المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
كلية الشريعة بالرياض
قسم الفقه
المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية - جمعاً ودراسةً -
رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في الفقه
إعداد الطالب:
سناد تسرنكتش
إشراف الأستاذ الدكتور:
عبد الله بن عبد الواحد الخميس
الأستاذ بقسم الفقه بالكلية
العام الجامعي
١٤٤٠/ ١٤٤١ ه
стр. 2
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد جاءت نصوص كثيرة من الكتاب العزيز والسنة الصحيحة في تعظيم العلم ومكانة أهله، بل جعل الله الخير كل الخير لمن وفقه للسعي في تحصيل العلم النافع المورث للخشية، والتفقه في الدين، كما أخبر بذلك نبينا ﷺ حيث قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) (١).
وإن لعلم الفقه مكانة عالية ومنزلة رفيعة، وهو من أفضل ما يرام له من العلوم الشرعية، إذ به يُعرف الحلال والحرام، وعليه مدار صحة العبادات والمعاملات وصلاح أحوال الناس في الدنيا والآخرة.
ولذلك تسابق السلف الصالح إلى هذا الفضل العظيم، فاهتموا بالعلم الشرعي عامة، وأَوْلَوا الفقه عناية خاصة، فأفنوا أعمارهم في سبيله، تعلماً وتعليماً، جمعاً وتأليفاً وتصنيفاً، حتى تكونت في الأمة الإسلامية ثروة علمية فقهية عظيمة، ما بين متون متينة ومختصرات ومطولات، وشروح وحواشٍ، تحمل في طياتها اجتهادات مستنبَطة، وأحكامًا للحوادث والوقائع المستجدة، ومسائل مفترضة.
وإن الناظر في تاريخ الفقه الإسلامي وبنائه المرحلي بشكل عام، والمذهب الحنفي بشكل خاص، يجد نفسه أمام أدوار الفقه ومراحله المختلفة التي مرت به، ومن أهمها مرحلة المتأخرين التي هي أخصب مراحل الفقه من حيث الكتابة الفقهية.
стр. 3
فمن الملاحظ في هذه الفترة أنه قد أُلِّفت جُلّ المتون المعتمَدة المعتبَرة لدى الحنفية التي وُضعت لنقل ظاهر الرواية والأقوال المعتمدة في المذهب، ويلاحظ أيضًا تركيز العلماء على كلام أئمة المذهب المتقدمين على الحكم الفقهي المجرد عن الدليل والمناقشات، فحرروا الأقوال، وأكثروا من الأدلة، وتوسعوا في المناقشات والترجيح والردود على المخالف، مما تسبب في إثراء المذهب بكتب تُحرّر الأقوال، وتُبيّن أصول الأئمة وأدلتهم، وقد أدى ذلك إلى تقوية المذهب وتنظيمه.
ومن هذا المنطلق حرصت أن أسهم - ولو بجهد المقل - في تناول موضوع يتعلق بتلك الفترة الزمنية المهمة التي تُعبّر عن قوة المذهب والقول فيه، وهي فترة تعليل الأحكام المنقولة عن الأئمة، والترجيح بينها وبين الأقوال في المذاهب الأخرى بالاستدلال والمناقشات والردود، مقتصراً على المذهب الحنفي وبعض مصطلحاته؛ ليكون عنواناً للأطروحة التي أتقدم بها لنيل درجة ماجستير في قسم الفقه في كلية الشريعة، وقد وقع اختياري - بعد الاستشارة والتأمل - على الكتابة في موضوع:
(المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية - جمعاً ودراسةً -)
وضابط الموضوع هو: جمع المسائل الفقهية التي خصّصها المتأخرون من الحنفية بعلامة من علامات الإفتاء أو التصحيح أو الترجيح في المذهب مثل قولهم: عليه الفتوى، وبه يُفتى، وما شابههما أو في درجتهما، وذلك بالرجوع إلى الكتب المعتمدة التي أُلِّفت في فترة المتأخرين وأصحابها قد اعتنوا بالمسائل المخصصة المذكورة.
وفترة المتأخرين تبدأ من منتصف القرن الخامس، وتستمر حتى نهاية القرن السابع، وهي معتبرة عند أصحاب كتب طبقات الحنفية؛ لأنها فترة الانتصار للمذهب بتعليل الأحكام المنقولة عن الأئمة، والترجيح بينها وبين الأقوال في المذاهب الأخرى بالاستدلال والمناقشات والردود.
وقد جعلت ترتيب الفصول والمسائل موافقاً للتقسيم العام عند الحنفية، وهو: العبادات، والمعاملات، والعقوبات.
أهمية الموضوع:
تظهر أهمية الموضوع في النقاط الآتية:
стр. 4
١ - المسائل التي عليها الفتوى تمثل الراجح في المذهب الحنفي بحيث لا يجوز الخروج عنه في الإفتاء عند متأخري الحنفية.
٢ - اشتماله على الإضافة العلمية بحيث يجمع اختيارات الحنفية وراجح المذهب الحنفي في فترة تحرير أقوال أئمة المذهب، وبيان أصولهم وأدلتهم وتعليلاتهم مع المناقشة والرد على المخالف، وفي ذلك -كما لا يخفى- قوة المذهب ورسوخه بشكل عام.
٣ - علاقته بموضوع مصطلحات خاصة بالمذهب الحنفي وجانبها التطبيقي.
٤ - الحاجة ماسة إلى جمع مسائل البحث من مظانها، وترتيبها ودراستها دراسة علمية.
٥ - خدمته للعلوم الأخرى مثل التخريج الفقهي بشكل عام وتاريخ الفقه الإسلامي بشكل خاص.
أسباب اختيار الموضوع:
تظهر أسباب اختياري هذا الموضوع في النقاط الآتية:
١ - أهمية الموضوع كما سبق.
٢ - الرغبة في خدمة الفقه الحنفي بخاصة، والفقه الإسلامي بعامة.
٣ - موضوع الرسالة يلامس حاجة بلاد الباحث، حيث يسود فيها المذهب الحنفي.
أهداف الموضوع:
يهدف البحث في هذا الموضوع إلى ما يأتي:
١ - جمع المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية ودراستها.
