالأولى في الحديث كالولي١.
الموازنة بين هذه الأقوال
في النظر في هذه الأقوال أجد ما يأتي:
١- أنه ورد على القول الخامس ما ذكره الحافظ ابن حجر بقوله: وتعقب بأن هذا ظاهر من التعبير بقوله " رجل " والإشكال باق إلا أن كلامه بنحل إلى أنه للتأكيد٢.
٢- أنه ورد على القول السادس ما ذكره القرطبي بما خلاصته: " قيل للتأكيد اللفظي ورد بأن العرب إنما تؤكد حيث يفيد فائدة إما تعين المعنى في النفس وإما رفع توهم المجاز، وليس ذلك موجودا هنا "٣.
٣- ورد على القول التاسع ما قاله الحافظ ابن رجب حيث بقول: " وللسهيلي كلام على هذا الحديث فيه تكلف وتعسف شديد ولا طائل تحته وقد رده عليه جماعة ممن أدركناهم والله أعلم "٤.
وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكره كلام السهيلي ما نصه: " ولا يخلو من استغلاق " ٥.
وقال أيضا: "وقد أوردته كما وجدته ولم أحذف منه إلا أمثلة أطال بها وكلمات طويلة تبجح بها بسبب ما ظهر له من ذلك والعلم عند الله تعالى"٦.
стр. 28
٤- قلت: يرد على القول السابع ما ورد على القول الخامس؛ لأن كلمة رجل يخرج بها الخنثى، والله أعلم بالصواب.
٥- أن القول الثالث والرابع بينهما تقارب من جهة أن كلا من القولين يدل على التنبيه على سبب استحقاقه وهو كونه ذكرا؛ ولهذا فإنه إذا انفرد حاز جميع المال دون الإناث.
٦- أن القول الأول يدل على نفي أن يكون الرجل في مقابلة الصبي، وهذا هو مضمون القول الثامن.
٧- أن القول الثاني يدل على نفي أن يكون المراد بالرجل الشخص فلا تدخل المرأة في مضمون كلمة رجل.
وبهذا ظهر لي رجحان ما ذهب إليه أصحاب القول الأول والثاني والثالث والرابع. وعلى هذا تتلخص الحكمة في تقييد الرجل بكونه ذكرا في حكم ثلاث:
الحكمة الأولى: أنه لما كان الرجل يطلق في مقابلة المرأة والصبي، جاءت الصفة لبيان أنه في مقابلة المرأة وأنه لا فرق بين الصبي والبالغ، وهذا هو القول الأول وهو مضمون القول الثامن.
الحكمة الثانية: أنه قد يطلق الرجل ويراد به الشخص فيدخل في مضمونه المرأة فتقييده بالذكر ينفي هذا الاحتمال ويخلصه للذكر دون الأنثى، وهذا هو القول الثاني.
الحكمة الثالثة: التنبيه على سبب استحقاقه وهو الذكورية التي هي سبب العصوبة وسبب الترجيح في الإرث، ولهذا جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وأيضا التنبيه على أن الإحاطة بالميراث إنما يكون للذكر دون الإناث، وهذا هو مضمون القول الثالث والرابع. هذا ما ظهر لي، والعلم عند الله .
стр. 29
المبحث الخامس الأحكام المستنبطة من الحديث
مدخل
...
المبحث الخامس: الأحكام المستنبطة من الحديث
تقدم في المقدمة أن هذا الحديث جامع لقواعد الفرائض التي هي نصف العلم. وحيث إن كثيرا من العلماء قد استنبطوا من هذا الحديث أحكاما كثيرة في علم الفرائض، وحيث إن الأحكام المستنبطة قد تكون محل اتفاق بين الأئمة الأربعة، وبعضها محل خلاف بين العلماء رأيت تقسيمها إلى ثلاثة أقسام وجعلت كل قسم مطلبا وذلك على النحو التالي:
المطلب الأول: الأحكام المتفق عليها بين الأئمة الأربعة من الحديث.
