← История

История · id 12289

الإنباء في تاريخ الخلفاء

ابن العمراني

Полный текст (320 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ونقل من الإنباء كثير من المؤرخين الذين جاءوا بعده فمنهم من ذكره صراحة وهم: (١) ابن الطقطقى في كتابه الفخرى في الآداب السلطانية فقد ذكر اسم العمراني مرة واحدة ونقل منه كثيرا (انظر صفحة ٢٩٠ طبعة باريس) وانظر التعليقات رقم ١٥٧٠. (٢) الصلاح الصفدي في الوافي بالوفيات ذكره مرة واحدة أيضا (انظر ج ٢/ ٥٣٥) . (٣) ابن شاكر الكتبي نقل من الصفدي ما نقله من تاريخ ابن العمراني (انظر الفوات ٥/ ١٤٥) . ومن المؤرخين من لم يذكر ابن العمراني صراحة ونقلوا من كتاب الإنباء، وهم: (١) العماد الأصفهاني المتوفى سنة ٥٩٧ هـ في كتابه «نصرة الفترة وعصرة القطرة» الّذي اختصره البنداري وسماه زبدة النصرة ونخبة العصرة، نقل نصا طويلا تجده في صفحة ٧٤- ٧٥، وانظر: الإنباء ورقة: ١٠٣ أ- ١٠٣ ب نسخة لايدن، لأن العماد الأصفهاني انتهى من تأليفه سنة ٥٧٩ هـ[١] . (٢) ظهير الدين الكازروني المتوفى سنة ٦٩٧ هـ نقل من كتاب الإنباء نصوصا كثيرة إلى كتابه «مختصر التاريخ» وكتب ذيلا عليه ومن مختصر التاريخ نقل عبد الرحمن سنبط قنيتو الإربلي إلى كتابه خلاصة الذهب المسبوك. (٣) ابن أبى عذيبة المتوفى سنة ٨٥٦ هـ نقل منه كثيرا إلى كتابه «تاريخ دول الأعيان» الّذي لم يزل مخطوطا. انظر: مقالة العزاوى «العمراني وتاريخه» صفحة ٣٦، «ابن أبى عذيبة وتاريخه» صفحة ٣١٦. وكتابه «التعريف بالمؤرخين» صفحة ١٢٩، ٢٤٨. وأصل تاريخ ابن أبى عذيبة المخطوط في بعض خزائن

стр. 37

المخطوطات (انظر: مجلة الهلال ٢٨/ ٦١٧، ٧١٠، ٩٢٦، ٣٠/ ٨٦٢) ومن إحدى هذه النسخ توجد مصورة في مكتبة الآثار ببغداد كانت ملكا للعزاوى. وقد استفاد بعض المستشرقين وغيرهم من مخطوطة لايدن في نشرهم بعض النصوص التاريخية العربية وهم: (١) دى يونك ودى خويه في نشرهم الجزء الثالث من كتاب العيون والحدائق في أخبار الحقائق، المطبوع في لايدن سنة ١٨٦٩، واسم الكتاب كما ظهر لي بعد كشف الورقة الملصقة على صفحة العنوان «تاريخ الخلفاء من كتاب العيون والحدائق ومضمار الحقائق» . (٢) دى يونك في نشره كتاب لطائف المعارف المطبوع في لايدن سنة ١٨٦٧. (٤) دوزى في نشره معجمه المشهور والمطبوع في لايدن سنة ١٨٧٧. (٥) لامانس في مقالة عن زياد بن أبيه. ٤ بن ٩٩ -٢٥٠ and ٦٥٣ -٦٩٣ HLammens ,ZiadibnAbihi ,in ,listudiOrientali بن (٦) [Roma ١٩:٢] P.١ -٤٥ هوتسما في نشره كتاب تاريخ اليعقوبي المطبوع في لايدن سنة ١٨٨٣. (٧) وذكره كل من بروكلمان (ملحق ١/ ٥٨٦) ، وهلموت رتر في مقاله المنشور في مجلة الأبحاث اللبنانية، وفاروق عمر في كتابه «الخلافة العباسية بين سنة ١٣٢- ١٧٠ هجرية والمطبوع في بغداد سنة ١٩٦٩ (باللغة الانكليزية) ص: ٥٠، حيث قال: «إن المؤلف كان تركيا في الأصل لأنه أورد حديثا نبويا في مدح الأتراك لكونهم أنصار العباسيين» ، ولم يفطن إلى أنه وصمهم ب «أولاد الزنا» في حديثه على خلافة المعتصم وفتح عمّورية. وذكر الكتاب ومؤلفه المستشرق كلود كاهن حين وصف بعض المخطوطات التاريخية في مكاتب إستانبول فقال: «كان ابن العمراني يعرف ابن حمدون (يعنى: صاحب التذكرة) وقد اقتبس من الصولي ومن محمد بن عبد الملك الهمذانيّ

стр. 38

(ت ٥٢١) » ، ثم استطرد في وصف مخطوطة فاتح فقال: «إن الأوراق الأولى ممزقة وفي المخطوطة فراغ لسقوط بعض الأوراق بين أبى بكر وعمر بن عبد العزيز» : p ٣٣٧.CI.Cahen ,concernantSyrieI Egypteet بن IaMesopotamie ,EtudesIslamiques ١٩٣٦ لقد اقتبس ابن العمراني فعلا من كتب الصولي كما بيّنا من قبل، أما إنه اقتبس شيئا من تكملة تاريخ الطبري لمحمد بن عبد الملك الهمذانيّ أو إنه كان يعرف ابن حمدون فليس في الكتاب دليل يثبت هذه الدعوى، ومن ثم فإن الأخبار التي رواها بنو حمدون، ندماء الخلفاء، فمروية في أكثر كتب التاريخ والنوادر وقد أشرت في التعليقات إلى مناجم ورودها. أما قول كاهن: «في المخطوطة فراغ بين أبى بكر وعمر بن عبد العزيز» فليس كذلك فإن الناقص من المخطوطة يبدأ من منتصف الكلام على مولده (ص) إلى بداية الكلام على أعمامه ثم من بداية خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى «أنت أحوجتنى..» من خلافة مروان بن الحكم. ثم سقط قسم من خلافة عمر بن عبد العزيز لا يزيد على السطرين والساقط من المخطوطة لا يزيد على ورقتين، إضافة إلى الحروم الكثيرة بفعل الماء والإهمال في الأوراق الأربع الأولى.

стр. 39

الإنباء في تاريخ الخلفاء محمد بن على بن محمّد المعروف بابن العمراني المتوفى سنة ٥٨٠ هجريّة تحقيق وتقديم الدكتور قاسم السّامرائى

стр. 40

[مقدمة] بسم الله الرّحمن الرّحيم اللَّهمّ عونك، يا كريم.. الحمد للَّه المتفرد بالأزلية والقدم، المبدع لكل ما سواه بعد العدم، الّذي لا تحده الصفات، ولا تحويه الجهات، المتفرد بعز جلاله عن مشاركة الأنداد واتخاذ الصاحبة والأولاد، والصلاة على سيد الأمم محمد المبعوث إلى العرب والعجم، وعلى خلفائه الأربعة الراشدين أهل الجود والكرم، وعلى آله وعترته الطاهرين ما اختلفت الأنوار والظلم، وعلى عمّه وصنو أبيه العبّاس بن عبد المطلب أبى الخلفاء الراشدين وجد سيدنا ومولا [نا] [١] «١» المستنجد باللَّه أمير المؤمنين، أعزّ الله بدوام دولته الإسلام والمسلمين وجعل كلمة النبوّة باقية في عقبه إلى يوم الدين. وبعد: فإنّي ذاكر في [كتا] بى هذا طرفا من أخبار الدولة القاهرة العباسية وفصلا من مناقب الدعوة الهادية الهاشمية- وأبتدئ بذكر سيد البشر والشفيع [المشفّع] يوم العرض الأكبر، ثم بعده بالأئمة الأربعة، ثم من أفضى إليه الأمر بعدهم من بنى أميّة إلى أن عاد الحق إلى أهله ورجع إلى من هو أولى به وهم آل النبي- ﵊ وبنو عمّه وورّاث علمه وأمناؤه على وحيه، القائمون بنصرة السنة، والمهديون أهل الرأفة والرحمة [و] نبدأ بمن بدأ [الله بذ] كره وفضّله على سائر خلقه وهو سيّد المرسلين [١ ب] وخاتم النبيين، أبو القاسم محمد- صلوات [الله] عليه وسلامه. وأنا أذكر نسبه ومولده وأزواجه وجواريه ومواليه وخدمه وأعمامه، ثم الخلفاء الراشدين بعده، ثم أنزل على الترتيب إلى أن أختم الكتاب بالأيام المستنجدية أدامها الله تعالى.

стр. 41

نسبه «٢» ، صلوات الله عليه وسلامه: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وهذا هو المتفق عليه، وما بعد عدنان فقد اختلفت الروايات فيه فقال الأكثرون: عدنان بن أدّ بن أدد بن الهميسع بن يشجب بن نبت بن سلامان بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم بن آزر بن ناحور ابن أشوع بن [ارغو] بن فالخ بن عابر بن شالخ، وهو هود- ﵇ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن مالك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس- ﵇ ابن يزد بن مهليل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم- ﵇ وكان النبي- ﷺ لا يتجاوز عدنان، ويقول: كذب النسّابون بعده. مولده، صلوات الله وسلامه عليه: ولد عام الفيل، يوم الاثنين لثمان خلون من شهر [٢ أ] ربيع الأول، وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وتزوج آمنة عبد الله بن عبد المطلب فحملت برسول الله- ﷺ يوم الاثنين ومات أبوه وله ثلاث سنين، وكان في حجر جدّه عبد المطلب وأرضعته امرأة من بنى سعد يقال لها حليمة، وبقي عندها في حيّها إلى أن شبّ وسعى فمضى جده عبد المطلب وأخذه منها وردّه إلى مكة. ولما قرب من مكة ضاع منه فتطلبه فوجده تحت شجرة ساجدا نحو الكعبة. فلما أبصره على تلك الحال قال: سيكون لهذا الطفل شأن، ثم أخذه من هناك وردّه إلى أمه، ولما أتت عليه ست سنين ماتت أمه، ولما أتت عليه ثمان سنين وشهران [و] عشرة أيام توفى جده عبد المطلب فرباه عمّه أبو طالب وكان أخا عبد الله لأبويه، وكان يعرف- ﷺ بين العرب بيتيم أبى طالب. وكان أبو طالب به رفيقا ولذلك وعد الله تعالى بتخفيف العذاب عن أبى طالب وعن حاتم الطائي، ذاك لبرّه برسول الله

