← История

История · id 12289

الإنباء في تاريخ الخلفاء

ابن العمراني

Полный текст (320 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

قصّة الكتاب: بسم الله الرّحمن الرّحيم ترجع معرفتي بكتاب «الإنباء» إلى الصدفة أكثر منها إلى التدبير فقد وقع بيدي حين كنت أبحث عن شيء آخر فأثار فىّ ميلى القديم إلى التاريخ العربيّ والإسلامي الّذي كان أول ما درست حين كنت في دار المعلمين العالية ببغداد فتصفحت المخطوطة ووجدتني منساقا إلى قراءتها فقرأت الكتاب كله فاستهوانى مؤلفه بأسلوبه الّذي لا يشبه أسلوب المؤرخين التقليديين فرغبت في إعداده للنشر. وقد زاد في هذه الرغبة وصول نسخة من كتاب «مختصر التاريخ» لظهير الدين الكازروني أرسلها لي أخى الكريم الدكتور يوسف عز الدين فوجدت فيه أن الكازروني قد كتب ذيلا على «الإنباء» وعند ذلك رغبت في معرفة المزيد عن الكتاب ومصنفه فوجدت أن الأستاذ عباس العزاوى- ﵀ قد وعد بنشره في مقاله «العمراني وتاريخه» المنشور في مجلة المجمع العلمي العربيّ بدمشق سنة ١٩٤٨، فأسرعت إلى فهارس الكتب المطبوعة أبحث عنه فإذا هي خواء فاستخرت الله عز شأنه في نشره، ومنه أرجو العون، ومنه أستمد الحول إنه نعم المولى ونعم المعين. لقد ذكر العزاوى في مقاله الآخر عن تاريخ ابن أبى عذيبة المنشور في العدد ٢١ من مجلة المجمع العلمي العربيّ بدمشق أنه يمتلك تاريخا مخطوطا في الدولة العباسية إلى أيام المستنجد باللَّه العباسي لم يعرف مؤلّفه وأن هذا التاريخ من جملة مراجع نقل ابن عذيبة منها وقال: «فقد كان من ذلك الحين (توفى ابن أبى عذيبة سنة ٨٥٦ هـ) مجهولا ولم أتمكن من معرفته وربما عدت إلى وصفه لعل في القراء الأفاضل من يعرف بمؤلفه» . وبرّ بوعده وعاد إلى وصفه في مقاله الّذي أشرنا إليه فروى قصة

стр. 2

عثوره على اسم الكتاب واسم مؤلفه من إشارة عابرة وردت في كتاب مختصر التاريخ للكازروني ومن إشارة أخرى وردت عند السخاوي في كتابه «الإعلان بالتوبيخ» . وأعاد ذكره في كتابه «التعريف بالمؤرخين» (المنشور في بغداد سنة ١٩٥٧، صفحة ١٢٩، ٢٤٨) فقال: «عثرت على تاريخ العمراني ولم أعثر على التذبيل» ، «وهو (ابن أبى عذيبة) يعول على مؤرخين عديدين ومن أهم من يستحق الذكر العمراني فإنه اعتمد ما ذكره من تاريخه للخلفاء العباسيين ولم يصرح باسمه على خلاف عادته في من نقل عنهم ولعله لم يقف على اسم مؤلفه» . وذكره مرة أخرى في مقاله «من جوامع بغداد: جامع الخلفاء» (المنشور في مجلة سومر لسنة ١٩٦٦) فقال: «وتاريخ العمراني في خزانتي نسختان إحداهما صحيحة ومتقنة» . وفي مقالة قصيرة عن العمراني وتاريخه قلت: «إن نسخة العزاوى إما أن تكون نسخة مصورة أو نسخة منتسخة من نسخة ولى الدين أو أن إحداهما في الأقل كذلك والأخرى انتسخها لنفسه من نسخة لا نعرف مصدرها» [١] لأنه حين كتب مقاله عن تاريخ ابن أبى عذيبة كان يجهل اسم الكتاب واسم مؤلفه لأن نسخة ولى الدين لا تحملهما، وصدق ظني حين كتب لي زميلي الدكتور عيسى سلمان، مدير الآثار العام، ردّا على استفسارى منه: «في خزانة العزاوى نسخة مصورة «بالفوتغراف» من المكتبة السليمانية بتركيا كتبت هذه النسخة بخط الثلث سنة ٦٢١ هـ، تقع هذه النسخة في ٣٢٣ صفحة إلا أنها ناقصة بعض الصفحات وأولها مخروم» . وهذه نسخة فاتح. «النسخة الثانية كتبت بخط الثلث كتبها عبد الرزاق فليح البغدادي سنة ١٣٦٤ هـ عن نسخة مكتوبة في ٤ شوال سنة ٦٨٢ هـ وتقع في ٣٠٩ صفحات ... عليها تعليقات وحواش للعزاوى ولها مقدمة» . وشفع رسالته هذه بنسخة مصورة

стр. 3

لمقدمة العزاوى للكتاب فوجدت أنه لم يزد فيها على ما قاله في مقاله «العمراني وتاريخه» وأنه أورد جملة من الآراء عن العمراني سوف نتعرض لها فيما بعد. وهذه النسخة مأخوذة بالتحقيق من نسخة ولى الدين. ورجوت صديقي أمين قسم المخطوطات في مكتبة جامعة لايدن أن يحاول الحصول على «ميكروفيلم» لمخطوطتى ولى الدين وفاتح من تركيا فكتب لمكتبة السليمانية ودامت المراسلة زمنا طويلا جدا، وأخيرا جاءنا الجواب بأن مكتبة السليمانية سبق لها أن زودت مكتبة جامعة أدنبرة ب «ميكروفيلم» فأسرعنا بالكتابة إليها وجاء الجواب بأن «الميكروفيلم» يمتلكه الطالب العراقي بهجت كامل التكريتي الّذي تفضل فأعاره لنا فله أجزل الشكر والثناء. والأطرف من هذا أننا حصلنا على مصورة نسخة فاتح من الأستاذ المحقق حمد الجاسر- صاحب مجلة العرب- حيث علمت أنه ينوى نشرها فأخبرني في رسالة بأنه لا ينوى نشرها وتفضل فأرسل لي مصورته لنسخة فاتح فله المنّة وجميل الشكر. وأخيرا شكري العميق وامتنانى الجم لكل من ساعد وأعان على إخراج هذا الكتاب وأخصّهم بالشكر والثناء صديقىّ بيتر شوردفان كوننكزفلد والدكتور عيسى سلمان وأخوىّ الدكتور يوسف عز الدين وعبد الإله السامرائي على عواطفهم الجمة وعونهم الّذي لا ينقطع. قاسم السيد أحمد السامرائي

стр. 4

المؤرخ المنسىّ عجيب أن يلف الغموض حياة مؤلف هذا التاريخ النفيس، والأعجب أن يهمله كتاب التراجم إهمالا لا مبرر له، فلم تعرف له ترجمة في ما لدينا من مصادر ولم نعثر له على ذكر بالرغم من التنقير الطويل والبحث الكثير. ولم ينفعنا النص نفسه لأن المؤلف حرص على أن لا يربط بينه وبين ما يؤرخ وكأنه فعل ذلك عن تعمد وإصرار، ولم تنفعنا الإشارات القليلة هنا وهناك للتعرف عليه أو استجلاء الغامض من شخصيته، فعسى أن يحظى غيرنا بما لم نحظ به فيعثر على ترجمته فينجلي الغموض الكثيف الّذي ما زال يحيط بشخصية هذا المؤرخ المنسي الّذي لم يترك وراءه غير هذا الأثر اليتيم. ولئن أهمله كتاب التراجم هذا الإهمال الغريب فإنّهم ترجموا ل «على بن محمد بن على بن أحمد العمراني» الّذي قطع كل من الدكتور مصطفى جواد والأستاذ عباس العزاوى- رحمهما الله- بأبوّته لمؤرخنا ابن العمراني. فلنحاول أن نلتمس حياة مؤرخنا من دراسة حياة أبيه الّذي ترجمه كل من: (١) السمعاني المتوفى سنة ٥٦٢ هـ في: كتاب الأنساب ورقة ٣٩٨ ب. (٢) ياقوت المتوفى سنة ٦٢٦ هـ في: كتاب معجم الأدباء ٥/ ٤١٢، وقد نقل ترجمته من تاريخ خوارزم لأبى محمد بن أرسلان. (٣) ابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠ هـ في: اللباب في تهذيب الأنساب ٢/ ١٥١- ١٥٢. وقد اختصر ترجمة السمعاني. (٤) ابن الفوطي المتوفى سنة ٧٢٣ هـ في: تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب، ترجمة ٢٢٤٦. (٥) الصلاح الصفدي المتوفى سنة ٧٤٥ هـ في: كتاب الوافي بالوفيات، مخطوطة نور عثمانية جزء ١٢.

стр. 5

(٦) القرشي المتوفى سنة ٧٧٥ هـ في: كتاب الجواهر المضيئة ١/ ٣٧٨. (٧) السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ في: كتاب بغية الوعاة صفحة ٣٥٠- ٣٥١. (٨) أبو الحسنات اللكنوي المتوفى سنة ١٣٠٤ هـ في: كتاب الفوائد البهية في تراجم الحنفية صفحة ١٢٣. (٩) الخوانساريّ المتوفى سنة ١٣١٣ في: كتاب روضات الجنات صفحة ٤٨٥. من هذه التراجم نستطيع أن نسقط ترجمة السيوطي والخوانساريّ والصفدي وابن الأثير لأن الخوانساريّ نقل من كتاب الصفدي وكل من الصفدي والسيوطي نقل من معجم الأدباء. أما ترجمة اللكنوي فليس فيها شيء جديد يضاف إلى ترجمة ياقوت إلا اسمه المحرف حيث جاء «على بن عبد الله بن عمران» . أما ترجمة ابن الفوطي فليست بشيء لأنها يمكن أن تلصق بأية ترجمة دون أن تغير منها شيئا. ولعله نقلها من ترجمة ياقوت. قال فيها: «من العلماء الأدباء والأفاضل النجباء، كان عارفا بالنحو والأدب والتفسير وأصول الفقه والكلام والعروض وله في الجميع المعرفة التامة واليد الباسطة» ولم يزد. أما ترجمة ابن الأثير في اللباب فهي مختصرة من ترجمة السمعاني. بقيت لدينا ترجمات كل من السمعاني وابن أرسلان والقرشي. ففي أول هذه الترجمات يقول السمعاني في نسبة «العمراني» : «هذه النسبة إلى شيئين أولهما: أهل بيت كبير بسرخس وهو بيت قديم، والّذي رأيت منهم الرئيس أبا الحسن على بن محمد العمراني السرخسي قرابتنا [١] . حظي عند السلطان سنجر بن ملك شاه وارتفع قدره ثم حبس وقتل بمرو بقرية سنج، وقد تغيّر رأى السلطان عليه في سنة ٥٤٥ هـ» . وقال السمعاني في النسبة إلى الشيء الثاني: «والعمرانية قرية بالموصل» . وجاء ذكر العمرانية هذه عند ياقوت في معجم البلدان فقال: «قرية وقلعة في شرق الموصل متاخمة لناحية شوش والمرج» .

