هارون. وكان «١٢٢» طويلا أبيض مشربا بحمرة، حسن الوجه. وكانت شفته قصيرة وكان فمه أبدا يكون مفتوحا فوكل به خادم في حال صغره كلما فتح فمه يقول له: موسى أطبق وكان يعرف، إلى أن مات، بموسى أطبق «١٢٣» .
وكان نقش خاتمه: «الله ثقة موسى وبه يؤمن» .
وكان أسمح الناس بما تحويه يده. حكى: أنه لما دخل بغداد، دخل إليه سلم الخاسر وأنشده «١٢٤» :
موسى المطر غيث بكر ثم انهمر ... وكم قدر ثم غفر خير البشر [٢١ ب]
فرع مضر بدر بدر لمن نظر ... هو الوزر لمن حضر والمفتخر لمن غبر
فأمر له بمائة ألف درهم. وهو أول من وصل بذلك. وهي أول مائة ألف وصل بها شاعر في ولد بنى العباس.
وحكى: أن أعرابيا «١٢٥» دخل إليه وأنشده:
يا خير من عقدت كفاه حجزته ... وخير من قلّدته أمرها مضر
فقطع عليه وما تركه يتم وقال له: إلّا من؟ ويلك! فقال الأعرابي:
إلا النبي رسول الله إن له ... فخرا وأنت بذاك الفخر تفتخر
فأعجبته بديهته وقوله، وأمر له بمائة ألف درهم «١٢٦» . ومات وعلى شرطته عبد الله بن مالك الخزاعي، وعلى قضائه أبو يوسف تلميذ الإمام أبى حنيفة، وعلى حجبته الفضل بن الربيع، وعلى حرسه عليّ بن عيسى بن ماهان. ووزيره الربيع بن يونس ويخلفه عمر بن بزيع «١٢٧» . وكان إلى عمر الأزمة. وعلى ديوان الخاتم والبريد على بن يقطين.
وانقضت أيام الهادي- رحمة الله عليه-.
стр. 72
أمير المؤمنين الرشيد
هو أبو جعفر، هارون بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس.
مولده بالريّ سنة ثمان وأربعين ومائة «١٢٨» . [أمه الخيزران أم أخيه. وما ولدت امرأة خليفتين من [٢٢ أ] ولد العباس غيرها «١٢٩» .
وقيل: إن ابتداءه في ربيع الآخر سنة سبعين ومائة، وانتهاءه في جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة. عمره خمس وأربعون سنة. ومدّة نظره ثلاث وعشرون سنة.
نقش خاتمه: باللَّه يثق هارون] [١] «١٣٠» .
وكان مولد الفضل بن يحيى قبله بسبعة أيام فأرضعته أم الفضل وهي زينب «١٣١» بنت منير.
وبويع له ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة.
واستوزر يحيى بن خالد لوقته. وفيهما قيل «١٣٢» :
ألم تر أن الشمس كانت مريضة ... فلما أتى هارون أشرق نورها
تلبست الدنيا جلالا يملكه ... فهارون واليها ويحيى وزيرها
وكان الرشيد يغزو عاما ويحج عاما. وفيه يقول ابن أبى السعلى «١٣٣» :
فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور
ففي أرض العدو على طمرّ ... وفي أرض الثنيّة فوق كور
وكان يحج على ناقة والحادي يحدو ويقول بين يديه «١٣٤» :
أغيثا تحمل الناقة ... أم تحمل هارونا
стр. 73
أم الشمس أم البدر ... أم الدنيا أم الدينا
ولما حج الرشيد في سنة ست وسبعين ومائة بايع لابنه محمد بالعهد ولعبد الله بعده ولقّب محمدا بالأمين وعبد الله بالمأمون وكان المأمون أكبر سنّا وهمة وأرجح عقلا وعلما وتهدّيا إلى الأمور. وإنما قدّم عليه محمدا لأن أم محمد كانت أم جعفر زبيدة [٢٢ ب] بنت جعفر بن المنصور بنت عم الرشيد. فقدم ولدها تقربا إليها وشرط عليهما إن حدث به الأمر المحتوم أن تكون بغداد والعراق والحجاز واليمن والجبال وفارس بحكم الأمين وهو الخليفة وأن تكون الرىّ وطبرستان وخراسان والسند والترك بحكم المأمون ويكون ولىّ العهد للمسلمين. وكتب بذلك كتابا «١٣٥» وأشهد فيه أكابر أهل الإسلام ووجوه الكتّاب والقوّاد وسائر أركان الدولة وعلّقه في الكعبة فسقط من ساعته فقال الناس: هذا الأمر لا يتم «١٣٦» . وكان كما قالوا على ما سيأتي ذكره وشرحه.
وحين عقد البيعة لهما دخل إليه أعرابى «١٣٧» في غمار الناس فأنشده أبياتا يهنّئه فيها بتمام الأمر. وكان متكئا فاستوى جالسا وقال: يا أعرابى سمعت مستحسنا ثم اتهمتك منكرا، فإن كنت صاحب هذا الشعر فقل فيهما أبياتا، وأومأ إلى الأمين والمأمون، وكان أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فقال الأعرابي: ما أنصفتنى يا أمير المؤمنين. قال الرشيد: وكيف ذلك؟ قال الأعرابي: هيبة الخلافة وقهر البديهة وروعة الامتحان ونفور القوافي عن الرويّة. فقال المأمون: قد جعلنا حسن اعتذارك بدلا من امتحانك. فقال الأعرابي: الآن نفّست خناقى ببسطك لي وحديثك معى وأنشأ يقول:
بنيت بعبد الله بعد محمد ... ذرى قبة الإسلام فاخضر عودها [٢٣ أ]
هما طنباها بارك الله فيهما ... وأنت أمير المؤمنين عمودها
فقام الرشيد قائما لما لحقه من الطرب وقال: سل يا أعرابى قال: مائة ألف درهم «١٣٨» .
فقال الرشيد، يمازحه: أنقصنا منها شيئا. فقال الأعرابي: قد حططتك منها ألفا.
стр. 74
فقال له الرشيد: ما أقل هذه الحطيطة؟ فقال له الأعرابي: يا أمير المؤمنين قلت لي سل فسألت على قدرك ثم قلت لي حط فحططت على قدري. فقال الرشيد: أعطوه مائتي ألف لشعره ومائة ألف لحسن كلامه.
وحكى «١٣٩» إسحاق الموصلي قال: ما رأيت أكرم طبعا من الرشيد، دخلت يوما عليه فأنشدته: هذه الأبيات من شعرى:
وآمرة بالبخل قلت لها اقصرى ... فذلك شيء ما إليه سبيل
أرى الناس خلّان الجواد ولا أرى ... بخيلا له حتى الممات خليل
ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال خيرا أن يقال منيل
عطائي عطاء المكثرين تكرما ... ومالي كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأى أمير المؤمنين جميل
فقال لي: لا تخف، للَّه درك وللَّه در أبيات تجيء بها ما أحكم أصولها وأحسن فصولها وأقل فضولها. ثم قال: أعطوا أبا محمد مائة ألف درهم. فقلت: يا أمير المؤمنين يحرم عليّ أخذ الجائزة. قال: ولم؟ قلت: لأنك مدحتني بأكثر مما مدحتك فكيف يحلّ لي أخذ الجائزة؟ وكلامك والله أحسن من شعرى فقال: وهذا [٢٣ ب] الكلام والله منك أحسن من شعرك ومن مدحى لك، أعطوه مائة ألف أخرى «١٤٠» .
فأحضرت في الحال عشرون بدرة فيها مائتا ألف درهم وسلمت إليّ. وكان الأصمعي حاضرا فتغيّر وجهه وعرف الرشيد منه ذلك فقال: يا أصمعى، أبو محمد تلميذك ومن بحرك يغترف وأنت شيخ الكلّ وأستاذهم. فقال: يا أمير المؤمنين ولكنه أحذق بصيد الدراهم منى. فضحك الرشيد وقال: أعطوا الأصمعي مائة ألف درهم فأحضرت وسلمت إليه. فقال الأصمعي: «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» ٤: ١١ فضحك الرشيد وقال:
أعطوا الأصمعي مائة ألف أخرى.
وحكى إسحاق أيضا قال: كنّا يوما عند الرشيد في خلوة فدخل عليه الأصمعي وكان يعلّم ولديه الأمين والمأمون وكان يوما شديد الحر فقال له الرشيد: يا أصمعى
стр. 75
ضع قلنسوتك فقد مسّك الحر. فوضع قلنسوته. فقال له الرشيد: يا أصمعى علا رأسك الشيب فقال: نعم يا أمير المؤمنين هو أول الميتين. فقال: تغار على قول زيد «١٤١» ابن عليّ بن الحسين حيث يقول؟ قال: ماذا يا أمير المؤمنين يقول؟ قال:
قد تعجّلت أول الميتتين ... بمشيب القذال والعارضين
فتنبّه فشيبك الأجل الأول ... والموت آخر الأجلين
من يرجّى الخلود والموت بالمرصاد ... للمرء كلّ طرفة عين
لا يغرّنك اجتماع من الشمل ... تراه كل اجتماع لبين [٢٤ أ]
فقال الأصمعي: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في استفادة هذه الأبيات؟ فقال الرشيد: نعم، اكتبوا كل بيت على رأس بدرة واحملوها إليه.
وكان الرشيد فقيها أديبا شاعرا حلو النظم. ومن شعره في ثلاث جوار كنّ له:
ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه غلبن أعزّ من سلطاني «١٤٢»
[١] وله في جارية غاضبها ثم صالحها:
دعي عدد الذنوب إذا التقينا ... تعالى لا نعدّ ولا تعدّى
فأقسم لو مددت بحبل وصلى ... إلى نار الجحيم لقلت مدّى
وله في جاريته ماردة أم المعتصم:
وإذا نظرت إلى محاسنها ... فلكل موضع نظرة نبل
وتنال منك بسهم مقلتها ... ما لا ينال بحدّه النصل
شغلتك وهي لكل ذي بصر ... لاقى محاسن وجهها شغل
ولقلبها حلم يباعدها ... من ذي الهوى ولطرفها جهل
ولوجهها من وجهها قمر ... ولعينها من عينها كحل «١٤٣»
стр. 76
وكان للرشيد ولد صغير اسمه القاسم، كان في حجر عبد الملك بن صالح الهاشمي يربّيه. فلما كبر وترعرع كتب عبد الملك إلى الرشيد:
يا أيها الملك الّذي ... لو كان نجما كان سعدا
للقاسم اعقد بيعة ... واقدح له في الملك زندا [٢٤ ب]
الله فرد واحد ... فاجعل ولاة العهد فردا «١٤٤»
فعقد الرشيد للقاسم البيعة بالرقة وسماه المؤتمن وجعله ولىّ العهد بعد المأمون وجعل له بعد موته الشام والجزيرة ومصر والمغرب. ومات القاسم «١٤٥» في حياة الرشيد.
وكان حين عقد البيعة قال أبو العتاهية من قصيدة طويلة:
وشدّ عرى الإسلام منهم بفتية ... ثلاثة أملاك ولاة عهود
هم خير أولاد لهم خير والد ... له خير آباء مضت وجدود
يقلّب ألحاظ المهابة فيهم ... عيون ظباء في قلوب أسود
تعلق ضوء من محاسن وجهه ... بحرّ عرانين لهم وخدود «١٤٦»
ولما مات المؤتمن بقي العهد في الأمين والمأمون.
ولما دخلت سنة سبع وثمانين نكب الرشيد البرامكة وكانت لذلك أسباب منها:
استيلاؤهم على الدولة وتغلبهم على الدنيا بالكلية، ثم تزويج جعفر بأخت الرشيد «١٤٧» بغير علمه وأمور أخرى قد حكيت، فإن كان لها صحة فقد قوبلوا عليها في الدنيا باستباحة الدم والمال والله تعالى لا يغفل في الآخرة عن أمثالها. وإن لم يكن لها صحة فلا فائدة من ذكرها.