стр. 42

- ﷺ وهذا لجوده وكرمه «٣» حتى قال رسول الله ﷺ : «إنهما يعذبان في ضحضاح من النار» . ولما أتت عليه اثنتا عشرة سنة وشهران وعشرة أيام ارتحل به أبو طالب تاجرا إلى الشام. فلما نزل تيماء رآه حبر من [رهبان] تيماء يقال له بحيرا الراهب، فقال لأبى طالب: من هذا الغلام الّذي معك؟ [٢ ب] قال: إنه ابن أخى فقال له: أشفيق أنت عليه؟ قال: نعم. قال: فو الله إن قدمت به الشام ليقتلنه اليهود فإنه عدوّ لهم، فوجّه به إلى مكة. فلما أتت عليه خمس وعشرون سنة وشهران وعشرة أيام خطب إلى خديجة نفسها فحضر أبو طالب ومعه عمها «٤» وسائر رؤساء مضر وخطب أبو طالب وتزوجها. وكان ولده منها سبعة: القاسم وبه كان يكنّى، والطاهر وكان أيضا يكنّى أبا الطاهر، والطيب، وفاطمة، وزينب، ورقية، وأم كلثوم. وأتته النبوة وهو في غار حراء وهو ابن أربعين سنة. وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة ثم هاجر إلى المدينة فأقام عندهم عشر سنين. وتوفى صلوات الله عليه وسلامه بالمدينة وقبره بها في المسجد، في حجرة عائشة أم المؤمنين- صلوات الله عليها- ودفن في موضعه الّذي مات فيه وصلى عليه المسلمون أفرادا، وكفّن «٥» في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ولا سراويل «٦» ، وسوى لحده وتولى غسله عليّ والعباس والفضل بن العباس وقثم ابن العباس وأسامة بن زيد مولاه وشقران مولاه، ودخل «٧» قبره عليّ والفضل وقثم وشقران، وسجى ببرد حبرة. ومات ﷺ وله ثلاث وستون سنة، وكان مولده يوم الإثنين، ونبّئ يوم الإثنين لأيام خلت من ربيع الأول، وهاجر يوم الاثنين، ومات يوم الاثنين مستهل ربيع الأول ودفن ليلة الأربعاء وكانت مدة مرضه أربعة [٣ أ] عشر يوما- صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرين الطيبين الأكرمين، صلاة دائمة أبدا سرمدا إلى يوم الدين.

стр. 43

أزواجه- ﷺ -: خديجة، بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ بن كلاب، وهي أول امرأة تزوج بها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، ولم يتزوج في حياتها غيرها، فبقيت عنده قبل الوحي خمس عشرة سنة، وماتت ولرسول الله- ﷺ تسع وأربعون سنة سنة وثمانية أشهر. سودة بنت زمعة «٨» ، بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن النضر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤيّ بن غالب، تزوج بها بعد خديجة. عائشة بنت أبى بكر الصديق «٩» - رضى الله عنهما- لم يتزوج بكرا غيرها، تزوجها بمكة وهي بنت ست سنين وبنى بها بعد الهجرة بسنة وهي بنت تسع سنين، وماتت سنة ثمان وخمسين من الهجرة. حفصة بنت عمر بن الخطاب «١٠» تزوجها قبل الهجرة بسنتين وتوفيت بالمدينة في خلافة عثمان بن عفان. زينب بنت خزيمة «١١» بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد الله بن عبد مناف ابن هلال بن عامر بن صعصعة، وتوفيت في حياة رسول الله- ﷺ . أم سلمة «١٢» ، بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. زينب [٣ ب] بنت جحش «١٣» ، كانت أول نسائه موتا. جويرية بنت الحارث «١٤» بن أبى ضرار، من بنى المصطلق. أم حبيبة بنت أبى سفيان «١٥» صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس. صفية بنت حيىّ بن أخطب «١٦» من بنى النضير، من ولد هارون بن عمران، وهي آخر أمهات المؤمنين موتا. ميمونة بنت الحارث «١٧» ، وهي خالة عبد الله بن العباس. عمرة «١٨» . وكان صداق نسائه- ﷺ خمس مائة درهم ورقا.

стр. 44

أسماء جواريه- ﵇ -: مارية القبطية، وأم أيمن «١٩» ، وكانت حاضنته، وزوجها زيد بن حارثة وهي أم أسامة بن زيد، ورضوى، وسلمى. مواليه «٢٠» ﷺ : زيد، بركة، أسلم، أبو كبشة، أنسة، ثوبان، شقران، يسار، فضالة. أبو مويهبة، سفينة، [أبو] رافع. وخدمه من الأحرار، أنس بن مالك، [هند] وأسماء، ابنتا خارجة. وأما أولاده- ﷺ -: فإنّهم كانوا كلهم من خديجة [و] قد مضى ذكرهم إلا إبراهيم وحده فإنه ابن مارية القبطية. أعمامه، صلوات الله عليه وسلامه -: حمزة سيد الشهداء، أبو لهب واسمه عبد العزّى، ضرار، الزبير، المقوم، الحارث، الغيداق، العباس، أبو طالب، قثم. عماته «٢١» ﷺ : أميمة، أم حكيم وهي البيضاء، برّة، عاتكة، صفية أم الزبير [٤ أ] بن العوام، أروى. الخلفاء الراشدون بعده «٢٢» [فسيدهم وأفضلهم وأعلمهم الّذي قدمه الله ورسوله- ﷺ ] [١] «٢٣» أبو بكر الصديق- رضى الله عنه -: هو أبو بكر، عبد الله بن عثمان بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، بويع له يوم وفاة المصطفى- صلوات الله عليه وسلامه- في سقيفة بنى ساعدة بنص النبي- ﷺ حين قدمه للصلاة، وحين قال: أقيلونى لست بخيركم، قالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، رضيك رسول الله- ﷺ لديننا أفلا نرتضيك لدنيانا؟

стр. 45

وتوفى لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر وعشرة أيام، ومضى سعيدا حميدا. الفاروق- رضى الله عنه -: هو أبو حفص، عمر بن الخطاب بن نفيل ابن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط «٢٤» بن رزاح بن عدىّ بن كعب بن لؤيّ ابن غالب، بويع له بنص الصديق عليه في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، وقتل يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، سنة ثلاث وعشرين من الهجرة وعمره ثلاث وستون سنة «٢٥» . ذو النورين عثمان- رضى الله عنه -: هو أبو عمرو، عثمان بن عفان بن أبى العاص ابن أمية بن عبد شمس بن عبد [٤ ب] مناف، بويع له أول سنة أربع وعشرين، وقتل في يوم الجمعة، ثامن عشر ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وعمره تسعون سنة، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلّا اثنى عشر يوما- رضى الله عنه- «٢٦» . المرتضى، أبو الحسن، على بن أبى طالب- رضى الله عنه -: واسم أبى طالب، عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، بويع له سنة خمس وثلاثين من الهجرة، ولم تصف له الخلافة، فإن وقعة الجمل كانت له مع عائشة بالبصرة سنة ست وثلاثين، وكانت وقعة صفين مع معاوية بن أبى سفيان في سنة سبع وثلاثين، وقتل يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين، وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر. ولده الحسن- رضى الله عنه -: وكنيته أبو محمد، بويع له في سنة أربعين، وبقي له الأمر أربعة أشهر، ثم خلع نفسه وسلم الأمر إلى معاوية بن أبى سفيان. وتوفى الحسن بالمدينة سنة خمسين وكان عمره ثمان وأربعين سنة «٢٧» .

стр. 46

دولة بنى أميّة وأول من تولى الأمر منهم: معاوية بن أبى سفيان: كنيته، أبو عبد الرحمن، بويع له سنة إحدى وأربعين، في جمادى الأولى وكانت مدة خلافته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان يصل الحسن بن عليّ- صلوات الله عليهما- بثمانين ألف دينار [٥ أ] وعائشة- رضوان الله عليها- بمثلها في كل سنة. وتوفى بدمشق في رجب سنة ستين من الهجرة، وعمره ثمانون سنة. ابنه يزيد ، كنيته أبو خالد، بويع له في ربيع الأول سنة إحدى وستين، وتوفى لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين، وكانت خلافته ثلاث سنين تنقص أياما. ابنه معاوية ، كنيته أبو ليلى، وبقي له الأمر أربعين يوما وخلع نفسه ومات. مروان بن الحكم، بن العاص بن أمية ، كنيته أبو عبد الملك، بويع له في ذي القعدة سنة أربع وستين ومات وله ثلاث وستون سنة من العمر، وكان سبب موته «٢٨» أن زوجته كانت أم خالد بن يزيد بن معاوية فجرى بينه وبين خالد يوما كلام فقال له مروان: يا ابن الرطبة، فجاء إلى أمه وبكى وقال: أنت أحوجتنى إلى أن أسمع هذا بتزويجك بعد أبى. فقالت له: يا بنى ما تعود مرة أخرة تسمع منه كلاما جافيا. وفي تلك الليلة قصدت مضجعه ووضعت وسادة على وجهه وقعدت عليها مع عدة من جواريها فلما أحس قال: من أنت؟ قالت: أنا الرطبة واختنق من ساعته، وكانت خلافته أحد عشر شهرا. عبد الملك بن مروان ، كنيته أبو الوليد، وكان يكنّى أبا الذبّان لاجتماع الذبّان على فمه لأنه كان أبخر «٢٩» . بويع له في رمضان سنة خمس [٥ ب] وستين، وتوفى

стр. 47

في يوم الخميس منتصف شوال سنة ست وثمانين، وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وأياما. وسلط الحجاج بن يوسف على العراق والحرمين وخراسان فقتل وفتك وهدم الكعبة ورماها بالمنجنيقات، وصلب عليها عبد الله بن الزبير، وأمه «٣٠» أسماء بنت أبى بكر الصديق، وبقي سنة مصلوبا إلى أن حج عبد الملك بن مروان فوقفت له أسماء بنت أبى بكر الصديق- رضى الله عنها- على الطريق. وقالت له «٣١» : أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فأمر بخطّه وتسليمه إليها. فوضعت عظامه في حجرها وفي الحال حاضت ودرّ لبنها «٣٢» وكان لها من العمر زائدا على السبعين سنة، فلما رأت ذلك من نفسها- رضوان الله عليها- قالت: حنّت إليه مواضعه ودرّت عليه مراضعه. وجرى في أيام عبد الملك بن مروان على يد الحجاج بن يوسف، لعنه الله تعالى، من هتك حرمة الإسلام والمسلمين ما لا فائدة في ذكره. وجملة الأمر أن الحجاج- لعنه الله تعالى- قتل ألف ألف وست مائة ألف مسلم في ولايته، ومات، لا رضى الله عنه وأخزاه، وفي حبسه ثمانية عشر ألف نفس يسقيهم السرجين المداف في بول الحمير، وأراح الله المسلمين منه. وكان مع ذلك فصيحا سخيا، وكان قصير القامة، مشوّه الخلقة أعمش العينين. الوليد بن عبد الملك، [٦ أ] وكنيته أبو العباس، بويع له في المنتصف من شوال سنة ست وثمانين، وتوفى في يوم السبت منتصف جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وكانت مدة خلافته تسع سنين وسبعة أشهر. وفي خلافته مات الحجاج بن يوسف- لا رضى الله عنه-. سليمان بن عبد الملك ، وكنيته أبو أيوب، استخلف يوم وفاة أخيه الوليد. وتوفى لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين، وكانت مدة خلافته سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام «٣٤» . عمر بن عبد العزيز بن مروان ، أبو حفص- رضى الله عنه- كنيته أبو حفص، وهو التقى النقي الصوّام القوّام، بويع له في صفر سنة تسع وتسعين، وكان حسن

