стр. 36
← Фикх ханафи следующие страницы →
Фикх ханафи · id 1229
المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية - جمعا ودراسة-
سناد تسرنكتش
Полный текст (676 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 37
o الفتاوى (١).
- الاعتبار الثالث:
تقسيمها من حيث مصدرها وبناء بعضها على بعض، وذلك على النحو الآتي:
o كتب الأصول أو ظاهر الرواية وكتب النوادر.
стр. 38
o الكتب التي جمعت واختصرت كتب ظاهر الرواية كلها أو بعضها، ومنها على سبيل المثال: الكافي (١)، ومختصر القدوري (٢) (٣)، وبداية المبتدئ (٤)، وتحفة الفقهاء (٥) أو التي جمعت واختصرت كتب النوادر مثل المنتقى (٦).
o الكتب التي شرحت كتباً من الطبقة السابقة مثل المبسوط (٧)، وبدائع الصنائع (٨)، والهداية (٩)، وهكذا.
وتقسيمها بالاعتبار الثاني هو المراد في هذا البحث.
стр. 39
المطلب الثالث: مصطلحات المذهب الحنفي:
لفقهاء المذهب الحنفي مصطلحات خاصة بهم ترد في كتبهم، ويقصدون بها معنى معيناً مثل مصطلحات خاصة بالكتب والمصنفات، أو مصطلحات خاصة بالأعلام والأئمة، أو مصطلحات خاصة بعلامات الفتوى والترجيح.
ومن هذه المصطلحات ما هو عام في كتب المذهب، ومنها ما هو خاص بكتاب معين.
فمن المصطلحات الخاصة بالكتب ويتكرر ذكرها في المصنفات بشكل عام ما تقدم عند الكلام عن طبقات الكتب مثل كتب ظاهر الرواية، وكتب النوادر، وكتب الفتاوى والواقعات.
ومن المصطلحات الخاصة بكتاب معين على سبيل المثال صنيع الموصلي في المختار (١).
ومن المصطلحات الخاصة بالأعلام على سبيل المثال لا الحصر (٢):
- الأئمة الثلاثة أو أئمتنا الثلاثة: يراد بههم الإمام أبو حنيفة صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني.
- الصاحبان – أبو يوسف ومحمد.
- الشيخان – أبو حنيفة وأبو يوسف.
- الطرفان – أبو حنيفة ومحمد.
- شمس الأئمة – عند الإطلاق يراد به شمس الأئمة السَّرخسي (٣) (٤).
стр. 40
والمصطلحات الخاصة بعلامات الفتوى والترجيح هي المصطلحات التي تُستعمل للدلالة على القول المختار في المذهب، ومنها على سبيل المثال: عليه الفتوى، وبه يفتى، وبه نأخذ، وعليه الاعتماد، وعليه عمل اليوم، وهو الصحيح، وهو الأصح، وهو الظاهر، وهو الأظهر، وهو المختار، وعليه فتوى مشايخنا، وهو الأشبه، وهو الأوجه إلخ (١).
فإذا اقترن قول بمصطلح أو لفظ من هذه الألفاظ كان هو القول الراجح أو المفتى به.
وواضح أن بعض هذه الألفاظ أقوى من بعض في الدلالة على القول المفتى به أو الراجح، ومن ثم فيُقدم على غيره.
فلفظ الفتوى –الذي فيه حروف الفتوى الأصلية بأي صيغة عُبِّر بها- أقوى من لفظ الصحيح والأصح والأشبه والأحوط والأظهر، فإذا صُرِّح بمصطلح الفتوى في قول عُلِم أنه المأخوذ به.
ولفظ الأصح آكد من لفظ الصحيح، ولفظ الأحوط آكد من لفظ الاحتياط، ويقال ذلك في كل ما عُبِّر فيه بأفعل التفضيل (٢).
وقد تبين من ذلك أن مصطلح (عليه الفتوى) و (به يفتى) من أقوى المصطلحات دلالة على القول الراجح أو المفتى به إذا اقترن بها (٣).
стр. 41
المطلب الرابع: قواعد الترجيح في المذهب الحنفي:
يقصد بالترجيح هنا بيان ما يعتمد عليه من أقوال أئمة المذهب عند التعارض أو ما يعتمد عليه من ورواياتهم المختلفة (١).
إذا ورد عن الإمام أو أحد من أصحابه قولان في مسألة، وصدر كل قول في وقت مختلف (٢) وعُلم المتأخر فهو معتبر، والآخر متروك، وإذا لم يُعلم المتأخر نُقل القولان معاً (٣)، وعند ذلك يصار إلى الترجيح بينهما وفقه القواعد الاستقرائية الأغلبية المبثوثة في بطون الكتب المختلفة، وكثيراً ما تتأثر بأمور منها: وصف المرجِّح بالاجتهاد أو عدمه، واختلاف عصر وزمان، والضرورة.
وقواعد الترجيح في المذهب الحنفي يمكن تقسيمها إلى أربعة أنواع:
- النوع الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بطبقات الكتب والمسائل، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك (٤)، وتبين أن رواية الأصول تُقدم على رواية النوادر، وأن المتون تُقدم على الشروح، وهذا في الحقيقة قاعدة الترجيح بين القولين المختلفين.
стр. 42
فإذا كانت المسألة في غير ظاهر الرواية، ووافقت رواية الأصول، واتفق عليها المتأخرون يُعمل بها، وإن لم يوجد لها رواية عن أئمة المذهب، وإن اختلفوا (١) فإن المفتي يجتهد ويفتي بما هو صواب عنده، (٢) وإن لم يكن مجتهداً فيقدم قول الأكثر مما اعتمد عليه الكبار المعروفون (٣). قلت: ويفهم من ذلك أنه لا يُعمل بها إن خالفت رواية الأصول.
وإذا كانت المسألة في كتب ظاهر الرواية أو في المتون فقط، أو في كتب النوادر أو في الشروح فقط، فحينئذ يصار إلى بقية قواعد الترجيح.
- النوع الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالأشخاص، وفيها شيء من التفصيل:
o إذا اتفق أئمة المذهب على قول فإن على المفتي أن يفتي بقولهم، ولا يلتفت إلى من خالفهم (٤).
o وإن اختلف أئمة المذهب على أكثر من قول:
• فإن كان مع أبي حنيفة أحد صاحبيه فإنه يؤخذ بقولهما، إلا لضرورة أو موجب.