ولما تغيّر الرشيد على جعفر قال جعفر لإبراهيم بن المهدي، وكان يحبه حبّا شديدا، إني أرى من أمير المؤمنين تغيّرا، ومن الصواب أن أبعد عنه شخصي، أفترى لي من الرأى أن أطلب منه أن يوليني خراسان وأخرج إليها وأقيم بها مدة أطرى بها نفسي وأجدد حرمتي؟ وقد كان أخوه [٢٥ أ] الفضل وليها قبله وبان من كفايته وشهامته ما حمد أثره فيها. فقال له إبراهيم بن المهدي: يا حبيبي، أما تغيّره عليك فإنّي تفطّنت
стр. 77
له قبلك. أما كنت تراه يجدّ إذا هزلت ويهزل إذا جددت؟ وأما خروجك إلى خراسان فهو عين الصواب فخاطبه فيه ومنى لك المساعدة. فخاطب الرشيد في ذلك فأجابه إليه ليستريح من تحكّمه في دولته وتسحّبه عليها.
وحين استقر الأمر في مسيره جرى بين جعفر وبين مسرور السّياف ملاحاة في أمر فقال له: يا حجّام يا مخنث فقال مسرور: لو لم أكن كما قلت ما خنت مولاي مذ عشر سنين تقربا إليك. وعلم جعفر مقصوده فليّن له الكلام واعتذر إليه وطيّب نفسه ووعده بمائتي ألف دينار يوصلها إليه قبل خروجه. ثم دسّ عليه من وقته من يغتاله ويقتله وفطن مسرور لذلك من بعض الجهات فدخل على الرشيد وطلب خلوة، وقال «١٤٨» :
يا مولاي أنا صاحب سيفك قد جعلتني أمينا على حرمك وقد حدث في دارك حادث ولا بدّ لي من إعلامك به إن أذنت. قال: قل. قال: أختك ميمونة تزوّج بها جعفر من عشر سنين وولدت له ثلاثة بنين الأكبر ابن سبع سنين والأوسط ابن ست والأصغر ابن أربع. وقد نفذ بهم إلى مكة وهم ينتظرون بك الدوائر. وما أبقى في دارك جارية ولا خادما «١٤٩» إلا وارتكب معه المعصية. وكلما ذكرت له قال:
أراحنا الله من نذالة بنى هاشم. وقد بذل لي مائتي ألف دينار وسألني كتمان ذلك عليه. وقد كان من سبيلي إطلاعك على هذه الأمور [٢٥ ب] حال تجددها إلا أنى كنت أخاف أن ألقاك بمثل ذلك وأقول لعلك تطّلع عليه من جهة غير جهتي وإلا فحيث صمم العزم على خروجه إلى خراسان فأخاف أن يحدث منه في الدولة حادث يعسر تلافيه. فقال له الرشيد: امض إليه برسالتي وقل له يتوقف أياما حتى تصل الفيوج «١٥٠» من خراسان بما يتجدد من الأخبار هناك. فمضى إليه برسالة الرشيد يأمره بالتوقف فتوقف واستشعر وأرجف الناس به حتى إن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: دخلت يوما على الرشيد فقال لي: يا إسحاق بماذا يرجف العامة؟ قلت: أراهم يتحدثون بإرجاف الفضل بن الربيع بالبرامكة وأنه يلي مكانهم. فقال لي: أبلغ من أمرك أن تدخل فيما بين هؤلاء؟ وغضب، ثم قال: إياك وما أشبه هذا وصرف وجهه عنى
стр. 78
وأنا أعلم يقينا أنه ما سألني إلا لأخبره بمثل ذلك. فعملت هذين البيتين في الحال وغنّيته بهما:
إذا نحن صدقناك ... فضرّ عندك الصدق
طلبنا النفع بالباطل ... إذ لم ينفع الحق
[١] فضحك وقال لي: صرت حقودا يا ابن الخبيثة؟
ثم إن جعفر بن يحيى جمع المنجّمين وأخذوا له الطالع للخروج إلى خراسان واتفقوا على اختيار يوم السبت السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وثمانين ومائة. ولما كان في ليلة السبت كان عند الرشيد ينادمه. وكان إذا ركب يركب معه أربعة آلاف ومن عسكر الرشيد [٢٦ أ] أكثر منهم ومن عسكر خراسان الذين كانوا مقيمين بالحضرة خلق عظيم. ولما سكر خرج من دار الرشيد عائدا إلى داره وهم معه، فلما دخل داره تفرقوا وجلس في داره مع خواصّه وجماعته ممن كان ينادمهم في الخلوة. وجمع وكلاءه ونوّابه وكان يوصيهم بما يعتمدونه بعد خروجه في أملاكه وأسبابه والرشيد قد وكلّ به من يعلمه بخبره، فأخبر الرشيد أنه قد بقي وحده وتفرّق الجند عنه فأمر الرشيد مسرورا «١٥١» السّياف بضرب خيمة كبيرة في وسط صحن الدار ففعل ثم أمره باختيار أربع مائة غلام من خواص مماليكه فاختارهم ثم أمرهم بحمل السلاح وإدخالهم الخيمة ثم قال لمسرور: امض الآن إلى جعفر وقل له عنى قد وصلتني الخرائط وفيها أخبار بنى رافع الخوارج وما جرى منهم في أعمال ما وراء النهر وكنت قد ودّعتنى وما شبعت من توديعك فأحب أن تصير إليّ حتى أودعك ثانيا وأوقفك على الكتب الواصلة. فإذا جاء معك فاعدل به إلى الخيمة وخذ رأسه وجئني به ولا تراجعني فيه. قال مسرور: فمضيت إلى دار جعفر ولم يبق فيها سوى الخواص من خدمه والخصيان وعدة من المماليك الصغار. فسألت عنه أنائم هو؟ قيل: لا ولكنه جالس في البيت الفلاني وعنده أبو زكّار الأعمى القوّال يغنّيه فقصدت البيت الّذي كان فيه
стр. 79
فحين حصلت على باب البيت سمعت أبا زكّار الأعمى يغنّيه [٢٦ ب] :
يا راقد الليل مسرورا بأوّله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا «١٥٢»
وهو يقول له: يا بارد أيش هذا مما يتغنى به؟ وأبو زكّار يقول له: وكان منبسطا عليه، البارد والله من قد قتلنا منذ شهرين بهذا الاستشعار الفاسد، بقي لك أمر تخاف أو تستشعر منه وقد ودّعت الخليفة وأنت بكرة على رأس الطريق؟ قال:
فتوقفت بقدر ما فرغوا من الكلام وابتدأ أبو زكّار في الغناء ثم هجمت عليه وسلمت فقال لي: ما الّذي جاء بك؟ فأديت إليه رسالة الرشيد فقال لي: الآن جئت وأنا والله تعبان وسكران وقد اختاروا لي الطالع الفلاني وركوبي يكون وقت السحر وبيني وبين الخليفة شقة بعيدة وأحتاج إلى عبور دجلة ولى أيضا مهمات لخاصتى أحتاج إلى تحريرها قال مسرور: فقلت له: يا سيدي دع عنك هذه الأعذار فإن الّذي يستدعيك مولاك الخليفة ولا بدّ من الانتهاء إلى أمره وأراك تخاطبه بمثل ما تخاطب به الأمثال. فقال لي: يا أسود يا حجّام وبلغ من أمرك أن تخاطبني بهذا؟ فقلت له:
يا سيدي أنت تعلم أن الخليفة لا يفرّق بينك وبين أعزّ إخوته بل ربما فضّلك عليهم وقد استدعيتك إلى داره «١٥٣» دفعات ليلا ونهارا، فبادر مسرعا من غير عذر وبعد هذا فأنت أخبر، وإنما عليّ البلاغ. وأخذت ألين له في الكلام لئلا يفطن وأبو زكّار يعاوننى إلى أن أجاب وقال لأبى زكّار: تم على ما أنت حتى أعود إليك ونهض وخرج من باب الدار وركب فرس النوبة وليس معه أحد سوى ثلاثة خدم صغار [٢٧ أ] وأنا، ومضى وأنا معه وعبرنا على الجسر حتى انتهينا إلى دار الخلافة «١٥٤» فدخل من باب الشط وأنا معه فلما انتهينا إلى صحن الدار أخذ في صوب باب الحجرة التي يكون فيها الرشيد. فقلت له: يا سيدي على يمينك قليلا. فقال لي: ما الّذي أصنع هناك؟ ثم التفت فرأى الخيمة مضروبة ونظر إليّ وتغيّر وجهه وندم على ركوبه. ثم قال لي: يا أخى مسرور هل فيك موضع لاصطناعى؟ فقلت له: أنت ما كنت ترفعني وتخفضني إلا بالأسود الحجّام والآن أنا أخوك؟ ولكن يا جعفر
стр. 80
ما غيّر الله نعمة على عبد إلا باستحقاق وليس الله بظلّام للعبيد وإن الله يمهل ولا يهمل ولقد أملى الله لك ولأهل بيتك لا رضى بفعلك ولكن ليزيد إثمك وعقابك، وأنا أقول له ما أقول ونحن نمشي نحو الخيمة وهو ينصت إلى كلامي ولا يجيب بشيء حتى إذا صرنا إلى الخيمة وأحسّ بنا القوم الذين بها نهضوا فأحس بقعقعة السلاح فبكى وبكى الجماعة لبكائه حتى أبكانى مع انحرافى عنه وعداوتي له.
ودخل الخيمة فرأى النطع مبسوطا وسيفي ملفوفا في منديل فأخذت سيفي وجذبته من غمده وأمرت خادما كان معى بأن ينزع ثياب جعفر فنزعها عنه وتركه بغلالة كتان وهو ينتحب وينوح على نفسه. ثم قال لي: يا حبيبي لو عاودته في أمرى وأكبّ على يدي يقبّلها. فقلت له: قد أمرنى أن لا أعاوده، فتشفّع إليّ الغلمان بأسرهم أن أعاوده. فقمت وقصدت الحجرة التي فيها الرشيد فحين أحس بوطء قدمي في الدهليز قال: مسرور؟ قلت لبّيك يا أمير المؤمنين. قال: [٢٧ ب] جئت برأس جعفر قلت: لا ولكنى جئت لأستأذنك مرة أخرى، فصاح بأعلى صوته: لا تريني وجهك وعد من حيث جئت وائتني برأسه، وأنا نفى من المهدي إن لم تجئنى برأسه نفذت في ساعتي هذه من يجيئني برأسك، فعدت إلى جعفر وأخبرته الخبر فتشاهد وقال:
أمهلنى أصلى ركعتين فإذا سجدت السجود الأخير فشأنك وما تريده. فقلت: ذاك لك. فقام وصلى فلما بلغ إلى السجود الأخير كان يبكى والجماعة يبكون لبكائه فضربت عنقه ضربة أبنت بها رأسه عن بدنه وأخذت رأسه ووضعته في طشت «١٥٥» ذهب ووضعته بين يدي الرشيد، فحين رآه قال: قرّبه منى فقربته منه فكان يقول له: يا جعفر أما فعلت بك كذا، أما صنعت كذا، وأنت قابلتنى بكذا، وأنا واقف وهو هكذا يعاتب الرأس لم تنم عينه إلى الفجر. وكان الرشيد عند حصول جعفر في الدار نفذ السندي بن شاهك، وهو أحد القواد الكبار، إلى دار يحيى بن خالد وإلى دار الفضل فقبض عليهما وأوقع النهب والغارة في دورهما. وكان السندي بن شاهك عدوّا للبرامكة.
стр. 81
ولما أصبح الصباح أمر الرشيد السندي بن شاهك أن يصلب رأس جعفر على أحد جسور بغداد وأن يقطع بدنه قطعتين ويصلب على الجسرين الآخرين ففعل ذلك.
وكان السندي في ليلة السبت قد دخل على جعفر مودّعا وأراد أن يستلّ ما في نفسه من بغضه فقال له جعفر: إلى الآن ما جازيتك بفعلك وإن أمهل [٢٨ أ] الله في الأجل أقمت فيك وفي أمثالك السياسة. فقال له السندي: يا مولانا وأيّ ذنب لي وأي سياسة تقام عليّ؟ فقال له جعفر: سياسة مثلك أن تقطع ثلاث قطع وتصلب على ثلاثة جسور. فخرج من عنده وهو ميت في جلده.
وفي بكرة يوم السبت قطع السندي بدن جعفر قطعتين وصلبه على ثلاثة جسور مع رأسه وانقلب ما كان ذكره جعفر للسندى عليه.