стр. 48

السيرة عادلا في الرعية، يعود المرضى، ويشيّع الجنائز ويأخذ مال الله من وجهه ويصرفه في حقه. وكان عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- جده لأمه. وكان قبل خلافته يلبس الحلة بألف دينار ويقول: ما أخشنها، وحين ولى الخلافة كان قميصه وعمامته وجميع ما يكون على بدنه من ثوب واحد خشن وتحته جبّة صوف تلاقى جلده على بدنه ويقول: هذا لمن يموت كثير. وبعد وفاته رئي في المنام وهو على حالة حسنة وعليه ثياب فاخرة وهو جالس في روضة نزهة فقال له الرائي له في المنام: يا أمير المؤمنين قل لي ما أعيده عنك إلى أهلك ورعيتك. فقال له عمر: قل لهم: «لمثل هذا فليعمل العاملون» [٦ ب] ثم تلا بعد ذلك قول الله تعالى: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» . ٢٨: ٨٣ وكان بنو أميّة كلهم يلعنون عليّا- صلوات [الله] عليه وسلامه- على المنبر فمذ ولّى عمر بن عبد العزيز قطع تلك اللعنة وبقيت هذه السنة بعده إلى اليوم «٣٥» . ومات بدير سمعان لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام- رضى الله عنه وقدس روحه-. يزيد بن عبد الملك ، بويع له لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وتوفى يوم الخميس لخمس بقين من شعبان سنة خمس ومائة. فكانت خلافته أربع سنين وشهرا واحدا. هشام بن عبد الملك ، أبو الوليد، ويعرف بهشام الأحول، بويع له بالخلافة في رمضان سنة خمس ومائة وكانت وفاته لعشر خلون من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة، وكانت خلافته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يوما. الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، كنيته أبو العباس، بويع له في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين ومائة. وحين بلغته وفاة هشام كان يقرأ في المصحف فوضعه من يده وقال: هذا فراق بيني وبينك «٣٦» ثم قال: والله لأتلقين هذه النعمة بسكرة قبل الظهر فأخذ رطلا وشربه وثنّى وثلّث حتى سكر ونام، وكان فاجرا [٧ أ] فاسقا

стр. 49

خمّارا قليل الدين جدا، وكان يخطب أيام الجمع وهو سكران إلى أن أراح الله الإسلام والمسلمين منه وقتل في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة، وكانت خلافته سنة واحدة وشهرين وعشرين يوما. الوليد بن عبد الملك ، كنيته أبو خالد، بويع له في مستهل رجب سنة ست وعشرين ومائة وبقي الأمر له خمسة أشهر. إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك ، ويعرف بإبراهيم الناقص «٣٧» ، تولى الخلافة سبعين يوما ومات. مروان بن محمد بن مروان ، كنيته أبو عبد الملك ويعرف بالحمار، وهو آخر ملوك بنى أمية، بويع له في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة، سنة اثنتين وثلاثين ومائة وكانت خلافته خمس سنين وثمانية أشهر ويومين «٣٨» ، وانقرضت أيام بنى أمية. وكان عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن العباس عم السفاح لقيه على الزاب الكبير وكسره واستباح عسكره وقتل أكثرهم وغرق في الزاب من نجا من السيف منهم «٣٩» . ونجا هو بنفسه وقصد نصيبين فأغلق الباب في وجهه فمضى على تلك الحالة إلى دمشق وكانت سرير ملكه وفيها خزائنه وذخائره فأغلق الباب في وجهه فمضى من هناك إلى مصر وحين وصلها بلغه الخبر بأن عبد الله بن عليّ مجدّ في طلبه على أثره [٧ ب] فارتحل منها وأوغل في بلاد المغرب «٤٠» حتى انتهى إلى قرية يقال لها بوصير «٤١» فنزل في دار رئيسها وكان وصوله إليها ضحوة النهار، واتفق أنه انهم قائدا من قواده بأنه يكاتب بنى العباس ويميل إليهم فأمر بسلّ لسانه من قفاه ففعل به ذلك في دار ذلك الرئيس فنزلت سنّورة من الدرجة فرأت اللسان فاختطفته وأكلته، وفي عشية ذلك اليوم وصل عسكر عبد الله بن عليّ إلى تلك القرية ودخلوا الدار التي فيها مروان وسلّوا لسانه من قفاه ورموه على الأرض فجاءت تلك السنّورة بعينها فأخذته وأكلته. ثم بلغهم ما فعل بذلك القائد في صبيحة ذلك اليوم فتعجبوا من ذلك حتى قال واحد

стр. 50

منهم: لو لم يكن من عجائب الزمان إلا أنّا رأينا لسان مروان بن محمد ملك الشرق والغرب في فم هرّة تمضغه لكفانا ذلك «٤٢» . وكان معه خادم يختص به فقدّم ليقتل فقال: لا تقتلوني، فأنا أفتدي نفسي. قالوا: بماذا؟ قال: بميراث النبوة فإنه عندي قيل له: وما ميراث النبوة؟ قال: البردة والقضيب والخاتم فقالوا: أحضره فأحضر ذلك وسلّمه إليهم فخلوا عنه «٤٣» . وحملوا البردة والقضيب والخاتم إلى الكوفة وسلّموها إلى أبى العباس السفّاح، وزال ملك بنى أمية، فسبحان من لا يزول ملكه. ذكر من بويع له بالخلافة في أيامهم «٤٤» أبو عبد الله، الحسين بن عليّ بن أبى طالب- قدس الله روحه- بايعه أهل الكوفة سنة تسع [٨ أ] وخمسين وهاجر إليها في ذي القعدة من سنة إحدى وستين، ونصحه أهل المدينة وقالوا له: تريّث فإن هذا موسم الحاج فإذا وصلوا فاخطب في الناس وادعهم إلى نفسك فيبايعك أهل الموسم ويتذكر بك الناس جدّك وتمضى حينئذ في جملتهم في جماعة ومنعة وسلاح وعدة. فلم يصبر وخرج ومعه سبعون نفرا أكثرهم أولاده وأقاربه وأهل بيته. فلما كان في بعض الطريق لقيه الفرزدق الشاعر فقال له الحسين- كرّم الله وجهه-: يا أبا فراس، كيف تركت الناس وراءك؟ فعلم عن أي شيء يسأله. فقال له: يا ابن بنت رسول الله تركت القلوب معك والسيوف مع بنى أمية. [فقال] : ها إنها لمملوءة كتبا، وأشار إلى حقيبة كانت تحته. ثم وصل يوم عاشوراء من سنة إحدى وستين إلى الطف فتلقاه عبيد الله بن زياد في أربعة آلاف مقاتل «٤٥» ، وعلم أنه ليس له به طاقة فنفذ إليه وقال: أنا معك بين ثلاثة أمور: إما أن تدعني أذهب من حيث جئت، وإما أن تعين لي موضعا آخر أقصده وأعيش به، وإما أن أسلم نفسي إليك نازلا على حكم يزيد بن معاوية فتحملني إليه ليفعل في أمرى ما يشاء. فقال عبيد الله بن زياد: أما

стр. 51

الإفراج لك عن الطريق لتذهب من حيث جئت فلا سبيل إليه، وأما تعيين موضع تقصده فليس ذلك إليّ، وأما نزولك على حكم يزيد فلا والله ما تنزل إلا على حكمي. فقال الحسين- كرم الله وجهه-: الموت تحت ظلال السيوف أحب إليّ من النزول [٨ ب] على حكمك، وتواعدوا للقتال فحين التقى القوم لم يرم أحد من عسكر عبيد الله سهما ولم يسل سيفا. فقال عبيد الله بن زياد: من أتانى برأس الحسين فله الرىّ. فتقدم إليه عمر «٤٦» بن سعد بن أبى وقّاص وقال له: أيها الأمير اكتب لي عهد الرىّ حتى أفعل ما تأمر في الحال فكتب وسلّم إلى عمر فتقدم وانتزع سهما من كنانته ورمى به الحسين فوقع في نحره فسال دمه على صدره ولحيته فأخذ الدم بيده ورمى به إلى فوق وصاح: اللَّهمّ هذا فعالهم بابن بنت نبيّك. ثم تكاثروا عليه وجاء الشمر- لعنه الله- فاحتزّ رأسه ووضعه في مخلاة فيها تبن وحمله إلى عبيد الله بن زياد فنفذه عبيد الله على هيئته تلك إلى يزيد وكان يزيد نازلا على أنطاكية محاصرا لها. فلما كان الرسول في بعض الطريق [و] أجنّه الليل عدل إلى دير فيه رهبان فبات فيه فحين انتصف الليل قام بعض الرهبان لشأنه فرأى عمودا من نور متصلا بين تلك المخلاة وبين السماء «٤٧» فتقدم إلى المخلاة وفتّشها فوجد الرأس فيها فقال: لا شك أن هذا رأس المقتول بكربلاء، فمضى وأخبر بقية الرهبان، فحين جاءوا ورأوا تلك الصورة أسلموا كلّهم على الرأس وجعلوا الدير [مسجدا] وكانوا سبع مائة راهب. ثم لما حمل رأسه إلى يزيد قال: إني كنت أقنع من طاعتكم بدون هذا، لعن الله ابن مرجانة، يعنى عبيد الله، لو كان له في قريش نسب لما فعل مثل هذا الفعل [٩ أ] ثم أمر فغسل بماء الورد دفعات وكفّن في عدة أثواب دبيقية. وكان بحضرة يزيد جماعة من أهل عسقلان فسألوه أن يدفن عندهم فسلّمه إليهم فدفنوه بمدينتهم وبنوا عليه مشهدا وهو إلى الآن يزار من الآفاق ويعرف بمشهد الرأس «٤٨» . ودفن بدنه الشريف المقدس بكربلاء. وفي أيام عضد الدولة فناخسرو أمر أن يبنى عليه مشهد فبنى وهو إلى الآن عامر فيه نحو من ألف دار [و] يعرف بمشهد الحسين «٤٩» .