• وإذا خالف أبا حنيفة صاحباه، فإن كان اختلافهم اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان؛ فإن المفتي يأخذ بقول صاحبيه، إلا لضرورة أو موجب، وفيما سوى ذلك يتخير ويعمل بما أفضى إليه رأيه، وقيل: لا يتخير إلا المفتي المجتهِد وإلا فيقدم قول الإمام مطلقاً، وقيل: يؤخذ بقول أبي حنيفة مطلقاً؛ لأنه رأى الصحابة، وزاحم التابعين في الفتوى، فقوله أقوى (٥). وكذا لو افترضنا انعدام المجتهدين أو المفتين القادرين على الترجيح بالنظر إلى الدليل.
стр. 43
• وإن كان لكل واحد منهما قول، فيقدم قول أبي حنيفة، وإن لم يوجد له قول قُدّم قول أبي يوسف، ثم قول محمد، ويقدم من بعدهما قول زفر والحسن بن زياد اللؤلؤي؛ لأنهما في مرتبة واحدة. وهذا الترتيب يعمل به المفتي غير المجتهد، وأما المجتهد فيتخير بما ترجح عنده وأفضى إليه اجتهاده (١).
- النوع الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بالموضوعات، وهي ناتجة -في الغالب- عن تطبيق القواعد السابقة، وباستقراء الآراء الراجحة من قبل العلماء تبين ما يلي:
o يقدم قول الإمام أبي حنيفة في مسائل العبادات مطلقاً ما لم يكن عنه رواية ثانية كقول المخالِف (٢).
مثال: التيمم عند عدم وجود غير نبيذ التمر، فإن أبا حنيفة قال بأن يتوضأ به ولا يتيمم، وقال أبو يوسف: يتيمم ولا يتوضأ، وهذا رواية عن أبي حنيفة، وقال محمد: يتوضأ به ويتيمم، وقد صحح هذا القول عملاً بالآية (٣).
o يقدم قول أبي يوسف فيما يتعلق بالقضاء؛ لزيادة تجربته فيه، والشهادات (٤).
o يقدم قول محمد في جميع مسائل توريث ذوي الأرحام (٥).
o يقدم قول زفر في سبع عشرة مسألة (٦).
هذه القواعد خاصة ببعض أبواب الفقه، ويُستعان بها عند الترجيح، وأما بقية أبواب الفقه فيرجع إلى القواعد الأخرى.
стр. 44
- النوع الرابع: قواعد الترجيح المتعلقة بالمصطلحات، وقد سبقت الإشارة إليها أيضًا عند الكلام عن مصطلحات المذهب الحنفي (١)، ومنها عبارات وألفاظ تدل على القول الراجح.
فإذا ورد قولان أحدهما مرجَّح فهو معتبر بخلاف الثاني، لكن إذا ذُيِّل كل قول بلفظ من ألفاظ الترجيح فلا بد من الرجوع إلى ما يُبيِّن مرتبة تلك الألفاظ؛ لأنها ليست على درجة واحدة، فيقدم الآكد.
فعلى سبيل المثال:
o إذا صُحِّح كل من القولين بلفظ واحد مثل الصحيح أو عليه الفتوى تخير المفتي إذا لم يجد مرجِّحاً آخر.
o إذا صُحِّح كل من القولين بلفظين مختلفين مثل عليه الفتوى والصحيح، فإن التصحيح بلفظ الفتوى مقدم على غيره؛ لأنه لا يُفتى إلا بما هو صحيح، وليس كل صحيح يُفتى به؛ لكون غيره أوفق لتغير الزمان وللضرورة ونحو ذلك.
o إذا صُحِّح كل من القولين بلفظين مختلفين وأحدهما يفيد الحصر مثل: عليه الفتوى، وبه يفتى، فالأول يفيد الأصحية، ومعنى الثاني أن الفتوى لا تكون إلا بذلك (٢).
стр. 45
المبحث الثالث: المراد بالألفاظ الأساسية التي تضمنها عنوان البحث، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المراد بالمتأخرين في المذهب الحنفي، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: طبقة المتأخرين، تعريفها، نوعها، خصائصها وميزاتها.
المسألة الثانية: قوة المذهب والقول فيه في فترة المتأخرين.
المطلب الثاني: المراد بقولهم: (عليه الفتوى) في المذهب الحنفي، وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: مصطلح (عليه الفتوى)، تعريفه، نوعه، معناه، وأهميته ومكانته.
المسألة الثانية: مصطلحات مشابهة له في اللفظ والقوة.
المسألة الثالثة: دراسة المصطلح من حيث أول من أطلقه وشيوعه في المذهب.
стр. 46
المبحث الثالث: المراد بالألفاظ الأساسية التي تضمنها عنوان البحث
المطلب الأول: المراد بالمتأخرين في المذهب الحنفي:
المسألة الأولى: طبقة المتأخرين، تعريفها، نوعها، خصائصها وميزاتها.
المسألة الثانية: قوة المذهب والقول فيه في فترة المتأخرين.
المسألة الأولى: طبقة المتأخرين، تعريفها، نوعها، خصائصها وميزاتها:
قد سبقت الإشارة إلى هذه الطبقة عند الكلام عن طبقات الفقهاء في المذهب الحنفي (١)، ولعلي أعيد بعض النقاط بشيء من الاختصار.
تعريف طبقة المتأخرين:
هي طبقة زمنية لا علمية تشمل جميع فقهاء المذهب الحنفي الذين عاشوا من بعد موت شمس الأئمة الحلواني (٢) (ت ٤٥٦ هـ) إلى موت حافظ الدين البخاري (٣) (ت ٦٩٣ هـ) (٤).
نوعها: طبقات الفقهاء يمكن تقسيمها باعتبارات معينة، فمن ذلك تقسيمها بناءً على درجات الفقهاء العلمية، ومنها تقسيمها بناءً على وجود الفقهاء الزمني، وطبقة المتأخرين من هذا نوع من أنواع التقسيم.
ومن خصائصها (٥) وميزاتها:
- طولها الزمني، فقد امتدت ما يزيد على قرنين والنصف من الزمن.
стр. 47
- حركة تدوين الفقه سارت في اتجاهين اثنين: الأول: تركيز الجهود على دراسة المصنفات القديمة شرحاً وتعليقاً واختصاراً ونظماً أو جمعاً وترتيباً، والثاني: دراسة الفقه على مبدأ النقد والتنقيح والاختيار.
- فترة وضع المصطلحات المتعلقة بعلامات الإفتاء والترجيح.
- فترة انتشار المختصرات الفقهية، والمتون المعتمدة التي أُلفت فيها حقيقة (١) أو حكماً (٢).