стр. 6

إن ترجمة ياقوت المنقولة من تاريخ خوارزم أطول من ترجمة السمعاني وأكثر منها تفصيلا، قال فيها: «على بن محمد بن على بن أحمد بن مروان العمراني الخوارزمي، أبو الحسن الأديب، يلقب حجة الأفاضل وفخر المشايخ، مات فيما يقارب سنة ٥٦٠. ذكره أبو محمد بن أرسلان في تاريخ خوارزم من خطه فقال: العمراني حجة الأفاضل سيد الأدباء قدوة مشايخ الفضلاء المحيط بأسرار الأدب والمطلع على غوامض كلام العرب. قرأ الأدب على فخر خوارزم محمود بن عمر الزمخشريّ فصار أكبر أصحابه وأوفرهم حظا من غرائب آدابه. لا يشق غباره في حسن الخط واللفظ ... سمع من فخر خوارزم والإمام عمر الترجماني، ولد الإمام أبى الحسن على بن أحمد المخى ... والإمام الحسن بن سليمان الخجنديّ والقاضي عبد الواحد الباقرحى وغيرهم. وكان ولوعا بالسماع كتوبا وجعل في آخر عمره أيامه مقصورة وأوقاته موقوفة على نشر العلم وإفادته لطالبيه وإفاضته على الراغبين فيه ... وكان يذهب مذهب الرأى والعدل ... وله تصانيف حسان منها كتاب المواضع والبلدان، كتاب تفسير القرآن، كتاب اشتقاق الأسماء ... » . وذكره ياقوت في معجم البلدان عند كلامه على مصنفي كتب البلدان فقال: «وأبو القاسم الزمخشريّ له كتاب لطيف في ذلك (اشتقاق البلدان) ، وأبو الحسن العمراني تلميذ الزمخشريّ وقف على كتاب شيخه وزاد عليه رأيته» [١] وقد نقل ياقوت منه كثيرا إلى معجمه (انظر فهرس معجم البلدان تحت اسم: العمراني) . وأخيرا ترجمه القرشي فقال: «على بن محمد العمراني الملقب فخر المشايخ أستاذ علاء الأئمة الخياطى» [٢] وعلاء الأئمة هذا هو علاء الدين أبو على، سديد بن أبى سابق

стр. 7

طاهر الخياطى الخوارزمي المحتسب. قال عنه ابن الفوطي: «كان جلدا معتبرا لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان عارفا بالفقه والحديث، عالما بأمور الناس، كان يحفظ كثيرا من كلام السلف» [١] . وقال عنه الذهبي: «ومن الخياطة شيخ الإسلام علاء الدين سديد بن محمد الخياطى الخوارزمي، سمع من فخر المشايخ على بن محمد العمراني» [٢] . من كل هذا يتوضح لدينا ما يأتى: (١) إن العمراني السرخسي كان يمت بصلة القرابة للسمعاني، وأنه كان رئيسا لسرخس، وأنه توفى بعد سنة ٥٤٥ هـ لأن السلطان تغير رأيه عليه فحبس ثم قتل. (٢) إن العمراني الخوارزمي كان فقيها عالما أديبا مفسرا، حنفيا معتزليا يؤخذ عنه العلم وتوفى في حدود سنة ٥٦٠ هـ. فهل نحن أمام شخصيتين مختلفتين تماما وإن تشابهتا في الاسم واسم الأب والجد واختلفتا في النسبة؟ وهل لهاتين الشخصيتين أية علاقة بمؤرخنا المنسي؟ ذكر السمعاني وبعده ابن الأثير أن العمراني السرخسي كان ينعت ب «الرئيس» فلعله كان رئيسا لسرخس في عصر السلطان سنجر بن ملك شاه الّذي انتهى حكمه عمليا في سنة ٥٤٨ هـ على أيدي الغز من التركمان [٣] ولعل السلطان تغير رأيه على العمراني السرخسي فحبسه ثم قتله قبل سنة ٥٤٨ هـ ومن ثم فإن السلطان سنجر نفسه توفى سنة ٥٥٢ هـ كمدا وغما على ذهاب ملكه، والفرق كبير بين سنة ٥٤٥ هـ وسنة ٥٦٠ هـ. لقد وصف كثير من المؤرخين الفترة التي رافقت هزيمة سنجر ووقوعه أسيرا بأيدي الغز وما تلاها من الأحداث، فقال ابن كثير: «واستحوذ أولئك الأتراك على البلاد ونهبوها وتركوها قاعا صفصفا وأفسدوا في الأرض فسادا عريضا وأقاموا

стр. 8

سليمان شاه ملكا فلم تطل أيامه حتى عزلوه وولوا ابن أخت سنجر محمود خان وتفرقت الأمور واستحوذ كل إنسان منهم على ناحية من تلك الممالك وصارت الدولة دولا» [١] . وزاد العماد الأصفهاني على ذلك فقال: «ثم استولى الأمير أي آبه بنيسابور وأخذ محمود خان وأعدمه وتولى الأمور وبقي الغز بمرو وبلخ وسائر البلاد ضالين عن نهج الرشاد عابدين للجور جائرين على سائر العباد» [٢] . وروى السمعاني نفسه شيئا من حوادث تلك الفترة التي امتدت حتى سنة ٥٥٥ هـ وإنه شارك في بعض أحداثها فقال في حديثه على سنج: «هي قرية من قرى مرو على سبعة فراسخ منها.. نزل عسكر الغز لمحاصرة حصن بها شهرا كاملا وكانوا يحاربون أهل الحصن فلم يقدروا عليها في رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ثم حاصروها غير مرة شهرين وثلاثة إلى أن صالحوها بعد جهد في جمادى الأولى سنة ٥٥٥ وكنت المتوسط فيه» [٣] . فإذا افترضنا أن السلطان سنجر لم يقتله فلعل الغز أخذوه وحبسوه ثم صادروه وقتلوه في حدود سنة ٥٦٠ هـ لأنه كان متقلدا رئاسة سرخس للسلطان سنجر والحبس والمصادرة. وإتلاف المهج إذا ذاك لم يكن غريبا. ولو كان الأمر كذلك لما أغفل السمعاني ذكره وعندها يصبح قول العزاوى متناقضا: «إننا لا نشعر منه ما يدعو للتنديد بالسلجوقيين وقد عاملوا والده بأقسى المعاملة ورأى منهم ما رأى فلم يظهر حنقا أو غيظا كأنه بعيد منه أو أنه لا يمت إليه بصلة» [٤] لأنه لم يتعين لدينا ذلك على وجه التحقيق. بيد أن عبارة السمعاني صريحة في أن السلطان تغيّر رأيه عليه فحبسه سنة ٥٤٥ هـ ثم قتل بمرو بقرية سنج. فإذا كان العمراني

стр. 9

السرخسي والد مؤرخنا وكان السلطان سنجر قد قتله فإن رأى العزاوى يصح تماما لأننا لا نجد في كتاب الإنباء تنديدا بالسلجوقيين. غير أن هناك عقبة كؤودا تعترضنا في قبول هذا الرأى وهي أن ابن أرسلان الخوارزمي وهو معاصر له ذكر أن العمراني الخوارزمي توفى في حدود سنة ٥٦٠ هـ دون أن يذكر أنه مات في الحبس أو مقتولا مما يوحى أنه يترجم لشخصية أخرى وإن اتفقت مع الأولى في اسمها وكنيتها واختلفت معها في إحدى النسبتين ثم زاد على ذلك فقال: «وجعل في آخر عمره أيامه مقصورة وأوقاته موقوفة على نشر العلم ... » فإذا كان العمراني الخوارزمي هذا والد مؤرخنا فإنه كان منقطعا للعلم وإفادته حتى وفاته في حدود سنة ٥٦٠ هـ فهو والحال هذه غير العمراني السرخسي ولهذا لا نشعر من مؤرخنا ما يدعو للتنديد بالسلجوقيين لأنهم لم يقتلوا أباه. ومع كل هذه الافتراضات فقد لا تكون له صلة إطلاقا بأىّ منهما، فلعله أحد العمرانيين الموصليين أو لعله حفيد على بن أحمد العمراني الموصلي العالم بالحساب والهندسة والّذي قال فيه القفطي: «وكان فاضلا جماعا للكتب يقصده الناس للاستفادة منه ومنها، يأتى إليه الطلبة من البلاد النازحة للقراءة عليه. وتوفى في سنة ٣٤٤ هـ» [١] . إنه لمن العسير علينا أن نقرر إن كان العمراني السرخسي أو الخوارزمي [٢] والد مؤرخنا لندرة المعلومات المتوفرة لدينا عنه أو عنهما، والأعسر من ذلك أن نتبين له شخصية ما في كتابه هذا وأن كل ما نستشف منه في ثنايا كتابه أنه كان مع الخليفة القائم على من يخرج عليه أو يريد به سوءا ولهذا وسم عمرو بن الليث

стр. 10

ب «الخارجي» لأنه حارب الخليفة ولم يستطع كتمان حزنه وغضبه حين خلع الراشد باللَّه فقال: «وجمع السلطان مسعود القضاة والفقهاء وألزمهم أن يشهدوا على الراشد باللَّه بشرب النبيذ ولا والله ما كان واحد منهم قد رآه يشرب الماء فشهدوا خوفا من الصفع وخلعوه بالفسق» وصب غضبه على دبيس بن صدقة حين حارب الخليفة. ومع ذلك فهو لم يتورع من إيراد ما قيل في الخلفاء من هجاء ومنقصة ولم يتعرض للسلاطين البويهيين والسلاجقة حين خلعوا الخلفاء وسملوهم. ويمكن أيضا أن نستشف جانبا آخر من شخصية مؤرخنا وهو أنه كان فقيها يميل إلى أصحاب الفقه من أهل السنة ويطنب في مديح رجالهم كالإمام أحمد بن حنبل والغزالي وأبى إسحاق الشيرازي والتنوخي القاضي وغيرهم، وأنه لم يكن معتزليا أو حنفيا فقد أورد شيئا من محنة الإمام أحمد بن حنبل في خلق القرآن مع المعتصم فقال: «وإنما حث المعتصم على ذلك وحمله على ما فعل أحمد بن أبى دؤاد لأنه كان معتزليا وكان الإمام أحمد- رضوان الله عليه- إمام السنة» فلو كان معتزليا لأعرض عن هذا واستغفر لذنبه إلا أنه لم يستطع كتمان شماتته بابن أبى دؤاد حين فلج ومات ولهذا نستطيع أن نطمئن إلى نعت ابن الكازروني له ب «الشيخ الفقيه» . (مختصر التاريخ ٢٤٤) . إن موقفه المناصر للإمام أحمد ابن حنبل يوحى أن مؤرخنا كان حنبليا أو متحنبلا لأنه مدح الإمام أحمد أكثر من مديحه للإمام أبى حنيفة فعله أظهر هذا الميل إرضاء للوزير عون الدين بن هبيرة الحنبلي وزير المقتفى والمستنجد بل لعله كان متصلا به حين كان مستقرا ببغداد قبل رحيله عن العراق لأن الكتاب على ما يظهر قد كتب في الفترة المحصورة بين سنة ٥٥٥ هـ وهي سنة تولية المستنجد وسنة ٥٦٠ هـ السنة التي توفى فيها الوزير ابن هبيرة. فإن قول ابن العمراني في مقدمة كتابه «إلى أن أختم الكتاب بالأيام المستنجدية» يدل أنه كتبه إذ ذاك والخليفة المستنجد لم يزل بعد حيا لأنه توفى سنة ٥٦٦ هـ. فربما ترك العراق إلى بلد لا نعرفه في أول خلافة