стр. 52

ومن جملة من بويع له بالخلافة في زمن بنى أمية، أبو بكر، عبد الله بن الزبير ابن العوام بويع له بالخلافة واستولى على الحرمين والعراق والجبال وخراسان ثلاث عشرة سنة ولم يبق في يد عبد الملك سوى الشام ومصر والمغرب إلى أن قتله الحجاج وصلبه على الكعبة على ما سبق شرحه. وكان أخوه مصعب بن الزبير زوج سكينة بنت الحسين أميرا من قبله على العراق إلى أن قتله المختار بن أبى عبيد وحين قتل الحجاج المختار بن [أبى] عبيد. قال شيخ من أهل الكوفة: لقد رأيت عجبا، دخلت إلى قصر الإمارة بالكوفة في يوم قتل الحسين وعبيد الله بن زياد جالس وبين يديه رأس الحسين على ترس ثم طالت المدة حتى دخلت قصر الإمارة بالكوفة فرأيت مصعب بن الزبير جالسا في ذلك الموضع بعينه وهو الرواق وبين يديه رأس عبيد الله بن زياد على ترس ثم بعد مدة يسيرة دخلت إلى ذلك القصر بعينه ورأيت المختار بن [أبى] عبيد [٩ ب] جالسا في ذلك الرواق بعينه وبين يديه رأس مصعب بن الزبير على ترس واليوم دخلت إلى ذلك القصر ورأيت الحجاج جالسا في ذلك الرواق وبين يديه رأس المختار على ترس «٥٠» . ومن جملة من بويع له بالخلافة في أيامهم محمد بن الحنفية والضحاك بن قيس بن خالد وعمرو بن سعيد بن العاص [بن سعيد بن العاص] بن أمية «٥١» . وحين قتله عبد الملك بن مروان قال رجل من أهل الشام: اليوم ضحّى بنو أمية بالكرم كما ضحّوا يوم كربلاء بالدين «٥٢» . ومنهم عبد الرحمن بن الأشعث الكندي ويزيد «٥٣» بن المهلب بن أبى صفرة الأزدي وعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب «٥٤» . ولم يتم لواحد من هؤلاء أمر، إلى أن انتقل الحق إلى أهله ورجع إلى مستحقّه، وأفضت الخلافة إلى من وعد الله ورسوله بها لورثته. فإنه روى في الصحاح عن النبي- ﷺ أنه حين استسقى ليلة الجن أتاه العباس بماء فشربه ثم قال فيه العباس- رضوان الله عليه- يمدحه بأبيات طويلة منها «٥٥» : من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث تخصف الورق

стр. 53

ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا نطفة ولا علق فلما بلغ إلى قوله: وأنت لما ولدت أشرقت ... الأرض وضاءت بنورك الأفق قال النبي- ﷺ : يا عم ألا أصلك!؟ ألا [١٠ أ] أحبوك؟! قال: بلى يا رسول الله، ما أحوجنى إلى ذلك!!. قال: إن الله تعالى افتتح هذا الأمر بى وسيختمه بولدك. وفي رواية أخرى: أن النبي- ﷺ لما نزل عليه جبريل- ﵇ وعليه قباء أسود وعمامة سوداء قال له: ما هذا الزي يا جبريل؟ فقال جبريل: يا محمد يأتى على الناس زمان يعز الله الإسلام بهذا السواد فقال له النبي- ﷺ : رئاستهم ممن تكون؟ فقال له جبريل- ﵇: من ولد عمك العباس. فقال له النبي- ﷺ : فأتباعهم ممن يكونون؟ فقال جبريل- ﵇: أهل المناطق من وراء جيحون، دهاقنة الصغد والترك «٥٦» . وفي يوم الزاب لما التقى عبد الله بن عليّ ومروان الحمار نظر مروان إلى الرايات السود فراعته فالتفت إلى وزيره وقال: هذه والله هي الرايات التي يسلمونها إلى عيسى بن مريم وولّى هاربا وكان يقول في طريقه: أركبت سبعين ألف عربي على سبعين ألف عربي «٥٧» ولكن إذا نفدت المدة لم تنفع العدة. وكان لما أراده الله وقدّره في سابق علمه أن احتاج مروان في تلك الساعة إلى إراقة الماء فهمّ بالنزول فقال له وزيره: بل على سرجك فإنك إن نزلت انكسر العسكر فقال: أو يتحدث عنى بمثل ذلك؟ ونزل. فيقال: مروان باع الدولة ببولة «٥٨» . وانقضت دولتهم.

стр. 54

الدولة العباسيّة القاهرة زادها الله تمكينا وإعزازا إلى يوم القيامة أول من بويع له منهم بالخلافة وهو مستتر خوفا على نفسه [١٠ ب] من بنى أمية: محمد الإمام ، وهو محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس، وكان لعلىّ بن عبد الله ابن العباس ثمانية بنين وهم: محمد وعبد الله وصالح وسليمان وعيسى وداود وإسماعيل وعبد الصمد. وعبد الصمد هو الّذي دخل القبر برواضعه ما سقط له سن بتّه «٥٩» . وحين بويع محمد بالخلافة وانتشر أمره بخراسان وكان واليها نصر بن سيّار من قبل مروان الحمار، كتب إلى مروان: من مبلغ عنى الإمام الّذي ... قام بأمر بيّن ساطع إني نذير لك من دولة ... قام بها ذو رحم قاطع والثوب إن أنهج فيه البلى ... أعيا على ذي الحيلة الصانع كنا نداريها فقد مزقت ... واتسع الخرق على الراقع «٦٠» فحين قرأ مروان الأبيات وقّع إلى عامل الكوفة بتطلب محمد بن على فوجده فقبض عليه ونفذه إلى مروان فبقي في حبسه إلى أن مات، وكان قد قال للداعي وهو أبو مسلم: إن تمّ عليّ أمر فالأمر بعدي إلى ابني إبراهيم. فلما مات دخل أبو مسلم على إبراهيم ابن محمد وهو مستتر بالكوفة فبايعه وبث الدعاة بخراسان ولم يذكر اسمه خيفة من أن يتم عليه ما تمّ على أبيه. وإنما كان الدعاة يدعون إلى الإمام الهادي من آل محمد. ثم إن أصحاب الأخبار بالكوفة رفعوا إلى مروان خبر إبراهيم فنفذ إلى والى الكوفة يأمره بطلبه فتطلبه فوجده في بيت مستترا فأخذه ونفذه إلى دمشق ومات أيضا في حبس مروان [١١ أ] وبقي أبو مسلم متحيّرا لا يدرى ماذا يصنع فدخل الكوفة وإبراهيم بعد حىّ في حبس مروان، واستخبر عن إخوة إبراهيم وهم أبو العبّاس عبد الله

стр. 55

وأبو جعفر عبد الله فدلّه بعض شيعتهم على رجل باقلاني وقال: هو يعرف أحوالهم. فقصد الباقلاني فحين رآه عرف أنه الداعي إلى آل محمد وقال له: أريد وديعتي التي عندك. فقال له الباقلاني: قم معى وتسلّمها وقام من دكانه ومضى معه إلى بيته وأنزله إلى سرداب مظلم وهما فيه فسلّم عليهما وتحدث معهما في أمر الخلافة وأنه إن حدث بالإمام إبراهيم في الحبس حادث فالإمام بعده من يكون؟ فقال أبو العباس: أنا، وقال أبو جعفر: أنا. فقال: الآن بعد ما اختلفتما فلا بدّ من الرجوع إلى الإمام ليعين على أحدكما. وخرج «٦١» من عندهما ومضى راجلا إلى دمشق ووقف لمروان في الميدان يدعو له ويسأله أن يجمع بينه وبين إبراهيم بن محمد. فقال له مروان: وما لك وله؟ فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين إني امرؤ فقير ولى عيال وكان في يدي شيء أعود به على عيالي فدخلت الكوفة بنيّة الحج فأودعته عند إبراهيم بن محمد وهو في حبسك وما أظنه يستحل مالي ولا شك أنه قد سلّمه من إنسان أو وضعه في مكان. وأسأل أمير المؤمنين أن يأمر بالجمع بيني وبينه لأسأله عنه. فقال مروان لبعض حجابه: امض به إلى الحبس واجمع بينه وبين إبراهيم واحفظ ما يجرى بينهما وأعلمنى به. فمضى معه إلى أن دخلا على إبراهيم فسلّم عليه أبو مسلم فرد ﵇ [١١ ب] فقال له أبو مسلم: وديعتي التي أودعتها عندك عند من هي حتى أتسلّمها منه؟ فقال له إبراهيم: وديعتك عند ابن الحارثية وكانت أم السفاح، ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله الحارثية. فقام وخرج ومضى الحاجب وأخبر مروان بما جرى بينهما. ورحل أبو مسلم عن فوره من دمشق فلما كان في بعض الطريق وصلته وفاة إبراهيم في الحبس فجاء حتى قدم الكوفة وقصد دكان الباقلاني ووقف بإزائه فحين رآه عرفه وقام معه وجاء به إلى ذلك السرداب فدخل إليه وهما فيه فعزّاهما عن إبراهيم وقال: أيكما ابن الحارثية؟ فقال أبو جعفر: أخى. وقال أبو العباس: أنا. فقال لأبى العباس: مدّ يدك بايعتك على كتاب الله وسنّة رسول الله وسيرة الشيخين أبى بكر وعمر، قبلت؟ قال: قبلت ذلك. فقال أبو مسلم: يا أبا جعفر بايع أخاك فمدّ إليه يده وبايعه واحتقدها أبو جعفر