المسألة الثانية: قوة المذهب والقول فيه في فترة المتأخرين:
بناءً على ما سبق من تحديد فترة المتأخرين وذكر بعض خصائصها وميزاتها تبين أنها فترة حافلة بالعلم والعلماء والإبداع وتنظيم العلم وخدمته؛ ففيها ألفت المتون المعتمدة الموضوعة لنقل ظاهر الرواية، وكذلك الشروح عليها.
ويلاحظ فيها تركيز العلماء على أقوال أئمة المذهب المجردة عن الدليل، فحرروها واستدلوا عليها، وبينوا أصول الأئمة، وتوسعوا في المناقشات والرد على المخالف.
وفيها ظهر نوع جديد من النشاط العلمي وهو النقد والتنقيح، ومن ثم اختيار القول الراجح بوضع الألفاظ والمصطلحات الدالة عليه مثل عليه الفتوى.
فما صُحِّح بناءً عليها يعتبر قولًا راجحًا في المذهب.
وكل ذلك أدى إلى تقوية المذهب وتنظيمه، فهي فترة تخريج الأصول، ورجحان القول، والإبداع العلمي، وتنظيم المذهب ومسائله.
стр. 48
المطلب الثاني: المراد بقولهم: (عليه الفتوى) في المذهب الحنفي
المسألة الأولى: مصطلح (عليه الفتوى)، تعريفه، نوعه، معناه، وأهميته ومكانته.
المسألة الثانية: مصطلحات مشابهة له في اللفظ والقوة.
المسألة الثالثة: دراسة المصطلح من حيث أول من أطلقه، وشيوعه في المذهب.
المسألة الأولى: مصطلح (عليه الفتوى)، تعريفه، نوعه، معناه، وأهميته ومكانته:
قد سبقت الإشارة إلى مصطلح (عليه الفتوى) عند الكلام عن مصطلحات المذهب الحنفي بشكل عام، ولا بأس أن نعيد بعض الكلام بشيء من الاختصار.
تعريفه ومعناه: مصطلح (عليه الفتوى) من أقوى المصطلحات المستخدمة للدلالة على القول الراجح في المذهب الحنفي. فإذا اقترن قول من الأقوال في المذهب الحنفي بمصطلح (عليه الفتوى) أو بما شابهه فإنه يصيِّره قولاً راجحاً يُعتمد عليه، ويفتى به.
نوعه: يُعتبر من المصطلحات الخاصة بعلامات الفتوى والترجيح.
أهميته: تظهر أهمية المصطلح إذا نظرنا إلى كثرة الروايات والأقوال عن الأئمة فيقف الباحث حائراً عند محاولة الوصول إلى الراجح منها والمعتمد في المذهب، لكن بعد تذييل المسائل بعلامات الترجيح والفتوى سهل الأمر وقرب.
مكانته: لفظ الفتوى بأي صيغة عُبِّر بها يعتبر دلالة على رجحان القول في المذهب، لكن بعضها آكد من بعض، فلفظ (به يُفتى) يفيد الحصر أي أنه لا يفتى إلا به، وهو آكد من لفظ (عليه الفتوى)؛ لأن الثاني يفيد الأصحية، وليس كل صحيح يُفتى به؛ لكون غيره أوفق لتغير الزمان أو للضرورة كما سبق. (١)
المسألة الثانية: مصطلحات مشابهة له في اللفظ والقوة:
أولا: مصطلحات مشابهة له في اللفظ:
من المصطلحات المشابهة كل ما يمكن التعبير عنه بذكر الحروف الأصلية في كلمة الفتوى، وهي على سبيل المثال لا الحصر: به يُفتى، والفتوى عليه، والفتوى على قوله، وقوله يُفتى به إلخ.
стр. 49
لكن مصطلح (به يُفتى) خاصةً إذا اقترن القول به فإنه يفيد الحصر، بمعنى أنه لا يُفتى إلا به (١)، بخلاف بقية المصطلحات.
ثانياً: مصطلحات مشابهة له في القوة:
ترد بعض المصطلحات في كتب الفقه الحنفي مثل (وبه نأخذ)، و (عليه العمل)، وقد اعتبرها بعض العلماء من المصطلحات المساوية لمصطلح عليه الفتوى (٢)، بل بعضها فُضِّل على لفظ الفتوى؛ لإفادتها الإجماع مثل مصطلح (عليه عمل الأمة) (٣).
المسألة الثانية: دراسة المصطلح من حيث أول من أطلقه، وشيوعه في المذهب:
بعد دراسة مسائل البحث وفيما اطلعت عليه من الكتب لم أجد أحدًا سبق السرخسي صاحب المبسوط في إطلاق عبارة "عليه الفتوى" (٤)، أو "به يُفتى" (٥)، وأما شيوعه في كتب المذهب فقد كثر إطلاقه مع بداية القرن الثامن بخلاف فترة المتأخرين؛ فإنهم لم يطلقوه إلا على مسائل نادرة، والله أعلم.
стр. 50
الفصل الأول: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في العبادات وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: في مسائل الطهارة، وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: الوضوء، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الماء المستعمل.
المسألة الثانية: الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة.
المطلب الثاني: المسح على الجوربين.
المطلب الثالث: صلاة المتيمم إذا رأى النبيذ.
المطلب الرابع: الحيض والاستحاضة، وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: ثبوت حكم الحيض والنفاس والاستحاضة.
المسألة الثانية: نصب العادة للمبتدأة.
المسألة الثالثة: الطهر المتخلل بين الدمين.
المسألة الرابعة: تحديد سن اليأس.
المطلب الخامس: كيفية تطهير الخف ونحوه.
المبحث الثاني: في مسائل الصلاة، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: وقت صلاة المغرب.
المطلب الثاني: السجود على الأنف دون الجبهة.
المطلب الثالث: وقت ابتداء التكبير وانتهائه في أيام عيد الأضحى.
المبحث الثالث: الاحتيال لإسقاط الزكاة.
المبحث الرابع: محرم قتل صيداً في يد محرم آخر.
стр. 51
الفصل الأول: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في العبادات
المبحث الأول: في مسائل الطهارة
المطلب الأول: في مسائل الوضوء:
المسألة الأولى: الماء المستعمل.
المسألة الثانية: الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة.
المسألة الأولى: الماء المستعمل:
الماء المستعمل عند الحنفية هو الماء "المستخدم في البدن" (١)؛ "لإزالة الحدث (٢) بنية القربة" (٣)، وقد "زايل (٤) العضوَ" (٥) و"استقر في موضع" (٦) (٧).
