وقبره بالمدينة في دار من دور بني عدي بن النجار، وكان خرج إلى المدينة يمتار تمرا. وقيل: بل خرج به إلى أخواله زائرا وهو ابن سبعة أشهر.
وقيل: بل توفى أبوه وهو ابن شهرين، فكفله جده عبد المطلب. وفي خبر سيف بن ذي يزن: مات أبوه وأمه فكفله جده وعمه. وقد قيل: إن عبد الله ابن عبد المطلب توفى والنبي ﵌ ابن ثمانية وعشرين شهرا.
وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: بعث عبد المطلب ابنه عبد الله يمتار له تمرا من يثرب، فمات بها، وكانت وفاته وهو شاب عند أخواله بنى النجار بالمدينة، ولم يكن له ولد غير رسول الله ﷺ ، وتوفيت أمه آمنة بالأبواء بين مكة والمدينة، وهو ابن ست سنين.
وقيل: ابن سبع سنين. وقال محمد بن حبيب [في كتاب المحبر (١)]: توفيت أمه ﷺ ، وهو ابن ثمان سنين. فال: وتوفى جده عبد المطلب بعد ذلك بسنة وأحد عشر شهرا، سنة تسع من أول عام الفيل.
وقيل: إنه توفى جده عبد المطلب، وهو ابن ثمان سنين. وقيل: بل توفى جده وهو ابن ثلاث سنين، فأوصى به إلى أبى طالب فصار في حجر عمه أبي طالب حتى بلغ خمس عشرة سنة، وكان أبو طالب يحبه، ثم انفرد بنفسه، وكان مائلا إلى عمه أبي طالب لو جاهته في بني هاشم وسنه، وكان مع ذلك شقيق أبيه، وخرج النبي ﷺ مع عمه في تجارة إلى الشام سنة ثلاث عشرة من عام الفيل، فرآه بحيرا الراهب، فقال: احتفظوا به فإنه نبي.
стр. 37
وشهد بعد ذلك بثمان سنين يوم الفجار سنة إحدى وعشرين، وخرج إلى الشام في تجارة لخديجة بنت خويلد، فرآه نسطور الراهب وقد أظلته غمامة فقال:
هذا نبي، وذلك سنة خمس وعشرين. وتزويج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد بن أسد بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يوما، في عقب صفر سنة ست وعشرين، وذلك بعد خمس وعشرين سنة وشهرين وعشرة أيام من يوم الفيل،
وقال الزهري: كانت سن رسول الله ﷺ يوم تزوج خديجة إحدى وعشرين سنة.
وقال أبو بكر بن عثمان وغيره: كان يومئذ ابن ثلاثين سنة. قالوا:
وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة، ولدت قبل الفيل بخمس عشرة سنة.
وشهد رسول الله ﷺ بنيان الكعبة، وتراضت قريش بحكمه في وضع الحجر بعد ذلك بعشر سنين، وذلك سنة ثلاث وثلاثين.
قال أبو عمر ﵁: لو صح هذا لكانت سن خديجة يوم تزوجها خمسا وأربعين سنة. وقال محمد بن جبير بن مطعم: بنيت الكعبة على رأس خمس وعشرين سنة من عام الفيل. وقيل: بل كان بين بنيان الكعبة وبين مبعث النبي ﷺ خمس سنين، ثم نباه الله تعالى وهو ابن أربعين سنة، وكان أول يوم أوحى الله تعالى إليه فيه يوم الاثنين، فأسر رسول الله ﵌ أمره ثلاث سنين أو نحوها، ثم أمره الله تعالى بإظهار دينه والدعاء إليه، فأظهره بعد ثلاث سنين من مبعثه. وقال الشعبى: أخبرت أن إسرافيل تراءى له ثلاث سنين.
стр. 38
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن داود بن أبى هند عن الشعبي، قال: بعث رسول الله ﵌ لأربعين، ووكل به إسرافيل ﵇ ثلاث سنين، ثم وكل به جبرائيل ﵇.
قال: وأخبرنا أحمد بن حنبل، قال حدثنا هشيم (١)، قال حدثنا داود ابن أبي هند عن الشعبي، قال: نبئ النبي ﵌ فذكر مثله.
قال: ثم بعث إليه جبريل ﵇ بالرسالة.
قال: وأخبرنا أحمد بن حنبل، قال حدثنا ابن أبى عدي عن داود بن أبى هند عن عامر الشعبي، قال: نزلت عليه النبوة، وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ﵇ ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل ﵇، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة.
وقيل: كان مبعثه ﷺ وهو ابن أربعين سنة وشهرين وعشرة أيام. وقيل: بل كان مبعثه ﵌ لتمام أربعين سنة من مولده يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة أربعين، وممن قال: إنه ﵇ نبي وهو ابن أربعين سنة عبد الله بن عباس، ومحمد بن جبير بن مطعم، وقباث بن أشيم، وعطاء، وسعيد
стр. 39
ابن المسيب، وأنس بن مالك، وهو الصحيح عند أهل السير وأهل العلم بالأثر، فلما دعا قومه إلى دين الله نابذوه، فأجاره عمه أبو طالب، ومنع منه قريشا؛ لأنهم أرادوا قتله لما دعاهم إليه من ترك ما كانوا عليه هم وآباؤهم، ومفارقته لهم في دينه، وتسفيه أحلامهم في عبادة أصنام لا تبصر ولا تسمع، ولا تضر (١) ولا تنفع، فلم يزل في جوار عمه أبي طالب إلى أن توفي أبو طالب، وذلك في النصف من شوال في السنة الثامنة. وقيل: العاشرة من مبعث النبي ﵌، وحصرت قريش النبي ﵌ وأهل بيته بنى هاشم ومعهم بنو المطلب في الشعب بعد المبعث بست سنين، فمكثوا في ذلك الحصار ثلاث سنين، وخرجوا منه في أول سنة خمسين من عام الفيل.
وتوفي أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وتوفيت خديجة بعده بثلاثة أيام.
وقد قيل غير ذلك، وولد عبد الله بن عباس ﵁ في الشعب قبل خروج بنى هاشم منه. وقيل: إنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان ابن ثلاث عشرة سنة يوم مات رسول الله ﵌. وكان أبو طالب قد أسلم ابنه عليا إلى رسول الله ﵌، وذلك:
أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله ﵌ للعباس عمه - وكان من أيسر بنى هاشم: يا عباس؛ إن أخاك أبا طالب كثير العيال، فانطلق بنا لنخفف عنه
стр. 40
من عياله. فقال: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقال له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى يكشف الله عن الناس ما هم فيه. فقال لهما أبو طالب:
إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما. فأخذ رسول الله ﵌ عليا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل علي ﵁ مع رسول الله ﵌ حتى ابتعثه الله نبيا، وحتى زوجه من ابنته فاطمة على جميعهم الصلاة والسلام.
وتزوج رسول الله ﵌ خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة، على اختلاف في ذلك قد ذكرناه.
وكان موتها بعد موت عمه أبى طالب بأيام يسيرة. قيل: ثلاثة أيام.