٢ - دراسة مختصرة عن تاريخ المذهب الحنفي وطبقات العلماء فيه، وطبقات الكتب والمسائل، وكذلك المصطلحات وقواعد الترجيح.
٣ - التعرف على الراجح داخل المذهب الحنفي بدراسة المسائل الفقهية التي خُصصت بعلامات التصحيح والإفتاء، وذلك في فترة معينة محددة تعتبر فترة قوة المذهب والقول فيه من حيث الأدلة والردود والمناقشات.
٤ - دراسة مقارنة بين المسائل التي عليها الفتوى عند الحنفية والقول فيها وبين الراجح في المذاهب الأخرى.
стр. 5
٥ - التحقيق في مناهج الحنفية في الاستنباط والاستدلال والفتوى وعلاقتها بالمسائل التي يعتبر الخلاف فيها من اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان.
٦ - التحقيق في أسباب عدول العلماء عن التقيد بقواعد الترجيح الأغلبية في المذهب وعلاقته بالعدول عن ظاهر الرواية.
٧ - التعرف على استمرارية راجح المذهب في المسائل المحددة في الفترة ما بعد القرن السابع الهجري.
٨ - تحقيق بداية إطلاق مصطلحات الترجيح وعلامات الإفتاء في المذهب وشيوع استخدامها عند المتأخرين ومن بعدهم.
الدراسات السابقة:
الرسائل العلمية والبحوث التكميلية:
الدراسة الأولى:
أسباب عدول الحنفية عن الفتيا بظاهر الرواية، دراسةٌ تأصيليةٌ تطبيقيةٌ .... عنوان البحث:
لؤي عبد الرؤوف الخليلي الحنفي .... اسم الباحث:
دكتوراه .... الدرجة العلمية:
جامعة العلوم الإسلامية العالمية - عمان .... جهة الدراسة:
١٤٣٤ هـ .... تاريخ الدراسة:
مطبوعة .... حالة النشر:
مجلد .... حجم الدراسة:
- بيان المراد بالألفاظ الأساسية التي تضمنها عنوان البحث.
- أسباب العدول (العرف، والضرورة والحاجة، خبرة من يُعدل إلى قوله، عموم البلوى، الأقوى حجة عند أهل الترجيح).
- العدول لعدم ذكر المسألة في ظاهر الرواية وغيرها من الروايات، أو إلى قول في مذهب آخر.
- تأصيل العدول وأثر رسم المفتي فيه.
- العدول للتيسير ورفع الحرج.
стр. 6
- العدول للاحتياط.
- الخاتمة وأهم التوصيات .... التقسيمات الكبرى للدراسة:
هذه تناولت بشيء من الاختصار بيان مفهوم العدول وتأصيله، ومفهوم ظاهر الرواية في المذهب، وطبقات الفقهاء، وطبقات المسائل، والكتب المعتمدة، وأثر ذلك في العدول باختصار، كما بيّنت قواعد الترجيح في المذهب عند اختلاف الأقوال. وتناولت بشيء من التفصيل تأصيل معنى العدول، وأسباب عدول علماء المذهب عن الفتيا بظاهر الرواية، وذلك بتأصيل كل سبب من هذه الأسباب، وإلحاقه بأهم التطبيقات العملية عليه.
وتُعتبر تكملة قوية لموضوع بحثي؛ لأنها تناولت أسباب عدول العلماء عن الفتوى بظاهر الرواية كقاعدة من قواعد الترجيح عند الحنفية بخلاف هذا البحث الذي يهدف إلى دراسة المسائل التي ثبت فيها أن الفتوى عليها سواء بظاهر الرواية أم لا، وسواء تعارض بعضها بقواعد الترجيح المتنوعة الأخرى أم لا، وسواء عدل عنها العلماء في الإفتاء أم لا .... المقارنة بينها وبين موضوع الباحث، والإضافة العلمية عليها:
الدراسة الثانية:
المذهب الحنفي - مراحله طبقاته، ضوابطه ومصطلحاته، خصائصه ومؤلفاته .... عنوان البحث:
أحمد بن محمد نصير الدين النقيب .... اسم الباحث:
ماجستير .... الدرجة العلمية:
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض .... جهة الدراسة:
١٤١٩ هـ .... تاريخ الدراسة:
مطبوعة .... حالة النشر:
جزءان في مجلد ضخم .... حجم الدراسة:
стр. 7
- التمهيد في شرح عنوان البحث ونبذة عن حياة الإمام أبي حنيفة.
- معارف أساسية عن المذهب الحنفي (مراحل المذهب الحنفي، طبقات فقهاء المذهب الحنفي ومسائله، ضوابط التمييز بين الكتب والأقوال المعتبرة وغير المعتبرة في المذهب الحنفي، مصطلحات المذهب الحنفي، خصائص المذهب الحنفي)
- مؤلفات علماء المذهب الحنفي.
- والخاتمة في أهم نتائج البحث .... التقسيمات الكبرى للدراسة:
من الدراسات التي تعنى بالمذهب الحنفي من حيث أصوله ومصطلحاته ومؤلفاته، وهذه الدراسة لها علاقة بالبحث من ناحية بيان المصطلحات وأصول المذهب بشكل عام، والإضافة العلمية عليها دراسة بعض مصطلحات الترجيح في المذهب الحنفي بالتفصيل وفي فترة زمنية معينة .... المقارنة بينها وبين موضوع الباحث، والإضافة العلمية عليها:
الدراسة الثالثة
المدخل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان -رحمه الله تعالى- .... عنوان البحث:
أحمد سعيد حوّى .... اسم الباحث:
ماجستير .... الدرجة العلمية:
كلية الشريعة في الجامعة الأردنية .... جهة الدراسة:
١٤١٣ هـ .... تاريخ الدراسة:
مطبوعة .... حالة النشر:
مجلد - ٤٧٧ صفحة .... حجم الدراسة:
стр. 8
- المقدمة والتمهيد.
- أبو حنيفة والمذهب الحنفي.
- أصول فقه المذهب الحنفي.
- مصادر الحنفية ومصطلحاتم.
