← Сира

Сира · id 12264

شهداء أحد الذين ذكرهم ابن إسحاق في مغازيه

محمد بن عبد الله غبان الصبحي

Полный текст (137 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ال مقدمة إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَاْ وَمِنْ سَيِّئَاْتِ أَعْمَاْلِنَاْ، مَنْ يَهْدِهِ اْللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ له وَمَنْ يُضْلِلْ َلاَ هَاْدِيَ له، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اْللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَاْ أَيُّهَاْ اْلَّذِيْنَ آمَنُوْاْ اْتَّقُوْاْ اْللَّهَ حَقَّ تُقَاْتِهِ وَلاَ تَمُوْتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُوْنَ﴾ ١. ﴿يَاْ أَيُّهَاْ اْلنَّاْسُ اْتَّقُواْ رَبَّكُمُ اْلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاْحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَاْ زَوْجَهَاْ وَبَثَّ مِنْهُمَاْرِجَاْلاً كَثِيرَاً وَنِسَاْءً وَاْتَّقُواْ اْللَّه اْلِّذي تَسَاْءَلُونَ بِهِ وَاْلاَرْحَاْمَ إِنَّ اْللَّه كَاْنَ عَلَيْكُمْ رَقِيْبَاْ﴾ ٢. ﴿يَاْ أَيُّهَاْ اْلَّذِيْنَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اْللَّه وَقُوْلُواْ قَوْلاً سَدِيْدَاً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَاْلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اْللَّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَاْزَ فَوْزَاً عَظِيمَاً﴾ ٣. إنَّ خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار٤. وبعد: فإن طلب العلم الشرعي والاشتغال بعلم الكتاب السنة والبحث والقراءة والاطلاع على كتب أهل العلم من أجلِّ الأعمال، وهو قربة إلى الله تعالى لمن أحسن النية والقصد، وهو أيضا مساهمة في خدمة العلم وطلابه، وقد أشار النووي إلى ضرورة وجود هذين الهدفين في الباحث قبل الإقدام على

стр. 2

البحث والكتابة والتصنيف فيقول في باب آداب المعلم: “وينبغي أن يعتني بالتصنيف إذا تأهل له١، فبه يطلع على حقائق العلم ودقائقه ويثبت معه لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش والمطالعة والتحقيق والمراجعة والاطلاع على مختلف كلام الأئمة ومتفقه وواضحه من مشكله: وصحيحه من ضعيفه: وجزله من ركيكه، وما لا اعتراض عليه من غيره وبه يتصف المحقق بصفة المجتهد”. ويقول: “وينبغي أن يكون اعتناؤه من التصنيف لما لم يسبق إليه أكثر، والمراد بهذا أن لا يكون هناك مصَنَّف يغني عن مصَنَّفِهِ في جميع أساليبه، فإن أغنى عن بعضها فليصنف من جنسه ما يزيد زيادات يحتفل بها مع ضم ما فاته من الأساليب وليكن تصنيفه فيما يعم به ويكثر الاحتياج إليه”٢. ويقول حاجي خليفة: “ثم إن التأليف على سبعة أقسام لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها وهي: إما شيء لم يسبق إليه فيخترعه، أو شيء ناقص يتممه، أو شيء مغلق يشرحه، أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه، أو شيء متفرق يجمعه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مصنفه فيصلحه”٣. وذكر ابن خلدون: “أن الناس حصروا مقاصد التأليف التي ينبغي اعتمادها وإلغاء ما سواها فعدوها سبعة وذكر منها: أن تكون مسائل قد وقعت غير مرتبة في أبوابها ولا منتظمة فيتقصد المطلع على ذلك أن يرتبها ويهذبها ويجعل كل مسئلة في بابها”٤. وحسب علمي فإن أحدا من المصنفين والمؤلفين لم يفرد شهداء أحد رضي

стр. 3

الله عنهم بمؤلف خاص. ولما كان هذا الموضوع لم يسبق إليه، ولا يوجد مصنف يغني عنه بجميع أساليبه، كما أن معلوماته متفرقة، وتحتاج إلى جمع وتصنيف. استحق أن يصنف فيه، واتنطبقت عليه الشروط التي ذكرها العلماء المشار إليها آنفا للتأليف. لذا: رأيت أن من المفيد القيام بهذا العمل لذكر أسماء هؤلاء الشهداء وسيرهم العظيمة؛ ولألقي شيئا من الضوء على مآثرهم وتضحياتهم بالمال والنفس في سبيل الله، وهو مساهمة في تمجيد ذكر هؤلاء الأبطال وإشهارهم والإشادة بهم؛ وذكر أعظم فضل لهم وهو الاستشهاد ليذكروا بذلك ويترحم ويترضى عليهم ويدعى لهم بالمغفرة، وهذا من أقل ما يستحقونه. ولا يخفى على كل مسلم ما لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسله من فضل على أمة محمد صلى الله عليه وسله، فقد جاهدوا من أجل نشر كلمة التوحيد، وفي سبيل ذلك لقوا أشد العذاب والأذى، فقدموا كل غال ونفيس: وضحوا بأموالهم وأوقاتهم بل وأرواحهم لإعلاء كلمة الله. ومن أوائل هؤلاء الرجال الصادقين ثلة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسله الأولين وهم الذين استشهدوا في غزوة أحد التي وقعت في شهر شوال من السنة الثالثة من الهجرة النبوية. وقد سرد أسماءهم: محمد بن إسحاق بن يسار المُطَّلِبي في كتابه السير ورتبهم على قبائلهم، فصدرهم بالمهاجرين ثم الأوس من الأنصار، ثم الخزرج منهم. وكما هو معلوم فإن كتاب السير والمغازي لابن إسحاق مفقود إلا جزء يسير منه من رواية محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق ينتهي في أوائل غزوة أحد، بتحقيق الدكتور سهيل زكار، وأيضاً بتحقيق وتعليق الدّكتور محمّد حميد الله، وليس فيه قائمة شهداء أحد.