وقيل: يصير مستعملاً بأحد الأمور الثلاثة: رفع الحدث تقرُّباً أو غير تقرُّب، والتقرُّب كان معه رفع الحدث أو لم يكن، وسقوط الفرض عن العضو (٨)، والأول أولى.
стр. 52
والمسألة مذكورة في كتاب اللباب في بداية كتاب الطهارة عند ذكر الروايات عن أبي حنيفة –رحمه الله تعالى- في الماء المستعمل، فقال: "ذكر مشايخ بلخ عن أبي حنيفة ثلاث روايات في الماء المستعمل:
- إحداها: أنه نجس نجاسة مغلظة (كالبول والخمر)، وهي رواية الحسن بن زياد عنه.
- والثانية: أنه نجس نجاسة خفيفة وهي رواية أبي يوسف عنه.
- والثالثة: أنه طاهر غير طهور، وهي رواية محمد بن الحسن عنه.
ومشايخ العراق رووا عن أبي حنيفة أنه طاهر غير طهور رواية واحدة، واختارها المحققون من أصحابنا، وهي القول الأشهر الأقيس الذي عليه الفتوى" (١).
وقد استدل للرواية الأولى من الكتاب والسنة، وللثانية من المعقول، وللثالثة التي وافقت رواية العراقيين –وعليها الفتوى- بحديث عون بن أبي جحيفة قال: "أتيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوئه فمن نائل وناضح، قال: فخرج النبي ﷺ عليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بياض ساقيه، فتوضأ وأذَّن بلال، وقال: فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يقول يمينًا وشمالًا يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، قال: ثم ركزت له عنزة، فتقدم فصلى الظهر ركعتين يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع، ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة" (٢). وفي رواية: "فرأيت بلالاً أخرج وضوءًا، فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء. فمن أصاب منه شيئًا تمسَّح به ومن لم يصب منه شيئًا أخذ من بلل يد صاحبه" (٣).
стр. 53
والشاهد قوله: "فمن نائل وناضح، " ومعناه: فمنهم من ينال منه شيئًا، ومنهم من ينضح عليه غيره شيئًا مما ناله ويرش عليه بللاً مما حصل له، وهو معنى ما جاء في الرواية الثانية المذكرة: فمن لم يصب أخذ من يد صاحبه (١).
وعليه فالحديث دليل على طهارة الماء المستعمل، إن كان ما أخرجه بلال غُسالة أعضاء رسول الله ﷺ ، والأغلب أنها كانت غُسالة أعضائه وإلا لما فعل بها الصحابة ما فعلوا؛ لأن ما يفضل من وضوئه في الإناء مثل ما يفضل من وضوئه من البئر، فلولا كان الذي أخرجه بلال فضل وضوئه لما فعلوا به ما فعلوا.
وأما ما يدل على أنه غير طهور فترك الأولين بجمعه ليتوضأ به مرة بعد أخرى عند فقد الماء مع قلة المياه في الحجاز، واختلافهم فيما إذا وجد ما لا يكفيه من الماء لحدثه هل يجب استعماله أم لا (٢)؟
ويلاحظ أن لأبي حنيفة –﵀ في هذه المسألة ثلاث روايات، وأن الثالثة عن طريق محمد بن الحسن ﵀، وتعتبر ظاهر الرواية، وعليها الفتوى.
فحكم الماء المستعمل عند متأخري الحنفية أنه طاهر غير طهور، والطحاوي من المتقدمين قال بأنه غير طهور فقط، وأنه "لا يجوز توضؤ به ولا الاغتسال" (٣)، ويفهم من كلام الجصاص في شرحه على مختصر الطحاوي أنه يرجح ما سيستقر عليه الحكم عند المتأخرين وما بعدهم بأن الماء المستعمل طاهر أي في نفسه، غير طهور أي غير مطهِّر لغيره (٤).
стр. 54
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
هذه المسألة تحتوي على شقين: الشق الأول: صفة الماء المستعمل، والشق الثاني: حكم الطهارة به، والثاني مبني على الأول؛ لأن الكثير يعبر عن صفة الماء المستعمل بحكم استعماله ثانيةً.
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على طهورية الماء المطلق وجواز الطهارة به، واختلفوا في الماء المستعمل وحكم الطهارة به، وسبب اختلافهم هل الماء المستعمل يتناوله اسم الماء المطلق أم لا (١).
الأقوال في المسألة:
اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافاً كبيرًا، وقد كثرت تفريعاتهم وتنوعت تقسيماتهم، ويمكن إرجاع الخلاف إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: الماء المستعمل طاهر غير طهور، وهو القول الراجح عند الحنفية وعليه الفتوى كما سبق، وقول عند المالكية (٢)، وظاهر مذهب الشافعي (٣)، وهو المذهب عند الحنابلة (٤).
стр. 55
القول الثاني: الماء المستعمل طاهر طهور، وهو المشهور من قول المالكية، لكنه يكره عندهم استعماله مع وجود غيره، فإن لم يجد غيره تطهّر به ولا يتيمم مع وجوده (١)، وقول عند الشافعية (٢)، وهو رواية أخرى عند الحنابلة (٣).
القول الثالث: الماء المستعمل نجس، وهو ورواية مرجوحة عند الحنفية كما سبق، وقول عند الشافعية (٤).
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأن الماء المستعمل طاهر غير طهور بعدة أدلة، من أشهرها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨].
وجه الدلالة: ذكر الماء في الآية مطلقًا، والمطلق ما يتعرض للذات دون الصفات، والاستعمال صفة للماء، وعليه فلا يشمله الاسم المطلق فلا يكون طهوراً. (٥)
الدليل الثاني: حديث عون بن أبي جحيفة السابق ذكره وطرفه: "أتيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم … " الحديث. (٦)
стр. 56
وجه الدلالة: فيه دليل على طهارة الماء المستعمل؛ لأن ما أخرجه بلال غُسالة أعضاء رسول الله ﷺ ، وإلا لما فعل بها الصحابة ما فعلوا، وليس ما فضل عن وَضوئه؛ لأن ما يفضل من وضوئه في الإناء مثل ما يفضل من وضوئه من البئر (١).
وقد يناقش بأنهم كانوا يتمسحون تبركاً وليس طهارة.
فيجاب: بأن التبرك بالنجس لا يجوز (٢).
وقد يناقش أيضاً بأنه من خصائص النبي – ﷺ .
وأما ما يدل على أنه غير طهور فلأن الأولين لم يجمعوا ما سقط عن أعضائهم في أسفارهم مع شدة ضروراتهم لقلة الماء في الحجاز.