стр. 11

المستنجد لسبب ما نزال نجهله [١] . وفي الكتاب بعض الإشارات إلى مواضع عمرانية كانت قائمة إذ ذاك وذكر نفسه مع واحدة منها مثل سامراء ودار المملكة، وباب دار الخلافة الّذي جاء به المعتصم من عمّورية. ففي كلامه على بناء سامراء وخرابها قال: «وأمر (المعتصم) ببناء المدينة وأسكن العسكر بها وطولها سبعة فراسخ وهي الآن باقية وأبنيتها جديدة إلا أنها خالية. دخلت من باب من أبوابها أول النهار وخرجت من الآخر بعد الظهر فكانت هي منزلنا في ذلك اليوم» . إلا أنه لم يذكر أن كان قد دخلها منحدرا إلى بغداد أو مصعدا منها، ومتى؟ وهذه الإشارة اليتيمة إن لم توضح لنا زمن قدومه إلى العراق أو خروجه منه فإنّها تثبت أن مؤرخنا كان في بغداد، يؤيد هذا قوله في نهاية كتابه «ولبعدى عن العراق» وإنه كان على معرفة ببغداد، فإنه أشار إلى باب دار الخلافة الّذي جاء به المعتصم من عمّورية ونصبه على باب من أبواب دار الخلافة فقال. «وهو إلى الآن موجود» ، وهذه الإشارة أوردها الخطيب البغدادي في تاريخه (٣/ ٣٤٤) فلعله نقلها من تاريخ بغداد وأنه لم يزل حتى أيامه وبعدها لأن ابن الطقطقى المتوفى في حدود سنة ٧٠١ هـ ذكر مثل ذلك (الفخرى ٣١٧) . وفي إشارة أخرى إلى دار المملكة التي بناها عضد الدولة البويهي قال: «وعاد (طغرلبك) ونزل بدار عضد الدولة التي هي اليوم دار المملكة» . وفي إشارة أخرى إلى المدينة التي بناها السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان قال: «وفي سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة أمر السلطان ... أن تبنى المدينة الجديدة

стр. 12

تحت دار المملكة ببغداد ونقل أهل البلد كلهم إليها وحوط عليها سورا محكما هو باق إلى الآن» . وهذه كلها إشارات لا يمكن حصرها بزمن معين وهي إلى ذلك لا تسعفنا في التعرف على شيء من حياته في بغداد. فإن المعروف أن طغرلبك وسّع دار المملكة البويهية التي بناها عضد الدولة فقد جاء في كتاب مناقب بغداد المنسوب لابن الجوزي ما نصه: «فأما دار المملكة المختصة بالسلاطين فإنّها كانت بأعلى المخرّم وكانت دارا لسبكتكين غلام معز الدولة فنقض عضد الدولة أكثرها وأراد أن يعمل ميدانها بستانا ويأتى بماء من الخالص فشق نهرا في وسطها فبلغت النفقة خمسة آلاف ألف درهم غير ما أنفق على أبنية الدار. ولما ورد طغرلبك بغداد في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة عمّر هذه الدار وبنى مدينة عند المخرّم. وتقدم ملك شاه ببناء خانات للباعة هناك وسوق ودروب وبنى الجامع هناك ثم إن دار المملكة خربت فاستجدها بهروز في سنة تسع وخمسمائة وحمل إليها أعيان الدولة الفرش الحسنة والأشياء الرائقة واستدعى القراء والصوفية فقرءوا فيها القرآن ثلاثة أيام متوالية. فلما كانت سنة تسع عشرة وخمسمائة مرت جارية في الليل وبيدها شمعة فوقعت النار في الخيش فاحترقت الدار وكان السلطان على السطح فنزل هاربا إلى سفينة» [١] وأخيرا هدمها الخليفة الناصر لدين الله سنة ٥٨٣ هـ وعفى أثرها ولم يبق إلا الجامع المعروف بجامع ملك شاه ليقطع أطماع طغرل الثالث بن أرسلان شاه السلجوقي الّذي حاول استرداد سلطة السلاجقة على بغداد.

стр. 13

أما الباب الّذي جاء به المعتصم ونصبه على أحد أبواب دار الخلافة فقد أورد الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ: «وهو باق حتى الآن منصوب على أحد أبواب دار الخلافة وهو الباب الملاصق مسجد الجامع في القصر» . وقال ابن الطقطقى: «وهو الآن على أحد أبواب دار الخلافة ويسمى باب العامة» . ودار الخلافة كما جاءت أخبارها عند الخطيب والجهشيارى وياقوت وابن الساعي ومؤلف مناقب بغداد [١] هي القصر الحسنى الّذي كان لجعفر البرمكي الّذي نزل عنه للمأمون ومن ثم صار للحسن بن سهل ثم لابنته بوران فاستنزلها عنه الموفق أو المعتمد أو المعتضد على خلاف. وكان المعتضد أول من نزلها فكثرت حولها العمارات ولم يكن هناك سور حتى سنة ٤٨٨ هـ حين بنى سور لها فأعاد المسترشد باللَّه عمارته في سنة ٥١٧ هـ وجعل للسور أربعة أبواب. وكان عرض السور اثنتين وعشرين ذراعا. وتهدم هذا السور في سنة ٥٥٤ هـ في خلافة المقتفى لأمر الله لازدياد ماء دجلة وانفتاح القورج فأحاط الماء بالسور فانثلمت منه ثلم عجزوا عن سدها فاتسعت فتهدم معظم محال بغداد فتقدم المقتفى بعمل مسناة حول السور فعمل بعضها وتوفى وولى المستنجد فعمل منها قطعة وتوفى فأكملها المستضيء. إن قول المؤرخين: «على أحد أبواب دار الخلافة» يعنون أحد أبواب حريم دار الخلافة قال ياقوت في مادة «حريم» من معجم البلدان: «حريم دار الخلافة ويكون بمقدار ثلث بغداد وهو في وسطها ودور العامة محيطة به وله سور يتحيز به، ابتداؤه من دجلة وانتهاؤه إلى دجلة كهيئة نصف دائرة وله عدة أبواب أولها: من جهة الغرب باب الغربة وهو قرب دجلة جدّا ثم باب سوق التمر وهو باب شاهق البناء أغلق في أول أيام الناصر لدين الله ابن المستضيء واستمر إغلاقه إلى هذه الغاية (يعنى سنة ٦٢٦ هـ) ثم باب البدرية ثم باب النوبي وعنده العتبة التي تقبلها الرسل والملوك

стр. 14

إذا قدموا بغداد. ثم باب العامة وهو باب عمّورية أيضا، ثم يمتد (السور) قرابة ميل ليس فيه باب إلا باب البستان قرب المنظرة التي تنحر تحتها الضحايا، ثم باب المراتب بينه وبين دجلة نحو غلوتى سهم في شرق الحريم. وجميع ما يشتمل عليه هذا السور من دور العامة ومحالها وجامع القصر، وهو الّذي تقام فيه الجمعة ببغداد، يسمى الحريم. وبين هذا الحريم المشتمل على منازل الرعية وخاص دار الخلافة التي لا يشركه فيه أحد سور آخر يشتمل على دور الخلافة وبساتين ومنازل نحو مدينة كبيرة» . وأعاد ياقوت وصفه هذا في كتابه الآخر: «المشترك وضعا والمختلف صقعا» فقال: « ... ثم باب العامة ويقال لها باب عمّورية» [١] . من وصف ياقوت لحريم دار الخلافة يتوضح لدينا أن الباب قد نصب على سور الحريم وليس على أحد أبواب دار الخلافة. وأن دار الخلافة كان لها سور تتحيز به. قال الخطيب البغدادي: «ثم استضاف المعتضد إلى الدار مما جاورها كل ما وسعها به وكبّرها وعمل عليها سورا جمعها به وحصّنها» [٢] . فإذا صح افتراضنا أن ابن العمراني قد نقل هذا الخبر من تاريخ بغداد، فإن الخطيب البغدادي لم يصرح بأن المعتصم جاء بباب عمّورية ونصبه على أحد أبواب دار الخلافة وكل ما قاله: «وجاء ببابها إلى العراق وهو باق حتى الآن منصوب على أحد أبواب دار الخلافة ... » ولا يصح أن ينصبه على سور بنى بعده في زمن المعتضد باللَّه (بويع سنة ٢٧٩ هـ وتوفى سنة ٢٨٩ هـ) ، أو على سور الحريم حيث يوجد باب عمّورية الّذي كان قائما حتى سنة ٤٦٣ هـ[٣] وبعدها. فلعل قول الخطيب «إلى العراق» يعنى «إلى سامراء» ، ثم نقل هذا الباب من سامراء ونصب على أحد أبواب سور حريم دار الخلافة بعد أن انتقل الخلفاء من سامراء إلى بغداد واتّخذوا القصر الحسنى دار الخلافة.

стр. 15

نسخ المخطوطات: لقد عثرت على خمس نسخ مخطوطة من كتاب الإنباء في تاريخ الخلفاء: الأولى: في مكتبة جامعة لايدن وأرقامها.Or.٥٩٥: الثانية: في مجموعة فاتح في مكتبة السليمانية باستانبول وأرقامها: ٤١٨٩. ومنها «ميكروفيلم» في مكتبة جامعة لايدن أرقامه: ١٩٣ بن.A الثالثة: في مجموعة ولى الدين في مكتبة بايزيد العمومية باستانبول وأرقامها: ٢٣٦٠. الرابعة: في المكتبة الوطنية في باريس وأرقامها: ٤٨٤٢ ومنها «ميكروفيلم» في مكتبة جامعة لايدن، أرقامه.A.١٨٥: الخامسة: نسخة عباس العزاوى. وقد آلت أخيرا إلى مكتبه الآثار في المتحف العراقي. وكل هذه النسخ ترجع إلى مصدرين، أو ربما لمصدر واحد لأن كلّا من نسخة باريس ونسخة العزاوى ونسخة ولى الدين انتسخت من نسخة لايدن، وذلك للأسباب الآتية: (١) وردت في نسخة لايدن بعض الكلمات المطموسة بفعل الرطوبة وتلاصق بعض أوراقها في مواضع فلم يظهر من بعض الكلمات إلا جزء منها أو حدثت بعض الأخطاء والتصحيفات فنقلها الناسخ كما رآها، مثلا: (١) جاء في نسخة لايدن: «فإنّي ذاكر في كتابي طرفا من أخبار الدولة القاهرة العباسية فصلا من مناقب ... » . وكانت الكلمة «وفصلا» . (ب) في الورقة ٩ ب جاء: «عضد الدولة فناخسرو أمر أن يبنى» غير معجمة فكتب الناسخ «فباخرو أمر أن يبنى» .