وحكى السندي قال: بقي بدن جعفر ورأسه مصلوبا إلى وقت العصر ثم أمر الرشيد بإحراقه فأحرق «١٥٦» . قال: فدخلت في ذلك اليوم إلى الديوان لبعض مهامى فرأيت روزنامجا في يد بعض الكتّاب فتأمّلته وإذا فيه: «في يوم الجمعة شرف [جعفر بن] يحيى بن خالد بخلعة قيمتها أربع مائة ألف دينار» وتحته مكتوب، في تلك الورقة:
«وفي عشية يوم السبت أطلق لثمن بواري ونفط أحرق بها جعفر أربعة دراهم» فتعجبت من ذلك وسألت الله تعالى العافية وحسن العاقبة «١٥٧» .
ثم إن الرشيد أمر بإحضار أولاد جعفر من الحجاز وأهلكهم وأهلك أمّهم وقيل: إنه أحرقهم وقال: النار ولا العار «١٥٨» .
وأما ما كان من أمر الفضل فإنه قتل في الحبس «١٥٩» وأما يحيى فبقي مدة في الحبس وطمع في الحياة بعد أولاده فكتب إلى الرشيد القصيدة «١٦٠» المعروفة التي منها:
قل للخليفة ذي الصنائع والعطايا الفاشية ... وابن الخلائف من قريش والملوك الهادية [٢٨ ب]
إن البرامكة الذين رموا لديك بداهية
стр. 82
عمّتهم لك سخطة لم تبق منهم باقيه ... بعد الإمارة والوزارة والأمور العالية
وهي طويلة يقول في آخرها:
يا عطفة الملك الرضىّ عودي علينا ثانيه
فكتب الرشيد في جوابه «١٦١» :
يا آل برمك إنما كنتم ملوكا عاتيه ... فطغيتم وكفرتم وجحدتم نعمائيه
هذا الجزاء لمن عصى معبوده وعصانيه
ثم كتب تحت الأبيات: «ضَرَبَ الله مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً ... ١٦: ١١٢ الآية» «١٦٢» إلى آخرها. فلما قرأ يحيى الأبيات أيس من نفسه، وسمّوه بعد ذلك بأيام.
ولما أحس بالسم أدخل يده في دواة كانت عنده ورفع المداد على إصبعه وكتب على الحائط: «قد تقدم المدعى والمدعى عليه على الأثر والحاكم لا يحتاج إلى بيّنة» «١٦٣» .
وانقضت دولة البرامكة وزال ملكهم، فسبحان من لا يزول ملكه، وفيهم يقول القائل «١٦٤» .
يا بنى برمك واها لكم ... ولأيامكم المقتبله
كانت الدنيا عروسا بكم ... وهي الآن ثكول أرمله
وللرشيد «١٦٥» حين قتل جعفر:
لو أن جعفر هاب أسباب الردى ... لنجا بمهجته طمرّ ملجم
ولكان من حذر المنية حيث لا ... يسمو لموضعه العقاب القشعم [٢٩ أ]
لكنه لما أتاه يومه ... لم يدفع الحدثان عنه منجّم
وقيل فيهم لما تقلد بعدهم الفضل بن الربيع وزارة الرشيد:
كل وزير أغير مرتبة ... من بعد يحيى مشف على غرر
صالت عليه من الزمان يد ... كان بها صائلا على البشر
стр. 83
وقال آخر «١٦٦» :
ما رعى الدهر آل برمك لما ... [أن] رماهم بكل أمر فضيع
إن دهرا لم يرع حقا ليحيى ... غير راع حقّا لآل الربيع
ثم إن أمور الرشيد بعد البرامكة اضطربت وندم على ما فرط منه في أمرهم حيث لم تنفعه الندامة وقوى أمر بنى رافع الخوارج بخراسان واختلت أمور الحضرة وخلت بيوت الأموال. ثم إن الرشيد عوّل على قصد خراسان بنفسه، ولما صمّم عزمه على ذلك رأى في المنام «١٦٧» كأن يدا سوداء قد خرجت من تحت سريره وفيها كف تراب أحمر وكأن صاحب تلك الكف يقول له: يا هارون هذه التربة التي تدفن بها وهي بطوس. فارتاع من ذلك وأراد إبطال العزيمة وما تهيأ له ذلك لأنه ما كان يتم صلاح خراسان إلا بقصده لها بنفسه. فخرج على كره منه، فلما صار إلى حلوان مرض ووصف له الطبيب الجمار وكان على باب حلوان نخلتان متقاربتان فأمر بقطعهما وأكل جمّارهما. فدخلت إليه في ذلك اليوم جارية مغنية كان استصحبها معه فأمرها بالغناء فابتدرت تغني [٢٩ ب] :
أسعدانى يا نخلتى حلوان ... وابكيا لي من صرف هذا الزمان
واعلما ما بقيتما أن نحسا ... سوف يأتيكما فتفترقان «١٦٨»
[١] فقال الرشيد: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ٢: ١٥٦ أنا والله كنت النحس وتطيّر من ذلك وما زال يردّد البيتين إلى أن وصل إلى خراسان. وحين وصل إليها اشتدت علّته في سنة ثلاث وتسعين ومائة. وانهزم بنو رافع من بين يديه وما أمكنه أن يتبعهم بنفسه لاشتداد مرضه فنفذ العساكر وراءهم فهزموهم وجاءوا بهم أسرى فأمر بالاحتفاظ بهم.
ولما كان في بعض الأيام والرشيد بطوس نصب له سرير على بستان في الدار التي نزل بها فقال لبعض الخدم: أرنى تربة هذا المكان، فمد يده وقبض على حفنة من التراب وأخرجها من تحت السرير ليراها الرشيد فحين فتح أصابعه قال الرشيد:
стр. 84
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦ فنيت والله الأيام وانقضت المدة، هذه والله تلك اليد التي رأيتها في منامي. وآيس من نفسه. ثم أمر فأخرجت المضارب إلى الصحراء وعسكر بباب طوس وبقي أياما. وكان يحب من الثياب الخز وكان قد وصله في تلك الأيام من العراق ألف ثوب خز كلها أسود كان أمر باستعمالها، بعضها لأجل الكسوة وبعضها لأجل المضارب وبعضها لأجل الفرش وأمر بتفصيلها وخياطتها واتخذ منها سرادقا وخيمة كبيرة «١٦٩» . وكان حين اشتد به الأمر خاف أن يموت ويتخلص بنو رافع من [٣٠ أ] الحبس ويخرجون على أولاده. فأمر يوما بإحضارهم فدخلوا عليه يحجلون في قيودهم وهو في خيمة كبيرة من الخز الأسود وتحته مطرح خز أسود وهو متكئ على مخادّ خز أسود وفرش السرادق والخيمة كله من الخز الأسود وعلى بدنه عدة جباب بعضها فوق بعض كلها من الخز الأسود وعلى رأسه عمامة خز أسود، فأخذ يذكّرهم بأفعالهم ويوافقهم على ما صدر منهم من إخراب خراسان واقتطاع الأموال وظلم الرعية وهو يحدثهم وهو في النزع ثم أمر بالأكبر منهم وكان رئيسهم ومقدمهم فسلخ جلده وحين انتهى السلخ إلى سرته مات فخرجت روحه وروح الرشيد في وقت واحد «١٧٠» وذلك في يوم السبت ثانى جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة. وكان للرشيد في ذلك اليوم خمس وأربعون سنة وشهور. وكان قد أمر بجميع ما معه من المضارب والأسلحة والجواهر وسائر ما كان في الخزائن للمأمون وكان في صحبته «١٧١» ، وقال: إن لي ببغداد مثل ما معى ها هنا وأكثر فيكون ذلك للأمين. إلا أن الفضل ابن الربيع غلب المأمون على ذلك وأخذ الجميع وعاد به إلى بغداد. وكان ذلك أول استشعار الفضل بن الربيع من المأمون لتقبيحه عليه وأسرّها المأمون في نفسه.
وحين واروه ودفنوه، صعد المأمون منبر طوس وحمد الله وأثنى عليه وذكر المصطفى- صلوات الله عليه وسلامه- وأصحابه الأكرمين بعده [٣٠ ب] ثم ترحم على الرشيد ودعا لأمير المؤمنين محمد الأمين وأخذ البيعة لأخيه بالخلافة وله بولاية العهد بعده وقام إنسان «١٧٢» فأنشده:
стр. 85
لقد أصبحت تختال في كل بلدة ... بقبر أمير المؤمنين المقابر
ولو لم تسكّن باسمه بعد موته ... لما برحت تبكى عليه المنابر
وانصرف الفضل بن الربيع بتلك المضارب السود وبسائر ما كان مع الرشيد إلى العراق وسلّمه إلى محمد الأمين وحين انصرفوا بمضاربه إلى بغداد رئي على عمود من أعماد الخيم مكتوب:
منازل العسكر معمورة ... والمنزل الأعظم مهجور
خليفة الله بدار البلى ... يسفى على أجدائه المور
أقبلت العير تباهي به ... وانصرفت تندبه العير
стр. 86
أمير المؤمنين الأمين
هو أبو عبد الله، محمد بن هارون وأمه زبيدة، واسمها أمة العزيز وإنما زبيدة لقب وقع عليها وهو أن جدّها المنصور كان يحبها وكانت بيضاء سمينة فكان يقبّلها ويرقّصها ويقول لها: أنت زبيدة، فعرفت بذلك. وكنيتها أم جعفر، ولم يتول الخلافة هاشمي الأبوين إلا عليّ بن أبى طالب، أمير المؤمنين- صلوات الله عليه وسلامه- ومحمد الأمين. فإن أم أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب- كرم الله وجهه- فاطمة بنت أسد بن هاشم «١٧٣» . وأم محمد الأمين، زبيدة بنت جعفر بن المنصور.
ووصلت الخلافة إلى محمد الأمين قبل وصول الفضل بن [٣١ أ] الربيع مع رجاء الخادم «١٧٤» كان نفذه الفضل من الطريق فوصل ليلة الخميس النصف من جمادى الآخرة فكتم الأمين هذا الخبر يوم الخميس وتحوّل ليلة الجمعة من قصر الخلد إلى مدينة المنصور وأظهر وفاة الرشيد يوم الجمعة وخطب بالناس وصلّى بهم الجمعة. ولما خطب حمد الله وأثنى عليه ونعى الرشيد وعزّى نفسه وعزّى الناس عنه ثم أخذ البيعة له بالخلافة ثم نزل من المنبر «١٧٥» وما عاد رقاه بل اشتغل بلذّاته وأخذ ينهمك في الشرب وأساء التدبير في جميع الأمور حتى نفذ إلى المأمون يسومه النزول عن الرىّ وعن بعض كور خراسان التي كان أبوه في حياته ولّاه إياها. ثم نكث العهد الّذي عاهد أخاه عليه فجعله من العهد وبايع بالعهد لولده موسى وكان طفلا «١٧٦» . ثم نفذ إلى المأمون يأمره بالقدوم عليه فما امتثل أمره فنفذ إلى محاربته عليّ بن عيسى بن ماهان في أربعين ألف مقاتل. وكانت زبيدة تحب المأمون لنجابته وعقله وبرّه بأهله فنفذت إلى عليّ ابن عيسى بن ماهان قيدا من ذهب وقالت «١٧٧» : إن ابني محمدا الأمين أمرك أن تجيئه بعبد الله المأمون مقيدا وأنا أعزّه وهو عندي بمنزلة محمد فإذا قبضت عليه فلا تقيّده بقيد من حديد بل بهذا. قال: السمع والطاعة. ثم خرج من بغداد يطلب خراسان وحين سمع المأمون بذلك ندب لمحاربته طاهر «١٧٨» بن الحسين فلقيه بالريّ فكسر طاهر عليّ ابن عيسى واستباح عسكره وقتله. وكتب إلى المأمون على البريد رقعة [٣١ ب]
стр. 87
لطيفة فيها: «كتبت هذه الرقعة ورأس عليّ بن عيسى بين يدىّ وخاتمه في إصبعي وأنا منه لخبر لا معتدّ بأثر» «١٧٩» فحين وصلت الرقعة إلى المأمون وقرأها استحسن بلاغته واختصاره وقال لمن كان حاضرا عنده: سيجيء كتاب الفتح في طوامير ولا يكون فيه هذه البلاغة. وكان كما قال.