- الخاتمة .... التقسيمات الكبرى للدراسة:
من الدراسات التي تعنى بالمذهب الحنفي من حيث أصوله ومصطلحاته ومؤلفاته بشكل عام، والإضافة العلمية عليها دراسة بعض مصطلحات الترجيح في المذهب الحنفي بالتفصيل وفي فترة زمنية معينة .... المقارنة بينها وبين موضوع الباحث، والإضافة العلمية عليها:
الدراسة الرابعة:
الكواشف الجلية عن مصطلحات الحنفية .... عنوان البحث:
عبد الإله بن محمد الملا .... اسم الباحث:
دكتوراه .... الدرجة العلمية:
جامعة أم القرى .... جهة الدراسة:
١٤٢٠ هـ .... تاريخ الدراسة:
مطبوعة .... حالة النشر:
مجلد خفيف .... حجم الدراسة:
- المقدمة
- مصطلحات أقسام الحكم التكليفي.
- المصطلحات الدالة على أئمة المذهب وعلمائه.
- المصطلحات الدالة على كتب المذهب.
- المصطلحات الدالة على مسائل المذهب.
- المصطلحات الدالة على علامات الإفتاء.
- المصطلحات الدالة على بعض أحوال الأقوال والأحكام .... التقسيمات الكبرى للدراسة:
стр. 9
هذه الدراسة أُفردت من الرسالة العلمية التي حقق صاحبها القسم الأول من كتاب النهر الفائق، وهي أيضاً من الدراسات التي تعنى بالمذهب الحنفي من حيث مصطلحاته بشكل عام، والإضافة العلمية عليها دراسة بعض مصطلحات الترجيح والإفتاء في المذهب الحنفي بالتفصيل وفي فترة زمنية معينة .... المقارنة بينها وبين موضوع الباحث، والإضافة العلمية عليها:
إضافة إلى الكتب الكثيرة المؤلفة في تاريخ التشريع الإسلامي التي تعتبر مدخلاً لدراسة الفقه والمذاهب الفقهية بشكل عام.
стр. 10
منهج البحث:
أخذت في إعداد البحث بمنهجيْن: المنهج الخاص والمنهج العام، فأما الخاص فيحتوي على دراسة داخل المذهب الحنفي، وسلكت فيه الطريقة التالية:
o عرفت بالمسألة بوضع عنوان لها، وإرجاعها إلى مكانها في كتب الحنفية مع ذكر أقوى أدلتها الواردة في تلك الكتب.
o تحققت من أن هذه المسألة هي التي عليها الفتوى عند المتأخرين من الحنفية، وأنه لا يوجد خلاف في رجحان الحكم فيها بينهم.
o قارنت بين فترة المتأخرين والمتقدمين عند الحنفية، وكذلك بينها وبين ما جرى بعد سقوط بغداد بحيث يراعى في المقارنة تعارض القول في المسألة مع قواعد الترجيح الأغلبية عند الحنفية، مع ذكر أسباب التعارض وأدلته وأمثلته، وكذلك علاقة المسألة بالمسائل التي يعتبر الخلاف فيها من اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان.
وأما المنهج العام فأخذت بالمنهج المعتمد من قسم الفقه بكلية الشريعة، وهو ما يأتي:
أولاً: صوّرت المسألة المراد بحثها تصويراً دقيقاً قبل بيان حكمها؛ ليتضح المقصود من دراستها.
ثانياً: إذا كانت المسألة من مواضع الاتفاق، ذكرت حكمها بدليلها، مع توثيق الاتفاق من مظانه المعتبرة.
ثالثاً: إذا كانت المسألة من مسائل الخلاف، اتّبعت ما يلي ما يلي:
(١) حررت محل الخلاف، إذا كانت بعض صور المسألة محل خلاف، وبعضها محل اتفاق.
(٢) ذكرت الأقوال في المسألة، وبينت من قال بها من أهل العلم، ويكون عرض الخلاف بحسب الاتجاهات الفقهية.
(٣) اقتصرت على المذاهب الفقهية المعتبرة، مع العناية بذكر ما تيسر الوقوف عليه من أقوال السلف الصالح، وإذا كنت لم أقف على المسألة في مذهب ما، فقد سلكت بها مسلك التخريج.
(٤) وثّقت الأقوال من كتب أهل المذهب نفسه.
стр. 11
(٥) استقصيت أدلة الأقوال، مع بيان وجه الاستدلال من الأدلة النقلية، وذكرت ما يرد على الأدلة من مناقشات، وما يجاب به عنها إن كانت.
(٦) رجّحت الأقوال مع بيان سبب الترجيح، وذكرت ثمرة الخلاف إن وجدت.
رابعاً: اعتمدت على أمهات المصادر والمراجع الأصيلة في التحرير والتوثيق والتخريج والجمع.
خامساً: ركّزت على موضوع البحث وتجنبت الاستطراد.
سادساً: اعتنيت بضرب الأمثلة؛ وخاصة الواقعية.
سابعاً: تجنبت ذكر الأقوال الشاذة.
ثامناً: اعتنيت بدراسة ما جدَّ من القضايا مما له صلة واضحة بالبحث.
تاسعاً: رقّمت الآيات، وبيّنت سورها.
عاشراً: خرّجت الأحاديث وبيّنت ما ذكره أهل الشأن في درجتها - إن لم تكن في الصحيحين أو أحدهما - فإن كانت كذلك فقد اكتفيت حينئذٍ بتخريجها.
حادي عشر: خرّجت الآثار من مصادرها الأصيلة، وحكمت عليها.
ثاني عشر: عرّفت بالمصطلحات، وشرحت الغريب الوارد في صلب الموضوع.
ثالث عشر: اعتنيت بقواعد اللغة العربية والإملاء وعلامات الترقيم.
رابع عشر: ترجمت للأعلام غير المشهورين عند أول ورودٍ لها.
خامس عشر: ختمت البحث بملخص للرسالة، يعطي فكرة واضحة عما تضمنته الرسالة، مع إبراز أهم النتائج التي توصّلت إليها من خلال هذا البحث.
سادس عشر: أتبعت الرسالة بالفهارس الفنية المتعارف عليها، وتشمل:
- فهرس الآيات.