стр. 16

(ج) في الورقة ٢٩ ب ورد البيت الآتي: ما رعى الدهر آل برمك لما ... أن رماهم بكل أمر فضيع ويبدو أن ناسخ نسخة لايدن قد نسي الحرف «أن» وعند المقابلة وضعها فوق الراء والميم من «رماهم» فاختلط الأمر على ناسخ نسخة ولى الدين فكتبها هكذا «لماران ماهم» . (د) في الورقة ١١٦ ب: «وتوفى المقتفى لأمر الله- رضى الله عنه- ... وصلى عليه «رده» ، والأصل «ولده» لأن الكلمة مطموسة بفعل الرطوبة فنقلها ناسخ نسخة ولى الدين دون أن ينتبه إلى نقصانها. (٢) في الورقة ١١٧ أجاء: «....... واستوزر المستنجد باللَّه عون الدين أبو (كذا) المظفر، يحيى بن محمد بن هبيرة وزير أبيه ومات الوزير عون الدين المذكور في جمادى الآخرة سنة ستين وخمسمائة» . فكتب ناسخ نسخة ولى الدين: «.... واستوزر المستنجد باللَّه عون الدين المذكور في جمادى الآخرة سنة ستين وخمسمائة» وقد ترك سطرا كاملا سهوا لأن السطر العاشر والحادي عشر يبدءان بكلمة «عون الدين» ثم استدرك خطأه فضرب على السطر الخطأ. (٣) ودليل آخر وهو أن ورقة كاملة سقطت من نسخة لايدن ولعلها سقطت قبل أن تجلد وتضم أوراقها إلى بعضها وهي تقع بين الورقة ١١٠- ١١١ فلم ينتبه لنقصانها ناسخ نسخة ولى الدين، وقد أضفناها من نسخة فاتح. (٤) إن أحد المتملكين لنسخة لايدن أضاف إلى بعض تراجم الخلفاء مدد خلافتهم بخط ضعيف حديث فنقلها ناسخ نسخة ولى الدين وكأنها من المتن وهي لا توجد في فاتح. وهناك أدلة كثيرة أخرى أضربنا عن إيرادها والنسخة مع كل هذا يشيع فيها التصحيف ويكثر فيها التحريف مما يوحى أن ناسخها كان يجهل العربية كل الجهل

стр. 17

وإن كتب بها. ولذلك نستطيع أن نقول: إن نسخة ولى الدين قد انتسخت من نسخة لا يدن قبل أو في الفترة المحصورة بين سنة ١٠٥٥ هـ/ ١٦٤٥ م- ١٠٧٦ هـ/ ١٦٦٥ م لأن فارنر وصل إلى إستانبول سنة ١٦٤٥ م وتوفى في إستانبول في سنة ١٦٦٥ م وقد كان يشغل منصب القنصل الفخرى لهولندة لدى الباب العالي [١] . أما متى دخلت نسخة لايدن في حوزة فارنر فإننا لا نستطيع أن نعين ذلك لأن فارنر لم يسجل السنة التي حصل فيها على المخطوطة. بيد أننا نعلم أن هذه النسخة وصلت ضمن مجموعته النفيسة من المخطوطات العربية إلى لايدن في سنة ١٦٦٨ م لأنه أوصى بإهدائها إلى الجامعة التي درس فيها أيام شبابه. وفي نسخة ولى الدين يظهر ختم الواقف ولى الدين وهذا نصه: «وقف شيخ الإسلام ولى الدين أفندى بن المرحوم الحاج مصطفى آغا بن المرحوم الحاج حسين آغا سنة ١١٧٥» . فقد دخلت هذه النسخة في حوزة ولى الدين فوقفها بعد مائة سنة من وفاة فارنر ووصول نسخة فارنر إلى لايدن، فعلى هذا ولما قدمنا من أدلة نستطيع أن نقول: إن نسخة ولى الدين قد نسخت من نسخة لايدن في القرن العاشر أو الحادي عشر الهجريّ وليس في القرن السابع كما ورد في نهاية المخطوطة. أما نسخة العزاوى فهي بخط الثلث كتبها عبد الرزاق فليح البغدادي سنة ١٣٦٤ هـ نقلا من نسخة كتبت في ٤ شوال سنة ٦٨٢ هـ (وهذه النسخة هي بالتحقيق نسخة ولى الدين) وعليها تعليقات وشروح للعزاوى- ﵀ وكتب لها مقدمة لا تزيد على ما قاله في مقاله «العمراني وتاريخه» وكان قد أعدها للنشر فلم يتسن له نشرها. أما نسخة باريس فإنّها أيضا نسخة أخرى انتسخت من نسخة ولى الدين

стр. 18

في القرن التاسع عشر كتبها أحد الأتراك لأحد المستشرقين فكثرت فيها التصحيفات وعمّها التحريف، ولهذا أهملنا نسخة ولى الدين وما أخذ منها واقتصرنا على نسختي لايدن وفاتح. وإليك التسلسل النسخى للمخطوطات: أما نسخة فاتح فإنّها تحمل اسم الكتاب ومصنفه «الإنباء في تاريخ الخلفاء، تأليف الشيخ الإمام العالم الع [لامة جمال] الدين محمد بن محمد العمراني» . وتحتوى في أولها على شعر توبة بن الحمير وقد شغل الأوراق ١- ٢٩، وكتاب الإنباء الّذي شغل الأوراق ٣١ أ- ١٦١ ب، وكتبت النسخة بخط الثلث سنة ٦٢١ هـ. أوراقها الأربع الأولى مخرومة ومتهرئة بفعل الرطوبة والإهمال. وهذه النسخة تزيد ورقة كاملة على نسخة لايدن وتنقص عنها ورقة كاملة وتقع الورقة الناقصة فيها بين الورقة ١٠٢ ب- ١٠٣ ب من نسخة لايدن. ولعل أحسن تعليل لحدوث هذا النقص هو أن الناسخ حين انتهى من نسخ الصفحة التي سبقت الورقة الناقصة وبدلا من أن يصفح صفحة واحدة صفح صفحتين دون أن ينتبه إلى ذلك واستمر في النسخ ولم يكلف نفسه عناء مقابلتها لأنه على ما يظهر كان وراقا يمتهن الوراقة لعيشه. أما نسخة لايدن، وهي التي اتخذناها مع نسخة فاتح أصلا في تحقيقنا، فتحتوى على ١١٧ ورقة كتبت بخط واضح جميل يقع بين الثلث والنسخ ويرجع إلى عصر المماليك. وجاء في آخرها ما نصه: «وكان الفراغ منه على يد العبد الفقير إلى الله

стр. 19

أبو بكر بن عبد الله (في الحاشية: عرف بابن الجوخى؟) في الرابع من شهر شوال سنة اثنتين وثمانين وستمائة أحسن الله خاتمتها ورحم من دعا له بالمغفرة» . إضافة إلى اسم الكتاب ومصنفه «كتاب الإنباء في تاريخ الخلفاء، جمع الشيخ العلامة محمد بن على بن محمد العمراني، تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه بحبوحة جنته بمنّه وكرمه آمين» . فإن النسخة تحمل جملة من التمليكات والقراءات أقدمها: «طالع هذا التاريخ المبارك مترحما على مؤلفه وداعيا لمالكه بطول العمر ودوام العزة والارتقاء، فقير عفو الله تعالى عبد الرحمن بن مكية الشافعيّ عفا الله عنه سنة ٩٠٥» . وأهم هذه التمليكات: «سعد وتشرف بتملكه العبد الأحقر الراجي أحمد بن سعدى ابن ناجى بمدينة حلب سنة ٩٣٤» . وقد أضاف هذا التملك في نهاية بعض تراجم الخلفاء المدد التي حكموا فيها وابتدأ هذه الإضافات بترجمة الأمين فكتب: «فكانت خلافته أربع سنين وس ... وثمان أيام ﵀» فنقلها ناسخ نسخة ولى الدين بهذه الصورة: «وكان خلافته أربع سنين ومائة وثمان أيام ﵀» . وهذه الإضافات التي ألحقها بتراجم الخلفاء ونقلها ناسخ ولى الدين لا تظهر في نسخة فاتح. والظاهر أن نسخة لايدن كانت في حلب في بداية القرن العاشر الهجريّ فلعلها انتقلت بعد النصف الأول من القرن العاشر إلى إستانبول وهناك أخذت نسخة ولى الدين منها. وفي نسخة لايدن أيضا بعض الإضافات التي لم ترد في نسخة فاتح فلعلها أضيفت إلى النسخة التي نقلت نسخة لايدن منها فأدرجها الناسخ ظنّا منه أنها من المتن وقد حصرت هذه الإضافات بين عاضدتين، ومثل هذا كثير الحدوث في المخطوطات. لعل المؤرخ ظهير الدين الكازروني، صاحب مختصر التاريخ المتوفى سنة ٦٩٧ هـ، الّذي نشره مصطفى جواد، أول من عرّف بتاريخ العمراني فقال في ترجمة الإمام الهمام الناصر لدين الله العباسي: «ثم إنه جمع كتابا في الأحاديث النبويّة سماه «روح العارفين» وروى عن شيوخه بالإجازة، وقد ذكرتهم في التذييل على ما ألفه

стр. 20

الشيخ الفقيه محمد بن على بن محمد بن العمراني الّذي ابتدأت فيه بأول ولاية المستنجد وختمته بآخر إمامة المستعصم- قدس الله روحه-» [١] . فتعيّن لدينا أن هذا التاريخ هو من تصنيف ابن العمراني وأن ابن الكازروني قد ألّف تذييلا عليه، ولو كان ابن العمراني يحمل نسبة غير «العمراني» كابن المتقّنة أو الخوارزمي مثلا لما أغفله ابن الكازروني. وزاد الأمر توكيدا أن ابن الطقطقى المتوفى في حدود سنة ٧٠١ هـ كان قد نقل منه وذكر اسم «العمراني المؤرخ» صراحة، ومثله فعل الصلاح الصفدي وابن شاكر الكتبي [٢] . ولعل شمس الدين السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ آخر من ذكره من المؤرخين القدماء فقال: «وجمع الجمال محمد بن على العمراني الإنباء في تاريخ الخلفاء وذيل عليه ولده سديد الدين يوسف بن المطهر» [٣] . وقول السخاوي هذا كان موضع خلاف بين العزاوى ومصطفى جواد- رحمهما الله- فإن مصطفى جواد يرى أن قول السخاوي يجب أن يكون هكذا: «وجمع الجمال محمد بن على العمراني الإنباء في تاريخ الخلفاء وذيل عليه ولده (و) سديد الدين يوسف بن المطهر» [٤] . أما العزاوى فيرى أن النص ناقص مبتور وصوابه أن يكون: «وجمع الجمال محمد بن على العمراني ... [والتذبيل لظهير الدين الكازروني إلى آخر أيام المستعصم باللَّه] وذيل عليه ولده سديد الدين يوسف بن الظهير» [٥] . واستطرد العزاوى للتدليل على صحة رأيه هذا فقال: «في أثناء المطالعة لكشف الظنون في مادة (قانون في الطب) عند الكلام على شرح الكليات المسمى توضيحات القانون للسديد الكازروني ... وهو شرح فرغ من تأليفه في ذي الحجة سنة ٧٤٥ هـ ...