стр. 4

ونقل لنا ابن هشام هذه القائمة في تهذيبه لسيرة ابن إسحاق وقد اعتمدت عليه فيها في بحثي هذا١. وسرد ابن حزم قائمة بأسماء شهداء أحد٢كما ذكر الذهبي٣عقب ترجمة مصعب بن عمير ﵁ في سير أعلام النبلاء قائمة بأسمائهم أيضا، ولم يذكر أنه اعتمد في ذكرها على ابن إسحاق إلا أنها تشبه إلى حد كبير قائمة ابن إسحاق التي ذكرها عنه ابن هشام في تهذيبه للسيرة؛ ووجه اختلاف قائمة الذهبي عن قائمة ابن إسحاق؛ أن الذهبي أسقط ذكر ثلاثة من الشهداء ممن ذكرهم ابن إسحاق، وأضاف سبعة. فقد أضاف من الأوس: مالك بن أمية، وعوف بن عمرو، ومالك حليف سبيع بن حاطب، وعمير بن عدي، ومن الخزرج: إياس بن عدي، ومن بني الحرث بن الخزرج: عمرو بن إياس، ومالك بن إياس. وأسقط: سعد بن الربيع، وثابت بن وقش، وأنيس بن قتادة. وإضافته لـ: مالك بن أمية، وعوف بن عمرو وقعت عقب ذكره لحنظلة ابن أبي عامر، والذي يظهر لي أن الذهبي وهم في ذكر مالك هذا فإن صنيع ابن هشام يوهم أن مالك بن أمة ـ وليس أمية ـ ممن استشهد يوم أحد وسبب ذلك أن ابن هشام عقب على ابن إسحاق بالتعريف بجدِّ أبي سفيان بن الحارث وجدِّ حنظلة غسيل الملائكة. والنص في تهذيب سيرة ابن إسحاق لابن هشام هكذا: “ومن بني عمرو بن عوف ثم من بني ضبيعة بن زيد: أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد،

стр. 5

وحنظلة بن أبي عامر بن صيفي بن نعمان بن مالك بن أمة، وهو غسيل الملائكة قتله شداد بن الأسود بن شعوب الليثي رجلان (قال ابن هشام: قيس بن زيد ابن ضبيعة، ومالك بن أمة بن ضبيعة) قال ابن إسحاق: ومن بني عبيد بن زيد.... الخ”. فمن جعل مالك بن أمة ممن استشهد في أحد ظن أن قوله: (ومالك بن أمة ابن ضبيعة) إنما هو من استدراكات ابن هشام على ابن إسحاق في ذكر من استشهد بأحد، لكن ابن هشام لم يستدرك أحدا من الشهداء في ثنايا كلام ابن إسحاق، إنما جعل استدراكاته بعد فراغ ابن إسحاق من ذكرهم، ومداخلات ابن هشام اقتصرت على التوضيح والتعريف فقط. وهذه منها فإن ابن هشام في مداخلته هذه إنما يعرف بجدِّ أبي سفيان: (قيس) وجدَّ حنظلة: (مالك بن أمة) وأنهما ابنا ضبيعة حيث أورد ابن إسحاق هذين الصحابيين ﵄ فيمن استشهد من بني ضبيعة فأراد ابن هشام زيادة في الربط والتوضيح بأنهما وصل نسبهما إلى ضبيعة. وليس في الصحابة أحد باسم: مالك بن أمة؛ وفيهم: مالك بن أمية واحد فقط وهو:”مالك بن أمية بن عمرو السلمي من حلفاء بني أسد بن خزيمة شهد بدرا واستشهد يوم اليمامة”١، كما أنه لا يوجد في الصحابة أحد باسم: عوف بن عمرو. وسرد أسماء شهداء أحد ابن سيد الناس المتوفى سنة ٧٣٤? في كتابه السيرة النبوية المسمى: (عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير) ٢. وممن سرد أسماء شهداء أحد من الباحثين المعاصرين: حسين أحمد الباكري٣في

стр. 6

رسالته لنيل درجة الماجستير وعنوانها: (مرويات غزوة أحد جمع وتحقيق ودراسة) . فقد أورد الشهداء الذين ذكرهم ابن إسحاق ولم يترجم لهم، إنما ذكر الاسم ومعلومات قليلة جدا عن الشهيد دون عزو للمعلومات إلى المصادر، ورتب الشهداء على حروف المعجم. ولما جمعت أسماء الشهداء من كتب السيرة وتراجم الصحابة ﵃ زادوا على المائة، والثابت في صحيح البخاري وغيره أنهم سبعون وهو المشهور من كلام العلماء، فغالب من ذكروا زيادة على السبعين إنما ذكروا على سبيل الوهم أو الغلط. وهؤلاء المختلف فيهم يحتاج كل واحد منهم لدراسة فاحصة دقيقة، ووضع منهج للترجيح بينهم، مما يطيل البحث ويشعب جوانبه؛ ويزيد في عدد صفحاته عن الرقم المحدد، مما لا يتناسب مع قواعد نشر البحوث في المجلات العلمية. ولعزمي على نشر هذا البحث في مجلة الجامعة الإسلامية، ورغبة في أن يكون مناسبا من حيث الحجم رأيت أن أقتصر على من ذكرهم ابن إسحاق لأنه أقدم من وصلنا ذكره لأسماء شهداء أحد، ولإجماع كتب تراجم الصحابة التي طالعتها على استشهادهم في غزوة أحد. وسأقوم بإذن الله بتخصيص بحث آخر أجمع فيه: “شهداء أحد الذين لم يذكرهم ابن إسحاق في كتابه المغازي”. واعتمدت في ذكر أسماء الشهداء وترتيبهم على ما ذكره ابن إسحاق من خلال تهذيب سيرة ابن إسحاق لابن هشام، ثم ترجمت لكل شهيد منهم ﵃ من عدد من كتب التراجم، حتى خرجت بترجمة تعرِّف بالشهيد وتشمل: اسمه، ونسبه، وشيئا من سيرته ﵁، ثم ما يتعلق بشهوده غزوة أحد واستشهاده فيها، وقصة استشهاده إن وجدت. وعلى ضوء ما تجود به المصادر من معلومات عن الصحابي الشهيد تتسع أو