وقيل: سبعة. وقيل: كان بين موت أبى طالب وموت خديجة شهر وخمسة أيام. وتوفي أبو طالب وهو ابن بضع وثمانين سنة وتوفيت خديجة وهي ابنة خمس وستين سنة، فكانت مصيبتان توالتا على رسول الله ﵌ بوفاة عمه أبى طالب ووفاة خديجة ﵂. وقيل: توفيت خديجة بعد ما تزوجها رسول الله ﵌ بأربع وعشرين سنة وستة أشهر وأربعة أيام قبل الهجرة بثلاث سنين وثلاثة أشهر ونصف شهر.
وفي عام وفاة خديجة تزوج رسول الله ﵌ سودة وعائشة، ولم يتزوج على خديجة حتى ماتت ﵂. وكانت وفاة أبى طالب وخديجة قبل الهجرة بثلاث سنين. وقيل: بسنة. وقيل: كانت وفاتهما سنة عشر من المبعث في أولها، والله أعلم.
стр. 41
حدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا محمد بن جرير، قال حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب، وأخبرنا خلف بن قاسم، قال حدثنا محمد بن القاسم بن معروف، قال حدثنا أحمد بن على بن المثنى، قال حدثنا يحيى ابن معين، قال حدثنا هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه. ولفظهما والمعنى سواء. قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله ابن أبى أمية فقال: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله.
فقال له أبو جهل وعبد الله بن أبى أمية. يا أبا طالب؛ أترغب عن ملة عبد المطلب! فلم يزالا به حتى كان آخر شيء تكلم به على ملة عبد المطلب. فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك. فنزلت (١): ﴿مَا كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ .. ﴾. + إلى آخر الآية. ونزلت (٢): ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ .. ﴾. الآية.
قال ابن شهاب: قال عروة بن الزبير: ما زالوا - يعنى قريشا - كافين عن رسول الله ﷺ حتى مات أبو طالب. ولم تمت خديجة فيما ذكر ابن إسحاق وغيره إلا بعد الإسراء، وبعد أن صلت الفريضة مع رسول الله ﷺ .
стр. 42
قال أبو عمر: قال ابن إسحاق وغيره: لما توفى أبو طالب وتوفيت بعده خديجة بأيام يسيرة خرج رسول الله ﵌ إلى الطائف، ومعه زيد بن حارثة، وطلب منهم المنعة، فأقام عندهم شهرا ولم يجد فيهم خيرا، ثم رجع إلى مكة في جوار المطعم بن عدي. قيل: كان ذلك سنة إحدى وخمسين من عام الفيل، وفيها قدم عليه جن نصيبين بعد ثلاثة أشهر فأسلموا.
وأسري به إلى بيت المقدس بعد سنة ونصف من حين رجوعه إلى مكة من الطائف سنة اثنتين وخمسين، وقد ذكرنا الاختلاف في تاريخ الإسراء في كتاب (التمهيد) عند ذكر فرض الصلاة والحمد لله.
[قال ابن شهاب] عن ابن المسيب: عرج (١) به ﵌ إلى بيت المقدس وإلى السماء قبل خروجه إلى المدينة بسنة. وقال غيره:
كان بين الإسراء إلى اليوم الذي هاجر فيه رسول الله ﷺ سنة وشهران، وذلك سنة ثلاث وخمسين من عام الفيل.
قال أبو عمر: قال ابن إسحاق وغيره: مكث رسول الله ﷺ بعد مبعثه بمكة إلى أن أذن الله له بالهجرة داعيا إلى الله صابرا على أذى قريش وتكذيبهم له إلا من دخل في دين الله منهم، واتبعه علي ما جاء به ممن هاجر إلى أرض الحبشة فارا بدينه، ومن بقي معه بمكة في منعة من قومه، حتى أذن له الله بالهجرة إلى المدينة، وذلك بعد أن بايعه وجوه الأوس والخزرج بالعقبة على أن يؤووه وينصروه، حتى يبلغ عن الله رسالته،
стр. 43
ويقاتل من عانده وخالفه، فهاجر إلى المدينة، وكان رفيقه إليها أبو بكر الصديق ﵁ لم يرافق غيره من أصحابه، وكان يخدمهما في ذلك السفر عامر بن فهيرة، وكان مكثه بمكة بعد أن بعثه الله ثلاث عشرة سنة. وقيل: عشر سنين. وقيل: خمس عشرة سنة، والأول أكثر وأشهر عند أهل السير.
ثم أذن الله له في الهجرة إلى المدينة يوم الاثنين، فخرج معه أبو بكر إليها، وكانت هجرة إلى المدينة في ربيع الأول، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وقدم المدينة يوم الاثنين قريبا من نصف النهار في الضحى الأعلى لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. هذا قول ابن إسحاق. وقال ابن إسحاق وغيره: كانت بيعة العقبة حين بايعته الأنصار في أوسط أيام التشريق في ذي الحجة، وكان مخرج النبي ﵌ إلى المدينة بعد العقبة بشهرين وليال، وخرج لهلال ربيع الأول، وقدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة مضت منه.
قال أبو عمر: قد روي عن ابن شهاب أنه قدم المدينة لهلال ربيع الأول.
وقال عبد الرحمن بن المغيرة: قدم النبي ﵌ المدينة يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الأول سنة إحدى. وقال الكلبي: خرج من الغار ليلة الاثنين أول يوم من ربيع الأول، وقدم المدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت منه.
قال أبو عمر: وهو قول ابن إسحاق إلا في تسمية اليوم فإن ابن إسحاق يقول: يوم الاثنين والكلبي يقول: يوم الجمعة، واتفقا لاثنتي عشرة ليلة خلت
стр. 44
من ربيع الأول. وغيرهما يقول لثمان خلت منه، فالاختلاف أيضا في تاريخ قدومه المدينة كما ترى.
قال ابن إسحاق، فنزل على أبى قيس كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس أحد بني عمرو بن عوف، فأقام عنده أربعة أيام. وقيل: بل كان نزوله في بنى عمرو ابن عوف على سعد (١) بن خيثمة، والأول أكثر. فأقام رسول الله ﵌ في بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، وخرج من بني عمرو بن عوف منتقلا إلى المدينة، فأدركته الجمعة في بنى سالم فصلاها في بطن الوادي، ثم ارتحل إلى المدينة فنزل على أبي أيوب الأنصاري، فلم يزل عنده حتى بنى مسجده في تلك السنة، وبنى مساكنه، ثم انتقل، وذلك في السنة الأولى من هجرته.
وقال غير ابن إسحاق: نزل في بني عمرو بن عوف يوم الإثنين إلى يوم الجمعة، ثم خرج من عندهم غداة يوم الجمعة على راحلته معه الناس، حتى مر ببني سالم لوقت الجمعة، فجمع بهم، وهي أول جمعة جمعها رسول الله ﷺ بالمدينة، ثم ركب لا يحرك راحلته، وهو يقول: دعوها فإنها مأمورة.
فمشت حتى بركت في موضع مسجده الذي أنزله الله به في بنى النجار، فنزل عشية الجمعة سنة ثلاث وخمسين من عام الفيل. ومن مقدمة المدينة أرخ التاريخ في زمن عمر بن الخطاب ﵁، ولم يغز رسول الله ﵌ بنفسه تلك السنة. وآخى بين المهاجرين والأنصار بعد ذلك بخمسة أشهر، وبعث عمه حمزة في جمادى الأولى، فكان أول من غرا في سبيل
стр. 45
الله، وأول من عقدت له راية في الإسلام، خرج في ثلاثين راكبا إلى سيف البحر، فلقوا أبا جهل بن هشام في ثلاثمائة من قريش، فحجز بينهم رجل من جهينة، فافترقوا من غير قتال، ثم بعث عبيدة بن الحارث في خمسين راكبا يعارض عيرا لقريش، فلقوا جمعا كثيرا فتراموا بالنبل، ولم يكن بينهم مسايفة.