стр. 21

فعرفنا السديد وهو الكازروني فانكشف المغلق وإن لم يذكر في الإعلان بالتوبيخ أنه ابن المؤلف للتذييل. وإنما هو سديد الدين يوسف بن الظهير الكازروني ولم يكن ابن المطهر كما جاء مصحفا في الإعلان ... » [١] والعجيب في الأمر أن يستنتج العزاوى كل هذه النتائج من تشابه اللقب بين الاثنين وأن حاجي خليفة لم يذكر من الاسم إلا «السديدي الكازروني» فأنّى يكون هذا؟ قال حاجي خليفة في عرض كلامه على شروح كتاب «موجز القانون في الطب» لابن النفيس المتوفى سنة ٦٧٧ هـ: «ومن شروحه شرح السديدي الكازروني، جمع فيه من القانون وشروحه ... » . وذكر بروكلمان هذا السديد مع شرّاح موجز القانون في الطب (ملحق ١/ ٨٢٥) . وذكر أيضا سديد الدين محمد بن مسعود الكازروني المتوفى سنة ٧٥٨ هـ وذكر له كتبا في المولد النبوي الشريف وغيره وأشار إلى ولده عفيف بن سديد الكازروني وذكر له كتبا أيضا (ملحق ٢/ ٢٦٢) ولذلك استبعد روزنثال أن يكونا المعنيين في قول السخاوي [٢] . أما مصطفى جواد- ﵀ فلم يأتنا بدليل يثبت رأيه هذا كما حاول العزاوى ونرجح أنه أراد سديد الدين يوسف بن زين الدين على بن المطهر الحلي والد جمال الدين الحسن المعروف بالعلامة المتوفى سنة ٧٢٦ هـ. وقد ذكر ابن المطهر هذا كل من ترجم لولده ومنهم من أفرده بترجمة فلم يؤثر عنه أنه كان مشتغلا بغير الفقه الشيعي وكذلك ولده ولو كان له مثل هذا الذيل لما أغفل ولده أو غيره ذكره. وذكره مستوفى في كتب التراجم الشيعية حيث وصف ب «العلم والفقه» قال صاحب منتهى المقال: «يوسف بن على، سديد الدين ابن المطهر الحلي والد العلامة، كان مدرسا فقيها عظيم الشأن وهو من مشايخ ولده وقد أكثر من النقل عنه في كتبه. ولما ورد

стр. 22

نصير الدين الطوسي الحلة وحضر عنده فقهاؤها سأل عن أعلمهم بالأصول فأشاروا إلى سديد الدين وإلى محمد بن جهم» [١] . ورد في مقدمة العزاوى قوله: «إن نسخة السخاوي التي نوهنا بها هي الموجودة في خزانة لايدن» ، وقد سبق له أن قال مثل هذا في مقاله «العمراني وتاريخه» الّذي أشرنا إليه. ولا ندري كيف قرر العزاوى ذلك فإن نسخة لايدن من «الإعلان» نسخة حديثة ترجع إلى القرن الحادي عشر للهجرة وهي ليست بخط السخاوي وإنما بخط «على بن إبراهيم اليماني بلدا الحنفي مذهبا» وهي مثقلة بالتصحيفات والأخطاء. وقد جاء في الورقة ٦٠ ب ما نصه: «وجمع الجمال محمد بن على بن عمر (كذا) العمراني الإنباء في تاريخ الخلفاء وذيل عليه ولده سديد الدين يوسف بن المطهر» [٢] . فلربما كان نص السخاوي بهذه الصورة: «وجمع الجمال محمد بن على بن محمد العمراني الإنباء في تاريخ الخلفاء وذيل عليه الظهير على بن محمد الكازروني من أول خلافة المستنجد إلى آخر أيام المستعصم وذيل عليه ولده سديد الدين يوسف بن الظهير» . فلعل جملة «وذيل عليه» كانت في أحد السطور وتحتها مباشرة الجملة نفسها فأغفل الناسخ سطرا كاملا حين النسخ ومثل هذا يحدث كثيرا، ثم حدث تصحيف في كلمة «الظهير» فصارت «المطهر» وهما قريبتان من بعضهما في الرسم. وبقي هذا الخطأ ينتقل في كل نسخة تنسخ من الإعلان. وهناك نقطة أخرى وهي أنه قد تعين عندنا أن الظهير كان قد ذيل على تاريخ ابن العمراني وأن ابن العمراني كان ولم يزل مجهولا فكيف ولده إن كان له ولد؟ وأحسب أن السخاوي

стр. 23

قد ذكر اسم ظهير الدين الكازروني كاملا في بداية قوله لذلك لم ير ضرورة في إعادة اسمه كاملا مرة أخرى واكتفى بلقبه لأن القارئ عنده علم بهذا اللقب. لقد أرخ ابن العمراني للفترة التي امتدت من البعثة النبويّة إلى أول خلافة المستنجد باللَّه سنة ٥٦٠ هـ وبعدها اعتذر ببعده عن العراق وعدم تحققه مما يؤرخ. وقد حدد ابن العمراني منهجه التاريخي في مقدمته للكتاب فقال: «فإنّي ذاكر في كتابي هذا طرفا من أخبار الدولة العباسية ... وأبتدئ بذكر سيد البشر ... ثم بعده بالأئمة الأربعة ثم من أفضى إليه الأمر بعدهم من بنى أمية إلى أن عاد الحق إلى أهله» . فذكر نسب النبي- ﷺ ومولده وشيئا من سيرته وأولاده وبناته وأزواجه ثم وفاته وذكر مواليه وأعمامه وعماته لاتصالهم بالعباسيين. ثم انتقل إلى الخلفاء الراشدين وإلى من تولى من بنى أمية. والظاهر أنه لا يعترف بخلافتهم لذلك لم يسمهم بالخلافة وإنما بالملوك إلا أنه حين ذكر مدد خلافتهم قال: «وكانت مدة خلافته ... » فلعله فعل ذلك إرضاء للعباسيين. وقد اختصر تراجم الخلفاء من بنى أمية اختصارا مجحفا فلم يحظ واحد منه بأكثر من بضعة أسطر غير عمر من عبد العزيز فقد حظي منه ب ١٩ سطرا. ثم ذكر من بويع له بالخلافة في أيام بنى أمية فتوسع قليلا في حوادث ابن الزبير وخروج الحسين بن على- رضى الله عنهم- ومقتله وروى شيئا مما كان يدور في حلقات القصاص من إسلام سبعمائة راهب على رأس الحسين. ثم انتقل إلى ذكر خلافة بنى العباس وأورد كثيرا من الحوادث التي حدثت أثناء حكمهم حتى انتهى إلى خلافة المستنجد باللَّه. وفي الكتاب ظاهرتان عجيبتان. أولاهما: أن الكتاب، كما يظهر، قد كتبه العمراني من «الذاكرة» فلعله كان في وضع لم يتيسر معه الحصول على مصادر مدونة حين كتب الكتاب. وثانيتهما: أن ابن العمراني وقف طويلا عند بعض الحوادث التي اتخذت شكلا أسطوريا عند العوام من الناس فروى ما كان يتناقله العوام وهو ما نطلق عليه الآن

стр. 24

«الإشاعة» . فإذا أصبح الناس ورأوا جثة الرجل الأول في الدولة جعفر البرمكي مصلوبة على جسرى بغداد فلا بد من تعليل وسبب ولا بد من سبب أكبر من إطلاق سراح علوي دون علم الرشيد وهنا جنح الخيال إلى «الشرف» فربطوا مقتل البرمكي بالعباسة واختلفوا لذلك قصة «رومانتيكية» ترضى الفضول وتشبع التطلع. وابن العمراني لم يختلق هذه الإشاعات وإنما وجد غيره من المؤرخين من روى مثل هذه فنقلها عنهم إلا أنه أضفى على الحادثة شيئا من خياله دون أن يخل بها فجاء أسلوبه سهلا حلوا يغرى القارئ بمتابعته. لا يمكننا أن نقول أن ابن العمراني قد اتبع نظاما معينا يصدق على مؤرخ آخر. ومع هذا فإننا لا نشك في أنه نقل من تاريخ الطبري والأغاني وتاريخ بغداد وغيرها إلا أنه لم يحاول أن يقلد أيّا من هؤلاء في طريقة عرضه وأسلوب روايته. ولا نشك مرة أخرى في أن جزءا كبيرا من هذا التاريخ نقله ابن العمراني من ذاكرته، ولا بأس أن نورد شيئا من ذلك ونقارنه بما سبقه وقد ذكرت الكثير من ذلك في التعليقات. (١) جاء في تاريخ بغداد ١٤/ ١٠ ما نصه: «وبعد أن أنشد إسحاق الموصلي قصيدته للرشيد قال: لا تخف إن شاء الله يا فضل أعطه مائة ألف درهم، للَّه درّ أبيات تأتينا بها ما أحسن فصولها وأثبت أصولها. فقلت: يا أمير المؤمنين كلامك أجود من شعرى، قال: يا فضل أعطه مائة ألف أخرى» . وجاء في كتاب الإنباء، ورقة ٢٣ أ- ٢٣ ب من مخطوطة لايدن ما نصه: «فقال لي: لا كيف للَّه درك وللَّه در أبيات تجيء بها ما أحكم أصولها وأحسن فصولها وأقل فضولها. ثم قال: أعطوا أبا محمد مائة ألف درهم. فقلت: يا أمير المؤمنين يحرم عليّ أخذ الجائزة قال: ولم؟ قلت: لأنك مدحتني بأكثر مما مدحتك فكيف يحلّ لي أخذ الجائزة؟ وكلامك والله أحسن من شعرى. فقال: وهذا الكلام والله منك أحسن من شعرك ومن مدحى لك، أعطوه مائة ألف أخرى» .