- فهرس الأحاديث.
- فهرس الآثار.
- فهرس الأعلام.
- فهرس المصادر والمراجع.
- فهرس الموضوعات.
стр. 12
تقسيمات البحث:
انتظمت خطة البحث في مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة وفهارس:
المقدمة: وفيها أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وأهدافه، والدراسات السابقة، ومنهج البحث وتقسيماته.
التمهيد: التعريف بمفردات عنوان البحث، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: نبذة في تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره.
المبحث الثاني: مقدمة في المذهب الحنفي، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: طبقات علماء المذهب الحنفي.
المطلب الثاني: طبقات الكتب والمسائل في المذهب الحنفي.
المطلب الثالث: مصطلحات المذهب الحنفي.
المطلب الرابع: قواعد الترجيح في المذهب الحنفي.
المبحث الثالث: المراد بالألفاظ الأساسية التي تضمنها عنوان البحث، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المراد بالمتأخرين في المذهب الحنفي، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: طبقة المتأخرين، تعريفها، نوعها، خصائصها وميزاتها.
المسألة الثانية: قوة المذهب والقول فيه في فترة المتأخرين.
المطلب الثاني: المراد بقولهم: (عليه الفتوى) في المذهب الحنفي، وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: مصطلح (عليه الفتوى)، تعريفه، نوعه، معناه، وأهميته ومكانته.
المسألة الثانية: مصطلحات مشابهة له في اللفظ والقوة.
المسألة الثالثة: دراسة المصطلح من حيث أول من أطلقه وشيوعه في المذهب.
الفصل الأول: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في العبادات، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: في مسائل الطهارة، وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: الوضوء، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الماء المستعمل.
المسألة الثانية: الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة.
стр. 13
المطلب الثاني: المسح على الجوربين.
المطلب الثالث: صلاة المتيمم إذا رأى النبيذ.
المطلب الرابع: الحيض والاستحاضة، وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: ثبوت حكم الحيض والنفاس والاستحاضة.
المسألة الثانية: نصب العادة للمبتدأة.
المسألة الثالثة: الطهر المتخلل بين الدمين.
المسألة الرابعة: تحديد سن اليأس.
المطلب الخامس: كيفية تطهير الخف ونحوه.
المبحث الثاني: في مسائل الصلاة، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: وقت صلاة المغرب.
المطلب الثاني: السجود على الأنف دون الجبهة.
المطلب الثالث: وقت ابتداء التكبير وانتهائه في أيام عيد الأضحى.
المبحث الثالث: الاحتيال لإسقاط الزكاة.
المبحث الرابع: محرم قتل صيداً في يد محرم آخر.
الفصل الثاني: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في المعاملات، وفيه عشرون مبحثًا:
المبحث الأول: في مسائل النكاح، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: غياب الولي الأقرب غيبة منقطعة.
المطلب الثاني: أثر النكاح الفاسد في تحديد المدة المعتبرة لإثبات النسب.
المطلب الثالث: السفر بالزوجة قبل إعطائها مهرها.
المبحث الثاني: الطلاق بغير العربية.
المبحث الثالث: ظهار الذمي.
المبحث الرابع: في مسائل الأيمان، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: قول: (كل حلال علي حرام).
المطلب الثاني: من حلف ألا يلبس حلياً فلبس عقد اللؤلؤ.
стр. 14
المطلب الثالث: من حلف أن لا يتكلم فقرأ القرآن.
المبحث الخامس: في مسائل النفقة، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: وقت وجوب النفقة للزوجة وقدرها.
المطلب الثاني: نفقة الزوجة إذا حُبست في دين.
المطلب الثالث: نفقة الزوجة إذا حُبست في سفرها مع محرم لأداء الحج.
المطلب الرابع: حد اليسار في النفقة.
المبحث السادس: في مسائل الإجارة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الإجارة على الطاعات.
المطلب الثاني: اختلاف المؤجر والمستأجر في أجرة العمل.
المبحث السابع: إسقاط حق الشفعة بالاحتيال وبتأخير الخصومة والمحاكمة.
المبحث الثامن: تذكية الصيد إذا أدركه المرسل حيّاً.
المبحث التاسع: في مسائل البيوع، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: ما يُعرَض بالأنموذج رؤيةُ بعضِه كرؤية كله.
المطلب الثاني: الرجوع بنقصان العيب في الطعام بعد أكله.
المطلب الثالث: الربا، وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: بيع الخبز بالحنطة والدقيق متفاضلاً.
المسألة الثانية: بيع الخبز بالحنطة والدقيق نسيئةً.
المسألة الثالثة: بيع الكرباس بالقطن.
المسألة الرابعة: استقراض الخبز وزنًا وعددًا.
المطلب الرابع: السلم في الخبز.
المبحث العاشر: ثبوت الوكالة بالقبض بثبوت الوكالة بالخصومة والتقاضي.
المبحث الحادي عشر: في مسائل المزارعة والمساقاة، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: حكم المزارعة.
المطلب الثاني: اشتراط الأعمال في المزارعة التي ليست منها.
المطلب الثالث: حكم المساقاة.
стр. 15
المبحث الثاني عشر: وقف العقار والمنقول.
المبحث الثالث عشر: في مسائل الدعوى والشهادة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الحقوق التي يجوز فيها اليمين، والحقوق التي لا يجوز فيها.
المطلب الثاني: الاقتصار على ظاهر العدالة في الشاهد المسلم.
المبحث الرابع عشر: في مسائل القضاء، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الحقوق التي يُقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي.
المطلب الثاني: إذا قضى القاضي في المجتهَد فيه مخالفاً لرأيه.
المبحث الخامس عشر: في مسائل القسمة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: كيفية قسمة البناء الذي له سفل وعلو.
المطلب الثاني: التعارض بين مصالح الجيران.
المبحث السادس عشر: ترك السلطان الخراج أو العشر لرجل.
المبحث السابع عشر: في مسائل الضمان، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ضمان الإتلاف.
المطلب الثاني: ضمان الساعي بغير حق.
المبحث الثامن عشر: في مسائل الحجر، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تحديد سن البلوغ وعلاماته.