وقيل: إن سرية عبيدة كانت قبل سرية حمزة، وفيها رمى سعد، وكان أول سهم رمي به في سبيل الله. وقيل: أول لواء عقده رسول الله ﵌ لعبد الله بن جحش، والأول أصح، والله أعلم.
والأكثر على أن سرية عبد الله بن جحش كانت في سنة اثنتين في غرة رجب إلى نخلة، وفيها قتل ابن الحضرمي لليلة بقيت من جمادى الآخرة. ثم غزا رسول الله ﵌ أهل الكفر من العرب. وبعث إليهم السرايا، وكانت غزواته بنفسه ستا وعشرين غزوة، هذا أكثر ما قيل في ذلك.
وكانت أشرف غزواته وأعظمها حرمة عند الله وعند رسوله وعند المسلمين غزوة بدر الكبرى، حيث قتل الله صناديد قريش، وأظهر دينه وأعزه الله من يومئذ، وكانت بدر في السنة الثانية من الهجرة لسبع عشرة من رمضان صبيحة يوم الجمعة، وليس في غزواته ما يعدل بها في الفضل، ويقرب منها إلا غزوة الحديبية، حيث كانت بيعة الرضوان، وذلك سنة ست من الهجرة، وكانت بعوثه وسراياه خمسا وثلاثين من بين بعث وسرية.
قال أحمد بن حنبل وغيره عن وكيع عن أبيه، وإسرائيل عن أبى إسحاق قال: سألت زيد بن أرقم: كم غزا رسول الله ﷺ ؟
стр. 46
قال: تسع عشرة غزوة، وغزوت معه سبع عشرة، وسبقني بغزوتين.
واعتمر رسول الله ﵌ ثلاث عمر. وفي قول من جعله قارنا في حجه أربع عمر. وقد بينا ذلك في كتاب «التمهيد».
وافترض عليه الحج بالمدينة، وكذلك سائر الفرآئض فيما أمر به أو حرم عليه إلا الصلاة فإنها افترضت عليه حين أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وذلك بمكة، ولم يحج رسول الله ﵌ من المدينة غير حجته الواحدة، حجة الوداع، وذلك سنة عشر من الهجرة.
وتزوج رسول الله ﵌ عددا كثيرا من النساء، خص بذلك دون أمته بجمع أكثر من أربع، وأحل له فيهن ما شاء، فالمجمع عليه من أزواجه إحدى عشرة امرأة وهن:
خديجة بنت خويلد، أول زوجة كانت له، لم يجمع قط معها غيرها، وسنذكر أخبارها ونسبها وولدها من النبي ﵌ وكثيرا من فضائلها وخبرها في بابها من كتاب النساء من هذا الديوان، وكذلك نذكر كل واحدة منهن في موضع اسمها من ذلك الكتاب إن شاء الله تعالى.
ثم سودة بنت زمعة بن قيس. من بنى عامر بن لؤي، تزوجها في قول الزهري قبل عائشة ﵂ بمكة، وبنى بما بمكة في سنة عشر من النبوة.
وعائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄ تزوجها بمكة قبل سودة، وقيل بعد سودة، وأجمعوا على أنه لم يبن بها إلا في المدينة. قيل سنة
стр. 47
هاجر، وقيل سنة اثنتين من الهجرة في شوال، وهي ابنة تسع سنين، وكانت في حين عقد عليها بنت ست سنين. وقيل بنت سبع سنين.
وحفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄. تزوجها سنة ثلاث في شعبان.
وزينب بنت خزيمة. وهي من بني عامر بن صعصعة، وكان يقال لها أم المساكين، تزوجها سنة ثلاث، فكانت عنده شهرين أو ثلاثة، وتوفيت، ولم يمت أحد من أزواجه في حياته غيرها وغير خديجة قبلها.
وأم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة المخزومية، واسمها هند، تزوجها سنة أربع في شوال.
وزينب بنت جحش الأسدية من بني أسد بن خزيمة، تزوجها في سنة خمس من الهجرة في قول قتادة، وخالفه غيره على ما نذكره في بابها من كتاب النساء.
وأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية، واسمها رملة، تزوجها سنة ست، وبنى بها سنة سبع، زوجه إياها النجاشي. واختلف فيمن عقد عليها على ما يأتي به الخبر عند ذكرها في بابها من كتاب النساء إن شاء الله تعالى.
وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار من بني المصطلق، كانت قد وقعت في سهم ثابت بن قيس، وذلك في سنة ست. وقيل سنة خمس، وهو الأكثر
стр. 48
والصواب: فكاتبها فأذى رسول الله ﵌ كتابتها وتزوجها.
وميمونة بنت الحارث [بن حزن] (١) الهلالية، من بني هلال بن عامر بن صعصعة، نكحها سنة سبع في عمرة القضاء. على حسب ما ذكرناه في بابها من كتاب النساء.
وصفية بنت حيي بن أخطب اليهودي، وقعت في سهم دحية بن خليفة الكلبي، فاشتراها رسول الله ﵌ منه بأرؤس اختلفوا في عددها، وأعتقها وتزوجها، وذلك سنة سبع.
فهؤلاء أزواجه اللواتي لم يختلف فيهن، وهن إحدى عشرة امرأة، منهن ست من قريش، وواحدة من بني إسرائيل من ولد هارون، وأربع من سائر العرب. وتوفى في حياته منهن اثنتان خديجة بنت خويلد بن أسد بمكة، وزينب بنت خزيمة بالمدينة، وتخلف منهن تسع بعده ﷺ .
وأما اللواتي اختلف فيهن ممن ابتنى بها وفارقها أو عقد عليها، ولم يدخل بها، أو خطبها ولم يتم له العقد منها، فقد اختلف فيهن، وفي أسباب فراقهن اختلافا كثيرا يوجب التوقف عن القطع بالصحة في واحدة منهن، وقد ذكرنا جميعهن كل واحدة منهن في بابها من كتاب النساء من كتابنا هذا، والحمد لله وحده.
ثم بدا برسول الله ﵌ مرصه الذي مات منه
стр. 49
يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة في بنت ميمونة، ثم انتقل حين اشتد وجعه إلى بيت عائشة. وكان ﵌ قد ولد يوم الاثنين، ونبي يوم الاثنين، وخرج من مكة مهاجرا يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وقبض ﵌ يوم الاثنين ضحى في مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، ودفن ﵌ يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس. وقيل: بل دفن ﵌ ليلة الأربعاء.
ذكر ابن إسحاق قال: حدثتني فاطمة [بنت محمد] (١) عن عمرة عن عائشة قالت: ما علمنا بدفن رسول الله ﵌ حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل ليلة الأربعاء، وصلى عليه علي والعباس ﵄ وبنو هاشم، ثم خرجوا، ثم دخل المهاجرون، ثم الأنصار، ثم الناس يصلون عليه أفذاذا، لا يؤمهم أحد، ثم النساء والغلمان.