وحين نفذ الرأس إلى المأمون [كتب] يستأذنه فيما يعتمده بعد ذلك [ف] أمره المأمون أن يتوجّه إلى بغداد ويأتيه بأخيه محمد الأمين مقيدا كما أمر الأمين عليّ بن عيسى أن يعتمده في حقه. وحينئذ صعد المأمون المنبر وكان بمرو وخلع أخاه وذكر نكثه وغدره وفسقه وفجوره ودعا إلى نفسه فبايعه الناس. وكتب إلى طاهر بن الحسين عهدا بولاية خراسان وسائر بلاد المشرق وعقد له لواء ذا شعبتين ولقبه ذا اليمينين «١٨٠» .
وفيه يقول الشاعر:
يا ذا اليمينين وعين واحدة ... نقصان عين ويمين زائدة
وحين وصل الخبر بهزيمة [عليّ بن] عيسى وأسره وقتله إلى محمد الأمين وتوجه طاهر بن الحسين إلى بغداد كان على شاطئ دجلة يصطاد سمكا مع جماعة من الخدم وكان فيهم خادم يسمى «كوثرا» كان يعشقه. فقال: دعوني من صداع العسكر ومن هزم منهم ومن قتل، كوثر اصطاد ثلاث سمكات وما اصطدت إلا سمكتين «١٨١» .
وفي هذا الخادم يقول الأمين:
ما يريد الناس من صب بمن يهوى كئيب [٣٢ أ] ... أظلم الناس الّذي يلحى محبّا في حبيب
كوثر ديني ودنياي وسقمي وطبيبي «١٨٢»
ولما كان بعد أيام قلائل جاء طاهر بن الحسين وحاصر الأمين ببغداد، ودرست محاسن بغداد في ذلك الحصار واستولى طاهر على جميع محال بغداد ولم يبق شيء سوى الخلد الّذي كان الأمين ينزل فيه وهو مع ذلك لا يفيق من الشراب لحظة.
حكى «١٨٣» أن كوثرا خرج يوما يبصر الحرب فوقع فيه سهم فجاء إلى الأمين والدم
стр. 88
يسيل على وجهه فقام إليه يقبّل موضع الجرح ويمسحه بكمه ويقول:
ضربوا قرّة عينىّ ... ومن أجلى ضربوه
أخذ الله لقلبي ... من أناس أوجعوه
ثم قال للمغنين غنوا بها، ثم أراد أن يتمها أربعة فاعتاصت القافية عليه فاستدعى الفضل بن الربيع وقال له: من على بابنا من الشعراء؟ فقال: والله ما أعلم أن أحدا بقي عندنا منهم إلا عبد الله بن أيوب التيمي وهو على باب القصر. قال: فقل له يجيز هذين البيتين. فخرج إليه الفضل وأمره أن يجيز البيتين فأجازهما ببيتين آخرين وقال:
من رأى الناس له الفضل عليهم حسدوه ... مثل ما قد حسد القائم بالملك أخوه «١٨٤»
فاستحسنها ثم قال: والله هذا خير مما أردت. ثم قال: سلوه هل جئت على الظهر أو في الماء؟ فقال: لا بل على الظهر. قال: وكم كان معك حمل؟ قال: [٣٢ ب] ثلاثة. قال: أوقروها له دراهم ففعل ذلك. قال التيمي: واتفق أنى بعد قتل الأمين قصدت المأمون بخراسان فلما دخلت عليه ووقعت عينه في عيني قال: هيه يا تيمى:
مثل ما حسد القائم بالملك أخوه
قلت له: اسمع يا أمير المؤمنين تمامها وارتجلت في الحال:
نصر المأمون عبد الله لما ظلموه ... نقضوا العهد الّذي كانوا قديما أكّدوه
لم يعامله أخوه بالذي أوصى أبوه
قال: فاستحسن بديهتى ووصلني «١٨٥» .
ثم إن الأمين حين ضاق به الأمر أرسل إلى طاهر بن الحسين يطلب منه الأمان ويسأله أن يؤمّنه ليمضي إلى أخيه المأمون فينزل على حكم أخيه «١٨٦» ، فكان جوابه بل تنزل وفي حلقك ساجور أو تنزل على حكمي. فلما سمع الأمين جوابه قال: لا والله
стр. 89
لا أنزل على حكم عبد السوء العاض بظر أمه وما أبالى وقعت على الموت أو وقع الموت عليّ وخرج «١٨٧» من وقته إلى منظرة كانت له على دجلة وقال: ادعوا لي عمى إبراهيم ابن المهدي فدعوه له فقال له: يا عم قد عوّلت في بكرة غد أن أخرج وأسلّم نفسي إلى هرثمة، وكان من جملة قواد المأمون الواصلين في صحبة طاهر، وإنما يحملني على تسليم نفسي إليه لأني آمن على روحي إذا كنت عنده فهو يحملني إلى أخى فيرى رأيه في أمرى ولست آمن على روحي إذا حصلت عند الأعور. فقال له [٣٣ أ] عمه إبراهيم: فراسل هرثمة وأعلمه بأنك تخرج إليه ليكون مستعدا لخروجك. فنفذ إلى هرثمة يعلمه بذلك فأظهر له السرور بانضمامه إليه وأمّنه على نفسه وقال: أنا أقف في حراقتى على باب القصر مما يلي دجلة، فاخرج وانزل معى لأحملك معى إلى خيمتي.
ثم قال الأمين «١٨٨» : باللَّه يا عم ما ترى هذه الليلة وصفاء الجو فيها وحسن القمر على دجلة فلو وافقتني فشربنا ونمنا وإلى غد ألف فرج. فقال له إبراهيم: الرأى لك.
فأمر بإحضار الشراب وتناول رطلا ثم قال لإبراهيم: يا عم غنّنى لأشرب على غنائك فقال إبراهيم: ليس عودي معى. فقال: أحضر جارية تضرب عليك؟ فقال إبراهيم:
نعم. قال: فأحضر جارية اسمها ضعف فجاءت تحمل عودا فحين رأيتها تطيّرت من اسمها للحال التي كنّا عليها ثم أمرها فضربت وغنّيت ثم أمرها بالغناء فاندفعت تغني:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه
فإن لا يكونوا قاتليه فإنه ... سواء علينا ممسكاه وضاربه «١٨٩»
فاغتاض الأمين وتطيّر وقال لها: غنّى غير هذا، فاندفعت تغنّي:
أبكى فراقهم عيني فارقها ... إن التفرّق للأحباب بكّاء
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عدّاء
فقال لها الأمين: يا مشئومة كيف وقعت إلى هذا؟ غنّنى غيره فاندفعت تغني:
أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا سريعة الدّرك
ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في فلك [٣٣ ب]
стр. 90
إلا بنقل النعيم من ملك ... عات بسلطانه إلى ملك
وملك ذي العرش دائم أبدا ... ليس بفان ولا بمشترك
فضجر منها وكان بين يديه قدح بلّور اسمه زب رباح «١٩٠» وكان يحبه ويحب الجارية حبا شديدا فضربها به فانكسر وأدمى ساقها وتنغّص عليه عيشه وما كان فيه وقال: يا عم هذا والله آخر مدتي ومنتهى أيامى. قال إبراهيم: فقلت: الله، الله، بل الله يكفيك كل محذور، وإذا بصوت من ذلك الجانب من دجلة يخاطب آخر ويقول له: «قضى الأمر الّذي فيه تستفتيان» فقال: يا عم أسمعت؟ قلت: لا يا سيدي ما سمعت شيئا.
ولما كان في عشية اليوم الثاني دخل خادم إليه وقال له: الأمير هرثمة قد جاء في الحراقة ووقف بإزاء القصر فقام وحوله جواريه وخدمه وأولاده يبكون وهو يبكى حتى خرج من باب القصر فعطش واستسقى ماء فلم يكن هناك ما يسقى فيه الماء فجاءوا بكوز مكسور الرأس فشرب منه ونزل إلى حراقة هرثمة وسلم نفسه إليه. وكان خبره وخبر تنفيذه إلى هرثمة قد نمّ إلى طاهر فأنفذ عدة حراقات مشحونة بالرجال وأوقفهم في طريقه ليأخذوه من هرثمة فحين بعدت حراقة هرثمة عن باب القصر قليلا عارضهم أصحاب طاهر وتمسكوا بالحراقة ليأخذوا الأمين وتجاذبوا وتناوشوا فغرقت حراقة هرثمة.
فحكى «١٩١» أحمد بن سلام، صاحب المظالم ببغداد، قال: كنت مع محمد الأمين في الحراقة فلما غرقنا وكان قد جننا الليل، سبحت وصعدت [٣٤ أ] بعد الجهد الجهيد وكان الزمان باردا فلما صرت على الساحل وإذا برجل خراسانى من أصحاب طاهر قد وضع حبلا في عنقي وهو يجرنى وأنا حافى وهو يركض بالفرس فأجهدنى وعنّاني.
فقلت له: أيها الإنسان مالك في قتلى من حاجة وأنا رجل من أبناء النعم وما تعوّدت المشي على هذه الصفة التي تعاملني بها فأردفنى خلفك واحملني إلى حيث تشاء فإذا كان من الغد افتديت نفسي منك بعشرة آلاف دينار. فلما سمع ذلك منى أردفنى وراءه وحملني إلى دار لا أعرفها وأقعدنى في بيت منها وأغلق الباب عليّ ومضى وبقيت أرتعد
стр. 91
من البرد فبينا أنا على تلك الحالة إذ سمعت جلبة وإذا بقوم يدخلون الدار فطالعت من خصاص الباب وإذا بقوم معهم شموع ومشاعل وبأيديهم الأسلحة ومحمد الأمين بينهم عريان كان قد خرج من الماء وأسروه كما أسرونى إلا أنهم لا يعرفونه فجاءوا به إلى البيت الّذي كنت فيه وفتحوا الباب وأدخلوه إليّ وأنا قد رأيته وهو لا يراني لظلمة البيت الّذي كنت فيه ثم أغلقوا الباب ومضوا فسمع في البيت حسا فكأنه أنس بذلك وقال: من تكون؟ قلت: عبدك، قال: أيّ العبيد أنت؟ قلت: أحمد بن سلام. قال: تقدم إليّ فإنّي أجد وحشة فتقدّمت إليه ثم قال لي: قد بقي عليّ الوتر وأنا أصلّيه الآن. فقام ليصلي فإذا بالجماعة قد عادوا وهم يقولون بالفارسية «پسر زبيدة، پسر زبيدة» «١٩٢» فلما سمع آيس من نفسه ثم جاءوا إلى البيت الّذي كنا فيه وفتحوه فلو أنه ثبت [٣٤ ب] في مكانه لما عرفوا أينا الأمين إلا أنه لما رآهم أخذ مخدة كانت في البيت يتترس بها ويقول:
يا قوم إني ابن عم رسول الله وابن الرشيد وأخو المأمون. فقال أحدهم: لك نطلب وضربه على المخدة فسقط على وجهه فأكب عليه وذبحه من قفاه وأخذ رأسه وخرج وتركونى ما طعمت غمضا من هول ما رأيت. فلما كان وقت الصبح جاء الخراساني الّذي أسرنى وقال لي: أين أسيرى؟ قلت: أنا هو، قال: تكذب. أنت هرّبته وقعدت مكانه. قلت له: يا هذا ألست كنت وعدتك بعشرة آلاف دينار؟ فأنا أسلّمها إليك اليوم وهبنى كنت هو أو غيره. فلما سمع ذلك منى قال لي: يا هذا أسيرى البارحة كان شابا وأراك شيخا فمددت عيني نحو لحيتي وتأمّلتها وإذا قد وخطني الشيب من هول ما رأيت تلك الليلة وعرف الرجل صدق قولي فقال لي: قم امض لحال سبيلك وقد جعلتك في أوسع الحل من المال والله لا كنت سببا لأن أجمع عليك بين الفقر والشيب «١٩٣» .