стр. 7

تضيق ترجمته، فبعضهم لم يصل إلى نصف صفحة، وبعضهم يزيد عن ذلك كثيرا. ومن المصنفات التي اعتمدت عليها في الترجمة لهم: كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد، وكتاب الاستيعاب لابن عبد البر، وكتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير، وكتاب سير أعلام النبلاء للذهبي، وكتاب الإصابة في معرفة الصحابة للحافظ ابن حجر العسقلاني. وراجعت مصادر أخرى فأضفت منها معلومات إلى تراجمهم كالكتب الستة وغيرها من كتب الحديث والتاريخ. وحرصت على استيعاب معلومات الكتب التي ترجمت للصحابة، وسبكت منها ترجمة للشهيد، تضمنت ما احتوته من معلومات عنه، فخرجت بترجمة له أقرب إلى التكامل؛ حيث أن المصادر يكمل بعضها بعضا؛ فبعضهم يختصر في موضع يبسط فيه آخر. ورتبت المصادر في الحاشية على وفياتهم ليعرف تسلسل الفكرة أو المعلومة، وأول من أوردها. وراعيت الدقة بعزو كل ما أورده من معلومات في ترجمة الشهيد، وذلك في ذكر: اسمه، وأسماء أجداده، ونسبته، وقبيلته، وكنيته، ولقبه، وتحريت مزيدا في الدقة في ذلك. مما يساعد للوصول إلى الحقيقة في الصحابة المختلف في استشهادهم في غزوة أحد لتشابه بينهم وبين أحد الشهداء في الاسم أو اسم الأب أو اسم الجد، أو النسب أو النسبة أو اللقب أو الكنية. ولذلك كثرت الإحالات إلى الحاشية عند سرد نسب الصحابي، وهذا الصنيع وإن كان فيه تكرار في بعض الحواشي، إلا أنني رأيته ضروريا لإعطاء القارئ صورة أقرب لواقع محتويات ترجمة الصحابي في هذه المصنفات. وتحاشيت طريقة العزو الإجمالي التي قد توهم أن المصادر المذكورة اتفقت

стр. 8

جميعا على إيراد جميع المعلومات بجزئياتها، مع أن الحقيقة قد لا تكون كذلك، بل قد ينفرد أحد هذه المصادر بمعلومة واحدة فقط ولا يشارك بقية المصادر في باقي المعلومات. وهي طريقة تشبه إلى حد كبير طريقة الإسناد الجمعي التي تجنبها المحدِّثون والرواة؛ عدا قلة منهم أمثال: ابن إسحاق في بعض رواياته، والواقدي الذي ينتهجها في كثير من رواياته، وتلميذه ابن سعد إلا أن استخدامه لها نادرا. والرواية التي يَستخدم فيها المصنفُ الإسنادَ الجمعي تختلط متونها ببعض فإن كان في الرواة راوٍ لا يعتد به؛ فإن المتن كله يكون ضعيفا؛ حتى وإن كان باقي الرواة ثقات؛ وسبب ذلك اختلاط معلوماتهم بمعلومات الراو الضعيف وعدم تميزها. وقسمت البحث إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول: ذكرت في المقدمة: أهمية البحث، والمصادر التي سبقت في تناول موضوع البحث، ومنهجي في البحث. وتضمن التمهيد: عرضا مختصرا لغزوة أحد، وفضل شهداء أحد ﵃. وعنونت الفصل الأول: (من استشهد من المهاجرين في غزوة أحد) ذكرت فيه الاختلاف في عدد من استشهد في أحد من المهاجرين، ثم ترجمت لشهداء أحد الذين ذكرهم ابن إسحاق. أما الفصل الثاني فعنوانه: (من استشهد من الأوس في غزوة أحد) مهدت له بالتعريف بالأوس وذكر قبائلهم ثم ترجمت لمن ذكرهم ابن إسحاق في شهداء أحد من الأوس. والفصل الثالث عنوانه: (من استشهد من الخزرج في غزوة أحد) مهدت له أيضا بالتعريف بالخزرج وذكرت قبائلهم ثم ترجمت لمن ذكرهم ابن إسحاق في

стр. 9

شهداء أحد من الخزرج. ثم ختمت البحث بخاتمة، وذيلته بفهرس للمصادر والمراجع، وفهرس للموضوعات. وفي ختام هذه المقدمة أحمد الله تعالى الذي منَّ عليَّ بنعمه الكثيرة التي لا تُعد ولا تُحصى، ومنها إتمام هذا البحث، الذي كان حلما منذ عامين فتحقق، فأشكره على فضله وعظيم إنعامه. ولا أدعي أن البحث جاء على ما أريده تماما، وذلك لما يعتري البشر وأعمالهم من النقص، فقد وصفهم الله بالضعف فقال: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ ١. كتب عبد الرحيم البيساني إلى العماد الأصفهاني٢ معتذرا عن كلام