وقد أكثر الناس في ذكر من أدخله قبره وفي هيئة كفنه وفي صفة خلقه وخلقه وغزواته وسيره مما لا سبيل في كتابنا هذا إلى ذكره. وإنما أجرينا من ذكره ﵌ هاهنا لمعا (٢) يحسن الوقوف عليها والمذاكرة بها، تبركا بذكره في أول الكتاب، والله الموفق للصواب.
стр. 50
وأصح ذلك أنه نزل في قبره العباس عمه، وعلي ﵄ معه، وقشم بن العباس، والفضل بن العباس، ويقال: كان أوس بن خولي وأسامة بن زيد معهم، وكان آخرهم خروجا من القبر قثم بن العباس، وكان آخر الناس عهدا برسول الله ﵌، ذكر ذلك ابن عباس وغيره. وهو الصحيح. وقد ذكر عن المغيرة بن شعبة في ذلك خبر لا يصح أنكره أهل العلم ودفعوه. وألحد له ﵌ وبنى في قبره اللبن، يقال تسع لبنات، وطرح في قبره سمل قطيفة كان يلبسها، فلما فرغوا من وضع اللبن أخرجوها وأهالوا التراب على لحده، وجعل قبره مسطوحا ورش عليه الماء رشا.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، قال حدثنا حسين بن على الجعفي عن زائدة بن قدامة عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﵌: ما صدق نبي ما صدقت، وإن من الأنبياء من لم يصدقه من أمته إلا رجل واحد.
وأما فضائله وأعلام نبوته فقد وضع فيها جماعة من العلماء، وجمع كل منها ما انتهت إليه روايته ومطالعته، وهي أكثر من أن تحصى. ومما رثى به ﵌ قول صفية عمته.
قال الزبير: حدثني عمى مصعب بن عبد الله، قال: حدثني أبى عبد الله بن مصعب، قال: رويت عن هشام بن عروة لصفية بنت عبد المطلب ترثى رسول الله ﵌:
стр. 51
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا … وكنت بنا برا ولم تك جافيا
وكنت رحيما هاديا ومعلما … ليبك عليك اليوم من كان باكيا
لعمرك ما أبكي النبي لفقده … ولكن لما أخثى من الهرج آتيا
كأن على قلبي لذكر محمد … وما خفت من بعد النبي المكاويا
أفاطم صلى الله رب محمد … على جدث أمسى بيثرب ثاويا
فدى لرسول الله أمي وخالتي … وعمى وآبائي ونفسي وماليا
صدقت وبلغت الرسالة صادقا … ومت صليب العود أبلج صافيا
فلو أن رب الناس أبقى نبينا … سعدنا ولكن أمره كان ماضيا
عليك من الله السلام تحية … وأدخلت جنات من العدن راضيا
أرى حسنا أيتمته وتركته … يبكى ويدعو جده اليوم نائيا
وكان له ﷺ أسماء وصفات جاءت عنه في أحاديث شتى بأسانيد حسان.
قال: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الذي ختم الله بي النبوة، وأنا العاقب فليس بعدي نبي، وأنا المقفى بعد الأنبياء كلهم، ونبي التوبة، ونبي الرحمة، ونبي الملحمة، ويروى الملاحم. جاء هذا كله عنه في آثار شتى من وجوه صحاح، وطرق حسان، وكان يكنى أبا القاسم ﷺ ، لا خلاف في ذلك.
حدثنا يعيش بن سعيد وسعيد بن نصر، قالا: حدثنا قاسم بن صبغ، قال: حدثنا أبو الأحوص محمد بن الهيثم، حدثنا أبو يعقوب [الحنينى] (١)
стр. 52
عن داود بن قيس، عن موسى بن يسار، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﵌: تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي، فإني أنا أبو القاسم.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا محمد بن عبد السلام الختني قال: حدثنا محمد بن يسار قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا ابن عجلان عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي ﷺ ، قال: لا تجمعوا بين اسمى وكنيتي فإنما أنا أبو القاسم، الله يعطى، وأنا أقسم.
وأما ولده ﵌ فكلهم من خديجة إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية، وولده من خديجة أربع بنات لا خلاف في ذلك، أكبرهن زينب بلا خلاف وبعدها أم كلثوم، وقيل بل رقية، وهو الأولى والأصح، لأن رقية تزوجها عثمان قبل، ومعها هاجر إلى أرض الحبشة، ثم تزوج بعدها، وبعد وقعة بدر أم كلثوم، وسيأتي ذكر كل واحدة منهن في بابها من كتاب النساء في هذا الديوان إن شاء الله تعالى. وقد قيل: إن رقية أصغرهن، والأكثر والصحيح أن أصغرهن فاطمة ﵂ وعن جميعهن.
واختلف في الذكور، فقيل أربعة: القاسم، وعبد الله، والطيب، والطاهر. وقيل: ثلاثة، ومن قال هذا قال عبد الله سمى الطيب، لأنه ولد في الإسلام، ومن قال غلامان قال القاسم، وبه كان يكنى ﵌، وعبد الله قيل له الطيب والطاهر، لأنه ولد بعد المبعث، وولد القاسم قبل المبعث، ومات القاسم بمكة قبل المبعث، وقد ذكرنا الاختلاف
стр. 53
في ذلك كله وسمينا القائلين به في باب خديجة من كتاب النساء من هذا الديوان (١).
حدثنا أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد قراءة منى عليه أن محمد بن عيسى حدثهم قال: حدثنا يحيى بن أيوب بن بادى (٢) العلاف، قال حدثنا محمد بن أبى السري العسقلاني، قال حدثنا الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبى حمزة عن عطاء الخراساني، عن عكرمة عن ابن عباس: أن عبد المطلب ختن النبي ﵌ يوم سابعه، وجعل له مأدبة، وسماه محمدا ﷺ . قال يحيى بن أيوب: ما وجدنا هذا الحديث عند أحد إلا عند ابن أبى السرى.
وقد روي: أن رسول الله ﵌ ولد مختونا من حديث عبد الله بن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: ولد رسول الله ﵌ مختونا مسرورا، يعنى مقطوع السرة، فأعجب بذلك جده عبد المطلب، وقال: ليكونن لابني هذا شأن عظيم. وليس إسناد حديث العباس هذا بالقائم. وفي حديث ابن عباس عن أبي سفيان في قصته مع هرقل - وهو حديث ثابت من جهة الإسناد - دليل على أن العرب كانت تختتن، وأظن ذلك من جهة مجاورتهم في الحجاز ليهود، والله أعلم.
واختلف في سنه ﷺ يوم مات، فقيل ستون سنة، روى
стр. 54
ذلك ربيعة وأبو غالب عن أنس بن مالك، وهو قول عروة بن الزبير ومالك ابن أنس.