ثم إن طاهر أخذ رأس الأمين ونفذه إلى مرو إلى المأمون فأدخلوه إليه على ترس وعنده ذو الرئاستين الفضل بن سهل وزيره. فقال المأمون: إنّا للَّه، أمرناهم أن يأتوا به أسيرا فأتوا به عقيرا «١٩٤» . فقال له الفضل: يا أمير المؤمنين إنه قد كان ما كان فاحتل لنا في العذر وحينئذ تمثل المأمون بهذين البيتين:
стр. 92
شفيت النفس من حمل ابن بدر ... وسيفي من حذيفة قد شفاني [٣٥ أ]
فإن أك قد بردت بهم غليلى ... فلم أقطع بهم إلا بنانى «١٩٥»
ثم بكى، فقال له الفضل: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: تذكّرت لمحمد مع عقوقه قليل برّه، أمر لي الرشيد يوما بمائة ألف دينار وأمر له بمائتي ألف ولم يعلم بذلك فبادرت فبشّرته بها فقال: يا أخى لعل في نفسك شيئا من تفضيلي عليك قد جعلتها بأسرها لك جزاء بشارتك لي فصرف الثلاث مائة ألف إليّ. فقال له الفضل: يا أمير المؤمنين كيف تحمد على بذل مال من سمح بسفك الدماء ونقض العهد والميثاق وآثر الغدر على الوفاء؟ فقال المأمون: ذلك هو الّذي يسلّينى عنه.
وكان مولد الأمين بالرصافة سنة إحدى وسبعين ومائة. وقتل ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة. وعمره ثمان وعشرون سنة، وكان جميلا لم يكن في زمانه أصبح وجها منه، وكان أقنى أنزع طويل القامة والعنق، أبيض الوجه أسود العينين أسود الشعر بعيد ما بين الكتفين متواضعا في كلامه وجلوسه، سخيّا بكل ما يملك. وفيه يقول عليّ بن الجهم في قصيدته المزدوجة التي ذكر فيها الخلفاء بأسرهم «١٩٦» :
وبايعوا محمد الأمينا ... فنكثوا البيعة أجمعينا
وأمّنوه ثم قتلوه ... ما هكذا عاهدهم أبوه
ثم انقضت أيام الأمين. وحكى «١٩٧» شيخ كان يتردد إلى يحيى بن خالد وهو في الحبس. قال: قال لي يوما يحيى بن خالد: قتل هارون أولادي والله [٣٥ ب] ليقتلنّ ولده. واستباح حريمي والله ليستباحن حريمه. وكنت أستبعد هذا وأقول من يقتل ولده ويستبيح حريمه إلى أن جاء طاهر ونهب دار هارون وقتل ولده محمدا وأخرج جواريه وحرمه حافيات حاسرات، فصحّ عندي ما قاله يحيى وصدقت قول القائل «١٩٨» :
من ير يوما يربه ... والدهر لا يغتر به
[قضاة الأمين: إسماعيل بن حمّاد [بن] أبى حنيفة [و] أبو البختري] [١] «١٩٩» .
стр. 93
أمير المؤمنين المأمون
هو أبو العباس، عبد الله بن هارون الرشيد. وأبو العباس كنيته كنّاه بها أبوه فأما هو فإنه تكنّى بعد موت أبيه بأبي جعفر وهي كنية الرشيد وكنية المنصور.
وأمه أم ولد كانت طبّاخة واسمها «مراجل» وأصلها من باذغيس، وكان أكبر من الأمين وكانت زبيدة بقيت مع الرشيد مدة لم تحبل فشكا ذلك إلى بعض خواصه فقال:
يا أمير المؤمنين نبّه رحمها بإحبال بعض جواريك. فدخل يوما إلى المطبخ فرأى مراجل المقدم ذكرها فجذبها وجامعها ونفذ إلى زبيدة من يعلمها بذلك. ونفذ إليها بعد أيام من يخبرها بأن مراجل حبلت. فلما كان بعد أيام قلائل حبلت زبيدة بالأمين «٢٠٠» .
وتقلّد المأمون الخلافة وسنه سبع وعشرون سنة، وكان مولده ببغداد في الليلة التي استخلف فيها الرشيد وهي ليلة النصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة. ولم تلبث أمه بعد ولادته إلّا قليلا وماتت وهو طفل فصيّره الرشيد في حجر الجوهري «٢٠١» [٣٦ أ] مولاهم فأرضعته زوجة سعيد، ثم كبر فأدّبه أبو محمد اليزيدي «٢٠٢» وجمع له الرشيد الفقهاء والمحدثين من الآفاق فبرع وفاق في سائر العلوم على سائر أبناء جنسه وعصره وكان يسمى نجيب بنى العباس، وكان الرشيد معجبا به شديد الحب له. وكان إذا رآه يصطنع الناس بأقواله وأفعاله ورأى محمد بن زبيدة يشتغل بجمع المال وبنى الدور والقرى يتمثّل بهذا البيت:
يبنى الرجال وغيره يبنى القرى ... شتّان بين قرى وبين رجال
وكانت زبيدة تعاتبه دائما وتقول: أنت تحب عبد الله أكثر من ابني. فقال لها يوما وقد ذكرت له ذلك: تريدين أن أعرفك الفرق بين محمد وبين عبد الله؟
قالت: الأمر لك. فدعا «٢٠٣» خادمين وقال لأحدهما: امض إلى محمد واجلس عنده وانبسط في الحديث ثم قل له في أثناء كلامك: يا سيدي إذا أفضت الخلافة إليك ماذا تصنع معى؟ وقال للآخر: امض إلى عبد الله واجلس عنده وتحدّث معه وقل له في أثناء حديثك مثل هذا وأعد عليّ ما يكون في جوابه فمضيا ولبثا ساعة وعاد
стр. 94
الخادم الّذي نفذه إلى محمد فقال له الرشيد: هات ما عندك، قال: يا أمير المؤمنين دخلت على محمد وعنده جماعة من المطربين والمساخر والصفاعنة والمخانيث وهو يشرب وهم يتصافعون ويتشاتمون وهو يضحك فجلست وتحدّثت كما أمرتنى ثم قلت له في أثناء كلامي: يا سيدي إن أفضت الخلافة إليك ما تصنع بى؟ فقال لي: [٣٦ ب] أعطيك كذا [و] كذا ألف دينار وأقطعك الضيعة الفلانية وأفعل معك وأصنع.
وبيناهم في الحديث جاء الخادم الآخر، فقال له الرشيد: هات ما عندك قال:
يا أمير المؤمنين دخلت على عبد الله فرأيت مجلسه مغتصّا بالفقهاء والشعراء والقرّاء وأصحاب الحديث وهو يفاوضهم فصبرت حتى تقوّض المجلس ودنوت منه ودعوت له وقلت: يا سيدي أرى والله مخايل النجابة عليك وإني لأشمّ من أعطافك روائح الخلافة فإن أفضت إليك فماذا تصنع معى؟ فلما سمع هذا الكلام منى استشاط غضبا وأخذ دواة كانت بين يديه فرماني بها وقال: بل يطيل الله بقاء أمير المؤمنين ويديم دولته ويمدّ في عمره ويجعلنا فداه. ويلك قد جئت تبشّرني بموت أبى وتطلب منى عند ذلك مراعاتى لك وإحساني إليك؟ لا أرانا الله يومه وقدّمنا قبله «٢٠٤» . فلما سمع الرشيد جوابهما وزبيدة أيضا تسمع قال لها: أتلومينني على الميل إلى عبد الله أكثر من محمد؟ والله ثم والله لولا مراقبتى لك وإشفاقي على قلبك لخلعت محمدا من العهد وقدمت عبد الله عليه.
وحين سافر الرشيد إلى الشام ولّاه الرقة وظهر من شهامته ما حمد أثره فيه.
وحين غزا الرشيد في سنة تسعين ومائة وهي غزاة هرقلة استصحبه معه وبان من شجاعته وإقدامه وتدبيره ما أدهش الناس.
وكانت بيعته بالخلافة ببغداد بعد قتل الأمين لأنه كان قد تسمّى بها وهو بخراسان لما وصله الخبر بقتل عليّ بن عيسى بن ماهان [٣٧ أ] .
ولما قتل الأمين وبويع المأمون ببغداد بالخلافة نفذ طاهر بن الحسين إليه مع
стр. 95
رأس الأمين ولديه عبد الله وموسى والبردة والقضيب والخاتم. وحين رأى المأمون ولدى الأمين ضمّهما وقبّلهما وأكرم مثواهما وأحضر الفقهاء والقضاة وزوّجهما ابنتيه.
وفي هذه السنة نفذ المأمون من خراسان جابر بن الضحاك وفرناس الخادم إلى المدينة لإحضار عليّ «٢٠٥» بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبى طالب- رضوان الله عليهم أجمعين- فوصل إليه وهو بمرو فنهض له وأجلسه معه على السرير وولّاه العهد من بعده وضرب الدراهم والدنانير باسمه وكتب إلى الآفاق ببيعته وخلع السواد ولبس الخضرة الأسمانجونية، وزوّجه المأمون ابنته أم حبيب. وتزوج المأمون بورّان بنت الحسن بن سهل زوّجه إياها عمّها الفضل بن سهل وزير المأمون، كل ذلك في يوم واحد. وكان الفضل بن سهل وأخوه الحسن منجمين مجوسيين، كانا يدوران القرى ومعهما زنبيل فيه الأصطرلاب وقوت يقتاتان به فأفضى أمرهما إلى أن صار أحدهما وزير المأمون وهو الفضل وصار أخوه الحسن أمير العراق وهما من قرية من سواد واسط يقال لها فم الصّلح «٢٠٦» .
وحين عقد المأمون البيعة بالعهد لعلىّ بن موسى الرضا قال له: يا أمير المؤمنين إن هذا الأمر لا يتم فأعفنى منه فلم يعفه. ولما وصل توقيع المأمون إلى بغداد بالبيعة لعلىّ ابن موسى الرضا شق ذلك على بنى [٣٧ ب] العباس وقالوا: إن تمت البيعة لعلىّ ابن موسى فهو لا يعهد إلى عباسي قط وإنما يعهد إلى ولده أو إلى أحد من أهل بيته.
فاجتمع أمرهم على شق العصا على المأمون وخلعه من الخلافة فخلعوه وبايعوا بالخلافة إبراهيم بن المهدي الأسود المعروف بابن شكلة ثم لإسحاق بن موسى الهادي بولاية العهد بعده وذلك في المحرم سنة اثنتين ومائتين، واتصل الخبر بالمأمون فندم على ما كان صدر منه. واتفق أن المأمون في يوم عيد أمر عليّ بن موسى الرضا على باب مرو بالخروج والخطبة والصلاة بالناس، فخرج وعلى بدنه قميص أبيض وعلى رأسه قطعة كرباس «٢٠٧» بيضاء وهو يمشى بين الصفوف ويقول: اللَّهمّ صلّ عليّ وعلى أبويّ
стр. 96
آدم ونوح، اللَّهمّ صلّ عليّ وعلى أبويّ إبراهيم وإسماعيل، اللَّهمّ صلّ عليّ وعلى أبويّ محمد وعليّ، فحين شاهده عسكر المأمون وهو على هذه الحال ترجّلوا كلهم وسجدوا له ووافقوه رجالة إلى المصلّى. وفي تلك الساعة دخل بعض قواد المأمون على المأمون وأخبره بصورة الحال فهاله الأمر وخاف أن تخرج الخلافة من يده في حال حياته، فنفذ من ردّ عليّ بن موسى قبل أن يصل إلى المصلّى وخرج هو وخطب بالناس.
واتفق في عقيب ذلك وفاة عليّ بن موسى فنفذ المأمون إلى بغداد وطيّب قلوب بنى العباس وأعلمهم برجوعه عما كان عليه من بيعة عليّ بن موسى وأخبرهم بموته وطلب من إبراهيم أن يخلع نفسه فما فعل فسار [٣٨ أ] المأمون بنفسه إلى العراق.