стр. 10

استدركه عليه: “إنه قد وقع لي شيءٌ وما أدري أوقع لك أم لا؟ وها أنا أخبرك به وذلك أني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده: “لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل”. ثم علق البيساني بقوله: “وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر”١. أسأل الله أن يرزقني حسن النية والعمل، وأن يجعله عملا صالحا متقبلا، وصلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 11

التمهيد: غزوة أحد١ وفضل شهداء أحد غزوة أحد إحدى مغازي النبي صلى الله عليه وسله، تنسب إلى جبل أحد وهو جبل يقع شمال المدينة النبوية، أخبر النبي صلى الله عليه وسله أنه من جبال الجنة فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي حميد قال: أقبلنا مع النبي ﷺ من غزوة تبوك، حتى إذا أشرفنا على المدينة قال: "هذه طابةُ وهذا أُحُدٌ جبلٌ يحبنا ونحبه" ٢. في سفح هذا الجبل وقبل أكثر من أربعة عشر قرنا، وبالتحديد في منتصف شوال من العام الثالث من الهجرة٣ وقعت غزوة أحد بين فئتين من أهل ذاك العصر: فئة تؤمن بالله واليوم الآخر وهم: أصحاب النبي صلى الله عليه وسله الذين التفوا حوله بقلوبهم فهم المجتمع الإسلامي الصافي من كل الشوائب، وبين فئة كافرة بالله مشركة وهم: مشركو قريش ومن أطاعهم. هذه الغزوة هي الغزوة الوحيدة التي قاتل فيها صلى الله عليه وسله بنفسه، وفيها ضرب أبي ابن خلف بحربة، وهي المرة الوحيدة التي يضرب بها أحداً من الناس بيده٤.

стр. 12

وسبب هذه الغزوة أن المشركين أرادوا أن يثأروا لقتلاهم في غزوة بدر التي وقعت قبل أحد بسنة وشهر١ وليخلصوا طرقهم التجارية إلى الشام من سيطرة المسلمين، وليستعيدوا مكانتهم عند العرب التي تأثرت لهزيمتهم في بدر٢. فقد أجمعت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسله بأحابيشها ومن أطاعهم من قبائل: بني كنانة، وأهل تهامة٣ وبلغ عددهم: ثلاثة آلاف رجل ومعهم مائتا فرس٤ وثماني نسوة ٥. وقد رأى النبي صلى الله عليه وسله رؤيا تتعلق بالغزوة فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسله قال: “رأيت في رؤيايَ أني هززت سيفا فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء به الله من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقْرا والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد” ٦. ولما علم المسلمون بقدوم المشركين لغزو المدينة شاور رسول الله صلى الله عليه وسله أصحابه في البقاء في المدينة والتحصن فيها أو الخروج لملاقاة جيش المشركين ولما استمع ﵊ لآراء الصحابة وقد رأى بعضهم البقاء في المدينة ورأى آخرون الخروج منها لملاقاتهم خارجها، انطلق صلى الله عليه وسله فلبس لأمته، فتلاوم

стр. 13

الصحابة وقالوا: عرض نبي الله صلى الله عليه وسله بأمر وعرضتم بغيره، وأرسلوا عمه حمزة بن عبد المطلب يعتذر عنهم ويقول له: أمرنا لأمرك تبع فلما أخبر حمزة رضي الله النبي صلى الله عليه وسله بذلك قال له ﵊: “إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز” ١. خرج المسلمون من المدينة رافعين راية سوداء، وثلاثة ألوية: لواء للمهاجرين يحمله مصعب بن عمير، ولواء الأوس يحمله أسيد بن حضير، ولواء الخزرج يحمله الحباب بن المنذر، وقد اجتمع تحت هذه الألوية: جيش تعداده ألف نفس كانوا في بادىء الأمر خليطا فيهم: مسلمون صادقون، وفيهم متظاهرون بالإسلام من أتباع عبد الله بن أبي بن سلول، منهم مئتا دارع، ومعهم فرسان فقط.

стр. 14

ولبس رسول الله صلى الله عليه وسله درعين، وخرج الجيش متجها إلى أحد، وبالقرب من موقع المعركة، ولما كان الفريقان يرى بعضهم بعضا؛ انسحب رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش، وذلك إنما هو تصفية وتنقية لجيش المسلمين قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ . ورأى بعض الصحابة قتال المنافقين أتباع رأس المنافقين الذين انسحبوا من الجيش قال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ . وهمَّ بعض المسلمين بالعودة إلى المدينة ولكن الله تولاهم فقاوموا الضعف الذي ألم بهم قال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ . ولما وصل جيش المسلمين ميدان المعركة: تفقد النبي صلى الله عليه وسله جيش المسلمين واستعرض صغار الصحابة الذين لا طاقة لهم بالقتال فلم يجزهم، ونظم ﵊ صفوف الجيش وجعل ظهورهم إلى جبل أحد ووجوههم تستقبل المدينة، وجعل خمسين من الرماة بقيادة عبد الله بن جبير ﵃ فوق جبل عينين المقابل لجبل أحد من جهة الجنوب لحماية المسلمين من التفاف المشركين عليهم وإحاطتهم بهم، وشدد ﵊ على هؤلاء الصحابة بألا يبرحوا مكانهم مهما تغيرت الظروف فقال لهم: “لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينون” ١. التقى الفريقان واشتد القتال بين المسلمين والمشركين، وأبدى المسلمون رغم قلة العدة والعدد بطولة فائقة حتى قتلوا من المشركين وجرحوا وتراجع