وقد روى حميد عن أنس، قال: توفى رسول الله ﷺ وهو ابن خمس وستين سنة، ذكره أحمد بن زهير عن المثنى بن معاذ عن بشر بن المفضل عن حميد عن أنس، وهو قول دغفل بن حنظلة السدوسى النسابة. ورواه معاذ عن هشام عن قتادة عن أنس، ورواه الحسن البصري عن دغفل بن حنظلة قال: توفى رسول الله ﷺ وهو ابن خمس وستين سنة. ولم يدرك دغفل النبي ﵌. قال البخاري:
ولا نعرف للحسن سماعا من دغفل. قال البخاري: وروى عمار بن أبى عمار عن ابن عباس قال: توفي رسول الله ﵌ وهو ابن خمس وستين سنة. قال البخاري: ولا يتابع عليه عن ابن عباس إلا شيء (١) رواه العلاء بن صالح عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄.
قال البخاري: وروى عكرمة وأبو سلمة وأبو ظبيان وعمرو بن دينار عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﵌ قبض وهو ابن ثلاث وستين سنة.
قال أبو عمر ﵁: قد تابع عمار بن أبي عمار على روايته المذكورة عن ابن عباس ﵄ يوسف بن مهران عن ابن عباس ﵄ في خمس وستين. والصحيح عندنا رواية من روى ثلاثا رواه عن ابن عباس من تقدم ذكر البخاري لهم في ذلك، ورواه كما رواه أولئك ممن لم يذكره البخاري أبو حمزة ومحمد بن سيرين
стр. 55
ومقسم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﵌ توفى وهو ابن ثلاث وستين. ولم يختلف عن عائشة أنه توفى ﵌ وهو ابن ثلاث وستين سنة، وهو قول محمد بن على، وجرير بن عبد الله البجلي وأبي إسحاق السبيعي ومحمد بن إسحاق.
أخبرنا خلف بن قاسم [بن سهل] (١)، قال حدثنا (٢) عبد الله بن جعفر عن محمد بن الورد، قال: حدثنا يحيى بن أيوب بن بادى العلاف وأحمد بن حماد، قالا: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال حدثنى الليث بن سعد، قال:
حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال، [عن هلال] (٣) بن سلمة عن عطاء (٤) بن يسار عن عبد الله بن سلام: أنه كان يقول: إنا لنجد صفة رسول الله ﵌. ﴿إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، لست بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا تجزى بسيئة مثلها ولكن تعفو وتتجاوز، ولن أقبضك حتى أقيم بك الملة العوجاء بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله، أفتح بك أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا. قال عطا بن يسار:
وأخبرنى أبو واقد الليثي أنه سمع كعب الأحبار يقول مثل ما قال عبد الله بن سلام رضي الله عن جميعهم.
стр. 56
باب حرف الألف
إبراهيم بن النبي
إبراهيم بن النبي ﵌، ولدته أمه مارية القبطية في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وذكر الزبير عن أشياخه أن أم إبراهيم مارية ولدته بالعالية في المال الذي يقال له اليوم مشربة أم إبراهيم بالقف (١)، وكانت قابلتها سلمى مولاة النبي ﷺ امرأة أبى رافع، فبشر أبو رافع به النبي ﷺ ، فوهب له عبدا، فلما كان يوم سابعه عق (٢) عنه بكبش، وحلق رأسه، حلقه أبو هند، وسماه يومئذ، وتصدق بوزن شعره ورقا (٣) على المساكين، وأخذوا شعره فدفنوه في الأرض.
هكذا قال الزبير: سماه يوم سابعه. والحديث المرفوع أصح من قوله وأولى إن شاء الله .
حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا شبابة بن سوار قال: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبى إبراهيم، قال الزبير: ثم دفعه إلى أم سيف، امرأة قين بالمدينة يقال له أبو سيف.
قال أبو عمر ﵁ في حديث أنس: تصديق ما ذكره الزبير
стр. 57
أنه دفعه إلى أم سيف،
قال أنس في حديثه في موت إبراهيم قال: فانطلق رسول الله ﷺ ، وانطلقت معه، فصادفنا أبا سيف ينفخ في كيره، وقد امتلأ البيت دخانا، فأسرعت في المشي بين يدي رسول الله ﷺ حتى انتهيت إلى أبى سيف، فقلت: يا أبا سيف، أمسك، جاء رسول الله ﷺ ، فأمسك فدعا رسول الله ﷺ بالصبي فضمه إليه، وقال: ما شاء الله أن يقول. قال: فلقد رأيته يكيد (١) بنفسه، قال: فدمعت عينا النبي ﷺ ، فقال:
تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم المحزونون.
قال الزبير أيضا: وتنافست الأنصار فيمن يرضعه، وأحبوا أن يفرغوا مارية للنبي ﷺ ، لما يعلمون من هواه فيها، وكانت لرسول الله ﵌ قطعة من الضأن ترعى بالقف، ولقاح بذي الجدر (٢) تروح عليها، فكانت تؤتى بلبنها كل ليلة فتشرب منه وتسقى ابنها، فجاءت أم بردة بنت المنذر بن زيد الأنصاري زوجة البراء بن أوس، فكلمت رسول الله ﵌ في أن ترضعه بلبن ابنها في بنى مازن بن النجار وترجع به إلى أمه، وأعطى رسول الله صلى الله عليه
стр. 58
وسلم أم بردة قطعة من نخل فنا قلت (١) بها إلى مال عبد الله بن زمعة، وتوفى إبراهيم في بني مازن عند أم بردة، وهو ابن ثمانية عشر شهرا، وكانت وفاته في ذي الحجة سنة ثمان، وقيل: بل ولد في ذي الحجة سنة ثمان، وتوفى سنة عشر، وغسلته أم بردة، وحمل من بيتها على سرير صغير، وصلى عليه رسول الله ﵌ بالبقيع، وقال: ندفنه عند فرطنا عثمان بن مظعون.
وقال الواقدي: توفى إبراهيم بن النبي ﵌ يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من ربيع الأول سنة عشر، ودفن بالبقيع، وكانت وفاته في بني مازن عند أم بردة بنت المنذر من بني النجار، ومات وهو ابن ثمانية عشر شهرا، وكذلك قال مصعب الزبيري، وهو الذي ذكره الزبير.
وقال آخرون: توفى وهو ابن (٢) ستة عشر شهرا، قال محمد بن عبد الله بن مؤمل المخزومي في تاريخه: ثم دخلت سنة عشر، ففيها توفى إبراهيم بن النبي ﵌، وكسفت الشمس يومئذ على اثنتي عشر ساعة من النهار، وتوفى وهو ابن ستة عشر شهرا وثمانية أيام. وقال غيره: توفى وهو ابن ستة (٣) عشر شهرا وستة أيام، وذلك سنة عشر.
وأرفع ما فيه ما ذكره محمد بن إسحاق، قال:
حدثنا عبد الله بن أبى بكر
стр. 59
عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: توفى إبراهيم بن النبي ﵌ وهو ابن ثمانية عشر شهرا.
قال أبو عمر: ثبت أن رسول الله ﵌ بكى على ابنه إبراهيم دون رفع صوت، وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون.
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا الحسن بن رشيق، حدثنا أبو بشر الدولابى حدثنا إبراهيم بن يعقوب البغدادي، حدثنا عبيد (١) الله بن موسى، حدثنا ابن أبى ليلى عن عطاء عن جابر قال: أخذ النبي ﵌ بيد عبد الرحمن بن عوف، فأتى به النخل، فإذا ابنه إبراهيم في حجر أمه، وهو يكيد بنفسه، فأخذه رسول الله ﷺ في حجره، ثم قال:
يا إبراهيم. إنا لا نغني عنك من الله شيئا. ثم ذرفت عيناه، ثم قال:
يا إبراهيم، لولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وأن آخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكى العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب.