المطلب الثاني: الأحكام الراجحة من الحديث.
المطلب الثالث: الأحكام المرجوحة من الحديث.
стр. 30
المطلب الأول: الأحكام المتفق عليها بين الأئمة الأربعة من الحديث
قد استنبط العلماء ﵏ عدة أحكام من هذا الحديث، وأذكر في هذا المطلب الأحكام التي اتفق الأئمة الأربعة عليها، وهي على النحو التالي:
الحكم الأول: إذا اجتمع ذو فرض وعصبة بدئ بذي الفرض فأخذ فرضه وما بقي للعصبة، وهذا الحكم محل إجماع بين أهل العلم، فقد قال ابن بطال: " وأجمعوا أن ما فضل من المال عن أصحاب الفرائض فهو للعصبة"١. وقال النووي: "وقد أجمع المسلمون على أن ما بقي بعد الفروض فهو للعصبات يقدم الأقرب فالأقرب"٢. وحكاه أيضا الشيخ الفرضي عبد الله بن محمد
стр. 31
الشنشوري١.
الحكم الثاني: إذا اجتمع أكثر من عاصب يكون التعصيب للأقرب، وهذا محل إجماع بين العلماء وممن حكى الإجماع النووي٢، والشارح شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر بن قدامة٣. وقد قال المازري في أثناء كلامه على طبقات العصبة ما نصه: " وإن اختلفوا وهم في طبقة واحدة من الطبقات التي ذكرنا، وهم مختلفون في القرب فالأقرب أولى كالإخوة مع بنيهم؛ لأنهم كلهم يتسببون بالمشاركة في الأبوة، ولكن مشاركة الإخوة أقرب من مشاركة بنيهم، وكذلك العمومة مع بنيهم، وإن تساووا في الطبقة والقرب ولأحدهم زيادة ترجيح قدم الأرجح كالأخ الشقيق مع الأخ لأب؛ فإنهما وإن استوت طبقاتهما ومشاركتهما في الأب الذي به يقع التعصيب فللشقيق زيادة ترجيح بمشاركته في الأم والرحم فكان أولى، وهكذا يجري الأمر في بنيهم، وهكذا وفي العمومة وبنيهم، وهكذا إذا كان الترجيح بمعنى مناسب لجهة التعصيب مثل ما قلناه في الأخ الشقيق مع الأخ لأب فإن الإجماع٤على أن الشقيق أولى بالميراث من الأخ للأب؛ لأنهما اشتركا في الإخوة من الأب وزاد الشقيق أخوة من الأم فهي إخوة كلها فكان أخوة أقوى من أخوة؛ فلهذا قدم الشقيق باتفاق. انتهى كلام المازري رحمه الله٥.
стр. 32
قلت: ومقصود المازري بطبقات العصبة هي ما اشتهر عند الفرضيين بالجهات.
وجهات العصبة على القول الراجح خمس جهات مجموعة في بيت واحد وهو:
جهاتهم بنوة أبوة ... أخوة عمومة ذو النعمة١
فالمراد بالبنوة الابن وابن الابن وإن نزل بمحض الذكور. والمراد بالأبوة الأب والجد، وإن علا بمحض الذكور. والمراد بالأخوة الإخوة الأشقاء والإخوة لأب وبنوهم وإن نزلوا بمحض الذكور. والمراد بالعمومة العم الشقيق والعم لأب وأبنائهما، وإن نزلا بمحض الذكور. والمراد بذي النعمة عصبة الولاء.