стр. 15

المشركون وانهزموا، فلما رأى الرماة هزيمة المشركين قالوا لأميرهم عبد الله بن جبير: الغنيمة الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون، فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسله؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة ثم انطلقوا يجمعون الغنائم١. وبعد نزول الرماة وانكشاف ظهور المسلمين: رأى خالد بن الوليد وكان على خيالة المشركين الفرصة سانحة فالتف حول المسلمين، وشجع ذلك المشركين فعادوا للقتال من جديد وأحاطوا بالمسلمين من جهتين وفقد المسلمون مواقعهم الأولى وأخذوا يقاتلون دون تخطيط فأخذوا يتساقطون شهداء في ميدان المعركة في سفح جبل أحد. وهؤلاء الشهداء استحقوا أفضل ما يجزى به شهيد لأنهم شهداء غزوة من غزوات النبي صلى الله عليه وسله، وأضافوا إلى ذلك فضل صحبة النبي صلى الله عليه وسله وغير ذلك من فضائل الصحابة رضوان الله عليهم الكثيرة. ولشهداء أحد ﵃ فضل ومزيّة على غيرهم من شهداء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فقد وردت آيات وأحاديث في فضلهم رضوان الله عليهم، فمما نزل فيهم من القرآن: قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ ٢. نزلت هذه الآية في شهداء أحد عامة ٣ أو في أحدهم وهو أنس بن النضر ﵁، لما رواه البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: ترى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر الخزرجي: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ

стр. 16

عَلَيْهِ ١﴾ ٢، ونزل فيهم أيضا قوله جل وعلا: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَفَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣. قال ابن كثير: “يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار”٤. روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسله: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترِد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا: ياليت إخواننا يعلمون بما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله هؤلاء الآيات على رسوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ٥﴾ ٦. وفي الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسله فقال "يا جابر مالي أراك منكسرا مهتما قلت يا رسول الله استشهد أبى وترك عيالا وعليه دين قال أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك قلت بلى يا رسول الله قال إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحا وما كلم أحدا قط إلا من

стр. 17

وراء حجاب فقال له يا عبدى تمنَّ أعطك قال يا رب تردنى إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية فقال الرب تعالى ذكره إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون قال يا رب فأبلغ من ورائي" فأنزل الله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا ... الآية﴾ ١. وسيأتي في تراجم الشهداء أحاديث أخرى تدل على فضل شهداء أحد.

стр. 18

الفصل الأول: من اشتسهد من المهاجرين في غزوة أحد حمزة بن عبد المطلب ... الفصل الأول: من استشهد من المهاجرين في غزوة أحد اختلف في عدد من استشهد من المسلمين في غزوة أحد من المهاجرين فقيل: أربعة١ وحكى ابن سيد الناس عن موسى بن عقبة أنه زاد خامسا٢ وقيل: ستة٣كما ذكر ابن سيد الناس أن ابن سعد زاد على الخمسة الذين ذكرهم موسى بن عقبة ستة فجعلهم أحد عشر شهيدا من قريش وحلفائهم، وأن ابن عبد البر زادهم حتى جعلهم أربعة عشر٤وفيما يأتي تراجم الأربعة الذين ذكرهم ابن إسحاق في كتاب المغازي: ١- حمزة بن عبد المطلب٥: حمزة بن عبد المطلب بن هاشم٦بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبوعمارة٧، وأمه: هالة بنت وهيب بن عبدمناف بن زهرة، عم النبي صلى الله عليه وسله ٨،

стр. 19

وأخوه من الرضاعة١ وقريبه من جهة أمه٢. ولد ﵁ قبل النبي صلى الله عليه وسله بسنتين وقيل بأربع٣ وأسلم في السنة الثانية من البعثة٤وقيل بل كان إسلامه بعد دخول النبي صلى الله عليه وسله دار الأرقم في السنة السادسة من مبعثه صلى الله عليه وسله ٥ولما أسلم حمزة علمت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسله قد امتنع، وأن حمزة سيمنعه فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه٦ولازم حمزة ﵁ نصر رسول الله صلى الله عليه وسله وهاجر معه، وآخى النبي صلى الله عليه وسله بينه وبين زيد بن حارثة ٧.

стр. 20

كان يقال له: أسد رسوله، ويكنى: أبا عمارة، وأبا يعلى بابنيه: عمارة، ويعلى١ رُوِيَ أن النبي صلى الله عليه وسله لقبه: أسد الله٢وسيد الشهداء٣أو: خير الشهداء٤، وعقد له رسول الله صلى الله عليه وسله لواء وأرسله في سرية فكان ذلك أول لواء عقد في الإسلام في قول المدائني٥. شهد ﵁ بدرا وأبلى فيها بلاء حسنا مشهورا: فقد قتل شيبة ابن ربيعة، وشارك في قتل عتبة بن ربيعة أو بالعكس على اختلاف في ذلك، وقتل: طعيمة بن عدي٦ وقيل إنه قتل: سباعا الخزاعي يومئذ؛ وقيل: بل قتله يوم أحد قبل أن يقتل٧. شهد ﵁ أحدا وقَتل أكثر من ثلاثين نفسا من المشركين قبل أن يُقتل٨ قتله رجل يقال له وحشي مولى لجبير بن مطعم، وكان جبير بن مطعم قد قال لمولاه وحشي: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر، فتربص وحشي لحمزة ﵁ حتى قتله٩. فقد كان حمزة يقاتل في أحد بين يدي النبي صلى الله عليه وسله بسيفين فقال قائل: أي