وحدثنا خلف بن قاسم، قال: حدثنا الحسن، حدثنا أبو بشر، حدثنا إبراهيم بن يعقوب، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت عن أنس، قال: لقد رأيت إبراهيم وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ ، فدمعت عينا رسول الله ﵌
стр. 60
فقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون.
ووافق موته كسوف الشمس، فقال قوم: إن الشمس انكسفت لموته، فحطبهم رسول الله ﵌ فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة.
وقال ﵌: حين توفى ابنه إبراهيم: إن له مرضعا في الجنة تتم رضاعه.
حدثنا سعيد، حدثنا قاسم، حدثنا أبو بكر، حدثنا وكيع عن شعبة، عن عدى بن ثابت قال: سمعت البراء بن عازب يقول: قال رسول الله ﵌، لما مات إبراهيم: [أما] (١) إن له مرضعا في الجنة. وصلى عليه رسول الله ﵌ وكبر أربعا. هذا قول جمهور أهل العلم، وهو الصحيح، وكذلك قال الشعبي، قال: مات إبراهيم بن النبي ﵌ وهو ابن ستة عشر شهرا، فصلى عليه النبي ﵌.
وروى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة: أن رسول الله ﵌ دفن ابنه إبراهيم ولم يصل عليه. وهذا غير صحيح، والله أعلم، لأن الجمهور قد أجمعوا على الصلاة على الأطفال إذا استهلوا وراثة (٢) وعملا مستفيضا عن السلف والخلف، ولا أعلم أحدا جاء عنه غير هذا إلا عن سمرة بن جندب، والله أعلم.
стр. 61
وقد يحتمل أن يكون معنى حديث عائشة أنه لم يصل عليه في جماعة أو أمر أصحابه فصلوا عليه ولم يحضرهم، فلا يكون مخالفا لما عليه العلماء في ذلك، وهو أولى ما حمل عليه حديثها ذلك، والله أعلم.
وقد قيل إن الفضل بن العباس غسل إبراهيم ونزل في قبره مع أسامة ابن زيد، ورسول الله ﵌ جالس على شفير القبر.
قال الزبير: ورش قبره، وأعلم فيه بعلامة. قال: وهو أول قبر رش عليه،
وروي عن النبي ﵌ أنه قال: لو عاش إبراهيم لأعتقت أخواله، ولوضعت الجزية عن كل قبطى.
وقال ﵌: إذا دخلتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فإن لهم ذمة ورحما. وكانت مارية القبطية قد أهداها إلى رسول الله ﵌ المقوقس صاحب الإسكندرية ومصر هي وأختها سيرين (١)، فوهب رسول الله ﵌ سيرين لحسان بن ثابت الشاعر، فولدت له عبد الرحمن بن حسان.
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا يعقوب بن المبارك أبو يوسف، قال:
حدثنا داود بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، قال حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا أسباط بن نصر الهمداني عن السدى، قال: سألت أنس بن مالك: كم كان بلغ إبراهيم بن النبي ﵌؟ قال: قد
стр. 62
كان ملأ مهده، ولو بقي لكان نبيا، ولكن لم يكن ليبقى، لأن نبيكم آخر الأنبياء ﵌.
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا الحسن بن رشيق، حدثنا أبو بشر الدولابى، قال: حدثنا إبراهيم بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن جناب (١) قال: حدثنا عيسى بن يونس عن ابن أبى خالد قال: قلت لابن أبى أوفى: أرأيت إبراهيم بن النبي ﵌؟ قال: مات وهو صغير، ولو قدر أن يكون بعد محمد ﵌ نبي لعاش، ولكنه لا نبي بعد محمد ﵌.
قال أبو عمر: هذا لا أدرى ما هو؟ وقد ولد نوح (٢) ﵇ من ليس نبيا، وكما يلد غير النبي نبيا فكذلك يجوز أن يلد النبي غير نبي والله أعلم. ولو لم يلد النبي إلا نبيا لكان كل واحد (٣) نبيا، لأنه من ولد نوح ﵇، وذا آدم نبي مكلم، وما أعلم في ولده لصلبه نبيا غير شيث.
حدثنا خلف بن قاسم، قال حدثنا أبو بكر (٤) أحمد بن إبراهيم بن أحمد، قال: حدثنا زكريا بن يحيى السجزي (٥) قال: حدثنا عمرو بن على، قال:
стр. 63
حدثنا أبو داود، قال: حدثنا ورقاء عن ابن أبى بجيح عن مجاهد: في قوله (١): ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. قال: بمحمد وأصحابه ﵃.
من أول اسمه على ألف من الصحابة ﵃
باب إبراهيم
(١) إبراهيم الطائفي
والد عطاء بن إبراهيم
وروى عنه ابنه عطاء عن النبي ﵌: قابلوا النعال (٢). لم يرو عنه غير ابنه عطاء، وإسناد حديثه ليس بالقائم ولا مما يحتج به، ولا يصح عندي ذكره في الصحابة، وحديثه مرسل عندي، والله أعلم.
(٢) إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
ذكره الواقدي فيمن ولد على عهد النبي ﵌ من الصحابة، أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، يكنى أبا إسحاق.
توفى (٣) سنة ست وتسعين وهو ابن خمس وتسعين سنة.
(٣) إبراهيم بن عباد (٤) بن أساف بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة الأنصاري الحارثي
شهد أحدا.
стр. 64
باب أبان
(٤) أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي
قال الزبير: تأخر إسلامه بعد إسلام أخويه خالد وعمرو، فقال لهما:
ألا ليت ميتا بالصريمة شاهدا … لما يفترى في الدين عمرو وخالد
أطاعا (١) بها أمر النساء فأصبحا … يعينان من أعدائنا من يكايد
ثم أسلم أبان وحسن إسلامه، وهو الذي أجار عثمان بن عفان رضي الله حين بعثه رسول الله ﷺ إلى قريش عام الحديبية، وحمله على فرس حتى دخل مكة وقال له:
أقبل وأدبر ولا تخف أحدا … بنو سعيد أعزة الحرم
وكان إسلام أبان بن سعيد بين الحديبية وخيبر، وأمره رسول الله ﷺ على بعض سراياه، منها سرية إلى نجد، واستعمل رسول الله ﷺ أبان بن سعيد بن العاصي على البحرين برها وبحرها إذ عزل العلاء بن الحضرمي عنها، فلم يزل عليها أبان إلى أن توفي رسول الله ﷺ ، وكان لأبيه سعيد بن العاصي بن أمية ثمانية بنين ذكور منهم ثلاثة ماتوا على الكفر (٢): أحيحة، وبه كان يكنى سعيد بن العاصي بن أمية، قتل أحيحة بن سعيد يوم الفجار، والعاصي وعبيدة ابنا سعيد بن العاصي قتلا جميعا ببدر كافرين، قتل العاصي علي كرم الله وجهه، وقتل عبيدة
стр. 65
الزبير، وخمسة أدركوا الإسلام، وصحبوا النبي ﷺ وهم:
خالد وعمرو وسعيد وأبان والحكم بنو سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس، إلا أن الحكم منهم غير رسول الله ﷺ اسمه فسماه عبد الله، ولا عقب لواحد منهم إلا العاصي بن سعيد فإن عقب سعيد بن العاصي أبى أحيحة. كلهم منه. ومن ولده سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي، والد عمرو بن سعيد الأشدق، وسيأتي ذكر كل واحد من هؤلاء الخمسة الذين أدركوا الإسلام من ولد أبى أحيحة سعيد بن العاصي في بابه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا الحسن بن رشيق، حدثنا الدولابي محمد ابن أحمد بن حماد أبو بشر، قال حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال حدثنا أبو أسامة، قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام قال:
لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج (١) في الحديد لا يرى منه إلا عيناه، وكان يكنى أبا ذات الكرش، فطعنته بالعنزة (٢) في عينه فمات فلقد وضعت رجلي عليه ثم تمطيت فكان الجهد أن نزعتها، ولقد انثنى طرفها.