فإذا اجتمع أكثر من عاصب فيقدم الأقدم جهة على ما تقدم في البيت السابق فالابن مقدم على الأخ الشقيق؛ لأنه أقدم جهة. والأخ الشقيق مقدم على العم الشقيق، لأنه أقدم جهة. فإذا اتفق العصبة في الجهة ننظر إلى الدرجة فالأرفع درجة يقدم على الأنزل درجة فالابن مقدم على ابن الابن؛ لأنه أرفع درجة، والأب مقدم على الجد؛ لأنه أرفع درجة للميت. والأخ الشقيق مقدم على ابن الأخ الشقيق؛ لأنه أرفع درجة، وهذا هو المعروف عند الفرضيين بالقرب أي قرب الدرجة. فإذا اتفق العصبة في الجهة والدرجة يقدم الأقوى، فالأخ الشقيق مقدم على الأخ لأب؛ لأنه أقوى. وابن الأخ الشقيق يقدم على ابن الأخ لأب؛ لأنه أقوى. والعم الشقيق يقدم على العم لأب وهكذا٢.
وقد جمع هذه القاعدة الشيخ صالح الجعبري ﵀ في منظومته نظم اللالئ حيث يقول:
بالجهة التقديم ثم بقربه ... وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا٣
стр. 33
ومعنى كلام الناظم تقدم شرحه قريبا بالتفصيل مع التعليل وخلاصته أنك تقدم أولا الأقدم جهة، فإذا استووا في الجهة تقدم الأقرب وهو الأرفع درجة، ثم إذا استووا في الجهة والدرجة تقدم الأقوى. وبنحو هذا البيت قال الشيخ محمد البرهاني في منظومته القلائد البرهانية:
فابدأ بذي الجهة ثم الأقرب ... وبعد بالقوة فاحكم تصب١
الحكم الثالث: دل عموم قوله ﵊ فلأولى رجل ذكر على أن الأخ الشقيق، والأخ لأب، وابناهما، والعم الشقيق، والعم لأب، وابناهما من الورثة٢، وكونهم من الورثة محل إجماع بين أهل العلم حكاه الشيخ عبد الله بن إبراهيم الخبري، والشيخ محفوظ بن أحمد الكلوذاني أبو الخطاب، والموفق بن قدامة، والشيخ العلامة يحيى النووي، والشيخ الفرضي أحمد بن محمد بن الهائم، والشيخ الفرضي عبد الله الشنشوري، والشيخ الفرضي إبراهيم بن سيف٣.
الحكم الرابع: دل الحديث على أن الأب يأخذ الباقي بعد السدس لأن الأب أولى رجل بعد الابن وابنه؛ وذلك في حالة وجود فرع وارث أنثى وفضل فاضل بعد سدس الأب وبقية الفروض الموجودة في المسألة، وكذلك الجد إذا لم يوجد الأب يأخذ الباقي بعد السدس٤. وهذا محل إجماع بين أهل العلم حكاه الموفق بن قدامة، والشارح عبد الرحمن بن أبي عمر بن قدامة٥.
стр. 34
الحكم الخامس: دل مفهوم الحديث على أنه إذا لم يوجد صاحب فرض فالمال كله للعصبة الأقرب فالأقرب١. وقد قال الحافظ ابن حجر: " واستدل به البخاري على أن ابن الابن يحوز المال إذا لم يكن دونه ابن وعلى أن الجد يرث جميع المال إذا لم يكن دونه أب "٢. وكون العاصب إذا انفرد يحوز جميع المال محل إجماع بين أهل العلم حكاه الشيخ زكريا الأنصاري، والشيخ عبد الله الشنشوري، والشيخ إبراهيم بن سيف٣.
الحكم السادس: دل الحديث بمفهومه على أن العاصب يسقط لاستغراق فروض المسألة٤.
لم أقف على خلاف أهل العلم في هذا الحكم إلا ما سيأتي ذكره إن شاء الله في المسألة المشركة في المطلب الثاني من هذا المبحث. وأيضا فإن الشيخ صالح بن حسن البهوتي في ألفيته في الفرائض، والشيخ إبراهيم بن سيف في شرحه لهذه الألفية لم يذكرا في هذا الحكم خلافا بين الأئمة الأربعة٥.