стр. 21

أسد، فبينا هو كذلك إذا عثر عثرة وقع منها على ظهره، فانكشفت الدرع عن بطنه، فطعنه وحشي الحبشي بحربة أو برمح فأنفذه١. وقد روى البخاري في صحيحه تفصيل قصة استشهاده من رواية القاتل نفسه فقد قال وحشي: إن حمزة قتل طُعَيمة بن عدي بن الخيار ببدر، فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر. قال: فلما أن خرج الناس عام عينين -وعينين جبل بحيال أحد بينه وبينه واد- خرجت مع الناس إلى القتال فلما اصطفوا للقتال خرج سِبَاع فقال: هل من مبارز؟ قال: فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال: يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور أتحاد الله ورسوله صلى الله عليه وسله؟ قال: ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته حتى خرجت من بين وركيه قال فكان ذاك العهد به. فلما رجع الناس رجعت معهم فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام ثم خرجت إلى الطائف فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسله رسولا فقيل لي إنه لا يهيج الرسل قال فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسله فلما رآني قال: "آنت وحشي؟ " قلت: نعم. قال: "أنت قتلت حمزة؟ " قلت: قد كان من الأمر ما بلغك. قال: "فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني". قال: فخرجت فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسله فخرج مسيلمة الكذاب قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة قال: فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان قال فإذا رجل قائم في ثلمة٢جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس قال: فرميته بحربتي فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه قال: ووثب رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته٣.

стр. 22

عاش ﵁ دون الستين ١ ودفن هو وعبد الله بن جحش في قبر واحد٢. ورُوِيَ أن النبي صلى الله عليه وسله قال: لولا أن تجد صفية لتركت دفنه حتى يحشر من بطون الطير والسباع، وكان قد مثل به يومئذ فقد بقرت٣هند بنت عتبة عن بطن حمزة ﵁ فأخرجت كبده وجعلت تلوك٤كبده ثم لفظتها فقال النبي صلى الله عليه وسله "لو دخل بطنها لم تدخل النار"، فلم يمثل بأحد ما مثل بحمزة، قطعت هند كبده وجدعت أنفه وقطعت أذنيه، وبقرت بطنه٥. وعلّق ابن عبد البر رواية من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وسله وقف على حمزة حين استشهد" فبكى ولما رأى ما مُثِّل به: شهق، فلم ير منظرا كان أوجع لقلبه منه فقال: رحمك الله أي عم فلقد كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات" ٦. ورثاه: كعب بن مالك - وقيل: عبد الله بن رواحة -بأبيات منها: بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل على أسد الإله غداة قالوا ... لحمزة ذاكم الرجل القتيل أصيب المسلمون به جميعا ... هناك وقد أصيب به الرسول

стр. 23

أبا يعلى، لك الأركان هُدَّت ... وأنت الماجد البَرُّ الوصول عليك سلام ربك في جنانٍ ... يخالطها نعيمٌ لا يزول ألا يا هاشمَ الأخيار صبرا ... فكل فعالكم حسنٌ جميل رسولُ الله مصْطَبرٌ كريم ... بأمر الله ينطق إذ يقول إلى أن قال: ألا يا هندُ لا تبدي شماتا ... بحمزة إنَّ عزكم ذليل ألا يا هندُ فابكي لا تملي ... فأنت الواله العَبْرَى الثكولُ١ جاء في بعض الروايات: أن معاوية ﵁ حفر العين في خلافته فكشفت بعض قبور شهداء أحد، فوجدوا أجسادهم رطابا يتثنون، وذلك على رأس أربعين سنة، وأصاب المر٢ رجل حمزة فطار منها الدم٣.

стр. 24

٢- عبد الله بن جحش ١: عبد الله بن جحش بن رياب بن يعمر٢ بن صبرة بن مرة بن كبير بن غَنْم ابن دودان بن أسد بن خزيمة٣ الأسدي حليف بني عبد شمس٤ ويكنى أبا

стр. 25

محمد، وأمه: أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي١. أحد السابقين إلى الإسلام٢ هاجر إلى الحبشة٣ وعاد إلى مكة لما بلغ مهاجري الحبشة إسلام أهل مكة٤ ذكره ابن إسحاق في أول من قدم المدينة من المهاجرين٥ وفيمن شهد بدرا٦ آخى النبي بينه وبين عاصم بن ثابت٧. وبعثه في سرية٨ وقال لأصحابها: “لأبعثن عليكم رجلا أصبركم على الجوع والعطش”، قال سعد ﵁: فبعث علينا عبد الله بن جحش فكان أول أمير في الإسلام٩ ورايته في تلك السرية هي أول راية عقدت في الإسلام ـ على قول ـ ١٠ ونسبت إليه فيما بعد فسميت: (سرية: عبد الله بن جحش) . رُوى أن رسول الله صلى الله عليه وسله يوم خرج إلى أحد نزل عند الشيخين١١ فأصبح هناك فجاءته أم سلمة بكتف مشوية فأكلها ثم جاءته بنبيذ فشرب ثم أخذه

стр. 26

رجل من القوم فشرب منه ثم أخذه عبد الله بن جحش فعب١فيه فقال له رجل بعض شرابك أتدري أين تغدو قال نعم ألقى الله وأنا ريان أحب إلي من أن ألقاه وأنا ظمآن اللهم إني أسألك أن أستشهد وأن يمثل بي فتقول فيم صنع بك هذا فأقول فيك وفي رسولك٢. وقد دعا عبد الله بن جحش ﵁ يوم أحد أن يرزقه الله الشهادة؛ فاستجيب له٣ جاء في بعض الروايات: أن عبد الله بن جحش قال لسعد بن أبي وقاص يوم أحد: ألا تأتي فندعوا؟ قال سعد: فخلونا في ناحية فدعا سعد فقال: يا رب إذا لقينا القوم٤ غدا فلَقِّني رجلا شديدا حرده٥ أقاتله فيك ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه. قال: فأَمَّنَ عبد الله بن جحش، ثم قال عبد الله: اللهم ارزقني رجلا شديدا حرده أقاتله فيك حتى يأخذني فيجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك قلت هذا فيك وفي رسولك فتقول صدقت. قال سعد: فكانت دعوة عبد الله خيرا من دعوتي فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلق في خيط٦. وفي رواية أنه قال في دعائه إذ ذاك: اللهم إذا لاقوا هؤلاء غدا فإني أقسم عليك لما يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوني فإذا قلت لي لم فعل بك هذا فأقول