وحين وصل إلى سرخس قتل الفضل بن سهل وزيره بها في الحمام. ويقال: إن المأمون ألّب عليه والله أعلم بجلية الحال «٢٠٨» . وأراد المأمون أن يدفع عن نفسه هذه التهمة لئلا ينسب إلى قلة الحفاظ وسوء العهد فقلّد أخاه الحسن بن سهل الوزارة بعده ودخل بنفسه على أمه فعزّاها عنه وقال لها: إن ذهب أحد بنيك فقد بقي الابن الآخر، وأومأ إلى نفسه. فقالت: يا أمير المؤمنين كيف لا أبكى على ابن جعل لي ابنا مثلك «٢٠٩» ؟
وكان قدوم المأمون إلى بغداد في رابع عشر صفر سنة أربع ومائتين ولباسه ولباس أصحابه الخضرة. ولما رأى نفرة بنى العباس من الخضرة خلعها وعاد إلى السواد فما بقيت الخضرة إلا ثمانية أيام. وحين دخل المأمون واستقر ببغداد قصد دار زبيدة وعزّاها عن أخيه وبكى معها بكاء شديدا ولعن طاهرا كيف أقدم على قتله. ثم سألته أن يتغدّى عندها ففعل وأخرجت إليه جواري محمد ابنها يغنونه، فغنّته إحداهنّ:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه
فإن لا يكونوا قاتليه فإنه ... سواء علينا ممسكاه وضاربه
فوثب المأمون مغضبا، فقالت له زبيدة: يا أمير المؤمنين حرمني الله أجره إن كنت علّمتها أو دسست إليها. فصدّقها وتعجّب من ذلك الاتفاق «٢١٠» .
стр. 97
وجلس يوما جلوسا عاما فدخل عليه عمه إبراهيم «٢١١» [٣٨ ب] بن المهدي فقال:
السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال له: لا سلام عليك يا إبراهيم فقال له: على رسلك يا أمير المؤمنين لقد أصبح ذنبي فوق كل ذنب كما إن عفوك فوق كل عفو، فقال له المأمون: إن هذين أشارا عليّ بقتلك، وأومأ إلى الحسن بن سهل الوزير وإلى ولده العباس بن المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين والله لقد نصحاك وما غشّاك ولكنك إن قتلتني كنت قد عاقبتني على ذنب قد عاقبت عليه الناس قبلك وإن عفوت عنى فقد عفوت عن ذنب ما عفى عنه أحد قبلك. فقال المأمون: إن من الكلام ما يفوق السحر وإن كلام عمى منه، يا عم قد عفوت عنك. وأمّنه على نفسه وماله «٢١٢» .
وكان المأمون يقول: إني أحب العفو حتى أخاف أن لا أؤجر عليه، ولو علم الناس حبي للعفو لتقربوا إليّ بالذنوب «٢١٣» . وصار إبراهيم بن المهدي بعد ذلك من ندمائه والمتخصصين بخدمته، وكان يداعبه ويقول له: أنت الخليفة الأسود فقال له إبراهيم يوما: يا أمير المؤمنين أما سمعت قول سحيم «٢١٤» عبد بنى الحسحاس الأسود:
أشعار عبد بنى الحسحاس قمن له ... يوم الفخار مقام الأصل للورق
إن كنت عبدا فنفسي حرّة كرما ... أو أسود الخلق إني أبيض الخلق
وأنا أقول لك: «والشعر لإبراهيم» :
ليس يزرى السواد بالرجل الندب ... ولا بالفتى الأريب الأديب
إن يكن للسواد فىّ نصيب ... فبياض الأخلاق منك نصيبي [٣٩ أ]
فاستحسن البيتين ووصله.
واختفى الفضل بن الربيع من المأمون والمأمون يتطلبه ويطرح عليه الأعين وذلك لما كان في نفسه منه عند موت الرشيد ولأنه هو الّذي ألبّ عليه بنى العباس ببغداد حتى بايعوا إبراهيم وحسّن لإبراهيم فعله، وفي آخر الأمر ظفروا به وجاءوا به إلى المأمون فلما وقعت عليه عين المأمون قام وسجد ثم رفع رأسه وقال «٢١٥» : أتدري
стр. 98
لم سجدت؟ قال: نعم، قال: لماذا؟ قال الفضل: شكرا للَّه على أن أظفرك بعدوّك.
قال: لا والله بل شكرا للَّه تعالى كيف رزقني حلما أعفو به عن جرم مثلك «٢١٦» .
امض لحال سبيلك فقد عفوت عنك، ثم أمر فردّ عليه ما كان قد قبض في الديوان من أملاكه وخلع بعد ذلك عليه وأحسن إليه.
ثم إن المأمون أراد أن يبنى ببوران وكان قد أمهرها ألف ألف دينار، فقال أبوها للمأمون: يا أمير المؤمنين تجعل مهرها أن تبنى بها في قريتنا بفم الصّلح «٢١٧» فأجابه إلى ذلك. وأمر المأمون بعد ذلك لها بألف ألف دينار فأمر الحسن بن سهل فنثرت على العسكر يوم وصول المأمون إلى فم الصّلح.
وحكى «٢١٨» بعض وكلاء المأمون قال: انحدر في جملة المأمون إلى فم الصلح ثلاثون ألفا من الغلمان الصغار والخدم الصغار والكبار وسبعة آلاف جارية. وكان من يتبعهم يزيد على مائتي ألف نفس سوى سفن العسكر أربعة آلاف شبارة كبار وصغار فكنا نجري على ستة وثلاثين ألف ملاح.
وحين وصل المأمون إلى فم الصلح عرض العسكر [٣٩ ب] الّذي انحدر معه فكان أربع مائة ألف فارس وثلاث مائة ألف راجل. وكان الحسن بن سهل كل يوم يذبح في مطبخه ثلاثين ألف رأس من الغنم ومثليها من الدجاج وأربع مائة بقرة وأربع مائة فرس وأربع مائة جمل مدة مقامهم هناك ونفد الحطب من الرحال والآجام وأشجار الكروم فصاروا يعمدون إلى الخيم الكبار ويضربون النفط في أعمدتها وآلاتها من الأخشاب ويوقدونها تحت القدور «٢١٩» ، وجاف المعسكر من نتن كبود الحملان والدجاج وصار من ذلك على باب القرية مثل الجبل العظيم حتى احتاج الحسن بن سهل إلى أن نفذ إلى البوادي ومكارية القرى فأحضروا الجمال والبغال والحمير ونقلوا ذلك من موضعه في مدة ثلاثة أشهر ورموا به إلى دجلة وأراحت حافة دجلة إلى حد لم يمكن شرب الماء منها أياما عدة وكانت هذه الدعوة تسمى دعوة الإسلام. وحين بنى المأمون ببوران نثروا «٢٢٠» من سطح دار الحسن بن سهل على العسكر بنادق عنبر
стр. 99
فاستركّ «٢٢١» الناس ذلك وقالوا: في مثل هذا العرس ينثر بنادق عنبر؟! وإذا بصائح يصيح من السطح: كل من وقعت بيده بندقة فليكسرها وكل ما وجد فيها فهو له.
فكسر الناس البنادق و [وجدوا] في وسط كل بندقة رقعة وفي الرقعة مكتوب ألف دينار وفي أخرى خمس مائة وهكذا إلى مائة، وفي بعضها فرس وفي بعضها قرية وفي بعضها عشرة أثواب من الديباج أو خمسة [٤٠ أ] وأقل أو أكثر وفي بعضها بستان وفي بعضها غلام وفي بعضها جارية، فكل من وقعت بيده رقعة حملها إلى الديوان وأخذ ما فيها. ولما كان ساعة الزفاف جلست بوران على حصير منسوج من الذهب، ودخل «٢٢٢» المأمون عليها ومعه عماته وعدة من نساء بنى هاشم فنثر الحسن بن سهل عليهما ثلاث مائة لؤلؤة وزن كل واحدة مثقال فما مدّ أحد يده إليه فقال المأمون لعماته:
أكرمن أبا محمد بلقطة ومدّ يده فأخذ منه واحدة فحينئذ مدوا أيديهم ولقطوه.
وقال المأمون: قاتل الله أبا نواس كأنه كان حاضرا مجلسنا هذا حيث قال في وصف الخمرة:
كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء درّ على أرض من الذهب
ثم إن الحسن بن سهل بنى للمأمون في أيام كونه بفم الصلح القصر المعروف بالحسنى «٢٢٣» بالجانب الشرقي. وحين عاد المأمون من فم الصلح وبوران في صحبته نزل به وهو اليوم دار الخلافة ومن ذلك اليوم انتقل الخلفاء من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي. وامتدت أيام المأمون إلى سنة ثماني عشرة ومائتين.
فلما كان في هذه السنة غزا الروم وقهرهم وأخذ حصونهم وسبى ذراريهم وعاد من الغزو وأقام أياما بطرسوس وأعجبه المكان. ولما دخل رجب من هذه السنة خرج يوما إلى متنزه على باب طرسوس فرأى ماء جاريا وأشجارا مشتبكة ونسيما رقيقا، فقال لأصحابه: ننزل ونتغدّى [٤٠ ب] ها هنا. فقالوا: الصواب ما يراه أمير المؤمنين. فنزل ونزلوا وأمر فحمل الغداء إليه إلى ذلك الموضع فحين توسط الأكل قال: إن نفسي تطالبنى الآن برطب جنيّ ويكون أزاذ، فقالوا: يا أمير المؤمنين نحن في بلاد الروم من أين يكون ها هنا رطب أزاذ؟ فقال: نفسي كذا تطلب وهكذا تشتهي. فبينا هم في الحديث إذا سمعوا قعقعة جلاجل البريد الواصل
стр. 100
من بغداد وإذا على البريد أربع كنثات «٢٢٤» من الخوص ملؤها رطب أزاذ عهده ببغداد أربعة أيام ما تغيّر كأنه جنيّ في تلك الساعة من النخلة. فقدمت بين يديه فأكل منها. وكان ينعى نفسه في تلك الأيام ويقول: ملكت الدنيا وذلت لي صعابها وبلغت آرابى منها ويذكر وصول الرطب في ذلك اليوم ويقول: أظنه آخر عهدي بأكل الرطب، وكذلك كان فإنه مرض بعد أيام وعهد إلى أخيه أبى إسحاق، محمد بن الرشيد «٢٢٥» . ولما كان في يوم الثلاثاء السادس عشر من رجب، اشتدت علّته وكان نازلا في دار خاقان المفلحي خادم الرشيد المرابط بطرسوس. فأمر أن يفرش له الرماد وينقل عن الفرش التي كان نائما عليها ويوضع على الرماد عريانا ففعل به ذلك، وكان يتقلب على الرماد ويقول: يا من لا يزول ملكه «٢٢٦» ارحم من زال ملكه. وتوفى من ساعته- ﵀ وكان عمره ثمان وأربعين سنة وأربعة أشهر، وصلى عليه أخوه أبو إسحاق المعتصم [باللَّه] ودفن في داره المعروفة بالإمارة بطرسوس المعروفة [٤١ أ] أيضا بخاقان المفلحي، وفيه يقول الشاعر «٢٢٧» :
هل رأيت النجوم أغنت عن المأمون أو عن ملكه المأنوس ... خلفوه بعرصتي طرسوس مثلما خلفوا أباه بطوس
أما وزراء المأمون: فأولهم الفضل «٢٢٨» بن سهل، ذو الرئاستين، ثم أخوه الحسن بن سهل، ثم أحمد بن أبى خالد الأحول، ثم أبو جعفر، أحمد بن يوسف «٢٢٩» ، ثم أبو عباد ثابت بن يحيى «٢٣٠» ، ثم محمد بن يزداد «٢٣١» .
[قضاته «٢٣٢» : الواقديّ، ثم محمد بن عبد الرحمن المخزومي، ثم بشر بن الوليد، ثم يحيى بن أكثم.
كتّابه: الفضل بن سهل، ثم أخوه الحسن، ثم أحمد بن أبى خالد الأحول «٢٣٣» ، ثم أبو جعفر [أحمد] بن يوسف «٢٣٤» ، [ثم ثابت بن] يحيى، [ثم محمد بن يزداد] [١] وانقضت أيام المأمون- رضى الله عنه-.
стр. 101
أمير المؤمنين المعتصم باللَّه
هو أبو إسحاق، محمد بن هارون الرشيد، ولد بالرافقة «٢٣٥» في شعبان سنة ثمان وسبعين ومائة، واسم أمه ماردة وقيل ماريّة من مولدات الكوفة. وهو أول من أضاف اسم الخلافة إلى اسم الله .