وجه الدلالة: ذلك يدل على عدم جواز استعماله وإلا لجمعوه (٣).
قد يناقش بأنهم لم يجمعوا ما سقط عن أعضائهم لاستقباحه؛ ولأنه مما تعافه النفوس، وهذا له ملحظ في الشرع، كما يقال في كراهية أكل بعض الأطعمة أو حرمتها؛ لأن النفوس تستخبثه وتكرهه (٤).
قد يُجاب بأن النفوس لا تستطيبه للشرب والطبخ وغيره، وأما الطهارة فلا.
فيقال بأنه لا يسلم؛ لأن الماء المستعمل لرفع الحدث لا يُستطاب أيضًا لا لنفسه، بل لما يلاقي مواضع الجسد.
стр. 57
الدليل الثالث: حديث أبي هريرة –﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب". فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة، قال: "يتناوله تناولًا" (١).
وجه الدلالة: فيه دليل على أن الماء المستعمل مسلوب الطهورية فلا يتطهر به مرة أخرى؛ إذ لولا أن الاغتسال فيه يخرجه عن كونه يغتسل به مرة أخرى لما نهى عنه (٢).
ونوقش بأن المراد بهذا الحديث النهي عن الاغتسال في الدائم وإن كان كثيرًا لئلا يقذره. (٣)
الدليل الرابع: حديث الحكَم بن عمرو "أن النبي – ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" (٤)، فإذا ثبت أنه لم يُرد ما بقي في الإناء ثبت أنه أراد ما استعمل (٥).
وجه الدلالة: اتفاق العلماء على أن الباقي في الإناء مطهر، فتعين حمله على الساقط وما سال عنها (٦).
ونوقش بأن الحديث معارض بأحاديث صحيحة ثابتة عن غير واحد من الصحابة روَوْا جوازَ الوضوء أو الاغتسال بفضل المرأة (٧)، بل اختلف في صحته (٨).
стр. 58
يجاب بأن الأحاديث الصحيحة الثابتة تُحمل على فضل الماء المتبقي في الإناء، وحديث الحكم بن عمرو يُحمل على فضل الماء المتساقط وما سال عنها (١).
وأما ما ورد عن الاختلاف في تصحيحه، فأقوى ما قيل في تضعيفه قول البخاري في تاريخه، لكنه ظنٌّ لم يذكر الدليل عليه (٢)، ثم هل قوله قصد به النسبة أم حديثه عن الحكم بن عمرو، والسياق يؤيد نفي صحة النسبة (٣).
ويجاب بأن الترمذي جزم في علله أن البخاري يضعف الحديث (٤).
الدليل الخامس: أنه أُديت به عبادة، فلا تُؤدى به عبادة أخرى قياساً على مسألة تحرير الرقبة في الكفارة (٥)، أو قياسا على الجماعة تيمموا في موضع واحد (٦).
نوقش بأنه قياس مع الفارق، فإن الرقبة إذا حرّرت فلا يمكن تحريرها ثانياً، بخلاف الماء المستعمل.
وأما تيمم الجماعة في موضع واحد فيقال بأن القياس غير صحيح؛ لأن المستعمل ما تعلَّق بالعضو، والأرض ليست كالماء، فلا تقبل صفة الاستعمال (٧)، وهو خارج الخلاف.
الدليل السادس: عدم سلامة الماء المستعمل من الأوساخ ودهنية البدن (٨)، فاحتمال تنجسه قائم.
قد يناقش بأن الأوساخ ودهنية البدن ليست من النجاسات الشرعية، بل من الأوساخ، وأكثر ما يقال فيه أنه تستخبثه النفوس ولا تستطيبه.
стр. 59
الدليل السابع: إن المحدث في معنى من على بدنه نجاسة في باب المنع من الصلاة، ثم وجدنا الماء المغسول به النجاسة يحل في حكم النجاسة؛ لأنها به زالت، كذلك الماء المزال به الحدث، ينبغي أن ينتقل حكم الحدث إليه؛ لأنه به زال، فوجب أن يمنع ذلك استعماله للطهارة؛ لقيام حكم الحدث فيه، كما لا يجوز استعمال الماء المغسول به النجاسة.
ونوقش بأنه يجب على هذا ألا يكون مستعملًا إذا توضأ به وهو طاهر، إذا لم يزل به حدث.
يجاب عنه بأن حكم الاستعمال إنما أُلحِق بمعنى آخر غير ما ذُكر في الحديث، وهو القربة به، قياسًا على المحدث.
فإن قيل: العلة في المحدث سقوط الفرض به، وذلك معدوم في المتقرب به لغير حدث.
فيجاب عنه بأنه لا يمتنع القياس عليه بوصف آخر، وهو ما تعلق به من الحكم، فكل ما تعلق به حكم صار مستعملًا، والحكم تارة يكون زوال الحدث، وتارة حصول القربة (١).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بأن الماء المستعمل طاهر طهور بأدلة، منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨].
وجه الدلالة: قوله: ﴿طَهُورًا﴾ يقتضي جوازَ التطهُّرِ به مرةً بعدَ أخرى، فهو على وزن (فَعولٍ) لِمَا يتكرَّر منه الفِعلُ، مثل: شكورٍ، وصبورٍ (٢).
نوقش بأن قوله: ﴿طَهُورًا﴾ معناه مطهرًا، على وجه المبالغة في وصفه بوقوع الطهارة به، ولا دلالة فيه على التكرار، كما يقال: سيف قطوع: ويراد به الوصف بالمبالغة في القطع، ولا يراد به تكرار القطع؛ لأن ذلك قد يحصل بالسيف الكليل، ولا يسمى قطوعًا (٣).
ويجاب بأن حمل الآية على المبالغة لا يمنع حملها على التكرار.
стр. 60
الدليل الثاني: الأحاديث الواردة عن النبي – ﷺ مثل حديث ابن عباس –﵄: "اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء ليتوضأ منها، فقالت: إني كنت جنبًا، فقال: إن الماء لا يُجْنِب" (١)، وما روي عن ابن عباس أيضا "أنه – ﷺ اغتسل فرأى لُمعة لم يصبها الماء، فعصر شعره عليها" (٢) (٣).
ووجه الدلالة من الحديث الأول أن الماء لا يتعدى إليه حكم الجنابة (٤)، ومن الثاني لأن النبي – ﷺ أكمل غسله بالماء المستعمل.