واختلف في وقت وفاة أبان بن سعيد، فقال ابن إسحاق؛ قتل أبان وعمرو ابنا سعيد بن العاصي يوم اليرموك، ولم يتابع عليه ابن إسحاق،
стр. 66
وكانت اليرموك يوم الاثنين لخمس مضين من رجب سنة خمسة عشرة في خلافة عمر ﵁.
وقال موسى بن عقبة: قتل أبان بن سعيد يوم أجنادين، وهو قول مصعب والزبير، وأكثر أهل (١) العلم بالنسب وقد قيل: إنه قتل يوم مرج الصفر، وكانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ قبل وفاة أبي بكر ﵁ بدون شهر.
ووقعة مرج الصفر في صدر خلافة عمر سنة أربع عشرة. وكان الأمير يوم مرج الصفر خالد بن الوليد، وكان بأجنادين أمراء أربعة: أبو عبيدة ابن الجراح، وعمرو بن العاص. ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، كل على جنده.
وقيل: إن عمرو بن العاص كان عليهم يومئذ، وكان أبان بن سعيد هو الذي تولى إملاء مصحف عثمان ﵁ علي زيد بن ثابت، أمرهما بذلك عثمان، ذكر ذلك ابن شهاب الزهري عن خارجة بن ثابت عن أبيه.
روى أبان بن سعيد بن العاصي عن النبي ﷺ أنه قال: وضع الله كل دم في الجاهلية. أو قال: كل دم كان فى الجاهلية، فهو موضوع. قال أبان: فمن أحدث في الإسلام شيئا أخذناه به.
(٥) أبان المحاربي
كان أحد الوفد الذين وفدوا على رسول الله ﷺ .
روى عن النبي ﷺ أنه قال: ما من مسلم يقول إذا
стр. 67
أصبح: الحمد لله ربى لا أشرك به شيئا، أشهد أن لا إله إلا الله - إلا ظل يغفر له ذنوبه حتى يمسي. ومن قالها حين يمسي غفرت له ذنوبه حتى يصبح. .
باب أبي
(٦) أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار
وهو (١) تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الأكبر الأنصاري المعاوي، وبنو معاوية بن عمرو يعرفون ببني جديلة، وهي أمهم، ينسبون إليها، وهي جديلة بنت مالك بن زيد الله (٢) بن حبيب بن عبد (٣) حارثة بن مالك بن غضب (٤) بن جشم بن الخزرج، [وأبوهم معاوية بن عمرو (٥)]، وهي أم معاوية بن عمرو، وأمه صهيلة بنت الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وهي عمة أبى طلحة الأنصاري.
وزعم ابن سيرين أن النجار إنما سمي النجار لأنه اختتن بقدوم، وقال غيره: بل ضرب وجه رجل بقدوم فنجره (٦)؛ فقيل له النجار، يكنى أبى بن كعب أبا الطفيل [بابنه] (٧)، وأبا المنذر.
стр. 68
روى وكيع عن طلحة بن يحيى عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري، قال: جاء أبي بن كعب إلى عمر ﵁ فقال: يا بن الخطاب فقال له عمر: يا أبا الطفيل، في حديث ذكره.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا عبد الأعلى عن الجريري عن أبى السليل، عن عبد الله بن رباح عن أبى ابن كعب، قال: قال لي رسول الله ﵌: يا أبا المنذر، أي آية معك في كتاب الله أعظم؟ فقلت: الله لا إله إلا هو الحى القيوم. قال: فضرب صدري وقال: ليهنئك العلم أبا المنذر. وذكر تمام الحديث.
قال أبو عمر: شهد أبى بن كعب العقبة الثانية، وبايع النبي ﷺ فيها، ثم شهد بدرا، وكان أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب الله.
روي عن النبي ﵌ أنه قال: أقرأ أمتى أبى.
وروى عنه ﵌ أنه قال له: أمرت أن أقرأ عليك القرآن، أو أعرض عليك القرآن.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا جعفر ابن محمد الصائغ، قال، حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنى الأجلح عن عبد الله بن عبد الرحمن بن ابزى (١) عن أبيه عن
стр. 69
أبى بن كعب قال: قال رسول الله ﵌:. أمرت أن أقرأ عليك القرآن، قال قلت: يا رسول الله، سماني لك ربك؟ قال: نعم.
فقرأ علي (١): «قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا هو خير مما يجمعون». بالتاء جميعا.
قال أبو عمر: وقد روى عنه أنه قرأهما جميعا بالياء.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا همام (٢) عن قتادة عن أنس: أن النبي ﵌ دعا أبيا فقال: إن الله أمرنى أن أقرأ القرآن عليك، قال: الله سماني لك؟ قال: نعم، فجعل أبى يبكى.
قال أنس: ونبيت (٣) أنه قرأ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
قال عفان: وأخبرنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا علي بن زيد عن عمار بن أبى عمار قال: سمعت أبا حية [الأنصاري] (٤) البدري قال: لما نزلت: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ … إلى آخرها، قال جبريل للنبي ﷺ :
إن ربك يأمرك أن تقرئها أبيا. فقال النبي ﵌ لأبى:
إن جبريل ﵇ أمرنى أن أقرئك هذه السورة. قال أبى: أو ذكرت ثم يا رسول الله؟ قال: نعم، فبكى أبى.
وروى من حديث أبى قلابة عن أنس، ومنهم من يرويه مرسلا، وهو
стр. 70
الأكثر، أن رسول الله ﵌ قال: أرحم أمتى بأمتى أبو بكر، وأقواهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي بن أبى طالب، وأقرؤهم أبى بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبى ذر، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. وقد ذكرنا لهذا الحديث طرقا فيما تقدم من هذا الكتاب. وقد روى من حديث أبى محجن الثقفي مثله سواء مسندا. وروى أيضا من وجه ثالث.
وروينا عن عمر من وجوه أنه قال: أقضانا على، وأقرؤنا أبى. وإنا لنترك أشياء من قراءة أبى.