بويع بالخلافة يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وبعد ذلك بأيام اجتمع جماعة الجند وشغّبوا وتحدّثوا في بيعة العباس بن المأمون وأظهروا خلاف المعتصم ومضوا بأسرهم إلى مضارب العباس فخرج إليهم وقال لهم: أيّ شيء تريدون منى؟ قالوا: نبايعك بالخلافة، قال: أنا قد بايعت عمى ورضيت به وهو كبيرى وعندي بمنزلة المأمون فانصرفوا خائبين «٢٣٦» .
ورحل المعتصم [٤١ ب] من بلاد الروم ودخل بغداد في شهر رمضان من هذه السنة وأحمد بن أبى دؤاد معه يسايره، وأقرّه على ما كان عليه في زمان المأمون من قضاء القضاة. وجلس على السرير الّذي في صدر الإيوان الكبير الّذي من دار الخلافة وكانت فيه صورة العنقاء وكان السرير من ذهب مرصّع بأنواع الجواهر، كان من جهاز بوران بنت الحسن بن سهل. ووضع على رأسه تاجا فيه الدر اليتيم، وهو أول خليفة تتوّج وما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، واستأذن إسحاق بن إبراهيم الموصلي في الإنشاد فأذن له فأنشد قصيدة أولها:
يا دار غيّرك البلى فمحاك ... يا ليت شعرى ما الّذي أبلاك
فتطيّر المعتصم وجعل الناس يتغامزون ويتعجّبون كيف خفي ذلك على إسحاق مع فضله ونبله وما كان يومأ إليه به فإنه لم يكن في زمانه فقيه ولا شاعر ولا مقرئ ولا راو للأحاديث ولا نسّابة ولا نحوىّ ولا لغويّ يدانى إسحاق في ذلك الفن الّذي تفرّد به، وكان الغناء أقل فضائله ومع ذلك فإنه فاق فيه على كل من بعده «١٢٣٦» .
وكان إسحاق بن إبراهيم يقول: أنا أول من بيّن عهد الواثق للناس فإن المعتصم بقي مدة في الخلافة لم يعهد إلى أحد من أولاده وكنت قد حلفت أننى لا أغنى إلا لخليفة
стр. 102
أو لولىّ عهد، فاستدعاني يوما هارون بن المعتصم، وهو الواثق، فلما حضرت عنده قال لي: أحب أن تغنّينى فامتنعت فنفذ إلى المعتصم وشكاني فأحضرنى المعتصم [٤٢ أ] وقال لي: ويلك يا إسحاق بلغ من أمرك أنك تتكبّر على هارون؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إني حلفت أنى لا أغنى إلا لخليفة أو لولىّ عهد. فقال: امض وغنّ له فلا شيء عليك. فعلم الناس أنه قد ولّاه العهد.
وفي سنة عشرين ومائتين جرى على الإمام أحمد بن حنبل «٢٣٧» - قدس الله روحه ونوّر ضريحه- ما جرى من الإخراق والحبس. وإنما حثّ المعتصم على ذلك وحمله على ما فعل به أحمد بن أبى دؤاد لأنه كان معتزليّا وكان الإمام أحمد- رضوان الله عليه- إمام السنّة. وحين أحضره المعتصم بين يديه سلّم وتكلّم بكلام أعجب الناس، ثم قال في أثناء كلامه: يا أمير المؤمنين إن لآبائى سبقا في هذه الدعوة فليسعني ما وسع أصحاب رسول الله- ﷺ من السكوت والرضى من جميعهم بأن القرآن كلام الله. فقال له ابن أبى دؤاد: أتقول إن الله خالق كل شيء أم لا؟ فقال الإمام أحمد- رضوان الله عليه-: بلى الله خالق كل شيء قال له: القرآن شيء أم لا شيء؟
قال الإمام أحمد: القرآن أمر الله وقد فرّق الله تعالى بين خلقه وأمره فقال- :
«لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ... » ٧: ٥٤ فالتفت المعتصم إلى ابن أبى دؤاد وقال: ذكرتم أن الرجل عامي وأراه يذكر بيتا قديما وشهد له كل من حضر بأنه من سراة بنى شيبان، ثم قال:
وذكرتم لي أنه جاهل وما أراه إلا معربا فصيحا، وأكرمه وأنعم عليه. وكان الإمام أحمد بن حنبل- رضوان الله عليه- إلى أن مات يثنى على المعتصم ويذكر فعله به ويترحّم عليه.
وقيل: لما مات الإمام أحمد [٤٢ ب]- رضى الله عنه- صلّى عليه ألف ألف وستمائة ألف رجل وأسلم وراء نعشه أربعة آلاف ذمي من هول ما رأوا.
وفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين كان المعتصم بسامراء بعد بنائه القصر المعروف بالجوسق «٢٣٨» جالسا فيه فجاء كتاب على البريد من ثغر الروم يذكر أن ملك الروم تطرق إلى نواحي الإسلام ومدّ يده إلى بعض القرى وأنه أسر منها جماعة وأنه كان
стр. 103
في جملة الجماعة امرأة هاشمية. وأنها صاحت: «وا معتصماه» فحين قرأ الكتاب نهض من ساعته وعبر إلى الجانب الغربي وأمر العسكر فخرجوا وسار ليلته والعساكر تتلاحق به وكان في مقدمته إيتاخ في أربعين ألف فارس أمره أن لا يركب أحد من عسكره إلا أبلق لأن ملك الروم لما سمع قول الهاشمية «وا معتصماه» أمر بتقييدها وقال: نفذى إلى المعتصم حتى يركب الأبلق ويخلصك من يدي. وحين وصل إلى أنقرة خرّبها وأحرقها، واجتاز بين أنقرة وعمّورية بدير وعلى سطح الدير راهب قد أتت عليه السنون، فكلّمه وهو لا يعرفه فقال له: يا راهب كم أتى عليك من العمر؟ قال:
رأيت المسيح بن مريم، فقال له المعتصم: هل وجدت في كتب الملاحم التي تكون عندكم أن مدينة عمّورية يفتحها أحد من المسلمين؟ قال: حيث كتبت الملاحم ما كان أحد من المسلمين وإنما رأيت في كتب الملاحم أنه لا يفتحها إلا أولاد الزنا.
فقال المعتصم: الله أكبر، عسكري كلهم الأغلب عليهم الأتراك والأتراك كلهم أولاد الزنا فإنه ليس بينهم شريعة ولا [٤٣ أ] سياسة «٢٣٩» ، ثم سار متوجها إليها ونزل بها أياما قلائل وأحرقها وهدم سورها وجاء بأبوابها إلى بلاد الإسلام ونصب منها مصراعين على الرقة ومصراعين على باب من أبواب دار الخلافة ببغداد وهما إلى الآن موجودان «٢٤٠» . وحين دخل إليها قصد في الحال البيعة الكبيرة وكسّر الأصنام وصلّى بالناس التراويح هناك، وكان دخوله إليها في رمضان، وأخذ ملك الروم أسيرا وطلب منه الهاشمية وأمر بإحضارها على الحالة التي كانت عليها فأحضرت تحجل في قيودها، فحين وقعت عينه عليها قام على قدمه وقال: لبّيك، لبّيك يا بنت العم أجبت دعوتك في أربعين ألف أبلق.
وكان المعتصم أميّا لا يحسن الخط والكتابة، وفي خلافته تعلّم أن يكتب العلامة على التوقيعات فكانت تلك العلامة أحسن من خط كل خليفة تقدّمه. وكان السبب في أنه ما كان يحسن الكتابة أنه كان في المكتب مع إخوته ومعهم جماعة من الخدم الصغار فتوفى أحد الخدم الذين كانوا معهم في المكتب فقال المعتصم: استراح والله
стр. 104
من الكتّاب، فسمع الرشيد بذلك فقال: وكأن أبا إسحاق يشقّ عليه الكون في المكتب إلى حد يفضل عليه الموت، أخرجوه من المكتب «٢٤١» فلي أولاد عدة فإن كان فيهم واحد لا يحسن الخط جاز.
وحكى محمد بن عبد الملك الزيات «٢٤٢» قال: لقد رأيت عجبا لما بايع أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي وبايعه جماعة بنى العباس بايعه أبو إسحاق المعتصم في [٤٣ ب] جملة القوم وقبّل ركابه فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثم لما عاد المعتصم من بلاد الروم واستقر بدار الخلافة بايعه بنو هاشم وجماعة من أهل الحل والعقد فركب يوما فجاء إبراهيم وقبّل ركابه في ذلك الموضع الّذي قبل هو فيه ركاب إبراهيم. فقال المعتصم:
حمّروها له فأعطى عشرة آلاف دينار.
وحكى محمد بن عبد الملك الزيات قال: كنت أيام حداثتي مع أبى في معصرة الزيت فجرى بيني وبين أبى كلام في شيء فقال: اخرج من بيتي واطلب رزقا لنفسك فأخذتني الحميّة وكنت أقول الشعر فقصدت الحسن بن سهل وامتدحته فأمر لي بعشرة آلاف درهم فأخذتها وصرفتها في مصالحي واشتغلت بالأدب وبرعت في صناعة الكتابة وترقّت بى المراتب إلى الوزارة «٢٤٣» .
وكان «٢٤٤» القاضي أحمد بن أبى دؤاد ولد حائك ترقّت به المراتب إلى أن صار قاضى قضاة العالم وصار يتحكم في الدول ويولّى الوزراء وولاة الأمصار ويعزلهم.
ولقد خرج المعتصم باللَّه يوما ليتنزه وكنّا نسايره، أنا على يمينه وأحمد بن أبى دؤاد على شماله، فتبسم المعتصم وقال: رحم الله الرشيد، [رحم الله الرشيد] هكذا يكررها دفعات، فقلنا له: يا أمير المؤمنين يرحمه الله ويطيل عمرك، هل تذكّرت من أحواله شيئا؟ قال: إي والله، أخذنى يوما في حجره وكنت صغيرا وقبّلنى، وكان يحبني حبا شديدا، وضرب بيده على كتفي وقال لي: أنت يا أبا إسحاق تكون أمير السفل، فلما رأيتك الآن [٤٤ أ] على يميني وأنت ابن زيات ورأيت القاضي على شمالي وهو ابن نسّاج ذكرت قوله فترحّمت عليه «٢٤٥» .
стр. 105
وفي سنة سبع وعشرين ومائتين استشعر المعتصم من ابن أخيه وهو العباس ابن المأمون فأمر فلفّ في دواج سمّور وشد طرفاه فاختنق فيه «٢٤٦» .
حكى محمد بن عبد الملك الزيات بعد وفاة المعتصم قال: ما رأيت أشهم من المعتصم ولا أشجع منه ولا أقوى قلبا وعهدي به يوم حريق عمّورية وهو أول من قفز إلى النار كأنه عقاب كاسر. وكان يمدّ يده إلى الأترج الأخضر في رءوس الشجر وهو مجتاز مستعجل فيأخذ من كل أترجّة نصفها في يده من غير أن يكسر الغصن ولا يميله.
وكان يضع السيوف المسللة في الميدان على الأرض ويجرى بالفرس فكلما قرب من واحد منها مال إليه وأخذه بذبابه بين أصابعه ثم رماه من يده حتى إذا قرب من الآخر فعل به مثل ذلك الفعل. وكان يعالج الحجر فيه أربعمائة رطل بالكبير. وكان يكون أبدا في يده عمود حديد عوض المقرعة فيه ثلاثون رطلا بالشامي. وكان في بكرة كل يوم إذا وقف يتعمّم يلقمه خادم السنبوسك «٢٤٧» فعدوا عليه إلى أن فرغ من التعميم مائة وخمسين سنبوسكة.
وحكى محمد بن عبد الملك الزيات قال: أذكر يوما والمأمون جالس على سرير الخلافة وأبو إسحاق أخوه واقف بين يدي السرير إذا انفلت سبع من السباعين وقطع السلاسل ودخل الدار وكان الناس وقوفا بين يدي المأمون سماطين فهربوا [٤٤ ب] كلهم ولم يثبت أحد ونهض المأمون من السرير ليهرب مع القوم فتعلّق ذيله في قائمة السرير فبقي معلّقا وقصده الأسد فبادر المعتصم وتلقى الأسد بنفسه وليس معه سلاح فلكمه في وجهه فخسف جبهته ووقع الأسد في صحن الدار وركبه المعتصم وأخذ يركله برجله إلى أن استرخى وضعف ثم قام من فوقه وأخذ يدوسه حتى قتله، إلا أن يد المعتصم التي لكم بها جبهة الأسد انفركت عن ساعده قليلا إلى أحد الجوانب فأمر المأمون بإحضار طبيب يعالجها على عجلة لتعود إلى مكانها بسرعة. فلما حضر الطبيب ورآها قال: أيها الأمير تأمر جماعة يمسكونك فإنّي أحتاج إلى جذب يدك عن تلك الجهة التي مالت إليها وربما آلمك ذلك ولم تثبت له فتضطرب فلا يتم لي ما أريد من معالجتك. فقال: وليس إلا هذا؟ قال: نعم وبعد ذلك أضمدها بضماد يقوّى المفصل.