стр. 56

على أبى مسلم وكانت هذه أول ما حصل في نفسه منه وأتبعها أبو مسلم بأمور أخرى أكّدت العداوة بينه وبينه حتى كان من أمره ما كان وسيأتي ذكره. وخرج أبو مسلم في يومه من الكوفة ومضى على وجهه إلى خراسان وقد قوى بها أمر المسوّدة جدا وانتشرت الدعوة العبّاسية إلى أن صار في كل بلد من شيعة بنى العباس من يحمل السلاح أضعاف ما فيه من جند مروان فضلا عن العوام والرعاع فتواعدوا على قتل ولاة بنى أمية في سائر بلاد خراسان في يوم واحد. وذلك في مستهل ربيع الآخر سنة [١٢ أ] اثنتين وثلاثين ومائة. فثاروا في ذلك اليوم وقتل أهل كل بلد واليهم وصعدوا بالسواد إلى المنابر وخطبوا للإمام أبى العباس الهادي المهدي من آل محمد ووصل الخبر إلى مروان على البريد من العراق. فكتب إلى أمير الكوفة يأمره بقتل كلّ من يظفر به من ولد العباس فتطلبهم فلم يجد أحدا وأعماه الله عن بيت الباقلاني وذلك لما أراده الله تعالى من نصرة دينه وردّ الحق إلى مستحقّه ومستوجبه. ثم إن المسوّدة بخراسان اجتمعوا في سبعين ألف فارس وسبعين ألف راجل يحملون الرايات السود وذلك بمرو في جمادى الأولى وأبو مسلم قائدهم ومقدمهم. وقصدوا العراق وحين أحسّ بقدومهم أصحاب مروان تهاربوا ودخل أبو مسلم الكوفة في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وقصد دكان الباقلاني على عادته واصطحبا إلى السرداب وهما فيه على ما عهدهما فهنأهما بتمام الأمر وظهر من كان استتر من عمومتهما وجاءوا بأجمعهم إلى الجامع بالكوفة فأخذ أبو مسلم «٦٢» بيد أبى العباس ورقّاه المنبر ثم قال: يا أهل الكوفة ما رقى على منبركم هذا خليفة إلا أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب وهذا الإمام بعده. وصعد عمه داود بن عليّ وأخوه أبو جعفر على أربع درج من المنبر «٦٣» ووقفا هناك. وتكلم داود بن عليّ قبل السفاح «٦٤» وقال: الحمد للَّه والصلاة على نبيّه محمد وآله، إنّا والله ما خرجنا لنبنى [١٢ ب] عندكم قصرا ولا لنحفر في أرضكم نهرا ولا لنسير سيرة الجبابرة، والآن عاد الحق إلى نصابه وطلعت الشمس من مطلعها وأخذ القوس باريها وصار

стр. 57

السهم إلى النزعة ورجع الحق إلى مستقره، إلى أهل بيت نبيكم وورثته أهل الرأفة والرحمة. ثم قام أهل خراسان واحدا واحدا وأهل الكوفة بجملتهم وكل من كان مجاورا للكوفة من البوادي لمبايعة أبى العباس. فيقال إنه وضع يده في يد أربع مائة ألف إنسان. ثم في أثناء ذلك قام أعرابى «٦٥» فأنشد: دونكموها يا بنى هاشم ... فجدّدوا من آيها الطامسا دونكموها فالبسوا تاجها ... لا تعدموا منكم لها لابسا لو خيّر المنبر فرسانه ... ما اختار إلا منكم فارسا والملك لو شوور في ساسة ... ما اختار إلا منكم سائسا ونزل أبو العباس من المنبر وخرج من الجامع إلى المضارب السود التي حملها أبو مسلم من خراسان برسمه وعسكروا بباب الكوفة ثم اشتوروا في قصد الشام وأشار أبو مسلم أن الإمام لا يقصد الشام بنفسه بل ينفذ العسكر ويقيم بموضعه إلى إن يقيّض الله الفتح على أيدي أوليائه. وكان الرأى ما أشار به. ثم اشتوروا فيمن يكون مقدما على الجيش فقال أبو العباس «٦٦» : من لها فداه أبى وأمى؟ فقال عمه عبد الله ابن عليّ: أنا لها يا أمير المؤمنين. فشكره على ذلك، واستحسن الجماعة ذلك منه. وسار عبد الله بن عليّ في سبعين ألف [١٣ أ] فارس وراجل ولقي مروان على الزاب وكان من الأمر ما قدمنا ذكره. ثم إن أبا العباس بقي في الخلافة أربع سنين وستة أشهر.

стр. 58

[خلافة] السفاح هو أبو العباس، عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس. بويع له في سنة اثنتين وثلاثين ومائة في جمادى الآخرة وتوفى في أول ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة. وكان وزيره أبو سلمة الخلال، وقائد جيشه أبو مسلم، وكان على شرطته عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي، وعلى قضائه عبد الرحمن بن أبى ليلى، وحاجبه أبو غسّان، صالح بن الهيثم. وأبو سلمة الخلال قتل في أيامه. وإنما أبو مسلم دسّ عليه من قتله لأنه جرى بينه وبين أبى مسلم ملاحاة في أمر من الأمور فقال له أبو مسلم: هذه الدولة أنا أظهرتها فإن لزمت معى ما يلزمه التابع للمتبوع وإلا أعدتها فاطمية «٦٧» . ثم ندم أبو مسلم على ما بدر منه وخاف أن يوصله أبو سلمة إلى سمع السفاح. وكان أبو سلمة يسمر عند السفاح إلى هزيع من الليل فأوقف له أبو مسلم جماعة تحت ساباط وبأيديهم السيوف فلما عبر هناك قطعوه إربا وفيه يقول القائل: إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا ولما مات السفاح صلى عليه عمه عيسى بن عليّ ودفن بالموضع الّذي مات فيه بالأنبار وسنّه أربع وثلاثون سنة. وكان آخر ما [١٣ ب] تكلم به: «إليك يا رب لا إلى النار» . وكان نقش خاتمه: «الله ثقة عبد الله وبه يؤمن» .

стр. 59

خلافة أمير المؤمنين المنصور هو أبو جعفر، عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وأمه أم ولد يقال لها سلامة البريرية. وكان يعرف بعبد الله الطويل. وكان مولده بإيذج من أعمال خوزستان فإن أباه كان قصد عبد الله بن معاوية [بن عبد الله] بن جعفر بن أبى طالب وهو وال على أصفهان من قبل بنى أمية «٦٨» ليستميحه ومعه أمه فولد هناك «٦٩» . ووصل إليه الخبر بوفاة أخيه السفاح وهو عائد من مكة وأمير الحاج أبو مسلم وكان ضميمة إلى أبى مسلم وكان إذا دخل على أبى مسلم لا ينهض له ولا يوفيه حق كرامته. وكان الخبر بموت أبى العباس وصل إلى أبى مسلم أولا فاستشعر من أبى جعفر لأنه ولى العهد فتقدم قبله إلى صوب العراق وكاتبه من الطريق يخبره بوفاة أخيه وكان عنوان الكتاب: «من أبى مسلم إلى أبى جعفر» ولم يخاطبه فيه بالخلافة فاحتقد المنصور هذه الأشياء عليه. وكان المنصور عالما عاقلا راويا للأحاديث أديبا شاعرا. وكان يقول: إذا مدّ عدوّك إليك يده فاقطعها فإن لم تقدر على قطعها فقبّلها «٧٠» . وكان يقول: لا يقوم الملك إلا بأربع كما لا يقوم هذا السرير إلا بقوائمه الأربع. قيل له: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: قاض لا تأخذه في الله لومة لائم، وصاحب شرطة ينتصف للضعيف من القوى [١٤ أ] ، وصاحب خراج يستوفي لي ولا يظلم الرعية فإنّي مستغن عن ظلمهم، ثم قال: آه ومن لي بالرابع وهو صاحب بريد يعرّفنى أخبار هؤلاء على الصحة «٧١» . وحكى «٧٢» المنصور قبل وصول الأمر إلى بنى العباس قال: «رأيت في نومي أيام حداثتي كأنّا حول الكعبة، أنا وأخى أبو العباس وعمى عبد الله بن عليّ وإذا مناد ينادى من داخل الكعبة بصوت عال: أبو العباس! فقام أخى ودخل ثم خرج وبيده لواء أسود إلا أنه كان قصيرا على قناة قصيرة ومضى. ثم نودي: أبو جعفر! فنهضت أنا وقام عبد الله عمى ورائي فلما وصلت إلى باب الكعبة تقدم ليدخل قبلي فدفعته عن الدرجة فسقط إلى أسفل ودخلت الكعبة فإذا رسول الله- ﷺ -

стр. 60

جالس فسلمت عليه فردّ عليّ وعقد لي بيده لواء أسود طويلا وقال: خذ هذا بيدك حتى تقاتل به الدجال. قال: فأخذته وخرجت فوجدت أخى أبا العباس واقفا ينتظرني. فذرعت لوائى فكان اثنين وعشرين ذراعا وذرعت لواءه فكان أربعة أذرع» . وكان هذا المنام شبيها بالوحي فإن عدد الأذرع كانت عدد سنى الخلافة. وعبد الله بن عليّ طلب الخلافة ولم يصل إليها فإنه خرج على المنصور بالشام ونفذ المنصور إليه أبا مسلم فكسره وأسره وجاء به إلى المنصور فمات في حبسه «٧٣» . وكان المنصور قد بايع بالخلافة بعده لابن أخيه عيسى بن موسى فلما ولد له المهدي أحب أن يكون الأمر في [١٤ ب] ولده فسأله خلع نفسه وبذل له على ذلك مالا جليلا فلم يفعل فاحتال عليه بحيلة وما تمت «٧٤» ، وذلك أن عبد الله بن عليّ عم المنصور لما جاء به أبو مسلم أسيرا دعا المنصور عيسى بن موسى وقال له: كيف موضع السر منك؟ قال: كما تحب، قال: فإنّي أسرّ إليك أمرا، قال: قل ما بدا لك، قال: أنت ولىّ عهدي وقد علمت ما كان من أمر عمى عبد الله بن على وتسمّيه بالخلافة وإن ذلك لو تمّ له ما جعل العهد فيك بعده بل لأولاده وقد عوّلت على إهلاكه. فقال له عيسى بن موسى: الصواب ما تراه. فقال له المنصور: وأريد أن تتولى أنت قتله. قال عيسى: أفعل ما تأمرنى به. فسلّمه إليه فأخذه وحمله معه إلى بيته وفكّر في نفسه «٧٥» وقال: والله ما أراد المنصور إلا أن أقتل عبد الله بن عليّ ثم يطالبني به فإذا ذكرت له: إنك أمرتنى بقتله كذّبني وتبرأ من ذلك وسلّمني إلى إخوته فقتلوني به والصواب أن أحتفظ به لأنظر ما يكون، فأكرمه وأحتفظ به وأخبر المنصور بأنى قد قتلته. فلما كان بعد ذلك بأيام دسّ المنصور إلى عمومته من يجسّرهم على السؤال في أخيهم واستيهاب دمه من المنصور. وجلس جلوسا عاما ودخل عليه عمومته بأسرهم يسألونه في أخيهم فقال: قد وهبته لكم. ثم التفت إلى عيسى بن موسى وكان حاضرا وقال: سلّمه إليهم. فقال عيسى: يا أمير المؤمنين ألست أمرتنى بقتله؟ وقد قتلته. قال له المنصور: أو قتلته؟ قال: نعم. فالتفت إليهم وقال: إنما سلّمته إليه [١٥ أ] ليحفظه عنده لا ليقتله فدونكم وإياه فاطلبوه منه