стр. 25

(٢) جاء في كتاب الفرج بعد الشدة ١/ ١٤٨ في حكاية رؤيا المعتضد ما نصه: « ... فدنوت منه فسلمت وقلت: من أنت يا عبد الله الصالح؟ قال: أنا عليّ ابن أبى طالب. فقلت: يا أمير المؤمنين ادع لي. قال: إن هذا الأمر صائر إليك فاعتضد باللَّه ﵎ واحفظني في ولدى ... فقلت لغلام كان معى في الحبس لم يكن معى غيره من غلماني: إذا أصبحت فامض وابتع لي فصّا واكتب عليه: أحمد المعتضد باللَّه. قال: ثم أخذت أقطع ضيق صدري في الحبس بتصفح أحوال الدنيا وإعمال فكرى في عمارة الخراب ووجه فتح المنغلق فيها وتعيين العمال للنواحى والأمراء للبلدان ثم أخذت رقعة وكتبت فيها بدرا الحاجب وعبيد الله بن سليمان الوزير وفلان أمير البلد الفلاني. وجاء في كتاب الإنباء ورقة ٦٣ أما نصه: « ... رأيت في منامي وأنا محبوس أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب- ﵇ يقول لي: أمر الخلافة يصل إليك فاعتضد باللَّه وأكرم أولادي. قال: فانتبهت ودعوت الخادم الّذي كان يخدمني في الحبس وأعطيته فص خاتم كان في يدي لأنقش عليه: المعتضد باللَّه أمير المؤمنين، فقال لي: يا سيدي هذه مخاطرة بالنفس من أبيك وعمك، أين نحن من الخلافة؟ وأين الخلافة منا؟ وإنما غاية مأمولنا أن نتخلص من هذا الحبس ونشم الهواء وتسلم لنا نفوسنا. فقلت له: لا تهذ وامض وافعل ما آمرك به فإن أمير المؤمنين عليّا ولّانى الخلافة وهو لقّبنى المعتضد. فمضى وعاد إليّ بعد ساعة والفص معه وعليه مكتوب «المعتضد باللَّه أمير المؤمنين» بأوضح خط وأبينه. فقلت له: اطلب لي دواة وكاغدا فجاءني بهما فجعلت أقسم الدنيا وأرتب الأعمال وأولى العمال والولاة وأصحاب الدواوين ... » . هذه بعض الأمثلة وأمثالها كثير، ونحن بعد هذا كله بين أمرين، إما أن ابن العمراني كان يكتب من ذاكرته وأنه كان يحفظ تواريخ بكاملها، وإنه حين كتب كتابه هذا لم تتيسر له المصادر لينقل منها إلى كتابه أو أنه أخذ هذه الروايات من

стр. 26

رواة غير رواة البغدادي والتنوخي فجاءت بهذه الصورة المختلفة في الألفاظ أو أنه تصرف في نقله من المصادر المتوفرة لديه. إلا أن ابن العمراني نفسه صرّح في نقله رسالة القائم بأمر الله إلى عميد الملك الكندري يخوله فيها أن يكون الوكيل في تزويج أخته أو ابنته من طغرلبك فقال بعد أن أورد قسما منها: «وبعد هذا كلام لم يحضرني الآن» . كل هذا وغيره مما يوحى أنه كان يكتب من ذاكرته وليس من نص مكتوب. وهناك أدلة أخرى تؤيد زعمنا هذا وتظهر في الأخطاء التاريخية الواردة في بعض الأخبار التي رواها ومنها: (١) وقوع اضطراب في التسلسل التاريخي لمقتل كل من الحسين بن عليّ- رضى الله عنه- وعبيد الله بن زياد والمختار بن أبى عبيد ومصعب بن الزبير، فلو كان ينقل من مصدر مدوّن لما وقع في مثل هذا الخطأ. (انظر التعليقات رقم: ٥٠) . (٢) اسم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب الّذي جاء عنده «عبد العزيز» ولما كان الكازروني ينقل من الإنباء فقد وقع في الخطأ نفسه (مختصر التاريخ صفحة ١١٠) . (التعليقات رقم ٥٤، ٦٨) . (٣) في حكاية مقتل جعفر البرمكي قال: « ... ومضى وأنا معه وعبرنا الجسر حتى انتهينا إلى دار الخلافة فدخل من باب الشط ... » فإن المعروف أن جعفر البرمكي قتل بالأنبار بدير العمر وحملت جثته وصلبت على جسور بغداد. (انظر التعليقات رقم: ١٥٤) . (٤) وجاء في ترجمة المهدي: «وسافر المهدي إلى الجبال في سنة ثمان وستين ومائة ووصل إلى ماسبذان واستطاب المكان ... ونفذ إلى أم ولده الخيزران فاستدعاها فقدمت عليه ... فلما كان اليوم الثالث من قدومها حكى على بن يقطين قال: اليوم أكل المهدي وأكلنا معه ثم قال لي: أريد أن أنام ساعة فلا تنبهونى حتى أنتبه لنفسي ومضى ونام ونمنا فانتبهنا بصوت بكائه فجئناه وقلنا: ما أصابك يا أمير المؤمنين؟ قال: بينا أنا نائم إذ رأيت شيخا ... » . فإن ابن العمراني قد خلط بين

стр. 27

رؤيا المهدي التي رآها في قصره بالرصافة وبين موته في ماسبذان. فقد نقل رواية على ابن يقطين التي أوردها اليعقوبي والطبري والخطيب البغدادي وأجمعوا على أنها حدثت في قصره بالرصافة فربطها ابن العمراني بموته ولم يكتف بل أكّد حدوثها بماسبذان فقال: «وما لبث بعد ذلك إلا ثلاثة أيام ... » . فلو كان ينقل من نص مكتوب لما وقع في مثل هذه الأخطاء. (انظر: رقم ١٠٨ من التعليقات) . (٥) في موت القاسم بن الرشيد قال: «ومات القاسم في حياة الرشيد» ، فإن القاسم لم يمت في حياة الرشيد وإنما توفى سنة ثمان ومائتين (انظر: رقم ١٤٥ من التعليقات) . وهناك أدلة مثل هذه تجدها في ثنايا التعليقات الملحقة بالكتاب أشرت إلى مواضعها. والظاهرة الأخرى في الكتاب هي شغف ابن العمراني الشديد في رواية ما يدور من قصص اتخذت شكلا أسطوريا عند العوام ففي روايته حوادث قتل الحسين بن على- رضى الله عنهما- أورد رواية أبى مخنف لوط بن يحيى ثم زاد عليها وعلى رواية الطبري المختصرة ولا بأس أن نورد هذه الروايات لنرى مدى التوسع الّذي طرأ على هذه القصة وغيرها: قال الطبري في حوادث قتل الحسين: « ... فأقبل به (رأس الحسين) ... فأتى منزله فوضعه تحت إجانة في منزله ... فقالت زوجته: فو الله ما زلت انظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الإجانة ورأيت طيرا بيضا ترفرف حولها» (حوادث سنة ٦١) . وقال أبو مخنف: «فلما جن الليل رفعوا رأس الحسين إلى جانب الصومعة فلما عسعس الليل سمع الراهب دويّا كدوىّ الرعد وتسبيحا وتقديسا واستأنس من أنوار ساطعة فأطلع الراهب رأسه من الصومعة فنظر إلى رأس الحسين وإذا هو يسطع نورا إلى عنان السماء ونظر إلى باب قد فتح من السماء والملائكة ينزلون كتائب ويقولون: السلام عليك يا ابن بنت رسول الله، السلام عليك يا أبا عبد الله، فجزع الراهب جزعا

стр. 28

شديدا، فلما أصبحوا ... » وتستمر الرواية التي نسبت إلى أبى مخنف حتى تنتهي بإسلام الراهب على رأس الحسين [١] . وقال ابن العمراني: « ... فاحتز رأسه ووضعه في مخلاة فيها تبن وحمله إلى عبيد الله بن زياد فنفذه عبيد الله على هيئته تلك إلى يزيد ... فلما كان الرسول في بعض الطريق وأجنّه الليل عدل إلى دير فيه رهبان فبات فيه. فحين انتصف الليل قام بعض الرهبان لشأنه فرأى عمودا من نور متصلا بين تلك المخلاة وبين السماء فتقدم إلى المخلاة وفتشها فوجد الرأس فيها فقال: لا شك أن هذا رأس المقتول بكربلاء فمضى وأخبر بقية الرهبان. فحين جاءوا ورأوا تلك الصورة أسلموا كلهم على الرأس وجعلوا الدير مسجدا وكانوا سبع مائة راهب» . لقد خلط ابن العمراني بين رواية الطبري ورواية أبى مخنف وزاد عليهما ولعل هذه الزيادة ليست من صنعه فلعله روى ما سمع، وليس غريبا أن يصبح الراهب الواحد سبعمائة راهب لأن عنصر إثارة الرغبة في القارئ كان مقصودا ومتعمدا. وإن عنصر المبالغة ليس جديدا في قصة يتداولها العوام ويرويها القصاص في المساجد والطرقات. ولا بأس أن نروى مثل هذه المبالغة في خبر آخر: قال الخطيب البغدادي: «حدثنا ... بن يحيى بن معاذ عن أبيه قال: كنت أنا ويحيى بن أكثم نسير مع المعتصم وهو يريد بلاد الروم، قال: فمررنا براهب في صومعته فوقفنا عليه وقلنا: أيها الراهب، أترى هذا الملك يدخل عمّورية؟ فقال: لا، إنما يدخلها ملك أكثر أصحابه أولاد زنا. قال: فأتينا المعتصم فأخبرناه فقال: أنا والله صاحبها، أكثر جندي أولاد زنا إنما هم أتراك وأعاجم» (تاريخ بغداد ٣/ ٣٤٤- ٣٤٥) . وروى ابن العمراني: « ... واجتاز بين أنقرة وعمّورية بدير وعلى سطح الدير راهب قد أتت عليه السنون فكلمه وهو لا يعرفه فقال له: يا راهب كم أتى عليك من

стр. 29

العمر؟ قال: رأيت المسيح بن مريم. فقال له المعتصم: هل وجدت في كتب الملاحم التي تكون عندكم أن مدينة عمّورية يفتحها أحد من المسلمين؟ قال: حيث كتبت الملاحم ما كان أحد من المسلمين وإنما رأيت في كتب الملاحم أنه لا يفتحها إلا أولاد الزنا. فقال المعتصم: الله أكبر عسكري كلهم الأغلب عليهم الأتراك والأتراك كلهم أولاد الزنا.» . فقد تحول الراهب الواحد عند أبى مخنف إلى سبع مائة عند ابن العمراني ويحيى ابن معاذ ويحيى بن أكثم أبدلهم ابن العمراني بالمعتصم ليزيد استهواء القارئ وإلا فمن غير المقبول عقلا أن يرى راهب يعيش في زمن المعتصم- المسيح بن مريم وبينهما أكثر من ٨٠٠ سنة. من كل هذا يمكننا أن نقول إن ابن العمراني قد كتب تاريخه هذا للعوام من الناس وسوقتها فضلا عن خواصها وإنه كان متأثرا، إن لم يكن مشاركا، بحلقات القصاص التي توسعت في عصره إلى درجة كبيرة مما اضطر معها ابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ أن يكتب كتابه «القصاص والمذكرين» للتفريق بين القاص والواعظ والمذكر فقال: «إن عموم القصاص لا يتحرون الصواب ولا يحترزون من الخطأ لقلة علمهم وتقواهم» [١] . فمما لا ريب فيه أن ابن العمراني قد روى ما سمعه من أفواه العوام، وهنا تكمن أهمية هذا الكتاب لأن ابن العمراني كان أمينا في نقل ما كان يدور على ألسنة العوام من الناس وهو بهذا حفظ لنا تفسيرهم لبعض الحوادث التاريخية التي رواها المؤرخون بشكل آخر، فالكتاب كتاب تاريخ «فولكاورى» وسياسى معا. وهو بعد هذا كتاب تاريخ وأدب وسياسة رواه مصنفه بأسلوب فصيح سلس فيه عذوبة وخلابة تقرب كل القرب من لغة متأدبي كتاب الدواوين وهو إلى ذلك ينقل لنا كثيرا من الألفاظ البغدادية الأصيلة التي ما تزال تجرى على ألسنة الظرفاء والمتظرفين من متأدبي بغداد لما فيها من حلاوة في الأدب وطرافة في النكتة وإن كانت لا تخلو من الأدب «المكشوف» .