المطلب الثاني: بيع القاضي عروض المدين وعقاره.
المبحث التاسع عشر: كيفيّة تقدير حكومة العدل.
المبحث العشرون: مقدار ما يوقف للحمل من الميراث.
الفصل الثالث: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في العقوبات، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الحد المتقادم.
المبحث الثاني: أثر المسافة في حد قطاع الطريق.
الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.
الفهارس، وهي:
стр. 16
-فهرس الآيات.
- فهرس الأحاديث.
- فهرس الآثار.
- فهرس الأعلام.
- فهرس المصادر والمراجع.
- فهرس الموضوعات.
وأخيرا فأحمد الله وأشكره على ما أعان ويسر وسدد، ثم أثني الشكر لكل من نصح وساند وعاون، كما أشكر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلة بكلية الشريعة، كما أخص بالشكر المشرف على هذا البحث الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن عبد الواحد الخميس -حفظه الله- على ما بذل من جهد ووقت كبيرين في الإشراف والتوجيه والإفادة، سائلا الله أن يجزيه عني خير الجزاء في الدينا والآخرة.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 17
التمهيد: التعريف بمفردات عنوان البحث، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: نبذة في تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره.
المبحث الثاني: مقدمة في المذهب الحنفي، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: طبقات علماء المذهب الحنفي.
المطلب الثاني: طبقات الكتب والمسائل في المذهب الحنفي.
المطلب الثالث: مصطلحات المذهب الحنفي.
المطلب الرابع: قواعد الترجيح في المذهب الحنفي.
المبحث الثالث: المراد بالألفاظ الأساسية التي تضمنها عنوان البحث، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المراد بالمتأخرين في المذهب الحنفي، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: طبقة المتأخرين، تعريفها، نوعها، خصائصها وميزاتها.
المسألة الثانية: قوة المذهب والقول فيه في فترة المتأخرين.
المطلب الثاني: المراد بقولهم: (عليه الفتوى) في المذهب الحنفي، وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: مصطلح (عليه الفتوى)، تعريفه، نوعه، معناه، وأهميته ومكانته.
المسألة الثانية: مصطلحات مشابهة له في اللفظ والقوة.
المسألة الثالثة: دراسة المصطلح من حيث أول من أطلقه وشيوعه في المذهب.
стр. 18
التمهيد
المبحث الأول: نبذة في تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره
تعريف الفقه لغةً واصطلاحًا:
قبل الدخول في الكلام عن الفقه وتاريخه وأدواره يحسن بنا تعريفه لغة واصطلاحاً حتى يتضح المراد منه.
تعريف الفقه لغةً:
تأتي كلمة الفقه في اللغة بمعنى العلم والنظر والتفطُّن فيما غمض، إذا ضُم عين الفعل أي فَقُه يَفْقُه إذا صار فقيهاً عالماً، وبمعنى مطلق الفهم إذا كُسر عينه أي فَقِه يَفْقَه بمعنى فهِم شيئًا ما (١). وقيل: إنه لا فرق بينهما (٢)، وكل عالم بشيء فهو فقيه (٣).
ثم خُص به علم الشريعة (٤) وعلم الفروع منها خاصة (٥)، وحقيقته الشَّقّ وَالفَتْحُ (٦)، فكأن الفقه في مرحلة التعلّم لا يكون إلا بالشَّقّ (الذي يأتي بمعنى المشقّة والإظهار والطلوع) (٧) والفتح (لما استُغلِق منه) (٨)، وفي مرحلة التعليم يمكن أن يقال: إن الفقيه من يشتق الكلام ويفتح به على الآخرين.
стр. 19
تعريف الفقه اصطلاحاً
اتخذ الفقهاء –رحمهم الله تعالى- مسارَين لتعريف الفقه بعد استقلاله عن غيره من العلوم الشرعية (١):
المسار الأول: ذهب أصحابه إلى أن الفقه حفظ مجموعة من مسائل الأحكام الشرعية العملية الواردة في الوحيَيْن، وما يُستنبط منهما، سواء كان قد حفظها بأدلتها أو لا (٢).
والمسار الثاني: الذي وافق أصحابه قول الأصوليين في تعريف الفقه، فقالوا: إن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية (٣).
شرح التعريف:
(العلم): معرفة المعلوم على ما هو به (٤)، وضده الجهل بأنواعه.
(الأحكام): الحكم عند الفقهاء هو أثر خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييراً أو وضعاً، فالحكم هو الأثر والنتيجة مثل الوجوب والاستحباب ونحوه، وليس الخطاب نفسه (٥).
(الشرعية): المتلقاة من الشرع ومأخوذة منه.
стр. 20
(العملية): المنسوبة إلى العمل، بأن يكون المحكوم عليه عملاً من أعمال المكلف غالباً، والمحكوم به حكم شرعي، مثل الزكاة واجبة.
(المكتسب): صفة للعلم، ومعناه المستنبط بالنظر والاجتهاد (١).
(من أدلتها التفصيلية): ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المحتج بها، والإجماع والقياس (٢)، وترتيبها الزمني يختلف عن ترتيبها الاعتباري.
وهذا التعريف من أجمع التعريفات وأمنعها وأرجحها عند كثير من العلماء، وهو المراد هنا. (٣)
محترزات التعريف:
- احترز بعبارة "العلم بالأحكام" عن العلم بالذوات والصفات الحقيقية (٤).
- احترز بلفظ "الشرعية" عن الأحكام العقلية مثل الواحد نصف الاثنين (٥)، وعن الأحكام الحسية (٦) مثل النار تحرق.
- احترز بلفظ "العملية" عن الأحكام العلمية مثل القياس حجة (٧)، وعن الأحكام الاعتقادية كالعلم بأن الله يخلق ويرزق ويدبر (٨).
стр. 21
- احترز بلفظ "المكتسب" عن علم الله تعالى وعلم جبريل والنبي فيما علمه بالوحي (١).
- احترز بعبارة "من أدلتها التفصيلية" عن علم المقلد لأئمة الاجتهاد، فإن المقلد لا يستدل بدليل تفصيلي على كل مسألة، بل بدليل واحد يعم جميع أعماله (٢).