ونوقش بأن الحديث الأول يُحمل على الاغتراف من الماء وليس الانغماس فيه؛ إذ يبعد الاغتسال داخل الجفنة عادة، ولأن (في) بمعنى (من) (٥)، وعليه يحمل معنى عدم إجناب الماء، وأما الحديث الثاني فلم يثبت.
стр. 61
الدليل الثالث: ما روي عن علي وغيره قال: إذا توضأ الرجل فنسي أن يمسح برأسه فوجد في لحيته بللاً، أخذ من لحيته فمسح رأسه (١) (٢).
وجه الدلالة: مسح رأسه ببلل اللحية هو استخدام الماء المستعمل ثانية، فدل على أنه طهور.
نوقش بأن الأثر ضعيف، ثم إن فيه مشكلة فقهية ترد على من يرى الترتيب في الوضوء، وكذلك لو ثبت فإنه لا يفيد استعمال الماء المستعمل؛ لأنه لم ينفصل عن البدن، ولم يستقر في موضع، وعليه فلا يسمى مستعملاً.
يجاب بأنه وإن كان ضعيفاً عن علي –﵁ فقد ثبت عن غيره (٣).
الدليل الرابع: كونه ماءً مطلقًا؛ لأنه في الأغلب ليس ينتهي إلى أن يتغير أحد أوصافه بدنس الأعضاء التي تُغسل به، فإن انتهى إلى ذلك فحكمه حكم الماء الذي تغير أحد أوصافه بشيء طاهر (٤).
قد يناقش بأنه استدلال بمحل النزاع.
الدليل الخامس: لأنه غُسل به محل طاهر، فلم تزل به طهوريته، كما لو غُسل به الثوب (٥).
قد يناقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن غسل الثوب لا يصيِّر الماء مستعملاً شرعاً، بخلاف البدن عند رفع الحدث.
стр. 62
دليل القول الثالث:
استدل القائلون بأن الماء المستعمل نجس بأنه زال عنه إطلاق اسم الماء فصار كما لو تغير بالزعفران (١).
قد يناقش بأنه استدلال بمحل النزاع –كما سبق في مناقشة الدليل الرابع من القول الثاني.
ثم يقال: إنكم منعتم من استعمال الماء المستعمل ثانيةً، فلِم جوَّزتم استعمال الحجر المستعمل ثانية عند الاستجمار؟
يقال: إنهما سواء، لكن جوزنا إعادة الحجر المستعمل ثانية؛ لأن غسله قد أعاده إلى أصله قبل الاستعمال، وهو الطهارة، وكذلك الماء المستعمل لو عاد إلى أصله قبل الاستعمال في مخالطة الماء الكثير الطاهر جوزنا استعماله ثانيةً (٢).
قلت: يمكن مناقشته بأن هناك فرقاً بين غسل الحجر المستعمل وبين مخالطة الماء المستعمل مع الماء الكثير الطاهر؛ لأن الأول يمكن إزالة النجاسة بغير الماء، وكذلك نجاسته منفصلة وليست متحللة بخلاف الثاني، ثم الحجر وما ينوب الماء في الاستجمار يوجد أكثر في الغالب بخلاف الماء الكثير الطاهر حتى نخالطه مع الماء المستعمل.
ثم الصحيح من مذهبكم أن كل ما لا يجوز به رفع الحدث لم يجز إزالة النجاسة به كالماء النجس، (٣) فكيف يمكن غسل الحجر المستعمل بالماء المستعمل؟!، فإن كان الماء مستعملاً نجساً لم يجز غسل الحجر به، وإن كان الغسل بماء طاهر طهور فالاستنجاء به أولى.
الترجيح:
بعد استعراض الأقوال في المسألة وأدلة كل قول مع المناقشات ظهر لي أن القول الثاني القائل بأن الماء المستعمل طاهر طهور أقرب للصواب؛ لعدم قيام أدلة كافية تخرج الماء المستعمل عن أصله، لكن عدم استعماله أولى لأمور:
стр. 63
• خروجاً من الخلاف.
• لأنه مما تعافه النفوس وتستقذره في الغالب.
• وقد يُمنع من الاستخدام إذا ثبت ضرره على صحة الإنسان لكثرة ما يستخدم الآن من الكيماويات في العطور والكريمات والزيوت وغيرها، والله أعلم.
ثمرة الخلاف:
تظهر ثمرة الخلاف في بعض المسائل، منها:
١. لو توضأ إنسان بالماء المتقاطر عن المتوضئ بأن يكون في موضع عالٍ وهو يأخذ الماء من الهواء قبل وصوله إلى الأرض يصح عند من يرى أن الماء المستعمل طاهر طهور، وعند من يرى أنه لم يصبح مستعملاً بمجرد مفارقة العضو بل لا بد من استقراره في موضع، ولا يصح عند من يرى أن الماء المستعمل طاهر غير طهور وأصبح مستعملًا بمجرد مفارقة العضو، كما لا يصح عند من يرى أن الماء المستعمل نجس.
٢. لو أن إنساناً تطهَّر من حوض صغير، أو من إناء كبير، ثم صب ماءه الذي تطهر فيه في إناء آخر، فتوضأ به آخر صح وضوؤه عند من يرى أن الماء المستعمل طهور، ولا يصح عند من يرى أنه نجس أو غير طهور.
٣. لو أن إنساناً توضأ ومسح رأسه ببلل شعر زوجته بعد غسلها من الجنابة يصح وضوؤه عند من يرى أن الماء المستعمل طهور، ومن يرى أنه نجس أو غير طهور فلا يصح عنده.
٤. لو أن شخصاً جمع ماءً في حوض الاستحمام حتى امتلأ ثم اغتسل فيه من الجنابة، فهل له أن ينغمس فيه ويغتسل فيه من الجنابة مرة أخرى أو يتوضأ منه؟ فمن يرى أن الماء المستعمل نجس أو غير طهور فلا يرى ذلك، والعكس عند من يرى أنه طهور.
стр. 64
المسألة الثانية: الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة (١):
هذه المسألة تأتي في كتب الحنفية تحت باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز، وفيه مسائل فرعية كثيرة تتعلق بالمياه وتحديد الراكد منها والجاري، وحكمها إذا خالطتها أشياء طاهرة أو نجسة.
وعند تعيين الحد الفاصل بين الحوض الصغير والكبر (٢) ذكروا مسألة الغدير العظيم إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيْه، فجوزوا الوضوء منه إذا كان لا يتحرك أحد طرفين بتحريك الطرف الآخر، (٣) ثم اختلفوا في المعتبر به عند التحريك على ثلاثة أقوال: (٤)
القول الأول: إن التحريك يعتبر بالاغتسال؛ لأن الحاجة إلى الاغتسال أشد منها إلى التوضؤ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف –رحمهما الله-.