стр. 27

اللهم فيك فلما التقوا فعلوا ذلك به وقال الرجل الذي سمعه أما هذا فقد استجيب له وأعطاه الله ما سأل في جسده في الدنيا وأنا أرجو أن يعطى ما سأل في الآخرة١. قال الزبير: كان يقال له المجدع في الله وكان سيفه انقطع يوم أحد فأعطاه النبي صلى الله عليه وسله عرجونا٢ فصار في يده سيفا فكان يسمى العرجون قال وقد بقي هذا السيف حتى بيع من بغاء التركي بمائتي دينار. قتله أبوالحكم بن الأخنس بن شَريق٣ودفن هو وحمزة في قبر واحد وكان له يوم قتل نيف وأربعون سنة٤

стр. 28

٣ - مصعب بن عمير ١: مصعب بن عمير بن هاشم٢ بن عبد مناف٣ بن عبد الدار بن قصي٤

стр. 29

ابن كلاب١بن مرة٢ العبدري٣ القرشي٤ يكنى أبا محمد٥، أبا عبد الله٦ وأمه: خناس بنت مالك بن المضرب بن وهب بن عمرو بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي، ويلقب: مصعب الخير، وزوجته: حمنة بنت جحش بن رباب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان ابن أسد ابن خزيمة٧. كان من جلة الصحابة وفضلائهم٨ وكان فتى مكة شبابا وجمالا وسبيبا وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه مليئة كثيرة المال تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرقه وكان أعطر أهل مكة، يلبس الحضرمي من النعال، فكان رسول الله ﷺ يذكره ويقول: ما رأيت بمكة أحدا أحسن لمة ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير٩. عن سعد بن أبي وقاص قال كان مصعب بن عمير أنعم غلام بمكة وأجوده حلة مع أبويه١٠ ثم جهد في الإسلام جهدا شديدا حتى إن جلده

стр. 30

يتحشف١كما يتحشف جلد الحية٢. سبق مصعب ﵁ إلى الإسلام٣ وهاجر إلى الحبشة٤ مع أول من هاجر إليها٥ قال أبو عمر أسلم قديما والنبي ﷺ في دار الأرقم٦ وكتم إسلامه خوفا من أمه وقومه فعلمه عثمان بن طلحة فأعلم أهله فأوثقوه فلم يزل محبوسا إلى أن هرب مع من هاجر إلى الحبشة٧ ثم رجع إلى مكة فهاجر إلى المدينة٨ بعد العقبة الأولى ليعلم الناس القرآن ويصلي بهم٩ روى البخاري أن مصعبا وابن أم مكتوم هما: أول من قدم المدينة وكانوا يُقرئون القرآن١٠. وشهد بدرا١١ ثم شهد أحدا ومعه اللواء١٢ فاستشهد١٣ روى البخاري

стр. 31

في صحيحه عن خباب أن مصعبا ممن مضى ولم يأخذ من أجره شيئا قتل يوم أحد وترك نمرة١ إذا غُطي بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غُطيت بها رجلاه بدا رأسه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسله أن يُغطى رأسه ويجعل على رجليه شيء من إذخر٢. قال ابن عبد البر: “ولم يختلف أهل السير أن راية رسول الله صلى الله عليه وسله يوم بدر ويوم أحد كانت بيد مصعب بن عمير فلما قتل يوم أحد أخذها علي بن أبي طالب ﵁”٣. وقاتل مصعب ﵁ في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسله حتى قتل٤ قتله ابن قمئة الليثي٥ وهو يظنه رسول الله صلى الله عليه وسله فرجع إلى قريش فقال قتلت محمدا فلما قتل مصعب أعطى رسول الله صلى الله عليه وسله اللواء علي بن أبي طالب ورجالا من المسلمين٦ وكان ﵁ يوم قتل ابن أربعين سنة وأزيد شيئا ويقال إن فيه نزلت وفي أصحابة: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ”٧.

стр. 32

وتألمت كثيرا زوجة مصعب بن عمير (حَمْنَة بنت جحش) لما سمعت بخبر استشهاد زوجها فقد لقيت النبي ﷺ وهو راجع من أحد فنُعي إليها أخوها عبد الله بن جحش، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نُعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له، ثم نُعي لها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولولت، وروي أنّ رسول الله ﷺ قال: إن زوج المرأة منها لبمكان، لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها، وصياحها على زوجها١. روى الطبراني عن عبد الله بن عمر قال: مر رسول الله ﷺ على مصعب ابن عمير حين رجع من أحد فوقف عليه وعلى أصحابه فقال: "أشهد أنكم أحياء عند الله فزوروهم وسلموا عليهم فوالذي نفس محمد بيده لا يسلم عليهم أحد إلا ردوا عليه إلى يوم القيامة" ٢. وزاد ابن الأثير أن رسول الله ﷺ وقف على مصعب بن عمير وهو منجعف٣ على وجهه يوم أحد شهيدا فقال رسول الله ﷺ : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ ٤.