الحكم السابع: دل الحديث على أنه لو ماتت امرأة عن زوجها وأخيها لأم وهما ابنا عمها٦على أن الزوج له النصف، والأخ لأم له السدس، وما بقي بينهما على السوية.
стр. 35
وجه الاستدلال من الحديث: أنهما قد استويا فيه إذ وجد في كل واحد منهما الذكورة والتعصيب وليس أحدهما أولى من الآخر. وقد استدل البخاري في هذه المسألة بهذا الحديث على أنهما يستويان في التعصيب١. وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة٢.
وقد روي عن عمر، وعبد الله بن مسعود، وشريح، والحسن البصري، ومحمد ابن سيرين، وهو مذهب الظاهرية إلى أن الباقي للأخ الذي هو أخ لأم؛ لأنه أقرب فيدخل في عموم قوله ﵊ " فهو لأولى رجل ذكر".
والجواب عنه أن هناك فرقا بين الأخ الشقيق مع الأخ لأب؛ وذلك من طريق الترجيح؛ لأن الشرط فيهما أن يكون فيه معنى مناسب لجهة التعصيب؛ لأن الشقيق شارك أخاه في جهة القرب المتعلق بالتعصيب بخلاف الصورة المذكورة٣.
الحكم الثامن: دل الحديث على ثبوت العول٤ في مسائل الفرائض، ووجه الاستدلال به أن الرسول ﷺ أمر بإلحاق الفرائض بأهلها ولم يخص بعضهم دون بعض ٥؛ وجزم بعض العلماء أن هذه المسألة من مسائل الإجماع٦.
стр. 36
المطلب الثاني: الأحكام الراجحة من الحديث
خصصت هذا المطلب في ذكر الأحكام المستنبطة من الحديث، والتي ترجح فيها عند أهل التحقيق من العلماء ما تضمنه هذا الحديث وإليك بيانها:
الحكم الأول: سقوط الإخوة الأشقاء في المسألة المشركة١. والمسألة المشركة ما توفر فيها أربعة أركان:
١- أن يكون فيها زوج
٢- أن يكون فيها ذات سدس من أم أو جدة.
٣- أن يكون فيها جمع من الإخوة لأم اثنان فأكثر.
٤- أن يكون فيها أخ شقيق فأكثر ذكور فقط أو ذكور وإناث٢.
ووجه الاستدلال بهذا الحديث هو أنه إذا أخذ الزوج النصف والأم أو الجدة السدس والإخوة لأم الثلث فقد استكملت فروض المسألة ولم يبق شيء للعصبة، والإخوة الأشقاء عصبة فيسقطون٣، وإلى هذا ذهب الحنفية٤ والحنابلة٥. واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة بن قيم الجوزية٦.
واستدلوا أيضا بقوله تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ
стр. 37
فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُث﴾ ١.
وجه الاستدلال بهذه الآية أن المراد بالإخوة في هذه الآية الإخوة لأم٢ فمن شرك بينهم فلم يعط كل واحد منهما السدس، وهو مخالف لظاهر القرآن، ويلزم منه مخالفة ظاهر الآية الأخرى وهي قوله تعالى ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ ٣ يراد بالإخوة في هذه الآية الإخوة الأشقاء، أو الإخوة لأب٤، وهم يسوون بين ذكرهم وأنثاهم؛ حيث يعطون الأخ الشقيق مثل الأخت الشقيقة مساواة مع الأخ لأم والأخت لأم باعتبار أن أمهم واحدة ٥.
القول الثاني: إن الإخوة الأشقاء يشتركون مع الإخوة لأم في الثلث وإليه ذهب المالكية٦ والشافعية٧.
وقد استدلوا على ذلك بما يأتي:
стр. 38
الدليل الأول: أنها فريضة جمعت ولد الأبوين وولد الأم وهم من أهل الميراث فإذا ورث ولد الأم ورث ولد الأبوين، كما لو لم يكن فيها زوج١.