стр. 106
فعمد المعتصم إلى أسطوانة صخر كانت في الدار فلكمها بيده في غير الجهة التي لكم بها الأسد فعادت يده إلى مكانها «٢٤٨» .
وكان المعتصم هو الثامن «٢٤٩» من ولد العباس، لأنه محمد بن هارون الرشيد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس، وكان الثامن من الخلفاء لأن أولهم السفاح ثم المنصور ثم المهدي ثم الهادي ثم الرشيد ثم الأمين ثم المأمون ثم المعتصم، وملك ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام.
وحكى المنجّمون أنه توفى في اليوم التاسع على ثماني ساعات من النهار. وخلّف [٤٥ أ] ثمانية بنين وثماني بنات، وخلّف في بيت المال ثمانية آلاف ألف دينار وثماني مائة ألف ألف درهم. وكانت فتوحاته ثمانية:
ولما دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين، مرض واشتدت علّته. قال زنام الزامر «٢٥٠» : قال لي المعتصم، وهو مريض، تركب معى في السفينة حتى نتنزّه ساعة؟
فقلت: الأمر لك يا سيدي، فركبت معه وكان كلما اجتاز على الأبنية التي بناها بسامرّاء بكى، ثم قال لي: يا زنام ازمر لي هذا الصوت:
يا منزلا لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك حاشاك بل ... بكيت عيشي فيك إذ ولّى
فجعلت أزمر وهو يبكى ويقول: ذهبت الحيل، أأوخذ أنا وحدي من بين هذا الخلق «٢٥١» ؟
وكان سبب بناء «٢٥٢» المعتصم مدينة سامراء أنه كان عسكره المقيمون بالحضرة لا يفارقونه سبع مائة ألف فارس وضاقت بهم بغداد وتنزّلوا على الناس في دورهم حتى هلك عدة أطفال تحت أرجل الخيل من شدة الزحمة في الأسواق. فخطب المعتصم يوما على منبر الرصافة فقام إليه شيخ وقال: مالك يا أبا إسحاق لا جزاك الله عن الجوار خيرا أيتمت أولادنا ورملت نساءنا بإسكانك هؤلاء العلوج بين أظهرنا، والله لنقاتلنك بما لا قبل لك به، فلم يتغيّر ومضى في خطبته. ولمّا نزل وصلى طلب الرجل وظن أنه هرب وإذا به واقف بإزائه فالتفت إليه غير مغضب وقال له: يا شيخ صدقت
стр. 107
فيما قلت وأنا أريحكم من هؤلاء العلوج ومن نفسي أيضا [٤٥ ب] ولكن بماذا كنت تقاتلني بما لا قبل لي به؟ فقال له الشيخ: بسهام الليل يا أبا إسحاق، قال:
صدقت. ومن ساعته رحل من بغداد إلى الموضع الّذي بنى فيه سامراء. وأمر ببناء المدينة وأسكن العسكر بها وطولها سبع فراسخ وهي الآن باقية وأبنيتها جديدة إلا أنها خالية، دخلت من باب من أبوابها أول النهار وخرجت من الآخر بعد الظهر فكانت هي منزلنا في ذلك اليوم.
وتوفى المعتصم بها لثمان بقين من ربيع الأول من سنة سبع وعشرين ومائتين، [١] وكان مولده في سنة ثمان وسبعين ومائة، وكان عمره ثمان وأربعين سنة، ودفن بسامراء وصلّى عليه ابنه هارون الواثق.
قال محمد بن عبد الملك الزيّات «٢٥٣» :
قد قلت إذ غيبّوك واصطفقت ... عليك أيدي التراب والطين
لا يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون
أما وزراؤه: فأولهم الفضل بن مروان «٢٥٤» ، وبعده أحمد بن عمّار «٢٥٥» ، وبعده محمد بن عبد الملك الزيات «٢٥٦» .
[قضاته: أحمد بن أبى دؤاد «٢٥٧» .
ابتداؤه: في رجب لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه لثمان عشرة ومائتين بالبدندون «٢٥٨» .
انتهاؤه وموته: في ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلة خلت منه بسرّ من رأى، ودفن بالجوسق وصلّى عليه ابنه هارون ويكنى أبا إسحاق.
عمره: سبع وأربعون سنة.
حاجبه: وصيف التركي.
نقش خاتمه: سل الله يعطيك.
كتّابه: الفضل بن مروان، ثم أحمد بن عمّار، ثم [محمد بن] عبد الملك الزيّات] [٢] .
стр. 108
أمير المؤمنين الواثق باللَّه
[٤٦ أ] هو أبو جعفر، هارون بن المعتصم باللَّه، بويع له يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وأمه جارية اسمها «قراطيس» رومية.
ووقّع إلى بغداد إلى واليها الأمير إسحاق بن إبراهيم المصعبي «٢٥٩» ليأخذ البيعة على الناس ببغداد فأخذها في يوم السبت «٢٦٠» وجلس الواثق للناس جلوسا عاما للهناءة فدخل إليه الشعراء وكان فيهم على بن الجهم فأنشده «٢٦١» :
وثقت بالملك الواثق باللَّه النفوس ... ملك يشقى به المال ولا يشقى الجليس
أسد تضحك عن شدّته الحرب العبوس ... أنس السيف به واستوحش العلق النفيس
يا بنى العباس يأبى الله إلا أن تروسوا
وكان الواثق شاعرا أديبا كريما حليما حافظا لأشعار العرب، عارفا بالغناء، يدعى المأمون الصغير. وكان المأمون يجلسه وأبوه المعتصم واقف. وهو ربّاه. وكان يقول للمعتصم: يا أبا إسحاق لا تؤدّب هارون فإنّي أرضى أدبه. وكان قد تبنّى به «٢٦٢» حتى كان يعلّمه الأدب والخط بنفسه ويقرئه القرآن بنفسه. وكانت أحواله كلها وتصاريفه شبيهة بأحوال المأمون. وكان الواثق لبلاغته يصعد المنبر ويرتجل الخطب على البديهية من غير أن يروّى فيها.
ومن شعره في إنسان من أهل بيته:
أنت الوضيع بنفسه لا بيته ... ما أنت من أعلى العيوب بسالم [٤٦ ب]
ولكل بيت دقة وقمامة ... تلقى وأنت قمامة من هاشم «١٢٦٢»
وكان أكرم الناس طبعا وأجود الخلق بالمال، أما كرم طبعه فيدل عليه ما حكى عنه المسدود «٢٦٣» المغنى وكان أخشم لا يشم شيئا ولذلك سمى المسدود. قال: كان الواثق على عينه اليمنى كوكب صغير قلّ ما كان يظهر إلا لمن يقرب منه فاتفق يوما
стр. 109
أن عملت أبياتا أولها:
من المسدود في الأنف إلى المسدود في العين
وغنّيت بها وذكرت اسمه فيها فأوصلها بعض من يعاندني إلى سمعه فدخلت عليه يوما فقال لي، وهو يضحك: أنت يا مسدود أحب هؤلاء كلهم إليّ للمناسبة التي بيننا، أنت في أنفك وأنا في عيني فمتّ فزعا فمازحنى وبسطنى وقال لي: لم تخاف منى؟
أترى حلمي لا يسع للذنوب الكثيرة فكيف لمثل هذا؟ ويحك ألست تربية المأمون؟
والله يا مسدود لقد جئت بها حلوة وسوف تبقى بعدنا على الدهر ولكن أعفنى من أخرى فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وإذا أردت أن تمجن فاستطرد بغيري.
وأما سخاوته، فيدل عليها ما حكاه إسحاق «٢٦٤» بن إبراهيم الموصلي بعد وفاة الواثق قال: كنت في أيام الواثق قد علت سنى وضعف بصرى وكان ديوان الراتب على الخلفاء قبله سوى الجوائز التي كانت تصلني في النواريز والأعياد وفي أعراسهم وأفراحهم سوى ما كان يصلنى من أتباعهم وخدمهم، خمسين ألف درهم. فقيل له:
وكم كان يكون كلما يصل [٤٧ أ] إليك من الوجوه كلها؟ فقال: أربع مائة ألف درهم.
قال: فلما ضعف بصرى في أيام الواثق لزمت بيتي ببغداد فكان الواثق يأمر والى بغداد من قبله وهو الأمير إسحاق بن إبراهيم بن مصعب بإيصال ديواني إليّ ما نقصني منه شيئا. فاتفق في بعض السنين أن ذكروني في مجلسه وقالوا: قد بقيت فيه بقية حسنة فلو أمرت بإحضاره لحصل لك به أتم أنس. فنفذ إليّ قاصدا من سامراء يستحضرني وتوقيعا إلى إسحاق بن إبراهيم بإزاحة علّتى في كل ما أحتاج إليه فامتثلت أمره وصرت إليه وأقمت عنده شهرا ثم إنه عنّ له أن يتصيد فخرج وخرجنا معه وكان يتصيد في نواحي عكبرا فلما وصلنا إلى عكبرا وقربنا من بغداد ذكرت أولادي واشتقت إليهم فقلت له: يا أمير المؤمنين قد حضرني بيتان قال: هاتهما فأنشدته:
طربت إلى الأصيبية الصغار ... وهاج لي الهوى قرب المزار
وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الديار من الديار «٢٦٥»
стр. 110
فأذن لي في المسير وأمر لي بمائة ألف درهم خارجة عن مرسومى. ولما كان العام القابل نفذ إليّ فشخصت إليه وبقيت عنده شهرا ثم استأذنته في أن أدخل مع القضاة بالسواد وأصلّى يوم الجمعة معه في المقصورة فقال: يا أبا محمد ولا كل هذا ولكنى اشتريت هذا منك بمائة ألف درهم ولا تحسبها المائة ألف التي أصلك بها عند عودتك فهذه خارجة عنها، وأمر لي بمائتي ألف درهم. وقال يوم توديعه: يا إسحاق [٤٧ ب] قد قلت بيتين في فلان الخادم، وكان يحبه، وقد صنعت فيهما لحنا من خفيف الرمل وأريد أن تسمع الشعر واللحن فقلت له: الأمر لك، فأخذ العود وغنّى:
يا ذا الّذي بعذابي ظل مفتخرا ... هل أنت إلا مليك جار إذ قدرا
لولا الهوى لتجازينا على قدر ... وإن أفق منه يوما واحدا سترى «٢٦٦»
فسمعت والله ما لم أسمع مثله فصاحة وطيبا فقلت له: يا سيدي أنت والله تغنّى أطيب منى فماذا تصنع بى وودّعته وانحدرت إلى بغداد وكان آخر عهدي به.
ومات الواثق بعلة الاستسقاء في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة «٢٦٧» ، ودفن بقصره المعروف بالهارونى بسامراء، وصلّى عليه قاضى القضاة أحمد بن أبى دؤاد، وكانت خلافته خمس سنين وستة أيام.
وحكى محمد بن عبد الملك الزيات قال: كان في مرضه يهذى بالشعر لاستجابة خاطره له. فاتفق أن دخل عليه في مرضه الحسن بن وهب كاتب إنشائه وكان قد تأخر عنه أياما لأنه كان مستهترا بالشرب، فلما رآه أنشد:
خدمة الواثق والكاسات في أيدي الملاح ... ليس يلتامان فاختر خدمة أو كاس راح
وحين توفى، كان وزيره ابن الزيات وديوان الخراج إلى عمر بن فرج الرّخجى «٢٦٨» وديوان البريد إلى الفضل بن مروان. وابن أبى دؤاد [٤٨ أ] قاضى القضاة، والحسن بن وهب «٢٦٩» كاتب الإنشاء، وعارض الجيش أشناس المعتصمى، ووالى