стр. 33

كان لمصعب ﵁ من الولد ابنة يقال لها: زينب، فزوجها عبد الله ابن عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فولدت له ابنة يقال لها: قريبة١ ولم يعقب مصعب إلا من ابنته زينب٢.

стр. 34

٤- شماس بن عثمان١: شماس بن عثمان بن الشريد٢ بن هرمي بن عامر بن مخزوم القرشي٣ المخزومي من بني عامر بن مخزوم، اسمه عثمان ولقب شماس٤ لوضائته٥ وأمه: صفيه بنت ربيعة بن عبد شمس٦. كان شماس من أحسن الناس وجها٧ ولذلك لقب بهذااللقب، فقد قدم

стр. 35

شماسا١ من الشمامسة فى الجاهلية كان جميلا فعجب الناس من جماله فقال عتبة بن ربيعة وكان خال شماس: أنا آتيكم بشماس أحسن منه فأتى بابن أخته عثمان بن عثمان فسُمِّيَ شماسا من يومئذ وغلب ذلك عليه ٢. رُوى أن رسول الله صلى الله عليه وسله آخى بيه وبين حنظلة بن أبي عامر٣. أسلم شماس أول الإسلام٤ وكان من مهاجرة الحبشة، ثم شهد بدرا، وقتل يوم أحد شهيدا ٥ قتله أبيّ بن خلف الجُمَحي٦ وكان يوم قتل ابن أربع وثلاثين سنة٧ وليس له عقب٨. قال الحافظ ابن حجر: “واتفقوا على أنه استشهد بأحد وشذ أبو عبيد فقال إنه استشهد ببدر”٩. وكان عثمان هذا يقي رسول الله صلى الله عليه وسله بنفسه يوم أحد فقال ﷺ "ما شبهته يومئذ إلا بالجُنة" يعني بضم الجيم وزاد في رواية ما أوتى من ناحية إلا وقاني

стр. 36

إلى مضاجعهم فأدرك المنادي رجلا واحدا لم يكن دفن فرد وهو شماس بن عثمان المخزومي١. وزوجته: نُعم بضم النون بنت حسان أنشد لها ابن إسحاق أبياتا ترثي زوجها لما استشهد بأحد: يا عين جودي بدمع غير إبساس٢ ... على كريم من الفتيان لباس صعب البديهة ميمون نقيبته ... حمال ألوية ركاب أفراس أقول لما خلت منه مجالسه ... لا يبعد الله منا قرب شماس٣

стр. 37

الفصل الثاني: من استشهد من الأوس في غزوة أحد عمرو بن معاذ بن النعمان ... الفصل الثاني: من استشهد من الأوس في غزوة أحد الأوس هم: بطن من الأنصار من بني أوس بن حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مُزَيْقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغِطريف بن امرىء القيس البطريق ابن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نَبَت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان. ومن قبائل الأوس١: بنو عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج الأصغر، وبنو حارثة بن الحارث بن الخزرج الأصغر بن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة، وبنو ظفر وهو كعب بن الخزرج الأصغر بن عمرو بن مالك ابن الأوس، وبطون بني عمرو بن مالك بن الأوس وهم: النبيت: منهم ظفر وحارثة وبنو عبد الأشهل، وبنو زعوراء من جشم بن الحارث أخي عبد الأشهل ابن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، وبنو عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وبنو ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف، وبنو مجدعة حلفاء للأوس، وبنو أنيف وهم حي من بلي؛ حلفاء للأوس، وبنو معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، وبنو السميعة وهم بنو لوذان بن عمرو بن عوف، وبنو واقف والسلم ابنا امرئ القيس بن مالك بن الأوس، وبنو وائل ابن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس، وبنو أمية بن زيد بن قيس ابن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس، وبنو عطية بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة ابن مالك بن الأوس، وبنو خطمة وهو: عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس. ذكر ابن إسحاق أربعة وعشرين صحابيا من الأوس أو من مواليهم وحلفائهم استشهدوا في غزوة أحد وهم:

стр. 38

٥- عمرو بن معاذ بن النعمان١: عَمْرُو بن مُعَاذ بن النُّعْمان٢ بن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاري الأَشْهَلِي من بني عبد الأشهل، ويكنى أبا عثمان، وأمه كبشة بنت رافع بن معاوية بن عبيد بن الأبجر وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج، وهي أم سعد بن معاذ٣، وليس لعمرو بن معاذ عقب٤. شهد بدرا٥ مع أخيه سعد بن معاذ، وقتل يوم أحد شهيدا، قتله ضرار ابن الخطاب٦ وكان له يوم قتل اثنتان وثلاثون سنة٧ ذكر الحافظ ابن حجر أن ضرار بن الخطاب قال لما طعنه فأنفذه٨: لا تعدمن رجلا يزوجك من الحور العين؛ قاله استهزاء وذاك قبل إسلام ضرار٩.

стр. 39

آخى النبي صلى الله عليه وسله بينه وبين عمير بن أبي وقاص أخي سعد بن أبي وقاص١.

стр. 40

الحارث ين أنس بن رافع ... ٦- الحارث بن أنس بن رافع١: الحَارِثُ بن أَنَسَ بن رَافع بن امْرِىء القَيْس بن زيد بن عبد الأشهل٢ الأنصاري الأشهلي، الأوسي٣ وأبوه أنس هو: أبوالحنيس٤ وقيل: أبوالحيسر٥ وأمه هي: أم شريك بنت خالد بن خنيس بن لوذان بن عبدود بن زيد بن ثعلبة ابن الخزرج بن ساعدة من الخزرج، وليس للحارث بن أنس عقب٦ شهد الحارث بدرا، وقتل يوم أحد شهيدا٧.
следующие страницы →