الدليل الثاني: أن الإرث موضوع على تقديم الأقوى على الأضعف وأدنى أحوال الأقوى مشاركته للأضعف، فليس في أصول الميراث سقوط الأقوى بالأضعف، وولد الأب والأم أقوى من ولد الأم لمساواتهم لهم في إدلائهم بالأم وزيادتهم بالأب فإذا لم يزدهم الأب قوة لم يضعفهم وأسوأ الأحوال أن يكون وجوده كعدمه٢.
والجواب عن الدليل الأول: أنه قياس مع الفارق؛ وذلك أنه إذا لم يكن فيها زوج يبقى لهم باق فيأخذونه، وأما في هذه فقد استغرقت فروض المسألة، فلا يستحقون شيئا.
والجواب عن الدليل الثاني: أن هذا الكلام استحسان، لكنه استحسان يخالف الكتاب والميزان؛ فإنه ظلم للإخوة من الأم حيث يؤخذ حقهم ويعطاه لغيرهم٣. وقد قال العلامة ابن قيم الجوزية ما نصه: "فإن قيل الأب إن لم ينفعهم لم يضرهم، قيل: بل قد يضرهم كما ينفعهم؛ فإن ولد الأم لو كان واحدا وولد الأبوين مائة وفضل نصف سدس انفرد ولد الأم بالسدس واشترك ولد الأبوين في نصف السدس فهلا قبلتم قولهم ههنا: هب أن أبانا كان حمارا؟ وهلا قدرتم الأب معدوما فخرجتم عن القياس كما خرجتم عن النص؟ وإذا جاز أن ينقصهم الأب جاز أن يحرمهم، وأيضا فالقرابة المتصلة الملتئمة من الذكر والأنثى لا تفرق أحكامه، هذه قاعدة النسب في الفرائض وغيرها، فالأخ من
стр. 39
الأبوين لا نجعله كأخ من أب وأخ من أم فنعطيه السدس فرضا بقرابة الأم والباقي تعصيبا بقرابة الأب١.
الحكم الثاني: أن الجد يحجب الإخوة الأشقاء أو لأب حجب حرمان٢.
وجه الاستدلال بهذا الحديث على هذا الحكم أن الجد أولى من الإخوة الأشقاء أو لأب بدليل المعنى والحكم.
أما المعنى فإن له قرابة إيلاد وبعضية كالأب. وأما الحكم فإن الفروض إذا ازدحمت سقط الأخ دونه ولا يسقطه أحد إلا الأب، والأخ والأخوات يسقطون بثلاثة٣ وهم الابن وابن الابن والأب.
وإلى هذا القول ذهب الإمام أبو حنيفة ٤ وهو المفتى به عند الحنفية٥، والإمام أحمد في رواية اختارها جمع من أصحاب مذهبه منهم الآجري، وأبو حفص العكبري، وأبو حفص البرمكي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن قيم الجوزية، وابن قاضي الجبل، والشيخ على بن سليمان المرداوي، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وأولاده، وأحفاده، وهو المفتى به في البلاد السعودية في الوقت الحاضر٦، واختاره من الشافعية المزني، وابن سريج،
стр. 40
وابن اللبان١. وإليه ذهب ابن جرير الطبري، وإسحاق بن راهويه، وأبوثور، والظاهرية٢.
واستدلوا أيضا: أن الجد أب فيحجب الإخوة الأشقاء أو لأب ودليل كونه أبا قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٣، وقول يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ ٤. وقال النبي ﷺ : " ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا " ٥.
القول الثاني: أن الإخوة الأشقاء أو لأب يرثون مع الجد، وإليه ذهب المالكية٦، والشافعية٧، والإمام أحمد في الصحيح من مذهبه٨، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني٩.
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول: هذا الحديث.
ووجه الاستدلال منه أن الأخ أولى؛ لأنه أقرب إلىالميت بدليل أنه