стр. 61

أو خذوا بثأره فتمسكوا به وسحبوه من بين يدي المنصور إلى أن أخرجوه إلى الرحبة وشهروا السيوف لقتله فقال لهم: يا قوم لا تعجلوا فإن أخاكم حىّ يرزق فصيروا إلى منزلي حتى أسلّمه إليكم. فساروا معه إلى منزله وتسلّموه منه وعرفوا حقيقة الحال في أمره وبطلت حيلة المنصور. ثم قبض عليه بعد ذلك وحبسه في بيت فسقط عليه البيت فمات «٧٦» . وفي سنة خمس وأربعين ومائة شخص المنصور إلى بيت المقدس فصلى فيه وعاد. وفي هذه السنة خرج «٧٧» محمد بن عبد الله بن حسن بن عليّ بالمدينة وادعى الخلافة وقتل أميرها رباح بن عثمان ونفذ إليه المنصور عيسى بن موسى فحاربه وهزمه وقتله وجاء برأسه إلى المنصور وبسلبه وكان في جملة سلبه ذو الفقار. فحين رآه المنصور طار فرحا وكان عرضه ثلاثة أشبار ونيفا وعدّوا فقره فكانت ستا وثلاثين فقرة من الجانبين، من كل جانب ثماني عشرة. وبعد قتله خرج أخوه إبراهيم بن عبد الله بالكوفة فنفذ إليه المنصور عيسى بن موسى فلقيه بقرية تعرف بباخمرى «٧٨» وكسره وأسره وقتله وجاء برأسه إلى المنصور. وفي سنة سبع وأربعين [ومائة] طلب المنصور من عيسى بن موسى أن يخلع نفسه «٧٩» عن العهد ويقدم عليه المهدي بن المنصور ويكون ولىّ العهد بعد المهدي فلم يفعل فبذل له عن ذلك ثمانين ألف دينار ومائة [تخت] [١٥ ب] من الديباج الخسروانى وإمارة الكوفة [ففعل] . وكان المنصور قد شغّب عليه الجند فخاف على نفسه منهم فبادر إلى الخلع «٨٠» . وفيه يقول الشاعر «٨١» : كره الموت أبو موسى وقد ... كان في الموت نجاء وكرم خلع الملك وأضحى لابسا ... ثوب ذل لا ترى منه القدم ورحل ومضى إلى عمله فحين دخل الكوفة عارضته امرأة «٨٢» وهي تقول لأخرى: هذا الّذي كان غدا فصار بعد غد «٨٣» . وفي هذه السنة حج المنصور بالناس وحين عاد نزل بالأنبار وكان الإمام أبو حنيفة- ﵀ بالكوفة فدعاه وسأله أن يتقلد قضاء القضاء فأبى فقال: لا بد من

стр. 62

أن تعمل لي عملا. فقال أبو حنيفة للمنصور: أما غير القضاء فأفعل ما تشاء. فقال: تتولى لي بناء بغداد فقبل ذلك وانحدر إليها واشتغل بتأسيسها وبناء القصر الّذي يسمى الخلد على دجلة برسم المنصور «٨٤» . واستدعى المنصور أبا مسلم وكان بخراسان وقد بثّ الدعاة في البلاد لنقض ما كان أسّسه من ملك بنى العباس وأراد أن يعيدها فاطمية كما كان في نفسه. فحين وصل إلى الرىّ استشار وزيره في قصد المنصور فقال له: لا تعبر الرىّ فهي حد ولايتك وإذا عبرتها صرت بحكم القوم فما قبل استهانة بالمنصور لأنه قدم من خراسان في أربعين ألف فارس. وبلغه خبر المنصور أنه مقيم بالأنبار في أربعة آلاف وأكثرهم من أتباع أبى مسلم وأجناده وقواده فصمّم على دخول العراق. وحين وصل جسر النهروان قال [١٦ أ] لوزيره: ما ترى من الرأى؟ قال: خلّفت الرأى بالرّي «٨٥» . وقدم على المنصور في أحسن زيّ وعدّة وكان المنصور قد واطأ جماعة من خواصه على قتل أبى مسلم وقال لهم: إذا دخل عليّ أبو مسلم فإنما يكون وحده فإذا رأيتموني قد صفّقت بيديّ فاعلوه بالسيوف. فحين دخل عليه قبّل البساط ووقف وكان متقلدا سيفا. فقال له المنصور: يا أبا مسلم سيفك هذا [يماني] أو هندي؟ قال: بل هندي يا أمير المؤمنين. فقال له المنصور: سلّه من قرابه وهزّه لأراه ففعل ما أمر به. فقال له: يا أبا مسلم ما تقول في من شهر سيفه في وجه إمامه؟ فقال: يقتل به «٨٦» . وفطن أبو مسلم لمراد المنصور إلا أنه ما خطر بباله أنه يقدم على الفتك به مع تلك المنعة وذلك العسكر وخاصة والمنصور من وراء خرقة «٨٧» . ثم ابتدأ المنصور يذكّره بما كان يعامله في أيام أخيه [السفاح] ثم قال له المنصور في جملة ما قال: يا ابن اللخناء ألست الّذي نفذت إليّ تخطب عمتي آمنة بنت عليّ بن عبد الله بن العباس؟ وتزعم أنك كفؤ لها «٨٨» ؟ فقال له أبو مسلم: يا أمير المؤمنين ألست الّذي أظهرت هذه الدولة ومهّدت لكم هذا الأمر؟ فقال له المنصور: يا ابن اللخناء ذاك لما أراد الله تعالى من إظهار

стр. 63

دعوتنا ونصرة [دو] لتنا ورد حقنا إلينا وإلا فلو قامت مقامك أمة سوداء [لأغنت] غناك. ثم صفّق بيده فشهر القوم سيوفهم وقصدوه. فآخر ما سمع منه أنه قال: يا أمير المؤمنين [١٦ ب] استبقني لعدوك. فقال المنصور: وأيّ عدو لي أعدى منك. وعلوه بالسيوف وقطعوه والمنصور ينشد وهو على تلك الحال: زعمت أن الدين لا يقتضي ... فاكتل بما كلت أبا مجرم واشرب كؤوسا كنت تسقى بها ... أمرّ في الحلق من العلقم حتى متى تضمر بغضا لنا ... وأنت في الناس بنا تنتمى «٨٩» ثم أمر المنصور فلفّ في بساط. وكان عيسى بن موسى قد خرج لاستقباله وحين دخل إلى المنصور دخل معه. ثم إن عيسى بن موسى خرج من عند المنصور لبعض شأنه وأبو مسلم هناك وعاد فلم يره، فقال: يا أمير المؤمنين وأين أبو مسلم؟ فقال له المنصور: هو في ذلك البساط ملفوف. فقال عيسى بن موسى: أو فعلتها؟ قال: نعم فعلتها نعم فعلتها نعم فعلتها يكرر ذلك ثلاث مرات وأنشد: إذا همّ ألقى بين عينيه همه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا فقال عيسى: وما عذرنا إلى أهل خراسان؟ وكيف لنا بعذر يقبل الناس باطنه وظاهره، وخاصة وعلى باب السرادق أربعون ألف متسلح ينتظرون خروجه؟ فقال المنصور: يا عيسى إنه كان ما كان وقد كنت أعددت قبل وصوله سبعين بدرة في كل بدرة عشرة آلاف دينار وها هي فخذها واخرج إليهم فانثرها عليهم مع رأسه فإن القوم ما أطاعوه إلا تقرّبا إلينا ومحبة لنا. ففعل ما أمره به ونثر الدنانير عليهم مع رأس أبى مسلم فالتقطوا الدنانير [١٧ أ] وتركوا رأس أبى مسلم يتدحرج على الأرض. ودخل عيسى بن موسى على المنصور وأخبره بذلك، فقام من ساعته وصعد المنبر واجتمع الناس وخطب فقال: معاشر المسلمين، إنه من نازعنا عروة هذا القميص أوطأناه خبء هذا الغمد وإن أبا مسلم بايعنا وبايع لنا على أن من نكث بنا حلّ دمه ثم نكث هو بنا فحكمنا عليه لأنفسنا عليه حكمه على غيره لنا ولم تمنعنا رعاية الحق له

стр. 64

من إقامة الحدّ عليه «٩٠» . وكان أبو مسلم يلقّب بصاحب الدولة واسمه عبد الرحمن، وكان لقيطا رباه رجل من أهل الكوفة. وإنما قيل له أبو مسلم الخراساني لأنه أقام كثيرا بخراسان «٩١» . وحين أفضت الخلافة إلى بنى العباس كان هو والى خراسان. وكان رجلا عاقلا لبيبا حسن التدبير فصيح اللهجة كريما حليما. حكى: أن رجلا دخل عليه وهو بخراسان في زمان إمارته فسأله في حاجة فتوقف، فألحّ عليه وأغلظ له في القول وقال له: يا لقيط. فأطرق أبو مسلم ولم يجبه وندم الرجل على ما بدر منه وخاف على نفسه وأخذ يعتذر ويتنصّل من هفوته. فضحك أبو مسلم إليه وقبل عذره وقال: ما تحتاج إلى هذا الاعتذار كلّه. فقال له: أيها الأمير ما يقرّ قلبي وإني لأخافك على نفسي فأعطنى أمانا أثق إليه. فقال له: يا هذا إذا كنت قد قابلتك بإحسان وأنت مسيء فكيف أقابلك بإساءة وأنت محسن؟ ومن شعر أبى مسلم لما ظهر أمر بنى العباس وانتشر بخراسان [١٧ ب] : أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بنى مروان إذ حشدوا ما زلت أسعى عليهم في ديارهم ... والقوم في غفلة بالشام قد رقدوا حتى علوتهم بالسيف فانتبهوا ... من رقدة لم ينمها بعدهم أحد ومن رعى غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد «٩٢» وفي أول سنة ثمان وخمسين ومائة فرغ الإمام أبو حنيفة من بناء القصر المعروف بالخلد على دجلة وانتقل المنصور إليه «٩٣» . وفي هذه السنة حج المنصور بالناس وكان قبل خروجه قال للمهدي: إني سائر عنك وأرانى غير راجع فاقض عنى ثلاث مائة ألف درهم لا من بيت المال بل من مالك فإن الّذي يصل إليك من الأمر أعظم منها «٩٤» . وكان سبب هذه الوصية أن المنصور رأى في منامه كأن منشدا ينشده «٩٥» : ما أنت معتبر بمن خربت ... منه غداة قضى دساكره

стр. 65

وبمن أذلّ الدهر مصرعه ... فتبرأت منه عشائره وبمن خلت منه أسرّته ... وبمن عفت منه منابره أين الملوك وأين عزّهم ... صاروا مصيرا أنت صائره نل ما بدا لك أن تنال من ... الدنيا فإن الموت آخره وتوفى المنصور في هذه السنة بالمدينة وكان في تلك الليلة التي مات في صبيحتها رأى في نومه كأن ذلك الشخص الّذي رآه في نومه «٩٦» أيضا ببغداد ينشده [١٨ أ] : أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر الله لا شك واقع أبا جعفر هل كاهن أو منجّم ... لك اليوم من حرّ المنية دافع ودفن ببئر ميمون. وكان سنّه يوم مات أربعا وستين سنة، وكانت خلافته اثنتين وعشرين [سنة] . وكان مولده في أيام الوليد بن عبد الملك سنة خمس وتسعين من الهجرة وهو اليوم الّذي مات فيه الحجاج. ووزر له ثلاثة من الوزراء، أولهم خالد بن برمك وكان مجوسيا فأسلم، وكان داهية من الرجال، كافيا فصيحا حسن السيرة، ثم بعده أبو أيوب المورياني «٩٧» ، ثم بعده الربيع حاجبه وكان لقيطا ولذلك قال له المنصور يوما- وقد قال لإنسان يقسم برأس أبيه دفعات-: إلى كم تحلف برأس أبيك يا ربيع؟ أنت معذور فإنك ما ذقت حلاوة الآباء «٩٨» . إلا أنه كان كافيا حسن التدبير منفذا للأمور جلدا في حالتي الحجبة والوزارة. وانقضت أيام المنصور- ﵀.