وعليه فإن النبي – ﷺ لم يترك لأصحابه –﵃ فقهاً مدوّناً، بل جملةً من الأصول والقواعد الكلية المبثوثة في القرآن الكريم والسنة، إضافة إلى كثير من المسائل الفرعية والأقضية التي بيّن حكمها التفصيلي.
وبعد اتساع رقعة دولة الإسلام، وتباعد أطرافها وشمولها لكثير من الشعوب المختلفة لاقى الفقهاء –رحمهم الله تعالى- عادات ومعاملات ووقائع لا عهد لهم بها، فاحتاجوا إلى تنظيمها، وإقامة القواعد لها، وإنزالها المنازل اللائقة بها من أحكام الشريعة ومقاصدها، فصار الفقه الإسلامي يتطور، وتتّسع آفاقه، وتكبر معالمه على أثر تلك المستجدات التي كانت تظهر بصورة تدريجية، ومن هنا بدأ تطور الفقه الإسلامي وظهور أدواره. (٣)
أدوار الفقه الإسلامي:
الفقه الإسلامي مر بأدوار مختلفة، وقد أثرت فيه عوامل عديدة، وتنوّعت مصادره تبعاً لاختلاف أطوار حياته، ولذلك اختلف أصحاب كتب تاريخ الفقه الإسلامي في عدها تبعاً لاختلاف وجهات نظرهم ومناهجهم في الكتابة.
стр. 22
والواقع أنه لا توجد فواصل زمنية محددة لهذه الأدوار، بل هي نسبيّة (١)؛ لأن الفقه لم ينتقل من دور إلى آخر دفعةً واحدةً، بل وُجد بين بعض أدواره تشابه كبير (٢)، ولأنها وُضعت بحسب المميّزات الغالبة والحالة العامّة التي تكون عليها تلك الحقبة من تاريخ الفقه.
فمن قسم أدوار الفقه إلى ثلاثة أو أربعة فقد راعى ما يستجد في النشاط العلمي، ومن قسمها إلى ستة أدوار أو أكثر ففي الغالب راعى الأحداث السياسية التي مرت بالأمة الإسلامية، والتقسيم الذي فضّلته لقربه من عنوان البحث هو الآتي:
• الدور الأول: دور التأسيس: ويمتد من البعثة النبوية إلى وفاة الرسول – ﷺ سنة ١١ للهجرة.
• الدور الثاني: عصر الصحابة والتابعين: ويمتد من وفاة الرسول – ﷺ إلى الثلث الأول من القرن الثاني للهجرة، ويشمل هذا الدور مرحلتين اثنتين:
o المرحلة الأولى: عصر كبار الصحابة، وتشمل فترة الخلفاء الراشدين.
o المرحلة الثانية: عصر صغار الصحابة وكبار التابعين.
• الدور الثالث: دور التأصيل والتفريع: ويمتد من حوالي الثلث الأول من القرن الثاني إلى منتصف القرن الثالث، ويشمل مرحلتين اثنتين:
o المرحلة الأولى: مرحلة التأصيل، وهي مرحلة ظهور أئمة المذاهب الفقهية.
o المرحلة الثانية: مرحلة التفريع، وهي مرحلة كتابة الفقه وتدوينه.
• الدور الرابع: دور التطبيق وهو عصر مجتهدي المسائل، ويمتد من حوالي منتصف القرن الثالث إلى منتصف القرن الخامس، ويشمل مرحلتين اثنتين:
стр. 23
o المرحلة الأولى: مرحلة النبضات الأخيرة لعصور الاجتهاد المطلق.
o المرحلة الثانية: غلب عليها جنوح الفقهاء إلى التقليد وغلق باب الاجتهاد.
• الدور الخامس: دور النقد والتنقيح والاختيار، ويمتد من منتصف القرن الخامس إلى منتصف القرن السابع الهجري تقريباً.
• الدور السادس: دور التفقّه أو توليد المسائل وابتكار الأنظار والأبحاث، وهو أطول الأدوار زمناً، ويمتد من بداية القرن الثامن تقريبًا إلى أوائل القرن الثالث عشر الهجري.
• الدور السابع: دور احتكاك الفقه بالقوانين الوضعية، وفي هذا الدور محاولات تجديد في كتابة الفقه وإعادة صياغته وإخراجه في ثوب جديد بما يتلاءم مع متطلبات العصر. ويمتد هذا الدور من أوائل القرن الثالث عشر إلى الآن (١).
هذا ما يتعلق بأدوار الفقه الإسلامي عموماً، ولكن تبقى لكل مذهب خصائصه، وقد ذكر بعض الباحثين أن المذهب الحنفي خاصةً مر بثلاثة أدوار هي:
стр. 24
١. دور النشوء والتكوين: وهو دور التأسيس ووضع قواعد المذهب وأصوله الفقهية على يد إمام المذهب وتلاميذه المقربين، ويبدأ من عهد الإمام أبي حنيفة –رحمه الله تعالى- إلى موت آخر الأربعة الكبار، وهو الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي (١) (ت ٢٠٤ هـ) –رحمه الله تعالى-.
٢. دور التوسع والنمو والانتشار: ويبدأ من وفاة الحسن بن زياد اللؤلؤي –رحمه الله تعالى- إلى وفاة عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (٢) (ت ٧٠١ أو ٧١٠ هـ).
٣. دور الاستقرار: من وفاة النسفي إلى يومنا هذا (٣).
стр. 25
ويظهر من ذلك أن الدور الأول يشمل المجتهدين الإمام والأربعة الكبار من تلاميذه، والدور الثاني يشمل المجتهدين في المذهب، ولذلك اختتمه بالنسفي (ت ٧١٠ هـ)، والثالث يشمل كل من جاء بعده؛ لأن النسفي عده بعضهم من المجتهدين في المذهب، بل قيل: إنه اختتم به، ولم يوجد بعده مجتهد في المذهب (١).
والفائدة من ذكر هذه الأدوار تظهر في الربط بينها وبين طبقات علماء المذهب، وكذلك طبقات الكتب والمسائل والمصطلحات ربطاً زمنياً.