القول الثاني: عن أبي يوسف رواية أخرى أنه يعتبر باليد.
القول الثالث: وعن محمد –﵀ أنه يعتبر بالتوضؤ.
стр. 65
стр. 66
وعليه الفتوى (١).
وجاء في المبسوط ما يفيد أن الرواية الصحيحة عن أبي حنيفة –﵀ أنه اعتبر تحريك المتوضئ (أو ظنه وصول النجاسة إلى الجانب الآخر) (٢) وأبو يوسف ﵀ اعتبر تحريك المنغمس، وأما التقدير بالمساحة فقد روي عن محمد –﵀، والمشهور عنه لما سئل عن هذا فقال: "إن كان مثل مسجدي هذا فهو كبير"، فلما قام مسحوا مسجده فروي أنه كان ثمانيًا في ثمانٍ، وروي أنه اثنا عشر في اثني عشر، فكان من روى ثمانيًا في ثمانٍ مسح المسجد من داخل، ومن روى اثني عشر مسحه من خارج، لكنه رجع إلى قول أبي حنيفة-﵀، وقال: لا أقدر فيه شيئًا (٣).
وإذا ثبت ذلك فمعناه أن القول المعتمد في هذه المسألة -الذي ينبغي أن تكون عليه الفتوى وفق قواعد الترجيح في المذهب الحنفي- هو ما رُوي عن أبي حنيفة وما رجع إليه محمد –رحمهما الله- من أن المعتبر هو تحريك المتوضئ وغلبة ظنه؛ لأنه اتفق قول الإمام وأحد صاحبيه، فيؤخذ بقولهما إلا لضرورة أو موجب.
ولعل المتأخرين رأووا موجباً فيما ذكروه من توسعة لأمر الناس، والله أعلم.
стр. 67
وأما المتقدمون من الحنفية فكانوا يقولون أولاً بغلبة الظن والاجتهاد في طلب الطاهر من الماء إذا خالطته النجاسة، فما غلب في الظن أن النجاسة وصلت إليه لم يجز استعماله، ثم جعلوا تحرك أحد الطرفين بتحرك الطرف الآخر جهة تغلب الرأي في بلوغ النجاسة إليه (١)، ثم اختلفوا في المعتبر من التحريك –كما سبق-، ثم استقر قول المتأخرين على أن الغدير العظيم يقدر بالمساحة لموجب التوسعة على الناس (٢).
وتبين مما سبق أن الغدير العظيم عند الحنفية حد فاصل بين الماء القليل والكثير، وكذلك يعتبر فاصلاً بين الماء الراكد والجاري أو ما في حكم الجاري.
فالحنفية يرون أن الماء القليل الراكد إذا وقعت فيه النجاسة لم يجز الوضوء به، قليلاً كانت النجاسة أو كثيراً لحديث المستيقظ من منامه، وحديث: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه"، وسيأتي تخريجهما (٣).
بخلاف الماء الكثير أو ما في حكم الجاري مثل الغدير العظيم المقدر بعشرة أذرع في عشرة أذرع، لكن إن كانت النجاسة مرئية لا يتوضأ من موضع النجاسة، بل من الجانب الآخر، وإن كانت غير مرئية يتوضأ من جميع الجوانب، وكذا من موضع غُسالته، ثم استقر القول بجواز الوضوء من جميع جوانب الغدير توسعة لأمر الناس (٤).
دراسة المسألة دراسة مقارنة
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على أن الماء إذا وقعت فيه النجاسة وتغير أحد أوصافه (اللون أو الطعم أو الرائحة) فإنه نجس، سواء كان كثيراً أم قليلاً (٥).
стр. 68
كما اتفقوا على أن الماء الكثير إذا وقعت فيه النجاسة ولم تغير شيئاً من أوصافه فإنه طاهر (١).
واختلفوا في حكم الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة ولم تغير أحد أوصافه؛ هل يحكم بتنجسه لوقوع النجاسة فيه أم بطهارته لعدم تغير شيء من أوصافه، على قولين رئيسين، وسبب اختلافهم في هذه المسألة اختلافهم في تحديد الماء القليل والكثير، وكذلك اختلافهم في كيفية الجمع بين تعارض ظواهر الأحاديث الواردة فيها.
الأقوال في المسألة (٢):
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة ولم تغير أحد أوصافه نجسٌ ولا يجوز الوضوء منه:
وهو القول الراجح عند الحنفية، وعليه الفتوى، وعندهم القليل ما دون قدر الغدير العظيم –كما سبق- (٣).
وهو قول عند المصريين من أصحاب مالك (٤).
стр. 69
وهو قول الشافعية إلا أنهم يفرقون بين الماء القليل والكثير بقدر القلتين، فما زاد عليهما فهو كثير، وما نقص منهما فهو قليل، (١).
وهو أيضاً قول الحنابلة إلا أنهم اشترطوا في النجاسة أن تكون غير البول والعذرة المائعة (٢)، وأدلتهم أدلة الشافعية –كما سيأتي-.
القول الثاني: إذا سقطت في الماء نجاسة فلم تغير لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو طاهر مطهر بغض النظر عن كثرة الماء أو قلته، وهو قول المالكية (٣).
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل فقهاء الحنفية بأن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغير أحد أوصافه نجسٌ ولا يجوز الوضوء منه بأدلة، منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وجه الدلالة: أن النجاسات من الخبائث؛ لأنها محرمة إذ كان في استعماله استعمال الخبائث التي حرمها الله.
قد يناقش بأن الآية في المطاعم والمشارب (٤)، وتحريم الأكل أو الشرب لا يلزم منه تحريم الاستعمال كما في تسميد المزروعات بالنجاسات.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وقال في الخمر: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].
стр. 70
وجه الدلالة: لم يفرق بين حال انفرادها واختلاطها بالماء، فعموم هذه الآيات يوجب تحريم استعمال الماء الذي فيه جزء من النجاسة (١).
قد يناقش بأن التفريق حصل في حديث الأعرابي الذي بال في ناحية المسجد عند من يرى نجاسة الخمر، ومن يرى طهارتها فالدليل ليس في محله ابتداءً، ثم هذه الآيات فيما يؤكل ويشرب (٢)، وتحريم الأكل أو الشرب لا يعني تحريم الاستعمال كما سبق.
الدليل الثالث: حديث أبي هريرة –﵁ أن النبي – ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده" (٣).