стр. 66

أمير المؤمنين المهدي هو أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس. بويع له بالخلافة حين وصل الخبر بوفاة المنصور. وأمه أم موسى بنت منصور «٩٩» بن عبد الله الحميري. وكان المنصور أراد قبل موته أن يعقد البيعة بعد المهدي لابنه صالح المعروف بالمسكين. فوجّه إليه المهدي وقال له: يا أمير المؤمنين لا تحملني على قطيعة الرحم، وإن كان لا بدّ لك من إدخال أخى في هذا الأمر فأدخله قبلي [١٨ ب] فإن الأمر إذا صار إليّ أحببت أن لا يخرج عن ولدى كما أحببت حيث صار الأمر إليك أن لا يخرج عنى وبذلت ما بذلته لعيسى بن موسى وهو ابن أخيك حتى خلع نفسه من ولاية العهد بعدك «١٠٠» . فقال المنصور: الأمر كما ذكرت ورجع عن ذلك. وحين جلس المهدي للعزاء ثلاثة أيام على العادة، جلس بعد ذلك جلوسا عاما للهناءة ودخل الناس على طبقاتهم. فحكى «١٠١» بشّار، وكان أعمى، قال: كان إلى جنبي وأنا بالمجلس أشجع السلمي «١٠٢» الشاعر فقلت له: يا أشجع أسمع حسّا وأظنه حسّ أبى العتاهية فقال: هو كما ظننت. فقلت له: أترى يحمله جهله على أن يقوم وينشد في مثل هذا المجلس؟ قال بشّار: فو الله ما استتممت كلامي حتى قام وأنشد شعرا يشبّب بجارية الخليفة، وهو: ألا ما لسيدتى ما لها ... أدلّت فأجمل إدلالها وإلا ففيم تجنّت وما [قد] ... جنيت سقى الله أطلالها فلما بلغ إلى قوله: ألا إن جارية للإمام وقد ... سكن الحسن سربالها وقد أتعب الله قلبي بها ... وأتعب باللوم عذّالها كأن بعيني في أين ... ما نظرت من الأرض تمثالها قلت: يا أشجع هل جروا برجله؟ فقال: لا بعد. قال: فلما بلغ أبو العتاهية إلى قوله [١٩ أ] :

стр. 67

أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها فلم تك تصلح إلا له ... وما كان يصلح إلا لها ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها ولو لم تطعه بنات القلوب ... ما قبل الله أعمالها وكانت يد الجود مغلولة ... ففك الخليفة أغلالها وإن الخليفة من بغض لا إليه ليبغض من قالها قلت: يا أشجع هل طار الخليفة عن دسته؟ قال أشجع: لا ولكنه قد زحف حتى صار على طرف السرير. قال بشار: وأنشدنا بعده كلنا وما أصغى الخليفة إلى إنشادنا، وما خرج في ذلك اليوم منا أحد بجائزة غير أبى العتاهية. وكان المهدي أديبا شاعرا، ومن جملة شعره «١٠٣» ما كتب به إلى الخيزران أم أولاده موسى وهارون وهي بمكة: نحن في أفضل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور عيب ما نحن فيه يا أهل ودّى ... أنكم غيّب ونحن حضور فأجدّوا المسير بل إن قدرتم ... أن تطيروا مع الرياح فطيروا ومن شعره وقد دخل ميدان كسرى بالمدائن في يوم المهرجان: إذا ما كنت في الميدان يوما ... أجوّل في السرور مع الغواني خرجت كأننى كسرى إذا ما ... علاه التاج يوم المهرجان [١] وفي أول خلافته قتل بشار الأعمى لأنه اتهم بالزندقة، فنفاه إلى البصرة فبلغه الخبر أن بشارا عمل في طريقه هذين البيتين [١٩ ب] : خليفة يزني بعمّاته ... يلعب بالتبوك والصولجان أعضه الله ببظر امه ... ودس موسى في حر الخيزران «١٠٤» وأخبر المهدي بعض الثقات أنه رأى بشارا واقفا على باب المهدي والخلائق ينتظرون ركوبه وهو ينشد:

стр. 68

يا قوم لا تطلبوا يوما خليفتكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود «١٠٥» ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الناى والعود فأمر المهدي أن ينحدروا وراءه ويقتلوه، فانحدر إليه مولى للمهدي فلحقه في بعض الطريق في سفينة منحدرا إلى البصرة فحنقه ورماه في الماء. قال أبو عبيدة «١٠٦» : ما رأيت قط أكرم من المهدي ولا أسمح خلقا منه. كان يصلى بنا الصلاة الخمس حين قدم البصرة بالجامع، فأقيمت الصلاة فقال أعرابى: يا أمير المؤمنين لست على طهر وقد رغبت إلى الله تعالى في الصلاة خلفك. فوقف ينتظره إلى أن أقبل. فعجب الناس من كرم طبعه وفرط تواضعه. وسافر المهدي إلى الجبال في سنة ثمان وستين ومائة ووصل إلى ماسبذان واستطاب المكان فأقام به ونفذ إلى أم ولده الخيزران فاستدعاها فقدمت عليه في مائة هودج ملبسة بالوشي والديباج وذلك في المحرم سنة تسع وستين ومائة وبقيت عنده يومين وهو فرح بها وبطيب الموضع وصفاء الزمان من الأكدار. فلما كان اليوم الثالث من قدومها حكى «١٠٧» [على بن يقط] ين قال: اليوم أكل المهدي وأكلنا معه [٢٠ أ] ثم قال لي: أريد أنام ساعة فلا تنبهونى حتى أنتبه لنفسي، ومضى ونام ونمنا فانتبهنا بصوت بكائه فجئناه وقلنا: ما أصابك يا أمير المؤمنين؟ قال: بينا أنا نائم إذ رأيت شيخا «١٠٨» واقفا على باب هذا البهو وهو يقول: كأنى بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه دوره ومنازله وصار عميد القوم من بعد بهجة ... وملك إلى قبر عليه جنادله فلم يبق إلا ذكره وحديثه ... تنادى بويل معولات حلائله قال عليّ بن يقطين: وما لبث بعد ذلك إلا ثلاثة أيام «١٠٩» . وكانت وفاة المهدي بماسبذان في قرية يقال لها الرذ «١١٠» لثمان ليال بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة. فكانت خلافته عشر سنين وشهرا واحدا وستة وعشرين يوما. وكان سنه ثلاثا وأربعين سنة، وصلى عليه ابنه هارون.

стр. 69

وكان المهدي- ﵀ طويلا أسمر اللون تعلوه صفرة. وعادت قباب الخيزران «١١١» وهوادجها كلها إلى بغداد ملبسة بالمسوح. فحين رآها أبو العتاهية قال- رحمه الله تعالى-: رحن في الوشي وأقبلن عليهنّ المسوح ... كل نطّاح على الدهر له يوما نطوح لتموتن ولو عمّرت ما عمّر نوح ... فعلى نفسك نح إن كنت لا بد تنوح وكان وزير المهدي في أول خلافته أبو عبيد الله معاوية بن عبيد الله بن يسار «١١٢» . ثم بعده يعقوب بن داود ثم بعده الفيض «١١٣» بن أبى صالح «١١٤» «١١٥» [٢٠ ب] ثم انقضت أيام المهدي- رضوان الله عليه-.

стр. 70

أمير المؤمنين الهادي هو موسى بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور. توفى المهدي وهو بجرجان يحارب أهل طبرستان، فنفذ إليه أخوه هارون برأي يحيى بن خالد بنصير الوصيف ومعه الخاتم والقضيب والبردة بالتعزية والتهنئة «١١٦» . فوصل إلى جرجان في ثمانية أيام. وكان وصول موسى الهادي إلى بغداد بعد ثلاثة وعشرين يوما، وذلك في صفر من سنة تسع وستين ومائة. وكان يوم بويع له بالخلافة بجرجان يوم الخميس لثمان من المحرم من هذه السنة. وحين وصل إلى بغداد وجلس على سرير الخلافة وبايعه أخوه وأهله وبنو هاشم كلهم وأهل الحل والعقد أخذ يتعنّت أخاه هارون ويسومه خلع نفسه من العهد ليولى ابنه وكان له ابن صغير سماه «الناطق بالحق» وهمّ بقتل هارون إلا أنه منع من ذلك، وقيل له «١١٧» : تقتل أخاك وابنك بعد لم يبلغ فإن حدث بابنك حادث ذهب الأمر من ولد أبيك. واستشعر هارون منه فما كان يأتيه ولا يسلّم عليه، ثم دخل الأولياء بينهما واصطلحا صلحا على دخل. وقد كان المهدي في حياته ولّى هارون المغرب كله من الأنبار إلى إفريقية. وأمر المهدي يحيى بن خالد بن برمك أن يتولى ذلك له ويخلفه عليه وكان موسى الهادي [٢١ أ] يتعنّت يحيى بن خالد وينسب ما يجرى من هارون من امتناعه عن خلع نفسه عن الخلافة إلى يحيى وكان يحيى مستشعرا منه جدا. وكانت أمه الخيزران مستشعرة منه لأنه نفذ لها أرزا مسموما «١١٨» وفطنت له ولم تأكل منه وعلم أنها قد علمت بذلك فتمكّنت الوحشة واتفقت آراء الجماعة على الفتك به فسمّوه «١١٩» في ليلة النصف من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة وهو ابن ثلاث وعشرين سنة. ونفذت «١٢٠» الخيزران حال وفاته إلى يحيى بن خالد تقول: أحضر ابني هارون إلى قصر الخلد، فأحضره في الحال. وكان بيت هارون في الجانب الشرقي، فبينا هو على الجسر لحقه خادم يخبره بولادة المأمون. فيقال «١٢١» : إنها ليلة مات فيها خليفة وجلس خليفة وولد خليفة. فكانت خلافة موسى الهادي سنة وشهرا وثلاثة عشر يوما ودفن بعيساباذ وصلى عليه أخوه