стр. 26
المبحث الثاني: مقدمة في المذهب الحنفي، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: طبقات علماء المذهب الحنفي.
المطلب الثاني: طبقات الكتب والمسائل في المذهب الحنفي.
المطلب الثالث: مصطلحات المذهب الحنفي.
المطلب الرابع: قواعد الترجيح في المذهب الحنفي.
стр. 27
المبحث الثاني: مقدمة في المذهب الحنفي:
المطلب الأول: طبقات علماء المذهب الحنفي:
إن فقهاء المذهب الحنفي كغيرهم من علماء الأمة ليسوا على درجة واحدة، وما عاشوا في فترة واحدة، والباحث عن طبقات فقهاء المذهب الحنفي يجد نفسه أمام عدة تقسيمات لها، صرح بها علماء الحنفية أو ألمحوا إليها في كتبهم، والفائدة من معرفة طبقات الفقهاء كبيرة، إذ ترجع إلى ترجيح الأقوال في المذهب، وتقديم بعضها على بعض (١).
стр. 28
وقد خلت كتب المتقدمين من الحنفية –فيما اطلعت عليه- من تقسيم يحصر الفقهاء في طبقات، لكن ذكرتْ بعض صفات تشير إلى ذلك مثل المجتهد (١)، وقد يُطلقون لفظ المجتهد على غير فقيه (٢)، وكذلك أهل الاجتهاد (٣)، والمقلد (٤)، وما إلى ذلك، وهي بوادر تقسيم طبقات الفقهاء حسب مكانتهم العلمية، وأول من ذكر تقسيمها على هذا النحو –فيما اطلعت عليه- أحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا (٥)(٦).
стр. 29
والنوع الثاني تقسيم طبقات الفقهاء بحسب وجودهم الزمني، فيقال: سلف (متقدمون)، وخلف (متوسطون)، ومتأخرون، وأول من ذكر ذلك –فيما اطلعت عليه- القاضي الأحمد نكري (١) في دستوره (٢).
стр. 30
والنوع الثالث تقسيمهم على إحدى وعشرين طبقة، وذلك بذكر فقيه أو مجموعة من الفقهاء وجعلهم في طبقة، مع بيان بعض مناقبهم، ثم ذكْر مجموعة أخرى، وجعلها في طبقة أخرى مع بيان بعض مناقبهم، وهكذا (١).
كل هذه التقسيمات لم تسلم من النقد والمآخذ، فالتقسيم الأول انتُقد من حيث انطباقه على الأفراد المدرجين في كل طبقة أو عدم انطباقه (٢)، وإن كان مقبولاً في الجملة من حيث هو كقاعدة عامة.
والثاني لم يغطِّ التطور الذي أعقب الإمام حافظ الدين البخاري (٣) ومن جاء بعده من علماء المذهب.
ويمكن أن يجاب عما أُخذ على هذا الدور بما يأتي:
стр. 31
- أن صاحب التقسيم نظر إلى حال النشاط العلمي إلى نهاية القرن السابع فعلّقه به كما فعل ذلك من كتب عن أدوار الفقه عمومًا وفي الفقه الحنفي خصوصًا، ولو علقه بموت النسفي (ت ٧١٠ هـ) –آخر المجتهدين في المذهب- لكان أضبط في نظر الباحث إذا نظرنا إلى التقسيم بأنه تفصيل لفترات زمنية اتصفت بوجود علماء ذوي صفات لا توجد إلا فيهم وفي هذه الفترة (١)،
- ومنها أن تضاف طبقة أخرى تسمى ب (ما بعد المتأخرين) إذا نظرنا إلى التقسيم بأنه تفصيل لفترات زمنية مجردة لا علاقة لها بصفات الفقهاء، وهو أظهر عندي؛ لعدم وضوح أسباب علمية لتحديد الفواصل بين طبقة وطبقة.
والثالث لم يُلتفت إليه كثيرًا؛ لأنه مجرد سرد أسماء "المشاهير من الأئمة الذين نقلوا علم الشريعة ونشروه بين الأمة الأقدم فالأقدم". (٢)
وأنسب هذه التقسيمات التقسيم الثاني مع مراعاة الأجوبة عن الإشكال الوارد فيه بحيث تنتهي فترة المتأخرين بموت النسفي، وما بعدها يطلق عليه فترة (ما بعد المتأخرين)، وتستمر إلى الوقت الحاضر.
стр. 32
المطلب الثاني: طبقات الكتب والمسائل في المذهب الحنفي:
كما أن للفقهاء طبقات –كما سبق- فإن للمسائل أو الكتب التي اشتملت عليها ونقلتها طبقات، فيقدم الأعلى منزلة، ويعتمد عليه عند التعارض.
وأما المسائل الفرعية فمنها ما رُوي عن إمام المذهب وأصحابه، ومنها ما استنبطه من جاء بعدهم من الفقهاء؛ فمنها ما يرجح على غيره لأسباب ترجع إلى قوة الدليل أو علو المصدر أو مكانة القائل، ومنها ما هو مردود لعكس ذلك أو غيرها من الأسباب.
وفائدة معرفة طبقات المسائل ترجع إلى تحديد القول الراجح، وتقديم الأقوى على غيره.
وتقسيم المسائل الفرعية عند فقهاء الحنفية إلى ثلاث طبقات (١) تقسيم مشهور وشائع (٢)، وخلاصته:
стр. 33
- الطبقة الأولى: مسائل الأصول، وتسمى ظاهر الرواية أيضاً، وهي مسائل رُويت عن أصحاب المذهب، وهم أبو حنيفة، وأبو يوسف (١)، ومحمد (٢) –رحمهم الله تعالى-، ويقال لهم العلماء الثلاثة، وقد يلحق بهم زُفَر (٣)، والحسن بن زياد، وغيرهما، ممن أخذ الفقه من أبي حنيفة –رحمه الله تعالى-، لكن الغالب الشائع في ظاهر الرواية أن يكون قول الثلاثة أو قول بعضهم.
стр. 34
وهذه المسائل التي تسمى بظاهر الرواية والأصول هي ما وُجد في كتب محمد التي هي: المبسوط، والزيادات، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والسير الصغير (١) والسير الكبير (٢).