وجه الدلالة: لما كان النهي عن الغمس لأجل احتمال النجاسة، فحقيقة النجاسة أولى أن يكون نجساً (٤).
قد يناقش بأنه ليس لاحتمال النجاسة بل لأمر تعبدي (٥)، وإلا لما كان هناك فرقاً بين النوم بالليل والنوم بالنهار (٦).
الدليل الرابع: حديث أبي هريرة –﵁ أنه سمع النبي – ﷺ يقول: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه" (٧)، وعند مسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه" (٨).
стр. 71
وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن قليل النجاسة ينجّس قليل الماء (١).
ونوقش بأنه خاص بالبول (٢).
قد يجاب عنه بأن العلة سرعة انتشار البول في الماء وهذا متأتى في غيره من النجاسات.
الدليل الخامس: قياس نجاسة الثوب على نجاسة الماء، فإذا كانت على الثوب منعت الصلاة فيه، سواء كانت مرئية أو غير مرئية إذا كانت معلومة، وكذا الماء إذا وقعت فيه نجاسة (٣).
وقد يناقش بأكثر من وجه:
- الوجه الأول: ما ورد من الأحاديث الدالة على طهارة الماء القليل إذا خالطته النجاسة ولم تغيره تفرِّق بين النجاسة على الثوب والنجاسة في الماء، فالأولى تزال وتغسل وكثرتها أو قلتها لا أثر له في الحكم بخلاف الثانية فإن كثرة النجاسة أو قلتها أمر مؤثر في الحكم.
- الوجه الثاني: إن هناك فرقاً بين الثوب والماء؛ لأن الماء إذا كوثر فإنه يطهر بخلاف الثياب فإنها لا تطهر لو افترضنا لبس الملابس الطاهرة على النجسة.
- الوجه الثالث: النجاسة في الماء تستحيل وتنتشر بخلاف الثياب، فهو قياس مع الفارق.
стр. 72
واستدلت الشافعية على أن الماء القليل ينجس إذا وقعت فيه نجاسة بحديث القلتين، وفيه أن النبي – ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" (١)، وقد فرقوا به بين الماء القليل والكثير (٢).
وهو دليل الحنابلة أيضاً إلا أنهم اشترطوا في النجاسة أن تكون غير البول والعذرة المائعة (٣).
وجه الدلالة: مفهوم الحديث يدل على أن ما كان دون القلتين ينجس.
стр. 73
ونوقش بأنه دلالة المفهوم، وأصحاب القول الثاني استدلوا –كما سيأتي- بظاهر القرآن، وأيضاً حديث بئر بضاعة استدلال بالمنطوق وهو مقدم على المفهوم إجماعاً (١).
ونوقش أيضًا بأنه حديث مضطرب ومختلف فيه في بعض ألفاظه وبعض رواته.
يجاب عنه بأنه صححه بعض الأئمة، فإنهم جمعوا بين روايات الحديث، وأجابوا عن بعضها (٢).
ونوقش أيضاً بأنه يخالف إجماع الصحابة فيما روي عن ابن عباس ﵄ أنه أمر في زنجي وقع في بئر زمزم بنزح ماء البئر كله، ولم يظهر أثره في الماء، وكان الماء أكثر من قلتين، وذلك بمحضر من الصحابة ﵃ ولم ينكر عليه أحد فانعقد الإجماع من الصحابة على ذلك (٣).
يجاب عنه بأنه أثر لم يثبت (٤)، ولو صح فإنه يحمل على التنظيف لا الوجوب (٥).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بأن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغير أحد أوصافه طاهر مطهر بأدلة، منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨].
وجه الدلالة: ظاهر الآية يدل على أن الماء المنزل من السماء له أوصاف، والنجاسة إذا لم تغير شيئًا من تلك الأوصاف فإن الماء يبقى على ما كان عليه من طهوريته (٦).
стр. 74
الدليل الثاني: حديث بئر بضاعة من طريق أبي سعيد الخدري –﵁ أن النبي– ﷺ قال: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (١)، وفي رواية: "الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه ريحه أو طعمه" (٢).
وجه الدلالة: الحديث بمنطوقه دليل على أن الماء لا يتنجس إلا إذا غلب عليه شيء فغير طعمه أو ريحه أو لونه، والنجاسة إذا لم تغيِّر شيئاً من ذلك فإن الماء ما زال طاهرًا مطهرًا (٣).
ونوقش بأنه حديث عام أريد به خاص، وهو القلتان فصاعداً (٤)، فيخصص بحديث القلتين.
ونوقش أيضًا بأن قوله – ﷺ : "لا ينجسه شيء" يحمل على الماء الذي طرأ بعد إخراج النجاسات من البئر.
ويجاب بأن حيطان البئر لم تغسل وطينها لم يخرج، فحمل معنى الحديث على الماء بعد إخراج النجاسة من البئر ليس بصحيح (٥).
стр. 75
الدليل الثالث: حديث أنس بن مالك –﵁ أن أعرابيًّا قام إلى ناحية من المسجد فبال فيها، فصاح به الناس، فقال رسول الله ﷺ : "دعوه". فلما فرغ أمر رسول الله ﷺ بذَنوب فصب على بوله (١).
وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن قليل النجاسة لا يفسد قليل الماء؛ لأنه من المعلوم أن ذلك الموضع قد طهّر من الذَّنوب (٢).
الترجيح:
بعد استعراض الأقوال في المسألة وأدلة كل قول مع المناقشات ظهر لي أن القول الثاني القائل بأن الماء القليل إذا خالطته النجاسة ولم تغيره طاهر هو أقرب إلى الرجحان لوضوح الأدلة وقوتها.
وما يتعلق بالماء الجاري والراكد فينبغي التنبه إلى أن مفهوم التفريق بينهما قد تغير لوجود المسابح والجاكوزيات والنافورات التي صُممت على أن ماءها يجري لكن بشكل متكرر، وعليه يمكن أن يصبح الماء القليل جداً جارياً (٣).
فلذلك تعليق الحكم على قلة الماء أو كثرته أولى من تعليقه على جريانه أو ركوده، وأفضل من ذلك كله تعليق الحكم على أوصاف الماء الظاهرة من اللون والطعم والرائحة.
ومن الآثار المترتبة على رجحان القول الثاني حفظ الماء وعدم هدره، بخلاف القول الأول، فإن في رجحانه هدراً لكثير من المياه إذ لا تستعمل لمجرد وقوع النجاسة فيها إذا كانت دون القلتين كما عند الشافعية والحنابلة أو دون الغدير العظيم كما عند الحنفية.