стр. 71

هارون. وكان «١٢٢» طويلا أبيض مشربا بحمرة، حسن الوجه. وكانت شفته قصيرة وكان فمه أبدا يكون مفتوحا فوكل به خادم في حال صغره كلما فتح فمه يقول له: موسى أطبق وكان يعرف، إلى أن مات، بموسى أطبق «١٢٣» . وكان نقش خاتمه: «الله ثقة موسى وبه يؤمن» . وكان أسمح الناس بما تحويه يده. حكى: أنه لما دخل بغداد، دخل إليه سلم الخاسر وأنشده «١٢٤» : موسى المطر غيث بكر ثم انهمر ... وكم قدر ثم غفر خير البشر [٢١ ب] فرع مضر بدر بدر لمن نظر ... هو الوزر لمن حضر والمفتخر لمن غبر فأمر له بمائة ألف درهم. وهو أول من وصل بذلك. وهي أول مائة ألف وصل بها شاعر في ولد بنى العباس. وحكى: أن أعرابيا «١٢٥» دخل إليه وأنشده: يا خير من عقدت كفاه حجزته ... وخير من قلّدته أمرها مضر فقطع عليه وما تركه يتم وقال له: إلّا من؟ ويلك! فقال الأعرابي: إلا النبي رسول الله إن له ... فخرا وأنت بذاك الفخر تفتخر فأعجبته بديهته وقوله، وأمر له بمائة ألف درهم «١٢٦» . ومات وعلى شرطته عبد الله بن مالك الخزاعي، وعلى قضائه أبو يوسف تلميذ الإمام أبى حنيفة، وعلى حجبته الفضل بن الربيع، وعلى حرسه عليّ بن عيسى بن ماهان. ووزيره الربيع بن يونس ويخلفه عمر بن بزيع «١٢٧» . وكان إلى عمر الأزمة. وعلى ديوان الخاتم والبريد على بن يقطين. وانقضت أيام الهادي- رحمة الله عليه-.

стр. 72

أمير المؤمنين الرشيد هو أبو جعفر، هارون بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس. مولده بالريّ سنة ثمان وأربعين ومائة «١٢٨» . [أمه الخيزران أم أخيه. وما ولدت امرأة خليفتين من [٢٢ أ] ولد العباس غيرها «١٢٩» . وقيل: إن ابتداءه في ربيع الآخر سنة سبعين ومائة، وانتهاءه في جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة. عمره خمس وأربعون سنة. ومدّة نظره ثلاث وعشرون سنة. نقش خاتمه: باللَّه يثق هارون] [١] «١٣٠» . وكان مولد الفضل بن يحيى قبله بسبعة أيام فأرضعته أم الفضل وهي زينب «١٣١» بنت منير. وبويع له ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة. واستوزر يحيى بن خالد لوقته. وفيهما قيل «١٣٢» : ألم تر أن الشمس كانت مريضة ... فلما أتى هارون أشرق نورها تلبست الدنيا جلالا يملكه ... فهارون واليها ويحيى وزيرها وكان الرشيد يغزو عاما ويحج عاما. وفيه يقول ابن أبى السعلى «١٣٣» : فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور ففي أرض العدو على طمرّ ... وفي أرض الثنيّة فوق كور وكان يحج على ناقة والحادي يحدو ويقول بين يديه «١٣٤» : أغيثا تحمل الناقة ... أم تحمل هارونا

стр. 73

أم الشمس أم البدر ... أم الدنيا أم الدينا ولما حج الرشيد في سنة ست وسبعين ومائة بايع لابنه محمد بالعهد ولعبد الله بعده ولقّب محمدا بالأمين وعبد الله بالمأمون وكان المأمون أكبر سنّا وهمة وأرجح عقلا وعلما وتهدّيا إلى الأمور. وإنما قدّم عليه محمدا لأن أم محمد كانت أم جعفر زبيدة [٢٢ ب] بنت جعفر بن المنصور بنت عم الرشيد. فقدم ولدها تقربا إليها وشرط عليهما إن حدث به الأمر المحتوم أن تكون بغداد والعراق والحجاز واليمن والجبال وفارس بحكم الأمين وهو الخليفة وأن تكون الرىّ وطبرستان وخراسان والسند والترك بحكم المأمون ويكون ولىّ العهد للمسلمين. وكتب بذلك كتابا «١٣٥» وأشهد فيه أكابر أهل الإسلام ووجوه الكتّاب والقوّاد وسائر أركان الدولة وعلّقه في الكعبة فسقط من ساعته فقال الناس: هذا الأمر لا يتم «١٣٦» . وكان كما قالوا على ما سيأتي ذكره وشرحه. وحين عقد البيعة لهما دخل إليه أعرابى «١٣٧» في غمار الناس فأنشده أبياتا يهنّئه فيها بتمام الأمر. وكان متكئا فاستوى جالسا وقال: يا أعرابى سمعت مستحسنا ثم اتهمتك منكرا، فإن كنت صاحب هذا الشعر فقل فيهما أبياتا، وأومأ إلى الأمين والمأمون، وكان أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فقال الأعرابي: ما أنصفتنى يا أمير المؤمنين. قال الرشيد: وكيف ذلك؟ قال الأعرابي: هيبة الخلافة وقهر البديهة وروعة الامتحان ونفور القوافي عن الرويّة. فقال المأمون: قد جعلنا حسن اعتذارك بدلا من امتحانك. فقال الأعرابي: الآن نفّست خناقى ببسطك لي وحديثك معى وأنشأ يقول: بنيت بعبد الله بعد محمد ... ذرى قبة الإسلام فاخضر عودها [٢٣ أ] هما طنباها بارك الله فيهما ... وأنت أمير المؤمنين عمودها فقام الرشيد قائما لما لحقه من الطرب وقال: سل يا أعرابى قال: مائة ألف درهم «١٣٨» . فقال الرشيد، يمازحه: أنقصنا منها شيئا. فقال الأعرابي: قد حططتك منها ألفا.

стр. 74

فقال له الرشيد: ما أقل هذه الحطيطة؟ فقال له الأعرابي: يا أمير المؤمنين قلت لي سل فسألت على قدرك ثم قلت لي حط فحططت على قدري. فقال الرشيد: أعطوه مائتي ألف لشعره ومائة ألف لحسن كلامه. وحكى «١٣٩» إسحاق الموصلي قال: ما رأيت أكرم طبعا من الرشيد، دخلت يوما عليه فأنشدته: هذه الأبيات من شعرى: وآمرة بالبخل قلت لها اقصرى ... فذلك شيء ما إليه سبيل أرى الناس خلّان الجواد ولا أرى ... بخيلا له حتى الممات خليل ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال خيرا أن يقال منيل عطائي عطاء المكثرين تكرما ... ومالي كما قد تعلمين قليل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأى أمير المؤمنين جميل فقال لي: لا تخف، للَّه درك وللَّه در أبيات تجيء بها ما أحكم أصولها وأحسن فصولها وأقل فضولها. ثم قال: أعطوا أبا محمد مائة ألف درهم. فقلت: يا أمير المؤمنين يحرم عليّ أخذ الجائزة. قال: ولم؟ قلت: لأنك مدحتني بأكثر مما مدحتك فكيف يحلّ لي أخذ الجائزة؟ وكلامك والله أحسن من شعرى فقال: وهذا [٢٣ ب] الكلام والله منك أحسن من شعرك ومن مدحى لك، أعطوه مائة ألف أخرى «١٤٠» . فأحضرت في الحال عشرون بدرة فيها مائتا ألف درهم وسلمت إليّ. وكان الأصمعي حاضرا فتغيّر وجهه وعرف الرشيد منه ذلك فقال: يا أصمعى، أبو محمد تلميذك ومن بحرك يغترف وأنت شيخ الكلّ وأستاذهم. فقال: يا أمير المؤمنين ولكنه أحذق بصيد الدراهم منى. فضحك الرشيد وقال: أعطوا الأصمعي مائة ألف درهم فأحضرت وسلمت إليه. فقال الأصمعي: «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» ٤: ١١ فضحك الرشيد وقال: أعطوا الأصمعي مائة ألف أخرى. وحكى إسحاق أيضا قال: كنّا يوما عند الرشيد في خلوة فدخل عليه الأصمعي وكان يعلّم ولديه الأمين والمأمون وكان يوما شديد الحر فقال له الرشيد: يا أصمعى

стр. 75

ضع قلنسوتك فقد مسّك الحر. فوضع قلنسوته. فقال له الرشيد: يا أصمعى علا رأسك الشيب فقال: نعم يا أمير المؤمنين هو أول الميتين. فقال: تغار على قول زيد «١٤١» ابن عليّ بن الحسين حيث يقول؟ قال: ماذا يا أمير المؤمنين يقول؟ قال: قد تعجّلت أول الميتتين ... بمشيب القذال والعارضين فتنبّه فشيبك الأجل الأول ... والموت آخر الأجلين من يرجّى الخلود والموت بالمرصاد ... للمرء كلّ طرفة عين لا يغرّنك اجتماع من الشمل ... تراه كل اجتماع لبين [٢٤ أ] فقال الأصمعي: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في استفادة هذه الأبيات؟ فقال الرشيد: نعم، اكتبوا كل بيت على رأس بدرة واحملوها إليه. وكان الرشيد فقيها أديبا شاعرا حلو النظم. ومن شعره في ثلاث جوار كنّ له: ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان ما لي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصياني ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه غلبن أعزّ من سلطاني «١٤٢» [١] وله في جارية غاضبها ثم صالحها: دعي عدد الذنوب إذا التقينا ... تعالى لا نعدّ ولا تعدّى فأقسم لو مددت بحبل وصلى ... إلى نار الجحيم لقلت مدّى وله في جاريته ماردة أم المعتصم: وإذا نظرت إلى محاسنها ... فلكل موضع نظرة نبل وتنال منك بسهم مقلتها ... ما لا ينال بحدّه النصل شغلتك وهي لكل ذي بصر ... لاقى محاسن وجهها شغل ولقلبها حلم يباعدها ... من ذي الهوى ولطرفها جهل ولوجهها من وجهها قمر ... ولعينها من عينها كحل «١٤٣»
следующие страницы →