стр. 30

ولم يقتصر مؤرخنا على كتب التاريخ وحدها ينقل منها ما يشاء إلى كتابه بل تعداها إلى كتب النوادر والمتعة كنشوار المحاضرة والفرج بعد الشدة للتنوخى ولطائف المعارف وثمار القلوب للثعالبي ودواوين الشعراء وكتب تراجمهم كطبقات الشعراء لابن المعتز والأغاني لأبى الفرج الأصفهاني وغيرها، وقد أشرت إلى ذلك كله في محال ورودها. ثم أورد في كتابه الحوادث السياسية وما دار من دسائس القواد ورؤساء الجند من الأتراك والديالم وخفايا دار الخلافة بأسلوب المؤرخ الواثق مما يروى، وهو في الوقت نفسه كان يحسب لقارئه حسابا فأشفق من ملله من التاريخ السياسي وسرد حوادث السنين كما فعل الطبري وغيره فأورد له في ثنايا كلامه بعض النكت الأدبية والحكايات التي تدور حول الخلفاء وما قيل من شعر في بعض الوزراء مما يغمزون به، ولم ينس أن يورد أنا شيد العامة أو تعليقاتهم إذا ما شهر وزير منكوب أو خارجي مأسور، كقول صبيان بغداد حين شهر ابن زهمويه: أيا وزير الوزرا ... كذا تقاد الأسرا أو غناء العامة في أسواق بغداد حين أخفق رسول الخليفة سديد الدولة ابن الأنباري في دفع السلطان محمود بن ملك شاه من دخول بغداد: يا جلال الدين ذا شرح يطول ... وابن الأنباري فما يرجع رسول والقرايا كلها صارت تلول ... تزرع الكر وتحصد كارتين فإن في هذا الغناء من الهجاء الدفين ما لا يخفى على اللبيب. أورد كل ذلك ليطرد السأم عن قارئه وليغريه بالمتابعة، لهذا لا يحسّ القارئ معه بغرابة لما يورد أو نبوّ لما يروى في مكانه. ومع هذا كله فالكتاب ليس كتابا في النوادر كما شاء دى خويه، مصنف فهرس المخطوطات العربية القديم في لايدن، أن يسميه وتبعه بروكلمان ومنه نقل هلموت رتر هذه التسمية وأضاف: «ومن الكتب التي تعنى بالنوادر أكثر مما تعنى بسرد الوقائع التاريخية» كتاب الإنباء في تاريخ الخلفاء «الّذي كتبه محمد

стр. 31

العمراني في عهد المستنجد باللَّه الّذي تلا المقتفى في الحكم (٥٥٥ هـ- ٥٦٦ هـ) وتوجد نسخ من هذا الكتاب في مكتبة فاتح تحت رقم ٤١٨٩ ومكتبة ولى الدين تحت رقم ٢٣٦٠. ولم يهتم المؤرخون حتى الآن كثيرا بأمثال هذه الكتب غير أنى أعتقد أنها لا تخلو من فوائد لأنها تعطينا صورة حية عن الحياة (كذا: يعنى للحياة) الاجتماعية في بلاطات الملوك لذلك العهد خلافا لأكثر كتب التاريخ التي لا تعنى إلا بسرد الوقائع السياسية والوفيات فحسب» [١] . من قول رتر هذا نستخلص أنه لم ير الكتاب أو في الأقل لم يقرأه وإنما ردد ما قاله بروكلمان [٢] الّذي نقل هذا القول من فهرس دى خويه [٣] الّذي قال: «إن الكتاب ذو فائدة قليلة» بيد أنه تراجع عن قوله هذا في الفهرس الثاني له حيث قال: «إن للكتاب أهمية كبيرة في التعرف على التاريخ الأموي والعباسي بالرغم من وضوح ميل مصنفه للعباسيين واهتمامه الكثير بالحكايات والنوادر وشعر المجون» [٤] . ونقطة أخرى لا تخلو من فائدة في عرضها وهي أن رتر وأمثاله من المستشرقين يرى «أن تحقيق النصوص التاريخية هو عمل «فيلولوجى» وطريقة هذا العمل تطورت في المائة سنة الأخيرة على أيدي محققي النصوص «الكلاسيكية» اليونانية واللاتينية ... الذين يهتمون في هذه الحلقات بإيضاح المتون وفحص اختلاف روايات المتون واستخراج الصحيح منها ... ولما جاء «الفيلولوجى» العربيّ متأخرا عن «الفيلولوجى الكلاسيكى» كان لا بد له من أن يستقى منه ويتبع الطرق التي كشف هو عنها» (مجلة الأبحاث صفحة ٣٥٩- ٣٦١) .

стр. 32

وعرضت رأى رتر هذا على صديقي شورد فان كوننكزفيلد، أمين قسم المخطوطات العربية في مكتبة جامعة لايدن، فكتب ما يأتى: كلمة «فيلولوجى» معناها: الدراسة العلمية الشاملة لأية لغة، وتشمل إطار بنائها وتطور اشتقاقاتها وتاريخ هذا التطور وعلاقة هذه اللغة بغيرها من اللغات ومدلول هذه العلاقة واختلافه بالنسبة لهذه اللغة أو تلك، وإن تحقيق النصوص ليس عملا «فيلولوجيا» فقط وإن كان جزءا مهما منه، أما إن المحقق (ولا أريد أن استعمل «الفيلولوجى» ) العربيّ جاء متأخرا عن المحقق التقليدي (ولا أقول «الكلاسيكى» ) الغربي ففيه أكثر من سؤال لأن دارسى المخطوطات العربية لا يمكن أن يركنوا إلى رأى رتر هذا لأنه من الخطأ الكبير الظن أن العرب، وبقدر ما يتعلق الأمر بتحقيق المخطوطات، كانوا يتّبعون خطى المحققين الغربيين مع أنهم يفعلون ذلك في وقتنا هذا. فإنه على النقيض من ذلك تماما لأن المشتغلين بالمخطوطات العربية يعرفون جيدا كم كان العرب يعنون بإخراج النصوص الصحيحة الموثوقة الثابتة عناية تفوق ما يفعله محققو اليوم من العرب أو المستشرقين، وإليك أمثلة قليلة من كثيرة تجدها في نفائس مخطوطات لايدن العربية: (١) مخطوطة الألفاظ الكتابية لعبد الرحمن بن عيسى الهمذانيّ (المتوفى سنة ٣٢٠/ ٩٢٢) بخط عالم بغداد موهوب بن أحمد بن محمد بن خضر الجواليقيّ (المتوفى سنة ٥٣٩/ ١١٤٤) والغريب أن هذه النسخة لم تستعمل في الطبعات العديدة للكتاب مع أنها قوبلت وصححت على نسخة بخط ابن خالويه نفسه وعلى نسخة سماها الجواليقي «نسخة أخرى» إضافة إلى ذلك فإن الجواليقيّ قابل هذه النسخة مع النسخة التي نقل منها وأصلح كل خطأ حدث فيها وعلقه في الحاشية وهذا الشيء المعهود والمعروف عند العرب وهو ما يسمى ب «المقابلة» . فإن ما فعل الجواليقيّ قبل ثمانية قرون هو بالضبط ما نفعله الآن، وهذا العمل يدور حول تجميع النسخ المخطوطة لأى كتاب ومقابلتها مع بعضها وبالتالي إخراج نص موثوق صحيح منها. (رقم المخطوطة في لايدن. (OR ١٠٧٠

стр. 33

(٢) مخطوطة كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان (المتوفى سنة ٦٨١/ ١٢٨٢) . الشيء الّذي لا يعرفه كثير من الباحثين هو أن ابن خلكان، وبعد أن أنهى تصنيف الوفيات ودفعها إلى الوراقين، قد احتفظ بنسخة من كتابه هذا فأضاف إليها وأصلح فيها الكثير وقد آلت هذه النسخة أخيرا إلى المتحفة البريطانية (رقمها (Add.٢٥٧٣٥ ومن مقارنة هذه النسخة مع النسخ المخطوطة والمطبوعة منها نجد أن نسخة لندن تحتوى على زيادات كثيرة لا توجد في ما لدينا من بعض نسخ الوفيات. وفي لايدن نسخة من الوفيات تشبه تلك التي في لندن إلا أن إضافات نسخة لايدن كتبت بخط حديث مما يعطينا الدليل على أن العرب كانوا على علم بما نسميه اليوم «نقد النص» وأنهم قد عنوا كثيرا بحفظ النصوص وطريقة إخراج أصح نص منها. وهذه النسخة للأسف الشديد لم تستعمل أيضا في نشر كتاب الوفيات حتى الآن. (رقمها. (Acad.١٩٣ (٣) وهناك دليل آخر أكثر نصوعا وإقناعا وهو «الإجازات» وهذه نراها غالبا ملحقة بالمخطوطات وتعنى أن هذا الكتاب قد قرئ على مصنفه أو راويه فوجده صحيحا فأجاز روايته لغيره وأن هذه الإجازة في حقيقتها ليست كما نسميه اليوم «حقوق الطبع» ولكنها حلقة قوية في سلسلة حلقات نقل النص صحيحا بالرواية (انظر مقال الدكتور صلاح الدين المنجد حول الإجازة) [١] . (٤) من هذه الأمثلة القليلة وأمثالها كثيرة يظهر بوضوح أن العرب قد أوجدوا الأسس والقواعد الأولى لتحقيق النصوص الحديث ولعل أحسن مثال يمكن أن يورد هنا ما نجده في نهاية مخطوطة أشعار الهذليين (رقمها (OR.٥٤٩ فقد ورد ما نصه:

стр. 34

«من أشعار الهذليين عن أبى سعيد السكرى- رحمة الله- والحمد للَّه أولا وآخرا وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما، كنت ابتدأت بكتابة هذا الكتاب منذ مدة طويلة فكتبت المجلد الأول وقرأته على شيخنا أبى منصور ابن الجواليقيّ أمتع الله به ثم تركت وعدت إلى الكتابة والقراءة فكان مدة ذلك بضع عشرة سنة آخرها آخر شعبان سنة تسع وثلاثين وخمس مائة وكتب محمد بن على العتّابيّ» . وفي الزاوية اليسرى من الصفحة كتب: «كتبته من خط السمسمى وقابلت به نسخة الحميدي وبعضه مقابل بنسخة شيخنا (يعنى الجواليقيّ) التي بخط يده وبغيرها من النسخ الموثوق بها فصحت بحمد الله ومنته» . وبعد، أيصح لنا أن نقول: إن المحقق العربيّ جاء متأخرا؟. وكلمة أخيرة: فإن الأرقام المحصورة بين عاضدتين مثل [١ أ] تشير إلى مخطوطة لايدن لأنها أكمل من مخطوطة فاتح وقد استعنت بها على تقويم النص الوارد في نسخة فاتح، أما إذا تعارض النصان فقد اخترت ما رأيته أصوب وأجرى مع المعنى وإنك واجد هذا كله في جريدة اختلاف القراءات.