وإنما سميت بظاهر الرواية؛ لأنها رُويت عن محمد بروايات الثقات، فهي ثابتة عنه، إما متواترة أو مشهورة (٣).
- الطبقة الثانية: مسائل النوادر، وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب المذكورين، لكن من غير الكتب المذكورة، إما في كتب أُخر لمحمد كالكيسانيات والهارونيات والجرجانيات والرقيات (٤).
стр. 35
وإنما قيل لها: غير ظاهر الرواية؛ لأنها لم ترد عن محمد بروايات ظاهرة ثابتة صحيحة كالكتب الأولى، وإما في كتب غير كتب محمد، ككتاب المجرَّد للحسن بن زياد، وغيره، وإما بروايات مفردة مثل رواية ابن سماعة (١)، ومُعَلَّى بن منصور (٢)، وغيرهما في مسائل معينة.
- الطبقة الثالثة: الفتاوى وتسمى بالواقعات أيضًا، وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون، ولم يجدوا فيها روايةً عن أصحاب المذهب وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد، وأصحاب أصحابهما، وهلمّ جراًّ، وهم كثيرون.
وقد يتفق لهؤلاء أن يخالفوا أصحاب المذهب لدلائل وأسباب ظهرت لهم بعدهم.
وأول كتاب جمع فتاواهم كتاب النوازل للفقيه أبي الليث السمرقندي (٣)، وكذلك العيون له، فإنه جمع صور فتاوى جماعة من الفقهاء، ممن أدركهم بقوله: "سئل أبو القاسم في رجل كذا أو كذا، فقال: كذا وكذا"، و"سئل محمد بن سلمة عن رجل كذا وكذا، فقال: كذا وكذا"، وهكذا (٤).
وأما الكتب في المذهب الحنفي من حيث الاعتماد عليها واعتبار المسائل التي فيها يمكن تقسيمها بأكثر من اعتبار:
- الاعتبار الأول:
стр. 36
تقسيمها من حيث الرواية –وقد سبق الكلام في تقسيم المسائل-، وذلك بأن يقال: كتب ظاهر الرواية، وكتب النوادر، وكتب الفتاوى والواقعات.
- الاعتبار الثاني:
تقسيمها من حيث تقديم بعضها على بعض في الاعتماد إلى:
o المتون (١).
o الشروح (٢).
стр. 37
o الفتاوى (١).
- الاعتبار الثالث:
تقسيمها من حيث مصدرها وبناء بعضها على بعض، وذلك على النحو الآتي:
o كتب الأصول أو ظاهر الرواية وكتب النوادر.
стр. 38
o الكتب التي جمعت واختصرت كتب ظاهر الرواية كلها أو بعضها، ومنها على سبيل المثال: الكافي (١)، ومختصر القدوري (٢)(٣)، وبداية المبتدئ (٤)، وتحفة الفقهاء (٥) أو التي جمعت واختصرت كتب النوادر مثل المنتقى (٦).
o الكتب التي شرحت كتباً من الطبقة السابقة مثل المبسوط (٧)، وبدائع الصنائع (٨)، والهداية (٩)، وهكذا.
وتقسيمها بالاعتبار الثاني هو المراد في هذا البحث.
стр. 39
المطلب الثالث: مصطلحات المذهب الحنفي:
لفقهاء المذهب الحنفي مصطلحات خاصة بهم ترد في كتبهم، ويقصدون بها معنى معيناً مثل مصطلحات خاصة بالكتب والمصنفات، أو مصطلحات خاصة بالأعلام والأئمة، أو مصطلحات خاصة بعلامات الفتوى والترجيح.
ومن هذه المصطلحات ما هو عام في كتب المذهب، ومنها ما هو خاص بكتاب معين.
فمن المصطلحات الخاصة بالكتب ويتكرر ذكرها في المصنفات بشكل عام ما تقدم عند الكلام عن طبقات الكتب مثل كتب ظاهر الرواية، وكتب النوادر، وكتب الفتاوى والواقعات.
ومن المصطلحات الخاصة بكتاب معين على سبيل المثال صنيع الموصلي في المختار (١).
ومن المصطلحات الخاصة بالأعلام على سبيل المثال لا الحصر (٢):
- الأئمة الثلاثة أو أئمتنا الثلاثة: يراد بههم الإمام أبو حنيفة صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني.
- الصاحبان – أبو يوسف ومحمد.
- الشيخان – أبو حنيفة وأبو يوسف.
- الطرفان – أبو حنيفة ومحمد.
- شمس الأئمة – عند الإطلاق يراد به شمس الأئمة السَّرخسي (٣)(٤).
стр. 40
والمصطلحات الخاصة بعلامات الفتوى والترجيح هي المصطلحات التي تُستعمل للدلالة على القول المختار في المذهب، ومنها على سبيل المثال: عليه الفتوى، وبه يفتى، وبه نأخذ، وعليه الاعتماد، وعليه عمل اليوم، وهو الصحيح، وهو الأصح، وهو الظاهر، وهو الأظهر، وهو المختار، وعليه فتوى مشايخنا، وهو الأشبه، وهو الأوجه إلخ (١).
فإذا اقترن قول بمصطلح أو لفظ من هذه الألفاظ كان هو القول الراجح أو المفتى به.
وواضح أن بعض هذه الألفاظ أقوى من بعض في الدلالة على القول المفتى به أو الراجح، ومن ثم فيُقدم على غيره.
فلفظ الفتوى –الذي فيه حروف الفتوى الأصلية بأي صيغة عُبِّر بها- أقوى من لفظ الصحيح والأصح والأشبه والأحوط والأظهر، فإذا صُرِّح بمصطلح الفتوى في قول عُلِم أنه المأخوذ به.
ولفظ الأصح آكد من لفظ الصحيح، ولفظ الأحوط آكد من لفظ الاحتياط، ويقال ذلك في كل ما عُبِّر فيه بأفعل التفضيل (٢).
وقد تبين من ذلك أن مصطلح (عليه الفتوى) و (به يفتى) من أقوى المصطلحات دلالة على القول الراجح أو المفتى به إذا اقترن بها (٣).