وكان أبى بن كعب ممن كتب لرسول الله ﷺ الوحي قبل زيد بن ثابت ومعه أيضا، وكان زيد ألزم الصحابة لكتابة الوحي، وكان يكتب كثيرا من الرسائل. وذكر محمد بن سعد عن الواقدي عن أشياخه قال: أول من كتب لرسول الله ﷺ الوحي مقدمه المدينة أبي بن كعب، وهو أول من كتب في آخر الكتاب: وكتب فلان. قال:
وكان أبي إذا لم يحضر دعا رسول الله ﵌ زيد بن ثابت، فيكتب. وكان أبى وزيد بن ثابت يكتبان الوحي بين يديه ﵌، ويكتبان كتبه إلى الناس وما يقطع وغير ذلك.
قال الواقدي: وأول من كتب له من قريش عبد الله بن سعد أبى سرح، ثم ارتد ورجع إلى مكة، وفيه نزلت (١): ﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً
стр. 71
أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ ولَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ .. ﴾. الآية. وكان من المواظبين على كتاب الرسائل عن النبي ﵌ عبد الله بن الأرقم الزهري، وكان الكاتب لعهوده ﵌ إذا عهد، وصلحه إذا صالح، علي ابن أبي طالب ﵁. وممن كتب لرسول الله ﵌ أبو بكر الصديق، وذكر ذلك عمر بن شبة وغيره في كتاب الكتاب. وفيه زيادات على هؤلاء أيضا عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وخالد وأبان ابنا (١) سعيد بن العاص، وحنظلة الأسيدي، والعلاء بن الحضرمي، وخالد بن الوليد، وعبد الله رواحة، ومحمد ابن مسلمة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن أبي بن سلول، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وجهيم (٢) بن الصلت، ومعيقيب بن أبى فاطمة، وشرحبيل ابن حسنة ﵃.
قال الواقدي: فلما كان عام الفتح وأسلم معاوية كتب له أيضا. قال أبو عمر: مات أبي بن كعب في خلافة عمر بن الخطاب، وقيل سنة تسع عشرة. وقيل: سنة اثنتين وعشرين. وقد قيل: إنه مات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين. وقال علي بن المديني: مات العباس وأبو سفيان ابن حرب وأبي بن كعب قريبا بعضهم من بعض في صدر خلافة عثمان ﵁، والأكثر على أنه مات في خلافة عمر رحمهما الله، يعد
стр. 72
في أهل المدينة. روى عنه عبادة بن الصامت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله ابن خباب، وابنه الطفيل بن أبي ﵃.
(٧) أبى بن معاذ بن أنس بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار
شهد مع أخيه أنس بن معاذ بدرا وأحدا، وقتلا يوم بئر معونة شهيدين.
(٨) أبى بن عمارة الأنصاري
ويقال ابن عمارة، والأكثر يقولون ابن عمارة [بكسر العين] (١)، روى أن رسول الله ﵌ صلى في بيت أبيه عمارة القبلتين، وله حديث آخر عن النبي ﵌ في المسح على الخفين. روى عنه عبادة بن نسى، وأيوب بن قطن يضطرب في إسناد حديثه، ولم يذكره البخاري في التاريخ الكبير؛ لأنهم يقولون:
إنه خطأ، وإنما هو أبو أبي بن أم حرام، كذا قال إبراهيم بن أبي عبلة، وذكر أنه رآه وسمع منه، وأبو أبي بن أم حرام اسمه عبد الله، وسنذكره في بابه إن شاء الله تعالى.
(٩) أبى بن مالك الحرشي
ويقال العامري، بصرى؛
روى عن النبي ﷺ أنه قال: من أدرك والديه أو أحدهما، ثم دخل النار فأبعده الله.
مخرج حديثه عن أهل البصرة، روى عنه زرارة بن أوفى (٢). قال يحيى ابن معين: ليس في أصحاب النبي ﷺ أبى بن مالك، وإنما هو عمرو (٣) بن مالك، وأبي خطأ.
стр. 73
قال البخاري: إنما هذا الحديث لمالك بن عمرو القشيري. وذكر البخاري أبى بن مالك في كتابه الكبير في باب أبي، وذكر الاختلاف فيه، وغير البخاري يصحح أمر أبي بن مالك هذا وحديثه.
حدثنا أحمد بن قاسم، قال: حدثنا ابن حبابة، حدثنا البغوي، حدثنا على ابن الجعد، حدثنا شعبة عن قتادة، قال: سمعت زرارة بن أوفى يحدث عن رجل من قومه يقال له أبى بن مالك أنه سمع النبي ﵌ يقول: من أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه. .
باب أحمر
(١٠) أحمر بن جزء السدوسي
يكنى أبا جزء، له صحبة، روى عنه الحسن البصري، لم يرو عنه غيره فيما علمت، وهو أحمر بن جزء بن معاوية بن سليمان مولى الحارث السدوسي. وقال الدارقطني: أحمر بن جزى بكسر الجيم (١) والزاى جميعا.
(١١) أحمر بن عسيب (٢)
روى عنه مسلم بن عبيد أبو نصيرة (٣) عن النبي
стр. 74
ﷺ في الطاعون. وروى عنده حازم بن العباس أنه كان يصفر لحيته، فيه نظر.
(١٢) أحمر بن سليم
حديثه عند أبى العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير (١)، حدثناه خلف بن القاسم ﵀، قال حدثنا مؤمل بن يحيى بن مهدي، قال:
حدثنا محمد بن جعفر بن حفص الإمام، قال: حدثنا على بن عبد الله بن جعفر المديني، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال حدثني يونس بن عبيد، قال حدثني أبو العلاء يزيد بن الشخير، قال حدثني أحمر بن سليم، قال: - وأحسبه قد رأى النبي ﷺ : إن رسول الله ﷺ قال: إن الله ليبتلى العبد [بما أعطاه] (٢) فمن رضى بما قسم الله له بارك له فيه ووسعه، ومن لم يرض لم يبارك له فيه.
قال أبو عمر ﵁: لم يذكر ابن أبي حاتم في باب أحمر إلا أحمر بن جزى وحده (٣) وذكره في الأفراد. [وكذلك البخاري لم يذكر غير أحمر بن جزى] (٤).
стр. 75
باب أخرم
(١٣) أخرم
رجل روى عن النبي ﷺ ، لا أعرف نسبه.
ذكر خليفة بن خياط، قال حدثنا أبو أمية عمرو بن المنخل (١) السدوسي، قال حدثنا يحيى بن اليمان العجلي عن رجل من بنى تيم اللات، عن عبد الله بن الأخرم، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ يوم ذي قار:
اليوم أول يوم انتصف فيه العرب من العجم وبى نصروا.
(١٤) الأخرم الأسدي
كان يقال له فارس رسول الله ﷺ ، كما كان يقال لأبى قتادة الأنصاري، قتل شهيدا في حين غارة عبد الرحمن ابن عيينة بن حصن على سرح رسول الله ﷺ ، قتله عبد الرحمن بن عيينة يومئذ، وذلك محفوظ في حديث سلمة بن الأكوع.
واسم الأخرم محرز بن نضلة، ويقال ناضلة. وقد ذكرناه في باب الميم.
باب أدرع
(١٥) أدرع أبو الجعد الضمري
مشهور بكنيته، روى عنه عبيدة (٢) بن سفيان الحضرمي، وسنذكره في الكنى إن شاء الله تعالى.
(١٦) أدرع الأسلمي
روى عن النبي ﷺ حديثا واحدا.
روى عنه سعيد بن أبي سعيد المقبري.