стр. 35

مصادر الكتاب: ذكر ابن العمراني مصدر بن فقط صراحة من المصادر التي استقى منها أخباره وهما: (أ) كتاب الأوراق للصولي نقل منه خبرين، أولهما لابن المعتز وما جرى له وكان الصولي نفسه حاضرا (خلافة المقتدر ورقة ٧٤ ب) وخبرا آخر للراضى مع الصولي نفسه لأنه كان مؤدب الراضي (انظر: أخبار الراضي والمتقى ٧٧- ٧٨) ، (التعليقات رقم: ٤٥٦) . (ب) كتاب الوزراء الضائع للصولي أيضا (انظر: خلافة المكتفي ٧١ ب) . ويظهر أنه نقل الكثير من كتابي الصولي هذين ومن مصادر أخرى لم يصرح بها ومن المرجح أنه نقل من المصادر الآتية إما مباشرة أو من مصادر نقلت منها: (١) تاريخ اليعقوبي. (٢) تاريخ الطبري. (٣) كتاب الوزراء والكتاب للجهشياريّ. (٤) كتب القاضي التنوخي: الفرج بعد الشدة وكتاب نشوار المحاضرة. (٥) كتاب الأغاني لأبى الفرج الأصفهاني. (٦) كتب الثعالبي: ثمار القلوب ولطائف المعارف. (٧) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي. (٨) صلة تاريخ الطبري لعريب القرطبي، وذلك للتشابه الواضح بين بعض الأخبار الواردة في الإنباء ومثيلاتها في هذه المصادر، ولما كان ابن العمراني متأخرا زمنيا عن كل هؤلاء فإنه من المعقول أن ينقل من كتبهم أو أنهم استقوا جميعا من مصادر مشتركة، إلا أنه من المرجح جدا أن ابن العمراني نقل كثيرا من تاريخ الطبري ونشوار المحاضرة وكتب الصولي، لأن التنوخي والصولي يبرزان في كتاب الإنباء لأن مشربيهما في رواية الحوادث يشبهان مشرب ابن العمراني، وقد أشرت إلى هذا النقل وتشابه الروايات في مواضعها.

стр. 36

ونقل من الإنباء كثير من المؤرخين الذين جاءوا بعده فمنهم من ذكره صراحة وهم: (١) ابن الطقطقى في كتابه الفخرى في الآداب السلطانية فقد ذكر اسم العمراني مرة واحدة ونقل منه كثيرا (انظر صفحة ٢٩٠ طبعة باريس) وانظر التعليقات رقم ١٥٧٠. (٢) الصلاح الصفدي في الوافي بالوفيات ذكره مرة واحدة أيضا (انظر ج ٢/ ٥٣٥) . (٣) ابن شاكر الكتبي نقل من الصفدي ما نقله من تاريخ ابن العمراني (انظر الفوات ٥/ ١٤٥) . ومن المؤرخين من لم يذكر ابن العمراني صراحة ونقلوا من كتاب الإنباء، وهم: (١) العماد الأصفهاني المتوفى سنة ٥٩٧ هـ في كتابه «نصرة الفترة وعصرة القطرة» الّذي اختصره البنداري وسماه زبدة النصرة ونخبة العصرة، نقل نصا طويلا تجده في صفحة ٧٤- ٧٥، وانظر: الإنباء ورقة: ١٠٣ أ- ١٠٣ ب نسخة لايدن، لأن العماد الأصفهاني انتهى من تأليفه سنة ٥٧٩ هـ[١] . (٢) ظهير الدين الكازروني المتوفى سنة ٦٩٧ هـ نقل من كتاب الإنباء نصوصا كثيرة إلى كتابه «مختصر التاريخ» وكتب ذيلا عليه ومن مختصر التاريخ نقل عبد الرحمن سنبط قنيتو الإربلي إلى كتابه خلاصة الذهب المسبوك. (٣) ابن أبى عذيبة المتوفى سنة ٨٥٦ هـ نقل منه كثيرا إلى كتابه «تاريخ دول الأعيان» الّذي لم يزل مخطوطا. انظر: مقالة العزاوى «العمراني وتاريخه» صفحة ٣٦، «ابن أبى عذيبة وتاريخه» صفحة ٣١٦. وكتابه «التعريف بالمؤرخين» صفحة ١٢٩، ٢٤٨. وأصل تاريخ ابن أبى عذيبة المخطوط في بعض خزائن

стр. 37

المخطوطات (انظر: مجلة الهلال ٢٨/ ٦١٧، ٧١٠، ٩٢٦، ٣٠/ ٨٦٢) ومن إحدى هذه النسخ توجد مصورة في مكتبة الآثار ببغداد كانت ملكا للعزاوى. وقد استفاد بعض المستشرقين وغيرهم من مخطوطة لايدن في نشرهم بعض النصوص التاريخية العربية وهم: (١) دى يونك ودى خويه في نشرهم الجزء الثالث من كتاب العيون والحدائق في أخبار الحقائق، المطبوع في لايدن سنة ١٨٦٩، واسم الكتاب كما ظهر لي بعد كشف الورقة الملصقة على صفحة العنوان «تاريخ الخلفاء من كتاب العيون والحدائق ومضمار الحقائق» . (٢) دى يونك في نشره كتاب لطائف المعارف المطبوع في لايدن سنة ١٨٦٧. (٤) دوزى في نشره معجمه المشهور والمطبوع في لايدن سنة ١٨٧٧. (٥) لامانس في مقالة عن زياد بن أبيه. ٤ بن ٩٩ -٢٥٠ and ٦٥٣ -٦٩٣ HLammens ,ZiadibnAbihi ,in ,listudiOrientali بن (٦) [Roma ١٩:٢] P.١ -٤٥ هوتسما في نشره كتاب تاريخ اليعقوبي المطبوع في لايدن سنة ١٨٨٣. (٧) وذكره كل من بروكلمان (ملحق ١/ ٥٨٦) ، وهلموت رتر في مقاله المنشور في مجلة الأبحاث اللبنانية، وفاروق عمر في كتابه «الخلافة العباسية بين سنة ١٣٢- ١٧٠ هجرية والمطبوع في بغداد سنة ١٩٦٩ (باللغة الانكليزية) ص: ٥٠، حيث قال: «إن المؤلف كان تركيا في الأصل لأنه أورد حديثا نبويا في مدح الأتراك لكونهم أنصار العباسيين» ، ولم يفطن إلى أنه وصمهم ب «أولاد الزنا» في حديثه على خلافة المعتصم وفتح عمّورية. وذكر الكتاب ومؤلفه المستشرق كلود كاهن حين وصف بعض المخطوطات التاريخية في مكاتب إستانبول فقال: «كان ابن العمراني يعرف ابن حمدون (يعنى: صاحب التذكرة) وقد اقتبس من الصولي ومن محمد بن عبد الملك الهمذانيّ

стр. 38

(ت ٥٢١) » ، ثم استطرد في وصف مخطوطة فاتح فقال: «إن الأوراق الأولى ممزقة وفي المخطوطة فراغ لسقوط بعض الأوراق بين أبى بكر وعمر بن عبد العزيز» : p ٣٣٧.CI.Cahen ,concernantSyrieI Egypteet بن IaMesopotamie ,EtudesIslamiques ١٩٣٦ لقد اقتبس ابن العمراني فعلا من كتب الصولي كما بيّنا من قبل، أما إنه اقتبس شيئا من تكملة تاريخ الطبري لمحمد بن عبد الملك الهمذانيّ أو إنه كان يعرف ابن حمدون فليس في الكتاب دليل يثبت هذه الدعوى، ومن ثم فإن الأخبار التي رواها بنو حمدون، ندماء الخلفاء، فمروية في أكثر كتب التاريخ والنوادر وقد أشرت في التعليقات إلى مناجم ورودها. أما قول كاهن: «في المخطوطة فراغ بين أبى بكر وعمر بن عبد العزيز» فليس كذلك فإن الناقص من المخطوطة يبدأ من منتصف الكلام على مولده (ص) إلى بداية الكلام على أعمامه ثم من بداية خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى «أنت أحوجتنى..» من خلافة مروان بن الحكم. ثم سقط قسم من خلافة عمر بن عبد العزيز لا يزيد على السطرين والساقط من المخطوطة لا يزيد على ورقتين، إضافة إلى الحروم الكثيرة بفعل الماء والإهمال في الأوراق الأربع الأولى.

стр. 39

الإنباء في تاريخ الخلفاء محمد بن على بن محمّد المعروف بابن العمراني المتوفى سنة ٥٨٠ هجريّة تحقيق وتقديم الدكتور قاسم السّامرائى

стр. 40

[مقدمة] بسم الله الرّحمن الرّحيم اللَّهمّ عونك، يا كريم.. الحمد للَّه المتفرد بالأزلية والقدم، المبدع لكل ما سواه بعد العدم، الّذي لا تحده الصفات، ولا تحويه الجهات، المتفرد بعز جلاله عن مشاركة الأنداد واتخاذ الصاحبة والأولاد، والصلاة على سيد الأمم محمد المبعوث إلى العرب والعجم، وعلى خلفائه الأربعة الراشدين أهل الجود والكرم، وعلى آله وعترته الطاهرين ما اختلفت الأنوار والظلم، وعلى عمّه وصنو أبيه العبّاس بن عبد المطلب أبى الخلفاء الراشدين وجد سيدنا ومولا [نا] [١] «١» المستنجد باللَّه أمير المؤمنين، أعزّ الله بدوام دولته الإسلام والمسلمين وجعل كلمة النبوّة باقية في عقبه إلى يوم الدين. وبعد: فإنّي ذاكر في [كتا] بى هذا طرفا من أخبار الدولة القاهرة العباسية وفصلا من مناقب الدعوة الهادية الهاشمية- وأبتدئ بذكر سيد البشر والشفيع [المشفّع] يوم العرض الأكبر، ثم بعده بالأئمة الأربعة، ثم من أفضى إليه الأمر بعدهم من بنى أميّة إلى أن عاد الحق إلى أهله ورجع إلى من هو أولى به وهم آل النبي- ﵊ وبنو عمّه وورّاث علمه وأمناؤه على وحيه، القائمون بنصرة السنة، والمهديون أهل الرأفة والرحمة [و] نبدأ بمن بدأ [الله بذ] كره وفضّله على سائر خلقه وهو سيّد المرسلين [١ ب] وخاتم النبيين، أبو القاسم محمد- صلوات [الله] عليه وسلامه. وأنا أذكر نسبه ومولده وأزواجه وجواريه ومواليه وخدمه وأعمامه، ثم الخلفاء الراشدين بعده، ثم أنزل على الترتيب إلى أن أختم الكتاب بالأيام المستنجدية أدامها الله تعالى.
следующие страницы →